قوله: حتى نَخرُج من اختلافهم، أي من اختلاف العلماء وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع بفتح النون وضم الراء ولأجل هذه النكتة لم يقل البخاري: باب الفخذ عورة، ولا قال أيضًا: باب الفخذ ليس بعورة، بل قال: باب ما يذكر في الفخذ".
وقال ابن حجر في "فتح الباري" ١/ ٦٢١ قبيل (٣٧١): "قوله: وحديث أنس أسند، أي أصح إسنادًا، كأنه يقول حديث جرهد، ولو قلنا بصحته فهو مرجوح بالنسبة إلى حديث أنس".
وللحديث شواهد، وكما أشار إليها البخاري من حديث ابن عباس وحديث محمَّد بن جحش ﵃.
أما حديث ابن عباس.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٧١١١)، وأحمد ١/ ٢٧٥، وعبد بن حميد (٦٤٠)، والترمذي (٢٧٩٦)، وأبو يعلى (٢٥٤٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٤ وفي ط. العلمية (٢٦٥٨) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٦٩٨) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٦٥)، والطبراني في "الكبير" (١١١١٩)، والحاكم ٤/ ١٨١، والبيهقي ٢/ ٢٢٨، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٢/ ١٦٢ وفي ط. الغرب ٢/ ٥٤٨، وابن حجر في " تغليق التعليق" ٢/ ٢٠٧ من طريق أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: مرّ النبي ﷺ على رجلٍ مكشوفةٍ فخذُهُ، فقال: "غَطِّ فخذكَ، فإنَّ فخذَ الرجلِ منَ العَورَةِ".
هذا الحديث إسناده ضعيف؛ فيه أبو يحيى القتات - قيل: اسمه زاذان. وقيل: دينار. وقيل: عبد الرحمان بن دينار. وقيل: مسلم. وقيل: يزيد. وقيل: زبان. وقد تكلم فيه، قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" برواية الدوري (١٧٥٧): "ضعيف"، وفي (٢٠٧٤) قال: "في حديثه ضعف" وفي رواية الدارمي (٩٦٤) قال: "ثقةٌ"، وقال ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٣٢٩: "وفيه ضعف"، وقال أحمد بن حنبل في "الجامع في العلل" ١/ ٢٢٢ (١٤٤٠): "كان شريك يضعف أبا يحيى القتات"، وقال أيضًا فيما نقله ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون" (١٨٦٧): "رويت عنه أحاديث مناكير جدًّا"، وقال
стр. 1892
النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٦٧٢): "ليس بالقوي"، وقال ابن حبان فيما نقله ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون" (١٨٦٧): "فَحُش خطؤه، وكَثُر وهمه"، وقال ابن حزم في "المحلى" ٣/ ١٢٨: "ضعيف".
وقد روي الحديث عن ابن عباس من وجه آخر.
فأخرجه: الخطيب في "تاريخ بغداد" ٢/ ١٦٢ وفي ط. الغرب ٢/ ٥٤٨ من طريق سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاووس، عن ابن عباس، به.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنَّه معلول، فقد أعله الخطيب بعد روايته للحديث فقال: "قال أبو طالب - وهو محمَّد بن الحسين بن أحمد، وليس هو الذي يروي عن الإمام أحمد -: ذكر أبي أنَّ حديث الثوري غريب، حدث به مَخْلَد وأبو جعفر بن أبي طالب، عن الطبري، هكذا قال؛ وقد حدّثنا أبو زُرعة الرازي، يعني: أحمد بن الحسين، عن ابن نومرد، عن أبي زرعة، عن ثابت، عن الثوري، عن حبيب، عن طاووس، عن ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ في كسوف الشمس. وإلى جنبه حديث أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس: مرّ النبي ﷺ على رجل مكشوفة فخذُهُ. قال أبي: فيشبه أنْ يكون أبو زرعة الرازي حدث به مرة من حفظه، إنْ لم يكن الطبري أخطأ عليه، فإنَّ القول قول ابن نومرد. وقد رُوي عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي: أنَّ النبي ﷺ مرّ على رجلٍ مكشوفةٍ فخذُهُ … ، من وجه غير مرضي (١)، فالله أعلم".
стр. 1893
أما حديث محمَّد بن جحش.
فأخرجه: أحمد ٥/ ٢٩٠، وعبد بن حميد (٣٦٧)، والبخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ١٦ (٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥ وفي ط. العلمية (٢٦٥٩) و (٢٦٦٠) و (٢٦٦١) وفي "شرح مشكل الآثار"، له (١٦٩٩) و (١٧٠٠) وفي (تحفة الأخيار) (٤٩٦٦) و (٤٩٦٧)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (١٢٥٠)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٥٥٠) و (٥٥١) و (٥٥٢) و (٥٥٣) و (٥٥٤) و (٥٥٥)، والحاكم ٣/ ٦٣٧ و ٤/ ١٨٠، والبيهقي ٢/ ٢٢٨، والبغوي (٢٢٥١)، والمزي في "تهذيب الكمال" ٦/ ٣٦٦ (٥٩٢٥)، وابن حجر في " تغليق التعليق" ٢/ ٢١٢ من طريق العلاء بن عبد الرحمان (١)، عن أبي كثير، عن محمَّد بن جحش ﵁، قال: مرّ النبي ﷺ وأنا معه على معمر (٢) وفخذُهُ مكشوفةٌ، فقال: "غَطِّ فخذكَ؛ فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ" اللفظ للبخاري.
وهذا حديث فيه أبو كثير - وهو مولى محمَّد بن عبد الله بن جحش- ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٣٧٦ (٥٨٤)، وابن أبي حاتم في … " الجرح والتعديل" ٩/ ٤٠٧ (٢١٢٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال عنه ابن حزم في " المحلى " ٣/ ١٢٨: "مجهول"، وقال ابن حجر في " الفتح " ١/ ٦٢٠: "لم أجد فيه تصريحًا بتعديل"، والعجب أنه قال فيه في "التقريب" (٨٣٢٥): "ثقةٌ"!! فلذلك تعقبه الدكتور بشار عواد في تعليقه على "تهذيب الكمال " ٨/ ٤٠٩ فقال: "لو قال مستور لكان أحسن"، وزاد في " التحرير " (٨٣٢٥): "وقد روى عنه أربعة ولم يوثقه أو يجرحه أحد".
أقول: ذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٥٧٠ وهذا الذكر في هذا الكتاب ليس بمعتبر.
стр. 1894
قال الزيلعي في "نصب الراية" ٤/ ٢٤٥ بعد أنْ ساق سند الإمام أحمد: "وهذا مسند صالح".
وروي الحديث عن معمر نفسه.
أخرجه: ابن قانع في "معجم الصحابة" (١٦٨٢) من طريق عبد الرحمان الأعرج، عن معمر بن عبد الله بن نضلة: أنَّ النبي ﷺ مرَّ بهِ وهو كاشفٌ عن فخذه، فقالَ: "غَطِّ فَخذَكَ؛ فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ".
وقال الطبري في "تهذيب الآثار" كما في "عمدة القاري" ٤/ ٨١: "والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ، والنهي عن كشفها أخبار صحاح".
وقال الطحاوي: "وقد جاءت عن رسول الله ﷺ آثار متوافرة صحاح، فيها أنَّ الفخذَ منَ العورةِ".
وقال البيهقي: "وهذه أسانيد صحيحة يحتج بها".
إلا أنَّ ابن التركماني تعقبه في "الجوهر النقي" ٢/ ٢٢٨ فقال: "في حديث جرهد ثلاث علل، إحداها: أنَّ في سنده اضطرابًا بينه ابن القطان وغيره. والثانية: أنَّ عبد الرحمان أبا زرعة مجهول الحال. والثالثة: أنَّ الترمذي أخرجه ثم قال: "ما أرى إسناده بمتصل"، وفي حديث ابن جحش أيضًا علتان: إحداهما: أنه مختلف الإسناد، حكاه صاحب الإمام عن الدارقطني. والثانية: أنَّ أبا كثير الراوي عنه، لم أعرف اسمه ولا حاله، وخَطّأ ابن منده من جعله من الصحابة، وحديث ابن عباس في سنده أبو يحيى القتات متكلم فيه .. . وذكر ابن الصلاح أنَّ الثلاثة متقاعدة عن الصحة".
وقال الدارقطني في " العلل" ٥/ ٤ (القسم المخطوط) عندما سُئل عن هذا الحديث: "يرويه العلاء بن عبد الرحمان، عن أبي كثير مولى محمَّد، عنه، حدث به إسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، والدراوردي، وابن حازم، ومحمد بن جعفر، وعبد الله بن جعفر، وزيد بن أبي أنيسة واختُلف عنه.
فرواه عبد الله بن عمرو، عن زيد، عمن حدثه، عن أبي كثير، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر محمَّد بن عبد الله بن جحش. ورواه بُرد بن سنان، عن
стр. 1895
عبد الله بن علي، عن زيد بن أبي أنيسة، فقال: عن أبي العلاء مولى محمَّد بن جحش، عن محمَّد بن جحش أخي زينب بنت جحش، قال: وذلك عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن برد، وإنَّما أراد أنْ يقول: عن العلاء، عن أبي كثير. وخالفه العباس بن الفضل الأنصاري، فرواه عن برد بن عبد الله بن يحيى، عن يحيى بن زيد، عن أبي أنيسة، عن أبي ليلى، أو أبي كثير مولى محمَّد بن جحش، وروى هذا الحديث محمَّد بن جريج، عن يزيد ولم ينسبه عن أحد بني جحش: أنَّه كان مع النبي ﷺ … والحديث حديث إسماعيل بن جعفر، ومن تابعه عن العلاء".
والترجيح الأخير للدارقطني يدل على أنَّ الاختلاف الذي ذكره في سنده لا يضر.
قال ابن رجب في "فتح الباري" ٢/ ١٨٩ ط. ابن الجوزي و ٢/ ٤٠٤ ط. الحرمين: "أشار البخاري ﵀ في هذا الباب إلى اختلاف العلماء في أنَّ الفخذ: هل هي عورة أم ليست بعورة؟ وأشار إلى أطرافِ كثيرٍ من الأحاديث التي (١) يستدل بها على وجوب ستر الفخذ وعدم وجوبه، وذكر ذلك تعليقًا، ولم يسند غير حديث أنس المستدلَ به على أنَّ الفخذ لا يجب سترها وليست عورة، وذكر أنه أسند من حديث جرهد -يعني: أصح إسنادًا- وأن حديث جرهد أحوط لما في الأخذ به من الخروج من اختلاف العلماء".
وقال ابن حجر في "الفتح" ١/ ٦٢٣ عقب (٣٧١): "قال القرطبي: حديث أنس وما معه إنما ورد في قضايا معينة في أوقات مخصوصة، يتطرق إليها من احتمال الخصوصية أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى حديث جرهد وما معه؛ لأنَّه يتضمن إعطاء حكم كلي وإظهار شرع عام، فكان العمل به أولى. ولعل هذا هو مراد المصنّف بقوله: وحديث جرهد أحوط".
وقال الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (٢٦٩): "وهي وإنْ كانت أسانيدها كلها لا تخلو من ضعف ٠٠ فإنَّ بعضها يقوي بعضًا؛ لأنَّه ليس فيها
стр. 1896
متهم، بل عللها تدور بين الاضطراب والجهالة، والضعف المحتمل، فمثلها مما يطمئن القلب لصحة الحديث المروي بها، لا سيما وقد صحح بعضها الحاكم ووافقه الذهبي (١)! وحسّن بعضها الترمذي، وعلقها البخاري في صحيحه … ولا يشك الباحث العارف بعلم المصطلح أنَّ مفردات هذه الأحاديث كلها معللة، وأنَّ تصحيح أسانيدها من الطحاوي والبيهقي فيه تساهل ظاهر، غير أنَّ مجموع هذه الأسانيد تعطي للحديث قوة فيرقى بها إلى درجة الصحيح".
انظر: "تحفة الأشراف" ٢/ ٥٦١ (٣٢٠٦)، و"نصب الراية" ٤/ ٢٤٣، و"جامع المسانيد" ٢/ ٦٥٩ - ٦٦١ (١٤٥٦) - (١٤٦١)، و"البدر المنير" ٤/ ١٤٦ - ١٥٤، و"أطراف المسند" ٢/ ١٩٣ (٢٠٨٨)، و"التلخيص الحبير" ١/ ٦٦٦ (٤٤٢)، و"إتحاف المهرة" ٤/ ٤١ (١٩٣٢).
تنبيه: ولما كنت اشترطت على نفسي في هذا الكتاب بيان أخطاء الكتّاب أردت أن أبين خطأ وقع لي قبل أكثر من عشر سنين، وهو أني قد التبس عليَ محمَّد بن عبد الله بن جحش، ومحمد بن جحش وجعلتهما اثنين، وهما واحد نسب إلى جده، وكان هذا الخطأ في كتاب " أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء ": ٢٤٥ - ٢٤٦ عند الكلام على حديثنا هذا ففي حينها جعلتهما شاهدين وهما حديث واحد، وأستغفر الله مما كتبته آنذاك، والآن نجد إخواننا من طلبة هذا العلم المبتدئين يتعجل ليقوم بالتصحيح والتضعيف والتحقيق، والتعجل في مثل هذا يؤدي إلى كثرة الخطأ واضطراب المنهج؛ لذا فأنا أنصح نفسي وإخواني بالتأني والتأتي قبل إصدار الأحكام؛ فإنَّ هذا العمل دين عليه تبعات عظيمة يوم نلقى الله، وحينها لا ينفع الندم.
стр. 1897
وقد يضطرب الثقة في إسناد الحديث، فيأتي به على أوجه، وهذا يحصل للثقات ولمن هم في أعلى مراتب الوثاقة، كما حصل لقتادة بن دعامة السدوسي، إذ - روى قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن محمود بن عمير بن سعد، عن أبيه (١) أنَّه قال: إنَّ عتبانَ بن مالكٍ أُصيبَ بصرُهُ في عهد رسول الله ﷺ ، فأرسلَ إلى رسولِ الله ﷺ أني لا أستطيعُ أنْ أصليَ معكَ في مسجدكَ، وإنَّي أحبُ أنْ تصليَ معي في مسجدي فأئتم بصلاتكَ، فأتاهُ رسولُ الله ﷺ فذكروا مالكَ بن الدُّخشم، قالوا: ذلك كهفُ المنافقين أو قال: أهل النفاق وملجؤهم الذي يلجؤونَ إليه ومَعقلهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ؟ " قالوا: بلى، ولا خير في شهادته، قال: "لا يشهدُهما عبدٌ صادقًا من قبل قلبهِ فيموتُ إلا حرم على النار".
أخرجه: النَّسائي في " الكبرى " (١٠٩٤٢) ط. العلمية و (١٠٨٧٦) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١١٠٣)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٤٦) من طريق الحجاج بن الحجاج، عن قتادة.
قلت: حديث عتبان بن مالك مشهور متداول بين أهل العلم ولا غبار على صحته كما سيأتي بيان ذلك في طرق تخريجه، إلا أنَّه قد روي بأسانيد معلولة، والإسناد المتقدم هو أحد تلك الأسانيد المعلولة، وقد اضطرب فيه قتادة فوهم فيه في موضعين:
стр. 1898
الأول: أنَّه أسند هذا الحديث عن محمود بن عمير بن سعد (١)، والصواب فيه أنَّه: (محمود بن الربيع) كما رواه الثقات، وكما هو مثبت في مصادر التخريج، قال ابن رجب في " فتح الباري " ٣/ ١٧٧: "وقوله: عن محمود بن عمير بن سعد، الظاهر أنَّه وهم … ". وأما الموضع الثاني الذي وهم فيه: فإنَّه اختصر الإسناد في موضع ثانٍ.
فقد أخرجه: النَّسائيُ في " الكبرى" (١٠٩٤٣) ط. العلمية و (١٠٨٧٧) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١١٠٤) من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس، قال: ذكر أصحاب النبيِ ﷺ مالك بن الدُّخْشم عند رسول الله ﷺ فوقعوا فيه وشتموه … .
هكذا رواه قتادة من دون محمود بن الربيع من جهة، ومن دون ذكر عتبان بن مالك في الحديث من جهة أخرى وهو في كل واهم، قال ابن رجب في " فتح الباري " ٣/ ١٧٧: "وروى هذا الحديث قتادة واختُلف عليه فيه، فرواه شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن النَّبيِ ﷺ ، لم يذكر في إسناده عتبان، وخالفه حجاج بن حجاج فرواه عن قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن محمود بن عمير بن سعد: أنَّ عتبان أصيبَ ببصره … فذكر الحديث". هكذا قال، ولم يذكر "عن أبيه" وقد اعتمد على رواية النسائي.
ومما يقطع بوهم قتادة أنَّه روي عنه إسناد آخر.
فقد أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ٣٩٠ - ٣٩١ (٣٦٨)، والطبراني في " الكبير" ١٨/ (٤٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبيه.
وقد روي من غير طريق قتادة عن أنس.
أخرجه: أحمد ٤/ ٤٤، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٣٦)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٤٥)، والحاكم ٣/ ٥٩٠ من طريق علي بن زيد ابن جدعان، قال: حدَّثني أبو بكر بن أنس بن مالك، قال: قدِمَ
стр. 1899
أبي من الشام وافدًا وأنا معهُ فلقينا محمودَ بنَ الربيع فحدَّث أبي حديثًا عن عتبان بن مالك. قال أبي: أي بني احفظْ هذا الحديث، فإنَّه منْ كنوزِ الحديث، فلما قفلنا انصرفنا إلى المدينة فسألنا عَنْه، فإذا هو حَيٌ، وإذا شيخٌ أعمى. قال فسألناهُ عنِ الحديثِ، فقال: نَعَمْ، ذهبَ بَصري على عَهْد رسول الله ﷺ … (١).
قلت: إلا أنَّ هذا الإسناد ضعيف، علي بن زيد بن جدعان تقدمت ترجمته، وذكره لأبي بكر بن أنس لم يتابع عليه، إلا من طريق قتادة وقد تقدمت مناقشته. والصواب في ذلك أنَّ أنسًا ﵁ قال لابنه: "يا بني اكتبه" هكذا قاله على الإبهام.
ورواه سليمان بن المغيرة، واختُلف عليه فيه.
فأخرجه: النسائي في " الكبرى " (١٠٩٤٦) و (١١٤٩٣) ط. العلمية و (١٠٨٨١) و (١١٤٢٩) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١١٠٧) من طريق عبد الرحمان.
وأخرجه: أبو نعيم في " المستخرج " (١٤٣)، وابن عبد البر في "التمهيد " ٣/ ٩٩ من طريق علي بن عبد الحميد.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٨/ (٤٣) من طريق شيبان بن فروخ.
وأخرجه: ابن خزيمة في " التوحيد ": ٣٣٢ ط. العلمية وبإثر (٥٠٨) ط. الرشد من طريق ابن المبارك.
أربعتهم: (عبد الرحمان، وعلي، وشيبان، وابن المبارك) عن سليمان ابن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك.
وخالفهم آخرون.
فأخرجه: أحمد ٣/ ١٣٥، وابن خزيمة في " التوحيد ": ٣٣١ ط. العلمية
стр. 1900
و (٥٠٧) ط. الرشد، وأبو نعيم في " المسند المستخرج " (١٤٤) من طريق بهز ابن أسد.
وأخرجه: أبو يعلى (١٥٠٦)، وابن منده في " الإيمان " (٥١) من طريق هاشم بن قاسم.
وأخرجه: النَّسائي في " الكبرى " (١٠٩٤٥) ط. العلمية و (١٠٨٧٩) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١١٠٦) من طريق القعنبي.
وأخرجه: ابن خزيمة في " التوحيد ": ٣٣٢ ط. العلمية و (٥٠٨) ط. الرشد من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث.
أربعتهم: (بهز، وهاشم، والقعنبي، وعبد الصمد) عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن عتبان فلم يذكروا محمودًا في السند.
فهذا الاختلاف لا يؤثر، لأنَّ أنسًا سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع، ثم سمعه من عتبان كما هو معروف، وعلى هذا الأساس يكون سليمان ابن المغيرة قد روى هذا الحديث عن أنس بالعالي والنازل، وعليه فلا غبار على الإسنادين.
ولسليمان بن المغيرة رواية أخرى.
فقد أخرجه: مسلم ١/ ٤٥ (٣٣)(٥٤)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١٩٣٥)، وأبو يعلى (١٥٠٥)، وابن منده في " الإيمان " (٥٢)، وأبو نعيم في " المستخرج " (١٤٣)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ٩٣ (٤٣٥٨) من طريق شيبان بن فروخ.
وأخرجه: أبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٢٩ من طريق عبد الرحمان بن مهدي.
وأخرجه: أحمد ٥/ ٤٤٩ من طريق حجاج بن محمَّد.
وأخرجه: أبو يعلى (١٥٠٧) من طريق معتمر بن سليمان.
وأخرجه: أبو عوانة ١/ ٢٤ (٢١) من طريق علي بن عبد الحميد.
وأخرجه: أبو عوانة ١/ ٢٤ عقب (٢١) من طريق عمرو بن عاصم.
стр. 1901
ستتهم: (شيبان، وابن مهدي، وحجاج، ومعتمر، وعلي، وعمرو) عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: حدَّثني محمود بن الربيع، عن عتبان (١) بن مالك، قالَ: قدمتُ المدينةَ فلقيتُ عتبان بن مالكٍ، فقلت: حديث بلغني عنك (٢) … .
قلت: الناظر إلى إسناد الحديث قد يتبادر إلى ذهنه أنَّ هناك زيادة في سند الحديث أعني قوله: "عن عتبان بن مالك، قال: قدمت المدينة فلقيت عتبان بن مالك"، إلا أنَّ السند صحيح، وهذه ليست من الزيادة، فقوله: "قدمت المدينة … " إنَّما هو من قول محمود بن الربيع، قال النووي في … " شرح صحيح مسلم " ١/ ٢١٥: "وتقرير هذا الذي نحن فيه: حدَّثني محمود ابن الربيع، عن عتبان بحديث قال فيه محمود: قدمت المدينة فلقيت … عتبان … ".
وقد روي هذا الحديث عن ثابت من طريق آخر.
فأخرجه: أحمد ٣/ ١٧٤، ومسلم ١/ ٤٦ (٣٣)(٥٥)، والنَّسائيُ في "الكبرى " (١٠٩٤٤) ط. العلمية و (١٠٨٧٨) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١١٠٥)، وابن خزيمة في " التوحيد ": ٣٣٠ - ٣٣١ ط. العلمية و (٥٠٣) و (٥٠٥) و (٥٠٦) ط. الرشد من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أنَّ عتبان بن مالك ذهب بصره، فقالَ: يا رسولَ الله، لو جئتَ صليتَ في داري - أو قال بيتي - لاتخذتُ مصلاكَ مسْجدًا، فجاءهُ النَّبيُ ﷺ فصلى في داره أو قال: في بيته واجتمع قومُ عتبان إلى النَّبيِ ﷺ ، قال: فذكروا مالك بن الدخشم، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّه وإنَّه، يعرِّضون بالنِّفاق، فقال النَّبيُ ﷺ : "أليسَ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله؟ " قالوا: بلى، قال: "والذي نَفْسي بيدهِ، لا يقولها عبدٌ صادقٌ بها إلا حرِّمتْ عليه النار" (٣).
стр. 1902
وقد ذهب ابن رجب ﵀ إلى ترجيح رواية حماد فقال في " فتح الباري " ٣/ ١٧٧: "ولعل هذه الرواية أشبه، وحماد بن سلمة مقدم في ثابت خاصة على غيره، وقد خرّجه مسلم في أول "صحيحه" من هذين الوجهين".
وانظر: " أطراف المسند " ٤/ ٢٨٥ (٥٩١٠).
وقد روي هذا الحديث من غير طريق أنس.
فأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ٣/ ٤١٥، وأحمد ٤/ ٤٣، والبيهقي في " المعرفة " (١٤٤٥) ط. العلمية و (٥٦٣٧) ط. الوعي من طريق سفيان، عن الزهريِ، فسُئل عمن هو؟ قال هو: عن محمود إن شاء الله: أنَّ عتبان بن مالكٍ كانَ رجلًا محجوبَ البصرِ، وأنَّه ذكرَ للنَّبيِ ﷺ التخلفَ عن الصلاةِ، قال: "هلْ تسمعُ النداءَ؟ " قالَ: نَعَم، قال: فلم يرخصْ لهُ.
هذا الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه معلول سندًا و متنًا. أما علة سنده فإنَّ سفيانَ اضطرب فيه، فكما تقدم أنَّه رواه هنا عن الزهري، عن محمود.
وأخرجه: ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ٩٩ من طريقه، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة إن شاء الله، عن عتبان بن مالك، بنحو المتن السابق.
وأما علة متنه فإنَّ حديث عتبان يختلف تمامًا عن هذا الذي ساقه سفيان، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى رد حديث سفيان هذا. فقد نقل البيهقي في "المعرفة " عقب (١٤٤٥) عن الشافعيِ أنَّه قال: "هكذا حدثناه سفيان، وكان يتوقاه ويعرف أنَّه لا يضبطه، وقد أوهم فيه فيما نرى، والله أعلم"، وقال البيهقي عقبه أيضًا: "اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد، إنَّما هو قصة ابن أم مكتوم الأعمى، وتلك القصة رويت عن ابن أم مكتوم من أوجه، ورويت في حديث أبي هريرة، وإنَّما أراد - والله أعلم - لا أجد لك عذرًا أو رخصة تلحق فضيلة منْ حضرها، فقد رخص لعتبان بن مالك في التخلف عن حضورها، وبالله التوفيق"، وقال ابن رجب في " فتح الباري " ٣/ ١٨٢: "وقد اشتبهت القضيتان على غير واحد، وقد سبق عن الإمام أحمد أنَّه ذكر أنَّ ابن أم مكتوم سأل النَّبيَ ﷺ أنْ يصلي في بيته ليتخذه مصلى، وإنَّما هو عتبان بن مالك"، وقال أيضًا معقبًا على إسناد سفيان: "وهذا الإسناد غير
стр. 1903
محفوظ، ولهذا شك فيه الراوي إما سفيان أو غيره، وقال: إن شاء الله، وإنَّما أراد: محمود بن الربيع".
قلت: ومما يدل على وهم سفيان في هذا الحديث، أنَّ الرواة عن الزهريِ أطبقوا على خلافه.
فقد أخرجه: عبد الرزاق (١٩٢٩)، وابن سعد في " الطبقات " ٣/ ٤١٥، وأحمد ٤/ ٤٤ و ٥/ ٤٤٩ و ٤٥٠، والبخاريُ ١/ ١٧٥ (٦٨٦) و ١/ ٢١٣ (٨٤٠) و ٨/ ١١١ (٦٤٢٣) و ٩/ ٢٣ (٦٩٣٨)، ومسلم ٢/ ١٢٦ (٣٣)(٢٦٤)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١٩٣١) و (١٩٣٢) و (١٩٣٤)، والنَّسائيُ ٢/ ١٠٥ و ٣/ ٦٤ - ٦٥ وفي " الكبرى " (٩١٨) و (١٢٥٠) و (١٠٩٤٧) و (١١٤٩٤) ط. العلمية و (٩٢٠) و (١٢٥١) و (١٠٨٨١) و (١١٤٣٠) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١١٠٨)، وابن خزيمة في "التوحيد": ٣٣٢ ط. العلمية و (٥٠٩) ط. الرشد، وأبو عوانة ١/ ٢٣ (١٩)، والبيهقي ٢/ ١٨١ - ١٨٢ من طريق معمر.
وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٤٧٦) برواية الليثي و (٥٧٢) برواية أبي مصعب الزهري و (٣٢٩) برواية القعنبي، ومن طريقه أخرجه: الشافعي في "مسنده " (٢٩٩) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقيُ ٣/ ٨٧ وفي " المعرفة "، له (١٤٨٣) ط. العلمية و (٥٧٦٤) ط. الوعي.
ومن طريق مالك أخرجه: البخاريُ ١/ ١٧٠ (٦٦٧)، والنَّسائيُ ٢/ ٨٠ وفي " الكبرى "، له (٨٦٣)(١) ط. العلمية و (٨٦٥) ط. الرسالة، وابن خزيمة في " التوحيد ": ٣٣٠ ط. العلمية و (٥١٠) ط. الرشد، وابن حبان (١٦١٢)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٤٩)، والبيهقي ٣/ ٨٧، وابن عبد البر في "التمهيد " ٤/ ٢٥٦.
стр. 1904
وأخرجه: الشافعيُ في " مسنده " (٣٠٠) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي في " المعرفة " (١٤٨٤) ط. العلمية و (٥٧٦٥) ط. الوعي.
وأخرجه: الطيالسي (١٢٤١)، والبخاري ١/ ١١٥ (٤٢٤) و ٢/ ٧٤ (١١٨٦)، وابن ماجه (٧٥٤)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١٩٣٣)، وابن خزيمة (١٧٠٩) بتحقيقي وفي " التوحيد "، له: ٣٣٠ ط. العلمية و (٥٠٢) ط. الرشد، والبيهقي ٣/ ٥٣ و ٨٨ من طريق إبراهيم بن سعد.
وأخرجه: مسلم ٢/ ١٢٧ (٣٣)(٢٦٥)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٥٥) من طريق الأوزاعي.
وأخرجه: البخاريُ ١/ ١١٥ (٤٢٥) و ٧/ ٩٤ (٥٤٠١)، وابن خزيمة (١٦٥٣) و (١٦٧٣) بتحقيقي وفي " التوحيد "، له: ٣٣٥ ط. العلمية و (٥١٢) ط. الرشد، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٥٣)، والبيهقي ٣/ ٨٨ من طريق عقيل.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٤٤ من طريق سفيان بن حسين.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٨/ (٥٢) من طريق إسماعيل بن أبي أويس.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٨/ (٥٤) من طريق عبد الرحمان بن نمر.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٨/ (٥٦) وفي " مسند الشاميين "، له (١٧٠٦) من طريق الزبيدي (١).
وأخرجه: مسلم ٢/ ١٢٦ (٣٣)(٢٦٣)، وابن حبان (٢٢٣)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٥٠) و (٥١) من طريق يونس.
عشرتهم: (معمر، ومالك، وإبراهيم، والأوزاعي، وعقيل، وسفيان، وإسماعيل، وعبد الرحمان، والزبيدي، ويونس) عن الزهريِ، عن محمود بن
стр. 1905
الربيع (١)، عن عتبان بن مالك، قال: أتيتُ النَّبيَ ﷺ فقلتُ: إنِّي قد أنكرتُ بصري، وإنَّ السيولَ تحولُ بيني وبينَ مسجدِ قوْمي، ولوَدِدْتُ أنَّك جئتَ فصلَّيْتَ في بيتي مكانًا أَتخذهُ مسجدًا، فقالَ النَّبيُ ﷺ : "أفعلُ إنْ شاء الله" قال: فمرَّ النَّبيُ ﷺ على أبي بكر فاستتبعهُ، فانطلقَ معَهُ، فاستأذنَ فدخلَ، فقالَ وهو قائمٌ: "أين تريد أنْ أصلِّي؟ " فأشرتُ له حيث أريد، قالَ: ثمَّ حبسْناهُ على خزيرة (٢) صنعناها لهُ، فسمعَ به أهلُ الوادي - يعني: أهلَ الدار - فثابوا إليه حَتَّى امتلأ البيتُ، فقالَ رجلٌ: أينَ مالكُ بن الدُخْشُن أو ابن الدُخَيْشن؟ فقالَ رجلٌ: إنَّ ذلك الرجلَ لمنافقٌ لا يحبُّ اللهَ ولا رسولَهُ، فقال النَّبيُ ﷺ : "لا تقوله، وهو يقولُ: لا إله إلا الله، يبتغي بذلكَ وجهَ اللهِ" فقالوا: يا رسول اللهِ، أمَّا نحنُ فنرى وجهَهُ وحديثهُ في المنافقينَ، فقال النَّبيُ ﷺ أيضًا: "لا تقوله وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجهَ الله"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فلنْ يوافي عبدٌ يومَ القيامةِ يقولُ: لا إله إلا الله، يَبتغي بذلك وجهَ اللهِ إلا حُرمَ على النارِ"، قال محمود: فحدثت بهذا الحديث نفرًا فيهم أبو أيوب الأنصاري، فقال: ما أظنُّ رسول الله ﷺ قال ما قلتَ، قال: فآليتُ إنْ رجعتُ إلى عتبان بن مالك أنْ أسألهُ، فرجعتُ إليه فوجدتُهُ شيخًا كبيرًا قد ذهب بصرُهُ، وهو إمام قومه، فجلستُ إلى جنبه، فسألتهُ عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثنيه أول مرَّةٍ. قال معمر: فكانَ الزهريُ إذا حدَّث بهذا الحديث، قال: ثمَّ نزلتْ بعدُ فرائضُ وأمور، نرى أنَّ الأمر انتهى إليها، فمنِ استطاع أنَّ لا يغترّ فلا يغتَرَّ (٣).
وانظر: "تحفة الأشراف" ٦/ ٥١٤ - ٥١٦ (٩٧٥٠)، و"إتحاف المهرة" ١/ ٥٠٣ (٥٦٦) و ١٠/ ٦٧١ - ٦٧٢ (١٣٥٨١) و ١٠/ ٦٧٣ (١٣٥٨٢) و (١٣٥٨٣) و ١٠/ ٦٧٤ (١٣٥٨٤)، و" أطراف المسند " ٤/ ٢٨٥ (٥٩١٠) و (٥٩١٢).
стр. 1906
ومثال آخر لما اختُلف فيه على التابعي في تعيين الصحابي المسند للحديث ما روى عبد الوهّاب بن بخت، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر: أنَّ كعب بن عجرة حلقَ رأسَهُ، فأمرهُ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يفتديَ، فافتدى ببقرةٍ.
أخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٩/ (٢١٠) من طريق عبد الوهّاب، بهذا الإسناد.
هذا إسناد ظاهره الصحة رواته ثقات وإسناده متصل، إلا أنَّ الحديث اختُلف فيه على نافع فرواه عبد الوهاب بن بخت بالوجه المتقدم وتابعه على هذا الإسناد أبو معشر عند الطبراني في " الكبير " ١٩/ (٢٠٩) فرواه عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لكعب بن عجرة: "لعلكَ آذاك هوام رأسكَ؟ " قال: نعم، يا رسول الله، قال: "احلق رأسَكَ واهدِ بقرةً أشْعرها أو قلّدْها".
وهذه متابعة ضعيفة؛ لضعف أبي معشر، قال عنه البخاري في " الضعفاء الصغير " (٣٨٠): "منكر الحديث"، وقال النَّسائيُ في " الضعفاء والمتروكون " (٥٩٠): "ضعيف".
وأخرجه: أبو داود (١٨٥٩) من طريق الليث بن سعد، عن نافع: أنَّ رجلًا من الأنصار أخبرهُ عن كعبِ بن عجرةَ، وكانَ قد أصابهُ في رأسِهِ أذًى فحلقَ، فأمرهُ النَّبيُ ﷺ أنْ يهديَ هديًا بقرةً.
قال ابن حزم في " المحلى " ٧/ ١٤٤ عن هذا الإسناد: "وهذا مرسل عن مجهول".
قلت: نعم، فيه مجهول إلا أني لا أعرف ما وجه الإرسال الذي فيه، فأقول: الحديث متصل فيه مجهول.
وأخرجه: سعيد بن منصور (٢٩٦) (التفسير) من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، قال: حدّثنا سليمان بن يسار: أنَّ عمر سأل ابن كعبِ بن عُجْرةَ: ما صنعَ أبوكَ في الأذى الذي أصابَهُ؟ قال: ذبحَ بقرةً.
стр. 1907
وهذا إسناد ضعيف؛ بسبب ضعف ابن أبي ليلى، وهو محمَّد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى - تقدمت ترجمته -.
ولعل ذكر سليمان بن يسار خطأ ووهم من ابن أبي ليلى؛ لسوء حفظه ولا سيما أنَّ الحديث ورد من طريق سليمان بن كعب بن عجرة كما سيأتي، ومما تقدم يتضح أنَّ الحديث روي عن نافع بثلاثة أوجه:
الوجه الأول: رواه عبد الوهاب بن بخت وهو ثقةٌ (١)، وأبو معشر نجيح بن عبد الرحمان السندي وهو ضعيف (٢). فجعلاه عنه عن ابن عمر.
الوجه الثاني: رواه عنه الليث بن سعد وهو ثقةٌ ثبت (٣). مقدم في نافع، فقد نقل الذهبيُ في " سير أعلام النبلاء " ٥/ ٩٩ - ١٠٠ عن النَّسائيِ أنَّه قال: "أثبتُ أصحاب نافع … فذكر خلقًا ثُمَّ قالَ: الليث بن سعد". فجعله عنه، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة.
الوجه الثالث: رواه محمَّد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى وهو صدوق سيئ الحفظ جدًّا (٤). فجعله عنه، عن سليمان بن يسار.
على هذا فإنَّ أصح الوجوه المروية عن نافع في هذا الحديث هو ما رواه الليث بن سعد؛ وذلك لثقته ولتثبته في روايته عن نافع، وإسناد الليث ضعيف لإبهام راوٍ فيه.
وقد روي هذا الحديث من أوجه أُخر من غير طريق نافع، إذ رواه محمَّد ابن يحيى بن حبان، واختُلف عليه.
إذ أخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٩/ (٣٢٩) من طريق أيوب بن موسى، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن سليمان بن محمَّد بن كعب: أنَّ عمر سأل كعبًا، فقال: أيُ شيء افتدى كعبٌ حينَ حلقَ رأسَهُ؟ قال: ذبحَ بقرةً.
وتابع أيوب بن موسى على هذه الرواية محمَّد بن إسحاق، إلا أنَّه قال سليمان بن كعب.
стр. 1908
إذ أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ٤٩ (١٨٧٥)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٣٣٠) من طريق ابن إسحاق، عن محمَّد بن يحيى بن حبان الأنصاري، عن سليمان بن كعب بن عجرة: أنَّ كعبًا قال لعمر: ذبحتُ بقرةً.
وخالفهما إسماعيل بن أمية إذ علق ابن حزم طريقه عن محمَّد بن يحيى بن حبان في " المحلى " ٧/ ١٤٤ فقال: "ومن طريق إسماعيل بن أمية، عن محمَّد ابن يحيى بن حبان (١): أنَّ رجلًا أصابَهُ مثلُ الذي أصابَ كعبَ بن عجرةَ، فسألَ عمرُ ابنًا لكعبِ بن عجرةَ عما كانَ أبوه ذبحَ بالحديبية في فدية رأسِهِ؟ فقالَ: بقرةً". فأسقط من الإسناد سليمان.
وقال ابن حزم عقب ذلك: "محمَّد بن يحيى لم يدرك عمر".
وقد تعقّب الحافظُ ابنُ حجر ابن حزم في قوله هذا، فقال في " لسان الميزان " ٤/ ١٧٢ (٣٦٤٠): "وهو كذلك إنْ كان المراد عمر بن الخطاب، لكن يقوى عندي أنَّه عمر بن عبد العزيز، وإلا فأين كعبُ بن عُجرة، حتى كان عمر يسأل ولدهُ، وقد أقامَ بالمدينة النبوية بعد عمر نحوًا من أربعين سنة؟! وقد وجدتُ الحديثَ في الطبراني من طريق محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن يحيى بن حبَّان، عن سليمان بن كعب: أنَّ كعبًا قال لعمرَ .. فذكره، ومن طريق أيوب بن موسى عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن سليمان بن محمَّد بن كعب بن عُجْرة: أنَّ عمرَ سأل كعبًا: بأيِ شيءٍ أهدى حين حلقَ رأسَهُ؟ قال: ذبح بقرةً. فهذا هو الحديث وسليمان لا أعرف حالهُ، سواء كان هو ابن كعب أو ابن ابنهِ، والله أعلم".
قلت: أما سليمان فقد ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ١٣٣ (٦٠٦) فقال: "سليمان بن محمَّد بن كعب بن عجرة"، ونقل عن أبي زرعة قوله فيه: "مدينيٌ ثقةٌ" كما أنَّ الطبرانيَ ذكر الحديث بعد ما صدّر الباب بقوله: "سليمان بن محمَّد بن كعب بن عجرة، عن جده" فلعله نسب إلى جده في رواية ابن إسحاق.
стр. 1909
وعمومًا فإنَّ الإسناد عن محمَّد بن يحيى بن حبان في هذا الحديث جاء بوجهين.
الأول: رواه عنه محمَّد بن إسحاق وهو: صدوق يدلس (١)، وأيوب بن موسى وهو ابن عمر بن سعيد بن العاص وهو: ثقةٌ (٢)، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن سليمان بن محمَّد بن كعب، عن كعب، به.
الوجه الثاني: رواه إسماعيل بن أمية وهو: ثقةٌ ثبت (٣)، عن محمَّد بن يحيى، فذكره.
أما الرواية الأخيرة فإنَّها ضعيفة لتعليقها، ولا نعرف صحة الإسناد إلى إسماعيل حتى نتمكن بعد ذلك من إصدار حكم على حديثنا هذا، فتكون الراجحة الروايتين الموصولتين، على أنَّ متن الحديث لا يخلو من النكارة، إذ إنَّ متنه مخالف للثابت من رواية الثقات من حديث كعب بن مالك.
إذ أخرجه: أحمد ٤/ ٢٤١، والنَّسائيُ ٥/ ١٩٤ - ١٩٥ من طريق عبد الكريم بن مالك الجزري.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٢٤١، ومسلم ٤/ ٢٠ (١٢٠١)(٨٠)، والترمذي (٢٩٧٤)، والنَّسائيُ في " الكبرى " (٤١١٠) ط. العلمية و (٤٠٩٥) … ط. الرسالة من طريق أيوب.
كلاهما: (عبد الكريم، وأيوب) عن مجاهد، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن كعب: أنَّه كانَ معَ رسولِ الله ﷺ فآذاهُ القملُ في رأسِهِ، فأمرهُ رسولُ الله ﷺ أنْ يحلقَ رأسَهُ، وقال: "صُمْ ثلاثَةَ أيامٍ، أو أطعمْ ستةَ مساكينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لكلِ إنسانٍ، أو انسك بشاةٍ، أيَ ذلكَ فَعَلتَ أجْزَأَكَ".
وفي رواية أيوب قال: "أو انسكْ نسيكةً" ولم يحدد، ولم يذكر في أي رواية من الروايات: "بقرة".
كما صح عن كعب أنَّه لم يذبح في هذه الحادثة.
стр. 1910
فقد روى الإمام مسلم ٤/ ٢١ (١٢٠١)(٨٥) من طريق عبد الله بن معقل، قال: قعدتُ إلى كعبٍ وهو في المسجد فسألتهُ عن هذه الآية: ﴿ففديةٌ منْ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ﴾ فقال كعبٌ: نزلتْ فيَ كان بي أذىً منْ رأسي، فحملتُ إلى رسول الله ﷺ والقملُ يتناثرُ على وجهي، فقالَ: "ما كنتُ أرى أنَّ الجهدَ بلغَ منكَ ما أرى، أتجدُ شاةً؟ " فقلت: لا. فنزلتْ هذه الآية: ﴿ففديةٌ منْ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ﴾ إلى آخر الحديث.
وكما أن الثقة قد يضطرب في الحديث، فإن الضعيف قد يروي الحديث فيضطرب فيه، فيزداد الحديث بذلك ضعفًا، مثاله ما روى محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان (١)، عن أمه فاطمة بنت حسين، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُديموا إلى المجْذُومينَ النَّظرَ".
أخرجه: يحيى بن معين في " حديثه " (١٠٨)، وابن أبي شيبة (٢٤٩١٣) و (٢٦٨١٤) وفي " الأدب "، له (١٧٨)، وأحمد ١/ ٢٣٣، والبخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ١٤٠ (٤١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٣)، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند علي): ١٩ الخبر (٤٣) و (٤٥)، وابن خزيمة في " التوكل " كما في " إتحاف المهرة " ٨/ ١٨٨ (٩١٨٧)، والحربي في " غريب الحديث " ٢/ ٤٣٨، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (٥٣٦)، والبيهقي ٧/ ٢١٩، والضياء المقدسي في " المختارة " ١٣/ ٣٦ (٤٧) و (٤٨)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٥٦٢ (٨٤٩٦) من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند (٢).
وأخرجه: الطيالسي (٢٦٠١)، وأحمد ١/ ٢٩٩، والبخاري في "التاريخ الكبير " ١/ ١٤٠ (٤١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٣)، والطبري في "تهذيب الآثار " (مسند علي): ١٩ - ٢٠ الخبر (٤٤) و (٤٦)، وابن خزيمة في " التوكل " كما
стр. 1911
في " إتحاف المهرة " ٨/ ١٨٨ (٩١٨٧)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه " (٥٣٥)، والبيهقي ٧/ ٢١٨ و ٢١٨ - ٢١٩، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧٤/ ٩ و ١٠، والمزي في " تهذيب الكمال" ٨/ ٥٦٢ (٨٤٩٦) من طريق عبد الرحمان بن أبي الزناد (١).
كلاهما: (عبد الله بن سعيد، وابن أبي الزناد) عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، بهذا الإسناد.
قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٠٦٤): "وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله ثقات غير محمَّد بن عبد الله هذا … ".
قلت: بل سنده ضعيف، محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو الملقب بالديباج، وثّقه النسائي، وقال مرة: "ليس بالقوي" نقله الذهبي في "ميزان الاعتدال " ٣/ ٥٩٣ (٧٧٤٤)، وقال البخاري في " الضعفاء الصغير" (٣٢٥): "عنده عجائب".
زيادة على ما تقدم فقد اضطربت الروايات عن محمَّد بن عبد الله هذا، إذ رواه عنه ابن أبي الزناد، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند كما تقدم، ورواه عنه عبد الله بن عامر الأسلميُ واختُلف عليه.
فأخرجه: أبو يعلى (٦٧٧٤)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (١٦١)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧٤/ ١٠ من طريق فرج بن فضالة.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٢٥٥ من طريق عبد الله بن الحارِث.
كلاهما: (فرج، وعبد الله) عن عبد الله بن عامر الأسلميِ، عن محمَّد ابن عبد الله بن عمرو، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها (٢)، عن النَّبيِ ﷺ ، به.
وأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند علي): ٢٠ الخبر (٤٧) من
стр. 1912
طريق فرج بن فضالة، عن عبد الله بن عامر، عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين، عن أمه فاطمة ﵂، قالت - فيما أُرَى- قال رسول الله ﷺ : … وذكرت الحديث.
وأخرجه: الدولابي في "الذرية الطاهرة" (١٦٠) من طريق أبي ضمرة (١)، عن عبد الله بن عامر، عن محمَّد بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين، عن حسين بن علي وعبد الله بن عباس (مقرونين) عن النَّبيِ ﷺ ، به.
وأخرجه: ابن خزيمة في " التوكل " كما في " إتحاف المهرة " ٨/ ١٨٨ (٩١٨٧) من طريق أنس بن عياض، عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن محمَّد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان، قال: حدثتني أمي، عن فاطمة بنت الحسين ابن علي (٢)
وعبد الله بن عباس، به وزاد: "ومَنْ كلمهم منكم، فليكلمه وبينه وبينه ماد رمح".
قلت: وعبد الله بن عامر هذا ضعيف، قال عنه يحيى بن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن المديني: "ذاك عندنا ضعيف ضعيف"، وضعّفه أحمد والنَّسائيُ والدارقطنيُ، وقال البخاريُ: "يتكلمون في حفظه". كما نقله الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٤٤٨ (٨٣٩٤).
قال ابن خزيمة في " التوكل " كما في " إتحاف المهرة " ٨/ ١٨٨ (٩١٨٧): "وروى عبد الله بن
стр. 1913
عامر الأسلمي وأنا أبرأ من عهدته … وقد أخطأ عبد الله بن عامر مع قلة إتقانه وسوء حفظه في هذا الإسناد في موضعين، قال: حدثتني أمي، عن فاطمة وإنَّما هو: حدثتني أمي فاطمة، وقال: عن الحسين ابن علي وابن عباس، وليس ذكر الحسين فيه بمحفوظ، وإنَّما هو: عن فاطمة بنت الحسين بن علي".
ورواه فرج بن فضالة عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان من وجه آخر.
فأخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " على "المسند" ١/ ٧٨، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " ٧٤/ ١٠ - ١١ من طريق فرج بن فضالة، عن محمَّد (١) بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين، عن حسين، عن أبيه، عن النَّبيِ ﷺ ، قال: "لا تُديموا النظرَ إلى المُجذَّمينَ، وإذا كلمْتموهم فليكنْ بينَكم وبينَهم قيدُ رمحٍ".
стр. 1914
وبذلك يكون الإسناد من هذا الوجه ضعيفًا؛ لاضطراب محمَّد بن عبد الله فيه، زيادة على ما قيل فيه.
قال ابن معين عقب الحديث: "لم يصح عن النبيِ".
وقال المناوي في " فيض القدير " (٩٧٦٣): "لا تديموا النظر إلى المجذومين؛ لأنَّكم إذا أدمتم النظر إليهم حقرتموهم ورأيتم لأنفسكم عليهم فضلًا، فيتأذى به المنظور؛ أو لأنَّ من به الداء يكره أن يُطّلع عليه .. رمز المصنّف - يعني السيوطي - لحسنه، وليس كما قال، فقد قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١): سنده ضعيف؛ وذلك لأنَّ فيه محمَّد بن عبد الله العثماني الملقب بالديباج وثّقه النَّسائيُ، وقال البخاريُ: لا يتابع على حديثه، ثم أورد له هذا الخبر".
وقد ورد الحديث من وجوه أخرى.
إذ علّقه البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ١٤٠ (٤١٧) قال: قال ابن المبارك، عن الحسين بن علي بن الحسين، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين، عن النَّبيِ ﷺ ، به.
ولكن وصله الدولابي في " الذرية الطاهرة " (١٦٣) من طريق ضرار بن الصرد، والطبراني في " الكبير " (٢٨٩٧) من طريق يحيى الحماني.
كلاهما: (ضرار، ويحيى) عن ابن المبارك، به.
وضرار بن الصرد قال عنه البخاري وغيره: "متروك"، وقال يحيى بن معين: "كذابان بالكوفة: هذا - يعني: ابن الصرد - وأبو نعيم النخعي" نقله الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٣٢٧ (٣٩٥١).
ويحيى الحماني ضعيف، قال عنه أحمد: "كان يكذب جهارًا"، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٦٢٥): "ضعيف"، وقال عنه البخاري في " الضعفاء الصغير " (٣٩٨): "يتكلمون فيه عن شريك وغيره، سكتوا عنه"،
стр. 1915
وقال فيما نقله الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٣٩٢ (٩٥٦٧): "كان أحمد وعلي يتكلمان فيه"، إلا أنَّ يحيى بن معين وثّقه (١)، وقال عنه محمَّد بن عبد الله بن نمير: "كذاب"، وقال مرة: "ثقةٌ"، وقال ابن عدي في "الكامل" ٩/ ٩٨: "ولم أرَ في مسنده وأحاديثه أحاديث مناكير فأذكرها، وأرجو أنَّه لا بأس به"، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٣٩٢ (٩٥٦٧): "إلا أنَّه شيعيٌ بغيض .. "، وقال أيضًا: "ضُعِّف"، وقال ابن حجر في " التقريب " (٧٥٩١): "حافظ إلا أنَّهم اتّهموه بسرقة الحديث".
وروي الحديث عن ابن عباس من وجه آخر.
فأخرجه: الطبراني في " الكبير " (١١١٩٣) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ، به.
ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥/ ١٠١ قال: "رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات".
قلت: قال ابن حجر في " التقريب " (٣٥٦٣): "صدوق، خلط بعد احتراق كتبه" ولعله من تخاليطه، إذ لم يتابعه أحد على رواية الحديث عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٤/ ٧٥٨ (٦٥٧٥)، " وإتحاف المهرة " ٨/ ١٨٨ (٩١٨٧).
مثال آخر: روى كثير بن نافع النَّواء، قالَ: سمعْتُ عبد الله بن مليل قالَ: سمعتُ عليًا يقول: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّه لم يكُنْ قَبْلي نبيٌ
стр. 1916
إلا قد أُعطي سَبعةَ رفقاء نُجباء وزراء، وإني أُعطيتُ أربعةَ عشرَ: حَمزةُ، وجَعفر، وعليٌ، وحسنٌ، وحسين، وأبو بكر، وعمر، والمقدادُ، وحذيفة، وسَلْمان، وعَمَّار، وبلال".
هذا الحديث اضطرب فيه كثير النواء وهو ضعيف (١).
فقد أخرجه: أحمد ١/ ١٤٨، وفي " فضائل الصحابة "، له (٢٧٧) و (١٢٢٥)، ومن طريقه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٤٥٤).
وأخرجه: ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٥) وفي " السنة "، له (١٤٢٣)، والبزار (٨٩٦)، والطحاوي في " شرح المشكل" (٢٧٦٨) و (٢٧٦٩) وفي (تحفة الأخيار) (٦٥٢٢) و (٦٥٢٣)، والطبراني في "الكبير" (٦٠٤٩)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٢٨ وفي "معرفة الصحابة "، له (٤٥٠٨)، وتمام في " فوائده " كما في " الروض البسام " (١٤٧٨)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٠/ ٣٤٧ و ١٣/ ١٨٨ و ١٨٨ - ١٨٩ و ١٧/ ٢٦٩ و ٤٦/ ٢٦٥ و ٢٦٦ و ٤٧/ ١١٨ و ٦٣/ ١٢٨ من طرق عن فطر بن خليفة.
وأخرجه: أحمد ١/ ٨٨، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٣/ ١٢٨، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٤٥٦).
وأخرجه: عبد الله بن أحمد في زياداته على مسند أبيه ١/ ٨٨، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٣/ ١٢٨.
كلاهما: (أحمد، وابنه عبد الله) من طريق إسماعيل بن زكريا.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٢٠٣، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٣/ ١٢٧ من طريق منصور بن أبي الأسود (٢).
وأخرجه: عبد الله في " زياداته " على " فضائل الصحابة " لأبيه (١٠٩) من طريق علي بن عابس.
стр. 1917
أربعتهم: (فطر، وإسماعيل، ومنصور، وعلي) عن كثير النواء بالإسناد السابق مرفوعًا.
قال البزار: "وهذا الكلام لا نعلم رواه عن النبي ﷺ إلا علي، ولا نعلم له إسنادًا عن علي إلا هذا الإسناد".
قال ابن الجوزي: "وهذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ".
ورواه كثير بطرق أخرى.
فأخرجه: الترمذيُ (٣٧٨٥)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٤٤)، والقطيعي في " زياداته " على فضائل الصحابة " (١٠٨٢)، والطبراني في "الكبير" (٦٠٤٧)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٤٥٠٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٠/ ٣٤٧ - ٣٤٨ من طريق محمَّد بن أبي عمر.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٦٠٤٧) من طريق كثير بن يحيى (١).
وأخرجه: الدينوري في " المجالسة " (٣٥١٤)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦١/ ١٤٤ من طريق محمَّد بن عيسى المدائني.
ثلاثتهم: (ابن أبي عمر، وكثير، ومحمد بن عيسى) عن سفيان بن عيينة، عن كثير النواء، عن أبي إدريس - وهو المرهبي -، عن المسيب بن نجبة، عن عليٍ، قال: قال النبيُ ﷺ : "إنَّ كل نبيٍ أُعطي سبعة نجباءَ رفقاء أو رقباء، وأُعطيت أنا أربعة عشر" قلنا: من هم؟ قال: أنا وابناي، وجعفر، وحمزة، وأبو بكر، وعمر، ومصعب بن عمير، وبلال، وسلمان، وعمار، والمقداد، وحذيفة، وعبد الله بن مسعود (٢).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقد روي هذا الحديث عن علي موقوفًا".
стр. 1918
وخالفهم إبراهيم بن بشار الرمادي، فرواه عن ابن عيينة بإسناد مختلف.
إذ أخرجه: القطيعي في زوائده على " فضائل الصحابة " (١٠٨٢)، والطبراني في " الكبير " (٦٠٤٨)، والحاكم ٣/ ١٩٩ من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن كثير النواء، عن المسيب بن نجبة، عن علي ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ قال: … فذكره. ولم يذكر أبا إدريس بن كثير والمسيب.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي في " التلخيص " فقال: "بل كثير واه، وابن بشار صاحب عجائب عن ابن عيينة".
أقول: إبراهيم حافظ له أوهام (١)، والحمل في هذا الحديث كله على كثير، لا على غيره.
وأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٢٧٧٠) وفي (تحفة الأخيار) (٦٥٢٦) من طريق سعد بن غيلان الشيباني، قال: حدّثنا كثير بياع النوى يكنى أبا إسماعيل، قال: حدَّثني يحيى بن أم طويل الشمالي، عن عبد الله ابن مُلَيل البجلي، قال: قال علي ﵁ وهو على المنبر، قال رسول الله ﷺ : "لكل نبيٍ سبعة رفقاءَ نجباءَ، ولي أربعةَ عشرَ" قال عليٌ: أنا وابناي، وحمزة، وجعفر، وأبو بكر، وعمر، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، وحذيفة، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وبلال.
والظاهر من الروايات الأخيرة أنَّ كلام النبيِ ﷺ ليس فيه تفصيل لأسماء النجباء أو الرفقاء بل إنَّه من كلام علي بن أبي طالب، وربما أدرج في الرواية الأولى. فهذا لو صح لأعل حديث كثير سندًا ومتنًا.
وهذه الروايات الثلاثة كلها عن كثير، وقد ذهب أهل العلم إلى ترجيح رواية فطر، فقد قال الطحاويُ عقبه: "ففي هذا الحديث إدخال يحيى بن أم طويل بين كثير النواء وبينَ عبد الله بن مُلَيل، ويحيى بن أم طويل هذا فغيرُ
стр. 1919
معروف، فذكر بعض الناس أنَّ هذا الحديث قد فسد إسنادهُ بذلك، ولم يكن ذلك عندنا كما ذكر؛ لأنَّ فطر بن خليفة عند أهل العلم بالحديث حجة، وسعد أبو غيلان فليس بمعروف، ولا يصلح أن يُعارض فطر في روايته بمثله، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما روى سعد هذا الحديث به، وثبت ما رواه فطر به".
قلت: أما ما ذهب إليه الطحاوي فيجاب عنه: بأنَّ العبرة ليست في الراوي عن كثير، حتى يتم ترجيح روايات بعضهم على بعض، ولكنّ العبرة في ضعف كثير نفسه - كما سيأتي في ترجمته - من جهة، ولاضطرابه في هذا الحديث من جهة أخرى، فإن كان فطر فوق سعد في ميزان التوثيق، فكيف بسفيان بن عيينة، وهل من المعقول أنْ نعل الحديث بسوء حفظ سفيان مثلًا حتَّى يسلمَ لنا حفظ كثير وأمثاله؟ هذا إنْ صح فإنَّه سيفسد نصف قواعد علوم الحديث، إذن الأولى أنْ يحمل الوهم على كثير.
ولقائل أنْ يقول: اختلاف هذه الأسانيد وعدم تشابهها يثير في النفس أنَّ كثيرًا سمعه من كلِّ شيوخه - في هذا الحديث - كل بإسناده.
فنقول: نعم، هكذا يتأول له فيما لو كان الراوي ثقةٌ حافظًا كسفيان وشعبة وأمثالهم، وأما الراوي الضعيف فلا يحكم له إلا باضطرابه فيه، وكثير ضعيف عند أهل الحديث، فقد قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " الجرح والتعديل " ٧/ ٢١٦ (٨٩٥): "ضعيف الحديث"، وقال عنه النَّسائيُ في "الضعفاء والمتروكون" (٥٠٧): "ضعيف"، ونقل ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٢٠٣ عن السعدي أنَّه قال فيه: "متروك"، وقال ابن عديٍ: "وكان كثير النواء غاليًا في التشيع مفرطًا فيه".
وعلى ما قدمنا من اضطرابه في سند هذا الحديث وضعف حاله، فإنَّه اختُلف عليه من جهة أخرى في رفعه ووقفه، فقد روي عنه مرفوعًا كما تقدم. وروي عنه موقوفًا على علي ﵁.
فأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٢/ ٤٨٤ وفي ط. الغرب ١٤/ ٥١١،
стр. 1920
وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٠/ ٣٤٨ و ٤٦/ ٢٦٦ من طريق جعفر بن زياد (١).
وأخرجه: أحمد في " فضائل الصحابة " (٢٧٤)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٤٥٠٩)، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٤٥٥) من طريق عليِ بن هاشم بن البريد (٢).
وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦٣/ ١٢٧ من طريق جعفر الأحمر ويزيد بن عبد العزيز بن سياه وعلي بن هاشم (٣) بن البريد ونصير بن أبي الأشعث (٤).
أربعتهم: (جعفر، وعليٌ، ويزيد، ونصير) عن كثير النواء، عن عبد الله بن مُلَيْل، عن عليٍ، قال: إنَّ الله جعلَ لكل نبيٍ سبعةَ نجباءَ، وجعل لنَبِيِنا أربعةَ عشرَ، منهم: أبو بكر، وعمر، وعليٌ، والحسنُ، والحسينُ، وحمزةُ، وجعفر، وأبو ذرٍ، وعبد الله بن مسعود، والمقدادُ، وعمار، وسلمانُ، وحذيفةُ، وبلال، موقوفًا.
قال الدارقطني في " العلل " ٣/ ٢٦٤ (٣٩٥): "والمحفوظ حديث عبد الله بن مليل".
قلت: ما قاله الدارقطني، لا شك في كونه غير مصحح لهذا الطريق إلا أنَّه رجحه على بقية الطرق؛ لأن هناك من تابع كثيرًا عليه كما سيأتي، على الرغم من أنَّ هذه المتابعات لا يصح منها شيء.
فقد أخرجه: أحمد ١/ ١٤٢، وفي " فضائل الصحابة "، له (٢٧٥)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " عقب (٢٧٦٩) وفي (تحفة الأخيار) (٦٥٢٤)، والدينوري في "المجالسة" (٣٥١٢)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق "
стр. 1921
٤٧/ ١١٧ و ١١٨، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٤٥٣) من طريق سفيان الثوري، عن سالم بن أبي حفصة (١)، عن عبد الله بن مُلَيْل، عن عليٍ قال: إنَّ لكل نبيٍ سبعةَ نجباءَ منْ أمتهِ، وإنَّ لنبينا ﷺ أربعةَ عشر نجيبًا، منهم: أبو بكر وعمر.
وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٦/ ٢٦٦ من طريق معمر، عن سالم يعني ابن أبي حفصة، عن عبد الله بن مُلَيْل، قالَ: سمعتُ عليًا يقول: أعطي كلُّ نبيٍ سبعةَ نجباءَ منْ أمتهِ، وأعطي النَّبيُ ﷺ أربعةَ عشرَ نجيبًا منهم: أبو بكر … الحديث.
وهذا الإسناد منقطع فإنّ سالمًا (٢) لم يسمع هذا الحديث من عبد الله بن مُلَيْل يدل على ذلك ما أخرجه: أحمد ١/ ١٤٩، وعبد الله بن أحمد في زوائده على "فضائل الصحابة" لأبيه (٢٧٦)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " عقب (٢٧٦٩) وفي (تحفة الأخيار) (٦٥٢٥)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٧/ ١١٧ من طريق سالم بن أبي حفصة أنَّه قال: بلغني عن عبد الله ابن مُلَيْل هذا الحديث فأتيته أسأله عنه، فوجدتهم في جنازته، فحدثني رجل عنه، قال: سمعت عليَ بن أبي طالب ﵁ يقول: أعطي كلُّ نبيٍ سبعةَ نجباء، وأعطي النَّبيُ ﷺ أربعة عشر نجيبًا منهم أبو بكر وعمر ﵄ (٣).
قال الطحاويُ عقبه: "ففي هذا الحديث، عن سالم بن أبي حفصة أنَّه أخذه عن رجل لم يُسمهِ، عن عبد الله بن مُلَيْل، وقد يحتمل أنْ يكون ذلك الرجل الذي أخذه عنه كثير النواء، فإنْ كان كذلك، فقد عاد حديث سالم هذا إلى مثل حديث فطر في الإسناد سواء".
стр. 1922
قلت: من خلال ما تقدم من طرق الحديث تبين أنَّ مداره عبد الله ابن مُلَيْل، ولم يذكره أحدٌ بتوثيق غير ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٤٣ وترجم له البخاريُ في " التاريخ الكبير " ٥/ ٩٢ (٦٠٨)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٥/ ٢٠٥ (٧٧٤)، وذكره ابن حجر في" تعجيل المنفعة " ١/ ٧٧٠ (٥٩١) ولم يذكره أحد بجرح ولا تعديل، وعلى ما قدمناه من علل لهذا الحديث، فإنَّه تضاف إليه جهالة حال عبد الله بن مُلَيْل. والله أعلم.
وانظر: " إتحاف المهرة " ١١/ ٥١٩ (١٤٥٤٨)، و " أطراف المسند " ٤/ ٤٤٣ (٦٣٢٠).
وروي الحديث مرفوعًا عن علي من طريق آخر.
فأخرجه: الخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" ١/ ٤١٨ - ٤١٩، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٣/ ١٨٩ من طريق محمَّد بن يعقوب الأصم، عن أبي عتبة أحمد بن الفرج الحجازي، عن بقية، عن إسماعيل الكندي، عن ابن عامر، عن أبي معاذ، عن علي بن أبي طالب، قال: قامَ إليه رجلٌ فقبّل رأسَهُ، وقال: أخبرني عنْ قول رسولِ اللهِ ﷺ في نجباءِ أمته، فقالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لكل نبيٍ منْ أمته نجباءُ، ونجبائي منْ أمتي الحسنُ والحسينُ، وحمزةُ وجعفر، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وسلمانُ، وأبو ذرٍ، وعمارُ بنُ ياسرٍ، والمقدادُ بنُ الأسودِ، وحذيفةُ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وبلال".
وهذا فيه إسماعيل الكندي وهو إسماعيل بن زياد أو ابن أبي زياد الكوفي، قال عنه ابن حجر في " التقريب " (٤٤٦): "متروك كذبوه".
стр. 1923
القسم الثاني
الاضطراب في المتن
سبق الكلام أنَّ الاضطراب نوعان: اضطراب يقع في السند، واضطراب يقع في المتن، وقد شرحت الاضطراب الذي يعتري الأسانيد. أمّا هنا فسيكون الكلام على النوع الثاني، وهو الاضطراب في المتن. وذلك إذا وردنا حَدِيْث اختُلف الرُّوَاة في متنه اختلافًا لا يمكن الجمع بَيْنَ رواياتهم المختلفة، ولا يمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية، فهذا يعد اضطرابًا قادحًا في صحة الْحَدِيْث، أما إذا أمكن الجمع أو الترجيح فَلَا اضطراب إذن، فالراجحة محفوظة (١)، أو معروفة (٢)، والمرجوحة شاذة (٣)، أو منكرة (٤).
وإذا كان المخالف ضعيفًا فلا تعل رِوَايَة الثقات برواية الضعفاء، فمن شروط الاضطراب تكافؤ الروايات (٥).
وقد لا يضر الاختلاف إذا كان من عدة رواة عن النَّبيِ ﷺ ؛ لأنَّ النَّبِيَ ﷺ قَدْ يحدّث بجميع الألفاظ، ويخبر كُلّ راوٍ بِمَا حفظه عن النَّبِي ﷺ (٦). وَلَيْسَ كُلُّ اختلاف يوجب الضعف (٧) إنَّما الاضطراب الَّذِي يوجب الضعف هُوَ عِنْدَ اتحاد المدار، وتكافؤ الروايات، وعدم إمكان الجمع أو الترجيح، فإذا حصل هذا فهو اضطراب مضعف للحديث، يومئ إلى عدم
стр. 1924
حفظ هذا الراوي أو الرواة لهذا الحديث. قال ابن دقيق العيد: "إذا اختُلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعضٍ، توقف الاحتجاج بشرط تعادل الروايات، وأما إذا وقع الترجيح لبعضها؛ بأن تكون رواتها أكثر عددًا أو أتقن حفظًا، فيتعين العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح" (١).
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: "الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أنْ يكون مضطربًا إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ولا يُعل الصحيح بالمرجوح.
ثانيهما: مع الاستواء أنْ يتعذر الجمع على قواعد الْمُحَدِّثِيْن، ويغلب على الظن أنَّ ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك" (٢).
وَقَالَ المباركفوري: "قَدْ تقرر في أصول الحديث أنَّ مجرد الاختلاف، لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم" (٣).
فالاختلاف الذي يقع في المتن، أعل به المحدّثون والفقهاء كثيرًا من الأحاديث وأمثلة ذلك كثيرة، فإذا اختُلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه أو كان سياق الحديث في واقعة يظهر تعددها، فالذي يتعين القول به أنْ يجعلا حديثين مستقلين .... فأما إذا تعذر الجمع بين الروايات - بأنْ لا يكون المخرج واحدًا - فلا ينبغي سلوك تلك الطريق المتعسفة .. وأما ما يتعذر فيه احتمال التعدد ويبعد فيه أيضًا الجمع بين الروايات فهو على قسمين: أحدهما: ما لا تتضمن المخالفة بين الروايات اختلاف حكم شرعي، فلا
стр. 1925
يقدح ذلك في الحديث، وتحمل تلك المخالفات على خلل وقع لبعض الرواة إذا رووه بالمعنى متصرفين بما يخرجه عن أصله، وهو قليل الحكم به من قبل المجتهدين (١)، وقال الحافظ: "لكن قلَّ أنْ يحكم المحدّث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد" (٢) فعلق على هذا الكلام علي القاري فقال: "استدراك عما يتوهم أنَّه يجوز أنْ يكون قليلًا في نفسه، وكثيرًا باعتبار حكم المحدث به، فاندفع ما قيل: إنَّ التقليل يفهم من قوله (غالبًا) وكذا من: (قد) في قوله: وقد يقع في المتن، فلا يحسن استعماله، قال التلميذ قوله: قل أنْ يحكم المحدّث … إلخ؛ لأنَّ تلك وظيفة المجتهد في الحكم انتهى. وفيه أنَّ المحدّث من جملة المجتهدين، بل ربما يعتمد بعض المجتهدين على حكم المحدّث في الحديث بالصحة وعدمها" (٣).
وتأصيلًا على ما تقدم، فإنَّ الاضطراب لا يمكن أنْ يوجد في المتن إلا وأصله في السند، كيف وقد قيل: الإسناد حكاية طريق المتن (٤)، فإذن المتن يصور لنا ما تناقله رجال السند من كلام.
стр. 1926
أنواع الاضطراب في المتن
الاضطراب الحاصل في المتن نوعان:
النوع الأول: إذا كان الحديثان صحيحين يضاد أحدهما الآخر في الظاهر
قال الشافعي: "فكل كلامٍ كان عامًا ظاهرًا في سُنّة رسول الله، فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنَّه إنَّما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دونَ بعض، كما وصفت من هذا، وما كان في مثل معناه. ولزم أهل العلم أنْ يمضوا الخبرين على وجوههما، ما وجدوا لإمضائهما وجهًا، ولا يعدونهما مختلفين وهما يحتملان أنْ يمضيا، وذلك إذا أمكن فيهما أنْ يمضيا معًا، أو وجد السبيل إلى إمضائهما، ولم يكن منهما واحد بأوجب من الآخر، ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف، ما كان لهما وجهًا يمضيان معًا، إنما المختلف ما لم يمضى (١)، إلا بسقوط غيره، مثل أنْ يكون الحديثان في الشيء الواحد، هذا يحله وهذا
стр. 1927
يحرمه" (١)، وقال الخطّابي: "وسبيل الحديثين إذا اختُلفا في الظاهر، وأمكن التوفيق بينهما، وترتيب أحدهما على الآخر: أن لا يحملا على المنافاة، ولا يضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث .. " (٢)، وقال ابن القيم: "لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض، فإما أنْ يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقةٌ ثبتًا، فالثقة يغلط، أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ، أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه ﷺ ، فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة، وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أنْ يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده ﷺ ، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا، ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع، وبالله التوفيق" (٣)، وقال العلائي: "إذا اختُلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أنْ يجعلا حديثين مستقلين" (٤)، وقال ابن رجب: "واعلم أنَّ هذا كله إذا علم أنَّ الحديث الذي اختُلف في إسناده حديث واحد، فإنْ ظهر أنَّه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما، وعلامة ذلك أنْ يكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو نقص منه، أو تغير يستدل به على أنَّه حديث آخر، فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين" (٥).
وأفاد أحد الباحثين في هذا الباب إذ قال: "جنح كثير من الحفّاظ إلى حمل أحاديث وقع فيها اختلاف في ألفاظ متونها على تعدد الواقعة أو
стр. 1928
القصة" (١) وهو مما اضطرب فيه وأمكن الجمع بين رواياته. قال ابن قيم الجوزية: "وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده، وهي احتمال التكرار في كل حديث اختُلفت ألفاظه بحسب اختلافها، وهو مما يقطع ببطلانه في أكثر المواضع .. " (٢).
من خلال ما قدمناه من أقوال أهل العلم نستطيع أنْ نضع قواعد لمنع وصف حديثين متضادين بالاضطراب:
١ - أن يكون الحديثان صحيحين.
٢ - أن تكون إمكانية الجمع بين الحديثين قائمة.
٣ - أن يكون الحديث مما يحتمل تعدد الوقائع.
٤ - أن يأتي دليل على نسخ أحدهما.
٥ - مما يساعد أو يدل على تعدد الوقائع أن يكون في أحد الحديثين ما ليس في الآخر.
٦ - إذا سلم الحديثان مما تقدم وكانا متضادين فتوقّف وتروَّ، واعلم أن لا محالة في إعلال أحدهما؛ لأنَّ احتمال التضاد من فيِ الرسول ﷺ معدوم لا محالة في ذلك، وسد ابن خزيمة الباب على أيِ معترض بهكذا حجة، فقال: "لا أعرف أنَّه روي عن النبيِ ﷺ حديثان -بإسنادين صحيحين- متضادين، فمن كان عنده فليأتني به، لأؤلف بينهما" (٣)، والله أعلم.
стр. 1929
النوع الثاني: إذا كان حديثًا واحدًا روي بألفاظ مختلفة. فهذا فيه
جانبان:
١ - أنْ تكون الألفاظ مفترقة والمعاني متفقة. وهذا لا إشكال فيه وقد تقدمت مناقشة ثناياه في مبحث الرواية بالمعنى، ولكن تحصيلًا للفائدة سوف أذكر بعضًا من أقوال أهل العلم، فقال العلائي: "وأما إذا اتحد مخرج الحديث وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظن أنَّه حديث واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة تبعد أنْ يتعدد مثلها في الوقوع: كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو" (١). فإن أمكن رد بعضها إلى بعض صير إليه؛ لأنَّ الأصل في الحديث أنْ يحمل على الاتفاق ما وجد السبيل إلى ذلك، ولا يحمل على التنافي والتضاد، إذ الجمع بين ألفاظ الحديث الواحد، وبناء بعضها على بعض، أولى من اطّراح أحدها أو توهين الحديث بالاضطراب في ألفاظه (٢)، قال يحيى بن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه" (٣)، وقال الإمام أحمد: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٤)، وقال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" (٥).
٢ - أنْ تكون معاني الحديث مختلفة ولا يمكن الجمع بينها، ويكون
стр. 1930
مخرج الحديث واحدًا، وتنضم إليه قرائن أخرى تبين أنَّ الحديث لم يضبطه راويه، فعند ذلك تقوم قرائن تضعيف ذلك الحديث.
وقد يكون هناك اختلاف ولا يمكن الترجيح، إلا أنَّه اختلاف لا يقدح عند العلماء؛ لعدم التعارض التام، مثل حديث (الواهبة نفسها)، وهو ما رواه أبو حازم (١)، عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني قَدْ وهبت لك من نفسي، فقال رجلٌ: زوجنيها، قال: "قَدْ زَوَّجْناكَها بما مَعَكَ منَ القُرآنِ".
فهذا الحديث تفرد به أبو حازم (٢)، واختُلف الرواة عنه فِيْهِ فبعضهم قال: "أنكحتُكها"، وبعضهم قال: "زَوجُتكها"، وبعضهم قال: "مَلَّكْتُكها"، وبعضهم قال: "مُلِّكْتَها"، وبعضهم قال: "زَوجناكَها"، وبعضهم قال: "فَزَوجَه"، وبعضهم قال: "أنْكَحتُكَ"، وبعضهم قال: "أمْلكتُها"، وبعضهم قال: "أملكتُكها"، وبعضهم قال: "زَوجتكَ"، وبيان ذلك في الحاشية (٣).