قال البزار عقبه: «لا نعلمه عن عمر مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد رواه غير مطرف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده».
قلت: وهذا يعني أنَّ البزار رجح الرواية الأولى. أما حديث عمر ﵁ فإنَّه معلول بالانقطاع.
قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٤/ ١٥٤: «رواه البزار، وسعيد بن المسيب لم يسمع من عمر» وكذلك فهو معلول بمخالفة مطرف الرواة عن عمرو وقد تقدم.
وفي الباب عن عائشة ﵂ عند ابن حبان (٤١٠) و (٤٢٦٢). وإسناده حسن.
مما تقدم يتبين أنَّ حديث جابر قد اضطرب محمد بن المنكدر فيه، فرواه تارة موصولاً وهذا تقويه كثرةُ المتابعات وقوةُ بعضها، ورواه تارة مرسلاً، وهذا تقويه قوةُ وتَثَبُّتُ من رواها عنه، ومهما يكن من أمر، فالحديث يرتقي إلى الحسن (١) بإسناد عمرو بن شعيب، وإسناد حديث السيدة عائشة رضي الله عن الجميع.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٢/ ٥١٠ (٣٠٩٣)، و"نصب الراية" ٣/ ٣٣٧، و"إتحاف المهرة "٣/ ٥٦٢ (٣٧٤٩)، و"التلخيص الحبير" ٣/ ٤٠١ (١٥٤٨).
ومما رُجح فيه الإرسال على الوصل للأحفظية ما روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار: أنَّ عبد الله بن عَدي الأنصاري حدثه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بينما هو جالسٌ بينَ ظهراني الناسِ، إذ جاءَهُ رجلٌ (٢) يستأذنه أنْ يُسارَّهُ،
стр. 1402
فَسارَّهُ في قتل رجلٍ منَ المنافقينَ، فجهر النَّبيُّ ﷺ بكلامه وقال: «أليسَ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله؟» قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادةَ لهُ، قال: «أليسَ يشهدُ أني رسولُ الله؟»، قالَ: بلى يا رسولَ الله، ولا شهادةَ لهُ، قالَ: «أليسَ يصلي؟» قال: بلى ولا صلاةَ له، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أولئكَ الذينَ نُهيتُ عنهم» (١).
أخرجه: عبد الرزاق (١٨٦٨٨)، ومن طريقه أحمد ٥/ ٤٣٣، وعبد بن حميد (٢)(٤٩٠)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٩٥٨)، وابن حبان (٥٩٧١)، والبيهقي ٨/ ١٩٦ وفي " شعب الإيمان "، له (٢٧٩٧) ط. العلمية و (٢٥٤٠) ط. الرشد، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢٦٠.
هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه أعل بالإرسال، قال ابن أبي حاتم في "العلل " (٩٠٧): «سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن عبد الله بن عدي الأنصاري، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ ليستأذنه في قتل رجلٍ منَ المنافقين … » الحديث. قال أبي: «هذا خطأ، إنَّما هو عن عبيد الله بن عدي، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً».
قلت لأبي: «الخطأ ممن هو؟» قال: «من عبد الرزاق».
وهذه الرواية توقف فيها إسماعيل القاضي فقال فيما نقله ابن عبد البر
стр. 1403
في "التمهيد " ٤/ ٢٦٠: «وسمى معمر الرجل: عبد الله بن عدي الأنصاري إن
كان ذلك مضبوطاً عنه».
وأخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٩٥٦)، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢٥٩ من طريق الليث بن سعد.
وأخرجه: أحمد ٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٩٥٩) من طريق ابن جريج.
وأخرجه: ابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢٦٠ من طريق محمد ابن أخي ابن شهاب (١).
ثلاثتهم: (الليث، وابن جريج، ومحمد) عن الزهري، عن عطاء ابن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أنَّ رجلاً من الأنصار حدثه … .
وتابعهم: صالح بن كَيْسان عند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٩٦٠)، وأبو أويس عند ابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢٦٠ عن عطاء بن يزيد أنَّه أخبره: أنَّ عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: إنَّ نفراً من الأنصار حدثوه .. فجعلاه عن نفر من الأنصار (٢).
وقد روي هذا الحديث مرسلاً دون ذكر أي وساطة بين عبيد الله بن عدي، والنَّبيِّ ﷺ .
стр. 1404
أخرجه: مالك (١) في " الموطأ " (٤٧٤) برواية الليثي و (٥٦٩) برواية أبي مصعب الزهري و (١٨٣) برواية سويد بن سعيد، ومن طريقه الشافعي في
"الأم " ٦/ ١٥٧ وفي ط. الوفاء و ٧/ ٣٩٦ وفي " السنن المأثورة " (٦٤٢) وفي "المسند" له (١٦٠٢) بتحقيقي، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٩٥٥)، والبيهقي ٨/ ١٩٦ وفي " المعرفة " (٢٠٥٣) و (٢٠٥٤) و (٥٠٢٦) … ط. العلمية و (٧٣٠٢) و (١٦٥٧٧) ط. الوعي وفي " شعب الإيمان "، له (٢٧٩٦) ط. العلمية و (٢٥٣٩) ط. الرشد.
وأخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٩٥٧)، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢٥٨ من طريق سفيان بن عيينة، به.
كلاهما: (مالك، وسفيان) عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار مرسلاً.
ذكر الإمام النَّسائيُّ عن ابن المبارك أنَّه قال: «الحفّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك ومعمر وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قولٍ أخذنا به وتركنا قول الآخر» (٢).
وتابعهما ابن جريج عند ابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢٥٩.
ورواية ابن جريج ضعيفة؛ لضعف روايته عن الزهري خاصة، قال يحيى ابن معين في " تاريخه " (١٣) برواية الدارمي: «ليس بشيء في الزهري» كما
стр. 1405
أنَّه اضطرب في روايته لهذا الحديث، فمرة رواه بمثل رواية الليث كما مر، ومرة يجعله مرسلاً دون وساطة مثل رواية مالك وابن عيينة.
وانظر: " أطراف المسند " ٣/ ٣١٣ (٤٠٠٢)، و" إتحاف المهرة " ٨/ ٢٥٧ (٩٣٣٤).
وأحياناً يروي الراوي الحديث فيختلف فيه، فيرويه عنه جمع … موصولاً، ويرويه آخرون مرسلاً، فيختلف النقاد في الترجيح، ولربما توقف الباحث في الترجيح، مثاله ما روى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما زالَ رسولُ الله ﷺ يسألُ عنِ الساعةِ حتّى نزلتْ: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى ربِّك مُنْتَهَاها﴾.
هذا حديث ظاهره الصحة، إلا أنَّ سفيان بن عيينة تفرّد به عن الزهري واضطرب، فرواه مرةً موصولاً ومرة مرسلاً.
أما الموصول:
فأخرجه: إسحاق بن راهويه (٧٧٧).
وأخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (٢٢٧٩)، والطبري في "تفسيره " (٢٨١٣٩) ط. الفكر و ٢٤/ ٩٩ ط. عالم الكتب، وأبو نعيم في "الحلية " ٧/ ٣١٤ من طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي.
قال البزار: «لا نعلم رواه هكذا إلا سفيان».
وقال أبو نعيم: «لا أعلم رواه عن الزهري غير ابن عيينة».
وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ١٣٣: «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح».
وأخرجه: الصيداوي في " معجم شيوخه ": ٣٢٨، والخطيب في "تاريخ بغداد " ١١/ ٣٢١ وفي ط. الغرب ١٣/ ٢١٩ - ٢٢٠ من طريق عبدان ابن الجنيد العسكري.
وأخرجه: الحاكم ١/ ٥ و ٢/ ٥١٣ - ٥١٤ من طريق الحميدي.
стр. 1406
أربعتهم: (إسحاق، ويعقوب، وعبدان، والحميدي) عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، به موصولاً.
قال الحاكم: «هذا حديث لم يخرّج في الصحيحين، وهو محفوظ على شرطهما معاً، وقد احتجا معاً بأحاديث ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة».
وأما المرسل:
فأخرجه: الشافعي في " مسنده" (١٨٠٣) بتحقيقي وفي " الأم " ١/ ٢٢٦ ط. الوفاء وفي " الرسالة " (١٣٧٣) بتحقيقي وفي " أحكام القرآن "، له ٢/ ١٧٧ - ١٧٨.
وأخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (٣٤٨٩).
وأخرجه: نعيم بن حماد في " الفتن " عقب (١٣٦٢).
ثلاثتهم: (الشافعي، وعبد الرزاق، ونعيم بن حماد) عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، به مرسلاً.
قال أبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في " العلل " (١٦٩٣): «الصحيح مرسلاً (١) بلا عائشة».
قلت: ويبقى أنَّ الحديثَ مضطرب ولا مرجح لإرساله أو وصله.
إلا أنَّ الحاكم قال ٢/ ٥١٤: «فإنَّ ابن عيينة كان يرسله بآخره». أشار الحاكم بهذا القول إلى ما تردد من أنَّ ابن عيينة قد اختلط في آخره، إذ نقل الذهبي في " الميزان" ٢/ ١٧١ (٣٣٢٧) عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن يحيى بن سعيد القطّان أنَّه قال: «أشهد أنَّ سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومئة فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء».
فتعقبه قائلاً: «وأنا أستبعد هذا الكلام من القطّان، وأعده غلطاً من ابن عمار؛ فإنَّ القطّان مات في صفر سنة ثمان وتسعين ٠٠ فمتى تمكن يحيى بن
стр. 1407
سعيد من أنْ يسمع اختلاط سفيان، ثم يشهد عليه بذلك، والموت قد نزل به، فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع، مع أنَّ يحيى متعنتٌ جداً في الرجال وسفيان فثقة مطلقاً، والله أعلم».
وانظر: "جامع المسانيد" ٣٥/ ١٣٢ - ١٣٣ (١١٢١)، و"إتحاف المهرة" ١٧/ ٢٦١ (٢٢٢٢٣).
ومما اختلف في وصله وإرساله ورُجح الإرسال كون راويه أحفظ وأتقن ما روى سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يَغْلَقُ الرَّهنُ له غُنْمُهُ وعليهِ غُرْمُه» (١).
أخرجه: الدارقطني ٣/ ٣١ ط. العلمية و (٢٩٢٠) ط. الرسالة وفي "العلل"، له ٩/ ١٦٨ س (١٦٩٤)، والحاكم ٢/ ٥١، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٣١٥، والبيهقي ٦/ ٣٩ و ٤٠ وفي " المعرفة "، له (٣٦٢٠) ط. العلمية … و (١١٧٤٧) ط. الوعي، وابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٧٩ و ١٨٠، وابن الجوزي في " التحقيق" (١٥١٤) من طريق عبد الله بن عمران العابدي (٢)، عن سفيان بن عيينة، به.
قال الدارقطني عقيب الحديث: «زياد بن سعد أحد الحفّاظ الثقات، وهذا إسناد حسن متصل».
وقال الحاكم عقيب الحديث: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ لخلاف فيه على أصحاب الزهري».
قال البيهقي: «قد رواه غيره - أي: العابدي - عن سفيان، عن زياد مرسلاً، وهو المحفوظ (٣)».
стр. 1408
وقال الدارقطني كما في " أطراف الغرائب والأفراد " ٥/ ١٦٩ (٥٠٣٣): «ورواه زياد بن سعد، عن الزهري، وتفرّد به سفيان بن عيينة عنه، وتفرّد به عبد الله بن عمران العابدي، عن ابن عيينة متصلاً».
وقد تابعه على هذا القول أبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٣١٥ إذ قال: «غريب من حديث ابن عيينة، عن زياد، عن الزهريِّ، تفرّد به عبد الله العابدي (١)، عن ابن عيينة عنه».
قلت: كلام الدارقطني وأبي نعيم فيه نظر؛ إذ لم يتفرّد عبد الله العابدي به، فقد تابعه إسحاق بن عيسى الطباع وهو صدوق (٢)، عن ابن عيينة به.
ورواية إسحاق بن عيسى الطباع أخرجها: ابن حبان (٥٩٣٤) عن آدم بن موسى. وأخرجها: أبو الشيخ في " طبقات المحدّثين " ٤/ ٢٥٨ من طريق أحمد بن محمد بن سريج (٣).
كلاهما: (آدم، وأحمد) عن الحسين بن عيسى البِسْطامي، عن إسحاق ابن عيسى، عن ابن عيينة.
إلا أنَّ أبا اليمان خالفهما، فرواه عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، مرسلاً.
ورواية أبي اليمان أخرجها: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٠٠ وفي ط. العلمية (٥٧٦٢) قال: حدَّثنا فهد، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، به مرسلاً.
وقد اتفق جمع من العلماء على ترجيح الرواية المرسلة؛ إذ قال أبو داود
стр. 1409
كما في " تحفة الأشراف " ١٢/ ٣٣٠ (١٨٧٣٧): «وكذلك رواه ابن عيينة، عن زياد بن سعد ويونس بن يزيد كما قال مالك - أي الرواية المرسلة -»، وقال الدارقطني في " العلل " ٩/ ١٦٨ س (١٦٩٤) بعد أنْ ذكر الروايات: «كذلك روي عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد وهو الصواب»، وقال البيهقي ٦/ ٤٠: «قد رواه غيره - أي غير العابدي -، عن سفيان، عن زياد مرسلاً، وهو المحفوظ»، وقال ابن عبد البر في "التمهيد " ٣/ ١٨١: «فإنَّ الأثبات من أصحاب ابن عيينة يروونه عن ابن عيينة لا يذكرون فيه أبا هريرة ويجعلونه عن سعيد مرسلاً».
وروي الحديث عن الزهري من طرق أخرى.
إذ رواه مالك واختلف عليه، فرواه خارج " الموطأ " موصولاً.
إذ أخرجه: الصيداوي في " معجمه ": ٢١٠ - ٢١١، ومن طريقه الخطيب في " تاريخ بغداد " ٦/ ١٦٥ وفي ط. الغرب ٧/ ١٠١ من طريق أحمد ابن بكرويه، عن محمد بن كثير.
وأخرجه: الحاكم ٢/ ٥١، وابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٧٨ - ١٧٩ من طريق علي بن عبد الحميد الغضائري، قال: حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا معن بن عيسى (١).
كلاهما: (محمد، ومعن) عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، متصلاً.
وتابعهما أحمد بن إبراهيم بن أبي سكينة عند الخطيب في " تاريخ بغداد " ٣/ ٣٠٣ وفي ط. الغرب ٤/ ٤٨٨، وابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٨٠ إذ رواه عن مالك به متصلاً إلا أنَّه قرن مع سعيد بن المسيب أبا سلمة.
وهذا معلول، فرواية محمد بن كثير فيها أحمد بن بكرويه وهو ضعيف قال عنه ابن عدي في " الكامل " ١/ ٣٠٨: «روى أحاديث مناكير عن الثقات»، وذكره الذهبي في " المغني في الضعفاء " (٢٤٩).
стр. 1410
وأما رواية معن بن عيسى فقال فيها ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٧٨ بعد قوله: مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يغلقُ الرهنُ» «هكذا رواه كل من روى " الموطأ " عن مالك فيما علمت إلا معن بن عيسى (١) فإنَّه وصله فجعله عن سعيد، عن أبي هريرة. ومعن ثقة إلا أني أخشى أنْ يكون الخطأ فيه من علي بن عبد الحميد الغضائري».
وأما رواية أحمد بن إبراهيم، فهي ضعيفةٌ أيضاً، فإنَّ أحمد مجهول الحال، قال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ١/ ٨٠ (٢٨٠): «ما رأيت لهم فيه كلاماً».
ورواه في " الموطأ " وغيره مرسلاً رواه عنه سويد بن سعيد (٢٩٧)، وأبو مصعب الزهري (٢٩٥٧)، ويحيى الليثي (٢١٣٢)، وعبد الله بن وهب عند الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٠٠ وفي ط. العلمية (٥٧٥٨) وبشر بن الحارث عند الخطيب في " تاريخ بغداد" ١٢/ ٢٤٢ وفي ط. الغرب ١٤/ ١٦٢ - ١٦٣.
خمستهم: (سويد، وأبو مصعب الزهري، ويحيى الليثي، وابن وهب، وبشر) عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلاً ليس فيه أبو هريرة.
ورواه معمر، عن الزهري واختلف عليه.
فأخرجه: الدارقطني ٣/ ٣٢ ط. العلمية و (٢٩٢٥) ط. الرسالة، والحاكم ٢/ ٥١ - ٥٢ من طريق كدير أبي يحيى.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل" ٨/ ٢٧٨ - ٢٧٩ من طريق نصر بن طريف.
وتابعهما يزيد بن زريع كما أشار ابن عدي في " الكامل " ٨/ ٢٧٩.
стр. 1411
ثلاثتهم: (كدير، ونصر، ويزيد) عن معمر، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة، به متصلاً.
قال ابن عدي: «وهذا الأصل فيه مرسل وليس في إسناده أبو هريرة، وقد أوصله قوم، فأوصله عن معمر منهم كدير (١) أبو يحيى (٢) جار أبي عاصم بصري، عن معمر» وهذا تليين منه ﵀.
وأما نصر بن طريف، فقد قال عنه ابن معين في " تاريخه " (٣٥١٥) برواية الدوري: «ليس هو بشيء»، وقال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٧/ ٤٠٩ (٢٣٥٥): «سكتوا عنه، ذاهب»، وقال عنه مسلم في " الكنى والأسماء " (٥٧٣): «ذاهب الحديث».
والصواب عن معمر ما أخرجه: عبد الرزاق (١٥٠٣٣)، ومن طريقه الدارقطني ٣/ ٣٢ ط. العلمية و (٢٩٢٦) ط. الرسالة وفي " العلل "، له ٩/ ١٦٩ س (١٦٩٤) عنه، عن الزهري، عن ابن المسيب، مرسلاً ليس فيه أبو هريرة.
وتابع عبد الرزاق على إرساله محمد بن ثور.
إذ أخرجه: أبو داود في " المراسيل " (١٨٦)، ومن طريقه البيهقي ٦/ ٤٠ من طريق محمد بن ثور، عن معمر، به مرسلاً.
ورواه ابن أبي ذئب واختلف عليه.
فأخرجه: الدارقطني في " العلل " ٩/ ١٦٩ س (١٦٩٤)، وتمام في "فوائده " كما في " الروض البسام " (٦٩٦) من طريق عبد الله بن عبد الجبار الخبائري (٣).
стр. 1412
وأخرجه: الدارقطني ٣/ ٣٢ ط. العلمية و (٢٩٢١) ط. الرسالة، والحاكم ٢/ ٥١، والبيهقي ٦/ ٣٩، وابن الجوزي في " التحقيق " (١٥١٥) من طريق عثمان بن سعيد.
وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥/ ٢٢٥ من طريق سليمان ابن عبد الرحمان.
ثلاثتهم: (الخبائري، وعثمان، وسليمان) عن إسماعيل بن عياش، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، به متصلاً.
قلت: إسماعيل بن عياش ثقة في حديث الشاميين، ضعيف في غيره وقد تقدمت ترجمته، وابن أبي ذئب مدني، قال ابن التركماني في " الجوهر النقي " (حاشية البيهقي ٦/ ٤٠): وابن أبي ذئب مدني وليس بشامي، على أنَّ إسماعيل لم يسمعه من ابن أبي ذئب، وإنما سمعه من عباد بن كثير، عنه، وعباد ضعيف عندهم ذكر ذلك صاحب التمهيد (١) - يعني: ابن عبد البر - وقال أيضاً: هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل، وإنْ كان قد وصل من جهات كثيرة فإنَّهم يعللونها» وهذا الطريق مما دلسه إسماعيل بن عياش، إذ إنَّه يرويه عن عباد بن كثير، سيما وأنَّ أهل العلم قد وصفوه بالتدليس، إذ قال ابن حجر في "طبقات المدلسين" (٦٨): «حديثه عن الشاميين مقبول عند الأكثر، وأشار ابن معين ثم ابن حبان في " الثقات " إلى أنَّه كان يدلس».
أخرجها: الدارقطني في " العلل " ٩/ ١٦٨ - ١٦٩ (١٦٩٤) من طريق المعافى بن عمران.
وأخرجه: ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٨٠ من طريق بقية.
كلاهما: (المعافى، وبقية) عن إسماعيل بن عياش، عن عباد بن كثير،
стр. 1413
عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، به متصلاً.
وهذه رواية ضعيفة؛ لضعف عباد بن كثير، فقد قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٣٤٩٣) برواية الدوري: «عباد بن كثير ضعيف»، وقال عنه البخاري في " الضعفاء الصغير " (٢٢٧): «عباد بن كثير الثقفي البصري سكن مكة تركوه»، وقال عنه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ١٠٢ (٤٣٣): «ضعيف الحديث»، وقال عنه ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٨٠: «عباد بن كثير عندهم ضعيف لا يحتج به».
وأخرجه: ابن حزم في " المحلى " ٨/ ٢٣٩ من طريق قاسم بن أصبغ، قال: حدثني محمد بن إبراهيم، قال: حدثني يحيى بن أبي طالب الأنطاكي وجماعة من أهل الثقة، قالوا: حدثنا نصر (١) بن عاصم الأنطاكي، قال: حدثنا شبابة، عن ورقاء، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب و أبي سلمة بن عبد الرحمان بن عوف، عن أبي هريرة، به.
قال ابن حزم عقيب الحديث: «فهذا مسند من أحسن ما روي في هذا الباب».
وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " ٣/ ٩٧ (١٢٣٢) تعليقاً على كلام ابن حزم: «قلت: أخرجه الدارقطني من طريق عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي، عن شبابة به، وصححها عبد الحق (٢). وعبد الله بن نصر له أحاديث منكرة، ذكرها ابن عدي، وظهر أنَّ قوله في رواية ابن حزم:
نصر بن عاصم تصحيف، وإنَّما هو عبد الله بن نصر الأصم وسقط عبد الله، وحرف الأصم بعاصم».
ويؤيد كلام ابن حجر في تحريف رواية ابن حزم أنَّ رواية ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٨١ من طريق قاسم بن أصبغ وهو نفس طريق ابن حزم من غير ذكر هذا التحريف ودون ذكر ورقاء.
стр. 1414
كما أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٣٨٣، والدارقطني ٣/ ٣٣ ط. العلمية و (٢٩٢٧) ط. الرسالة، والحاكم ٢/ ٥١، وابن الجوزي في "التحقيق " (١٥١٦) من طريق عبد الله بن نصر الأصم، عن شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة (مقرونين)، عن أبي هريرة، به.
قال ابن عدي عقيب الحديث: «هذا الحديث قد أوصله، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة جماعة، وليس هذا موضعه فأذكره، وأما عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة لا أعرفه إلا من رواية عبد الله بن نصر، عن شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري».
أمّا عبد الله بن نصر قال عنه الذهبي في " المغني في الضعفاء " (٣٣٩٩): «منكر الحديث».
مما تقدم يتبين أنَّ عامة الأسانيد إلى ابن أبي ذئب لا تخلو من ضعف في رجال السند أو اضطراب فيه، والمحفوظ عن ابن أبي ذئب إرساله لهذا الحديث كما رواه الثقات الأثبات.
فأخرجه: أبو داود في " المراسيل " (١٨٧) من طريق أحمد بن يونس (١).
وأخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٠٠ وفي ط. العلمية (٥٧٥٨) من طريق ابن وهب.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٣١٢٧) عن وكيع.
وأخرجه: عبد الرزاق (١٥٠٣٤) عن الثوري.
وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٤٧٧) و (١٤٧٩) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي ٦/ ٣٩ وفي " المعرفة "، له (٣٦١٨) ط. العلمية و (١١٧٤٣) ط. الوعي، والبغوي (٢١٣٢) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك.
خمستهم: (أحمد بن يونس، وابن وهب، ووكيع، والثوري، وابن أبي
стр. 1415
فديك) عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، به مرسلاً.
وروي هذا الحديث من أوجه أخر عن الزهري متصلاً بأسانيد لا تصح وهي على النحو التالي:
أخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٤٧٨) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٣/ ١٦٧ وفي ط. الوفاء ٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧، ومن طريقه البيهقي ٦/ ٣٩ وفي "المعرفة "، له (٣٦١٩) ط. العلمية و (١١٧٤٥) ط. الوعي قال: أخبرنا الثقة، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة متصلاً.
طريق الشافعي هذا لا يصح فقول المحدّث: حدثني الثقة، ونحو ذلك من غير أنْ يسميه لا يكتفى به في التوثيق (١) وفيه أيضاً يحيى، ويحيى هذا ضعيف، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٨٦٥) برواية الدارمي و (٥٠٤٢) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وقال عنه البخاري في " الضعفاء الصغير " (٣٩٣): «ليس بذاك»، وقال عنه النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٦٣٩): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٥٧٢).
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٨٩، والدارقطني ٣/ ٣٢ ط. العلمية و (٢٩٢٢) ط. الرسالة، والحاكم ٢/ ٥١ من طريق أبي مَيْسرة أحمد بن عبد الله بن مَيْسرة الهمداني، عن سليمان بن داود الرقي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة متصلاً.
فيه أحمد بن عبد الله بن مَيْسرة الهمداني، قال عنه ابن حبان في "المجروحين " ١/ ١٤٤: « .. يسرق أحاديث الثقات ويلزقها بأقوام أثبات لا يحل الاحتجاج به»، وذكره ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٨٩ وقال فيه: «حدث عن الثقات بالمناكير، ويحدث عمن لا يعرف ويسرق حديث الناس»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٥١). وأيضاً فسليمان بن داود مجهول، قال ابن عدي عقبه: «وسليمان بن داود المذكور في هذين الحديثين لا يعرف».
стр. 1416
وأخرجه: ابن ماجه (٢٤٤١) قال: حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، موصولاً.
وهذا لا يصح أيضاً؛ لأنَّ فيه محمد بن حميد، قال عنه البخاري في "التاريخ الكبير " ١/ ٧١ (١٦٧): «فيه نظر»، وقال عنه ابن حبان في "المجروحين " ٢/ ٢٩٦: «كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات لا سيما إذا حدّث عن شيوخ بلده» (١).
ومن ناحية أخرى فإنَّ هذا الحديث ورد عن الزهري مرسلاً من غير الطرق التي أسلفنا ذكرها.
أخرجه: أبو داود كما في " تحفة الأشراف " ١٢/ ٣٣٠ (١٨٧٣٧) من طريق أبي عمرو.
وأخرجه: البيهقي ٦/ ٤٤ من طريق شعيب بن أبي حمزة.
وأخرجه: أبو داود كما في " تحفة الأشراف " ١٢/ ٣٣٠ (١٨٧٣٧)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٠٠ وفي ط. العلمية (٥٧٥٨) من طريق يونس.
ثلاثتهم: (أبو عمرو، وشعيب، ويونس) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، مرسلاً.
قال أبو داود: «وهذا هو الصحيح» (٢).
وقال ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ١٨١: «وهذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل، وإذا كان قد وصل من جهات كثيرة فإنَّهم يعللونها، وهو
стр. 1417
مع هذا حديث لا يرفعه أحد منهم، وإن اختلفوا في تأويله ومعناه، وبالله التوفيق».
وقال ابن عبد الهادي في " تنقيح التحقيق " عقب (١٥٨٣): «ورواه جماعة من الحفاظ بالإرسال، وهو الصحيح، وأما ابن عبد البر فقد صحح اتصاله، وكذلك عبد الحق» (١).
ويتبين من هذا العرض لطرق هذا الحديث أنَّ الصواب فيه أنَّه مرسل، وأنَّ من وصله وذكر فيه أبا هريرة إما أنْ يكون ضعيفاً أو أخطأ في ذلك … والله أعلم.
ومما تقدم يتبين أنَّ الاختلاف وقع على الزهري في وصل هذا الحديث وإرساله، إلا أنَّ الناظر في حال الرواة عنه سيجد أنَّ معمراً، ومالكاً، وشعيباً، ويونس رووه عنه مرسلاً وهؤلاء هم أوثق الناس فيه، ولا تكاد تقوم حجة لمن خالفهم، إن كانوا ثقات. فكيف بهم وقد اجتمعوا على رواية واحدة، فضلاً عن أنَّ مخالفيهم ليسوا بدرجتهم في الحفظ والإتقان، فيكون الراجح في ذلك الطريق المرسل، والله أعلم.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٩/ ٣٢٨ (١٣١١٣) و ١٢/ ٣٢٩ (١٨٧٣٧)، و" نصب الراية " ٤/ ٣٢٠، و"البدر المنير" ٦/ ٦٣٧ - ٦٤٢، و"التلخيص الحبير" ٣/ ٩٤ (١٢٣٢)، و"إتحاف المهرة" ١٤/ ٧٥٦ (١٨٦٥١)، و"إرواء الغليل" ٥/ ٢٣٩ (١٤٠٦).
ومما تعارض فيه الوصل والإرسال، ورُجح الوصل لقرينة خاصة ما روى الزهري، عن حميد بن عبد الرحمان، عن رجلٍ منْ أصحابِ رسول الله ﷺ ، قال: قال رجل: أوصني يا رسول الله، قال: «لا تَغْضبْ» قال الرجل: ففكرتُ حينَ قال رسول الله ﷺ ما قال، فإذا الغضبُ يجمعُ الشرّ كلّه.
стр. 1418
أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٢٨٦)، ومن طريقه أحمد ٥/ ٣٧٣، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة " (٧٢٤٣)، والبيهقي ١٠/ ١٠٥.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٥٧٧٤)، وأحمد ٥/ ٤٠٨ عن سفيان بن عيينة.
كلاهما: (معمر، وسفيان) عن الزهري، بهذا الإسناد.
وهذا إسناد صحيح رواته ثقات وقوله: رجل من الصحابة لا يضر؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول، والحديث صحيح موصول.
إلا أنَّ مالك بن أنس رواه في " الموطأ " (١٨٩١) برواية أبي مصعب الزهري و (٢٦٣٦) برواية الليثي، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمان، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً دون ذكر الصحابي.
وروي عن مالك موصولاً، ولا يصحّ.
أخرجه: الإسماعيلي في " معجم شيوخه " (٢٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٣٣٤، وابن بشكوال في " غوامض الأسماء المبهمة " ١/ ١٢١ من طريق أبي سَبْرة بن محمد المدني القرشي، عن مطرف بن عبد الله، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة. وهذه رواية منكرة تفرّد بها أبو سبرة، قال عنه أبو أحمد الحاكم كما في " لسان الميزان " (٤٦٨٥): «له مناكير»، وذكره الذهبي في " المغني في الضعفاء " (٣٦٢٨).
قال ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ٣٣٣: «هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك في الموطأ مرسلاً، وهو الصحيح فيه عن مالك. وقد رواه أبو (١) سَبْرة المدني، عن مطرف، عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة. ورواه إسحاق بن بشر الكاهلي، عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمان، عن أبيه، وكلاهما خطأ. والصواب فيه عن مالك مرسل، كما في الموطأ».
стр. 1419
والقول في هذا الحديث قول ابن عيينة، ومعمر؛ لأنَّهما ثقتان واتفقا على رواية واحدة في حين خالفهما مالك، وهو وإنْ كان من المقدمين في أصحاب الزهري إلا أنَّه خالف هنا من هم أكثر منه عدداً، قال النَّسائيُّ في "الكبرى " عقيب الحديث (٢٠٧٢): «قال ابن المبارك: الحفّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك ومعمر و ابن عيينة فإذا اجتمع اثنان على قولٍ أخذنا به وتركنا قول الآخر».
وانظر: "تحفة الأشراف" ٥/ ١١٤ عقيب (٦٨٢٠).
إلا أنَّ مالكاً توبع على روايته المرسلة، تابعه محمد بن الوليد الزبيدي (١).
ذكر ذلك الدارقطني في " العلل " ١٠/ ٢٥١ س (١٩٩٢) ولم أقف على تخريجه، ولا نعلم صحة الإسناد إلى محمد بن الوليد.
لذلك فإنَّ هذه المتابعة لا تعضد رواية مالك، لا سيما وقد اتفق اثنان هما من أوثق الناسِ في الزهري كما نص عليه ابن المبارك، ونقله عن أهل الحديث كما ذكر ذلك النَّسائي.
كما أنَّ ما يعضد رواية سفيان ومعمر، هو أنَّ الإمام مالكاً قد يرسل الخبر إذا تردد فيه أو شك فيه لأدنى شيء وقد نص على ذلك بعض الأئمة؛ لذا قال الدارقطني في " العلل " ٦/ ٦٣ س (٩٨٠): «ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل» لذا فإنَّ مالكاً إذا خولف في الوصل بمن هو مثله تقدم رواية الواصل، وكذا إذا خولف بمن هو أوثق منه حفظاً أو عدداً فهو من باب أولى.
وانظر: " إتحاف المهرة " ١٦/ ١/٤٠١ (٢٠٩٢٣) و ١٨/ ٥٤٣ (٢٤١٥٥)، و" أطراف المسند " ٨/ ٢٦٢ (١١٠١٠).
стр. 1420
ومما تعارض فيه الوصل والإعضال، ورُجحت الرواية المعضلة لمزيد حفظ راويها ما روى الفَضْل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يلتفتُ في صلاتِهِ يميناً وشِمالاً، ولا يلوي عُنقَه خلفَ ظهرِه.
أخرجه: أحمد ١/ ٢٧٥ و ٣٠٦، وأبو داود كما في" تحفة الأشراف " ٤/ ٥٤٧ (٦٠١٤)، والترمذي (٥٨٧) وفي " العلل الكبير "، له: ٣٠٤ (٩٥)، والنَّسائي ٣/ ٩ وفي " الكبرى "، له (٥٢٩) ط. العلمية و (٥٣٤) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٢٥٩٢)، وابن خزيمة (٤٨٥) و (٨٧١) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٨٨)، والدارقطني ٢/ ٨٢ ط. العلمية و (١٨٦٤) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧ و ٢٥٦، والبيهقي ٢/ ١٣، وابن عبد البر في "التمهيد " ٦/ ٣٣٩، والبغوي (٧٣٧)، والحازمي في " الاعتبار ": ١٠٩ ط. الوعي و (٦٣) ط. ابن حزم، وابن نقطة في " التقييد " ١/ ١٩٧ عن الفَضْل بن موسى، بهذا الإسناد.
هذا إسناد متصل رجاله ثقات ما خلا ابن أبي هند فهو: «صدوق ربما وهم»، والفَضْل بن موسى: «ثقة ثبت وربما أغرب» كما قال الحافظ ابن حجر في " التقريب " (٣٣٥٨) و (٥٤١٩)، وهذا الاتصال يوحي بصحة هذا الحديث، حتّى حدا بعض الأئمة حمله على الصحة، فقد نقل الحاكم في "معرفة علوم الحديث ": ٧٢ - ٧٣ ط. العلمية و (١٤٨) ط. ابن حزم عن إسحاق بن إبراهيم الحَنْظلي - وهو ابن راهويه - قال: سألني أحمد بن حَنْبل عن حديث الفَضْل بن موسى .. حديث ابن عباس: كانَ النَّبيُّ ﷺ يلحظُ في صلاتِهِ فلا يلوي عنقه خلفَ ظهره. قال: فحدثته، فقال له رجل: يا أبا يعقوب رواه وكيع بخلاف هذا، فقال له أحمد بن حَنْبل: «اسكت، إذا حدَّثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسّك به». وكذا صححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه».
стр. 1421
وقال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " ٥/ ١٩٦ (٢٤١٥): «فالحديث صحيح، وإن كان غريباً لا يعرف إلا من هذا الطريق».
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الطريق مسنداً، ولا يصح.
إذ أخرجه: البزار كما في " نصب الراية " ٢/ ٩٠، وابن عدي في "الكامل " ٨/ ٢١٦ من طريق مندل، عن الشيباني - وهو أبو إسحاق - عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
وهذا إسناد ضعيف، فمندل ضعّفه الإمام أحمد في " الجامع في العلل " ١/ ١٥٧ (٨٣٥)، وكذا النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٥٧٨)، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٤٩٦ (١٩٨٧) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه وفي أخيه حبان: «ما بهما بأس»، وعن أبيه قوله: «كذا أقول»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «ليّن» (١).
وعلى الرغم من كل ما تقدم فإنَّ حديث الفَضْل بن موسى قد أُعلّ بالإعضال (٢)، إذ إنَّ الفَضْل قد خولف، خالفه وكيع بن الجراح، وهو ثقة حافظ عابد (٣)، فرواه معضلاً.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (٤٥٨٠).
وأخرجه: أحمد ١/ ٢٧٥.
وأخرجه: الترمذي (٥٨٨) من طريق محمود بن غيلان.
وأخرجه: الدارقطني ٢/ ٨٢ ط. العلمية و (١٨٦٥) ط. الرسالة من طريق محمد بن إسماعيل.
стр. 1422
وأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤ من طريق عبد الله بن هاشم.
خمستهم: (ابن أبي شيبة، وأحمد، ومحمود، ومحمد، وعبد الله) عن وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل من أصحاب عكرمة .. فذكره عن النَّبيِّ ﷺ معضلاً.
وخالف هؤلاء الخمسةَ هنادٌ، فرواه عند أبي داود كما في " تحفة الأشراف " ٤/ ٥٤٧ (٦٠١٤) عن وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل، عن عكرمة، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً. ورواية هناد هذه جاءت مخالفة لخمسة من الرواة، رووه عن رجل من أصحاب عكرمة ما يجعل هذه الرواية شاذة، لا يلتفت إليها.
إلا أنَّ هذا الحديث روي عن عكرمة مرسلاً من غير هذا الطريق.
إذ أخرجه: أحمد ١/ ٢٧٥ عن الطالقاني، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، به مرسلاً (١).
стр. 1423
وقد ذهب نخبة من العلماء إلى ترجيح الرواية المعضلة.
ونقل ابن القيم ﵀ في " زاد المعاد " ١/ ٢٤٢ عن الخلاّل أنَّه قال: «أخبرني الميموني أنَّ أبا عبد الله قيل له: إنَّ بعض الناسِ أسندَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يلاحظُ في الصلاةِ. فأنكرَ ذلك إنكاراً شديداً حتّى تغيّرَ وجهُهُ، وتغيّرَ لونُهُ، وتحرّكَ بدنهُ، ورأيتُهُ في حالٍ ما رأيتُهُ في حال قطُّ أسوأ منها، وقالَ: النَّبيُّ ﷺ كانَ يلاحظُ في الصلاةِ؟! يعني: أنَّه أنكرَ ذلك، وأحسبهُ قال: ليسَ له إسنادٌ (١)، وقالَ: منْ روى هذا؟ إنَّما هذا منْ سعيد بن المسيب … ».
وقال أبو داود عقب الرواية المرسلة: «وهذا أصح».
وقال الترمذي عقب الرواية المسندة: «هذا حديث غريب، وقد خالف وكيع الفَضْل بن موسى في روايته» وقال في " العلل الكبير ": ٣٠٥ (٩٥): «ولا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند مسنداً مثل ما رواه الفضل بن موسى».
وقال الدارقطني ٢/ ٨٣ عقب الرواية المسندة: «تفرّد به الفَضْل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلاً، وأرسله غيره».
وقال البيهقي ٢/ ١٣: «هكذا رواه الفَضْل بن موسى، وخالفه غيره ورواه منقطعاً».
وقال الحازمي في " الاعتبار ": ١٠٩ ط. الوعي و بعيد (٦٣) ط. ابن حزم: «هذا حديث تفرّد به الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلاً، وأرسله غيره عن عكرمة … ».
стр. 1424
ونقل المناوي في " فيض القدير " ٥/ ٣١٥ عن ابن القيم قوله في هذا الحديث: «لا يثبت بل هو باطلٌ سنداً ومتناً».
وقال ابن القيم في " زاد المعاد " ١/ ٢٤٢: «فهذا حديث لا يثبت».
وقال الدكتور بشار عواد معروف في تحقيقه لجامع الترمذي تعليقاً على حديث (٥٨٨): «والقواعد الحديثية ترجّح الرواية المرسلة، فعند الموازنة بين وكيع والفضل بن موسى السِّيناني لا يشك أحد من أهل العلم بأنَّ وكيعاً أتقنُ وأحفظُ، فضلاً عما عُرف في بعض حديث الفَضْل بن موسى من المناكير، كما قرره علاّمة الدنيا علي بن المديني (١) (الميزان ٣/ الترجمة ٦٧٥٤) فضلاً عن أقوال العلماء الفهماء من الجهابذة المتقدمين: الترمذي وأبي داود الذي قال بعد أنْ ساق المرسل: «وهذا أصح - يعني: من حديث عكرمة، عن ابن عباس -»، وقال الدارقطني بعد أن ساقه متصلاً: «تفرّد به الفَضْل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلاً، وأرسله غيره»، وهذا إعلال بيّن للرواية المتصلة».
انظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٥٤٧ (٦٠١٤)، و"نصب الراية" ٢/ ٨٩، و"إتحاف المهرة" ٧/ ٤٨٠ (٨٢٧٢)، و"أطراف المسند" ٣/ ١٨٦ (٣٦٢٦).
ومما تعارض الوصل والإرسال ورُجحت الرواية المرسلة لكون راويها أحفظ ما روى يحيى بن إسحاق السَّيْلحيني (٢)، عن حماد بن
стр. 1425
سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ ليلةً فإذا هو بأبي بكرٍ ﵁ يصلي يخفضُ من صوتِهِ، قال: ومرَّ بعمَرَ بن الخطاب، وهو يُصلي رافعاً صوته، قال: فلمَّا اجتمعا عند النَّبيِّ ﷺ قال النَّبيُّ ﷺ : «يا أبا بكر مررْتُ بكَ وأنتَ تُصلي تخفضُ صوتَكَ؟» قال: قد أسمعتُ منْ ناجَيْتُ يا رسول الله، قال: وقال لعمر: «مررتُ بكَ وأنتَ تصلي رافعاً صوتَك»، قال: فقال: يا رسول الله، أُوقظُ الوسنان (١) وأطرُدُ الشيطان. - زاد الحسن يعني: ابن الصباح في حديثه -، فقال النَّبيُّ ﷺ : «يا أبا بكر، ارفعْ منْ صوتكَ شَيئاً»، وقال لعمر: «اخفضْ منْ صوتكَ شيئاً».
أخرجه: أبو داود (١٣٢٩)، والترمذي (٤٤٧)، وابن خزيمة (١١٦١) بتحقيقي، وابن حبان (٧٣٣)، والطبراني في " الأوسط " (٧٢١٩) كلتا الطبعتين، والحاكم ١/ ٣١٠، والبيهقي ٣/ ١١ من طريق يحيى بن إسحاق السَّيْلحيني، به.
قال الطبراني عقب الحديث: «لم يروِ هذا الحديث موصولاً عن حماد ابن سلمة إلاَّ يحيى بن إسحاق، ولا يُروى عن أبي قتادة، إلاَّ بهذا الإسناد».
هذا الحديث ظاهره الصحة، إلا أنَّ الترمذي قال فيه: «هذا حديث غريب، وإنَّما أسنده يحيى بن إسحاق، عن حماد بن سلمة، وأكثر الناس إنَّما رووا هذا الحديث عن ثابت، عن عبد الله بن رباح مرسلاً»، وخالفه ابن خزيمة وابن حبان فصححا هذا الحديث، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».
قلت: هذا الحديث معلول بالإرسال بناءً على كلام الترمذي، إذ أعلَّ فيه
стр. 1426
الطريق الموصول، ورجّح المرسل، إلا أنَّني بعد التتبع والاستقراء لطرق هذا الحديث، لم أقف على ما قاله الترمذي من أنَّ أكثر الناس إنَّما رووه عن ثابت، عن عبد الله بن رباح مرسلاً، ويبدو أنَّ الإمام الترمذيَّ وقف على أسانيد لم نقف عليها، وما وقفت عليه هو ما رواه موسى بن إسماعيل (١)، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني مرسلاً. أخرجه: أبو داود (١٣٢٩)، ومن طريقه البيهقي ٣/ ١١.
فلو لم نقف إلا على طريق موسى بن إسماعيل لكفى به دليلاً على شذوذ رواية يحيى، ودليلنا على ذلك أنَّ موسى متثبت الحفظ عكس مخالفه، وقد انضم إليه كلام الترمذي ﵀، وفي ذلك قال الحافظ ابن حجر ﵀ في " النكت " ٢/ ٧١١ و: ٤٨٥ بتحقيقي: «فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث».
ومع ترجيحنا للرواية المرسلة، إلا أنَّ للحديث شاهداً من رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
أخرجه: أبو داود (١٣٣٠)، والخطيب في " تاريخ بغداد" ١٣/ ٢٨٥ وفي ط. الغرب ١٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. رواية الخطيب مطولة.
ومحمد بن عمرو حسن الحديث كما قلنا في تعليقنا على " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ١٦٠، وقد يكون هذا الذي جعل ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم يصححون هذا الحديث، والله أعلم.
فإنْ قيل: فإنَّكم ضعفتم حديثاً بهذا السند، فنقول: لا شك أنَّ رواية محمد، عن أبي سلمة لا ترتقي إلى الصحة؛ فإنَّ فيها بعض الكلام، وحينما ضعفنا الحديث المشار إليه، انضمت مع الكلام في هذه الرواية قرائن أخرى
стр. 1427
كانت تستوجب تضعيف الحديث، أما حديثنا هذا فقد انحسرت القرائن وبقي الحديث على أصله فصار حسناً.
انظر: "تحفة الأشراف" ٨/ ٥٢٨ (١٢٠٨٨)، و"إتحاف المهرة" ٤/ ١١٩ (٤٠٣١).
وأحياناً تتعارض روايتان مسندة ومرسلة، وتُرجح المرسلة للعدد، ثم يبين بعد البحث أن كلتا الروايتين المسندة والمرسلة معلولة بالاختصار، مثاله ما روى الفَضْل بن موسى (١)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن السائب، قال: حَضرْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يومَ عيدٍ، صلى وقال: «قَدْ قَضَينا الصَّلاةَ، فمنْ شاءَ جلسَ للخطبةِ، ومنْ شاءَ أنْ يذهبَ ذهبَ».
أخرجه: أبو داود (١١٥٥)، وابن ماجه (١٢٩٠)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٧٠٦)، والنَّسائيُّ ٣/ ١٨٥ وفي " الكبرى "، له (١٧٧٩) ط. العلمية و (١٧٩٢) ط. الرسالة، وابن الجارود (٢٦٤)، وابن خزيمة (١٤٦٢) بتحقيقي، والدارقطني ٢/ ٤٩ ط. العلمية و (١٧٣٨) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٢٩٥، والبيهقي ٣/ ٣٠١، والضياء المقدسي في " المختارة " ٩/ ٣٨٨ (٣٥٨) و ٩/ ٣٨٩ (٣٥٩) و (٣٦٠) من طرق عن الفَضْل بن موسى، بهذا الإسناد موصولاً.
هذا حديث ظاهره الصحة ولا تضره عنعنة ابن جريج؛ لأنَّها مقبولة عن عطاء خاصة.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وقال ابن التركماني في " الجوهر النقي " ٣/ ٣٠١: «الفَضْل بن موسى ثقةٌ جليلٌ
стр. 1428
روى له الجماعة، وقال أبو نعيم: هو أثبت من ابن المبارك (١)، وقد زاد ذكر ابن السائب فوجب أنْ تقبل زيادته، ولهذا أخرجه هكذا مسنداً الأئمةُ في كتبهم أبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، والرواية المرسلة التي ذكرها البيهقي في سندها قبيصة، عن سفيان. وقبيصة وإنْ كان ثقة إلا أنَّ ابن معين وابن حَنْبل وغيرهما ضعّفوا روايته عن سفيان. وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا تعلل بها رواية الفضل؛ لأنَّه سداد الإسناد، وهو ثقة».
على أنَّ هذا الحديث أُعل بالإرسال، ولا عبرة بقول من صححه.
قال ابن معين فيما أسنده البيهقي ٣/ ٣٠١ إليه: «عبد الله بن السائب الذي يروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلى بهم العيد، هذا خطأ، إنَّما هو عن عطاء فقط، وإنَّما يغلط فيه الفَضْل بن موسى السِّيناني يقول: عن عبد الله بن السائب» (٢).
وقال أبو زرعة فيما نقل ابن أبي حاتم في " العلل " (٥١٣): «الصحيح ما حدثنا به إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ … مرسلاً».
وقال أبو داود: «هذا مرسل، عن عطاء، عن النَّبيِّ ﷺ » (٣).
وقال النَّسائي فيما نقله المزي في " تحفة الأشراف " ٤/ ٢٣٨ (١٣١٥)، والزيلعي في "نصب الراية " ٢/ ٢٢١: «هذا خطأ والصواب مرسل».
وقال ابن خزيمة عقب الحديث: «هذا حديث خراسانيٌّ غريبٌ غريب لا نعلم أحداً رواه غير الفَضْل بن موسى السِّيناني، كان هذا الخبر أيضاً عند أبي عمار، عن الفَضْل بن موسى، لم يحدثنا به بنيسابور، حدَّث به أهل بغداد على ما خبَّرني بعض العراقيين».
стр. 1429
وقال ابن رجب في " فتح الباري " ٦/ ١٤٨: «وكذا ذكر الإمام أحمد أنه مرسل، وكان عطاء يقول به، ويقول: إن شاء فليذهب، قال أحمد: لا نقول بقول عطاء أرأيت لو ذهب الناس كلهم، على من يخطب».
فهؤلاء هم أئمة هذا الفن رجحوا الرواية المرسلة.
ومما يؤكد هذا الترجيح ما رواه عبد الرزاق (٥٦٧٠).
وما رواه البيهقي ٣/ ٣٠١ من طريق قبيصة، عن سفيان.
كلاهما: (عبد الرزاق، وسفيان) عن ابن جريج، عن عطاء، قال: صلى النَّبيُّ ﷺ بالناس العيد ثم قال: «مَنْ شاءَ أنْ يذهبَ فليذهبْ، ومنْ شاءَ أنْ يقعدَ فليقعدْ» مرسلاً.
في رواية عبد الرزاق قال عطاء: بلغني أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول.
والذي يبدو لي أنَّ هذا الحديث مع علة إرساله، فإنَّه معلول بالاختصار، فقد روي: أنَّه اجتمعَ عيدان على عهد رسول الله ﷺ في يومٍ واحدٍ فصلى العيدَ في أول النهار، وقال: «يا أيُّها الناسُ إنَّ هذا يومٌ قد اجتمعَ لكم فيه عيدانِ، فمنْ أحبَ أنْ يشهدَ معنا الجمعةَ فليفعلْ، ومَنْ أحبَ أنْ ينصرفَ فلينصرفْ».
وانظر: لتخريج هذا الحديث واستيعاب طرقه "البدر المنير" ٥/ ٩٨ - ١٠٦.
انظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٢٣٧ (١٣١٥)، و"نصب الراية" ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١، و"جامع المسانيد" ٨/ ١٩ - ٢٠ (٥٥٩٩)، و"إتحاف المهرة" ٦/ ٦٦٠ (٧١٦٠).
ومما تعارض فيه الوصل والإرسال ورُجح الإرسال كون راويه أحفظ ما روى محمد بن عبيد الطنافسي، قال: حدثنا مِسْعر بن كدام، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: أتتِ النَّبيَّ ﷺ بَواكٍ (١)،
стр. 1430
فقال: «اللهمَّ اسقنا غيثاً مغيثاً مرياً مربعاً عاجلاً غير آجل نافعاً غير ضار» فأطبقت عليهم (١).
أخرجه: أحمد في " الجامع في العلل " ٢/ ٢٢٠ (٢٠٢٢)، وعبد بن حميد (١١٢٥)، وأبو داود (١١٦٩)، والبزار كما في " التلخيص الحبير " ٢/ ٢٣١ (٧٢١)، وابن خزيمة (١٤١٦) بتحقيقي، وأبو عوانة ٢/ ١٢٣ (٢٥٢٧)، والحاكم ١/ ٣٢٧، والبيهقي ٣/ ٣٥٥، والخطيب في " تاريخ بغداد " ١/ ٣٣٦ وفي ط. الغرب ٢/ ١٨٨، وابن عبد البر في " التمهيد " ٩/ ١٤٥ من طرق عن محمد بن عبيد الطنافسي، بهذا الإسناد.
هذا إسناد رجاله ثقات، فظاهره الصحة والسلامة من السقم، ما جعل الحاكم يقول: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».
إلا أنَّ هذا الإسناد معلول، فقد خالف محمدَ بنَ عبيد أخوه يعلى بنُ عبيد وهو أوثق منه، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ١٨٤ (٧٧١٠) عن الإمام أحمد أنَّه قال: «يعلى أصحّ حديثاً من محمد بن عبيد وأحفظ»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٣٧٢ (١٣١٢) أنَّه قال فيه: «صدوق، أثبت أولاد أبيه في الحديث»، ورواية يعلى مرسلة.
أخرجها: أحمد في " الجامع في العلل " ٢/ ٢٢٠ (٢٠٢٢) قال: «وحدثناه يعلى أخو محمد، قال: حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير مرسلاً، ولم يقل: بواكي، خالفه» يعني: -خالف محمداً -.
وقد رجح أئمة هذا الشأن الرواية المرسلة، قال عبد الله كما في " الجامع في العلل " لأبيه ٢/ ٢٢٠ (٢٠٢٢): «فحدثت بهذا الحديث - يعني: حديث محمد - أبي، فقال أبي: أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر فنسخناه، ولم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء، كأنه أنكر من حديث محمد بن عبيد».
стр. 1431
وقال الدارقطني في " العلل " كما في " التلخيص الحبير " ٢/ ٢٣١: «رواية من قال: عن يزيد الفقير، من غير ذكر جابر، أشبه بالصواب».
وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " ١/ ٣٣٦ وفي ط. العرب ٢/ ١٨٨: «هكذا رواه محمد بن عبيد، عن مسعر موصولاً، ورواه أخوه يعلى بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً، لم يذكر فيه جابراً».
تبين الآن أنَّ الرواية المرسلة هي الصواب، والموصولة خطأ، والله أعلم.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٢/ ٥٢٧ (٣١٤١)، و " إتحاف المهرة " ٣/ ٥٩٧ (٣٨٣٤)، و"التلخيص الحبير" ٢/ ٢٣١ (٧٢١)، و"المسند الجامع" ٤/ ٣٠٨ (٢٨٥٧).
وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى.
فأخرجه: أحمد ٤/ ٢٣٥ وغيره من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط، قال: قال رجل لكعب بن مرة، أو مرة بن كعب حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ قال: ودَعا رسولُ الله ﷺ على مُضَرَ، قال: فأتيتُه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الله قد نصركَ وأعطاكَ واستجابَ لكَ، وإنَّ قومَكَ قد هَلَكوا، فادعُ الله لهم. فأعرضَ عنه، قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ الله قد نصَركَ وأعطاك واستجابَ لك، وإنَّ قومَكَ قد هَلَكوا، فادعُ الله لهم، فقال: «اللهمَّ اسقِنا غَيْثاً مُغِيثاً مَريعاً طَبَقاً غَدقاً غير رائِثٍ نافعاً غيرَ ضارٍ» فما كانت إلا جمعةٌ أو نحوها حتّى مُطروا.
وهذا الحديث معلول بالانقطاع، فإنَّ سالماً لم يسمع من شرحبيل بن السمط. نص على ذلك أبو داود فيما نقله العلائي في " جامع التحصيل " (٢١٨).
وأخرجه: ابن ماجه (١٢٧٠) قال: حدثنا محمد بن أبي القاسم أبو الأحوص، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس، قالَ: جاءَ
стр. 1432
أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالَ: يا رسول الله، لقد جئتُك منْ عندِ قومٍ ما يتزود لهمُ راعٍ، ولا يحظِرُ لهم فحلٌ، فصعدَ المنبرَ، فحمد الله، ثُمَّ قال: «اللهمَّ اسقِنا غيْثاً مُغِيثاً مَريئاً طبقاً مَريعاً غَدَقاً عاجِلاً غيرَ رائثٍ» ثمَّ نزل فما يأتيهِ أحدٌ من وجه من الوجوه إلا قالوا: قد أُحيينا.
وهذا إسناد متصلٌ بثقات، ولا يخشى فيه إلا عنعنة حبيب، فقد قال عنه ابن حبان في " الثقات " ٤/ ١٣٧: «وكان مدلساً».
والحديث الثابت في هذا الباب هو:
ما أخرجه: البخاريُّ ٢/ ٣٤ (١٠١٣)، ومسلم ٣/ ٢٤ (٨٩٧)(٨) من طريق شريك بن أبي نمر، انَّه سمع أنس بن مالك … وفيه قال: فرفعَ رسولُ اللهِ ﷺ يديه، فقال: «اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا» وهذا هو المحفوظ، والله أعلم.
وقد يأتي الضعيف فيخالف الثقات فيوصل ما كان مرسلاً، فيزداد الضعف ضعفاً، مثاله ما روى حصين بن مخارق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس، قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل إليه (١)؟ قال: «الزادُ والراحلةُ».
أخرجه: الدارقطنيُّ ٢/ ٢١٧ ط. العلمية و (٢٤٢٦) ط. الرسالة من طريق حصين بن مخارق، عن يونس بن عبيد، بهذا الإسناد.
وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل حصين بن مُخارق - أبي جنادة - قال ابن حجر في " لسان الميزان " (٢٦٣٢): «قال الدارقطنيُّ: يضع الحديث. ونقل ابن الجوزي أنَّ ابن حبان قال: «لا يجوز الاحتجاج به»، وقال أيضاً في ترجمة من اسمه أبو جنادة بعد (٨٧٩١): «متهم بالكذب».
زد على ذلك أنَّه اختلف فيه على يونس بن عبيد، فرواه حصين عنه بالإسناد السابق موصولاً.
وخولف حصين فروي عن يونس، عن الحسن مرسلاً.
стр. 1433
أخرجه: سعيد بن منصور كما في " نصب الراية " ٣/ ٩ عن هشام.
وأخرجه: أبو داود في " المراسيل " (١٣٣) من طريق هشيم بن بشير (١).
وأخرجه: سعيد بن منصور (٥١٨) " جزء التفسير " من طريق هشيم وخالد الطحان (٢) (مقرونين).
وأخرجه: الطبريُّ في " التفسير " (٥٩١٦) ط. الفكر و ٥/ ٦١٢ - ٦١٣
ط. عالم الكتب من طريق إسماعيل بن علية (٣).
وأخرجه: وكيع في " تفسيره " كما في " تفسير ابن كثير ": ٣٨٤ ومن طريقه ابن أبي شيبة (١٥٩٣٤).
وأخرجه: البيهقيُّ ٤/ ٣٢٧ وفي " المعرفة "، له (٢٦٦٣) ط. العلمية و (٩١٦٥) ط. الوعي من طريق أبي داود الحفري (٤).
كلاهما: (وكيع، وأبو داود الحفري) عن سفيان الثوري.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٥٩٣٥) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى (٥).
ستتهم: (هشام، وهشيم، وخالد، وابن علية، والثوري، وعبد الأعلى) عن يونس بن عبيد، عن الحسن، به مرسلاً.
وقد روي الحديث من طريق الثوري بوجه آخر.
فأخرجه: العقيليُّ في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٣٣٢، والدارقطنيُّ ٢/ ٢١٦ ط. العلمية وقبيل (٢٤٢٠) ط. الرسالة، والبيهقيُّ ٤/ ٣٣٠ من طريق عتاب ابن أعين، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة، به.
стр. 1434
قال العقيلي: «عتاب بن أعين، عن الثوريِّ في حديثه وهم».
وقال البيهقيُّ في " المعرفة " عقب حديث الثوري المرسل: «وروي عن الثوريِّ، عن يونس، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة موصولاً، وليس بمحفوظ».
وعتاب هذا وثّقه أبو حاتم وقال عنه أبو زرعة: «لا بأس به»، وذكره ابن حبان في " الثقات ". انظر: " الجرح والتعديل " ٧/ ١٨ (٥٢)، و" ثقات ابن حبان " ٨/ ٥٢٣، ولكنَّه خالف من هو أوثق منه وكيع بن الجراح. كما أنَّ وكيعاً توبع على روايته، تابعه أبو داود الحفري كما تقدم ذكره.
وروى الحديث سعيد بن أبي عروبة (١) واختلف عليه.
فأخرجه: الدارقطنيُّ ٢/ ٢١٥ ط. العلمية و (٢٤١٨) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٤٤١ - ٤٤٢، وابن الجوزيِّ في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (١١٣٣) من طريق علي بن العباس، قال: حدثنا علي بن سعيد بن مسروق، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (٢)، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، به موصولاً.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».
وقال البيهقيُّ كما في " مختصر الخلافيات " ٣/ ١٢٥: «هكذا روي بهذا الإسناد، والمحفوظ عن قتادة وغيره، عن الحسن، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً» (٣).
وقال ابن عبد الهادي في " تنقيح التحقيق " عقب (١٢٥٤): «هذا الحديث لم يخرجه أحدٌ من أهل السنن بهذا الإسناد - يعني: حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس - والصواب عن قتادة، عن الحسن، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً،
وأما رفعه عن أنس فهو وهم. هكذا قال شيخنا» عنى بشيخه ابن تيمية.
قلت: وأخرجه بالطريق الذي ذكره البيهقي أبو بكر القطيعي في كتاب
стр. 1435
" المناسك " كما في " إرواء الغليل " ٤/ ١٦١ من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى.
وأخرجه: البيهقيُّ ٤/ ٣٣٠ من طريق جعفر بن عون (١).
وأخرجه: الطبريُّ في " تفسيره " (٥٩١٧) ط. الفكر و ٥/ ٦١٣ ط. عالم الكتب من طريق يزيد بن زريع (٢).
ثلاثتهم: (عبد الأعلى، وجعفر، ويزيد) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، به مرسلاً.
وتابع سعيدَ بنَ أبي عروبة بروايته عن قتادة، حمادُ بنُ سلمة واختلف عليه أيضاً.
فأخرجه: الدارقطنيُّ ٢/ ٢١٥ - ٢١٦ ط. العلمية و (٢٤١٩)
ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٤٤٢ من طريق أبي قتادة الحراني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، به موصولاً.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».
وقال البيهقيُّ بعد ذكر رواية سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس: «ولا أراه إلا وهماً».
وتعقّبه ابن التركماني فقالَ: «تضعيف للحديث بلا دليل فيحمل على أنَّ لقتادة فيه إسنادين، وكثيراً ما يفعل البيهقيُّ وغيره مثل ذلك».
قلت: هو حديث ضعيف؛ فيه أبو قتادة الحراني - عبد الله بن واقد - قال عنه البخاريُّ: «تركوه، منكر الحديث» وقال مرة: «سكتوا عنه»، وقال أبو حاتم: «تكلموا فيه، منكر الحديث، وذهب حديثه»، وقال النَّسائي: «ليس بثقة»، وقال يعقوب الجوزجانيُّ: «متروك الحديث» انظر: " تهذيب الكمال " ٤/ ٣١٤ (٣٦٢٦).
стр. 1436
وخولف أبو قتادة فروي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن مرسلاً.
أخرجه: الطبريُّ في " تفسيره " (٥٩١٧) ط. الفكر و ٥/ ٦١٤ ط. عالم الكتب من طريق الفضل بن دكين.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٥٩١٧) ط. الفكر و ٥/ ٦١٤
ط. عالم الكتب، وابن المنذر في " التفسير " (٧٤٤) من طريق الحجاج بن منهال.
كلاهما: (الفضل، والحجاج) عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، به مرسلاً.
فكلام البيهقي هو الصواب، والله أعلم.
وروي الحديث مرسلاً عن الحسن من وجوه أخرى.
فأخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (٤٣٦) عن هشام.
وأخرجه: سعيد بن منصور كما في " نصب الراية " ٣/ ٩ عن هشيم بن بشير.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٥٩١٥) ط. الفكر و ٥/ ٦١١
ط. عالم الكتب من طريق جرير.
كلاهما: (هشيم، وجرير) عن منصور.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٥٩١٧) ط. الفكر و ٥/ ٦١٤ … ط. عالم الكتب، وابن المنذر في " التفسير " (٧٤٤) من طريق حميد الطويل (١).
وأخرجه: الطبريُّ في " تفسيره " (٥٩١٤) ط. الفكر و ٥/ ٦١١ … ط. عالم الكتب من طريق الربيع بن صبيح (٢).
أربعتهم: (هشام، ومنصور، وحميد، والربيع) عن الحسن، به مرسلاً.
стр. 1437
وللحديث طرق أخرى كثيرة، انظر لتمام تخريجها سنن الدارقطني ٢/ ٢١٥ - ٢١٨، و أقوال أهل العلم في تضعيف أحاديث الباب.
قال الطبريُّ في " تفسيره " عقب (٥٩٢٤) ط. الفكر و ٥/ ٦١٧ … ط. عالم الكتب: «فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنَّه الزاد والراحلة، فإنَّها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين».
وقال ابن المنذر فيما نقله الزيلعي في " نصب الراية " ٣/ ٩: «لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة مسنداً، والصحيح رواية الحسن، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً».
وقال عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام الوسطى " ٢/ ٢٥٨ بعد ما ذكر عدة روايات لهذا الحديث من ضمنها حديث أنس: «وليس فيها إسناد يحتج به».
وقال ابن حجر في" بلوغ المرام " (٧١٢): «والراجح إرساله».
ومن هذا نرى أنَّ أصح ما في الحديث الرواية المرسلة عن الحسن.
انظر: "نصب الراية" ٣/ ٩، و"البدر المنير " ٦/ ١٩ - ٢٢، و " التلخيص الحبير " ٢/ ٤٨٢ (٩٥٤)، و"إتحاف المهرة" ١/ ٥٩٤ (٨٣٧) و ٧/ ٤٤٢ (٨١٧٢) و ١٧/ ٦٩٣ (٢٣٠٦٥)، و"إرواء الغليل" ٤/ ١٦٠ (٩٨٨).
стр. 1438
النَّوع الثَّانِي: تعارض الوقف والرفع:
الوقف: مَصْدَر للفعل وقف، وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي مَوْقُوْف (١).
والمَوْقُوْف: هُوَ مَا يروى عن الصَّحَابَة ﵃ من أقوالهم أو أفعالهم
ونحوهما، فيوقف عَلَيْهِمْ وَلَا يتجاوز بِهِ إلى رَسُوْل الله ﷺ .
والرَّفْع: مَصْدَر للفعل رَفَعَ، وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي:
مَرْفُوْع (٢)، والمَرْفُوْع: هُوَ مَا أضيف إلى رَسُوْل الله ﷺ خَاصَّة.
والاختلاف في بَعْض الأحاديث رفعاً ووقفاً أمرٌ طبيعي، وُجد في كثيرٍ من الأحاديث، والحَدِيْث الواحد الَّذِي يختلف بِهِ هكذا، محل نظر عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ أن المُحَدِّثِيْنَ إذا وجدوا حديثاً روي مرفوعاً إلى النَّبيّ ﷺ ، ثُمَّ وجدوه عينه قَدْ روي عن الصَّحَابيّ نفسه موقوفاً عَلَيْهِ، فهنا يقف النقاد إزاء ذَلِكَ؛ لاحتمال كون المَرْفُوْع خطأً من بَعْض الرواة والصَّوَاب الوقف، أو لاحتمال كون الوقف خطأ و الصَّوَاب الرفع؛ إذ إنَّ الرفع علة للموقوف والوقف علة للمرفوع. فإذا حصل مِثْل هَذَا في حَدِيث ما، فإنَّه يَكُون محل نظر وخلاف عِنْدَ العُلَمَاء، ولاسيما إذا كان السند نظيفاً خالياً من بقية العلل.
جدير بالذكر أنَّ معاصرينا لم يفرقوا بين مسألتي: تعارض الوصل والإرسال ومسألة تعارض الوقف والرفع، بل إنني وجدت كثيراً منهم لا يكاد يجد حديثاً اختلف فيه في المسألتين حتى فزع إلى: «زاد فلان والزيادة من الثقة مقبولة»، فكانت هذه العبارة شعارهم ودثارهم ما أداهم إلى تصحيح
стр. 1439
أحاديث أعلها الجهابذة بالاختلاف، وفاتهم أيضاً أنَّ إعلال الحديث بالوقف أشد من إعلاله بالإرسال قال الحافظ: «ونقل الحافظ العلائي عن شيخه ابن الزملكاني أنَّه فرق بين مسألتي تعارض الوصل والإرسال، والرفع والوقف، بأنَّ الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل، وليس الرفع زيادةً في المتن فتكون علة، وتقرير ذلك أنَّ المتن إنَّما هو قول النَّبيِّ ﷺ ، فإذا كان من قول صحابي فليس بمرفوع فصار منافياً له؛ لأنَّ كونه من قول الصحابي مناف لكونه من كلام النبي ﷺ ، وأما الموصول والمرسل فكل منهما موافق للأخر في كونه من كلام النبي ﷺ » (١). وعليه فإنَّ التساهل الذي يدفع إلى قبول زيادة في السند لا يجب أن يقودنا إلى نسبة كلام للنبي ﷺ لم يقله، وقد اختلفت أحكام النقاد في الحديث المختلف في رفعه ووقفه. وخلاصة أقوالهم فِيْمَا يأتي:
القَوْل الأول: يحكم للحديث بالرفع لأنَّ راويه مُثبِت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافياً فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم ما خفي، وَقَدْ عدوا ذَلِكَ أيضاً من قبيل زيادة الثِّقَة، وَهُوَ قَوْل كَثِيْر من المُحَدِّثِيْنَ، وقَوْل أكثر أهل الفقه والأصول (٢)، قَالَ العراقي: «الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أنَّ الرَّاوِي إذا رَوَى الحَدِيْث مرفوعاً وموقوفاً فالحكم للرفع، لأنَّ مَعَهُ في حالة الرفع زيادة، هَذَا هُوَ المرجَّح عِنْدَ أهل الحَدِيْث» (٣)، إلا إذا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يندمج معها الوقف، وقال الزركشي: «أما تعارض الرفع والوقف فالحكم على الأصح كما قاله ابن الصلاح لما رواه الثقة من الرفع؛ لأنَّه مثبت وغيره ساكت هذا بالنسبة إلى راويين» (٤).
стр. 1440
القَوْل الثَّانِي: الحكم للوقف؛ لأنَّه متيقن ولأنَّ الرافع ربما تبع العادة وسلك الجادة، وإليه ذهب أكثر أهل الحديث (١).
القَوْل الثَّالِث: التفصيل؛ فالرفع زيادة، والزيادة من الثِّقَة مقبولة، إلا أنْ يوقفه الأكثر ويرفعه واحد، لظاهر غلطه وهذا قول الحاكم (٢).
والترجيح برواية الأكثر والأحفظ هُوَ الذي عَلَيْهِ العَمَل عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ؛ لأنَّ رِوَايَة الجمع إذا كانوا ثقات أتقن وأحسن وأصح وأقرب للصواب؛ لذا قَالَ ابن المبارك: «الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثةٌ: مَالِك ومعمر وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان عَلَى قولٍ أخذنا بِهِ، وتركنا قَوْل الآخر» (٣).
قَالَ العلائي: «إنَّ الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حَدِيث كَانَ القَوْل فِيْهِمْ للأكثر عدداً أو للأحفظ والأتقن … ويترجح هَذَا أيضاً من جهة المَعْنَى، بأنَّ مدار قبول خبر الواحد عَلَى غلبة الظن، وعند الاختلاف فِيْمَا هُوَ مقتضى لصحة الحَدِيْث أو لتعليله، يرجع إلى قَوْل الأكثر عدداً لبعدهم عن الغلط والسهو، وَذَلِكَ عِنْدَ التساوي في الحفظ والإتقان. فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قَوْل الأحفظ والأكثر إتقاناً، وهذه قاعدة متفق عَلَى العَمَل بِهَا عِنْدَ أهل الحَدِيْث» (٤).
وقال ابن رجب: «ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلّت بأنَّها موقوفة إما على عبد الله بن سلام أو على كعب واشتبهتْ على بعض الرواة فرفعها لطال الأمر» (٥).