وانظر: " تحفة الأشراف " ٩/ ٣٥٦ (١٣١٨٠) و ٩/ ٣٦١ (١٣١٩٢) و ٩/ ٣٧٠ (١٣٢٢٢) و ١٠/ ٣٠٥ (١٤٨٦٠) و ١٠/ ٣٠٩ (١٤٨٦٩) و ١٠/ ٤٣٠ (١٥٢٢٨)، و"إتحاف المهرة" ١٤/ ٧٦٦ - ٧٦٧ (١٨٦٧١) و ١٦/ ١٣ (٢٠٢٩٤) و ١٦/ ٩٤ (٢٠٤٤١).
وقد روي هذا الحديث من طرق عن أبي هريرة ﵁ فلم يذكر أحدٌ منهم ذا الشمالين، أو أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يسجدْ ذلكَ اليوم.
فرواه مالك في " الموطأ " (٢٤٧) برواية الليثي و (٤٧٠) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريق مالك أخرجه: البخاري ١/ ١٨٣ (٧١٤) و ٢/ ٨٦ (١٢٢٨) و ٩/ ١٠٨ (٧٢٥٠)، وأبو داود (١٠٠٩)، والترمذي (٣٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٢ وفي "الكبرى "، له (٥٧٣) ط. العلمية و (٥٧٧) ط. الرسالة، والبيهقي ٢/ ٣٥٦.
وسفيان بن عيينة عند أحمد ٢/ ٢٤٨، ومسلم ٢/ ٨٦ (٥٧٣)(٩٧)، وابن خزيمة (١٠٣٥) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٥٥)، والبيهقي ٢/ ٣٥٤.
وحماد بن زيد عند مسلم ٢/ ٨٧ (٥٧٣)(٩٨)، وأبي داود (١٠٠٨) و (١٠١١)، وابن خزيمة (٨٦٠) بتحقيقي، وابن حبان (٢٦٨٨)، والبيهقي ٢/ ٣٥٧.
والثقفي عند ابن حبان (٢٦٧٥).
ومعمر عند عبد الرزاق (٣٤٤٧) ومن طريقه أحمد ٢/ ٢٨٤.
خمستهم: (مالك، وسفيان، وحماد، والثقفي، ومعمر) عن أيوب (١).
ورواه ابن عون عند أحمد ٢/ ٢٣٤، والبخاري ١/ ١٢٩ - ١٣٠ (٤٨٢)، وابن ماجه (١٢١٤)، والنسائي ٣/ ٢٠ - ٢٢ و ٢٦ وفي " الكبرى "، له (٥٧٤) ط. العلمية و (٥٧٨) ط. الرسالة، وابن خزيمة (١٠٣٥) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٥٣) و (٢٢٥٦)، والبغوي (٧٦٠).
стр. 1962
ويزيد بن إبراهيم عند البخاري ٢/ ٨٦ (١٢٢٩) و ٨/ ٢٠ (٦٠٥١).
ثلاثتهم: (أيوب، وابن عون، ويزيد) عن محمد بن سيرين.
وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٤٨) برواية الليثي و (٤٧١) برواية أبي مصعب الزهري، وأحمد ٢/ ٤٤٧ و ٤٥٩ و ٥٣٢، ومسلم ٢/ ٨٧ (٥٧٣)(٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٢ - ٢٣ وفي " الكبرى "، له (٥٧٥) ط. العلمية و (٥٧٩) ط. الرسالة، وابن خزيمة (١٠٣٧) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٥١)، والبيهقي ٢/ ٣٣٥ و ٣٥٨ - ٣٥٩، والبغوي (٧٥٩) من طريق أبي سفيان مولى أبي أحمد.
وأخرجه: مسلم ٢/ ٨٧ (٥٧٣)(١٠٠)، والنسائي ٣/ ٢٣ من طريق أبي سلمة.
وأخرجه: أبو داود (١٠١٦)، والنسائي ٣/ ٦٦ وفي " الكبرى "، له (٥٦٩) و (٥٧٠) ط. العلمية و (٥٧٣) و (٥٧٤) ط. الرسالة، وابن حبان (٢٦٨٧) من طريق ضمضم بن جوس.
أربعتهم: (محمد، وأبو سفيان، وأبو سلمة، وضمضم) عن أبي هريرة ﵁، قالَ: صلى النبيُّ ﷺ إحدى صلاتي العَشيِّ - قال محمدٌ: وأكثر ظني العصرَ- ركعتين، ثُمَّ سلَّمَ، ثَّم قامَ إلى خَشَبةٍ في مُقدَّمِ المسجد، فوضعَ يده عليها، وفيهمْ أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ فهابا أنْ يُكلماهُ، وخرجَ سَرَعانُ (١) الناس، فقالوا: أَقُصِرَت (٢) الصلاةُ؟ ورجلٌ يدعوه النبي ﷺ ذو (٣) اليدين،
стр. 1963
فقالَ: أنسيتَ أمْ قصرت، فقال: «لم أُنسَ ولم تُقصَرْ» قال: بلى قد نسيتَ، فصَلى ركعتَين، ثمَّ سلَّم ثمَّ كبّرَ، فسجدَ مثلَ سجوده أو أطولَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ فكبّرَ، ثمَّ وضعَ رأسَهُ فكبّر، فسجدَ مثلَ سجودهِ أو أطولَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ وكبرَ (١).
وانظر: "تحفة الأشراف" ٩/ ٤٨٢ (١٣٥١٤) و ١٠/ ١٦٢ (١٤٤١٥) و ١٠/ ١٧١ (١٤٤٣٩) و ١٠/ ١٨٢ (١٤٤٦٩) و ١٠/ ٣٤٣ (١٤٩٤٤) و ١٠/ ٤٧٢ (١٥٣٧٦) و ١٥/ ٥٢٤ - ٥٢٧ (١٩٨١٨).
وقد ينفرد الراوي في حديث سنداً ومتناً، ثم تختلف النقلة عنه في متن الحديث بألفاظ لا يمكن الجمع بينها فتختلف أنظار الباحثين في الترجيح أو الإعلال والتصحيح، وقد يُتوقف في ذلك، مثاله ما روى أبو إسحاق الشيباني - وهو سليمان بن أبي (٢) سليمان -، عن ابن أبي أوفى: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن نَبيذِ الجَرِّ (٣) الأَخْضَرِ.
هذا الحديث ورد بأسانيد كلها صحيحة، إلا أنَّ الاضطراب وقع في لفظ المتن فروي بعدة ألفاظ، وقد تفرد به أبو إسحاق - فيما أعلم -، عن ابن أبي أوفى فروي عنه من عدة أوجه:
فأخرجه: الطيالسي (٨١٤)، وعلي بن الجعد في " مسنده " (٧٢٨) ط. الفلاح و (٧٠٦) ط. العلمية، وأحمد ٤/ ٣٥٣ و ٣٥٦ و ٣٨٠، والنسائي ٨/ ٣٠٤ وفي " الكبرى، له (٥١٣١) ط. العلمية و (٥١١١) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٢٦ وفي ط. العلمية (٦٣٨١) و (٦٣٨٢) من طريق شعبة.
وأخرجه: عبد الرزاق (١٦٩٢٨)، ومن طريقه أحمد ٤/ ٣٥٣ و ٣٥٦ عن سفيان الثوري.
стр. 1964
وأخرجه: أحمد ٤/ ٣٥٣ من طريق الأعمش.
وأخرجه: ابن حبان (٥٤٠٢) من طريق أبي عوانة.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٤١٦١) من طريق علي بن مسهر.
خمستهم: (شعبة، والثوري، والأعمش، وأبو عوانة، وعلي بن مسهر) رووه عن أبي إسحاق سليمان الشيباني، عن ابن أبي أوفى، قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر (١). قال: قلت: فالأبيض؟ قال: لا أدري.
وأخرجه: البزار (٣٣٢٦) من طريق أبي معاوية، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه نهى عن نبيذ الجر. قلت: أي جر؟ قال: لا أدري.
وأخرجه: البزار (٣٣٢٧) من طريق التيمي (٢)، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى، عن النبيِّ ﷺ ، بنحوه.
وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٥٤٩) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٦/ ١٧٩ وفي ط. الوفاء ٧/ ٤٤٠ - ٤٤١، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٣٠٩ وفي "المعرفة "، له (٥٢٣٨) ط. العلمية و (١٧٤٠٦) ط. الوعي.
وأخرجه: الحميدي (٧١٥).
كلاهما: (الشافعي، والحميدي) قالا: أخبرنا سفيان - وهو ابن عيينة - عن أبي إسحاق - وهو سليمان بن أبي سليمان الشيباني -، عن ابن أبي أوفى، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر، والأبيض، والأحمر (٣).
стр. 1965
وزيادة: «والأحمر» تفرد بها ابن عيينة، عن الشيباني.
قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ١٠/ ٧٨ عقب (٥٥٩٦) في تنبيه على رواية سفيان هذه: «فإن كان محفوظاً ففي الأول اختصار».
وأخرجه: النسائي ٨/ ٣٠٨ وفي " الكبرى "، له (٥١٣٢) ط. العلمية و (٥١١٢) ط. الرسالة من طريق سفيان بن عيينة بنفس الإسناد السابق إلا أنَّه قال: الأخضر والأبيض ولم يذكر الأحمر.
وأخرجه: البخاري ٧/ ١٣٩ (٥٥٩٦)، والبيهقي ٨/ ٣٠٩ من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمان الشيباني، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: نهى النَّبيُّ ﷺ عن الجر الأخضر، قلت: أنشرب في الأبيض؟ قال: لا.
قلتُ: واختلاف هذه الروايات قد لا يُشكِّل اضطراباً يرد بموجبه هذا الحديث عند البعض، وذلك لإمكانية الجمع بين هذه الروايات، فالراجح أنَّ ابن أبي أوفى أو أبا إسحاق قد حدّثا به على وجه التوسع والاختصار، وهذا واضحٌ جليٌّ، لا سيما في رواية سفيان وإلى ذلك ألمح ابن حجركما قدمناه، ولكلٍ من هذه الوجوه ما يرجحها، والله أعلم.
ولكن في قلبي منه شيء، فإنَّ رواية الجماعة خصت نبيذ الجر الأخضر بالنهي، وعبارة: «لا أدري» كانت جواباً لسؤال عن الجر الأبيض نافياً علمه بذلك، وأما في رواية أبي معاوية فإنَّ عبارة: «لا أدري» كانت جواباً لكل أنواع الجرار، وجاءت عبارة سفيان لتحمل زائد اختلاف، فجاء النهي فيها عن كل أنواع الجرار، وفي الوقت نفسه نفى ابن أبي أوفى علمه عن حال الجر الأبيض في رواية الجماعة، فإنَّ رواية سفيان جاءت على نحو مخالف لرواية الجماعة، بل وأغرب فيها سفيان عن ستة من الرواة بزيادة (الأحمر)، وقد تكون زيادة (الأحمر) من الشافعي ﵀؛ لأنَّ سفيان روى هذا الحديث عند غيره فلم يذكر فيه هذه العبارة. وإن صح هذا التحليل فتقبل زيادته؛ لأن عدد من خالفهم ليس مما يحيل القلب لوهمه، ولأن من خالفهم دونه في قوة الحفظ وثقابة الذهن وانتشار الصيت، ولأننا نهاب رد زيادته.
стр. 1966
وانظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ١٥٧ (٥١٦٦)، و"جامع المسانيد" ٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (٥١٢٦) و (٥١٢٧)، و"أطراف المسند" ٣/ ٣٢٠ (٤٠١٧)، و"إتحاف المهرة" ٦/ ٥١٩ (٦٩١٤).
وكثيراً ما يضطرب الضعيف في متن الحديث، وربما أتى بحديث واحد بلفظين متعارضين مثاله: روى شريكٌ، عن أبي حمزة، عن الشعبيِّ، عن فاطمةَ بنت قيس أنَّها سمعتْهُ - تعني: النبيَّ ﷺ يقولُ: «ليسَ في المالِ حقٌ سِوى الزكاة».
أخرجه: ابن ماجه (١٧٨٩)، والطبري في " التفسير " (٢٠٨٧) … ط. الفكر و ٣/ ٨٠ ط. عالم الكتب من طريق يحيى بن آدم، عن شريك، بهذا الإسناد.
أقول: هذا حديث ضعيف؛ فيه أبو حمزة - وهو ميمون الأعور - قال عنه يحيى بن معين فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٢٦٩ (١٠٦١): «ليس بشيء»، وقال أحمد بن حنبل في " الجامع في العلل " ٢/ ١٢٩ (١١٦٣): «ضعيف الحديث»، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" ٧/ ٢٢٠ (١٤٧٧) وفي " الضعفاء الصغير "، له (٣٥٢): «ليس بذاك»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٥٨١): «ليس بثقة»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون (٥٢٨)(١).
وزيادة على ضعف أبي حمزة، فإنَّه قد اضطرب فيه؛ إذ رواه عنه عدة رواة بلفظ مغاير. إذ أخرجه: الدارمي (١٦٣٧)، والترمذي (٦٦٠)، والطبراني في " الكبير " ٢٤/ (٩٧٩) من طريق محمد بن الطفيل (٢).
وأخرجه: الترمذي (٦٥٩)، والبيهقي ٤/ ٨٤ من طريق الأسود بن عامر (٣).
стр. 1967
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٥/ ١٩، والدارقطني ٢/ ١٢٤ … ط. العلمية و (٢٠١٦) ط. الرسالة من طريق بِشْر بن الوليد (١).
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢٠٨٩) ط. الفكر و ٣/ ٨٠ ط. عالم الكتب، والطحاوي في " شرح معاني الآثار" ٢/ ٢٧ وفي ط. العلمية (٢٩٧٠) من طريق أسد بن موسى (٢).
وأخرجه: ابن أبي حاتم في " تفسيره " ١/ ٢٨٨ (١٥٤٨)، وابن مردويه كما في " تفسير ابن كثير ": ٢٣٢ من طريق يحيى بن عبد الحميد (٣).
وأخرجه: ابن مردويه كما في " تفسير ابن كثير ": ٢٣٢ من طريق آدم بن أبي إياس.
ستتهم: (محمد، والأسود، وبشر، وأسد، ويحيى، وآدم) عن شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: سألتُ - أو سُئِلَ - النبيُّ ﷺ عن الزكاة فقال: «إنَّ في المالِ لَحقَّاً (٤) سوَى الزَّكَاةِ» ثُمَّ تلا هذه الآية التي في البقرة ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٥).
وتوبع شريك على هذا.
فأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٤/ (٩٨٠) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، بنحوه.
стр. 1968
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ٣١٤ وعزاه لابن المنذر.
قال الترمذي: «هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي هذا الحديث قوله. وهذا أصح».
وقال البيهقي: «فهذا الحديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فمن بعدهما من حفاظ الحديث، والذي يرويه أصحابنا: «ليس في المال حق سوى الزكاة» فلست أحفظ فيه إسناداً».
وقد روي الحديث من وجه آخر ليس فيه أبو حمزة.
أخرجه: الدارقطني ٢/ ١٢٤ ط. العلمية و (٢٠١٧) ط. الرسالة من طريق منصور بن أبي مزاحم (١)، عن شريك، عن رجل، عن عامر، بالإسناد السابق ولم يُسمِّ الرجل.
وهذا ضعيف؛ بسبب الرجل المبهم ولعله هو أبو حمزة نفسه، ولم يصرِّح أحد الرواة به لتعمية أمره.
وروي الحديث موقوفاً على الشعبي، ولا يصحّ، كما أشار الترمذي.
أخرجه: ابن أبي شيبة (١٠٦٢٠) عن ابن فضيل، عن بيان، عن عامر، قال: في المال حقٌ سوى الزكاة.
هذا الحديث ضعيف فيه بيان - وهو ابن بشر -: «مجهول» "التقريب" (٧٩٠).
إلا أنه ورد من طريق آخر.
فقد أخرجه: الطبري في " التفسير " (٢٠٨٥) ط. الفكر و ٣/ ٧٩ … ط. عالم الكتب من طريق إسماعيل بن سالم (٢)، عن الشعبي، به.
стр. 1969
وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٣١٤ وعزاه لعبد بن حميد.
قال الجصاص في " أحكام القرآن " ٣/ ٥٤٦ - ٥٤٧: «اختلف السلف في تأويله، فقال ابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد: هو حق سوى الزكاة واحد في المال. وقال ابن عباس: من أدى زكاة ماله فلا جُناح عليه أن لا يتصدق (١). وقال ابن سيرين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٢)(٣)، قال: الصدقة حق معلوم، وروى حجاج، عن الحكم، عن ابن عباس، قال: نَسختِ الزكاةُ كلَّ صدقةٍ».
قال المناوي في " فيض القدير " ٢/ ٥٩٩: ««إنَّ في المال لحقاً سِوى الزكاة» كفكاك الأسير وإطعام المضطر وسقي الظمآن وعدم منع الماء والملح والنار، وإنقاذ محترم أشرف على الهلاك ونحو ذلك، قال عبد الحق: فهذه حقوق قام الإجماع على وجوبها وإجبار الأغنياء عليها، فقول الضحاك: نسخت الزكاة كل حق مالي (٤) ليس في محله، وما تقرر من حمل الحقوق الخارجة عن الزكاة … ، قال الطيبي: والحق حقان: حق يوجبه الله على عباده، وحق يلتزمه العبد على نفسه الزكية الموقاة عن الشح الذي جبلت عليه».
وقال المناوي في " فيض القدير " ٥/ ٤٧٨ أيضاً: ««ليسَ في المالِ حقٌ سوى الزكاة» يعني: ليس فيه حق سواها بطريق الأصالة وقد يعرض ما يوجب فيه حقاً كوجود مضطر، فلا تناقض بينه وبين الخبر المار «إنَّ في المال حقاً سوى الزكاة» لما تقرر أنَّ ذلك ناظر إلى الأصل وذا ناظر إلى العوارض … وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث مضطرب المتن والاضطراب موجب للضعف؛ وذلك لأنَّ فاطمة روته عن المصطفى ﷺ بلفظ: «إنَّ في المال حقاً سوى الزكاة»، فرواه عنها الترمذي هكذا وروته بلفظ: «ليسَ في المال حقٌّ
стр. 1970
سوى الزكاة»، فرواه عنها ابن ماجه كذلك وتعقّبه (١)
الشيخ زكريا بأنَّ شرط الاضطراب عدم إمكان الجمع، وهو ممكن بحمل الأول على المستحب والثاني على الواجب أ. هـ».
قال ابن تيمية في " مجموعة الفتاوى " ٢٩/ ١٠٣: «ويعتقد الغالط منهم أنْ لا حق في المال سوى الزكاة أنَّ هذا عام، ولم يعلم أنَّ الحديث المروي في الترمذي عن فاطمة: «إنَّ في المال حقاً سوى الزكاة»، ومن قال بالأول أراد الحق المالي الذي يجب بسبب المال فيكون راتباً، وإلا فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ الله قد أوجب إيتاء المال في غير الزكاة المفروضة في مواضع، مثل الجهاد بالمال عند الحاجة، والحج بالمال، ونفقة الزوجة، والأقارب، والمماليك من الآدميين، والبهائم، ومثل ما يجب من الكفارات من عتق وصدقة، وهدي كفارات الحج، وكفارات الأيمان، والقتل وغيرها، وما يجب من وفاء النذور المالية إلى أمثال ذلك، بل المال مستوعب بالحقوق الشرعية الراتبة أو العارضة بسبب من العبد أو بغير سبب منه» (٢).
انظر: "تحفة الأشراف " ١٢/ ٢٣ (١٨٠٢٦)، و"إتحاف المهرة " ١٨/ ٣١ (٢٣٣٢٥)، و " التلخيص الحبير " ٢/ ٣٥٦ (٨٢٨).
стр. 1971
ومما اضطرب فيه راويه متناً وإسناداً، ولم يترجح شيء من الوجوه لانعدام المرجِّح ما روى ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أنَّ رسولَ الله ﷺ عرَّسَ (١) بأولات الجيْش (٢) ومعهُ عائشةُ، فانقطعَ عِقدٌ لها منْ جَزْع ظِفار (٣)، فحَبس الناسَ ابتغاءُ عِقدها ذلكَ حتّى أضاءَ الفجرُ، وليسَ معَ الناسِ ماءٌ، فتغيَّظَ عليها أبو بكْرٍ ﵁ وقال: حَبَسْتِ الناسَ وليسَ معهم ماءٌ، فأنزل الله تعالى ذِكْره على رسوله ﷺ رُخْصةَ التَّطهُّر بالصَّعيد الطيِّب، فقامَ المسلمونَ معَ رسول الله ﷺ فضَربوا بأيديهم إلى الأرض، ثُمَّ رفعوا أيديهم ولم يقبضوا منَ التراب شَيْئاً، فمسحُوا بها وجوههم وأيديَهُم إلى المناكِبِ ومنْ بطونِ أيديهم إلى الآباط (٤).
هذا الحديث ظاهره الصحة، إلا أنَّ الزهريَّ قد اضطرب فيه فرواه بطرق مختلفة.
فقد أخرجه: أحمد ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وأبو داود (٣٢٠)، ومن طريقه البيهقي في " المعرفة " (٣٢٠) ط. العلمية و (١٥٧١) ط. الوعي، وأخرجه: النَّسائيُّ ١/ ١٦٧ وفي " الكبرى "، له (٣٠٠) ط. العلمية و (٢٩٦) … ط. الرسالة، وابن الجارود (١٢١)، وأبو يعلى (١٦٢٩)، والطحاوي في … " شرح المعاني " ١/ ١١٠ وفي ط. العلمية (٦٣٨)، والشاشي (١٠٢٤)، والبيهقي ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩، والواحدي في " أسباب النزول " (١٧٦) بتحقيقي، والحازمي في " الاعتبار ": ٩٥ - ٩٦ ط. الوعي و (٥٠) ط. ابن حزم، وابن عبد البر في " التمهيد " ٧/ ١٦٩ و ١٧٨ من طريق صالح بن كَيْسان، عن الزهري، بهذا المتن.
стр. 1972
وأخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ١١١ وفي ط. العلمية (٦٤٣) من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵁، عن عمار بن ياسر، قال: كنَّا معَ رسولِ الله ﷺ في سفرِ، فهلكَ عقدٌ لعائشةَ ﵂، فطلبوه حتى أصبحوا، وليسَ معَ القوم ماءٌ، فنزلتِ الرخصةُ في التيممِ بالصعيدِ؛ فقامَ المسلمونَ، فضربوا بأيديهم إلى الأرضِ فمسحوا بها وجوهَهم، وظاهر أيديهم إلى المناكب، وباطنها إلى الآباط (١).
وهذه الرواية فيها زيادة: «وظاهر أيديهم».
وقد توبع صالح على الرواية الأولى.
فقد أخرجه: أبو يعلى (١٦٠٩) و (١٦٥٢) قال: حدثنا القواريريُّ، قال: حدثنا يوسف بن خالد، قال: حدثنا عبد الرحمان بن إسحاق، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: أنَّ عمار بن ياسر قال: تيمّمنا معَ رسول الله ﷺ فَمسحنا وجوهَنا وأيدينا إلى المناكبِ بالترابِ.
هذا إسناد تالفٌ، يوسف بن خالد السمتيُّ قال عنه البخاريُّ في "الضعفاء الصغير " (٤١٠): «سكتوا عنه»، ونقل المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٨/ ١٩١ (٧٧٢٩) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ضعيف»، وقال أخرى: «كذاب، خبيث، عدو الله، رجل سوء»، وقال أخرى: «كذاب، زنديق، لا يكتب عنه»، ونقل عن عمرو بن علي قوله فيه: «يكذب».
وأخرجه: البزار (١٣٨٣) و (١٣٨٤)، وأبو يعلى (١٦٣٠)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ١١٠ وفي ط. العلمية (٦٣٧) من طريق ابن إسحاق، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، عن عمار بن ياسر، قالَ: كنتُ في القوم حينَ نزلت الرخصةُ في المسح بالصعيد إذا لم نجدِ الماءَ، قال: فضربنا ضربةً باليدينِ بالصعيد للوجه فمسحناهُ مسحةً واحدةً، قال: ثُمَّ ضربنا ضربةً أخرى لليدين فَمسحناهما بها إلى المنكبين ظهراً وبطناً.
стр. 1973
قلت: هاتان روايتان متحدتا المخرج، إلا أنَّهما افترقتا في المتن، فكما تقدم أنَّ الرواية الأولى - أعني: رواية صالح - جاء فيها التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين، في حين جاءت الرواية الثانية - أعني: رواية ابن إسحاق - بذكر ضربتين: الأولى للوجه، والثانية لليدين، وأيضاً جاءت الرواية الثانية بزيادة تفصيل المسح وذلك قوله: ظهراً وبطناً.
وقد روى الزهري هذا الحديث بإسناد آخر.
فأخرجه: الشافعي في " مسنده " (٨٦) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي في " المعرفة " (٣١٧) ط. العلمية و (١٥٦١) ط. الوعي.
وأخرجه: الحميديُّ (١٤٣)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٧٨)، والبزار (١٤٠٣)، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمّار بن ياسر، قال: تيمّمنا معَ النَّبيِّ ﷺ إلى المناكبِ (١).
وهذه رواية مختصرة.
قلت: وقد اختلف هذا الحديث على سفيان فكما تقدم أنَّه أسنده عن عبد الله بن عتبة، عن عمار، به.
وأخرجه: ابن ماجه (٥٦٦)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ١١١ وفي ط. العلمية (٦٤١) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، به.
وأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " (٥٣٦) من طريق الحميديِّ، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا الزهريُّ، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: تَيمّمنا إلى المناكب، موقوفاً.
قال ابن عبد البر في " التمهيد " ٧/ ١٧٩: «واضطرب ابن عيينة، عن الزهريِّ في هذا الحديث في إسناده ومتنه، وهذا الحديث عن عمّار في التيمم إلى
المناكب كان في حين نزول آية التيمم في قصة عائشة … ».
стр. 1974
قلت: هذا الاضطراب بينته الروايات المختلفة عن سفيان فيما بينه وبين الزهري، والرفع والوقف، وأما إسناده الحديث عن عبد الله بن عتبة، عن عمار فإنَّه توبع عليه.
فقد أخرجه: النَّسائيُّ ١/ ١٦٨ وفي " الكبرى "، له (٣٠١) ط. العلمية و (٢٩٧) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ١١٠ وفي … ط. العلمية (٦٣٩) و (٦٤٠)، والشاشي (١٠٤٢)، وابن حبان (١٣١٠)، والبيهقي ١/ ٢٠٨، وابن عبد البر في " التمهيد " ٧/ ١٧٨ من طريق مالك، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار بنحو رواية سفيان.
وأخرجه: أبو يعلى (١٦٣١) من طريق أبي أويس، عن الزهريِّ أنَّ عبيد الله أخبره، عن أبيه، عن عمار، به.
وقد ذهب أهل العلم إلى تصحيح الطريقين أعني: طريق (عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه) وطريق: (عبيد الله، عن عبد الله بن عباس) فقال النَّسائيُّ عقب (٣٠١): «وكلاهما محفوظ، والله أعلم».
وقد روي عن الزهري لون آخر.
فقد أخرجه: عبد الرزاق (٨٢٧)، ومن طريقه أحمد ٤/ ٣٢٠، ومن طريقه ابن عبد البر في " التمهيد " ٧/ ١٧٩. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أيضاً: أبو يعلى (١٦٣٢)، وابن المنذر في" الأوسط " (٥٣٥) عن معمر، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنَّ عمار بن ياسر … فذكره وذكر فيه ضربتين.
قلت: فبضرب هذا الطريق مع بقية طرق الحديث، يتبين للناظر الفهم اضطراب الزهريِّ في رواية الحديث، فإنَّه أسقط الوساطة فيما بين عبيد الله وعمار، فضلاً عن أنَّه عاد إلى جعل التيمم ضربتين، ثم إنَّ هذا الطريق معلول بالانقطاع؛ لأنَّ عبيد الله لم يسمع من عمار، قال المزي في " تحفة الأشراف " ٧/ ١٦٦ قبيل (١٠٣٦٣): «ولم يدركه، بينهما رجلٌ»، وقال في " تهذيب الكمال "، له ٥/ ٤٢ (٤٢٤٢) بعد أنْ ذكر عماراً ضمن شيوخ عبيد الله: «مرسل»، وقال الزيلعيُّ في " نصب الراية " ١/ ١٥٦: «وهو منقطع، فإنَّ عبيد الله بن عبد الله لم يدرك عمار بن ياسر».
стр. 1975
وقد روي هذا الحديث عن معمر من طريق آخر.
فأخرجه: الشافعي في " مسنده " (٨٧) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي في " المعرفة " (٣١٩) ط. العلمية و (١٥٦٦) ط. الوعي، والحازمي في "الاعتبار ": ٩٥ ط. الوعي و (٤٩) ط. ابن حزم، قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه (١)، عن عمار بن ياسر، قال: كُنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في سفرٍ فنزلتْ آيةُ التيمّمِ فتيمّمنا معَ النَّبيِّ ﷺ إلى المناكبِ.
قلت: الحديث بهذا الإسناد معلول سنداً ومتناً، وجهة إعلاله أنَّه فيه راوٍ مبهم وهو شيخ الشافعيِّ ﵀. وأما إعلال متنه فإنَّ الراويَ المبهم خالف عبد الرزاق في سوقه متن هذا الحديث، وذلك أنَّ عبد الرزاق ذكر فيه ضربتين في حين اختصره هذا الراوي فجعله ضربة واحدة ليزداد ضعف هذا الحديث على ما فيه من ضعف.
ورواه ابن أبي ذئب واختلف عليه.
فقد أخرجه: الطيالسي (٦٣٧)، ومن طريقه البيهقي ١/ ٢٠٨ عن ابن أبي ذئب، عن الزهريِّ، عن عبيد الله، عن عمار بن ياسر، قال: هلكَ عقدٌ لعائشة … فذكره، وجاء فيه قال عبيد الله: وكانَ عمار يحدث أنَّ الناس طفقوا يومئذٍ يمسحونَ بأَكُفِّهمُ الأرض فيمسحونَ وجوههم، ثُمَّ يعودونَ فيضربونَ ضربةً أخرى فيمسحونَ بها أيديهم إلى المناكبِ والآباط، ثمَّ يصلون.
قال البيهقي عقبه: «وكذلك رواه معمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، وجعفر بن برقان، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عمار، وحفظ فيه معمر ويونس ضربتين، كما حفظهما ابن أبي ذئب».
стр. 1976
قلت: وتوبع الطيالسي على هذه الرواية.
فقد أخرجه: أحمد ٤/ ٣٢٠ من طريق حجاج - وهو ابن محمد المصيصي-، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عمار بن ياسر أبي يقظان، قال: كُنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ فهلكَ عقدٌ لعائشةَ، فأقامَ رسول الله ﷺ حتَّى أضاء الفجرُ فتغيظَ أبو بكر على عائشةَ، فنزلتْ عليهم الرخصةُ في المسحِ بالصعداتِ، فدخلَ عليها أبو بكرٍ، فقال: إنَّك لمباركةٌ، لقد نزلَ علينا فيكِ رخصة فضربنا بأيدينا لوجوهنا وضربنا بأيدينا ضربةً إلى المناكبِ والآباط.
قلت: ومقتضى هذا النص: أنَّ الكلام هنا للصِّدِّيق ﵁، وأنَّ عماراً إنَّما ذكر الواقعة بتفاصيلها. إلا أنَّ الراجح أنَّ عماراً هو الذي روى قصة التيمم، وهو كذلك روى كيفية التيمم، وعلى هذا فَيُعَلُّ الحديث بوهم حجاجٍ فيه.
وخالفهما - أعني: الطيالسي، وحجاجاً - يزيد بن هارون فرواه: عند أبي يعلى (١٦٣٣)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ١١١ وفي ط. العلمية (٦٤٢)، والشاشي (١٠٤٠) عن ابن أبي ذئب، عن الزهريِّ، عن عبيد الله، عن عمار بن ياسر، قال: كُنَّا معَ رسول الله ﷺ في سفرٍ فهلكَ عقدٌ لعائشةَ، فطلبوهُ حتّى أصبحوا، وليس معَ القومِ ماءٌ، فنزلت الرخصةُ، فقامَ المسلمونَ فضربوا بأيديهم إلى الأرضِ، فمسحوا بها وجوههم وظاهر أيديهم وباطنها إلى الآباط.
مما تقدم يتبين أنَّ طريق ابن أبي ذئب مضطرب؛ لأنَّه رواه على ثلاثة أوجه: رواية ذكر فيها ضربة واحدة، ورواية ضربتين، ورواية أخرى جعل الراوي لتلك الحادثة الصديق ﵁، زيادة على أنَّ عامة الطرق منقطعة فيكون الحديث ضعيفاً لاضطرابه وانقطاعه.
وروي الحديث من طريق آخر.
أخرجه: ابن ماجه (٥٦٥) من طريق الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار بن ياسر أنَّه قال: سقطَ عقدُ عائشةَ
стр. 1977
فتخلفتْ لالتماسه، فانطلقَ أبو بكرٍ إلى عائشةَ فتغيَّظ عليها في حبسها الناسَ؛ فأنزلَ اللهُ الرخصةَ في التيمم. قالَ: فمسحنا يومئذٍ إلى المناكبِ، قالَ: فانطلقَ أبو بكرٍ إلى عائشة، فقال: ما علمتُ أنَّكِ لمباركةٌ.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٣٢١، وأبو داود (٣١٨)، وابن ماجه (٥٧١) من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، حدثه (١) عن عمَّار بن ياسر أنَّه كانَ يحدِّثُ أنَّهم تَمسحوا وهو معَ رسول الله ﷺ بالصعيدِ لصلاةِ الفجرِ، فضربوا بأَكُفِّهمُ الصعيدَ، ثُمَّ مسحوا وجوههم مسحةً واحدةً ثُمَّ عادوا فضربوا بأَكُفِّهمُ الصعيدَ مرةً أخرى، فمسحوا بأيديهم كلِّها إلى المناكبِ والآباط منْ بطونِ أيديهم.
قلتُ: منْ خلال ما تقدمَ يتبين أنَّ الرواة المعروفين بالرواية عن الزهريِّ اختلفوا في إسناد هذا الحديث، فمنهم من قال: عنه، عَنْ عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار، ومنهم من قال عنه، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، ومنهم من قال: عنه، عن عبيد الله، عن عمار ومنهم مَنْ أرسله، ومنهم من ذكر ضربةً واحدةً، ومنهم مَنْ ذكر ضربتين، فهذا الاختلاف يعدُّ من قرائن رد هذا الحديث، وحمل الاضطراب في ذلك على الزهريِّ، وأنَّ عامة الرواةِ اجتمعت قرائن قبول روايتهم عنه، وظهر ما يبرئ ساحتهم من الوهم والخلل، وقد حاول بعض أهل العلم تأويل هذا الحديث لرد ما اعتراه من اضطراب، قال الأثرم فيما نقله الزيلعيُّ في " نصب الراية " ١/ ١٥٦: «إنَّما حكى فيه فعلهم دون النَّبيِّ ﷺ كما حكى في الآخر: أنَّه أجنب فعلمه ﵇»، وقال ابن حبان عقب (١٣١٠): «كان هذا حيث نزل آية التيمم قبل تعليم النَّبيِّ ﷺ عماراً كيفية التيمم، ثمَّ علمه ضربةً واحدةً للوجه والكفين لما سأل عمار النَّبيَّ ﷺ عن التيمم».
стр. 1978
قلت: وهذا كلهُ يشكل عليه ما جاء في بعض الروايات: فقامَ المسلمونَ معَ رسولِ الله ﷺ فضربوا بأيديهم. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تضعيف هذا الحديث، فقال الزهريُّ فيما نقله أحمد ٤/ ٢٦٤، وأبو داود عقب (٣٢٠): «ولا يغتر (١) بهذا الناس»، وقال أبو داود عقبه: «وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه عن ابن عباس، وذكر ضربتين كما ذكر يونس. ورواه معمر، عن الزهريِّ ضربتين وقال مالك: عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمّار. وكذلك قال أبو أويس، عن الزهري، وشك فيه ابن عيينة قال مرةً: عن عبيد الله، عن أبيه أو عن عبيد الله، عن ابن عباس ومرةً قال: عن أبيه ومرةً قال: عن ابن عباس اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه عن الزهريِّ ولم يذكر أحدٌ منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سميت»، وقال الترمذي عقب (١٤٤): «فضعّف بعض أهل العلم حديث عمار، عن النَّبيِّ ﷺ في التيمم للوجه والكفين لما روى عنه حديث المناكب والآباط، قال إسحاق بن إبراهيم: حديث عمار في التيمم للوجه والكفين: هو حديث صحيح، وحديث عمار: تيممنا مع النبيِّ ﷺ إلى المناكب والآباط، ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأنَّ عماراً لم يذكر أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرهم بذلك، وإنَّما قال: فعلنا كذا وكذا. فلما سأل النَّبيَّ ﷺ أمره بالوجه والكفين، والدليل على ذلك: ما أفتى به عمار بعد النَّبيِّ ﷺ في التيمم أنَّه قال: الوجه والكفين، ففي هذا دلالة أنَّه انتهى إلى ما علمه النبيُّ ﷺ »، وقال البزار عقب (١٣٨٤): «وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار فتابع ابن إسحاق. ورواه غير واحد عن الزهريِّ، عن عبيد الله ولم يقل عن ابن عباس، عن عمار، ورواه بعض أصحاب الزهريِّ عن الزهريِّ، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار بغير هذا اللفظ»، وقال الطحاوي في " شرح معاني الآثار " عقب (٦٥٢): «فقد اضطرب علينا حديث عمار هذا، غير أنَّهم جميعاً قد نفوا أنْ يكون قد بلغ المنكبين
стр. 1979
والإبطين، فثبت بذلك انتفاء ما روي عنه في حديث عبيد الله، عن أبيه أو ابن عباس ﵄، وثبت أحد القولين الآخرين»، وقال ابن عبد البر في " التمهيد " ٧/ ١٧٩: «ورواه يونس، وابن أبي ذئب، ومعمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار ولم يقولوا، عن أبيه كما قال مالك، ولا قالوا عن ابن عباس كما قال صالح وابن إسحاق، وذكروا فيه ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المناكب والآباط، وكذلك ذكر فيه معمر ضربتين»، وقال في ٧/ ١٨٠: «أكثر الآثار المرفوعة عن عمار في هذا الحديث إنَّما فيها ضربة واحدة للوجه واليدين وكل ما يروى في هذا الباب عن عمار فمضطرب مختلف فيه … ».
قلت: وعلّق ابن رجب ﵀ على هذا الحديث بكلام نفيس؛ ولنفاسته أنقله بكامله إذ قال في " فتح الباري " ٢/ ٢٥١ - ٢٥٣: «وقد روي عن عمار أنَّهم تيمموا مع النَّبيِّ ﷺ إلى المناكب والآباط من رواية الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمار، قال: نزلتْ رخصةُ التَّطهر بالصعيدِ الطيبِ فقام المسلمونَ معَ رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من الترابِ شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكبِ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط. خرّجه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي. وقد اختلف في إسناده على الزهري، فقيل: عنه - كما ذكرنا- وقيل: عنه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار. كذا رواه عنه مالك وابن عيينة وصحَّح قولهما: أبو زرعة وأبو حاتمٍ الرازيان. وقيل: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار مرسلاً.
وهذا حديثٌ منكرٌ جداً لم يزل العلماء ينكرونه وقد أنكرهُ الزهريُّ راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس. ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وروي عن الزهريِّ أنَّه امتنع أنْ يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي عنه أنَّه قال: لا أدري ما هو؟ وروي عن مكحول أنَّه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنَّه امتنع أنْ يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسُئل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء، وقال أيضاً: اختلفوا في إسناده، وكان الزهريُّ يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه.
стр. 1980
وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان: أحدهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يعلِّم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنَّما فعلوه عند نزول الآية لظنهم أنَّ اليد المطلقة تشمل الكفين والذراعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطاً كما تمعّك عمارٌ بالأرض للجنابة، وظنّ أنَّ تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ثم بَيّنَ النَّبيُّ ﷺ التيمم بفعله وقوله: «التيمم للوجه والكفين»، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه ﷺ ومنهم عمارٌ راوي الحديث، فإنَّه أفتى أنَّ التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين، عن أبي مالك، عنه كما سبق، وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة.
والثاني: ما قاله الشافعيُّ: وأنَّه إن كان ذلك بأمر رسول الله ﷺ فهو منسوخ؛ لأنَّ عماراً أخبر أنَّ هذا أول تيمم كان حين نزلتْ آية التيمم، فكل تيمم كان للنَّبيِّ (١) ﷺ بعده مخالف له فهو له ناسخ، وكذا ذكر أبو بكر الأثرم (٢) وغيره من العلماء.
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهريِّ، أنَّه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه، وروي عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة أنَّ الزهريَّ قال: التيمم إلى الآباط. قال سعيد: ولا يعجبنا هذا.
قلت - القائل ابن رجب -: قد سبق عن الزهريِّ أنَّه أنكر هذا القول، وأخبر أنَّ الناس لا يعتبرون به، فالظاهر أنَّه رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته، والله أعلم» انتهى.
وحاصل ما تقدم يتلخص لنا من إعلال هذا الحديث أنَّ الوهم قد يكون طرأ للزهري من حديث الإفك، والله أعلم.
والحديث الثابت في صفة التيمم هو ما أخرجه: البخاري ١/ ٩٢ - ٩٣ (٣٣٨)، ومسلم ١/ ١٩٣ (٣٦٨)(١١٢) من طريق شعبة، عن ذر، عن سعيد بن
стр. 1981
عبد الرحمان بن أبزي، عن أبيه، قال: جاءَ رجلٌ إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنْبتُ فلم أُصبِ
الماءَ، فقال عمّار بن ياسر لعمرَ بنِ الخطابِ: أما تَذْكر أنَّا كنَّا في سَفَرِ أنا وأنتَ، فأمَّا أنتَ فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكْتُ، فصليتُ فذكرْتُ للنبيِّ ﷺ فقالَ النبيُّ ﷺ : «إنَّما كانَ يكفيكَ هكذا» فضربَ النبيُّ ﷺ بكفَّيه الأرضَ، ونفحَ فِيهما ثمّ مسحَ بها وجهَهُ وكفيه.
وانظر لتمام التخريج في " تحفة الأشراف " ٧/ ١٦٤ (١٠٣٦٢).
انظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ١٦٧ (١٠٣٥٧)، و " نصب الراية " ١/ ١٥٥ - ١٥٦، و" إتحاف المهرة " ١١/ ٧٢٩ (١٤٩٣٨)، و " أطراف المسند " ٥/ ١٠ (٦٥١٣).
مثال آخر لمضطرب المتن، وقد اضطرب راويه في إسناده أيضاً فقد روى أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت ابن عباس، يقول: ﴿حافظُوا على الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ (١) صلاةُ العصرِ.
أخرجه: ابن أبي شيبة (٨٦٩٠) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، به.
هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ أبا إسحاق اضطرب فيه سنداً ومتناً.
أما اضطرابه في السند فإنَّه رواه عن عمير بن سعيد كما تقدم.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٤٢٣١) ط. الفكر و ٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠ ط. عالم الكتب من طريق قيس - وهو ابن سليم العنبري (٢) -.
وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ٢٧٥ (١٠٧٠)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ١٧٤ وفي ط. العلمية (٩٩١) من طريق إسرائيل.
كلاهما: (قيس، و إسرائيل) عن أبي إسحاق، عن رزين بن عبيد (٣)، عن ابن عباس.
стр. 1982
وأخرجه: سعيد بن منصور (٤٠٣) (التفسير) من طريق أبي الأحوص، أراه عن أبي إسحاق، قال: حدثني من سمع ابن عباس.
وطريق أبي الأحوص ممكن أنْ يجاب عنه بأنَّه شك من شيخه الذي حدّثه بهذا الحديث، فقال: «أراه» فيكون حمل الاختلاف في إسناده عليه. ولكن بقي لنا طريقان وهما يوضحان أنَّ أبا إسحاق لم يضبط الوساطة التي بينه وبين ابن عباس.
أما اضطرابه في المتن فكما تقدم أنَّه رواه عن ابن عباس بلفظ التفسير، ورواه عنه تارة أخرى بلفظ القراءة.
فأخرجه: ابن أبي داود في " المصاحف " (٢١٠) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق: أنَّه سمع عمير بن يريم أنَّه سمع ابن عباس قرأ هذا الحرف: ﴿حافظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وصلاة العصرِ﴾.
وأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (١٧ - ٥٠) قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن رزين بن عبيد أنَّه سمع ابن عباس يقرؤها كذلك: ﴿والصلاة الوسطى صلاة العصر﴾.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٤٢٦١) ط. الفكر و ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦ ط. عالم الكتب، والبيهقي ١/ ٤٦٣ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة (١) بن يريم، عن ابن عباس بنحو رواية ابن أبي داود.
وهذا الطريق ليس بأفضل حال من سابقه، وأبو إسحاق تارة رواه عن عمير بن يريم وتارة عن هبيرة بن يريم، وتارة أعادهُ على رزين بن عبيد، فيكون الحديث معلولاً باضطراب أبي إسحاق فيه، وأنَّه لا يصح، والله أعلم.
وانظر: " إتحاف المهرة " ٧/ ٥٦ (٧٣٢٠).
مثال آخر لاضطراب المتن ما روى أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: قال عبد الله: إنَّ في كتاب اللهِ
стр. 1983
لآيتين ما أذنبَ عبدٌ ذنباً فقرأهما فاستغفرَ اللهَ إلا غفرَ لهُ: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ (١) وقوله: ﴿ومَنْ يعملْ سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً﴾ (٢).
أخرجه: سعيد بن منصور (٥٢٦) (التفسير)، ومن طريقه ابن المنذر في " التفسير " (٩٣٦)، والطبراني في " الكبير " (٩٠٣٥).
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٠١٥).
كلاهما: (سعيد، وابن أبي شيبة) عن أبي الأحوص، بهذا الإسناد.
هذا الإسناد ضعيف؛ فيه أبو إسحاق السَّبيعيُّ، وهو مشهور بالتدليس، ولم يصرّح بالسماع من علقمة ولا من الأسود، ثُمَّ إنَّ أبا إسحاق اختلف عليه متن هذا الحديث فكما تقدم أنَّه جعل الآيتين إحداهما من سورة آل عمران والأخرى من سورة النساء.
وأخرجه: عبد بن حميد في " تفسيره " (٣٩٢) فقال: أنبأنا عبد الملك ابن عمرو، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود وعلقمة، قالا: قال عبد الله: مَنْ قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء، ثُمَّ استغفرَ غُفرَ له: ﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً﴾ ﴿ولو أنهم إذ (٣) ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول﴾ (٤).
من خلال ما تقدم يتبين أنَّ أبا إسحاق جعل الآيتين تارة من سورة آل عمران وسورة النساء، وتارة من سورة النساء فقط، ولم يذكر آية آل عمران.
وقد روي هذا الحديث من غير طريق أبي إسحاق.
فأخرجه: الطبرانيُّ في " الكبير " (٩٠٧٠) من طريق جرير، عن ليث، عن أبي هبيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: إنَّ في القرآن لآيتين ما أذنبَ عبدٌ ذنباً ثُمَّ تلاهما واستغفر الله إلا غفر له، فسألوه عنهما فلم يخبرهم، فقال
стр. 1984
علقمةُ والأسود أحدهما لصاحبه: قُمْ بنا، فقاما إلى المنزل فأخذا المصحفَ فتصفّحا البقرةَ، فقالا: ما رأيناهما، ثُمَّ أخذا في النِّساء حتَّى انتهيا إلى هذه الآية: ﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً﴾ فقال: هذه واحدة، ثُمَّ تصفّحا آل عمران حتَّى انتهيا إلى قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا﴾ قالا: هذهِ أخرى، ثُمَّ طبقا المصحف، ثُمَّ أتيا عبد الله، فقالا: هما هاتان الآيتان؟ قالَ: نعم.
قال الهيثميُّ في " المجمع " ٧/ ١١ عقب ذكره لهذا الحديث: «وإسنادهُ جيدٌ، إلا أنَّ إبراهيم لم يدرك ابن مسعود».
قلت: بل إسناده ضعيف، فيه ليث وهو ابن أبي سليم، وقد تقدمت ترجمته على أنَّ إبراهيم - وهو النخعي - لم يدرك ابن مسعود (١). كما قال الهيثمي.
وروي من غير هذا الطريق.
فأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (٧ - ٤٨)، والطبراني في "مسند الشاميين " (١٤٤٤) من طريق محمد بن عبد الله الشعيثي، عن أبي الفرات مولى صفية أم المؤمنين: أنَّ عبد الله بن مسعود قال: في القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلمٌ عندَ ذنبٍ إلا غفرَ له، قال: فسمعَ بذلكَ رجلانِ منْ أهلِ البصْرة فَأَتياهُ فقالَ: ائتيا (٢) أبيَّ بن كعبٍ، فإنني لمْ أسمعْ منْ رسول الله ﷺ فيهما شيئاً إلا وقد سمعه أُبيُّ، قال: فأتيا أُبيَّ بن كعب، فقالَ لهما: اقرءا القرآنَ فإنَّكما ستجدانهما فقرءا حتى بلغا آل عمران: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ وقوله: ﴿ومَنْ يعملْ سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً﴾ فقالا: قدْ وجدْناهما، فقال أُبيٌّ: أين؟ فقالا: في آل عمران والنِّساء،
стр. 1985
فقال: إنَّهما هما (١).
وهذا إسناد ضعيف؛ أبو الفرات لم أقف له على ترجمة إلا في " تاريخ دمشق " ٧١/ ٩٨ ولم ينقل فيه جرحاً ولا تعديلاً. زد على ذلك زيادات هذه الرواية على سابقاتها.
مثال آخر لما اضطرب راويه في متنه وإسناده ما روى سفيان بن عيينة، عن مِسْعر - وهو ابن كدام -، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «ليسَ على الأَمَةِ حدٌّ حتّى تحصنَ، فإذا أُحصنتْ بزوجٍ فعليها نصفُ ما على المحصناتِ».
هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه معلول باختلاف سفيان فيه رفعاً ووقفاً، فضلاً عن بعض الاختلاف في إسناده.
فقد رواه عبد الله بن عمران العابدي عند الطبراني في " الأوسط " (٤٨١) ط. الحديث و (٤٧٨) ط. العلمية و (٣٨٣٤) كلتا الطبعتين، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (٦٧٣)، ومن طريقه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (١٣٢٧)، والضياء المقدسي في " المختارة " ١٠/ ٣٢٨ (٣٥٣) و ١٠/ ٣٢٩ (٣٥٥) بالإسناد أعلاه مرفوعاً.
وخولف العابدي إذ رواه عن سفيان، سعيد بن منصور (٦١٦) … (التفسير)، ومن طريقه البيهقيُّ ٨/ ٢٤٣ بالإسناد أعلاه موقوفاً.
قلت: ونظرة فاحصة في حال الراويين المختلفين على سفيان نجد أنَّ عبد الله بن عمران العابدي صدوق (٢)، وأنَّ سعيد بن منصور ثقة مُصنِّف (٣)، ولا شك في رجحان رواية سعيد على رواية نظيره لعلو كعبه في هذا الشأن.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إعلال الرواية المرفوعة بعبد الله بن عمران، فقال الطبرانيُّ: «لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا عبد الله بن عمران العابدي»، وقال ابن شاهين عقبه: «وأحسب أنَّ هذا الحديث ناسخ
стр. 1986
للأول (١)، وحديث مسعر قد عُلِّل وقيل: إنَّه روي موقوفاً على ابن عباس، ولم أعلم أحداً أسنده إلا عبد الله بن عمران العابدي، والله أعلم»، وقال فيما نقله ابن الجوزي في " العلل " عقب (١٣٢٧): «قد قيل: إنَّ هذا الحديث موقوف على ابن عباس، ولا نعلم أحداً جوّده غير عبد الله بن عمران»، وقال ابن حجر في " فتح الباري " ١٢/ ١٩٩ بُعيد (٦٨٣٦): «وسنده حسن لكنْ اختلف في رفعه ووقفه، والأرجح وقفه، وبذلك جزم ابن خزيمة وغيره … ».
وتعقّب ﵀ ابنَ شاهين فيما ذهب إليه، فقال: «وادعى ابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ ": أنَّه منسوخ بحديث الباب، وتُعقّب بأنَّ النسخ يحتاج إلى تاريخ وهو لم يعلم … ».
فهذا الذي قدمناه يرجح أنَّ العابدي وهم في رفع هذا الحديث، وأنَّ الصواب وقفه، إلا أنَّ سفيان قد اضطرب في رواية هذا الحديث فرواه على خمسة أوجه.
الأول: ما أخرجه: عبد الرزاق (١٣٦١٩) عنه، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والثاني: ما أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٨٧٥٤) عنه، عن حبيب، عن ابن عباس.
والثالث: ما أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٨٧٥٧)، والبيهقي ٨/ ٢٤٣ عنه، عن عمرو بن مرة، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والرابع: ما أخرجه: سعيد بن منصور (٦١٦) (التفسير) عنه، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
стр. 1987
والخامس: ما أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٨٨٥٤) عنه، عن منصور، عن مجاهد.
هذا الاختلاف من جهة السند. وطريق ابن عيينة معلول من جهتين أخريين:
الأولى: أنَّ ابن أبي شيبة أخرجه: (٢٨٧٥٤) من طريق وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قوله.
وهذا الطريق صحيح وهو يعل الطرق السابقة، ومن جهة أخرى فإنَّ المحفوظ عن ابن عباس أنَّه فسر الإحصان، وليس حد الأمة.
فقد أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٢٣١) ط. الفكر و ٦/ ٦١١ … ط. عالم الكتب عن المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس قوله: «فإذا أحصنَّ» يقول: إذا تزوجنَ حراً.
وأخرجه: أيضاً الطبري في " تفسيره " (٧٢٣١) ط. الفكر و ٦/ ٦١١ ط. عالم الكتب، والبيهقي ٨/ ٢٤٣ من طريق هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه.
وأخرجه: الطبري أيضاً (٧٢٣١) ط. الفكر و ٦/ ٦١١ ط. عالم الكتب من طريق ابن حميد (١)، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة: أنَّ ابن عباس كان يقرأ: «فإذا أحصنَّ» يقول: تزوجنَ.
وأخرجه: ابن أبي حاتم في " التفسير " ٣/ ٩٢٣ (٥١٥٨) عن عبيد الله ابن إسماعيل البغدادي، قال: حدثنا خلف - أي: ابن هشام - قال: حدثنا الخفاف، عن هارون، عن أبان بن تغلب، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.
أقول: من خلال ما تقدم يتبين أن الصواب تفسير ابن عباس لآية
стр. 1988
الإحصان بينما آية الإحصان من قول سعيدِ بنِ جبيرٍ، وسفيانُ قد دخل عليه الوهم لشهرة رواية سعيد، عن ابن عباس، والله أعلم.
وقد يُختلف على الراوي سنداً ومتناً، فيزول ذلك الاختلاف بترجيح الطريق الصواب، ويزول الاختلاف في المتن بترجيح المتن الصواب، فينتفى عن الحديث مسمى الاضطراب، مثاله ما روى الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبد خير، عن عليٍّ، قال: كنتُ أرى أنَّ باطنَ القدمينِ أحقُّ بالمسْحِ منْ ظاهرهما، حتَّى رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ على ظاهرهما.
هذا الحديث رواه أبو إسحاق السبيعيُّ واختلف عليه سنداً ومتناً.
أما اختلاف السند.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (١٨٣)، وأحمد ١/ ٩٥، وعبد الله بن أحمد في "زياداته" ١/ ١١٤ و ١٢٤، وأبو يعلى (٣٤٦) و (٦١٣) من طريق وكيع بن الجراح.
وأخرجه: أبو داود (١٦٣)، والبيهقيُّ ١/ ٢٩٢ من طريق يزيد بن عبد العزيز (١).
وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٩٠٦)، وأبو داود (١٦٢) و (١٦٤)، والبزار (٧٨٨)، وابن المنذر في " الأوسط " كما في " مسند علي " ٥/ ١٨٠٢، والدارقطنيُّ ١/ ١٩٨ و ٢٠٤ ط. العلمية و (٧٦٩) و (٧٧٠) … و (٧٨٣) ط. الرسالة، والبيهقيُّ ١/ ٢٩٢ وفي " المدخل " (٢١٩) وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٧٦) و (٤٤٤) ط. العلمية و (٦٧٣) و (٢٠٧٩) … ط. الوعي، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٣٩٧، والبغويُّ (٢٣٩) من طريق حفص بن غياث (٢).
стр. 1989
وأخرجه: ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " كما في " مسند علي " ٥/ ١٨٠٠، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (١١٩) ط. العلمية و (١١٨) … ط. الرسالة، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه " (١٢٢)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء " ١٣/ ٣٠٠ من طريق عيسى بن يونس (١).
وأخرجه: البزار (٧٨٩) من طريق محاضر بن المورع (٢).
خمستهم: (وكيع، ويزيد، وحفص، وعيسى، ومحاضر) عن الأعمش، بهذا الإسناد.
وخالفهم إسماعيل بن عمرو البجلي، فرواه عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. ذكره الدارقطني في … " العلل " ٤/ ٤٤ (٤٢٤) وقال عقبه: «وهم في قوله: الحارث» (٣).
وتوبع الأعمش على الرواية الأولى.
فأخرجه: أحمد ١/ ١٤٨، والدارميُّ (٧١٥)، والبزار (٧٩٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٩٠، والبيهقي ١/ ٢٩٢ من طريق يونس بن أبي إسحاق (٤).
وأخرجه: الدارقطني في " العلل " ٤/ ٤٧ س (٤٢٤) من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه: البيهقيُّ ١/ ٢٩٢ من طريق إبراهيم بن طهمان.
وتابعهم إسرائيل وحكيم بن زيد كما في علل الدارقطني.
стр. 1990
خمستهم: (يونس، وسفيان الثوري، وإبراهيم، وإسرائيل، وحكيم) عن أبي إسحاق، بالإسناد نفسه.
وتابع أبا إسحاق على هذا المسيب بن عبد خير والسدي.
أما طريق المسيب بن عبد خير فرواه سفيان بن عيينة واضطرب فيه.
أخرجه: عبد الرزاق (٥٧).
وأخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " ١/ ١١٤ و ١٢٤ من طريق إسحاق بن إسماعيل - وهو الطالقاني -.
وأخرجه: النسائي في " الكبرى " (١٢٠) ط. العلمية و (١١٩) … ط. الرسالة من طريق إسحاق بن إبراهيم.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٨٩٦٦) ط. الفكر و ٨/ ١٩٣ … ط. عالم الكتب من طريق عبد الله بن محمد الزهري.
وأخرجه: البيهقي في " المعرفة " (٤٤٥) ط. العلمية و (٢٠٨١) … ط. الوعي من طريق الشافعي (١).
خمستهم: (عبد الرزاق، وإسحاق بن إسماعيل، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله، والشافعي) عن سفيان بن عيينة، عن أبي السوداء، عن المسيب بن عبد خير، عن أبيه، قال: توضأ عليٌّ فغسل ظهور قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يغسل ظهور قدميه لظننت أنَّ بطونهما أحق (٢). فذكر في هذه الروايات غسل القدمين.
وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (٨٠) بتحقيقي، والحميدي (٤٧)، ومن طريقه ابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٣٩٦ عن سفيان، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: توضأ عليٌّ فمسحَ ظهرَ قدميه، وقال: لولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يمسحُ على ظهر قدميه لظننت أنَّ باطنَهما أحقُّ.
أقول: فهاتان الروايتان مختلفتا الألفاظ، فقد جاء في الأولى «فغسل
стр. 1991
قدميه» وجاء في الثانية: «مسح قدميه» قال الحميدي عقبه: «إن كان على الخفين فهو سنة، وإن كان على غير الخفين فهو منسوخ»، وقال ابن عبد البر معلّقاً على قول الحميدي: «من أهل العلم من يحمل هذا على المسح على ظهور الخفين، ويقول معنى ذكر القدمين هاهنا أنْ يكونا مغيبين في الخفين فهذا هو المسح الذي ثبت عن النبيِّ ﷺ فعله، وأما المسح على القدمين فلا يصح عنه بوجه من الوجوه، ومن قال: إنَّ هذا الحديث على ظاهره جعله منسوخاً، بقوله ﷺ : «ويلٌ للأعقابِ منَ النار»»، وقال أيضاً: «والذي تأولته في حديث عليٍّ هذا أنَّه أراد بذكر القدمين إذا كانا في الخفين، قد جاء منصوصاً من طريق جيد»، وقال البيهقي في " المعرفة ": «وهكذا رواه إسحاق الحنظلي عن ابن عيينة، ورواه الحميدي، عن ابن عيينة بلفظ: المسح فيهما جميعاً، وهو محمول على ظهر قدمي خفيه رواه إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي، وقال في الحديث: ومسح على ظهر قدميه على خفيه».
أقول: إلا أنَّ سفيانَ توبع على ذكر المسح متابعة نازلة.
فقد أخرجه: الدارقطني في " العلل " ٤/ ٤٦ - ٤٧ س (٤٢٤) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطر الوراق، عن الحسن، عن المسيب بن عبد خير، عن أبيه، عن علي … فذكر رواية المسح.
وتابع السدي أبا إسحاق والمسيب أيضاً.
فأخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٣٥ وفي ط. العلمية (١٥١) من طريق شريك، عن السدي، عن عبد خير (١)، به.
أما الاختلاف في المتن:
فرواه حفص بن غياث، عن الأعمش بلفظ: لو كانَ الدِّينُ بالرأي لكانَ أسفلُ الخفِ أولى بالمسح.
ورواه يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش بلفظ: ما كنتُ أرى باطنَ
стр. 1992
القدمينِ إلا أحق بالمسح حتى رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يمسح على ظهرِ خفيهِ.
وتابع الأعمش إبراهيم بن طهمان فرواه عن أبي إسحاق بلفظ: كنتُ أرى أنَّ باطنَ القدمينِ أحقُ بالمسحِ منْ ظاهرهما حتى رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ توضأ ومسحَ على ظهرِ قدميه على خفيه.
خالفهم علي بن يونس، ووكيع بن الجراح، ويونس بن أبي إسحاق، وسفيان الثوري فرووه عن أبي إسحاق بلفظ: كنتُ أرى باطنَ القدمينِ أحقُ بالمسحِ منْ ظاهرهما، حتى رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يمسحُ ظاهرهما.
ورواه سفيان بن عيينة، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: رأيتُ عليّاً توضأ فغسلَ ظهر قدميهِ، وقال: لولا أنَّي رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يغسل ظهرَ قدميهِ لظننتُ أنَّ بطونهما أحق بالغسل من ظاهرهما.
قال البزار عقب (٧٩٤): «هذا الحديث إنَّما حمله أهل العلم على أنَّه كان على طهارة، هذا لمن ثبت الخبر، ولا يحتمل غير ذلك إذ كان الخبر عن عبد خير، عن عليٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ غسل رجليه».
وقال الدارقطني في " العلل " ٤/ ٤٦ س (٤٢٤): «والصحيح من ذلك قول من قال: كنتُ أرى أنَّ باطنَ الخفينِ أحقُّ بالمسح منْ أعلاهما» (١).
وقال البيهقيُّ ١/ ٢٩٢: «وعبد خير لم يحتج به صاحبا الصحيح فهذا وما روي في معناه إنَّما أريد به قدما الخف».
وتعقّبه ابن التركماني في " الجوهر النقي " فقال: «ذكر هذه العبارة في حق جماعة، وكأنَّه يريد بذلك تضعيفهم، وقد ذكرنا أنَّه لا يلزم من كونهما لم يحتجا بشخص أنْ يكون ضعيفاً، وعبد خير: ثقة».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٨٨ (١٠٢٠٤)، " ونصب الراية " ١/ ١٨١،
стр. 1993
" وإتحاف المهرة " ١١/ ٥٢٧ (١٤٥٦٠)، " وأطراف المسند " ٤/ ٤٥٢ (٦٣٤٢).
مثال ما اضطرب راويه في متنه: روى جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم … فذكر حديث حجة النبيِّ ﷺ وجاء فيه: «أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللهُ بِهِ».
هذا الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ جعفراً اختلف فيه فرواه بثلاثة ألفاظ:
فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (١٤٩٠٨)، وعبد بن حميد (١١٣٥)، والدارمي (١٨٥٠)، ومسلم ٤/ ٣٨ - ٤٠ (١٢١٨)(١٤٧)، وابن الجارود (٤٦٩)، وابن حبان (٣٩٤٤)، والبيهقي ٥/ ٩٣ وفي " الدلائل "، له ٥/ ٤٣٥ من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، باللفظ أعلاه.
وقد توبع حاتم، تابعه يحيى بن سعيد القطان عند ابن خزيمة (٢٧٥٧) بتحقيقي عن جعفر بن محمد، باللفظ أعلاه.
وأخرجه: مالك (١٠٨٩) برواية الليثي و (١٣١١) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريقه أحمد ٣/ ٣٨٨، والنسائي ٥/ ٢٣٩ وفي " الكبرى "، له (٣٩٦٣) ط. العلمية و (٣٩٤٩) ط. الرسالة، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٢٠٠، والبيهقي ١/ ٨٥ و ٥/ ٩٣، وابن عبد البر في " التمهيد " ١/ ٣٢٣، والبغوي (١٩١٩).
وأخرجه: أحمد ٣/ ٣٢٠، والنسائي في " الكبرى " (٣٩٦٢) ط. العلمية و (٣٩٤٨) ط. الرسالة، وابن الجارود (٤٦٥)، وأبو يعلى (٢١٢٦) من طريق يحيى بن سعيد القطان.
وأخرجه: أبو داود (١٩٠٥) وابن ماجه (٣٠٧٤)، والبيهقي ٥/ ٧ من طريق حاتم بن إسماعيل.
وأخرجه: الحميدي (١٢٦٧)، والترمذي (٨٦٢) و (٢٩٦٧) من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه: الطيالسي (١٦٦٨)، وأبو يعلى (٢٠٢٧) و (٦٧٣٩)، وابن
стр. 1994
حبان (٣٩٤٣)، والبيهقي ٣/ ٣١٥ من طريق وهيب بن خالد.
وأخرجه: النسائي ٥/ ٢٣٥ و ٢٤٠ - ٢٤١ وفي " الكبرى "، له (٣٩٦٧) ط. العلمية و (٣٩٥٣) ط. الرسالة من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.
وأخرجه: النسائي في " الكبرى" (٣٩٥٥) ط. العلمية و (٣٩٤١) … ط. الرسالة، والبغوي (١٩١٨) من طريق إسماعيل بن جعفر.
وأخرجه: ابن خزيمة (٢٦٢٠) بتحقيقي من طريق عبد العزيز بن أبي حازم.
وأخرجه: الطبرانيُّ في " الصغير " (١٧٩) من طريق القاسم بن معن.
تسعتهم: (مالك، ويحيى، وحاتم، وسفيان بن عيينة، ووهيب، وابن الهاد، وإسماعيل، وابن أبي حازم، والقاسم) عن جعفر بن محمد، وجاء في رواية الجميع: «نبدأ».
قلت: وهذان اللفظان لا إشكال فيهما من حيث إمكانية الجمع بين اللفظين، فقد قال الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ٢/ ٥٤٢ (١٠٣٤): «حديث … ابدأوا بما بدأ الله به» النسائي من حديث جابر الطويل بهذا اللفظ، وصححه ابن حزم، وله طرق عند الدارقطني، ورواه مسلم بلفظ: أبدأ، بصيغة الخبر، ورواه أحمد … بلفظ: نبدأ، بالنون، قال أبو الفتح القشيري: مخرج الحديث عندهم واحد، وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية (نبدأ) بالنون التي للجمع، قلت - القائل ابن حجر -: وهم أحفظ من الباقين».
وأما اللفظ الثالث:
فقد أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (٣٩٦٨) ط. العلمية و (٣٩٥٤) ط. الرسالة، والدارقطنيُّ ٢/ ٢٥٣ ط. العلمية و (٢٥٧٩) ط. الرسالة من طريق حاتم بن إسماعيل.
وأخرجه: أحمد ٣/ ٣٩٤ من طريق سليمان بن بلال.
стр. 1995
وأخرجه: الدارقطنيُّ ٢/ ٢٥٣ ط. العلمية و (٢٥٧٧) و (٢٥٧٨) ط. الرسالة من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه: الدارقطني ٢/ ٢٥٣ ط. العلمية و (٢٥٨٠) ط. الرسالة من طريق محمد بن علي الجعفيِّ.
وأخرجه: ابن حجر في " موافقة الخُبْر الخبر ": ٢١ - ٢٢ (المجلس السادس) من طريق إسماعيل بن جعفر.
خمستهم: (حاتم، وسليمان، وسفيان الثوري، ومحمد، وإسماعيل) عن جعفر بن محمد بإسناده، وجاء في روايتهم: «ابدءوا بما بدأ الله به» (١) وهذه الرواية استشكل فيها عدم إمكانية جمعها إلى بقية الروايات، وعليه يحمل الوهم في ذلك على جعفر بن محمد.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٢/ ٣٤٥ (٢٥٩٣) و ٢/ ٣٥٦ (٢٦٢١)، و " نصب الراية " ٣/ ٥٤، و " البدر المنير " ٦/ ٢١٣، و " التلخيص الحبير " ٢/ ٥٤٢ (١٠٣٤)، و " إتحاف المهرة " ٣/ ٣٣٢ (٣١٣٨).
مثال آخر لمضطرب المتن والإسناد: روى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ امرأةً من نساء النبيِّ ﷺ استحمَّتْ من جنابة، فجاء النبيُّ ﷺ يستحم (٢) من فضلها، فقالت: إني اغتسلتُ منه، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ» (٣). هذا حديث اختلف فيه على سماك متناً وسنداً، بل هو حديث مضطرب.
فرواه عنه سفيان الثوري واختلف في إسناده.
إذ أخرجه: عبد الرزاق (٣٩٦)، وإسحاق بن راهويه (١٢)، وأحمد
стр. 1996
١/ ٢٣٥ و ٢٨٤ و ٣٠٨، وابن ماجه (٣٧١)، والنسائي ١/ ١٧٣، وابن الجارود (٤٨) و (٤٩)، والطبري في "تهذيب الآثار" (مسند ابن عباس): ٦٩١ - ٦٩٣ الخبر (٢٦) و (٢٧) و (٣١)، وابن خزيمة (١٠٩) بتحقيقي، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٢٦ وفي ط. العلمية (٩٨)، وابن حبان (١٢٤٢)، والطبراني في " الكبير " (١١٧١٤)، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (٥٧)، والبيهقي ١/ ١٨٨ و ٢٦٧، وابن عبد البر في "التمهيد " ١/ ٢٣٨ من طريق سفيان، عن سماك، بهذا الإسناد بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ».
وأخرجه: الدارمي (٧٣٥) ولم يذكر متنه.
وأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٦ الخبر (١٠٣٦) من طريق سفيان الثوري، به إلا أنَّه قال عن ابن عباس، عن بعض أزواج النبيِّ ﷺ باللفظ السابق.
وأخرجه: إسحاق بن راهويه (١١) من طريق سفيان الثوري، عن سماك، عن عكرمة: أنَّ ميمونة اغتسلتْ … الحديث. مرسلاً بلفظ: «الماءُ لا ينجسُهُ شيءٌ» من دون ذكر ابن عباس.
ورواه عن سماك أبو الأحوص سلام بن سليم. واختلف في لفظه.
فأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٣ الخبر (٣٠)، وابن حبان (١٢٤١) و (١٢٦٩)، والطبراني في " الكبير " (١١٧١٦) من طريق أبي الأحوص، عن سماك، بالإسناد الأول بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ».
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٥٥) و (١٥٢١)، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٢ الخبر (٢٩)، وأبو داود (٦٨)، وابن ماجه (٣٧٠)، والترمذي (٦٥)، وابن حبان (١٢٤٨) و (١٢٦١)، والبيهقي ١/ ١٨٩ و ٢٦٧ من طريق أبي الأحوص، عن سماك، بالإسناد نفسه بلفظ: «إنَّ الماءَ لا يجنب».
ورواه عن سماك أيضاً إسرائيل واختلف في لفظه وإسناده أيضاً.
стр. 1997
فأخرجه: عبد الرزاق (٣٩٧) عن إسرائيل، عن سماك، بالإسناد الأول بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ».
وأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٥ الخبر (١٠٣٣) من طريق إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت: يعني: ميمونة زوج النبيِّ ﷺ : أجنبتُ أنا ورسولُ الله ﷺ فاغتسلتُ منْ جفنة ففضَلَتْ فيها فضلة فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ يغتسلُ منها، فقلتُ: إني قد اغتسلتُ منها، فقال: «ليسَ عليه جنابةٌ» فجعله منْ حديث ميمونة ﵂ وبلفظ مغاير.
ورواه عنه - أي عن سماك - شريك بن عبد الله واختلف في لفظه وإسناده أيضاً.
فأخرجه: أحمد ١/ ٣٣٧ من طريق شريك، عن سماك، بالإسناد الأول من حديث ابن عباس، بلفظ: «إنَّ الماءَ ليستْ عليه جنابةٌ» أو قال: «إنَّ الماءَ لا ينجسُ» هكذا بصيغة الشك.
وأخرجه: أبو عبيد في " الطهور " (١٤٩) و (١٥٠)، وابن الجعد (٢٤٢٤) ط. الفلاح و (٢٣٣) ط. العلمية، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٦ الخبر (١٠٣٥)، والطبراني في " الكبير " ٢٣ / (١٠٣٠)، والدارقطني ١/ ٥١ ط. العلمية و (١٣٧) ط. الرسالة، والبغوي (٢٥٩) من طريق شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة، به بلفظ: «إنَّ الماءَ ليسَ عليه جنابةٌ».
وأخرجه: أحمد ٦/ ٣٣٠، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٥ - ٦٩٦ الخبر (١٠٣٢) و (١٠٣٤)، والطبراني في " الكبير " ٢٤/ (٣٤)، والدارقطني ١/ ٥٢ ط. العلمية و (١٤١) ط. الرسالة من طريق شريك، عن سماك بالإسناد السابق نفسه من حديث ميمونة بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيء» (١).
وأخرجه: إسحاق بن راهويه (١٠) من طريق شريك، عن سماك، عن
стр. 1998
عكرمة، عن ميمونة أو عن ابن عباس، عن ميمونة، به هكذا بصيغة الشك.
قال الدارقطني: «اختلف في هذا الحديث على سماك، ولم يقل فيه عن ميمونة غير شريك».
قلت: بل تابعه إسرائيل بن يونس كما سلف في روايته عن سماك عند الطبري.
ورواه عنه شعبة واختلف في إسناده.
فأخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (٢٥٠)، وابن خزيمة (٩١) بتحقيقي، والحاكم ١/ ١٥٩ من طريق شعبة، عن سماك بالإسناد الأول من حديث ابن عباس، بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ».
قال الحاكم: «وهذا حديث صحيح في الطهارة ولم يخرجاه، ولا نحفظ له علة».
وأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٧ الخبر (١٠٣٧) من طريق شعبة، عن سماك، عن عكرمة، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ» ولم يذكر ابن عباس ولا غيره.
ورواه عنه حماد بن سلمة واختلف في إسناده.
فأخرجه: الطبراني في " الكبير " (١١٧١٥) من طريق حماد بن سلمة، عن سماك، بالإسناد الأول من حديث ابن عباس بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ».
وأخرجه: أبو عبيد في " الطهور " (١٥٣) م، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٧ - ٦٩٨ الخبر (١٠٣٨) و (١٠٣٩) من طريق حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجس» من دون ذكر ابن عباس ولا غيره.
قال أبو عبيد: «هكذا حديث حماد، عن سماك مرسل عن النبيِّ ﷺ ، وكان سفيان بن سعيد فيما أعلم يرويه عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ».
стр. 1999
ورواه عنه أسباط.
فأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٢ (٢٨) من طريق أسباط، عن سماك، بالإسناد الأول نفسه من حديث ابن عباس بلفظ: «إنَّ الماءَ لا يجنب».
ورواه عنه يزيد بن عطاء.
فأخرجه: الدارمي (٧٣٤) من طريق يزيد بن عطاء، عن سماك، بالإسناد نفسه من حديث ابن عباس بلفظ: «ليسَ على الماء جنابةٌ».
وهذا الاضطراب في حديث سماك محمول عليه؛ لأنَّ روايته عن عكرمة بالذات مضطربة.
وسماك هذا - هو سماك بن حرب - قال عنه أحمد بن حنبل: «سماك مضطرب الحديث»، وقال أبو حاتم: «ثقة صدوق»، وقال صالح جزرة: «يضعف»، وقال النسائي: «إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة؛ لأنَّه كان يلقن فيتلقن»، وقال ابن المديني: «روايته عن عكرمة مضطربة، فسفيان وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وأبو الأحوص وإسرائيل يجعلونها عن عكرمة، عن ابن عباس»، وقال يعقوب بن شيبة: «وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين» كما في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٢٣٣ (٣٥٤٨).
وروي الحديث موقوفاً على ابن عباس من غير هذا الطريق.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (١١٥٦)، والطبري في " تهذيب الآثار" (مسند ابن عباس): ٦٩٨ الخبر (١٠٤٠) و (١٠٤١)، والبيهقي ١/ ٢٦٧ من طريق الأعمش، عن يحيى بن عبيد، عن ابن عباس، به من قوله موقوفاً.
قال الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): ٦٩٣ عقب الخبر (٣١): «وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أنْ يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح لعلل:
إحداهنّ: أنَّه خبر قد حَدّث به عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس جماعة، فجعلوه: عنه، عن ميمونة زوج النبيِّ ﷺ ، عن النبيِّ ﷺ ، وجعله
стр. 2000
بعضهم عن ابن عباس، عن بعض أزواج النبيِّ ﷺ ، عن النبيِّ ﵇، وذلك مما ينبئ عن أنَّ ابن عباس لم يسمعه من النبيِّ ﷺ (١).
والثانية: أنَّه حدّث به بعضهم عن سماك، عن عكرمة فأرسله عنه، ولم يجعل بينه وبين النبيِّ ﷺ ابن عباس ولا غيره، وذلك مما يدل عندهم على وهائه.
والثالثة: أنَّه حَدّث به عن ابن عباس غير عكرمة فجعله من كلام ابن عباس، ولم يرفعه إلى النبيِّ ﷺ .
والرابعة: أنَّه من رواية عكرمة، عن ابن عباس، وفي نقل عكرمة عندهم نظر يجب التثبت فيه من أجله.
والخامسة: أنَّه خبر قد رواه عن ابن عباس غير عكرمة، فوقف به على ابن عباس مخالفاً معناه معنى ما روى عكرمة عنه من ذلك.
والسادسة: أنَّه خبر قد حُدِّثَ به عن رسول الله ﷺ من غير رواية ابن عباس مخالفاً معناه معنى ما روى عكرمة، عن ابن عباس.
والسابعة: أنَّ الأمة مجمعة على خلاف ظاهره، وفي ذلك كفاية من الاستشهاد على وهائه بغيره».
وقال عقب الخبر (١٠٤٤): «ولهذا الحديث عندهم علة ثامنة، وهي أنَّ الذي يروى عن عكرمة من فتياه في ذلك، غير ظاهر هذه الرواية، وفي ذلك عندهم دليل على أنَّه لو كان عنده عن رسول الله ﷺ خبر بذلك، لما خالفه إلى غيره».
قال عبد الله بن أحمد ١/ ٣٠٨: «قال أبي في حديثه: حدثنا به وكيع في " المصنف " عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، ثم جعله بعد عن ابن عباس».
وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على هذا القول في المسند: «هذا