← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

أنواع الاضطراب في المتن الاضطراب الحاصل في المتن نوعان: النوع الأول: إذا كان الحديثان صحيحين يضاد أحدهما الآخر في الظاهر قال الشافعي: "فكل كلامٍ كان عامًا ظاهرًا في سُنّة رسول الله، فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنَّه إنَّما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دونَ بعض، كما وصفت من هذا، وما كان في مثل معناه. ولزم أهل العلم أنْ يمضوا الخبرين على وجوههما، ما وجدوا لإمضائهما وجهًا، ولا يعدونهما مختلفين وهما يحتملان أنْ يمضيا، وذلك إذا أمكن فيهما أنْ يمضيا معًا، أو وجد السبيل إلى إمضائهما، ولم يكن منهما واحد بأوجب من الآخر، ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف، ما كان لهما وجهًا يمضيان معًا، إنما المختلف ما لم يمضى (١)، إلا بسقوط غيره، مثل أنْ يكون الحديثان في الشيء الواحد، هذا يحله وهذا

стр. 1927

يحرمه" (١)، وقال الخطّابي: "وسبيل الحديثين إذا اختُلفا في الظاهر، وأمكن التوفيق بينهما، وترتيب أحدهما على الآخر: أن لا يحملا على المنافاة، ولا يضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث .. " (٢)، وقال ابن القيم: "لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض، فإما أنْ يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقةٌ ثبتًا، فالثقة يغلط، أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ، أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه ﷺ ، فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة، وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أنْ يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده ﷺ ، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا، ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع، وبالله التوفيق" (٣)، وقال العلائي: "إذا اختُلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أنْ يجعلا حديثين مستقلين" (٤)، وقال ابن رجب: "واعلم أنَّ هذا كله إذا علم أنَّ الحديث الذي اختُلف في إسناده حديث واحد، فإنْ ظهر أنَّه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما، وعلامة ذلك أنْ يكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو نقص منه، أو تغير يستدل به على أنَّه حديث آخر، فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين" (٥). وأفاد أحد الباحثين في هذا الباب إذ قال: "جنح كثير من الحفّاظ إلى حمل أحاديث وقع فيها اختلاف في ألفاظ متونها على تعدد الواقعة أو

стр. 1928

القصة" (١) وهو مما اضطرب فيه وأمكن الجمع بين رواياته. قال ابن قيم الجوزية: "وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده، وهي احتمال التكرار في كل حديث اختُلفت ألفاظه بحسب اختلافها، وهو مما يقطع ببطلانه في أكثر المواضع .. " (٢). من خلال ما قدمناه من أقوال أهل العلم نستطيع أنْ نضع قواعد لمنع وصف حديثين متضادين بالاضطراب: ١ - أن يكون الحديثان صحيحين. ٢ - أن تكون إمكانية الجمع بين الحديثين قائمة. ٣ - أن يكون الحديث مما يحتمل تعدد الوقائع. ٤ - أن يأتي دليل على نسخ أحدهما. ٥ - مما يساعد أو يدل على تعدد الوقائع أن يكون في أحد الحديثين ما ليس في الآخر. ٦ - إذا سلم الحديثان مما تقدم وكانا متضادين فتوقّف وتروَّ، واعلم أن لا محالة في إعلال أحدهما؛ لأنَّ احتمال التضاد من فيِ الرسول ﷺ معدوم لا محالة في ذلك، وسد ابن خزيمة الباب على أيِ معترض بهكذا حجة، فقال: "لا أعرف أنَّه روي عن النبيِ ﷺ حديثان -بإسنادين صحيحين- متضادين، فمن كان عنده فليأتني به، لأؤلف بينهما" (٣)، والله أعلم.

стр. 1929

النوع الثاني: إذا كان حديثًا واحدًا روي بألفاظ مختلفة. فهذا فيه جانبان: ١ - أنْ تكون الألفاظ مفترقة والمعاني متفقة. وهذا لا إشكال فيه وقد تقدمت مناقشة ثناياه في مبحث الرواية بالمعنى، ولكن تحصيلًا للفائدة سوف أذكر بعضًا من أقوال أهل العلم، فقال العلائي: "وأما إذا اتحد مخرج الحديث وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظن أنَّه حديث واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة تبعد أنْ يتعدد مثلها في الوقوع: كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو" (١). فإن أمكن رد بعضها إلى بعض صير إليه؛ لأنَّ الأصل في الحديث أنْ يحمل على الاتفاق ما وجد السبيل إلى ذلك، ولا يحمل على التنافي والتضاد، إذ الجمع بين ألفاظ الحديث الواحد، وبناء بعضها على بعض، أولى من اطّراح أحدها أو توهين الحديث بالاضطراب في ألفاظه (٢)، قال يحيى بن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه" (٣)، وقال الإمام أحمد: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٤)، وقال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" (٥). ٢ - أنْ تكون معاني الحديث مختلفة ولا يمكن الجمع بينها، ويكون

стр. 1930

مخرج الحديث واحدًا، وتنضم إليه قرائن أخرى تبين أنَّ الحديث لم يضبطه راويه، فعند ذلك تقوم قرائن تضعيف ذلك الحديث. وقد يكون هناك اختلاف ولا يمكن الترجيح، إلا أنَّه اختلاف لا يقدح عند العلماء؛ لعدم التعارض التام، مثل حديث (الواهبة نفسها)، وهو ما رواه أبو حازم (١)، عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني قَدْ وهبت لك من نفسي، فقال رجلٌ: زوجنيها، قال: "قَدْ زَوَّجْناكَها بما مَعَكَ منَ القُرآنِ". فهذا الحديث تفرد به أبو حازم (٢)، واختُلف الرواة عنه فِيْهِ فبعضهم قال: "أنكحتُكها"، وبعضهم قال: "زَوجُتكها"، وبعضهم قال: "مَلَّكْتُكها"، وبعضهم قال: "مُلِّكْتَها"، وبعضهم قال: "زَوجناكَها"، وبعضهم قال: "فَزَوجَه"، وبعضهم قال: "أنْكَحتُكَ"، وبعضهم قال: "أمْلكتُها"، وبعضهم قال: "أملكتُكها"، وبعضهم قال: "زَوجتكَ"، وبيان ذلك في الحاشية (٣).

стр. 1931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1932

ومع هذا فلم يقدح هذا الاختلاف عند العلماء، قال الحافظ ابن حجر: "وأكثر هذه الروايات في الصحيحين، فمن البعيد جدًّا أن يكون سهل بن سعد ﵁ شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مرارًا عديدة، فسمع في كل مرة لفظًا غير اللفظ الذي سمعه في الأخرى (١). بل ربما يعلم ذلك بطريق

стр. 1933

القطع - أيضًا - فالمقطوع به أنَّ النَّبيَ ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أنْ يقال: إنَّ النَّبيَ ﷺ قال لفظًا منها، وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى، والله أعلم" (١). وخالف الحافظَ تلميذُهُ البقاعيُ فقال: "فهذه الألفاظ لا يمكن الاحتجاج بواحدة منها، حتى لو احتج حنفيٌ مثلًا على أنَّ التمليك من ألفاظ النكاح (٢) لم يسغ له ذلك؛ لأنَّ اللفظة التي قالها النبيُ ﷺ مشكوك فيها، لم تُعْرَفْ عينُها بسبب أنَّ الواقعة واحدة لم تتعدد، وأما بقية الأحكام التي في القصة: كتخفيف الصداق، وعدم تحديده بحد معين، ونحو ذلك فهو كذلك لا مرية فيه، والله أعلم" (٣). أمثلة على الاضطراب في المتن. الأول: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل (٤)، عن أبي معاوية الضرير: محمَّد ابن خازم (٥)، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة (٦)، عن أم سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر (٧) بمكة.

стр. 1934

هذا الحديث مضطرب المتن، وقد اضطرب فيه على أبي معاوية، ثم إنَّ الحديث مُعَل بالإرسال، وهو الصواب فيه، والوصل فيه خطأ، أخطأ فيه أبو معاوية، وسأتكلم عن اضطراب متنه ثم أشرح كيف أنَّه مُعَل بالإرسال. فأبو معاوية رواه عنه عدة من الرواة، وقد تغير متن الحديث عند كل راوٍ من الرواة عن أبي معاوية فالحمل عليه إذن، وبيان ذلك: قَدْ روى الحديث أسد بن موسى (١) عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: أمرها رسول الله ﷺ أنْ توافي معه صلاة الصبح بمكة (٢). وقد روى الحديث أبو كريب (٣): محمَّد بن العلاء، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، قالت: أمرها رسول الله ﷺ أنْ توافي مكة صلاة الصبح يوم النحر (٤). ورواه عبد الله بن جعفر الرقي (٥)، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أنَّ النَّبِيَ ﷺ أمرها أنْ توافي معه يوم النحر بمكة (٦). ورواه أبو خيثمة: زهير بن حرب (٧)، عن أبي معاوية، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أنَّ

стр. 1935

رسول الله ﷺ أمرها أنْ توافي صلاةَ الصبحِ يومَ النحر بمكة (١). ورواه محمَّد بن عَمْرو (٢) السوسي، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة: أنَّ النَّبِيَ ﷺ أمرها أنْ توافي الضحى معه بمكة يوم النحر (٣). ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري (٤)، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة (٥). ورواه سعيد بن سليمان، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ أمرها أنْ توافيه صلاة الصبح بمكة يوم النحر (٦). هكذا اضطرب فيه أبو معاوية، واختُلف الرواة عنه فيه. قال ابن التركماني: "مضطربٌ سندًا .. ومضطرب أيضًا متنًا" (٧). وَقَالَ الطحاوي: "فتأملنا هذا الحديث، فوجدناه إنَّما دار بهذا المعنى على أبي معاوية، ووجدنا أبا معاوية قَدْ اضطرب فيه" (٨).

стр. 1936

وحديث أبي معاوية مُعَل بالإرسال - كما سبق -. فقد رواه وكيع بن الجراح، عن هشام، عن أبيه: أنَّ النَّبِيَ ﷺ أمر أم سلمة أنْ توافيه صلاة الصبح بمنى (١). ورواه حماد بن سلمة (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنَّ يوم أم سلمة دار إلى يوم النحر، فأمرها رسول الله، فرمت الجمرة، وصلت الفجر بمكة (٣). ورواه داود بن عبد الرحمان العطار (٤)، وعبد العزيز الدراوردي (٥) (مقرونين)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دار رسول الله ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر فأمرها أنْ تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها، فأحب أن توافقه وفي إحدى نسخ الشافعي: "توافيه" (٦). فهؤلاء ثقات تلامذة هشام: (وكيع، وحماد، وداود، وعبد العزيز) أربعتهم رووه عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وروايتهم أصح فهم أكثر عددًا، والعدد أولى بالحفظ (٧)، وقد نص إمام المعللين أبو الحسن الدارقطني على ترجيح الرواية المرسلة (٨).

стр. 1937

وجاء من غير طريق أبي معاوية مسندًا. فأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٥٢٠) وفي (تحفة الأخيار) (١٨٢٣) من طريق سفيان - وهو الثوري -. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٩٨٢) من طريق سفيان - وهو ابن عيينة -. كلاهما: (الثوري، وابن عيينة) (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ أمرها أنْ تصلي الفجرَ بمكةَ يومَ النَحْرِ. إلا أنَّ طريق الثوري لا يصح؛ لأنَّه من رواية قبيصة بن عقبة عنه، وقبيصة صدوق إلا في روايته عن الثوري. قال يحيى بن معين: "ثقةٌ إلا في حديث الثوري ليس بذلك القوي" (٢)، وقال صالح بن محمَّد: "كان رجلًا صالحًا إلا أنَّهم تكلموا في سماعه من سفيان" (٣)، وقال يعقوب بن شيبة: "كان ثقةٌ صدوقًا فاضلًا تكلموا في روايته عن سفيان خاصة" (٤) لأنه سمع منه وهو صغير نص على ذلك ابن معين. وأما طريق ابن عيينة ففيه إسحاق بن أحمد الخزاعي لم أقف على من وثقه أو جرحه في الحديث، إنَّما يذكرون أنَّه كان حجة في القراءات. زيادة على ذلك فإنَّ سماع عروة من أم سلمة متكلم فيه، فقد نص الطحاوي على عدم سماعه منها وأعله بالانقطاع، وكذا قال الدارقطني (٥). ومنهم من جعله من مسند عائشة ﵂. أخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٥٢٣) وفي (تحفة الأخيار) (١٨٢٦) من طريق الدراوردي.

стр. 1938

وأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٥٢٤) وفي (تحفة الأخيار) (١٨٢٧) من طريق يعقوب بن عبد الرحمان (١). وأخرجه: أبو داود (١٩٤٢)، والحاكم ١/ ٤٦٩، والبيهقي ٥/ ١٣٣، وابن عبد البر في " الاستذكار " ٣/ ٥٩٣ من طريق الضحاك بن عثمان (٢). ثلاثتهم: (الدراوردي، ويعقوب، والضحاك) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به. والله أعلم بالصواب. ونقل الأثرم عن الإمام أحمد أنَّه قال: "لم يسنده غيره - يعني: أبا معاوية - وهو خطأ" (٣). وهناك مناقشات أخر لإعلال متن الحديث ذكرها ابن القيم (٤). مثال آخر: مَا روي عن عَمَّار بن ياسر من أحاديث في صِفَة التيمم فَقَدْ ذكر بَعْض العُلَمَاء أنَّ هَذَا من المضطرب، وسأشرح ذَلِكَ بتفصيل: روى الزُّهْرِيُ، قَالَ: حَدَّثَني عبيد الله بن عَبْد الله، عن ابن عَبَّاس، عن عَمَّار بن ياسر: أنَّ رَسُوْل الله ﷺ عَرَّسَ (٥) بأولات الجيش ومعه عَائِشَة، فانقطع عِقدٌ لَهَا من جَزْعِ ظِفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذَلِكَ حَتَّى أضاء الفجر، وَلَيْسَ مَعَ الناس ماء، فتغيظ عَلَيْهَا أبو بَكْر، وَقَالَ: حبستِ الناس وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ! فأنزل الله تَعَالَى عَلَى رسولهِ ﷺ رخصة التَّطَهُّرِ بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مَعَ رَسُوْل الله ﷺ فضربوا بأيديهم إِلَى الأرض، ثُمَّ رفعوا أيديهم، وَلَمْ يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بِهَا وجوههم وأيديهم إِلَى المناكب، ومن بطون أيديهم إِلَى الآباط (٦).

стр. 1939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1940

وَقَدْ ورد حَدِيث آخر لعمار في التيمم بلفظ: "أنَّ النَّبيَ ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين"، وَفِي رِوَايَة: "إنَّما يكفيك أنْ تَقُوْل (١) بيديك هكذا": ثُمَّ ضرب الأرض ضربة وَاحِدَة، ثُمَّ مسح الشمال عَلَى اليمين، وظاهر كفيه ووجهه"، وَفِي رِوَايَة: "ضرب النَّبيُ ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فِيْهما، ثُمَّ مسح بهما وجهه وكفيه"، وَفِي رِوَايَة: "ثُمَّ ضرب بيديه الأرض ضربة وَاحِدَة"، وَفِي رِوَايَة: "وأمرني بالوجه والكفين ضربة وَاحِدَة"، وَفِي رِوَايَة: "يكفيك الوجه و الكفان" (٢). فهذا الحَدِيْث يختلف عن الحَدِيْث الأول، مِمَّا دعا بَعْض العُلَمَاء إلى الحكم عليه بالاضطراب، قَالَ الإِمَام التِّرْمِذِي: "ضعّف بَعْض أهل العِلْم

стр. 1941

حَدِيث عَمَّار عن النَّبي ﷺ في التيمم للوجه والكفين؛ لما روي عَنْهُ حَدِيث المناكب و الآباط" (١). وَقَالَ ابن عَبْد البر: "كُلّ مَا يروى في هَذَا الباب عن عمار فمضطرب مختلف فِيهِ" (٢). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وهذا حديث منكر جدًّا - يعني: الحديث الأول عن عمار - لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه وقال: هو لا يعتبر به الناس، ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وروي عن الزهري أنَّه امتنع أنْ يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي عنه أنَّه قال: لا أدري ما هو! وروي عن مكحول أنَّه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنَّه امتنع أنْ يحدث به وقال: ليس العمل عليه، وسئل الإمام أحمد عنه فقال: ليس بشيء، وقال أيضًا: اختُلفوا في إسناده وكان الزهري يهابه وقال: ما أرى العمل عليه." (٣). إلا أنَّ بَعْض العُلَمَاء حاولوا أنْ يوفقوا بَيْنَ الحديثين الأول والثَّانِي باعتبار التقدم والتأخر، وباعتبار أنَّ الأول من فعلهم دُوْنَ النَّبي ﷺ . قَالَ الأثرم: "إِنَّمَا حكى فِيهِ فعلهم دُوْنَ النَّبيِ ﷺ كَمَا حكى في الآخر أَنَّهُ أجنب؛ فعلّمه ﵊" (٤). وَقَالَ ابن حبان: "كَانَ هَذَا حَيث نزل آية التيمم قَبْلَ تعليم النَّبيِ ﷺ عمارًا كَيْفِيَة التيمم، ثُمَّ علّمه ضربة وَاحِدَة للوجه والكفين لما سأل عمارٌ النَّبيَ ﷺ عن التيمم" (٥). وَقَالَ البَغَوِي: "وما روي عن عَمَّار أَنَّهُ قَالَ: تيممنا إلى المناكب، فَهُوَ حكاية فعله، لَمْ ينقله عن رَسُوْل الله ﷺ " وقال: "كَمَا حكى عن نَفْسه التمعك في حالة الجنابة، فلما سأل النَّبيَ ﷺ وأمره بالوجه والكفين انتهى إليه،

стр. 1942

وأعرض عن فعله" (١). قُلْتُ: وما ذكر من توجيه عَلَى هَذَا النحو يشكل عَلَيْهِ أَنَّهُ ورد في الحَدِيْث الأول: "فقامَ المسلمونَ مَعَ رَسُوْل اللهِ فَضَربوا بِأَيْديِهم … ". مثال آخر: أخرج الإمام أحمد (٢)، وأبو يعلى (٣)، وابن خزيمة (٤)، والخطيب (٥) من طريق: روح (٦)، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن جريج، قَالَ: أخبرني … عَبْد الله بن مُسافع (٧): أنَّ مصعب بن شَيْبَة (٨) أخبره، عن عُقْبَة بن مُحَمَّد بن الحارِث (٩)، عن عَبْد الله بن جَعْفَر (١٠)، عن النَّبيِ ﷺ ،

стр. 1943

قَالَ: "مَنْ شَكَّ في صَلاتِهِ، فَلْيسجدْ سجدتينِ، وَهُوَ جالسٌ". فهذا الحَدِيْث اختُلف في لفظه الأخير، فَقَدْ أخرجه النَّسَائِيُ (١) من طريق حجاج (٢) وروح (مقرونين)، عن ابن جريج، عن عَبْد الله بن مسافع، عن مصعب بن شَيْبَة، عن عتبة (٣) بن مُحَمَّد، عن عَبْد الله ابن جَعْفَر، بِهِ: قَالَ النَّسَائِيُ: "قَالَ حجاج: (بعدما يسلم)، وَقَالَ روح: (وَهُوَ جالسٌ) " (٤). وأخرجه النَّسَائِيُ (٥) أيضًا من طريق الوليد بن مُسْلِم وعبد الله بن المبارك (فرّقهما). وأخرجه: أبو يعلى (٦) من طريق مخلد. ثلاثتهم: (الوليد، وابن المبارك، ومخلد) عن ابن جريج، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابن مسافع، عن عتبة بن مُحَمَّد، عن عَبْد الله بن جَعْفَر (٧)، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ شَكَّ في صَلاتِهِ فَلْيسجدْ سَجدتين بَعد ما يُسلم" (٨).

стр. 1944

وأخرجه: أحمد (١)، وأبو دَاوُد (٢)، و النَّسَائِيُ (٣)، و البَيْهَقِيُ (٤)، والمزي (٥) من طريق حجاج. وأخرجه: أحمد (٦)، وأبو يعلى (٧) عن روح. كلاهما: (حجاج، وروح) عن ابن جريج، عن عَبْد الله بن مسافع، عن مصعب بن شَيْبَة، عن عتبة بن مُحَمَّد، عن عَبْد الله بن جَعْفَر، به بلفظ: (بعدما يسلم) وَفِي بعضها: (بَعْدَ أن يسلم) وفي بعضها: "إذا فرغ من صلاته". فهذا الحَدِيْث اضطرب في لفظه: (وَهُوَ جالس). ويفهم مِنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ التسليم، والرِّوَايَة الأخرى: (بعدما يسلم). وبذلك خالف روح، الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك وحجاج بن محمَّد، وأيضًا فقد جاءت إحدى الروايات عنه مثل رواية الجماعة. فهذا يدل صراحة على أنَّ هذا الاختلاف من روح أو ممن قبله، والحديث معلول بغير هذا الاختلاف، فإنَّ عبد الله بن مسافع لم أقف على من ذكره بجرح ولا تعديل، ومصعب بن شيبة لين، وقد تقدمت ترجمتهما. وهناك اختلاف آخر في السند، فمنهم من يذكر مصعب بن شيبة، ومنهم من لا يذكره. فجاءت روايات: روح وحجاج بإثباته، بينما جاءت روايات: الوليد، وابن المبارك، ومخلد بإسقاطه من السند. ومما حصل الاختلاف الواسع في متنه حتى عده بعضهم مضطربًا ما روى قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه حدثه، قال: صليت خلفَ النَّبيِ ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان كانوا يستفتحون ب- ﴿الْحمْدُ للهِ

стр. 1945

رَبِّ … الْعَالَمِينَ﴾ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها. رواه عن قتادة بهذا اللفظ: الأوزاعي: عند أحمد ٣/ ٢٢٣، والبخاري في " القراءة خلف الإمام " (١١٩) و (١٢٠)، ومسلم ٢/ ١٢ (٣٩٩) (٥٢)، وأبي عوانة (١٦٥٧) و (١٦٥٨) (١)، والبيهقي ٢/ ٥٠ (٢). وسعيد بن أبي عروبة: عند ابن الجارود (١٨١)، وابن خزيمة (٤٩٦) بتحقيقي، وابن حبان (١٨٠٣). وشعبة: عند ابن الجعد في "مسنده" (٩٥٤) ط. الفلاح و (٩٢٣) ط. العلمية، وأحمد ٣/ ١٧٩ و ٢٧٥، وابن خزيمة (٤٩٥) بتحقيقي، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٠٢ وفي ط. العلمية (١١٦٣)، والبيهقي ٢/ ٥١، والبغوي (٥٨٢) (٣).

стр. 1946

وشعبة وسعيد بن أبي عروبة (مقرونين): عند النسائي ٢/ ١٣٥ وفي "الكبرى"، له (٩٧٩) ط. العلمية و (٩٨١) ط. الرسالة. وشعبة وسفيان (مقرونين) عند الدارقطني ١/ ٣١٤ ط. العلمية و (١١٨٦) ط. الرسالة. وشيبان عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٠٢ وفي ط. العلمية (١١٦٦). وشعبة وشيبان (مقرونين) عند ابن الجعد في "مسنده" (٩٥٣) و (٢٠٧١) ط. الفلاح و (٩٢٢) و (١٩٨٦) ط. العلمية، وابن حبان (١٧٩٩). وشعبة وهمام بن يحيى (مقرونين) عند الدارقطني ١/ ٣١٥ ط. العلمية و (١٢٠٤) ط. الرسالة. ومحمد بن عبيد العرزمي عند عبد بن حميد (١١٩١). وكذلك رواه عن أنس غير قتادة بهذا اللفظ. ثابت البناني عند ابن الجعد في "مسنده" (١٤١٧) ط. الفلاح و (١٣٧٣) ط. العلمية، وأحمد ٣/ ٢٦٤، وابن خزيمة (٤٩٧) بتحقيقي، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٠٣ وفي ط. العلمية (١١٦٧)، والبغوي (٥٨٢). ومنصور بن زاذان عند النَّسائي ٢/ ١٣٤ - ١٣٥ وفي "الكبرى"، له (٩٧٨) ط. العلمية و (٩٨٠) ط. الرسالة. وأبو قلابة عند ابن حبان (١٨٠٢). والحسن البصري عند ابن خزيمة (٤٩٨) بتحقيقي، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٠٣ وفي ط. العلمية (١١٦٩)، والطبراني في "الكبير"

стр. 1947

(٧٣٩) وفي "الأوسط"، له (٨٢٧٧) كلتا الطبعتين، والضياء المقدسي في "المختارة" ٥/ ٢٤٩ (١٨٧٧) و ٢٥٠ (١٨٧٨). أربعتهم: (ثابت، ومنصور، وأبو قلابة، والحسن) عن أنس بن مالك بنحو حديث قتادة المتقدم. إلا أنَّ هذا الحديث ورد بلفظ آخر ليس فيه التعرض لنفي البسملة أو الجهر بها، وقد ورد بهذا اللفظ من طريق قتادة أيضًا عن أنس. رواه أيوب عند الشافعي في "مسنده" (٢٠٩) بتحقيقي وفي "الأم"، له ١/ ١٠٧ وفي ط. الوفاء ٢/ ٢٤٤، والحميدي (١١٩٩)، وأحمد ٣/ ١١١، والبخاري في " القراءة خلف الإمام " (١٢٧)، وابن ماجه (٨١٣)، والنَّسائي ٢/ ١٣٣ وفي "الكبرى"، له (٩٧٦) ط. العلمية و (٩٧٨) ط. الرسالة، وابن الجارود (١٨٢)، والبيهقي ٢/ ٥١. ورواه حماد وشعبة وعمران القطان عند الدارقطني ١/ ٣١٦ ط. العلمية و (١٢٠٦) ط. الرسالة. ورواه حميد الطويل عند ابن الأعرابي في "معجمه" (٧٩٧). ورواه سعيد بن أبي عروبة عند ابن أبي شيبة (٤١٤٩)، وأحمد ٣/ ١٠١ و ٢٠٥ و ٢٥٥، والبخاري في " القراءة خلف الإمام " (١٢١)، وأبي يعلى (٢٩٨٠) و (٢٩٨١) و (٢٩٨٤) و (٣١٣١)، وأبي عوانة ١/ ٤٤٩ (١٦٥٩)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٠٢ وفي ط. العلمية (١١٦٢). ورواه شعبة عند الطيالسي (١٩٧٥)، وأحمد ٣/ ٢٧٣، والبخاري ١/ ١٨٩ (٧٤٣) وفي " القراءة خلف الإمام "، له (١١٧) و (١١٨)، وابن الجارود (١٨٢)، وابن خزيمة (٤٩٢) بتحقيقي، والبيهقي ٢/ ٥١ وفي "معرفة السنن والآثار"، له (٧٢٤) ط. العلمية و (٣١٢٧) ط. الوعي، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٧/ ٣٣٤ و ٣٣٥ وفي ط. الغرب ٨/ ٣٠٥ و ٣٠٦. ورواه هشام الدستوائي عند ابن أبي شيبة (٤١٦٤)، وأحمد ٣/ ١١٤ … و ١٨٣ و ٢٧٣، والدارمي (١٢٤٠)، والبخاري في " القراءة خلف الإمام "

стр. 1948

(١٢٥)، وأبي داود (٧٨٢)، وأبي يعلى (٢٩٨٣) و (٣١٢٨). ورواه همام بن يحيى عند أحمد ٣/ ٢٨٩، والبخاري في " القراءة خلف الإمام" (١٢٣). ورواه أبو عوانة عند البخاري في " القراءة خلف الإمام" (١٢٤)، وابن ماجه (٨١٣)، والترمذي (٢٤٦)، والنسائي ٢/ ١٣٣ وفي "الكبرى"، له (٩٧٥) ط. العلمية و (٩٧٧) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٤٩١) بتحقيقي. تسعتهم: (أيوب، وحماد، وشعبة، وعمران، وحميد، وسعيد، وهشام، وهمام، وأبو عوانة) عن قتادة، عن أنس بلفظ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون التعرض للبسملة. وروي من طرق أخرى عن أنس بنحو هذه الرواية. رواه حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت وحميد عند أحمد ٣/ ١٦٨ و ٢٨٦، وأبي يعلى (٣٠٩٣)، وابن حبان (١٨٠٠). ورواه حماد بن سلمة، عن ثابت وقتادة دون ذكر حميد عند أحمد ٣/ ٢٠٣، والبخاري في " القراءة خلف الإمام " (١٢٢)، والبغوي (٥٨١). ورواه حميد عند ابن أبي شيبة (٤١٤٨)، والبخاري في " القراءة خلف الإمام" (١٢٦). ورواه ثابت عند ابن الأعرابي في "معجمه" (٧٨٧). ورواه مالك بن دينار عند البخاري في " القراءة خلف الإمام " (١٢٨)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٠٦ وفي ط. الغرب ١١/ ٣١٦. أربعتهم: (قتادة، وثابت، وحميد، ومالك) عن أنس بنحو رواية قتادة الثانية التي لم تتطرق لذكر البسملة. قال ابن عبد البر في "التمهيد" ١/ ٤١٧: "اختُلف عليهم في لفظه اختلافًا كثيرًا مضطربًا متدافعًا، منهم من يقول فيه: كانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن

стр. 1949

الرحيم، ومنهم من يقول: كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: كانوا لا يتركون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: كانوا يفتتحون القراءة ب- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء. وقد روي عن أنس أنَّه سئل عن هذا الحديث، فقال: كبرنا ونسينا" وانظر: " التقييد والإيضاح ": ١٢٠. وقال ابن عبد البر فيما نقله السيوطي في " تدريب الراوي " ١/ ٢٥٦ : "ومما يدل على أن أنسًا لم يُرد نفي البسملة أن الذي زاد ذلك في آخر الحديث روى بالمعنى فأخطأ، ما صح عنه أن أبا سلمة سأله: أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك". إلا أنَّ الشافعي رجح أنَّهم كانوا يبدأون القراءة بفاتحة الكتاب، لا أنَّهم كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم إذ قال: "يعني يبدأون بقراءة أم القرآن قبل أنْ يقرأ بعدها، والله تعالى أعلم، ولا يعني أنَّهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم". انظر: جامع الترمذي عقب (٢٤٦)، "ومعرفة السنن والآثار " للبيهقي عقب (٧٢٤) ط. العلمية و (٣١٢٠) ط. الوعي، "وتدريب الراوي " ١/ ٢٥٥، "والتقييد والإيضاح ": ١١٩. وقال الترمذي عقب (٢٤٦): "هذا حديث صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النَّبيِ ﷺ والتابعين من بعدهم: كانوا يستفتحون ب- ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: وكان الشافعي يرى أنْ يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وأنْ يجهر بها إذا جُهر بالقراءة". وقال البغوي في "شرح السنة" عقيب (٥٨٣): «ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم إلى ترك الجهر بالتسمية، بل يُسِرُّ بها، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، وهو قول إبراهيم النَّخعي، وبه قال مالك، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وروي عن ابن عبد الله بن مُغفّل، قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أَيْ بُنيَّ إياك والحدَث، قد صليتُ مع النَّبيِّ ﷺ ، ومع أبي بكر ومع

стр. 1950

عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت، فقل: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». قال الزيلعي في "نصب الراية" ١/ ٣٣٠ - ٣٣١: « … وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضاً، وهي سبعة ألفاظ: فالأول: كانوا لا يستفتحون القراءة: " بسم الله الرحمن الرحيم ". والثاني: فلم أسمع أحداً يقول أو يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم ". والثالث: فلم يكونوا يقرؤون: "بسم الله الرحمن الرحيم ". والرابع: فلم أسمع أحداً منهم يجهر: " بسم الله الرحمن الرحيم ". والخامس: فكانوا لا يجهرون: " بسم الله الرحمن الرحيم ". والسادس: فكانوا يسرون: " بسم الله الرحمن الرحيم". والسابع: فكانوا يستفتحون القرآن: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وهذا اللفظ هو الذي صحّحه الخطيب وضعّف ما سواه؛ لرواية الحفاظ له عن قتادة، ولمتابعة غير قتادة له عن أنس فيه، وجعله اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابهاً، وحمله على الافتتاح بالسورة لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ المنافية بوجه، فكيف يجعل مناقضاً لها؟ فإنَّ حقيق هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهراً أو سراً، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب؟! ويؤكده قوله في رواية مسلم: لا يذكرون " بسم الله الرحمن الرحيم" في أول القراءة ولا في آخرها، لكنَّه محمول على نفي الجهر؛ لأنَّ أنساً إنَّما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه، فإنَّه إذالم يسمع مع القرب علم أنَّهم لم يجهروا، وأما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن فيه القراءة سراً، ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها من لم يرَ هنا سكوتاً كمالك وغيره .. فيكون نفيه للذكر، والاستفتاح، والسماع، مراداً به الجهر بذلك، يدل عليه قوله: فكانوا لا يجهرون، وقوله: فلم أسمع أحداً منهم يجهر، ولا تعرّض فيه للقراءة سراً، ولا على نفيها، إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها أو ينفيها، وكذلك قال لمن سأله: إنَّك لتسألني عن شيء ما أحفظه، فإنَّ العلم بالقراءة السرية إنَّما يحصل بإخبار أو سماع عن قرب، وليس في الحديث شيء منهما .. وأيضاً فحمل الافتتاح بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ

стр. 1951

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة وتمجّه الأفهام الصحيحة .. وأيضاً لو أريد الافتتاح " بسورة الحمد " لقيل: كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن أو بفاتحة الكتاب أو بسورة الحمد، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم، وأما تسميتها بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فلم ينقل عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا عن الصحابة، والتابعين، ولا عن أحد يحتج بقوله، وأما تسميتها " بالحمد " فقط فعُرِف متأخراً (١)، يقولون: فلان قرأ " الحمد "، وأين هذا من قوله: فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟! فإنَّ هذا لا يجوز أنْ يراد به السورة، إلا بدليل صحيح وأنّى للمخالف ذلك». فالصحيح - والله أعلم - أنَّ ذكر نفي الجهر بالبسملة خطأ، وأنَّ الرواية جاءت لبيان أنَّ النَّبيَّ ﷺ وخلفاءه الراشدين كانوا يستفتحون بسورة الفاتحة، على أنّا نرجّح عدم الجهر بالبسملة، وأنَّ الإمام يُسمع بها نفسه. وانظر: " جامع المسانيد " ٢٣/ ٢٧ (٢٢٠٣) و (٢٢٠٤) و (٢٢٠٥) و ٢٣/ ٦٤ (٢٢٨٩) و (٢٢٩٠) و ٢٣/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٤٦٨) و (٢٤٧٠) و (٢٤٧١) و (٢٤٧٢) و ٢٣/ ١٨٠ (٢٦١٥) و ٢٣/ ٢٧٧ (٢٨٥٦) و ٢٣/ ٢٣١ (٢٧٣٩) و (٢٧٤٠) و (٢٧٤١)، و"إتحاف المهرة" ١/ ٥٣٧ (٦٦٩) و ١/ ٥٨٧ (٨١٦) و ١/ ٦٠٨ (٨٧٦) و ٢/ ١٨٥ (١٥١٨) و ٢/ ١٨٩ (١٥٢١)، و"أطراف المسند" ١/ ٤٥٨ (٧٨٢). وقد ألّف في الجهر بالبسملة عددٌ من العلماء، منهم: ابن عقدة أحمد بن محمد بن سعيد المتوفى سنة (٣٣٢ هـ) كما ذكر الذهبي في " السير " ١٥/ ٣٥٢، وكذا ألّف الخطيب البغدادي كتابه "الجهر بالبسملة" في جزأين كما في "السير" ١٨/ ٢٩١، وقال ابن عبد الهادي كما في "نصب الراية" ١/ ٣٣٥: «وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف جماعة، منهم: ابن خزيمة،

стр. 1952

وابن حبان، والدارقطني (١)، والبيهقي، وابن عبد البر، وآخرون». ومما اضطرب راويه فيه سنداً ومتناً ما روى ابن شهاب، قالَ: أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمان وأبو بكر بن عبد الرحمان وعبيد الله بن عبد الله (٢): أنَّ أبا هريرة قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الظُّهر أو العصر فسلَّمَ في ركعتين مِنْ إحداهُما، فقالَ لهُ ذو الشِّمالين ابنُ عبد عمرو بن نضْلة الخُزاعيُّ وهو حليفُ بني زهرةَ: أقُصرتْ أمْ نسيتَ يا رسول الله؟ قالَ رسولُ الله ﷺ : «لم أنسَ، ولم تُقْصرْ» فقال ذو الشِّمالين: قد كانَ بعضُ ذلك يا رسولَ الله، فأقبلَ رسولُ الله ﷺ على

стр. 1953

الناس، فقالَ: «أصدقَ ذو اليدين؟» قالوا: نَعمْ يا رسولَ الله، فقامَ رسولُ الله ﷺ فأتمَّ الصلاةَ، ولم يُحدِّثني أحدٌ منهم أنَّ رسولَ الله ﷺ سَجدَ سجدتين وهو جالِسٌ في تلكَ الصَّلاةِ، وذلكَ فيما نرى والله أعلمُ مِنْ أجلِ أنَّ الناسَ يقَّنوا رسولَ الله ﷺ حتَّى استيقنَ (١). أخرجه: الدارمي (١٤٩٧)، وابن خزيمة (١٠٤٢) بتحقيقي من طريق الليث، عن الزهري، بهذا الإسناد. هذا حديث ظاهره الصحة، إلا أنَّه معلول باضطراب الزهري فيه، فقد روي عنه ﵀ موصولاً ومرسلاً فضلاً عن اضطرابه في متن هذا الحديث. فأما الروايات الموصولة. فأخرجه: عبد الرزاق (٣٤٤١)، ومن طريقه أحمد ٢/ ٢٧١، والنسائي ٣/ ٢٤ وفي "الكبرى"، له (٥٦٥) و (١١٥٣) ط. العلمية و (٥٧٠) و (١١٥٤)، وابن خزيمة (١٠٤٦) بتحقيقي، وابن حبان (٢٦٨٥)، والبيهقي ٢/ ٣٥٨ عن معمر. وأخرجه: عبد الرزاق (٣٤٤٢) عن ابن جريج (٢). وأخرجه: النسائي ٣/ ٢٤ وفي "الكبرى"، له (٥٦٤) و (١١٥٢) ط. العلمية و (٥٦٩) و (١١٥٣) ط. الرسالة، وابن خزيمة (١٠٤٢) و (١٠٤٣) بتحقيقي، وابن حبان (٢٦٨٤) عن يونس. وأخرجه: ابن خزيمة (١٠٥١) بتحقيقي عن صالح. أربعتهم: (معمر، وابن جريج، ويونس، وصالح) عن الزهري بالمتن أعلاه إلا أنَّه لم يذكر سجودَ السهو. وأما الروايات المرسلة: فأخرجه: مسلم في " التمييز" (٤٤)، وأبو داود (١٠١٣)، والنسائي ٣/ ٢٥

стр. 1954

وفي "الكبرى"، له (٥٦٦) و (١١٥٤) ط. العلمية و (٥٧١) و (١١٥٥) ط. الرسالة، وابن خزيمة (١٠٤٨) بتحقيقي، والبيهقي ٢/ ٣٥٨ من طريق صالح بن كيسان (١) (٢). وأخرجه: مالك في "الموطأ" (٢٤٩) برواية الليثي و (٤٧٢) برواية أبي مصعب الزهري و (١٥٠) برواية سويد بن سعيد، ومن طريق مالك أخرجه: ابن خزيمة (١٠٤٧) و (١٠٥٠) بتحقيقي. وأخرجه: ابن خزيمة (١٠٤٩) بتحقيقي من طريق شعيب بن أبي حمزة (٣). ثلاثتهم: (صالح، ومالك، وشعيب) عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: بلغني … فذكره (٤). وقد روي هذا الحديث عن الزهري من غير هذا الطريق مرسلاً. فأخرجه: مالك في "الموطأ" (٢٥٠) برواية الليثي و (٤٧٣) برواية أبي مصعب الزهري و (١٥٠) برواية سويد بن سعيد، ومن طريق مالك أخرجه: ابن خزيمة (١٠٥٠) بتحقيقي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمان - مقرونين - فذكراه مرسلاً.

стр. 1955

وبعد هذا الذي قدمناه تبين اضطراب الزهري في إسناد هذه الرواية، قال البيهقي ٢/ ٣٥٨: «هذا حديث مختلف فيه على الزهري فرواه صالح بن كَيْسان هكذا - يعني: مرسلاً - وهو أصح الروايات، فيما نرى حديثه عن ابن أبي حثمة مرسل، وحديثه عن الباقين موصول، وأرسله مالك بن أنس عنه، عن ابن أبي حثمة، وابن المسيب، وأبي سلمة، وأسنده يونس بن يزيد عنه، عن جماعتهم دون روايته عن ابن أبي حثمة، وأسنده معمر عنه، عن أبي سلمة، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة». وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ١/ ٢٥٩: «وقد اضطرب على الزهري في حديث ذي اليدين اضطراباً أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة؛ لأنَّه مرة يرويه عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: بلغني أنَّ رسولَ الله ﷺ ركعَ ركعتين، هكذا حدَّث به عنه مالك، وحدَّث به مالك أيضاً عنه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، بمثل حديثه عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة». وقال أيضاً في ١/ ٢٥٩ بعد أنْ ذكر عدة روايات عنه: «وهذا اضطراب عظيم من ابن شهاب في حديث ذي اليدين»، وفي ١/ ٢٦٠ قال: «لا أعلم أحداً من أهل العلم والحديث المنصفين فيه، عول على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين؛ لاضطرابه فيه، وأنَّه لم يتم له إسناداً ولا متناً، وإنْ كان إماماً عظيماً في هذا الشأن فالغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ». وقال العلائي في " نظم الفرائد ": ٢١٢ بعد أنْ ذكر عدة طرق عن الزهري: «فهذه الروايات كلها تدل على اضطراب عظيم من الزهري في هذا الحديث، وعلى أنَّه لم يتقن حفظه». وكل ما تقدم هو اضطرابه في الإسناد، وأما في المتن فإنَّه ﵀ يذكر في حديثه هذا ذي الشمالين في موضع، و ذي اليدين في موضع آخر، وهذا وهم كبير، فذو الشمالين وذو اليدين شخصيتان مختلفتان، فقد نقل العلائي في " نظم الفرائد ": ٢٠٦ عن أبي بكر الأثرم أنَّه قال: سمعت مسدد بن مسرْهد

стр. 1956

يقول: «الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو حليف لبني زهرة، وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية فيجيء فيصلي مع النبي ﷺ »، وقال أبو عوانة في "مسنده" ١/ ٥١٣: «قال بعض الناس ذو اليدين وذو الشمالين واحد ويحتجون بحديث رواه الزهري فقال فيه: «فقام ذو الشمالين، فقال: أقُصرتِ الصلاةُ يا رسولَ الله؟»، ويطعنون في هذا الحديث بأنَّ ذا الشمالين قتل يوم بدر، وأنَّ أبا هريرة لم يدركه؛ لأنَّه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بثلاث سنينَ أو أربع، وليس كما يقولون وذلك أنَّ ذا اليدين ليس هو ذو الشمالين؛ لأن ذا اليدين رجل قد سماه بعضُهم الخرباق، عاشَ بعد النبي ﷺ وماتَ بذي خشب على عهد عمر، وذو الشمال هو ابن عمرو حليف لبني زهرة، وقد صح في هذه الأحاديث أنَّه صلى مع النبي ﷺ تلكَ الصلاة»، وقالَ أبو نعيمٍ في "معرفة الصحابة" (٨٩٥) عن ذي اليدين: «يقالُ اسمُه الخرباق، ويكنى أبا العريان … »، وقال عن ذي الشمالين (٨٩٦): «ابن عبد عمرو بن نضلة من خزاعة حليف بني زهرة قاله الزهري، وقال محمد بن إسحاق: ذو الشمالين بن عبد عمرو بن غبشان (١) قتل ببدر، وذو الشمالين غير ذي اليدين؛ لأنَّ ذا اليدين سليمي سكن وادي القرى يقال له: الخرباق»، وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ١/ ٢٦٠: «فليس قول ابن شهاب إنَّه المقتول يوم بدر - يعني ذا اليدين- حجة لأنَّه قد تبين غلطه في ذلك … »، وقال في "الاستيعاب" (٧١١): «ذو الشمالين واسمه عمير بن عمرو بن نضلة بن عمرو ابن غبشان .. »، وقال عن ذي اليدين (٧٢١): «ذو اليدين رجل من بني سليم يقال له: الخرباق حجازي شهد النبي ﷺ وقد رآه وهم في صلاته فخاطبه، وليس هو ذو الشمالين، ذو الشمالين رجل من خزاعة حليف لبني زهرة (٢) قتل يوم بدر … »، وقال في "التمهيد" ١/ ٢٥٧: «وأما قولهم أنَّ ذا اليدين قتل يوم بدر فغير صحيح، وإنَّما المقتول يوم بدر ذو الشمالين، ولسنا ندافعهم أنَّ

стр. 1957

ذا الشمالين مقتول يوم بدر؛ لأنَّ ابن إسحاق وغيره من أهل السير ذكروه فيمن قتل يوم بدر … ». قلت: تبين الآن أنَّ ذا الشمالين غير ذي اليدين وأنَّهما شخصيتان مختلفتان. وأما ذكر ذي الشمالين فللعلماء فيه أقوال: فقال ابن عبد البر في "التمهيد" ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩: «وأما قول الزهري في هذا الحديث إنَّه ذو الشمالين فلم يتابع عليه وحمله الزهري على أنَّه المقتول يوم بدر … »، في حين قال العلائي في "نظم الفرائد": ٢٠٩ - ٢١٦ (بتصرف): «فأما رواية الزهري الحديث وتسميته فيه ذا الشمالين بن عبد عمرو، فللعلماء في ذلك طريقان: أحدهما: تغليط الزهري في ذلك؛ لأنَّه اضطرب في هذا الحديث كثيراً، الطريق الثاني: الجمع بين هذه الروايات كلها يجعلها واقعتين أحديهما: قبل بدر والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة بل أرسل روايتها. والثانية: كان حاضراً فيها والمتكلم يومئذ ذو اليدين»، وقال البيهقي ﵀ ٢/ ٣٦٧: «وشيخا الصحيحين البخاري ومسلم لم يصححا شيئاً من تلك الروايات - يعني: التي فيها ذكر ذي الشمالين - لما فيها من هذا الوهم الظاهر، وكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ ﵀، يقول: كل من قال ذلك فقد أخطأ، فإن ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب وليس له راوٍ». وقد وهم الزهري في موضع آخر من هذا الحديث. فأخرجه: النسائي ٣/ ٢٥ وفي "الكبرى"، له (٥٦٨) ط. العلمية و (٥٧٢) ط. الرسالة من طريق عقيل - وهو ابن خالد بن عقيل الأيلي-. وأخرجه: ابن خزيمة (١٠٤٥) بتحقيقي من طريق الليث. كلاهما: (عقيل، والليث) عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمان وابن أبي حثمة، عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يسجد يوم ذي اليدين (١). فهذه الرواية وهم بالكامل من حيث إنَّ هذا المتن معلول بالمخالفة،

стр. 1958

لثبوت سجود رسول الله ﷺ يومئذ كما سيأتي، قال ابن خزيمة قبيل (١٠٥٢): «وقد تواترت الأخبار عن أبي هريرة من الطرق التي لا يدفعها عالم بالأخبار: أنَّ النبي ﷺ سجد سجدتي السهو يوم ذي اليدين»، كما أنَّ متن هذا الحديث إنَّما هو من كلام الزهري، وقد اختصره اختصاراً مخلاً لدرجة أذهبت معناه. وقد ذهبَ ابن خزيمة إلى حمل الوهم في هذه الرواية على أبي صالح - الراوي عن الليث - فقال قبيل (١٠٥٢): «فإنَّه سها في الخبر وأوهم الخطأ في روايته فذكر آخر الكلام الذي هو من قول الزهري مجرداً عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لم يسجد يوم ذي اليدين، ولم يحفظ القصة بتمامها والليث في خبره عن يونس قد ذكر القصة بتمامها، وأعلم أنَّ الزهري: إنَّما قال: لم يسجد النبي ﷺ يومئذ أنَّه لم يحدثه أحدٌ منهم أنَّ النبي ﷺ سجد يومئذ، لا أنَّهم حدثوه عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ لم يسجدْ يومئذٍ». قلت: فأما حملُ الوهم على الليث فمدفوع بمتابعة عقيل. ومما يدل على كون الوهم من الزهري لا من غيره أنَّ بعض العلماء قد حملوا الوهم على الزهري، فقال مسلم في "التمييز" عقب (٤٥): «وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين وهمٌ غير محفوظ؛ لتظاهر الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ في هذا»، وقال قبيل (٤٨) بعد أنْ خرّج عدداً من الروايات: «فقد صح بهذه الروايات المشهورة المستفيضة في سجود رسول الله ﷺ يوم ذي اليدين أنَّ الزهري واهم في روايته إذ نفى ذلك في خبره من فعل رسول الله ﷺ »، ونقل عنه ابن عبد البر في "التمهيد" ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠: «قول ابن شهاب إنَّ رسول الله لم يسجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو خطأ وغلط، وقد ثبت عن النبي ﵇ أنَّه سجد سجدتي السهو ذلك اليوم، من أحاديث الثقات ابن سيرين وغيره». وقد روي هذا الحديث مضطرباً من طرق أخرى عن الزهري إلا أنَّ الحمل فيها ليس على عاتقه. فأخرجه: أبو داود (١٠١٢)، وابن خزيمة (١٠٤٠) (م) بتحقيقي من طريق محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب

стр. 1959

وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال: سلّمَ رسولُ الله ﷺ عنْ ركعتين، فقال له ذو الشمالين منْ خزاعة حليفٌ لبني زهرةَ: أقُصرتِ الصلاةُ أمْ نسيتَ يا رسولَ الله؟ قال: «كلٌّ لم يكنْ» فأقبلَ رسولُ الله ﷺ على الناس، فقالَ: «أصدقَ ذو اليدين؟» قالوا: نعم، فأتمَّ ما بقي من صلاتهِ، ولم يسجدْ سجدتي السَّهو حتّى يقَّنهُ الناسُ (١). ورواه عند ابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩ بالإسناد السابق وجاء في روايته: «فأتمَّ ما بقي منْ صلاتهِ ثمَّ سجدَ سجدتي السَّهو». فهذه الرواية منكرة لا تصح؛ والعلة فيها أن ما قدمناه من طرق عن الزهري فيها قول الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله ﷺ سجد يومئذ، وقد تقدمت مناقشة هذا القول، وهذا القول تفرد به محمد بن كثير ومثله لا يحتمل التفرد، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٦/ ٤٨٧ (٦١٦١) عن عبد الله بن أحمد أنَّه قال: «ذَكَرَ أبي محمدَ بنَ كثير فضعفه جداً، وضعف حديثه عن معمر جداً، وقال: هو منكر الحديث»، وقال: «يروي أشياء منكرة»، ونقل عن الجوهري عنه أنَّه قال فيه: «ليس بشيء، يحدث بأحاديث مناكير ليس لها أصل»، ونقل عن البخاري أنَّه قال فيه: «لين جداً»، وقال ابن عدي في "الكامل" ٧/ ٥٠١: «له روايات عن معمر والأوزاعي خاصة أحاديث عداد لا يتابعه عليه أحد»، ومن بيان سوء حال محمد بن كثير ما نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٩/ ٣٦٠ عن أبي حاتم أنه قال: «دفع إلي محمد بن كثير كتاباً من حديثه عن الأوزاعي فكان يقول في كل حديث منها حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، وهو محمد بن كثير». قلت: فيضاف إلى سوء حاله ضعفه عن الأوزاعي خاصة. إلا أنَّ محمد بن كثير قد توبع على روايته - بإثبات السجدتين- فقد تابعه مبشر بن إسماعيل الذي رواه عند أبي يعلى (٥٨٦٠) عن الأوزاعي، عن

стр. 1960

سعيد ابن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، به. وقد روي هذا الحديث مضطرباً من طريق الأوزاعي، عن الزهري والحمل فيه على الأوزاعي إذ رواه متصلاً ومرسلاً، قال الدارقطني في "العلل" ٩/ ٣٧٥ (١٨١٠): «يرويه الأوزاعي واختلف عنه … ». قلت: أما الطريق المرسل فأخرجه: ابن خزيمة (١٠٤١) بتحقيقي عن محمد بن يوسف - وهو الفريابي - (١). وقد ذكر الدارقطني في "العلل" ٩/ ٣٧٥ عقب (١٨١٠) أنَّ عمر بن عبد الواحد (٢) وابن أبي العشرين (٣) قد تابعا الفريابي. ثلاثتهم: (محمد، وعمر، وابن أبي العشرين) عن الأوزاعي، قال: حدثنا الزهري، قال: حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمان وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، به ولم يذكروا فيه أبا هريرة (٤) ﵁. وأما الطريق الموصول فقد أخرجه: ابن خزيمة (١٠٤٤) بتحقيقي من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الرحمان بن عمرو، قالَ: سألتُ الزهريَّ عن رجلٍ سها في صلاتهِ فتكلمَ، فقالَ: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله: أنَّ أبا هريرة (٥). بان الآن ضعف الحديث من طريق الزهري، وأنَّه لا يصح. والطريف في هذا الحديث أنَّه معلول باضطراب الزهري والأوزاعي فيه وهما من أكابر أهل العلم؛ فيكون سبب ضعف الحديث الرواة الثقات الحفاظ الذين ملؤوا الدنيا علماً، فسبحان الذي تفرد بالكمال وتعالى عن السهو والزلل.

стр. 1961

وانظر: " تحفة الأشراف " ٩/ ٣٥٦ (١٣١٨٠) و ٩/ ٣٦١ (١٣١٩٢) و ٩/ ٣٧٠ (١٣٢٢٢) و ١٠/ ٣٠٥ (١٤٨٦٠) و ١٠/ ٣٠٩ (١٤٨٦٩) و ١٠/ ٤٣٠ (١٥٢٢٨)، و"إتحاف المهرة" ١٤/ ٧٦٦ - ٧٦٧ (١٨٦٧١) و ١٦/ ١٣ (٢٠٢٩٤) و ١٦/ ٩٤ (٢٠٤٤١). وقد روي هذا الحديث من طرق عن أبي هريرة ﵁ فلم يذكر أحدٌ منهم ذا الشمالين، أو أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يسجدْ ذلكَ اليوم. فرواه مالك في " الموطأ " (٢٤٧) برواية الليثي و (٤٧٠) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريق مالك أخرجه: البخاري ١/ ١٨٣ (٧١٤) و ٢/ ٨٦ (١٢٢٨) و ٩/ ١٠٨ (٧٢٥٠)، وأبو داود (١٠٠٩)، والترمذي (٣٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٢ وفي "الكبرى "، له (٥٧٣) ط. العلمية و (٥٧٧) ط. الرسالة، والبيهقي ٢/ ٣٥٦. وسفيان بن عيينة عند أحمد ٢/ ٢٤٨، ومسلم ٢/ ٨٦ (٥٧٣) (٩٧)، وابن خزيمة (١٠٣٥) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٥٥)، والبيهقي ٢/ ٣٥٤. وحماد بن زيد عند مسلم ٢/ ٨٧ (٥٧٣) (٩٨)، وأبي داود (١٠٠٨) و (١٠١١)، وابن خزيمة (٨٦٠) بتحقيقي، وابن حبان (٢٦٨٨)، والبيهقي ٢/ ٣٥٧. والثقفي عند ابن حبان (٢٦٧٥). ومعمر عند عبد الرزاق (٣٤٤٧) ومن طريقه أحمد ٢/ ٢٨٤. خمستهم: (مالك، وسفيان، وحماد، والثقفي، ومعمر) عن أيوب (١). ورواه ابن عون عند أحمد ٢/ ٢٣٤، والبخاري ١/ ١٢٩ - ١٣٠ (٤٨٢)، وابن ماجه (١٢١٤)، والنسائي ٣/ ٢٠ - ٢٢ و ٢٦ وفي " الكبرى "، له (٥٧٤) ط. العلمية و (٥٧٨) ط. الرسالة، وابن خزيمة (١٠٣٥) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٥٣) و (٢٢٥٦)، والبغوي (٧٦٠).

стр. 1962

ويزيد بن إبراهيم عند البخاري ٢/ ٨٦ (١٢٢٩) و ٨/ ٢٠ (٦٠٥١). ثلاثتهم: (أيوب، وابن عون، ويزيد) عن محمد بن سيرين. وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٤٨) برواية الليثي و (٤٧١) برواية أبي مصعب الزهري، وأحمد ٢/ ٤٤٧ و ٤٥٩ و ٥٣٢، ومسلم ٢/ ٨٧ (٥٧٣) (٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٢ - ٢٣ وفي " الكبرى "، له (٥٧٥) ط. العلمية و (٥٧٩) ط. الرسالة، وابن خزيمة (١٠٣٧) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٥١)، والبيهقي ٢/ ٣٣٥ و ٣٥٨ - ٣٥٩، والبغوي (٧٥٩) من طريق أبي سفيان مولى أبي أحمد. وأخرجه: مسلم ٢/ ٨٧ (٥٧٣) (١٠٠)، والنسائي ٣/ ٢٣ من طريق أبي سلمة. وأخرجه: أبو داود (١٠١٦)، والنسائي ٣/ ٦٦ وفي " الكبرى "، له (٥٦٩) و (٥٧٠) ط. العلمية و (٥٧٣) و (٥٧٤) ط. الرسالة، وابن حبان (٢٦٨٧) من طريق ضمضم بن جوس. أربعتهم: (محمد، وأبو سفيان، وأبو سلمة، وضمضم) عن أبي هريرة ﵁، قالَ: صلى النبيُّ ﷺ إحدى صلاتي العَشيِّ - قال محمدٌ: وأكثر ظني العصرَ- ركعتين، ثُمَّ سلَّمَ، ثَّم قامَ إلى خَشَبةٍ في مُقدَّمِ المسجد، فوضعَ يده عليها، وفيهمْ أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ فهابا أنْ يُكلماهُ، وخرجَ سَرَعانُ (١) الناس، فقالوا: أَقُصِرَت (٢) الصلاةُ؟ ورجلٌ يدعوه النبي ﷺ ذو (٣) اليدين،

стр. 1963

فقالَ: أنسيتَ أمْ قصرت، فقال: «لم أُنسَ ولم تُقصَرْ» قال: بلى قد نسيتَ، فصَلى ركعتَين، ثمَّ سلَّم ثمَّ كبّرَ، فسجدَ مثلَ سجوده أو أطولَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ فكبّرَ، ثمَّ وضعَ رأسَهُ فكبّر، فسجدَ مثلَ سجودهِ أو أطولَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ وكبرَ (١). وانظر: "تحفة الأشراف" ٩/ ٤٨٢ (١٣٥١٤) و ١٠/ ١٦٢ (١٤٤١٥) و ١٠/ ١٧١ (١٤٤٣٩) و ١٠/ ١٨٢ (١٤٤٦٩) و ١٠/ ٣٤٣ (١٤٩٤٤) و ١٠/ ٤٧٢ (١٥٣٧٦) و ١٥/ ٥٢٤ - ٥٢٧ (١٩٨١٨). وقد ينفرد الراوي في حديث سنداً ومتناً، ثم تختلف النقلة عنه في متن الحديث بألفاظ لا يمكن الجمع بينها فتختلف أنظار الباحثين في الترجيح أو الإعلال والتصحيح، وقد يُتوقف في ذلك، مثاله ما روى أبو إسحاق الشيباني - وهو سليمان بن أبي (٢) سليمان -، عن ابن أبي أوفى: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن نَبيذِ الجَرِّ (٣) الأَخْضَرِ. هذا الحديث ورد بأسانيد كلها صحيحة، إلا أنَّ الاضطراب وقع في لفظ المتن فروي بعدة ألفاظ، وقد تفرد به أبو إسحاق - فيما أعلم -، عن ابن أبي أوفى فروي عنه من عدة أوجه: فأخرجه: الطيالسي (٨١٤)، وعلي بن الجعد في " مسنده " (٧٢٨) ط. الفلاح و (٧٠٦) ط. العلمية، وأحمد ٤/ ٣٥٣ و ٣٥٦ و ٣٨٠، والنسائي ٨/ ٣٠٤ وفي " الكبرى، له (٥١٣١) ط. العلمية و (٥١١١) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٢٦ وفي ط. العلمية (٦٣٨١) و (٦٣٨٢) من طريق شعبة. وأخرجه: عبد الرزاق (١٦٩٢٨)، ومن طريقه أحمد ٤/ ٣٥٣ و ٣٥٦ عن سفيان الثوري.

стр. 1964

وأخرجه: أحمد ٤/ ٣٥٣ من طريق الأعمش. وأخرجه: ابن حبان (٥٤٠٢) من طريق أبي عوانة. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٤١٦١) من طريق علي بن مسهر. خمستهم: (شعبة، والثوري، والأعمش، وأبو عوانة، وعلي بن مسهر) رووه عن أبي إسحاق سليمان الشيباني، عن ابن أبي أوفى، قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر (١). قال: قلت: فالأبيض؟ قال: لا أدري. وأخرجه: البزار (٣٣٢٦) من طريق أبي معاوية، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه نهى عن نبيذ الجر. قلت: أي جر؟ قال: لا أدري. وأخرجه: البزار (٣٣٢٧) من طريق التيمي (٢)، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى، عن النبيِّ ﷺ ، بنحوه. وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٥٤٩) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٦/ ١٧٩ وفي ط. الوفاء ٧/ ٤٤٠ - ٤٤١، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٣٠٩ وفي "المعرفة "، له (٥٢٣٨) ط. العلمية و (١٧٤٠٦) ط. الوعي. وأخرجه: الحميدي (٧١٥). كلاهما: (الشافعي، والحميدي) قالا: أخبرنا سفيان - وهو ابن عيينة - عن أبي إسحاق - وهو سليمان بن أبي سليمان الشيباني -، عن ابن أبي أوفى، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر، والأبيض، والأحمر (٣).

стр. 1965

وزيادة: «والأحمر» تفرد بها ابن عيينة، عن الشيباني. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ١٠/ ٧٨ عقب (٥٥٩٦) في تنبيه على رواية سفيان هذه: «فإن كان محفوظاً ففي الأول اختصار». وأخرجه: النسائي ٨/ ٣٠٨ وفي " الكبرى "، له (٥١٣٢) ط. العلمية و (٥١١٢) ط. الرسالة من طريق سفيان بن عيينة بنفس الإسناد السابق إلا أنَّه قال: الأخضر والأبيض ولم يذكر الأحمر. وأخرجه: البخاري ٧/ ١٣٩ (٥٥٩٦)، والبيهقي ٨/ ٣٠٩ من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمان الشيباني، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: نهى النَّبيُّ ﷺ عن الجر الأخضر، قلت: أنشرب في الأبيض؟ قال: لا. قلتُ: واختلاف هذه الروايات قد لا يُشكِّل اضطراباً يرد بموجبه هذا الحديث عند البعض، وذلك لإمكانية الجمع بين هذه الروايات، فالراجح أنَّ ابن أبي أوفى أو أبا إسحاق قد حدّثا به على وجه التوسع والاختصار، وهذا واضحٌ جليٌّ، لا سيما في رواية سفيان وإلى ذلك ألمح ابن حجركما قدمناه، ولكلٍ من هذه الوجوه ما يرجحها، والله أعلم. ولكن في قلبي منه شيء، فإنَّ رواية الجماعة خصت نبيذ الجر الأخضر بالنهي، وعبارة: «لا أدري» كانت جواباً لسؤال عن الجر الأبيض نافياً علمه بذلك، وأما في رواية أبي معاوية فإنَّ عبارة: «لا أدري» كانت جواباً لكل أنواع الجرار، وجاءت عبارة سفيان لتحمل زائد اختلاف، فجاء النهي فيها عن كل أنواع الجرار، وفي الوقت نفسه نفى ابن أبي أوفى علمه عن حال الجر الأبيض في رواية الجماعة، فإنَّ رواية سفيان جاءت على نحو مخالف لرواية الجماعة، بل وأغرب فيها سفيان عن ستة من الرواة بزيادة (الأحمر)، وقد تكون زيادة (الأحمر) من الشافعي ﵀؛ لأنَّ سفيان روى هذا الحديث عند غيره فلم يذكر فيه هذه العبارة. وإن صح هذا التحليل فتقبل زيادته؛ لأن عدد من خالفهم ليس مما يحيل القلب لوهمه، ولأن من خالفهم دونه في قوة الحفظ وثقابة الذهن وانتشار الصيت، ولأننا نهاب رد زيادته.
следующие страницы →