← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كفتوى، أو موعظة، أو سؤال عن ذلك الحديث .. فيذكر المحدث الحديث فينقص منه إما بإرساله وهو موصول أو بوقفه وهو مرفوع، أو يُسقط من سنده بعض رواته لا على سبيل التدليس، أو لا يسوق المتن بتمامه، أو غير ذلك مما يعتري الحديث من اختلاف … ربما أخذ بعض الرواة ذلك الحديث عن ذلك الشيخ في هذه الحال، فيرويه على ما فيه من نقص، وربما حدّث الشيخ بذلك الحديث في مجلس التحديث تاماً، فينشأ الاختلاف بين الرواة لهذا السبب، وربما لم يحدث الشيخ بذلك الحديث إلا في حال كسله، فيختلف مع أقرانه ممن شاركه في رواية ذلك الحديث، فنجد علماء الحديث يوفقون بين هذا الاختلاف بالإشارة إلى هذا السبب بعبارة يفهمها أهل الاختصاص» (١). وقد يصرّح العلماء بهذا السبب أحياناً كقول ابن رجب: «وقال الأثرم - أيضاً - قال أبو عبد الله: ما أحسنَ حديثَ الكوفيين عن هشام بن عروة! أسندوا عنه أشياء. قال: وما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني: أنَّ هشاماً ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى» (٢)، وقال الحافظ المنذري في توجيه حديثين: «ويمكن أنْ يقال: إنَّه تذكّر السماع بعد ذلك، فصرّح بالتحديث، أو أنَّ الراوي ينشط مرة فيسند، ويفتر مرة فلا يُسند، ويسكت عن ذكر الشخص مرة، ويذكره أخرى، لما يقتضيه الحال» (٣). هذه أهم آثار الضعف عند الإنسان، الخطأ والنسيان والكسل. ٢ - خفة الضبط: قد يكون المحدّث ضابطاً لروايته، ثم تعرض له حين تحمله الحديث أو أدائه أمور تجعل الوهن في ضبطه، ثم تدخل العلة في حديثه، وهذه الأمور

стр. 72

ليست عامة بل هي خاصة تطرأ على بعض الرواة في بعض الأحيان، تبعاً لاختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ ومن هذه الأمور الطارئة: أ - تغيرّ الحفظ في بلد معين أو عن راوٍ معين. ب - فقدان البصر. ج - صغر السن. د - كبر السن والشيخوخة. هـ - الانشغال بالعبادة والتجارة والقضاء. أ - تغير الحفظ في بلد معين أو عن راوٍ معين: قد يتغير الراوي في موطن من المواطن؛ لأنَّه لم يصحب كتبه مثلاً، فيحدث من حفظه فيهم، من ذلك ما وقع لمعمر في البصرة، قال أبو حاتم: «ما حدّث معمر بالبصرة فيه أغاليط .. » (١)؛ لأنَّه تغير حفظه، وقال يعقوب بن شيبة: «سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم، فيه اضطراب؛ لأنَّ كتبه لم تكن معه» (٢)، وقال يحيى بن معين: «إذا حدثك معمر عن العراقيين فَخَفْهُ، إلا عن الزهري وابن طاووس؛ فإنَّ حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة والبصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئاً» (٣). أو قد يضعف حفظه في راوٍ معين، فالأعمش قال عنه علي بن المديني: «الأعمش كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الصغار مثل: الحكم، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت .. » (٤)، وقال أحمد: «منصور إذا نزل إلى المشايخ (٥) اضطرب إلى أبي إسحاق، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت،

стр. 73

وسلمة بن كهيل» (١). ب - فقدان البصر: من المعروف في بدائه علم الحديث أنَّ الضبط نوعان: ضبط صدر وضبط كتاب، وضابط الصدر يحتاج إلى أنْ يعاود حفظه من أجل ضبط مروياته .. وضابط الكتاب يحتاج أنْ يقرأ كتابه من أجل الرواية والمقابلة، إذن فالبصر مهم، وله أثر كبير في المحافظة على الحفظ؛ لذا فإنَّ زوال البصر وذهابه قد يؤدي في المحصلة النهائية إلى دخول الوهم في بعض روايات المحدّثين، ومن ثَمَّ حصول اختلاف بين الروايات، وكان بعض الثقات يعتمد على كتبه، فلما ذهب بصره، حدّث من حفظه فدخل الوهم في حديثه بعد ذلك، وقَبِلَ بعضهم التلقين كعبد الرزاق بن همّام الصنعاني مع أنَّه من رجال هذا الميدان، قال عنه الحافظ ابن حجر: «عمي في آخر عمره فتغير» (٢)، قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله يُسأل عن حديث: «النار جُبار» فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، ثم قال: ومن يحدث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا بعد ما عمي، كان يلقن فلقنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه كان يلقنها بعد ما عمي» (٣). ج - صغر السن: وقت الضبط حين يكمل النضج ويتم العقل؛ لأنَّ الصغر مظنة عدم الضبط، قال ابن المديني في أبي بكر بن أبي الأسود: «سماعه من أبي عوانة ضعيف؛ لأنَّه كان صغيراً» (٤)، وقال معمر بن راشد: «جلست إلى قتادة وأنا صغير فلم أحفظ أسانيده» (٥)، وقال يعقوب بن شيبة في عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود: «تكلموا في روايته عن أبيه وكان صغيراً» (٦)، وقال أحمد:

стр. 74

«حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ» (١). وهناك أقوال كثيرة عن أهل العلم تدل على أنَّ صغر السن من دواعي خفة الضبط، وإن كان هناك نماذج من المحدّثين الصغار الضابطين الكيّسين، فأحمد بن حنبل قدّم ابنَ عيينة على أصحاب عمرو بن دينار: «فقيل له: كان ابن عيينة صغيراً. قال: وإنْ كان صغيراً، فقد يكون صغيراً كيّساً» (٢)، وسُئل عن إسحاق بن إسماعيل وقيل له: «إنهم يذكرون أنَّه كان صغيراً. فقال: قد يكون صغيراً يضبط» (٣). د - كبر السن والشيخوخة: كبر السن ومقاربة الشيخوخة مظنة تفرق الذهن وحدوث اختلاط الحفظ؛ لذا استحب أهل الحديث قطع التحديث عند كبر السن (٤)، قال الخطيب: «إذا بلغ الراوي حد الهرم والحالة التي في مثلها يحدث الخرف، يستحب له ترك الحديث، والاشتغال بالقراءة والتسبيح، وهكذا إذا عمي بصره» (٥). وقال الحاكم في يزيد بن أبي زياد: «فلما كبر ساء حفظه، فكان يقلب الأسانيد، ويزيد في المتون» (٦)، وقال الذهبي في أبي إسحاق السبيعي: «من أئمة التابعين … إلا أنَّه شاخ ونسي ولم يختلط .. » (٧)، وأقوال أهل العلم كثيرة في هذا الباب؛ نظراً للأثر الذي تحدثه الشيخوخة في حفظ الرواة من اختلال الجسم والذاكرة، وضعف الحال وتغير الفهم وحلول الخرف (٨).

стр. 75

هـ - الانشغال بالعبادة والتجارة والقضاء. كان الْمُحَدِّثُوْنَ يكتبون بالنهار ويعارضون (١) بالليل ويحفظون بالنهار ويتذاكرون بالليل. وهكذا شأن المُحَدِّثِيْنَ، ومن لَمْ يَكُنْ كذلك فلا يسمى من أهل الحَدِيْث، وأسند الإمام مُسْلِم في مقدمة صحيحه عَنْ أبي الزناد قَالَ: «أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمونون ما يؤخذ عَنْهُم الحَدِيْث يقال: ليس من أهله» (٢). وَقَالَ مالك بن أنس (٣): «أدركت مشايخ بالمدينة أبناء سبعين وثمانين لا يؤخذ عَنْهُمْ، ويقدم ابن شهاب وَهُوَ دونهم في السن فتزدحم الناس عَلَيْهِ» (٤). وهناك أمور جعلت عدداً من جهابذة الْمُحَدِّثِيْنَ لا يأخذون عَنْ عدد كبير من الرُّوَاة هي أنَّ هؤلاء الرُّوَاة كانوا يتشاغلون عَن الحَدِيْث. والتشاغل عَن الحَدِيْث مدعاة لعدم ضبط الْحَدِيْث وعدم إتقانه وربما كَانَ مآل ذَلِكَ إلى دخول بعض الوهم والعلل والاختلافات. وهي من أسباب خفة الضبط، فقد ضعفت روايات بعض المحدّثين؛ لانشغالهم عن العلم حفظاً وكتابة، ومن الأمور التي حدت بعض المحدّثين على التقصير في ضبط مروياتهم

стр. 76

انشغالُ بعضهم بالعبادة وصرف غالب أوقاتهم لذلك دون متابعة ضبط رواياتهم. قال ابن حبان: «ومنهم من كبر وغلب عليه الصلاح والعبادة، وغفل عن الحفظ والتمييز، فإذا حدّث رفع المرسل وأسند الموقوف وقلّب الأسانيد، وجعل كلام الحسن، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ وما شبه هذا حتى خرج عن حد الاحتجاج به» (١). وَقَدْ أصل ابن رجب في ذَلِكَ قاعدة فَقَالَ: «الصالحون غَيْر العلماء يغلب عَلَى حديثهم الوهم والغلط» (٢). والحافظ ابن رجب إنما أخذ ذَلِكَ من أقوال أئمة هَذَا الشأن، العارفين بعلله، الغواصين في معانيه وأسراره، قَالَ نجم العلماء (٣) مالك بن أنس: «أدركت بهذا البلد - يعني الْمَدِيْنَة - مشيخة لَهُمْ فضلٌ وصلاحٌ وعبادة يحدِّثون، ما سَمِعْتُ من واحد مِنْهُمْ حديثاً قطُّ، فقيل لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْد الله؟ قَالَ: لَمْ يكونوا يعرفون ما يحدِّثون» (٤). وَقَالَ أَيْضاً: «لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذَلِكَ، لا يؤخذ من سفيه مُعلن بالسَّفه وإنْ كَانَ أروى الناس، ولا يؤخذ من كذّاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جرب ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإن كَانَ لا يُتَّهَمُ أنْ يكذب عَلَى رَسُوْل الله ﷺ ، ولا من صاحب هوىً يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخٍ لَهُ فضلٌ وعبادة إذا كَانَ لا يعرف ما يحدّث بِهِ» (٥). وجعل ابن تيمية من أسباب السهو: «الاشتغال عن هذا الشأن بغيره، فلا ينضبط له، ككثير من أهل الزهد والعبادة .. » (٦). وَقَالَ ابن منده (٧): «إذا رأيت في حَدِيْث (حدثنا فُلَان الزاهد) فاغسل

стр. 77

يدك مِنْهُ» (١). وممن كانت حاله عَلَى ما قدمنا: أبان بن أبي عيّاش: فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي، قَالَ فِيْهِ الإمام المبجل أحمد بن حَنْبَل: «متروك» (٢). قَالَ ابن رجب الحنبلي: «ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين: أحدهما أبان بن أبي عياش» (٣). وقَالَ الإمام الترمذي: «رَوَى عَنْ أبان بن أبي عياش غَيْر واحد من الأئمة (٤)، وإن كَانَ فِيْهِ من الضعف والغفلة ما وصفه أبو عوانة (٥) وغيره (٦) فلا يغتر برواية الثقات عَن الناس؛ لأنَّه يروى عَن ابن سيرين أنَّه قَالَ: إنَّ الرجل ليحدِّثني، فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه. وَقَدْ رَوَى غَيْر واحد (٧) عَنْ إبراهيم النخعي، عَنْ علقمة، عَنْ عَبْد الله بن مسعود: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقنتُ في وتره قَبْلَ الركوع. وروى أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عَبْد الله بن مسعود: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقنت في وتره قَبْلَ الركوع». هكذا رَوَى سفيان الثوري عَنْ

стр. 78

أبان بن أبي عياش (١)، وروى بعضهم (٢) عَنْ أبان بن أبي عياش بهذا الإسناد نحو هَذَا، وزاد فِيْهِ: قَالَ عَبْد الله بن مسعود: «أخبرتني أمي أنَّها باتتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فرأتِ النَّبِيَّ ﷺ قنتَ في وترهِ قَبْلَ الركوع». وأبان بن أبي عياش وإن كَانَ قَدْ وُصف بالعبادة والاجتهاد، فهذا حاله في الْحَدِيْث، والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرب رجل وإن كَانَ صالحاً لا يقيم الشهادة ولا يحفظها … » (٣). وكثير من الَّذِيْنَ يشتغلون بعلم من العلوم ويستفرغون العمر في تخصصهم يَكُوْن ذَلِكَ مدعاة للتقصير في العلوم الأخرى. وَقَدْ وجدنا بعض جهابذة الْحَدِيْث تَكَلَّمَ في بعض الرُّوَاة لِقَصْرِ تهممهم (٤) عَلَى الفقه، ومن أولئك حماد بن أبي سليمان (٥) من كبار الفقهاء وشيخ أبي حَنِيْفَة النعمان (٦) قَالَ عَنْهُ أبو إسحاق الشيباني (٧): «ما رأيت أحداً

стр. 79

أفقه من حماد» (١). ومع هَذَا فَقَدْ نقل عَبْد الرحمان بن أبي حاتم (٢) عَنْ أمير المؤمنين في الْحَدِيْث شعبة بن الحجاج قوله: «كَانَ حماد - يعني: ابن أبي سليمان - لا يحفظ». ثُمَّ عقّب ابن أَبِي حاتم عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: «يعني: أن الغالب عَلَيْهِ الفقه وأنه لَمْ يرزق حفظ الآثار» (٣). وَقَالَ أبو حاتم: «هُوَ صدوق ولا يحتج بحديثه، هُوَ مستقيم في الفقه، وإذا جاء بالآثار شوّش» (٤). ومن هنا وضع علماء الجرح والتعديل قواعد في أنّ الفقهاء غَيْر الْمُحَدِّثِيْنَ يغلب عليهم الفقه دون حفظ المتون، قَالَ ابن رجب الحنبلي: «الفقهاء المعتنون بالرأي حَتَّى يغلب عليهم الاشتغال بِهِ، لا يكادون يحفظون الْحَدِيْث كَمَا ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه» (٥). وابن رجب مسبوق بهذا التنظير فَقَدْ قَالَ ابن حِبّان: «الفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وإحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء الْمُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدث خبراً، وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه، لَمْ أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنَّه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام الْمَتْن فَقَطْ» (٦). فممن ألهتهم التجارة شبيب بن سعد، قال ابن عدي: «وحدّث عنه ابن

стр. 80

وهب بأحاديث مناكير، ولعل شبيباً بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم» (١)، وقد وجدنا حين استقرأنا حال كثير من الرواة الذين ولوا القضاء أنهم قد خف ضبطهم؛ لانشغالهم بهذا المنصب الوظيفي، وممن شغل بالقضاء شريك بن عبد الله النخعي حين ولي قضاء الكوفة بعد عام خمسين ومئة، قال الحافظ ابن حجر: «تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة» (٢). وكذلك محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال أبو حاتم الرازي: «شغل بالقضاء فساء حفظه» (٣) هذا خط عام لكن هناك من اشتغل بالتجارة فلم تلهه عن ضبط أحاديثه مثل ابن المبارك والليث بن سعد وغيرهما، وهناك من ولي القضاء ولم يشغله عن الضبط والإتقان لأحاديثه مثل معاذ بن معاذ العنبري .. (٤). وهناك جماعة من القراء شُغلوا بقراءة القرآن الكريم وإقرائه فهم أثبات في القراءة دون الحديث كنافع والكسائي وحفص، فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحرروها ولم يصنعوا ذلك في الحديث. كما أنَّ طائفة من الحفاظ أتقنوا الحديث ولم يحكموا القراءة، وكذا شأن كل من برز في فن ولم يعتنِ بما عداه، والله أعلم (٥). وغير ما ذكرنا من الأمور قد تطرأ مثل رواية المبتدع الداعية، ومن يحفظ المتون من دون الأسانيد كالفقهاء مثلاً أو العكس كالمحدّثين، وعدم ممارسة المحدّث لحديثه، كل هذه الأسباب تؤدي إلى خفة الضبط. ٣ - الاختلاط: وهو آفة عقلية تورث فساداً في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث لفقد عزيز أو ضياع مال، ومن تصبه هذه الآفة لكبر

стр. 81

سنه يقال فيه: اختلط بأخرة (١). وهو غير التخليط، فالأخير خلل يعرض في ضبط الراوي في حال الصحة وليس لطارئ معين، من ذلك ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه في أحمد بن عبد الرحمان قال: «كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط، قال: وسئل أبي عنه بعد ذلك، فقال: كان صدوقاً» (٢) ويجدر بالذكر أنَّ الاختلاط قد يكون علة ظاهرة، لكن وقت سماع الراوي ممن اختلط ربما كان خفياً، وهو العلة الخفية. واستطاع جهابذة المحدّثين تحديد الفترة الزمنية الَّتِيْ دخل فِيْهَا الاختلاط عَلَى هَذَا الرَّاوِي، كَمَا حددوا اختلاط إسحاق بن راهويه (٣) بخمسة أشهر، فَقَالَ أبو داود (٤): «تغيّر قَبْلَ أن يموت بخمسة أشهر، وسمعتُ مِنْهُ في تِلْكَ الأيام

стр. 82

ورميت به» (١). وكذلك حددوا وقت اختلاط جرير بن حازم (٢)، قَالَ أبو حاتم (٣): «تغيّر قَبْلَ موته بسنة» (٤). وحددوا وقت اختلاط سعيد بن أبي سعيد المقبري (٥)، قَالَ ابن سعد (٦): «ثقة، إلا أنَّه اختلط قَبْلَ موته بأربع سنين» (٧).

стр. 83

فالاختلاط قد يطرأ على كثير من رواة الحديث النبوي، مما يؤثر على روايته فتصبح فيها علة، ومعرفة المختلطين من غيرهم أمر شاق على علماء العلل، فكان المحدّثون يسمعون الحديث من الراوي مراراً حتى يعرفوا هل خلط فيه أو لا، قال حماد بن زيد: «ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأنَّ شعبة كان لا يرضى أنْ يسمع الحديث مرة» (١) أي: يعاود صاحبه مراراً. ومما يذكر في معاودة الراوي والسماع منه، ما حصل لمروان بن الحكم: أنَّه استدعى أبا هريرة ﵁ وأجلس كاتبه أبا الزعيزعة خلف السرير دون أنْ يعلم أبو هريرة، و جعل يسأله وأبو الزعيزعة يكتب، فلما حال الحول، دعا مروان أبا هريرة وأجلس أبا الزعيزعة من وراء حجاب، وجعل يسأله عما سأله عنه سابقاً من ذلك الكتاب، فأجاب دون تقديم و لا تأخير (٢). وأحياناً كان الناقد يدخل على الراوي ليختبره فيقلب عليه الأسانيد والمتون، ويلقنه ما ليس من روايته، فإنْ لم ينتبه الشيخ لما يراد به، فإنَّه يعد مختلطاً و يعزف الناس عن الرواية عنه (٣). قال الدكتور همام عبد الرحيم : «ولكن بصيرة الناقد و يقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط، إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات، وما دروا أنهم أخذوها عن الثقة و لكن في اختلاطه» (٤). وَقَدْ قسّم الْمُحَدِّثُوْنَ المختلطين من حَيْثُ تأثير الاختلاط في قبول

стр. 84

مروياتهم عَلَى ثلاثة أقسام، قَالَ العلائي (١): «أما الرُّوَاة الَّذِيْنَ حصل لَهُم الاختلاط في آخر عمرهم فهم عَلَى ثلاثة أقسام: أحدها: من لَمْ يوجب ذَلِكَ لَهُ ضعفاً أصلاً، وَلَمْ يحط من مرتبته؛ إما لقصر مدة الاختلاط وقلَّتِهِ كسفيان بن عيينة (٢)، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهما من أئمة الإسلام المتفق عليهم؛ وإما لأنَّه لَمْ يروِ شيئاً حال اختلاطه، فسلم حديثه من الوهم كجرير بن حازم (٣)، وعفّان بن مُسْلِم (٤)، ونحوهما. ثانيها: من كَانَ مُتَكلَّماً فِيْهِ قَبْلَ الاختلاط، فَلَمْ يحصل من الاختلاط إلا زيادة في ضعفه؛ كابن لهيعة (٥)، ومحمد بن جابر السُّحيمي (٦)، ونحوهما. ثالثها: من كَانَ محتجاً بِهِ، ثُمَّ اختلط، أو عُمِّر في آخر عمره، فحصل الاضطراب فِيْمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ، فيتوقف الاحتجاج بِهِ عَلَى التمييز بَيْنَ ما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط عما رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ» (٧).

стр. 85

وهكذا تدخل العلة في الحديث النبوي بسبب اختلاط بعض الرواة، لكن العلماء عالجوا هذه القضية بوساطة الرواة عن المختلطين، و قسموهم إلى أربعة أقسام: ١ - الذين رووا عن المختلط قبل اختلاطه. ٢ - الذين رووا عنه بعد اختلاطه. ٣ - الذين رووا عنه قبل الاختلاط و بعده ولم يميزوا هذا من هذا. ٤ - الذين رووا عنه قبل اختلاطه وبعده وميزوا هذا من هذا. فمن روى عن المختلط قبل الاختلاط، قبلت روايته عنه، ومن روى عنه قبل الاختلاط وبعده وميز ما سمع قبل الاختلاط قُبِلَ، ولم يقبل ما سمع بعد الاختلاط، ومن لم يميز حديثه أو سمع بعد الاختلاط لم تقبل روايته (١). ولعل الحافظ العراقي كَانَ أشمل في بيان الحكم من غيره، إِذْ قَالَ: «ثُمَّ الحكم فيمن اختلط أنَّه لا يقبل من حديثه ما حدّث بِهِ في حال الاختلاط، وكذا ما أبهم أمره وأشكل، فَلَمْ ندرِ أحدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط أو بعده؟ وما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط قُبِلَ، وإنما يتميز ذَلِكَ باعتبار الرُّوَاة عَنْهُمْ، فمنهم من سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاختلاط فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ بعده فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ في الحالين، وَلَمْ يتميز» (٢). ونقد الذهبي على ابن القطان قوله في هشام بن عروة وانتقده عليه حين رماه بالاختلاط قال: «هشام بن عروة، أحد الأعلام، حجة إمام، لكنْ في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنَّه وسُهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيّرا. نعم، الرجل تغير قليلاً، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان! ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوّدها، ومثل هذا يقع لمالك

стр. 86

ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك ياابن القطان» (١). فقد فرّق الذهبي بين الخطأ والاختلاط، وأنَّ هذا الذي يحصل ليس اختلاطاً وإنَّما هو نسيان أو خطأ لم يسلم منه كبار الحفاظ الثقات كشعبة ومعمر ومالك … . ٤ - التصحيف والتحريف: من الأسباب القادحة في حديث الثقة التصحيف والتحريف، وهو: «أن يُقرأ الشيءُ على خلاف ما أراد كاتبه، أو على غير ما اصطلحوا عليه، ويكون بمخالفة الراوي للثقات في النقط» (٢). والفارق بين التصحيف والتحريف، أنَّ التصحيف يكون في إهمال الحروف أو إعجامها: أي نقطها، كجعل السين المهملة شيناً معجمة، والذال المعجمة دالاً مهملة، أما التحريف فيكون بتغيير شَكْل - أي حركات وسكنات - الحروف، دون تغيير الحروف (٣). «وليعلم أنَّ التصحيف والتحريف قد يطلق كل منهما على ما يشمل هذين النوعين، بل قد يطلق كل منهما على كل تغيير يقع في الكلمة ولو مع عدم بقاء صورة الخط فيها» (٤) يقول الخطّابي: «فَحَقَّ على طالب الحديث أنْ يَرفق في تأمُّل مواضع الكلام، ويُحسِن التأني لمحنة اللفظ، ومعرفة ما يليق به من المعنى؛ ليستوضح به قصده، ويصيبَ جهته، فإنَّ قوماً أغفلوا تَفقُّد هذا الباب فلحقتهم سمةُ

стр. 87

التحريف، ولزمتهم هُجنةُ التقصير، وصاروا سُبة على أهل الحديث، تُنثى (١) زلاتهم، وتذكر عثراتهم» (٢). فسبب وهم الراوي هو تشابه الرواة في الأسامي والكنى والألقاب والأنساب وغيرها .. وأكثر الأسماء اشتباهاً ما تقاربت عصور أهله، واتفقت صورها، واختلفت حروفها. فيقلب اسماً إلى اسم آخر أو يصحفه، وأشده إذا اشتبه عليه ضعيف بثقة: «وهذا في الغالب يحصل بسبب اتفاق راويين في الاسم واسم الأب، أو كون اسميهما على وزن صرفي واحد، مع اتفاق اسمي أبويهما كما في عبد الرحمان بن يزيد بن تميم، وعبد الرحمان بن يزيد بن جابر، فالأول ضعيف، والثاني ثقة، وكذا واصل بن حيان، وصالح بن حيان، فالأول ثقة والثاني ضعيف» (٣)، وهذا تحقيق مقولة الحاكم ﵀: «ومن تهاون في معرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم» (٤). ومن بُعد نظر بعض المحدّثين امتناعهم عن تحديث من لا يفرّق بين المشتبه من الأسماء، ولا يميز بين المتشابه من الكنى، كما حصل مع سعيد بن أبي مريم فيما نقله الرامهرمزي بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي، قال: «كنا عند سعيد بن أبي مريم بمصر، فأتاه رجل فسأله كتاباً ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه بأحاديث فامتنع عليه، وسأله رجل آخر في ذلك فأجابه، فقال له الأول: سألتك فلم تجبني، وسألك هذا فأجبته، وليس هذا حق العلم! أو نحوه من الكلام، قال: فقال سعيد بن أبي مريم: إن كنت تعرف الشيباني من السيباني، وأبا جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك

стр. 88

وخصصناك كما خصصنا هذا» (١). لهذا ولغيره فقد شمر العلماء عن ساعد الجد فصنفوا كثيراً من الكتب في هذا الجانب عُرفت بكتب المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف. ٥ - انتقال البصر: وهو أنْ يوجد في الصفحة الواحدة وفي الأسطر المتقاربة كلمتان متماثلتان في الرسم، فمن المحتمل أنْ ينتقل بصر الراوي في أثناء تحديثه من الكلمة الأولى إلى الكلمة الثانية المماثلة لها في الرسم، فيسقط من السند أو المتن مقدار ما بين الكلمتين من كتابة. ومثاله ما وقع لعبد الحق الإشبيلي إذ قال: «الترمذي عن حكيم بن حكيم قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «اللهُ ورسولُهُ مولى مَنْ لا مَولى لهُ، والخالُ وارثُ مَنْ لا وارثَ لَهُ»» (٢)، فتعقبه ابن القطّان فقال: «كذا وقع الحديث في النسخ، وهو خطأ ينقص منه واحد، فإنما يرويه حكيم بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب. وأخاف أنْ يكون إنما سقط لأبي محمد نفسه بقرينة أذكرها، وذلك أنَّ الحديث هو في الترمذي (٣) هكذا عن عبد الرحمان بن الحارث، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب. هذا نصه، فأظن أنَّ أبا محمد ألقى بصره على حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف فكتبه مقتصراً من نسبه على أبيه، ثم أعاد بصره فوقع على حنيف جد أبي أمامة المتصل به، قال: كتب عمر بن الخطاب، فظنه حنيفاً جد حكيم الذي قد عوّل على اختصاره، فكتب ما بعده، وذلك قوله: قال: كتب عمر بن الخطاب، ولو كان الثابت في الأحكام: عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب، كنت أقول: على الناسخ سقط ما بين حنيف وحنيف، فلما لم يثبت

стр. 89

كذلك دل على أنَّه من عمله، ولكن بقي الآخر ممكناً، وباعتبار إمكانه لم أكتب هذا في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة» (١). ٦ - سلوك الجادة: السلسلة المعروفة تسبق إليها الألسن بخلاف السلسلة الغريبة لا يقولها إلا حافظ متقن، وقد اختلفت عبارات المحدّثين في التعبير عن هذا المعنى، فقال ابن المديني: «سلك الحجة (٢)» (٣)، وقال أبو حاتم: «لزم الطريق» (٤)، وقال الحاكم: «أخذ طريق المجرّة» (٥)، وقال الحافظ ابن حجر: «تبع العادة وسلك الجادة» (٦)، ولكن هذا الاختلاف لا يؤثر في أصل المسألة، فما أنْ تذكر إحدى هذه العبارات حتى يفهم أنَّ الراوي سبق لسانه إلى أحد الأسانيد المشهورة، وكثرة تداول إسناد بصورة واحدة، تجعله إسناداً مشهوراً تسبق إليه الألسنة، وهو المراد به المحجة والطريق والمجرة والجادة، ويسهل حفظه لكثرة تكراره، وربما اشترك هذا الإسناد المشهور مع إسناد آخر في بعض رجاله واختلف في بعضهم ويراد رواية الإسناد غير المشهور، فيهم الراوي فيذكر الإسناد المشهور؛ لكثرة تكراره على الألسنة، قال ابن رجب: «فإنَّ عروة عن عائشة، سلسلة معروفة يسبق إليها لسان من لا يضبط وَوَهمُهُ (٧) بخلاف عروة عن ابن عمر، فإنَّه غريب لا يقوله إلا حافظ متقن» (٨)، لهذا يُرجح العلماء ما خرج عن الجادة؛ لأنهُ قرينة على حفظ الراوي، قال ابن رجب: «فإن كان المنفرد عن الحفاظ مع سوء حفظه قد سلك الطريق

стр. 90

المشهور، والحفاظ يخالفونه فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه؛ لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيراً فيسلكه من لا يحفظ» (١)، وقال السخاوي: «فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ، كما أشار إليه النسائي» (٢)، وسيأتي لذلك مزيد بيان إنْ شاء الله تعالى. ٧ - الإدخال على الشيوخ: لا يُبحثُ في عين الراوي من حيث ضبطه وعدالته فقط، وإنما يُبحث فيما يتركه الراوي من مصنفات وما دُسّ في تلك المصنفات من غير حديثه، ومعرفة الأصيل من الدخيل، فكان ذلك بحق مما يجدر الافتخار به لهذه الأمة؛ لهذا كانت المصنفات محط أنظار النقاد وفي حيز اهتمامهم، مثلما كان دأب سلف الأمة بيان صحيح الأحاديث من سقيمها، فكانوا يقابلون أصولهم ويقارنونها؛ لأنَّ بعض من لا يؤمَن مكره، أباح لنفسه التلاعب بكتب الناس، وإدخال ما ليس منها فيها. وقد ابتُلي كثير من الرواة بأربّائهم وورّاقيهم، مثل حماد بن سلمة كان لا يحفظ، ويقال: إنَّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه وكان يدس في كتبه (٣)، وقصة سفيان بن وكيع مع ورّاقه مشهورة (٤). وممن اشتهر بهذا الفعل الشائن خالد بن نجيح، فإنَّه كان يدخل على الثقات ما ليس من حديثهم، وكم من حديث أدخله على عبد الله بن صالح كاتب الليث وقتيبة بن سعيد وابن أبي مريم وغيرهم (٥). وجدير بالذكر أنَّ الإدخال على الشيوخ يكون في الغالب بغير علم الراوي الذي أُدخل عليه الحديث في كتابه، ويختلف موقف الراوي الذي

стр. 91

أُدخل عليه من الأحاديث المدخلة «فبعضهم يرجع عن تلك الأحاديث ويتركها، ويغضب على من فعل ذلك، فهؤلاء لا يؤثر فيهم ذلك الفعل، ويضعف بعضهم عن ذلك فيسقط حديثهم» (١). ونقل الحاكم عن البخاري أنَّه قال: «قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبتَ عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدايني. قال البخاري: وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ» (٢). ٨ - التلقين: لغة: التفهيم، واصطلاحاً: «أن يروي المحدّث شيئاً لشيخ يوهمه أنَّه من روايته، وليس كذلك» (٣) أو «أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويُسمّي له من شاء من غير أنْ يسمعه منه، فيقول: نعم، فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أنْ يكون فاسقاً يُحدِّث بما لم يسمع، أو يكون من الغفلة بحيث يكون ذاهل العقل مدخول الذهن ومثل هذا لا يُلتفت إليه؛ لأنَّه ليس من ذوي الألباب .. » (٤) أو بمعنى آخر أنْ يعسر عليه اسم فيقول له أحد: هو فلان، فيقول: نعم، ويحدّثه به، وهذا الذهول من دواعي خفة الضبط، وهو من نقائض صحة الحديث، بل ربما يلقن الشيخ بعض المناكير والأحاديث الباطلة من حيث لا يعلم، فَيقِرّ بها فيكون ذلك سبباً لرد روايته، أو يكون الراوي عرضة للتشويه من حيث العدالة. ومن عُرف به، لم يصلح حديثه للاعتضاد، وإن كان غير متهم؛ لأنَّ هذا الخلل يفضي إلى طرح حديثه وعدم اعتباره؛ ولأنَّه مظنة رواية الموضوع … (٥).

стр. 92

وقد عرّف أحد الباحثين (التلقين) بأنَّه: «إدخال شيء في حديث الراوي ليس من مروياته سواء في حفظه أو كتابه دون علمه فيحدث به»، وانتقد عليه قوله صاحب " العلة وأجناسها " فقال: «وعلى تعريفه ملاحظات» ذكرها ثم قال: «وكأنَّه عرّف التلقين القادح فقط»، وصوّب تعريفه وذكر مثالاً له (١). والفارق بين التلقين والإدخال على الشيوخ، أنَّ الأول يكون مشافهة وبعلم المُلقَّن، أما الثاني فيكون في الكتاب وبغير علم الراوي المدخَل عليه. ومن أسباب قبول التلقين: ضعف الراوي، وعلو منزلة المُلقِّن واشتهاره بالحفظ، والاعتماد على الكتاب ثم التحديث من الحفظ … (٢). ويجدر بالذكر أنَّ التلقين وسيلة مهمة في امتحان الرواة، والحكم عليهم بها شائع، جوّزه جماعة من العلماء فاستفادوا منه في معرفة عدالة الراوي وضبطه. كما سقط في الامتحان جماعة من الرواة فتكلم فيهم النقاد (٣). وخير ما يتمثل به قصة رفسة أبي نعيم ليحيى بن معين فيما نقله الخطيب بسنده، عن أحمد بن محمد بن الجراح أبي عبد الله، قال: «سمعت أحمد بن منصور الرمادي يقول: خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق، خادماً لهما، فلما عُدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أختبر أبا نعيم. فقال له أحمد بن حنبل: لا تريد، الرجل ثقة. فقال يحيى بن معين: لا بد لي. فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثاً ليس من حديثه، ثم جاؤوا إلى أبي نعيم فدقوا عليه الباب فخرج، فجلس على دكان طين حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بن معين الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال أبو

стр. 93

نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث، فتغيّر أبو نعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين، فقال له: أما هذا - وذراع أحمد بن حنبل في يديه - فأورع من أنْ يعمل مثل هذا، وأما هذا، يريدني، فأقلّ من أنْ يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين، فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل، وأقل لك إنَّه ثبت، قال: والله لرفسته لي أحب إليَّ من سفري!» (١). قال أبو حاتم جواباً عن سؤال ابنه عن حديث رواه هشام بن عمّار: «رأيت هذا الحديث قديماً في أصل هشام بن عمّار عن حاتم هكذا مرسل، ثم لقنوه بأخذه عن جابر فتلقن، وكان مغفلاً» (٢)، وقال الإمام أحمد عن عبد الرزاق: «كان يلقن فلقنه وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه ما ليس في كتبه» (٣)، ونقل الخطيب عن الحميدي بسنده قال: «ومن قَبِلَ التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم ذلك التلقين حادثاً في حفظه لا يعرف به قديماً، وأما من عرف به قديماً في جميع حديثه، فلا يقبل حديثه ولا يؤمَن أن يكون ما حفظه مما لقن» (٤). ٩ - شدة وثوق الراوي بحفظه والاعتماد عليه: إنَّ الكتاب المتقن الموثَّق لحجة عند العلماء، بل هو ميزان، ودليل على صحة حفظ الراوي (٥)، واعتماد الراوي على حفظه والوثوق به بما يبعده عن كتبه، فيحدث من حفظه، والحفظ خوّان، هذا الأمر يدخل فيه تام الضبط وخفيفه، إذ لا يسلم من الخطأ أحد.

стр. 94

نقل السمعاني عن جعفر بن درستويه، قال: «أُقعد علي بن المديني بسامراء على منبر، فقال: يقبح بمن جلس هذا المجلس أنْ يحدّث من كتاب، فأول حديث حدّث من حفظه غلط فيه، ثم حدّث سبع سنين من حفظه لم يخطئ في حديث واحد» (١)، وعن يحيى بن معين، قال: «دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فقلت له: أوصني. فقال: لا تحدّث المسند إلا من كتاب» (٢). وذكر ابن حبان أجناساً من أحاديث الثقات لا يجوز الاحتجاج بها، منها: الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه؛ لأنَّهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون، والفقيه إذا حدث من حفظه، وهو ثقة في روايته؛ لأنَّ الغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد، فلا يجوز الاحتجاج بخبريهما إلا أنْ يحدثا من كتاب، أو يوافقا الثقات فيما يرويانه (٣). وقد استحسن المحدّثون ألا يروي المحدّث إلا من كتابه؛ لأنَّه أبعد عن الوهم والغلط (٤) ولم يفتْ علماءَ الحديث تنبيهُ الرواة على الابتعاد عن التحديث من غير كتاب، قال الباجي: «قد عُدم من يحفظ، ولو لم يُؤخذ إلا عن من يحفظ لعدم من يؤخذ عنه، فقد قلّ الحفاظ واحتيج إلى الأخذ عمن لهُ كتاب صحيح» (٥)، وقال الإمام أحمد عن عبد الأعلى السامي: «ما كان من حفظه ففيه تخليط، وما كان من كتاب فلا بأس به» (٦)، وقال ابن حبان عن عبد الله ابن نافع بن أبي نافع: «كان صحيح الكتاب، وإذا حدّث من حفظه ربما أخطأ» (٧)، وقال الرامهرمزي: «وإنما كره الكتاب من كره من الصدر الأول؛ لقرب العهد وتقارب الإسناد، ولئلا يعتمده الكاتب فيهمله أو يرغب عن تحفظه والعمل به، فأما والوقت متباعد، والإسناد غير متقارب، والطرق

стр. 95

مختلفة، والنقلة متشابهون، وآفة النسيان معترضة، والوهم غير مأمون، فإنَّ تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى .. » (١). ١٠ - التوقّي والتورّع: كان دأب بعض أهل العلم حين يشك في حديث ما، أنْ يرويه على الاقتصار، فإن شك في رفع الحديث رواه موقوفاً، وإن شك في إسناده أرسله، وإن شك في عبارة من المتن حذفها قال ابن معين: «إذا خفت أن تخطئ في الحديث فانقص منه ولا تزد» (٢)، وهذا ديدن محمد بن سيرين، قال الدارقطني: «وقد تقدم قولنا في أنَّ ابن سيرين من توقّيه وتورّعه تارة يصرح بالرفع وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال» (٣)، وقال يعقوب بن شيبة: «حماد بن زيد أثبتُ من ابن سلمة، وكلٌ ثقة، غير أنَّ ابن زيد معروف بأنَّه يقصر في الأسانيد، ويوقف المرفوع، وكثير الشك بتوقيه، وكان جليلاً لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحياناً يذكر فيرفع الحديث، وأحياناً يهاب الحديث ولا يرفعه» (٤). ١١ - اختصار الحديث أو روايته بالمعنى: يُعد سبباً من الأسباب المؤدية إلى وقوع الغلط في حديث الثقات، وذلك إذا كان الراوي قليل المطالعة لكتبه، ويحدّث بما رسخ في ذهنه، وبخاصة إذا لم يكن ضليعاً باللغة، عالماً بالألفاظ وما يحيل معناها، وكلما كثرت طرق الحديث كثرت ألفاظه واختلفت، يقول الحافظ ابن حجر: «وإنما يسلم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أنْ تقل مخارج الحديث وتتفق ألفاظه، وإلا فإنَّ مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أنْ تتفق ألفاظه؛ لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى، بحسب ما يظهر لأحدهم أنَّه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنَّهم كانوا لا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلق المعنى بالذهن فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ،

стр. 96

فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنَّه لم يوفِ المعنى» (١). ويجوز اختصار الحديث لمن كان عالماً بمعناه، ولا يختل معه البيان، ولا تختلف دلالته، قال الخطيب: «والذي نختاره في ذلك أنَّه إذا كان فيما حذف من الخبر معرفة حكم وشرط وأمر لا يتم التعبد والمراد بالخبر إلا بروايته على وجهه، فإنَّه يجب نقله على تمامه ويحرم حذفه؛ لأنَّ القصد بالخبر لا يتم إلا به، فلا فرق بين أنْ يكون ذلك تركاً لنقل العبادة، كنقل بعض أفعال الصلاة، أو تركاً لنقل فرض آخر هو الشرط في صحة العبادة كترك نقل وجوب الطهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال لا يحل اختصار الحديث» (٢). ونقل ابن رجب عن أبي بكر الخلال، قال: «إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يُخلّ بالمعنى، لا أصل اختصار الحديث. قال: وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المُخلّ بالمعنى» (٣). ونقل الخطيب عن الخليل بن أحمد، قال: «لا يحل اختصار حديث النَّبيِّ ﷺ ؛ لقوله: «رحمَ اللهُ امرءاً سمَع مِنَّا حَديثاً فبلّغهُ كما سمعهُ» (٤)»، وعن يعقوب بن شيبة، قال: «كان مالك لا يرى أن يختصر الحديث إذا كان عن رسول الله ﷺ »، وعن عباس الدوري، قال: «سُئل أبو عاصم النبيل يكره الاختصار في الحديث؟ قال: نعم؛ لأنهم يخطئون المعنى»، وعن عنبسة، قال: «قلت لابن المبارك: علمتَ أنَّ حماد بن سلمة كان يريد أنْ يختصر الحديث فيقلب معناه؟ فقال لي: أَوَ فطنتَ له؟» (٥).

стр. 97

بخلاف ذلك هناك علماء بارعون في اختصار الحديث وروايته بالمعنى مثل سفيان الثوري، قال ابن المبارك: «علَّمنا سفيان اختصار الحديث» (١). وقد اختلف العلماء سلفاً وخلفاً في حكم اختصار الحديث أو روايته بالمعنى: فذهبت طائفة إلى منع ذلك لأنَّ بعض الثقات قد يروي حديثاً بالمعنى فيخطئ، فيقبل حديثه لثقته، ولا يفطن لخطئه إلا أهل الخبرة، وذهبت أخرى إلى جواز ذلك في غير حديث رسول الله ﷺ ، وذهب الجمهور إلى تجويزها بالمعنى في جميع ما روي عن النَّبيِّ ﷺ وما روي عن غيره، إذا قطع بالمعنى، وكان عارفاً بالمعاني ودقائق الألفاظ (٢). ١٢ - التدليس: وقوع التدليس في حديث الثقة يُعلّ حديثه؛ لأنَّ التدليس إخفاء عيب في الإسناد، وإيهام الناظر فيه بخلو ذلك الإسناد من العيب (٣). والتدليس أنواع كثيرة، أشهرها تدليسا الإسناد والشيوخ، ويُعرّف الأول: بأنْ يروي عمن لقيه، ما لم يسمعه منه، والثاني: أن يسمِّي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به (٤). فالرواة الثقات يقع منهم التدليس، فيحتاج إلى جهبذ ناقد يكشف عنه بمعرفته الثاقبة وبطرائقه، فإنْ كان الراوي الذي دَلّس متكلماً فيه، أو روايته ضعيفة لأمر آخر، فالأمر هين، وإنْ كان الراوي ثقة استوجب مزيد بحث، حتى لا يغتر الناظر في الإسناد بظاهره فيحكم بصحته، وليس كل عنعنة من راوٍ مدلس مردودة؛ لأنَّه يترتب على ذلك رد كثير من السنن الصحيحة (٥).

стр. 98

١٣ - التفرد: التفرد بحد ذاته ليس علة في الخبر، وإنما يكون أحياناً سبباً من أسباب العلة، إذا لم يكن الراوي مبرزاً في الحفظ، فالتفرد قد يلقي الضوء على وجود العلة، وهو من أدق أنواع علوم الحديث، وأصعب أسباب العلة كشفاً، وقد يكون التفرد قرينة على وجود العلة، قال ابن الصلاح: «ويستعان على إدراكها - يعني: العلة - بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك» (١). والإعلال بالتفرد كثير عند أهل العلم بالحديث، لذا نجد البخاري والعقيلي وابن عدي كثيراً ما يعلون الحديث بقولهم: «لا يتابع عليه» (٢)، وسيأتي مزيد بيان إنْ شاء الله. ١٤ - الجمع بين الشيوخ: وهو أنْ يجمع الراوي بين شيخين أو أكثر، فيروي عنهم حديثاً واحداً، ويكون بين حديثهم اختلاف، فهذا الجمع لا يقبل إلا من حافظ متقن لحديثه، عارف اتفاق شيوخه واختلافهم مثل الزهري، وقد ينكر الجمع بين الشيوخ في حال عدم معرفة الجامع بينهم وضبطه لاتفاقهم واختلافهم، قال الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق بن يسار: «هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجلين … يحدث عن الزهري ورجل آخر، فَيُحمل حديث هذا على هذا» (٣). والأصل تأدية كل حديث كما سمعه، قال ابن الصلاح: «إذا كان الحديث عند الراوي عن اثنين أو أكثر، وبين روايتهما تفاوت في اللفظ، والمعنى واحد، كان له أن يجمع بينهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما خاصة، ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، قال - أو قالا - أخبرنا فلان أو ما أشبه ذلك من العبارات» (٤).

стр. 99

وقد يضعف حديث الراوي إذا جمع بين الشيوخ خاصة، بخلاف ما إذا أفردهم، من ذلك قول شعبة لابن علية: «ما حدثك عطاء عن رجاله: زاذان وميسرة وأبي البختري، فلا تكتبه، وما حدثك عن رجل بعينه فاكتبه» (١). ويقبح الجمع بين الشيوخ؛ لأنَّه يوقع في الزلل والغلط، لا سيما إذا كان الحديث يرويه ثقة وضعيف، فيرويه الراوي ويُحمل أحدهما على الآخر، ثم يرويه بإسقاط الضعيف وهذا مما لا يجوز فعله. وبالإمكان أنْ نسمي هذا النوع (الجمع بين الشيوخ) بتدليس المتابعة إذا كان في اللفظ اختلاف لم ينبه عليه الذي يجمع بين الشيوخ. ١٥ - كيفية تحمل الحديث (المذاكرة): إنَّ من أنواع التحمل ما يكون سبباً في وقوع العلة، والمذاكرة هي نوع من أنواع تحمّل الحديث، فعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «تذاكروا الحديث؛ فإنَّ الحديث يهيج الحديث» (٢)، وعن علي ﵁، قال: «تزاوروا وأكثروا ذكر الحديث؛ فإنَّكم إنْ لم تفعلوا يندرس الحديث» (٣)، وعن ابن مسعود ﵁، قال: «تذاكروا الحديث؛ فإنَّ حياته المذاكرة» (٤). وللمذاكرة فوائد عظيمة، فبها ينشرح صدر المحدّث للتحديث، وتذكر فيها غالب طرق الحديث الواحد وغير ذلك. ولكن يحصل فيها نوع من التساهل قال ابن رجب: «والمذاكرة يحصل فيها تسامح، بخلاف حال السماع أو الإملاء» (٥)، وقال الذهبي: «إذا قال: حدثنا فلان مذاكرة، دلّ على وهن ما؛ إذ المذاكرة يتسمح فيها» (٦) فيجب الحذر عند تحمل الحديث في المذاكرة، لذلك كان الجهابذة يمنعون الناس

стр. 100

من تحمّل أحاديثهم إنْ كان ما تحمّلوه مذاكرة - إلا بعد إعلامهم - قال الخطيب: «إذا أورد المحدّث في المذاكرة شيئاً أراد السامع له أنْ يدونه عنه، فينبغي له إعلام المحدّث ذلك؛ ليتحرى في تأدية لفظه وحصر معناه» (١)، وكره جماعة من المحدّثين التحمل عنهم حال المذاكرة، نقل الخطيب عن عبد الرحمان بن مهدي، قال: «حرام عليكم أنْ تأخذوا عني في المذاكرة حديثاً؛ لأني إذا ذاكرت، تساهلت في الحديث» (٢)، وقال ابن المبارك وتابعه أبو زرعة وإبراهيم بن موسى على قوله: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئاً» (٣). ١٦ - قِصَر الصحبة: قلة الملازمة للشيخ تصحبها غالباً قلة الممارسة لحديثه، وهذه في الأصل ليست علة تعلّ بها الأحاديث، لكن العلماء أعطوها أهمية كبيرة؛ لأنَّه يُستفاد من ذلك في ترجيح رواية على أخرى عند الاختلاف؛ لأنَّ من طالتْ صحبته لشيخه، وكثرت ممارسته لحديثه، يكون أتقن لحديث شيخه، وتترجح روايته على من قصرت صحبته لهذا الشيخ. وقد يقدمون الأقل حفظاً في شيخ ما، على حافظ كبير؛ لأنَّه لازمه طويلاً، فقدموا مثلاً رواية حماد بن سلمة في ثابت البناني على غيره. وثابت روى عنه كل من شعبة وحماد بن زيد ومعمر. وحماد بن سلمة دون هؤلاء، ومع ذلك قُدم عليهم في ثابت؛ لطول ملازمته له (٤). وضَعَّفوا رواية الحافظ الكبير في شيخ ما؛ لقلة ملازمته له. وهذا هو الغالب، لكن هناك من تطول صحبته لشيخ، لكن يُقصِّر في ضبط حديثه ومدارسته، وإحكام أصله عنه فيضعف فيه (٥).

стр. 101

١٧ - تشابه الأسانيد وتقارب المتون: قد تتشابه الأسانيد لكثرتها، فيضعف الراوي في ضبطها، فيقع الغلط والوهم، فتتداخل الأسانيد وتتقلب، وتختلط المتون لمقاربة ألفاظها. لهذا جرت عادة المحدّثين بامتحان الرواة بقلب الأسانيد وتغييرها. قال الحافظ ابن حجر: «وممن كان يفعل ذلك لقصد الامتحان، كان شعبة يفعله كثيراً لقصد اختبار حفظ الراوي، فإنْ أطاعه على القلب، عرف أنَّه غير حافظ، وإنْ خالفه عرف أنَّه ضابط» (١). ويدخل في هذا الظن الخاطئ بالأسانيد كما جاء عند ابن أبي حاتم قال: «سألتُ أبي عن حديث رواه .. عن محمد بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب … قال أبي: هذا خطأ، إنما هو: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، والوهم من حماد» (٢). فلعل حماداً ظنه محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، أنَّ أباه علي بن أبي طالب، فوهم. هذه سبعة عشر سبباً هي زبدة أسباب العلة، وهناك أسباب أُخر آثرنا عدم ذكرها، إما لأنها جزء مما ذكرناه، أو لقلة الإعلال بها … .

стр. 102

طرائق كشف العلة: لم تأتِ طرائق معرفة العلة مزاجية أو اعتباطية، بل جاءت تبعاً لما جاشت به صدور النقاد، وكانت طرق معرفة العلة والكشف عنها مبنية على معرفة أسباب وقوع العلة وتصور تلك الأسباب، فتنوعت هذه الطرائق واختلفت، وهذا التنوع والاختلاف لم يخرج عن مساره الحقيقي وهو بيان علل الأحاديث، والطرائق التي ترشد إلى كشف العلة هي: ١ - جمع طرق الحديث شريطة الفهم والمعرفة؛ ليتبين اختلاف الرواة ومقدار التوافق، وهذه الطريقة قد نصّ عليها أهل العلم، قال الخطيب: «والسبيل إلى معرفة علة حديث أنْ يجمع بين طرقه … » (١)، ونقل عن علي بن المديني أنَّه قال: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه» (٢)، ونقل عن يحيى بن معين أنَّه قال: «لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه» (٣)، كما نقل عن عبد الله بن المبارك قوله: «إذا أردت أنْ يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض» (٤)، وقال الإمام أحمد: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً» (٥)، وإن كان كلام أحمد ليس خاصاً بالعلل، وقال مسلم: «فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم» (٦). قال العراقي: «وتدرك العلة بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك يهتدي الجهبذ، أي: الناقدُ بذلك إلى اطلاعه على إرسال في

стр. 103

الموصول، أو وقفٍ في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث غلب على ظنه ذلك فأمضاه وحكم به … » (١). وقال ابنه أبو زرعة: «والحديث إذا جمعت طرقه تبين المراد منه، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات» (٢). وأقوال جهابذة النقاد في هذا الباب كثيرة مبثوثة في كتب العلل. ٢ - الموازنة بين هذه الطرق بعد جمعها ؛ فإن اتفقت الطرق سلم الحديث من العلة، نقل ذلك ابن حجر إذ قال: «فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلة كما نقله المصنف - يعني: ابن الصلاح - عن الخطيب أنْ يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته» (٣). أو النظر فيه من حيث الزيادة والنقصان، والرفع والوقف، والوصل والإرسال وغير ذلك، يقول ابن حجر: « .. وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة، فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف» (٤). وهنا أمران تنبغي الإشارة إليهما: الأول: صحة الإسناد إلى الراوي المختلف عليه، وأود أنْ أنبه طلبة العلم على التأكد من سلامة الأسانيد من التحريف والتصحيف والسقط؛ وذلك أني وقفت من خلال عملي في هذا الكتاب على جملة من الرواة الذين لم أقف لهم على ترجمة، ثم تبيّن لي أنَّه قد أصابهم تصحيف أو تحريف أو سَقَطَ بعضُ الاسم، وأُلصق بعضه الآخر باسم يليه، والناظر في حواشي كتابي هذا سيجد من ذلك شيئاً كثيراً، وهذه الأوهام ما كانت لتكون لو وُسِدَ التحقيق إلى أهله.

стр. 104

الثاني: إذا كان الاختلاف بين ثقة وضعيف، فلا عبرة برواية الضعيف، وفي ذلك يقول الذهبي: «فإن كانت العلة غير مؤثرة بأنْ يرويه الثبت على وجه ويخالفه واهٍ فليس بمعلول، وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يُصِب؛ لأنَّ الحكم للثبت» (١). ٣ - معرفة مراتب الرواة، مما يعين على معرفة العلل معرفة مراتب الرواة، والترجيح بينهم والجمع بين رواياتهم على أسس علمية وقواعد منهجية، فقد حضّ جهابذة النقاد على ذلك، قال ابن رجب: «معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف … » (٢)، ونفى العلائي أنْ يكون الناقد مُعِلاّ حتى يكون مدركاً لمراتب الرواة بقوله: «ولا يقوم به إلا من منحه الله فهماً … وإدراكاً لمراتب الرواة … » (٣)، وأعاد ابن حجر القول إذ قال: «ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى .. إدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة تامة .. » (٤). ولوّح مصطفى باحو إلى قيمة هذا الجانب، إذ قال: «وأهمية معرفة طبقات الرواة تتجلى عند التعارض، فينظر في أصحاب الراوي والآخذين عنه، ودرجاتهم في الحفظ، والمقدم منهم عند الاختلاف والاضطراب، والمشتهر منهم بكثرة ملازمة شيخه ومعرفته لحديثه وتثبته فيه؛ ولهذا تكلم الحفاظ في كتب الرجال كثيراً حول تمييز الآخذين عن الراوي، وأيهم يقدّم عند الاختلاف .. » (٥). وفي هذا الجانب أمران: الأول: الترجيح بين الرواة: إنَّ علم العلل يبحث في أخطاء الرواة وبخاصة الثقات، ثم إنَّ الترجيح بينهم يكون بالمتابعات، ومعرفة الراوي بحديث شيخه، ومدى قوة رواية التلميذ عن شيخه، فكم من راوٍ ثقة وتكلم

стр. 105

النقاد في روايته، أو إذا كانت روايته عن غير أهل بلده، أو في روايته عن بعض الشيوخ؛ لذا كانت معرفة الرواة وكمائن الضعف والقوة من أساسيات علم العلل، وفي ذلك قال ابن رجب: «اعلم أنَّ معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هيّن؛ لأنَّ الثقات والضعفاء قد دُوِّنوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف. والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، .. وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث … » (١). ولأهمية هذه النقطة، أطنب ابن رجب بذكر الأمثلة التي ساقها للبيان. الثاني: الجمع بين الروايات المختلفة: وهذا إذا أمكن الجمع، والناظر في كتابي هذا سيجد خير مثال على هذا حديث ذي اليدين - من رواية الزهري - فقد رواه الزهري عن راويين ثم عن ثلاثة حتى وصل في إحدى الروايات إلى خمسة رواة، وقد كنت أظن أنَّ الزهري اضطرب في ضبط اسم شيخه، حتى تبين لي غير ذلك، ثم إنَّه اضطرب في غير هذا الموضع وقد بينته بما يثلج صدور المنصفين، أما في حال انعدمت إمكانية الترجيح فيكون الحديث مضطرباً. ٤ - التأمّل في كيفية تحمّل الراوي للحديث من شيخه، أهو سماع أم عرض أم إجازة أم غير ذلك، ومن صيغ الأداء ما تثبت سماع الراوي من شيخه، كحدثنا وأخبرنا (٢) وسمعت وقال لنا .. وهذه الصيغ صريحة بوقوع اللقاء، وحصول المشافهة بين الشيخ وتلميذه، إلا أنَّ جمعاً من أهل العلم تكلم في رواية بعض الرواة عن بعض الشيوخ بسبب أخذهم عنهم بطرق التحمل المختلف في صحة الرواية بها كالإجازة والمناولة والوجادة من غير

стр. 106

عرض على الشيخ ومن غير مقابلة بأصله والتوسع فيها، كذلك فإنَّ بعض الرواة أخذ عن شيخه سماعاً ومناولة، أو سماعاً ووجادة، فلم يتميز ما أخذه سماعاً عن غيره، فتكلم الأئمة في روايته عن ذلك الشيخ لهذا الأمر، فمن ذلك ما ذكره ابن رجب عن الإمام أحمد أنَّه قال: «موسى بن عقبة ما أُراه سمع من ابن شهاب، إنما هو كتاب نظر فيه» (١)، كما نقل عن يحيى بن معين أنَّه قال: «الأوزاعي في الزهري ليس بذاك، أخذ كتاب الزهري من الزبيدي» (٢)، ونقل المزي عن عمرو بن علي أنَّه قال: «سمعت معاذ بن معاذ - وذكر صالح بن أبي الأخضر - فقال: سمعته يقول: سمعتُ الزهري وقرأتُ عليه، فلا أدري هذا من هذا! فقال يحيى - وهو إلى جنبه -: لو كان هذا هكذا كان جيداً، سمع وعرض، ولكنَّه سمع وعرض ووجد شيئاً مكتوباً، فقال: لا أدري هذا من هذا» (٣)، ونقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث، كان عنده عن الزهري كتابين: أحدهما: عرض والآخر: مناولة، فاختلطا جميعاً، فلا يعرف هذا من هذا» (٤)، وقال الذهبي: «وكان ابن جريج يروي الرواية بالإجازة وبالمناولة ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في روايته عن الزهري؛ لأنَّه حمل عنه مناولة وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط شكل ولا نقط» (٥). فهذه بعض صيغ الرواية التي ضعّف أهل العلم أحاديث الرواة عن الشيوخ بسببها، ولعل سبب التضعيف أنَّ الراوي إذا لم يقرأ أحاديثه على الشيخ، فمن المحتمل أنْ يدخل عليه التحريف أو التصحيف، وهذا من الاحتياط الذي لزم هذه الأمة في تلقّي أحاديث نبيها ﷺ . ٥ - معرفة أسماء الرواة وكناهم وألقابهم وأنسابهم، ومنه المتفق

стр. 107

والمفترق والمؤتلف والمختلف. قال الحاكم: «هذا النوع منه معرفة المتشابه في قبائل الرواة وبلدانهم، وأساميهم وكناهم وصناعاتهم، وقوم يروي عنهم إمام واحد فتشتبه (١) كناهم وأساميهم لأنها واحدة، وقوم يتفق أساميهم وأسامي آبائهم، فلا يقع التمييز بينهم إلا بعد المعرفة» (٢). وتتجلى أهمية هذا الجانب في احتمال تشابه الأسماء بين ثقة وضعيف، أو اختلاف الأسماء والشخص واحد، أو اشتراك عدة أشخاص في اسم واحد .. كما جاء في نسب الأعمش مثلاً «سليمان الأسدي» و «سليمان الكاهلي» و «سليمان الكوفي» وجميعها لسليمان بن مهران الأعمش الكاهلي الكوفي الأسدي، فما بالك ببقية الرواة، بل إنَّ المتعجّل قد يظن أنَّ الأنساب المذكورة آنفاً لأربعة رجال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ التضلع بهذا الفن سوف يوصد الباب أمام المدلسين الذين يستغلون كثيراً من الأسماء والألقاب والكنى التي لم يشتهر بها أصحابها - ستاراً لتدليسهم -، وهي فائدة عظيمة ألمح إليها ابن الصلاح بقوله: «هذا فن عويص، والحاجة إليه حاقة، وفيه إظهار تدليس المدلسين، فإنَّ أكثر ذلك نشأ من تدليسهم» (٣)، كما أشار ابن دقيق العيد إلى فائدة أخرى إذ قال: «وهو فن واسع، يحتاج إليه في دفع مَعرّة التصحيف واللحن، وفيه مصنفات كثيرة» (٤)، وقال: «وهو فن مهم؛ لأنَّه قد يقع الغلط، فيعتقد أنَّ أحد الشخصين هو الآخر، وربّما كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً، فإذا غلط من الضعيف إلى القوي صححّ ما لا يُصحح، وإذا غلط من القوي إلى الضعيف، أبطل ما يصحُّ، وقد يقع هذا في الأنساب كما يقع في الأسماء، ويقع الإشكال فيه إذا أطلق النسب من غير تسمية» (٥)، ومثال اتفاق النسبة: الآمُلي والآمُلي. فالأول منسوب إلى آمل طبرستان، والثاني منسوب إلى آمل جيحون .. .

стр. 108

أما آثار إهمال هذا الجانب فكشف عن أثر منها الحاكم عقب سوقه أحد أوهام الرواة إذ قال: «ومن تهاون بمعرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم» (١)، وبَيّن عظيم خطره علي بن المديني فيما نقله العسكري بقوله: «أشد التصحيف: التصحيف في الأسماء» (٢). ويجدر بالذكر أنَّ المحدّثين كانوا يمتحنون ضبط الراوي من عدمه، بمعرفته التامة ومقدار ضبطه لأسانيده، ولعل أشهر دليل على ذلك واقعة إمام الصنعة مع محدّثي بغداد. ٦ - الانتباه على خصوصيات الرواة والفطنة لها. كم من راوٍ ثقة عدل وقد تكلم النقاد في بعض مروياته، فهم ثقات في أنفسهم لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف بخلاف بقية شيوخهم. والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل رواية الأعمش، عن أبي إسحاق، فإنَّها معلولة بالاضطراب، وكذا رواية سماك، عن عكرمة، ورواية إسماعيل بن عياش إذا روى عن غير الشاميين (٣). أيضاً فإنَّ بعض الرواة تكلم فيهم، ولكنهم إذا رووا عن بعض الشيوخ كانوا ثقات كرواية زهير بن معاوية، عن الأعمش أو رواية عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة فكلاهما - زهير وعبد الرحمان - من الرواة المتكلَّم فيهم، إلا أنَّهما في روايتهما عن الشيخين المذكورين ثقتان صحيحا الحديث. قال ابن رجب في التعليق على حديث رواه حجاج: «وحجاج بن أرطاة وإنْ كان مُتكلَّماً فيه إلا أنَّه فقيه يفهم معنى الكلام فيُرجَع إلى زيادته على مَن

стр. 109

ليس له مثل فهمه في الفقه والمعاني» (١). ٧ - التشبث بأقوال أهل العلم وجعلها مرجعاً للحكم. يقول ابن رجب: «حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك» (٢). فإذا وجدنا حديثاً ظاهره الصحة، وقد حكم النقاد بنكارته، فيجب حينئذ تحكيم قول النقاد؛ لأنهم جمعوا الطرق وسبروا الروايات، وعرفوا صحة هذه الرواية من سَقَمِها. هذا في حال نقل الإجماع عنهم، أما إذا كان الاختلاف قائماً فالحكم للقرائن؛ لأنَّ الإعلال دائر مع الترجيحات، ومع القرائن «والمقصود بالقرائن ما يدل على المراد دون تصريح به، وذلك مما يكون له تعلق مباشر أو غير مباشر من الألفاظ أو الإشارات التي تؤثر في توجيه دلالة اللفظ أو العبارة المستعملة في بيان درجة حديث الراوي، أو بيان حاله جرحاً أو تعديلاً» (٣) قال ابن حجر: «فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه» (٤). وبيّن ابن رجب سبب السير وراء هؤلاء الأئمة، فأصاب درة نفيسة حين قال: «ومن ذلك أنَّهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي ﷺ من الكلام الذي لا يشبه كلامه» (٥).

стр. 110

٨ - معرفة مواليد الرواة ووفياتهم وأصحاب الرحلة منهم. كما هو معروف فإنَّ من شروط صحة الحديث الاتصال وثبوت اللقاء. ومن الأمور المساعدة على معرفة ثبوت اللقي من عدمه معرفةُ مولد الراوي وعرضه على وفاة شيخه الذي حدّث عنه، سيظهر حينئذ احتمال اتصال السند على انقطاعه أو بالعكس. قال سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ» (١)، وقال حفص بن غياث: «إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين» (٢)، ونقل الخطيب عن أبي علي الحافظ أنَّه قال: «لما حدّث عبد الله بن إسحاق الكرماني، عن محمد بن أبي يعقوب، أتيته فسألته عن مولده (٣)، فذكر أنَّه وُلد سنة إحدى وخمسين ومئتين، فقلت له: مات محمد بن أبي يعقوب قبل أنْ تولد بتسع سنين فاعْلَمْه، قال أبو عبد الله - هو الحاكم (٤) - ولما قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي، وحدّث عن عبد بن حُميد سألته عن مولده، فذكر أنَّه وُلد سنة ستين ومئتين، فقلت لأصحابنا: سمع هذا الشيخ من عبد بن حُميد بعد موته بثلاث عشرة سنة» (٥). وللرحلات أثر في معرفة العلل، فقد يكون سماع الراوي صحيحاً في مكان وضعيفاً في آخر؛ لأنَّه قد يختلط، كذلك معرفة البلاد التي دخلها الراوي تنفع في معرفة احتمال اتصال السند من انقطاعه، لذا يجب على الباحث في علل الحديث الاهتمام بهذا الجانب. ٩ - معرفة العواصم أو المدارس الحديثية. لما انتشرت رقعة أهل الحديث وبلغت مبلغها من شهرة ورفعة عند الناس، كانت هناك بعض الأمصار التي يختلف الناس إليها؛ ليسمعوا من أهل
следующие страницы →