خبر جهجاه وسنان على الماء
وبينا المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل سنان بن وبر الجهنيّ- وقيل: هو سنان بن تيم اللَّه، وهو من جهينة بن سود بن أسلم- حليف الأنصار- ومعه فتيان من بني سالم يستقون. [وعلى] [ (١) ] الماء جمع من المهاجرين والأنصار. فأدلى دلوه، وأدلى جهجاه بن مسعود بن سعد بن حرام الغفاريّ- أجير عمر بن الخطاب ﵁ دلوه.
تنازعهما واختلاف المهاجرين والأنصار
فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه وتنازعا، فضرب جهجاه سنانا فسال الدم، فنادى: يا للخزرج! وثارت الرجال، فهرب جهجاه وجعل ينادى في العسكر:
يا لقريش! يا لكنانة! فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة، فقام رجال في الصلح فترك سنان حقه.
تحريض عبد اللَّه بن أبيّ وما كان من مقالته في ذلك
وكان عبد اللَّه بن أبيّ جالسا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: واللَّه ما رأيت كاليوم مذلة! واللَّه إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكن قد غلبوني. قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا، واللَّه ما صرنا وجلابيب [ (٢) ] قريش هذه إلا كما قال القائل: «سمّن كلبك يأكلك» ، واللَّه لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير [ (٣) ] ، واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم [ (٤) ] في أموالكم حتى استغنوا. أما واللَّه لو أمسكتم [عنهم ما] [ (٥) ] بأيديكم لتحولوا [ (٦) ] إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم
стр. 247
أنفسكم- أغراضا [ (١) ] للمنايا فقتلتم دونهم [ (١) ] ، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا.
إبلاغ زيد بن أرقم رسول اللَّه مقالة عبد اللَّه بن أبيّ
وكان زيد بن أرقم حاضرا- وهو غلام لم يبلغ أو قد بلغ- فحدّث رسول اللَّه ﷺ بذلك، وعنده نفر من المهاجرين والأنصار، فتغير وجهه ثم قال:
يا غلام، لعلك غضبت عليه؟ قال: لا واللَّه، لقد سمعت منه. قال: لعله أخطأ سمعك! قال: لا يا نبي اللَّه. قال: فلعله شبه عليك؟ قال: لا واللَّه لقد سمعت منه يا رسول اللَّه.
وشاع في العسكر ما قاله ابن أبيّ، حتى ما كان للناس حديث إلا هو. وأنّب جماعة من الأنصار زيد بن أرقم، فقال- في جملة كلام-: وإني لأرجو أن ينزل اللَّه على نبيه، حتى تعلموا أني كاذب أم غيري. وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول اللَّه! مر عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره ذلك
وقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.
وبلغ الخبر ابن أبيّ، فحلف باللَّه ما قال من ذلك شيئا، ثم مشى [ (٢) ] إلى رسول اللَّه ﷺ وحلف باللَّه ما قال.
رحيل رسول اللَّه بعد مقالة المنافقين
وأسرع رسول اللَّه ﷺ عند ذلك السير، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها.
فأقبل عمر بن الخطاب ﵁ حتى جاء رسول اللَّه ﷺ وهو في فيء شجرة عنده غليم أسيود يغمز ظهره [ (٣) ] فقال: يا رسول اللَّه! كأنك تشتكي ظهرك! فقال: تقحّمت بي الناقة [ (٤) ] الليلة. فقال عمر: يا رسول اللَّه، ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ في مقالته. فقال: لا يتحدث الناس أن محمدا قتل أصحابه.
طلوع رسول اللَّه على العسكر ومقالة سعد بن عبادة
ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول اللَّه ﷺ قد طلع على راحلته وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا أنه لما جاءه ابن أبيّ رحل في تلك
стр. 248
الساعة، فكان أوّل من لقيه سعد بن عبادة ﵁، ويقال: أسيد بن حضير. فقال: خرجت يا رسول اللَّه في ساعة ما كنت تروح فيها! قال:
أو لم يبلغك ما قال صاحبكم ابن أبيّ، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزّ منها الأذلّ؟
قال: فأنت يا رسول اللَّه تخرجه إن شئت، فهو الأذل وأنت الأعز، يا رسول اللَّه! ارفق به، فو اللَّه لقد جاء اللَّه بك وإن قومه لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه، فما يرى إلا قد سلبته ملكه.
تصديق اللَّه خبر زيد بن أرقم
وبينا رسول اللَّه ﷺ يسير من يومه ذلك- وزيد بن أرقم يعارضه براحلته يريد وجهه،
ورسول اللَّه ﷺ يستحث راحلته فهو مغذّ في المسير- إذ نزل عليه الوحي فسرّي [ (١) ] عنه، فأخذ بأذن زيد بن أرقم حتى ارتفع عن مقعده عن راحلته وهو يقول: وفت [ (٢) ] أذنك يا غلام وصدّق اللَّه حديثك!
ونزل في ابن أبيّ:
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [ (٣) ] وكان عبادة بن الصامت قبل ذلك قال لابن أبيّ:
ايت رسول اللَّه يستغفر لك، فلوى رأسه معرضا، فقال له عبادة: واللَّه لينزلنّ في ليّ رأسك قرآن يصلّى به. ومرّ عبادة بن الصامت بابن أبيّ- عشية راح رسول اللَّه ﷺ من المريسيع، وقد نزل فيه القرآن- فلم يسلّم عليه، ثم مرّ أوس بن خوليّ فلم يسلّم عليه، فقال: إن هذا الأمر قد تمالأتما عليه. فرجعا إليه فأنّباه [ (٤) ] وبكّتاه بما صنع، وبما نزل القرآن إكذابا لحديثه. فقال: لا أعود أبدا.
حديث عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي عن أبيه وخبره
وجاء ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ فقال: يا رسول اللَّه، إن كنت تريد أن تقتل [ (٥) ] أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فو اللَّه لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم
стр. 249
من مجلسك هذا. واللَّه لقد علمت الخزرج ما كان فيها [ (١) ] رجل أبرّ بوالده [ (١) ] مني، وإني لأخشى- يا رسول اللَّه- أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن انظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ومنّك أعظم.
فقال رسول اللَّه ﷺ : ما أردت قتله، وما أمرت به، ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا.
فقال: يا رسول اللَّه! إن أبي كانت هذه البحيرة قد استقوا [ (٢) ] عليه ليتوجوه، فجاء اللَّه بك فوضعه ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به [ (٣) ] يذكرونه أمورا قد غلب اللَّه عليها. وقال عبد اللَّه في ذلك شعرا.
سير رسول اللَّه
ولما خرجوا من المريسيع قبل الزوال لم ينخ [ (٤) ] أحد إلا لحاجة أو لصلاة، ورسول اللَّه ﷺ يستحث راحلته بالسوط في تراقيها [ (٥) ] حتى أصبحوا، ومدّوا يومهم حتى انتصف النهار، ثم راحوا مردين [ (٦) ] ، فنزل من الغد ماء يقال له:
بقعاء.
الريح التي أنذرت بموت كهف المنافقين رفاعة بن التابوت
فأخذتهم ريح شديدة- اشتدت إلى أن زالت الشمس ثم سكنت آخر النهار- حتى أشفقوا منها، وسألوا رسول اللَّه ﷺ عنها، وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث.
فقال ﷺ : ليس عليكم بأس منها، فما بالمدينة من نقب [ (٧) ] إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها
стр. 250
عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة: فلذلك عصفت الريح.
وكان موته للمنافقين غيظا شديدا، وهو رفاعة بن زيد بن التابوت [ (١) ] [أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين] [ (٢) ] ، مات ذلك اليوم. وكانت هذه الريح أيضا بالمدينة حين دفن عدو اللَّه فسكنت.
جزع المنافقين لموته
وقال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبيّ: أبا حباب! مات خليلك. قال:
أي أخلائي؟ قال: من موته فتح للإسلام وأهله! رفاعة بن زيد [ (١) ] بن التابوت، قال: يا ويلاه! كان واللَّه وكان وكان، وجعل يذكر. فقال له عبادة: اعتصمت واللَّه بالذّنب الأبتر! قال: من خبّرك يا أبا الوليد بموته؟ قال: رسول اللَّه أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة، فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا. فلما دخلوا المدينة وجدوا عدو اللَّه مات في تلك الساعة.
خبر ناقة رسول اللَّه التي فقدت، ومقالة المنافق
وفقدت ناقة رسول اللَّه ﷺ القصواء- من بين الإبل وهي سارحة، فتطلبها المسلمون في كل وجه، فقال زيد بن اللصيت [القينقاعي] [ (٣) ] وكان منافقا: أفلا يخبره اللَّه بمكان ناقته! فأنكر القوم ذلك عليه، وأسمعوه كل مكروه، وهموا به،
فهرب إلى رسول اللَّه ﷺ متعوذا به وقد جاءه الوحي بما قال، فقال- والمنافق يسمع-: إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول اللَّه وقال:
ألا يخبره اللَّه بمكانها؟ فلعمري أن محمدا ليخبر بأعظم من شأن الناقة! ولا يعلم الغيب إلا اللَّه، وإن اللَّه قد أخبرني بمكانها، وأنها في هذا الشعب: مقابلكم، قد تعلق زمامها بشجرة، فاعمدوا عمدها. فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول اللَّه ﷺ .
стр. 251
حماية النقيع لخيل المسلمين
ولما مرّ رسول اللَّه ﷺ بالنقيع [ (١) ] رأى سعة وكلأ وغدرا [ (٢) ] كثيرة، فأمر حاطب بن أبي بلتعة أن يحفر به بئرا، وأمر بالنقيع أن يحمى، واستعمل عليه بلال ابن الحارث المزني، قال: وكم أحمي منه يا رسول اللَّه؟ قال: أقم رجلا صيتا- إذا طلع الفجر- على هذا الجبل فحيث انتهى صوته، فاحمه لخيل المسلمين وإبلهم التي يغزون عليها. قال: يا رسول اللَّه، أفرأيت ما كان من سوائم [ (٣) ] المسلمين؟ فقال:
لا يدخلها. قال: أرأيت المرأة والرجل الضعيف يكون له الماشية اليسيرة وهو يضعف عن التحول؟ قال: دعه يرعى.
وسبّق ﷺ يومئذ بين الخيل والإبل، فسبقت القصواء الإبل وعليها بلال، وسبق فرسه الظرب وعليه أبو أسيد الساعديّ.
بدء حديث الإفك
وكان حديث الإفك [ (٤) ] ، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ نزل منزلا ليس معه ماء، وسقط عقد عائشة ﵂ من عنقها، فأقام ﷺ بالناس حتى أصبحوا، وضجر [ (٥) ] الناس وقالوا: حبستنا عائشة. فضاق بذلك أبو بكر ﵁ وعاتب عائشة عتابا شديدا.
نزول آية التيمم
ونزلت آية التيمم
فقال رسول اللَّه ﷺ : كان من قبلكم لا يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم، وجعلت لي الأرض طهورا حيثما أدركتني الصلاة.
ونزلت آية التيمم عند طلوع الفجر، فمسح المسلمون أيديهم بالأرض، ثم مسحوا أيديهم إلى
стр. 252
المناكب ظهرا وبطنا. وكانوا يجمعون مع رسول اللَّه ﷺ بين الصلاتين في سفره.
مسابقة رسول اللَّه عائشة
ثم صاروا ونزلوا حوضا دمثا [ (١) ] طيبا ذا أراك،
فقال رسول اللَّه ﷺ : يا عائشة! هل لك في السباق؟ قالت: نعم! فتحزّمت ثيابها، وفعل ذلك النبي ﷺ ، ثم استبقا، فسبق ﷺ عائشة ﵂، فقال: هذه بتلك السبقة التي كنت سبقتني. وكان جاء إلى منزل أبي بكر ﵁، ومع عائشة شيء فقال: هلميه! فأبت وسعت، وسعى في أثرها، فسبقته.
خرّج أبو داود من حديث هشام بن عروة عن أبيه، وعن أبي سلمة عن عائشة أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك السبقة [ (٢) ] . وخرجه أبو حبان به ولفظه: سابقني النبي ﷺ فسبقته فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني النبي ﷺ فسبقني، فقال: هذه بتلك. وكانت هذه الغزوة قبل أن يضرب الحجاب.
تخلف عائشة ومجيء صفوان وحديث الإفك
وكان يرحل بعير عائشة ﵂ أبو مويهبة [ (٣) ] ورجل آخر، وكانت تقعد في هودج [ (٤) ] ، فحمل الهودج وهو يظنها فيه- لخفة النساء يومئذ من قلة أكلهن- وساروا وقد ذهبت عائشة لحاجتها وتجاوزت العسكر، وفي عنقها عقد من جزع ظفار [ (٥) ] فانسل من عنقها ولا تدري به، فرجعت تلتمسه حتى وجدته، ثم عادت وليس في العسكر أحد، فاضطجعت ونامت، فجاء صفوان بن المعطل ابن ربيضة [ (٦) ] بن خزاعيّ بن محارب بن مرّة بن فالج [ (٦) ] بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة
стр. 253
ابن سليم السلمي ثم الذّكواني أبو عمرو- وكان في السّاقة [ (١) ]- فاسترجع لما رآها، فاستيقظت وخمرت [ (٢) ] وجهها بملحفتها. فلم يكلمها، وأناخ بعيره وولى عنها حتى ركبت، وقاد بها حتى أتى العسكر. فقال أصحاب الإفك- وكبيرهم عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول- ما قالوا، حتى بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فتغير لعائشة وهي لا تشعر، حتى أعلمتها أم مسطح ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ابن قصي، وكانت أمها خالة أبي بكر ﵁. فأتت أبويها لتستيقن الخبر، فوجدت عندهما العلم بما قاله أهل الإفك. فبكت ليلتها حتى أصبحت.
استشارة رسول ﷺ اللَّه أصحابه في فراق عائشة
واستشار رسول اللَّه ﷺ عليا وأسامة في فراق عائشة. فقال أسامة: هذا الباطل والكذب، ولا نعلم إلا خيرا.
وقال عليّ: لم يضيق اللَّه عليك، والنساء كثير، وقد أحلّ اللَّه لك وأطاب، فطلقها وأنكح غيرها.
وخلا ﷺ ببريرة وسألها فقالت: هي أطيب من طيب الذهب، واللَّه ما أعلم عليها إلا خيرا، واللَّه يا رسول اللَّه لئن كانت على غير ذلك ليخبرنك اللَّه بذلك، ألا إنها جارية ترقد عن العجين حتى تأتي الشاة فتأكل عجينها. وسأل زينب بنت جحش فقالت: حاشى سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا، واللَّه ما أكلمها، وإني لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق. وسأل أم أيمن فقالت: حاشى سمعي وبصري أن أكون علمت أو ظننت بها قط إلا خيرا.
خطبة النبي ﷺ في أمر الإفك واختلاف الأوس والخزرج
ثم صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: من يعذرني ممن يؤذيني في أهلي؟
ويقولون لرجل، واللَّه ما علمت على ذلك الرجل إلا خيرا، وما كان يدخل بيتا من بيوتي إلا معي، ويقولون عليه غير الحق!
فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك
стр. 254
منه يا رسول اللَّه، إن يك من الأوس آتيك برأسه، وإن يك من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك يمضي لك. فقام سعد بن عبادة- وقد غضب منه- فقال: كذبت لعمر اللَّه، لا تقتله ولا تقدر [ (١) ] على قتله. فقال أسيد بن حضير: كذبت، واللَّه ليقتلنه وأنفك راغم. وكادت تكون فتنة، فأشار رسول اللَّه ﷺ بيده إلى الأوس والخزرج أن اسكتوا، ونزل عن المنبر، فهدّأهم وخفضهم حتى انصرفوا.
دخول رسول اللَّه ﷺ على عائشة وحديثهما
ودخل على عائشة- وقد مكث شهرا قبل ذلك لا يوحى إليه في شأنها- فتشهد ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة يبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بشيء مما يقول الناس فاستغفري اللَّه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى اللَّه تاب اللَّه عليه.
فقالت لأبيها: أجب عني رسول اللَّه. قال: واللَّه ما أدري ما أقول وما أجيب به عنك! فقالت لأمها: أجيبي عني. فقالت: واللَّه ما أدري ما أجيب به. فقالت: إني واللَّه قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم فصدقتم به! فلئن قلت لكم إني بريئة [ (٢) ] لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم اللَّه أني منه بريئة لتصدقنني، وإني واللَّه ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [ (٣) ] ، فقال أبو بكر ﵁: ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر، واللَّه ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد [ (٤) ] اللَّه، فيقال لنا في الإسلام! وأقبل عليها مغضبا فبكت.
نزول القرآن ببراءة عائشة
فغشي رسول اللَّه ﷺ ما كان يغشاه وسجى [ (٥) ] بثوبه، وجمعت وسادة من أدم تحت رأسه، ثم كشف عن وجهه وهو يضحك ويمسح جبينه وقال: يا عائشة، إن اللَّه قد أنزل براءتك. فأنزل اللَّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي
стр. 255
تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [ (١) ] فخرج ﷺ إلى الناس مسرورا، فصعد المنبر وتلا على الناس ما نزل عليه في براءة عائشة ﵂. ويقال: كان نزول براءة عائشة ﵂ بعد قدومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلة.
أصحاب الإفك
وكان الذين خاضوا في الإفك مع ابن أبيّ: مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. فضربهم رسول اللَّه ﷺ الحد. قال الواقدي: وقيل: لم يضربهم [ (٢) ] ، وهو أثبت.
إصلاح رسول اللَّه ﷺ بين الأوس والخزرج
ومكث رسول اللَّه ﷺ أياما، ثم أخذ بيد سعد بن معاذ في نفر حتى دخل على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثوا ساعة، وقرب لهم سعد بن عبادة طعاما فأصابوا منه وانصرفوا. فمكث أياما، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثوا ساعة، وقرب لهم سعد بن معاذ طعاما، فأصابوا [منه] [ (٣) ] ، ثم خرجوا، فذهب من أنفسهم ما كانا تقاولا من ذلك القول.
стр. 256
مقالة عبد اللَّه بن أبيّ في جعيل بن سراقة
وكان عبد اللَّه بن أبي بن سلول [وسلول أمه، وإنما هو أبيّ بن مالك بن الحارث ابن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عمرو بن الخزرج] لما قال- وذكر جعيل ابن سراقة الغفاريّ. ويقال: الضمريّ، وجهجاه بن مسعود، ويقال: ابن سعيد ابن حرام بن غفار الغفاريّ، وكانا من فقراء المهاجرين- قال: ومثل هذين يكثّرا على قومي، وقد أنزلنا محمدا في ذروة كنانة وعزها؟ واللَّه لقد كان جعيل يرضى أن يسكت فلا يتكلم، فصار اليوم يتكلم!.
مقالته في صفوان
ثم كان من كلامه- في صفوان بن المعطل بن ربيعة بن الخزاعي بن محارب ابن مرة بن فالج [ (١) ] بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة [ (١) ] بن سليم السلميّ- ما كان، ورميه بالإفك. قال حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري ﵁:
أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد [ (٢) ]
وفي أبيات أخر.
خبر صفوان بن المعطل في ضرب حسان بن ثابت
فجاء صفوان بن المعطل- بعد ما قدموا المدينة- إلى جعيل بن سراقة فقال:
انطلق بنا نضرب حسان، فو اللَّه ما أراد غيرك وغيري، ولنحن أقرب إلى رسول اللَّه منه، فأبي جعيل أن يذهب إلا بأمر رسول اللَّه ﷺ وخرج صفوان مصلتا بالسيف، حتى ضرب حسان بن ثابت في نادي قومه. فوثب الأنصار فأوثقوه رباطا، وولي ذلك منه ثابت بن قيس بن شماس [بن زهير] [ (٣) ] بن مالك بن
стр. 257
امرئ القيس بن مالك الأغر الأنصاري- فمرّ به عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري [ (١) ] فخلّى عنه.
وجاء به وبحسان إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال حسان: يا رسول اللَّه شهر علي السيف في نادي قومي، ثم ضربني لأن أموت ولا أراني إلا ميتا من جراحاتي!
فقال [ ﷺ ] لصفوان: ولم ضربته وحملت السلاح عليه؟ وتغيظ ﷺ . فقال:
يا رسول اللَّه، آذاني وهجاني وسفه عليّ [ (٢) ] وحسدني على الإسلام! فقال لحسان:
أسفهت على قوم أسلموا؟.
حبس صفوان وما كان من أمر سعد في إطلاقه
ثم قال: احبسوا صفوان، فإن مات حسان فاقتلوه به. فخرجوا بصفوان، وبلغ ذلك سعد بن عبادة، فأقبل على قومه من الخزرج فقال: عمدتم إلى رجل من قوم رسول اللَّه تؤذونه، وتهجونه بالشعر، وتشتمونه، فغضب لما قيل له، ثم أسرتموه أقبح الأسر ورسول اللَّه بين أظهركم؟ قالوا: فإن رسول اللَّه ﷺ أمرنا بحبسه وقال: إن مات صاحبكم فاقتلوه. قال سعد: واللَّه إن أحب الأمرين إلى رسول اللَّه العفو، ولكن رسول اللَّه قد قضى لكم بالحق، وإن رسول اللَّه ليحب أن يترك صفوان، واللَّه لا أبرح حتى يطلق. فقال حسان: ما كان لي من حق فهو لك. وأتى قومه، فغضب قيس بن سعد [بن عبادة] [ (٣) ] وقال: عجبا لكم! ما رأيت كاليوم! إن حسان قد ترك حقه وتأبون أنتم؟ ما ظننت أحدا من الخزرج يردّ أبا ثابت في أمر يهواه: فاستحيا القوم وأطلقوا صفوان من الوثاق، فذهب به سعد إلى بيته فكساه حلة، ثم خرج به إلى المسجد ليصلي فيه،
فرآه رسول اللَّه ﷺ فقال: صفوان؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه! قال: من كساه؟ قالوا: سعد ابن عبادة. قال: كساه اللَّه من ثياب الجنة.
عفو حسان عن حقه قبل صفوان
ثم
كلّم حسان حتى أقبل في قومه إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: يا رسول اللَّه،
стр. 258
كل حق لي قبل صفوان بن معطل فهو لك. قال: أحسنت وقبلت ذلك.
وأعطى حسان أرضا براحا [ (١) ] وهي بيرحا، وسيرين أخت مارية. وأعطاه سعد بن عبادة حائطا كان يجدّ [ (٢) ] مالا كثيرا، عوضا بما عفا من حقه.
ويروى أن حسان- لما حبس صفوان- أرسل إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: يا حسان أحسن فيما أصابك.
فقال: هو لك يا رسول اللَّه! فأعطاه بيرحا [ (٣) ] وسيرين [ (٤) ] عوضا.
خبر عبد اللَّه بن رواحة، وطروق أهله ليلا حتى رابه ما رابه
وكان جابر بن عبد اللَّه رفيق عبد اللَّه بن رواحة في غزوة المريسيع، فأقبلا حتى انتهيا إلى وادي العقيق في وسط الليل، والناس معرّسون، فتقدم ابن رواحة إلى المدينة فطرق أهله، فإذا مع امرأته إنسان طويل. فظن أنه رجل، وندم على تقدّمه، واقتحم البيت رافعا سيفه يريد أن يضربهما، ثم فكر وادكر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت وصاحت، فقال: أنا عبد اللَّه، فمن هذا؟ قالت: هي رحيلة [ (٥) ] سمعنا بقدومكم [ (٦) ] فدعوتها تمشّطني فباتت عندي. فبات وأصبح. فخرج يلقى [ (٧) ] رسول اللَّه ﷺ وهو سائر بين أبي بكر الصديق، وبشير بن سعد بن ثعلبة ابن خلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري ﵄،
فالتفت ﷺ إلى بشير فقال: يا أبا النعمان، إن وجه عبد اللَّه ليخبرك أنه كره طروق أهله. فلما انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ : خبرك
стр. 259
يا ابن رواحة!.
النهي عن طروق النساء ليلا
فأخبره،
فقال ﷺ : لا تطرقوا النساء ليلا. فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول اللَّه ﷺ .
وكان قدومه ﷺ من المريسيع إلى المدينة لهلال رمضان، فغاب شهرا إلا ليلتين.
الخلاف في تاريخ غزوة بني المصطلق
تنبيه: قد اختلف في غزوة المريسيع. فذهب الواقديّ- كما تقدم- إلى أنها كانت في شعبان سنة خمس، وقال ابن إسحاق: في شعبان من السنة السادسة، وصححه جماعة. وفيه إشكال، فإنه وقع في الصحيحين وغيرهما أن المقاول لسعد ابن عبادة سعد بن معاذ، كما تقدم عند خطبة رسول اللَّه ﷺ بسبب أهل الإفك.
ولا يختلف أحد في أن سعد بن معاذ مات إثر قريظة، وقد كان عقب الخندق، وهي في سنة خمس على الصحيح، ثم حديث الإفك لا يشك أحد من علماء الآثار أنه في غزوة بني المصطلق هذه، وهي غزوة المريسيع، وقد اختلف الناس في الجواب عن هذا. فقال موسى بن عقبة- فيما حكاه البخاري عنه [ (١) ]- إن غزوة المريسيع كانت في سنة أربع، وهذا خلاف الجمهور. ثم في الحديث ما ينفي ما قال، لأنها قالت: «وذلك بعد ما نزل الحجاب» . ولا خلاف أن الحجاب نزل صبيحة دخول رسول اللَّه ﷺ بزينب بنت جحش، وقد سأل ﷺ زينب عن شأن عائشة في ذلك فقالت: «أحمي سمعي وبصري» قالت عائشة: «وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ » . وقد ذكر علماء الأخبار أن تزويجه ﷺ بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس، فبطل ما قال موسى بن عقبة، ولم ينحل الإشكال. وقال ابن إسحاق: إن المريسيع كانت في سنة ست، وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه [بن عتبة] [ (٢) ] ، عن عائشة، فذكر الحديث- قال: فقام أسيد بن الحضير فقال: «أنا أعذرك منه» ،
стр. 260
ولم يذكر سعد بن معاذ.
قال الحافظ أبو محمد علي بن [ (١) ] أحمد بن سعيد بن حزم: وفي مرجع الناس من غزوة بني المصطلق قال أهل الإفك ما قالوا، وأنزل اللَّه تعالى في ذلك من براءة عائشة ﵂ ما أنزل. وقد روينا من طرق صحاح أن سعد بن معاذ كانت له في شيء من ذلك مراجعة مع سعد بن عبادة. وهذا عندنا وهم [ (٢) ] ، لأن سعد ابن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك، وفتح بني قريظة في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة من الهجرة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة- بعد سنة وثمانية أشهر من موته، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة. وذكر ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وغيره: أن المقاول لسعد بن عبادة إنما كان أسيد بن الحضير، وهذا هو الصحيح، والوهم لم يعر [ (٣) ] منه أحد من بني آدم.
واللَّه أعلم.
غزوة الخندق
ثم كانت غزوة الخندق: وتسمى الأحزاب. وهي الغزاة التي ابتلى اللَّه سبحانه فيها عباده المؤمنين وزلزلهم، وثبت الإيمان في قلوب أوليائه، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق وفضحهم وقرّعهم. ثم أنزل تعالى نصره ونصر عبده، وهزم الأحزاب، وأعز جنده، ورد الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شر كيدهم، وحرم عليهم شرعا وقدرا أن يغزو المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين، وجعل حزبه هم الغالبين بمنّه وفضله.
بدؤها
وكان من خبرها: أن رسول اللَّه ﷺ عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس، وقيل: كانت في شوال منها، وقال موسى بن عقبة: كانت في سنة أربع، وصححه ابن حزم. وقال ابن إسحاق في شوّال سنة خمس، وذكرها
стр. 261
البخاري قبل غزوة ذات الرقاع [ (١) ] . واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
سببها
وسبب ذلك أنه ﷺ لما أجلى بني النضير ساروا إلى خيبر، وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليست لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير فخرج [سلام ابن أبي الحقيق، و] [ (٢) ] حيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس، وأبو عامر الراهب [ (٣) ] . في بضعة عشر رجلا إلى مكة يدعون قريشا وأتباعها إلى حرب رسول اللَّه ﷺ . فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله. فنشطت قريش لذلك، وتذكروا أحقادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا: أحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد.
تعاهد بطون قريش عند الكعبة على قتال المسلمين
وأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها وتحالفوا وتعاقدوا- وقد ألصقوا أكبادهم [ (٤) ] بالكعبة، وهم بينها وبين أستارها-: ألا يخذل بعضهم بعضا، ولتكونن كلمتهم واحدة على محمد ما بقي منهم رجل. ثم قال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عما أصبحنا [نختلف] فيه [ (٥) ] نحن ومحمد، أديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمار البيت، وننحر الكوم ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام!.
стр. 262
خبر اليهود في نصرة المشركين
فقالت يهود: اللَّهمّ أنتم أولى بالحق منه، إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه.
فأنزل اللَّه تعالى في ذلك [ (١) ] : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا.
الخروج إلى القتال
واتعدوا لوقت وقتوه، وخرجت يهود إلى غطفان، وجعلت لهم ثمر خيبر سنة إن هم نصروهم. وتجهزت قريش، وسيرت تدعو العرب إلى نصرها، وألبوا [ (٢) ] أحابيشهم [ (٣) ] ومن تبعهم.
الأحزاب ومنازلهم
وأتت يهود بني سليم فوعدوهم السير معهم، ولم يكن أحد أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جرية [ (٤) ] بن لوذان بن فزارة ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان [ويقال له ابن اللقيطة: يعني لا تعرف له أم] [ (٥) ] الفزاريّ.
وخرجت قريش ومن تبعها من أحابيشها في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في
стр. 263
دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف بعير وخمسمائة بعير. ولاقتهم سليم بمر الظهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس [حليف حرب بن أمية وهو] [ (١) ] أبو أبي الأعور السّلمي الّذي كان مع معاوية بن أبي سفيان بصفين. وكان أبو سفيان بن حرب قائد جيش قريش. وخرجت بنو أسد وقائدها طليحة بن خويلد الأسدي.
وخرجت بنو فزارة في ألف يقودهم عيينة بن حصن. وخرجت أشجع في أربعمائة يقودهم مسعود بن رحيلة بن عائذ بن مالك بن حبيب بن نبيح بن ثعلبة بن قنفذ ابن خلاوة بن سبيع بن بكر بن أشجع بن ريث [ (٢) ] بن غطفان بن سعد بن قيس ابن عيلان [ (٣) ] [وقال ابن إسحاق: هو مسعر بن رحيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة [ (٤) ] بن عبد اللَّه بن هلال بن خلادة بن أشجع] . وخرجت بنو مرّة في أربعمائة يقودهم الحارث [بن عوف] [ (٥) ] بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ ابن مرة بن عوف [بن سعد] [ (٥) ] بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان،:
وقيل: لم يحضر بنو مرّة. وكانوا جميعا عشرة آلاف، [وأقبلت قريش في أحابيشها ومن تبعها من بني كنانة] [ (٦) ] حتى نزلت وادي العقيق، ونزلت غطفان بجانب أحد ومعها ثلاثمائة فرس فسرحت قريش ركابها في عضاة [ (٧) ] وادي العقيق، ولم تجد لخيلها هناك شيئا إلا ما حملت من علفها، وهو الذرة، وسرّحت غطفان إبلها إلى الغابة في أثلها وطرفائها [ (٨) ] . وكان الناس قد حصدوا زرعهم قبل ذلك بشهر، وأدخلوا حصادهم وأتبانهم. وكادت خيل غطفان وإبلها تهلك من الهزال، وكانت المدينة إذ ذاك جديبة.
стр. 264
مشورة رسول اللَّه ﷺ حين بلغه خبر خروج الأحزاب وإشارة سلمان بحفر الخندق
وكانت خزاعة عند ما خرجت من مكة: أتى ركبهم رسول اللَّه ﷺ في أربع ليال- حتى أخبروه، فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم: أيبرز من المدينة، أم يكون فيها ويخندق عليها، أم يكون قريبا والجبل وراءهم؟ فاختلفوا.
وكان سلمان الفارسيّ يرى رسول اللَّه ﷺ يهم بالمقام بالمدينة- ويريد [ (١) ] أن يتركهم حتى يردوا ثم يحاربهم على المدينة وفي طرقها- فأشار بالخندق فأعجبهم ذلك، وذكروا يوم أحد، فأحبوا الثبات في المدينة. وأمرهم رسول اللَّه ﷺ بالجد، ووعدهم النصر إن هم صبروا واتقوا، وأمرهم بالطاعة.
خبر حفر الخندق
وركب فرسا له- ومعه عدة من المهاجرين والأنصار- فارتاد موضعا ينزله، وجعل سلعا [ (٢) ] خلف ظهره وعمل في [حفر] [ (٣) ] الخندق لينشطهم، وندب الناس وخبّرهم بدنو عدوهم، وعيّن حفر الخندق في المراد [ (٤) ] وعسكر بهم إلى سفح سلع، فتبادر المسلمون في العمل، وقد استعاروا من بني قريظة آلة كثيرة- من مساحي وكرازين ومكاتل [ (٥) ]-، للحفر في الخندق. ووكل ﷺ بكل جانب من الخندق قوما يحفرونه. وكان الشباب ينقلون التراب، ويخرج المهاجرون والأنصار في نقل التراب وعلى رءوسهم المكاتل، ويرجعون بها بعد إلقاء التراب منها وقد ملئوها حجارة من جبل سلع: وهي أعظم سلاحهم، يرمون بها.
وكان رسول اللَّه ﷺ يحمل التراب في المكاتل والقوم يرتجزون [ (٦) ] ،
ورسول اللَّه ﷺ يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
стр. 265
أخبار المسلمين يوم حفر الخندق
وجعل المسلمون إذا رأوا من الرجل فتورا ضحكوا منه، وتنافس الناس في سلمان الفارسيّ، فقال المهاجرون: سلمان منا- وكان قويا عارفا يحفر الخنادق- وقالت الأنصار: هو منا ونحن آخرته [ (١) ] .
فقال ﷺ : سلمان منا أهل البيت.
ولقد كان يعمل عمل عشرة رجال حتى عانة [ (٢) ] قيس بن أبي صعصعة فلبط به [ (٣) ]
فقال ﷺ : مروه فليتوضّأ وليغتسل به، ويكفأ الإناء خلفه، ففعل فكأنما حلّ من عقال. وجعل لسلمان خمس أذرع طولا وخمسا في الأرض ففرغها وحده وهو يقول: اللَّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة. وحفر رسول اللَّه ﷺ وحمل التراب على ظهره.
وفي حديث سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي: أنه ﵇ حين ضرب في الخندق قال:
بسم اللَّه وبه هدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
حبذا ربا وحبذا دينا [ (٤) ]
وكان بنو سلمة في ناحية يحفرون ويرتجزون،
فعزم رسول اللَّه ﷺ على كعب ابن مالك ألا يقول شيئا، وعزم على حسان بن ثابت، وقال: لا يغضب أحد مما قاله صاحبه، لا يريد بذلك سوءا، إلا ما قال كعب وحسان فإنّهما يجدان ذلك [ (٥) ] .
стр. 266
تغيير اسم جعيل وتسميته عمرا
وكان جعيل بن سراقة رجلا صالحا «وكان ذميما قبيحا، وكان يعمل في الخندق، فغير رسول اللَّه ﷺ اسمه يومئذ وسماه عمرا، وجعل المسلمون يرتجزون ويقولون:
سماه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا
سبب النهي عن أن يروّع المسلم أو يؤخذ سلاحه
وكان زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاريّ فيمن ينقل التراب، فقال رسول اللَّه ﷺ : أما إنه نعم الغلام!.
وغلبته عيناه فنام في الخندق- وكان القرّ شديدا-
فأخذ عمارة بن حزم سلاحه وهو لا يشعر، فلما قام فزع. فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك! ثم قال: من له علم بسلاح هذا الغلام؟ فقال عمارة: يا رسول اللَّه، هو عندي. فقال: فرده عليه. ونهى أن يروع المسلم، و [لا] [ (١) ] يؤخذ متاعه [جادا ولا] [ (١) ] لاعبا.
ولم يتأخر عن العمل في الخندق أحد من المسلمين، وكان أبو بكر وعمر ﵄ ينقلان التراب في ثيابهما من العجلة، إذ [ (٢) ] لم يجدا مكاتل- لعجلة المسلمين- وكانا لا يتفرقان في عمل ولا مسير ولا منزل.
وقال رسول اللَّه ﷺ هو يعمل في الخندق:
اللَّهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
стр. 267
[فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا] [ (١) ]
[إن الأولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا] [ (١) ]
يردد ذلك.
خبر نبوءته ﷺ عن الفتوح يوم حفر الخندق
وضرب بالكرزين فصادف حجرا فصل [ (٢) ] الحجر، فضحك رسول اللَّه ﷺ ، فقيل: ممّ تضحك يا رسول اللَّه؟ قال: أضحك من قوم يؤتى بهم من المشرق في الكبول [ (٣) ] ، يساقون إلى الجنة وهم كارهون.
وضرب عمر بن الخطاب ﵁ بالمعول فصادف حجرا صلدا، فأخذ رسول اللَّه ﷺ منه المعول فضرب ضربة فذهبت أوّلها برقة إلى اليمن، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة إلى الشام، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة نحو المشرق، وكسر الحجر عند الثالثة،
فقال ﷺ : إني رأيت في الأولى قصور اليمن، ثم رأيت في الثانية قصور الشام، ورأيت في الثالثة قصر كسرى الأبيض بالمدائن.
وجعل يصفه لسلمان فقال: صدقت! والّذي بعثك بالحق إن هذه لصفته! وأشهد أنك رسول اللَّه.
فقال رسول اللَّه ﷺ : هذه فتوح يفتحها اللَّه عليكم بعدي، يا سلمان لتفتحن الشام ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته، وتظهرون على الشأم ولا ينازعكم أحد، ولتفتحن اليمن، ولتفتحن هذا المشرق ويهرب كسرى فلا يكون كسرى بعده.
ولما كمل الخندق صارت المدينة كالحصن، ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام.
البركة في طعام جابر
ورأى جابر بن عبد اللَّه ﵁ رسول اللَّه ﷺ يحفر، ورآه خميصا [ (٤) ] ، فأتى امرأته فأخبرها ما رأى من خمص رسول اللَّه ﷺ فقالت: واللَّه ما عندنا شيء إلا هذه الشاة ومدّ من شعير، قال: فاطحني وأصلحي. فطبخوا بعضها، وشووا
стр. 268
بعضها، وخبزوا الشعير، ثم أتى جابر رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! قد صنعت لك طعاما، فأت أنت ومن أحببت من أصحابك.
فشبّك ﷺ أصابعه بين أصابع جابر ثم قال: أجيبوا جابرا يدعوكم. فأقبلوا معه، فقال جابر في نفسه: واللَّه إنها الفضيحة!.
وأتى المرأة فأخبرها فقالت: أنت دعوتهم أو هو؟ فقال: بل هو دعاهم! قالت: دعهم فهو أعلم. وأقبل رسول اللَّه ﷺ وأمر أصحابه، وكانوا فرقا: عشرة عشرة. ثم قال لجابر: اغرفوا وغطوا البرمة، وأخرجوا من التنور الخبز ثم غطوه.
ففعلوا وجعلوا يغرفون ويغطون البرمة ثم يفتحونها فما يرونها [ (١) ] نقصت شيئا، ويخرجون الخبز من التنور ويغطونه فما يرونه ينقص شيئا، فأكلوا حتى شبعوا، وأكل جابر وأهله [ (٢) ] .
عرض الغلمان وإجازتهم
وعرض رسول اللَّه ﷺ الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز وردّ من ردّ.
فكان ممن أجاز: [عبد اللَّه] [ (٢) ] بن عمر [بن الخطاب] [ (٣) ] ، وزيد بن ثابت، والبراء ابن عازب، وما منهم إلا ابن خمس عشرة سنة. وكان الغلمان الذين لم يبلغوا يعملون معه ثم أمرهم [ (٤) ] فرجعوا إلى أهليهم.
عدة المسلمين يوم الخندق
وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، وزعم ابن إسحاق أنه إنما كان في سبعمائة، وهذا غلط. وقال ابن حزم: وخرج رسول اللَّه- يعني في الخندق- في ثلاثة آلاف، وقد قيل: في تسعمائة فقط، وهو الصحيح الّذي لا شك فيه، والأول وهم [ (٥) ] .
اجتهاد رسول اللَّه ﷺ في العمل يوم الخندق
ومن شدة اجتهاده ﷺ في العمل: كان يضرب مرة بالمعول ومرة بالمسحاة يغرف بها التراب، ومرة يحمل التراب في المكتل، وبلغ يوما منه التعب مبلغا فجلس، ثم اتكأ
стр. 269
على حجر بشقه الأيسر فنام، فقام أبو بكر وعمر ﵄ على رأسه يمنعان الناس من أن يمروا به فينبّهوه، ثم فزع ووثب فقال:
أفلا أفزعتموني! وأخذ الكرزين يضرب به وهو يقول: اللَّهمّ إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار [ (١) ] والمهاجرة، اللَّهمّ العن عضلا والقارة، فهم كلفوني أنقل الحجارة [ (٢) ] .
وفرغ حفر الخندق في ستة أيام.
مواقف المسلمين
وعسكر فجعل سلعا خلف ظهره والخندق أمامه. ودفع لواء المهاجرين إلى زيد ابن حارثة، ولواء الأنصار إلى سعد بن عبادة. وضرب له قبة من أدم. وعاقب بين ثلاث من نسائه، وكانت عائشة أياما، ثم أم سلمة، ثم زينب بنت جحش، وبقية نسائه في الآطام.
خبر حيي بن أخطب وأبي سفيان
وكان حيي بن أخطب يقول- لأبي سفيان بن حرب ولقريش في مسيره معهم-: إن قومي قريظة معكم، وهم أهل حلقة وافرة، وهم سبعمائة مقاتل وخمسون مقاتلا. فلما دنوا قال له أبو سفيان: ائت قومك حتى ينقضوا العهد الّذي بينهم وبين محمد.
عهد بني قريظة
فأتى بني قريظة- وكان رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة صالح قريظة والنضير ومن معهم من يهود ألا يكونوا معه ولا عليه، ويقال: صالحهم على أن ينصروه ممن دهمه [ (٣) ] ، ويقيموا على معاقلهم [ (٤) ] الأولى التي بين الأوس والخزرج- فأتى
стр. 270
كعب بن أسد، وكان صاحب عقد بني قريظة وعهدها [ (١) ] ، فكرهت قريظة دخول حيي بن أخطب إلى دارهم، فإنه يحب الرئاسة والشرف عليهم، وكان يشبّه بأبي جهل في قريش [ (٢) ] . فلقيه عزّال [ (٣) ] بن سموأل أول الناس، فقال له حيي:
قد جئتك بما تستريح به من محمد، هذه قريش قد دخلت وادي العقيق، وغطفان بالزغابة! فقال عزال [ (٣) ] : جئتنا واللَّه بذل الدهر! فقال: لا تقل هذا! ثم أتى كعب بن أسد فقال له: إنك امرؤ مشئوم، وقد شأمت [ (٤) ] قومك حتى أهلكتهم، فارجع عنا! فما زال به حيي حتى لان له ونقض العهد، وشقوا الكتاب الّذي كتب رسول اللَّه ﷺ (بينه و) [ (٥) ] بينهم، واستدعى رؤساؤهم- وهم: الزبير ابن باطا، ونبّاش بن قيس، وعزال بن سموأل، وعقبة بن زيد، وكعب ابن زيد- وأعلمهم بما فعل من نقض العهد، فلحمه [ (٦) ] الأمر لما أراد اللَّه بهم من هلاكهم.
نقض بني قريظة العهد ومجاهرتهم بالعداوة
فبينا رسول اللَّه ﷺ في قبته، - والمسلمون على خندقهم يتناوبونه، معهم بضع وثلاثون فرسا، والفرسان يطوفون على الخندق- إذ
جاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول اللَّه، بلغني أن بني قريظة قد نقضت العهد وحاربت. فاشتد ذلك على رسول اللَّه ﷺ وقال: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل.
بعثة الزبير بن العوام لاستطلاع خبر بني قريظة وتسميته (حواريّ رسول اللَّه)
وبعث الزبير بن العوام ﵁ إليهم لينظر. فعاد بأنهم يصلحون حصونهم، ويدرّبون [ (٧) ] طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم،
فقال ﷺ : إن لكل نبي
стр. 271
حواريا، وإن حواري [ (١) ] الزبير.
ثم بعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد ابن حضير لينظروا ما بلغه عن بني قريظة، وأوصاهم- إن كان حقا- أن يلحنوا له [أي يلغزوا] لئلا [ (٢) ] يفت ذلك في عضد المسلمين ويورث وهنا، فوجدوهم مجاهرين بالعداوة والغدر، فتسابوا، ونال اليهود- عليهم لعائن [ (٣) ] اللَّه- من رسول اللَّه ﷺ ، فسبهم سعد بن معاذ وانصرفوا عنهم.
فقال رسول اللَّه ﷺ : ما وراءكم؟ قالوا: عضل والقارة! [يعنون غدرهم بأصحاب الرجيع] . فكبّر ﷺ وقال: أبشروا بنصر اللَّه وعونه.
رعب المسلمين يوم الأحزاب
وانتهى الخبر إلى المسلمين، فاشتدّ الخوف وعظم البلاء، ونجم النفاق وفشل الناس: وكانوا كما قال اللَّه تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [ (٤) ] .
مقالة المنافقين
وتكلم قوم بكلام قبيح، فقال معتّب بن قشير [ (٥) ] (ويقال له: ابن بشر، ويقال له: ابن بشير) بن حليل (ويقال: ابن مليل) بن زيد بن [ (٦) ] العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري: يعدنا محمد (أن نأكل) [ (٧) ] كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب لحاجته! ما وعدنا اللَّه ورسوله إلا غرورا!.
стр. 272
من أخبار يهود يوم الأحزاب
وهمت بنو قريظة أن يغيروا على المدينة ليلا، وبعث حيي بن أخطب إلى قريش أن يأتيه منهم ألف رجل ومن غطفان ألف، فيغيروا بهم، فجاء الخبر بذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فعظم البلاء. وبعث سلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مجدعة ابن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري- في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين، وكانوا يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا. وكان الخوف على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من الخوف من قريش وغطفان إلا أن اللَّه ردّ بني قريظة عن المدينة بأنها كانت تحرس. وبعث رسول اللَّه ﷺ خوات ابن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري لينظر غرة لبني قريظة فكمن [ (١) ] لهم، فحمله رجل منهم وقد أخذه النوم، فأمكنه اللَّه من الرجل وقتله ولحق بالنبيّ ﷺ فأخبره. وخرج نباش بن قيس في عشرة من اليهود يريد المدينة، ففطن بهم نفر من أصحاب سلمة ابن أسلم فرموهم حتى هزموهم، ومر سلمة فيمن معه فأطاف بحصون يهود فخافوه، وظنوا أنه البيات.
بنو حارثة الذين قالوا إن بيوتنا عورة
وبعث بنو حارثة بأوس بن قيظي بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة الأنصاري إلى رسول اللَّه ﷺ يقولون: إن بيوتنا عورة، وليس في دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردّهم عنّا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم ﷺ . فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال:
يا رسول اللَّه! لا تأذن لهم؟ إنا واللَّه ما أصابنا وإياهم شدّة قطّ إلا صنعوا هكذا.
فردهم. وقال ابن الكلبي: وأبو مليل [ (٢) ] بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة شهد بدرا، وهو الّذي قال: «بيوتنا عورة» يوم الخندق. وقال ابن عبد البر:
стр. 273
أبو مليل سليك بن الأعزّ [ (١) ] .
حراسة رسول اللَّه ﷺ ثلمة يخافها من الخندق
وكان رسول اللَّه ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها [ (٢) ] «فإذا آذاه البرد دخل قبته فأدفأته عائشة ﵂ في حضنها، فإذا دفيء خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول:
ما أخشى على الناس إلا منها، فبينا هو ليلة في حضن عائشة قد دفيء وهو يقول: ليت رجلا صالحا يحرسني الليلة، فجاء سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال ﷺ : عليك بهذه الثلمة فاحرسها، ونام، وقام ﷺ ليلته في قبته يصلي، ثم خرج فقال: هذه خيل المشركين تطيف بالخندق! ثم نادى: يا عباد ابن بشر، قال: لبيك! قال: معك أحد؟ قال: نعم، أنا في نفر حول قبتك.
فبعثه يطيف بالخندق، وأعلمه بخيل تطيف بهم. ثم قال: اللَّهمّ ادفع عنا شرّهم وانصرنا عليهم، واغلبهم لا يغلبهم غيرك.
نوبة المشركين عند الخندق
وكان المشركون يتناوبون بينهم: فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو ضرار بن الخطاب الفهري يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويتفرقون مرة ويجتمعون مرة أخرى، ويناوشون المسلمين، ويقدمون رماتهم فيرمون، وإذا أبو سفيان في خيل يطيفون بمضيق من الخندق، فرماهم المسلمون حتى رجعوا.
طلب المشركين مضيقا من الخندق وردهم
وكان عباد بن بشر ألزم الناس لقبة رسول اللَّه ﷺ يحرسها. وكان أسيد بن حضير يحرس في جماعة، فإذا عمرو بن العاص في نحو المائة يريدون العبور من الخندق، فرماهم حتى ولوا، وكان المسلمون يتناوبون الحراسة، وكانوا في قرّ شديد وجوع. وكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد كثيرا ما يطلبان غرة، ومضيقا
стр. 274
من الخندق يقتحمانه، فكانت للمسلمين معهما وقائع في تلك الليالي.
شعار المهاجرين
وكان شعار المهاجرين: يا خيل اللَّه. وجاء في بعض الليالي عمرو بن عبد [بن أبي القيس] [ (١) ] في خيل المشركين، ومعه مسعود بن رخيلة [ (٢) ] بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد اللَّه بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان في خيل غطفان، فرماهم المسلمون. ولبس رسول اللَّه ﷺ درعه ومغفره، وركب فرسه وخرج، فصرفهم اللَّه وقد كثرت فيهم الجراحة، فرجع ﷺ ونام، وإذا بضرار بن الخطاب وعيينة بن حصن في عدة فركب ﵇ بسلاحه ثانيا، فرماهم المسلمون حتى ولوا وفيهم جراحات كثيرة.
الخوف يوم الخندق وشدة البلاء
قالت أم سلمة ﵂: شهدت معه مشاهد- فيها قتال وخوف- المريسيع وخيبر، وكنا بالحديبية، وفي الفتح، وحنين- لم يكن من ذلك أتعب لرسول اللَّه ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق. وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري: فالمدينة تحرس حتى الصباح، نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفا، حتى ردهم اللَّه بغيظهم لم ينالوا خيرا [ (٣) ] . وقال محمد بن مسلمة وغيره: كان ليلنا بالخندق نهارا، وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدو هبيرة بن أبي وهب [ (٤) ] يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو ضرار بن الخطاب يوما، حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفا شديدا.
رماة المشركين
وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا، متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم، وهم:
стр. 275
حبّان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي في آخرين، فتناوشوا بالنبل ساعة، وهم جميعا في وجه واحد وجاه قبة رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه قائم بسلاحه على فرسه.
إصابة سعد بن معاذ وهي الإصابة التي قتلته
فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله [ (١) ] وقال: خذها وأنا ابن العرقة!
فقال رسول اللَّه ﷺ : عرّق اللَّه وجهه في النار،
ويقال: بل رماه أبو أسامة الجشمي.
اقتحام المشركين مضيقا من الخندق وقتالهم وردهم
ثم أجمع رؤساء المشركين أن يغدو جميعا، وجاءوا يريدون مضيقا يقحمون خيلهم إلى النبي ﷺ حتى أتوا مكانا ضيقا أغفله المسلمون فلم تدخله خيولهم.
وعبره عكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد اللَّه المخزومي، وضرار بن الخطاب [هو ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو آكل السّقب بن حبيب بن عمرو ابن شيبان بن محارب [ (٢) ] بن فهر بن مالك الفهري، أسلم يوم الفتح] ، وهبيرة بن أبي وهب، وعمرو بن عبد- وقام سائرهم وراء الخندق، فدعا عمرو بن عبد إلى البراز- وكان قد بلغ تسعين سنة، وحرم الدهن حتى يثأر بمحمد وأصحابه-
فأعطى رسول اللَّه ﷺ عليا ﵁ سيفه وعمّمه وقال: اللَّهمّ أعنه عليه!
فخرج له وهو راجل [ (٣) ] وعمرو فارسا، فسخر به عمرو، ودنا منه عليّ، فلم يكن بأسرع من أن قتله علي، فولى أصحابه الأدبار. وسقط نوفل بن عبد اللَّه عن فرسه في الخندق، فرمي بالحجارة حتى قتل. ومرّ عمر بن الخطاب والزبير في إثر القوم فناوشوهم ساعة، وسقطت درع هبيرة بن أبي وهب، فأخذها الزبير ﵁.
стр. 276
تعبئة المسلمين
ثم وافى المشركون سحرا، وعبأ رسول اللَّه ﷺ أصحابه، فقاتلوا يومهم إلى هويّ من الليل: وما يقدر رسول اللَّه ﷺ ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم.
تخلف المسلمين عن الصلاة يوم الخندق
وما قدر ﷺ على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء،
فجعل أصحابه يقولون: يا رسول اللَّه، ما صلينا! فيقول: ولا أنا ما صليت! حتى كشف اللَّه المشركين، ورجع كل من الفريقين إلى منزله.
وأقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق، فكرت خيل للمشركين يطلبون غرة- وعليها خالد بن الوليد- فناوشهم ساعة، فزرق وحشيّ الطفيل بن النعمان [وقيل: الطفيل بن مالك بن النعمان] [ (١) ] بن خنساء الأنصاري بمزراقه [ (٢) ] فقتله كما قتل حمزة ﵁ بأحد.
إقامة الصلاة التي شغلوا عنها
فلما صار رسول اللَّه ﷺ إلى موضع قبته أمر بلالا فأذن وأقام للظهر، وأقام بعد لكل صلاة إقامة، فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها، وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف، وذلك قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [ (٣) ] .
وقال يومئذ رسول اللَّه ﷺ : شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى: صلاة
стр. 277
العصر، ملأ اللَّه أجوافهم وقبورهم نارا.
وفي حديث جابر: أن رسول اللَّه ﷺ إنما شغل يومئذ عن صلاة العصر. وفي حديث أبي سعيد وعبد اللَّه بن مسعود:
أنه شغل يومئذ عن أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وفي مرسل سعيد بن المسيّب: أنه شغل عن الظهر والعصر. فاحتمل أن يكون كله صحيحا، لأنهم حوصروا في الخندق وشغلوا بالأحزاب أياما.
ومثل حديث جابر في ذلك حديث علي ﵁: «وهو حديث ثابت من طرق عنه، أن النبي ﷺ قال: شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس، ملأ اللَّه قلوبهم وبطونهم- أو بيوتهم- نارا.
طلب المشركين جيفة نوفل بن عبد اللَّه
وأرسلت بنو مخزوم يطلبون جيفة نوفل بن عبد اللَّه: يشترونها، وأعطوا فيها عشرة آلاف درهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنما هي جيفة حمار! وكره ثمنه، فخلّى بينهم وبينه. وفي رواية: أن أبا سفيان بعث بديته مائة من الإبل، فأبى النبي ﷺ فقال: خذوه، فإنه خبيث الدية خبيث الجثة.
اقتتال الطليعتين من المسلمين
وخرجت طليعتان من المسلمين ليلا فالتقيا- ولا يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدو- فكانت بينهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الإسلام: «حم لا ينصرون» ، فكف بعضهم عن بعض، وجاءوا،
فقال رسول اللَّه ﷺ : جراحكم في سبيل اللَّه، ومن قتل منكم فإنه شهيد.
فكانوا بعد ذلك إذا دنا المسلمون بعضهم من بعض نادوا بشعارهم.
خبر الفتى الّذي ذهب إلى أهله
وكان رجال يستأذنون أن يطلعوا إلى أهليهم،
فيقول رسول اللَّه ﷺ : إني أخاف عليكم من قريظة. فإذا ألحوا يقول: من ذهب منكم فليأخذ سلاحه.
وكان فتى حديث عهد بعرس، فأخذ سلاحه وذهب، فإذا امرأته قائمة بين البابين، فهيأ لها الرمح ليطعنها فقالت: اكفف حتى ترى ما في بيتك! فإذا بحية على فراشه،
стр. 278
فركز فيها رمحه فاضطربت، وخر الفتى ميتا،
فقال رسول اللَّه ﷺ لما أخبر بذلك-: إن بالمدينة جنّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام [ (١) ] ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان.
جوع المسلمين وخبر البركة في الطعام
وكان المسلمون قد أصابهم مجاعة شديدة، وكان أهلوهم يبعثون إليهم بما قدروا عليه، فأرسلت عمرة ابنة رواحة ابنتها بجفنة تمر عجوة في ثوبها إلى زوجها بشير ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري، وإلى أخيها عبد اللَّه بن رواحة-
فوجدت رسول اللَّه ﷺ جالسا في أصحابه فقال: تعالي يا بنية! ما هذا معك؟ فأخبرته، فأخذه في كفيه ونثره على ثوب بسط له، وقال لجعال بن سراقة: اصرخ، يا أهل الخندق أن هلم إلى الغداء:
فاجتمعوا عليه يأكلون منه حتى صدر أهل الخندق وإنه ليفيض من أطراف الثوب. وأرسلت أم متعب [ (٢) ] الأشهلية [ (٣) ] بقبعة فيها حيس [ (٤) ] إلى رسول اللَّه ﷺ وهو في قبته مع أم سلمة، فأكلت حاجتها، ثم خرج بالقعبة فنادى مناديه:
هلم إلى عشائه! فأكل أهل الخندق حتى نهلوا وهي كما هي.
موادعة عيينة بن حصن ثم نقض ذلك
وأقام ﷺ وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة حتى اشتد الكرب،
وقال ﷺ : اللَّهمّ إني أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهمّ إنك إن تشأ لا تعبد.
وأرسل إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف- وهما رئيسا غطفان- أن يجعل لهما ثلث تمر المدينة ويرجعان بمن معهما، فطلبا نصف التمر، فأبى عليهما إلا الثلث، فرضيا. وجاءا في عشرة من قومهما حتى تقارب الأمر، وأحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان بن عفان ﵁ الصلح- وعباد بن بشر قائم على
стр. 279
رأس رسول اللَّه ﷺ مقنع في الحديد-، فأقبل أسيد بن حضير، وعيينة مادّ رجليه، فقال له: يا عين الهجرس [ (١) ] ، اقبض رجليك، أتمد رجليك بين يدي رسول اللَّه ﷺ ؟ واللَّه لولا رسول اللَّه ﷺ لأنفذت حضنيك بالرمح! ثم قال:
يا رسول اللَّه صلى اللَّه عليك، إن كان أمرا من السماء فامض له، وإن كان غير ذلك فو اللَّه لا نعطيهم إلا السيف، متى طمعتم بهذا منا؟ فدعا رسول اللَّه ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما خفية، فقالا [ (٢) ] : إن كان هذا أمرا من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف.
فقال رسول اللَّه ﷺ : إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم.
فقالا: يا رسول اللَّه، واللَّه إن كانوا ليأكلون العلهز [ (٣) ] في الجاهلية من الجهد، ما طمعوا بهذا منا قط: أن يأخذوا ثمرة إلا بشراء أو قرى! فحين أتانا اللَّه بك وأكرمنا بك، وهدانا بك، نعطي الدنية! لا نعطيهم أبدا إلا السيف.
فقال ﷺ : شق الكتاب. فشقه سعد، فقام عيينة والحارث، فقال ﷺ : ارجعوا، بيننا السيف: رافعا صوته.
خبر نعيم بن مسعود الأشجعي في تخذيل الأحزاب
وكان نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة الأشجعي صديقا لبني قريظة، وقدم مع قومه من الأحزاب حين أجدب الجناب [ (٤) ] وهلك الخف والكراع [ (٥) ] ، فقذف اللَّه في قلبه الإسلام. فأتى رسول اللَّه ﷺ ليلا فأسلم، فأمره أن يخذّل الناس: وأذن له أن يقول [ (٦) ] . فتوجه إلى بني قريظة، وأشار عليهم ألا يقاتلوا مع قريش وغطفان حتى يأخذوا منهم رهنا من أشرافهم فقبلوا رأيه، واستكتمهم مجيئه إليهم. ثم جاء إلى أبي سفيان في رجال قريش، وأعلمهم أن قريظة قد ندمت على ما كان منها، وأنهم راسلوا محمدا بأنهم يأخذون [ (٧) ] من أشراف قريش وغطفان
стр. 280
سبعين رجلا يسلمونهم [ (١) ] إليه ليضرب أعناقهم، حتى يرد بني النضير إلى ديارهم، ويكونون معه حتى يردوا قريشا عنه، وأشار عليهم ألا يجيبوا قريظة إلى إعطاء الرهن، وسألهم كتمان أمره ثم جاء إلى غطفان وأعلمهم عن بني قريظة بما أعلم به قريشا عنهم، وحذرهم أن يدفعوا إليهم رهنا، فأرسلت يهود عزال [ (٢) ] ابن سموأل إلى قريش بأن الثواء قال طال ولم يصنعوا شيئا، والرأي أن يتواعدوا على يوم تزحف فيه قريش وغطفان وهم، ولكنهم لا يخرجون لذلك معهم حتى يرسلوا إليهم برهائن من أشرافهم، فإنّهم يخافون: إن أصابكم ما تكرهون رجعتم وتركتمونا. فلم يرجعوا إليهم بجواب. وجاء نعيم إلى بني قريظة وقال لهم: إني عند أبي سفيان وقد جاءه رسولكم يطلب منه الرّهان فلم يرد عليه شيئا، فلما ولى رسولكم قال: لو طلبوا مني عناقا [ (٣) ] ما رهنتها! فلا تقاتلوا معه حتى تأخذوا الرهن، فإنكم إن لم تقاتلوا محمدا- وانصرف أبو سفيان- تكونوا على موادعتكم الأولى.
فلما كانت ليلة السبت بعث أبو سفيان بعكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة أن يخرجوا غدا ليناجزوا محمدا جميعا، فقالوا: إن غدا السبت، لا نقاتل فيه ولا نعمل عملا، وإنا مع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهانا من رجالكم لئلا تبرحوا، فإنا نخشى إن أصابتكم الحرب أن تشمّروا إلى بلادكم وتدعونا إلى محمد، ولا طاقة لنا به. فتحققت قريش صدق ما قال لهم نعيم: وأرسلت غطفان إلى بني قريظة بمسعود بن رخيلة في رجال بمثل ما راسلهم أبو سفيان، فأجابوهم بمثل [ (٤) ] ما أجابوا به عكرمة، فتحققت غطفان وبنو قريظة ما قاله نعيم، ويئس كل منهم من الآخر واختلف أمرهم.
اختلاف الأحزاب
وأخذ أبو سفيان ومن معه يلومون حيي بن أخطب، فأتى بني قريظة فلم يجد منهم موافقة له، وأبوا أن يقاتلوا مع قريش حتى يأخذوا سبعين رجلا من قريش
стр. 281
وغطفان رهانا عندهم.
دعاء رسول اللَّه ﷺ على الأحزاب وهبوب الريح عليهم
وكان رسول اللَّه ﷺ قد دعا على الأحزاب فقال: اللَّهمّ منزّل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللَّهمّ اهزمهم.
وكان دعاؤه عليهم يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء، فعرف السرور في وجهه، فلما كان ليلة السبت، بعث اللَّه الريح على الأحزاب حتى ما يكاد أحدهم يهتدي لموضع رحله، ولا يقرّ لهم قدر ولا بناء. وقام رسول اللَّه ﷺ يصلي إلى أن ذهب ثلث الليل. وكذلك فعل ليلة قتل كعب بن الأشرف. وكان ﷺ إذا حزبه الأمر أكثر من الصلاة.
خبر الريح وتفرق الأحزاب ورجوعهم
وبعث حذيفة بن اليمان ﵁ لينظر ما فعل القوم وما يقولون. فدخل عسكرهم في ليلة شديدة البرد فإذا هم مصطلون على نار لهم والريح لا تقر لهم قدرا ولا بناء، وهم يشتورون [ (١) ] في الرحيل حتى ارتحلوا. وأقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في مائتي فارس جريدة [ (٢) ] . ثم ذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم قد ارتحلوا، فأخبرهم النبي ﷺ بذلك. فلما كان السحر لحق عمرو وخالد بقريش، ولحقت كل قبيلة بمحلتها [ (٣) ] .
مدة حصار الخندق
فكانت مدة حصار الخندق خمسة عشر يوما، وقيل: عشرين يوما، وقيل:
قريبا من شهر. وأصبح ﷺ بعد رحيل الأحزاب، فأذن للمسلمين في الانصراف، فلحقوا بمنازلهم.
كتاب أبي سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ ورد رسول اللَّه ﷺ
وكتب أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ كتابا فيه: «باسمك اللَّهمّ. فإنّي أحلف
стр. 282
باللات والعزى، لقد سرت إليك في جمعنا وإنا نريد ألا نعود [ (١) ] أبدا حتى نستأصلكم [ (٢) ] ، فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علّمك هذا؟ فإن نرجع عنك فلكم منا يوم كيوم أحد» وبعث به مع أبي أسامة الجشميّ، فقرأه أبيّ بن كعب على رسول اللَّه ﷺ في قبته،
وكتب إليه: «من محمد رسول اللَّه إلى أبي سفيان بن حرب. أما بعد، فقديما غرك باللَّه الغرور. أما ما ذكرت- أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا- فذلك أمر يحول اللَّه بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى. وأما قولك: من علمك الّذي صنعنا من الخندق؟ فإن اللَّه ألهمني لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك، وليأتينّ عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وإساف ونائلة وهبل، حتى أذكرك ذلك.
ويقال: كان في كتاب أبي سفيان: «ولقد علمت أني لقيت أصحابك ناجيا [ (٣) ] وأنا في عير لقريش فما خص أصحابك منا شعره، ورضوا منا بمدافعتنا بالراح، ثم أقبلت في عير قريش حتى لقيت قومي- فلم تلقنا- فأوقعت بقومي ولم أشهدها من وقعة، ثم غزوتكم في عقر داركم، فقتلت وحرقت [يعني غزوة السويق] . ثم غزوتك في جمعنا يوم أحد، فكانت وقعتنا فيكم مثل وقعتكم بنا ببدر. ثم سرنا إليكم في جمعنا ومن تألب إلينا يوم الخندق، فلزمتم الصياصي وخندقتم الخنادق» .
ما نزل من القرآن في شأن الخندق
وأنزل اللَّه تعالى- في شأن الخندق يذكر نعمته وكفايته عدوهم، بعد سوء الظن منهم، ومقالة من تكلم بالنفاق- قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [ (٤) ] .
стр. 283
ذكر من قتل من المسلمين
وقتل من المسلمين يومئذ ستة نفر، ثلاثة من بني الأشهل هم: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد اللَّه بن سهل، واثنان من بني جشم ابن الخزرج ثم من بني سلمة هما: الطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عتمة [ (١) ] ، وواحد من بني النجار ثم من بني دينار [هو] [ (٢) ] : كعب بن زيد، أصابه سهم غرب [ (٣) ] فقتله.
من قتل من الكفار
وقتل من المشركين ثلاثة نفرهم [ (٤) ] : منبّه بن عثمان بن عبيد بن السبّاق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد اللَّه بن المغيرة بن مخزوم، وعمرو بن عبد ودّ قتله علي ﵁. ولم تغز كفار قريش المسلمين بعد الخندق.
غزوة بني قريظة
ثم كانت غزوة بني قريظة: خرج إليهم رسول اللَّه ﷺ يوم الأربعاء لسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وحصرها خمسا وعشرين ليلة، وقيل: خمسة عشر يوما، وقيل: شهرا.
سببها
وسبب ذلك أن رسول اللَّه ﷺ لما رجع من الخندق دخل بيت عائشة ﵂ [ (٥) ] فاغتسل ودعا بالمجمرة ليتخبر، وقد صلى الظهر، فأتاه جبريل ﵇ وقت الظهر- على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة، وعلى ثناياه النقع- فوقف عند موضع الجنائز فنادى: عذيرك [ (٦) ] من محارب. فخرج رسول اللَّه ﷺ
стр. 284
فزعا، فقال: ألا أراك وضعت اللأمة ولم تضعها الملائكة بعد؟ لقد طردناهم إلى حمراء الأسد، إن اللَّه يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإنّي عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم. [ويقال: جاءه على فرس أبلق] [ (١) ] .
الخروج إلى قريظة
فدعا رسول اللَّه ﷺ عليا ﵁ فدفع إليه لواءه، وكان اللواء على حاله لم يحل من مرجعه من الخندق، وبعث بلالا ﵁ فأذن في الناس:
إن رسول اللَّه ﷺ يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة.
وعن قتادة قال: بعث رسول اللَّه ﷺ يومئذ مناديا، يا خيل اللَّه اركبي.
ولبس الدرع والمغفر والبيضة، وأخذ قناة بيده، وتقلد الترس، وركب فرسه.
وحف به أصحابه وقد لبسوا السلاح وركبوا الخيل وكانت ستة وثلاثين فرسا، وكانت له ﷺ ثلاثة أفراس معه.
وقيل: خرج ﷺ وهو راكب على حمار عري [ (٢) ] . وسار فمر بنفر من بني النجار قد صفوا وعليهم السلاح، فقال: هل مر بكم أحد؟ قالوا: نعم! دحية الكلبي، مر على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من إستبرق، فأمرنا بلبس السلاح، فأخذنا سلاحنا وصففنا، وقال لنا: هذا رسول اللَّه يطلع عليكم الآن! فقال: ذلك جبريل.
وصول علي إلى حصن بني قريظة وسفاهة يهود
وانتهى إلى بني قريظة، وقد سبق عليّ في نفر من المهاجرين والأنصار، وغرز الراية عند أصل الحصن، فاستقبلهم يهود يشتمون رسول اللَّه ﷺ وأزواجه، فسكت المسلمون وقالوا: السيف بيننا وبينكم. فلما رأى عليّ رسول اللَّه ﷺ رجع إليه، وأمر أبا قتادة الأنصاري أن يلزم اللواء.
مسيره ﷺ إليهم وما قاله
وسار ﷺ إلى يهود، وقال يومئذ: الحرب خدعة.
وتقدمه أسيد بن حضير فقال: يا أعداء اللَّه! لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب
стр. 285
في جحر. قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليك دون الخزرج! وخاروا. فقال:
لا عهد بيني وبينكم ولا إلّ [ (١) ] .
ودنا ﷺ منهم وقد ترس عنه أصحابه. فقال:
يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت! أتشتموني؟ فجعلوا يحلفون: ما فعلنا! ويقولون: يا أبا القاسم ما كنت جهولا!.
تقدم الرماة وبدء المراماة
وتقدمت الرماة من المسلمين،
وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص: يا سعد، تقدم فارمهم.
فرماهم والمسلمون ساعة، ويهود تراميهم، ورسول اللَّه ﷺ واقف على فرسه فيمن معه. ثم انصرفوا إلى منازلهم، وباتوا وقد بعث إليهم سعد بن عبادة بأحمال تمر فأكلوا،
وقال ﷺ وهو يأكل منه: نعم الطعام التمر.
واجتمع المسلمون عنده عشاء، ومنهم من صلى ومنهم من لم يصلّ حتى جاء بني قريظة، فما عاب على أحد من الفريقين.
تعبئة المسلمين حول الحصن
ثم غدا سحرا وقدّم الرماة وعبأ أصحابه، فأحاطوا بحصون يهود وراموهم بالنّبل والحجارة وهم يرمون من حصونهم حتى أمسوا، فباتوا حول الحصون.
مفاوضة يهود للصلح
فنزل نبّاش بن قيس وكلم رسول اللَّه ﷺ : على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير: له الأموال والحلقة، ويحقن دماءهم، ويخرجون من المدينة بالنساء والذراري، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة. فأبى رسول اللَّه ﷺ إلا أن ينزلوا عن حكمه، وعاد نبّاش إليهم بذلك.
مشورة كعب بن أسد اليهودي
فأشار عليهم كعب بن أسد بأن يدخلوا في الإسلام، وذكرهم بما عندهم من العلم بنبوته، فلم يقبلوا رأيه. فأشار عليهم أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يخرجوا