وقد ترد الزيادة ولا يؤخذ برواية الأكثر، وإنما يؤخذ برواية الأقل عدداً وحفظاً لقرائن أخرى تقوم لدى النقاد ويترجح بها رد تلك الزيادة، مثاله ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريِّ، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، قالتْ: قلت: يا رسول الله، إني أَشُدُّ ضَفْرَ رَأسِي أفأنقضُهُ لغُسلِ الجنابة؟ قال: «لا، إنَّما يكفيكِ أنْ تحْثي على رأسكِ ثلاثَ حَثياتٍ، ثمَّ تُفيضينَ (١) عليكِ الماءَ فَتَطهُرينَ».
أخرجه: عبد الرزاق (١٠٤٦)، ومن طريقه أبو عوانة ١/ ٢٥١ (٨٦٧) و ١/ ٢٦٣ (٩١٦)، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٦٥٧)، وأبو نعيم في
"المسند المستخرج " (٧٣٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن
عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
هذا الحديث فيه إسحاق بن إبراهيم وهو راوي المصنَّف عن عبد الرزاق، قال عنه ابن عدي في " الكامل " ١/ ٥٦٠: «استصغره عبد الرزاق، أحضره أبوه عنده وهو صغير جداً، فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق، أي: قرأ غيره، وحضر صغيراً وحدث عنه بحديث منكر»، وقال الدارقطني فيما نقله الذهبي في " ميزان الاعتدال " ١/ ١٨١ (٧٣١): «في رواية الحاكم: صدوق ما رأيت فيه خلافاً، إنَّما قيل: لم يكن من رجال هذا الشأن» وعندما سُئل هل يدخل في الصحيح؟ قال: «إي والله»، وقال الذهبي في المصدر نفسه
: «ما كان الرجل صاحب حديث، وإنَّما أسمعه أبوه واعتنى به، سمع من
عبد الرزاق
стр. 1262
تصانيفه وهو ابن سبع سنين أو نحوها، لكن روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، فوقع التردد فيها هل هي منه؟ فانفرد بها، أو هي معروفة مما تفرّد به عبد الرزاق».
وخولف الدبري في هذا.
فأخرجه: مسلم ١/ ١٧٨ (٣٣٠)(٥٨)، ومن طريقه ابن حزم في
"المحلى " ٢/ ٢٨ عن عبد بن حميد.
وأخرجه: البيهقي ١/ ١٨١ من طريق أحمد بن منصور الرماديّ (١).
كلاهما: (عبد بن حميد، وأحمد بن منصور) عن عبد الرزاق، عن الثوري، بهذا الإسناد بلفظ: إني أشدُ ضفرَ رأسي أفأنقضُهُ لغسلِ الحيضةِ والجنابة، بزيادة لفظة: الحيضة.
وهذه اللفظة تفرّد بها عبد الرزاق، عن الثوري ولم يتابعه عليها أحد، وهكذا رواه عبد الرزاق خارج المصنَّف بزيادة اللفظة المذكورة وفي مصنَّفه
بدونها.
إلا أنَّ عبد الرزاق توبع على روايته الأولى - أي رواية إسحاق عنه-.
فأخرجه: أحمد ٦/ ٣١٤ - ٣١٥، ومسلم ١/ ١٧٨ (٣٣٠)(٥٨)، وأبو عوانة ١/ ٢٥١ (٨٦٧) و ١/ ٢٦٣ (٩١٦)، وابن الجوزي في " التحقيق " (١١٥) من طريق يزيد بن هارون (٢).
وأخرجه: أبو عوانة ١/ ٢٦٤ (٩١٧) من طريق مخلد بن يزيد (٣).
وأخرجه: أبو نعيم في " المسند المستخرج " (٧٣٧) من طريق عمر بن علي.
ثلاثتهم: (يزيد، ومخلد، وعمر) عن الثوري، بالإسناد نفسه دون ذكر الحيضة.
стр. 1263
وتوبع الثوري على الرواية الأولى - من دون ذكر الحيضة -.
فأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٠٦) بتحقيقي، ومن طريقه أبو عوانة ١/ ٢٥٢ (٨٦٨) و ١/ ٢٦٣ (٩١٩)، وابن المنذر في " الأوسط " (٦٧٩)، والبيهقي ١/ ١٨١ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٢٧١)
ط. العلمية و (١٤٢٦) ط. الوعي، والبغوي (٢٥١).
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٧٩٧)، وإسحاق بن راهويه (٣٧)، والحميدي (٢٩٤)، وأحمد ٦/ ٢٨٩، وأبو داود (٢٥١)، وابن ماجه (٦٠٣)، والترمذي (١٠٥)، والنَّسائيُّ ١/ ١٣١ وفي " الكبرى "، له (٢٤٣)
ط. العلمية و (٢٣٨) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٦٩٥٧)، وابن الجارود (٩٨)، وابن خزيمة (٢٤٦) بتحقيقي، وأبو عوانة ١/ ٢٥٢ (٨٦٨) و ١/ ٢٦٤ (٩١٨) و (٩١٩)، وابن حبان (١١٩٨)، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٦٥٨)، والدارقطني ١/ ١١٣ ط. العلمية و (٤٠٦) ط. الرسالة، وأبو نعيم في " المسند المستخرج " (٧٣٦)، والبيهقي ١/ ١٧٨، وابن الجوزي في " التحقيق " (٢٥٩) من طريق سفيان بن عيينة (١).
وأخرجه: مسلم ١/ ١٧٩ (٣٣٠)(٥٨)، وأبو عوانة ١/ ٢٥٢ (٨٦٩) من طريق روح بن القاسم.
وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (١٨٢١) ط. العلمية و (١٨٤٢) ط. الحديث من طريق إبراهيم بن طهمان.
ثلاثتهم: (سفيان، وروح، وإبراهيم) عن أيوب بن موسى، به، دون ذكر الحيضة.
قال الترمذي: «هذا حديث حسنٌ صحيحٌ».
وفي هذا الحديث يتبين أنَّ قواعد الحديث ليست مطّردة، وذلك لكون رواية إسحاق بن إبراهيم الدبري ترجّحت على رواية اثنين من الثقات وهما عبد ابن حميد والرّمادي. علماً أنَّ الناظر للوهلة الأولى يرى أنَّ روايتهما هي
стр. 1264
الراجحة، ولكن كثرة المتابعات والاختلاف على عبد الرزاق جعلتنا نرجح الرواية الأولى، والله أعلم (١).
وقد ذهب لفيف من أهل العلم إلى رد رواية الحيضة.
فقال ابن القيم في " حاشيته على تهذيب سنن أبي داود " ١/ ١٢٩: «فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم، عن أيوب فاقتصر على الجنابة. واختلف فيه عن الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح، وقال
عبد الرزاق عنه: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أنَّ الثوريَّ لم يختلف عليه لرجحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟ ومن أعطى النظر حقه علم أنَّ هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث».
وقال ابن رجب في " فتح الباري " ٢/ ١١٠: «وهذه اللفظة - أعني لفظة الحيضة - تفرّد بها عبد الرزاق، عن الثوري وكأنَّها غير محفوظة، فقد رواها غير واحد عن الثوري فلم يذكروها، وقد رويت أيضاً هذه اللفظة من حديث سالم الخياط، عن الحسن، عن أم سلمة، وسالم ضعيف، والحسن لم يسمع من أم سلمة» (٢).
وقال الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " ١/ ١٦٨ (١٣٦): «ومن ذلك تبين أن ذكر الحيضة في الحديث شاذ لا يثبت؛ لتفرّد عبد الرزاق بها عن الثوري خلافاً ليزيد بن هارون عنه، ولابن عيينة وروح بن القاسم، عن أيوب ابن موسى فإنَّهم لم يذكروها» وقال نحو هذا في " الصحيحة " (١٨٩).
стр. 1265
قال ابن أبي حاتم في " العلل " (١٨٩): «سألت أبي عن حديث رواه الحسين بن حفص الأصبهاني، عن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي رافع، عن أم سلمة، قالتْ: قلتُ: يا رسول الله، إني امرأةٌ أَشُدُّ ضفرَ رأسي؛ أفأنقضُهُ منَ الجنابةِ؟ قال: «لا، إنَّما يكفيك ثلاثُ حَثيَاتٍ، ثم صُبِّي عليكِ الماءَ فتطهري». فسمعتُ أبي يقول: هذا خطأ، إنَّما هو سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع - مولى أم سلمة - عن أم سلمة، عن النَّبيِّ ﷺ ».
قلت: لا أدري ماذا يعني أبو حاتم بقوله: «هذا خطأ»؟! فإن كان يعني أنَّه عن أبي رافع، فإن أبا رافع هو نفسه عبد الله بن رافع (١).
قال ابن عبد الهادي المقدسي في " تعليقة على العلل لابن أبي حاتم ": ٢٨٤: «وفي قول أبي حاتم: «هذا خطأ» نظر، فإنَّ عبد الله بن رافع - مولى أمِّ سلمةَ - كنيتُه: أبو رافع، فبعضهم ذكرهُ باسمه، وبعضهم بكنيته. وقد ذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه - في كتابه (٢) -: أنَّ كنيتهُ أبو رافع، وأنَّ بعضهم قال فيه: (عبد الله بن أبي رافع) والصحيح (ابن رافعٍ) قاله أبو
زرعة، والله أعلم» انتهى كلامه.
وقال ابن حزم في " المحلى " ٢/ ٢٨ بعد رواية الحديث: «قوله هاهنا - يعني للحيضة والجنابة - راجع إلى الجنابة لا غير، وأما النقض في الحيض فالنص قد ورد به، ولو كان كذلك لكان الأخذ به واجب. إلا أنَّ حديث عائشة ﵂ نسخ ذلك بقول النَّبيِّ ﷺ لها في غسل الحيض: «انقضي رأسك واغتسلي» فوجب الأخذ بهذا الحديث قلنا: نعم، إلا أنَّ حديث هشام بن عروة، عن عائشة الوارد بنقض ضفرها في غسل الحيضة هو زائد حكماً ومثبت شرعاً على حديث أم سلمة، والزيادة لا يجوز تركها». وقال النووي في " شرح صحيح مسلم " ٢/ ٢١٠ عقب (٣٣١): «فمذهبنا ومذهب الجمهور أنَّ ضفائر
стр. 1266
المغتسلة إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجب نقضها، وإنْ لم يصل إلا بنقضها وجب نقضها، وحديث أم سلمة محمول على أنَّه كان يصل الماء إلى جميع شعرها من غير نقض؛ لأنَّ إيصال الماء واجب. وحكي عن النَّخعي وجوب نقضها بكل حال، وعن الحسن وطاووس وجوب النقض في غسل الحيض دون الجنابة، ودليلنا حديث أم سلمة، وإنْ كان للرجل ضفيرة فهو كالمرأة».
وقال الشوكاني في " السيل الجرار " ١/ ١١٥: «والحاصل أنَّه لا يجب على الرجل ولا على المرأة نقض الشعر لا في الجنابة ولا في الحيض والنفاس، فإيجابه في الجنابة على الرجل دون المرأة، ثم إيجابه على المرأة في غسل الحيض والنفاس لم يستند كل ذلك إلى ما يعوّل عليه كما عرفت. وأشفّ ما استدلوا به على وجوب نقض المرأة لرأسها في الحيض هو ما أخرجه: الشيخان وغيرهما (١) عن عائشة، قالتْ: قدمتُ مكة وأنا حائضٌ ولم أطفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلكَ إلى رسول الله ﷺ فقال: «انقضي رأسكِ وامتشطي وأهِلِّي بالحج» واختصاص هذا بالحج لا يقتضي بثبوته غيره، لاسيما وللحج مدخلية في مزَيد التنظيف، ثمَّ اقترانه بالامتشاط الذي لم يوجبه أحد يدل على عدم وجوبه، ثم لا يقوم على معارضته ما تقدم».
وروى الحديث عن سعيد المقبري أسامة بن زيد الليثي واختلف عليه.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (٨٠٣)، وإسحاق بن راهويه (٣٨) عن وكيع، عن أسامة، عن المقبري (٢)، عن أم سلمة: أنَّها سألتِ النَّبيَّ ﷺ أني امرأةٌ شديدةُ ضفر الرأس فكيفَ أصنعُ إذا اغتسلت؟ قالَ: «احفني على رأسكِ ثلاثاً، ثمَّ اغمزي (٣) على أثر كلِّ حفنةٍ غمزةً».
стр. 1267
وأخرجه: الدارمي (١١٥٧) من طريق عبيد الله بن موسى.
وأخرجه: أبو داود (٢٥٢) من طريق عبد الله بن نافع الصائغ.
وأخرجه: البيهقي ١/ ١٨١ من طريق جعفر بن عون.
ثلاثتهم: (عبيد الله بن موسى، وعبد الله بن نافع، وجعفر بن عون) عن أسامة بن زيد الليثي، عن المقبري، عن أم سلمة، قالتْ: جاءت امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالتْ: إنِّي أشدُّ ضفرَ رأسي أو عُقدَه، قال: «احفني على رأسكِ ثلاثَ حفناتٍ، ثمَّ اغمزي على أثر كلِّ حفنةٍ غمزةً».
قال المزي في " تحفة الأشراف " ١٢/ ٨٩ (١٨١٥١) بعد حديث أسامة: «روي عن المقبري، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، وهو المحفوظ».
وقال البيهقيُّ ١/ ١٨١: «وقصر بإسناده أسامة بن زيد في رواية ابن وهب عنه أنَّ سعيداً سمعه من أم سلمة … ورواية أيوب بن موسى أصحّ من رواية أسامة بن زيد، وقد حفظ في إسناده ما لم يحفظ أسامة بن زيد».
وقال ابن التركماني في " الجوهر النقي " ١/ ١٨٢: «الروايتان مختلفتان - أي رواية أسامة وأيوب- فلا ينبغي أنْ تعلل إحداهما بالأخرى، بل هما حديثان، وذلك أنَّ أم سلمة هي سائلة في رواية أيوب، وفي رواية أسامة السائلة امرأة غيرها، وفي بعض الروايات في هذا الباب عن أم سلمة، قالتْ: جاءت امرأةٌ من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وأنا عندهُ فقالتْ: … الحديث. ولو كان الحديث واحداً لحمل على أنَّ سعيداً سمعه منْ أم سلمة فرواه لأسامة كذلك، وسمعه أيضاً من ابن رافع عنها فرواه لأيوب كذلك».
ويعكر على هذا القول أنَّ أسامة كذلك رواه عن أم سلمة: أنها سألت النبيَّ ﷺ ، فضلاً عن أنَّ أسامة أنقص من الإسناد عبد الله بن رافع بين المقبري وأم سلمة.
قال الحنابلة كما في " الفقه على المذاهب الأربعة " ٦٩ - ٧٠: «أما المرأة فإنَّها لا يجب عليها نقض ضفائر شعرها في الغسل من الجنابة لما في ذلك من مشقة وحرج، بل الواجب عليها تحريك شعرها حتى يصل الماء إلى
стр. 1268
جذوره - أصوله -، نعم يندب لها أن تنقض ضفائرها فقط. هذا في الغسل من الجنابة، أما في الغسل من الحيض فإنَّها يجب عليها أنْ تنقض ضفائر شعرها؛ وذلك لأنَّه لا يكرر كثيراً، فليس فيه حرج ومشقة».
وروي الحديث موقوفاً على أم سلمة.
فأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " الأثر (٦٨٢) من طريق عليِّ بن زيد ابن جدعان، عن أم محمد (١)، عن أم سلمة أنَّها قالتْ: لا تنتقض عقصهن من حيض ولا جنابة.
وهذا الحديث فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف (٢)، كما أنَّه خالف الثقات الذين رووا الحديث عن أم سلمة مرفوعاً.
انظر: " تحفة الأشراف " ١٢/ ١٠١ (١٨١٧٢)، و "أطراف المسند" ٩/ ٤٠٢ (١٢٥٧٤)، و"إتحاف المهرة" ١٨/ ١٢٥ (٢٣٤٣٦).
ومن زيادات الثقات المحكوم عليها بالشذوذ ما روى زائدة، قال: حدثنا عاصم بن كليب، قال: أخبرني أبي: أنَّ وائل بن حُجْر الحضرمي أخبره قال: قلت: لأنظُرنَّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ كيفَ يُصلِّي، قال: فنظرْتُ إليه، قام فكبَّر، ورفعَ يَديه حتى حاذتا أُذُنيه، ثُمَّ وضعَ يدَهُ اليُمنى على ظهْر كَفِّه اليُسرى والرُّسغ والساعد، ثمَّ قال: لمَّا أرادَ أنْ يركعَ رفعَ يديه مثلها، ووضعَ يديه على رُكبتيه، ثُمَّ رَفَعَ رأسه، فرفعَ يَدَيْه مِثْلها، ثُمَّ سَجَدَ، فجعلَ كَفَّيه بحذاء أذُنيه، ثم قَعَدَ، فافترشَ رجْلَه اليُسْرى، فوضعَ كفَّه اليُسْرى على فخذِهِ وَرُكبته اليُسْرى، وجعلَ حد مِرْفقه الأيمن على فخذِهِ اليُمْنى، ثم قَبَضَ بينَ أصابعِهِ، فحلق حَلقةً، ثمَّ رفعَ أصبعه، فرأيتُهُ يُحَرِّكُها يدعو بها، ثم جئتُ بعدَ ذلك في زمانٍ فيه بَرْد،
стр. 1269
فرأيتُ الناسَ عليهمُ الثِّياب تحرك أيديهم من تحتِ الثيابِ من
البَرْد (١).
أخرجه: أحمد ٤/ ٣١٨، ومن طريقه الخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦ ط. الهجرة و ١/ ٥٤١ - ٥٤٢ ط. العلمية من طريق عبد الصمد، وهو ابن عبد الوارث.
وأخرجه: الدارميُّ (١٣٥٧)، وابن خزيمة (٧١٤) بتحقيقي، والبيهقي ٢/ ١٣٢ من طريق معاوية بن عمرو.
وأخرجه: ابن الجارود (٢٠٨) من طريق عبد الرحمان بن مهدي.
وأخرجه: النَّسائي ٢/ ١٢٦ - ١٢٧ و ٣/ ٣٧ وفي " الكبرى "، له (٩٦٣) و (١١٩١) ط. العلمية و (٩٦٥) و (١١٩٢) ط. الرسالة من طريق عبد الله بن المبارك.
وأخرجه: ابن حبان (١٨٦٠)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٢)، والخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٢٦ ط. الهجرة و ١/ ٥٤٢ - ٥٤٣ … ط. العلمية من طريق أبي الوليد، وهو هشام بن عبد الملك.
خمستهم: (عبد الصمد، ومعاوية، وعبد الرحمان، وابن المبارك، وأبو الوليد) عن زائدة، بالإسناد السابق.
وهو إسناد متصل رجاله ثقات ما يوحي بصحته، إلا أنَّ في متنه عبارة شاذة: فقوله: «يحركها» هذه الزيادة لم تجئ إلا من هذا الطريق تفرّد بها زائدة. وقد اختلف عليه فيها فكما تقدم أنَّه روى هذا الحديث بهذه الزيادة، ورواه أيضا من دونها.
فقد أخرجه: البخاري في " رفع اليدين " (٦٧)، ومن طريقه الخطيب
في " الفصل للوصل" ١/ ٤٢٧ ط. الهجرة و ١/ ٥٤٣ ط. العلمية من طريق
عبد الله بن المبارك.
وأخرجه: والبيهقي ٢/ ٢٧ - ٢٨ و ٢٨ من طريق عبد الله بن رجاء.
стр. 1270
وأخرجه: أبو داود (٧٢٧) من طريق أبي الوليد.
وأخرجه: ابن خزيمة (٤٨٠) بتحقيقي من طريق معاوية بن عمرو.
أربعتهم: (عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن رجاء، وأبو الوليد، ومعاوية) عن زائدة، عن عاصم فذكره من دون عبارة «يحركها» إلا أنَّ جميع هذه الروايات جاءت مختصرة. فالراجح ذكر هذا اللفظ في متن طريق زائدة. إلا أنَّ زائدة قد وهم في إدراج هذه اللفظة في هذا الحديث ومما يدل على وهمه فيه:
أولاً: أنَّه لم يتابع على ذكر هذه اللفظة، فقد قال ابن خزيمة عقب
(٤١٧) بتحقيقي: «ليس في شيء من الأخبار (يحركها) إلا في هذا الخبر، زائدة ذكره»، وقال البيهقي ٢/ ١٣٢: «فيحتمل أنْ يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها، فيكون موافقاً لرواية ابن الزبير (١)،
والله تعالى أعلم».
قلت: وهذا تأويل نفيس من إمام صاحب علم جم، إلا أنَّ ما يعكر صفو هذا التأويل أنَّه جاء في روايته «رفع أصبعه يحركها» وهذا ينفي نفياً قاطعاً أن تكون الإشارة نفسها مقصودة بذلك.
ثانياً: إنَّه قد خالف من هم أكثر وأوثق منه:
стр. 1271
فقد أخرجه: عبد الرزاق (٢٥٢٢)، ومن طريقه أحمد ٤/ ٣١٧ و ٣١٨، والنسائي ٣/ ٣٥ وفي " الكبرى "، له (١١٨٧) ط. العلمية و (١١٨٨) ط. الرسالة، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨١)، والخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠ ط. الهجرة و ١/ ٥٤٨ ط. العلمية من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه: الحميديُّ (٨٨٥)، والنسائي ٢/ ٢٣٦ و ٣/ ٣٤ - ٣٥ وفي
"الكبرى "، له (١١٨٦) ط. العلمية و (١١٨٧) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٦٩١) و (٧١٣) بتحقيقي، والطبرانيُّ في " الكبير " ٢٢/ (٨٥)، والدارقطني ١/ ٢٩٠ ط. العلمية و (١١٢٠) ط. الرسالة، والخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨ و ٤٢٨ ط. الهجرة و ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥ و ٥٤٥ - ٥٤٦ … ط. العلمية من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٣١٦ و ٣١٩، وابن خزيمة (٦٩٧) و (٦٩٨) بتحقيقي، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٣)، والخطيب في "الفصل للوصل" ١/ ٤٣٠ - ٤٣١ ط. الهجرة و ١/ ٥٤٩ و ٥٤٩ - ٥٥٠ ط. العلمية من طريق شعبة.
وأخرجه: أبو داود (٧٢٦) و (٩٥٧)، وابن ماجه (٨١٠)
و (٨٦٧)، والنَّسائيُّ ٣/ ٣٥ وفي "الكبرى"، له (١١٨٨) ط. العلمية
و (١١٨٩) ط. الرسالة، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٦)، والخطيب في
"الفصل للوصل " ١/ ٤٣٥ ط. الهجرة و ١/ ٥٥٥ ط. العلمية من طريق بشر بن المفضل.
وأخرجه: الطيالسيُّ (١٠٢٠)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٠)، والخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٣١ ط. الهجرة و ١/ ٥٥٠ ط. العلمية من طريق أبي الأحوص سلام بن سليم.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٨٥٢٠)، وابن ماجه (٨١٠) و (٩١٢)، وابن الجارود (٢٠٢)، وابن خزيمة (٧١٣) بتحقيقي، وابن حبان (١٩٤٥) من طريق عبد الله بن إدريس.
وأخرجه: البيهقيُّ ٢/ ١٣١، والخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣ ط. الهجرة و: ٥٥٢ - ٥٥٣ ط. العلمية من طريق خالد بن عبد الله الواسطي.
стр. 1272
وأخرجه: أحمد ٤/ ٣١٦، والبيهقيُّ ٢/ ٧٢ و ١١١، والخطيب في
"الفصل للوصل " ١/ ٤٣٤ ط. الهجرة و ١/ ٥٥٣ - ٥٥٤ ط. العلمية من طريق عبد الواحد بن زياد.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٣١٨، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٤)، والخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨ ط. الهجرة و ١/ ٥٥٦ - ٥٥٧ ط. العلمية من طريق زهير بن معاوية.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٩٠)، والخطيب في " الفصل للوصل" ١/ ٤٣٢ ط. الهجرة و ١/ ٥٥١ - ٥٥٢ ط. العلمية من طريق أبي عوانة.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٧٩) من طريق قيس بن الربيع.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٨) من طريق غيلان بن جامع.
وأخرجه: الخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٣٦ ط. الهجرة و ١/ ٥٥٥ ط. العلمية من طريق عبيدة بن حميد.
وأخرجه: الطبراني في "الكبير" ٢٢/ (٨٩) من طريق موسى بن أبي كثير.
وأخرجه: الخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥ ط. الهجرة و ١/ ٥٥٤ - ٥٥٥ ط. العلمية من طريق جرير.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٧) من طريق عنبسة بن سعيد الأسدي.
وأخرجه: الخطيب في " الفصل للوصل " ١/ ٤٣٣ ط. الهجرة و ١/ ٥٥٣ ط. العلمية من طريق صالح بن عمر.
وأخرجه: ابن خزيمة (٧١٣) من طريق ابن فضيل - وهو محمد -.
جميعهم: (الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وبشر، وأبو الأحوص، وعبد الله، وخالد، وعبد الواحد، وزهير، وأبو عوانة، وقيس، وغيلان، وعبيدة، وموسى، وجرير، وعنبسة، وصالح، ومحمد) عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بلفظ الرواية الأولى إلا أنَّ أحداً لم يذكر عبارة «يحركها»، وبهذا يتجلى فحوى كلام ابن خزيمة المتقدم.
стр. 1273
قلت: ولا أحد يشك في ثقة زائدة وعلو شأنه في هذا الفن، إلا أنَّه وبكل حال لا يرتقي إلى السفيانين وشعبة وطبقتهم من الحفّاظ، فإنْ خالف زائدة أحد هؤلاء الرواة ردت روايته، فكيف به وقد خالف ثماني عشرة نفساً فيهم من يفوقونه ضبطاً وإتقاناً، وليس أدل على شذوذ رواية زائدة من مخالفته السفيانين وشعبة، وقبل أنْ نختم البحث في هذا الحديث، هناك ثلاثة أمور تستوجب المناقشة.
١ - ما ذكره العلامة الألباني في " صفة صلاة النبي " ﷺ حاشية: ١٥٩ فقال: «وسُئل الإمام أحمد: هل يشير الرجل بإصبعه في الصلاة؟ قال: نعم شديداً ذكره ابن هانئ في مسائله عن الإمام أحمد: ٨٠» انتهى.
قلت: وهذا الكلام يكون حجة على من قال بالتحريك لا عكسه، فظاهر كلام الإمام أحمد يدل على الإشارة وليس على التحريك كما هو بيّن.
٢ - أنَّ من قال بالزيادة، وأقصد هنا الشيخ الألباني لم يذكر أنَّ هيئة الحركة من أعلى إلى أسفل، وإنَّما من اليمين إلى اليسار بسرعة، وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق الحويني في أحد البرامج في قناة الحكمة وقناة الناس، وهو محفوظ عندي بالصوت والصورة من الشبكة العنكبوتية فقال: «إنَّ الشيخ الألباني رآه يحرك إصبعه في التشهد بطريقة فيها رفع السبابة بخفض ورفع، فقال: أراك تحرك إصبعك بطريقة ما، فهل عندك في ذلك سنة؟.
قال الشيخ الحويني: إنَّما هو من كتابكم " صفة الصلاة ".
فقال الشيخ الألباني: إنَّما قلت: يحركها، ولم أقل يرفعها ويخفضها فهذا رفع وخفض وأراه كيف يحركها: فهو يحركها يمنة ويسرة في مكانها
سريعاً» (١) انتهى.
قلت: فإذن التحريك من أعلى إلى أسفل غير صحيح حتى عند من
стр. 1274
يصحح هذه الزيادة الشاذة، وأنَّ الصواب الإشارة دون تحريك، إشارة إلى توحيد الله حتى يجتمع توحيد القلب واللسان والبنان.
٣ - لقائل أنْ يقول: إنَّ هذا مما يصلح أنْ يكون مثالاً لقبول زيادة الثقة، وقد تقدم مناقشة ذلك بما يغني عن إعادته هنا.
إلا أني أريد أن أنقل كلاماً لبعض أهل العلم في هذا الصدد، فقد ذكر أحد الباحثين ما نصه: «قال أحد طلاب الشيخ مقبل الوادعي في كتاب له: اجتمع شيخنا أبو عبد الرحمان الوادعي ﵀ بشيخنا الإمام العلامة أبي إبراهيم محمد بن عبد الوهاب الوصابي حفظه الله قبل خمس سنوات أو أكثر بدار الحديث بدماج (١) بعد صلاة العصر، وكنت حاضراً معهما فدار نقاش حول هذه الزيادة، فقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب حفظه الله: إنَّ زائدة بن قدامة ثقة، وإنَّ الشيخ الألباني قد صحح هذه الزيادة، فأجابه شيخنا أبو
عبد الرحمان ﵀: إنَّ الشيخ الألباني قد حكم على زيادة تفرّد بها زائدة في حديث آخر وخالف فيها راويين بالشذوذ، وهو في هذا الحديث قد خالف خمسة عشر راوياً، فإذا لم تكن هذه الزيادة شاذة فليس في الدنيا شاذ» (٢).
انظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٣٧ (١١٧٨١) و ٨/ ٣٣٨ (١١٧٨٣)
و (١١٧٨٤) و ٨/ ٣٣٩ (١١٧٨٦)، و " إتحاف المهرة " ١٣/ ٦٥٨ (١٧٢٧١) و ١٣/ ٦٦٥ (١٧٢٧٩) و ١٣/ ٦٦٦ (١٧٢٨٠).
وقد روي بنحو هذا الحديث من غير هذا الوجه.
فقد أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٤٨٣، والبيهقيُّ ٢/ ١٣٢ من طريق محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا كثير بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «تحريكُ الإصبعِ في الصلاةِ مذعرةٌ للشيطانِ».
قال البيهقيُّ عقبه: «تفرّد به محمد بن عمر الواقديُّ، وليس بالقوي، وروينا عن مجاهد أنَّه قال: تحريك الرجل أصبعه في الجلوس في الصلاة
стр. 1275
مقمعة للشيطان»، وقال ابن عديٍّ منكراً هذا الحديث على الواقديِّ: «وهذه الأحاديث التي أمليتها للواقدي، والتي لم أذكرها كلها غير محفوظة، ومن يروي عنه الواقدي من الثقات فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم إلا من رواية الواقدي والبلاء منه، ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة، وهو بَيّنُ الضعف».
وقال النووي في " المجموع " ٣/ ٣٠١ - ٣٠٢: «وأما الحديث المروي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : «تحريكُ الأصبعِ في الصلاةِ مذعرةٌ للشيطانِ» فليس بصحيح».
قلت: وقد روي ما يعارض هذا الحديث عن ابن عمر، إلا أنَّه لا يسلم من شذوذ.
فقد أخرج: ابن حبان في " الثقات " ٧/ ٤٤٨ من طريق كثير بن زيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه كانَ يضعُ يده اليُّمنى على ركبتهِ اليُّمنى، ويده اليسرى على ركبته اليسرى، ويشيرُ بإصبعِهِ ولا يحركها، ويقولُ: إنَّها مذبة الشيطان، ويقول: كانَ رسولُ الله ﷺ يفعلُهُ.
قلت: وهذا الإسناد أقوى من الإسناد الذي قبله وهو معارض له، إلا عبارة «ولا يحركها» لم تأتِ إلا من هذا الطريق وهذا وجه الشذوذ فيه.
وقد روي هذا الحديث من طرق عديدة عن ابن عمر فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة أي: لفظة: «ولا يحركها».
فقد أخرجه: مالك في " الموطأ " (١٤٤) برواية محمد بن الحسن
و (٢٣٥) برواية الليثي و (٤٩٤) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريق مالك أخرجه: الشافعيُّ في " مسنده " (٢٥٣) بتحقيقي وفي " الأم "، له ١/ ١١٦ وفي ط. الوفاء ١/ ٢٦٧، وعبد الرزاق (٣٠٤٨) و (٣٢٣٩)، وأحمد ٢/ ٦٥، ومسلم ٢/ ٩٠ (٥٨٠)(١١٦)، وأبو داود (٩٨٧)، والنَّسائيُّ ٣/ ٣٦ - ٣٧ وفي "الكبرى"، له (١١٩٠) ط. العلمية و (١١٩١) ط. الرسالة، وابن حبان (١٩٤٢)، والبيهقي ٢/ ١٣٠ وفي " المعرفة "، له (٨٨١) ط. العلمية و (٣٦٤٨) ط. الوعي، والبغوي (٦٧٥).
стр. 1276
وأخرجه: أحمد ٢/ ٤٥ من طريق شعبة.
وأخرجه: النَّسائيُّ ٣/ ٣٦ وفي " الكبرى "، له (١١٨٩) ط. العلمية
و (١١٩٠) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٥٧٦٧)، وابن خزيمة (٧١٢) بتحقيقي من طريق سفيان، عن يحيى بن سعيد.
وأخرجه: عبد الرزاق (٣٠٤٨)، وأحمد ٢/ ١٠، ومسلم ٢/ ٩٠
(٥٨٠) عقب (١١٦)، وابن خزيمة (٧١٢) بتحقيقي عن سفيان.
وأخرجه: أحمد: ٢/ ٧٣ من طريق وهيب.
وأخرجه: ابن خزيمة (٧١٩) بتحقيقي، وابن حبان (١٩٤٧)، والبيهقي ٢/ ١٣٢ من طريق إسماعيل بن جعفر.
وأخرجه: الحميدي (٦٤٨) من طريق سفيان وعبد العزيز بن محمد
(مقرونين).
سبعتهم: (مالك، وشعبة، ويحيى، وسفيان، ووهيب، وإسماعيل، وعبد العزيز) عن مسلم بن أبي مريم، عن عليِّ بن عبد الرحمان المعاوي أنَّه قال: رآني عبد الله بن عمر، وأنا أعبثُ بالحصباء في الصلاة، فلمَّا انصرفْتُ نهاني، وقال: اصنْع كما كانَ رسولُ الله ﷺ يصنعُ، فقلْتُ: وكيفَ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصنعُ؟ قالَ: كانَ إذا جلسَ في الصلاةِ، وضعَ كفَّهُ اليمنى على فخذِهِ اليُمنى، وقبضَ أصابِعَه كلَّها، وأشارَ بإصبعِهِ التي تلي الإبهام ووضعَ كفَّهُ اليُسرى على فخذِهِ اليُسرى (١). وقالَ: هكذا كانَ يفعلُ.
قلت: وهذه الرواية هي المحفوظة من حديث ابن عمر. وعليه فإنَّ الروايتين اللتين فيهما ذكر التحريك والنفي معلولتان لا يصح منهما شيء.
وقد روي من حديث ابن عمر من طريق آخر.
فأخرجه: أحمد ٢/ ١١٩، والبزار كما في " كشف الأستار " (٥٦٣)، والطبراني في " الدعاء " (٦٤٢) و (٦٤٣) من طريق أبي أحمد الزبيري، عن
стр. 1277
كثير بن زيد، عن نافع، قال: كانَ عبدُ الله بن عمر إذ جلسَ في الصلاةِ وضعَ يديه على ركبتيه، وأشارَ بإصبعهِ وأتبعها بصرَهُ، ثم قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : «لهي أشدُ على الشيطانِ منَ الحديد» يعني: السبابة.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه كثير بن زيد، قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٢/ ١٤٠: «رواه البزار وأحمد وفيه كثير بن زيد وثقه ابن حبان (١) وضعفه غيره (٢)» والحديث هكذا ليس فيه عبارة التحريك أو نفي التحريك، فلينظر الذي قبله.
إلا أنَّ نفي التحريك قد جاء من طريق أخرى.
فقد أخرجه: أبو داود (٩٨٩)، والنَّسائيُّ ٣/ ٣٧ وفي " الكبرى"، له (١١٩٣) ط. العلمية و (١١٩٤) ط. الرسالة، والطبراني في " الكبير "
١٣/ (٢٣٨) وفي " الدعاء "، له (٦٣٨)، والبيهقي ٢/ ١٣١، والبغوي
(٦٧٦) من طريق حجاج بن محمد - وهو المصيصي -، عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد بن سعد، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير: أنَّه ذكر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يشيرُ بإصبعه إذا دعا ولا يحركها.
قلت: وهذا إسناد حسن من أجل ابن عجلان، وقد تقدم أنَّ حديثه لا يرتقي إلى مرتبة الصحيح. إلا أنَّ هذا الحديث فيه ما يعكر صفوه.
فقد أخرجه: أحمد ٤/ ٣، وأبو داود (٩٩٠)، والنَّسائيُّ ٣/ ٣٩، وفي " الكبرى "، له (١١٩٨) ط. العلمية و (١١٩٩) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٦٨٠٧)، وابن خزيمة (٧١٨) بتحقيقي، وابن حبان (١٩٤٤)، والبيهقي ٢/ ١٣٢، والبغوي (٦٧٧) من طريق يحيى بن سعيد.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٨٥١٩)، ومسلم ٢/ ٩٠ (٥٧٩)(١١٣)، وابن
стр. 1278
حبان (١٩٤٣)، والدارقطني ١/ ٣٤٩ ط. العلمية و (١٣٢٤) … ط. الرسالة من طريق أبي خالد الأحمر.
وأخرجه: مسلم ٢/ ٩٠ (٥٧٩)(١١٣) من طريق الليث - وهو ابن سعد -.
وأخرجه: الطبراني في "الكبير" ١٣/ (٢٤٠) من طريق سليمان بن بلال.
وأخرجه: الطبراني في "الكبير" ١٣/ (٢٤١) من طريق روح بن القاسم.
خمستهم: (يحيى، وأبو خالد، والليث، وسليمان، وروح) عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ
إذا قعدَ يدعو، وضعَ يَدهُ اليمنى على فخذهِ اليمنى، ويَده اليسرى على فخذهِ اليسرى، وأشارَ بإصبعهِ السبابةِ، ووضعَ إبهامَه على أصبعه الوسطى، ويلقم كفَهُ اليسرى ركبتَهُ.
وانظر " " تحفة الأشراف " ٤/ ٢٠٨ (٥٢٦٣) و ٤/ ٢٠٩ (٥٢٦٤).
قال البغوي عقبه: «حديث حجاج أتم». يعني: من دون أن يذكر أحد منهم نفي التحريك في روايته، قال ابن القيم في " زاد المعاد " ١/ ٢٣١: «وأما حديث أبي داود عن عبد الله بن الزبير: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يشيرُ بإصبعه إذا دعا ولا يحركها، فهذه الزيادة في صحتها نظر».
قلت: إن كان في صحتها نظر، فإن النظر نفسه وأشد في حديث التحريك.
قلت: إلا أنَّ ما يشفع لقبول طريق الحجاج بن محمد أنَّ عدد من خالفه مما لا يحيل القلب إلى شذوذ روايته، وأنَّ أربعة من أصل خمسة من رواة هذا الوجه حجاج أوثق وأولى بالحفظ منهم، فإنْ قيل: فإنَّ يحيى بن سعيد أوثق من حجاج، ولم يذكرها يحيى، نقول: المقارنة هنا بين راويين اثنين فقط، وكلاهما من الثقات الأثبات، فلا يمنع حينئذ أنْ يزيد بعضهم على بعض، ويكون أيضاً دليلاً على صحة مخرج هذا الحديث، قال الشافعي في " الرسالة " (١٢٧٢) بتحقيقي: «ويكون إذا شَرِكَ أحداً من الحفّاظ في حديثٍ لم
يخالفه،
стр. 1279
فإنْ خالفه وُجِدَ حديثه أنقص: كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه».
انظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٣٩ (١١٧٨٦)، و " إتحاف المهرة " ١٣/ ٦٦٥ - ٦٦٦ (١٧٢٧٩) و (١٧٢٨٠).
ومن الزيادات التي اختلف النقاد فيها ما روى وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ اغتسلَ منَ الجنابةِ، فبدأ فغسلَ كفّيه ثلاثاً، ثمَّ توضأ وضوءَهُ للصلاةِ، ثم أدخلَ يده فخلّل بها أصولَ الشَّعر، حتى يخيل إليَّ أنَّه استبرأ البشرةَ، ثم صبَّ على رأسِهِ الماءَ ثلاثاً، ثم أفاضَ على سائرِ جسدِهِ الماء (١).
أخرجه: ابن أبي شيبة (٦٩٠)، وأحمد ٦/ ٥٢، ومسلم ١/ ١٧٤ (٣١٦)(٣٦)، والبيهقي ١/ ١٧٢ من طريق وكيع، بهذا الإسناد.
هذا إسناد متصل رجاله ثقات، إلا أنَّ قولها: «فغسل كفّيه ثلاثاً» مما زاده وكيع، وقد توبع عليه.
فقد أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٩٣١١) كلتا الطبعتين من طريق مبارك بن فضالة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانَ النبيُّ ﷺ إذا اغتسلَ منَ الجنابةِ غسلَ كفّيه ثلاثَ مرات (٢) … ثم ذكر نحو المتن الآنف الذكر.
وقال ابن رجب في " فتح الباري " ١/ ٢٣٤: «وكذلك رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة».
قلت: أما ما عزاه ابن رجب لابن لهيعة ففيه نظر وتأملٌ، فقد أخرج الطبرانيُّ في " الأوسط " (٨٦١٩) كلتا الطبعتين من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالتْ: كانَ رسول الله ﷺ إذا اغتسلَ منَ الجنابةِ بدأ فأفرغَ على يديهِ ثمَّ يدخلها في الإناء …
стр. 1280
فهذا طريق ابن لهيعة ليسَ فيه ذكر «كفّيه ثلاثاً» قال الطبراني عقبه: «لم يرو هذا الحديث عن أبي الأسود إلا ابن لهيعة».
وأما إسناد مبارك فإنَّه ضعيفٌ؛ لعنعنة المبارك فإنَّه مدلسٌ، فقد نقل المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٧/ ٢٧ (٦٣٥٨)، عن أحمد أنَّه قال: «كان المبارك يرسل» وقال أخرى: «كان المبارك يدلس» وفي ٧/ ٢٨ نقل عن يحيى بن سعيد القطان أنَّه قال: «ولم أقبلْ منه شيئاً، إلا شيئاً يقول فيه حدثنا»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٣٨٩ (١٥٥٧) عن أبي زرعة أنَّه قال: «يدلّسُ كثيراً فإذا قال: حدثنا فهو ثقة»، وقال أبو داود كما في
"سؤالات الآجري " (٧٤٤): «كان مبارك بن فضالة شديد التدليس»، وقال فيه أيضاً: «إذا قال مبارك: حدثنا فهو ثبت، وكان مبارك يدلس».
وأعله ابن رجب فقال: «المبارك ليس بالحافظ».
عاد بذلك الحديث إلى تفرّد وكيع به. أعني بتلك الزيادة.
وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة فلم يذكروا ما ذكر وكيع.
فقد أخرجه: مالك في " الموطأ " (١٠٩) برواية الليثي و (٦٥) برواية القعنبيِّ و (١٢٠) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريق مالك أخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٠٣) بتحقيقي، ومن طريق الشافعيِّ أخرجه: البيهقيُّ ١/ ١٧٥ وفي " المعرفة "، له (١٤٢٥) ط. الوعي و (٢٧٠) ط. العلمية.
وأخرجه: البخاريُّ ١/ ٧٢ (٢٤٨)، والنَّسائيُّ ١/ ١٣٤ وفي "الكبرى"، له (٢٤٦) ط. العلمية و (٢٤١) ط. الرسالة، وابن المنذر في " الأوسط "
(٦٦٥)، وابن حبان (١١٩٦)، و أبو عبد الله الدقاق في" مجلس إملاء في رؤية الله تعالى " (٨٩٧)، والحسن بن سفيان في " الأربعين" (٢١)، والبغويُّ (٢٤٦) من طريق مالك.
وأخرجه: عبد الرزاق (٩٩٩) عن ابن جريج.
وأخرجه: عبد الرزاق (٩٩٧) عن معمر.
стр. 1281
وأخرجه: مسلم ١/ ١٧٤ (٣١٦)(٣٢)، والنّسائيُّ ١/ ٢٠٦ من طريق عليِّ بن مسهر.
وأخرجه: أحمد ٦/ ٥٢، والنَّسائيُّ ١/ ١٣٥ من طريق يحيى بن سعيد القطان.
وأخرجه: مسلم ١/ ١٧٤ (٣١٦)(٣٥) من طريق جرير بن
عبد الحميد.
وأخرجه: الدارميُّ (٧٤٨)، وأبو عوانة ١/ ٢٤٩ (٨٥٩)، والبيهقي ١/ ١٧٣ من طريق جعفر بن عون.
وأخرجه: أحمد ٦/ ١٠١، وأبو يعلى (٤٤٨٢)، والبيهقيُّ ١/ ١٧٥ من طريق حماد بن سلمة.
وأخرجه: البخاريُّ ١/ ٧٤ (٢٦٢)، وأبو داود (٢٤٢)، وابن خزيمة (٢٤٢) بتحقيقي من طريق حماد بن زيد.
وأخرجه: مسلم ١/ ١٧٤ (٣١٦)(٣٦) من طريق زائدة.
وأخرجه: الشافعيُّ في " مسنده " (١٠٤) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي
في " المعرفة " (٢٧٢) ط. العلمية و (١٤٢٧) ط. الوعي.
وأخرجه: الحميديُّ (١٦٣)، والترمذيُّ (١٠٤) من طريق سفيان ابن عيينة.
وأخرجه: أبو بكر بن أبي داود في " مسند عائشة " (١٢) من طريق عيسى بن يونس.
وأخرجه: البخاريُّ ١/ ٧٦ (٢٧٢)، والنَّسائيُّ ١/ ٢٠٥، والبيهقي ١/ ١٧٥ من طريق عبد الله بن المبارك.
وأخرجه: مسلم ١/ ١٧٤ (٣١٦)(٣٥)، والدارقطني ١/ ١١٢ - ١١٣ ط. العلمية و (٤٠٢) ط. الرسالة من طريق ابن نمير.
وأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " (٦٦٥) من طريق يحيى بن عبد الله ابن سالم.
وأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " (٦٦٥)، والحسن بن سفيان في
"الأربعين " (٢١) من طريق ابن أبي الزناد.
стр. 1282
وأخرجه: أبو يعلى (٤٤٣٠) من طريق عمر بن عليٍّ.
وأخرجه: أبو عوانة ١/ ٢٥٠ (٨٦١) من طريق حفص بن غياث.
جميعهم: (مالك، وابن جريج، ومعمر، وعليٌّ، ويحيى بن سعيد، وجرير، وجعفر، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وزائدة، وسفيان بن عيينة، وعيسى بن يونس، وعبد الله بن المبارك، وابن نمير، ويحيى بن عبد الله، وابن أبي الزناد، وعمر، وحفص) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالتْ: كانَ رسول الله ﷺ إذا اغتسلَ منَ الجنابةِ يبدأ فيغسلُ يديهِ، ثم يفرغُ بيمينه على شمالهِ، فيغسلُ فرجهُ، ثمَّ يتوضأ وضوءَهُ للصلاةِ، ثمَّ يأخذُ الماءَ، فيدخلُ أصابعه في أصولِ الشعرِ، حتَّى إذا رأى أنْ قدِ استبرأ، حفنَ على رأسهِ ثلاثَ حفناتٍ، ثمَّ أفاضَ على سائرِ جسدهِ، ثمَّ غسلَ رجليهِ (١).
قلت: هؤلاء الرواة وعددهم (١٨) نفساً اتفقوا على هذه الرواية من دون ذكر العدد في غسل اليدين، ثمَّ إنَّه قد روي عن وكيع هذا الحديث فلم يذكر العدد، فقد أخرجه: إسحاق بن راهويه (٥٦٠) عن وكيع ولم يأتِ ذكر هذه الزيادة، وقد اختلف النُّقاد في قبول وردِّ هذه الزيادة، فقد قال ابن رجب في " فتح الباري " ١/ ٢٣٣: «واستحسنَ أحمد هذه الزيادة من وكيع» في حين أنَّه نقل عن ابن عمار أنَّه قال: «ليست عندنا محفوظة» (٢).
قلت: إذا عدنا إلى ملخص هذا الحديث فإنا سنجد أنَّ وكيعاً خالف (١٨) راوياً بذكر زيادة في متن الحديث، فضلاً عن أنَّه روي هذا الحديث عنه فلم يذكر العدد فيه، والذي أخشاه أنْ يكون الوهم دخل على وكيع من ناحية أنَّ الحديث قد جاء في بعض طرقه زيادة من كلام هشام وفي بعضها من كلام عروة فقد جاء في رواية حماد بن زيد عند أبي يعلى (٤٤٨٢) قال هشام - عقب الحديث -: «غير أنَّه يبدأ قبلَ ذلكَ بغسلِ يديهِ ثلاثاً ثلاثاً وبغسْلِ
стр. 1283
فرجهِ» وجاء في رواية معمر عند عبد الرزاق (٩٩٧) قال هشام: «ولكنَّه يبدأ بالفرج، وليسَ ذلكَ في حديث أبي». وجاء عند أحمد ٦/ ١٠١: «وقال عروة: غير أنَّه يبدأ فيغسلُ يده، ثمَّ فرجهُ». فيكون كلام ابن عمار أولى، والله أعلم.
وانظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ٤٧١ (١٦٧٧٣) و ١١/ ٤٩٦
(١٦٨٦٠) و ١١/ ٥٠٤ (١٦٨٩٤) و ١١/ ٥١٥ (١٦٩٣٥) و ١١/ ٥٢٦ (١٦٩٦٩) و ١١/ ٥٣٦ (١٧٠١٢) و ١١/ ٥٧٥ (١٧١٦٤) و ١١/ ٦٠١ (١٧٢٧٤) و ١١/ ٦١٣ (١٧٣٣١)، و"إتحاف المهرة " ١٧/ ٢٧٨ (٢٢٢٥٠)، و" أطراف المسند " ٩/ ١٦٢ (١١٨٧٩).
ومما زيد في الإسناد وقبل ما روى أبو نعيم قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو - وهو ابن دينار -، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وميمونة كانا يغتسلان منْ إناءٍ واحدٍ.
أخرجه: البخاريُّ ١/ ٧٣ (٢٥٣)، والبيهقيُّ ١/ ١٨٨.
قال البخاريُّ (١): «كان ابن عيينة يقول أخيراً: «عن ابن عباس، عن
ميمونة» والصحيح ما روى أبو نعيم».
قال ابن رجب متعقّباً في " فتح الباري " ١/ ٢٥٤: «هذا الذي ذكره البخاريُّ ﵀ أنَّ الصحيح ما رواه أبو نعيم عن ابن عيينة بإسقاط ميمونة من هذا الإسناد، فيه نظر، وقد خالفه أكثر الحفّاظ في ذلك».
قلت: روي هذا الحديث من طرق عديدة بإثبات ميمونة في الإسناد.
فقد أخرجه: مسلم ١/ ١٧٦ (٣٢٢)(٤٧) عن قتيبة.
وأخرجه: مسلم ١/ ١٧٦ (٣٢٢)(٤٧)، وابن ماجه (٣٧٧) من طريق ابن أبي شيبة.
стр. 1284
وأخرجه: أبو عبيد في " الطهور " (١٥١) من طريق إسحاق بن إسماعيل الطالقاني.
وأخرجه: الحميديُّ (٣٠٩)، ومن طريقه أبو عوانة ١/ ٢٣٩ (٨١٠)، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (١٠٣٢).
وأخرجه: الشافعيُّ في " مسنده " (١٤) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقيُّ في " المعرفة " (٢٩٠) ط. العلمية و (١٤٧٦) ط. الوعي.
وأخرجه: عبد الرزاق (١٠٣٢)، ومن طريقه الطبراني في " الكبير "
٢٣/ (١٠٣٢).
وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ٨/ ١٠٨.
وأخرجه: أحمد ٦/ ٣٢٩.
وأخرجه: الترمذيُّ (٦٢) عن ابن أبي عمر.
وأخرجه: النَّسائيُّ ١/ ١٢٩ وفي " الكبرى "، له (٢٣٨) ط. العلمية و (٢٣٣) ط. الرسالة عن يحيى بن موسى.
وأخرجه: أبو يعلى (٧٠٨٠) عن أبي خيثمة.
وأخرجه: الطحاويُّ في " شرح معاني الآثار " ١/ ٢٥ وفي ط. العلمية
(٨١) من طريق إبراهيم بن بشار.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٣/ (١٠٣٢) من طريق القعنبيِّ.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٣/ (١٠٣٢) من طريق سعيد بن منصور.
وأخرجه: البيهقي ١/ ١٨٨ من طريق محمد بن إسماعيل الأحمسي.
وأخرجه: أبو عوانة ١/ ٢٣٩ (٨٠٩) عن محمد بن إسماعيل الأحمسي وعبد الرحمان بن بشر (مقرونين).
جميعهم: (قتيبة، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن إسماعيل، والحميدي، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن سعد، وأحمد، وابن أبي عمر، ويحيى، وأبو خيثمة، وإبراهيم، والقعنبيُّ، وسعيد، ومحمد، وعبد الرحمان) عن ابن عيينة،
стр. 1285
عن عمرو، عن أبي الشعثاء - يعني: جابر بن زيد -، عن ابن عباس، قال: أخبرتني ميمونة: أنَّها كانتْ تغتسل هي والنَّبيُّ ﷺ في إناء واحدٍ.
وذكر الإسماعيليُّ طرقاً أخرى. قال ابن رجب في " فتح الباري " ١/ ٢٥٥: «وذكر الإسماعيلي في " صحيحه " ممن رواه عن ابن عيينة كذلك: المقدمي، وابنا أبي شيبة، وعباس النرسي، وإسحاق الطالقاني، وأبوخيثمة، وسريج بن يونس، وابن منيع، والمخزومي، وعبد الجبار، وابن البزار، وأبو همام، وأبو موسى الأنصاري، وابن وكيع، والأحمسي، قال: وهكذا يقول ابن مهديٍّ أيضاً عن ابن عيينة، قال: وهذا أولى؛ لأنَّ ابن عباس لا يطلع على النَّبيِّ ﷺ وأهله يغتسلان، فالحديث راجع إلى ميمونة»، وقال ابن رجب أيضاً: «وذكر الدارقطنيُّ في " العلل " أنَّ ابن عيينة رواه عن عمرو وقال فيه: عن ميمونة، ولم يذكر أنَّ ابن عيينة اختلف عليه في ذلك، وهذا كله مما يبين أنَّ رواية أبي نعيم التي صححها البخاريُّ وهم».
وقال ابن حجر في " فتح الباري " ١/ ٤٧٦ (٢٥٣): «قوله: كان ابن عيينة كذا رواه عنه أكثر الرواة وإنَّما رواه عنه كما قال أبو نعيم من سمع منه قديماً، وإنَّما رجح البخاريُّ رواية أبي نعيم جرياً على قاعدة المحدّثينَ؛ لأنَّ من جملة المرجحات عندهم قدم السماع؛ لأنَّه مظنة قوة حفظ الشيخ، ولرواية الآخرين جهة أخرى من وجوه الترجيح، وهي كونهم أكثر عدداً وملازمة لسفيان، ورجحها الإسماعيليُّ من جهة أخرى من حيث المعنى، وهي كون ابن عباس لا يطلع على النَّبيِّ ﷺ في حال اغتسالهِ مع ميمونةَ، فيدل على أنَّه أخذه عنها … ».
قلت: الناظر في حال الروايتين يجد أنَّ رواية أبي نعيم مختصرة الإسناد، ورواية الجماعة تامة الإسناد. وابن عباس ابن أخت ميمونة، وقد حمل عنها ﵄ الكثير الطيب من الروايات، وقد جاءت الروايات التي كان يقول فيها: «بتُّ عندَ خالتي ميمونة». هذا من جهة، ومن جهة أخرى فمن المحال أنْ يطلع ابن عباس على النَّبيِّ ﷺ وخالته وهما يغتسلان، فالذي
стр. 1286
ترجح عندي أنَّ ابن عباس أسند في رواية - كما هي رواية الجماعة - وأرسل أخرى كما في رواية أبي نعيم، يدل على ذلك متنا الروايتين وما فيهما من فروق معنوية لا لفظية. فإذا ما تحقق ذلك انتفى التعارض بين الروايتين وصحت كلتا الروايتين على اعتبار قبول مراسيل الصحابة عند جماهير أهل العلم، والله أعلم.
انظر: " تحفة الأشراف " ٤/ ٢٧٠ (٥٣٨٠) و ١٢/ ٥٤ (١٨٠٦٧)،
و" أطراف المسند " ٩/ ٣٦٣ (١٢٤٩٠).
стр. 1287
النوع الثاني من العلل المشتركة: الاضطراب
الاضطراب في الحَدِيْث سنداً ومتناً أمرٌ حاصل وواقع، بسبب اختلاف مقدار تيقظ الرواة وقوة قرائحهم، وتباين بعضهم عن بعض في العناية بالروايات، فضلاً عن أسباب أخرى تُحدث اضطراباً في المتون والأسانيد، ويحصل من راوٍ واحدٍ أو من عدة رواة (١)، ويَكُون في الأعم الأغلب في المدارس المتأخرة؛ لأنَّ من شأنها التعدد، زيادة على بُعد الزمان، وتقاصر الهمم، ويندر جداً في المدارس المتقدمة، ونظراً للترابط والتداخل بين الاضطراب والاختلاف سأعرج على تعريف الاختلاف ليظهر الفرق بينهما.
الاختلاف والاضطراب بين اللغة والاصطلاح:
الاختلاف لغة:
الاختلاف: وزن افتعال مصدر اختلف ضد اتفق، ويقال: تخالف القوم واختلفوا، إذا ذهب كُلّ واحد مِنْهُمْ إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، ويقال: تخالف الأمران واختلفا، إذا لَمْ يتفقا، وكل ما لَمْ يتساو فَقَدْ تخالف واختلف. ومنه قولهم: اختلف الناس في كَذَا، والناس خَلَفَة أي مختلفون؛ لأنَّ كُلّ واحد مِنْهُمْ يُنحّي قَوْل صاحبه، ويقيم نفسه مقام الَّذِيْ نحّاه (٢).
أمّا الخِلافُ - بالكسر - فهو المُضَادّةُ، وَقَدْ خالَفَهُ مُخالَفَةً وخِلافاً (٣).
стр. 1288
والخِلافُ: المُخَالَفَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ (١) أي: مُخالَفَةَ رَسُولِ اللهِ (٢).
الاختلاف اصطلاحاً:
لَمْ أجد تعريفاً للاختلاف عند المحدّثين، لَكِنْ يمكنني أنْ أعرفه بأنَّه: ما اختلف الرُّوَاة فِيْهِ سنداً أو متناً.
وعليه يصير الاختلاف ضربين:
الأول: اختلاف الرُّوَاة في السند: وَهُوَ أنْ يختلف الرُّوَاة في سند ما زيادة أو نقصاناً، بحذف راوٍ، أو إضافته، أَوْ تغيير اسم، أَو اختلاف بوصل وإرسال، أَو اتصال وانقطاع، أو اختلاف في الجمع والإفراد (٣).
الثاني: اختلاف الرُّوَاة في الْمَتْن: زيادة ونقصاناً، أو رفعاً ووقفاً.
وَقَدْ أحسن الإمام مُسْلِم بن الحجاج وأجاد إذ صوّر لنا الاختلاف تصويراً بديعاً فَقَالَ: «فاعلم، أرشدك الله أنَّ الَّذِيْ يدور بِهِ مَعْرِفَة الخطأ في رِوَايَة ناقل الْحَدِيْث - إذا هم اختلفوا فِيْهِ - من جهتين:
إحداهما (٤): أنْ ينقل الناقل خبراً بإسنادٍ فينسب رجلاً مشهوراً بنسبٍ في إسنادِ خبرهِ خلافَ نسبتهِ الَّتِيْ هِيَ نسبتهُ، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذَلِكَ غَيْر خفيٍّ عَلَى أهل العلم حين يرد عليهم …
والجهة الأخرى: أن
стр. 1289
يروي نفر من حفّاظ الناس حديثاً عَنْ مثل الزهري (١) أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون عَلَى روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فِيْهِ في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عَنْهُ النفر الَّذِيْنَ وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب الْمَتْن، فيجعله بخلاف ما حكى مَنْ وصفنا من الحفاظ، فيُعلم حينئذٍ أنَّ الصَّحِيْح من الروايتين ما حدّث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كَانَ حافظاً، عَلَى هَذَا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الْحَدِيْث، مثل شعبة (٢) وسفيان بن عيينة (٣) ويحيى بن سعيد (٤) وعبد الرحمان بن مهدي (٥) وغيرهم
стр. 1290
من أئمة أهل العلم» (١).
المضطرب لغة:
اسم فاعل من اضطرب، مأخوذ لغة من الاضطراب بمعنى: الحركة والاختلاف، يقال: اضطرب الموج، أي: ضرب بعضه بعضاً، فهو مضطرب (٢).
وأود التنبيه عَلَى أنَّ الشائع تسميته بـ (المضطرِب) عَلَى وزن اسم الفاعل، هُوَ من باب الإسناد المجازي (٣)؛ لأنَّ الاضطراب واقعٌ فِيهِ لا مِنْهُ، إذ إنَّهُ اسم مكان، فيظهر فِيهِ اضطراب الرَّاوِي أو الرواة، فَهُوَ عَلَى الحقيقة: مضطرَب -بفتح الراء اسم مفعول - وَلَوْ سمي كَذلِكَ لكان أظهر في المَعْنَى الاصطلاحي (٤).
والمضطرب اصطلاحاً: هُوَ الذي تَخْتَلِف الرِّوَايَة فِيهِ، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم عَلَى وجه آخر مخالفٍ لَهُ.
هكذا عرّفه الحافظ ابن الصَّلاح (٥)، وَقَد استدرك عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ بقوله: «قَدْ يخرج مَا لو حصل الاضطراب من راوٍ واحدٍ. وَقَدْ يقال فِيهِ:
стр. 1291
نبنيه عَلَى دخوله من باب أولى، فإنَّه أولى بالرد من الاختلاف بَيْنَ راويين» (١).
قُلْتُ: وهَذَا اعتراض متجهٌ؛ لأنَّ الاضطراب في الأعم الأغلب يحصل من راوٍ واحد، وَهُوَ الَّذِي يوجه الغلط فِيهِ لِمَن اضطرب فِيهِ. أما الاضطراب من راويين فَهُوَ أقل، وَكَذَلِكَ قَدْ يوجه الاضطراب لأحد الراويين أو للشيخ، وربما كَانَ قَدْ حدّث بالوجهين.
وللزركشي اعتراض آخر فَقَدْ قَالَ: «وينبغي أنْ يقال: (عَلَى وجه يؤثر) ليخرج مَا لَوْ روي الحَدِيْث عن رَجُل مرة، وعن آخر أخرى … » (٢).
قُلْتُ: وَهُوَ اعتراض متجهٌ أيضاً؛ لأنَّه ليس كُلّ اختلاف قادحاً، بَل القادح الَّذِي لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى أنَّ الرَّاوِي لَمْ يضبط الحَدِيْث، فَهُوَ وإنْ كَانَ ثِقَة إلا أَنَّهُ ضَعِيْف في هَذَا الحَدِيْث خَاصَّة.
وعرّفه ابن كثير فقال: «وهو أنْ يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض، وقد يكون تارة في
الإسناد، وقد يكون في المتن» (٣).
وقال اللكنوي: «المضطرِب - بكسر الراء المهملة وقيل: بفتحها -: ما اختلفت الرواية فيه، سواء كان الاختلاف من راوٍ واحد، أو كان في أكثر من واحد، وسواء كان الاختلاف في السند فقط، أو في المتن فقط، أو في كليهما، إلا أنَّ الاضطراب في المتن قلّما يوجد إلا ومعه اضطراب في السند، وهو موجب للضعف؛ لإشعاره بعدم ضبط الراوي» (٤).
وحتى نجمع بين قول المعرفين مع اعتراض المعترضين فنقول: الاضطراب: اختلاف قادح في الحديث يستوجب ضعفه.
стр. 1292
الفرق بين الاضطراب والاختلاف:
يجدر بالذكر أنه لَيْسَ كُلّ اختلاف اضطراباً، بَلْ شرط الاضطراب
أمران:
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف في القوة، فمتى رجح أَحَد الأقوال
قُدم، وَلَا يعل الراجح بالمرجوح عِنْدَ أهل النقد.
والآخر: أنْ يتعذر - مَعَ الاستواء - الجمع بينها عَلَى قواعد المُحَدِّثِيْنَ، ويغلب عَلَى الظن أنَّ ذَلِكَ الحافظ لَمْ يضبط ذَلِكَ الحَدِيْث بعينه، فحينئذ يُحكم عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَة وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذَلِكَ الحَدِيْث لِذلِكَ السبب (١).
وحول هَذَا المَعْنَى يدور قَوْل الحافظ ابن الصَّلاح: «وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان، أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأنْ يَكُون راويها أحفظ، أو أكثر صحبة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، وَلَا يطلق عَلَيْهِ حينئذٍ وصف المضطرب، وَلَا له حكمه» (٢). وَقَدْ أكد هَذَا المفهوم ابن دقيق العيد فَقَالَ:
«وقد أشار بَعْض الناس إلى أنَّ اختلاف الرواة في ألفاظ الحَدِيْث مِمَّا يمنع الاحتجاج بِهِ … فنقول: هَذَا صَحِيْح لَكن بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها، أما إذا كَانَ الترجيح واقعاً لبعضها: إما لأنَّ رواته أكثر أو أحفظ، فينبغي العَمَل بِهَا، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العَمَل بالأقوى، والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح» (٣)، وقال اللكنوي: «وإنْ لم تترجح إحدى الروايتين المختلفتين على الأخرى، بل تساوتا، فمضطربٌ، وهو الذي يختص الضعيف باتصافه به فيترك، كما إذا تعارض الحديثان تعارضاً لم يندفع بوجه من وجوه
стр. 1293
دفعه تساقطا (١) وصير إلى دليل غيرهما» (٢). ويفهم مِمَّا سبق أنَّ أحد الوجوه المختلفة إن كَانَ مروياً من طريق ضَعِيْف والآخر من طريق قوي فَلَا اضطراب والعَمَل بالطريق القوي، وإن لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، فإنْ أمكن الجمع بَيْنَ تِلْكَ الوجوه بحيث يمكن أن يَكُون المتكلم باللفظين الواردين أراد مَعْنًى واحداً فَلَا إشكال أيضاً؛ مِثْل أن يَكُون في أَحَد الوَجْهَيْنِ: عن رَجُل، وَفِي الوجه الآخر يُسَمَّى هَذَا الرجل فَقَدْ يَكُون هَذَا المسمى هُوَ ذَلِكَ المُبْهَم، فَلَا اضطراب إذن ولا تعارض، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ بأنْ يُسَمَّى مثلاً الرَّاوِي باسم معين في رِوَايَة وَيُسَمَّى باسم آخر في رِوَايَة أُخْرَى، فهذا محل نظر؛ إذ يتعارض فِيهِ أمران:
أحدهما: أَنَّهُ يجوز أن يَكُون الحَدِيْث عن الرجلين معاً.
والآخر: أنْ يغلب عَلَى الظن أنَّ الرَّاوِي واحد واختلف فِيهِ (٣). فهنا لا يخلو أنْ يَكُون الرجلان معاً ثقتين أولا، فإنْ كَانَا ثقتين فهنا لا يضر الاختلاف عِنْدَ كثيرين؛ لأنَّ الاختلاف كَيْفَ دار فَهُوَ عن ثِقَة، وبعضهم يَقُول: هَذَا اضطراب يضرّ، لأَنَّهُ يدل عَلَى قلة الضَّبْط (٤).
ولخّص هَذَا التفصيل الحافظ العراقي في منظومته المسماة "التبصرة والتذكرة" إذ قَالَ:
مُضْطَرِبُ الَحدِيثِ ما قَدْ وَرَدَا … مُخْتَلِفاً مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا
стр. 1294
في مَتْنٍ اوْ (١) في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ … فِيْهِ تَساوِي الخُلْفِ أَمَّا إنْ رَجَحْ
بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا … وَالحُكْمُ للرَّاجح منْهَا وَجَبَا (٢)
إذن شرط الاضطراب الاتحاد في المصدر، وعدم إمكانية التوفيق بَيْنَ الوجوه المختلفة والترجيح عَلَى منهج النقاد، وعلى ما تقدم يتبين لنا أنّ
بَيْنَ الاضطراب والاختلاف عموماً وخصوصاً، وَهُوَ أنَّ كُلّ مضطرب
مختلف فِيْهِ، ولا عكس. فالاختلاف أعم من الاضطراب إِذْ شرط
الاضطراب أنْ يَكُوْن قادحاً، أما الاختلاف فربما كَانَ قادحاً وربما لَمْ يَكُنْ.
ثُمَّ إنَّه ليس كُلّ اختلاف يؤدي إلى وجود الاضطراب، إِذْ إنَّ ما يشبه أنْ يَكُوْن اضطراباً ينتفي عَنِ الْحَدِيْث إذا جمُع بَيْنَ الوجوه المختلفة، أو رجح وجه مِنْهَا عَلَى طريقة النقاد لا عَلَى طريقة التجويز العقلي.
ويمكن أنْ نقدّم مثالاً تطبيقياً عَلَى مَا لا يصح عَدُّهُ مضطرباً لرجحان بَعْض وجوه مروياته عَلَى بَعْض. فَقَدْ مَثَّل ابن الصَّلاح للاضطراب الواقع في السَّنَد قائلاً: «ومن أمثِلتِه: ما رُوِّيناه عن إسماعيل بن أمية (٣)، عن أبي
عَمْرو بن مُحَمَّد بن حريث (٤)، عن جده حريث (٥)، عن أبي هُرَيْرَة، عن الرسول ﷺ في المُصَلِّي: «إذا لَمْ يجدْ عَصَا يَنْصبها بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَخط خَطاً» فرواه بشر (٦) بن
стр. 1295
المفضل (١)، وروح (٢)
بن القاسم (٣)، عن إسماعيل هكذا، ورواه سُفْيَان الثَّوْرِيّ (٤) عَنْهُ، عن أبي عَمْرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَة. ورواه حميد (٥) بن الأسود (٦)، عن إسماعيل، عن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد بن حريث بن سليم، عن أبيه (٧)، عن أبي هُرَيْرَة. ورواه وهيب (٨)
وعبد الوارث (٩)، عن إسماعيل، عن أبي عَمْرو بن حريث، عن جده حُريث (١٠). وَقَالَ عَبْد الرزاق (١١)، عن ابن جريج: سَمِعَ إسماعيل، عن
حريث بن عَمَّار، عن
стр. 1296
أبي هُرَيْرَة. وفيه من الاضطراب أكثر ما ذكرناه (١)، والله أعلم» (٢).
وَقَدْ أطال الحافظ العراقي النفس في ذكر أوجه الخلاف الواردة في هَذَا الحَدِيْث (٣)، وكأنَّه ينحو منحى ابن الصَّلاح في عدِّ هَذَا اضطراباً، وَقَدْ تعقّب الحافظُ ابنُ حجر العسقلانيُّ الحافظين الجليلين ابن الصَّلاح و العراقي، فَقَالَ: «جَمِيْع من رَواهُ عن إسماعيل بن أمية عن هَذَا الرجل، إنَّما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته. وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هُرَيْرَة بلا
واسطة؟ وإذا تحقق الأمر فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حقيقة الاضطراب؛ لأنَّ الاضطراب هُوَ: الاختلاف الَّذِي يؤثر قدحاً. واختلاف الرواة في اسم رَجُل لا يؤثر؛ ذَلِكَ لأَنَّهُ إن كَانَ ذَلِكَ الرجل ثِقَة فَلَا ضير، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فضعف الحَدِيْث إنما هُوَ من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثِّقات في اسمه فتأمل ذَلِكَ (٤). ومع ذَلِكَ كله فالطرق الَّتِي ذكرها ابن الصَّلاح، ثُمَّ شَيْخُنَا قابلة لترجيح بعضها عَلَى بَعْض، والراجحة مِنْها يمكن التوفيق بينها فينتفي الاضطراب أصلاً
ورأساً» (٥).
أقول: إنَّ الأصح عدم التمثيل بهذا الحَدِيْث؛ لأنَّ حريثاً مَجْهُوْل لا يعرف (٦)، وعلى فرض التسليم بصحبته -فيكون عدلاً- فإنَّ الرَّاوِي عَنْهُ مَجْهُوْل لَمْ يرو عَنْهُ غَيْر إسماعيل بن أمية، لذا فإنَّ كلام الحَافِظ ابن حجر
стр. 1297
صواب، فاختلافهم كَانَ في تسمية ذات وَاحِدَة، فإنْ كَانَ ثِقَة لَمْ يضره الاختلاف في اسمه، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فَقَدْ ضعف لغير الاضطراب. و الحال هنا كَذلِكَ (١).
وعند تحقيقنا لكتاب " شرح التبصرة والتذكرة " للحافظ العراقي وقفنا عَلَى تعليقة جاءت في حاشية إحدى النسخ (٢) نصها: «هَذَا الحَدِيْث صححه الإمام أحمد، وابن حبان، وغيرهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وكأنَّهم رأوا هَذَا الاضطراب لَيْسَ قادحاً».
أقول: تصحيح الإمام أحمد نقله عَنْهُ ابن عَبْد البر (٣)، وعبد الحق الإشبيلي (٤)، أما تصحيح ابن حبان فَهُوَ أَنَّهُ خرجه في صَحِيْحه (٥)، وصححه كَذلِكَ ابن خزيمة (٦)، وعلي بن المديني (٧)، وَقَالَ ابن حجر: «هُوَ حَسَن» (٨).
стр. 1298
عَلَى أنَّ آخرين قَدْ ضعفوا هَذَا الحَدِيْث مِنْهُمْ ابن عُيَيْنَةَ (١)، وَقَالَ السرخسي: «هَذَا الحَدِيْث شاذ» (٢). قَالَ ابن حجر: «أشار إلى ضعفه سُفْيَان بن عيينة، والشَّافِعيّ، والبَغَوِيّ، وغيرهم» (٣). وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض:
«وإن كَانَ جاء بِهِ حَدِيث وأخذ بِهِ أحمد بن حَنْبَل فَهُوَ ضَعِيْف» (٤). وضعّفه كَذلِكَ النَّوَوِيّ (٥).
حُكْمُ الحَدِيْثِ الْمُضْطَرِبِ:
من المعلوم أنَّ الضَّبْط أحد شروط صِحَّة الحَدِيْث الرئيسة (٦). وراوي الحَدِيْث المضطرب قَدْ فقد هَذَا الشرط؛ إذن فالحديث المضطرب فاقد لأحد شروط الصِّحَّة، لهذا يعد الحَدِيْث المضطرب ضعيفاً؛ لأنَّ الاختلاف (٧) فِيهِ دليل عَلَى عدم ضبط راويه، قَالَ الحَافِظ ابن الصَّلاح: «الاضطراب موجبٌ ضَعْفَ الحَدِيْث؛ لإشعاره بأنَّه - أي: الرَّاوِي - لَمْ يضبط» (٨). وأعاده الحَافِظ العراقي فقال: «والاضطراب موجبٌ لضعف الحَدِيْث المضطرب؛ لإشعاره بعدم ضبط راويه، أو رواته» (٩)، وتابعه السيوطي فقال: «والاضطراب يوجب
стр. 1299
ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم الضبط من رواته، الذي هو شرط في الصحة والحسن» (١).
وما ذكرته هُوَ الأصل في حكم الحَدِيْث المضطرب؛ لَكِنْ هَذَا لا يعني أنَّ الاضطراب والصِّحَّة لا يجتمعان أبداً؛ بَلْ قَدْ يجتمعان، قَالَ الحافظ ابن حجر: «إنَّ الاختلاف في الإسناد إذا كَانَ بَيْنَ ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فَهُوَ في الحقيقة لا يضر في قبول الحَدِيْث والحكم بصحته؛ لأَنَّهُ عن ثِقَة في الجملة. ولكن يضر ذَلِكَ في الأصحية عِنْدَ التعارض - مثلاً-. فحديث لَمْ يُختلف فِيهِ عَلَى راويه (٢) -أصلاً- أصح من حَدِيث اختلف فِيهِ في الجملة، وإنْ كَانَ ذَلِكَ الاختلاف في نَفْسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح» (٣).
وَقَدْ شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فَقَالَ: «وقع في كلام شيخ الإسلام السابق: أنَّ الاضطراب قَدْ يجامع الصِّحَّة؛ وَذَلِكَ بأنْ يقع الاختلاف في اسم رَجُل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذَلِكَ، ويكون ثِقَة. فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فِيْمَا ذَكَرَ مَعَ تسميته مضطرباً، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ أحاديث كثيرة بهذه المثابة؛ وكذا جزم الزَّرْكَشِيّ بِذَلِكَ في مختصره، فَقَالَ: قَدْ يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قِسْم الصَّحِيح و الحَسَن» (٤).
مواقع الاضطراب:
يقع الاضطراب في متن الحَدِيْث وفي الإسناد، ويحصل من راوٍ واحدٍ وَقَدْ يقع بَيْنَ رواة لَهُ جَمَاعَة (٥).
وَقَدْ وجدت أحسن من فصّل ذَلِكَ الحافظ العلائي فِيْمَا نقله عَنْهُ الحافظ
стр. 1300
ابن حجر فَقَدْ قَالَ: «الاختلاف تارة في السَّنَد، وتارة في المَتْن. فالذي في السَّنَد يتنوع أنواعاً:
أحدها: تعارض الوَصْل والإرسال. ثانيها: تعارض الوقف والرفع. ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع. رابعها: أن يَرْوِي الحَدِيْث قوم -مثلاً- عن رَجُلٍ عن تابعي عن صَحَابِيّ، ويرويه غيرهم عن ذَلِكَ الرجل عن تابعي آخر عن الصَّحَابيّ بعينه.
خامسها: زيادة رجلٍ في أحد الإسنادين. سادسها: الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه، إذا كَانَ متردداً بَيْنَ ثِقَة وضعيف» (١).
ثُمَّ تكلم ﵀ عن مَسالِك العُلَمَاء و اختلافهم في كيفية التعامل مَعَ هذِهِ الأنواع فَقَالَ: «وأنَّ المختلفينَ إما أنْ يَكُونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا. فالمتماثلون إما أن يَكُون عددهم من الجانبين سَوَاء أم لا، فإن استوى عددهم مَعَ استواء أوصافهم، وجب التوقف حَتَّى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لَهَا. ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلَا ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص لا يخفى عَلَى الممارس الفطن الَّذِي أكثر من جمع الطرق، ولأجل هَذَا كَانَ مجال النظر في هَذَا أكثر من غيره. وإن كَانَ أحد المتماثلين أكثر عدداً، فالحكم لَهُمْ عَلَى قَوْل الأكثر.
وَقَدْ ذهب قوم إلى تعليله -وإن كَانَ من وصل أو رفع أكثر- وَالصَّحِيح خِلَاف ذَلِكَ. وأما غَيْر المتماثلين، فإما أنْ يتساووا في الثِّقَة أو لا، فإن تساووا في الثِّقَة، فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم لَهُ، وَلَا يلتفت إلى تعليل من علله بِذَلِكَ -أيضاً- فإن (٢) كَانَ العكس، فالحكم للمرسل و الواقف. وإن لَمْ يتساووا في الثِّقَة فالحكم للثقة، وَلَا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غَيْر الثِّقَة إذا خالف».