← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الفرس والمرأة والدار، وإذا سمعتم بالطاعون بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه». وهذا السند ظاهره الصحة غير أن يزيد بن هارون أسقط من إسناده الحضرمي بن لاحق، قال الدارقطني في " العلل " ٤/ ٣٧٠ (٦٣٦) مجيباً عمن سأله عن هذا الحديث: «هو حديث يرويه يحيى بن أبي كثير واختلف عنه، فرواه يزيد بن هارون، عن هشام، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن سعد، وخالفه معاذ بن هشام، ومحمد بن أبي عدي، فروياه عن هشام، عن يحيى، عن الحضرمي، عن سعيد بن المسيب، وهو الصواب». أقول: أما الرواية التي ذكرها الدارقطني: فهي ما أخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٣١٤ وفي ط. العلمية (٦٩٠٨) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٧٤٥) وفي (تحفة الأخيار) (٤٧٧٤) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري. وأخرجه: ابن أبي عاصم في " السنة " (٢٦٧)، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند علي) الخبر (١٧) و (١٧ م)، وابن خزيمة كما في " الذيل " (٣١٢٢) بتحقيقي من طرق عن هشام الدستوائي. وأخرجه: أبو يعلى (٧٩٨)، والشاشي (١٥٣) من طريق أبي عامر العقدي. وأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١٧٤٤) وفي (تحفة الأخيار) (٤٧٧٥) من طريق أبان بن يزيد العطار. وأخرجه: أحمد ١/ ١٨٠ من طريق إسماعيل بن علية. وأخرجه: ابن أبي عاصم في " السنة " (٢٦٦) من طريق ابن أبي عدي. وأخرجه: ابن حبان (٦١٢٧) من طريق عيسى بن يونس. وأخرجه: الشاشي (١٥٣) من طريق وهب بن جرير وعبد الصمد بن عبد الوارث وحفص بن عمر. عشرتهم: (يحيى، ومعاذ، وأبو عامر، وأبان، وإسماعيل، وابن أبي

стр. 1052

عدي، ويونس، ووهب، وعبد الصمد، وحفص) عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص. وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأنس، والسائب بن يزيد، وجابر، وأبي أمامة. وعامتها صحيحة. ومما أخطأ فيه الراوي بسبب الاختصار ما روى أبو إسحاق السَّبيعيُّ، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيد عما حدثتْ عائشةُ ﵂ عنْ صلاة رسولِ الله ﷺ ، قالت: كانَ ينامُ أوَّل الليلِ، ويحيي آخره، وإن كانتْ لهُ حاجةٌ إلى أهله قَضى حاجتَه، ولم يمسَّ ماءً حتَّى ينامَ. أخرجه: أبو حنيفة في "المسند": ١٥٧ و ١٥٨، وأبو يوسف في "الآثار ": ٢٥، ومحمد بن الحسن في "الآثار" (٤٦)، وعبد الرزاق (١٠٨٢)، وابن الجعد (٢٦٥٧) ط. الفلاح و (٢٥٦٣) ط. العلمية، وابن أبي شيبة (٦٨٧)، وإسحاق بن راهويه (١٥١٥) و (١٥١٦) و (١٥١٧) و (١٥١٨)، وأحمد ٦/ ٤٣ و ١٠٢ و ١٠٧ و ١٤٦ و ٢١٤، ومسلم في "التمييز" (٤٠)، وأبو داود (٢٢٨)، وابن ماجه (٥٨١) و (٥٨٢) و (٥٨٣)، والنسائي في " الكبرى " (٩٠٥٢) و (٩٠٥٣) و (٩٠٥٤) ط. العلمية و (٩٠٠٣) و (٩٠٠٤) و (٩٠٠٥) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٤٧٢٩)، وابن المنذر في "الأوسط" (٦٠٥)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ١٢٤ - ١٢٥ وفي ط. العلمية (٧٣١) - (٧٣٦)، والطبراني في "الأوسط" (٧٥٨٩) كلتا الطبعتين، وابن عدي في "الكامل" ٨/ ١٥٢، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (١٢٩) و (١٣١) و (٦٦٨)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث": ١٢٥ ط. العلمية و (٣١٠) و (٣١١) ط. ابن حزم، وأبو نعيم في "مستخرجه" (١٦٨٠)، وابن حزم في "المحلى" ٢/ ١٤٠، والبيهقي ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، وابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ١٨٧ - ١٨٨، والبغوي (٢٦٨) و (٩٤٥)، والذهبي في "السير" ١٢/ ٤٨٣ و ٢٠/ ٤٩٣

стр. 1053

من طرق عن أبي (١) إسحاق السبيعي، بهذا الإسناد. أقول: هذا إسناد متصل بثقات مما يوهم الناظر إليه أول وهلة أنه صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم كالدارقطني وابن حزم والبيهقي (٢) إلى تصحيح هذا الحديث. فقال الدارقطني في "العلل" كما في " التلخيص الحبير " ١/ ٣٧٩ (١٨٧): «يشبه أن يكون الخبران صحيحين، قاله بعض أهل العلم» (٣)، وقال ابن حزم فيما نقله عنه ابن القيم في "حاشيته" ١/ ١١٩: «نظرنا في حديث أبي إسحاق فوجدناه ثابتاً صحيحاً تقومُ بهِ الحجة … »، وقال البيهقي ١/ ٢٠٢: «وحديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية، وذلك أنَّ أبا إسحاق بيّن سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية عنه، والمدلس إذا بيّن سماعه ممن روى عنه، وكان ثقة فلا وجه لرده». قلت: أما كلام الدارقطني وابن حزم، فسيأتي التعليق عليه، وأما كلام البيهقي فلا يُفهم منه تصحيح لهذا الحديث فقوله ﵀: «صحيح من جهة الرواية» عنى بذلك أنَّ تحمل الإسناد صحيح، ودليل ذلك أنَّه بعد بيّن سبب هذا التصحيح فقال: «وذلك أن أبا إسحاق بيّن سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية … الخ» فالبيهقي لم يصحح هذا الحديث، وإنما بيّن أنَّ أبا إسحاق صرّح بالسماع من الأسود، فانتفت شبهة تدليسه، ولا يخفى أنَّ أبا إسحاق ثقة (٤)، وعلى ثقته فالبيهقي لم يصحح له هذا الحديث، ثم إنَّ البيهقي نفسه قال ١/ ٢٠٢: «الحفّاظ طعنوا في هذه اللفظة - يعني: ولم يمس ماءً .. » فالذي ذهب إلى أنَّ البيهقي صحح هذا الحديث، سيكون تأويله هذا متناقضاً مع البيهقي نفسه، ومع كبار أهل العلم الذين ردوا هذه اللفظة من جهة أخرى.

стр. 1054

كما أنَّ غير واحد من أهل العلم قد تكلم على هذا الحديث، فنقل ابن ماجه عقب (٥٨٣) عن سفيان -وهو الثوري- أنَّه قال: «فذكرت الحديث يوماً فقال لي إسماعيل-وهو ابن أبي خالد-: يا فتى يشد (١) هذا الحديث بشيء»، ونقل ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ١٨٧ عن سفيان الثوري أنه قال: «وهذا الحديث خطأ، ونحن نقول به»، ونقل ابن أبي حاتم في "العلل" (١١٥) عن أبيه أنه قال: «سمعت نصر بن علي، يقول: قال أبي: قال شعبة: قد سمعت حديث أبي إسحاق: أنَّ النبي ﷺ كان ينام جنباً، ولكني أتقيه»، وقال أبو داود عقب (٢٢٨): حدثنا الحسن بن علي الواسطي، قال: سمعت يزيد بن هارون، يقول: «هذا الحديث وهم يعني: حديث أبي إسحاق»، ونقل ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٣٧٨ (١٨٧) عن الإمام أحمد أنه قال: «ليس بصحيح». وقال مسلم في "التمييز" عقب (٤٠): «فهذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة، وذلك أنَّ النخعي وعبد الرحمان بن الأسود جاءا بخلاف ما روى أبو إسحاق». ونقل ابن حجر في "النكت الظراف" ١١/ ٣٨٠ عن أبي داود برواية ابن العبد أنه قال: «وهذا الحديث ليس بصحيح»، ونقل عنه في "التلخيص الحبير" ١/ ٣٧٨ (١٨٧) قال: «وهو وهم»، وفي المصدر نفسه عن يزيد بن هارون: «هو خطأ». وقال الترمذي عقب (١١٩): «وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبةُ والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق». وقال النسائي بعد أن أخرج جملة من الأحاديث الصحيحة عن السيدة عائشة ﵂ بلفظ متقارب: إن النبي ﷺ كان إذا أرادَ أنْ ينامَ وهو جنبٌ، توضأ وضوءَه للصلاة. قال - يعني: النسائي -: «خالفهم أبو إسحاق». وقال الأثرم في "علله" كما في "التلخيص الحبير" ١/ ٣٧٨ (١٨٧): «لو لم يخالف أبا

стр. 1055

إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكفى، فكيف وقد وافقه عبد الرحمان بن الأسود، وكذلك روى عروة وأبو سلمة، عن عائشة ﵂». وقال ابن المنذر في "الأوسط" عقب (٦٠٥) قال ابن مهدي: «سألت سفيان عن هذا الحديث فأبى أن يحدثني وقال: «هو وهم» يعني: حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂». وقد أعله الحاكم بالمعارضة، فقال في "معرفة علوم الحديث": ١٢٥ … ط. العلمية، وقبيل (٣١٠) ط. ابن حزم بعد أن ذكر جملة أحاديث صحيحة: «وهذه الأخبار يعارضها .. » فذكر حديث أبي إسحاق، وقال أيضاً في: ١٢٥ ط. العلمية وبعيد (٣١١) ط. ابن حزم: «فهذه الأسانيد صحيحة كلها، والخبران يعارض أحدهما الآخر، وأخبار المدنيين والكوفيين متفقة على الوضوء، وأخبار أبي إسحاق السبيعي معارضة لها». وقال البيهقي ١/ ٢٠٢: «أخرجه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى، وأحمد بن يونس دون قوله: «قبل أن يمس ماء»؛ وذلك لأن الحفّاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها مأخوذة من غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلسَ فرأوها من تدليساته واحتجوا على ذلك برواية إبراهيم النخعي، وعبد الرحمان ابن الأسود، عن الأسود بخلاف رواية أبي إسحاق». وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ٦/ ١٨٧: «يقولون: إنَّ الخطأ فيه من قبل أبي إسحاق؛ لأنَّ إبراهيم النخعيَّ روى عن الأسود، عن عائشة ﵂، قالت … » فذكر نحوه. ونقل ابن القيم في "حاشيته" ١/ ١١٩ عن ابن مفوز (١) معقباً على تصحيح ابن حزم: «وهذا كله تصحيح للخطأ الفاسد بالخطأ البيّن»، وقال فيما نقله عنه ابن حجر في " التلخيص الحبير" ١/ ٣٧٨ (١٨٧): «أجمع المحدّثون على أنه خطأ من أبي إسحاق».

стр. 1056

وقال ابن القيم في " زاد المعاد " ١/ ١٤٨: «وهو غلط عند أئمة الحديث»، وقال في "حاشيته على مختصر سنن أبي داود " ١/ ١٢٠: «والصواب ما قاله أئمة الحديث الكبار مثل يزيد بن هارون، ومسلم، والترمذي وغيرهم من أن هذه اللفظة وهم وغلط، والله أعلم». وحتى تتم الفائدة، ولنفاسة كلام ابن القيم ﵀ أنقله كاملاً من حاشيته على مختصر سنن أبي داود عقب ١/ ١١٩ - ١٢٠: «قال ابن القيم: قال أبو محمد بن حزم: نظرنا في حديث أبي إسحاق فوجدناه ثابتاً صحيحاً تقوم به الحجة، ثم قال: وقد قال قوم: إن زهير بن معاوية روى عن أبي إسحاق هذا الخبر فقال فيه: «وإن نام جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة، قال: فدل ذلك على أن سفيان اختصره أو وهم فيه، ومدعي هذا الخطأ والاختصار في هذا الحديث هو المخطئ، بل نقول: إن رواية زهير عن أبي إسحاق صحيحة، ورواية الثوري ومن تابعه عن أبي إسحاق صحيحة، ولم تكن ليلة واحدة فتحمل روايتهم على التضاد، بل كان يفعل مرة هذا ومرة هذا، قال ابن مفوز (١) وهذا كله تصحيح للخطأ الفاسد بالخطأ البيّن، أما حديث أبي إسحاق من رواية الثوري وغيره فأجمع من تقدم من المحدّثين ومن تأخر منهم، أنه خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تلقوه منه وحملوه عنه وهو أول حديث أو ثانٍ مما ذكره مسلم في كتاب " التمييز " (٢)، له مما حمل من الحديث على الخطأ وذلك أن عبد الرحمان بن يزيد وإبراهيم النخعي - وأين يقع أبو إسحاق من أحدهما فكيف باجتماعهما على مخالفته - رويا الحديث بعينه عن الأسود بن يزيد عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة، فحكم الأئمة برواية هذين الفقيهين الجليلين عن الأسود على رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: أنَّه كان ينام ولا يمس ماء، ثم عضدوا ذلك برواية عروة وأبي سلمة بن عبد الرحمان وعبد الله بن أبي قيس، عن عائشة وبفتوى رسول الله ﷺ عمرَ بذلك حين استفتاه. وبعض

стр. 1057

المتأخرين من الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد، ولا ينظرون الطرق يجمعون بينهما بالتأويل فيقولون: لا يمس ماءً للغسل، ولا يصح هذا، وفقهاء المحدّثين وحفّاظهم على ما أعلمتك، وأما الحديث الذي نسبه إلى رواية زهير، عن أبي إسحاق فقال فيه: «وإن نام جنباً توضأ»، وحكي أن قوماً ادعوا فيه الخطأ والاختصار، ثم صححه (١) هو فإنما عنى بذلك أحمد بن محمد الأزدي، فهو الذي رواه بهذا اللفظ، وهو الذي ادعى فيه الاختصار، وروايته خطأ ودعواه سهو وغفلة، ورواية زهير، عن أبي إسحاق كرواية الثوري وغيره، عن أبي إسحاق في هذا المعنى، وحديث زهير أتم سياقة، وقد روى مسلم (٢) الحديث بكماله في كتاب الصلاة وقال فيه: «وإن لم يكن جنباً توضأ للصلاة» وأسقط منه وهم أبي إسحاق وهو قوله: «ثم ينام قبل أن يمس ماء» فأخطأ فيه بعض النقلة فقال: «وإن نام جنبا توضأ للصلاة» فعمد ابن حزم إلى هذا الخطأ الحادث على زهير فصححه، وقد كان صحح خطأ أبي إسحاق القديم فصحح خطأين متضادين وجمع بين غلطين متنافرين». وقال ابن رجب في "فتح الباري " ١/ ٣٦٢: «ويرون أنَّ هذا من غلط أبي إسحاق»، وقال أيضاً: «وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السَّلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسلم بن الحجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني (٣)». ونقل ﵀ عن أحمد بن صالح المصري أنَّه قال: «لا يحل أن يروى هذا الحديث»، وقال عقبه: «يعني: أنه خطأ مقطوع به، فلا تحل روايته من دون بيان علته». وقال أيضاً: «وأما الفقهاء المتأخرون فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله فظن

стр. 1058

صحته، وهؤلاء يظنون أنَّ كل حديث رواه ثقة فهو صحيح، ولا يفطنون لدقائق علم علل الحديث، ووافقهم طائفة من المحدّثين المتأخرين كالطحاوي، والحاكم، والبيهقي .. ». قلت: لم أقف على تصحيح الطحاوي، وأما الحاكم فإنَّه أعله بالمعارضة - فيما وقفت عليه - وأما البيهقي فقد تقدم الكلام على تصحيحه. قال ابن الملقن في " البدر المنير " ٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩: «عنه جوابان أحدهما: الطعن فيه، قال أبو داود عن يزيد بن هارون: وهم السبيعي في هذا يعني في قوله: «ولا يمس ماء» وقال الترمذي: يرون أن هذا غلط منه، وقال سفيان الثوري: ذكرت هذا الحديث يوماً فقال لي إسماعيل: يا فتى، سند هذا الحديث سيئ، وقال أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح. ثانيهما: تصحيحه مع تأويله، قال البيهقي: طعن الحفاظ في هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن السبيعي دلس. قال البيهقي: وحديث السبيعي بهذه الزيادة صحيح من جهة الرواية؛ لأنه بَيَّنَ سماعه من الأسود، والمدلس إذا بيّن سماعه ممن روى عنه، وكان ثقة فلا وجه لرده، وقال ابن حزم في " محلاه": إنْ قيل: أخطأ فيه سفيان، لأن زهير بن معاوية خالف، قلنا: بل أخطأ بلا شك من خطّأ سفيان بالدعوى بلا دليل، وسفيان أحفظ من زهير بلا شك (١)، وتبعه الشيخ تقي الدين في " الإلمام " فقال: رجاله ثقات، وحينئذ ففيه تأويلان: أحدهما: أن المراد لا يمس ماء للغسل؛ ليجمع بينه وبين حديثها الآخر، وهذا ما رواه البيهقي عن ابن جريج واستحسنه. والثاني: أنه كان يترك الوضوء في بعض الأحيان لبيان الجواز، إذ لو واظب عليه لاعتقد وجوبه، وهو حسن أيضاً، ويؤيده ابن حبان في " صحيحه " (٢) عن ابن عمر: أنَّه سأل رسول الله ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم، ويتوضأ إنْ شاء»» انتهى كلام ابن الملقن.

стр. 1059

أقول: ما تقدم وما سيأتي يجلي بوضوح للناظر وهم أبي إسحاق في حديثه هذا، فلا داعي لهذا التأويل، والله أعلم. ونقل ابن حجر في "فتح الباري" ٣/ ٤٢ قبيل (١١٤٧) عن الإسماعيلي أنَّه قال: «هذا الحديث يغلط في معناه الأسود، والأخبار الجياد فيها: «كان إذا أراد أنْ ينام وهو جنب توضأ»، وقال ابن حجر عقبه: «لم يرد الإسماعيلي بهذا أنَّ حديث الباب غلط، وإنَّما أشار إلى أنَّ أبا إسحاق حدث به عن الأسود بلفظ آخر غلط فيه … ». وقال في "بلوغ المرام" عقب (١١٨): «وهو معلول». ومما يدل على ضعف رواية أبي إسحاق هذه، أنه قد رواه عن الأسود، عن عائشة ﵂ بدون هذه اللفظة. أخرجه: الطيالسي (١٣٨٦)، وإسحاق بن راهويه (١٥١٥)، وأحمد ٦/ ١٧٦، والبخاري ٢/ ٦٦ (١١٤٦)، ومسلم ٢/ ١٦٧ (٧٣٩)، والترمذي في "الشمائل" (٢٦٤) بتحقيقي، والنسائي ٣/ ٢٣٠ وفي "الكبرى"، له (١٣٨٩) ط. العلمية و (١٣٩٣) ط. الرسالة، وأبو عوانة ٢/ ٤٢، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ١٢٥ وفي ط. العلمية (٧٣٧)، والطبراني في "الأوسط" (٢٢٠٣) ط. الحديث و (٢١٨٢) ط. العلمية، وابن حبان (٢٥٩٣) و (٢٦٣٨) من طرق عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال: سألت عائشة ﵂، كيف صلاة النبي ﷺ بالليل؟ قالت: كانَ ينامُ أوله ويقومُ آخرَهُ فيصلي، ثمَّ يرجعُ إلى فراشِهِ، فإذا أذّنَ المؤذنُ وثب، فإذا كانَ بهِ حاجةٌ اغتسلَ، و إلا توضأ وخرج (١). ولعل سبب اختلاف أبي إسحاق في هذه الرواية أنه أراد اختصاره فوهم فيه. قال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ١٢٥ وفي ط. العلمية عقب (٧٣٦): «وقالوا: هذا الحديث غلط؛ لأنَّه حديث مختصر، اختصره أبو

стр. 1060

إسحاق السبيعي من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه … ». وقال ابن العربي في "العارضة" ١/ ١٤٩: «تفسير غلط أبي إسحاق هو أن هذا الحديث الذي رواه أبو إسحاق هاهنا مختصراً اقتطعه من حديث طويل فأخطأ في اختصاره … ». وقد روي هذا الحديث عن السيدة عائشة ﵂ من غير طريق أبي إسحاق بدون هذه اللفظة. فأخرجه: مسلم ١/ ١٧٠ (٣٠٥) (٢٢) وفي "التمييز"، له (٤١)، وأبو داود (٢٢٤)، وابن ماجه (٥٩١)، والنسائي ١/ ١٣٨ وفي "الكبرى"، له (٩٠٤٧) ط. العلمية و (٨٩٩٨) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٢١٥) بتحقيقي من طريق الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه: إسحاق بن راهويه (١٤٨٥)، وأحمد ٦/ ١٤٣ و ٢٣٥ و ٢٦٠ و ٢٧٣، والدارمي (٧٥٧)، ومسلم في "التمييز" (٤٢) من طريق عبد الرحمان بن الأسود. كلاهما: (إبراهيم، وعبد الرحمان) عن الأسود. وأخرجه: البخاري ١/ ٨٠ (٢٨٦)، ومسلم ١/ ١٧٠ (٣٠٥) (٢١) وفي "التمييز"، له (٤٣)، وأبو داود (٢٢٢) و (٢٢٣)، وابن ماجه (٥٨٤) و (٥٩٣)، والنسائي ١/ ١٣٩ وفي "الكبرى"، له (٩٠٤٣) و (٩٠٤٤) و (٩٠٤٥) ط. العلمية و (٨٩٩٤) و (٨٩٩٥) و (٨٩٩٦) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٢١٣) بتحقيقي، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (١٣٢) و (١٣٣) من طريق أبي سلمة، به. كلاهما: (الأسود، وأبو سلمة) عن عائشة ﵂ فلم يذكرا فيه هذه اللفظة. وقد روي هذا الحديث عن عائشة ﵂ بذكر هذه اللفظة من غير طريق أبي إسحاق على أنَّه لا يصح من هذه الطرق شيء. فأخرجه: أحمد ٦/ ١١١، والطبراني في "الأوسط" (٦٠٨٨) كلتا

стр. 1061

الطبعتين من طريق شاذان - يعني: الأسود بن عامر- عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمان مولى آل طلحة، عن كريب - يعني: مولى ابن عباس أبي رشدين - عن عائشة ﵂، بنحوه. قال الطبراني عقبه: «لم يروِ هذا الحديث عن كريب إلا محمد بن عبد الرحمان، ولا عن محمد إلا شريك، تفرد به شاذان». هذا إسناد ضعيف؛ فإنَّ شريكاً تفرد برواية هذا الحديث من هذا الطريق، وهو ليس ممن يحتمل تفرده، وعلى تفرده فإنَّ فيه كلاماً ليس باليسير، إذ نقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٤/ ٣٣٣ (١٦٠٢) عن عبد الجبار بن محمد الخطابي، قال: «قلت ليحيى بن سعيد: يقولون: إنَّما خلط شريك بأخرة» فقال: «ما زال مخلطاً»، وقال ابن حبان في "الثقات" ٦/ ٤٤٤: «وكان في آخر أمره يخطئ فيما يروي تغير عليه حفظه، فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط مثل يزيد بن هارون وإسحاق الأزرق، وسماع المتأخرين عنه بالكوفة فيه أوهام كثيرة»، ونقل ابن رجب في "شرح علل الترمذي " ٢/ ٥٨٩ ط. عتر و ٢/ ٧٥٩ ط. همام عن محمد بن عمار الموصلي أنه قال: «شريك كتبه صحاح فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح، قال: ولم يسمع من كتابه إلا إسحاق الأزرق». وأخرجه: العقيلي في "الضعفاء الكبير" ٣/ ٣٩١، ومن طريقه الخطيب في "تاريخ بغداد" ٣/ ٢٨٧ وفي ط. الغرب ٤/ ٤٦٢ من طريق عيسى بن يزيد … -وهو ابن داب - عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂، به. هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عيسى بن يزيد، إذ قال عنه البخاري في "التاريخ الكبير" ٦/ ٢٠٢ (٢٧٨٢): «منكر»، ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٣٧٢ (١٦١٥) عن أبيه أنَّه قال: «منكر الحديث»، ونقل الذهبي في "ميزان الاعتدال " ٣/ ٣٢٨ عن خلف الأحمر أنَّه قال: «كان يضع الحديث». والحديث من هذا الطريق ضعيف لا يحتج به.

стр. 1062

وروي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ كما ذكره الدارقطني في "علله" ٣/ ١٦٤ (٣٣٠). وقال عقبه: «هو حديث يرويه هكذا رواد بن الجراح، عن الثوري، عن أبي (١) إسحاق ووهم فيه رواد، وإنما رواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة». قلت: ورواد، قال الحافظ فيه في "التقريب" (١٩٥٨): «صدوق اختلط بأخرة فترك» وعلى حاله هذه، فإنَّه خالف أصحاب الثوري الذين رووه عنه بالإسناد المتقدم من حديث عائشة ﵂ فلعله من تخاليطه. ومما يزيد هذا الطريق ضعفاً أنَّ رواداً ضعيف خاصة في الثوري، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال" ٢/ ٤٩١ (١٩١٢) عن الإمام أحمد أنَّه قال فيه: «لا بأس به صاحب سنة، إلا أنَّه حدث عن سفيان أحاديث مناكير»، وقال يحيى بن معين في "تاريخه" (٥١٠٢) برواية الدوري: «لا بأس به، إنَّما غلط في حديث سفيان». وانظر: " تحفة الأشراف "١١/ ١٣٤ (١٥٩٢٦) و ١١/ ١٧٣ (١٦٠١٨) و ١١/ ١٧٤ (١٦٠٢٠) و ١١/ ١٧٥ (١٦٠٢٣) و (١٦٠٢٤) و ١١/ ١٨٠ (١٦٠٣٨)، و" أطراف المسند " ٩/ ٢٠ (١١٤٤١) و ٩/ ٢٤ (١١٤٥٣)، و" إتحاف المهرة " ١٦/ ١٠١١ (٢١٥٢٤) و (٢١٥٢٥)، و" التلخيص الحبير" ١/ ٣٧٧ (١٨٧)، و " البدر المنير " ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٩. مثال آخر: روى شعبة، قال: سمعت سهيل بن أبي صالح يحدث، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا وضوءَ إلا منْ صوتٍ أو ريحٍ». أخرجه: الطيالسي (٢٤٢٢)، وابن الجعد في " مسنده " (١٦٤٣) ط.

стр. 1063

الفلاح و (١٥٨٣) ط. العلمية، وأحمد ٢/ ٤١٠ و ٤٣٥ و ٤٧١، وابن ماجه (٥١٥)، والترمذي (٧٤)، وابن الجارود (٢)، وابن خزيمة (٢٧) بتحقيقي، والبيهقي ١/ ١١٧ و ٢٢٠ من طريق شعبة، بهذا الإسناد. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». فالحديث ظاهره الصحة إلا أنَّه معلول بالاختصار، حيث إنَّ شعبة اختصره من حديث مطول والذي نصه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا وجدَ أحدُكم في صلاتِهِ حركةً في دبرهِ فأشكلَ عليه أحدث أم لم يحدثْ؟ فلا ينصرفْ حتّى يسمعَ صوتاً أو يجد ريحاً». وقد أعله البيهقي فقال: «وهذا مختصر»، وقال أبو حاتم في " العلل " لابنه (١٠٧): «هذا وهم، اختصر شُعبة متن هذا الحديث فقال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» ورواه أصحاب سهيل، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا كانَ أحدُكُمْ في الصَّلاةِ فوجدَ ريحاً منْ نفسِهِ فلا يَخْرجنَّ حتّى يسمعَ صَوْتاً أو يجدَ ريْحاً»،». والحديث المطول روي من عدة وجوه عن سهيل ولم يتابع شعبةَ أحدٌ من أصحاب سهيل على الرواية المختصرة. فأخرجه: مسلم ١/ ١٩٠ (٣٦٢) (٩٩)، وأبو نعيم في " المسند المستخرج " (٧٩٧) والبيهقي ١/ ١١٧ من طريق جرير بن عبد الحميد. وأخرجه: أحمد ٢/ ٤١٤، والدارمي (٧٢١)، وأبو داود (١٧٧) من طريق حماد بن سلمة. وأخرجه: ابن خزيمة (٢٤) و (٢٨) بتحقيقي، وابن حبان كما في "إتحاف المهرة " ١٤/ ٤٨٢ (١٨٠٥٤) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي. وأخرجه: أبو عوانة ١/ ٢٢٤ (٧٤١) من طريق زهير بن معاوية. وأخرجه: الترمذي (٧٥)، وابن خزيمة (٢٤) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " (١٤٩)، وابن الجوزي في " التحقيق " (٢٢٩) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي.

стр. 1064

قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وأخرجه: البيهقي ١/ ١٦١ من طريق محمد بن جعفر. وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (١٥٦٥) ط. العلمية و (١٥٨٨) ط. الحديث. من طريق يحيى بن المهلب البجلي. سبعتهم: (جرير، وحماد، وخالد، وزهير، وعبد العزيز، ومحمد، ويحيى) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة باللفظ المطول المذكور أو بمعناه. بهذا يكون شعبة خالف جمعاً من الثقات على هذه اللفظة المختصرة. إلا أنَّ بعض العلماء ردوا على كلام أبي حاتم: قال ابن التركماني في " الجوهر النقي " ١/ ١١٧: «لو كان الحديث الأول مختصراً من الثاني لكان موجوداً في الثاني مع زيادة، وعموم الحصر المذكور في الأول ليس في الثاني، بل هما حديثان مختلفان». وذهب مذهبه ابن الملقن في " البدر المنير " ٢/ ٤٢٠. وقال النووي في " الخلاصة " عقب (٢٥٨): «رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحة». وقال ابن الملقن في " البدر المنير " ٢/ ٤١٩: «وقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: إسناده حسن ثابت، وقال الشيخ تقي الدين القشيري في "الإمام": إسناده على شرط مسلم قال: وهو - والله أعلم - مختصر بالمعنى من حديث أطول منه، أخرجه: مسلم، عن أبي هريرة مرفوعاً … ». وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " ١/ ٢٣٧: «وشعبة إمام حافظ واسع الرواية، وقد روى هذا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة على الحصر، ودينه وإمامته ومعرفته بلسان العرب يرد ما ذكره أبو حاتم». وأيد هذا الشيخ أبو إسحاق الحويني في تحقيقه لمنتقى ابن الجارود ١/ ١٧ فقال: «ولعل ما جنح إليه ابن التركماني يكون صواباً، وقد كان شعبة

стр. 1065

يعطي المتن اهتماماً بالغاً» (١). وقد بوب ابن خزيمة قبل حديث شعبة المذكور فقال: «باب ذكر خبر روي مختصراً عن رسول الله ﷺ ، أوهم عالماً ممنْ لم يميز بين الخبر المختصر والخبر المتقصي، أنَّ الوضوء لا يجب إلا من الحدث الذي له صوت أو رائحة». وقال في الباب الذي بعد الحديث: «والدليل على أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أعلم أنْ لا وضوءَ إلا من صوتٍ أو ريحٍ عند مسألة سئل عنها في الرجل يخيل إليه أنَّه قد خرجت منه ريح فيشك في خروج الريح. وكانت هذه المقالة عنه ﷺ : «لا وضوءَ إلا منْ صوتٍ أو ريحٍ» جواباً عما عنه سئل فقط لا ابتداء كلام، مسقطاً بهذه المسألة إيجاب الوضوء من غير الريح التي لها صوت أو رائحة. إذ لو كان هذا القول منه ﷺ ابتداء من غير أنْ تقدمته مسألة كانت هذه المقالة تنفي إيجاب الوضوء من البول والنوم والمذي، إذ قد يكون البول لا صوت له، ولا ريح، وكذلك النوم والمذي لا صوت لهما ولا ريح وكذلك الودي». قلت: إذا ذهبنا نستجلي حقيقة الأمر بطريق البحث العلمي المستند إلى حقائق الأمور وقواعد أصحاب هذا الفن، نجد أنَّ أبا حاتم الرازي لم يحكم بهذا الحكم من غير بينة، إذ أشار في تضاعيف كلامه إلى أنَّ مستنده في الحكم بوهم شعبة واختصاره للحديث: مخالفته لجمهور أصحاب سهيل، وهذا هو المنهج العلمي الذي يتبعه أئمة الحديث في معرفة ضبط الراوي، وذلك من خلال مقارنة روايته برواية غيره، كما تبين قبل قليل. ولا يطعن في إمامة شعبة ودينه - فهذا أمر وهذا أمر آخر-، ومن ذا الذي لا يخطئ. ولا يشترط أنْ يكون لفظ الحديث المختصر موجوداً في

стр. 1066

الحديث المختصر منه، بل يكفي وجود المعنى، إذ لربما اختصر الراوي الحديث، ثم روى اللفظ المختصر بالمعنى فلا يبقى رابط بينهما سوى المعنى، وهذا ما نجده في حديثنا هذا، وبه يندفع اعتراض ابن التركماني ومن قلده. ومع هذا فإن كلام ابن التركماني المتقدم في أنَّ المختصر لابد أن يكون في المختصر منه مع زيادة، فهو كلام لا يساوي سماعه؛ إذ أنَّ الحصرَ بينٌ في الروايتين المختصرة والمختصر منها، فعلى ذلك كلامه مجرد تهويل. وقد روى شعبة هذا الحديث عن شخص آخر عن سهيل. أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٦٩٢٩) في كلتا الطبعتين من طريق يحيى بن السَّكن، عن شعبة، عن إدريس الكوفي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا وضوءَ إلا منْ صوتٍ أو ريحٍ». قال الطبراني: «ولم يدخل أحد ممن روى هذا الحديث عن شعبة بين شعبة وسهيل: إدريس إلا يحيى بن السكن». وهذا الحديث علته الاختصار أيضاً في متنه مع زيادة علة أخرى في الإسناد. وفيه يحيى بن السكن قال عنه أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٩/ ١٩١ (٦٤٣): «ليس بالقوي»، و قال الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٦/ ٢٢٠ ط. الغرب: «وكان أبو الوليد يقول: هو يكذب»، وقال أبو علي صالح بن محمد: «يحيى بن السكن لا يساوي فلساً»، وقال الذهبي في "الميزان " ٤/ ٣٨٠ (٩٥٢٥): «ليس بالقوي، وضعّفه صالح جزرة». ومما يدل على لِيْن هذا الراوي أنه خالف ستة من الرواة وهم من هم في الحفظ والإتقان لا سيما في شعبة، إذ رواه الطيالسي وابن الجعد ووكيع وغندر (١) وبندار وعبد الرحمان، فلم يذكر أحد منهم إدريس الكوفي بين شعبة

стр. 1067

وسهيل، ولو كانت هذه الزيادة صحيحة لكان هؤلاء الحفاظ أولى بحفظها من غيرهم، والله أعلم. ورواه شعبة من غير وجه أبي صالح. أخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٣/ ٤١٤ وفي ط. الغرب ٤/ ٦٥٣ - ٦٥٤ من طريق محمد بن يحيى بن أبي سمينة، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَنْصرفْ حتّى تسمعَ صوتاً أو تجد ريحاً». قال الخطيب: «غريب من حديث شعبة، عن سليمان الأعمش، تفرد بروايته ابن أبي سمينة، عن سعيد بن عامر، عنه. وهو محفوظ عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة». ومحمد بن يحيى بن أبي سمينة هذا نقل حديثه الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٦٣ (٨٣٠٤) ونقل عن إبراهيم بن إسحاق الصواف يقول: «محمد بن يحيى بن أبي سمينة وقد كانوا يغمزونه»، وعن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال: «هو أحب إليَّ منْ محفوظ ابن أبي توبة لولا أنَّ فيه تلك الخلة - يعني: الشرب -». وانظر: "تحفة الأشراف" ٩/ ١٥٩ (١٢٦٠٣) و ٩/ ١٦٥ (١٢٦٢٩) و ٩/ ١٧٨ (١٢٦٨٣) و ٩/ ١٨٧ (١٢٧١٨)، و"أطراف المسند" ٧/ ١٩٩ (٩٢١٦)، و"التلخيص الحبير" ١/ ٣٣١ (١٥٧)، و"إتحاف المهرة" ١٤/ ٤٨٢ (١٨٠٥٤)، و"إرواء الغليل" ١/ ١٥٣ (١١٩). ويشهد لرواية شعبة حديث السائب بن خباب (١) إلا أنَّه لا يصح.

стр. 1068

أخرجه: ابن أبي شيبة (٨٠٧٤)، وابن ماجه (٥١٦)، والطبراني في "الكبير " (٦٦٢٢)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٣٤٧٥) من طريق عبد العزيز بن عبيد الله. وأخرجه: أحمد ٣/ ٤٢٦ من طريق ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الله بن مالك. كلاهما: (عبد العزيز، ومحمد) عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: رأيت السائب يشم ثوبه فقلت له: مم ذاك؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا وضوءَ إلا منْ ريحٍ أو سماع». في الإسناد الأول: عبد العزيز بن عبيد الله وهو ضعيف، قال عنه الحافظ في "التقريب" (٤١١١): «ضعيف ولم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش». وفي الإسناد الثاني: ابن لهيعة وهو ضعيف، وقد تقدمت ترجمته. وفيه أيضاً محمد بن عبد الله بن مالك، وهذا ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ١٢٩ (٣٨٠)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٧/ ٤٠٦ (١٦٥٢)، وابن حجر في " تعجيل المنفعة " ٢/ ١٨٨ (٩٤٤) فلم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في " الثقات" ٥/ ٣٦١ إلا أنَّه لم يأت بما يدل على أنَّه سبرَ روايته فيكون توثيقه مردوداً (١). فيكون محمد مجهول الحال. وقد يأتي الحديث مطولاً بذكر الموقوف من كلام الصحابي وبذكر المرفوع من كلام النبي ﷺ فيرويه بعضهم كما هو، ويقتصر آخرون

стр. 1069

على الجزء المرفوع، وبعضهم يقتصر على الجزء الموقوف، مثاله ما روى هشام ابن حسّان، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري: أنَّهم كانوا جلوساً فذكروا ما يوجب الغسل، فقال من حضر من المهاجرين: إذا مسّ الختان الختان وجب الغسل. وقال من حضره من الأنصار: لا، حتى يدفق قال أبو موسى: أنا آتيكم بالخبر، فقام إلى عائشة ﵂ فسلّم، ثم قال: إني أريد أنْ أسألكِ عن شيء وأنا أستحيي منه، فقالت: لا تستحي أنْ تسأل عن شيء تسأل عنه أُمَّكَ التي ولدتْكَ فإنما أنا أمُّكَ، قال: قلت: ما يوجبُ الغسل؟ قالت: على الخبير سقطتَ، قال رسول الله ﷺ : «إذا جلسَ بينَ شُعبها الأربعِ ومسَّ الختانُ (١) الختانَ وجبَ الغسلُ». (٢) أخرجه: مسلم ١/ ١٨٦ (٣٤٩) (٨٨)، وابن خزيمة (٢٢٧) بتحقيقي، وأبو عوانة ١/ ٢٤٢ (٨٢٧)، وابن المنذر في "الأوسط" (٥٨٧)، وابن حبان (١١٨٣)، والطبراني في " الأوسط " (٧١١٩) كلتا الطبعتين، وابن حزم في " المحلى " ٢/ ٥، والبيهقي في " المعرفة " (٢٥٥) و (٢٥٦) … ط. العلمية و (١٣٨٤) و (١٣٨٥) ط. الوعي من طريق هشام بن حسّان، بهذا الإسناد. هذا الحديث روي عن أبي موسى وجاء فيه اللفظ مرفوعاً وموقوفاً، فكما بيناه أعلاه أنَّه جاء هنا مرفوعاً، ورواه مالك بإسناده فاختلف عنه فيه فأخرجه: ابن عبد البر في " التمهيد " ٨/ ٣٧٨ من طريق أبي قرة قال: ذكر مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا التقى الختانان وجبَ الغسلُ».

стр. 1070

هذا إسناد ظاهره الصحة، أبو قرة قال عنه ابن حجر: «ثقة يغرب» (١) إلا أنَّ أبا قرة أغرب في هذا الحديث عن أصحاب مالك. فقد أخرجه: مالك في " الموطأ " (١١٥) برواية الليثي و (١٢٧) برواية أبي مصعب الزهري و (٦٨) برواية القعنبي، ومن طريق مالك أخرجه: الشافعي في " مسنده " (٩٥) بتحقيقي، ومن طريق الشافعي أخرجه: البيهقي في " المعرفة" (٢٥٠) ط. العلمية و (١٣٧١) ط. الوعي. فهؤلاء أربعة من الرواة هم أصحاب مالك المعول عليهم رووه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنَّ أبا موسى الأشعري أتى عائشة زوج النبيِّ ﷺ فقال لها: لقد شقّ عليَّ اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر إني لأعْظمُ أن استقبلكِ به قالتْ: ما هو؟ ما كنتَ عنه سائلاً أمَّكَ فسلني عنه. قال لها: الرجل يصيب أهله ثم يكسل فلا ينزل؟ فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: لا أسأل عن هذا أحداً بعدك أبداً (٢). قال البيهقي: «هذا إسناد صحيح، إلا أنَّه موقوف على عائشة». قلت: وقد ذهب ابن عبد البر في " التمهيد " ٨/ ٣٧٩ إلى رد رواية أبي قرة فقال: «وهذا خطأ، والصواب ما في الموطأ». وقد روي هذا الحديث مرفوعاً من طريق سعيد بن المسيب. فأخرجه: عبد الرزاق (٩٣٩)، وإسحاق بن راهويه (١١٠١)، وأحمد ٦/ ١١٢، والترمذي (١٠٩)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٥٦ وفي ط. العلمية (٣١٤)، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (٢٢) و (٢٣) من طريق سفيان الثوري. وأخرجه: الشافعي في " الأم " ٢/ ٧٩ ط. الوفاء وفي " المسند "، له (٩٦)

стр. 1071

بتحقيقي، ومن طريقه البغوي (٢٤٣) من طريق سفيان بن عيينة. وأخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٥٦ وفي ط. العلمية (٣٠٧) و (٣٠٨) من طريق حماد بن سلمة. وأخرجه: ابن عبد البر في " التمهيد " ٨/ ٣٧٩ من طريق زائدة. أربعتهم: (الثوري، وابن عيينة، وحماد، وزائدة) عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن سعيد بن المسيب قال .. فذكره وجاء فيه مرفوعاً: «إذا جلسَ بينَ الشعبِ الأربعِ وألصقَ الختانَ بالختانِ فقدْ وجبَ الغسلُ». قلت: فهذان إسنادان أحدهما مرفوع والآخر موقوف، إلا أنَّ الطريق المرفوع ضعيف لضعف علي بن زيد وقد تقدمت ترجمته. وأما الطريق الموقوف فمما يرجحه كون إسناده أقوى من إسناد الطريق المرفوع، وكثرة المتابعات الآتية. وانظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ٢٨١ (١٦٢٧٧)، و" إتحاف المهرة " ١٧/ ٦٤ (٢١٨٧٩). وقد روي هذا الحديث عن السيدة عائشة من طرق عدة فيها الغث والسمين. فقد أخرجه: أحمد ٦/ ١٦١، والترمذي (١٠٨) وفي " العلل الكبير "، له: ١٨٣ (٣٧)، وابن ماجه (٦٠٨)، والنَّسائي في " الكبرى " (١٩٦) ط. العلمية و (١٩٤) ط. الرسالة، وابن حبان (١١٧٦)، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٥٦٨)، والدارقطني ١/ ١١٠ ط. العلمية و (٣٩٢) … ط. الرسالة، وابن عبد البر في " التمهيد " ٨/ ٣٨١ من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيِّ ﷺ ، قالت: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ، فعلته أنا ورسول الله ﷺ واغتسلنا (١).

стр. 1072

وأخرجه: ابن الجارود (٩٣)، وأبو يعلى (٤٩٢٥)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار " ١/ ١٥٥ وفي ط. العلمية (٣٠٤)، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل " (٥٦٨)، وابن حبان (١١٧٥) و (١١٨١) و (١١٨٦)، والدارقطني ١/ ١١٠ - ١١١ ط. العلمية و (٣٩٣) ط. الرسالة، والبيهقي ١/ ١٦٤ من طرق عن الأوزاعي قال: حدثني عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنَّها سُئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل قالت: فعلتُ ذلك أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا منه جميعاً. أقول: هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنَّ الإمام أحمد والإمام البخاري أعلاّه بالإرسال، فقد قال الترمذي ﵀ في " العلل الكبير ": ١٨٣ (٣٧): «سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ إنَّما يرويه الأوزاعي، عن عبد الرحمان بن القاسم مرسلاً. وروى الأوزاعي عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة شيئاً من قولها فأخذ الخرقة فمسح بها الأذى، وقال أبو الزناد: سألت القاسم بن محمد: سمعت في هذا الباب شيئا؟ قال: لا». وقال أبو زرعة في " الفوائد المعللة " (أ/٥٠): «وسألت أبا عبد الله عن حديث حدثنا به أبو مسهر، عن ابن سماعة، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمان ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فعلته أنا ورسولُ الله ﷺ فاغتسلنا. فقال أحمد بن حنبل: حدثنا به الوليد بن مسلم - يعني: عن الأوزاعي - فلم يعجبه: فقلت له [ .... ] (١) حدثنا أبو مسهر، عن ابن سماعة، عن الأوزاعيِّ، فقال: كان الأوزاعي يحدث بهذا الحديث، فإذا بلغ هذا الموضع زاد، عن يحيى بن أبي كثير بلغني، عن عائشة أنَّها قالتْ: فعلتهُ أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، وهذا عنده الصواب، قال أبو زرعة: فإنْ كان أبو عبد الله قال هذا فإنِّي رأيتُ أبا مسهر يمليه عن يحيى بن معين، عن ابن

стр. 1073

سماعة، عن الأوزاعي [بقيلة يحيى ولم يكن] (١)»، وقال الدارقطني ١/ ١١١: «رفعه الوليد بن مسلم والوليد بن مزيد، ورواه بشر بن بكر وأبو المغيرة وعمرو بن أبي سلمة ومحمد بن كثير ومحمد بن مصعب وغيرهم موقوفاً» (٢). وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " عقب (١٨٠): «وأعله البخاريُّ بأنَّ الأوزاعي أخطأ فيه، ورواه غيره عن عبد الرحمان بن القاسم مرسلاً، واستدل على ذلك بأنَّ أبا الزناد قال: سألتُ القاسم بن محمد سمعتَ في هذا الباب شيئاً؟ فقال: لا، وأجاب من صححه بأنَّه يحتمل أن يكون القاسم كان نسيه، ثمَّ تذكر فحدَّث به ابنه أو كان حدث به ابنه ثمَّ نسي، ولا يخلو الجواب عن نظر». وقال أيضاً: «قال النوويُّ في " التنقيح ": هذا الحديث أصله صحيح إلا أنَّ فيه تغييراً، وتبع في ذلك ابن الصلاح فإنَّه قال في " مشكل الوسيط ": هو ثابت من حديث عائشة بغير هذا اللفظ، وأما بهذا اللفظ فغير مذكور انتهى، وقد عرف من رواية الشافعيِّ ومن تابعه، أنَّه مذكور باللفظ المذكور وأصله في مسلم (٣) بلفظ: «إذا جلسَ بينَ شعبها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغُسْلُ»». وخالف هؤلاء الأئمة ابن القطان فذهب إلى تصحيحه فقال في " بيان الوهم والإيهام " ٥/ ٢٦٨ عقب (٢٤٦٥): «وكونه يروى مرسلاً ليس بعلة فيه، ولا أيضاً قول القاسم: إنَّه لم يسمع في هذا شيئاً، فإنَّه قد يعني به شيئاً يناقض هذا الذي رويت. لابد من حمله على ذلك لصحة الحديث المذكور عنه من رواية ابنه عبد الرحمان وهو الثقة المأمون، والأوزاعيُّ إمام، والوليد بن مسلم وإنْ كان مدلساً ومسوياً فإنَّه قد قال فيه: حدَّثنا. ذكر ذلك الدارقطني وذكر له أيضاً طريقاً آخر عن الأوزاعي، هو منه أيضاً صحيح». قلت: ولكن العلة ليست في عنعنة الوليد بن مسلم، وإنَّما في الأوزاعي

стр. 1074

نفسه، فكما تقدم أنَّ ثلاثة من الأئمة وهم من أكابر هذا الشأن والمعول عليهم في معرفة الصحيح من السقيم قد أعلوه بالإرسال. وأما ما نقله الحافظ ابن حجر - عن من صحح الحديث - لكلام القاسم فهو تأويل بعيد عن ظاهر ما أراده القاسم، ثم إنَّ الحديث جاء من طرق عديدة من غير طريق القاسم فذكر فيها ما ذكر في هذا الطريق فلا وجه حينئذ لهذا التأويل. وروي من غير هذا الطريق. فأخرجه: الشافعيُّ في " مسنده " (٩٨) بتحقيقي، وفي "اختلاف الحديث"، له: ٦٢، ومن طريقه البيهقي في " المعرفة " (٢٥٣) و (٢٥٤) ط. العلمية وعقب (١٣٧٤) و (١٣٧٥) ط. الوعي، قال: أخبرنا الثقة، عن الأوزاعيِّ، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه أو عن يحيى بن سعيد (١)، عن القاسم، عن عائشة ﵂، به. وهذا الإسناد ضعيفٌ؛ لإبهام شيخ الشافعيِّ وهو مدار الحديث؛ ولشكه في الإسناد، فإنْ قيل: إنَّ الراويَ المبهم وثّقه الشافعيُّ. فنقول: هذا توثيق على الإبهام وهو لا ينفع، فقد يكون الراوي ثقة عند الشافعي، ضعيفاً عند غيره، والأمثلة على ذلك كثيرة (٢). وانظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ٦٧٨ (١٧٤٩٩). وأخرجه: ابن أبي شيبة (٩٤١) قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه وعن نافع، قالا: قالتْ عائشة: إذا خالفَ الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغُسْلُ. هذا موقوف، وروي من غير هذا الطريق. فأخرجه: إسحاق بن راهويه (١٠٤٤) من طريق أبي واقد الليثي، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ، قال: «إذا التقى الختانانِ فقدْ وجبَ الغُسلُ».

стр. 1075

وهذا الإسناد ضعيف؛ أبو واقد متكلم فيه، فقد نقل المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٣/ ٤٣٥ (٢٨٢١) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ليس بذاك»، وعن يعقوب بن شيبة: «كان عليُّ بن المديني فيما بلغنا يضعفه»، وقال البخاريُّ في "الضعفاء الصغير" (١٦٨): «تركه سليمان بن حرب، منكر الحديث»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٢٩٧): «ليس بالقوي»، وقال ابن حجر في " التقريب" (٢٨٨٥): «ضعيف». قلت: إلا أنَّ أبا واقد توبع. فقد أخرجه: البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٦/ ٣٩ (٢١٠٧) من طريق عمر بن حفص بن حجار، عن أبي سلمة، قال: سمعت عائشة ﵂، قالت: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «إذا التقى الختانان». قال البخاريُّ عقبه معلاً هذا الطريق: «رواه أبو النضر ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قولها». قلت: وهذا الطريق كسابقه لا يصح، عمر بن حفص قال عنه أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٦/ ١٥٨ (٦٨٣): «هو مضطرب الحديث». وأخرجه: الفسويُّ في " المعرفة والتاريخ " ٢/ ٢١٧ - ٢١٨ من طريق يحيى بن سعيد العطار الأنصاري قال: حدثني عثمان بن عطاء بن أبي مسلم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، قال: دخلتُ على عائشة فقلت: يا أمتاه (١)،

стр. 1076

إنَّ جابر بن عبد الله يقول: الماءُ منَ الماءِ فقالتْ: أخطأ، جابر أعلم برسول الله مني؟ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا جاوزَ الختانُ فقدْ وجبَ الغسلُ». أيوجبُ الرجمَ ولا يوجبُ الغسلَ؟ وهذا إسناد ضعيف؛ يحيى بن سعيد العطار قال عنه يحيى بن معين فيما نقله المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٨/ ٤٢ - ٤٣ (٧٤٣٠): «ليس بشيء»، ونقل عن ابن خزيمة قوله فيه: «لا يحتج بحديثه»، وعن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وأبي جعفر العقيليِّ قالا فيه: «منكر الحديث»، وعن ابن عدي قال فيه «وهو بَيّن الضعف» (١). وأما عثمان بن عطاء فليس بأحسن حالاً من تلميذه، فقد نقل المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٥/ ١٢٦ (٤٤٣٥) عن عمرو بن علي أنَّه قال فيه: «منكر الحديث»، وفي موضع: «متروك الحديث»، وعن البخاريِّ قوله فيه: «ليس بذاك»، وعن النَّسائيِّ: «ليس بثقة»، وعن ابن خزيمة: «لا أحتج بحديثه» (٢). ولقائل أنْ يقول: حديث أبي سلمة هذا مرويٌّ عنه بثلاث طرق لا يخلو كل منها من مقال، ولكن أحداً من الرواة المتكلم فيهم لم يتهم بالكذب، فعلى هذا الأساس تكون متابعة بعض الرواة قرينة دالة على حفظهم الحديث من جهة، وسبباً لينتقل الحديث من الضعيف إلى الحسن لغيره كما هو متقرر عند المحدّثين. فنقول: هذا كلام حسن من جهة أنَّ الرواة لم يظهر ما يعارض روايتهم أو عدم مخالفتهم لمن هم أوثق منهم. وفي هذا الحديث فإنَّ المتابعات التي جاءت لا تنفع هذا الحديث قوة؛ لأنَّ الحديث ثابت عن أبي سلمة موقوف. فقد أخرجه: مالك في " الموطأ " (١١٤) برواية الليثي و (١٢٦) برواية أبي مصعب الزهريِّ و (٧٧) برواية محمد بن الحسن الشيباني وعقب (٦٧) برواية القعنبي، ومن طريق مالك أخرجه: عبد الرزاق (٩٤١)، والطحاوي في " شرح

стр. 1077

المعاني " ١/ ٦٠ وفي ط. العلمية (٣٣٣)، والبيهقي ١/ ١٦٦ من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان بن عوف أنَّه قال: سألتُ عائشة زوج النَّبيِّ ﷺ ما يوجبُ الغسل؟ فقالتْ: هل تدري ما مثلكَ يا أبا سلمة؟ مثل الفروج يسمعُ الدِّيكة تصرخُ فيصرخُ معها، إذا جاوزَ الختانُ الختانَ فقدْ وجبَ الغسلُ (١). قلت: فبهذا الطريق ظهر عوار الطرق السابقة وأبو النضر ثقة ثبت (٢) فبحفظ أبي النضر طاشت الروايات المتقدمة وثبتت الرواية الصحيحة. انظر: " إتحاف المهرة " ١٧/ ٦١٠ (٢٢٨٨٥) ولم يذكر الحافظ ﵀ رواية مالك، سوى رواية الطحاوي من طريقه. وروي من غير هذا الطريق. فأخرجه: أحمد ٦/ ٢٦٥ قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح: أنَّه دخل على عائشة فقال: إنَّي أريدُ أنْ أسألكِ عنْ شيء وإني أستحييك، فقالتْ: سل ما بدا لك فإنَّما أنا أمكَ، فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، ما يوجبُ الغسلَ؟ فقالتْ: إذا اختلفَ الختانانِ وجبتِ الجنابةُ. فكان قتادة يُتبعُ هذا الحديث أنَّ عائشةَ قالتْ: قدْ فعلتُ أنا ورسولُ الله ﷺ فاغتسَلْنا. فلا أدري أشيءٌ في هذا الحديث أم كان قتادة يقوله؟ قلت: هذا الإسناد معلول بثلاث علل. الأولى: أنَّ عبد الله بن رباح لم يسمعه من السيدة عائشة، وإنَّما سمعه من عبد العزيز بن النُّعمان، عن عائشة. قال ابن معين في " تاريخه " (٣٩٩١) برواية الدوري: «بينهما رجل وهو عبد العزيز بن النعمان». انظر: " إتحاف المهرة " ١٧/ ١٠ (٢١٧٨٦). وما يدل على انقطاع هذا السند أنَّ الحديث روي بإثبات عبد العزيز بن النعمان.

стр. 1078

فقد أخرجه: أحمد ٦/ ١٢٣ و ٢٢٧ و ٢٣٩، وابن عبد البر في "التمهيد" ٨/ ٣٨٠ من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن عبد العزيز بن النُّعمان، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا التقى الختانانِ وجبَ الغسلُ». وهذه العلة الأولى. وأما العلة الثانية: فهي جهالة حال عبد العزيز بن النُّعمان، فقد ترجم له البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٥/ ٢٩٤ (١٥١٦)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٥/ ٤٦٩ (١٨٤٣)، والذهبيُّ في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٦٣٦ (٥١٣٤) وفي " المغني "، له (٣٧٥٨)، والحسيني في " الإكمال " (٥٤٨)، وابن حجر في " تعجيل المنفعة " (٦٦٤) وسكت الجميع عنه اللهم إلا ما كان من قول الذهبي فيه: «شيخٌ مُقل» وهذا النص للجرح أقرب منه للتعديل. إلا أنَّ ابن حبان ذكره في "الثقات" ٥/ ١٢٥ ولم يتكلم عليه بما يدل على أنَّه سبر رواياته، فلا عبرة بذكره والحال هذه، فيكون حال عبد العزيز إلى الجهالة أقرب. وأما العلة الثالثة: فإنَّ عبد العزيز لا يعرف له سماع من عائشة، قال البخاريُّ في "التاريخ الكبير" ٥/ ٢٩٤ (١٥١٦): «لا يعرف له سماع من عائشة». وهذه العلل التي ذكرناها إنَّما هي لطريق عبد العزيز، أما طريق عبد الله ابن رباح، فظاهره الوقف، وأما عبارة: «قد فعلت أنا ورسول الله ﷺ » هذه العبارة توقف فيها الإمام أحمد وسبب توقفه أنَّه لا يعرف هذه العبارة هل هي من الحديث، أم كان قتادة يقولها، والظاهر أنَّه من قول قتادة، والله أعلم. وانظر: " إتحاف المهرة " ١٧/ ٨٩ (٢١٩٢٣)، و " أطراف المسند " ٩/ ٦٧ (١١٥٧٦). وقد روي من غير هذا الطريق. فأخرجه: ابن أبي شيبة (٩٥٢)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٥٨ - ٥٩ وفي ط. العلمية (٣٢٦) من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي

стр. 1079

حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة - مولى ابنة صفوان -، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع، قال: بينا أنا عندَ عمر بن الخطاب إذ دخل عليه رجلٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، هذا زيد بن ثابت يفتي الناسَ في المسجدِ برأيهِ في الغسل من الجنابة، فقال عمرُ: عليَّ به فجاءَ زيدٌ فلما رآه عمر قال: أي عدو نفسه، قد بلغتَ أن تفتي الناسَ برأيك؟ فقالَ: يا أمير المؤمنين، بالله ما فعلتُ لكنِّي سمعتُ منْ أعمامي حديثاً فحدثتُ به منْ أبي أيوب، ومن أُبي بن كعب، ومن رفاعة، فأقبلَ عمر على رفاعةَ بن رافع، فقالَ: وقد كنتم تفعلونَ ذلك إذا أصابَ أحدُكم منَ المرأةِ فأكسلَ لم يغتسلْ؟ فقال: قد كنَّا نفعلُ ذلكَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فلمْ يأتنا منَ الله فيه تحريمٌ، ولم يكنْ منْ رسول الله ﷺ فيه نهي، قال: ورسولُ الله ﷺ يعلمُ ذاكَ؟ قال: لا أدري، فأمرَ عمرُ بجمعِ المهاجرينَ والأنصار فجمعوا له فشاورَهم، فأشارَ الناسُ: أنْ لا غسلَ في ذلك إلا ما كانَ منْ معاذ وعليٍّ فإنَّهما قالا: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغسلُ، فقال عمر: هذا وأنتم أصحابُ بدرٍ قد اختلفتم فمنْ بعدكم أشدُ اختلافاً، قال: فقالَ عليٌّ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّه ليسَ أحدٌ أعلم بهذا منْ شأنِ رسول الله ﷺ منْ أزواجه فأرسلْ إلى حفصةَ فقالتْ: لا علمَ لي بهذا، فأرسلَ إلى عائشةَ فقالتْ: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغسلُ، فقالَ عمرُ: لا أسمعُ برجلٍ فعلَ ذلك إلا أوجعته ضرباً. وهذا الإسناد ظاهره أنَّه حسنٌ، ولا تخشى فيه إلا عنعنة ابن إسحاق، إلا أنَّ يزيدَ قد اضطرب فيه فكما تقدم أنَّه رواه عن «عبيد بن رفاعة، عن أبيه». وأخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٥٨ وفي ط. العلمية (٣٢٤) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول فذكره. فأسقط من الإسناد لفظة أبيه. قلت: لا يشك شاك في رجحان رواية ابن إسحاق، على رواية ابن لهيعة - على ما فيها من ضعف - إلا أنْ يخشى فيه أنَّ ذكر عبيد بن رفاعة وهم في ذلك كله.

стр. 1080

فقد أخرج هذا الحديث الطحاوي في " شرح المعاني" ١/ ٥٩ وفي ط. العلمية (٣٢٧) من طريق الليث قال: حدثني معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد الله ابن عدي بن الخيار، قال: تذاكرَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ … فذكر نحوه. فإن قيل: هذا الاختلاف لا يضر؛ لأنَّ عبيد بن رفاعة ذكره العجليُّ في "الثقات " (١١٧٩)، وقال عنه: «مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة»، وعبيد الله بن الخيار غنيٌّ عن التعريف. فكيفما دار الحديث دار على ثقة، فحينئذ لا يضر الاختلاف، ولا سيما أنَّ المتن جاء مطابقاً للروايات الكثيرة التي سبقت هذا الطريق. فأقول: إنَّما ذكرته لبيان الاختلاف الواقع في هذا الطريق من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ العجليَّ معروف بتساهله في التوثيق. انظر: " إتحاف لمهرة " ١٦/ ١٠٧ (٢١٦٥٧)، و " أطراف المسند " ١/ ١٩٥ - ١٩٧ (٢٦). وقد روي من طريق آخر. فأخرجه: عبد الرزاق (٩٤٥)، ومن طريقه ابن المنذر في " الأوسط " (ث ٥٨٥) عن ابن جريج، عن عطاء: أنَّ عائشة قالت: إذا التقى الختانانِ وجبَ الغسلُ. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٩٣٥)، وإسحاق بن راهويه (١٢١٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٨/ ٣٨٠ من طريق عبيد (١) الله بن أبي زياد القداح، عن عطاء، عن عائشة قالتْ: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ فقدْ وجبَ الغسلُ، فقدْ كانَ ذلكَ يكونُ مني ومنَ النبيِّ ﷺ فنغتسل. قلت: هذا الطريق لا اختلاف فيه بل إنَّ كلاً من الروايتين جاءت موضحة للأخرى فالأولى مختصرة والثانية مطولة. وأخرجه: عبد الرزاق (٩٣٨)، ومن طريقه ابن المنذر في " الأوسط " (ث ٥٧٩).

стр. 1081

وأخرجه: ابن أبي شيبة (٩٤٠) من طريق مسروق قال: قالتْ عائشة: إذا التقى الختانانِ فقدْ وجبَ الغسلُ. قلت: من خلال سرد هذه الطرق تبين أنَّ عبارة: «إذا مسَ الختانُ الختانَ» إنَّما هي من قول السيدة عائشة ﵂ وإنَّما أضيف إليه ﷺ الفعل كما تقدم من كلام السيدة عائشة ﵂. إلا ما كان من طريق حميد بن هلال. ولكن حتى إنْ صح هذا القول فإنَّ مثل هذا حكمه حكم المسند، قال ابن عبد البر في " التمهيد " ٨/ ٣٧٩: «وهذا الحديث يدخل في المسند بالمعنى والنظر؛ لأنَّه محال أنْ ترى عائشة نفسها في رأيها حجة على غيرها من الصحابة في حين اختلافهم في هذه المسألة النازلة بينهم، ومحال أنْ يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها في مسألة قد خالفها فيها من الصحابة غيرها برأيه؛ لأنَّ كل واحد ليس بحجة على صاحبه عند التنازع، لأنهم أمروا إذا تنازعوا في شيء أنْ يردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا يدلك على أنَّ تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة إنما كان من أجل أنَّ علم ذلك كان عندها عن رسول الله ﷺ فلذلك سلّم لها، إذ هي أولى بعلم مثل ذلك من غيرها، ومع ما ذكرنا من جهة الاستدلال فقد روي هذا الحديث عن عائشة عن النبيِّ ﷺ مسنداً، وروي أنَّ سعيد بن المسيب دخل مع أبي موسى على عائشة في هذه القصة، فبان بذلك حقيقة قولنا وصحة استدلالنا، وبالله التوفيق». وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأُبي بن كعب، وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عن الجميع.

стр. 1082

النوع الثالث من أنواع علل المتن: رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى خلق الله الجنس البشري متفاوتاً في قدراته، وما وهبه لَهُ بمنّه وفضله، وَقَدْ أثّر هَذَا التفاوت عَلَى قدرات الناس في الحفظ، فإنّك تجد الحَافِظ الَّذِي لا يكاد يخطئ إلا قليلاً، وتجد الرَّاوِي الكثير الخطأ، ومن ثَمَّ تجد بَيْنَ الرُّوَاة مَنْ يؤدي لفظ الْحَدِيْث كَمَا سمعه، ومنهم مَنْ يحفظ المضمون ولا يتقيد باللفظ، وَهُوَ ما نسميه " الرِّوَايَة بالمعنى " ويمكن أن نعرفها: «أن يعمد الراوي إلى تأدية معاني الحديث بألفاظ من عنده» (١)، فتجب إصابة المعنى وامتثال موجبه دون إيراد لفظه نفسه، بما يقوم مقام كلامه وينوب منابه من غير زيادة ولا نقصان، قال الخطيب: «وقد ورد القرآن بمثل ذلك فإن الله تعالى قص من أنباء ما قد سبق قصصاً كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد .. » (٢)، ومن دقيق الخطأ بالمعنى ما نقله الخطيب عن إسماعيل بن علية، قال: «روى عني شعبة حديثاً واحداً فأوهم فيه، حدثته عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أنَّ النَّبيَّ ﵌ نهى أنْ يتزعفر الرجل. فقال شعبة: إنَّ النَّبيَّ ﵌ نهى عن التزعفر. قلت - أي: الخطيب -: أفلا ترى إنكار إسماعيل على شعبة روايته هذا الحديث عنه على لفظ العموم في النهي عن التزعفر، وإنَّما نهى عن ذلك للرجال خاصة، وكأنَّ شعبة قصد المعنى ولم يفطن لما فطن له إسماعيل .. » (٣). وفي جواز أداء الْحَدِيْث بِهَا خلافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاء عَلَى مذهبين رئيسين:

стр. 1083

المذهب الرئيس الأول: المنع مطلقاً من الرِّوَايَة بالمعنى، وتعين أداء لفظ الْحَدِيْث. وبه قَالَ عمر بن الخطاب، وزيد بن أرقم، وأبو أُمامة، وعَبْد الله ابن عمر، وابن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وإسماعيل بن عُلية، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، وأبو بكر (١) الجصّاص (٢)، وأبو إسحاق (٣) الإسفراييني، وبه قَالَ الظاهرية، وثعلب (٤) من النحويين وكان يقول: «ما من لفظ من الألفاظ المتواطئة والمترادفة من كلام العرب إلا وبينها وبين صاحبتها فرق، وإن لطفت ودقت، كقولك: بلى ونعم، وأَقبلْ وتعال» (٥)، وبه قال بعض المحدّثين وطائفة من الفقهاء والأصوليين من الشافعية (٦).

стр. 1084

المذهب الرئيس الثاني: جواز الرِّوَايَة بالمعنى بشروط وضعها جمهور العلماء من الفقهاء والمحدّثين وأهل الأصول (١) والشروط هي: أولاً: أن يكون عارفاً بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها، عالماً بما يحيل المعنى، فإن كان جاهلاً بمواقع الكلام امتنع بالإجماع. ثانياً: أن تكون الترجمة مساوية للأصل في الجلاء والخفاء، فيبدل اللفظ بمثله في الاحتمال وعدمه، ولا يبدل العام بالخاص، ولا المطلق بالمقيد؛ لأنَّ الخطاب تارة يقع بالمحكم، وتارةً يقع بالمتشابه؛ لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله. ثالثاً: أن لا يكون من باب المتشابه، كأحاديث الصفات، أما هي فلا يجوز نقلها بالمعنى بالإجماع، حكاه إلكيا الهراسي وغيره. رابعاً: أن لا يكون من جوامع الكلم، كقوله ﷺ : «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (٢) و «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» (٣)؛ لأنَّه لا يمكن درك جميع معاني جوامع الكلم. خامساً: أن لا يكون مما يتعبد بلفظه، فأما ما تعبدنا به، فلا بد من نقله باللفظ قطعاً، كألفاظ التشهد، ولا يجوز نقله بالمعنى بالاتفاق. نقله الغزالي، وأشار إليه ابن فورك (٤). وهذا هُوَ القول الراجح - إن شاء الله - على أنَّ الذين جوزوا الرواية، لهم أحد عشر قولاً. وبناءً عَلَى ذَلِكَ فإنَّ بَعْض الرُّوَاة قَدْ يسوّغ لنفسه رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى عَلَى وجه يظن أنَّهُ أدى المطلوب مِنْهُ. وَلَكِنْ بمقارنة روايات غَيْره يظهر قصوره

стр. 1085

في تأدية المعنى. وأنا ساردٌ أقوال مجوزي الرواية بالمعنى من أصحاب المذهب الثاني وهي: ١ - التفرقة بَيْنَ الألفاظ الَّتِي لا مجال فِيْهَا للتأويل وبَيْنَ الألفاظ الَّتِي تحتمل التأويل، فجُوِّزت الرِّوَايَة بالمعنى في الأول دُوْنَ الثاني؛ لأنَّ الأول يشمل معنى واحداً فقط فعلى أي وجه نقل سيصل هذا المعنى، بخلاف الثاني الذي يحمل أكثر من معنى فلا يُؤمَن أن ينقل على غير وجهه. حكاه أبو الْحُسَيْن بن القطان (١) عن بَعْض الشافعية، وَعَلَيْهِ جرى إلكِيَا الهرّاسي (٢) مِنْهُمْ (٣). وهذا قريب ممن فرق بين المحكم وغيره كالمجمل والمشترك، حيث جوزوا الرواية بالمعنى في المحكم دون المجمل والمشترك. ولا يخفى بُعد هذا القول؛ لأننا لا نستطيع أن نكلف جميع الرواة بذلك. ٢ - جواز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الَّتِي تشتمل عَلَى الأوامر والنواهي، فقد نقل الزركشي عن الماوردي والروياني أنَّهما قالا: «هذا جائز بلا خلاف؛ لأنَّ افعل أمرٌ ولا تفعل نهيٌ، فيتخير الراوي … بينهما» (٤)، في حين أبطل كلامهما الإسنوي وردّه (٥)، أما إذا كَانَ اللفظ خفي المعنى محتملاً لعدة معانٍ فَلَا تجوز. ويستوي في هَذَا الحكم الصَّحَابِيُّ وغيره (٦).

стр. 1086

٣ - من يحفظ اللفظ والمعنى لا تجوز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى؛ لزوال ما كنا نخشاه من تبديل الراوي للمعنى، إن لم يستحضر اللفظ، فما دام قد استحضره لم يجز له أنْ يبدله، ومن كَانَ يستحضر المعنى، دُوْنَ اللفظ جازت روايته بالمعنى؛ لكونه في مقام تبليغ ولا يجوز كتمه؛ ولأنَّه قد تحمل الرواية باللفظ والمعنى فحين يعجز عن أحدهما، يلزمه أداء الآخر. وبه جزم الماورديُّ (١)، فَقَالَ: «والذي أراه: أنَّهُ إن كَانَ يحفظ اللفظ لَمْ يَجُزْ أن يرويه بغير ألفاظه؛ لأنَّ في كلام رَسُوْل الله ﷺ من الفصاحة ما لا يوجد في كلام غيره، وإن لَمْ يحفظ اللفظ جاز أن يورد معناه بغير لفظه؛ لأنَّ الرَّاوِي قَدْ تحمّل أمرين: اللفظ والمعنى، فإن قدر عَلَيْهِمَا لزمه أداؤهما، وإن عجز عن اللفظ وقدر عَلَى المعنى لزمه أداؤه، لئلاّ يَكُوْن مقصراً في نقل ما تحمل» (٢). ٤ - عكس المذهب الَّذِي قبله، فإن كَانَ يستحضر اللفظ جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى لأنَّه متمكن من التصرف فيه، من خلال إيراده لبعض الألفاظ التي تقوم مقام الألفاظ الواردة في الرواية. وإن لَمْ يَكُنْ حافظاً للفظ لَمْ يَجُزْ لَهُ الاقتصار عَلَى المعنى، إذ لربما زاد فِيْهِ ما لَيْسَ مِنْهُ، ولا ينفع في حينها استحضار المعنى فقط. ٥ - جواز الرِّوَايَة بالمعنى بشرط إبدال المترادفات ببعضها، مَعَ الإبقاء عَلَى تركيب الكلام؛ خوفاً من دخول الخلل عِنْدَ تغيير التركيب (٣)، ولأنَّ تركيب الكلام لا يُؤمَن معه الإخلال بالمعنى، بخلاف تغيير الألفاظ المترادفة

стр. 1087

إذ يحصل بها المقصود دون محذور وقد نقل الأبياري الاتفاق على هذا (١). وقيد الخطيب الجواز في هذه الحال، بأنْ يكون معنى اللفظ ظاهراً معلوماً؛ بحيث يستطيع الراوي أنْ يأتي بألفاظ تحل مكان التي في الحديث، ولا يزيد عليها ولا ينقص منها، أما إذا كان معنى اللفظ غامضاً محتملاً لم يجز. وقد نسب هذا القول إلى قوم لم يسمهم (٢). ٦ - إذا أورد الرَّاوِي الْحَدِيْث قاصداً الاحتجاج أو الفتوى، جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى، وإن أورده بقصد الرِّوَايَة لَمْ يَجُزْ لَهُ إلا أداؤه بلفظه، وإلى ذلك ذهب ابن حزم فقال: «وحكم الخبر عن النَّبيِّ ﷺ أن يُورَد بنص لفظه، لا يبدل ولا يغير إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه وعرف معناه يقيناً، فَيُسأل فيفتي بمعناه وموجبه، أو يناظر فيحتج بمعناه وموجبه، فيقول: حَكَمَ رسول الله ﷺ بكذا، وأمر بكذا، وأباح ﵇ كذا، ونهى عن كذا، وحرّم كذا، والواجب في هذه القضية ما صح عن النَّبيِّ ﷺ كذا» (٣)، على أنَّ ابن حزم لا يعتبر الاختلاف في الألفاظ من الرواة، وإنَّما ذلك بتكرارها من النبي ﷺ ولا يعتبره عيباً في الحديث بحيث يوهنه إذا كان المعنى واحداً. ٧ - جواز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة حصراً، ولا تجوز لغيرهم (٤) لكونهم أصحاب بلاغة وفصاحة، ولأنَّهم شاهدوا النَّبيَّ ﷺ وسمعوا قوله فكانوا يعرفون مقاصده، وكما قيل: ليس من أخبر كمن عاين. فهم شاهدوا الوقائع بخلاف غيرهم من الرواة، وإليه مال القرطبي (٥)، وهو قول أبي بكر بن العربي المالكي حيث قال: «إنَّ هذا الخلاف إنَّما يكون في عصر الصحابة ومنهم، وأما من سواهم فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، فإنا لو جوّزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث» (٦).

стр. 1088

٨ - تجوز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة والتابعين دُوْنَ غيرهم (١). وبه قَالَ أبو بكر الحفيد في كتابه " أدب الرِّوَايَة " (٢). ٩ - تجوز الرِّوَايَة بالمعنى فِيْمَا يوجب العِلْم، ولا تجوز فِيْمَا يوجب العمل، وَهُوَ وجه للشافعية (٣)، على اعتبار أنَّ العلم وسيلة للعمل، فيغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد. ١٠ - تجوز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الطوال، ولا تجوز في القصار، وهو قول الْقَاضِي عَبْد الوهّاب (٤) المالكي (٥) حكاه عنه المازري، قال: «وانفراد القاضي عبد الوهّاب بأنَّه يجوز النقل بالمعنى في الأحاديث الطويلة للضرورة دون القصار» (٦)، وردّه الشوكاني (٧). ١١ - لا تجوز الرواية بالمعنى في حديث رسول الله ﷺ خاصة، وأما غيره عن الصحابة أو التابعين فجائز، وهو قول الإمام مالك حيث نقل الخطيب عنه قوله: «كل حديث للنبي ﷺ يؤدَّى على لفظه وعلى ما روي، وما كان في غيره فلا بأس إذا أصاب المعنى» (٨)، وحكاه ابن الصلاح عن البعض ولم يسمهم (٩)، وهو قول الخليل بن أحمد (١٠).

стр. 1089

أثر الرواية بالمعنى عند النحاة: كان الأمل أن يصطف الحديث النبوي الشريف بعد القرآن الكريم في حجيته كمصدر من مصادر الدرس النحوي، إلا أنَّ هذا النوع من العلل وهو رواية الحديث بالمعنى، وقف عائقاً أمام النحاة عند الاستشهاد بالحديث النبوي في تقرير قواعدهم، قال السيوطي: «وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء، فقال: إنَّما ترك العلماء ذلك؛ لعدم وثوقهم أنَّ ذلك لفظ الرسول ﷺ ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية، وإنَّما كان ذلك لأمرين: أحدهما: أنَّ الرواة جوزوا النقل بالمعنى … الأمر الثاني: أنَّه وقع اللحن كثيراً في ما روي من الحديث؛ لأنَّ كثيراً من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو … » (١). ما أدى إلى انصراف النحاة الأوائل عن الاستشهاد بالحديث النبوي، وقَفَا آثارهم من جاء بعدهم إلا قليلاً منهم. قال أبو حيان: «وإنَّما أمعنت (٢) الكلام في هذه المسألة لئلا يقول المبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب، وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما؟ فمن

стр. 1090

طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث» (١). وقال أبو الحسن بن الضائع: «تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن، وصريح النقل عن العرب، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأَوْلَى في إثبات فصيح اللغة كلام النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه أفصح العرب» (٢). فمن هذا العرض تبين سبب إحجام النحاة عن الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف في النحو، وما صار إليه غير مقبولٍ أصلاً ورأساً فمنه يعرف أنَّهم احتجوا عن ذلك بسبب عدم مقدرتهم على تمييز ما روي بالمعنى وما روي باللفظ وأهل الحديث الذي بذلوا غاية ما يستطيعه البشر؛ لتنقية الحديث مما شانه يميزون ما جاء بالمعنى على ما لم يأتِ بالمعنى، فهم أهل الشأن، وإليهم المفزع وبعد هذا لا حجة للنحاة برد الحديث، والله الموفق. مثال ما روي بالمعنى: روى ابن أبي ذئب، عن صالح بن نبهان (٣) مولى التوأمة، عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعاً: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ في المَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ». واختلف عَلَى ابن أبي ذئب في لفظه، فرواه: أبو داود الطيالسي (٤)، ومعمر (٥)، وسفيان الثوري (٦)، وحفص بن غياث (٧)،
следующие страницы →