← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ثالثا: العلل المشتركة:

стр. 1122

النوع الأول: زيادة الثقة تمهيد: الزيادات الواقعة في المتون أو الأسانيد لَها أهمية بالغة عِنْدَ عُلَمَاء الحَدِيْث؛ إذ إن لَهَا عندهم مجال نظرٍ وبحثٍ واسع. وَلَمْ يَكُنْ أمرها اعتباطياً، ثُمَّ إنها قَدْ كشفت عن منهجية المتكلمين فِيْهَا، وأبانت عن قدرات محدّثي الأمة وصيارفة الحَدِيْث في النقد والإعلال، والتصحيح والتضعيف. والزيادات الواردة في بَعْض الأماكن دُوْنَ بَعْض، نَوْع من أنواع الاختلاف، سَوَاء كَانَ في المَتْن أم في السَّنَد. وهو أمرٌ طبيعيٌّ ولا غرابة فِيهِ، ومَعْرِفَة الزيادات هِيَ إحدى قضايا علل الحَدِيْث الَّتِي مرجعها إلى الاختلاف بالروايات. إذ إنَّ الرواة يبعد أنْ يكونوا جميعاً في مستوى واحد من التيقظ و الضَّبْط والحفظ، وليسوا في مستوى واحد من الاهتمام و التثبت والدقة. واختلاف المقدار قَدْ يَكُون مداه طويلاً من حِيْن تلقي الأحاديث من أصحابها إلى حِيْن أدائها، إذ إنَّ شرط الضَّبْط أن يَكُون من حِيْن التحمل إلى حِيْن الأداء (١)، وما دامت المواهب متفاوتة حفظاً وضبطاً، فإنَّ الاختلاف في الزيادات واردٌ لا محالة. فالرواة مِنْهُم من بَلَغَ أعلى مراتب الحفظ والإتقان، ومنهم دُوْنَ ذَلِكَ ومنهم أدنى بكثير. ثُمَّ إنَّ الرواة كثيراً مَا يشتركون في سَمَاع الحَدِيْث الواحد من شيخ واحد، فحين يحدِّثون بهذا الحَدِيْث بَعْدَ فترة من الزمن يَكُون الاختلاف بينهم بحسب مقدار حفظهم وتيقظهم وتثبتهم.

стр. 1123

عَلَى أنَّ أحد الرواة الثِّقات لَوْ زاد زيادة لَمْ تكن عِنْدَ البقية فإنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَح في صدقه وعدالته وضبطه، قَالَ الحافظ ابن حجر: «إنَّ الواحد الثِّقَة إذا كَانَ في مجلس جَمَاعَة، ثُمَّ ذكر عن ذَلِكَ المجلس شيئاً لا يمكن غفلتهم عَنْهُ، وَلَمْ يذكره غيره، أن ذَلِكَ لا يَقْدَح في صدقه» (١). إلاّ إذا كثر ذَلِكَ مِنْهُ فإنَّه مجال بحث ونظر عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، فمن أكثر من ذَلِكَ فَهُوَ مكثر من المخالفة، وكثرة المخالفة منافية للضبط، إذ إنَّ الضَّبْط يعرف بموافقة الرَّاوِي للثقات الضابطين (٢). من ذَلِكَ مَا نقل المزي عن الإمام أحمد بن حَنْبَل في ترجمة حجاج بن أرطاة، أنه قَالَ: «كَانَ من الحفاظ. قِيلَ: فَلِمَ لَيْسَ هُوَ عِنْدَ الناس بذاك؟ قَالَ: لأنَّ في حديثه زيادة عَلَى حَدِيث الناس، لَيْسَ يكاد لَهُ حديثٌ إلا فِيهِ زيادة» (٣). ثُمَّ إنَّ مَعْرِفَة الزيادات تَكُون بجمع الطرق والأبواب (٤)، والزيادات في الأحاديث تَكُون من الثِّقات ومن الضعفاء، و الزيادة من الضَّعِيف غَيْر مقبولة؛ لأنَّ حديثه مردود أصلاً سَوَاء زاد أم لَمْ يزد (٥). أما الزيادة من الثِّقَة فهي مجال بحثنا هنا. تعريفها: الزيادة لغة: النمو والزكاء، وهي خلاف النقصان (٦). واصطلاحاً: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي معرفاً زيادة الثقة: «أنْ يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه

стр. 1124

زيادة لم يذكرها بقية الرواة» (١). وقوله: «بإسناد واحد ومتن واحد» هذا قيد مهم، قال ابن رجب: «فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنَّها تقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث، وليس هذا من باب زيادة الثقة .. » (٢)، وقال الحافظ ابن حجر: «واعلم أنَّ هذا كله إذا كان للمتن سند واحد، أما إذا كان له سندان فلا يجري فيه هذا الخلاف» (٣). وبهذا يعلم أنَّ الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابةٍ آخرين لا تدخل تحت هذه المسألة، قال الحافظ ابن حجر: «واحتج بعضُ أهل الأصول بأنَّه من الجائز أنْ يقول الشارع كلاماً في وقتٍ، فيسمعه شخص، ويزيده في وقتٍ آخر فيحضره غير الأول، ويؤدي كل منهما ما سمع … والجواب عن ذلك: أنَّ الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة إنمَّا هو في زيادة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم، أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها .. » (٤). قال العلائي : «الزيادة متى كانت من حديث صحابي غير الصحابي الذي رواه بدونها فلا خلاف في قبولها» (٥). وقال زكريا الأنصاري: «وهي - أي الزيادات - من الصحابة مقبولةٌ اتفاقاً» (٦). و من أمثلة زيادة صحابي على صحابة آخرين ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صَلاةُ الجماعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الرَّجُلِ وَحدَهُ بِسَبْعٍ وعشرينَ دَرَجةً».

стр. 1125

أخرجه: أحمد ٢/ ١٧، والدارمي (١٢٧٧)، ومسلم ٢/ ١٢٢ (٦٥٠) (٢٥٠)، وابن ماجه (٧٨٩)، وابن خزيمة عقب (١٤٧١) بتحقيقي من طريق يحيى القطان. وأخرجه: أحمد ٢/ ١٠٢، وأبو عوانة ١/ ٣٥٠ (١٢٥٠) من طريق محمد ابن عبيد. وأخرجه: ابن خزيمة (١٤٧١) بتحقيقي من طريق عبد الوهّاب بن عبد المجيد. وأخرجه: الترمذي (٢١٥) من طريق عبدة بن سليمان. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٨٤٦٩)، ومن طريقه مسلم ٢/ ١٢٢ - ١٢٣ (٦٥٠) (٢٥٠) عن حماد بن أسامة. خمستهم: (يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن عبيد، وعبد الوهّاب بن عبد المجيد، وعبدة بن سليمان، وحماد بن أسامة) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به. وتوبع عبيد الله، تابعه مالك بن أنس، وأيوب السختياني. أما حديث مالك: فهو في " الموطأ " (٣٤١) برواية الليثي و (٣٢٢) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريقه أخرجه: الشافعي في " مسنده " (٢٧١) بتحقيقي، وأحمد ٢/ ٦٥ و ١١٢ و ١٥٦، والبخاري ١/ ١٦٥ - ١٦٦ (٦٤٥)، ومسلم ٢/ ١٢٢ (٦٥٠) (٢٤٩)، والنسائي ٢/ ١٠٣ وفي "الكبرى "، له (٩١١) ط. العلمية و (٩١٣) ط. الرسالة، وأبو عوانة ١/ ٣٥٠ (١٢٤٩)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١١٠٠) و (١١٠١) وفي (تحفة الأخيار) (٧٥٦) و (٧٥٧)، وابن حبان (٢٠٥٢) و (٢٠٥٤)، والبيهقي ٣/ ٥٩، والبغوي (٧٨٤) و (٧٨٥) كلهم من طريق مالك، عن نافع، به. وأما حديث أيوب فأخرجه: البيهقي ٣/ ٥٩ من طريقه عن نافع، به. هذا هو الثابت عن عبد الله بن عمر في هذا الحديث أنَّها (سبعٌ وعشرونَ درجةً) وقد رواه بعضهم بلفظ: (بضعٍ وعشرينَ).

стр. 1126

أخرجه: مسلم ٢/ ١٢٣ (٦٥٠) (٢٥٠) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به بلفظ: (بضعاً وعشرين). وأخرجه: مسلم ٢/ ١٢٣ (٦٥٠) (٢٥٠) من طريق الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، به مثل رواية محمد بن عبد الله بن نمير. ولفظة: (بضع) (١) تصدق على (السبع) كما هو معلوم، قال الحافظ ابن حجر: «وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان، عن نافع بلفظ: (بضع وعشرين) فليست مغايرة لرواية الحفاظ، لصدق البضع على السبع» (٢). لكن روى بعضهم حديث ابن عمر ﵄ وفيه (خمس وعشرين) وفي ثبوتها عنه نظر. فقد أخرج عبد الرزاق الحديث (٢٠٠٥) عن عبيد الله بن عمر بإسناده وفيه: (خمس وعشرون درجة) وعلّق محققُ " المصنَّف " الشيخ حبيب الرحمان الأعظمي على (عبيد الله) بقوله: «كذا في الأصل» وسبب ذلك أنَّ الحافظ ابن حجر، قال: « .. إلا ما وقع عند عبد الرزاق، عن عبد الله العمري، عن نافع، فقال فيه: (خمس وعشرون)، لكن العمري ضعيف .. » (٣). فإن صحّ ما قاله الحافظ ابن حجر فلا اعتداد بهذه الرواية؛ لأنَّ العمريَّ ضعيفٌ كما قال (٤)، وإن صحّ ما وقع في أصل مطبوع " المصنَّف " فهي مخالفة من عبد الرزاق لأصحاب عبيد الله الثقات الأثبات الذين تقدم ذكرهم، ولا شك في أنَّ رواية الجماعة هي المحفوظة لا سيما وقد توبعوا عليها متابعة قاصرة. وأخرجه: أبو عوانة ١/ ٣٥٠ (١٢٥١) قال: حدثنا الحارثي، قال:

стр. 1127

حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، به وفيه (خمس وعشرون درجة)، وهو كذلك في " إتحاف المهرة " ٩/ ١٦٤ (١٠٧٩٣). قال الحافظ ابن حجر: «وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب نافع، وإنْ كان راويها ثقة» (١). فتبين أنَّ الثابت من حديث ابن عمر ذكْرُ (سبع وعشرين درجة)، وأنَّ لفظ: (خمساً وعشرين) لا يصح عنه. وقد صح ذكر لفظ: (خمس وعشرين) عن عددٍ من الصحابة، ولم يقل أحدٌ منهم: (سبعاً وعشرين). قال الحافظ ابن حجر: «وأما غير ابن عمر فصحّ عن أبي سعيد (٢) وأبي هريرة (٣) … وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة (٤)، وعن أُبيِّ بن كعب عند ابن ماجه والحاكم (٥)، وعن عائشة [و] (٦) أنس عند … السراج (٧)، وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني (٨)، واتفق الجميعُ على (خمس وعشرين) سوى رواية أُبيّ،

стр. 1128

فقال: (أربع أو خمس) على الشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها: (سبع وعشرون)، وفي إسنادها شريك القاضي وفي حفظه ضعف، … فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع إذ لا أثر للشك … » (١). قلت: أما حديث أبي هريرة: فقد رواه سلمان الأغر، وأبو سلمة بن عبد الرحمان، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: (خمس وعشرين). أخرج حديث سلمان: أحمد ٢/ ٢٧٣ و ٤٧٥، ومسلم ٢/ ١٢٢ (٦٤٩) (٢٤٧) و (٢٤٨). وأخرج حديث أبي سلمة: أحمد ٢/ ٢٦٦ و ٥٠١. وأخرج حديث سعيد بن المسيب: مالك في " الموطأ " (٣٤٢) برواية الليثي و (٣٢٣) برواية أبي مصعب الزهري، ومسلم ٢/ ١٢١ - ١٢٢ (٦٤٩) (٢٤٥) و (٢٤٦). وأخرج حديث أبي سلمة وسعيد (مقرونين): البخاري ١/ ١٦٦ (٦٤٨) و ٦/ ١٠٨ (٤٧١٧)، ومسلم ٢/ ١٢٢ (٦٤٩) (٢٤٦) وغيرهما. ورواه شريك عن أشعث بن سليم، عن أبي الأحوص، عن أبي هريرة بثلاثة ألفاظ أحدها: (سبعاً وعشرين)، والثاني: (سبعاً وعشرين أو خمساً وعشرين)، والثالث: (خمس وعشرين). أخرجها: أحمد ٢/ ٣٢٨ و ٤٥٤ و ٥٢٥ على التوالي. ولا ريب أنَّ لفظ: (سبعاً وعشرين) شاذ؛ لمخالفة رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة ﵁. قال الترمذي عقب (٢١٥): «وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس بن مالك. حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.

стр. 1129

هكذا روى نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «تَفْضلُ صَلاةُ الجميعِ على صلاةِ الرَّجلِ وحدَهُ بسبعٍ وعشرينَ درجةً»، وعامة من روى عن النَّبيِّ ﷺ إنَّما قالوا: (خمس وعشرين) إلا ابن عمر فإنَّه قال: (بسبع وعشرين)». ثم ساق حديث أبي هريرة المتقدم بلفظ: (بخمسة وعشرين جزءاً) ثم قال: «هذا حديث حسن صحيح». وقال ابن خزيمة عقب (١٤٧٠) بتحقيقي بعد إخراجه حديث ابن مسعود بلفظ: (بخمس وعشرين): «وهذه اللفظة من الجنس الذي أعلمتُ في كتاب الإيمان أنَّ العرب قد تذكر العدد للشيء ذي الأجزاء والشعب من غير أنْ تريد نفياً لما زاد على ذلك العدد، ولم يرد النَّبيُّ ﷺ بقوله: (خمساً وعشرينَ) أنَّها لا تفضل بأكثر من هذا العدد، والدليل على صحة ما تأولت … » ثم ساق حديث ابن عمر المتقدم بلفظ: (سبعاً وعشرين درجة) (١). وقال الحافظ ابن حجر: « .. فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع، إذ لا أثر للشك، واختلف في أيهما أرجح فقيل: رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع لأنَّ فيها زيادة من عدل حافظ» (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أمثلة غير هذا المثال على زيادة صحابي على

стр. 1130

صحابة آخرين (١). تنبيه: زيادة الثقة على روايات الضعفاء: ما ذكر آنفاً من تفصيل القول في زيادة الثقة، هو فيما يتعلق بزيادته على الثقات - كما مر حده آنفاً - أما إذا زاد الثقة على الضعفاء ولم تكن ثمة علة في روايته، فزيادته مقبولة. وهذا أمرٌ لا خلاف فيه؛ إذ لا تُعلُّ روايةُ الثقات برواية الضعفاء، والثقة الحافظ حجة على غير الثقات ولو كثر عددهم. أما زيادة الضعيف فهي مردودة؛ لأنَّ حديثه مردود أصلاً زاد أم لم يزد - كما تقدم -. أقسام زيادة الثِّقَة تنقسم الزيادة على قِسْمَيْن: الأول: الزيادة في السَّنَد: كثيراً مَا يَكُون اختلاف الرواة في وصل الحَدِيْث وإرساله، وفي رفعه ووقفه والمزيد في متصل الأسانيد (٢). وسيأتي الكلام في النوع الثاني من العلل المشتركة (الاضطراب) عن تعارض الوصل والإرسال، والرفع والوقف، وغيرهما. وأما المزيد في متصل الأسانيد: فهو أنْ يروي الراوي حديثاً يقع له بإسنادين: عالٍ ونازل، علماً أنَّ شيخه في الإسناد العالي يكون شيخ شيخه في الإسناد النازل.

стр. 1131

وشرطه: أنْ يأتي الراوي بصيغة سماع من ذلك الشيخ في الإسناد العالي، فإن لم يأت بذلك وأتى في الإسناد العالي معنعناً كان النازل مُعِّلاً له، فإذا وقع إسناد هكذا فهو ما يسمى المزيد في متصل الأسانيد. ويعتبر في الإسناد العالي بعض الأمور منها: ١ - صحة الإسناد إلى الراوي. ٢ - التثبت من الصيغة التي قالها، فقد جاءت بعض الأحاديث بصيغة سماع صريحة ثم تبين فيما بعد أنَّ تلك الصيغة إنَّما هي محض وهم. ويتفرع من الزيادة في السند أمور منها: ١ - الزيادة من غير الثقة، وهي ليست مجال بحثنا. ٢ - قد يكون صاحب الزيادة له كتب مسندة. فإن وُجدت الزيادة في كتبه كانت أحرى بالقبول أو تفيد الباحث في ترجيح الروايات، فإن الرواية من كتاب، تكون أرجح من غيرها. ٣ - قد لا يكون للراوي كتاب فعند ذلك ينظر في القرائن المحيطة بروايته. وأثار أحد الباحثين مسألة قال: «فماذا لو جاء الإسناد في موضع يقول فيه الثقة مثلاً: (حدثنا حماد)، ويأتي في مكان آخر يقول فيه ذلك الثقة: (حدثنا حماد بن زيد)، فهل تكون زيادة (ابن زيد) مدرجة من قول من حدّث بذلك الإسناد عن ذلك الثقة؟ أم هي من زيادة الثقة، يحفظ الزيادة في الإسناد كما يحفظ الزيادة في المتن، يذكرها بعض الرواة عنه ولا يذكرها بعضهم؟» فأجاب عنها قال: «بل هي زيادة ثقة محفوظة كجزء من روايته، لا تنسب إلى غير ذلك الثقة المحدِّث بها عن ذلك الشيخ المهمَل، ولا يُدَّعى عليها الإدراج إلا بحجة تفسره، أو شُبهة قوية تقوم دون التسليم بقبولها» (١).

стр. 1132

الثاني: الزيادة في المتن: وهي أنْ يروي أحد الرواة زيادة لفظ أو جملة في متن الحديث لا يرويها غيره. وهذا القسم لا يقل شأناً عن سابقه؛ لأنَّه يبحث في كلام النبي ﷺ ، فقد يزاد في كلامه ﷺ ما ليس منه، كأنْ يدرج بعض الرواة في كلامه ﷺ أو يزيد فيه لفظاً نتيجة خطأ من الراوي، فلذلك أولى المحدّثون هذا الجانب من علوم الحديث جل اهتمامهم، وأفرغوا في تحصيله الوسع، وأسهبوا في تمييز أقوال نبيهم ﷺ وأفعاله وتقريراته من أقوال غيره وأفعالهم. من هو الثقة؟ كثيراً ما نجد في كتب الحديث اصطلاح: (زاد فلان كذا والزيادة من الثقة مقبولة) أو: (رفعه فلان وهو ثقة) وغير ذلك من العبارات التي تفضي إلى أنَّ أحد الثقات قد أغرب عن بقية الثقات بزيادة ما. وقد اختلف العلماء في حكم حديث على هذه الشاكلة. فبعضهم رده وأعله بالمخالفة، وبعضهم قبله تحت ذريعة قبول زيادة الثقة. ولكن هل كل ثقة تقبل زيادته؟ فلو اطّرد هذا القبول لما بقي حديث على وجه الأرض اختلف الحفاظ فيه بأمر ما، إلا وكانت الزيادة راجحة والأخرى مرجوحة؛ لأنَّ عدد الثقات كبير والحمد لله، بل قال الذهبي: «وحصر الثقات في مصنف كالمتعذّر» (١) إذن فقيد الثقة يجب أن يقيد بقيد آخر، وهذا القيد بيّنه الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف طيب الله ثراه، فقال: « … ولذلك نجد الدارقطني يقول أحياناً: فلان ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، وهو بالضرورة لا يعني آحاد الثقات الذين لا يتميزون بمزيد تثبت وإتقان، أو بمزيد حفظ، أو بأصحية كتاب، أو بطول ملازمة للشيخ .. ألخ، بل يقصد الحفاظ المبرّزين في الحفظ والإتقان. ولو كان الأمر كما قال الحاكم - عفا الله تعالى عنه - ما استحق علم علل الحديث أنْ يوصف بأنَّه أوعر وأدق علومه على الإطلاق،

стр. 1133

بحيث لا يقوم به ولا يطيقه إلا جهابذة النقاد وحذاقهم، ولما كان لتصنيف مثل ابن المديني والنسائي والبرديجي وابن رجب (أصحاب فلان) من المشاهير، وذكر طبقاتهم ومعرفة المقدم والمؤخر، بل والثقة المضعف في شيخ من الشيوخ - كبير فائدة، بل لاستوى المبتدئ في هذا العلم مع الناقد الجهبذ لو علم فقط من مثل " تقريب التهذيب " أنَّ فلاناً من الرواة ثقة، وأنَّ مخالفيه أيضاً ثقات بعد اجتماع وجوه الاختلاف عنده بالحاسوب مثلاً، ولذلك نجد المذهب الذي انتصر له الحاكم، (وسيأتي مثله عن الإمام النووي ﵏ جميعاً) (١) لم يأخذ به إلا المتسمحون أمثال ابن حبان، والضياء المقدسي بحيث صححوا عشرات الأحاديث المعلولة إسناداً أو متناً» (٢). ومما يزيد في مراد الدارقطني بالثقة ما نقله الحافظ عن سؤالات السلمي (٣) أنَّ الدارقطني سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات قال: «ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته أو ما جاء بلفظة زائدة، فتقبل تلك الزيادة من متقن، ويحكم لأكثرهم حفظاً وثبتاً على من دونه» (٤). ثم نقل الحافظ عنه أنَّه رد زيادة زادها يحيى بن أبي كثير - وهو من هو في الضبط والإتقان -. وتدخل في هذا المطلب أيضاً زيادات غير الثقات، وهذه قال عنها الحافظ: «وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ، ولا متقن، فإنَّها لا يلتفت إليها» (٥). وكذا لو وثّق بعض أهل العلم راوٍ ما، والجمهور على تضعيفه أو

стр. 1134

أنَّه دون الثقة، فحكمه حكم ما قاله الحافظ، إذ إنَّ هذا النوع من علوم الحديث يبحث في زيادات الثقات حصراً دون غيرهم. والباحث في كتب أهل الاصطلاح سيجدهم يَخصّون بالذِّكر الثقةَ عمن سواه، وإنما نقلت كلام الشيخ محمد عمرو لأنه فصّل إجمال كلام أهل العلم، والله أعلم. ويدخل في هذا المبحث أيضاً ما إذا كان الراوي ثقة وله كتب مصنفة، وزاد في حديث ما زيادة، واطلع على هذه الزيادة في أحد كتبه، ففي تلك الحالة تكون الزيادة مترجحة بإحدى قرائن القبول (١). ومن الجدير بالذكر أنَّ أهل العلم فرقوا في مسألة الزيادة قال الحافظ: «ونقل الحافظ العلائي عن شيخه ابن الزملكاني أنَّه فرق بين مسألتي تعارض الوصل والإرسال، والرفع والوقف، بأنَّ الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل، وليس الرفع زيادةً في المتن فتكون علة، وتقرير ذلك أنَّ المتن إنَّما هو قول النبيِّ ﷺ ، فإذا كان من قول صحابيٍّ فليس بمرفوع فصار منافياً له؛ لأنَّ كونه من قول الصحابي منافٍ لكونه من كلام النبيِّ ﷺ ، وأما الموصول والمرسل فكل منهما موافق للآخر مع كونه من كلام النبي ﷺ ، قال العلائي: وهذه التفرقة قد تقوى في بعض الصور أكثر من بعض، فأما إذا كان الخلاف

стр. 1135

في الوقف والرفع على الصحابي بأنْ يرويه عنه تابعي مرفوعاً، ويوقفه عليه تابعي آخر، لم يتجه هذا البحث لاحتمال أنْ يكون حين وقفه أفتى بذلك الحكم، وحين رفعه رواه إلا أنْ يتبين أنَّهما مما سمعاه منه في مجلس واحدٍ فيفزع حينئذ إلى الترجيح، والله أعلم» (١). وما دمتُ قدمتُ إضاءة عن زيادة الثِّقَة، فسأتكلم عن مذاهب العُلَمَاء في رد زيادة الثِّقَة أو قبولها.

стр. 1136

حكم زيادة الثقة كثر الحديث والنزاع في مسألة زيادة الثقة، وذكر ابن الصلاح والعراقي وغيرهما فيها مذاهب عدة، بعضها لا يعرفها أهل الحديث، بل هي مأخوذة من كلام الفقهاء والمتكلمين (١). والزيادة إذا جاءت من الثِّقَة فَلَا تخرج الرِّوَايَة عن ثلاثة أمور: أ - اختلاف مجلس السماع. ب - إشكال الحال. ج - اتحاد مجلس السماع. وسأفصّل هذه الأمور، وأذكر كلام أهل العلم فيها (٢). أ. اختلاف مجلس السماع: أن يختلف مجلس السَّمَاع فتقبل الزيادة لاحتمال سَمَاع الرَّاوِي لها في مجلس لَمْ يَكُنْ فِيهِ أحدٌ مِمَّنْ سَمِعَ الحَدِيْث في المجلس الأول، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: «وزعم الإبياري وابن الحاجب والهندي وغيرهم أَنَّهُ لا خِلَاف في هَذَا القِسْم، وَلَيْسَ كَذلِكَ» (٣). ب. إشكال الحال: أن لا يعلم هَلْ تعدد المجلس أو اتحد؟ فعند أبي الحسن الإبياري قبولها بلا خلاف، وَقَالَ الآمدي: «حكمه حكم المتحد وأولى بالقبول؛ نظراً إِلَى احتمال التعدد»، وذهب أبو الْحُسَيْن (٤) إلى التوقف والرجوع إلى الترجيح ثُمَّ قَالَ: «والصَّحِيح أنَّه يَجِبُ حمل الخبرين عَلَى أنهما جريا في مجلسين … » وَقَالَ ابن دقيق العيد: «قِيلَ: إن احتمل تعدد المجلس قبلت الزيادة اتفاقاً» (٥).

стр. 1137

ج. اتحاد مجلس السماع: أما إذا اتحد المجلس فَقَد اختلف في قبول الزيادة عَلَى أقوال، مِنْها:- تقبل مطلقاً سَوَاء كَانَت الزيادة من الرَّاوِي بأن يرويها مرة ويتركها مرة أو من غيره، وسواء تعلق بِهَا حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقصاً ثبت بخبر لَيْسَ فيه تِلْكَ الزيادة أم لا، وسَوَاء كثر الساكتون عَنْهَا أم لا، وهذا مَا ذهب إِليهِ جُمْهُور الفُقَهَاء والمُحَدِّثِيْنَ والأصوليين كَمَا صرّح بِذَلِكَ الْخَطِيْب (١). وَقَالَ السخاوي: «وجرى عليه النووي في مصنفاته، وهو ظاهر تصرف مسلم في "صحيحه "» (٢) - أعني قبول الزيادة من الثقة مطلقاً -، وقد اختار الشيخ محيي الدين النووي ما حكاه الخطيب (٣)، وَهُوَ أيضاً مَا ذهب إِليهِ ابن حبان (٤)، والحَاكِم (٥)، وابن حزم (٦)، و أَبُو إسحاق (٧) الشيرازي (٨)، وإمام

стр. 1138

الحرمين (١)، والغزالي (٢)، وابن الصَّلاح (٣)، وغيرهم (٤) وذهبوا إلى أن الرَّاوِي إذا انفرد برواية خبر واحد دُوْنَ الثقات قُبِلَ ذَلِكَ الخبر مِنْهُ، فكذلك الزيادة؛ لأَنَّهُ عدل وقد أُجيب عن حجتهم هذه، قال العلائي: «وبتقدير أن يكون هذا الراوي تفرده بالحديث من أصله مقبولاً إما صحيحاً أو حسناً، فالفرق بين ذلك وبين تفرده بالزيادة أن تفرده بالحديث من أصله لا يطرق الوهم والغفلة إلى غيره من الثقات ولا مخالفة في روايته لهم بخلاف تفرده بالزيادة إذا كان فيه مخالفة لمن هو أولى بالحفظ منه أو أكثر عدداً، فإن الظن مرجح لقولهم دونه، هذا ما لا ريب فيه، وخصوصاً إذا اتحد المجلس» (٥)، وقال ابن حجر: «ثم إنَّ الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر؛ لأنَّ تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم،

стр. 1139

بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً وأكثر عدداً، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن» (١). وعند تأمل صنيع النقاد نجدهم أعلوا أحاديث بزيادات من طرق بعض الثقات لم يقفوا عليها عند غيرهم، بل إن بعض الرواة تكلم فيهم لأجل زيادات في أحاديثهم، وكما مر كلام الإمام أحمد في حجاج بن أرطاة، وهذا الإمام مسلم شرط في قبول الزيادة أن يكون راويها ممن لم يكثر الوهم في حفظه (٢)، فانظر رحمك الله إلى وعورة شرط مسلم في هذا الباب، وكم من حديث أعله في صحيحه بزيادة وقعت في روايات بعض الثقات، أو توقف عن تخريجه في صحيحه (٣) ولو تتبعنا نقد النقاد للأحاديث لوجدنا ابن مهدي والقطان وأحمد وابن معين وابن المديني ومسلماً والبخاري وأبا حاتم وأبا زرعة وأبا داود والترمذي والعقيلي وابن عدي والدارقطني ردوا اعتبار الترجيح لزيادات رواة لا ينزلون عن مرتبة الثقة (٤)، وبعد هذا كله أنى للخطيب أن ينقل إجماع المحدثين على قبول الزيادات بلا قيد؟ بل إنَّه أسهب في حكايته للإجماع فأطلقه بلا اعتبار لشروط من شرط القبول أو مخالفيهم في قبول الزيادة سيما من المتأخرين. ٢ - لا تقبل الزيادة مطلقاً (٥) وهذا مَا نقل عن معظم الحنفية، وعزاه السمعاني لبعض أهل الحَدِيْث، وَقَالَ الشَّافِعيُّ: «من تَناقُض القَوْل الجمع بَيْنَ

стр. 1140

قبول رِوَايَة القِرَاءة الشاذة في القُرْآن وردّ الزيادة الَّتِي ينفرد بِهَا بَعْض الرواة، وحق القُرْآن أن ينقل تواتراً بخلاف الأخبار، وما كَانَ أصله التواتر وقُبل فِيهِ زيادة الواحد، فلأن يقبل فيما سواه الآحاد أولى» وحكاه الْقَاضِي عَبْد الوهّاب، عن أبي بَكْر الأبْهري وغيره من أصحابهم (١). ٣ - لا تقبل من الثِّقَة إذا كَانَتْ من جهته، أي: أَنَّهُ رَواهُ ناقصاً ثُمَّ رَواهُ بالزيادة، وتقبل من غيره من الثِّقات، وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة من الشافعية كَمَا حكاه الخطيب (٢). ٤ - ذهب ابن دقيق العيد إلى أَنَّهُ إذا اتحد المجلس فالقول للأكثر، سَوَاء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم، تغليباً لجانب الكثرة فإنَّها عن الخطأ أبعد، فإن استووا قُدِّمَ الأحفظ والأضبط، فإن استووا قُدِّمَ المثبِت عَلَى النافي، وَقِيلَ: النافي؛ لأنَّ الأصل عدمها. والتحقيق أنَّ الزيادة إن نافت المزيد عَلَيْهِ احتيج للترجيح لتعذر الجمع، وإن لَمْ تنافه لَمْ يحتج إلى الترجيح، بَلْ يعمل بالزيادة إذا أثبتت كَمَا في المطلق والمقيد (٣). قَالَ أبو نصر بن الصباغ (٤): «إذَا رَوَى خبراً واحداً راويان فذكر أحدهما زيادة في خبره لَمْ يروها الآخر نظرت، فإن رويا ذَلِكَ عن مجلسين كَانَا خبرين وعمل بهما، وإن رويا ذَلِكَ عن مجلس واحد فَهُوَ خبر واحد، فإن كَانَ الَّذِي نقل الزيادة واحداً والباقون جَمَاعَة لا يجوز عَلَيْهِم الوهم، سقطت

стр. 1141

الزيادة؛ لأَنَّهُ لا يجوز أن يَسْمَع جَمَاعَة كلاماً واحداً فيحفظ الواحد ويهم الجماعة، وإن كَانَ الذين نقلوا الزيادة عدداً كبيراً، فالزيادة مقبولة، وإن كَانَ الَّذِي رَوَى الزيادة واحداً، والذي سكت عَنْهَا واحداً أيضاً، فإن كَانَ الَّذِي رَوَى الزيادة معروفاً بقلة الضَّبْط كَانَ مَا رَواهُ المعروف بالضبط أولى، وإن كَانَا ضابطين ثقتين كَانَ الأخذ بالزيادة» (١). وَقَالَ الآمدي (٢): «فإن كَانَ من لَمْ يرو الزيادة قَدْ انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سَمَاع تِلْكَ الزيادة وفهمها، فَلَا يخفى أنَّ تطرق الغلط و السهو إلى واحد فِيْمَا نقله من الزيادة يَكُون أولى من تطرق ذَلِكَ إلى العدد المفروض فيجب ردها، وإن لَمْ ينتهوا إلى هَذَا الحد فَقَدْ اتفق جَمَاعَة الفُقَهَاء والمتكلمين عَلَى وجوب قبول الزيادة، خلافاً لجماعة من المُحَدِّثِيْنَ … ولأحمد بن حَنْبَل في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ» (٣). وذهب إلى هَذَا القَوْل ابن الحاجب والقرافي وغيرهما (٤)، وَقَالَ أبو الخطاب الكلوذاني: «إن كَانَ ناقل الزيادة جَمَاعَة كثيرة فالزيادة مقبولة والواحد قَدْ وهم، وإن كَانَ راوي الزيادة واحداً وراوي النقصان واحداً، قدّم أشهرهما بالحفظ والضَّبْط والثِّقَة، وإن كَانَا سواءً في جَمِيْع ذَلِكَ فذكر شَيْخُنَا (٥) عن أحمد رِوَايَتَيْنِ: أحدهما (٦): أن الآخذ بالزيادة أولى، قَالَهُ في رِوَايَة أحمد بن القاسم [و] (٧)

стр. 1142

الميموني (١)، وبه قَالَ عامة الفُقَهَاء والمتكلمين. والأخرى: الزيادة مطرحة، أومأ إليه في رِوَايَة المروذي وأبي طالب، وبه قَالَ جَمَاعَة من أصحاب الحَدِيْث. وَلَيْسَ هذِهِ الرِّوَايَة في هذِهِ الصورة، وإنما قالها أحمد في جَمَاعَة رووا حديثاً انفرد أحدهم بزيادة، فرجح رِوَايَة الجماعة، فأما فِيْمَا ذكرنا من هذِهِ الصورة فَلَا أعلم عَنْهُ مَا يدل عَلَى اطراح الزيادة» (٢). ٥. إذَا كَانَت الزيادة تغير إعراب الباقي كانا متعارضين فتردُّ الزيادة، وَهُوَ مَا ذهب إِليهِ الأكثرون كَمَا حكاه الهندي (٣)، وَقَالَ الرازي: «الراوي الواحد إذَا رَوَى الزيادة مرة وَلَمْ يروها غَيْر تِلْكَ المرة، فإن أسندهما إلى مجلسين قبلت الزيادة، سَوَاء غيرت إعراب الباقي أو لَمْ تغير، وإن أسندهما إلى مجلس واحد، فالزيادة إن كَانَتْ مغيرة للإعراب تعارضت روايتاه كَمَا تعارضتا من راويين، وإن لَمْ تغير الإعراب فإما أن تَكُون روايته للزيادة مرات أقل من مرات الإمساك أو بالعكس، أو يتساويان: فإن كَانَتْ مرات الزيادة أقل من مرات الإمساك: لَمْ تقبل الزيادة؛ لأنَّ حمل الأقل عَلَى السهو أولى من حمل الأكثر عَلَيْهِ، اللهم إلا أنْ يَقُول الرَّاوِي: إني سهوت في تِلْكَ المرات وتذكرت في هذِهِ المرة، فهاهنا يرجح المرجوح عَلَى الراجح لأجل هَذَا التصريح، وإن كَانَتْ مرات الزيادة أكثر: قبلت لا محالة … و أما إن تساويا قبلت الزيادة لما بيّنا: أنَّ هَذَا السهو أولى من ذَلِكَ، واللهُ أَعْلَمُ» (٤).

стр. 1143

وقبلها الْقَاضِي عَبْد الجبار (١) إذَا أثّرت في المَعْنَى دُوْنَ اللفظ، وَلَمْ يقبلها إذَا أثّرت في إعراب اللفظ. (٢) ٦. إنَّها لا تقبل إلا إذَا أفادت حكماً شرعياً، فإذا لَمْ تفد حكماً شرعياً لَمْ تعتبر، حكاه الْقَاضِي عَبْد الوهّاب، فَقَالَ: «وَقِيلَ: إنَّما تقبل إذَا اقتضت فائدةً جديدةً» (٣). ٧. إنها تقبل إذَا رجعت إلى لفظ لا يتضمن حكماً زائداً كَمَا حكاه ابن القشيري (٤)، أو كَانَتْ في اللفظ دُوْنَ المَعْنَى كَمَا حكاه الْقَاضِي أبو بكر (٥). ٨. الوقف؛ لأن في كُلّ واحد من الاحتمالات بعداً، والأصل وإن كَانَ عدم الصدور، لَكِن الأصل أيضاً صدق الرَّاوِي، وَإِذَا تعارضا وجب التوقف، حكاه الهندي (٦). ٩. إذَا كَانَ راوي الزيادة ثِقَة وَلَمْ يشتهر بنقل الزيادات، ولكن كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى طريق الشذوذ (٧) قبلت، كرواية مَالِك «من المُسْلِمِيْنَ» (٨) في صدقة الفطر، وإن اشتهر بكثرة الزيادات مَعَ اتحاد المجلس وَلَمْ يَكُنْ هناك امتياز بسماع فاختلفوا فِيهِ، فمذهب الأصوليين قبول زيادته، ومذهب المُحَدِّثِيْنَ ردها

стр. 1144

للتهمة، قَالَهُ أَبُو الحَسَن الإبياري (١). ١٠. قَالَ الْقَاضِي عَبْد الوهّاب المالكي: «إذَا انفرد بَعْض رواة الحَدِيْث بزيادة وخالفهم بقية الرواة، فعن مَالِك وأبي فرج من أصحابنا تقبل إن كَانَ ثِقَة ضابطاً (٢). وَقِيلَ: إنَّهَا تقبل إذَا كَانَ راويها حافظاً عالماً بالأخبار، فإذا لَمْ يَكُنْ يلحق من لَمْ يَرْوِ الزيادة بالحفظ لَمْ تقبل وَهُوَ قَوْل ابن خزيمة (٣). واشترط الْخَطِيْب أن يَكُون راوي الزيادة حافظاً متقناً (٤)، وَقَالَ الصَّيْرَفِيّ: «إنَّ كُلَّ من لَوْ انفرد بحديث يقبل، فإنَّ زيادته مقبولة وإن خالف الحفاظ» (٥). ١١. قَالَ ابن حبان: «وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئاً مِنْها إلا عن من كَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه، حَتَّى يعلم أَنَّهُ كَانَ يَرْوِي الشيء ويَعْلَمه حَتَّى لا يُشك فِيهِ أَنَّهُ أزاله عن سننه أو غيّره عن معناه أم لا؛ لأنَّ أصحاب الحَدِيْث الغالب عَلَيْهِمْ حفظ الأسامي والأسانيد دُوْنَ المتون، والفُقَهَاء الغالب عَلَيْهِمْ حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دُوْنَ حفظ الأسانيد وأسماء المُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدّث خبراً، وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه لَمْ أقبل رفعه إلا من كِتَابه؛ لأَنَّهُ لا يعلم المُسْنَد من المُرْسَل، وَلَا المَوْقُوْف من المُنْقَطِع، وإنَّما همته إحكام المَتْن فَقَطْ، وَكَذَلِكَ لا أقبل عن صاحب حَدِيث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأنَّ الغالب عَلَيْهِ إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون ومَا فِيْهَا من الألفاظ إلا من كتابه، هَذَا هُوَ الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ» (٦). ١٢. ذهب الزَّرْكَشِيّ إلى أنَّ الزيادة تقبل بشروط وَهِيَ:

стр. 1145

أ. أن لا تَكُون منافية لأصل الخبر. ب. أن لا تَكُون عظيمة الوقع بحيث لا يذهب عن الحاضرين علمها ونقلها، و أما مَا يجل خطره فبخلافه. ج. أن لا يكذبه الناقلون في نقل الزيادة. د. أن لا يُخَالِف الأحفظ والأكثر عدداً فإنْ خالف فظاهر كلام الشَّافِعيِّ-﵀ أنَّهَا مردودة فَقَالَ: «إنَّما يدل عَلَى غلط المحدّث أنْ يُخَالِفه غيره مِمَّنْ هُوَ أحفظ مِنْهُ أو أكثر مِنْهُ» (١). وَقَدْ عقّب العلائي عَلَى كلام الشَّافِعيّ هَذَا بقوله: «فأشار الشَّافِعيّ رَحْمةُ اللهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلى أنَّ هذِهِ الزيادة الَّتِي زادها مَالِك ﵀ في الحَدِيْث لَمْ يُخَالِف فِيْهَا من هُوَ أحفظ مِنْهُ وَلَا أكثر عدداً فَلَا يَكُون غلطاً، وَفِي ذَلِكَ إشارة ظاهرة إلى أنَّ الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ والأكثر عدداً أَنَّهَا تَكُون مردودة، وَلَمْ يفرق بَيْنَ بلوغهم إلى حد يمتنع عَلَيْهِم الغفلة والذهول وبين غيره، بَل اعتبر مطلق الأكثرية و (٢) الزيادة في الحفظ» (٣). ١٣. أما أئمة الحَدِيْث كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمان بن مهدي، وعلي بن المديني، وأحمد بن حَنْبَل، ويحيى بن معين، والبُخَارِيّ، والتِّرْمِذِي، والنَّسَائِيّ، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، والدَّارَقُطْنِيّ، وغيرهم كُلّ هَؤُلَاء يَقْتَضِي تصرفهم من الزيادة قبولاً ورداً الترجيح بالنسبة إلى مَا يقوى عِنْدَ الواحد مِنْهُمْ في كُلّ حَدِيث، وَلَا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جَمِيْع الأحاديث، وإنَّما يحكمون بما تدل عليه القرائن (٤). من هَذَا العرض يتبين أنَّ كثيراً من الفُقَهَاء والأصوليين وفريقاً من المُحَدِّثِيْنَ قَدْ أطلقوا القَوْل بقبول زيادة الثِّقَة، وجنحوا لِذلِكَ في كَثِيْر من

стр. 1146

الأحيان، و المرجوع إليه في مِثْل هذِهِ الأمور المُحَدِّثُوْنَ لا غيرهم، فَقَدْ كَانَ المُحَدِّثُوْنَ يحكمون عَلَى كُلّ رِوَايَة بما يناسبها، وهم المعوّل عَلَيْهِمْ في مَعْرِفَة أحكام زيادة الثِّقَة، فيجب الرجوع إليهم وحدهم لكونها من تخصصاتهم النقدية، وليست من تخصصات غيرهم. قال البقاعي: «لا نجد أحداً من أهل الفن إلا وقد قَبِلَ زيادة الثقات، ولو في مكان من الأماكن، فهم مُجمعون بهذا الاعتبار بالفعل، ولكنَّهم مختلفون في التفاصيل، فتجد هذا يقبل في مكان ولا يقبل فيه الآخر، ويقبل في آخر غيره، ومن تأمّل تصرفهم حق التأمل علم أنَّهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، ولكنَّهم دائرون في أفرادها مع القرائن، فتارة يرجّحون الوصل، وتارة الإرسال، وتارة رواية من زاد، وتارة رواية من نقص، ونحو ذلك، وهذا هو المعتمد، وهو فعل جهابذة النقد وأعلامهم» (١). ونَظَرُ المُحَدِّثِيْنَ يختلف في الحكم عَلَى الأحاديث؛ إِذْ إن زيادة الثِّقَة عندهم مِنْهَا ما هُوَ مقبول، ومنها مَا هُوَ مردود تبعاً للقرائن المحيطة بِهَا، والقرائن هِيَ الَّتِي تجعل الحكم مختلفاً من حَدِيْث لآخر، فمن القرائن مَا يدل عَلَى أنَّ الزيادة تَكُون أحياناً مدرجة في الحَدِيْث، أو أَنَّهَا من قَوْل أحد رُوَاة الإسناد أو من حَدِيث آخر. قَالَ الحَافِظ ابن حجر: «مَا تفرد بَعْض الرُّوَاة بزيادة فِيهِ دُوْنَ من هُوَ أكثر عدداً أو أضبط مِمَّنْ لَمْ يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل بِهِ، إلا إنْ كَانَتْ الزيادة منافية بِحَيْثُ يتعذر الجمع. أما إنْ كَانَتِ الزيادة لا منافاة فِيْهَا بِحَيْثُ تَكُون كالحديث المستقل فَلَا، اللَّهُمَّ إلا إنْ وضح بالدلائل القوية أنَّ تِلْكَ الزيادة مدرجة في المَتْن من كلام بَعْض رواته، فما كَانَ من هَذَا القِسْم فَهُوَ مؤثر» (٢). وربما تَكُون الزيادة غَيْر صَحِيْحَة لأمر آخر، لا يفصح عَنْهُ المحدّث كَمَا

стр. 1147

لا يستطيع أنْ يفصح الجوهري عن زيف الزائف (١). وربما قَبِلَ المُحَدِّثُوْنَ الزيادة الواقعة في بَعْض المتون أو الأسانيد لقرائن معينة ومرجحات خَاصَّة، وَهِيَ كثيرة، قَالَ العلائي: «ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلَا ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص. وإنما ينهض بِذَلِكَ الممارس الفطن الَّذِي أكثر من الطرق والروايات؛ ولهذا لَمْ يحكم المتقدمون في هَذَا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بَلْ يختلف نظرهم بحسب مَا يقوم عندهم في كُلّ حَدِيث بمفرده» (٢). وَقَدْ توهم من ظن أنَّ النقاد موقفهم واحدٌ في كُلّ الزيادات؛ إِذْ إنَّ النقاد إذَا كانوا قَدْ نصوا في بَعْض المناسبات عَلَى قبول زيادة الثِّقَة أو الأوثق، بحيث يخيل إلى القارئ المتعجل أنَّ موقفهم في ذَلِكَ هُوَ القبول المطلق، فَهُوَ تخيل غَيْر صَحِيْح، إِذْ إنَّ عمل النقاد المتمثل في رد الزيادة مرة وقبولها أخرى بغضِّ النظر عن حال الرَّاوِي الثِّقَة أو الأوثق يَكُون ذَلِكَ كافياً للتفسير بأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حكماً مطّرداً مِنْهُمْ، و إنَّما قبلوا في حال الرَّاوِي الثِّقَة الَّذِي زاد في الحَدِيْث زيادة بَعْدَ تأكدهم من سلامته من جَمِيْع الملابسات الدالة عَلَى احتمال الخطأ والوهم أو النسيان، ويؤكد هَذَا المَعْنَى الحَاكِم النيسابوري قائلاً: «الحجة فِيهِ عندنا الحفظ و الفهم والمَعْرِفَة لا غَيْر» (٣). لَكِن الخطيب - فِيْمَا أعلم - هُوَ أول المُحَدِّثِيْنَ في النقل عن الْجُمْهُور القول بقبول زيادة الثِّقَة ورجح ذَلِكَ فَقَالَ: «والَّذِي نختاره من هذِهِ الأقوال: أنَّ الزيادة الواردة مقبولة عَلَى كُلّ حال معمول بِهَا إذَا كَانَ راويها عدلاً ومتقناً ضابطاً» (٤). وَقَدْ ناقشه ابن رجب الحنبلي فِيْمَا استدل بِهِ فَقَالَ: «وقد صنف في ذلك

стр. 1148

الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه " تمييز المزيد في متصل الأسانيد " وقسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد وتركها. والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. ثم إنَّ الخطيب تناقض، فذكر في كتاب " الكفاية " للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنَّما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنَّه اختار أنَّ الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب " تمييز المزيد "، وقد عاب تصرفه في كتاب " تمييز المزيد " بعض محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب " الكفاية "، وذكر في " الكفاية " حكاية عن البُخَارِيّ: أَنَّهُ سُئل عن حَدِيث أبي إسحاق (١) في النكاح بلا ولي (٢) -قَالَ: الزيادة من الثقة مقبولة

стр. 1149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1152

وإسرائيل (١) ثِقَة. وهذه الحكاية - إن صحت - فإنَّما مراده الزيادة في هَذَا الحَدِيْث، وإلا فمن تأمل كِتَاب " تاريخ البُخَارِيّ " (٢) تبين لَهُ قطعاً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يرى أنَّ زيادة كُلّ ثِقَة في الإسناد مقبولة، وهكذا الدَّارَقُطْنِيّ يذكر في بَعْض المواضع: أنَّ الزيادة من الثِّقَة مقبولة، ثُمَّ يردّ في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثِّقات، ويرجح الإرسال عَلَى الإسناد (٣)، فدل عَلَى أنَّ مرادهم زيادة الثِّقَة في مِثْل تِلْكَ المواضع الخاصة، وَهِيَ إذَا كَانَ الثِّقَة مبرزاً في الحفظ» (٤) وهذا الكلام تحقيق جدٌ لصنيع جهابذة المُحَدِّثِيْنَ في الحكم عَلَى زيادة الثِّقَة؛ إِذْ إنَّ

стр. 1153

الَّذِي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هَذَا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقاً، وَلَا يردونها مطلقاً، بَلْ مرجع ذَلِكَ عندهم إِلَى القرائن والترجيح: فتقبل تارة وترد أخرى. ويتوقف فِيْها أحياناً؛ قَالَ الحافظ ابن حجر: «والمنقول عن أئمة الحَدِيْث المتقدمين - كعبد الرحمان بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حَنْبَل، ويَحْيَى بن معين، وعَلِيّ بن المديني، والبُخَارِيّ، وأَبِي زرعة الرازي، وأَبِي حاتم، والنَّسَائِيّ، والدَّارَقُطْنِيّ وغيرهم - اعتبار الترجيح فِيْمَا يتعلق بالزيادة وغيرها، وَلَا يعرف عن أحد مِنْهُم إطلاق قبول الزيادة» (١). وهذا هُوَ الصَّوَاب وَهُوَ الرأي المختار المتوسط الَّذِي هُوَ بَيْنَ القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بِهَا، وحسب مَا يبدو للناقد العارف بعلل الحَدِيْث وأسانيده وأحوال الرواة بَعْدَ النظر في ذَلِكَ. أما الجزم بوجه من الوجوه من غَيْر نظر إلى عمل النقاد فذلك فِيهِ مجازفة كبيرة: «فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، والصَّحِيح التفصيل وَهُوَ أَنَّهَا تقبل في مَوْضِع دُوْنَ موضع، فتقبل إذَا كَانَ الرَّاوِي الَّذِي رواها ثِقَة حافظاً ثبتاً، والَّذِي لَمْ يذكرها مِثْلَهُ أو دونه في الثِّقَة … ، وتقبل في مَوْضِع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذَلِكَ حكماً عاماً فَقَدْ غلط، بَلْ كُلّ زيادة لَهَا حكم يخصها» (٢). وهذه نماذج من زيادة الثِّقَة مَثَّل بها ابن الصَّلاح: الأول:- قَالَ ابن الصَّلاح-: «مثاله مَا رَواهُ مَالِك (٣)، عن نافع، عن

стр. 1154

ابن عمر: أنَّ رَسُوْل الله ﷺ فَرَضَ زَكاةَ الِفطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أو عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى من المسْلِمِين. فذكر أبو عيسى الترمذي أنَّ مالكاً تفرد من بَيْن الثِّقات بزيادة قوله: (مِنَ المُسْلِمِيْنَ) (١). وروى عبيد الله بن عُمَر، وأيوب، وغيرهما هَذَا الحَدِيْث، عن نافع، عن ابن عُمَر دُوْنَ هذِهِ الزيادة» (٢).

стр. 1155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1157

ورغم أن لفظة: (من المُسْلِمِيْنَ) لا تندرج تَحْتَ مَوْضُوْع زيادة الثِّقَة، و إنَّما ذكرناها لأنَّ ابن الصَّلاح مَثّل بِهَا. المثال الثَّانِي: - قَالَ ابن الصَّلاح -: «ومن أمثلة ذَلِكَ: حَدِيث: «جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِداً وَجُعِلَتْ تُرْبَتُها لَنَا طَهوراً» (١) فهذه الزيادة تفرد بِهَا أبو

стр. 1158

مَالِك: سعد بن طارق الأشجعي (١)، وسائر الروايات لفظها: «وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهوراً» (٢) فهذا وما أشبهه يُشبهُ القِسْم الأول من حَيْثُ إن مَا

стр. 1159

رَواهُ الجماعة عام، وما رَواهُ المنفرد بالزيادة مخصوص، وَفِي ذَلِكَ مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بِهَا الحكم، ويشبه أيضاً القِسْم الثَّانِي من حَيْثُ إنه لا منافاة بَيْنَهُمَا» (١). وهذا من الحافظ ابن الصَّلاح نظر دقيق عميق؛ إذَ لَيْسَ في الحَدِيْث زيادة ذكرها راوٍ لَمْ يذكرها بقية الرواة عن المدار نفسه واتحاد المخرج، إذ إنَّ أبا مَالِك قَدْ تفرد بجملة الحَدِيْث عن ربعي، وتفرد ربعي (٢) عن حذيفة بِهِ، إلا أنَّ في هَذَا الحَدِيْث زيادة عَلَى مَا ذكر في أحاديث أخر عن صحابة آخرين، وللحافظ ابن حجر تعقيب عَلَى صنيع ابن الصَّلاح فَقَدْ قَالَ: «هَذَا التمثيل لَيْسَ بمستقيم أيضاً؛ لأنَّ أبا مَالِك قَدْ تفرد بجملة الحَدِيْث عن ربعي بن حراش ﵁ كَمَا تفرد برواية جملته ربعي عن حذيفة ﵁. فإن أراد أنَّ لفظةَ (تُرْبَتَها) زائدة في هَذَا الحَدِيْث عَلَى باقي الأحاديث في الجملة، فإنَّه يرد عَلَيْهِ: أَنَّهَا في حَدِيث عَلِيّ رضي الله تعالى عنه أيضاً … وإنْ أراد: أنَّ أبا مَالِك تفرد بِهَا، وأنَّ رفقته عن ربعي ﵁ لَمْ يذكروها كَمَا هُوَ ظاهر كلامه، فليس بصحيح» (٣). مثال آخر للزيادة المقبولة بسبب كثرة الرواة: رَوَى عَبْد الأعلى (٤)، عن عبيد الله (٥) بن عُمَر، عن نافع: أنَّ

стр. 1160

عَبْد الله بن عُمَر كَانَ إذَا دَخَلَ في الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَع يَدَيهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. رَفَعَ (١) ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ إلى النَّبيِّ ﷺ . هكذا رَواهُ الإِمَام البُخَارِيّ (٢)، وابن حزم (٣)، من طريق عياش (٤)، ورواه أبو دَاوُد (٥)، والبيهقي (٦) من طريق نصر بن … عَلِيّ (٧)، ورواه البيهقي (٨)، والبغوي (٩) من طريق إسماعيل بن بشر بن … مَنْصُوْر (١٠). ثلاثتهم: (عياش، ونصر بن عَلِيّ، و إسماعيل بن بشر) رووه عن عَبْد الأعلى من هَذَا الوجه. وَقَدْ خولف عَبْد الأعلى في هَذَا الحَدِيْث مرتين: خولف في رفعه وخولف بذكر زيادة: «وَإِذَا قامَ منَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيهِ» (١١).
следующие страницы →