← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أبي هُرَيْرَة. وفيه من الاضطراب أكثر ما ذكرناه (١)، والله أعلم» (٢). وَقَدْ أطال الحافظ العراقي النفس في ذكر أوجه الخلاف الواردة في هَذَا الحَدِيْث (٣)، وكأنَّه ينحو منحى ابن الصَّلاح في عدِّ هَذَا اضطراباً، وَقَدْ تعقّب الحافظُ ابنُ حجر العسقلانيُّ الحافظين الجليلين ابن الصَّلاح و العراقي، فَقَالَ: «جَمِيْع من رَواهُ عن إسماعيل بن أمية عن هَذَا الرجل، إنَّما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته. وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هُرَيْرَة بلا واسطة؟ وإذا تحقق الأمر فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حقيقة الاضطراب؛ لأنَّ الاضطراب هُوَ: الاختلاف الَّذِي يؤثر قدحاً. واختلاف الرواة في اسم رَجُل لا يؤثر؛ ذَلِكَ لأَنَّهُ إن كَانَ ذَلِكَ الرجل ثِقَة فَلَا ضير، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فضعف الحَدِيْث إنما هُوَ من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثِّقات في اسمه فتأمل ذَلِكَ (٤). ومع ذَلِكَ كله فالطرق الَّتِي ذكرها ابن الصَّلاح، ثُمَّ شَيْخُنَا قابلة لترجيح بعضها عَلَى بَعْض، والراجحة مِنْها يمكن التوفيق بينها فينتفي الاضطراب أصلاً ورأساً» (٥). أقول: إنَّ الأصح عدم التمثيل بهذا الحَدِيْث؛ لأنَّ حريثاً مَجْهُوْل لا يعرف (٦)، وعلى فرض التسليم بصحبته -فيكون عدلاً- فإنَّ الرَّاوِي عَنْهُ مَجْهُوْل لَمْ يرو عَنْهُ غَيْر إسماعيل بن أمية، لذا فإنَّ كلام الحَافِظ ابن حجر

стр. 1297

صواب، فاختلافهم كَانَ في تسمية ذات وَاحِدَة، فإنْ كَانَ ثِقَة لَمْ يضره الاختلاف في اسمه، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فَقَدْ ضعف لغير الاضطراب. و الحال هنا كَذلِكَ (١). وعند تحقيقنا لكتاب " شرح التبصرة والتذكرة " للحافظ العراقي وقفنا عَلَى تعليقة جاءت في حاشية إحدى النسخ (٢) نصها: «هَذَا الحَدِيْث صححه الإمام أحمد، وابن حبان، وغيرهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وكأنَّهم رأوا هَذَا الاضطراب لَيْسَ قادحاً». أقول: تصحيح الإمام أحمد نقله عَنْهُ ابن عَبْد البر (٣)، وعبد الحق الإشبيلي (٤)، أما تصحيح ابن حبان فَهُوَ أَنَّهُ خرجه في صَحِيْحه (٥)، وصححه كَذلِكَ ابن خزيمة (٦)، وعلي بن المديني (٧)، وَقَالَ ابن حجر: «هُوَ حَسَن» (٨).

стр. 1298

عَلَى أنَّ آخرين قَدْ ضعفوا هَذَا الحَدِيْث مِنْهُمْ ابن عُيَيْنَةَ (١)، وَقَالَ السرخسي: «هَذَا الحَدِيْث شاذ» (٢). قَالَ ابن حجر: «أشار إلى ضعفه سُفْيَان بن عيينة، والشَّافِعيّ، والبَغَوِيّ، وغيرهم» (٣). وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: «وإن كَانَ جاء بِهِ حَدِيث وأخذ بِهِ أحمد بن حَنْبَل فَهُوَ ضَعِيْف» (٤). وضعّفه كَذلِكَ النَّوَوِيّ (٥). حُكْمُ الحَدِيْثِ الْمُضْطَرِبِ: من المعلوم أنَّ الضَّبْط أحد شروط صِحَّة الحَدِيْث الرئيسة (٦). وراوي الحَدِيْث المضطرب قَدْ فقد هَذَا الشرط؛ إذن فالحديث المضطرب فاقد لأحد شروط الصِّحَّة، لهذا يعد الحَدِيْث المضطرب ضعيفاً؛ لأنَّ الاختلاف (٧) فِيهِ دليل عَلَى عدم ضبط راويه، قَالَ الحَافِظ ابن الصَّلاح: «الاضطراب موجبٌ ضَعْفَ الحَدِيْث؛ لإشعاره بأنَّه - أي: الرَّاوِي - لَمْ يضبط» (٨). وأعاده الحَافِظ العراقي فقال: «والاضطراب موجبٌ لضعف الحَدِيْث المضطرب؛ لإشعاره بعدم ضبط راويه، أو رواته» (٩)، وتابعه السيوطي فقال: «والاضطراب يوجب

стр. 1299

ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم الضبط من رواته، الذي هو شرط في الصحة والحسن» (١). وما ذكرته هُوَ الأصل في حكم الحَدِيْث المضطرب؛ لَكِنْ هَذَا لا يعني أنَّ الاضطراب والصِّحَّة لا يجتمعان أبداً؛ بَلْ قَدْ يجتمعان، قَالَ الحافظ ابن حجر: «إنَّ الاختلاف في الإسناد إذا كَانَ بَيْنَ ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فَهُوَ في الحقيقة لا يضر في قبول الحَدِيْث والحكم بصحته؛ لأَنَّهُ عن ثِقَة في الجملة. ولكن يضر ذَلِكَ في الأصحية عِنْدَ التعارض - مثلاً-. فحديث لَمْ يُختلف فِيهِ عَلَى راويه (٢) -أصلاً- أصح من حَدِيث اختلف فِيهِ في الجملة، وإنْ كَانَ ذَلِكَ الاختلاف في نَفْسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح» (٣). وَقَدْ شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فَقَالَ: «وقع في كلام شيخ الإسلام السابق: أنَّ الاضطراب قَدْ يجامع الصِّحَّة؛ وَذَلِكَ بأنْ يقع الاختلاف في اسم رَجُل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذَلِكَ، ويكون ثِقَة. فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فِيْمَا ذَكَرَ مَعَ تسميته مضطرباً، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ أحاديث كثيرة بهذه المثابة؛ وكذا جزم الزَّرْكَشِيّ بِذَلِكَ في مختصره، فَقَالَ: قَدْ يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قِسْم الصَّحِيح و الحَسَن» (٤). مواقع الاضطراب: يقع الاضطراب في متن الحَدِيْث وفي الإسناد، ويحصل من راوٍ واحدٍ وَقَدْ يقع بَيْنَ رواة لَهُ جَمَاعَة (٥). وَقَدْ وجدت أحسن من فصّل ذَلِكَ الحافظ العلائي فِيْمَا نقله عَنْهُ الحافظ

стр. 1300

ابن حجر فَقَدْ قَالَ: «الاختلاف تارة في السَّنَد، وتارة في المَتْن. فالذي في السَّنَد يتنوع أنواعاً: أحدها: تعارض الوَصْل والإرسال. ثانيها: تعارض الوقف والرفع. ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع. رابعها: أن يَرْوِي الحَدِيْث قوم -مثلاً- عن رَجُلٍ عن تابعي عن صَحَابِيّ، ويرويه غيرهم عن ذَلِكَ الرجل عن تابعي آخر عن الصَّحَابيّ بعينه. خامسها: زيادة رجلٍ في أحد الإسنادين. سادسها: الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه، إذا كَانَ متردداً بَيْنَ ثِقَة وضعيف» (١). ثُمَّ تكلم ﵀ عن مَسالِك العُلَمَاء و اختلافهم في كيفية التعامل مَعَ هذِهِ الأنواع فَقَالَ: «وأنَّ المختلفينَ إما أنْ يَكُونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا. فالمتماثلون إما أن يَكُون عددهم من الجانبين سَوَاء أم لا، فإن استوى عددهم مَعَ استواء أوصافهم، وجب التوقف حَتَّى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لَهَا. ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلَا ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص لا يخفى عَلَى الممارس الفطن الَّذِي أكثر من جمع الطرق، ولأجل هَذَا كَانَ مجال النظر في هَذَا أكثر من غيره. وإن كَانَ أحد المتماثلين أكثر عدداً، فالحكم لَهُمْ عَلَى قَوْل الأكثر. وَقَدْ ذهب قوم إلى تعليله -وإن كَانَ من وصل أو رفع أكثر- وَالصَّحِيح خِلَاف ذَلِكَ. وأما غَيْر المتماثلين، فإما أنْ يتساووا في الثِّقَة أو لا، فإن تساووا في الثِّقَة، فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم لَهُ، وَلَا يلتفت إلى تعليل من علله بِذَلِكَ -أيضاً- فإن (٢) كَانَ العكس، فالحكم للمرسل و الواقف. وإن لَمْ يتساووا في الثِّقَة فالحكم للثقة، وَلَا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غَيْر الثِّقَة إذا خالف».

стр. 1301

ثُمَّ قَالَ: «هذِهِ جملة تقسيم الاختلاف، وبقي إذا كَانَ رِجَال أحد الإسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فَقَدْ اختلف المتقدمون فِيهِ: فمنهم من يرى قَوْل الأحفظ أولى؛ لإتقانه وضبطه. ومنهم من يرى قَوْل الأكثر أولى؛ لبعدهم عن الوهم». ثُمَّ قَالَ - بَعْدَ أنْ علل ما سبق -: «وأما النَّوع الرابع: وهُوَ الاختلاف في السَّنَد فَلَا يخلو: إما أن يَكُون الرجلان ثقتين أم لا. فإن كانا ثقتين فَلَا يضر الاختلاف عِنْدَ الأكثر، لقيام الحجة بكل مِنْهما، فكيفما دار الإسناد كَانَ عن ثقة، وربما احتمل أنْ يَكُون الرَّاوِي سمعه مِنْهُمَا جميعاً، وَقَدْ وجد ذَلِكَ في كَثِيْر من الحَدِيْث، لَكِن ذَلِكَ يقوى حَيْثُ يَكُون الرَّاوِي مِمَّنْ يكون (١) لَهُ اعتناء بالطلب وتكثير الطرق». ثُمَّ قَالَ: «وأما مَا ذهب إليه كَثِيْر من أهلِ الحَدِيْث من أنَّ الاختلاف دليل عَلَى عدم ضبطه في الجملة، فيضر ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ رواته ثقات إلا أنْ يقوم دليل عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الرَّاوِي المختلف عَلَيْهِ عَنْهُمَا جميعاً أو بالطريقين جميعاً؛ فَهُوَ رأي فِيهِ ضعف؛ لأَنَّهُ كيفما دار كَانَ عَلَى ثِقَة، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ من ذَلِكَ جملة أحاديث، لَكِنْ لابُد في الحكم بصحة ذَلِكَ سلامته من أنْ يَكُون غلطاً أو شاذاً. وأما إذا كَانَ أحد الراويين المختلف فِيْهِمَا ضعيفاً لا يحتج بِهِ فهاهنا مجالٌ للنظر، وتكون تِلْكَ الطَّرِيق الَّتِي سمي ذَلِكَ الضَّعِيف فِيْهَا، وجعل الحَدِيْث عَنْهُ كالوقف أو الإرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى، فكل ما ذكر هناك من الترجيحات يجيء هنا. ويمكن أنْ يقال في مِثْل هَذَا: يحتمل أنْ يَكُون الرَّاوِي إذا كَانَ مكثراً قَدْ سمعه مِنْهُمَا -أيضاً- كَمَا تقدم. فإنْ قِيلَ: إذا كَانَ الحَدِيْث عنده عن الثِّقَة، فَلِمَ يرويه عن الضَّعِيف؟ فالجواب: يحتمل أَنَّهُ لَمْ يطّلع عَلَى ضعف شيخه، أو اطّلع (٢) عَلَيْهِ ولكن ذكره اعتماداً عَلَى صِحَّة الحَدِيْث عنده من الجهة الأخرى.

стр. 1302

وأما النَّوع الخامس: وَهُوَ زيادة الرجل بَيْنَ الرجلين في السند، فسيأتي تفصيله في النَّوع السابع والثلاثين - إن شاء الله - فَهُوَ مكانه (١). وأما النَّوع السادس: وَهُوَ الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه، فَهُوَ عَلَى أقسام أربعة: الأول: أنْ يبهم في طريق وَيُسَمَّى في أخرى، فالظاهر أنَّ هَذا لا تعارض فِيهِ؛ لأَنَّهُ يَكُون المُبْهَم في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يَكُون غيره، فَلَا تضر رِوَايَة من سماه وعرفه -إذا كَانَ ثِقَة- رواية من أبهمه. القِسْم الثَّانِي: أن يَكُون الاختلاف في العبارة فَقَطْ، والمعنِي بِهَا في الكل واحد، فإنَّ مِثْل هَذَا لا يعد اختلافاً - أيضاً - ولا يضر إذا كَانَ الرَّاوِي ثِقَة. قُلْتُ (القائل ابن حجر): وبهذا يتبين أنَّ تمثيل المصنِّف (٢) للمضطرب بحديث أبي عَمْرو بن حريث لَيْسَ بمستقيم، انتهى. والقِسْم الثَّالِث: أنْ يقع التصريح باسم الرَّاوِي ونسبه لَكَن مَعَ الاختلاف في سياق ذَلِكَ». ثُمَّ ساق مثالاً لِذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «القِسْم الرابع: أنْ يقع التصريح بِهِ من غَيْر اختلاف لَكِنْ يَكُون ذَلِكَ من متفقين: أحدهما ثِقَة، والآخر ضَعِيْف، أو أحدهما مستلزم الاتصال، والآخر الإرسال … » (٣) انتهى كلام ابن حجر. ولما كَانَ الاضطراب يقع في السَّنَد و المَتْن رأيت أنْ أفصّل الاضطراب الواقع في السَّنَد؛ لأَنَّهُ الأهم والأكثر تشعباً مَعَ بيان أمثلته، ثُمَّ الكلام عن اضطراب المَتْن. وَقَدْ جعلت كلاً مِنْهُمَا في قسم مستقل.

стр. 1303

القسم الأول: الاضطراب في السَّنَد: بالنظر لما تمتع بِهِ الإسناد من أهمية في حياة الأمة الإسلامية، كونه من أهم خصائصها، فَقَدْ حظي بالاهتمام من حَيْثُ الحفاظ عَلَيْهِ، والتنقير والتفتيش عن صَحِيْحه وضَعِيْفه، وَقَدِ اهتم السلف الصالح بحفظ مئات الألوف من الأسانيد، وبينوا قويها من سقيمها حَتَّى خرجوا لَنَا ببحوث ونتائج قلّ نظيرها. والسند كَمَا يَكُون مِنْهُ الصَّحِيح والأصح، ففيه الضَّعِيف والمُعَلّ، والَّذِي تدخله العلة من الأسانيد كَثِيْر لَيْسَ بقليل، وَقَدْ رأيت أنَّ أحسن من صنفها الحافظ العلائي (١). وسأفصّل الكلام عن كُلّ نَوْع منها:

стр. 1304

النَّوع الأول: تعارض الوَصْل والإرسال (١): الوَصْل هنا بمعنى الاتصال، والاتصال هُوَ أحد الشروط الأساسية في صِحَّة الحَدِيْث، بَلْ هُوَ أولها، قَالَ العراقي في نظمه: وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَن … إلى صَحِيْحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ فَالأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الإسْنَاد … بنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤاد عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوْذِ … وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوْذي (٢) وكل من عرّف الصَّحِيح ابتدأ أولاً بذكر الاتصال، والاتصال: هُوَ سَمَاع الحَدِيْث لكل راوٍ من الرَّاوِي الَّذِي يليه (٣). ويعرف بتصريح الرَّاوِي بإحدى صيغ السَّمَاع الصريحة، وَهِيَ (حَدَّثَنَا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت، وَقَالَ لَنَا)، وغيرها من الصيغ. هذا هُوَ الأصل. وربما حصل التصريح في السَّمَاع في بَعْض الأسانيد، لَكِنْ صيارفة الحَدِيْث ونقاده يحكمون بخطأ هَذَا التصريح، ثُمَّ الحكم عَلَى الرِّوَايَة بالانقطاع، قَالَ ابن رجب: «وَكَانَ أحمد (٤) يستنكر دخول التحديث في

стр. 1305

كَثِيْر من الأسانيد، ويقول: هُوَ خطأ، يعني: ذكر السَّمَاع» (١). وَقَدْ بحث ابن رجب ذَلِكَ بحثاً واسعاً، ثُمَّ قَالَ: «وحينئذٍ ينبغي التفطن لهذه الأمور، وَلَا يغتر بمجرد ذكر السَّمَاع والتحديث في الأسانيد، فَقَدْ ذكر ابن المديني: أنَّ شُعْبَة وجدوا له غَيْر شيء يذكر فِيهِ الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعاً» (٢). وأعود إلى التفصيل السابق ثُمَّ أقول: أما إذا كَانَتِ الرِّوَايَة بصيغة من الصيغ المحتملة، مِثْل: (عن، أو أن، أو حدث، أو أخبر، أو قَالَ)، فحينئذٍ يَجِبُ توفر شرطين في الرَّاوِي لحمل هذِهِ الصيغة عَلَى الاتصال: الأول: السلامة من التَّدْلِيْس، أي: لا يَكُون من رَوَى هكذا مدلساً. الثاني: ثبوت اللقاء والمشافهة بين الراوي والمروي عنه، وأما الاكتفاء بالمعاصرة وإمكانية اللقاء فهو مذهب مرجوح، ومفاضلة الأول على الثاني بينة (٣). وقد يصرح الأئمة بلقاء راوٍ بشيخه، إلا إنَّه لم يسمع منه، قال أبو حاتم: «لم يلقَ إبراهيم النخعي أحداً من أصحاب النبي ﷺ إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئاً، فإنه دخل عليها وهو صغير، أدرك أنساً، ولم يسمع منه» (٤). والاتصال في السَّنَد لا يَكُون في طبقة وَاحِدَة فَقَطْ، بَلْ يشترط أن يَكُون من أول السَّنَد إلى آخره؛ فإذا اختل الاتصال في مَوْضِع من المواضع سمي السَّنَد منقطعاً، وَكَانَ يطلق عَلَيْهِ في القرون المتقدمة مرسلاً (٥)، ثُمَّ استقر

стр. 1306

الاصطلاح بعد عَلَى أنَّ المُرْسَل هُوَ: مَا أضافه التَّابِعيّ إلى النَّبيّ ﷺ (١). ولما كَانَ الاتصال شرطاً للصحة، فالانقطاع ينافي الصِّحَّة، إذن الانقطاع أمارة من أمارات الضعف؛ لأنَّ الضَّعِيف مَا فَقَد شرطاً من شروط الصِّحَّة (٢). والانقطاع قَدْ يَكُون في أول السَّنَد، وَقَدْ يَكُون في وسطه، وَقَدْ يَكُون في آخره، ويحصل براوٍ واحد أو أكثر، وكل ذَلِكَ من نَوْع الانقطاع. والذي يعنينا الكلام عَلَيْهِ هنا هُوَ الكلام عن الانقطاع في آخر الإسناد، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بالمرسل عِنْدَ المتأخرين. لِذلِكَ فإنَّ الحَدِيْث إذا روي مرسلاً مرة، وروي موصولاً مرة أخرى، فهذا يعد من الأمور الَّتِي تعلُّ بِهَا بَعْض الأحاديث، ومن العلماء من لا يعدُّ ذَلِكَ علة، وتفصيل الأقوال في ذَلِكَ عَلَى النحو الآتي: القول الأول: ترجيح الرِّوَايَة الموصولة عَلَى الرِّوَايَة المرسلة؛ لأَنَّهُ من قبيل زيادة الثِّقَة وهي مقبولة من الثقة. وهذا هُوَ الَّذِي صححه الخطيب، قال ابن الصَّلاح: «فما صححه هُوَ الصَّحِيح في الفقه وأصوله»، ونسب الإمام النَّوَوِيّ هَذَا القَوْل للمحققين من أهل الحَدِيْث، ثم إنَّ هذا القول هو الذي صححه العراقي في شرحه للألفية (٣). القَوْل الثَّانِي: ترجيح الرِّوَايَة المرسلة (٤) هذا القول عزاه الخطيب للأكثر

стр. 1307

من أهل الحديث؛ لأنَّ بعضهم قد عده جرحاً، والجرح مقدم على التعديل، حكى هذا القول الزركشي عن المحب الطبري ورده، فقال: «وفي هذه العلة نظر، وإنَّما علة ذلك الشك في رفعه، فأخذنا بالأقل المتيقن وألغينا غيره» (١). ويؤيد هذا الحكم قول ابن معين: «إذا خفت أن تخطئ في الحديث، فانقص منه ولا تزد» (٢)، ولأنَّ من أرسل معه زيادة علم على من وصل؛ لأنَّ الغالب على الألسنة الوصل؛ فإذا جاء الإرسال علم أنَّ مع المرسل زيادة علم (٣). وقال بعضهم إنَّ المتحقق هو الإرسال، والوصل زيادة، وحذفها يشكك في ثبوتها، وهو موجب للريبة في المروي دون الراوي، فذلك علة كالاضطراب في الإسناد، بل هذا أشر؛ لأنَّه ناقص فيه (٤). ورد هذه الأقوال البلقيني، فقال: «إنَّ الإرسال نقص في الحفظ، وذلك لما جبل عليه الإنسان من السهو والنسيان، فتبين أنَّ النظر الصحيح أنَّ زيادة العلم، إنَّما هي مع من أسند» (٥). وهناك قول ضعيف آخر وهو أنَّ الإرسال من الراوي؛ لعلمه بضعفه (٦). القَوْل الثَّالِث: الترجيح للأحفظ (٧)؛ لأنَّ الحافظ ضابط متقن لمروياته، فيكون بعيداً عن الخطأ والوهم. واستدلوا بحديث ذي اليدين، قال العلائي: «ويؤخذ من هذا الحديث أنَّ الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حديث، كان القول فيهم للأكثر عدداً أو للأحفظ والأتقن» (٨). وذهب إليه بعض أهل الحديث (٩).

стр. 1308

القَوْل الرابع: الاعتبار لأكثر الرواة عدداً (١)، لكون الجماعة أقرب إلى الحفظ منه إلى الأقل، ولبعدهم عن الوهم. واستدلوا بحديث ذي اليدين أيضاً، قال ابن عبد البر: «فيه دليل على أنَّ المحدّث إذا خالفته الجماعة في نقله، أنَّ القول قول الجماعة، وأنَّ القلب إلى روايتهم أشد سكوناً من رواية الواحد» (٢). وإنَّما أثرت الكثرة؛ لأنَّها تقرب ممّا يوجب العلم، وهو التواتر (٣)، وذهب إليه بعض أئمة الحديث. وهناك قاعدة مهمة ذكرها العلائي بالنسبة لترجيح الأحفظ أو الأكثر، فقال: «يرجع إلى قول الأكثر عدداً؛ لبعدهم عن الغلط والسهو، وذلك عند التساوي في الحفظ والإتقان، فإن تفارقوا واستوى العدد، فإلى قول الأحفظ والأكثر إتقاناً، وهذه قاعدة متفق على العمل بها عند أهل الحديث» (٤). القَوْل الخامس: التساوي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ والتوقف. قال السخاوي: «وفي المسألة قول خامس وهو التساوي، قاله السبكي» (٥). هَذَا ما وجدته من أقوال لأهل العِلْم في هذِهِ المسألة، وَهِيَ أقوال متباينةٌ مختلفة، وَقَدْ أمعنت النظر في صنيع المتقدمين أصحاب القرون الأولى، وأجلت النظر كثيراً في أحكامهم عَلَى الأحاديث الَّتِي اختلف في وصلها وإرسالها، فوجدت بوناً شاسعاً بَيْنَ قَوْل المتأخرين وصنيع المتقدمين، إذ إنَّ المتقدمين لا يحكمون عَلَى الحَدِيْث أول وهلة، وَلَمْ يجعلوا ذَلِكَ تَحْتَ قاعدة كلية تطّرد عَلَيْهَا جَمِيْع الاختلافات، وَقَدْ ظهر لي من خلال دراسة مجموعة من الأحاديث الَّتِي اختلف في وصلها وإرسالها: أنَّ الترجيح لا

стр. 1309

يندرج تَحْتَ قاعدة كلية، لَكِنْ يختلف الحال حسب المرجحات والقرائن، فتارة ترجح الرِّوَايَة المرسلة وتارة ترجح الرِّوَايَة الموصولة. وهذه المرجحات كثيرة يعرفها من اشتغل بالحديث دراية ورواية وأكثر التصحيح والإعلال، وحفظ جملة كبيرة من الأحاديث، وتمكن في علم الرِّجَال وعرف دقائق هَذَا الفن وخفاياه حَتَّى صار الحَدِيْث أمراً ملازماً لَهُ مختلطاً بدمه ولحمه. ومن المرجحات: مزيد الحفظ، وكثرة العدد، وطول الملازمة للشيخ. وَقَدْ يختلف جهابذة النقاد في الحكم عَلَى حَدِيث من الأحاديث، فمنهم: من يرجح الرِّوَايَة المرسلة، ومنهم: من يرجح الرِّوَايَة الموصولة، ومنهم: من يتوقف (١). قال الحافظ ابن حجر: «ثم إنَّ تعليلهم الموصول بالمرسل أو المنقطع، والمرفوع بالموقوف أو المقطوع ليس على إطلاقه، بل ذلك دائر على غلبة الظن بترجيح أحدهما على الآخر بالقرائن التي تحفه» (٢). وبعد هذه الجولة المسهبة في نقل أحكام أهل العلم في الأحاديث التي اختلف في وصلها وإرسالها، تبين أنَّ في غالب أقوال النقد أنَّهم يحكمون للحافظ، وهذا جيد ولكن ينبغي التنبه لخصوصيات الرواة فإنَّ منهم من يكون ثقة من حيث الجملة، ضعيفاً في بعض الشيوخ، أو في بعض الأماكن أو بعض الأوقات، وأيضاً قد يكون الراوي ضعيفاً من حيث الجملة إلا أنَّه ثقة إذا روى عن بعض الشيوخ، وقد تقدم التمثيل بعبد الرحمان بن أبي الزناد. وأزيد فائدة هنا وهو أنَّ أهل العلم يخرجون الرواية المرسلة بجانب الرواية الموصولة؛ لينتفع بذلك صاحب العلل؛ فالرواية المرسلة قد تكون علة للرواية الموصولة؛ ولذا فإنَّ الإمام أحمد كان يصنع ذلك، بل كان يعيب على من يترك الرواية المرسلة عقب الموصولة، ومن ذلك أنَّه ساق رواية السيناني

стр. 1310

الموصولة، ثم أردفها برواية وكيع المرسلة؛ ليعل بها الموصولة، «وهذا يفهم من صنيعه في مسنده، فإنَّه لما خرّج رواية السيناني أتبعها برواية وكيع المرسلة، وفي هذا إشارة منه إلى إعلال رواية السيناني الموصولة برواية وكيع المرسلة؛ لأنَّ المراسيل ليست من موضوع المسند» (١). ومن ذلك ندرك سبب صنيع الإمام أحمد وغيره ممن صنّف في المسانيد هذا الصنيع، علماً أنَّ التصنيف على المسانيد فيها إفراد لأحاديث الصحابة، أي: لما روي مسنداً عن ذلك الصحابي. وهذا وأمثاله يحتم علينا الجد في البحث لمعرفة مناهج أهل العلم، وندرك من خلاله حرص علمائنا على تنقية السنة، فأجزل الله لهم الثواب وأدخلهم الجنَّة بغير حساب، وجمعنا ووالدينا وإياهم في الفردوس الأعلى. وسأسوق نماذج لِذلِكَ. مثال: رِوَايَة مَالِك بن أنس، عن زيد بن أسلم (٢)، عن عطاء بن يسار (٣): أنَّ رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: «إذا شَكَّ أحدُكُم في صَلاتهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صلَّى، أثلاثاً أم أَرْبعاً؟ فليصلِّ رَكْعَةً، وليَسْجدْ سَجدتينِ وَهُوَ جَالسٌ قَبْلَ التَّسليمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامسةً شفَعَها بهاتينِ السَّجْدتينِ، وإنْ كَانَتْ رَابعةً فالسَّجدتانِ ترغيمٌ للشَّيطانِ». هَذَا الحَدِيْث رَواهُ هكذا عن مَالِك جَمَاعَة الرواة مِنْهُمْ:

стр. 1311

١. سويد بن سعيد (١). ٢. عبد الرزاق بن همام (٢). ٣. عبد الله بن مسلمة القعنبي (٣). ٤. عَبْد الله بن وهب (٤). ٥. عُثْمَان بن عُمَر (٥). ٦. مُحَمَّد بن الحَسَن الشيباني (٦). ٧. أبو مصعب الزُّهْرِيّ (٧). ٨. يَحْيَى بن يَحْيَى الليثي (٨). فَهؤلاء ثمانيتهم رووه عن مَالِك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، بِهِ مرسلاً. والحديث رَواهُ الوليد بن مُسْلِم (٩)، و يَحْيَى بن راشد (١٠) المازني (١١)، عن مَالِك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، بِهِ - متصلاً - فهاتان الروايتان شاذتان؛ لمخالفتهما رواية الجماعة، والوليد بن مسلم ثقة لكنَّه خالف أصحاب مالك فتكون زيادته أبا سعيد في الإسناد وهم، أما رواية يحيى بن راشد فمع ضعفه جاءت روايته مثل رواية الوليد فلا يلتفت لها

стр. 1312

لشدة ضعفها، فيكون الحديث محفوظاً عن مالك مرسلاً، قال ابن عبد البر: «هذا الحديث وإن كان الصحيح فيه عن مالك الإرسال، فإنَّه متصل من وجوه ثابتة من حديث من تقبل زيادته» (١)، على أنَّ الحديث روي عن غير مالك موصولاً. فَقَدْ رَواهُ فليح بن سليمان (٢)، وعبد العزيز بن عَبْد الله (٣) بن أبي سلمة (٤)، وسليمان بن بلال (٥)، ومُحَمَّد (٦) بن مطرف (٧)، ومُحَمَّد بن عجلان (٨)،

стр. 1313

ويحيى بن محمد بن قيس أبو زُكير (١)، وهشام بن سعد (٢)، وداود بن قيس (٣). ثمانيتهم رووه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، بِهِ متصلاً. وَقَدْ خالفهم جميعاً يعقوب بن عَبْد الرحمان (٤) القَاري (٥) وداود بن قيس (٦)؛ فروياه عن زيد بن أسلم، عن عطاء، مرسلاً. لَكِنْ روايتهما لَمْ تقاوم أمام رِوَايَة الجَمْع (٧). إذن فالراجح في رِوَايَة هَذَا الحَدِيْث الوَصْل؛ لكثرة العدد وشدة الحفظ. قَالَ الحافظ ابن عَبْد البر: «والحَدِيْث مُتَّصِل مُسْنَد صَحِيْح، لا يضره تقصير من قصر بِهِ في اتصاله؛ لأنَّ الَّذِيْنَ وصلوه حُفَّاظ مقبولةٌ زيادتهم» (٨).

стр. 1314

وَقَالَ في مَوْضِع آخر: «قَالَ الأثرم: سألت أحمد بن حَنْبَل عن حَدِيث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قَالَ: نعم، أذهب إِليهِ، قلتُ: إنَّهم يختلفون في إسناده، قَالَ: إِنَّمَا قصر بِهِ مَالِك، وَقَدْ أسنده عدة، مِنْهُمْ: ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة» (١). ثُمَّ إنَّ هَذَا الحَدِيْث قَدْ تناوله الإمام الجهبذ أَبُو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ (٢) وانتهى إلى ترجيح الرِّوَايَة المسندة. وجاء الحديث من مسند ابن عباس. أخرجه: النسائي في " الكبرى " (٥٨٣) ط. العلمية و (٥٨٧) ط. الرسالة، وابن المنذر في " الأوسط " (١٦٥٣)، وابن حبان (٢٦٦٨) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي. وأخرجه: الدارقطني ١/ ٣٧٣ ط. العلمية و (١٤٠١) ط. الرسالة من طريق عبد الله بن جعفر. كلاهما: (الدراوردي، وعبد الله) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. فخالفا الرواة عن زيد بن أسلم الذين جعلوه من مسند أبي سعيد الخدري. قال الدارقطني في " العلل " ١١/ ٢٦٣ س (٢٢٧٤): «ورواه الدراوردي، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي ميسرة (٣)، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس»، وقال ابن عبد البر في " التمهيد " ٢/ ٣١٨ - ٣١٩:

стр. 1315

«وقد أخطأ فيه الدراوردي عبد العزيز بن محمد، وعبد الله بن جعفر ابن نجيح، فروياه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، والدراوردي صدوق، ولكن حفظه ليس بالجيد عندهم، وعبد الله بن جعفر هذا هو والد علي بن المديني، وقد اجتمع على ضعفه، وليس رواية هذين مما يعارض رواية من ذكرنا»، وقال ابن حبان عقب رواية الدراوردي: «وهم في هذا الإسناد الدراوردي حيث قال: ابن عباس، وإنَّما هو عن أبي سعيد الخدري، وكان إسحاق يحدث من حفظه كثيراً فلعله من وهمه أيضاً»، وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ٢/ ١٠ (٤٧٥): «وروي عنه - أي عطاء - عن ابن عباس وهو وهم». وبهذا يكون الحديث حديث أبي سعيد، وليس حديث ابن عباس (١). مثال ما حصل فيه التعارض في وصله وإرساله ما روى هشام بن حسّان، عن الحسن البصري، عن عبد الله بن مغفل: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن … الترجّل (٢) إلا غِبّاً (٣). أخرجه: أحمد ٤/ ٨٦، وأبو داود (٤١٥٩)، والترمذي (١٧٥٦) وفي " الشمائل "، له (٣٥) بتحقيقي، والنسائي ٨/ ١٣٢ وفي "الكبرى"، له (٩٣١٥) ط. العلمية و (٩٢٦٤) ط. الرسالة، والروياني في " مسند الصحابة " (٨٧٠)، والحربي في " غريب الحديث ": ٤١٥، وابن حبان (٥٤٨٤)، والطبراني في

стр. 1316

" الأوسط " (٢٤٥٧) ط. الحديث و (٢٤٣٦) ط. العلمية، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٢٧٦، والبيهقي في " الآداب " (٦٩٧)، وابن عبد البر في " التمهيد "٨/ ٢٠٣، والبغوي (٣١٦٥) من طريق هشام بن حسّان، به. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح» (١). وقد توبع هشام على هذه الرواية، تابعه مُجّاعة بن مُرارة عند ابن عدي في " الكامل " ١/ ٤١٥ من طريق إبراهيم بن زكريا المعلم، عن مُجّاعة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، به، وزاد فيه: «أربعاً أو خمساً». إلا أنَّ هذه المتابعة لا قيمة لها؛ إذ إنَّ إبراهيم بن زكريا ضعيف الحديث (٢). وروايته غير محفوظة كما نص عليه ابن عدي عقب الحديث، ومجاعة فيه مقال (٣). قال أبو الوليد الباجي فيما نقله عنه المناوي في " فيض القدير " ٦/ ٤٠٤ : «وهذا وإن كان رواه ثقات لكنَّه لا يثبت؛ لأنَّ رواية الحسن عن ابن (٤) مغفل فيها نظر»، وقال المنذري فيما نقله عنه المناوي في " فيض القدير " أيضاً ٦/ ٤٠٤: «في الحديث اضطراب» هكذا قالوا، إلا أنَّ علة الحديث ليست في سماع الحسن من عبد الله بن مغفل كما ذهب إلى ذلك أبو الوليد الباجي، ﵀ إنَّما علة الحديث الإرسال والوقف.

стр. 1317

فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٥٩٤٩) من طريق أبي خزيمة (١). وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٥٩٥١)، والنسائي ٨/ ١٣٢ وفي "الكبرى"، له (٩٣١٦) ط. العلمية و (٩٢٦٥) ط. الرسالة من طريق قتادة. كلاهما: (أبو خزيمة، وقتادة) عن الحسن البصري، به مرسلاً. فالرواية المرسلة أصح؛ إذ إنَّ قتادة أوثق من هشام، كما أنَّ قتادة توبع على روايته تابعه أبو خزيمة كما سبق، فضلاً عن أنَّ هشام بن حسّان ضعيف في الحسن البصري خاصة؛ إذ قال الإمام أحمد في " العلل " (٧٨) رواية المروذي «روى أحاديث رفعها أوقفوها»، وقال ابن علية: «ما كنا نعد هشام بن حسّان في الحسن شيئاً»، وقال ابن معين: «كان شعبة يتقي هشام بن حسّان، عن عطاء وعكرمة والحسن» (٢). وكذلك أعلت رواية هشام بالوقف؛ إذ أخرجه النسائي ٨/ ١٣٢ وفي "الكبرى "، له (٩٣١٧) ط. العلمية و (٩٢٦٦) ط. الرسالة من طريق يونس ابن عبيد، عن الحسن ومحمد، به موقوفاً. قال النسائي قبيل الحديث: «خالفه - يعني: قتادة - يونس بن عبيد، رواه عن الحسن ومحمد قولهما» أي موقوفاً. والراجح والله أعلم أنَّ هذا الحديث مرسل إذ رواته عن الحسن مرسلاً أكثر وأوثق. وانظر: " تحفة الأشراف " ٦/ ٤٥٧ (٩٦٥٠) و ١٢/ ٢٨٥ (١٨٥٦٢) و ١٢/ ٤٨٠ (١٩٣٠٦)، و" أطراف المسند " ٤/ ٢٤٢ (٥٨٠٥)، و" إتحاف المهرة " ١٠/ ٥٦٦ (١٣٤٣٥). وقد يقع تعارض الوصل والإرسال من رواة عدة على مدار واحد، وأحياناً يقع التعارض من راوٍ واحد، فيضطرب في الحديث، فيأتي

стр. 1318

به مرسلاً مرة، وموصولاً تارة أخرى، مثاله ما روى عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيتَ وادَّهنوا بِهِ، فإنَّه منْ شجرةٍ مباركةٍ». أخرجه: عبد بن حميد (١٣)، وابن ماجه (٣٣١٩)، والترمذي (١٨٥١) وفي "العلل الكبير" (٣٣١) وفي " الشمائل "، له (١٥٨) بتحقيقي، والبزار (٢٧٥)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٤٤٥٠) وفي (تحفة الأخيار) (٤٤٩٠)، والحاكم ٤/ ١٢٢، والضياء المقدسي في " المختارة " ١/ ١٧٤ - ١٧٥ (٨٢) و (٨٣) من طريق عبد الرزاق، به. وأخرجه: معمر في " جامعه " (١٩٥٦٨)، ومن طريقه الترمذي (١٨٥١ م) وفي " الشمائل "، له (١٥٩) بتحقيقي عن زيد بن أسلم، عن أبيه، به مرسلاً. قال الترمذي في جامعه عقب تخريجه لهذا الحديث: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق، عن معمر. وكان عبد الرزاق يضطرب في رواية هذا الحديث، فربما ذكر فيه عن عمر، عن النبي ﷺ ، وربما رواه على الشك فقال: أحسبه عن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، وربما قال: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلاً». وقال في " العلل ": «سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: هو حديث مرسل، قلت له: رواه آخر عن زيد بن أسلم غير معمر؟ قال: لا أعلمه». وقال أبو حاتم في "العلل" لابنه (١٥٢٠): «حدّث مرة عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنّ النبي ﷺ .. هكذا رواه دهراً، ثم قال بعد: زيد بن أسلم، عن أبيه - أَحْسَبُهُ - عن عمر، عن النبي ﷺ ، ثم لم يَمُتْ حتى جعله عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بلا شك». قال يحيى بن معين في "تاريخه" (٥٩٥) برواية الدوري: «حدث معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيت وادّهنوا به». ليس هو بشيء، إنَّما هو عن زيد مرسلاً» فعلى هذا فالحديث معلول بسبب اضطراب عبد الرزاق فيه، والمرسل أصح.

стр. 1319

وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ١٨٠ (١٠٣٩٢)، و" إتحاف المهرة" ١٢/ ٩٠ (١٥١٤٤)، و" السلسلة الصحيحة " (٣٧٩). أقول: ترجح لي واتضح أنَّ هذا الحديث معلول لا يصح، ووصله خطأ، أخطأ فيه عبد الرزاق، والصواب أنَّه مرسل إذ إنَّ عبد الرزاق كان في آخر عمره يرويه موصولاً، ومعلوم أنَّ عبد الرزاق قد خلط في آخر الأمر، وروايته القديمة أصح. ثم إنَّ عبد الرزاق لم يذكره في مصنفه ورواه هو عن معمر كما في جامع معمر مرسلاً، وكأنها هي الرواية المعتمدة عنده في أول الأمر، ومع هذا كله فإنَّ عبد الرزاق قد اضطرب في هذا الحديث فرواه موصولاً ومرسلاً كما مر وشك فيه، فقال: أحسبه عن عمر كما عند البيهقي في " شعب الإيمان " (٥٩٣٩) ط. العلمية و (٥٥٣٩) ط. الرشد ولم يتابع عبد الرزاق على وصل الحديث، ولا على إرساله فقد تفرد به، ولعل عزوف المحدّثين عن روايته بسبب أنَّ الأصل فيه أنَّه مرسل. وهناك متابعة قاصرة لعبد الرزاق فقد أخرج الحديث الطبراني في "الأوسط " (٩١٩٦) كلتا الطبعتين من حديث أبي قرة، عن زمعة بن صالح، عن زياد بن سعد، عن أبيه، عن عمر، موصولاً. وقد أشار إليها البزار في "البحر الزخار"١/ ٣٩٧ (٢٧٥)، والدارقطني كما في " أطراف الغرائب والأفراد " ١/ ٩٦ (٧٧)، والبيهقي في " الشعب " عقب (٥٩٣٩). أقول: وهي متابعة لا قيمة لها؛ لضعف زمعة بن صالح. وانظر: "تحفة الأشراف" ٧/ ١٨٠ (١٠٣٩٥)، و"إتحاف المهرة" ١٢/ ٩٠ (١٥١٤٤). وروي الحديث من وجه آخر. فأخرجه: أحمد ٣/ ٤٩٧، والدارمي (٢٠٥٢)، والبخاري في " التاريخ الكبير" ٦/ ٢٥٥ (٣٠١١) (١)، والترمذي (١٨٥٢)، والنسائي في " الكبرى "

стр. 1320

(٦٧٠١) (١) و (٦٧٠٢) ط. العلمية و (٦٦٦٨) و (٦٦٦٩) ط. الرسالة، والعقيلي في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٤٠١ - ٤٠٢، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٥٩٦) و (٥٩٧)، والدولابي في " الكنى والأسماء " ١/ ٣٠، والحاكم ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨، والخطيب في " موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ١٩٣ - ١٩٥، والبغوي (٢٨٧١) من طريق سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنَّه منْ شجرةٍ مباركةٍ». قال الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، إنَّما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى». قلت: إلا أنَّ علة هذا الطريق ليست في تفرد سفيان، ولكن في عطاء الشامي وكما جاء في بعض الروايات بأنه ليس بابن أبي رباح، بل إنه مجهول قال ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٨٠: «وعطاء الشامي ليس بمعروف». قلت: وليس له في الكتب الستة إلا حديثاً واحداً، قال المزي في "تهذيب الكمال " ٥/ ١٨١ (٤٥٤٠): «روى له الترمذي والنسائي هذا الحديث الواحد» فذكر حديثنا هذا، ولم ينقل عن أحد من أهل العلم فيه جرحاً ولا تعديلاً. وكذلك ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ٤٤٠ (١٨٧٨) فيضعف الحديث بجهالة عطاء، وقد تكلم أهل العلم في حديثه هذا، فقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ٢٥٥ (٣٠١١): «لم يقم حديثه»، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ٧٧ (٥٦٥٦): «لَيَّنَ البخاريُّ حديثَهُ». وروي بصيغة الشك. أخرجه: أحمد ٣/ ٤٩٧، والدارقطني في " العلل " ٧/ ٣٣ (١١٨٥)، والبغوي (٢٨٧٠) بالإسناد نفسه إلا أنَّه قال: عن أبي أُسَيد أو أبي أَسِيد (٢)، والشك هنا من سفيان، قالها أحمد.

стр. 1321

وأخرجه: الخطيب في " موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ١٩٤ قال: وأخبرناه علي بن يحيى بن جعفر الإمام بأصبهان، قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا فضيل بن محمد الملطي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أُسَيد الساعدي، به. قال الخطيب: «كذا قال في هذه الرواية: عن أبي أُسيد الساعدي، بضم الألف من أسيد، وهو وهم وأراه من الملطي أو من الطبراني، والصواب: عن أبي أَسيد، كما ذكرنا من قبل بفتح الألف، واسم أبي أسيد الساعدي مالك بن ربيعة». قلت: ولعل الوهم من سفيان الثوري على اعتبار أنه رواه بصيغة الشك كما تقدم. وأخرجه: الخطيب في " موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ١٩٥ من طريق إسحاق بن سليمان الرازي، قال: حدثنا الجراح - يعني: ابن الضحاك الكندي -، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء بن أبي رباح - كذا قال - عن أبي أَسيد ﵁ به. قال الدارقطني فيما نقله الخطيب: «تفرد به (١) إسحاق بن سليمان، عن الجراح بن الضحاك، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، وخالفه الثوري فرواه عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء - وليس بابن أبي رباح - قال ذلك أبو نعيم عنه». وقال قُبيَله: «ورواه الجراح بن الضحاك الكندي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء بن أبي رباح وأخطأ فيه خطأ فاحشاً». وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٨١ (١١٨٦٠)، و"إتحاف المهرة " ١٤/ ١٠ (١٧٣٨١). وروي من حديث أبي هريرة.

стр. 1322

أخرجه: ابن ماجه (٣٣٢٠)، والحاكم ٢/ ٣٩٨ من طريق عبد الله بن سعيد، عن جده، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: فذكره. والحديث بهذا الإسناد شديد الضعف؛ من أجل عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري فهو متروك (١). وانظر: "تحفة الأشراف" ١٠/ ١٣٣ (١٤٣٣٨)، و"إتحاف المهرة" ١٥/ ٤٦٥ (١٩٧٠٤). مثال آخر: روى سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كانَ أحبُّ الشَّرابِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ الحلوَ الباردَ. أخرجه: الحميدي (٢٥٧)، وأحمد ٦/ ٣٨ و ٤٠، والترمذي (١٨٩٥) وفي " الشمائل "، له (٢٠٤) بتحقيقي، والنسائي في " الكبرى " (٦٨٤٤) ط. العلمية و (٦٨١٥) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٤٥١٦)، وابن المنذر في "الإقناع":٢٨٧، وابن حبان في " الثقات " ٨/ ٣٩، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات " (٩٩١) و (٩٩٣) و (١٠٣٨)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ " (٧٢٠) و (٧٢١)، والحاكم ٤/ ١٣٧، وأبو نعيم في " الطب النبوي " (ق ١٣٠ ب) (٢)، والبيهقي في " معرفة السنن والآثار" (٤٣٥٠) ط. العلمية و (١٤٤٤٩) ط. الوعي وفي " شعب الإيمان "، له (٥٩٢٨) ط. العلمية و (٥٥٢٨) ط. الرشد، والبغوي (٣٠٢٦) وفي " الأنوار في شمائل النبي المختار"، له (١٠٠٨) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ فإنَّه ليس عند اليمانيين، عن معمر». أقول: سفيان بن عيينة تفرد بوصل هذا الحديث؛ إذ قال الترمذي عقب (١٨٩٥): «هكذا روى غير واحد عن ابن عيينة مثل هذا عن معمر، عن

стр. 1323

الزهري، عن عروة، عن عائشة، والصحيح ما روي عن الزهري، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً». وزاد في "الشمائل": «إنَّما أسنده ابن عيينة من بين الناس». وقال الدارقطني في " العلل " (٥/ق ٢٨ أ) (١): «ولم يتابع ابن عيينة على ذلك». وخالف سفيانَ أصحابُ معمر الذين رووا الحديث عن معمر، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلاً ليس فيه عروة ولا عائشة. وممن رواه عن معمر، بالرواية المرسلة: عبد الرزاق (٢) عند ابن الأعرابي في " معجم شيوخه " ١/ ١٦٢ (٢١٣)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٥٩٢٧) ط. العلمية و (٥٥٢٧) ط. الرشد. وعبد الله بن المبارك (٣) عند الترمذي (١٨٩٦). وهشام بن يوسف الصنعاني (٤) كما ذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (١٥٨٨). ومحمد بن ثور الصنعاني (٥) كما ذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (١٥٨٨). فهؤلاء الأربعة من الثقات رووه عن معمر، عن الزهري، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً وفيهم عبد الرزاق، وعبد الله بن المبارك وهما من أوثق الناس في معمر، وكلهم خالفوا سفيان؛ فعلى هذا فإنَّ الرواية المرسلة عن معمر هي الصحيحة. قال أبو زرعة كما في " العلل " لابن أبي حاتم (١٥٨٨): «المرسل أشبه».

стр. 1324

وقال الترمذي عقب (١٨٩٦): «هكذا روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً. وهذا أصح من حديث ابن عيينة». وقال البيهقي: «كذلك رواه جماعة عن ابن عيينة، والأول أصح» يعني: المرسل. وما يؤيد صحة الرواية المرسلة أيضاً: أنَّ يونس بن يزيد الأيلي قد روى هذا الحديث عن الزهري، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً بمثل رواية معمر المرسلة. أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٤٥٥٧)، والترمذي (١٨٩٦) من طريقين عن يونس، به. إذن فالرواية المتصلة معلولة والحمل فيها على سفيان بن عيينة؛ لمخالفته أصحاب معمر، قال الإمام أحمد: «إذا اختلف أصحاب معمر في شيء فالقول قول ابن المبارك»، وقال فيما يرويه عنه ابن عساكر: «إذا اختلف أصحاب معمر فالحديث لعبد الرزاق»، وقال الدارقطني: «أثبت أصحاب معمر هشام بن يوسف، وابن المبارك» (١). ففي حال اختلاف أصحاب معمر فالقول لابن المبارك أو عبد الرزاق، فما بالك إذا اتفقا على شيء! فالقول قولهما وإن خالفهما ثقة مثل سفيان بن عيينة. وفيما تقدم علمنا أنَّ الرواية المرسلة هي الأصح عن معمر، وهي الأصح أيضاً عن الزهري؛ إذ رواها عنه ثقتان وهما: معمر ويونس بن يزيد الأيلي وخالفهم روح بن غطيف فرواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، به متصلاً مثل رواية سفيان بن عيينة. أخرجه: أبو نعيم في " الطب النبوي " (ق ١٣١ أ) (٢) من طريق القاسم بن مالك، قال: حدثنا روح بن غطيف، به. وروح هذا ضعيف الحديث. قال البخاري عنه في " التاريخ الكبير" ٣/

стр. 1325

٢٦٣ (١٠٤٧): «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٣/ ٤٤٨ (٢٢٤٥): «ليس بالقوي، منكر الحديث جداً»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (١٩٠): «متروك الحديث»، وذكره العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٢/ ٥٦. فحديث روح ضعيف إذا انفرد بالرواية، أما إذا خالف الأثبات الثقات، فروايته تكون منكرةً لا تصح. وخالفهم أيضاً زمعة بن صالح، فرواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ . ذكره البيهقي في " شعب الإيمان " عقب (٥٩٢٨) معلقاً وقال: «وليس بمحفوظ». وزمعة ضعيف أيضاً: ضعّفه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم (١)، وقال البخاري في "التاريخ الكبير " ٣/ ٣٧٢ (١٥٠٥): «يخالف في حديثه، تركه ابن مهدي أخيراً»، وقال أبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٥٥١ (٢٨٢٣): «مكيٌّ لينٌ، واهي الحديث، حديثه عن الزهري كأنَّه يقول مناكير»، وقال النَّسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٢٢٠): «ليس بالقوي، مكيٌّ، كثير الغلط عن الزهري». فروايته أيضاً منكرة لا تصح. إنَّما الصواب عن الزهري ما رواه معمر ويونس بن يزيد الأيلي عنه مرسلاً. وانظر: "تحفة الأشراف" ١١/ ٤٢٩ (١٦٦٤٨) و ١٢/ ٥٠٨ (١٩٤١٤)، و" إتحاف المهرة " ١٧/ ٢٦١ (٢٢٢٢١)، و" أطراف المسند" ٩/ ١٣٢ (١١٧٧٩). مثال آخر: روى عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يقبلُ الهديةَ ويُثيبُ عليها. أخرجه: إسحاق بن راهويه (٧٧٣)، وأحمد ٦/ ٩٠، وعبد بن حميد

стр. 1326

(١٥٠٣)، والبخاري ٣/ ٢٠٦ (٢٥٨٥)، وأبو داود (٣٥٣٦)، والعجلي في "الثقات" (١٧٠٨)، والترمذي (١٩٥٣) وفي " الشمائل "، له (٣٥٧) بتحقيقي، وابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (٣٥٦)، وأبو الشيخ في " أخلاق النَّبيِّ ﷺ " (٧٤٠)، والبيهقي ٦/ ١٨٠، والخطيب في " تاريخ بغداد" ٤/ ٢٢٣ وفي ط. الغرب ٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧، وابن عبد البر في " التمهيد" ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والبغوي (١٦١٠)، والمزي في "تهذيب الكمال" ٥/ ٥٦٧ (٥٢٦٢)، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٥٩٤. قال البخاري عقب الحديث: «لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام، عن أبيه: عن عائشة» وقال ابن حجر: «فيه إشارة إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام» (١). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عيسى بن يونس، عن هشام». وقال أحمد بن حنبل: «كان عيسى بن يونس يسند حديث الهدية، والناس يرسلونه».

стр. 1327

وقال البغوي: «هذا حديث صحيح». انظر: "فتح الباري" ٥/ ٢٥٩ عقيب (٢٥٨٥)، و"تهذيب التهذيب" ٨/ ٢٠٦ (٥٥٨٧)، و"تاريخ دمشق" ٥١/ ١٩. قال يحيى بن معين: «حديث هشام عن أبيه، عن عائشة: كان النَّبيُّ ﷺ يقبل الهديةَ، إنَّما هو عن هشام، عن أبيه فقط»، وقال: «عيسى بن يونس يسند حديثاً عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة، والناس يحدّثون به مرسلاً». انظر: " تاريخه " برواية الدوري (١١٣٨) و (٢٩٧٢) و (٢٩٧٣)، و" تاريخ دمشق" ٥١/ ١٩. وقال الإمام الدارقطني في " التتبع ": ٣٤٣ (١٨٥): «رواه وكيع ومحاضر ولم يذكرا عن عائشة». أقول: هؤلاء الجهابذة من المحدّثين: ابن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو داود، والدارقطني يرجّحون رواية وكيع ومحاضر، على رواية عيسى بن يونس؛ لاجتماعهما، ولأنَّهما أوثق من عيسى بن يونس. قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في تعليقه على "التتبع": ٣٤٣ : «وإذا رجعنا إلى " تهذيب التهذيب " وجدنا الثناء على وكيع بن الجراح أكثر منه على عيسى، وإن كان كل منهما قد أثنى عليه المحدّثون، ووكيع قد تُوبع. ولذلك جاء في "تهذيب التهذيب" في ترجمة عيسى بن يونس: وقال الأثرم عن أحمد: كان عيسى بن يونس يسند حديث الهدية والناس يرسلونه. وقال ابن معين: عيسى بن يونس يسند حديثاً عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة، والناس يرسلونه». أما عن تخريج الرواية المرسلة فقد قال الحافظ ابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ٣٥٥: «أما حديث وكيع، فقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه ": حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان النَّبيُّ ﷺ يقبل الهدية ويثيبُ ما هو خير منها. وأما حديث محاضر … » هكذا بَيّضَ الحافظ

стр. 1328

لرواية محاضر ليخرجها، لكنَّه لم يقف عليها كما صرح بذلك في " الفتح " ٥/ ٢٥٩ عقيب (٢٥٨٥). وهناك رواية يظنها غير المتأمل أنَّها متابعة لعيسى بن يونس وهي ما أخرجه: ابن عدي في "الكامل" ٣/ ٩٠ من طريق حميد بن الربيع، عن النضر ابن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به. وهذه الرواية لا قيمة لها ولا أصل، وحميد بن الربيع يسرق الحديث؛ لذا قال ابن عدي عقب الرواية: «وهذا حديث عيسى بن يونس، ويعرف به عن هشام بن عروة فألزقه حميد بن الربيع على النضر بن إسماعيل». وأمثلة هذه المتابعات الصورية كثيرة، وإنما تدخل على من دخل هذا العلم من غير بابه؛ فيغتر به، أما من أدمن النظر في كلام الأئمة واقتفى أثرهم وسار على طريقهم؛ فإن ذلك يكون جُنة له من الزلل، والفطنة من خير ما أوتيه الناس. وانظر: "تحفة الأشراف" ١١/ ٥٦٥ (١٧١٣٣)، و"أطراف المسند" ٩/ ١٧٤ (١١٩٢٩). ومثال ما رُجَّح فيه الإرسال بسبب ضبط وإتقان المرسلين، مع تماثل العدد، ما روى محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁، قالَ: خرجَ عَلينا رسول الله ﷺ وَنَحنُ نَقْرأُ القُرآنَ وفِينا الأعجميُّ، والأعرابيُّ، فقالَ: «اقرؤُا وكلٌّ حسنٌ، وسَيأتي قومٌ يقوِّمونه كما يُقوَّم القِدْحُ، يتعجّلونَهُ ولا يتأجلُونَهُ» (١). أخرجه: سعيد بن منصور (٣١) (التفسير)، وأحمد ٣/ ٣٩٧، وأبو داود (٨٣٠)، والفريابي في "فضائل القرآن" (١٧٤)، والآجري في "أخلاق حملة القرآن" (٢٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤٢) ط. العلمية و (٢٣٩٩) ط. الرشد، والبغوي (٦٠٩) من طرق عن خالد بن عبد الله بن الطحان، عن

стр. 1329

حميد وهو ابن قيس الأعرج (١). وأخرجه: أحمد ٣/ ٣٥٧، وأبو يعلى (٢١٩٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤٣) و (٢٦٤٤) ط. العلمية و (٢٤٠٠) و (٢٤٠١) ط. الرشد من طريق أسامة بن زيد الليثي (٢). كلاهما: (حميد، وأسامة) عن محمد بن المنكدر، به. هذا الحديث أُعل بالإرسال فقد رواه سفيان بن عيينة عند عبد الرزاق (٦٠٣٤)، وسعيد بن منصور (٣٠) (التفسير) عن محمد بن المنكدر به مرسلاً. وقد توبع سفيان بن عيينة على إرسال هذه الرواية، تابعه سفيان الثوري عند ابن أبي شيبة (٣٠٥٠٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤١) ط. العلمية و (٢٣٩٨) ط. الرشد، عن ابن المنكدر به مرسلاً. قلت: والناظر في حال الروايتين لن يشك برهة في ترجيح رواية السفيانين على رواية نظيريهما. انظر: "تحفة الأشراف" ٢/ ٤٧٩ (٣٠١٣)، "وأطراف المسند" ٢/ ١٥٥ (١٩٨٧)، "وإتحاف المهرة" ٣/ ٥٦٤ (٣٧٥٥)، و " المسند الجامع " ٤/ ٣١٥ (٢٨٦٧). وقد روي بنحو هذا من حديث أنس بن مالك ﵁. أخرجه: أحمد ٣/ ١٤٦ من طريق ابن لهيعةَ، قال: حدثنا بَكرُ بن سوادةَ، عن وفاء الخولانيِّ، عن أنس بن مالك، قال: بينَما نحنُ نَقْرأ فينا العربيُّ والعَجَميُّ، والأسودُ، والأبيضُ إذ خرجَ عَلينا رسول الله ﷺ ، فقالَ: «أنتُم في خَيرٍ تَقْرؤونَ كتِاب اللهِ وفيكمُ رسولُ الله ﷺ ، وسَيَأتي على النّاسِ زمانٌ يثقفونه كما يُثقفونَ القِدْحَ، يَتَعجَّلونَ أجورهم ولا يَتَأجلونها». هذا الإسناد فيه عبد الله بن لهيعة وفيه كلامٌ شديد، وقد تقدمت ترجمته

стр. 1330

مراراً في هذا الكتاب، زد على ذلك فقد اختلف فيه عليه فكما تقدم رواه عن وفاء الخولاني. ورواه أيضاً عند أبي عبيد في "فضائل القرآن": ١٠٦ (٥ - ٢٩)، وأحمد ٣/ ١٥٥ عن بكر بن سوادة، عن أبي حَمْزة الخولاني، عن أنس. قلت: وهذا الإسناد على ما فيه من ضعف، فإنَّه زاده ضعفاً جهالة أبي حمزة، فقد ذكره البخاريُّ في "الكنى" (٢٠٩) وسكت عنه، وقال أبو زرعة فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٤٢٠ (١٩٤٥): «هو مصريٌّ لا يعرف اسمه»، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٥٧٨ على عادته في توثيق المجاهيل. ومن الاختلاف على ابن لهيعة أيضاً ما رواه عند أبي عبيد في "فضائل القرآن": ١٠٦ (٤ - ٢٩) عن بكر بن سوادة، عن وفاء (١) الحضرمي، عن سَهْل بن سعد، عن النبي ﷺ . ورواه أيضاً عند أبي داود (٨٣١) ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤٧) ط. العلمية و (٢٤٠٤) ط. الرشد عن وفاء بن شريح (٢). ورواه عند ابن حبان (٦٧٢٥)، والطبراني في "الكبير" (٦٠٢٤) من طريق بكر بن سَوادةَ، عن وَفَاءِ بن شُريح، عن سَهْل بن سعد الساعديِّ، قالَ: خرجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ يوماً ونحنُ نَقترئُ، فقال: «الحمدُ للهِ كتابُ الله واحدٌ، وفيكمُ الأحمرُ، وفيكمُ الأبيضُ، وفيكم الأسودُ، اقْرؤوه قَبلَ أنْ يقرأه أقوامٌ يُقيمونَهُ كما يقوَّمُ السَّهْمُ، يتعجلُ أجرَهُ ولا يتأجله» (٣). وانظر: "تحفة الأشراف" ٣/ ٦٧٤ (٤٨٠٧)، وأطراف المسند " ١/ ٥٤٤ (١٠٥٢).

стр. 1331

قلت: على أنَّ الراجحَ منْ هذه الطرقِ الأخيرُ، فإنَّه توبع عليه. فقد أخرجه: أبو داود (٨٣١)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤٧) ط. العلمية و (٢٤٠٤) ط. الرشد. وأخرجه: ابن حبان (٧٦٠) و (٦٧٢٥) وفي "الثقات"، له ٥/ ٤٩٨، والطبراني في "الكبير" (٦٠٢٤)، والمزي في " تهذيب الكمال" ٧/ ٤٥٩ (٧٢٨٦) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن [بكر بن سوادة] (١)، عن وفاء بن شريح، عن سَهْل، به. ومما تقدم نرى أنَّه قد اختلف في اسم (وفاء بن شريح) فإنَّه جاء عند ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٦٣ (٢١٠)، وابن حبان في "الثقات" ٥/ ٤٩٧: «وقاء بن شريح» في حين جاء في بقية مصادر ترجمته: «وفاء»، ويقوي الذي جاء في مصادر التخريج ما في " التحفة " ٣/ ٦٧٤ (٤٨٠٧)، وفي "عون المعبود" ٣/ ٥٩ إلا أنَّ هذا الترجيح لا ينفع في حال وفاء، فإنَّه مجهول الحال، فقد ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" ٨/ ٧٩ (٢٦٦٢)، والبرديجي في "الأسماء المفردة" (٣١٥) (٢)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٦٣ (٢١٠)، وابن حبان في "الثقات" ٥/ ٤٩٧ - ٤٩٨، والذهبي في "الكاشف" (٦٥٢)، وابن ماكولا في "الإكمال" ٧/ ٣٠٤، والمزي في "تهذيب الكمال" ٧/ ٤٥٩ (٧٢٨٦) إلا أنَّ أحداً لم يذكره بجرح ولا تعديل، فضلاً عن أنَّه قليل الحديث جداً، والدليل على ذلك أنَّ جميع مصادر ترجمته، ذكرت له هذا الحديث فقط. وقد روي هذا الحديث عن سَهْل من غير هذا الطريق. فأخرجه: عبد بن حميد (٤٦٦)، والطبراني في "الكبير" (٦٠٢١) و (٦٠٢٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤٥) و (٢٦٤٦) ط. العلمية و (٢٤٠٢) و (٢٤٠٣) ط. الرشد من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن سَهْل بن سعد، بنحوه.

стр. 1332

وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف موسى بن عبيدة، فقد قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٧٣٢) برواية الدارمي: «ضعيف» وفي رواية الدوري (١٢١٠): «لا يحتج بحديثه» ونقل المزي في "تهذيب الكمال" ٧/ ٢٧٠ (٦٨٧٥) عن أحمد أنَّه قال فيه: «لا يُكتب حديث موسى بن عبيدة، ولم أُخرِّج عنه شيئاً، وحديثه منكر»، ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٨/ ١٧٦ (٦٨٦) عن أبيه أنَّه قال فيه: «منكر الحديث» وعن أبي زرعة قوله فيه: «ليس بقويِّ الحديث». وقد روي من غير هذا الوجه. فأخرجه: سعيد بن منصور (٦٠) (التفسير)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان " (٢٦٤٨) ط. العلمية و (٢٤٠٥) ط. الرشد من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمار (١)، عن حذيفة، قال: لَيَقْرَأَنَّ القرآنَ أقوامٌ يقيمونَهُ كما يقامُ القدح لا يدعونَ منه ألفاً، ولا يجاوزُ إيمانُهم حناجرهم. وهذا الإسناد متصل بثقات، ولا يخشى فيه إلا عنعنة الأعمش فهو مدلس (٢)، والله أعلم. وقد يختلف في الحديث وصلاً وإرسالاً مع ضعف الوجهين، مثاله ما روى أبان بن عبد الله البجليُّ، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا صعدَ المنبرَ، استقبلناهُ بوجوهِنا. أخرجه: ابن خزيمة كما في " الذيل" (٣٣٢٥) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي ٣/ ١٩٨ من طريق علي بن غراب (٣)، عن أبان بن عبد الله البجلي (٤)، بهذا الإسناد موصولاً.

стр. 1333

قال ابن خزيمة: «هذا الخبر عندي معلول». أقول: هذا حديث اضطرب فيه أبان بن عبد الله فرواه موصولاً كما سبق. ورواه مرسلاً: فأخرجه: ابن أبي شيبة (٥٢٦٦) من طريق وكيع، عن أبان بن عبد الله، عن عدي بن ثابت، قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا خطب، استقبله أصحابه بوجوههم. مرسلاً. وهذه الرواية ضعيفة؛ لإرسالها وهي كما ترى من رواية من رواها موصولة. وأخرجه: أبو داود في "المراسيل": ٩١ ط. القلم و (٥٤) ط. الرسالة قال: حدثنا (١) أبو توبة، قال: حدثنا (٢) عبد الله بن المبارك، عن أبان بن عبد الله، قال: كنت مع عدي بن ثابت يوم الجمعة، فلما خرج الإمام - أو قال: صعد المنبر - استقبله، وقال: هكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلونه برسول الله ﷺ . إلا أنَّ ابن التركماني قال في "الجوهر النقي" ٣/ ١٩٨ - ١٩٩: «هذا مسند وليس بمرسل؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول، فلا تضرهم الجهالة». وروي موقوفاً. إذ أخرجه: ابن خزيمة كما في "الذيل" عقب (٣٣٢٥) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي ٣/ ١٩٨ - ١٩٩ من طريق النضر بن إسماعيل، عن أبان بن عبد الله البجلي، قال: رأيت عدي بن ثابت يستقبل الإمام بوجهه إذا قام يخطب، فقلت له: رأيتك تستقبل بوجهك، قال: رأيت أصحاب النَّبيِّ ﷺ يفعلونه. هذا إسناد ضعيف؛ فيه النضر بن إسماعيل، قال عنه يحيى بن معين في

стр. 1334

"تاريخه" (١٣١١) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وقال أبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٨/ ٥٤٠ (٢١٧٧): «ليس بالقوي»، وقال أحمد بن حنبل في " لجامع في العلل " ١/ ٣٣ (٢١٨): «ليس هو بالقوي»، وفي ٢/ ١٩٩ (١٨٥١) قال: «لم يكن يحفظ الإسناد»، وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٥٩٥): «ليس بالقوي». وأخرجه: ابن ماجه (١١٣٦) من طريق الهيثم بن جميل، عن ابن المبارك، عن أبان بن تغلب (١)، عن عدي بن ثابت، عن أبيه (٢)، قال: كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. قال ابن ماجه فيما نقله القرطبي في "تفسيره" ١٨/ ١١٧، وابن الملقن في " البدر المنير" ٤/ ٦٣٢، وابن حجر في " تهذيب التهذيب" ٢/ ١٩ وفي "التلخيص الحبير"، له ٢/ ١٥٨ (٦٤٧)، والشوكاني في "نيل الأوطار" ٣/ ٢٦٢: «أرجو أن يكون متصلاً». فتعقبه الحافظ فقال: «كذا قال ووالد عدي لا صحبة (٣) له، إلا أن يراد بأبيه جده أبو أبيه فله صحبة على رأي بعض الحفاظ من المتأخرين». وقال ابن حجر في " تهذيب التهذيب " بعد ذكر قول ابن ماجه: أرجو أن يكون متصلاً: «لا شك ولا ارتياب في كونه مرسلاً أو يكون سقط منه: عن جده، والله أعلم». قلت: ولا تصح لثابت والد عدي صحبة، وروايته هذه مرسلة، فقد قال

стр. 1335

الدارقطني كما في " سؤالات البرقاني " (٣٩٩): «لا يثبت، ولا يعرف أبوه ولا جده، وعدي ثقة»، وقال البرقاني فيما نقله المزي في "تهذيب الكمال" ١/ ٤١٢ (٨٢٣)، وابن حجر في " تهذيب التهذيب" ٢/ ١٩: «قلت لأبي الحسن الدارقطني: عدي بن ثابت ابن من؟ قال: قد قيل ابن دينار. وقيل: إنَّه يعني جده أبا أمه، وهو عبد الله بن يزيد الخطمي، ولا يصح من هذا كله شيء. قلت: فيصح أنَّ جده أبا أمه عبد الله بن يزيد؟ فقال: كذا زعم يحيى ابن معين». وهذا الطريق وهم بالكامل فكما تقدم أن الرواية المرسلة عن ابن المبارك رواها أبو توبة وهو ثقة حجة عابد (١)، والرواية الموصولة رواها عنه الهيثم بن جميل وهو ثقة من أصحاب الحديث، وكأنه تَرَكَ فتغيَّر (٢). على أنَّ الحديث ورد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر، استقبلناه بوجوهنا. أخرجه: الترمذي (٥٠٩)، وأبو يعلى (٥٤١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٤٥ من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، به. قال الترمذي: «وحديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضل بن عطية، ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف ذاهب الحديث عند أصحابنا. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب. وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء»، وقال أبو نعيم: «تفرد به محمد بن الفضل بن عطية، عن منصور». هذا الحديث ضعيف؛ تفرد به محمد بن الفضل بن عطية، عن منصور. ومحمد بن الفضل قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٤٧٥٥) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وقال أبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في "الجرح
следующие страницы →