" البدر المنير " ٦/ ١٧: "هذا إسناد رجاله أئمة ثقات"، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٣/ ٢٠٦: "رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح"، وقال ابن الملقن في " البدر المنير " ٦/ ١٦: "وهو حديث صحيح" وصححه الألباني في " إرواء الغليل " ٤/ ١٥٦ (٩٨٦).
قلت: الصواب في هذا الحديث الوقف، وقد رجح ذلك عدد من الأئمة، وأعلّوه - يعني: المرفوع - بتفرد محمَّد بن المنهال، وأنَّ متابعة الحارِث بن سريج له ليست بشيء؛ لأنَّه ضعيف تكلموا فيه كثيرًا (١)، وقال ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٤٦٩: "وهذا الحديث معروف بمحمد بن المنهال الضرير، عن يزيد بن زريع، وأظن أنَّ الحارِث بن سريج هذا سرقه منه، وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن يزيد بن زريع غيرهما، ورواه ابن أبي عدي وجماعة معه عن شعبة موقوفًا"، وقال الطبراني في " الأوسط " عقب (٢٧٥٢): "لم يروِ هذا الحديث عن شعبة مرفوعًا إلا يزيد، تفرد به محمَّد بن المنهال"، وقال البيهقي ٥/ ١٧٩: "تفرد برفعه محمَّد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، ورواه غيره عن شعبة موقوفًا، وكذلك رواه سفيان الثوري، عن الأعمش موقوفًا وهو الصواب"، وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " ٨/ ٢٠٩ وفي ط. الغرب ٩/ ١٠١ - ١٠٢: "لم يرفعه إلا يزيد بن زريع، عن شعبة وهو غريب".
قلت: قال ابن الملقن في " البدر المنير " ٦/ ١٧ متعقبًا كلام من قال بتفرد محمَّد بن المنهال برفعه: "قلت: ولك أن تقول: محمَّد بن المنهال ثقةٌ ضابط من رجال الصحيحين، فلا يضر تفرده برفعه، على أنه لم ينفرد به، بل توبع"، وبعد البحث والاستقراء في الأصل لم أجد ما ادَّعاه، بوجود ثقات تابعوا فيه محمَّد بن المنهال، سوى الحارِث بن سريج وهو ضعيف كما بينته سابقًا، والله أعلم.
وأخرجه: الحاكم ١/ ٤٨١ من طريق عفان (٢).
стр. 1472
وأخرجه أيضًا في نفس الموضع من طريق أبي الوليد (١) ومحمد بن كثير (٢).
ثلاثتهم: عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، به. وقرن هذا الطريق بطريق محمَّد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن شعبة بالإسناد المتقدم مرفوعًا. فصارت في سياق الحديث المرفوع، وكأنَّهم تابعوا يزيد بن زريع على رفع الحديث. إلا أنَّ الصواب أنَّ هذه الطرق عن شعبة موقوفة، إذ تعقب البيهقي شيخه الحاكم على تصحيحه الحديث، ورفعه لحديث عفان وأبي الوليد ومحمد بن كثير، قائلًا في " خلافياته " ٣/ ٢٢٤: "وأظن أنَّ شيخنا حمل حديث عفان وغيره على حديث يزيد، فهذا الحديث إنَّما رواه أصحاب شعبة عنه موقوفًا، سوى ابن زريع، فإنَّ محمَّد بن المنهال ينفرد برفعه عنه، والله أعلم".
أما الرواية الموقوفة، فقد أخرجها: ابن خزيمة عقب (٣٠٥٠) بتحقيقي، وابن حزم في " المحلى" ٧/ ١٢ من طريق ابن أبي عدي (٣).
وأخرجها: البيهقي ٤/ ٣٢٥ من طريق عبد الوهّاب بن عطاء (٤).
كلاهما: (ابن أبي عدي، وعبد الوهّاب) عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، موقوفًا.
قال ابن خزيمة: "هذا - علمي- هو الصحيح بلا شك".
وذكر ابن حزم في "المحلى" ٧/ ١٢، والبيهقي ٥/ ١٧٩: أنَّ سفيان الثوري رواه عن الأعمش (٥)، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس موقوفًا.
стр. 1473
وأخرجها أيضًا: الشافعي في "المسند" (٩٤٠) و (٩٤١) بتحقيقي، والطحاوي في " شرح المعاني " ٢/ ٢٥٧ وفي ط. العلمية (٤٠٦٤)، والبيهقي ٥/ ١٧٩ وفي " المعرفة "، له (٣٠٨٤) ط. العلمية و (١٠٢٦٣) ط. الوعي من طريق أبي السفر، عن ابن عباس، قال: أيها الناس، أسمعوني ما تقولون، وافهموا ما أقول لكم … فذكره. وهذا بلا شك موقوف فليس فيه ما يدل على رفعه. وهو بنفس ما تقدم من أن ابن عباس أضاف كلامه للشارع كما ذكر ذلك ابن حجر فيما تقدم.
وذكر ابن حزم ﵀ في " المحلى" ٧/ ١٢ طرقًا أخرى لهذه الرواية، فقال: "وأوقفه أيضًا أبو السفر، وعبيد صاحب الحلي، وقتادة على ابن عباس".
ومما يؤكد صحة الرواية الموقوفة قول البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ١٩٨ (٦١٢): "وقال أبو ظبيان وأبو السفر، عن ابن عباس: أيما صبي حج، ثم أدرك فعليه الحج، وهذا المعروف عن ابن عباس". وبذلك تترجح الرواية الموقوفة على الرواية المرفوعة، إذ لا حجة لمن صحح الرواية المرفوعة مطلقًا، فمحمد بن المنهال وإن كان ثقةٌ، إلاَّ أنَّه تفرد بوصله عن يزيد بن زريع، ولم يتابع يزيد بن زريع على رفعه عن شعبة أحد من الثقات.
أما رواية معاوية فهي موقوفة أيضًا، ومما يدل على ذلك رواية أبي السفر، عن ابن عباس، فإنَّها تدل بوضوح على أن ابن عباس لم يقصد في كلامه إضافة الحديث للشارع، إنما قصد أن يعرضوا عليه القول ليصححه لهم، وذلك خشية أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، والله أعلم.
وانظر: "نصب الراية" ٣/ ٧، و"البدر المنير" ٦/ ١٧، و"تحفة المحتاج" ٢/ ١٣٢، و"التلخيص الحبير" ٢/ ٤٨١ (٩٥٣)، و"إتحاف المهرة" ٧/ ٣٩ (٧٢٨١)، و"إرواء الغليل" ٤/ ١٥٥ - ١٥٦ (٩٨٦).
стр. 1474
ومما ضُعف متنه بسبب الاختلاف فيه رفعًا ووقفًا ما روى إسرائيل، عن أبي سنان (١)، عن عوف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيُ القيومُ، وأتوبُ إليهِ، ثلاثًا، غُفرتْ ذنوبُهُ، وإنّ كان فارًّا من الزحفِ".
أخرجه: ابن خزيمة كما في "الذيل" (٣٢٤١) بتحقيقي، والحاكم ٢/ ١١٧ - ١١٨ من طريق الفريابي.
وأخرجه: الحاكم ١/ ٥١١ من طريق محمَّد بن سابق.
كلاهما: (الفريابي، ومحمد بن سابق) عن إسرائيل، بهذا الإسناد مرفوعًا.
قال الحاكم في الرواية الأولى: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وفي الرواية الثانية قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
إلا أنَّ الذهبي قال في " التلخيص" ١/ ٥١١: "أبو سنان هو ضرار بن مرة لم يخرج له البخاري".
стр. 1475
قال ابن حجر في " فتح الباري" ١١/عقب (٦٣٠٦): "ومن أوضح ما وقع في فضل الاستغفار ما أخرجه الترمذي وغيره، من حديث يسار وغيره مرفوعًا: "مَنْ قال: أستغفرُ الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيُ القيومُ، وأتوبُ إليهِ، غُفرتْ ذنوبُهُ، وإنْ كانَ فَرّ منَ الزحفِ".
هذا الحديث اختُلف فيه على إسرائيل، فرواه مرة مرفوعًا كما مر، ورواه مرة موقوفًا.
أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٩٤١) من طريق ابن نمير، عن إسرائيل بالإسناد المتقدم موقوفًا على ابن مسعود ﵁.
وهذا الاختلاف يوحي باضطراب إسرائيل، فقد رواه عنه مرفوعًا الفريابي: وهو "ثقةٌ" (١)، وتابعه محمَّد بن سابق: وهو "صدوق" (٢)، وخالفهما عبد الله بن نمير: وهو "ثقةٌ" (٣) أيضًا فرواه موقوفًا.
وقد ورد هذا الحديث من طرق عدة مرفوعة وموقوفة، ولا يصح منها شيءٌ.
أخرجه: الطبراني في "الكبير" (٨٥٤١) من طريق أبي إسحاق، عن
عبد الرحمان بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود ﵁، به موقوفًا عليه.
وهذا الحديث فيه أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس وقد عنعن، وفيه عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود اختُلف في سماعه من أبيه. انظر: "تهذيب الكمال" ٤/ ٤٣٢ (٣٨٦٥)، و"التقريب" (٣٩٢٤).
قال الزبيدي كما في "تخريج أحاديث الإحياء" ٢/ ٧٦٩ عقب (٩٧٦): "ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن مسعود ومعاذ، موقوفًا عليهما".
حديث ابن مسعود الموقوف سبق ذكره.
أما حديث معاذ الموقوف المشار إليه:
أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٩٤٠) من طريق شريك.
стр. 1476
وأخرجه: عبد الرزاق (٣١٩٥) من طريق إسرائيل.
كلاهما: (شريك، وإسرائيل) عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ، به موقوفًا.
هذا حديث ضعيف؛ فيه رجل مبهم وهو الذي يروي عنه السبيعي.
وروي هذا الحديث عن معاذ من وجه آخر موقوفًا عليه.
أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٣٣ من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن محمَّد بن جحادة، عن زبيد، عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: من قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، غُفرتْ ذنوبُهُ، وإن كانتْ مثل زبد البَحر". قال: فقال معاذ ﵁: ألا أدلك على ما هو أهون من ذلك؟ ما من عبد يقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوبُ إليه، ثلاث مرات، إلا غُفرتْ ذنوبُهُ وإنْ كان فَرَّ من الزحف.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه الحسن بن أبي جعفر، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٤١٥٨) برواية الدوري: "ليس بشيء"، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٢٧١ (٢٥٠٠): "منكر الحديث"، وقال أيضًا: "قال إسحاق: ضعّفه أحمد"، وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (١٥٥): … "متروك الحديث"، وقال ابن عدي في "الكامل" ٣/ ١٤٣: "له أحاديث صالحة، وهو يروي الغرائب وخاصة عن محمَّد بن جحادة".
وروي مرفوعًا من حديث زيد مولى رسول الله ﷺ .
أخرجه: ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ٤٦، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٣/ ٣١٩ (١٢٧٦)، وأبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧)، والطبراني في "الكبير" (٤٦٧٠)، والخطيب في " تالي تلخيص المتشابه" (٨٥)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٢٨٨٣)، والمزي في " تهذيب الكمال " ١/ ٣٩٢ (٧٧٧)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق" ٤/ ١٨١ من طريق حفص بن عمر الشني،
стр. 1477
قال: حدَّثني أبي عُمرُ بنُ مرة، قال: سمعت بلال (١)
بن يسار بن زيد، قال: حدَّثني أبي، عن جدي، سمع النبي ﷺ ، يقول: من قال … وذكر الحديث، ولم يقل ثلاثًا.
في رواية البخاري لم يقل: "ولو كان فارًّا من الزحف".
بلال بن يسار ذكره ابن حبان في "الثقات" ٦/ ٩١، وقال ابن حجر في "التقريب" (٧٨٧): "مقبول"، وأبوه يسار بن زيد ذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٥٥٧ وقال: "يروي المراسيل"، وقال الذهبي في " الميزان" ٤/ ٤٤٤ (٩٧٧٧): "لا يعرف"، وقال ابن حجر في "التقريب" (٧٨٠٠): "مقبول".
وزيد جد بلال لا يعرف إلا بهذا الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وقال البغوي فيما نقله ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٨١: "ولا أعلم لزيد مولى رسول الله ﷺ غير هذا الحديث"، وقال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" عقب (٢٤١٤): "وإسناده جيد متصل" قلت: قد يكون متصلًا، لكن بسلسلة من المجاهيل.
وروي مرفوعًا من وجه آخر أيضًا.
أخرجه: ابن عدي في "الكامل" ٢/ ١٦٥، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٣٩٦) من طريق صفوان بن عيسى، قال: حدّثنا بشر بن رافع، عن محمَّد بن عبد الله البكاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: ذكر النبي ﷺ مَنْ قالَ: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيُ القيومُ، وأتوبُ إليه،
стр. 1478
ثلاث مراتٍ، أو مرة - شك صفوان- غفر لهُ وإنْ فَرَّ منَ الزحفِ".
قلت: وفيه بشر بن رافع، قال عنه أحمد بن حنبل في "الجامع في العلل" ١/ ٥٤ (٤٥٧): "ما أراه قويًا في الحديث" وفي ١/ ٢٠٠ (١٢١٤) قال
: "ليس بشيء، ضعيف الحديث"، وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٢/ ٢٧٩ (١٣٥٩): "ضعيف الحديث، منكر الحديث، لا ترى له حديثًا
قائمًا"، وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٦٧٠): "ليس بالقوي"، وقال ابن حبان في " المجروحين" ١/ ١٨٨ - ١٨٩: "روى عن صفوان بن عيسى وعبد الرزاق، يأتي بالطامات فيهما ٠٠ كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، ولم يكن يعلمُ الحديث ولا صناعته"، وقال ابن عدي في "الكامل" ٢/ ١٦٣: "ليس بالقوي"، وقال الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (١٢٤): "منكر الحديث"، وقال ابن حجر في "التقريب" (٦٨٥): "ضعيف الحديث". إلا أنَّ ابن معين قواه حيث قال في "تاريخه" (٥٥٥) برواية الدوري: "ليس به بأس".
قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح".
انظر: "تحفة الأشراف" ٣/ ٢٠٨ (٣٧٨٥)، و"تلخيص استدراك الذهبي على مستدرك الحاكم" ١/ ٤١٦، و"إتحاف المهرة" ١٠/ ٤٣٨ (١٣١١٥).
وقد يضطرب الضعيف في رفع حديث ووقفه، مع انفراده بزيادة في الحديث، ليتضح لدى الناقد عدم ضبط ذلك الضعيف للحديث، مثاله ما روى عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "اتقوا الحديثَ عنِّي إلاَّ ما علمتُم، فمنْ كذبَ عليَ متعمدًا فليتبوأ مقعده منَ النارِ، ومَنْ قالَ في القرآنِ برأيهِ فليتبوأ مقعدَهُ منَ النارِ" (١).
стр. 1479
أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٦٢٥٣)، وأحمد ١/ ٢٣٣ و ٢٦٩ و ٢٩٣ و ٣٢٣ و ٣٢٧، والدارمي (٢٣٢)، وأبو داود كما في "تحفة الأشراف" ٤/ ٣٣٦ (٥٥٤٣)، والترمذي (٢٩٥٠) و (٢٩٥١)، والنسائي في "الكبرى" (٨٠٨٤) و (٨٠٨٥) ط. العلمية و (٨٠٣٠) و (٨٠٣١) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٢٣٣٨) و (٢٧٢١)، والطبري في "تفسيره" (٦٣) ط. الفكر و ١/ ٧١ ط. عالم الكتب، والطبراني في "الكبير" (١٢٣٩٢) و (١٢٣٩٣) و (١٢٣٩٤)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٥٥٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٧٥) و (٢٢٧٦) ط. العلمية و (٢٠٧٩) و (٢٠٨٠) ط. الرشد، والواحدي في "أسباب النزول" (٣) بتحقيقي، والبغوي (١١٧) و (١١٨) و (١١٩) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، مرفوعًا.
هذا الحديث حسّنه الترمذي والبغوي رحمهما الله، والصواب- والله أعلم- أنَّ عبد الأعلى قد اضطرب فيه رواه مرفوعًا، ومرة موقوفًا، زد على ذلك أنَّ مدار الحديث على عبد الأعلى، وهو ضعيف تكلموا فيه، فقال الإمام أحمد في "الجامع في العلل" ١/ ١٥٢ (٧٧٠): "ضعيف الحديث"، وقال أبو زرعة كما في " الجرح والتعديل " ٦/ ٣٢ (١٣٤): "ضعيف الحديث ربما رفع الحديث وربما وقفه"، وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٣٨١): "ليس بذاك القوي"، وقال الدارقطني في "العلل" ٢/ ١٠٦ س (١٤٣): "ليس بالقوي عندهم والله أعلم"، وقال يحيى بن معين كما في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٥٣٠ (٤٧٢٦): "ليس بذاك القوي"، وقال ابن عدي في "الكامل ": ٦/ ٥٤٧: "يحدث عن سعيد بن جبير، وابن الحنفية، وأبي عبد الرحمان السُّلمي بأشياء لا يتابع عليها"، وقال ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٣٢٦: "كان ضعيفًا في الحديث"، وقال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٦/ ٨٧: "وصحح الطبري حديثه في الكسوف، وحسّنَ له الترمذي، وصحح له الحاكم وهو من تساهله"، وقال في "التقريب" (٣٧٣١): "صدوق يهم".
إلى جانب ما تقدم لم أجد للشطر الأول والأخير من هذا الحديث ما يشهد له، أما الشطر الأوسط فهو صحيح متواتر رواه عدد من الصحابة
﵃،
стр. 1480
وقد فصلت ذلك في تعليقنا على "شرح التبصرة والتذكرة" ١/ ١٤٩، وقد رواها جميعها -يعني: طرق هذا الحديث- ابن الجوزي في "تقدمة الموضوعات" ١/ ٥٥ - ٩٣، وبسط الكلام في تخريجها اللكنوي في "الآثار المرفوعة": ٢١ - ٣٦. قال المناوي في "فيض القدير" ١/ ١٧٢: "رمز المصنّف -يعني: السيوطي- لحسنه اغترارًا بالترمذي، قال ابن القطان: وينبغي أنْ يضعف، إذ فيه سفيان بن وكيع (١)، قال أبو زرعة: متهم بالكذب، لكن ابن أبي شيبة رواه بسند صحيح، قال - أعني: ابن القطان-: فالحديث صحيح من هذا الطريق لا من الطريق الأول، انتهى. وبه يعرف أنَّ المصنّف لم يُصب في ضربه صفحًا عن عزوه لابن أبي شيبة مع صحته عنده".
وتعقبه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١٧٨٣) بقوله: "ولست أدري إذا كان ابن القطان صحح طريق ابن أبي شيبة لخلوه من الثعلبي، أو لأنَّه لا يرى الثعلبي هذا ضعيفًا، فإن كان الأول -وهو الظاهر- فذلك ممَّا أستبعده جدًّا، وإن كنتُ ملتُ إليه واستشهدت بكلامه في تعليقي على هذا الحديث من "المشكاة" (٢٣٢)، وكان ذلك قبل تتبعي لطرق الحديث ومخارجه التي سبق ذكرها، فلما تتبعتها، استبعدتُ أن يكون طريق ابن أبي شيبة من غير طريق الثعلبي، وأما إن كان لا يرى ضعفه، فهو خطأ كما يدلك عليه ما نقلته عن الذهبي والعسقلاني (٢)، والله أعلم. ثم رأيت ابن أبي شيبة قد أخرج في " المصنّف " (١٠/ ٦٦/٢) (٣) الجملة الأخيرة من الحديث من طريق وكيع عن عبد الأعلى به، ولكنه أوقفه، فترجح عندي ما استبعدته، والله أعلم".
أقول: ومع ذلك فإنَّ الألباني ﵀ اعتمد هذا الحديث في كتابه "صفة صلاة النبي ﷺ ": ٤١، فجعله في متن الكتاب مستدلًا به على النهي عن رواية الحديث الضعيف، ثم قال في الهامش: "صحيح. أخرجه الترمذي … ثم
стр. 1481
تبين لي أنَّ الحديث ضعيف، وكنت اتبعت المناوي في تصحيحه لإسناد ابن أبي شيبة فيه، ثم تيسر لي الوقوف عليه، فإذا هو بيِن الضعف، وهو نفس إسناد الترمذي وغيره".
وكان الأحرى به أن لا يضعه في متن الكتاب بعد أن أعله في "السلسلة الضعيفة"، بل يضعه في الهامش مشيرًا إلى ضعفه أو أن يحذفه، والله أعلم.
قلت: ورواه موقوفًا ابن أبي شيبة (٣٠٦٠٣)، والطبري في "تفسيره" (٦٣) ط. الفكر و ١/ ٧٢ ط. عالم الكتب من طريق عبد الأعلى، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار.
وتابعه بكر بن سوادة عند الطبري أيضًا في "تفسيره" (٦٣) ط. الفكر
و ١/ ٧٢ ط. عالم الكتب من طريق ابن حميد، عن جرير، عن ليث، عن بكر ابن سوادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، موقوفًا.
قلت: قال محقق " مسند أبي يعلى " في تعليقه على طريق عبد الأعلى، ما نصه: "إنَّ عبد الأعلى لم ينفرد بالحديث، وإنما تابعه عليه بكر بن سوادة عند الطبري" وهو كذلك لو كان الإسناد كما يقول، إلاَّ أنَّه وَهِمَ في ذلك، وقد تعقبه الألباني ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (١٧٨٣) فبين ذلك بقوله: "أولًا: قوله في الإسناد: "المسيب" خطأ. ولعله سبق قلم والصواب: "جبير" كما هو ظاهر من سياق كلامه وكما هو الواقع في " تفسير الطبري "، والأمر في مثل هذا سهل قلما ينجو منه كاتب أو باحث.
ثانيًا: قوله: "وليث هو ابن سعد" ليس باللازم؛ لأنَّ كل مستنده في ذلك إنما هو أنهم ذكروا الليث بن سعد في الرواة عن بكر. فلقائل أن يقول: من الممكن أن يكون هو ليث ابن أبي سليم الضعيف؟ فإنهم ذكروه في شيوخ جرير بن عبد الحميد (١) دون الليث بن سعد، فالله أعلم.
ثالثًا: قوله: "عبد بن حميد" خطأ مزدوج، وذلك لأنَّه:
стр. 1482
١ - لم يسمِّ الرجل في الطبري؛ وإنما قال: "ابن حميد"، فالتسمية بـ "عبد" من المعلق.
٢ - إنها تسمية خطأ منه، وإنما هو محمَّد بن حميد الرازي، فإنَّه هو المعروف عند العلماء برواية الطبري عنه، والإكثار عنه، وهو تارة يسميه، وتارة يكتفي بنسبته لأبيه، وقد قال في حديث آخر (١٠): حدّثنا محمَّد بن حميد الرازي، قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد. فإذا عرفت هذا فالإسناد ضعيف أيضًا.
٣ - لو صح السند إلى بكر بن سوادة لم يجز أن يقال عند العارفين بهذا العلم: إنَّه متابع لعبد الأعلى؛ لأنَّه:
أولًا: لم يروِ الحديث بتمامه، وإنما الجملة الأخيرة منه.
وثانيًا: أنَّه خالفه في رفعه وأوقفه على ابن عباس.
فلو صح الإسناد؛ كان دليلًا آخر على ضعف الحديث، والله أعلم" (١).
فمن خلال ما تقدم يتبين أنَّ هذا الحديث لا يصح فيه شيء، لا المرفوع ولا الموقوف؛ لضعف عبد الأعلى ولاضطرابه، ولعله من أوهامه، والله أعلم.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٣٣٦ (٥٥٤٣)، و"إتحاف المهرة" ٧/ ٨٧ (٧٣٨٩)، و"مجمع الزوائد" ١/ ١٤٦ - ١٤٧.
وقد يختلف في الحديث رفعًا وقطعًا ويكون المقطوع هو الصحيح، ويصح المتن من حديث صحابة آخرين، مثاله: روى ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ جلسَ في مجلسٍ كثرَ فيه لغطُهُ (٢)، فقالَ قبلَ أنْ يقومَ: سبحانكَ ربنا وبحمدكَ، لا إله إلا أنت، أستغفركَ وأتوبُ إليكَ، إلا غُفرَ لهُ ما كانَ منْ مجلسِهِ ذلكَ".
стр. 1483
أخرجه: أحمد ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥، والترمذي (٣٤٣٣)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٢٣٠) ط. العلمية و (١٠١٥٧) ط. الرسالة وفي "عمل اليوم والليلة"، له (٣٩٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٢٨٩ وفي ط. العلمية (٦٨١٥)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ٢/ ١٥٦، والطبراني في "الأوسط" (٧٧) و (٦٥٨٤) كلتا الطبعتين وفي "الدعاء"، له (١٩١٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة " (٤٤٨)، والصيداوي في "معجمه": ٤٣٩، والحاكم ١/ ٥٣٦ - ٥٣٧ وفي "معرفة علوم الحديث"، له: ١١٣ ط. العلمية و (٢٧٣) ط. ابن حزم، وتمام في فوائده كما في "الروض البسام" (١٥٨١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٢٨) ط. العلمية و (٦٢٠) ط. الرشد، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١٤١١) ط. العلمية و (١٤٤٠) ط. الرسالة، والبغوي (١٣٤٠)، ومحمد بن عمر الفهري في "السنن الأبين": ١٤٥، والذهبي في "السير" ٦/ ٣٣٥ من طريق حجاج بن محمَّد الأعور (١).
وأخرجه: البخاري في "التاريخ الكبير" ٤/ ١٠٤ (٢١٢٠) وفي "التاريخ الصغير"، له ٢/ ٤٠ من طريق مخلد بن يزيد (٢).
وأخرجه: ابن حبان (٥٩٤) من طريق أبي قرة (٣).
ثلاثتهم: (حجاج، ومخلد، وأبو قرة) عن ابن جريج بهذا الإسناد.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه".
قال الحاكم في "المستدرك": "هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، إلا أنَّ البخاريَ قد علله بحديث وهيب، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن كعب الأحبار من قوله، فالله أعلم". إلا أنه قال في "معرفة علوم
стр. 1484
الحديث": "هذا حديث مَن تَأَمَّلَه لم يشكّ أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة" فدل على مزيد تناقضه.
وقال الحافظ ابن حجر في " النكت " ٢/ ٧١٨ وفي: ٤٩١ - ٤٩٢ بتحقيقي: "فيا عجباه من الحاكم، كيف يقول هنا: إنَّ له علة فاحشة، ثم يغفل فيخرج الحديث بعينه في "المستدرك" ويصححه، ومن الدليل على أنه كان غافلًا في حال كتابته له في "المستدرك" عما كتبه في "علوم الحديث"، أنه عقّبه في "المستدرك" بأنْ قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إلا أنَّ البخاريَ أعله برواية وهيب، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن كعب الأحبار، انتهى. وهذا الذي ذكره لا وجود له عن البخاري، وإنما الذي أعله البخاري في جميع طرق هذه الحكاية هو الذي ذكره الحاكم أولًا، وذلك من طريق وهيب، عن سهيل، عن عون بن عبد الله، لا ذكر لكعب فيه البتة، وبذلك أعله أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة وغيرهم … ".
وقال أيضًا في "فتح الباري" ١٣/ ٦٦٧ - ٦٦٨ عقيب (٧٥٦٣) تعقيبًا على قول الحاكم: "كذا قال في "المستدرك" ووهم في ذلك، فليس في هذا السند ذكر لوالد سهيل ولا كعب، والصواب عن سهيل، عن عون، وكذا ذكره على الصواب في "علوم الحديث" فإنه ساقه من طريق البخاري، عن محمَّد بن سلام، عن مخلد بن يزيد، عن ابن جريج بسنده، ثم قال: قال البخاري: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول: حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا وهيب، قال: حدّثنا موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، قوله .... " وقال: "وكأنَّ الحاكم وهم في هذه اللفظة وهي قوله: في هذا الباب، وإنما هي بهذا الإسناد، وهو كما قال؛ لأنَّ هذا الإسناد وهو: ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل لا يوجد إلا في هذا المتن، ولهذا قال البخاري: لا أعلم لموسى سماعًا من سهيل يعني أنَّه إذا لم يكن معروفًا بالأخذ عنه وجاءت عنه رواية خالف راويها وهو ابن جريج من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه رجحت رواية الملازم، فهذا يوجبه تعليل البخاري، وأما من صححه فإنَّه
стр. 1485
لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة بل يجوز أنَّه عند موسى بن عقبة على الوجهين … ".
وقال الدارقطني في "العلل" ٨/ ٢٠١ - ٢٠٢ (١٥١٣): "يرويه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، واختُلف عنه، فرواه موسى بن عقبة، عن سهيل. كذلك حدث به عنه ابن جريج ولا نعلم رواه عن موسى غيره، وحدّث بهذا الحديث أبو علي بن بسطام، عن عبد الرحمان بن موسى السوسي، عن حجاج، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ووهم في ذكر عبد الله ابن دينار وهمًا قبيحًا، وإنَّما رواه حجاج، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة كذلك رواه ..... (١) الواقدي، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، وأضاف إليه عن عاصم بن عمر بن حفص وسليمان بن بلال، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكذلك رواه هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وخالفهم وهيب بن خالد رواه عن سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة (٢) قوله، وقال أحمد بن حنبل: حدث به ابن جريج، عن موسى بن عقبة وفيه وهم، والصحيح قول وهيب، وقال: أخشى أن يكون ابن جريج دلسه عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء عنه، والقول كما قال أحمد".
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٧٨): "وسألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ جلسَ في مجلسٍ كثرَ فيه لغطُهُ، ثم قالَ قبل أنْ يقومَ: سبحانك اللهم وبحمدكَ … " الحديث فقالا: هذا خطأ: رواه وهيب، عن سهيل، عن عون بن عبد الله موقوفًا، وهذا أصح.
стр. 1486
قلت لأبي: الوهم ممن هو؟ قال: يحتمل أنْ يكون الوهم من ابن جريج، ويحتمل أنْ يكون من سهيل، وأخشى أنْ يكون ابن جريج دلّس هذا الحديث عن موسى بن عقبة ولم يسمعه من موسى، أخذه من بعض الضعفاء. سمعت أبي مرةً أخرى يقول: لا أعلم روى هذا الحديث عن سهيل أحد إلا ما يرويه ابن جريج، عن موسى بن عقبة، ولم يذكر ابن جريج فيه الخبر، فأخشى أنْ يكون أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، إذ لم يروه أصحاب سهيل، لا أعلم روى هذا الحديث عن النبي ﷺ في شيء من طرق أبي هريرة".
إلا أنَّ الإمام البخاري قد نسب العلة في هذا الحديث إلى موسى بن عقبة، فقال في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٠٤ (٢١٢٠): "وقال موسى: عن وهيب، قال: حدّثنا سهيل، عن عون بن عبد لله بن عتبة، قوله، ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل، وحديث وهيب أولى".
قلت: لعل الوهم وقع بسبب موسى بن عقبة، وهذا ما يدل عليه ظاهر كلام البخاري ﵀، فقوله: "ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل" يدل على أنه أعل الرواية بموسى بن عقبة؛ لأنه لم يصرح بالسماع من سهيل، خصوصًا إذا علمنا أن موسى بن عقبة قد وصف بالتدليس، فقد ذكره ابن حجر في مراتب المدلسين (٢٩) وقال: "وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الإسماعيلي".
إلا أن ابن حجر فسر كلام البخاري على نحو آخر، فقال في "فتح الباري" ١٣/ ٦٦٧ - ٦٦٨ عقيب (٧٥٦٣): "وقد ساق الخليلي (١) في "الإرشاد " (٢) هذه القصة عن غير الحاكم وذكر فيها أن مسلماً قال للبخاري: أتعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثاً غير هذا؟ فقال: لا، إلا أنَّه معلول، ثم
стр. 1487
ذكره عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله قوله … ولهذا قال البخاري: لا أعلم لموسى سماعاً من سهيل، يعني: أنه إذا لم يكن معروفاً بالأخذ عنه، وجاءت عنه رواية خالف راويها وهو ابن جريج من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه، رجحت رواية الملازم، فهذا يوجبه تعليل البخاري، وأما من صححه، فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة، بل يجوز أنه عند موسى بن عقبة على الوجهين … ».
قلت: عجبت لكلام الحافظ ابن حجر، فموسى بن عقبة له رواية واحدة ولم يروه بالوجهين، وهذا الذي ذهب إليه الحافظ منشأه ذكره لسند وقع فيه تخليط، وذلك أنَّ الإسناد الذي ذكره الحافظ قال فيه: «موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله» والصواب أن إسناد رواية عون ليس فيه موسى بن عقبة وإنما هو وهيب، عن سهيل، عن عون، وهذا يعني: أن موسى له رواية واحدة، لا كما ذكر الحافظ، وهذا الوهم لم يتفرد به
الحافظ، وإنما جاء بالوهم نفسه عند الخليلي في " الإرشاد ": ٩٦١، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٢/ ٢٩ وفي ط. الغرب ٢/ ٣٥١، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٥/ ٥٢ وهو مخالف لما في "التاريخ الكبير" للبخاري والذي تقدم ذكره، بل إن هذه الروايات بزيادة عجيبة، وهي أنهم رووه عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «كفارة المجلس» فزادوا فيه الرفع وهو في البخاري من قول عون. كما أن هذه القصة وردت من وجه آخر، وسند الإعلال فيها كالإسناد الذي ذكره البخاري في "التاريخ الكبير".
إذ أخرجه: الحاكم في "معرفة علوم الحديث": ١١٣ - ١١٤ ط. العلمية و (٢٧٤) ط. ابن حزم، ومن طريقه البيهقي في "المدخل" كما في "فتح الباري" ١٣/ ٦٦٧، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٣/ ١٠٢ - ١٠٣ وفي ط. الغرب ١٥/ ١٢٤، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٥/ ٥١ بإسنادهم إلى أحمد بن حمدون القصار، يقول: سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فَقبّل بين عينيه، وقال: دعني حتى أُقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدّثين ويا طبيب الحديث في علله، حدث محمد بن
стр. 1488
سلام، قال: حدثنا مخلد بن يزيد الحرّاني، قال: أنبأنا ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … ، فقال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثاً غير هذا (١)، إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله،
стр. 1489
قوله: قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى، لا يذكر لموسى بن عقبة مسنداً عن سهيل» كذا ذكر الإسناد على الجادة فدل بذلك على أنَّ موسى بن عقبة إنَّما رواه بوجه واحد فقط، وأنَّ إعلال البخاري للحديث متعلق بتدليس موسى بن عقبة، لا بتدليس ابن جريج؛ لأنَّه قد صرّح بالسماع في عدة روايات.
وقد ورد الحديث من طرق أخرى غير طريق موسى بن عقبة إلا أنَّ هذه الطرق لا تخلو من مقال.
فقد ذكره الدارقطني في "علله" ٨/ ٢٠٣ عن الواقدي، وعاصم بن عمر بن حفص (١)، وسليمان بن بلال (٢).
وأخرجه: الفريابي في "كتاب الذكر" كما في "نكت ابن حجر" ٢/ ٧٢٢ وفي: ٤٩٥ بتحقيقي من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش.
وأخرجه: الطبراني في "الدعاء" (١٩١٣) من طريق ابن وهب، قال: حدثني محمد بن أبي حميد.
أربعتهم: (عاصم، وسليمان، وإسماعيل، ومحمد) عن سهيل، به.
قال ابن حجر في "النكت": «فهؤلاء أربعة رووه عن سهيل من غير هذا الوجه الذي أخرجه الترمذي، فلعله إنَّما نفى أنْ يكون يعرفه من طريق قوية؛ لأنَّ الطرق المذكورة لا يخلو واحد منها من مقال.
أما الأولى: فالواقدي متروك الحديث (٣). وأما الثانية: فإسماعيل بن عياش مضعف في غير روايته عن الشاميين (٤)، ولو صرّح بالتحديث، وأما الثالثة: فمحمد بن أبي حميد وإن كان مدنياً لكنَّه ضعيف أيضاً (٥).
وقد سبق الترمذي أبو حاتم إلى ما حكم به من تفرد تلك الطريق عن
стр. 1490
سهيل، فقال فيما حكاه ابنه عنه في "العلل": «لا أعلم روى هذا الحديث عن النبي ﷺ في شيء من طرق أبي هريرة ﵁».
وقال أبو حاتم في " العلل" لابنه (٢٠٧٨) تعليقاً على رواية إسماعيل بن عياش التي مرت: «فما أدري ما هذا؟ نفس إسماعيل ليس راوية عن سهيل إنما روى عنه أحاديث يسيرة»
وروي الحديث عن أبي هريرة ﵁ من غير طريق أبي صالح ولا يصح أيضاً.
فأخرجه: أبو داود (٤٨٥٨)، وابن حبان عقب (٥٩٣)، والطبراني في "الدعاء" (١٩١٥)، والمزي في " تهذيب الكمال" ٤/ ٤٥٠ (٣٩٠٧) من طريق عبد الرحمان بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ .
وهذه الرواية فيها عبد الرحمان بن أبي عمرو، قال عنه الذهبي في "الميزان" ٢/ ٥٨٠ (٤٩٣٠): «له ما ينكر»، وقال ابن حجر في "التقريب" (٣٩٦٨): «مقبول» أي تقبل روايته إذا توبع ولم يتابعه أحد على هذا الإسناد.
وما دمنا قد أطلنا النفس في إعلال رواية موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وانتهينا إلى عدم صحة الحديث من هذا الطريق، إلا أن الحديث قد صح من حديث صحابة آخرين، وروي من طرق أخرى فيها مقال وعن صحابة آخرين، ومجمل الحديث المرفوع صحيح، وقد توسع الحافظ ابن حجر في تخريج طرق الحديث عن عدد من الصحابة وناقشها وبيّنَ غثها وسمينها، بما يدرك من خلالها كل منصفٍ أن الحديث صحيح.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٩/ ١٩٨ (١٢٧٥٢)، و"أطراف المسند" ٧/ ١٨٩ (٩١٧٨)، و"إتحاف المهرة" ١٤/ ٥٥٩ (١٨٢١٨).
стр. 1491
ومما اختلف فيه رفعاً ووقفاً، ورُجح فيه الموقوف لكثرة رواته، ولعدم صحة حديث مرفوع في الباب ما روى محمد بن أبي السري (١)، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄، قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ أهدي إليهِ هديةٌ وعندهُ قومٌ فهم شركاءُ فيها».
أخرجه: الحاكم كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٢٩٧٦/ ٢)، ومن طريقه البيهقي ٦/ ١٨٣ من طريق محمد بن أبي السري بهذا الإسناد، وتابعه على ذلك أبو الأزهر كما ذكر البيهقي في "سننه" (٢) ٦/ ١٨٣.
هذا الحديث اختلف فيه على عبد الرزاق رفعاً ووقفاً فرواه هنا مرفوعاً، ورواه عنه محمد بن إسحاق بن الصباح الصغاني (٣)، عند ابن حجر في "تغليق التعليق" ٣/ ٣٦٣ موقوفاً (٤)، وقد توبع محمد بن إسحاق على الرواية الموقوفة، تابعه إسحاق بن منصور (٥) عند ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٢٠٤).
كلاهما: (محمد، وإسحاق) عن عبد الرزاق، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ موقوفاً.
وقد ذهب جماعة من العلماء إلى تصحيح الرواية الموقوفة، وقالوا: بعدم ثبوت شيء مرفوع في هذا الباب.
فقد قال البخاري في "صحيحه" ٣/ ٢١٢ قبيل (٢٦٠٩): «باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق ويُذكر عن ابن عباس أنَّ جلساءه شركاء ولم يصحّ»، وقال العيني في "عمدة القاري" ١٣/ ١٦٤: «لما كان وضع ترجمة
стр. 1492
الباب يخالف ما روي عن ابن عباس أنَّ جلساءه شركاؤه أشار إليه بصيغة التمريض، بقوله: ويُذكر عن ابن عباس أن جلساءه أي جلساء المُهَدى إليه شركاؤه في الهدية، ولم يكتف بذكره هذا عن ابن عباس بصيغة التمريض حتى أكده بقوله: ولم يصح أي لم يصح هذا عن ابن عباس ويحتمل أنْ يكون المعنى، ولم يصح في هذا الباب شيء .. »، وقال العقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٦٧: «ولا يصح في هذا الباب شيء عن النبي ﷺ »، وقال في ٤/ ٣٢٨: « … ولا يصح في هذا المتن حديث»، وقال البيهقي ٦/ ١٨٣: «ورواه أحمد بن يوسف (١)، عن عبد الرزاق، فذكره عن ابن عباس موقوفاً غير مرفوع وهو أصح» (٢)، وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " عقب (١٥٢٧): «هذا حديث لا يصح»، وقال ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٢٨٠ عقب (٢٦١٠): «هذا الحديث جاء عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصلح إسناداً من المرفوع .. »، وقال أيضاً: «واختلف على عبد الرزاق عنه في رفعه ووقفه، والمشهور عنه الوقف، وهو أصح الروايتين عنه .. »، وقال في " هدي الساري ": ٥٤: «ورواه عبد الرزاق في مصنفه عنه موقوفاً وهو أشبه»، وقال العيني في "عمدة القاري" ١٣/ ١٦٤: «وروي هذا عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصح إسناداً من المرفوع»، وقال العجلوني في "كشف الخفاء" ٢/ ٣٠٢ عن السخاوي: «قال شيخنا (٣): إن الموقوف أصح»، وقال أيضاً في ٢/ ٥٦٨: «ما ثبت فيه شيء».
قلت: مما تقدم يتبين أنَّ الحديث من طريق عبد الرزاق الموقوف أصح لرواية الثقات الأثبات عنه بها، ولتصريح الأئمة بذلك، أما الطريق المرفوع فراويه متكلم فيه، وليس يقاوم قوة الإسناد الموقوف، والحمل فيه على
محمد بن أبي السري، أولى من الحمل على عبد الرزاق، لظهور حال
стр. 1493
عبد الرزاق على حال محمد، وأما متابعة أبي الأزهر فلا نعرف صحة ذلك الإسناد إلى أبي الأزهر، وحتى لو ثبتت تلك المتابعة، فإنَّ ذلك الإسناد يبقى منكراً؛ لمخالفته أسانيد الثقات، فمن المتفق عليه: أنَّ الراجح لا يعل بالمرجوح، فكيف تعل رواية محمد بن إسحاق، وإسحاق بن منصور برواية محمد بن أبي السري؟!
غير أن محمداً توبع متابعة نازلة، فقد رواه مندل، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس مرفوعاً.
أخرجه: عبد بن حميد (٧٠٥)، وابن حبان في "المجروحين" ٣/ ٢٥، والطبراني في "الكبير" (١١١٨٣) وفي "الأوسط"، له (٢٤٧١) ط. الحديث و (٢٤٥٠) ط. العلمية، والخلاّل في " علله " كما في " المنتخب" (٢٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٣٥١ - ٣٥٢، والبيهقي ٦/ ١٨٣، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٤/ ٢٤٩ وفي ط. الغرب ٥/ ٤١٠، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١٥٢٥) ط. أضواء السلف و ٣/ ٩٢ ط. الفكر، وابن حجر في "تغليق التعليق" ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣ من طرق عن مندل، بهذا الإسناد مرفوعاً.
والحديث من هذا الطريق تفرد به مندل، قال الطبراني في "الأوسط" عقب (٢٤٧١): «لم يروِ هذا الحديث عن عمرو إلا ابن جريج، تفرد به مندل، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد».
وقال أبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٣٥٢: «غريب من حديث عمرو، تفرد به مندل (١)، عن ابن جريج».
قلت: وعلى هذا التفرد فإنَّ مندلاً ضعيف لا يحتمل تفرده، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٧/ ٢٢٣ (٦٧٧١) عن الإمام أحمد أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث»، وقال البخاري فيما نقله عنه الترمذي في "العلل الكبير": ٤٤٤ (١٦٦): «مندل ضعيف، أنا لا أكتب حديثه»، وقال عنه النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٥٧٨): «ضعيف».
стр. 1494
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الطريق، عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً ولا يصح.
فرواه عبد السلام بن عبد القدوس عند العقيلي في "الضعفاء" ٣/ ٦٧، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١٥٢٦) ط. أضواء السلف و ٣/ ٩٢ ط. الفكر عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبد السلام، فقد قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "الجرح والتعديل" ٦/ ٦٢ (٢٥٣): «هو وأبوه ضعيفان»، وقال الآجري في "سؤالاته" (٥٥٦) سألت أبا داود عن عبد القدوس الشامي، فقال: «ليس بشيء، وابنه شرّ منه»، وقال العقيلي في "الضعفاء" ٣/ ٦٧: «لا يتابع على شيء من حديثه، وليس ممن يقيم الحديث».
مما تقدم يتبين أنَّ المحفوظ من طريق ابن عباس الموقوف.
وقد روي من غير حديث ابن عباس، ولا يصح منها شيء.
فأخرجه: إسحاق بن راهويه كما في " إتحاف الخيرة " (٢٩٧٤)، والطبراني في " الكبير " (٢٧٦٢) من طريق يحيى بن سعيد الواسطي - وهو العطار - قال: حدثنا يحيى بن العلاء، عن طلحة بن عبيد الله، عن الحسن بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أتتهُ هديةٌ وعنده قومٌ جلوس فهم شركاؤه فيها».
وهذا إسناد ضعيفٌ؛ لضعف العطار، فقد قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٨٨٣) برواية الدارمي: «ليس بشيء»، ونقل المزي في "تهذيب الكمال" ٨/ ٤٣ (٧٤٣٠) عن ابن خزيمة أنَّه قال فيه: «لا يحتج بحديثه»، ونقل عن الدارقطني أنَّه قال فيه: «ضعيف»، ونقل عن ابن عدي قوله: … «وهو بَيّنُ الضعف»، وقال العقيلي في "الضعفاء" ٤/ ٤٠٣: «منكر الحديث».
وفيه أيضاً يحيى بن العلاء وهو أضعف من تلميذه، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٨/ ٧٦ (٧٤٩٠) عن الإمام أحمد أنه قال: «كذاب يضع الحديث»، وعن يحيى بن معين قوله فيه: «ليس بثقة»، ونقل عن عمرو بن عليٍّ، والنَّسائي، والدارقطني: «متروك الحديث».
стр. 1495
أقول: والناظر في مصادر ترجمته سيجد غير واحد رماه بالوضع، نسأل الله السلامة.
وقد روي من حديث السيدة عائشة ﵂.
فأخرجه: العقيلي في "الضعفاء" ٤/ ٣٢٨، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١٥٢٧) ط. أضواء السلف و ٣/ ٩٢ - ٩٣ ط. الفكر من طريق بكار بن محمد بن شعبة، قال: حدثنا وضاح بن خيثمة، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت (١): أُهدي لرسولِ الله ﷺ هديةٌ، وعنده أربعةُ نفرٍ منَ الصحابة، فقالَ رسولُ الله ﷺ لجلسائه: «أنتمْ شركائي فيها، إنَّ الهديةَ إذا أُهديتْ إلى الرجلِ وعندهُ جلساؤه فهم شركاؤهُ فيها».
وهذا الإسناد كسابقيه لا يصح، بكار مجهول، قال عنه ابن القطان فيما نقله ابن حجر في " لسان الميزان " (١٥٥١)(٢): «لا يعرف»، فوضاح ضعيف، قال العقيلي في "الضعفاء" ٤/ ٣٢٨: «لا يتابع على حديثه»، وقال عقب تخريجه لهذا الحديث: «لا يتابع عليه، ولا يصح في هذا المتن حديث».
مما تقدم يتبين أنَّ عامة ما روي عن رسول الله ﷺ في هذا الباب لا يثبت، كما صرّح الأئمة بذلك. وإنَّما هو من قول ابن عباس ﵄ كما تقدم. والله أعلم.
ومما اختلف فيه راويه وقفاً ورفعاً ورُجح المرفوع لقرائن حفت الرواية ما روى أبو عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اقرؤا القرآنَ ما ائتلفتْ عليه قلوبُكم، فإذا اختلفتم فقوموا» (٣).
стр. 1496
هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه وإسناده.
فقد رواه همام (١) عند البخاريِّ ٩/ ١٣٦ (٧٣٦٥)، ومسلم ٨/ ٥٧ (٢٦٦٧)(٤)، وأبي عوانة كما في " إتحاف المهرة " ٤/ ٨٣ (٣٩٨٥).
والحارث بن عبيد أبو قدامة السرخسي (٢) عند أبي عبيد في " فضائل القرآن " (٩ - ٥٤)، وسعيد بن منصور (١٦٦) (التفسير)، وابن أبي شيبة (٣٠٦٧١)، والدارمي (٣٣٦١)، ومسلم ٨/ ٥٧ (٢٦٦٧)(٣)، والروياني في " مسند الصحابة " (٩٧٢)، وأبي عوانة كما في " إتحاف المهرة " ٤/ ٨٣ (٣٩٨٥)، والطبراني في " الكبير " (١٦٧٣)، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٤/ ٣٩٠.
وأبان بن يزيد العطار (٣) عند مسلم ٨/ ٥٧ (٢٦٦٧)(٤).
وحماد بن زيد (٤) عند أبي عبيد في " فضائل القرآن " (١٠ - ٥٤)، والبخاري ٦/ ٢٤٤ (٥٠٦٠)، وأبي يعلى (١٥١٩)، وأبي عوانة ٢/ ٤٧٨ (٣٩٠٠)، وابن حبان (٧٣٢) و (٧٥٩)، والطبراني في " الكبير" (١٦٧٣)، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٤/ ٢٢٨ وفي ط. الغرب ٥/ ٣٧٧، والبغوي (١٢٢٤).
وسلام بن أبي مطيع (٥) عند أحمد (٦) ٤/ ٣١٣، والبخاريِّ ٦/ ٢٤٤ (٥٠٦١) و ٩/ ١٣٦ (٧٣٦٤)، والنَّسائيِّ في " الكبرى " (٨٠٩٧) ط. العلمية و (٨٠٤٣)، والطبراني في " الكبير " (١٦٧٣).
стр. 1497
والحجاج بن فرافصة (١) عند النَّسائيِّ في " الكبرى " (٨٠٩٦) ط. العلمية و (٨٠٤٢) ط. الرسالة وفي " فضائل القرآن " له (١٢٢)، والطبراني في "الكبير " (١٦٧٥)، والإسماعيلي في " معجمه " (١٨٥)، وأبي نعيم في "الحلية " ٨/ ٢٩١.
وقال النسائي عقبه: «وأخبرنا به مرة أخرى، ولم يرفعه» قد يكون المراد به هنا شيخه.
وهارون بن موسى النحوي (٢) عند الدارمي (٣٣٥٩)، والنسائي في "الكبرى " (٨٠٩٨) ط. العلمية و (٨٠٤٤) ط. الرسالة وفي " فضائل القرآن "، له (١٢٣)، والطبراني في " الكبير " (١٦٧٤).
سبعتهم: (همام، والحارث، وأبان، وحماد، وسلام، والحجاج، وهارون) عن أبي عمران الجوني، عن جندب مرفوعاً.
وخالف الجميعَ:
همامٌ عند الدارميِّ (٣٣٦٠).
وشعبةُ عند أبي عبيد في " فضائل القرآن " (١١ - ٥٤)، وابن حجر في … " تغليق التعليق" ٤/ ٣٩١.
قال أبو عبيد عقب ذلك: «ولم يذكر الرفع».
وعبد الله بن شوذب عند أبي عبيد في " فضائل القرآن " (١٢ - ٥٤).
وقال عقبه: «ولم يرفعه».
ثلاثتهم: (همام، وشعبة، وعبد الله) عن أبي عمران الجوني، عن جندب موقوفاً عليه.
قلت: أما رواية همام فكما تقدم أنَّه رواه مرفوعاً، وهذا يعني اختلاف هذا الحديث عليه، ولا شك في رجحان رواية مسلم على رواية الدارمي،
لاختلاف شرطيهما.
стр. 1498
وأما رواية عبد الله بن شوذب ففيها محمد بن كثير المصيصي، وقد تكلم فيه، فقد نقل المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٦/ ٤٨٧ (٦١٦١) عن صالح بن محمد الحافظ أنَّه قال فيه: «صدوق، كثير الخطأ»، ونقل عن أبي داود أنَّه قال: «لم يكن يفهم الحديث»، ونقل عن البخاريِّ أنَّه قال فيه: «لين جداً»، وقال ابن حبان في " الثقات " ٩/ ٧٠: «يخطئُ ويغربُ».
وبقيت من هذه الروايات رواية شعبة، وهي رواية قوية جداً؛ لثقة رواتها واتصال سندها، إلا أنَّ مخالفة هذه الرواية لثمانٍ من الروايات، يجعلها رواية شاذة، لا تقاوم ما قدمناه من الروايات المرفوعة.
مما تقدم يتبين أنَّ الصواب الروايات المرفوعة، وقد ذهب الأئمة إلى ترجيح الروايات المرفوعة، ولعل أول قرائن ترجيح الروايات المرفوعة أنَّ الشيخين أخرجا الروايات المرفوعة.
وقال البخاريُّ في " صحيحه " ٦/ ٢٤٥ (٥٠٦١) عقب تخريجه لطريق سلام بن أبي مطيع: «تابعه الحارث بن عبيد، وسعيد بن زيد، عن أبي عمران. ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان. وقال غندر: عن شعبة، عن أبي عمران: سمعت جندباً .. قوله. وقال ابن عون: عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله، وجندب أصح وأكثر». انتهى.
قلت: أما رواية حماد بن سلمة، فقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٩/ ١٢٧ عقيب (٥٠٦٢): «لم تقع لي موصولة (١)».
أما طريق أبان فقد أخرجه: مسلم في " صحيحه " مرفوعاً، قال ابن حجر في " فتح الباري " ٩/ ١٢٧ عقب (٥٠٦٢): «فلعله وقع للمصنف من وجه آخر عنه موقوفاً (٢)».
стр. 1499
وأما طريق شعبة فقد تقدم الكلام عليه.
وقال ابن حجر في " فتح الباري " ٩/ ١٢٨ عقيب (٥٠٦٢) في شرح قول البخاري: «وجندب أصح وأكثر»: «أي أصح إسناداً، وأكثر طرقاً، وهو كما قال، فإنَّ الجم الغفير رووه عن أبي عمران، عن جندب، إلا أنَّهم اختلفوا عليه في رفعه ووقفه، والذين رفعوه ثقات حفاظ، فالحكم لهم … ».
وقال أبو نعيم في " الحلية ": «ثابت مشهور من حديث أبي عمران، رواه عنه حماد بن زيد، والحارث بن عبيد أبو قدامة، وسلام بن أبي مطيع، وهارون بن موسى النحوي».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥ (٣٢٦١)، "وإتحاف المهرة " ٤/ ٨٣ (٣٩٨٥)، و" أطراف المسند " ٢/ ٢١٠ (٢١١٩).
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه:
فأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (١٣ - ٥٤)، والنسائي في "الكبرى " (٨٠٩٩) ط. العلمية و (٨٠٤٥) ط. الرسالة وفي " فضائل القرآن "، له (١٢٤)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٢٢٦٢) ط. العلمية و (٢٠٦٦) ط. الرشد، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٤/ ٣٩١ من طرق عن عبد الله بن عون (١)، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁.
قلت: وهذه رواية شاذة لا تصح. خالف فيها ابن عون عَشرَةً من الرواة يروونه عن جندب. زد على ذلك أنَّ ابن عون تارةً يرويه عن أبي عمران، وتارة أخرى عن ابن عمران. قال البيهقي عقبه: «رواه معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن ابن عمران، عن عبد الله بن الصامت».
وهذا الطريق الذي أشار إليه البيهقي أخرجه في " شعب الإيمان " (٢٢٦٣) ط. العلمية و (٢٠٦٦) ط. الرشد من طريق معاذ، قال: حدثنا ابن عون فذكره على الوجهين.
стр. 1500
قال أبو عبيد عقبه: «ولم يذكره ابن عون، عن جندب».
وقال ابن حجر في: " فتح الباري " ٩/ ١٢٨ عقب (٥٠٦٢): «وأما رواية ابن عون فشاذة لم يتابع عليها، قال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون قَطّ إلا في هذا، والصواب عن جندب انتهى، ويحتمل أن يكون ابن عون حفظه، ويكون لأبي عمران فيه شيخ آخر، وإنَّما توارد الرواة على طريق جندب لِعُلوِّها والتصريح برفعها … ».
قلت: وهو احتمال بعيد، فإنَّ رواية ابن عون شاذة لا تصح، والحديث حديث جندب ﵁. ومما يتوجب التوقف فيه والنظر، ما ذهب إليه أبو حاتم، فقد سأله ابنه في " العلل" (١٦٧٥) فقال: «وسألت أبي عن حديث رواه الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «اقرؤا القرآنَ ما ائتلفتْ عليه قلوبُكم، فإذا اختلفتم فقوموا».
فقال: روى هذا ابن عون، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، قال: قال عمر … وهذا الصحيح.
قلت: (القول لابن أبي حاتم): الوهم ممن؟
قال: من الحارث بن عبيد» انتهى.
قلت: إنْ كان الوهم من الحارث بن عبيد، فأين روايات همام،
وأبان بن يزيد، وحماد بن زيد، وسلام بن أبي مطيع، والحجاج بن فرافصة، وهارون بن موسى، وشعبة، وعبد الله بن شوذب وغيرهم؟ الذين تابعوا الحارث بن عبيد في جعل الحديث عن جندب.
ومما يدل على أنَّ أبا حاتم ﵀ لم يضبط حفظ أسانيد هذا الحديث، ما ذكره ابنه في " العلل " (١٦٨٠) إذ قال: «وسألت أبي عن حديث رواه شريح بن النعمان، عن سهيل بن أبي حزم، عن أبي عمران الجوني، عن جندب، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ قال في القرآنِ برأيه فأصابَ، فقد أخطأ».
قال أبي: كذا حدثنا شريح، ولكن روى حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن عمر: اقرؤا القرآن ما ائتلفتْ عليه قلوبُكم، فإذا اختلفتم فيه
стр. 1501
فقوموا. قال أبي: أحسب أن ذلك خطأ، وإنما أراد حديث عمر هذا».
قلت: والناظر فيما ذهب إليه ﵀ سيجد أنَّه وهم في موضعين:
الأول: أنَّ حماد بن زيد إنَّما يروي هذا الحديث عن جندب، وليس عن عمر، وقد تقدم تخريج هذا الطريق.
والآخر: على فرض استقامة ما ذكره أبو حاتم، فإنَّه أسقط من الإسناد عبد الله بن الصامت، فالناظر في طريق ابن عون - الراوي الوحيد لهذا الحديث عن عمر - سيجد أن بين أبي عمران، وعمر، عبد الله بن الصامت ﵀. والله أعلم.
انظر: "تحفة الأشراف" ٢/ ٥٩٤ (٣٢٦١)، و"إتحاف المهرة" ٤/ ٨٣ (٣٩٨٥)، و"أطراف المسند" ٢/ ٢١٠ (٢١١٩).
ومما رُجح فيه الوقف على الرفع لزيادة الحفظ والضبط ما روى المحاربي، عن ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لأنْ أمشي على جمرةٍ أو سيفٍ أحبُ إليَّ من أنْ أمشي على قبرِ امرئ مسلمٍ، وما أبالي وسطَ القبورِ قضيتُ حاجتي أم وسط السُّوق» (١).
أخرجه: ابن ماجه (١٥٦٧)، وأبو يعلى في " مسنده " كما في "مصباح الزجاجة" ٢/ ٤٢، والروياني في " مسنده " (١٧١)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء " ٩/ ١٣٨.
والمحاربي هو عبد الرحمان بن محمد بن زياد، أبو محمد الكوفي لا بأس به، وكان يدلس قاله أحمد (٢)، وقد تَوهّم العلاّمة الألباني فظنّه
стр. 1502
(ابن هذا) إذ قال في " الإرواء " ١/ ١٠٢ (٦٣): «والمحاربي اثنان: عبد الرحمان بن محمد، وابنه عبد الرحيم، وهو المراد هنا».
أقول: لم يفصح الشيخ ناصر ﵀ عن سبب تحديده له بأنه الابن عبد الرحيم وليس الأب، فالمراد بالمحاربي في هذا الإسناد هو الأب؛ لأنَّه جاء مصرَّحاً به في رواية أبي يعلى والروياني، وكأنَّ الشيخ لم يطَّلع عليهما؛ لأنه لم يعزُ الحديث إليهما.
أقول: هذا الإسناد ظاهره القوة؛ لذا فقد قَوَّى الحديث جماعة من أهل العلم فقد قال المنذري في " الترغيب والترهيب " (٥٢٢٨): «رواه ابن ماجه وإسناده جيد»، وقال الذهبي في "السير " ٩/ ١٣٨: «إسناده صالح»، وقال البوصيري في" مصباح الزجاجة" ٢/ ٤١: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات»، وقال الألباني في " الإرواء " ١/ ١٠٢ (٦٣): «صحيح»، وقال الدكتور بشار في تعليقه على "سنن ابن ماجه" ٣/ ٩١ (١٥٦٧): «إسناده صحيح».
والصواب: أنَّ هذا الحديث معلول بالوقف، وقد أخطأ المحاربي برفعه، فقد خالفه شبابة فرواه عن الليث بن سعد، عن يزيد: أنَّ أبا الخير أخبره أنَّ عقبة بن عامر، قال: لأنْ أطأ على جمرة أو حدِّ سيفٍ حتى يخطف رجلي، أحب إليَّ من أنْ أمشي على قبر رجلٍ مسلمٍ، وما أبالي أفي القبور قضيت حاجتي أم في السوق بين ظهرانيه والناس ينظرون.
أخرجه: ابن أبي شيبة (١١٨٨٥).
وهذا هو الصواب، فاللفظ بكلام الصحابي أشبه، وشبابة هذا هو شبابة ابن سوار المدائني، أصله من خراسان: ثقة حافظ رمي بالإرجاء كما قال الحافظ في " التقريب " (٢٧٣٣) فهو أرجح من المحاربي، وحديثه أصح.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٦/ ٦٢٨ (٩٩٦٤)، و "إرواء الغليل" ١/ ١٠٢ (٦٣)، و "المسند لجامع" ١٣/ ٢٣ (٩٨٣٣).
стр. 1503
ومما رواه الضعيف وخولف في رفعه ووصله ما روى حفص بن عمر، عن صالح بن حسَّان (١)، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تأخذوا العلمَ إلا ممنْ تُجيزونَ شهادتَهُ».
أخرجه: ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٥ و ٢٥٩، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل " (٤٣٤)، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٥٥ و ٣/ ٢٨٩ و ٥/ ٧٧، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٩/ ٣٠١ وفي ط. الغرب ١٠/ ٤١٠ وفي " الكفاية "، له: ٩٥، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٨٧) من طريق حفص بن عمر، بهذا الإسناد.
قال ابن حبان: «خبر غير محفوظ … هذا خبر باطل رفعه، وإنَّما هو قول ابن عباس، فرفعه حفص بن عمر هذا، ولسنا نستجيز أن نحتج بخبر لا يصح من جهة النقل في شيء من كتبنا».
وحفص بن عمر، قال عنه أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٣/ ١٩٢ (٧٧٣): «ضعيف الحديث»، وقال أبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في المصدر السابق: «منكر الحديث»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٥٩: «يروي عن هشام بن حسَّان والثقات الأشياء الموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج به، وهو الذي روى عن صالح (٢) بن حسان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس … وذكر الحديث».
قلت: لم ينفرد حفص بن عمر برفع الحديث، بل توبع.
فأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٥٦ من طريق سعيد بن عبد الجبار الحمصي (٣).
стр. 1504
وأخرجه: الخطيب في " الكفاية ": ٩٤ - ٩٥ من طريق جعفر بن سليمان (١).
وأخرجه: الخطيب في " الكفاية ": ٩٥ من طريق عمر أبي حفص الأبّار (٢).
ثلاثتهم: (سعيد، وجعفر، وعمر) عن صالح بن حسَّان، بهذا الإسناد.
وهذا الحديث ليست علته حفص بن عمر؛ لأنه توبع كما مرّ، ولكنّ علته الاضطراب، إذ اضطرب فيه صالح بن حسّان فرواه مرفوعاً كما سبق.
ورواه موقوفاً، وأخرى مرسلاً.
أما الموقوف:
فأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٥٦، والخطيب في "الكفاية ": ٩٥ من طريق أبي حفص عمر بن عبد الرحمان الأبار.
وأخرجه: الخطيب في " الكفاية ": ٩٦ من طريق سليمان بن داود وزيد بن يحيى (مقرونين).
ثلاثتهم: (أبو حفص الأبّار، وسليمان بن داود، وزيد بن يحيى) عن صالح بن حسّان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، به موقوفاً عليه.
وأما المرسل:
فأخرجه: الخطيب في " الكفاية ": ٩٥ من طريق أبي داود الحفري (٣)، عن صالح بن حسّان، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال النبيُّ ﷺ : «لا تحدِّثوا إلا عمن تقبلون شهادته».
قال الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله الخّلال كما في " المنتخب من العلل " (٧٣): «ليس بصحيح، هذا حديث موضوع من قبل صالح بن حسَّان، هذا رجل مديني متروك الحديث».
стр. 1505
قلت: تفرّد به صالح بن حسّان، ومداره عليه وهو كما قال الإمام أحمد: «متروك الحديث»، وقال عنه أيضاً في " الجامع في العلل " ١/ ١٩٨ (١١٩٧): «ليس بشيء»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ٢٢٦ (٢٧٩٣) وفي " الضعفاء الصغير "، له (١٦٦): «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٤/ ٣٦٢ (١٧٣٨): «ضعيف الحديث، منكر الحديث»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٩٦): «متروك الحديث»، علاوة على أنَّه اضطرب فيه كما تقدم.
وجاء الحديث بهذا اللفظ من حديث الحسن البصري مرسلاً.
فأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٥٦ من طريق بقية قال: حدثنا إسحاق بن مالك، عن أبي بكر التميمي، عن الحسن، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «لا تقبلوا الحديث إلا ممنْ تقبلون شهادتهُ».
وهذا ضعيف؛ لإرساله، وفيه إسحاق بن مالك قال عنه الأزدي: «ضعيف» .. وقال ابن القطان: «لا يعرف». "لسان الميزان" (١٠٦٠)، وفيه بقية يدلس تدليس التسوية (١).
ومما تعارض فيه الرفع والوقف، ورُجح الوقف لكثرة العدد ما روى موسى بن أيوب النَّصيبي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، قال: سمعت أبا الأشعث الصنعاني، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو رفعه إلى النبيِّ ﷺ قال: «من قرضَ بيتَ شِعْرٍ بعدَ العِشاءِ لم تُقبَلْ له صلاةٌ حتى يُصبحَ».
أخرجه: الطبراني في " مسند الشاميين " (١٢٣٨)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٣/ ٢٩٦ من طريق موسى بن أيوب، بهذا الإسناد.
هذا حديث متصل، ورجاله ثقات ما يوحي بصحته، غير أنَّه أعل بالوقف.
стр. 1506
قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " العلل " (٢٢٨٥): «هذا خطأ، الناس يروون هذا الحديث لا يرفعونه، يقولون: عن عبد الله بن عمرو فقط، قلت - يعني: ابن أبي حاتم -: الغلط ممن هو؟ قال: من موسى، لا أدري من أين جاء بهذا مرفوعاً؟!».
ومما يزيد في كون الموقوف هو الصواب أنَّ ثلاثة من الرواة رووه من طريق الوليد بن مسلم موقوفاً.
فأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٦/ ١٠٠ من طريق إبراهيم بن دحيم، قال: حدثنا أبي (١)، وهشام (٢)، ومحمود (٣)، قالوا: أخبرنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الوليد بن سليمان، قال: سمعت أبا الأشعث الصنعاني، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، موقوفاً.
وقد روي من غير هذا الوجه.
فأخرجه: أحمد ٤/ ١٢٥، ومن طريقه ابن الجوزي في " الموضوعات" ١/ ٢٦١ ط. الفكر و (٥٠٦) ط. أضواء السلف، والمقدسي في " أحاديث الشعر " (٤٢).
وأخرجه: العقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٣٣٩ من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب.
وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٥٠٨٩) ط. العلمية و (٤٧٣٧) ط. الرشد من طريق يحيى بن أبي طالب.
ثلاثتهم: (أحمد، وأبو خيثمة، ويحيى) عن يزيد بن هارون.
وأخرجه: البزار في " مسنده " (٣٤٧٧) عن بشر بن دحية الزيادي.
كلاهما: (يزيد، وبشر) عن قزعة بن سويد الباهلي، عن عاصم بن مخلد، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس مرفوعاً.
стр. 1507
وأخرجه: أحمد ٤/ ١٢٥، ومن طريقه الخلاّل في " علله " كما في "المنتخب " (٤٥)، قال: حدثنا الأشيب، فقال: عن أبي عاصم، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، وهذا الإسناد ستأتي مناقشته.
وأما الإسناد الأول فقد تفرّد بروايته قزعة، قال البزار عقب (٣٤٧٧): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن النبيِّ ﷺ إلا شداد، ولا له طريقاً عن شداد إلا هذا الطريق .. ».
وعلى تفرّد قزعة به، فالحديث معلول بثلاث علل:
الأولى: ضعف قزعة بن سويد، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ١٨٨ (٧٨٢) عن الإمام أحمد أنَّه قال فيه: «مضطرب الحديث»، ونقل عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ضعيف»، ونقل عن أبيه قوله فيه: «ليس بذاك القوي، محله الصدق، وليس بالمتين، يكتب حديثه، ولا يحتج به»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٥٠٠): «ضعيف».
وأما العلة الثانية: فإنَّ قزعة اضطرب في رواية هذا الحديث، فرواه كما تقدم عن «عاصم بن مخلد».
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٧١٣٣) من طريق مسدد، قال: حدثنا قزعة بن سويد، عن أبي عاصم، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، به.
والعلة الثالثة: أنَّ عاصم بن مخلد مجهول، فقد نقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٤٥٨ (١٩٣٤) عن أبيه قوله فيه: «شيخ» وزاد كما في " تعجيل المنفعة " ١/ ٧٠٢: «شيخ مجهول»، وقال البزار عقب … (٣٤٧٧): «وعاصم بن مخلد لا نعلم روى عنه إلا قزعة بن سويد»، وقال عنه العقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٣٣٩: «ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به»، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٣٥٧ (٤٠٦٦): «لا يعرف، تفرّد عنه قزعة بن سويد».
قلت: غير أنَّ عاصماً تابعه عبد القدوس - وهو ابن حبيب - عند ابن الجعد (٣٤٥٩) ط. العلمية و (٣٥٨٥) ط. الفلاح عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، عن النبيِّ ﷺ ، به.
стр. 1508
إلا أنَّ هذه المتابعة لا تصح؛ لضعف عبد القدوس، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ٧٠ (٢٩٥) عن عمرو بن علي الصيرفي أنَّه قال: «أجمع أهل العلم على ترك حديثه»، ونقل عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ضعيف»، وقال عنه النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٣٧٧): «متروك».
وقد رجّح الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة " ١/ ٧٠٣ أنَّ … عبد القدوس سرق هذا الحديث من عاصم فقال: «لَكنْ عاصم (١) أصلح من عبد القدوس، فكأنّ عبد القدوس سرقه منه».
وأما إسناد الأشيب ففيه احتمالان:
الأول: أنَّ الأشيب يرويه عن قزعة، عن أبي عاصم، وهذا الاحتمال يدل عليه ما قاله ابن حجر في " تعجيل المنفعة " ١/ ٧٠٢: «وذكر الإمام أحمد أنَّ الأشيب - يعني: الحسن بن موسى- خالف يزيد بن هارون … » ويزيد ابن هارون إنَّما يرويه عن قزعة، ولا شك أنَّ الاختلاف إنَّما يكون على مدار الطريق، ويدل عليه أيضاً قول قزعة في رواية الطبراني: «عن أبي عاصم» فحينئذ يكون الأشيب تابع مسدداً - الراوي عن قزعة في تلك الرواية - فهذا إنْ صح لا يزيد الحديث إلا اضطراباً، وهذا الذي يدل عليه صنيع الإمام أحمد.
وأما الاحتمال الثاني: أنْ يكون الأشيب سمعه من أبي عاصم، وحينئذ يكون متابعاً لقزعة، وهذا احتمال بعيد، كما تقدم القول بتفرّد قزعة برواية هذا الحديث.
وقد تعقّب الحافظُ ابنُ حجر ابنَ الجوزي لذكره الحديث في الموضوعات، فقال في " القول المسدد ": ٤٩ - ٥٠: «ليس في شيء من هذا ما يقضي على هذا الحديث بالوضع، إلا أنْ يكون استنكر عدم القبول من أجل فعل المباح؛ لأنَّ قرض الشعر مباح، فكيف يعاقب فاعله بأنْ لا تقبل له صلاة؟ فلو علل بهذا لكان أليق به من تعليله بعاصم وقزعة؛ لأنَّ عاصماً ما
стр. 1509
هو من المجهولين كما قال، بل ذكره ابن حبان في " الثقات "، وأما كونه تفرّد برواية هذا عن أبي لأشعث، فليس كذلك، فقد تابعه عبد القدوس بن حبيب، عن أبي الأشعث»، ثم قال بعد ترجمة لقزعة: «فالحاصل من كلام هؤلاء الأئمة فيه، أنَّ حديثه في مرتبة الحسنِ، والله أعلم».
قلت: وكلام الحافظ فيه مؤاخذات من وجوه:
الأول: قوله: «فلو علل بهذا لكان أليق به من تعليله بعاصم وقزعة». هذا كلام يستوجب النظر، وذلك أنَّ التعليل بضعف رجال السند وبيان حالهم أولى من التعليل بالقواعد الفقهية أو الأدلة العقلية.
وقوله عن عاصم: «ما هو من المجهولين كما قال، بل ذكره ابن حبان في الثقات» ابن حبان معروف بتساهله في توثيق المجاهيل، وهو بكلامه هذا خالف البزار والعقيلي وابن الجوزي والذهبي الذين ذهبوا إلى تجهيل هذا الراوي، ثم إنَّ الحافظ نفسه نقل عن أبي حاتم قوله فيه: «شيخ مجهول».
وقوله: «تابعه عبد القدوس بن حبيب» هذه المتابعة لا تصح، والحافظ نفسه قال عنه في " تعجيل المنفعة ": «فكأن عبد القدوس سرقه منه - يعني: من عاصم -».
ولا أدري ما الذي دفعه للاستشهاد بروايته عقب اتهامه بسرقة الحديث؟!
وجاء في خاتمة كلامه عقب ترجمته لقزعة: «فالحاصل من كلام هؤلاء الأئمة فيه أنَّ حديثه في مرتبة الحسن، والله أعلم» قد تقدم كلام الأئمة فيه وبيان ضعفه، ثم إنَّ الحافظ بَيّنَ حاله في "التقريب " (١) فقال: «ضعيف»، والله أعلم.
وانظر: " أطراف المسند " ٢/ ٥٧٢ (٢٨٥٠) و " إتحاف المهرة " ٦/ ١٧٨ (٦٣٢٠).
стр. 1510
وقد يضطرب راوي الحديث نفسه، فيرويه عنه جماعةٌ، فيجعلونه موقوفاً، ويرويه آخرون عنه فيجعلونه مرفوعاً، وهنا تستعمل القرائن المحيطة بالرواية، كالعدد والحفظ والوثاقة في الراوي، وما إلى ذلك من مرجحات يعرفها أهل هذه الصناعة، مثاله: روى شعبة، قال: أخبرنا يزيد أبو خالد، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «منْ باعَ داراً ولم يشترِ بثمنها داراً، لْم (١) يباركْ له فيها أو في شيء من ثمنها» (٢).
هذا الحديث اختلف فيه على شعبة رفعاً ووقفاً.
فرواه عنه مرفوعاً وهب بن جرير (٣)، عند البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٢٠٩ (٣١٩٥)، والبزار (٢٩٦٧)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٩٤٧) وفي (تحفة الأخيار) (٢٤٩٦)، والبيهقي ٦/ ٣٣.
وسَلمْ بن قتيبة (٤) عند البخاري في "التاريخ الكبير" ٨/ ٢٠٩ (٣١٩٥)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٣٦٣ (٨٠٨٩).
كلاهما: (وهب، وسَلْم) عن شعبة، بالإسناد المتقدم مرفوعاً.
في حين رواه عبد الرحمان بن مهدي وغُندر - مقرونين - عند البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٢٠٩ (٣١٩٥)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٣٦٣ (٨٠٨٩).
ورواه أيضاً أبو داود الطيالسي (٤٢٢)، ومن طريقه المزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٣٦٣ (٨٠٨٩).
ثلاثتهم: (عبد الرحمان، وغُنْدر، وأبو داود) عن شعبة، عن يزيد أبي