← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عرض على الشيخ ومن غير مقابلة بأصله والتوسع فيها، كذلك فإنَّ بعض الرواة أخذ عن شيخه سماعاً ومناولة، أو سماعاً ووجادة، فلم يتميز ما أخذه سماعاً عن غيره، فتكلم الأئمة في روايته عن ذلك الشيخ لهذا الأمر، فمن ذلك ما ذكره ابن رجب عن الإمام أحمد أنَّه قال: «موسى بن عقبة ما أُراه سمع من ابن شهاب، إنما هو كتاب نظر فيه» (١)، كما نقل عن يحيى بن معين أنَّه قال: «الأوزاعي في الزهري ليس بذاك، أخذ كتاب الزهري من الزبيدي» (٢)، ونقل المزي عن عمرو بن علي أنَّه قال: «سمعت معاذ بن معاذ - وذكر صالح بن أبي الأخضر - فقال: سمعته يقول: سمعتُ الزهري وقرأتُ عليه، فلا أدري هذا من هذا! فقال يحيى - وهو إلى جنبه -: لو كان هذا هكذا كان جيداً، سمع وعرض، ولكنَّه سمع وعرض ووجد شيئاً مكتوباً، فقال: لا أدري هذا من هذا» (٣)، ونقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث، كان عنده عن الزهري كتابين: أحدهما: عرض والآخر: مناولة، فاختلطا جميعاً، فلا يعرف هذا من هذا» (٤)، وقال الذهبي: «وكان ابن جريج يروي الرواية بالإجازة وبالمناولة ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في روايته عن الزهري؛ لأنَّه حمل عنه مناولة وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط شكل ولا نقط» (٥). فهذه بعض صيغ الرواية التي ضعّف أهل العلم أحاديث الرواة عن الشيوخ بسببها، ولعل سبب التضعيف أنَّ الراوي إذا لم يقرأ أحاديثه على الشيخ، فمن المحتمل أنْ يدخل عليه التحريف أو التصحيف، وهذا من الاحتياط الذي لزم هذه الأمة في تلقّي أحاديث نبيها ﷺ . ٥ - معرفة أسماء الرواة وكناهم وألقابهم وأنسابهم، ومنه المتفق

стр. 107

والمفترق والمؤتلف والمختلف. قال الحاكم: «هذا النوع منه معرفة المتشابه في قبائل الرواة وبلدانهم، وأساميهم وكناهم وصناعاتهم، وقوم يروي عنهم إمام واحد فتشتبه (١) كناهم وأساميهم لأنها واحدة، وقوم يتفق أساميهم وأسامي آبائهم، فلا يقع التمييز بينهم إلا بعد المعرفة» (٢). وتتجلى أهمية هذا الجانب في احتمال تشابه الأسماء بين ثقة وضعيف، أو اختلاف الأسماء والشخص واحد، أو اشتراك عدة أشخاص في اسم واحد .. كما جاء في نسب الأعمش مثلاً «سليمان الأسدي» و «سليمان الكاهلي» و «سليمان الكوفي» وجميعها لسليمان بن مهران الأعمش الكاهلي الكوفي الأسدي، فما بالك ببقية الرواة، بل إنَّ المتعجّل قد يظن أنَّ الأنساب المذكورة آنفاً لأربعة رجال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ التضلع بهذا الفن سوف يوصد الباب أمام المدلسين الذين يستغلون كثيراً من الأسماء والألقاب والكنى التي لم يشتهر بها أصحابها - ستاراً لتدليسهم -، وهي فائدة عظيمة ألمح إليها ابن الصلاح بقوله: «هذا فن عويص، والحاجة إليه حاقة، وفيه إظهار تدليس المدلسين، فإنَّ أكثر ذلك نشأ من تدليسهم» (٣)، كما أشار ابن دقيق العيد إلى فائدة أخرى إذ قال: «وهو فن واسع، يحتاج إليه في دفع مَعرّة التصحيف واللحن، وفيه مصنفات كثيرة» (٤)، وقال: «وهو فن مهم؛ لأنَّه قد يقع الغلط، فيعتقد أنَّ أحد الشخصين هو الآخر، وربّما كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً، فإذا غلط من الضعيف إلى القوي صححّ ما لا يُصحح، وإذا غلط من القوي إلى الضعيف، أبطل ما يصحُّ، وقد يقع هذا في الأنساب كما يقع في الأسماء، ويقع الإشكال فيه إذا أطلق النسب من غير تسمية» (٥)، ومثال اتفاق النسبة: الآمُلي والآمُلي. فالأول منسوب إلى آمل طبرستان، والثاني منسوب إلى آمل جيحون .. .

стр. 108

أما آثار إهمال هذا الجانب فكشف عن أثر منها الحاكم عقب سوقه أحد أوهام الرواة إذ قال: «ومن تهاون بمعرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم» (١)، وبَيّن عظيم خطره علي بن المديني فيما نقله العسكري بقوله: «أشد التصحيف: التصحيف في الأسماء» (٢). ويجدر بالذكر أنَّ المحدّثين كانوا يمتحنون ضبط الراوي من عدمه، بمعرفته التامة ومقدار ضبطه لأسانيده، ولعل أشهر دليل على ذلك واقعة إمام الصنعة مع محدّثي بغداد. ٦ - الانتباه على خصوصيات الرواة والفطنة لها. كم من راوٍ ثقة عدل وقد تكلم النقاد في بعض مروياته، فهم ثقات في أنفسهم لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف بخلاف بقية شيوخهم. والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل رواية الأعمش، عن أبي إسحاق، فإنَّها معلولة بالاضطراب، وكذا رواية سماك، عن عكرمة، ورواية إسماعيل بن عياش إذا روى عن غير الشاميين (٣). أيضاً فإنَّ بعض الرواة تكلم فيهم، ولكنهم إذا رووا عن بعض الشيوخ كانوا ثقات كرواية زهير بن معاوية، عن الأعمش أو رواية عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة فكلاهما - زهير وعبد الرحمان - من الرواة المتكلَّم فيهم، إلا أنَّهما في روايتهما عن الشيخين المذكورين ثقتان صحيحا الحديث. قال ابن رجب في التعليق على حديث رواه حجاج: «وحجاج بن أرطاة وإنْ كان مُتكلَّماً فيه إلا أنَّه فقيه يفهم معنى الكلام فيُرجَع إلى زيادته على مَن

стр. 109

ليس له مثل فهمه في الفقه والمعاني» (١). ٧ - التشبث بأقوال أهل العلم وجعلها مرجعاً للحكم. يقول ابن رجب: «حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك» (٢). فإذا وجدنا حديثاً ظاهره الصحة، وقد حكم النقاد بنكارته، فيجب حينئذ تحكيم قول النقاد؛ لأنهم جمعوا الطرق وسبروا الروايات، وعرفوا صحة هذه الرواية من سَقَمِها. هذا في حال نقل الإجماع عنهم، أما إذا كان الاختلاف قائماً فالحكم للقرائن؛ لأنَّ الإعلال دائر مع الترجيحات، ومع القرائن «والمقصود بالقرائن ما يدل على المراد دون تصريح به، وذلك مما يكون له تعلق مباشر أو غير مباشر من الألفاظ أو الإشارات التي تؤثر في توجيه دلالة اللفظ أو العبارة المستعملة في بيان درجة حديث الراوي، أو بيان حاله جرحاً أو تعديلاً» (٣) قال ابن حجر: «فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه» (٤). وبيّن ابن رجب سبب السير وراء هؤلاء الأئمة، فأصاب درة نفيسة حين قال: «ومن ذلك أنَّهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي ﷺ من الكلام الذي لا يشبه كلامه» (٥).

стр. 110

٨ - معرفة مواليد الرواة ووفياتهم وأصحاب الرحلة منهم. كما هو معروف فإنَّ من شروط صحة الحديث الاتصال وثبوت اللقاء. ومن الأمور المساعدة على معرفة ثبوت اللقي من عدمه معرفةُ مولد الراوي وعرضه على وفاة شيخه الذي حدّث عنه، سيظهر حينئذ احتمال اتصال السند على انقطاعه أو بالعكس. قال سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ» (١)، وقال حفص بن غياث: «إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين» (٢)، ونقل الخطيب عن أبي علي الحافظ أنَّه قال: «لما حدّث عبد الله بن إسحاق الكرماني، عن محمد بن أبي يعقوب، أتيته فسألته عن مولده (٣)، فذكر أنَّه وُلد سنة إحدى وخمسين ومئتين، فقلت له: مات محمد بن أبي يعقوب قبل أنْ تولد بتسع سنين فاعْلَمْه، قال أبو عبد الله - هو الحاكم (٤) - ولما قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي، وحدّث عن عبد بن حُميد سألته عن مولده، فذكر أنَّه وُلد سنة ستين ومئتين، فقلت لأصحابنا: سمع هذا الشيخ من عبد بن حُميد بعد موته بثلاث عشرة سنة» (٥). وللرحلات أثر في معرفة العلل، فقد يكون سماع الراوي صحيحاً في مكان وضعيفاً في آخر؛ لأنَّه قد يختلط، كذلك معرفة البلاد التي دخلها الراوي تنفع في معرفة احتمال اتصال السند من انقطاعه، لذا يجب على الباحث في علل الحديث الاهتمام بهذا الجانب. ٩ - معرفة العواصم أو المدارس الحديثية. لما انتشرت رقعة أهل الحديث وبلغت مبلغها من شهرة ورفعة عند الناس، كانت هناك بعض الأمصار التي يختلف الناس إليها؛ ليسمعوا من أهل

стр. 111

الحديث بالعلو والنزول، وكان على رأس تلك الأمصار مكة والمدينة حيث الصحابة، ثم البصرة والكوفة، وبعدها بغداد والشام ومصر فنيسابور وغيرها كثير. فكان التلون الكبير في الحديث من بلد إلى آخر معيناً على كشف العلل، وقد قال شعبة في قصته المشهورة في تتبع حديث التشهد بعد الوضوء: «أي شيء هذا الحديث؟ بينا هو كوفي، إذ صار مكياً، إذ صار مدنياً، إذ صار بصرياً» (١)، وقال الحاكم: «والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا» (٢).

стр. 112

مناهج المحدّثين في معرفة العلة ١ - المتقدمون والمتأخرون: إنَّ الرعيل الأول من المتقدمين قد بلغوا في الحفظ والضبط والإتقان أقصى غاياته، وحفظوا الطرق ونقبوا أشد التنقيب؛ حتى بذلوا في خدمة السنَّة كل غال ونفيس. ومادامت السنة في صدورهم، ولعصر الرواية انتماؤهم، ولها ثبتت ملاحظتهم ومعايشتهم، فقد تأكد وعلى مرّ القرون - وبالنظر والموازنة والمقارنة - أنَّ أحكامهم في هذا الشأن أعلى الأحكام وأصحها؛ لشدة قربهم ومعاصرتهم للرواية، وقوة قرائحهم، وحفظهم مئات الألوف من الأسانيد، حتى أصبح السند الذي يشذ عن أحدهم عزيزاً نادراً. قال الذهبي: «وجزمت بأنَّ المتأخرين على إياس من أنْ يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة» (١). ومع هذا الاتصاف بالحفظ التام والنظر الثاقب، امتازوا بالورع والديانة والمذاكرة بينهم في خدمة هذا الدين، عن طريق تنقية السنة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وينبغي بادئ بدءٍ معرفة من هو المتقدم ومن هو المتأخر، فقد اختلف الباحثون في تحديد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، لكنّ المشهور بين أهل العلم أنَّ المتقدمين من كانوا قبل سنة ثلاثمئة: «وهذا الرأي وجيه وله حظ من القوة، ففي تلك القرون عاش الجهابذة الذين كان لهم قصب السبق في حفظ السنة والذب عنها، وبيان صحيحها من معلولها، وكان لهم المؤلفات

стр. 113

الضخمة في الحديث والرجال والعلل وغيرها، إلا أنَّه وجد بعد الثلاثمئة من الأئمة من سار على منهج المتقدمين وحذا على قواعدهم وطرائقهم، فهو ملحق بهم كالإمام الدارقطني والخطيب البغدادي وابن رجب وغيرهم» (١). ودار الأمر عند غيرهم بين المئة الرابعة والخامسة ليس غير. ومنهم من جعل المتقدمين أهل القرن الثاني إلى نهاية القرن الخامس الهجري، وجعل المتأخرين أهل القرن السادس إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري، ومن بعدهم من المعاصرين. وهناك اتجاه آخر يقول: إنَّ هذا المنهج لا ينتهي بحدود الثلاثمئة ولا أقل ولا أكثر، فهو منهج تعرف ملامحه بالتطبيق العملي، والأصول المتبعة في طريقة الإعلال (٢)، فالدارقطني أحد أصحاب منهج المتقدمين وهو بعد القرن الثالث. وهناك أمور يمكن من خلالها معرفة منهج المتقدمين وهي: ١ - مداومة النظر في كتب الحديث و العلل. ٢ - فهم قواعد المصطلح التي قررها العلماء، ومعرفة أنَّ هذه المصطلحات أغلبية تقريبية. ٣ - التنبه على صيغ الجرح والتعديل واختلافها باختلاف اصطلاح الأئمة وطرقهم (٣). إنَّ الاختلاف الشديد في الحكم على الأحاديث والإعلال وغيرهما، هو نتيجة طبيعية للاختلاف في المنهج بين المتقدمين والمتأخرين. وإنَّ مما يؤسف له أنَّ كثيراً ممن ينتحل صناعة الحديث، ظن أنَّ هذه الصناعة قواعد مُطّردة كقواعد الرياضيات؛ فأصبح يعمل القواعد على ظواهر الأسانيد، ويحكم على الأحاديث على حسب الظاهر، بل ربما كان قصارى جهد أحدهم الحكم على الإسناد من خلال " تقريب " الحافظ ابن حجر أو ما أشبه ذلك، من غير مراعاة لما يلحق الرواية سنداً ومتناً من ملابسات وعلل

стр. 114

وأخطاء واختلافات. وإننا لنلمح هذا كثيراً حينما نجد تصحيحات المتأخرين تخالف إعلال المتقدمين، وبعد جمع طرق الحديث و النظر والتحليل مع الموازنة والمقارنة وإعادة الفكرة نجد الصواب مع المتقدمين، إنَّ ما فات المتأخرين كان بسبب إهمالهم لجمع الطرق، والفحص الشديد، وإعمال القواعد على ظاهرها، لكونها عامة مُطّردة باعتقادهم. وإنَّ مما يفوت المتأخرين كثيراً، قلة اهتمامهم بما يحف الرواية من اختلاف حال الثقة أو الصدوق أو الضعيف من حال إلى حال، ومن وقت إلى وقت، ومن مكان إلى مكان، وكما أنَّ حديث الثقة ليس كله صحيحاً، فكذلك حديث الضعيف ليس كله ضعيفاً بل منه ما يقوى، ومع أنا قد ابتلينا بكثرة تصحيح الأحاديث بمجرد النظر في الأسانيد أو إعمال القواعد، كذلك ابتلينا بالمبالغة في التصحيح بالشواهد والمتابعات، من غير بحث ونظر؛ خشية أنَّ تلك المتابعات والشواهد وهم وخطأ، فربما جاءنا طريق ضعيف من حديث أبي هريرة قوّيناه بسند آخر من حديث ابن عباس، مع أنَّ السند الثاني وهمٌ ناتج عن السند الأول. ومن الأمثلة التي من خلالها يظهر لنا جلياً تباين منهج المتقدمين والمتأخرين حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً: «مَنْ ذرعَهُ القيءُ فليسَ عليه قضاءٌ، ومنِ استقاءَ فليقضِ». أخرجه أحمد (١)، والدارمي (٢)، والبخاري (٣)، وأبو داود (٤)، وابن ماجه (٥)، والترمذي (٦)، والنسائي (٧)، وابن الجارود (٨)، وابن خزيمة (٩)، والطحاوي (١٠)،

стр. 115

وابن حبان (١)، والدارقطني (٢)، والحاكم (٣)، والبيهقي (٤)، والبغوي (٥) من طرق عن عيسى بن يونس، به. وقد توبع عيسى بن يونس، تابعه حفص بن غياث عند ابن ماجه (٦)، وابن خزيمة (٧)، والحاكم (٨)، والبيهقي (٩). هذا الحديث صححه المتأخرون منهم: ابن حبان، والحاكم فقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، والبغوي، وصححه أيضاً العلامة الألباني (١٠)، والشيخ شعيب الأرناؤوط (١١)، والدكتور بشار (١٢)، بينما نجد جهابذة المتقدمين أعلوا هذا الحديث بالوقف، وعدوه من أوهام هشام بن حسّان، وأنَّ الصواب في الحديث الوقف. قال البخاري: «لا أراه محفوظاً» نقله عنه تلميذه الترمذي (١٣)، وقال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء، والصحيح في هذا عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر» (١٤)، وقال البيهقي: «وبعض الحفاظ لا يراه محفوظاً» (١٥)، ونقل الزيلعي عن " مسند إسحاق بن راهويه ": «قال عيسى بن يونس: زعم أهل البصرة أنَّ هشاماً وهم في هذا الحديث» (١٦)، وقال الدارمي: «زعم أهل البصرة أنَّ هشاماً أوهم فيه، فموضع الخلاف هاهنا» (١٧)، ووجه توهيم هشام بن حسّان: أنَّ الحديث

стр. 116

محفوظ موقوفاً، ورفعه وهم، توهم فيه هشام. قال البخاري: «ولم يصح، وإنَّما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه، وخالفه يحيى بن صالح، قال: حدثنا يحيى، عن عمر بن حكيم بن ثوبان سمع أبا هريرة قال: «إذا قاء أحدكم فلا يفطر، فإنَّما يخرج ولايولج» (١)، وهذا نظر عميق من البخاري في إعلال الرواية المرفوعة بالرواية الموقوفة، وإنَّ الوهم الذي دخل على هشام إنما كان بسبب رواية عبد الله بن سعيد المتروك، وقد وافق البخاريَّ على هذا الإعلال الإمامُ النسائيُّ فقد قال: «وقفه عطاء»، ثم ذكر الرواية الموقوفة (٢)، وقد خالف الشيخ الألباني ذلك، فصحح الحديث (٣) معتمداً على متابعة حفص بن غياث - وهي عند ابن ماجه (٤)، والحاكم (٥)، والبيهقي (٦) - لعيسى بن يونس قال: «وإنَّما قال البخاري وغيره: بأنَّه غير محفوظ؛ لظنهم أنَّه تفرد به عيسى بن يونس، عن هشام» (٧). قلت: وهذا بعيد جداً؛ لأنَّه يستبعد عن الأئمة الحفاظ السابقين الذين حفظوا مئات ألوف من الأسانيد، أنهم لم يطلعوا على هذه المتابعة، فأصدروا هذا الحكم، بل إنَّ العلة عندهم هي وهم هشام، لا تفرد عيسى بن يونس كما صرّح به البخاري في تاريخه، وقد تقدم قول عيسى بن يونس في توهيم هشام، ونقله ذلك عن أهل البصرة، وإقرار الدارمي ذلك، ومما يدل على أنَّ المتابعة التي ذكرها الشيخ الألباني معروفة لديهم، أنَّ أبا داود الذي سأل الإمام أحمد بن حَنْبل عن حديث هشام، قد أشار إلى متابعة حفص لعيسى، إذ قال: «ورواه أيضاً حفص بن غياث، عن هشام مثله» (٨). إذن فإعلال جهابذة المحدثين ومنهم: أحمد والبخاري والدارمي

стр. 117

والنسائي -وَهُمْ مَنْ هُمْ في الحفظ والإتقان -لا ينفعه ولا يضره تصحيح المتأخرين. وبناءً على هذا الاختلاف ظهرت أسباب للتباين بين منهجي المتقدمين والمتأخرين، أو سمات يتسم كل منهج ببعض منها: ١ - إنَّ المتأخرين في نقدهم الحديث لا يحيطون بجميع أحوال الراوي، فالراوي ثقة كان أم غير ثقة، له حالات مخصوصة في شيوخه أو في روايته عن أهل بلد معين. بخلاف المتقدمين فهم يراعون أحوال الرواة الثقات في شيوخهم أو في روايتهم عن أهل بلد معين، أو إذا حدثوا من حفظهم (١). ٢ - يغلب على منهج المتأخرين الاعتماد على ضوابط، جعلها كثير من المعاصرين طريقاً سهلاً يختصر عليهم عناء الحفظ، ويطوي عنهم بساط الاستقراء والتتبع والممارسة .. بخلاف المتقدمين فإنَّ أحكامهم تقوم على السبر والتتبع والاستقراء في التصحيح والتضعيف، والتوثيق والتجريح، والتعليل .. مع الحفظ وكثرة المدارسة والمذاكرة .. (٢) ٣ - قعّد المتأخرون قواعد نظرية ثم طرّدوها، وقد يختلفون هم أنفسهم في هذه القواعد، أما المتقدمون فالقاعدة عندهم الترجيح بالقرائن عند الاختلاف بين الرواة في الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو الزيادة والنقص .. وهي مبنية على التأمل الدقيق في أحوال الرواة المختلفين والمتن المروي، وهذا الأمر يستدعي بحثاً دقيقاً، ونظراً متكاملاً، وتأملاً قوياً، والمعينُ على ذلك سعة الحفظ، وقوة الفهم، والقرب من عصر الرواية (٣). ٤ - من الأمور التي جعلت التباين كبيراً بين منهجي المتقدمين والمتأخرين أنَّ المتأخرين قد بالغوا في تصحيح الأحاديث وتقويتها بالشواهد والمتابعات، حتى أسرف بعض المعاصرين، فقوّى الخطأ بالخطأ فصار عنده

стр. 118

صواباً، بخلاف المتقدمين فإنَّ تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد له ضوابط، من أبرزها التأكد من كونها محفوظة وسالمة من الخطأ والوهم .. (١). ٥ - المتأخرون - وبخاصة (٢) المعاصرين - يُعلون رواية المدلس حتى لو لم يثبت تدليسه في ذلك الحديث خاصة (٣)، بخلاف المتقدمين فإنَّهم لا يُعلون رواية المدلس إلا إذا ثبت تدليسه، فالتدليس عند المتأخرين هو العنعنة، ومن ثم يحكمون على عنعنة المدلس بالضعف، أما المتقدمون فيفرقون بين العنعنة والتدليس، ولذلك لا يضعفون رواية المدلس بمجرد العنعنة (٤). ٦ - ومما يختلف فيهِ الحال بين منهجي المتقدمين والمتأخرين، ما أحدث مؤخراً من قولهم: «صحيح على شرط الشيخين»، أو «على شرط الشيخين»، أو «على شرط البخاري»، أو «على شرط مسلم»، وهذه البلية أول من أظهرها الحاكم في مستدركه، ثم انتشرت قليلاً بين المتأخرين حتى شاعت عندَ بعض عصريينا. وعند استخدامهم لهذه الطريقة أو المصطلح يشار به إلى أنَّ شرط الشيخين معروف لكل الناس. وهو أمر خلاف الواقع؛ لأنَّ من

стр. 119

حاول هذا لم يحاوله إلا عن طريق الاستقراء، كما فعل بعض من كتب في شروط الأئمة الستة أو الخمسة، وإنَّ الحق الذي نعتقدهُ، ولا يتخللهُ شك، أنا لا نستطيع الجزم بالطريقة التي تم بها انتقاء الشيخين البخاريِّ ومسلم أحاديث كتابيهما، فنحن لا نعلم كيف انتقى البخاري من حديث سفيان، أو الزهري، أو يزيد بن زريع، ولا ندري كيف انتقى من أحاديث سالم أو غيره من الثقات الأثبات، ثم إنا نجزم بأنهما لم يريدا استيعاب جميع ما رواه الثقة، بل ليس كل ما رواه الثقة صحيحاً. إذن فصنيع الشيخين في أحاديث الثقات صنيع انتقائي وليس شمولياً، ونحن لا نعرف الأسس التي عليها انتقى الشيخان أحاديث هؤلاء الثقات. وما دام الأمر كذلك: فإن قصورنا يكون أكثر وعجزنا يكون أكبر، أما طريقة انتقاء الشيخين من حديث مَنْ في حفظهم شيءٌ مثل: إسماعيل بن أبي أويس، والحسن بن ذكوان، وخالد بن مخلد القطواني ففيه رد لقول أبي الحسن المقدسي عمن أخرج له الشيخان: «هذا جازَ القَنْطَرةَ» (١)؛ لأن بعض الضعفاء قد يصحّ حديثهم؛ لمتابعة الثقات لهم، لا لأنَّهم مُحْتَجّ بهم. قالَ الحافظ ابن حجر: «وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح، أنَّ إسماعيل أخرج لهُ أصوله، وأذن له أنْ ينتقي منها وأن يُعلِّم لهُ على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مُشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه؛ لأنَّه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا إنْ شاركه فيه غيره فيعتبر فيه» (٢). وقال الزيلعي: «بل خرّج في الصحيح لخلق ممن تكلم فيهم، ومنهم جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث بن عبيد الإيادي، وأيمن بن نابل الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويد بن سعيد الحدثاني، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم، ولكن صاحبا الصحيح -رحمهما الله- إذا

стр. 120

أخرجا لمن تكلم فيهِ، فإنهم ينتقون من حديثه … » (١). ومن الأضرار والمفاسد التي تنجم عن استخدام مصطلح: (على شرط الشيخين)، أو (على شرط أحدهما)، هوَ تصحيح جميع الأحاديث المروية عن الرجال الذينَ أخرجا لهم مجتمعينِ أو منفردينِ وهو أمر خطير، إذ ليس جميع الأحاديث التي رجالها رجال الشيخين ترتقي إلى هذه المرتبة، بل ربما كانَ منها ما هوَ مُعَلّ بعلل قادحة، سواء كانت ظاهرة أم خفية. ومع كل ما ذكر: فإنَّ بعضهم يتساهل في مجرد كونهم من رواة الشيخين، ولا يبالي بكيفية تخريج الشيخين للرواة، أعني: برواية الواحد عن الآخر، كمن خلط في رواية هشيم، عن الزهري، وصحح على مقتضاها بأنَّها على شرط الشيخين، والصحيح أنَّ البخاري ومسلماً لم يخرجا عن الزهري من طريق هشيم، وكذلك سماك، عن عكرمة، وأمثال ذَلِكَ كثير مما حصل فيهِ خطأ وخلط للمتأخرين غير قليل، قال الحافظ ابن عبد الهادي: «واعلم أنَّ كثيراً ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به ومعرفته بحديثه وضبطه له، ولا يخرجون حديثه عن غيره؛ لكونه غير مشهور بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك، فيجيء من لا تحقيق عنده فيرى ذلك الرجلَ المخرَّج له في الصحيح قد روى حديثاً عمن خُرِّج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل فيقول: هذا على شرط الشيخين، أو: على شرط البخاري، أو: على شرط مسلم؛ لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة، وهذا فيه نوعُ تساهلٍ؛ فإنَّ صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره، فلا يكون على شرطهما .. » (٢). ومن أعظم المفاسد لاستخدام مصطلح «على شرط الشيخين»، أننا سنقوم بإلغاء مبدأ الانتقاء، ثم نقوم بتصحيح أحاديث مَنْ في حفظهم شيءٌ من رجال الصحيحين؛ لذا ربما أتى المتأخر فصحح أحاديث هؤلاء وغيرهم بحجة

стр. 121

أنهم على شرط الشيخين، وهذا بلا شك مخالف لصنيع المتقدمين؛ بل هوَ نسف لقواعدهم. ٧ - هناك أمور أخرى مما اختلف فيه المتأخرون عن المتقدمين مثل الانقطاع، فالمتأخرون يحكمون على كل حديث منقطع بالضعف، بخلاف المتقدمين فإنَّهم يولونه عناية كبيرة. وكذا رواية المجهول، فالمتأخرون يردون مجهول العين ويقبلون مجهول الحال في الغالب ولهم في ذلك كلام، أما المتقدمون فلا يقبلونه مطلقاً ولا يردونه مطلقاً ولا يجعلون مجرد الجهالة علة للحديث. وهكذا رواية المبتدع، فالمتأخرون - ولاسيما المعاصرين (١) - لا يقبلون رواية المبتدع، بخلاف المتقدمين فهم يقبلون روايته مطلقاً (٢). هذا والنتائج المترتبة على الاختلاف بين منهجي المتقدمين والمتأخرين عظيمة، وهي خطر على سنة النبي ﷺ . وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك دعوة إلى نبذ قواعد المتأخرين في مصطلح الحديث والأخذ من كتب المتقدمين (٣)؛ لأنَّ الإخلال بمنهج المتقدمين مرده إلى قصورٍ في الفهم أو تركه على سبيل القصد والتعمد، وهذا أيضاً غلوٌ وإسراف؛ إذ لا بد من الإفادة من جهود المتأخرين والمعاصرين، وإنَّ من لوازم الإبداع العلمي هو أن يبدأ الإنسان من حيث انتهى غيره، لا أن يبدأ من حيث بدؤوا مع ضرورة الموازنة والمقارنة بين كلام المتقدمين والمتأخرين. إذن لزمنا أن نتبع المنهج العلمي الذي سار عليهِ جهابذة هذا الفن من أهل الحديث من العلماء الأوائل أصحاب القرون الأولى الذين حفظوا لنا

стр. 122

تراث سنة نبينا ﷺ ، إذ إنَّهم حفظوا لنا السنة برمتها في صدورهم ودواوينهم. ثم إنهم قد رسموا لمن جاء بعدهم طريقاً واضحاً بيناً سليماً، يمتاز بالدقة والنظر التام. فعلى المتأخرين أنْ يلتزموا أقوال المتقدمين، وطريقة سردهم للأحكام، ونقدهم لطرق الحديث ومتونه، على أن لا يغفل عن جهود الآخرين من المتأخرين والمعاصرين، والله وليُّ التوفيق. وإنَّ مما يؤكد لنا صحة منهج المتقدمين، أنهم جمعوا الأحاديث و سبروا الطرق، وحكموا على المتون والرجال بعد معاودة النظر والمذاكرة والبحث والموازنة والمقارنة والنظر الثاقب بعين الإنصاف. ثم بعد كل هذا الجهد، عرضوا هذه الأحكام وتلكم النتائج على ما حفظوه من ثروة هائلة من تراث هذه الأمة. وهذه الثروة تتمثل بحفظ الجم الغفير من المتون والأسانيد المتكررة التي بلغت مئات ألوف من الأسانيد وعشرات الألوف من المتون، حتى انتهوا إلى أحكامهم الصحيحة التي توصلوا إليها بعد إفراغ جهدهم، فكانت أحكامهم صادرة نتيجة دراسات وأبحاث قلَّ نظيرها مع دقة الميزان النقدي الذي تمتعوا به؛ لكثرة حفظهم للأحاديث، واعتيادهم عليها، واختلاطها بدمهم ولحمهم، بل إنَّ ما يحكمون عليهِ من الأحاديث لم يكونوا يعرضونه على ما حفظوه من أسانيد فحسب، بل يعرضونه كذلك على ما رزقهم الله به من معرفة واسعة في الفقه، قال علي بن المديني: «التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم» (١)، فهم لم يكونوا محدّثين فقط بل كانوا فقهاء محدّثين، والفقه عندهم ضروري؛ إذ كيف يحكمون على الحديث، وعدم المخالفة القادحة شرط، والمخالفة ليست قاصرة على مخالفة الحديث لحديث آخر، بل هي أوسع، فمن ذَلِكَ المخالفة لآية أو إجماعٍ أو قاعدةٍ متفق عليها، وما أشبه ذَلِكَ من المخالفات.

стр. 123

وإنَّ من أوجب الواجب على المتأخرين أنْ يحاولوا فهم كلام المتقدمين في الإعلال، ومع هذا ليس كل أحد منا يستطيع أنْ يعلل أحكامهم، ويفهم سبب ما ذهبوا إليه، إلاَّ من رزقه الله فهماً واسعاً واطلاعاً كبيراً، واعتاد على معاودة النظر في كلام الأئمة المجتهدين من أهل الحديث، ثم أمعن النظر في كتب العلل والرجال والتخريج، مع ممارسته النقد والإعلال. ولما كانَ الأمر كذلك، وجب تقديم منهج المتقدمين على المتأخرين. ولا سيما عندَ اجتماع كبرائهم على أمر في التصحيح والتضعيف والتجريح. وأقوال المتقدمين ثمينة غالية لا ينبغي التفريط بها وإهمالها بحجة الاكتفاء باتباع القواعد التي في كتب المصطلح. ورُبّ سائلٍ يسأل: متى يسعنا مخالفة المتقدمين؟ وجوابه: أننا يحق لنا ويسعنا أنْ نخالف المتقدمين إذا اختلفوا، وتباينت وجهات نظرهم، فعندها ننظر إلى الأدلة والأسباب والقرائن والمرجحات، ونعمل الرأي والاجتهاد نحو طريقتهم بجنس مرجحاتهم وقرائنهم وقواعدهم التي ساروا عليها. هذا مع إيماننا العميق بأنَّ التصحيح والتضعيف من الأمور الاجتهادية التي تباينت فيها القدرات العلمية، والمكانة التي يتمثل بها الناقد، مع المقدرات الذهنية وظهور المرجحات والقرائن لكل واحد. أخيراً أقول: إنَّ المتقدمين هم الأصل وعليهم المعوّل، وإنَّ المتأخرين عالة عليهم في هذا العلم. ٢ - المشارقة والمغاربة: ذكرتُ في أئمة علم علل الحديث كثيراً ليسوا بمشارقة، بل هم من الأندلسيين والمغاربة، فقد أنجبت لنا الأندلس يوم كانت حاضرة الإسلام جهابذة من المحدّثين ممن صنّفوا في هذا الباب (١).

стр. 124

ولطالما حاول المغاربة تقعيد قواعد علومهم بمعزل عن المشارقة، إنْ لم يحاولوا نيل قصب السبق في مجال ما .. . وقليل من كتب عن منهج الأندلسيين والمغاربة في تعليل الأحاديث، وهل هو مشابه لمنهج المشارقة أو يختلف عنه؟ وهل هو امتداد لمنهج المشارقة أو هو وليد حاجتهم؟ وقد وقع في يدي كتاب " الإسهام ببيان منهج ابن حزم في تعليل الأخبار من خلال كتابه الإحكام " لمؤلفه بدر العمراني الطنجي يقول مؤلفه: «فلما لم تنحصر علل الأحاديث في كتب مخصوصة فقط، بل تعدتها لتوجد مفرقة في كتب أخرى مثل " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم ﵀. قمت بجمع شتات تلك الأحاديث المعللة المتناثرة بين طيات بحوثه الفياضة، قصد تلمس منهجه في التعليل وفق منهج استقرائي .. » (١). وقد عرض مؤلفه ما يقارب سبعين حديثاً علّق عليها ابن حزم معلِّلاً، والمتأمل في هذه الأحاديث قد لا يصعب عليه أنْ يستشف منهج ابن حزم في تعليل الأحاديث. وهو أقرب ما يكون إلى منهج الأندلسيين والمغاربة، وأهم سمات هذا المنهج: ١ - القوادح الخفية والجلية: تعليل الأحاديث بالقوادح الخفية والجلية دون تمييز، وهذا ما رأينا شبيهه في مناهج بعض المتقدمين من المشارقة، ولهذا قال ابن الصلاح: «إنَّ بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح» (٢)، وأشار الصنعاني إلى هذا المعنى (٣). ٢ - التشدد في الرجال: ضعّف ابن حزم بعض الثقات المجمع على توثيقهم والمختلف فيهم،

стр. 125

تماشياً مع قاعدته: التجريح المفسر يغلب التعديل عند التعارض، وهذا مذهب جمهور المحدّثين من المشارقة. ٣ - زيادة الثقة: قبول زيادة الثقة فرض عند ابن حزم، وفي المشارقة من يذهب هذا المذهب. ٤ - ينحو ابن حزم في حده للمرسل منحى أهل الفقه والأصول، وهو مذهب الخطيب البغدادي من أهل الحديث، فلا يحتج بالمرسل مطلقاً؛ لجهالة الساقط منه، فمراسيل سعيد والحسن وغيرهما عنده سواء، لا يأخذ بشيء منها. ٥ - إبهام الجرح والعلة: كثيراً ما يضعّف الرجل من غير بيان السبب، وكذا تعليل الحديث دون إفصاح عن العلة (١). ٦ - رفض التوثيق على الإبهام: مجهول الحال يتوقف عن قبول خبره وشهادته حتى تُعلم حاله، أما المتأخرون من المشارقة فيقبلون مجهول الحال ولهم في ذلك كلام، وأما المتقدمون فلا يقبلونه مطلقاً ولا يردونه مطلقاً، ولا يجعلون الجهالة علة للحديث. ٧ - نقد المتن: نقد المتن كما ينقد الإسناد، ومثله عند المشارقة، وليس كما شاع عند المستشرقين ومن تأثر بهم من أذنابهم من أبناء جلدتنا. ٨ - جمع طرق الحديث: اضطرب ابن حزم في جمع طرق الحديث، فمن أحاديث كتاب

стр. 126

" الإحكام في أصول الأحكام " ما أعله دون استيعاب أو تقصّي، وصححه بعد جمع طرقه في " المحلّى " .. وكان إذا استوعب واستقصى حَكَمَ حُكماً صائباً. ٩ - جهالة الصحابي أو روايته: جهالة الصحابي أو رواية الصحابي الذي لم يسمّ تَضرّ عند ابن حزم، فلا يقبل حديثاً مجهول صحابيه. ١٠ - خالف ابن حزم قاعدة تقوية الأحاديث بكثرة الطرق، وهو في هذا مخالف للمشارقة، فلهم ضوابط في هذا الباب. من هذا السرد نعلم أنَّ منهج الأندلسيين والمغاربة يشابه منهج المشارقة في كثير من جوانبه كما يختلف عنه في بعض جوانبه وجزئياته، وهو امتداد لمنهج المشارقة من المتقدمين والمتأخرين. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك من يرد هذا الكلام لأسباب منها: ١ - أنَّ الإعلال بالظاهر مع الخفي ليس خاصاً بالمغاربة. ٢ - إنَّ مدرسة المحدّثين واحدة، والمغاربة أخذوا علم الحديث عن المشارقة، فلا حاجة للتفريق، قال صاحب العلة وأجناسها: «أما أن يعد هذا مدرسة قائمة بذاتها لها مميزاتها وخصائصها، فهذا مما لا دليل عليه وتعوزه الحجج والبراهين» (١).

стр. 127

قرائن وقواعد يستعين بها المحدّثون في الترجيح والإعلال: تُعرّف القرائن بأنها: «ما يدل على المراد دون تصريح به، وذلك مما يكون له تعلّق مباشر أو غير مباشر، من الألفاظ أو الإشارات التي تؤثر في توجيه دلالة اللفظ أو العبارة المستعملة في بيان درجة حديث الراوي، أو بيان حالة جرحاً أو تعديلاً» (١). يقوم هذا المبحث على دراسة القرائن التي يتم بموجبها ترجيح الروايات، وقرائن الترجيح لا تنحصر في إطار معين، فرب رواية ضعيف ترجح على رواية ثقة، ورب رواية غريبة ترجح على رواية مشهورة، ومرجع هذا الترجيح هو القرائن، فالناقد يعمد إلى رواية ما فيرجحها بقرينة عنده، مُصرِّحاً بسبب الترجيح، فيقول مثلاً: فلان أحفظ أو فلان أوثق وغير ذلك، وفي بعض الأحيان تقصر عبارته عن بيان السبب فيعل بما ترجح عنده. ولكنَّ الأعم الأغلب تكون أحكامه نابعة من قرائن ترجيح أو إعلال، وقرائن الترجيح: هي الركائز التي يعتمد عليها الناقد في ترجيح رواية على أخرى حال اختلفت تلك الروايات. أما قرائن الإعلال: فهي الأمور التي يعتمد عليها الناقد في إعلال الروايات الظاهرة صحتها، والفرق بين النوعين أنَّ الأول: يشترط فيه الاختلاف ليتسنى ترجيح أحدها، أما النوع الثاني: فلا يشترط فيه ذلك، بل إنَّ بعض النقاد يعلون أحاديث بتفرد فلان أو لغرابة في سند أو متن حديث، والنوع الثاني يستوجب أنْ تكون إحدى الروايات مُعِلَّة للأخرى، أما النوع الأول فلا يشترط فيه ذلك إذ قد ترجح رواية على أخرى مع تصحيح كلتا الروايتين، وسنبين هذه القرائن كلاً على حدة.

стр. 128

أما قرائن الترجيح فمن خلال الاستقراء تبين أنها تنقسم إلى قسمين: الأول: قرائن أساسية: وهذه القرائن تكون في غالب الأحوال مرجعاً للتحاكم، إذا اختلفت الرواة على الراوي، وهي: أ - الحفظ والإتقان: خلق الله الناس، وجبل كلاً منهم على جبلة خاصة، فمنهم من كانت سجيته الحفظ، فلا يكاد يقرأ أو يسمع شيئاً إلا حفظه قلبه ووعاه، وفي ذلك يقول الإمام أحمد: «كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئاً إلا حفظه، وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها … » (١)، وهذه الطبقة تضم أيضاً إسحاق بن راهويه وأحمد والبخاري ومسلماً وأبا داود وخلقاً كثيراً، ثم بعدهم طبقة دونهم وهم غالب رجال الصحيحين، ثم طبقة دونهم، وهكذا الناس متفاوتون في الحفظ والإتقان، وبلا شك إذا اختلف راوٍ ما من الطبقة الأولى مع راوٍ من الطبقة الثانية، فإنَّ الراجح في هذا الاختلاف هو للطبقة الأولى، لظهوره على صاحبه في الحفظ، قال ابن رجب: «وأيوب يُقدَّم على يعلى بن حكيم في الحفظ والضبط» (٢) وكتب العلل محشوّة بالترجيح بهذه القرينة، فنجد الناقد يقول: فلان أحفظ أو فلان أوثق، لذلك كانت هذه القرينة مصدراً أساسياً للترجيح بين الرواة. ب - العدد: هذه القرينة لا تقل أهميتها عن سابقتها، فنجد الناقد يقول: خالف فلان الناس، أو يقول: الناس يروونه كذا، ولأنَّ الغالب في أحاديث الأحكام الشهرة - والحمد لله - فإنَّ مقتضى الشهرة تعدد الطرق، لذلك كان الصواب دائماً بما يوافق الجماعة، ومن شواهد ترجيح النقاد بهذه القرينة قول الشافعي: «والعدد أولى بالحفظ من الواحد» (٣) ومثله قول البيهقي (٤)، وساق الخطيب بسنده إلى ابن المبارك أنَّه قال: «إجماع الناس على شيء أوثق في نفسي من سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود» (٥)، وقال الخطيب: «ويرجح بكثرة الرواة لأحد الخبرين؛ لأنَّ الغلط عنهم والسهو أبعد، وهو إلى الأقل أقرب .. » (٦)، وقال الذهبي: «وإنْ كان الحديث رواه

стр. 129

الثبت بإسناد أو وقفه أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات فالواحد قد يغلط .. » (١)، والنقولات عن أهل العلم في هذا الباب كثيرة، بل إنَّ الباحث يجد في الكتب المسندة العتيقة أن المُسنِدَ يسوق رواية ما، ثم يتبعها بقوله: تابعه فلان وفلان، وهذا العمل يدلك على أخذ النقاد بقرينة الترجيح بالعدد، وإن لم ينص ذلك المسنِد على ذلك، وهذا الذي قدمناه إنما يكون في حال تساوي الرواة، فإنْ روى ثقة وخالفه دونه، فالحكم للثقة متعين. ج - الإجماع: المقصود به هنا إجماع المحدّثين على أمر ما، كأنْ يجمعوا على تضعيف راوٍ أو يجمعوا على تضعيف حديث، وإنْ كان ظاهره الصحة فالحكم لما أجمعوا عليه، قال أبو حاتم: «واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة» (٢). والحجة في قبول إجماعهم والمشي وراء ما ذهبوا إليه، أنَّ هؤلاء النقاد اطلعوا على الأصول وعاينوا الفروع فتكونت عندهم ملكة حديثية هائلة يعرفون بها الصحيح من السقيم، قال السخاوي: «فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالاً نقاداً تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم والمشي وراءهم وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم، وجودة التصوّر ومداومة الاشتغال وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك إنْ شاء الله معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله (٣)» (٤). فهذه القرائن الثلاثة هي قرائن أساسية يرجع إليها حال الاختلاف، أما القرائن الفرعية: فقد عقد الخطيب في " الكفاية " باباً عَنْوَنَه بـ: «القول في ترجيح الأخبار» ذكر فيه مرجحات للأخبار منها: ١ - أنْ يكون أحد الخبرين مروياً في تضاعيف قصة مشهورة عند أهل النقل؛ لأنَّ ما يرويه الواحد مع غيره، أقرب مما يرويه الواحد عارياً عن قصة مشهورة. ٢ - أنْ يقول راويه سمعت فلاناً، ويقول الآخر: كتب إليَّ فلان.

стр. 130

٣ - أنْ يكون أحدهما منسوباً إلى النَّبيِّ ﷺ ، والآخر مختلفاً فيه فيروى تارة مرفوعاً وأخرى موقوفاً. ٤ - أنْ يكون أحدهما قد اختلف النقلة على راويه، فمنهم من يروي عنه الحديث في حكم عن النبي ﷺ ، ومنهم من يرويه عنه في نفي ذلك الحكم، والآخر لم تختلف نقلته في أنَّه روى أحدهما. ٥ - أنْ يكون راوي الخبر هو صاحب القصة، والآخر ليس كذلك. ٦ - أنْ يوافق مسند المحدث مرسل غيره من الثقات. ٧ - أنْ يطابق أحد المتعارضين عمل الأمة. ٨ - أنْ يكون أحد الخبرين بياناً للحكم، والآخر ليس كذلك. ٩ - أنْ يكون رواته فقهاء؛ لأنَّ عناية الفقيه بما يتعلق من الأحكام أشد من عناية غيره بذلك (١). ١٠ - اختلاف المجلس: المقصود بذلك أنْ يروي المحدث حديثاً ما، في مكان ما، ثم يرويه مرة أخرى مخالفاً روايته الأولى، إما بإرسال موصول أو رفع موقوف أو غير ذلك، ومن الشواهد عليه ما قاله الترمذي: «ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ : «لا نكاحَ إلا بوليٍّ» عندي أصح؛ لأنَّ سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فإنَّ رواية هؤلاء عندي أشبه؛ لأنَّ شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد» (٢). ١١ - غرابة السند: المقصود بهذه القرينة أنْ يعمد الراوي إلى إسناد مشهور، فتكون نهايته مخالفة لهذا الإسناد، كأنْ يعمد إلى إسناد مثل: الزهري، عن عروة، عن عائشة. أو مالك، عن نافع، عن ابن عمر. فيروي: الزهري، عن عروة، عن صالح بن حسّان. أو يقول: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وإنما كانت غرابة السند من قرائن الترجيح؛ لأنَّ ذلك

стр. 131

الإسناد لو كان على جادته لكان أسهل حفظاً على الراوي (١)، ولكن هذه القرينة إنما تقبل من الراوي الموصوف بالحفظ، المشهور بالرواية، المقبول منه تعدد الأسانيد، ومن لوازم كثرة المرويات الإغراب، وتفرد الراوي بما ليس عند غيره، ووجه هذا القيد حتى لا يعمد راوٍ من الهلكى إلى إسناد ما، فيتلاعب به ثم يخرجه إسناداً غريباً، فيطمع به من ليس له باع في هذا الفن، فيرويه على ذلك الوجه وهو لا يعلم، ومن شواهد ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر إذ قال: «فممن كان يفعل ذلك عمداً لقصد الإغراب على سبيل الكذب: حماد بن عمرو النصيبي، وهو من المذكورين بالوضع، من ذلك روايته عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا لقيتم المشركينَ في طريقٍ فلا تبدوؤهم بالسلامِ .. » الحديث، فإن هذا الحديث قال العقيلي: لا يعرف من حديث الأعمش، وإنما يعرف من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁» (٢). ١٢ - رواية الراوي عن أهل بلده: كثير من الرواة يكونون ثقاتٍ قليلي

стр. 132

الخطأ إذا رووا عن أهل بلدهم، ويكونون على النقيض من ذلك في حال الرواية عن غيرهم كإسماعيل بن عياش، قال عنه ابن رجب: «لا يضبط حديث الحجازيين، فحديثه عنهم فيه ضعف» (١)، وقد يعود السبب في ذلك إلى أنَّ الراوي إذا حدّث عن أهل بلده، فإنَّ كتبه تكون قريبة منه، والشيوخ الذين حدّث عنهم بين ظهرانيه، فإذا ما وقع لبس ما، فإنَّ الراوي يسرع إلى كتبه أو شيوخه لدفع ما وقع من التباس، وقد وُصف جمهرة من الرواة بأنهم ثقات إذا حدّثوا عن أهل بلدهم، ضعاف إذا حدثوا عن غيرهم، لذلك فإنَّ معرفة بلد الراوي من قرائن الترجيح بين الروايات المختلفة من جهة، ومعرفة قوة روايته وضعفها من جهة أخرى، وممن وصف بهذا الوصف إسماعيل بن عيّاش - كما سبق - وبقية بن الوليد وغيرهما. وعلى العكس مما ذكر، يدخل في هذه القرينة رواية الراوي في غير بلده (٢)، إذ إنَّ المعتاد لمّا يحدّث في بلده يكون بين شيوخه وكتبه؛ فيكون ذلك أقرب إلى الصواب، وقد يسافر الراوي فيكون بعيداً عن كتبه أو بعيداً عن تعاهد محفوظه ومذاكرته، فيحدّث من حفظه فيقع في الغلط كما حصل لمعمر بن راشد، قال ابن رجب: «معمر بن راشد حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد. قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر - يعني: في اليمن - وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة. وقال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب؛ لأنَّ كتبه لم تكن معه» (٣). ١٣ - أنْ تكون رواية الراوي عاضدة لعمله: من ذلك ما نقله ابن أبي

стр. 133

حاتم أنَّه سأل أبا زرعة عن حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين قائلاً: «فأيهما الصحيح عندك؟ قال: أنا إلى حديث الشعبي بلا عروة أميل، إذ كان للشعبي أصل في المسح» (١). ١٤ - الترجيح بقرينة الزيادة: قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: لِمَ حكمت برواية ابن لهيعة، وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة في حفظه» (٢). ١٥ - الترجيح بقرينة العمل بالحديث: الترمذي ﵀ كثير الاستعمال لهذه القرينة، بل في بعض الأحيان تجد الحديث ظاهر الضعف، ثم يقول الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم»، مثال ذلك ما أخرجه من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمُرةَ بن جندب، قال: أمرنا رسولُ اللهِ ﷺ إذا كنَّا ثلاثةً أنْ يتقدَّمنا أحدُنا. قال عقبه: «وحديث سمرة حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم» (٣) هكذا حسّنه ﵀ على الرغم من ضعف إسماعيل بن مسلم، والحسن لم يسمع من سمرة غير حديثين كما بيّنت في كتابي هذا. أما قرائن الإعلال فقد تقدم كثير منها في أسباب العلة وطرائق كشف العلة، وأزيد هنا: أ - فقدان الحديث من كتب الراوي: وهذا مخصوص بالرواة المشهورين بالتصنيف، أو كتابة مسموعاتهم وتدوينها، ومن الشواهد على ذلك ما نقله الخلاّل في علله عن الإمام أحمد أنَّه قال: «ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أنْ يكون له أصل» (٤)، وقال أبو حاتم: «لو كان صحيحاً لكان في مصنفات ابن أبي عروبة» (٥) وقال أيضاً: «وكان الوليد صنّف كتاباً في الصلاة وليس فيه هذا الحديث» (٦).

стр. 134

ب - مخالفة الراوي لما يرويه: قال ابن رجب: «قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، قد ضعّف (١) الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا» (٢) وقال المناوي: «وقيل: إنَّ مخالفة الراوي بمنع وجوب العمل؛ لأنَّه إنَّما خالفه لدليل .. » (٣) يعني: لدليل عند الراوي منعه من العمل بموجب ما روى، وهذه القرينة استعملها النقاد للكشف عن بواطن علل راجت على غيرهم، وأما غير المحدّثين فلم يلتفتوا لمثل هذا الأمر، وقد بين المناوي سبيل قبول أحاديث كذا حالها فانظره تجد كبير فائدة. وخلاصة الأمر: إنَّ موضوع كتابنا هذا هو العلل الخفية، وعلم العلل هو العلم الذي يبحث في أخطاء الثقات. ومعرفة الخطأ في أحاديث الثقات ليس بالأمر الهين، وقد ينقدح للناقد علة في الحديث، ويكون ظاهر الإسناد الصحة، ثم يعمِّق الناقد البحث ليبحث عما يقوي ظنَّه بوجود تلك العلة فيتطلع على ما يحف بالرواية، ومن ذلك أنْ ينظر الناقد إلى من دار عليهم الإسناد - أقصد المدار (٤) ومن فوقه من الرواة - للبحث هل لهم أو لأحدهم رأي فقهي يخالف هذه الرواية، فإذا وجد ذلك دل على عدم صحة هذا الحديث من طريقهم؛ لأنَّ صحة الحديث عندهم موجب للعمل به مالم يكن منسوخاً أو مخصصاً أو مقيداً، وستأتي لذلك أمثلة عدة إن شاء الله (٥).

стр. 135

ج - أن تكون في الحديث مبالغة في الأجر، أو العذاب على بعض الأفعال اليسيرة: فتجد مثلاً أحاديث من قال كذا فله ألف ألف حسنة، ووضع عنه ألف ألف سيئة، وكذا وكذا، فنحن في الوقت الذي نظن بالله أنَّه أكرم من ذلك، وكرمه تعالى لا يتصوره عقل إلا أنَّ مثل هذه المبالغات في الأجر على الفعل اليسير، تجعلنا نجزم بعدم ثبوت مثل هذه الأقوال عن النبي ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر: «ومن جملة القرائن الدالة على الوضع: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القصاص والطرقية، والله أعلم» (١). د - أن يكون المتن مما يرده العقل، ولا تستسيغه الفطرة السليمة: ولسنا بذا نقول ما يقوله بعضهم في رد الأحاديث الصحيحة بالحجج العقلية، ولكن نقول: هناك بعض الأحاديث التي لا يشك منصف في بطلانها؛ لمخالفتها العقل الصحيح السليم المعتد به في الدين، قال السخاوي - في أثناء ذكره قرائن الحكم بالوضع -: «والركة في المعنى: كأن يكون مخالفاً للعقل ضرورة أو استدلالاً، ولا يقبل تأويلاً بحال … ؛ لأنه لا يجوز أن يرِد الشرعُ بما ينافي مقتضى العقل» (٢)، أما رد الأحاديث بمجرد مخالفتها عقول المتكلمين وأهواءهم وأذواقهم فلا، قال العلامة المعلمي: «هذا وقد عرف الأئمة الذين صححوا الأحاديث أنَّ منها أحاديث تثقل على بعض المتكلمين ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقة للعقل المعتد به في الدين، مستكملة شرائط الصحة الأخرى، وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تلاقيها أو هي من قبيلها قد ثقلت هي أيضاً على المتكلمين، وقد علموا أنَّ النبي ﷺ كان يدين بالقرآن ويقتدي به فمن المعقول جداً أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من الآيات» (٣)، من ذلك - أعني الأحاديث التي تخالف العقل الصريح -

стр. 136

ما رواه الطبراني (١) من طريق حسّان بن إبراهيم الكرماني، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت: يا رسول الله، الوضوء من جر جديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ فقال: «لا، بل منَ المطاهر، إنَّ دينَ اللهِ الحنيفية السمحة» قال: وكان رسول الله ﷺ يبعث إلى المطاهر، فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين. فهذا الحديث العقل يرده قبل النقل فكيف يتبرك الرسول ﷺ بمن دونه، أليس هو خاتم النبيين؟! أليس هو إمام المتقين؟! فكيف إذن يتبرك بمن هو دونه؟! وقد أبان شيخنا العلاّمة المحدّث عبد الله بن عبد الرحمان السعد عن علل هذا الحديث (٢) فشفى وكفى، والحمد لله رب العالمين. هـ - إعراض المتقدمين عن تخريج الحديث في كتبهم ولاسيما الكتب الجامعة منها "كمسند أحمد" و"مصنف ابن أبي شيبة"، و"صحيح ابن حبان"، فضلاً عن الكتب الستة، فإذا وجدت حديثاً فيه حكم من الأحكام، وليس في الكتب المتقدمة، فاعلم أنَّ ذلك من قرائن تضعيف هذا الحديث، قال أبو داود واصفاً كتابه السنن: «وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبيِّ ﷺ بإسناد صالح إلا وهي فيه .. » (٣)، فهذا يعني أنَّ المتقدمين ما أعرضوا عن تخريج هذا الحديث أو ذاك إلا لعلة اطلعوا عليها دون غيرهم، فلذلك كانت كتب المتقدمين حجة، وإعراضهم حجة، بل وسكوتهم حجة، قال الحافظ ابن عبد الهادي مضعفاً حديثاً: «حديث ضعيف الإسناد منكر المتن لا يصلح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في " مسنده " .. » (٤). و - التفرد: وهو ليس علة بحد ذاته، فقد يغرب الحافظ بأحاديث لا يشاركه فيها غيره، قال الإمام مسلم: «وللزهري نحو من تسعين حديثاً، يرويه

стр. 137

عن النَّبيِّ ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد» (١). فإذن التفرد ليس بعلة في حق من اشتهرت عدالته وحفظه، ولكنَّه يكون طريقاً لتسليط الضوء على العلة في الأحاديث التي ينفرد بها رواة لم يبلغوا معشار ما وصله الزهري وطبقته، وسيأتي مزيد بيان في موضعه. ز - تنصيص أهل العلم: إذا وجدت حديثاً قد نص النقاد على علته أو صحته فعض عليه بالنواجذ فهم أدرى بما يقولون، وما أطلق ذاك الحكم لاهٍ ولا عابث، بل حكم به من هو أعلم منك وأعرف، فلم يساور أحكامهم المنطق أو المجاملة أو المحاباة، قال أبو حاتم: «واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة» (٢). ح - معرفة الأسانيد التي لا يصح منها شيء: وهذه القرينة أعدّ لها ابن رجب باباً سماه ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء (٣) أذكر بعضاً منها على سبيل الاختصار: - قتادة، عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ . - قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . - يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . - يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس. - حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر … ط - مخالفة الحديث لأهل المدينة: كما هو معروف أنَّ أرض المدينة كانت معمورة بتواجد غالب أصحاب النبي ﷺ فيها؛ لذا فمن البديهي أنْ تكون هذه الأرض محط ركاب المحدّثين والباحثين عن أقوال نبيهم ﷺ وأفعاله وتقريراته، ولما تقدم أنَّ أهل البلد أعرف بحديثهم، ولما كانت المدينة المنورة قبلة المحدّثين كان أهل المدينة أعرف بالحديث من غيرهم، لذلك

стр. 138

كانت هذه القرينة من قرائن إعلال الروايات المخالفة لأهل المدينة (١). وأُجمل هنا بعض القواعد مما يستعين بها الناقد في الترجيح والإعلال منها: ١ - يغلب الوهم والغلط على حديث أغلب الصالحين غير العلماء؛ لأنَّهم قليلو الحفظ والضبط، فحديثهم متوقف فيه. ٢ - المشتغلون بالرأي لا يكادون يحفظون الحديث أسانيده ومتونه، مخالفين بذلك الحفاظ. ٣ - إذا حدّث الثقةُ الحافظ من حفظه، وليس بفقيه، قال عنه ابن حبان: «لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره» (٢). ٤ - إذا تفرد الثقة الحافظ بإسناد، فحكمه قريب من زيادة الثقة، أما إنْ كان حفظه سيئاً، فلا يُعبأ بانفراده، ويحكم عليه بالوهم. ٥ - المدلس إذا عُرف له شيوخ لم يدلس عنهم، فحديثه عنهم متصل. ٦ - قال العجلي: «إذا قال سفيان بن عيينة: عن عمرو: سمع جابراً فصحيح، وإذا قال سفيان: سمع عمرو جابراً: فليس بشيء» (٣). فقوله بالعبارة الأولى يعني: أنَّ السماع حاصل بها، أما العبارة الثانية فلم يحصل السماع. ٧ - جهابذة النقاد لكثرة ممارستهم الحديث واختلاطه بلحمهم ودمهم، لهم فهم خاص خُصّوا به عن سائر أهل العلم، أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، وهذا ليس على إطلاقه. ٨ - يضعف حديث الصحابي، إذا صَحّ عنه رواية ما يخالفه، أو يخالف رأيه. ٩ - «إذا اختُلِفَ في وصل رواية وإرسالها، وترجَّح لدينا أنَّ من وصلها أخطأ، وأنَّ الصواب أنها مرسلة، فالرواية الموصولة غير صالحة للاعتبار بها؛

стр. 139

لأنها خطأ متحقق، فوجودها وعدمها سواء، وإنما يعتبر بالرواية المرسلة فحسب» (١). ١٠ - إذا أخطأ الثقة في روايته، فهي شاذة ساقطة، لا تنفعها ثقته (٢). ١١ - إذا روى الحافظ المكثر الثبت حديثاً بأكثر من إسناد، حُمل على سعة روايته، أما إذا كان غير ذلك فيُحمل على اضطرابه وعدم حفظه. ١٢ - «وصحة الإسناد يتوقف على ثقة الرجال، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث، حتى ينتفي منه الشذوذ والعلة» (٣). ١٣ - المحدّث إذا خالفته جماعة في نقله، فالقول قول الجماعة، والقلب إلى روايتهم أشدّ سكوناً من رواية الواحد (٤). ١٤ - تفرد الثقة متوقف فيه، حتى يُتابع عليه، ولا سيما إذا كان غير مشهور بالحفظ والإتقان (٥). ما تزول به العلة: أشرت فيما سبق إلى أنَّ العلة ظاهرة وخفية: فالعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات (٦) والشواهد (٧)، ويكون ذلك

стр. 140

بالاعتبار (١) و سبر الطرق، وقد تزول العلة بتلقي أهل العلم للحديث، فيقبل الحديث و يزول أثر العلة، أو تحديث مدلس، أو وجود قرينة تدل على حفظ الراوي ذلك الحديث. أما العلل الخفية فلا تزول، و هي على نوعين: أحدهما: ما سببه المخالفة، فالراجحة محفوظة أو معروفة، والمرجوحة شاذة أو منكرة. وثانيهما: أحاديث أُعلت بأسباب أخرى غير المخالفة: كمعارضة القرآن، أو نص صحيح متواتر، أو تاريخ مجمع عليه فهذه لا تزول، ويبقى الحديث مُعَلّاً. فالعلل الظاهرة و هي التي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الراوي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بين الضعف الشديد و الضعف اليسير، فما كان يسيراً زال بمجيئه من طريق آخر مثله أو أحسن منه، و ما كان ضعفه شديداً فلا تنفعه كثرة الطرق. و بيان ذلك أنَّ ما كان ضعفه بسوء الحفظ أو اختلاط أو تدليس أو انقطاع يسير، فالضعف هنا يزول بالمتابعات وسبر الطرق، وقبل أنْ يذهب الناقد إلى تقوية حديث ما بمتابعة ما، وقبل الاعتبار بالرواية وضمها إلى غيرها؛ لإحداث التقوية والاعتضاد، يجب عليه أنْ يوفي الرواية حقها من النقد الخاص، وذلك بالنظر في رواتها، وهل فيهم من هو متهم بالكذب، أو غير ذلك مما يفضي إلى اطراح روايته، وعدم الاعتبار بها وأنْ يمحص رجال الإسناد فلعل راوياً سيئ الحفظ انقلب عليه براوٍ آخر، وهذا الاهتمام طبعاً لا يقتصر على السند فقط وإنما المتن أيضاً، فقد يكون أصل الحديث مشهوراً إلا أنَّ أحد الرواة زاد في المتن زيادة منكرة ليست هي في الحديث، فهذه الزيادة لا يعتبر بها؛ لأنها منكرة، ليس لذكرها في الحديث أصل يرجع إليه. فيجب

стр. 141

على الباحث أنْ يولي الرواية حقها من البحث الذاتي، قبل اعتبارها بغيرها مكتفياً بحال الراوي فحسب (١)، وما كان انقطاعه شديداً أو قدح في عدالة الراوي فلا يزول، قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: «لعل الباحث الفهِم يقول: إنَّا نجد أحاديث محكوماً بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: «الأُذُنانِ منَ الرَّأسِ» (٢) ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسَنِ؛ لأنَّ بعض ذلك عضد بعضاً .. وجواب ذلك: أنَّه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ضعف يزيله ذلك؛ بأنْ يكون ضعفه ناشئاً من ضَعْفِ حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنَّه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفُهُ من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ؛ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، و من ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضَّعْف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضَّعْف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً، و هذه جملةٌ تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنَّه من النفائس العزيزة، والله أعلم» (٣). من هذا يتبين لنا أنَّ الأحاديث الشديدة الضعف إذا كثرت و تعددت، تبقى ضعيفة ولا ترتقي إلى درجة القبول. وقد ذكر السيوطي عن الحافظ ابن حجر أنَّ شديد الضعف بكثرة الطرق،

стр. 142

ربما يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له إلى درجة المستور والسيئ الحفظ (١). وقد مشى الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه القاعدة في تحقيقه لبعض الأحاديث، كما صنع في قصة الغرانيق (٢) حيث قال: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلاً» (٣). وقد أصّل السيوطي لها فقال في ألفيته (٤): ضَعفاً لسوء الحفظ أو إرسالٍ أوْ … تدليس أو جهالةٍ إذا رأوا مجيئَه من جهةٍ أخرى وما … كان لفسقٍ أو يُرى مُتّهما يَرقَى عن الإنكار بالتعدد … بل ربما يصير كالذي بُدي وقد تعقّب العلاّمة أحمد شاكر هذا بقوله: «وأما إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنَّه لا يرقى إلى الحسن، بل يزداد ضعفاً إلى ضعف، إذ إنَّ تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم، يُرجِّح عند الباحث المحقق التهمة و يؤيد ضعف روايتهم، و بذلك يتبين خطأ المؤلف هنا وخطؤه في كثير من كتبه (٥) في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي إلى الحسن مع

стр. 143

هذه العلة القوية» (١). غير أن السيوطي ﵀ قال: «إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة، لا يلزم أنْ يحصل من مجموعها أنَّه حسن: بل ما كان ضعفه، لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر» (٢). وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فإنَّ الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض و يشتهر عندهم فقط، و لا نجده في روايات الثقات الأثبات، مما لا يزيد الضعيف إلا ضعفاً على ضعف. وقال ابن جماعة: «والضعف لكذب راويه و فسقه، فلا ينجبر بتعدد طرقه» (٣). وقال الجرجاني: «وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه، لا ينجبر بتعدد طرقه كما في حديث: «طلبُ العلمِ فريضةٌ» (٤) قال البيهقي: هذا حديث مشهور بين الناس، وإسناده ضعيف، و قد روي من أوجه كثيرة كلها ضعيفة» (٥). أما تلقي العلماء لحديث بالقبول فهو من الأمور التي تزول به العلة أحياناً، وتخرج الحديث من حيز الرد إلى العمل بمقتضاه (٦)، بل ذهب بعض العلماء إلى أنَّ له حكم الصحة، قال الحافظ ابن حجر: «وقد وجدت فيما حكاه إمام الحرمين في " البرهان " (٧) عن الأستاذ أبي بكر محمد بن الحسن بن

стр. 144

فورك ما يصرح بهذا التفصيل الذي أشرت إليه، فإنَّه قال في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول مقطوع بصحته، ثم فصل ذلك فقال: إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه، وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد. وإن تلقوه بالقبول قولاً وفعلاً حكم بصدقه قطعاً. وحكى أبو نصر القشيري عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّه بيّن في كتاب " التقريب " أنَّ الأمة إذا اجتمعت أو أجمع أقوام لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب من غير أنْ يظهر منهم ذلك التواطؤ على أنَّ هذا الخبر صدق، كان ذلك دليلاً على الصدق، قال أبو نصر: وحكى إمام الحرمين عن القاضي أنَّ تلقي الأمة لا يقتضي القطع بالصدق، ولعل هذا فيما إذا تلقته بالقبول، ولكن لم يحصل إجماع على تصديق الخبر، فهذا وجه الجمع بين كلامي القاضي. وجزم القاضي أبو نصر عبد الوهاب المالكي في كتاب " الملخص " بالصحة فيما إذا تلقوه بالقبول قال: وإنَّما اختلفوا فيما إذا أجمعت على العمل بخبر المخبر هل يدل ذلك على صحته أم لا؟ .. » (١). وقال ابن عبد البر -لما حكى عن الترمذي أنَّ البخاري صحح حديث البحر: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ» (٢) -: «وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح؛ لأنَّ العلماء تلقوه بالقبول له، والعمل به» (٣). وروى جابر عن النَّبيِّ ﷺ : «الدينارُ أربعٌ و عشرونَ قيراطاً». قال: «وهذا الحديث وإنْ لم يصح إسناده، ففي قول جماعة العلماء به، وإجماع الناس على معناه، ما يغني عن الإسناد فيه» (٤). وقال الزركشي: «إنَّ الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول، عمل به على الصحيح، حتى إنَّه ينزل منزلة المتواتر في أنَّه ينسخ المقطوع» (٥).

стр. 145

وقال الشيخ طاهر الجزائري: «وأيضاً فالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً بموجبه يفيد العلم عند جماهير السَلف والخلف، وهذا في معنى المتواتر .. » (١). وعند الحنفية يعدون الضعيف إذا تلقاه العلماء بالقبول في حيز المتواتر، كما نص عليه الجصاص فقد قال عند الكلام على حديث ابن عمر وعائشة، عن النبي ﷺ : «طلاقُ الأمةِ تطليقتانِ، وعِدتُها حَيْضتان» (٢): «وقد تقدم ذكر سنده، وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة وإنْ كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز التواتر؛ لأنَّ ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيّناه في مواقع» (٣). والذي يبدو لي أنَّ الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من أشار إلى تقوية الضعيف بتلقي العلماء، فقد قال: «فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن النبيِّ ﷺ أنْ «لا وصيةَ لوارثٍ» (٤) على أنَّ المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع عن النبي ﷺ وإجماع العامة على القول به» (٥). ثم إنَّ الإمام الشافعي قد أشار إلى ذلك عند كلامه على شروط قبول المرسل، فقال: «وكذلك إن وجد عوامٌ من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عنهم عن النبي» (٦). وربما التمس الترمذي ذلك من كلام الشافعي، فأخذ يقول في كثير من الأحاديث الضعيفة (٧) الإسناد من حيث الصناعة الحديثية: «وعليه العمل عند
следующие страницы →