وهذا إسناد ضعيف منكر خالف فيه أبو أمية الرواة عن عسل، وهو ضعيف، إذ قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٣٥٣١) برواية الدوري: "ضعيف"، وقال أبو حاتم فيما نقله ابنه في " الجرح والتعديل " ٢/ ١٤٠ (٦٨٦): "ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة"، وقال النسائي في … " الضعفاء والمتروكون " (٣٩): "متروك الحديث".
وقد روي من غير طريق.
فأخرجه: القضاعي في " مسند الشهاب " (١١٩٩) قال: وأنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمَّد الأنماطي، قال: حدّثنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن علي ابن إبراهيم بن جابر، قال: حدّثنا محمَّد بن محمَّد الباهلي، قال: حدّثنا الحسنُ بن حماد سجادة، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
أقول: أما أبو الحسن الأنماطي وشيخه فلم أقف لهما على ترجمة فيما بين يدي من مصادر.
مما تقدم يتبين أن طريق ابن الأخنس هو المعوّل عليه والبقية ضعاف. وقد روي من وجه آخر.
أخرجه: أبو داود (١٤٧١)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١٩٠٣)، والطبراني في "الكبير" (٤٥١٤)، والبيهقي ٢/ ٥٤ وفي "الصغرى"، له (٤٨٢) من طرق عن عبد الأعلى بن حماد، عن عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي يزيد (١)، عن أبي لبابة.
وهذا إسناد حسن، من أجل عبد الجبار بن الورد، فهو صدوق يهم (٢). وسيأتي الكلام عليه.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٥٦٧ (١٢١٤٨).
وروي من وجه آخر.
стр. 1857
فأخرجه: البزار (٢١٩٢) من طريق محمَّد بن ماهان الواسطي، عن نافع ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير.
هذا إسناد ضعيف؛ لضعف محمَّد بن ماهان، ذكره ابن أبي حاتم في … " الجرح والتعديل" ٨/ ١٢٢ (٤٥٠) ولم يذكر فيه شيئًا، وقال عنه في ترجمة ابنه أحمد بن محمَّد بن ماهان ٢/ ٢٧ (١٤٠): "روى عن أبيه، كتب لنا أبو عون بن عمرو بن عون شيئًا من فوائده، فلم يعرف أبي والده، وقال: هو مجهول، ولم يسمع منه"، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ١٧٠: "وفيه محمَّد بن ماهان قال الدارقطني: ليس بالقوي، وبقية رجاله ثقات".
قلت: أما ما نقله من قول الدارقطني فليس لصاحب هذا السند؛ لأنَّ صاحب هذا السند هو القصبي الواسطي كذا ترجم له ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " وذكر له من الشيوخ محمَّد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، ونافع بن عمر … وأما الذي ذكره الهيثمي فهو محمَّد بن ماهان أبو جعفر الدباغ، والله أعلم.
وقد روي من وجه آخر.
فأخرجه: الطيالسي (٢٠١)، وابن أبي شيبة (٨٨٢٣)، وأحمد ١/ ١٧٢، والدورقي في " مسند سعد " (١٢٧) من طريق سعيد بن حسان.
وأخرجه: عبد الرزاق (٤١٧١)، والحميدي (٧٦)، وابن أبي شيبة (٨٨٢٢) و (٣٠٤٤٠)، وأحمد ١/ ١٧٩، والدارمي (١٤٩٠)، وأبو داود (١٤٦٩)، والبزار (١٢٣٤)، وأبو يعلى (٧٤٨)، والحاكم ١/ ٥٦٩، والبيهقي ١٠/ ٢٣٠ من طريق عمرو بن دينار.
وأخرجه: الحميدي (٧٧)، والحاكم ١/ ٥٦٩ من طريق ابن جريج.
ثلاثتهم: (سعيد، وعمرو، وابن جريج) عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك (١)، عن سعد.
стр. 1858
ورواه الليث بن سعد واختُلف عليه (١).
فأخرجه: أحمد ١/ ١٧٥، وعبد بن حميد (١٥١)، والدارمي (٣٤٨٨)، وأبو داود (١٤٦٩)، وابن حبان (١٢٠)، والحاكم ١/ ٥٦٩، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١١٩٦) و (١٢٠٢)، والبيهقي ١٠/ ٢٣٠، والمقدسي في "المختارة " ٣/ ١٧٢ (٩٦٩) من طرق عن الليث، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد.
وهو بهذا متابع بالأسانيد المتقدمة.
وأخرجه: أبو داود (١٤٦٩) من طريق قتيبة بن سعيد، ويزيد بن خالد ابن موهب الرملي.
وأخرجه: القضاعي في " مسند الشهاب " (١١٩٧) من طريق عبد الله ابن صالح.
ثلاثتهم: (قتيبة، ويزيد، وعبد الله) عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعيد بن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ … .
وخالفهم زغبة.
فأخرجه: القضاعي في " مسند الشهاب " (١١٩٣) من طريق عيسى بن حماد زغبة (٢)، قال: حدّثنا الليث، قال: حدّثنا ابن أبي مليكة، عن عبد الله ابن أبي نهيك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، به. فزاد في الإسناد: "عن أبي هريرة" فكأنه سلك الجادة في ذلك.
стр. 1859
أقول: وقد تكلم أهل العلم على رواية الليث، فقد قال البخاري فيما نقله الترمذي في "العلل": ٨٨١ (٣٩٠): "وكان الليث بن سعد يروي هذا عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، ويقول: عن سعيد بن أبي سعيد، ثم رجع، فقال: عن سعد بن أبي وقاص هكذا قال: عبد الله بن (١) صالح"، وقال الدارقطني في " العلل " ٤/ ٣٨٩ (٦٤٩): "فأما الغرباء عن الليث فرووه عنه على الصواب، وأما أهل مصر فرووه، وقالوا: عن سعيد بن أبي سعيد كان سعد، ومنهم من قال: عن سعيد أو سعد، وقال قتيبة: عن الليث عن رجل، ولم يسمِّ سعدًا ولا غيره".
وخالف هؤلاء الرواة اثنان من الضعفاء فذكره كل منهما بإسناده.
فأخرجه: ابن ماجه (١٣٣٧) و (٤١٩٦)، وأبو يعلى (٦٨٩)، والبيهقي ١٠/ ٢٣١ وفي " شعب الإيمان "، له (٢١٤٧) ط. العلمية و (١٩٦٠) ط. الرشد من طريق الوليد بن مسلم، عن أبي رافع - وهو إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري المدني -، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمان بن السائب، عن سعد، بلفظ: إنَّ هذا القرآنَ نزلَ بحزنٍ، فإذا قرأتموه فابكوا، فإنْ لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا بهِ، فمنْ لم يتغنَّ به، فليس منا.
وهذا معلول بثلاث علل:
الأولى: ضعف أبي رافع، إذ قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٢٤٥) برواية الدوري: "ليس بشيءٍ"، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٣٢): "متروك الحديث".
والثانية: أن أبا رافع على ضعفه خالف الرواة بذكر عبد الرحمان بن السائب، ولعل الوهم دخل إلى ذهن هذا الراوي من حيث إن السائب والد عبد الرحمان هو ابن السائب بن أبي نهيك فاختلط عليه اسم هذا الراوي باسم عبد الله بن أبي نهيك، والله أعلم.
стр. 1860
أما العلة الثالثة: فإن هذا الطريق على ما فيه من علل، فإنَّه جاء بزيادة في أوله، لم ترد في الطرق التي قدّمناها، فتكون منكرة، والله أعلم.
قال الإمام أحمد في " العلل " (٢٥٧) برواية المروذي عندما سُئل عن حديث إسماعيل بن رافع، قال: حدَّثني ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمان بن السائب، فنفضَ يده، وقال: "ليس منْ هذا شيء، وضعّفه".
وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٢٦٦ (٣٩٠٠).
وأما الطريق الآخر.
فأخرجه: الدورقي في " مسند سعد " (١٢٨) و (١٢٩)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١١٩٨) من طريق عبد الرحمان بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن السائب، عن سعد.
وهذا الإسناد ليس بأفضل من سابقه؛ لضعف عبد الرحمان، إذ قال عنه يحيى بن معين فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٥/ ٢٧١ (١٠٢٦): "ضعيف"، ونقل عن أبيه قوله فيه: "ليس بقوي الحديث"، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ١٤٩ (٨٣٩): "منكر الحديث".
أقول: فهذان طريقان لا يصحان، والمحفوظ رواية الجماعة، قال البزار عقب طريق محمَّد بن دينار: "وهذا الحديث عن سعد لا نعلم له إسنادًا أحسن من هذا الإسناد".
وقد روي هذا الحديث من طريق آخر.
فأخرجه: الحاكم ١/ ٥٧٠ من طريق عبد الله بن وهب قال: أنبأنا عمرو ابن الحارِث، عن ابن أبي مليكة: أنَّه حدَّثه عن ناسٍ دخلوا على سعد بن أبي وقاص … ، فذكر الحديث. ولابن أبي مليكة متابع على روايته.
فأخرجه: عبد الرزاق (٤١٧٠) من طريق ابن جريج، عن عطاء، قال: دخل عبد الله بن عمر القاري، والمتوكل بن أبي نهيك على سعد بن أبي وقاص، فقال سعد لعبد الله: من هذا؟ قال: المتوكل بن أبي نهيك، قال:
стр. 1861
نِعمَ تجار كسبة، تجار كسبة يؤخرون، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "ليسَ منا من لم يتغنَّ بالقرآنِ".
أقول: لم أقف على سماع عطاء، من سعد بن أبي وقاص (١).
وأخرجه: القضاعي في " مسند الشهاب " (١١٩٤) من طريق إسحاق ابن إسماعيل، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي نهيك، عن سعد.
وهذا الإسناد فيه احتمال أن تكون عبارة: "عن ابن أبي مليكة" سقطت من الإسناد، وهذا الذي أميل إليه؛ لأن هذا الكتاب ممتلئ بالتصحيف والتحريف والسقوطات، سواء في الأسانيد أم في المتون.
ثم أقول: مما تقدم يتبين لنا أن ابن أبي مليكة مضطرب في هذا الحديث، ولكن لا يمكن حمل الوهم كله عليه في حديثنا هذا، فبإخراج روايات الضعفاء عنه يبقى من الحديث ثلاثة طرق.
الأول: طريق عبيد الله بن الأخنس، عنه، عن ابن عباس.
والثاني: طريق عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله ابن أبي يزيد، عن أبي لبابة.
والثالث: طريق الجماعة عنه، عن ابن أبي نهيك، عن سعد. وهو الذي رجحه البخاري.
فهذه ثلاثة طرق رُويت عن ابن أبي مليكة، ولا يمكن جمع هؤلاء الروايات بعضها مع بعض، لتكون دليلًا على اختلاف ابن أبي مليكة فيه، وفي هذا يقول البزار: "إنما ذكرنا هذا لتبين الاختلاف على ابن أبي مليكة فيه، فرواه عمرو بن دينار والليث عنه، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، ورواه نافع ابن عمر عنه، عن ابن الزبير، ورواه عسل عنه، عن عائشة"، وقال البيهقي ١٠/ ٢٣٠:
стр. 1862
"هذا حديث مختلف في إسناده على ابن أبي مليكة فروي عنه من هذين الوجهين، وقيل: عنه، عن ابن عباس، وقيل: عنه عن عائشة، وقيل: عنه غير ذلك … "، إلا أنَّ الراجح من هذه الطرق هو طريق الجماعة، وقد يكون ابن أبي مليكة سمعه منه هؤلاء الرواة جميعًا، كما نصّ على ذلك الحاكم، إذ قال في ١/ ٥٧٠: "فهذه الرواية تدل على أنَّ ابن أبي مليكة لم يسمعه من راوٍ واحد إنما سمعه من رواة لسعد، وقد ترك عبيد الله بن الأخنس وعسل بن سفيان الطريق عن ابن أبي مليكة وأَتَيَا به فيه بإسنادين شاذين".
انظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٢٦٨ (٣٩٠٥).
وقد يختلف الرواة في تعيين الصحابي على مدار واحد فيصح الوجهان لقرائن تفيد صحة كل منهما: روى شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد: أنَّ النَّبيَ ﷺ أُتي بثُلُثي مُدٍّ فتوضَّأَ فجعلَ يدلُكُ ذِراعَيْهِ.
أخرجه: الروياني في " مسند الصحابة " (١٠٠٩)، وابن خزيمة (١١٨) بتحقيقي، وابن حبان (١٠٨٣)، والحاكم ١/ ١٤٤ و ١٦١، والبيهقي ١/ ١٩٦ عن يحيى بن أبي زائدة.
وأخرجه: الطيالسي (١٠٩٩)، ومن طريقه أحمد ٤/ ٣٩.
وأخرجه: ابن حبان (١٠٨٢) عن يحيى بن سعيد القطّان.
وأخرجه: الضياء المقدسي في " المختارة " ٩/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٣٣٨) عن معاذ بن معاذ العَنْبري.
أربعتهم: (يحيى بن أبي زائدة، والطيالسي، ويحيى بن سعيد، ومعاذ) عن شعبة، بهذا الإسناد.
قال الحاكم ١/ ١٤٤: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وقال في ١/ ١٦٢: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بحبيب بن زيد، ولم يخرجاه".
هذه الأسانيد ظاهرها الصحةُ، وهي تقوي بعضها بعضًا. إلا أنَّ شعبة قد
стр. 1863
اختُلف عليه في رواية هذا الحديث فجعله هنا من مسند عبد الله بن زيد.
ورواه عنه محمَّد بن جعفر (غُنْدر) عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن جدته أم عمارة (نسيبة بنت كعب) فجعله من مسند أم عمارة.
وحديث غُنْدر أخرجه: أبو داود (٩٤)، والنَّسائي ١/ ٥٨ وفي "الكبرى "، له (٧٦) كلتا الطبعتين، والبيهقي ١/ ١٩٦.
وغُنْدر هذا من أوثق الناس في شعبة، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٦/ ٢٦٥ (٥٧٠٩) عن عبد الله بن المبارك أنَّه قال: "إذا اختُلف الناس في حديث شعبة فكتاب غُنْدر حكمٌ بينهم"، ونقل عن عبد الرحمان بن مهدي أنَّه قال فيه: "غُنْدر في شعبة أثبت مني"، ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٧/ ٢٩٨ (١٢٢٣) عن أبيه أنَّه قال فيه: "كان صدوقًا، وكان مؤديًا (١)، وفي حديث شعبة ثقةٌ". وقد ذهب أبو زرعة إلى تصحيح حديث غُنْدر فقال فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في " العلل " (٣٩): "الصحيح عندي: حديث غُنْدر"، والله أعلم بالصواب.
قلت: والذي رجحه أبو زرعة إنَّما هو على وفق قواعد المحدّثين، وإلا فإنَّ مثل هذا الاختلاف لا يقدح في صحة الحديث كما استقر عليه مؤخرًا، فعبد الله بن زيد وأُمّ عمارة كلاهما ممن ثبتت صحبته للنَّبيِ ﷺ ، ولا مانع من أنْ يكون شعبة رواه على الوجهين، وذلك أنَّ غالب من روى عنه هذا الحديث هم من أوثق الناس فيه، قال ابن عدي في " الكامل " ٤/ ٢٧٨: "وإذا جاوزت
стр. 1864
في أصحاب شعبة من معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارِث، ويحيى القطان وغندر فأبو داود خامسهم" فهؤلاء هم أوثق الناس في شعبة، وقد رواه عنه يحيى بن سعيد والطيالسي ومعاذ بن معاذ من وجه، وخالفهم غُنْدر فجعله من مسند أم عمارة، فطريق غُنْدر يرجحه كون غُنْدر مقدمًا في الرواة عن شعبة، ويرجحه أيضًا شذوذ السند (١)، وذلك أن ما أسند عن أُمّ عمارة قليل جدًّا، فروايته لحديث أُمّ عمارة دليل على حفظه لذلك السند، وما يرجح الطرف الآخر أنَّ اتفاق ثلاثة من الرواة وهم من هم على رواية واحدة، لدليل على صحة مخرج هذا الحديث، والله أعلم.
وانظر: "تحفة الأشراف" ١٢/ ١٩٤ (١٨٣٣٦)، و"إتحاف المهرة" ٦/ ٦٤١ (٧١٣٦)، و"أطراف المسند" ٣/ ١٩ (٣١٥٤).
مثال آخر: روى حماد بن سلمة، عن ابن أبي عَتيق، عن أبيه، عن أبي بَكْر الصديق: أنَّ النَّبيَ ﷺ قالَ: "السِّواكُ مَطهَرةٌ للفَمِ مَرضْاةٌ للرَّبِّ".
أخرجه: أحمد ١/ ٣ و ١٠، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٦٦٨)، والمروزيُ في " مسند أبي بكر " (١٠٨) و (١١٠)، وأبو يعلى (١٠٩) و (١١٠) و (٤٩١٥)، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ٥٠، وتمام في "فوائده" كما في " الروض البسام " (١٥٣)، وابن حجر في " تغليق التعليق " ١/ ١٦٦ من طريق حماد، عن ابن أبي عتيق (٢)، بهذا الإسناد.
стр. 1865
أقول: هذا الإسناد معلول:
أما العلة الأولى: فهي الانقطاع في هذا السند، قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ٢٢٠: "رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات، إلا أنَّ عبد الله بن محمَّد لم يسمع من أبي بكر".
وأما العلة الثانية: فهي وهم حماد في هذا السند، فإنَّه قد جعله من مسند أبي بكر ﵁، والصواب المحفوظ من حديث عائشة ﵂. وقد ذهب بعض الأئمة إلى توهيم حماد، فقد نقل ابن أبي حاتم في " العلل " (٦) عن أبيه وأبي زرعة أنَّهما قالا: "هذا خطأ، إنَّما هو ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، قال أبو زرعة: أخطأ فيه حماد، وقال أبي: الخطأ من حماد أو ابن أبي عتيق"، وقال أبو يعلى (١٠٩): "حدّثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال: حدّثنا، قال - القائل أبو يعلى- وسألته عنه فقال: هذا خطأ … "، وقال أيضًا (٤٩١٥): "سألت عبد الأعلى عن حديث أبي بكر الصديق، فقال: هذا خطأ"، وقال ابن عدي في " الكامل " ٣/ ٥٠: "ويقال: إنّ هذا الحديث أخطأ فيه حماد بن سلمة حيث قال: عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق، وإنَّما رواه غيره عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة"، وقال الدارقطني في " العلل " ١/ ٢٧٧ (٦٩) حينما سأل عنه: "يرويه حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر، وخالفهم جماعة من أهل الحجاز وغيرهم فرووه عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِ ﷺ وهو الصواب".
وقال ابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ١٦٦: "وشذ حماد بن سلمة، فرواه عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق، وهو خطأ".
وانظر: " إتحاف المهرة " ٨/ ٢٥٢ (٩٣٢٤).
ومما يدل على أنَّ الوهم من حماد، أنَّ الرواة عن ابن أبي عتيق جعلوه عنه عن أبيه، عن السيدة عائشة ﵂.
стр. 1866
فقد أخرجه: أحمد ٦/ ١٢٤، والحسن بن علي المعمري في " اليوم والليلة" كما في " تغليق التعليق " ٣/ ١٦٤، والنسائي ١/ ١٠ وفي " الكبرى "، له (٤) كلتا الطبعتين، وابن حبان (١٠٦٧)، والبيهقي ١/ ٣٤، والمزي في "تهذيب الكمال " ٤/ ٤٢٩ (٣٨٦)، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ١٦٥ من طرق عن يزيد بن زريع، قال: حدّثنا عبد الرحمان بن أبي عتيق، قال: سمعت أبي يحدث: أنَّه سمع عائشة تحدث: أنَّ نَبيَ الله ﷺ قال: "السِّواكُ مطهرةٌ للفمِ مرضاةُ للربِّ".
وقال المزي في " تحفة الأشراف " ١١/ ٢٧٨ (١٦٢٧١) معقّبًا على إسناد يزيد: "كذا قال: عبد الرحمان بن أبي عتيق، وهو: عبد الرحمان بن عبد الله ابن أبي عتيق".
وأخرجه: الحسن بن علي المعمري في " اليوم والليلة " كما في "تغليق التعليق " ٣/ ١٦٤ قال: حدّثنا عبد الأعلى بن حماد النَّرسيُ، قال: حدّثنا يزيد بن زريع، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، نحوه.
قال ابن حجر عقبه: "قال المعمري: ابن أبي عتيق هو عبد الله بن محمَّد ابن عبد الرحمان بن أبي بكر، وكان محمَّد يكنى أبا عتيق. ورواية ابن زريع، عن عبد الرحمان بن عبد الله، يعني ولده. انتهى كلامه. وهذا الذي نبه عليه صحيح لا محيد عنه".
ولم ينفرد يزيد بهذا الإسناد، وإنَّما تابعه الدراورديُ كما في " تحفة الأشراف " ١١/ ٢٧٨ (١٦٢٧١) فرواه عن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي عتيق.
وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر
فقد أخرجه: البيهقي ١/ ٣٤ من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي عتيق، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة.
وهذا السند رجاله ثقات إلا أنَّ المحفوظ أنَّ ابن أبي عتيق حَدَّث به عن أبيه، عن عائشة، وهكذا رواه جمع الثقات عنه. أما طريق القاسم فإنَّه روي من غير طريق ابن أبي عتيق وهو سيأتي.
стр. 1867
وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر.
فأخرجه: الشافعيُ في " مسنده " (٥٦) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٤ وفي "معرفة السنن والآثار" (٤٧) ط. العلمية و (٥٨٢) ط. الوعي وفي "السنن الصغير"، له (٦٨) ط. العلمية و (٧٩) ط. الرشد، والبغوي (١٩٩).
وأخرجه: الحميديُ (١٦٢)، ومن طريقه ابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ٤٩٤.
كلاهما: (الشافعي، والحميدي) عن سفيان بن عيينة (١).
وأخرجه: إسحاق بن راهويه في " مسنده " (١١١٦) عن عيسى بن يونس.
وأخرجه: أحمد ٦/ ٤٧، وأبو يعلى (٤٥٩٨) من طريق إسماعيل بن علية.
وأخرجه: أحمد ٦/ ٢٣٨ عن يزيد بن هارون.
وأخرجه: أحمد ٦/ ٦٢ عن عبدة بن سليمان الكلابي.
وأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " (٣٣٨)، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ١٥٩، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٢١١٨) ط. العلمية و (١٩٣٩) ط. الرشد من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة.
وأخرجه: البغوي (٢٠٠) من طريق أحمد بن خالد.
سبعتهم: (سفيان بن عيينة، وعيسى، وابن علية، ويزيد، وعبدة، وشعبة، وأحمد) عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمان ابن أبي بكر، عن عائشة.
стр. 1868
وقد صرّح ابن إسحاق بالسماع في رواية أحمد ٦/ ٤٧ فانتفت شبهة تدليسه.
وخالفهم ابن إدريس فرواه عن ابن إسحاق بإسناد مختلف.
فأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٢٧٧٧) ط. العلمية و (٢٥٢٢) ط. الرشد من طريق ابن إدريس، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂، به.
قال البيهقي: "كذا قال، والصواب عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي عتيق، عن عائشة".
وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى عن السيدة عائشة، لا يخلو طريق منها من مقال.
فأخرجه: إسحاق بن راهويه (٩٣٦)، وأحمد ٦/ ١٤٦، والدارمي (٦٨٤)، وأبو يعلى (٤٥٦٩)، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٣٨٢، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ١٦٥ من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة (١)، عن داود بن حصين، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ إبراهيم بن إسماعيل تكلم فيه، فقد قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٢٦٧ (٨٧٣): "منكر الحديث"، وقال النَّسائيُ في " الضعفاء والمتروكون " (٢): "ضعيف"، وقال الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون " (٣٢): "متروك"، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢/ ٣٥ (١٩٦) عن أبيه أنَّه قال: "شيخ ليس بقويٍ، يكتب حديثه، ولا يحتج به، منكر الحديث"، في حين ذهب الإمام أحمد إلى توثيقه فقال فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢/ ٣٥ (١٩٦): "ثقةٌ" (٢).
стр. 1869
قال الدارقطني فيما نقله ابن الملقن في " البدر المنير " ١/ ٦٨٤: "والصحيح أنَّ ابن أبي عتيق سمعه من عائشة، وذكر القاسم فيه غير محفوظ".
وانظر: " إتحاف المهرة " ١٧/ ٤٣٤ (٢٢٥٩١)، و " أطراف المسند " ٦/ ٩٤ (٧٨٢٧).
وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٩٤ من طريق يزيد بن أبي حكيم العدني، قال: حدّثنا سفيان الثوري، عن محمَّد بن إسحاق، عن رجل، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة.
وهذا إسناد ضعيف؛ لإبهام شيخ محمَّد بن إسحاق، قال أبو نعيم عقبه: "كذا رواه يزيد ولم يسمِّ الرجل، ورواه المؤمل بن إسماعيل وكناه".
قلت: فأما طريق مؤمل:
فأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٩٤ من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري وشعبة، عن محمَّد بن إسحاق، عن ابن أبي عتيق (١)، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة.
قلت: خالف مؤمل مسلم بن إبراهيم فإنه لم يقرن مع شعبة سفيان، وإنَّما رواه عن شعبة فقط، هذا من جهة فقد زاد القاسم بن محمَّد، فيكون مخالفًا الرواة عن محمَّد بن إسحاق في موضعين (٢).
وقد روي من غير هذا الطريق.
فأخرجه: الطبرانيُ في " الأوسط " (٢٧٨) ط. الحديث و (٢٧٦) ط.
стр. 1870
العلمية من طريق روح بن صلاح، قال: حدّثنا سعيد بن أبي أيوب، عن محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة.
قال الطبراني عقبه: "لم يروِ هذه الأحاديث، عن سعيد بن أبي أيوب إلا روح بن صلاح".
قلت: وروح اختُلف فيه، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" ٨/ ٢٤٤، ونقل الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٥٨ عن الحاكم أنَّه قال فيه: "ثقةٌ مأمون". في حين قال ابن عدي في " الكامل " ٤/ ٦٣: "وفي بعض حديثه نكرة". والنكارة بادية على حديثه من هذا الطريق فإنَّ الرواة رووه عن عبد الرحمان أو عبد الله بن محمَّد، وهو هنا يرويه عن محمَّد بلا وساطة عنه.
وأخرجه: المروزي في " مسند أبي بكر " (١٠٩)، وأبو يعلى (٤٩١٦) من طريق الدراوردي، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، به.
وقد روي من غير هذا الطريق.
فأخرجه: ابن عدي في "الكامل" ١/ ٤٨٤ من طريق إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وهذا إسناد ضعيف؛ إسماعيل بن عياش قد تقدم أنَّه إذا روى عن غير الشاميين فإنَّ روايته ضعيفة. وهو هنا روى عن هشام، وهشام مدنيٌ (١)، فيكون حديثه ضعيفًا.
وروي الحديث عن عائشة بإسناد آخر.
أخرجه: ابن خزيمة (١٣٥) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٤ من طريق سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، به.
هذا إسناد غريب.
стр. 1871
بناءً على ما تقدم يتبين أنَّ الصواب من هذه الطرق طريق ابن أبي عتيق، عن عائشة والله أعلم.
وحديث عائشة ﵂ علقه البخاري ٣/ ٤ قبيل (١٩٣٤) بصيغة الجزم.
قال المنذري في " الترغيب والترهيب " (٣٢٣): "وتعليقاته المجزومة صحيحة" (١).
وقال النووي في " المجموع " ١/ ١٤٨، وابن الملقن في " البدر المنير " ١/ ٦٨٧: "وهذا التعليق صحيح؛ لأنَّه بصيغة الجزم" وزاد ابن الملقن:
"وهو حديث صحيح من غير شك ولا مرية".
وانظر: "البدر المنير" ١/ ٦٨٤، و " التلخيص الحبير " ١/ ٢٢٥ (٦٣)، و " إرواء الغليل " ١/ ١٠٥ (٦٦).
ومما اختُلف فيه على راويه مع تقارب الرواة عن ذلك المدار ما روى أبو إسحاق السَّبيعيُ، عن زيد بن يُثيع، عن عليٍ، قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ، منْ نُؤمِّرُ بعدكَ؟ قالَ: "إنْ تؤمروا أبا بكرٍ تجدوهُ أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرةِ، وإنْ تؤمروا عمر تَجدوهُ قويًا أمينًا لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ، وإنْ تؤمروا عَليًا ولا أراكم فاعلينَ، تجدوهُ هاديًا مَهْديًا يأخذُ بكم الطريقَ المستقيمَ" (٢).
هذا الحديث رواه أبو إسحاق السبيعيُ وتفرد به عن زيد بن يثيع.
فأخرجه: البزار (٧٨٣)، والطبرانيُ في " الأوسط " (٢١٦٦)
ط. العلمية و (٢١٨٧) ط. الحديث، والحاكم ٣/ ٧٠، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " ٤٧/ ١٩٠ و ٤٥/ ٣٢٢ من طريق فضيل بن مرزوق.
وأخرجه: أحمد ١/ ١٠٨ - ١٠٩ وفي " فضائل الصحابة "، له (٢٨٤)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (١٢٥٧)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٥/ ٣٢٢،
стр. 1872
وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٤٠٦)، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٤/ ١٠٦، والضياء في " المختارة " ٢/ ٨٦ (٤٦٣) من طريق عبد الحميد بن أبي جعفر، عن إسرائيل بن أبي إسحاق.
وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ١/ ٦٤ من طريق إبراهيم بن هراسة (١)، عن سفيان الثوري.
وتابعهم جميل الخياط كما في " علل الدارقطني " ٣/ ٢١٤ س (٣٦٨).
أربعتهم: (الفضيل، وإسرائيل، والثوري، وجميل) عن أبي إسحاق، بهذا الإسناد.
قال الذهبيُ في " تلخيص مستدرك الحاكم ": "فضيل بن مرزوق ضعّفه (٢) ابن معين، وقد خرّج له مسلم، لكن هذا الخبر منكر" (٣).
واختُلف على سفيان الثوريِ فيه (٤)، فرواه عنه إبراهيم بن هراسة بالإسناد السابق، وقد خولف.
стр. 1873
فأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٥٤١ - ٥٤٢ من طريق محمَّد بن مسعود العجمي.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٥٤٢، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٥/ ٣٢١ - ٣٢٢ من طريق حمدان السلمي.
وأخرجه: الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ٢٩ ط. العلمية و (٥٤) ط. ابن حزم، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٦٤، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣ وفي ط. العرب ٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٤٠٥) من طريق محمَّد بن أبي السري.
وأخرجه: الحاكم ٣/ ١٤٢ من طريق إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع.
وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٧/ ١٩٠ من طريق أحمد بن يوسف.
ستتهم: (محمَّد بن مسعود، وحمدان السلمي، ومحمد بن أبي السري، وإسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وأحمد بن يوسف) عن عبد الرزاق، عن النعمان بن أبي شيبة.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٥٤٢ من طريق أبي الأزهر، عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن قمازين.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٥٤٢ من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء.
ثلاثتهم: (النعمان، وابن قمازين، ويحيى بن العلاء) عن الثوريِ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة بن اليمان، به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
ومن خلال ما تقدم نستطيع استخلاص خلاصة لهذا الاختلاف، فنقول: روى أبو إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي. فرواه عنه بهذا السند فضيل ابن مرزوق وإسرائيل. وروي عن أبي إسحاق إسناد آخر، فروي عنه، عن زيد بن
стр. 1874
يثيع، عن حذيفة، رواه عنه بهذا الإسناد سفيان الثوري. والحديث بهذا الاختلاف فيه احتمالان: الأول: أن يكون لأبي إسحاق فيه إسنادان، واحد عن علي، وآخر عن حذيفة، والاحتمال الثاني: أن يكون أبو إسحاق اختُلف عليه فيه فرواه بإسنادين مختلفين، وعند ذاك يستوجب ترجيح أحدهما على الآخر، فنقول: إسرائيل من المتثبتين في أبي إسحاق، ولكن الثوري أحفظ منه وأعرف، وقد قدمه الأئمة على عموم الرواة عن أبي إسحاق، منهم علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، والبرديجي (١)، وقال يحيى ابن معين: "أثبت أصحاب أبي إسحاق الثوري وشعبة، وهما أثبت من زهير وإسرائيل وهما قرينان" (٢).
وخالف محمَّد بن سهل أقرانه من أصحاب عبد الرزاق.
فأخرجه: العقيليُ في " الضعفاء الكبير " ٣/ ١١٠ - ١١١، والحاكم في "معرفة علوم الحديث ": ٢٨ - ٢٩ ط. العلمية و (٥٣) ط. ابن حزم من طريق محمَّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (٣)، عن محمَّد بن سَهْل بن عسكر، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: ذكر الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة، به ولم يذكر النعمان ولا غيره بين عبد الرزاق والثوري.
قال العقيليُ: "قيل لعبد الرزاق: سمعت هذا من الثوريِ؟ قال: لا. حدَّثني يحيى بن العلاء وغيره. ثم سألوه مرةً ثانيةً، فقال: حدّثنا النعمان بن أبي شيبة ويحيى بن العلاء، عن سفيان الثوري".
وقال الخطيبُ في " تاريخ بغداد " ٣/ ٣٠٢ وفي ط. الغرب ٤/ ٤٨٥: "قال الطبرانيُ: روى هذا الحديث جماعةٌ عن عبد الرزاق، عن الثوريِ نفسه ووهموا، والصوابُ ما رواه ابن أبي السري ومحمد بن مسعود العجمي، عن
стр. 1875
عبد الرزاق، عن النعمان بن أبي شيبة" (١).
وقال الحاكم: "هذا إسناد لا يتأمله متأمل إلا علمَ اتصاله وسنده؛ فإنَّ الحضرميَ ومحمد بن سَهْل بن عسكر ثقتان، وسماع عبد الرزاق من الثوري واشتهاره به معروف، وكذلك سماع الثوريِ من أبي إسحاق واشتهاره به مشهور، وفيه انقطاع في موضعين، فإنَّ عبد الرزاق لم يسمعه من الثوريِ، والثوريُ لم يسمعه منْ أبي إسحاقَ" (٢).
قلت: وهذا القول تدل عليه روايات عبد الرزاق السابقة من طريق ابن قمازين ويحيى بن العلاء والنعمان بن أبي شيبة، عن الثوريِ، وكذا رواية ابن نمير الآتية، عن سفيان وفيها شريك بين الثوري وأبي إسحاق.
وعلى هذا يتبين خطأ الحاكم في تصحيح الحديث في " المستدرك " كما سلف في رواية النعمان بن أبي شيبة حين خالف نفسه وضعّفه هنا.
إذ أخرجه: الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ٢٩ ط. العلمية
و (٥٥) ط. ابن حزم، والخطيب في " تاريخ بغداد " ١١/ ٤٧ وفي ط. الغرب ١٢/ ٣١٦، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٥/ ٣٢١ من طريق الحسن بن عَلُّويه - وهو الحسن بن علي بن محمَّد بن سليمان - قال: حدّثنا أبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، قال: حدّثنا عبد الله بن نمير، عن سفيان الثوريِ، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة، به.
وهذا الطريق غريب إذ الانفراد بادٍ عليه، والحسن بن عَلُّويه قال عنه الدارقطني كما في " سؤالات الحاكم " (٨٠): "لا بأس به"، ونقل الخطيب في " تاريخ بغداد " ٨/ ٣٦٨ توثيق الدارقطني له، وكذا وثقه هو. غير أنَّ في شيخه
стр. 1876
كلامًا، قال الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٢/ ٣٢١ ط. الغرب: "وقد ضعف جماعة من الأئمة أبا الصلت"، ونقل بعد ذلك عن النسائي قوله فيه: "ليس بثقة" وفي ١٢/ ٣٢٢ عن يحيى بن زكريا الساجي قوله: "يحدث بمناكير"، وعن الدارقطني أنه قال: "كان خبيثًا رافضيًا" (١)، وقال عنه الحافظ: "صدوق له مناكير" (٢)، وهذا الحديث أحد مناكيره جزمًا، قال الخطيب عقبه: "قال البرقاني: رواه عبد الرزاق وابن هراسة، عن الثوري، لم يذكر شريكًا" وقال في ٤/ ٤٨٦: "ولم يذكر فيه بين الثوري وأبي إسحاق شريكًا غير أبي الصلت، عن ابن نمير".
أقول: ورواه عن الثوري: النعمان بن أبي شيبة، وابن قمازين، ويحيى ابن العلاء، عن الثوري، فلم يذكر أحد منهم شريكًا.
وأخرجه: الحاكم ٣/ ٧٠ من طريق الأسود بن عامر بن شاذان، قال: حدّثنا شريك بن عبد الله، عن عثمان بن عمير، عن شقيق بن سلمة، عن حذيفة ﵁ قال: قالوا: يا رسولَ اللهِ لو استخلفتَ علينا، قال: "إن أستخلف عليكم خليفةً فتعصوه ينزل بكم العذابُ … " فذكر نحو الحديث السابق.
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف شريك بن عبد الله النخعي، وعثمان بن عمير ضعفه أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم ومن قبلهم شعبة بن الحجاج. … " تهذيب الكمال " ٥/ ١٣٢ - ١٣٣ (٤٤٤٠).
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٢٤ من طريق النضر بن عدي، عن شريك، قال: حدّثنا أبو إسحاق السبيعي، عن زيد بن يثيع، قال: قيل: يا رسول الله، لو استخلفتَ علينا … مرسلًا.
فهذه ثلاث طرق مدارها على شريك بن عبد الله، والاختلاف الواقع في
стр. 1877
الأسانيد يبين أنَّ شريكًا لم يضبط حفظه، وأنَّه مضطرب فيه، وقد رجح الدارقطني الطريق المرسل، ويحتمل أنْ يكون اعتماده في هذا الترجيح على متابعة إسرائيل لشريك، فقد قال في " العلل " ٣/ ٢١٦ س (٢٦٨): "وقال: إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلًا، ولم يذكر عليًا، ولا حذيفة، والمرسل أشبه بالصواب".
هكذا انتهت طرق هذا الحديث المتشعبة، وبينا الاختلاف الواقع فيها، وبهذه الأسانيد تعلم أنَّ مدارها على أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، وزيد هذا لم يرو عنه إلا أبو إسحاق ووثقه العجلي وابن حبان (١)، والعجيب أنَّ الحافظ قال عنه: "ثقةٌ مخضرم" (٢) فلعله جرى على ما جرى عليه بعض أهل العلم في توثيق بعض مجاهيل المخضرمين. هذا حديث غريب أقول: فانفراد زيد والاختلافات في أسانيد حديثه دليل على نكارته، والذي يقوي داعي الإعلال أنَّ هذا الحديث اشتهر في كتب التراجم والمصطلح، شرط أصحاب المسانيد معروف أما تخريج الإمام أحمد له، فإنَّ وهذا لا يفيده تقوية، بل في غالب الأحيان يكون ذلك الاشتهار في تلك المظان من دواعي تضعيف الحديث، خاصة تلك الكتب التي عنت بجمع الضعفاء من الرواة، فإنَّ من مناهج أصحاب هذه الكتب جمع ما استُنكِرَ على الراوي ليستدلوا بتلك الأحاديث على ضعف الرواة المترجَم لهم.
وروي من حديث سلمان الفارسي ﵁.
فأخرجه: ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٤٠٧) من طريق الحسن بن قتيبة، عن
стр. 1878
يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن سلمان الفارسيِ ﵁، به.
قال ابن الجوزيِ عقبه: "قال الدارقطنيُ: تفرّدَ به الحسنُ بن قتيبة، عن يونس، عن أبيه، والحسن متروك الحديث" (١).
مثال آخر: روى الزهري، عن عبّاد (٢) بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد: أنَّه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
أخرجه: مالك في " الموطأ " (٥٧٣) برواية أبي مصعب الزهري و (٩٧١) برواية محمَّد بن الحسن الشيباني و (٣٣٠) برواية القعنبي و (٤٧٧) برواية الليثي، ومن طريقه البخاري ١/ ١٢٨ (٤٧٥)، ومسلم ٦/ ١٥٤ (٢١٠٠)(٧٥)، وأبو داود (٤٨٦٦)، والنسائي ٢/ ٥٠ وفي "الكبرى "، له (٨٠٠) ط. العلمية و (٨٠٢) ط. الرسالة، وأبو عوانة ٥/ ٢٧٠ (٨٦٩٣)(٣) و (٨٦٩٦)(٤)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٧٧ وفي ط. العلمية (٦٧٤٥)(٥) و (٦٧٤٦)، وابن حبان (٥٥٥٢)، وأبو القاسم البغوي في زياداته على " مسند ابن الجعد " (٢٨٦٥) ط. العلمية و (٢٩٧١) ط. الفلاح، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٤٧١٦) ط. العلمية و (٤٣٩١) ط. الرشد، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ١٣٧، والبغوي (٤٨٦).
وأخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٢٢١)، ومن طريقه أحمد ٤/ ٣٨، وعبد بن حميد (٥١٧)، ومسلم ٦/ ١٥٥ (٢١٠٠)(٧٦)، وأبو عوانة ٥/ ٢٧٠ (٨٦٩٧)، والبيهقي ٢/ ٢٢٥ وفي " شعب الإيمان " (٤٧١٨) ط. العلمية و (٤٣٩٣) ط. الرشد وفي " الآداب "، له (٧٢٣).
وأخرجه: الحميدي (٤١٤)، وابن أبي شيبة (٢٥٨٩٧)، وأحمد ٤/ ٤٠،
стр. 1879
والدارمي (٢٦٥٦)، والبخاري ٨/ ٧٩ (٦٢٨٧)، ومسلم ٦/ ١٥٥ (٢١٠٠)(٧٦)، والترمذي (٢٧٦٥) وفي " الشمائل "، له (١٢٨) بتحقيقي، وأبو عوانة ٥/ ٢٦٩ (٨٦٩٢)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٧٧ وفي ط. العلمية (٦٧٤٢) و (٦٧٤٣)، وأبو القاسم البغوي في زياداته على " مسند ابن الجعد " (٢٨٦٥) ط. العلمية و (٢٩٧١) ط. الفلاح، والبيهقي ٢/ ٢٢٤ وفي " شعب الإيمان " (٤٧١٥) ط. العلمية و (٤٣٩٠) ط. الرشد وفي " الآداب "، له (٧٢٢) من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه: مسلم ٦/ ١٥٥ (٢١٠٠)(٧٦)، وأبو عوانة ٥/ ٢٧٠ (٨٦٩٣) و (٨٦٩٤)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٧٧ وفي ط. العلمية (٦٧٤٥)، وأبو القاسم البغوي في زياداته على "مسند ابن الجعد" (٢٨٦٦) ط. العلمية و (٢٩٧٢) ط. الفلاح، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ١٣٨ من طريق يونس بن يزيد الأيلي (١).
وأخرجه: الطيالسي (١١٠١)، وأبو عوانة ٥/ ٢٧٠ (٨٦٩٦)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٧٧ وفي ط. العلمية (٦٧٤٤)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٤١٧٤) من طريق ابن أبي ذئب (٢).
وأخرجه: البخاري ٧/ ٢١٩ (٥٩٦٩) من طريق إبراهيم بن سعد.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٣٩، وابن عدي في " الكامل " ٩/ ٧٩، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٣/ ٢٥١ من طريق يحيى بن جرجه (٣).
стр. 1880
وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٣/ ١٠١ وفي ط. الغرب ١٥/ ١٢٢، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦١/ ٦٥ من طريق زياد بن سعد (١).
وأخرجه: أبو عوانة ٥/ ٢٧٠ (٨٦٩٥) من طريق عقيل (٢).
وأخرجه: أبو عوانة ٥/ ٢٧٠ (٨٦٩٦) من طريق ابن جريج.
وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٢٢٦٠) ط. الحديث و (٢٢٣٩) ط. العلمية من طريق عبيد الله بن عمر.
جميعهم: (مالك، ومعمر، وابن عيينة، ويونس، وابن أبي ذئب، وإبراهيم، ويحيى، وزياد، وعقيل، وابن جريج، وعبيد الله) عن الزهري، بهذا الإسناد.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
قلت: وخالف هؤلاء الأئمة بعض الرواة.
فأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٨/ ٥٨ وفي ط. الغرب ٨/ ٦٠٢ من طريق زياد بن سعد، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن أبيه، به فأصبح من حديث تميم.
وأخرجه: العيسوي (٣) في " فوائده" كما في " الإصابة " ١/ ٢٧٤، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٥/ ٢٥٣ وفي ط. الغرب ٣/ ١٥٤ من طريق هشام بن سعد (٤)، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن أبيه وعمه: أنَّهما رأيا النبيَ ﷺ مضطجعًا على ظهره، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
قال ابن حجر عقبه: "وهو معروف لعباد عن عمه أيضًا، لكن لا مانع أنْ يرويه عباد عنهما معًا .. ".
وأخرجه: الباوردي كما في " الإصابة " ١/ ٢٧٤ من طريق أبي بكر
стр. 1881
الهذلي (١)، عن الزهري، عن عباد، عن أبيه أو عمه، به هكذا على الشك.
وخالف الجميع عبد العزيز بن الماجشون فأضاف إلى الإسناد رجلًا.
فأخرجه: ابن الجعد (٢٨٦٢) ط. العلمية و (٢٩٦٦) ط. الفلاح، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٧٨ وفي ط. العلمية (٦٧٤٧) و (٦٧٤٨)، وأبو القاسم البغوي في زياداته على " مسند ابن الجعد " (٢٨٦٣) و (٢٨٦٤) ط. العلمية و (٢٩٦٨) و (٢٩٦٩) ط. الفلاح، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٤١٧٥)، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ١٣٧ من طريق عبد العزيز بن الماجشون، عن الزهري، عن محمود بن لبيد (٢)، عن عباد بن تميم، عن عمه (٣)، به.
قال أبو نعيم: "والصواب فيه رواية الجماعة" يعني: رواية مالك ومن تابعه.
وقال ابن عبد البر: "هكذا رواه مالك وسائر أصحاب ابن شهاب عنه، عن عباد بن تميم، عن عمه، ووهم فيه عبد العزيز بن أبي سلمة فرواه عن ابن شهاب، عن محمود بن لبيد، عن عباد بن تميم، عن عمه، قال وكانت له صحبة: أنَّه رأى النبيَ ﷺ يستلقي ثم ينصب إحدى رجليه ويعرض عليها الأخرى .. ولا وجه لذكر محمود بن لبيد في هذا الإسناد، وهو من الوهم البين عند أهل العلم، وأظن والله أعلم أنَّ السبب الموجب لإدخال مالك هذا الحديث في " موطئه " ما بأيدي العلماء من النهي عن مثل هذا المعنى".
وقال ابن الأثير عقب الحديث: "روى هذا الحديث عن ابنِ شهابٍ مالكٌ، ويونس، وابن جريج، ويحيى بن سعيد (٤)، ومعمر، وعُبيد الله بن عمر، وإبراهيم بن سعد وغيرهم مثل سفيان. وخالفهم عبد العزيز بن
стр. 1882
الماجشون، فقال: عن الزهري، عن محمود بن لبيد، عن عباد بن تميم، عن عمه، والأول أصح".
وقال ابن رجب في " فتح الباري " ٣/ ٤٠٥: "هذا الحديث رواه أكابر أصحاب الزهري، عنه، عن عباد، عن عمه، وخالفهم عبد العزيز بن الماجشون، فرواه عن الزهري، قال: حدَّثني محمود بن لبيد، عن عباد فزاد في إسناده محمود بن لبيد، وهو وهم، قاله مسلم بن الحجاج وأبو بكر الخطيب وغيرهما".
قال ابن حبان عقب (٥٥٥٢): "هذا الفعل الذي استعمله ﷺ هو مد الرجلين جميعًا، ووضع إحداهما على الأخرى، دون ذلك الفعل الذي نهى عنه، وهو ضد قول من جهل صناعة الحديث، فزعم أنَّ أخبار المصطفى ﷺ تتضاد وتتهاتر".
أما قوله الذي نقله الحافظ في " إتحاف المهرة " ٦/ ٦٢٨ (٧١٥٤) قال: "معناه مد الرجلين جميعًا ووضع إحداهما على الأخرى، لا أنَّه فعل ذلك الفعل المنهي عنه، وهو أنْ يشيل إحدى رجليه فيضعها على الأخرى فتبدو عورته".
وقال البغوي بعد الحديث: "وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع، وأنواع الاستراحة في المسجد جوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنَّ النَّبيَ ﷺ نهى عنه، وقال: "إنَّها ضجعةٌ يبغضُها الله"".
وقال ابن رجب في " فتح الباري " ٣/ ٤٠٥: "والاستلقاء في المسجد جائز على أي وجه كان ما لم يكن منبطحًا على وجهه .. وأما الاستلقاء على هذا الوجه، وهو وضع إحدى الرجلين على الأخرى في المسجد وغيره فقد اختُلف فيه".
والاختلاف فيه حصل؛ لأنَّه ورد ما يخالف هذا الحديث، وهو حديث صحيح أيضًا.
فقد أخرج: أحمد ٣/ ٢٩٩، ومسلم ٦/ ١٥٤ (٢٠٩٩)(٧٤)، وأبو داود (٤٨٦٥)، والترمذي (٢٧٦٦) و (٢٧٦٧) من طريق أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبيَ ﷺ قال: "لا يستلقينَّ أحدُكم ثُمَّ يضعُ إحدى رجليهِ على الأخرى".
стр. 1883
قال البغوي عقب (٤٨٦) بعد أنْ ذكر حديث جابر: "موضع النهي والله أعلم أنْ ينصب الرجل ركبته، فيعرض عليها رجله الأخرى ولا إزار عليه، أو إزاره ضيق ينكشف معه بعض عورته، فإنْ كان الإزار سابغًا بحيث لا تبدو منه عورته فلا بأس".
قال الخَطّابي في أعلام السنن في شرح صحيح البخاري ١/ ١٧٦: "فيه بيان جواز هذا الفعل ودلالة أن خبر النهي، إما منسوخ، وإما أن تكون علة النهي عنه أن تبدو عورة الفاعل لذلك. فإن الإزار ربما ضاق، فإذا شال لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى، بقيت هناك فرجة تظهر منها عورة. وفيه دليل على جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة والاتداع فيه، كجوازها في المنازل والبيوت غير الانبطاح والوقوع على الوجه المنهي عنه، فإنَّ النَّبيَ ﷺ قد نهى عنه وقال: "إنها ضِجعة يُبغضُها اللهُ".
وقال ابن حجر في " فتح الباري " ١/ ٧٢٨ عقب (٤٧٥): "الثاني أولى من ادعاء النسخ؛ لأنَّه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدّثين، وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنَّه منسوخ، وقال المازري: إنما بوب على ذلك؛ لأنَّه وقع في كتاب أبي داود وغيره، لا في الكتب الصحاح (١)، النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، لكنه عامّ؛ لأنَّه قول يتناول الجميع، واستلقاؤه في المسجد فعل قد يُدّعى قصره عليه فلا يؤخذ منه الجواز، لكن لما صح أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك (٢) دل على أنَّه ليس خاصًا به ﷺ بل هو جائز مطلقًا، فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض، فيجمع بينهما، فذكر نحو ما ذكره الخَطّابي".
стр. 1884
انظر: " تحفة الأشراف " ٤/ ٢٢٧ (٥٢٩٨)، و" إتحاف المهرة" ٦/ ٦٤٩ (٧١٥٤)، و" أطراف المسند" ٣/ ١٧ (٣١٥١).
٨ - تعدد الأسانيد على الراوي الواحد مع انعدام المرجح.
هذا هو النوع الثامن من أنواع اضطراب السند، وهو ثاني ما زدناه من الأنواع على ما ذكره الحافظ العلائي وابن حجر كما ذكرنا ذلك عند النوع السابع. وتوارد أحاديث وأسانيد على هذه الطريقة أمرٌ يكشف الحديثي كثيرًا، وهو ما يشق أمره على الناقد، وهناك تتباين الأراء وتظهر القدرات.
مثاله: روى زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، عن أبيه، عن جده -وكان منْ أصحاب الصُّفَّة (١)، قالَ: جلسَ عندنا رسولُ الله ﷺ وفخذي منكشفةٌ، فقال: "خَمِّرْ عليكَ إزَارَكَ؛ إنَّ الفخِذَ عَوْرَةٌ".
أخرجه: مالك في "الموطأ" (٢١٢٢) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريقه أحمد ٣/ ٤٧٨، والدارمي (٢٦٥٠)، وأبو داود (٤٠١٤)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٥ وفي ط. العلمية (٢٦٦٤) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٧٠٣) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٧٠)، والطبراني في " الكبير " (٢١٤٣) و (٢١٤٤)، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٥٣، والبيهقي ٢/ ٢٢٨، وابن حجر في "تغليق التعليق" ٢/ ٢٠٩.
وأخرجه: الدارقطني ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤ ط. العلمية و (٨٧٣) ط. الرسالة من طريق سفيان بن عيينة.
كلاهما: (مالك، وابن عيينة) عن سالم أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، بهذا الإسناد (٢).
أقول: هذا حديث فيه علتان:
الأولى: اضطراب إسناده، إذ روي من وجوه عديدة، وأسانيد مختلفة.
стр. 1885
إذ أخرجه: ابن سعد في "الطبقات" ٤/ ٢٢٣، وأحمد ٣/ ٤٧٩، وابن حبان (١٧١٠)، والطبراني (٢١٣٨) من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه: أحمد ٣/ ٤٧٩، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٢٢٩ (٢٣٥٤) من طريق ابن أبي الزناد.
وأخرجه: الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٥ وفي ط. العلمية (٢٦٦٥) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٧٠٤) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٧١) من طريق مِسْعر.
ثلاثتهم: (الثوري، وابن أبي الزناد، ومسعر) عن أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، عن جده، بدون ذكر أبيه.
قال أحمد في رواية ابن أبي الزناد: "عن جرهد جده ونفر من أسلم سواه ذوي رضا".
وأخرجه: أحمد ٣/ ٤٧٩، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٢٢٩ (٢٣٥٤)، والطبراني في "الكبير" (٢١٤٥) من طريق أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، عن أبيه، وكان من أصحاب الصفة، به ولم يذكر جده.
وروي من وجه آخر، ذكر فيه: "زرعة بن مسلم" بدل "زرعة بن عبد الرحمان".
فأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٧١٠٧)، والحميدي (٨٥٧)، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٢٢٩ (٢٣٥٤)، والترمذي (٢٧٩٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٣٧٧)، والطبراني في " الكبير " (٢١٤٦)، والحاكم ٤/ ١٨٠، وابن الأثير في "أسد الغابة" ١/ ٥٢٧ من طريق سفيان بن عيينة (١)، عن سالم أبي النضر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد (٢)، عن جده، به. ولم يقل: زرعة بن عبد الرحمان.
стр. 1886
قال البخاري عقبه: "هذا لا يصح".
وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل".
وقال الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وأخرجه: ابن معين في "تاريخه" (٤٧٤) برواية الدوري، وأحمد ٣/ ٤٧٨ عن سفيان بن عيينة، عن أبي النضر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد: أنَّ النَّبيَ ﷺ … مرسلًا ولم يذكر فيه أباه ولا جده.
قال يحيى: "سمعته مرتين هكذا".
وروي من وجه آخر، وذكر فيه: "ابن جرهد" ولم يحدد، هل هو زرعة أو غيره؟
أخرجه: معمر (١٩٨٠٨)، ومن طريقه عبد الرزاق (١١١٥)، وأحمد ٣/ ٤٧٨، والترمذي (٢٧٩٨)، وابن المقرئ في " معجمه " (١١٤)، والطبراني في " الكبير " (٢١٣٩).
وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن".
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٢١٤١) من طريق روح بن القاسم.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٢١٤٢) من طريق ورقاء.
وأخرجه: ابن حجر في " تغليق التعليق " ٢/ ٢١٠ من طريق سفيان الثوري.
أربعتهم: (معمر، وروح، وورقاء، والثوري) عن أبي الزناد.
وأخرجه: الطيالسي (١١٧٦) عن مالك، عن أبي النضر.
كلاهما: (أبو الزناد، وأبو النضر) عن ابن جرهد، عن جرهد، به.
وروي من وجه آخر وذكر فيه: "آل جرهد".
стр. 1887
أخرجه: يحيى بن معين في "تاريخه" (٤٧٤) برواية الدوري، والحميدي (٨٥٨)، وأحمد ٣/ ٤٧٨ ولم يصرح برفعه، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٢٢٩ (٢٣٥٤) ولم يصرح برفعه، وابن المنذر في "الأوسط" (٢٣٩٩)، والدارقطني ١/ ٢٢٤ ط. العلمية و (٨٧٢) ط. الرسالة من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد (١)، عن آل جرهد، عن جرهد، به.
وروي من وجه آخر، وذكر فيه: "عبد الملك بن جرهد".
أخرجه: الطبراني في "الكبير" (٢١٤٧) من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الملك (٢) بن جرهد، عن أبيه، به.
وروي من وجه آخر، وذكر فيه: "سليمان بن جرهد".
أخرجه: أبو نعيم في "معرفة الصحابة" عقب (١٦٨٨) من طريق أبي الزناد، عن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف، عن سليمان بن جرهد، عن أبيه، به.
وروي من وجه آخر، وذكر فيه: "عبد الرحمان بن جرهد".
أخرجه: البيهقي ٢/ ٢٢٨ من طريق معمر، عن الزهري.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٢١٤٨) من طريق عبد الله بن محمَّد بن عقيل.
كلاهما: (الزهري، وعبد الله) عن عبد الرحمان بن جرهد، عن جرهد.
وروي من وجه آخر، وذكر فيه: "عبد الله بن جرهد".
أخرجه: أحمد ٣/ ٤٧٨، والترمذي (٢٧٩٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٥ وفي ط. العلمية (٢٦٦٣) وفي "شرح مشكل الآثار"،
стр. 1888
له (١٧٠٢) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٦٩)، والطبراني في " الكبير " (٢١٤٩)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٦٨٦) و (١٦٨٧) و (١٦٨٨)، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٢/ ٢١١ من طريق عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه.
وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".
وروي من وجه آخر، وذكر فيه: "عبد الله بن مسلم بن جرهد".
أخرجه: الطحاوي في"شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٥ وفي ط. العلمية (٢٦٦٢) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٧٠١) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٦٨) من طريق الحسن (١) بن صالح، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن عبد الله بن مسلم بن جرهد، عن أبيه.
قال البخاري فيما نقله ابن حجر في "تغليق التعليق" ٢/ ٢١٢: "وهو أصح".
وروي من وجه آخر، وذكر فيه: "آل جرهد" مرسلًا دون ذكر جرهد.
وأخرجه: الشافعي كما في "عمدة القاري" ٤/ ٨٠ عن سفيان، عن أبي الزناد، عن آل جرهد.
أما العلة الأخرى: فإنَّ زرعة وثقه النسائي فيما نقله عنه المزي في "تهذيب الكمال " ٣/ ٢٣ (١٩٧٠)، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٤/ ٢٦٨ (٢).
стр. 1889
وأما أبوه عبد الرحمان بن جرهد فقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٥/ ٢٧٤ (١٠٣٧) ولم ينقل فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال ابن حجر في "التقريب" (٣٨٢٩): "عبد الرحمان بن جرهد الأسلمي، ويقال: عبد الله مجهول الحال".
قال البخاري في "صحيحه" ١/ ١٠٣ في باب ما يذكر في الفخذ عورة، فقال: "ويروى عن ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، عن النبي ﷺ : "الفَخِذُ عَوْرَةٌ" وقال أنس: حسر النبيُ ﷺ عن فخذه (١). وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يُخرَجَ من اختلافهم".
وقول البخاري نقله عبد الحق في " الأحكام " (٢)، ولم يعلق عليه فتناوله ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٣٣٨ قائلًا: "لم يزد على هذا، فهو منه إنْ كان تصحيحًا لحديث جرهد، فقد يجب أنْ أكتبه في باب الأحاديث التي صححها وهي ضعيفة، وإنْ كان ذلك منه تضعيفًا له، فقد بقي عليه أنْ
стр. 1890
يشرح علته وهو الذي نتولى الآن فنقول: هذا الحديث له علتان: إحداهما: الاضطراب المورث لسقوط الثقة به، وذلك أنهم يختلفون فيه. فمنهم من يقول: زرعة بن عبد الرحمان. ومنهم من يقول: زرعة بن عبد الله (١). ومنهم من يقول: زرعة بن مسلم. ثم من هؤلاء من يقول: عن أبيه، عن النبي ﷺ . ومنهم من يقول: عن أبيه عن جرهد، عن النبي ﷺ . ومنهم من يقول: زرعة، عن آل جرهد (٢)، عن جرهد، عن النبي ﷺ . وإن كنت لا أرى الاضطراب في الإسناد علة، وإنَّما ذلك إذا كان من يدور عليه الحديث ثقةٌ، فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عنه إلى مُسندٍ ومرسلٍ، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع (٣). وأما إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا أو ببعضه، أو بغيره، غير ثقةٌ، أو غير معروف فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه، وهذه حال هذا الخبر، وهي العلة الثانية، وذلك أن زرعة وأباه غير معروفي الحال ولا مشهوري الرواية، فاعلم ذلك".
وقال العيني في "عمدة القاري" ٤/ ٨٠ حول تعليق البخاري على هذا الحديث: "ولما وقع الخلاف في الفخذ، هل هو عورة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنَّه ليس بعورة، واحتجوا بحديث أنس، وذهب آخرون إلى أنَّه عورة، واحتجوا بحديث جرهد وبما روى مثله في هذا الباب، كأن قائلًا قال: إن الأصل أنه إذا روي حديثان في حكم، أحدهما أصح من الآخر، فالعمل يكون بالأصح، فها هنا حديث أنس أصح من حديث جرهد ونحوه، فكيف وقع الاختلاف؟ فأجاب البخاري عن هذا بقوله: وحديث أنس أسند إلى آخره تقديره، أنْ يقال: نعم، حديث أنس أسند يعني: أقوى وأحسن سندًا من حديث جرهد، إلا أنَّ العمل بحديث جرهد؛ لأنَّه الأحوط يعني: أكثر احتياطًا في أمر الدين وأقرب إلى التقوى، للخروج عن الاختلاف وهو معنى
стр. 1891
قوله: حتى نَخرُج من اختلافهم، أي من اختلاف العلماء وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع بفتح النون وضم الراء ولأجل هذه النكتة لم يقل البخاري: باب الفخذ عورة، ولا قال أيضًا: باب الفخذ ليس بعورة، بل قال: باب ما يذكر في الفخذ".
وقال ابن حجر في "فتح الباري" ١/ ٦٢١ قبيل (٣٧١): "قوله: وحديث أنس أسند، أي أصح إسنادًا، كأنه يقول حديث جرهد، ولو قلنا بصحته فهو مرجوح بالنسبة إلى حديث أنس".
وللحديث شواهد، وكما أشار إليها البخاري من حديث ابن عباس وحديث محمَّد بن جحش ﵃.
أما حديث ابن عباس.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٧١١١)، وأحمد ١/ ٢٧٥، وعبد بن حميد (٦٤٠)، والترمذي (٢٧٩٦)، وأبو يعلى (٢٥٤٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٤ وفي ط. العلمية (٢٦٥٨) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٦٩٨) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٦٥)، والطبراني في "الكبير" (١١١١٩)، والحاكم ٤/ ١٨١، والبيهقي ٢/ ٢٢٨، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٢/ ١٦٢ وفي ط. الغرب ٢/ ٥٤٨، وابن حجر في " تغليق التعليق" ٢/ ٢٠٧ من طريق أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: مرّ النبي ﷺ على رجلٍ مكشوفةٍ فخذُهُ، فقال: "غَطِّ فخذكَ، فإنَّ فخذَ الرجلِ منَ العَورَةِ".
هذا الحديث إسناده ضعيف؛ فيه أبو يحيى القتات - قيل: اسمه زاذان. وقيل: دينار. وقيل: عبد الرحمان بن دينار. وقيل: مسلم. وقيل: يزيد. وقيل: زبان. وقد تكلم فيه، قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" برواية الدوري (١٧٥٧): "ضعيف"، وفي (٢٠٧٤) قال: "في حديثه ضعف" وفي رواية الدارمي (٩٦٤) قال: "ثقةٌ"، وقال ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٣٢٩: "وفيه ضعف"، وقال أحمد بن حنبل في "الجامع في العلل" ١/ ٢٢٢ (١٤٤٠): "كان شريك يضعف أبا يحيى القتات"، وقال أيضًا فيما نقله ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون" (١٨٦٧): "رويت عنه أحاديث مناكير جدًّا"، وقال
стр. 1892
النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٦٧٢): "ليس بالقوي"، وقال ابن حبان فيما نقله ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون" (١٨٦٧): "فَحُش خطؤه، وكَثُر وهمه"، وقال ابن حزم في "المحلى" ٣/ ١٢٨: "ضعيف".
وقد روي الحديث عن ابن عباس من وجه آخر.
فأخرجه: الخطيب في "تاريخ بغداد" ٢/ ١٦٢ وفي ط. الغرب ٢/ ٥٤٨ من طريق سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاووس، عن ابن عباس، به.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنَّه معلول، فقد أعله الخطيب بعد روايته للحديث فقال: "قال أبو طالب - وهو محمَّد بن الحسين بن أحمد، وليس هو الذي يروي عن الإمام أحمد -: ذكر أبي أنَّ حديث الثوري غريب، حدث به مَخْلَد وأبو جعفر بن أبي طالب، عن الطبري، هكذا قال؛ وقد حدّثنا أبو زُرعة الرازي، يعني: أحمد بن الحسين، عن ابن نومرد، عن أبي زرعة، عن ثابت، عن الثوري، عن حبيب، عن طاووس، عن ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ في كسوف الشمس. وإلى جنبه حديث أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس: مرّ النبي ﷺ على رجل مكشوفة فخذُهُ. قال أبي: فيشبه أنْ يكون أبو زرعة الرازي حدث به مرة من حفظه، إنْ لم يكن الطبري أخطأ عليه، فإنَّ القول قول ابن نومرد. وقد رُوي عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي: أنَّ النبي ﷺ مرّ على رجلٍ مكشوفةٍ فخذُهُ … ، من وجه غير مرضي (١)، فالله أعلم".
стр. 1893
أما حديث محمَّد بن جحش.
فأخرجه: أحمد ٥/ ٢٩٠، وعبد بن حميد (٣٦٧)، والبخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ١٦ (٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥ وفي ط. العلمية (٢٦٥٩) و (٢٦٦٠) و (٢٦٦١) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٦٩٩) و (١٧٠٠) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٦٦) و (٤٩٦٧)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (١٢٥٠)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٥٥٠) و (٥٥١) و (٥٥٢) و (٥٥٣) و (٥٥٤) و (٥٥٥)، والحاكم ٣/ ٦٣٧ و ٤/ ١٨٠، والبيهقي ٢/ ٢٢٨، والبغوي (٢٢٥١)، والمزي في "تهذيب الكمال" ٦/ ٣٦٦ (٥٩٢٥)، وابن حجر في " تغليق التعليق" ٢/ ٢١٢ من طريق العلاء بن عبد الرحمان (١)، عن أبي كثير، عن محمَّد بن جحش ﵁، قال: مرّ النبي ﷺ وأنا معه على معمر (٢) وفخذُهُ مكشوفةٌ، فقال: "غَطِّ فخذكَ؛ فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ" اللفظ للبخاري.
وهذا حديث فيه أبو كثير - وهو مولى محمَّد بن عبد الله بن جحش- ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٣٧٦ (٥٨٤)، وابن أبي حاتم في … " الجرح والتعديل" ٩/ ٤٠٧ (٢١٢٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال عنه ابن حزم في " المحلى " ٣/ ١٢٨: "مجهول"، وقال ابن حجر في " الفتح " ١/ ٦٢٠: "لم أجد فيه تصريحًا بتعديل"، والعجب أنه قال فيه في "التقريب" (٨٣٢٥): "ثقةٌ"!! فلذلك تعقبه الدكتور بشار عواد في تعليقه على "تهذيب الكمال " ٨/ ٤٠٩ فقال: "لو قال مستور لكان أحسن"، وزاد في " التحرير " (٨٣٢٥): "وقد روى عنه أربعة ولم يوثقه أو يجرحه أحد".
أقول: ذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٥٧٠ وهذا الذكر في هذا الكتاب ليس بمعتبر.
стр. 1894
قال الزيلعي في "نصب الراية" ٤/ ٢٤٥ بعد أنْ ساق سند الإمام أحمد: "وهذا مسند صالح".
وروي الحديث عن معمر نفسه.
أخرجه: ابن قانع في "معجم الصحابة" (١٦٨٢) من طريق عبد الرحمان الأعرج، عن معمر بن عبد الله بن نضلة: أنَّ النبي ﷺ مرَّ بهِ وهو كاشفٌ عن فخذه، فقالَ: "غَطِّ فَخذَكَ؛ فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ".
وقال الطبري في "تهذيب الآثار" كما في "عمدة القاري" ٤/ ٨١: "والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ، والنهي عن كشفها أخبار صحاح".
وقال الطحاوي: "وقد جاءت عن رسول الله ﷺ آثار متوافرة صحاح، فيها أنَّ الفخذَ منَ العورةِ".
وقال البيهقي: "وهذه أسانيد صحيحة يحتج بها".
إلا أنَّ ابن التركماني تعقبه في "الجوهر النقي" ٢/ ٢٢٨ فقال: "في حديث جرهد ثلاث علل، إحداها: أنَّ في سنده اضطرابًا بينه ابن القطان وغيره. والثانية: أنَّ عبد الرحمان أبا زرعة مجهول الحال. والثالثة: أنَّ الترمذي أخرجه ثم قال: "ما أرى إسناده بمتصل"، وفي حديث ابن جحش أيضًا علتان: إحداهما: أنه مختلف الإسناد، حكاه صاحب الإمام عن الدارقطني. والثانية: أنَّ أبا كثير الراوي عنه، لم أعرف اسمه ولا حاله، وخَطّأ ابن منده من جعله من الصحابة، وحديث ابن عباس في سنده أبو يحيى القتات متكلم فيه .. . وذكر ابن الصلاح أنَّ الثلاثة متقاعدة عن الصحة".
وقال الدارقطني في " العلل" ٥/ ٤ (القسم المخطوط) عندما سُئل عن هذا الحديث: "يرويه العلاء بن عبد الرحمان، عن أبي كثير مولى محمَّد، عنه، حدث به إسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، والدراوردي، وابن حازم، ومحمد بن جعفر، وعبد الله بن جعفر، وزيد بن أبي أنيسة واختُلف عنه.
فرواه عبد الله بن عمرو، عن زيد، عمن حدثه، عن أبي كثير، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر محمَّد بن عبد الله بن جحش. ورواه بُرد بن سنان، عن
стр. 1895
عبد الله بن علي، عن زيد بن أبي أنيسة، فقال: عن أبي العلاء مولى محمَّد بن جحش، عن محمَّد بن جحش أخي زينب بنت جحش، قال: وذلك عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن برد، وإنَّما أراد أنْ يقول: عن العلاء، عن أبي كثير. وخالفه العباس بن الفضل الأنصاري، فرواه عن برد بن عبد الله بن يحيى، عن يحيى بن زيد، عن أبي أنيسة، عن أبي ليلى، أو أبي كثير مولى محمَّد بن جحش، وروى هذا الحديث محمَّد بن جريج، عن يزيد ولم ينسبه عن أحد بني جحش: أنَّه كان مع النبي ﷺ … والحديث حديث إسماعيل بن جعفر، ومن تابعه عن العلاء".
والترجيح الأخير للدارقطني يدل على أنَّ الاختلاف الذي ذكره في سنده لا يضر.
قال ابن رجب في "فتح الباري" ٢/ ١٨٩ ط. ابن الجوزي و ٢/ ٤٠٤ ط. الحرمين: "أشار البخاري ﵀ في هذا الباب إلى اختلاف العلماء في أنَّ الفخذ: هل هي عورة أم ليست بعورة؟ وأشار إلى أطرافِ كثيرٍ من الأحاديث التي (١) يستدل بها على وجوب ستر الفخذ وعدم وجوبه، وذكر ذلك تعليقًا، ولم يسند غير حديث أنس المستدلَ به على أنَّ الفخذ لا يجب سترها وليست عورة، وذكر أنه أسند من حديث جرهد -يعني: أصح إسنادًا- وأن حديث جرهد أحوط لما في الأخذ به من الخروج من اختلاف العلماء".
وقال ابن حجر في "الفتح" ١/ ٦٢٣ عقب (٣٧١): "قال القرطبي: حديث أنس وما معه إنما ورد في قضايا معينة في أوقات مخصوصة، يتطرق إليها من احتمال الخصوصية أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى حديث جرهد وما معه؛ لأنَّه يتضمن إعطاء حكم كلي وإظهار شرع عام، فكان العمل به أولى. ولعل هذا هو مراد المصنّف بقوله: وحديث جرهد أحوط".
وقال الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (٢٦٩): "وهي وإنْ كانت أسانيدها كلها لا تخلو من ضعف ٠٠ فإنَّ بعضها يقوي بعضًا؛ لأنَّه ليس فيها