← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

على الباحث أنْ يولي الرواية حقها من البحث الذاتي، قبل اعتبارها بغيرها مكتفياً بحال الراوي فحسب (١)، وما كان انقطاعه شديداً أو قدح في عدالة الراوي فلا يزول، قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: «لعل الباحث الفهِم يقول: إنَّا نجد أحاديث محكوماً بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: «الأُذُنانِ منَ الرَّأسِ» (٢) ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسَنِ؛ لأنَّ بعض ذلك عضد بعضاً .. وجواب ذلك: أنَّه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ضعف يزيله ذلك؛ بأنْ يكون ضعفه ناشئاً من ضَعْفِ حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنَّه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفُهُ من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ؛ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، و من ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضَّعْف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضَّعْف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً، و هذه جملةٌ تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنَّه من النفائس العزيزة، والله أعلم» (٣). من هذا يتبين لنا أنَّ الأحاديث الشديدة الضعف إذا كثرت و تعددت، تبقى ضعيفة ولا ترتقي إلى درجة القبول. وقد ذكر السيوطي عن الحافظ ابن حجر أنَّ شديد الضعف بكثرة الطرق،

стр. 142

ربما يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له إلى درجة المستور والسيئ الحفظ (١). وقد مشى الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه القاعدة في تحقيقه لبعض الأحاديث، كما صنع في قصة الغرانيق (٢) حيث قال: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلاً» (٣). وقد أصّل السيوطي لها فقال في ألفيته (٤): ضَعفاً لسوء الحفظ أو إرسالٍ أوْ … تدليس أو جهالةٍ إذا رأوا مجيئَه من جهةٍ أخرى وما … كان لفسقٍ أو يُرى مُتّهما يَرقَى عن الإنكار بالتعدد … بل ربما يصير كالذي بُدي وقد تعقّب العلاّمة أحمد شاكر هذا بقوله: «وأما إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنَّه لا يرقى إلى الحسن، بل يزداد ضعفاً إلى ضعف، إذ إنَّ تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم، يُرجِّح عند الباحث المحقق التهمة و يؤيد ضعف روايتهم، و بذلك يتبين خطأ المؤلف هنا وخطؤه في كثير من كتبه (٥) في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي إلى الحسن مع

стр. 143

هذه العلة القوية» (١). غير أن السيوطي ﵀ قال: «إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة، لا يلزم أنْ يحصل من مجموعها أنَّه حسن: بل ما كان ضعفه، لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر» (٢). وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فإنَّ الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض و يشتهر عندهم فقط، و لا نجده في روايات الثقات الأثبات، مما لا يزيد الضعيف إلا ضعفاً على ضعف. وقال ابن جماعة: «والضعف لكذب راويه و فسقه، فلا ينجبر بتعدد طرقه» (٣). وقال الجرجاني: «وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه، لا ينجبر بتعدد طرقه كما في حديث: «طلبُ العلمِ فريضةٌ» (٤) قال البيهقي: هذا حديث مشهور بين الناس، وإسناده ضعيف، و قد روي من أوجه كثيرة كلها ضعيفة» (٥). أما تلقي العلماء لحديث بالقبول فهو من الأمور التي تزول به العلة أحياناً، وتخرج الحديث من حيز الرد إلى العمل بمقتضاه (٦)، بل ذهب بعض العلماء إلى أنَّ له حكم الصحة، قال الحافظ ابن حجر: «وقد وجدت فيما حكاه إمام الحرمين في " البرهان " (٧) عن الأستاذ أبي بكر محمد بن الحسن بن

стр. 144

فورك ما يصرح بهذا التفصيل الذي أشرت إليه، فإنَّه قال في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول مقطوع بصحته، ثم فصل ذلك فقال: إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه، وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد. وإن تلقوه بالقبول قولاً وفعلاً حكم بصدقه قطعاً. وحكى أبو نصر القشيري عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّه بيّن في كتاب " التقريب " أنَّ الأمة إذا اجتمعت أو أجمع أقوام لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب من غير أنْ يظهر منهم ذلك التواطؤ على أنَّ هذا الخبر صدق، كان ذلك دليلاً على الصدق، قال أبو نصر: وحكى إمام الحرمين عن القاضي أنَّ تلقي الأمة لا يقتضي القطع بالصدق، ولعل هذا فيما إذا تلقته بالقبول، ولكن لم يحصل إجماع على تصديق الخبر، فهذا وجه الجمع بين كلامي القاضي. وجزم القاضي أبو نصر عبد الوهاب المالكي في كتاب " الملخص " بالصحة فيما إذا تلقوه بالقبول قال: وإنَّما اختلفوا فيما إذا أجمعت على العمل بخبر المخبر هل يدل ذلك على صحته أم لا؟ .. » (١). وقال ابن عبد البر -لما حكى عن الترمذي أنَّ البخاري صحح حديث البحر: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ» (٢) -: «وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح؛ لأنَّ العلماء تلقوه بالقبول له، والعمل به» (٣). وروى جابر عن النَّبيِّ ﷺ : «الدينارُ أربعٌ و عشرونَ قيراطاً». قال: «وهذا الحديث وإنْ لم يصح إسناده، ففي قول جماعة العلماء به، وإجماع الناس على معناه، ما يغني عن الإسناد فيه» (٤). وقال الزركشي: «إنَّ الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول، عمل به على الصحيح، حتى إنَّه ينزل منزلة المتواتر في أنَّه ينسخ المقطوع» (٥).

стр. 145

وقال الشيخ طاهر الجزائري: «وأيضاً فالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً بموجبه يفيد العلم عند جماهير السَلف والخلف، وهذا في معنى المتواتر .. » (١). وعند الحنفية يعدون الضعيف إذا تلقاه العلماء بالقبول في حيز المتواتر، كما نص عليه الجصاص فقد قال عند الكلام على حديث ابن عمر وعائشة، عن النبي ﷺ : «طلاقُ الأمةِ تطليقتانِ، وعِدتُها حَيْضتان» (٢): «وقد تقدم ذكر سنده، وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة وإنْ كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز التواتر؛ لأنَّ ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيّناه في مواقع» (٣). والذي يبدو لي أنَّ الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من أشار إلى تقوية الضعيف بتلقي العلماء، فقد قال: «فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن النبيِّ ﷺ أنْ «لا وصيةَ لوارثٍ» (٤) على أنَّ المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع عن النبي ﷺ وإجماع العامة على القول به» (٥). ثم إنَّ الإمام الشافعي قد أشار إلى ذلك عند كلامه على شروط قبول المرسل، فقال: «وكذلك إن وجد عوامٌ من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عنهم عن النبي» (٦). وربما التمس الترمذي ذلك من كلام الشافعي، فأخذ يقول في كثير من الأحاديث الضعيفة (٧) الإسناد من حيث الصناعة الحديثية: «وعليه العمل عند

стр. 146

أهل العلم» مشيراً في ذلك -والله أعلم- إلى تقوية الحديث عند أهل العلم؛ لأنَّ عملهم بمقتضاه يدل على اشتهار أصله عندهم. و قد يلتمس هذا من صنيع البخاري ﵀ فقد قال في كتاب الوصايا: «ويذكر أنَّ النبي ﷺ قضى بالدَّيْن قبل الوصية» (١). وقد علّق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلاً: «وكأنَّ البخاري اعتمد عليه؛ لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلم تجر عادته أنْ يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به» (٢). وقال ابن الوزير: «وقد احتج العلماء على صحة أحاديث بتلقي الأمة لها بالقبول» (٣)، وقال الحافظ ابن حجر: «من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أنْ يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنَّه يقبل حتى يجب العمل به، و قد صرّح بذلك جماعة من أئمة الأصول، و من أمثلته قول الشافعي ﵁: و ما قلت من أنَّه إذا غُيّر طعم الماء و ريحه و لونه، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، و لكنَّه قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافاً. وقال في حديث: «لا وصيةَ لوارثٍ» لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به، حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية للوارث» (٤). أقول: فالشافعي رحمه الله تعالى يشير بذلك إلى حديث أبي سعيد الخدري: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الماءُ طَهُورٌ لا ينجِّسُهُ شيءٌ». أخرجه:

стр. 147

أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤). و قد صححه أحمد بن حنبل و يحيى بن معين و ابن حزم (٥). وقد جاء هذا الحديث من طريق ضعيف عن أبي أمامة الباهلي، عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ الماءَ لا ينجّسُهُ شيءٌ، إلا ما غَلَبَ على ريحِهِ وطعمِهِ ولونِهِ» (٦). فزيادة قوله: «إلا ما غلب على ريحه … الخ» ضعيفة؛ لأنَّها من طريق رشدين بن سعد (٧) وهو رجل صالح لكنه ضعيف أدركته غفلة الصالحين فخلط في حديثه (٨). فالشافعي - رحمه الله تعالى - يشير إلى هذه الزيادة، فهو قد احتج بها مع ضعفها؛ لأنَّ الأمة تلقتها بالقبول، حيث لا خلاف بين العلماء أنَّ الماء إذا غيرته النجاسة تنجس. وقال الكمال بن الهمام: «ومما يصحح الحديث أيضاً: عمل العلماء على وفقه» (٩). وقال السيوطي - بعد أنْ ذكر حديث حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ جَمعَ بينَ الصَّلاتينِ مِنْ غيرِ عُذرٍ فقدْ أتى بَاباً مِنْ أبوابِ الكبائر» (١٠) - «أخرجه الترمذي (١١) وقال: العمل على هذا عند أهل العلم؛ فأشار بذلك إلى أنَّ الحديث اعتضد بقول أهل العلم، وقد صرح غير واحد بأنَّ دليل صحة الحديث قول أهل العلم به وإنْ لم يكن له إسناد يعتمد على مثله» (١٢).

стр. 148

وأكتفي بما نقلته من نصوص عن الأئمة في هذه المسألة، ولكن يبدو لي من كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنَّه ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث، وقبوله والعمل به؛ وذلك أنَّ التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيءٌ وقبول الحديث شيء آخر، فإذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنَّه لا يسمى صحيحاً، ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال: «لأنَّ اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول، ولو كان سنده ضعيفاً يوجب العمل بمدلوله» (١) فقد أشار ﵀ إلى العمل ولم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية، ومن دقق النظر في كلام الشافعي السابق، يجده ينحو هذا المنحى (٢).

стр. 149

مناهج التأليف في العلل: تنوعت مناهج التصنيف وطرائقه إلى أفنان (١) كثيرة، فمن كتب العلل ما اختص ببيان علل الحديث، ومنها ما اشتمل عليها وعلى غيرها من الموضوعات، فهي غير مختصة بالعلل، أما الكتب المختصة بالعلل وبيانها، فمنها المرتب ومنها غير المرتب، قال ابن رجب عن التصنيف في علل الحديث: «وقد صُنِّفتْ فيه كتب كثيرة مفردة، بعضها غير مرتبة .. وبعضها مرتبة، ثم منها ما رُتِّب على المسانيد .. ومنها ما هو مرتب على الأبواب .. » (٢). وهذا إيضاح لكل منها: ١ - كتب غير مختصة بعلل الحديث، مثل كتب مصطلح الحديث، وكتب رواية السنة وتخريجها، وكتب الرجال، وشروح الحديث، ومصادر الفقه وغيرها، فليست غاية تصنيف هذه الكتب بيان علل الأحاديث، وإنما قد تذكر العلل استطراداً. ٢ - كتب مختصة بالعلل وبيانها: وهي كتب كثيرة وفيها قسمان: الأول: غير مرتب: مثل كتب المسائل المتفرقة، والغالب على هذه الكتب أنها ليست من تأليف وجمع مؤلفيها، وإنَّما يتولى ذلك تلميذ من تلاميذ الشيخ فيجمع هذه المسائل في كتاب، مثل العلل المنقولة عن يحيى بن معين

стр. 150

حيث جمعها عباس الدوري، وكذا فعل عثمان الدارمي، وابن الجنيد، وابن محرز، ونقل أقوال أحمد بن حَنْبل ابناه عبد الله وصالح، كما نقلها الميموني وابن هانئ والأثرم .. فهؤلاء المذكورون كل واحد جمع كتاباً من المسائل في العلل عن ابن معين أو أحمد بن حنبل. الثاني: المرتب: هذه الكتب مرتبة وفق السياقات الآتية: ١ - الأبواب الفقهية: وهو أنْ ترتب الأحاديث على الأبواب الفقهية، ثم تذكر علل كل حديث بعد ذلك، مثل علل الترمذي، وعلل ابن أبي حاتم، والعلل لأبي بكر الخلاّل. ٢ - المسانيد: وهو أنْ ترتب الأحاديث على مسانيد الصحابة، فتذكر أحاديث الصحابي، ثم تذكر عللها بعد ذلك، مثل مسند علي بن المديني، والمسند المعلل ليعقوب بن شيبة، والمسند الكبير المعلل للبزار المعروف بالبحر الزخار، وعلل الدارقطني. ٣ - مرويات شيخ معيّن: وهو أنْ يعمد المصنف إلى شيخ بعينه، فيجمع أحاديثه المعلة، وفائدة هذا المنهج معرفة نسبة العلل في أحاديث هذا الشيخ (١)، مثل تصنيف ابن المديني لعلل حديث ابن عيينة، وكذا فعل محمد بن يحيى الذهلي حيث صنّف علل حديث الزهري. ٤ - كتاب معيّن: وهو أنْ يعمد المصنف إلى كتاب معين، فيبين أحاديثه المعلة، من ذلك ما صنّفه أبو الفضل بن عمّار الشهيد في كتابه علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج، ذكر فيه علل أحاديث انتقدها على مسلم، ومثله بيان الوهم والإيهام لابن القطان، والتتبع للدارقطني وغيرها. ٥ - نوع من العلل: وهو أنْ يجمع المصنف أحاديث علتها واحدة مبيناً لها، ومن هذا القبيل كتاب " تمييز المزيد في متصل الأسانيد " للخطيب البغدادي، وكتاب " تقريب المنهج بترتيب المدرج "، و" تقويم السناد بمدرج الإسناد "، و" المقترب في بيان المضطرب " كلها للحافظ ابن حجر.

стр. 151

٦ - حديث معيّن: أنْ يبين الناقد علة أو علل حديث واحد معين، من ذلك كتاب علة الحديث المسلسل في يوم العيد للحافظ عبد الله بن يوسف الجرجاني. ٧ - موضوع معيّن: وهو أنْ يعمد الناقد إلى أحاديث موضوعها واحد، كأحاديث الصلاة أو الطب النبوي أو غيرهما، ويبين المعلول منها وعلته. ٨ - التراجم: وهو ترتيب التراجم هجائياً أو على الطبقات، ثم ذكر علل المترجم له، من ذلك كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي، والكامل لابن عدي وغيرهما .. هذه أهم مناهج العلماء المصنِّفين في عرضهم للأحاديث المعلة، وفيها النافع وغيره، إلا أنَّ المرتَّب المستوعِب أنفع.

стр. 152

ثقافة المُعلل إنَّ علم الحديث ليس كبقية العلوم، فهو يستفرغ العمر كله؛ لأنَّ بالمعلل حاجة إلى عدد من العلوم، بل إلى جميع العلوم كلها، فضلاً عن كونه علماً تتعدد فروعُهُ، وتتنوعُ علومه، وتتشعبُ أفنان فنونه، ولم يبالغ الحازميُّ عندما قال: «اعلم أنَّ علمَ الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تقرب من مئة نوع، وكلُّ نوعٍ منها علمٌ مستقلٌ لو أنفق الطالب فيه عمرَهُ لما أدرك نهايتَه» (١) لذلك فإنَّ علم الحديث وصناعته لأهل الحديث خاصة، قال مسلم: «إنَّ صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنَّما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنَّهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون بها دون غيرهم، إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصرٍ من لدن النبيِّ ﷺ إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمنْ نابذهم منَ الناس، وخالفهم في المذهب إلى معرفة الحديث، ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار من نقلة الأخبار وحُمّال الآثار، وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميّزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح، وإنمَّا اقتصصنا هذا الكلام، لكي يتبينهُ من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبّه على تثبيت الرجال وتضعيفهم، فيعرف ما الشواهد عندهم والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو أسقطوا من أسقطوا منهم، والكلام في تفسير ذلك يكثر» (٢). هكذا أبان الإمام مسلم أنَّ صناعة الحديث ومعرفة علله هو علم يختص

стр. 153

به أهل الحديث خاصة، وهذا النص الذي نقلته بطوله منْ أنفس النصوص، وأقدمها، ومن خلاله يبين للقارئ - أي قارئ - أنَّ هذا العلم منْ أصعب العلوم وأحنكها، ولا يتمكن فيه إلا من كان تقوى الله رائدُهُ، والتقرب بالنوافل ديدنه، والكف عن المحارم طريقته؛ إذ إنَّ صِمام الأمان تقوى الله أولاً، ثم المعرفة التامة لذلك العلم قال الذهبي: «فحق على المحدِّث أنْ يتورع في ما يؤديه، وأنْ يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أنْ يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويُجرّحهم جِهبذاً إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل: فَدعْ عَنْكَ الكتابةَ لستَ مِنها … ولو سَوّدتَ وجهكَ بالمداد قال الله تعالى : ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) فإنْ آنستَ يا هذا من نفسك فهماً وصدقاً وديناً وورعاً وإلا فلا تتعن، وإنْ غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب، وإنْ عرفت أنَّك مخلطٌ مخبطٌ مهملٌ لحدودِ الله فأرحنا منْكَ، فبعد قليلٍ ينكشف البهْرج، وينكبُّ الزغل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقد نصحتك فعلم الحديث صلفٌ، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أنْ لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب» (٢). إذن فهذا الفن ليس كبقية الفنون؛ إذ المعرفة به تستدعي علوماً أخرى خادمة له، وقد أعجبني كلامٌ طويلٌ لابن الأثير أنقله جميعه لأهميته، فقد قال رحمه الله تعالى: « … إلا أنَّ من أصول فروض الكفايات علم أحاديث رسول الله ﵌، وآثار أصحابه ﵃ التي هي ثاني أدلة الأحكام ومعرفتها أمرٌ

стр. 154

شريفٌ، وشأنٌ جليلٌ، لا يحيط به إلا من هذّب نفسه بمتابعة أوامر الشرع ونواهيه، وأزال الزيغ عن قلبه ولسانه، وله أصولٌ وأحكامٌ وقواعد وأوضاعٌ واصطلاحات ذكرها العلماء، وشرحها المحدّثون والفقهاء، يحتاج طالبُه إلى معرفتها، والوقوف عليها بعد تقديم معرفة اللغة والإعراب، اللذين هما أصلٌ لمعرفة الحديث، لورود الشريعة المطهرة بلسان العرب. وتلك الأشياء: كالعلم بالرجال، وأساميهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ووقت وفاتهم، والعلم بصفات الرواة، وشرائطهم التي يجوز معها قبول روايتهم، والعلم بمستند الرواة، وكيفية أخذهم الحديث، وتقسيم طرقه، والعلم بلفظ الرواة وإيرادهم ما سمعوه، وإيصاله إلى من يأخذه عنهم، وذكر مراتبه والعلم بجواز نقل الحديث بالمعنى، ورواية بعضه والزيادة فيه، والإضافة إليه ما ليس منه، وانفراد الثقة بزيادة فيه. والعلم بالمسند وشرائطه والعالي منه والنازل، والعلم بالمرسل وانقسامه إلى المنقطع والموقوف والمعضل وغير ذلك واختلاف الناس في قبوله ورده، والعلم بالجرح والتعديل، وجوازهما ووقوعهما، وبيان طبقات المجروحين والعلم بأقسام الصحيح من الحديث والكذب (١)، وانقسام الخبر إليهما وإلى الغريب والحسن وغيرهما، والعلم بأخبار التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ وغير ذلك (٢) مما تواضع عليه أئمة الحديث، وهو بينهم متعارف، فمن أتقنها أتى دار هذا العلم من بابها، وأحاط بها من جميع جهاتها، وبقدر ما يفوته منها تنزل عن الغاية درجتُهُ، وتنحط عن النهاية رتبته، إلا أنَّ معرفة التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ، وإنْ تعلقت بعلم الحديث -

стр. 155

فإنَّ المحدّث لا يفتقر إليها، لأنَّ ذلك من وظيفة الفقيه؛ لأنَّه يستنبط الأحكام من الأحاديث، فيحتاج إلى معرفة المتواتر والآحاد والناسخ والمنسوخ، فأمّا المحدّث، فوظيفتُهُ أنْ ينقل ويروي ما سمعه من الأحاديث كما سمعه، فإنْ تصدى لما وراءه فزيادةٌ في الفضل، وكمالٌ في الاختيار» (١). لقد أطال ابن الأثير رحمه الله تعالى وأطاب، وأبانَ لمن جاء بعده البضاعة لهذه الصناعة، وأنَّها صناعةٌ ليست كبقية الصناعات. ونحن نعلم أنَّ علم العلل رأسُ علوم الحديث، إذ من خلاله نعرف صحيح الحديث من ضعيفه، ونميز عدله من معوجه، ومرفوعه من موقوفه ومسنده من مرسله. وصاحبُهُ يحتاج جميع أدوات الفن مع حاجته إلى الفنون الأخرى من العلوم ليتقن فيها علم الحديث، قال الحافظ ابن حجر مبيناً صعوبة علم العلل: «وهو منْ أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً وحفظاً واسعاً، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، ولهذالم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنْبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم» (٢). ثم إنَّ صعوبة تحصيل صفات رجل العلل أمر قد جعل هذا العلم خفيّاً على كثيرين، بل خَفِيَ على أكثر أهل الحديث خاصة فضلاً عن غيرهم، قال ابن كثير: «وَهُوَ فَنٌّ خَفِيٌّ (٣) عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ

стр. 156

حُفَّاظِهِم: مَعْرِفَتُنَا بِهَذَا كِهَانَةٌ عِنْدَ الجَاهِلِ (١). وَإِنَّمَا يَهْتَدِي إِلَى تَحْقِيقِ هَذَا الفَنِّ الجَهَابِذَةُ النُّقَّادُ مِنْهُمْ، يُمَيِّزُونَ بَيْنَ صَحِيحِ الحَدِيثِ وَسَقِيمِهِ، وَمُعْوَجِّهِ وَمُسْتَقِيمِهِ، كَمَا يُمَيِّزُ الصَّيْرَفِيُّ البَصِيرُ بِصِنَاعَتِهِ بَيْنَ الجِيَادِ وَالزُّيُوفِ، وَالدَّنَانِيرِ وَالفُلُوسِ فَكَمَا لَا يَتَمَارَى هَذَا، كَذَلِكَ يَقْطَعُ ذَاكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ، بِحَسَبِ مَرَاتِبِ عُلُومِهِمْ وَحذقهِمْ وَاطِّلَاعِهِمْ عَلَى طُرُقِ الحَدِيثِ، وَذَوْقِهِمْ حَلَاوَةَ عِبَارَاتِ الرَّسُولِ ﷺ التِي لَا يُشْبِهُهَا غَيْرُهَا مِنْ ألفَاظِ النَّاسِ» (٢).

стр. 157

ونحن حين نتحدث عن صفات المُعلل لابد أنْ نقدر لكل أهل زمان طاقتهم ومقدرتهم فلكل زمان قومه، ولابد من التنبيه إلى ما أشار إليه الحافظ المتقن عَلِيُّ بن الْمَدِينِيّ قال: لا يقاس الرجل إلا بأقرانه وأهل زمانه؛ فلقد قُلْتُ مَرّةً: سَعِيد أَعْلَم من حَمَّاد بن زَيْد، فبلغ ذَلِكَ يَحْيَى بن سَعِيد، فشق ذَلِكَ عليه؛ لئلا يقاس الرجل بمن هو أرفع منه لا يَقُول: سُفْيَانُ أَعْلَم من الشعبي، وأيُّ شيء كَانَ عند الشعبي مما عند سُفْيَان؟ وقيل لعلي بن الْمَدِينِيّ: إنَّ إنساناً قَالَ: إنَّ مالكاً أفقه من الْزُّهْرِيّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أنا لا أقيس مالكاً إِلَى الْزُّهْرِيّ، ولا أقيس الْزُّهْرِيَّ إِلَى سَعِيد بن الْمُسَيَّب (١). ونحن ننتفع بهذا أنَّه من الصعوبة - وربما من المستحيل - أنْ يبرز أحدٌ في علل الحديث كما برز أولئك الأئمة المتقدمون، لكنَّ الله أمرنا بالاجتهاد والتعلم وأنْ نجدَّ في تحصيل العلوم حتى إذا لم نبلغ تلك المراتب العالية، فعلى طالب العلم أنْ يسدد ويقارب. إذن لا بد لرجل العلل أنْ يعرف مصطلحات علماء الحديث - بالجملة - ومناهج أئمة العلل وطرائقهم في هذا الفن، مع ضرورة إدمان النظر في كتب العلل مع جودة الفهم، وترداد المقروء مع دِقَّة تامة في النظر والتطبيق العملي المستمر، وحفظ الرجال الذين تدور عليهم الأسانيد، ومراتب الرواة وطبقاتهم، ومعرفة الأسانيد الصحيحة والمعلة، وقرائن الترجيح وطرقه، ومعرفة الثقات من الضعفاء، ومعرفة مواليدهم ووفياتهم وبلدانهم، ومعرفة المكثرين من رواة الحديث و معرفة مراتب أصحابهم فيهم، كأصحاب الزهري وقتادة ونحوهما من المكثرين، ومعرفة أشهر الأسانيد، ومعرفة المدلسين والمختلطين، ومعرفة المنقطع من الأسانيد. حتى يكون من العارفين بعلل الحديث حسن الترجيح لدى الاختلاف. ثم إني - في كتابي هذا - أشرتُ مراتٍ عديدة إلى اتباع منهج المتقدمين، وإنَّ من اتباع المتقدمين تقوى الله في السر والعلن والغضب والرضا، و من

стр. 158

تتبع سِيرَ من برعَ في هذا الفن من السابقين والمتأخرين والمعاصرين وجد أنَّ لهم أعمالاً صالحة ظاهرة وخفية، ومراقبةً تامة لله مما وفقهم الله به على الصواب في هذا الفن العظيم. ثم لا بد من الصبر والجَلَد، وطول النَّفَس في البحث والتفتيش واستنفاد الوسع مع الإنصاف والعدل والفِطنة والذكاء وإظهار الذل والافتقار والإلحاح بالدعاء وصدق اللجأ إلى الله، قال الحافظ الذهبي: «قال محمد بن بَرَكة الحلبي: سمعتُ عثمان بن خُرَّزاذ يقول: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمتْ واحدةٌ فهي نقصٌ: يحتاج إلى عقلٍ جيدٍ، ودينٍ، وضبطٍ، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه. قلت - القائل: الذهبي -: الأمانةُ جزء من الدِّين، والضبطُ داخلٌ في الحذقِ فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقياً، ذكياً، نحوياً، لغوياً، زكياً، حيياً، سَلَفياً، يكفيه أن يكتب بيده مئتي مجلد، ويُحصِّل من الدواوين المعتبرة خمس مئة مجلدٍ، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات، بنيةٍ خالصةٍ وتواضعٍ، وإلاّ فلا يتعنَّ» (١)، وقال ابنُ القيِّم ﵀: «ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أنْ ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى مُلهم الصواب، ومعلم الخير، وهادي القلوب، أنْ يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، يدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر مَنْ أمَّل فضلَ ربه أنْ لا يحرمه إياه، فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائعُ بشرى التوفيق، فعليه أنْ يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى، ومعدن الصواب ومطلع الرشد، وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، فإنْ ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار، والإكثار من ذكر الله، فإنَّ العلم نورُ الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياحٌ عاصفةٌ تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أنْ

стр. 159

تضعفه (١). وشهدتُ شيخَ الإسلام - قدّس الله روحه - إذا أعيته المسائل واستصعبتْ عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار، والاستغاثة بالله واللَجأ إليه، واستنزال الصواب منْ عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته. فقلما يلبث المدد الإلهي أنْ يتتابع عليه مداً، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهنَّ يبدأ، ولا ريب أنَّ من وفق هذا الافتقار علماً وحالاً، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومنْ حرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضلُ الله يؤتيه منْ يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (٢). وقال تلميذه العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي: «اعلم أنَّ معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هيِّن؛ لأنَّ الثقات والضعفاء قد دُوِّنوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف. والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك. وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث» (٣). ولابد لطالب العلم في هذا الزمن ممن يريد أنْ يكون من العارفين بعلل الحديث أنْ يعلم أنَّ هذا العلم لا يأتي من فراغ، ولا يُتعلم في ليلة وضحاها، بل لا بد لتعلمه من مقدمات. فهو علم يتعلمه ويحسن معرفته من يأخذ بأسبابه كبقية العلوم، فلا بد من كثرة القراءة في كتب العلل النظرية والتطبيقية كـ"علل ابن

стр. 160

المديني " و "علل ابن معين" و"علل الإمام أحمد" و"التمييز" و"علل الترمذي الكبير"، و"مسند البزار" و"علل ابن عمّار الشهيد" و"علل ابن أبي حاتم"، و"علل الدارقطني" وكتابه: "التتبع". ومن أهم الواجبات على أهل هذا الزمان تتبّع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، وذلك بالرجوع إلى كتب العلل والمسانيد والجوامع وغيرها، وإلى كتب التخريج التي عند المتأخرين التي تنقل أقوال المتقدمين، ثم الاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث؛ لأنَّ إعلالات الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة وعدم التفصيل، فيقولون مثلاً: «الصواب رواية فلان» (١)، أو «وَهِمَ فلانٌ» (٢)، أو «لا يتابع عليه» (٣) أو «لا يعرف الحديث إلا به» (٤). أو «حديث فلان يشبه حديث فلان» (٥) أو «دَخَلَ حديثٌ في حديث» (٦) أو «حديث ليس له إسناد» (٧) أو «هذا حديث فائدة» (٨) وهم في الأعم الأغلب لا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول؛ لأنَّ كلامهم في الغالب موجهٌ إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل، يدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها وكأنهَّم لا يحتاجون إلى مزيد إيضاح، ولسان حال أولئك أنَّهم ألفوا هذا العلم لهؤلاء القوم. ثمّ بعدَ النظر إلى كلام الأئمة النقاد لا بد من دراسة أسباب هذا الحُكْم من الناقد، ثم الموازنة بين أقوال بقية النقاد له، وتجدر الإشارة إلى أنَّ كثرة الممارسة لكلام النقاد، وفهم مرادهم في إطلاقاتهم تتكون لدى الباحث مَلَكةٌ تؤدي إلى فهم هذا العلم فهماً صحيحاً.

стр. 161

ومن الأمور المهمة التي تلزم المعلل: معرفة عدد ما لكل راو عن شيخه من الأحاديث (١) وكذلك ما يروى بالإسناد الواحد من الأحاديث، وهو ما يسميه المحدّثون "نسخة" أو " صحيفة "، وكذلك معرفة ما لم يسمعه الراوي من شيخه؛ فالراوي قد يسمع من شيخه مجموعة من الأحاديث، وبالمقابل لا يسمع من شيخه أحاديث أخرى، ومن أهم ما يلزم المعلل معرفة أحاديث الباب؛ إذ قد تأتي أحاديث معلولة ناتجة عن خطأ يظنها غير المتأمل شواهد تقوي أحاديث الباب، ثم لا بد للمعلل من معرفة الأسانيد التي لا يثبت منها شيء؛ لذا نجد المحدثين قد أولوا ذلك عناية بالغة (٢)؛ إذ إنَّ بعض الأحاديث لا ترد إلا من تلك الأسانيد التي لا أصل لصحتها، ومثل ذلك أمارةٌ على بطلان تلك الأحاديث. ثم لابد لرجل العلل من تفنن في العلوم جميعها الشرعية والتأريخية والمساعدة لهما من العلوم ومما أشكل عليَّ وسألت عنه أخي الشيخ أبا مالك العوضي هذه الراوية في " مسند الإمام أحمد " ٣٤/ ٤٧ (٢٠٤٧١) طبعة الرسالة مع تصحيح السند، والطبعة القديمة ٥/ ٣٩ وطبعة دار الحديث القاهرية ١٥/ ٢٠٦ (٢٠٢٨٦) شرح حمزة أحمد الزين: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قال: حَدَّثَنَا قُرَّةُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ سِيرِينَ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ - وَهُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ -، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ عَبْد اللهِ (٣): قَالَ غَيْرُ أَبِي عَنْ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ أُفَضِّلُ فِي نَفْسِي حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ بِمِنًى، فَقَالَ: «أَلَا تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:

стр. 162

«أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا»؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ»؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ، وَقَالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حَرْقِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ؛ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو بَكْرَةَ. فَقَال عَبْدُ الرَّحْمانِ: فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ إِلَيْهِمْ بِقَصَبَةٍ. وكتبت للشيخ: الإشكال: أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فأجاب: المعروف في اللغة أنَّ (بلى) تختص بجواب النفي وإثباته (١)، وأنَّ (نعم) لتصديق الخبر نفياً كان أو إثباتاً (٢). وهذا من المتواتر في اللغة، وشواهده لا تحصى، فلا يحتاج لنقل، ومن المشهور عن ابن عباس في قوله تعالى: «ألست بربكم قالوا بلى» أنه قال: لو قالوا (نعم) لكفروا (٣). وقد وردت شواهد قليلة جداً ظاهرها استعمال (نعم) في موطن (بلى) (٤)، وقد استعملها سيبويه نفسه في الكتاب، ولحّنه ابن الطراوة في ذلك (٥). واختار أكثر النحويين أنَّ هذا خطأ، وردّوا ما ورد من هذه الشواهد. وبعضهم تأول الشواهد الواردة في ذلك بما يخرجها عن ظاهرها جرياً على المشهور.

стр. 163

وبعضهم انتصر لسيبويه فأجازها حملاً على المعنى إنْ لم يحصل في الكلام لبسٌ (١). ولو سلمنا بالقول الأخير فغايته أنْ يكون ذلك لغة جائزة في الجملة وليست بالفصيحة. وأما الحديث المذكور فلا شك أنَّه من تغيير النساخ، ولا أقول من تغيير الرواة، بل من تغيير النساخ؛ لأنَّ الحديث معروف من رواية قرة عن ابن سيرين، ومن رواية يحيى بن سعيد عن قرة بلفظ (بلى)، وهذه الألفاظ موجودة في الصحيحين وغيرهما. بل إنَّ الروايات الأخرى للحديث في المسند نفسه من غير طريق (يحيى بن سعيد) كلها بلفظ (بلى). ومعلوم أنَّ الإمام أحمد لم يكن يحدث إلا من كتاب (٢)، فمن المستبعد جداً أنْ يكون هذا التغيير من الإمام أحمد نفسه، وكذلك من المستبعد أنْ يكون من ابنه عبد الله؛ لأنَّه كان يروي من كتاب أبيه. فالذي يترجح لي - والله أعلم - أنَّ هذا الخطأ وقع من النساخ الذين نسخوا المسند، وليس من الرواة المتقدمين (٣). والشراح - رحمهم الله تعالى - لهم في مثل هذا الموطن مسالك

стр. 164

فبعضهم يذهب إلى تصويب الرواة والنساخ مطلقاً، ويبحث عن مسوغ لكل لفظة مهما كان ما خالفها من الروايات بعيداً، إحساناً للظن بهم، وهذه طريقة إمام النحو جمال الدين ابن مالك وتلميذه الإمام النووي ومن تبعهم كالقاري وبعضهم يذهب إلى تخطئة الرواة مطلقاً في كل ما خالف المشهور من العربية حتى لو اتفق الرواة على هذه اللفظة، وهذه طريقة أبي البركات الأنباري وابن الجوزي والعكبري والسيوطي. وبعضهم يتوسط فينظر في اختلاف الرواة فحيث اتفقوا حكم بصحة اللفظة؛ لأنَّ طرق إثبات اللغة ليست أقوى من هذه الأسانيد الصحيحة، وحيث اختلف الرواة حكم بأنَّ هذا من تصرف الرواة، وهذه طريقة الحافظ ابن حجر وغيره. وهذه الطريقة الأخيرة هي الطريقة المرضية التي لا يسوغ غيرها في نظري. انتهى كلام الشيخ أبي مالك العوضي وفقه الله تعالى، ومنه تظهر قوة عبارته وجودة قريحته وتفننه في العلوم، وإنما سقت هذا بطوله لأدلل على ضرورة التفنن في العلوم لرجل العلل، وما ذكرته من هذا المثال المطول فهو فيما يتعلق بعلم واحد مساعد لرجل العلل، ومنه تدرك ضرورة التفنن والتوسع في هذا الفن، وعوداً على بدء، فلا بد لطالب العلم من طول المذاكرة، وكثرة الممارسة، و إدمان التخريج، والنظر لإدراك مسالك أهل العلم في إعلال الأحاديث، قال الحافظ ابن رجب: «ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكر به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة

стр. 165

العارفين به، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه» (١). وربما أطلت في هذا الموضوع لأهميته لكني أختم بكلام العلاّمة المعلمي اليماني في أسباب تحصيل الملكة الحديثية، قال ﵀: «وهذه «المَلَكَةُ» لم يُؤتوها من فراغ، وإنما هي حصاد رحلةٍ طويلة من الطلب، والسماع، والكتابة، وإحصاء أحاديث الشيوخ، وحفظ أسماء الرجال، وكناهم، وألقابهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وتواريخ ولادة الرواة ووفياتهم، وابتدائهم في الطلب والسماع، وارتحالهم من بلد إلى آخر، وسماعهم من الشيوخ في البلدان، من سمع في كل بلد؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه، ثم معرفة أحوال الشيوخ الذين يحدث الراوي عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث، ومعرفة مرويات الناس في هؤلاء الشيوخ، وعرض مرويات هذا الراوي عليها، واعتبارها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. هذا مع سعة الاطلاع على الأخبار المروية، ومعرفة سائر أحوال الرواة التفصيلية، والخبرة بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، وبمظنات الخطأ والغلط، ومداخل الخلل. هذا مع اليقظة التامة، والفهم الثاقب، ودقيق الفطنة، وامتلاك النفس عند الغضب، وعدم الميل مع الهوى، والإنصاف مع الموافق والمخالف، وغير ذلك. وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كانوا من القلة بحيث صاروا رؤوس أصحاب الحديث فضلاً عن غيرهم، وأضحت الكلمة إليهم دون من سواهم» (٢).

стр. 166

القسم الثاني: القسم التطبيقي ما دمت قد تكلمت عن علم العلل وما يتعلق به من قضايا تخصه وهو فصل طويل بمثابة تمهيد للكتاب، فالآن بدأ التطبيق العملي للكتاب وهو القسم الأهم في الكتاب، إذ فيه تفريع جميع أنواع العلل مع شرح وافٍ عن كل علة، ثم التدليل على ذلك بأمثلة شاملة لكل فرعيات تلك العلة، مع إطالة النفس في النقد والإعلال وبيان الراجح وتطبيق قواعد الأئمة النقاد مع النقل والشرح لأقوال الأئمة المتقدمين والنقل عن المتأخرين وبيان وجهة نظر بعض المعاصرين؛ ليشمل الكتاب كل فائدة وعائدة للباحثين عن هذا الفن العظيم. أقسام العلة: تقع العلة في الإسناد والمتن، فإذا وقعت في الإسناد فإما أنْ تقدح في السند فقط أو فيه وفي المتن أو لا تقدح فيهما مطلقاً. وكذا إذا وقعت العلة في المتن، بناءً على هذا يكون للعلة ستة أقسام أجملها فيما يأتي: ١ - علة في الإسناد لا تقدح فيه. ٢ - علة في الإسناد تقدح فيه دون المتن. ٣ - علة في الإسناد تقدح فيه وفي المتن معاً. ٤ - علة في المتن لا تقدح فيه ولا في الإسناد. ٥ - علة في المتن تقدح فيه دون الإسناد. ٦ - علة في المتن تقدح فيه وفي السند معاً.

стр. 167

هذه أقسام العلة باعتبار محلها وقدحها، وسأتكلم عن العلل التي تصيب الإسناد وأنواعها، ثم أثنّي بذكر علل المتن وأنواعها، مثلثاً بالعلل المشتركة بين الإسناد والمتن وأنواعها مع ضرب أمثال على ذلك، وهذا بعد ما أتكلم عن تعريف الإسناد وأهميته.

стр. 168

أولاً: علل الإسناد.

стр. 169

تعريف السند والإسناد لغةً واصطلاحاً: لغة: السند في اللغة: يطلق عَلَى عدة معانٍ، أشهرها: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح، والمُعْتَمَدُ: وَهُوَ كلُّ ما يُسْنَدُ إِلَيْهِ ويُعتَمَدُ عَلَيْهِ من حائطٍ وغيره، يقال: فلانٌ سَنَدٌ أي: مُعتَمَدٌ (١). قَالَ بدر الدين بن جَمَاعَة (٢): «وَهُوَ مأخوذ، إمّا من السند وَهُوَ ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل؛ لأنَّ المُسْنِدَ يرفعه إِلَى قائله، أَوْ من قولهم: فلانٌ سندٌ أي: مُعتمَدٌ، فسُمِّي الإخبار عن طريق الْمَتْن سنداً؛ لاعتماد الحُفَّاظِ في صحة الْحَدِيْث وضعفه عَلَيْهِ» (٣). وأعاد الزركشي قول ابن جماعة عينه، وزاد عليه فنقل من "أدب الرِّوَايَة" للحفيد (٤) قوله: «أسندت الْحَدِيْث أسنده وعزوته أعزوه وأعزيه، والأصل في الحرف راجع إلى المُسنَد وَهُوَ الدهر (٥)، فيكون معنى إسناد الْحَدِيْث: اتصاله في الرِّوَايَة اتصال أزمنة الدهر بعضها ببعض» (٦).

стр. 170

والإِسناد - بكسر الهمزة - مصدر للفعل الثلاثي المزيد: أسند، من قولهم: أسندت الْحَدِيْث إلى فُلَان أسنده إسناداً إذا رفعته (١). أما الأَسناد - بفتح الهمزة - فهو جمع سند، بمعنى الثبت، وهو الكتاب الحاوي للشيوخ والكتب المتصلة السند، وهو بمعنى الفهرست .. (٢). قَالَ الجوهري (٣): «والإسناد في الْحَدِيْث رَفْعُهُ إلى قائله» (٤). اصطلاحاً: السند: هُوَ الإخبار عن طريق الْمَتْن (٥). قَالَ السيوطي: «والحد المذكور للسند ذكره ابن الحاجب (٦) في مختصره (٧)، قَالَ القاضي تاج الدين السبكي (٨) في شرحه: وعندي لَوْ قَالَ: طريق الْمَتْن، كَانَ أولى» (٩).

стр. 171

وأما الإسناد: فهو حكاية طريق الْمَتْن (١). والذي يبدو أنَّ السند والإسناد معناهما واحد لأنَّهما متقاربان في معنى الاعتماد عليهما (٢). وَقَالَ بدر الدين بن جَمَاعَة: «الْمُحَدِّثُوْنَ يستعملون السند والإسناد لشيءٍ واحدٍ» (٣). لَكِن الإسناد أعم من السند؛ فالإسناد يطلق عَلَى سلسلة الرُّوَاة الموصلة إلى الْمَتْن، فيكون بِذَلِكَ مرادفاً للسند، ويكون بمعنى عزو الْحَدِيْث إلى قائله فهو أعم (٤). فهو ما يذكره الناقل للخبر من الرجال الرواة الذين تتابعوا على نقله بينه وبين منتهى الحديث بصيغ الأداء، التي يذكرها بين كل راويين، فهو قسيم المتن وقسم من الحديث (٥). والخلاصة: المراد بالسند أَو الإسناد هنا: هُوَ سلسلة الرُّوَاة الَّذِيْنَ نقلوا الْحَدِيْث واحداً عن الآخر، حَتَّى يبلغوا بِهِ قائله. أهمية الإسناد: إنّ الله شرّف هَذِهِ الأمة بشرف الإسناد، وَمَنَّ عَلَيْهَا بسلسلة الإسناد واتصاله، فهو خصيصة فاضلة لهذه الأمة وليس لغيرها من الأمم السابقة، وَقَدْ أسند الْخَطِيْب إلى مُحَمَّد بن حاتم بن المظفر قوله: «إنّ الله أَكْرَمَ هَذِهِ الأمة وشرّفها وفضّلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها، قديمهم وحديثهم إسنادٌ، وإنما هِيَ صحف في أيديهم وَقَدْ خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بَيْنَ ما نزل من التوراة والإنجيل مِمَّا جاءهم بِهِ أنبياؤهم، وتمييز بَيْنَ ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار الَّتِيْ أخذوا عن غَيْر الثقات. وهذه الأمة إنما تنُصّ الْحَدِيْث من الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن

стр. 172

مثله حَتَّى تتناهى أخبارهم، ثُمَّ يبحثون أشد البحث حَتَّى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسةً، لِمَنْ فوقه ممن كَانَ أقل مجالسةً. ثُمَّ يكتبون الْحَدِيْث من عشرين وجهاً وأكثر، حَتَّى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عداً، فهذا من أعظم نعم الله تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأمة» (١). وَقَالَ أبو علي الجياني (٢): «خصّ الله تَعَالَى هَذِهِ الأمة بثلاثة أشياء لَمْ يعطها مَنْ قَبْلَهَا مِنَ الأمم: الإسناد، والأنساب، والإعراب» (٣). وَقَالَ الْحَاكِم النيسابوري: «فلولا الإسناد وطلب هَذِهِ الطائفة لَهُ، وكثرة مواظبتهم عَلَى حفظه لَدَرَسَ منار الإِسْلَام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فِيْهِ بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإنَّ الأخبار إذا تعرّت عن وجود الأسانيد فِيْهَا كانت بُتراً، كَمَا حَدَّثَنَا أبو العباس مُحَمَّد بن يعقوب (٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا العباس بن مُحَمَّد الدوري (٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي الأسود، قَالَ:

стр. 173

حَدَّثَنَا إبراهيم بن عيسى أبو إسحاق الطالقاني (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا بقية، قَالَ: حَدَّثَنَا عتبة بن أبي حكيم (٢)، أنه كَانَ عِنْدَ إسحاق ابن أبي فروة، وعنده الزهري، قَالَ: فجعل ابن أبي فروة يقول: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك عَلَى الله! ألا (٣) تسند حديثك؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُم (٤)، ولا أَزِمَّة (٥)» (٦).

стр. 174

هكذا أدرك الْمُحَدِّثُوْنَ - منذ الصدر الأول - ما للإسناد من أهمية بالغة في الصناعة الحديثية؛ إِذْ هُوَ دعامتها الأساسية ومرتكزها في أبحاث العدالة والضبط. وكذلك أدرك الْمُحَدِّثُوْنَ أنَّه لا يمكن نقد الْمَتْن نقداً صحيحاً إلا من طريق البحث في الإسناد، ومعرفة حلقات الإسناد والرواة النقلة، فلا صحة لمتن إلا بثبوت إسناده. وأعظم مثال عَلَى اهتمام المسلمين بالإسناد هُوَ ما ورّثوه لنا من التراث الضخم الكبير الهائل، وما سخّروا للإسناد من ثروة علمية في كتب الرجال. والبحث في الإسناد مهم جداً في علم الْحَدِيْث، من أجل التوصل إلى مَعْرِفَة الْحَدِيْث الصَّحِيْح من غَيْر الصَّحِيْح، إِذْ إنَّه كلما تزداد الحاجة يشتد نظام المراقبة، فعندما انتشر الْحَدِيْث بَعْدَ وفاة النَّبِيّ ﷺ اشتد الاهتمام بنظام الإسناد، وعندما بدأ السهو والنسيان يظهران كثر الالتجاء إلى مقارنة الروايات، حَتَّى أصبح هَذَا المنهج مألوفاً معروفاً عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ؛ إِذْ إنَّه لا يمكن الوصول إلى النص السليم القويم إلا من طريق البحث في الإسناد، والنظر والموازنة والمقارنة فِيْمَا بَيْنَ الروايات والطرق. من هنا ندرك سر اهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بِهِ، إذ جالوا في الآفاق ينقّرون أَوْ يبحثون في إسنادٍ، أَوْ يقعون عَلَى علة أَوْ متابعة أَوْ مخالفة، وكتاب " الرحلة في طلب الْحَدِيْث " (١) للخطيب البغدادي خير شاهد عَلَى ذَلِكَ. وتداول الإسناد وانتشاره معجزة من المعجزات النبوية (٢) الَّتِيْ أشار إِلَيْهَا المصطفى ﷺ في قوله: «تَسْمَعُون ويُسْمَع منكم ويُسْمَع مِمَّنْ يَسْمَع منكم» (٣).

стр. 175

ثُمَّ إنَّ للإسناد أهمية كبيرة عِنْدَ المسلمين وأثراً بارزاً؛ وذلك لما للأحاديث النبوية من أهمية بالغة، إذ إنَّ الْحَدِيْث النبوي الشريف ثاني أدلة أحكام الشرع، ولولا الإسناد واهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بِهِ لضاعت علينا سنة نبينا ﷺ ولاختلط بِهَا ما ليس مِنْهَا، ولما استطعنا التمييز بَيْنَ صحيحها وسقيمها؛ إذن فغاية دراسة الإسناد والاهتمام بِهِ هِيَ مَعْرِفَة صحة الْحَدِيْث أو ضعفه، فمدار قبول الْحَدِيْث غالباً عَلَى إسناده، قَالَ القاضي عياض: «اعلم أولاً أنّ مدار الحَدِيْث عَلَى الإسناد فبه تتبين صحته ويظهر اتصاله» (١). وَقَالَ ابن الأثير (٢): «اعلم أنَّ الإسناد في الحَدِيْث هُوَ الأصل، وعليه الاعتماد، وبه تعرف صحة الحديث وسقمه» (٣)، وذكر كلاماً نفيساً عن أوضاع الإسناد واصطلاحه وشرائطه.

стр. 176

وهذا المعنى مقتبس من عبارات المتقدمين. وأسند الخطيب البغدادي إلى سفيان الثوري قال: «الإسناد سلاح المؤمن، إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سلاح فبأيِّ شيءٍ يقاتل؟» (١). وهذا أمير المؤمنين في الحَدِيْث شعبة بن الحجاج (٢) يقول: «إنَّما يعلم صحة الحَدِيْث بصحة الإسناد» (٣). وَقَالَ عَبْد الله بن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» (٤)، وقال أيضاً: «مثل الذي يطلب أمرَ دينه بلا اسنادٍ كمثل الذي يرتقي السطحَ بلا سُلَّمٍ» (٥)، وقال الشافعي ﵁: «الذي يطلب العلم بلا سند كحاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيه أفعى، وهو لا يدري» (٦). وعلى هَذَا فالإسناد لابد مِنْهُ؛ من أجل أنْ لا ينضاف إلى النَّبِيِّ ﷺ ما ليس من قوله أو فعله. وهنا جعل الْمُحَدِّثُوْنَ الإسناد أصلاً لقبول الْحَدِيْث؛ فلا يقبل الْحَدِيْث إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إسناد نظيف، أو له أسانيد يتحصل من مجموعها الاطمئنان إلى أنّ هَذَا الْحَدِيْث قَدْ صدر عمن ينسب إِلَيْهِ، فهو أعظم وسيلة استعملها الْمُحَدِّثُوْنَ من لدن الصَّحَابَة ﵃ إلى عهد التدوين كي ينفوا الخبث عن حَدِيْث النَّبِيّ ﷺ ، ويبعدوا عَنْهُ ما ليس مِنْهُ. وَقَدْ اهتم الْمُحَدِّثُوْنَ بجمع أسانيد الْحَدِيْث الواحد؛ لما لِذَلِكَ من أهمية كبيرة في ميزان النقد الحديثي، فجمع الطرق كفيل ببيان الخطأ، إذا صدر عن بعض الرُّوَاة، وبذلك يتميز الإسناد الجيد من الرديء، قَالَ علي بن المديني:

стр. 177

«الباب إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ يتبين خطؤه» (١). ثُمَّ إنّ لجمع الطرق فائدة أخرى؛ فيستفاد تفسير النصوص لبعضها، إِذْ إنّ بعض الرُّوَاة قَدْ يحدث عَلَى المعنى، أو يروي جزءاً من الْحَدِيْث، وتأتي البقية في سند آخر؛ لذا قَالَ الإمام أحمد بن حَنْبَل: «الْحَدِيْث إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً» (٢). والتفسير هنا لا يقيد بالمتن فقط، وإنَّما يسري إلى الإسناد، فربما فسر بوساطة التكرار راو مبهم، أو كشف تدليس مدلس، والفوائد في هذا الباب جمة التحصيل. وَقَالَ الحافظ أبو زرعة العراقي (٣): «الْحَدِيْث إذا جمعت طرقه تبين المراد مِنْهُ، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات» (٤). ويعرف - أَيْضاً - بجمع الطرق: الْحَدِيْث الغريب متناً وإسناداً، وَهُوَ الَّذِيْ تفرد بِهِ الصَّحَابِيّ أَوْ تفرد بِهِ راوٍ دون الصَّحَابِيّ، ومن ثَمَّ يعرف هل المتفرد عدل أو مجروح، فتكرار الأسانيد لَمْ يَكُنْ عبثاً وإنما لَهُ مقاصد وغايات يعلمها المشتغلون بهذه الصنعة. قَالَ الإمام مُسْلِم في ديباجة كتابه " الجامع الصَّحِيْح ": «إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رَسُوْل الله ﷺ فنقسمها عَلَى ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس عَلَى غَيْر تكرار، إلا أنْ

стр. 178

يأتي موضع لا يُستغنى فِيْهِ عن ترداد حَدِيْث فِيْهِ زيادة معنى أَوْ إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك (١)؛ لأنَّ المعنى الزائد في الْحَدِيْث المحتاج إِلَيْهِ يقوم مقام حَدِيْث تام، فلابد من إعادة الْحَدِيْث الَّذِي فِيْهِ ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذَلِكَ المعنى من جملة الْحَدِيْث عَلَى اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيأته إذا ضاق ذَلِكَ أسلم» (٢). إذا تمهّد هذا فإني سأتحدث عن علل الإسناد في ستة أنواع وعلى النحو الآتي.

стр. 179

النوع الأول من علل الإسناد الانقطاع القطع لغة: إبانة بعضِ أجزاء الجرْم من بعضٍ فصلاً. والمنقطع: الشيء نفسه (١). واصطلاحاً: هو الإسناد الذي فيه قبل الوصول إلى التابعي راوٍ لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور لا معينًا ولا مبهمًا، ومنه الإسناد الذي ذكر فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل أو شيخ أو غيرهما (٢)، وقال النووي: «الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين: أنَّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي كمالك، عن ابن عمر» (٣) هذا القول تعقبه الشيخ عبد الله الجديع فقال: «وهذا صحيح، لكنَّه قاصر، فصورة الانقطاع فيما بين تبع أتباع التابعين، والتابعين مثلاً لا تندرج في هذا، وكذلك الانقطاع في طبقة دونها» (٤). وتوسع في تعريفه المتقدمون فأطلقوه على كل ما لا يتصل.

стр. 180

ويفترق المنقطع عن المقطوع بكون المقطوع يراد به كلام الصحابي أو التابعي أو من دونه، والمنقطع يراد به البتر في الإسناد (١). ويُعرف الانقطاع بأمور منها: ١ - التنصيص على عدم السماع، ويقع ذلك من الراوي نفسه - وهو قليل - كقول عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة (يعني: ابن عبد الله بن مسعود): "تذكر من أبيك شيئًا؟ قال: لا". ٢ - تنصيص من روى عنه من الثقات: كقول عبد الله بن ميسرة "الضحاك لم يسمع من ابن عباس". ٣ - تنصيص الناقد العارف من الجهابذة - بناءً على الاستقراء والنظر - على عدم الإدراك أو اللقاء أو السماع. ٤ - يُعرف عدم السماع بتاريخ وفاة الشيخ ومولد التلميذ، فإنْ كان التلميذ وُلد بعد وفاة الشيخ، أو كان صغيرًا في سن لا يحتمل السماع، فهو انقطاع. ٥ - يُعرف بوجود قرينة تدل على الانقطاع كقول الراوي: حُدثت عن فلان أو أخبرت عن فلان، وهذه تقيد بكون التلميذ غير معروف بالرواية عن الشيخ؛ لأنَّ الكلام هنا عن مرويات التلميذ عن الشيخ من حيث الجملة لا من حيث الخصوص. ٦ - يُعرف بافتراق بلد الراوي وشيخه بما يكون قرينة على عدم التلاقي. وهذه الأمور تدرك بمراجعة كتب الرجال (٢). والانقطاع في الإسناد حسب موضع الانقطاع أنواع: فإذا كان الانقطاع في أول السند سمي معلقًا، وإذا كان في آخر السند
следующие страницы →