← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

النوع الرابع: الخطأ وماشابهه. أولاً: خطأ الراوي الخطأ: ما لم يُتعمد، والخِطء: ما تُعمِّدَ. والمخطئ: من أراد الصواب، فصار إلى غيره، والخاطئ: من تعمد لما لا ينبغي (١). والإعلال بالخطأ يشمل ما أخطأ فيه الراوي بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال كلمة بأخرى، أو جملة بأخرى، أو وهم، أو صحّف، أو حرف، أو قلب في السند أو في المتن. والخطأ في رِوَايَة الثقات أمرٌ وارد غير أنَّه في طبقة الصحابة عزيز، إِذْ لا يلزم من رِوَايَة الثقة الصواب، على الرغم من أنَّه الأصل فِيْهَا، والخطأ طارئٌ محتمل، وإذا تحقق من وقوعه كان الحديث شاذاً منكراً، لا يعتبر به ولا يشتغل (٢)، قال الشافعي: «ومن كثرُ غلطهُ من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح، لم نقبل حديثه» (٣) فقد خطأ أبو حاتم: الثوريَّ، وعبد الرزاق، ووكيع بن الجراح، وابن المبارك، وسفيان بن عيينة وغيرهم من جبال الحفظ (٤)، فالراوي الثقة مهما بلغ أعلى مراتب الضبط والإتقان، فالخطأ في روايته يبقى أمراً محتملاً وليس بعيداً، قال ابن المبارك: «ومن يسلم من

стр. 2032

الوهم؟!» (١)، وقال ابن معين: «من لا يخطئ في الحديث، فهو كذاب» (٢)، ومعرفة الخطأ في حَدِيْث الثقة لا يتمكن من مَعْرِفَته إلا الأئمة الجامعون، وَقَدْ يطلع الجهبذ عَلَى حَدِيْث ما فيحكم عليه بخطأ راويه الثقة، مع أنَّ ظاهر الْحَدِيْث السلامة من هَذِهِ العلة القادحة، لَكِن العالم الفهم لا يحكم بِذَلِكَ عن هوى، بَلْ يترجح لديه أنَّ أحد الرُّوَاة قَدْ أخطأ فيه؛ وذلك للقرائن الَّتِيْ تحيط به، ومثل هَذِهِ الْمَعْرِفَة لا تتضح لكل أحد، بَلْ هِيَ لِمَنْ منحه الله فهماً دقيقاً، واطلاعاً واسعاً، وإدراكاً كبيراً، ومعرفة بعلل الأسانيد ومتونها، ومشكلاتها وغوامضها، ومعرفة واسعة بطرق الْحَدِيْث ومخارجه، وأحوال الرُّوَاة وصفاتهم. وما دام إدراك الخطأ في حَدِيْث الثقة أمراً خفياً لا يتمكن مِنْهُ كُلُّ أحد، ولا ينكشف لكل ناقد، فإنَّ بعضاً من أخطاء الثقات قَدْ ظن بِهَا جَمَاعَة من القوم الصحة؛ لظاهر ثقة رجالها، واتصال إسنادها، وظاهر خلوها من العلة، وَقَدْ أخذوا بتلك الأحاديث وعملوا بِهَا تحسيناً لظنهم بأولئك الرُّوَاة الثقات، فحصل اختلاف بَيْنَ الأحاديث. مثال ذَلِكَ: حَدِيْث وائل بن حجر في الجهر بـ (آمين) بَعْدَ قِرَاءة الفاتحة في الصلاة. فَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث: سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل (٣)، عن حجر بن العنبس (٤)، عن وائل بن حجر، قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ

стр. 2033

الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: «آمين» و مد بِهَا صوته» (١). وَقَدْ أخطأ الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج في هَذَا الْحَدِيْث، فخالف سفيان في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث إِذْ رَوَاهُ عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن وائل، قَالَ: «صَلى بنا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَلما قرأ: ﴿غَيْر المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قَالَ: «آمين» وأخفى بِهَا صوته» (٢). فَقَدْ خالف شعبةُ سفيانَ في سند الْحَدِيْث: ١. عندما أضاف علقمة.

стр. 2034

٢. أبدل حجر أبو العنبس بـ (١): (حجر بن عنبس). ٣. خالفه في الْمَتْن فَقَالَ: «خفض بِهَا صوته». قَالَ الإمام الترمذي: «سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيْل يقول: حَدِيْث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل في هَذَا الباب أصح من حَدِيْث شعبة، وشعبة أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث في مواضع، قَالَ: عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العَنْبس، وإنَّما هُوَ حجر بن عنبس وكنيته أبو السكن، وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وإنَّما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، ليس فِيْهِ علقمة، وَقَالَ: «وخفض بِهَا صوته» وَالصَّحِيْح أنَّه جهر بِهَا، وسألت أبا زرعة فَقَالَ: حَدِيْث سفيان أصح من حَدِيْث شعبة، وَقَدْ رَوَاهُ العلاء بن صالح (٢)» (٣). قال الإمام أحمد: «كان شعبة يقلب أسامي الرجال» (٤)، وقال أبو حاتم: «وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال» (٥)، وقال العجلي: «وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلاً» (٦) والسبب في خطأ شعبة في الأسانيد عنايته بالمتون، قال الدارقطني: «وكان شعبة ﵀ يغلط في أسماء الرجال؛ لاشتغاله بحفظ المتن» (٧). وَقَدْ عقّب البيهقي عَلَى قَوْل هذين الجهبذين فَقَالَ: «أما خطؤه في متنه

стр. 2035

فبيّن، وأما قوله: (حجر أبو العنبس) فكذلك ذكره مُحَمَّد بن كثير عن الثوري (١)، وأما قوله: عن علقمة فَقَدْ بيّن في روايته أنَّ حجراً سمعه من علقمة، وَقَدْ سمعه أَيْضاً من وائل نفسه (٢)، وَقَدْ روَاهُ أبو الوليد الطيالسي عن شعبة نحو رِوَايَة الثوري» (٣). وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: «كَذَا قَالَ شعبة: وأخفى بِهَا صوته، ويقال: إنَّه وهم فِيْهِ؛ لأنَّ سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما، رووه عن سلمة، فقالوا: ورفع صوته بآمين، وَهُوَ الصواب» (٤). والذي يهمنا في مجال بحثنا هُوَ خطأ الإمام شعبة بقوله: «أخفى بِهَا صوته»، والمرجح هنا هُوَ رِوَايَة سفيان، وعند الاختلاف من غَيْر مرجحات فرواية سفيان أقوى من رِوَايَة شعبة؛ إِذْ قَالَ شعبة نفسه: «سُفْيَان أحفظ مني»، وَقَالَ لَهُ رجل: وخالفك سُفْيَان قَالَ: «دمغتني»، وَقَالَ يحيى بن سعيد القطان: «ليس أحدٌ أحب إليّ من شعبة، ولا يعدله عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان» (٥). وَقَالَ البيهقي: «لا أعلم اختلافاً بَيْنَ أهل العلم بالحديث أنَّ

стр. 2036

سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قَوْل سفيان» (١). وَقَد احتج ابن قيم الجوزية لترجيح رِوَايَة سفيان بست حجج: الأولى: قَوْل العلماء السابق في ترجيح رِوَايَة سفيان. الثانية: متابعة العلاء بن صالح (٢)، ومحمد بن سلمة بن كهيل (٣) لسفيان في روايتيهما عن سلمة بن كهيل (٤). الثالثة: أنَّ أبا الوليد الطيالسي رَوَى عن شعبة في الْمَتْن بنحو حَدِيْث الثوري، إذن فَقَد اختلف عَلَى شعبة في روايته فَقَالَ البيهقي: «فيحتمل أنْ يَكُوْن تنبه لِذَلِكَ فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر ذَلِكَ علقمة في إسناده». الرابعة: أنَّ رِوَايَة الرفع متضمنة لزيادة، وكانت هَذِهِ الزيادة أولى بالقبول. الخامسة: أنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة موافِقة ومُفسِّرة لحديث أبي هُرَيْرَة: «إذا أمّنَ الإمامُ فَأمنوا» (٥). السادسة: ما رواه الحاكم (٦) بإسناد صحيح - حسب قوله - عن أبي

стр. 2037

هريرة، قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا فرغَ منْ قراءةِ أمِّ القرآنِ رفعَ صوتَهُ بآمين (١). ثُمَّ إنَّ الْحَدِيْث ورد من طريق علقمة بن وائل (٢)، وعبد الجبار بن … وائل (٣)، وكليب بن شهاب (٤)؛ ثلاثتهم رووه عن وائل بن حجر بنحو رِوَايَة سُفْيَان، وهذا كله يدل عَلَى أنَّ شعبة قَدْ أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث. وقد كنت آليت على نفسي في رحلتي الطويلة مع هذا الكتاب … " الجامع في العلل والفوائد " أن أبسط فيه هذا العلم وأذلل صعابه وأوطأ مسائله، وقد سرت في هذا على أنواع متعددة من الأمور، وقد جليت ذلك بأسلوب أحسبه سهلاً في كيفية عرض الحديث الواحد، وحديثنا هذا الذي أخطأ فيه شعبة كتبته مرتين؛ لينتفع طالب العلم في آلية صياغة وعرض علة الحديث؛ فأعدته هنا مرة أخرى بطريقة تفتح للطلاب أفقاً في كيفية عرض العلل فأقول: ولا يعصم أحدٌ من الخطأ، بل إنَّ أكابر المحدّثين قد يقعون في ذلك، وقد يحصل ذلك في المتن والإسناد أو كليهما، ومما أخطأ فيه الثقة في الإسناد والمتن ما روى شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة ابن وائل، عن أبيه: أنَّه صلّى مع النَّبيِّ ﷺ فلما قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين»، وخفض بها صوته.

стр. 2038

أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٣) من طريق عفّان، وفي ٢٢/ (١١٢) من طريق وكيع، والحاكم ٢/ ٢٣٢ من طريق سليمان بن حرب، وأبي الوليد الطيالسي. أربعتهم: عن شعبة بن الحجاج بهذا الإسناد. أقول: ظاهر هذا الحديث أنَّه صحيح إلا أنَّه معلول بالاضطراب. فقد اضطرب شعبة في سند ومتن الحديث. فأخرجه: الطيالسي (١٠٢٤)، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٥٧ و ١٧٨ عن شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا العَنْبس، قال: سمعت علقمة بن وائل يحدّث عن وائل. وقد سمعته من وائل: أنَّه صلّى مع رسول الله ﷺ … . فجزم أنَّ حجراً سمع الحديث من علقمة، عن أبيه، ومن وائل مباشرة. إلا أنَّ أحمد أخرجه: ٤/ ٣١٦ من طريق محمد بن جعفر. وأخرجه: الدارقطني ١/ ٣٣٣ ط. العلمية و (١٢٧٠) ط. الرسالة من طريق يزيد بن زريع، كلاهما: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العَنْبس، قال: سمعت علقمة يحدّث عن وائل أو سمعه حجر من وائل. فشكّ بسماع حجر من وائل. وأخرجه: أحمد أيضاً ٤/ ٣١٦ عن عبد الرحمان، عن شعبة. وجاء به بعد حديث سفيان. فظاهر سياق الإمام أحمد لهذا الحديث يقتضي أنَّه بمثل سند سفيان - أي: عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عَنْبس، عن وائل بن حجر، به -. ففي هذا الطريق لم يذكر علقمة بن وائل، وكذلك ذكر حجر بن عَنْبس، وليس أبا العنبس. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (١٠٩) من طريق أبي الوليد الطيالسي. وفي ٢٢/ (١١٠) من طريق حجاج بن نصير. كلاهما: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا العنبس يحدّث عن وائل الحضرمي، ولم يذكر فيه علقمة بن وائل أيضاً.

стр. 2039

وفي جميع الطرق السابقة يذكر في متن الحديث: «وخفض بها صوته» إلا أنَّ ابن حبان أخرجه: (١٨٠٥) من طريق وهب بن جرير وعبد الصمد، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجراً أبا العنبس، يقول: حدثني علقمة بن وائل، عن وائل: أنَّه صلّى مع رسول الله ﷺ قال: فوضع اليد اليمنى على اليد اليسرى فلما قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين … » فلم يذكر في هذه الرواية الخفض أو الرفع. وأخرجه: البيهقي ٢/ ٥٨ من طريق إبراهيم بن مرزوق البصري، عن أبي الوليد الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجراً أبا عنبس يحدّث عن وائل الحضرمي … فذكر الحديث، وقال: قال: آمين، رافعاً بها صوته. فهذه الطرق توضح مدى اضطراب شعبة في هذا الحديث، وعدم ضبطه إياه. إلا أنَّ هذا الحديث قد صحّ من طريق آخر بلفظ آخر صحيح، إذ رواه سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقال: «آمين» ومد بها صوته. فقد ضبط سفيان السند والمتن. أخرجه: ابن أبي شيبة (٨٠٣٥)، وأحمد ٤/ ٣١٦، والدارمي (١٢٤٧)، وأبو داود (٩٣٢)، والترمذي (٢٤٨) وفي " العلل الكبير "، له (٥٤)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (١١١)، والدارقطني ١/ ٣٣٤ ط. العلمية و (١٢٦٨) و (١٢٦٩) ط. الرسالة، والبيهقي ٢/ ٥٧ وفي " معرفة السنن والآثار"، له (٧٣٨) ط. العلمية و (٣١٦٠) ط. الوعي من طرق عن سفيان الثوري، به. قال الترمذي: «حديث وائل بن حجر حديث حسن». وتابع سفيان على هذه الرواية العلاء بن صالح التيمي الأسدي الكوفي

стр. 2040

عند أبي داود (١) (٩٣٣)، والترمذي (٢٤٩)، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (١١٤). ومحمد بن سلمة بن كهيل كما ذكر ذلك الدارقطني ١/ ٣٣٤ ط. العلمية وعقب (١٢٧٠) ط. الرسالة، والبيهقي في " معرفة السنن والآثار " عقب (٧٣٨) … ط. العلمية و (٣١٦٥) ط. الوعي. كلاهما عن سلمة بن كهيل، بهذا الإسناد وذكرا فيه الجهر بالتأمين. وكذلك توبع سفيان متابعات أخرى من غير طريق سلمة بن كهيل على ذكر الجهر بالتأمين. إذ أخرجه: أحمد ٤/ ٣١٨، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (١١)، والبيهقي ٢/ ٥٨ من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يجهر بـ «آمين». وأخرجه: عبد الرزاق (٢٦٣٣)، وابن أبي شيبة (٨٠٣٤)، وأحمد ٤/ ٣١٥ و ٣١٨، وابن ماجه (٨٥٥)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٣٠) - (٤١)، والدارقطني ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤ ط. العلمية و (١٢٧١) ط. الرسالة، والبيهقي ٢/ ٥٨ من طريق عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: أنه صلّى مع النَّبيِّ ﷺ فلما قرأ بفاتحة الكتاب فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين» ورفع بها صوته. وهذا الإسناد معلول بالانقطاع، وقد بينا ذلك في غير موطن من كتابنا هذا. وأخرجه: أحمد ٤/ ٣١٨، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (١٠٢) من طريق شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول في الصلاة: «آمين». فرواية سفيان أصح من رواية شعبة وذلك لعدة أوجه:

стр. 2041

الوجه الأول: أنَّ شعبة اضطرب في إسناد ومتن الحديث كما مرّ تبيانه، في حين أنَّ سفيان ضبط السند والمتن. قال أبو بكر الأثرم فيما نقله عنه ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ٥٨٢: «اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه ولم يضطرب في إسناده ولا في متنه». والوجه الثاني: أنَّ سفيان قد توبع على روايته، تابعه العلاء بن صالح، ومحمد بن سلمة بن كهيل فضلاً عن روايتي علقمة وعبد الجبار ابني وائل كما مرّ. في حين أنَّ شعبة لم يتابع على روايته. والوجه الثالث: أنَّ سفيان أحفظ من شعبة ومقدم عليه إذا اختلفا؛ فشعبة نفسه قال: «سفيان أحفظ مني» (١)، وقال يحيى بن سعيد القطّان: … «ليس أحد أحب إليَّ من شعبة ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان … » (٢)، وقال يحيى بن معين: «ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان. قلت (٣): وشعبة أيضاً إنْ خالفه؟ قال: نعم» (٤) وشعبة كان يُخطِئ في أسماء الرجال (٥). كما أنَّ أعلام الحديث نبهوا على أخطاء شعبة في هذا الحديث، إذ قال

стр. 2042

الترمذي عقيب (٢٤٨): «سمعت محمداً يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر أبي العنْبس، وإنَّما هو حجر بن عَنْبس ويكنى أبا السكن، وزاد فيه: عن علقمة بن وائل وليس فيه عن علقمة وإنَّما هو: حجر بن عَنْبس، عن وائل بن حجر. وقال: وخفض بها صوته. وإنَّما هو: ومد بها صوته (١). وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان في هذا أصح. قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان». وذكر الترمذي نحو هذا الكلام في "علله الكبير" ١/ ٢١٧ - ٢١٨ (٥٤). وقال الدارقطني في " سننه " ١/ ٣٣٤: «كذا قال شعبة: وأخفى بها صوته. ويقال: إنَّه وَهِمَ فيه؛ لأنَّ سفيان الثوري، ومحمد بن سلمة بن كهيل، وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوته بـ «آمين»، وهو الصواب». وقال البيهقي في " معرفة السنن والآثار " ١/ ٥٣١ عقيب (٧٣٨) ط. العلمية: «ورواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، فقال في متنه: خفض بها صوته. وقد أجمع الحفاظ: محمد بن إسماعيل البخاري وغيره على أنَّه أخطأ في ذلك. فقد رواه العلاء بن صالح، ومحمد بن سلمة بن كهيل، عن سلمة بمعنى رواية سفيان، ورواه شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يجهر بـ «آمين»، ورواه زهير بن معاوية وغيره، عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ مثله، وفي كل ذلك دلالة على صحة رواية الثوري». إلا أنَّ ابن القطّان قال في " بيان الوهم والإيهام " ٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥: «وهذا الحديث فيه أربعة أمور: أحدها: اختلاف شعبة وسفيان في (خفض ورفع)، فسفيان يقول: مد بها صوته، وشعبة يقول: خفض بها صوته. والثاني: اختلافهما في حجر، فشعبة يقول فيه: حجر أبو العنبس، والثوري يقول: حجر بن عنبس، وصوّب البخاري وأبو زرعة قول الثوري، ولا أدري

стр. 2043

لم لا يُصوَّبُ قولهما جميعاً حتى يكون حجر بن عنبس أبا العنبس (١)؟ اللهم إلا أنْ يكونا - أعني: البخاري وأبا زرعة - قد علما له كنية أخرى، وإلى ذلك فإنَّه لا تعرف حاله. وهذا هو الثالث؛ فإنَّ المستور الذي روى عنه أكثر من واحد مختلَف في قبول حديثه ورده؛ للاختلاف الذي في أصل ابتغاء مزيد العدالة بعد الإسلام. والرابع: أنَّهما - أعني: الثوري وشعبة - اختلفا أيضاً في شيء آخر، وهو أن جَعَله الثوري من رواية حجر، عن وائل، وجَعَله شعبة من رواية حجر، عن علقمة بن وائل (٢). ولما ذكر الدارقطني رواية الثوري صححها (٣) كأنَّه عرف من حال حجر الثقة ولم يره منقطعاً بزيادة شعبة: علقمةَ ابن وائل في الوسط، وفي ذلك نظر. وهذا الذي ذكرنا هو موجب حكم الترمذي عليه بأنَّه حسن، وقد كان من جملته اضطرابهما في متنه (بخفض ورفع)، والاضطراب في المتن علة مضعِّفة، فالحديث لأنْ يقال فيه: ضعيف أقرب منه إلى أنْ يقال: حسن، فاعلم ذلك». فابن القطّان هنا يرى أنَّ الحديث ضعيف في جملته وذكر أموراً لدعم

стр. 2044

قوله فذهب أولاً إلى تضعيف الحديث بحجر بن العنبس وقد رد عليه ابن حجر في "التلخيص الحبير " ١/ ٥٨١ (٣٥٣) فقال: «أعله ابن القطان بحجر بن عنبس وأنَّه لا يعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين وغيره» (١). أقول: وذهب ابن القطّان إلى تضعيفه بعلة أخرى، وهي الاضطراب فجعل اختلاف شعبة وسفيان في الرفع والخفض اضطراباً موجباً لضعف الحديث، وهذا مخالف لقواعد مصطلح الحديث والتي تشترط في الاضطراب أنْ تستوي الروايات من جميع الوجوه حتّى يتعذر الترجيح، أما إذا أمكن الترجيح وهو حاصل هنا لرواية سفيان فإنَّ الاضطراب ينتفي بالكلية. فتكون رواية سفيان هي الصحيحة، ورواية شعبة شاذة مضطربة ضعيفة، والله أعلم. وانظر: "تحفة الأشراف" ٨/ ٣٢٧ (١١٧٥٨)، و"نصب الراية" ١/ ٣٧٠ - ٣٧٢، و"التلخيص الحبير" ١/ ٥٨١ (٣٥٣)، و"أطراف المسند" ٥/ ٤٤٥ (٧٥٢٠)، و"إتحاف المهرة" ١٣/ ٦٦٢ (١٧٢٧٣). وقد يخطئ الراوي في السند والمتن لسوء حفظه، فلما يخطئ في السند يخطئ في المتن، وقد تدخل عليه رواية في رواية، ولا يضبط الجميع (٢)، مثاله ما روى حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس ﵄: أنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ تحتي امرأةً جميلة لا تردُّ يدَ لامسٍ، قال: «طلِّقها» قال: إنَّي لا أصبرُ عَنْها، قالَ: «فأمْسِكها». أخرجه: النَّسائيُّ ٦/ ١٧٠ وفي "الكبرى"، له (٥٣٣٩) و (٥٦٥٩) ط. العلمية و (٥٣٢٠) و (٥٦٣٠) ط. الرسالة من طريق النَضْر بن شميل.

стр. 2045

وأخرجه: الرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (١٤٥) من طريق أبي داود الطيالسي. كلاهما: (النضر، وأبو داود) عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد. أقول: هذا إسنادٌ ظاهرهُ الصحة إلا أنَّه معلولٌ بوهم حمادٍ فيه. فقد أخرجه: النَّسائيُّ ٦/ ٦٧ وفي "الكبرى"، له (٥٣٤٠) ط. العلمية و (٥٣٢١) ط. الرسالة من طريق يزيد بن هارون. وأخرجه: الرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" عقب (١٤٥) من طريق عفّان بن مسلم. وأخرجه: البيهقي ٧/ ١٥٤ من طريق أبي عمر الضرير (١). ثلاثتهم: (يزيد، وعفان، وأبو عمر) عن حماد بن سلمة (٢)، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، وهارون بن رِئاب الأسدي (٣) (مقرونين)، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن ابن عباس. جاء في رواية النَّسائيِّ عقبه: «عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه». وجاء في رواية الرامهرمزي: «أحدهما عن ابن عباس». قلت: من خلال ما تقدم يتبين أنَّ حماداً دخل عليه إسناد عبد الكريم … - المسند - بإسناد هارون - الموقوف -؛ لأنَّ حماداً لم يروه مسنداً إلا عن … عبد الكريم يدل على ذلك: ما أخرجه: ابن أبي شيبة (١٦٤٨٩) من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن عبد الله بن عبيد، عن ابن عباس مرفوعاً. والحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الكريم بن أبي المخارق،

стр. 2046

فقد قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٦٨١) برواية الدارمي: «ليس بشيء»، ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٧٦ (٣١١) عن أحمد بن حنبل أنَّه قال فيه: «ليس هو بشيء، شبه متروك»، ونقل عن أبيه قوله فيه: «ضعيف الحديث»، وذكره النَّسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون" (٤٠١). وعلى بيان ضعف حاله، فإنَّه اضطرب في هذا الحديث فرواه على ثلاثة أوجه: فكما تقدم رواه موصولاً عن ابن عباس. ورواه عند عبد الرزاق (١٢٣٦٦) عن رجل، عن مولى لبني هاشم: أنَّ رجلاً … . ورواه عند ابن سعد في "الطبقات" وابن منده في "المعرفة" فيما أفاده محقق كتاب " الموضوعات " لابن الجوزي، من طريق عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن هشام مولى رسول الله ﷺ . وعلقه ابن الجوزي في "الموضوعات" ٢/ ٢٧٢ ط. الفكر عقب (١٢٧٩) ط. أضواء السَّلف من طريق عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن جابر. قال ابن الجوزي عقبه: «وقد رواه عبيد بن عمير، وحسّان بن عطية كلاهما عن رسول الله ﷺ مرسلاً، وقد حمله أبو بكر الخلّال على الفجور، ولا يجوز هذا، وإنَّما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث، قال أحمد بن حَنْبل: هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، ليس له أصل». قلت: وقال السندي في "حاشيته على سنن النسائي" ٦/ ٦٨: «وقيل: هو موضوع، ورُدَّ بأنَّه حسن صحيح، ورجال سنده رجال الصحيحين، فلا يلتفت إلى قول من حكم عليه بالوضع، والله تعالى أعلم». وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح الرواية المرسلة. فقد أخرج: الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (١٤٥) من طريق أبي حفص، قال: فحدثت بهذا الحديث يحيى بن سعيد - يعني: الموصول - فأنكره، وقال: إنَّما هو مرسل عن عبد الله بن عبيد، عن النَّبيِّ ﷺ . وقال النَّسائيُّ ٦/ ١٧٠: «هذا خطأ والصواب مرسل»، وقال في "الكبرى" عقب

стр. 2047

(٥٣٤٠): «هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقويِّ، وهارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسلَ الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم». ومما يقوي الطريق المرسل أيضاً أنَّ الحديث روي مرسلاً من غير طريق حماد بن سلمة. فقد أخرجه: الشافعي في "مسنده" (١٢٠٦) بتحقيقي وفي "الأم"، له ٥/ ١٢ وفي ط. الوفاء ٦/ ٣٠ (٢٢٠٠)، ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" (٤١٣٩) ط. العلمية و (١٣٧٦٦) ط. الوعي من طريق سفيان بن عيينة. وأخرجه: عبد الرزاق (١٢٣٦٥) من طريق معمر. كلاهما: (سفيان، ومعمر) عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد، به مرسلاً. وقد روي الحديث من طريق آخر عن ابن عباس. أخرجه: أبو داود (٢٠٤٩)، والنَّسائيُّ ٦/ ١٦٩ - ١٧٠ وفي "الكبرى"، له (٥٦٥٨) ط. العلمية و (٥٦٢٩) ط. الرسالة، والبيهقي ٧/ ١٥٤ - ١٥٥ من طريق الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. قال الدارقطني كما في "أطراف الغرائب والأفراد" (٢٥٦٠): «تفرد به الحسين بن واقد عنه - يعني: عن عمارة - وتفرد به الفَضْل بن موسى عنه»، وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١٦٢٠): «إسناده أصح، وأطلق النوويُّ عليه الصحة»، وقال السيوطي في " اللآلئ " ٢/ ١٧١: «سُئِلَ الحافظُ ابن حجر عن هذا الحديث فأجاب بأنَّه حسن صحيح، قال: ولم يُصِبْ من قال: إنَّه موضوعٌ»، وقال المنذري في "مختصره لسنن أبي داود " (١٩٦٥): «ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين على الاتفاق والانفراد». قلت: إلا أنَّ الحسين بن واقد مدلسٌ وقد عنعن، قال ابن حجر في

стр. 2048

"مراتب المدلسين" (٨): «أحد الثقات من أتباع التابعين، وصفه الدارقطني وأبو يعلى الخليلي بالتدليس». تبين الآن أنَّ أحاديث الباب ضعيفة، وقد اختلف أهل العلم في تفسير معنى: «لا ترد يد لامس» ولاختلافهم في تصحيح الطرق وتضعيفها، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١٦٢٠): «اختلف العلماء في معنى قوله: «لا تردُّ يدَ لامسٍ» فقيل: معناه الفجور وأنَّها لا تمنع ممن يطلب منها الفاحشة وبهذا قال أبو عبيد، والخلاّل، والنَّسائيُّ، وابن الأعرابي، والخَطّابي، والغزالي، والنووي وهو مقتضى استدلال الرافعي به هنا، وقيل: معناه التبذير، وأنَّها لا تمنع أحداً طلب منها شيئاً من مال زوجها، وبهذا قال أحمد، والأصمعي، ومحمد بن ناصر ونقله عن علماء الإسلام، وابن الجوزي وأنْكر على من ذهب إلى الأول، وقيل: والظاهر أنَّ قوله: لا تردُ يدَ لامسٍ أنَّها لا تمنعُ يدهُ ليتلذذَ بلمسها، ولو كنىّ به عن الجماع لعد قاذفاً وأنَّ زوجها فهم من حالها أنَّها لا تمتنع ممنْ أرادَ منها الفاحشة، لا أنَّ ذلك وقع منها». وقال السِّندي في "حاشيته على سنن النَّسائي" ٦/ ٦٧: «أي أنَّها مطاوعةٌ لمن أرادها، وهذا كناية عن الفجور، وقيل: بل هو كناية عن بذلها الطعام، قيل: وهو الأشبه، وقال أحمد: لم يكن ليأمره بإمساكها وهي تفجر، ورُدَّ بأنَّه لو كان المراد السخاء لقيل: لا ترد يد ملتمس، إذ السائل يقال له الملتمس لا لامس، وأما اللمس فهو الجماع أو بعض مقدماته، وأيضاً السخاء مندوب إليه فلا تكون المرأةُ معاقبة لأجله مستحقة للفراق» قلت: وإنني لأعجبُ من أصحاب المذهب الأول الذين فسروا اللمس بالفجور، فإنَّ كلامهم مردود شرعاً وعقلاً. أما شرعاً فلو كان المقصود الفجور، لأقيم الحد على الفاجرة كما هو معروف شرعاً. وأما من حيث العقل: فكيف يقرُ رسولُ اللهِ ﷺ وهو الذي ﴿لا ينطق عن الهوى﴾ (١) لرجل جاء معترفاً بفجور زوجته، والأدهى من ذلك والأَمرّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال له: «أمْسكْهَا» فكأنَّه بذلك رضي بهذا الفعل، وحاشاه ﷺ من ذلك فهذا من المحال عليه ﷺ .

стр. 2049

قال علي بن أبي طالب ﵁ فيما أخرجه: أحمد ١/ ١٢٢ بإسناد صحيح: إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ حديثاً، فظنوا به الذي هو أهياه وأهداه وأتقاه. انظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٤٥٩ - ٤٦٠ (٥٨٠٧)، و"التلخيص الحبير" ٣/ ٤٨٤ (١٦٢٠). مثال ما أخطأ راويه في متنه لاختلاط معناه عليه ما روى أبو معاوية الضرير - محمد بن خازم - عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أحصوا هلال شعبان لرمضان، ولا تَخلطوا برمضان، إلا أنْ يوافق ذلك صياماً كان يصومه أحدُكم، وصوموا للرؤية، وأفطروا للرؤية، فإنْ غُمّ عليكم، فإنها ليست تَغْمَى عليكم العِدَّة» (١). أخرجه: الترمذي (٦٨٧)، والدارقطني ٢/ ١٦٢ - ١٦٣ ط. العلمية و (٢١٧٤) ط. الرسالة، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٢٠٦. وأخرجه: الحاكم ١/ ٤٢٥، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٢٠٦. وأخرجه: البغوي (١٧٢٢) من طريق أبي معاوية، به. هذا الحديث صححه الحاكم إذ قال عقب تخريجه: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ولم يتعقبه الذهبي. وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٥٦٥)، وقلده الأرنؤوط فقال في تعليقه على "شرح السنة" ٦/ ٢٤٠: «إسناده جيد». والصواب أنَّ الحديث خطأ، أخطأ فيه أبو معاوية محمد بن خازم، وأبو معاوية ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره (٢). وهذا الحديث من أوهامه كما نص عليه الجهابذة من أهل العلم، قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: «وسألت أبي، عن حديث رواه أبو معاوية، عن

стр. 2050

محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «أحصوا هلال شعبان لرمضان» فقال هذا خطأ؛ إنما هو: محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». أخطأ أبو معاوية في هذا الحديث» (١)، وقال الترمذي: «حديث أبي هريرة ﵁ غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية، والصحيح ما روي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا تقدموا شهر رمضان بيوم أو يومين» وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، نحو حديث محمد بن عمرو الليثي» (٢). أقول: هكذا أَعلَّ هذان الإمامان الجليلان رواية أبي معاوية وخطّآه، وهو الصواب، وقد يتخالج إلى ذهن بعضهم أنَّ الحديث المحفوظ الذي أعل به أبو حاتم يخالف حديث الترمذي، لظاهر اختلاف الحديثين، وهذا غير صحيح بل هما حديث واحد، أتى كل من أبي حاتم والترمذي بجزء منه للاختصار، فالحديث المحفوظ رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «لا تَقَدَّموا الشَّهْرَ بيومٍ ولا يومين، إلا أنْ يُوافِقَ ذلكَ صوماً (٣) كانَ يصُومُه أحدُكُم، صُومُوا لرؤيتهِ، وأفطروا لرؤيتهِ، فإنْ غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثينَ ثُمَّ أفطروا» هكذا رواه الثقات عن محمد بن عمرو. فقد أخرجه: الشافعي في "مسنده" (٦٠٩) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" (٢٤٥٢) ط. العلمية و (٨٥٧٩) ط. الوعي من طريق عبد العزيز بن محمد. وأخرجه: أحمد ٢/ ٤٣٨ من طريق يحيى بن سعيد.

стр. 2051

وأخرجه: الترمذي (٦٨٤) من طريق عبدة بن سليمان. وأخرجه: الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ٨٤ وفي ط. العلمية (٣٢٥٩) من طريق هشام بن أبي عبد الله. وأخرجه: الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ٨٤ وفي ط. العلمية (٣٢٦٢) من طريق سليمان بن بلال. وأخرجه: الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ٨٤ وفي ط. العلمية (٣٢٦٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٧ من طريق عبد الوهّاب بن عطاء. وأخرجه: ابن حبان (٣٤٥٩)، والبغوي (١٧١٩) من طريق يزيد بن هارون. وأخرجه: الدارقطني ٢/ ١٥٩ ط. العلمية و (٢١٦٠) ط. الرسالة من طريق إسماعيل بن جعفر. وأخرجه: الدارقطني ٢/ ١٦٠ ط. العلمية و (٢١٦١) ط. الرسالة من طريق أبي بكر بن عيّاش. وأخرجه: الدارقطني ٢/ ١٦٠ ط. العلمية و (٢١٦٢) ط. الرسالة من طريق أسباط بن محمد. وأخرجه: الدارقطني ٢/ ١٦٠ ط. العلمية و (٢١٦٣) ط. الرسالة من طريق أسامة بن زيد. جميعهم: (عبد العزيز، ويحيى، وعبدة، وهشام، وسليمان، وعبد الوهّاب، ويزيد، وإسماعيل، وأبو بكر، وأسباط، وأسامة) عن محمد ابن عمرو، بنحو الرواية التي قدمناها. تبين الآن شذوذ رواية أبي معاوية. أما رواية يحيى بن أبي كثير التي أشار إليها الترمذي: فقد أخرجها: الشافعي في "مسنده" (٦١٠) بتحقيقي، والطيالسي (٢٣٦١)، وعبد الرزاق (٧٣١٥)، وابن أبي شيبة (٩١٢١)، وأحمد ٢/ ٢٣٤ و ٢٨١ و ٣٤٧ و ٤٠٨ و ٤٧٧ و ٥١٣، والدارمي (١٦٨٩)، والبخاري ٣/ ٣٥ - ٣٦

стр. 2052

(١٩١٤)، ومسلم ٣/ ١٢٥ (١٠٨٢) (٢١)، وأبو داود (٢٣٣٥)، وابن ماجه (١٦٥٠)، والترمذي (٦٨٥)، والنسائي ٤/ ١٤٩ وفي " الكبرى "، له (٢٤٤٨) ط. العلمية و (٢٤٥٩) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٥٩٩٩) و (٦٠٣٠)، وابن الجارود (٣٧٨)، وأبو عوانة ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ (٢٧٠٣) و (٢٧٠٥) و (٢٧٠٦)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ٨٤ وفي ط. العلمية (٣٢٦٠) و (٣٢٦١)، وابن حبان (٣٥٨٦)، وأبو نعيم في "الحلية" ٦/ ٢٨٢، والبيهقي ٤/ ٢٠٧ وفي "المعرفة"، له (٢٤٥٣) ط. العلمية و (٨٥٨٠) ط. الوعي، والبغوي (١٧١٨). وهناك من رواه عن أبي هريرة ﵁ غير أبي سلمة بروايات توافق الرواية المحفوظة: فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (٩١٠٩)، وأحمد ٢/ ٢٨٧، ومسلم ٣/ ١٢٤ (١٠٨١) (٢٠)، والنسائي ٤/ ١٣٤ وفي " الكبرى "، له (٢٤٣٣) ط. العلمية و (٢٤٤٤) ط. الرسالة من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه: أحمد ٢/ ٢٦٣، ومسلم ٣/ ١٢٤ (١٠٨١) (١٧)، وابن ماجه (١٦٥٥)، والنسائي ٤/ ١٣٣ وفي " الكبرى "، له (٢٤٢٩) ط. العلمية و (٢٤٤٠) ط. الرسالة، والبيهقي ٤/ ٢٠٦ من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه: عبد الرزاق (٧٣٠٥)، وأحمد ٢/ ٢٨١، وابن حبان (٣٤٥٧)، والدارقطني ٢/ ١٦٠ ط. العلمية و (٢١٦٤) ط. الرسالة من طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه: أحمد ٢/ ٤٢٢ من طريق عطاء، عن أبي هريرة ﵁. قلت: وتظافر هذه الروايات يؤكد خطأ أبي معاوية، ويبين شذوذ هذه اللفظة التي جاء بها. وكما تقدم فإنَّ أبا معاوية قد خولف، خالفه الثقات عن محمد بن عمرو، وكذا خالفه من روى عن أبي سلمة وعن أبي هريرة ﵁، ولم يتابع بمن يصلح للمتابعة.

стр. 2053

وهناك متابعة لكن لا قيمة لها فقد أخرجه: الطبراني في "الأوسط" (٨٢٤٢) كلتا الطبعتين، وابن عدي في " الكامل" ٩/ ٤٨، والضياء المقدسي في "المنتقى من مسموعاته بمرو" (ق ٩٧/ ١) كما ذكر الألباني في "الصحيحة" (٥٦٥) من طريق يحيى بن راشد، عن محمد بن عمرو. متابعاً في ذلك أبا معاوية، وهذه المتابعة لا قيمة لها؛ لضعف يحيى بن راشد، فقد ضعّفه النسائي كما في "الكامل" ٩/ ٤٧ وهذا الحديث ساقه ابن عدي ضمن مناكير يحيى بن راشد. وقد اغتر الشيخ الألباني بهذه المتابعة الواهية، ومن أغرب ما قرأته له أنه قال في "السلسلة الصحيحة " ٢/ ١٠٤ (٥٦٥): «ثم رأيت ابن أبي حاتم قد ساق الحديث في " العلل " (٦٧٠) من طريق يحيى بن راشد، قال: حدثنا محمد بن عمرو به، وقال: قال أبي: ليس هذا الحديث بمحفوظ. فكأنَّه لم يقع له من طريق أبي معاوية، كما لم تقع للترمذي هذه الطريق، وبالجمع بينهما ينجو الحديث من الشذوذ والمخالفة!!». انتهى كلام الشيخ وهو عجيب غريب، ويناقش من أوجه: الأول: لا أدري كيف استجاز الشيخ تقوية حديث أبي معاوية برواية يحيى بن راشد وهو يقر بأنه ضعيف؛ فهل الضعف يصلح لتقوية الغلط؟! الثاني: أهمل الشيخ كلام الترمذي برمته وكذلك كلام أبي حاتم في إعلال حديث أبي معاوية بأنَّ المحفوظ خلافه، وهذه المخالفة كما بينت قد جاءت من طبقة تلاميذ محمد بن عمرو (١)، وتلاميذ أبي سلمة، وتلاميذ أبي هريرة ﵁.

стр. 2054

الثالث: إنَّ الشيخ ﵀ توقع أنَّ أبا حاتم لم تقع له رواية أبي معاوية، وهذا عجيب منه فهو قد نقل من " علل ابن أبي حاتم "، وقبل النص الذي نقل منه بصفحات جاء ذكر رواية أبي معاوية فقد جاء في "العلل" (٦٧٠): «وسألت أبي، عن حديث رواه أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «أحصوا هلال شعبان، فقال: وهذا خطأ؛ إنما هو: محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» أخطأ أبو معاوية في هذا الحديث». الرابع: على الباحث أنْ لا يتساهل في رد أقوال المتقدمين لا سيما عند اجتماع كبرائهم أو عدم وجود مخالف لهم من المتقدمين؛ لأنهم قد سبروا الطرق وجمعوا مئات ألوف منها، فكانت أحكام المتقدمين نتيجة جهود ودراسات وأبحاث قل نظيرها فينبغي الاعتناء بكلامهم غاية الاعتناء. ومما أخطأ راويه في متنه ما روى يحيى بن اليمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ ينشرُ أصابعَهُ في الصلاةِ نَشراً. أخرجه: الترمذي (٢٣٩)، وابن خزيمة (٤٥٨) بتحقيقي، وابن حبان (١٧٦٩)، والحاكم ١/ ٢٣٥، والخليلي في " الإرشاد " ١/ ٢٨٥، والبيهقي ٢/ ٢٧ من طريق يحيى بن اليمان، بهذا الإسناد. هذا حديث إسناده جيد، إلا أنَّ يحيى بن اليمان قال عنه علي بن المديني فيما نقله ابن الجوزي في " العلل المتناهية " قبيل (٩٤٣)، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٨/ ٣٥٦: «تغير حفظه»، وقال يحيى بن معين فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٩/ ٩٢، والذهبي في " الميزان " ٤/ ٤١٦ (٩٦٦١): «ليس بالقوي»، وقال أحمد بن حنبل فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٢٤٧ (٨٣٠): «يضطرب في بعض حديثه»، وقال أبو داود فيما نقله ابن الجوزي في " العلل المتناهية " قبيل (٩٤٣): «يخطئ في الأحاديث ويقلبها»،

стр. 2055

وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٩/ ٢٤٧ (٨٣٠): «مضطرب الحديث»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٦٣٢): «ليس بالقوي»، وقال العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٤٣٣: «لا يتابع على حديثه»، وقال ابن عدي في " الكامل " ٩/ ٩٥: «عامة ما يرويه غير محفوظ، وابن يمان في نفسه لا يتعمد الكذب إلا أنَّه يخطئ ويشتبه عليه»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٧٦٧٩): «صدوق، عابد، يخطئ كثيراً، وقد تغير». مما تقدم تبين أنَّ ابن اليمان يخطئ في الحديث، وما يدل على أنَّه أخطأ في هذا الحديث: أنَّه خالف غيره. فقال الترمذي: «وقد روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا دخلَ في الصلاةِ رفع يديه مداً، وهو أصح منْ رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن اليمان في هذا الحديث». وقال أبو حاتم فيما نقله ابنه في " العلل " (٢٦٥): «وهم يحيى إنَّما أراد: قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ رفعَ يديه مداً، كذا رواه الثقات منْ أصحاب ابن أبي ذئب»، وقال الخليلي في " الإرشاد " ١/ ٢٨٦: «ولم يروه بهذا اللفظ غير يحيى بن يمان»، وقال البغوي عقب (٥٦٧): «ولا يصح»، وقال النووي في " الخلاصة " (١٠٨٦): «أطنب الترمذي في تضعيفه». وقال المباركفوري في " تحفة الأحوذي " ٢/ ٤٣: «والظاهر الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، فإنَّ حديث الباب باللفظ المذكور غير محفوظ قد أخطأ فيه ابن يمان كما صرّح به الترمذي .. والمراد بقوله أصح: الصحيح. يعني أنَّ رواية من روى بلفظ: كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مداً، صحيحة ورواية يحيى بن اليمان المذكورة فإنَّها غير صحيحة، بل هي خطأ». أما الروايات التي وردت بصيغة المد والتي أُشيْرَ إليها: فأخرجها: ابن أبي ذئب في "موطئه" كما في "نصب الراية" ١/ ٣٣٦ (١).

стр. 2056

وأخرجه: الطيالسي (٢٣٧٤) ومن طريقه البيهقي ٢/ ٢٧، والمزي في "تهذيب الكمال " ٣/ ١٧١ (٢٢٧٧). وأخرجه: الترمذي (٢٤٠) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي. وأخرجه: أحمد ٢/ ٤٣٤، وأبو داود (٧٥٣)، والنَّسائي ٢/ ١٢٤ وفي "الكبرى "، له (٩٥٧) ط. العلمية و (٩٥٩) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٤٦٠) و (٤٧٣) بتحقيقي، والحاكم ١/ ٢١٥، والبيهقي ٢/ ١٩٥ من طريق يحيى بن سعيد القطّان. وأخرجه: ابن خزيمة (٤٥٩) بتحقيقي، وابن حبان (١٧٧٧)، والحاكم ١/ ٢٣٤، والبيهقي ٢/ ٢٧ من طريق أبي عامر العقدي. وأخرجه: أحمد ٢/ ٤٣٤ من طريق يزيد بن هارون. وأخرجه: البيهقي ٢/ ١٩٥ من طريق عاصم بن علي. وأخرجه: أحمد ٢/ ٥٠٠ من طريق محمد بن عبد الله بن الزبير. وأخرجه: ابن خزيمة (٤٦٠) و (٤٧٣) بتحقيقي من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك. وأخرجه: البخاري في " الصلاة خلف الإمام " (٢٧٩) من طريق عاصم (١). تسعتهم: (الطيالسي، وعبيد الله، ويحيى، وأبو عامر، ويزيد، وعلي بن عاصم، ومحمد، وابن أبي فديك، وعاصم) عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان مولى الزرقيين، قال: دخل علينا أبو هريرة المسجد، فقال: «ثلاثٌ كانَ رسولُ الله ﷺ يعملُ بهنَّ تركهنَّ الناسُ، كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قامَ إلى

стр. 2057

الصلاةِ رفعَ يديه مداً، وكانَ يقفُ قبلَ القراءةِ هنيهةً يسألُ الله منْ فضلهِ، وكانَ يكبّرُ في الصلاةِ كلما ركعَ وسجدَ». الروايات مطولة ومختصرة واللفظ لابن حبان. في رواية يحيى القطّان عند الحاكم: «يرفعُ يديه حتّى جاوزتا أذنيه … » ورواية أبي عامر عنده أيضاً: «إذا قامَ إلى الصلاةِ قالَ هكذا، وأشار أبو عامر بيده ولم يفرجْ بين أصابعهِ ولم يضمها». وحديث ابن أبي ذئب من غير طريق ابن اليمان هو حديث صحيح ثابت. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " ٢/ ١٨٨: «الحديث لا مطعن في إسناده». ونقل الترمذي عقب (٢٤٠) عن شيخه الدارمي أنَّه قال: «وهذا أصح من حديث يحيى بن اليمان، وحديث يحيى بن اليمان خطأ» (١). وروي الحديث من غير طريق سعيد بن سمعان. أخرجه: الطيالسي (٢٥٦٢)، وأحمد ٢/ ٣٧٥ و ٥٠٠، والدارمي (١٢٣٧)، والبيهقي ٢/ ٢٧ من طريق ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان، عن أبي هريرة، به. فيكون ابن أبي ذئب في هذا روى الحديث بإسنادين. وهناك من قال بأنَّ المد والنشر سواء. قال الشوكاني في " نيل الأوطار " ٢/ ١٨٩: «وقد فسر ابن عبد البر المد المذكور في الحديث بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس انتهى. والمراد به ما يقابل النشر المذكور في الرواية الأخرى؛ لأنَّ النشر تفريق الأصابع».

стр. 2058

وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على " صحيح ابن حبان " ٥/ ٦٧: «لم يخطئ يحيى بن اليمان في روايته؛ لأنَّها لا تختلف من حيث المعنى عن رواية غيره، فالنشر في اللغة ضد الطي، وهو بمعنى المد في هذا المقام، لا فرق بينهما». والصحيح ما ذهب إليه أهل العلم المتقدمون من أنَّ يحيى بن اليمان أخطأ في هذا الحديث، والله أعلم. وانظر: " تحفة الأشراف " ٩/ ٣١٥ (١٣٠٨١)، و" نصب الراية " ١/ ٣٣٦، و"أطراف المسند" ٧/ ٢٥٥ (٩٤٤٧) و ٨/ ٥١ (١٠٢٨١)، و"إتحاف المهرة" ١٤/ ٧١٨ (١٨٥٨٢) و ١٥/ ٥٧٨ (١٩٩٣١). مثال آخر: روى حمَّاد بن سلمة، عن أيوبَ السختياني، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ بلالاً أذَّنَ قبلَ طلوعِ الفجرِ، فأمرَه النَّبِيُّ ﷺ أن يَرْجِعَ فيُناديَ: «ألا إنَّ العبدَ نامَ ألا إنَّ العبدَ نامَ» فرجعَ فنادى: ألا إنَّ العبد نام. أخرجَه: عبد بن حُميد (٧٨٢)، وأبو داود (٥٣٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار "١/ ١٨٠ وفي ط. العلمية (٨٣٣) و (٨٣٤)، والدارقطني ١/ ٢٤٣ ط. العلمية و (٩٥٤) ط. الرسالة، والبيهقي ١/ ٣٨٣ وفي " المعرفة "، له (٥٤٢) ط. العلمية و (٢٤٢٧) ط. الوعي، وابن الجوزي في"العلل المتناهية" (٦٦١) من طرق عن حماد بن سلمة، عن أيوب، به. هذا إسنادٌ ظاهره الصحةُ، فرواتُه ثِقاتٌ أثباتٌ، وهو متصلُ السندِ، لكنَّ جهابذةَ المحدّثين وأهلَ الشأنِ لهم قولٌ آخرُ، وهو: أنَّ هذه الروايةَ معلولةٌ لا تصحُّ. فقد أنكر الإمام مالك الحديث فيما نقله البيهقي ١/ ٣٨٥ وفي "معرفة السنن والآثار" له (٥٤٥) حين أخرج البيهقي من طريق شعيب بن حرب قال: «قلت لمالك بن أنس: أليسَ قد أمرَ النَّبيُّ ﷺ بلالاً أنْ يعيدَ الأذان؟، فقال: قالَ رسول الله ﷺ «إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ فكلوا واشربوا» قلتُ: أليس قد أمرَهُ أنْ يعيدَ الأذان؟ قال: لا، لم يزلِ الأذانُ عندنا بليلٍ».

стр. 2059

وقال الشافعيُّ فيما نقله ابن رجب في" فتح الباري" ٥/ ٣٢٦: «رأينا أهل الحديث من أهل العراق لا يثبتون هذا الحديث»، وبنحوه نقل عنه البيهقي في " معرفة السنن والآثار " (٥٤١). ونقل الترمذي عقب (٢٠٣) عن عليِّ بن المدينيِّ قوله: «حديثُ حمادِ بن سلمةَ … هو غيرُ محفوظٍ، وأخطأَ فيه حمادٌ»، ونقل عنه البيهقي في"معرفة السنن والآثار" عقب (٥٤٢) أنَّه قال: «هو عندي خطأ لم يتابع حماد بن سلمة على هذا». وقال الترمذيُّ عقب (٢٠٣): «هذا حديث غيرُ محفوظٍ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذنَ ابن أمِّ مكتوم». وروى عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع: أنَّ مؤذناً لعمر أذنَ بليلٍ، فأمره عمرُ أنْ يعيدَ الأذان». وقال أيضاً: «ولو كان حديث حماد صحيحاً لم يكن لهذا الحديث معنى، إذ قال رسول الله ﷺ «إنَّ بلالاً يؤذن بليل» فإنَّما أمرهم فيما يستقبل، فقال: «إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ» ولو أنَّه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل: «إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ»». وأخرج: البيهقي ١/ ٣٨٣ بإسناده إلى محمد بن يحيى الذُّهليِّ قوله: «حديثُ حماد بن سلمة … شاذٌّ غيرُ واقعٍ على القلبِ، وهو خلافُ ما روَاه الناسُ عن ابن عمرَ». وقال أبو حاتِم الرازيُّ في" العلل " لابنه (٣٠٨): «لا أعلم روى هذا الحديث - عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ : أنَّ بلالاً أذّن قبل الصبح، فقال له النبي ﷺ : «ارجْع فنادِ: إنَّ العبدَ نامَ» - إلا حماد بن سلمة … »، وقال: «والصحيح: عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عمرَ أمر مسروحاً (١)

стр. 2060

- أذنَ قبل الفجرِ - وأمره أنْ يرجعَ، وفي بعض الأحاديث: أنَّ بلالاً أذن قبل الفجر، فلو صح هذا الحديث لدفعه حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. والقاسم بن محمد، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال «إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذنَ ابن أم مكتوم». فقد جوز النَّبيُّ ﷺ الأذان قبل الفجر، مع أنّ حديث حماد بن سلمة خطأ». وقال الأثرم كما في " نصب الراية " ١/ ٢٨٦: «وأما حديث حماد بن سلمة فإنَّه خطأ منه، وأصل الحديث: عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ مؤذناً يقال له مسروح - وقال بعضهم مسعود - أذَّنَ بليلٍ». وقال البيهقي ١/ ٣٨٣: «هذا حديث تفرّد بوصله حماد بن سلمة عن أيوب». وقال ابن عبد البرِّ في" التمهيد "٤/ ٢٠٩: «وهذا حديثٌ انفرد به حماد بن سلمة دون أصحاب أيوب، وأنكروه عليه وخطّؤوه فيه؛ لأنَّ سائر أصحاب أيوب يروونه عن أيوب، قال: أذَّنَ بلالٌ مرةً بليلٍ .. فذكره مقطوعاً» - أي مرسلاً (١)، وسيأتي ذكره وتخريجه -. وقال ابن حجر في" فتح الباري" ٢/ ١٣٦ عقب (٦٢٠): «اتفقَ أئمةُ الحديثِ عليُّ بن المدينيِّ وأحمدُ بن حنبل والبخاريُّ والذُّهليُّ وأبو حاتِم وأبو داودَ والترمذيُّ والدارقطني والأثرم على أنَّ حماداً أخطأَ في رفعهِ، وأنَّ الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنَّه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأنَّ حماداً انفرد برفعه … »، وقال ابن القيم في"إعلام الموقعين" ٢/ ٤٦٤: « … ولا تُرَدُّ السنة الصحيحة بمثلِ ذلك؛ فإنَّها أصلٌ بنفسها، وقياس وقت الفجرِ على غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمته للسنة لكفى في رده، فكيف والفرق قد أشار إليه ﷺ وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة

стр. 2061

والحكمة التي لا تكون في غير الفجر؟! وإذا اختص وقتها بأمرٍ لا يكون في سائر الصلوات امتنع الإلحاق. وأمَّا حديث حماد عن أيوب فحديث معلول عند أئمة الحديث لا تقوم به حجة». وذكره النووي في" الخلاصة "١/ ٢٩٢ (٨٣٢) في فصل الضعيف، ونقل تضعيف أبي داود والبيهقي، وانظر: " المُحرَّر " لابن عبد الهادي (١٩١)، و" الأحكام الوسطى " لعبد الحق الإشبيلي ١/ ٣٠٤. أقول: اعلم أنَّ حماد بن سلمة ﵀ هو أحدُ أئمة المسلمين، وهو من الثقات العبَّاد من أهل الأثر، إلا أن في روايته عن أيوب كلاماً، قال عنه أحمد بن حنبل فيما نقله المزِّي في "تهذيب الكمال" ٢/ ٢٧٩ (١٤٦٦): «يُسند حماد بن سلمة عن أيوبَ أحاديثَ لا يُسندها الناسُ عنه .. وكان حماد بن سلمة جالس أيوب أولاً ثم تركه بهد»، وقال ابن رجب في " فتح الباري " ٥/ ٣٢٧: «روايات حماد بن سلمة عن أيوب غيرُ قويةٍ»، وقال البيهقي في" معرفة السنن والآثار" عقب (٥٤٢): «حماد بن سلمة ساءَ حفظُه في آخرِ عُمُرِه فلا يُقبل منه ما يخالفُه فيه الحفَّاظُ»، وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين " ٢/ ٤٦٥: «قال الإمام أحمد: إذا رأيتَ الرجلَ يغمزُ حماد ابن سلمة فاتّهمه؛ فإنَّه كان شديداً على أهل البدعِ، قال البيهقي: إلا أنَّه لمَّا طعن في السِّنِّ ساء حفظُه، فلذلك ترك البخاريُّ الاحتجاج بحديثه، وأما مسلم فاجتهد في أمره وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثاً أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به، وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقب الله أنْ لا يحتج بما يجد من حديثه مخالفاً لأحاديث الثقات الأثبات، وهذا الحديث من جملتها». وقال مسلمٌ في" التمييز" عقب (١٠٢): «وحمادٌ يُعَدُّ عندهم (١) إذا حدَّثَ عن غيرِ ثابتٍ كحديثهِ عن قتادةَ، وأيوبَ، ويونسَ، وداودَ بن أبي هندٍ، والجريريِّ، ويحيى بن سعيدٍ، وعَمْرو بن دينارٍ وأشباهِهم فإنَّه يُخطئُ في

стр. 2062

حديثِهم كثيراً، وغيرُ حماد في هؤلاء أثبت عندهم، كحمادِ بن زيدٍ … وعبدِ الوارثِ ويزيدَ بن زُريعٍ وابن عُليَّة». وقال الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٧/ ٤٤٦ (١٦٨): «كان بحراً من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق حجة إنْ شاء الله، وليس هو في الإتقان كحماد بن زيد .. »، وقال في " ميزان الاعتدال " ١/ ٥٩٠ (٢٢٥١): «وكان ثقة، له أوهام»، وقال ابن حجر في "التقريب" (١٤٩٩): «ثقة عابد أثبتُ الناسِ في ثابتٍ وتغيَّرَ حفظُه بأخرةٍ». وانظر: " تحفة الأشراف " ٥/ ٣٨١ (٧٥٨٧)، و" المسند الجامع " ١٠/ ١٠ (٧٢٩٢). أما حديث بلال الذي سبقت الإشارة إليه فقد. أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٢٦٧)، وأحمد ٢/ ٩٤، وابن الجارود (١٦٣)، وأبو عوانة ١/ ٢٧٧ (٩٦٩) من طريق محمد بن بشر. وأخرجه: مسلم ٢/ ٣ (٣٨٠) (٧) و ٣/ ١٢٩ (١٠٩٢) (٣٨) من طريق عبد الله بن نمير. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٣٢٢) عن محمد بن بشر وعبد الله بن نمير (مقرونين). وأخرجه: أحمد ٢/ ٥٧ عن يحيى القطان. وأخرجه: الدارمي (١١٩١)، ومسلم ٣/ ١٢٩ (١٠٩٢) (٣٨)، والبيهقي ١/ ٣٨٢ من طريق عبدة بن سليمان. وأخرجه: البخاري ١/ ١٦١ (٦٢٢) و ٣/ ٣٧ (١٩١٨)، ومسلم ٣/ ١٢٩ (١٠٩٢) (٣٨) من طريق أبي أسامة - حماد بن أسامة -. وأخرجه: مسلم ٣/ ١٢٩ (١٠٩٢) (٣٨)، وابن خزيمة (٤٢٤) بتحقيقي من طريق حماد بن مسعدة. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٣٣٧٩) عن روح بن القاسم. سبعتهم: (محمد بن بشر، وعبد الله بن نمير، ويحيى بن سعيد القطان،

стр. 2063

وعبدة بن سليمان، وحماد بن أسامة، وحماد بن مسعدة، وروح بن القاسم) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانَ لرسول الله ﷺ مؤذنانِ بلالٌ وابن أُمِّ مكتومٍ الأعمى ﵄ فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ فكلُوا واشربُوا حتى يُؤذِّنَ ابن أُمِّ مكتومٍ». وانظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ٦٩٠ - ٦٩١ (١٧٥٣٥)، و " المسند الجامع " ١٠/ ١٠٣ (٧٢٩٥). تبيَّن أنَّ حماداً تفرَّدَ به وأخطأ فيه مخالفاً الثقات، ولو صحَّ حديثه لَدفعتْهُ أحاديث الثقات الأثبات الذين ذكرناهم كما هو مقرَّر في علم المصطلح. وذكر الدارقطني ١/ ٢٤٣ ط. العلمية وقُبيل (٩٥٥) ط. الرسالة متابعة سعيد بن زَرْبي لحماد، وهي متابعةٌ ضعيفةٌ لأمرينِ: الأول: لم أقف عليها مسندةً فلا تقوم بها حجة؛ إذ لا نعلم صحة الإسناد إلى سعيد، فلعلَّ السند لا يصح إليه، ثم إنَّه لا تقوم حجة بالحديث المعلّق، فهو أحد أقسام الحديثِ الضعيفِ. الثاني: سعيد بن زَرْبي هو الخزاعيُّ البصري العبّاداني: قال عنه ابن معين فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٢٣ (٩٥): «ليس حديثه بشيءٍ»، وقال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٣/ ٣١٣ (١٢٥١): «ليس بقويٍّ» وقال في ٣/ ٣٩٠ (١٥٨٢): «صاحب عجائب»، وقال أبو داود فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ١٥٨ (٢٢٥٣): «ضعيف»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٢٧٨): «ليس بثقة»، وقال أبو حاتِم في "الجرح والتعديل" لابنه ٤/ ٢٣ (٩٥): «ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عجائب من المناكير»، وقال ابن حِبان في " المجروحين " ١/ ٣١٨: «كان ممّن يروي الموضوعات عن الأثبات على قِلةِ روايته»، وقال الدارقطنيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٢٧٢): «متروك»، وقال أبو أحمد الحاكم فيما نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٤/ ٢٥ (٢٣٩٧): «منكر الحديث جداً»، وقال ابن حجر في "التقريب " (٢٣٠٤): «منكر الحديث». فلا تقوم به حجة ولا تصلح روايته للاعتبار.

стр. 2064

ثم نعود لرواية حماد لنبيّن كيف دخل الوهم عليه؟ فلعلَّ حماداً أرادَ حديث مؤذن عُمر بن الخطاب ﵁؛ وذلك أنَّه كان لعمر ﵁ مؤذن اسمه مسروح أذَّنَ قبل الصبحِ فأمره عمر ﵁ أنْ يرجعَ فينادي: ألا إنَّ العبد نام. أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٣٢٠) قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي روَّاد، عن نافعٍ: أنَّ مؤذناً لعمر يقال له: مسروح أَذّن قبلَ الفجرِ فأمرهُ عمرُ أنْ يعيدَ. وأخرجه: أبو داود (٥٣٣)، ومن طريقه الدارقطنيُّ ١/ ٢٤٣ ط. العلمية و (٩٥٥) ط. الرسالة، والبيهقيُّ ١/ ٣٨٤ وفي " معرفة السنن والآثار"، له (٥٤٣) ط. العلمية و (٢٤٣٦) ط. الرسالة من طريق شعيب بن حرب، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن مؤذنٍ لعمر يقال له: مسروح أَذّن قبل الصبح فأمره عمر .. فذكر نحوه. قال الترمذي عقب (٢٠٣): «وهذا لا يصح؛ لأنَّه عن نافع، عن عمر منقطع»، وقال ابن عبد البر في " التمهيد "٤/ ٢١٠: «وهذا إسناد غير متصل؛ لأنَّ نافعاً لم يلق عمر». وقال أبو حاتم كما في" العلل " لابنه عقب (٣٠٨): «والصحيح عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عمر أمر مسروحاً أذّن قبل الفجر وأمره أنْ يرجعَ، وفي بعض الأحاديث: أنَّ بلالاً أذّنَ قبل الفجر، فلو صحَّ هذا لدفعه حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، والقاسم بن محمد، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ بلالاً يؤذّن بليلٍ فكُلُوا واشربُوا حَتَّى يؤذّن ابنُ أمِّ مكتومٍ» فقد جوَّز النَّبيُّ ﷺ الأذان قبل الفجر، مع أنَّ حديث حماد بن سلمة خطأ، قيل له: فحديث ابن أبي محذورة؟ قال: ابن أبي محذورة شيخ». وخالف وكيعاً وشعيباً ابن أبي محذورة، فأخرجه: البيهقي ١/ ٣٨٣ من طريق ابن أبي محذورة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ به. وقال في " المعرفة " (٥٤٣): «وقد روي عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، وهو وهمٌ، الصواب حديث شعيب بن حرب، عن عبد العزيز كما قاله أبو الحسن الدارقطني .. »، وقال

стр. 2065

ابن رجب في "فتح الباري" ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨: «وأما حديث عبد العزيز بن أبي روَّاد فقد رُويَ عنه متصلاً من رواية ابن أبي محذورة عنه، وتابعه عامر بن مدرك، قال الدارقطنيُّ: هو وهمٌ، والصواب رواية شُعيب بن حرب، عن عبد العزيز، عن نافعٍ، عن مؤذنٍ لعمرَ يُقال له: مسروح: أنَّ عمرَ أمرَهُ بذلك». وعلى هذا فتكون رواية ابن أبي محذورة منكرة لا يلتفت لها، أما طريق ابن أبي رواد فهو منقطع بين نافع وعمر. أما مسروح فإنه مجهولٌ وليس له إلا هذه الرواية، إذ قال عنه الذهبي في "ميزان الاعتدال " ٤/ ٩٧ (٨٤٥٩): «فيه جهالة». وعلق أبو داود عقب (٥٣٣) متابعة لابن أبي رواد على الطريق الموقوف، فقال: «وقد رواه حمادُ بن زيدٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمر، عن نافعٍ أو غيرِه: أنَّ مؤذناً لعُمرَ يُقالُ له: مسروحٌ أو غيرُه». وقال أبو داود أيضاً: «ورواه الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن عُبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: كان لعمرَ مؤذِّنٌ يُقالُ له: مسعودٌ، وذكر نحوَه». وهاتان الروايتان لم أقف عليهما متصلتين. وقد أعلَّ بعض الحفّاظ الرواية المرفوعة بالرواية الموقوفة، فقال أبو داود بعد ما ساق رواية مسروح مع عمر ﵁: «وهذا أصحُّ من ذاك»، يعني: أنَّ هذا وقع لعمر مع مؤذنه، لا كما رواه حماد بن سلمة مرفوعاً. وقال ابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢١٠: «وهذا هو الصحيح - والله أعلم - أنَّ عمرَ قال ذلك لمؤذنه لا ما ذكر أيوب أن رسول الله ﷺ قاله لبلال» (١). وأما المتابعات الأخرى التي علّقها أبو داود فهي معلولة فطريق حماد بن زيد لم أقف له على سوى التعليق، وأما المتابعة للأقوى؛ فالدَّرَاوَرْدِي هو عبد العزيز بن محمد بن عُبيد المدني، تكلم الحفّاظ الجهابذة في حديثه

стр. 2066

عن عُبيد الله بن عمر فقال الإمام أحمد فيما نقله المزِّي في "تهذيب الكمال" ٤/ ٥٢٨ (٤٠٥٨): «كان معروفاً بالطلب وإذا حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدَّثَ من كُتب الناس وَهِمَ، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عُبيد الله بن عمر»، ونقل عن أبي زُرعة قوله: «سيئ الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ»، ونقل عن النسائي قوله: «ليس به بأس، وحديثه عن عُبيد الله بن عمر منكر»، وقال ابن حجر في "التقريب" (٤١١٩): «صدوقٌ، كان يُحدِّثُ من كُتب غيره فَيُخطئُ» (١). زيادةً على مخالفته في ذكر ابن عمر ﵁ في السند، ومخالفة الرواة عن عُبيد الله -كما سبق -. وأخرج: الدارقطني ١/ ٢٤٥ ط. العلمية و (٩٥٨) ط. الرسالة، ومن طريقه ابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (٣٧٦) فقال: حدثنا محمد بن نوحٍ، قال: حدثنا معمر بن سهل، قال: حدثنا عامر بن مُدرك، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنَّ بلالاً أذَّنَ قبل الفجر، فغضبَ النَّبيُّ ﷺ وأمره أنْ يناديَ: «إنَّ العبد نامَ» فوجدَ بلالٌ وجداً شديداً - أي غضبَ على نفسه (٢) -. وهذه روايةٌ معلولةٌ لا تصحُّ؛ فعامر بن مُدرك ليس بالقوي (٣)، لا سِيَّما وقد خالف من هو أقوى منه، وقال الدارقطني: «وَهِمَ فيه عامر بن مُدرك، والصواب قد تقدم عن شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن مؤذن عمر، عن عمر قوله» (٤).

стр. 2067

وانظر: " إتحاف المهرة " ٩/ ١٤٣ (١٠٧٢٩). بقي أن نتكلم عن عبد العزيز بن أبي روَّاد حيث عليه مدار هذه الأحاديث، فأقول: عبد العزيز- رحمة الله عليه - هو ميمون بن بدر المكي - على الصحيح - من خراسانَ سكن مكةَ. فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٥/ ٤٦٤ (١٨٣٠) عن يحيى القطَّان قال: «ثقةٌ في الحديثِ ليس ينبغي أن يُترك حديثه لرأيٍ أخطأ فيه»، ونقل عن ابن معين أنه قال: «ثقةٌ». ونقل عن أبيه أنه قال: «صدوقٌ، ثقةٌ في الحديثِ، متعبِّد»، وقال أحمد في " الجامع في العلل " ٢/ ٣٠ (٢٤١): «رجلٌ صالح وكان مرجئياً وليسَ هو في التثبُّتِ (١) مثل غيرِه»، وقال أحمد أيضاً كما جاء في "موسوعة أقواله " (١٦٠١): «ليس حديثُه بشيءٍ». ونقل البخاري في … " الضعفاء الصغير " (٢٢٢) عن يحيى بن سليم، قال: «كان يرى الإرجاء»، ونقل المزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ٥١٧ (٤٠٣٥) عن النسائي قوله: «ليس به بأس»، وقال ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٥٠٧: «وفي بعض أحاديثه ما لا يُتابع عليه». وذكره ابن حِبان في "المجروحين" ٢/ ١٣١ وتكلم فيه وانتقص منه وقال: «وكان ممن غلبَ عليه التقشف حتى كان لا يَدري ما يُحدِّثُ به، وروى عن نافعٍ أشياءَ لا يَشكُّ من في الحديثِ صناعته إذا سمعها أنها موضوعة كان يُحدِّثُ بها توهُّماً لا تعمُّداً، ومَن حدَّثَ على الحسبانِ وروى على التوهُّمِ حتى كَثُرَ ذلك منه سقط الاحتجاجُ به» وقال أيضاً «روى عبد العزيز عن نافعٍ عن ابن عمر نسخةً موضوعةً، لا يَحِلُّ ذكرها في الكتب إلا على سبيل الاعتبار»، ونقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٦/ ٢٩٨ (٤٢٤٨) عن الساجيّ قال: «صدوقٌ يرى الإرجاء»، ونقل عن الدارقطني أنه قال: «هو متوسطٌ في الحديث وربما وَهِمَ في حديثه». وخرّج له البخاري تعليقاً من طريق نافع وخرّج له أصحاب السنن

стр. 2068

الأربعة. وقال ابن حجر في "التقريب" (٤٠٩٦): «صدوقٌ عابدٌ رُبما وهِمَ، ورُميَ بالإرجاء». فهذه الأقوالُ تجعلُ في الحكمِ عليه اختلافاً، وقد دافع من دافع عنه عن كل قولٍ فيه، فقالوا: هو من العلماء العابدين كما قاله الذهبي، وقال ابن المبارك: كان من أعبد الناس - انظر ما سبق - ووثَّقه يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وأبو حاتِم الرازي - على شدتهم في انتقاء الرجال - والحاكم، وقال الذهبي في" الكاشف" (٣٣٨٧): «ثقة مرجئ عابدٌ»، وروى عنه عبد الرحمان بن مهدي ويحيى القطان وابن المبارك وعبد الرزاق ووكيع، وتخريج البخاري له وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبزار وابن خزيمة والحاكم وأصحاب السنن وبعض المسانيد والدارقطني والبيهقي معظمهم من طريق نافع عن ابن عمر، مما يعطي لروايته عنه قوة. فأمَّا من تكلم فيه إنما كان تضعيفهم إيَّاهُ بسبب ما اتهم بالإرجاء، وهي علةٌ غيرُ قادحةٍ في وثاقته، وهذا ما قاله يحيى بن سعيد القطان الذي كان عارفاً بهذا الأمر، فقال: «ثقةٌ في الحديث ليس ينبغي أنْ يُتركَ حديثُه لرأيٍ أخطأ فيه» (١). وأمَّا طعنهم في روايته بحجة أنَّه روى نسخة موضوعة، فهذا يُرَدُّ عليهم من وجهينِ: الأول: إنَّ هذه النسخةَ ليست مما جنته يداه، بل أُلصقت به من الضعفاء ممن بعده كما نصَّ على ذلك الحافظ الذهبي. والآخر: إنَّ الأئمة الحفاظ ممن يعتنون بالحديث وصحته قد خرَّجوا له في كتبهم، ولو كانت له نسخة موضوعة من صُنع يديه لأعرضوا عنه. فعلى أقلِّ تقدير روايته هذه مقبولةٌ وقد وجد ما يعضدها، والله تعالى أعلم. ورويَ عن أيوبَ معضلاً، فخرَّجه عبد الرزاقِ (١٨٨٨)، والدارقطني

стр. 2069

١/ ٢٤٣ ط. العلمية و (٩٥٦) ط. الرسالة عن معمر، عن أيوب، قال: أَذّن بلالٌ مرةً بليلٍ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «اخرجْ فنادِ إنَّ العبَد قدْ نامَ»، فخرج وهو يقول: ليت بلالاً ثكلته أمّه … وابتلَّ من نضح دمٍ جبينه. ثمَّ نادى: إنَّ العبد نام. وهذه الروايةُ مُعضَلةٌ؛ فلم يذكر نافعاً ولا ابن عمر، ولا حجة بالمرسلِ فكيف بالمعضل (١). وقال ابن عبد البر في "التمهيد"٤/ ٢٠٩: «هذا هو الصحيح - والله أعلم - أنَّ عمر قال ذلك لمؤذنه، لا ما ذكر أيوب أنَّ رسول الله ﷺ قاله لبلال». ورويَ عن أنس بن مالك ﵁ ولا يصحُّ (٢). أخرجه: الدارقطني ١/ ٢٤٤ ط. العلمية و (٩٥٩) ط. الرسالة، ومن طريقه ابن الجوزي في" العلل المتناهية " (٦٦٣)، قال: حدثنا العباس بن عبد السميع الهاشمي، قال: حدثنا محمد بن سعد العَوفي، قال: حدثنا أبي (٣)، قال: حدثنا أبو يوسف القاضي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أنَّ بِلالاً أذَّنَ قبل الفجر فأمره رسولُ الله ﷺ أنْ يعودَ فينادي: «إنَّ العبدَ نامَ» ففعل، وقال: ليت بلالاً لم تلده أمّه … وابتلَّ من نضح دمٍ جبينه. وهذه الرواية فيها علتانِ:- الأولى: أبو يوسف وهو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي صاحب الإمام أبي حنيفة - رحمة الله عليهما - إمام من أئمة المسلمين طلب الحديث وهو صغير وكان يُعرَفُ بالحفظ للحديث وكان صاحب سنة، ثمَّ لزِمَ

стр. 2070

الفقه فتفقَّه على أبي حنيفة وغلب عليه الرأي فجفا الحديث فضعف حفظُه واهتمامه به؛ فترك المحدِّثون حديثه من حيث حفظه وضبطه، ولذلك كان للحفاظ فيه أقوال على حسب ما كان من أمره. فقد نقل العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٤٣٨ عن يحيى بن معين، قال: «لم يكن يعرف الحديث»، ونقل عنه ابن عدي في " الكامل " ٨/ ٤٦٦ قوله: «لا يُكتب حديثه»، ونقل الذهبي في … " ميزان الاعتدال " ٤/ ٤٤٧ (٩٧٩٤) عن الفلاس قال: «صدوق، كثير الغلط»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٢٧١ (٣٤٦٣): «تركوه»، وقال في " الضعفاء الصغير "، له (٤١٢): «تركه يحيى وابن مهدي وغيرهما»، ونقل ابن حجر في " لسان الميزان " (٨٦٢٢) عن النسائي قال: «ثقة»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٢٤٩ (٨٤١) عن أبيه قال: «يُكتب حديثه»، ونقل الذهبي في "الميزان" ٤/ ٤٤٧ (٩٧٩٤) عن ابن عدي قال: «وإذا روى عنه ثقة، وروى هو عن ثقة فلا بأس به وبرواياته، وقد جاء عن الثقات بما لا يتابع عليه» (١). الثانية: تفرُّد أبي يوسف، عن سعيد، قال الدارقطني عقبه: «تفرّد به أبو يوسف، عن سعيد، وغيره يرسله عن سعيد، عن قتادة، عن النَّبيِّ ﷺ »، وقال ابن الجوزي عقب (٦٦٤): «وأما حديث أبي يوسف فتفرّد برفعه، وغيره يرويه عن قتادة أنَّ بلالاً .. ». ومخالفته من هو أوثق منه عامَّةً وفي سعيدٍ خاصة، حيث رواه أصحاب سعيد ولم يذكروا أنساً، رواه عبد الوهاب ابن عطاء الخفَّاف، عن سعيد، عن قتادة، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً ولم يذكر أنساً ﵁، وهو الصواب، كما نصَّ على ذلك الحفّاظ. أمَّا طريق عبد الوهاب الذي أشار إليه الدارقطني فهو ما أخرجه: الدارقطني ١/ ٢٤٤ ط. العلمية و (٩٦٠) ط. الرسالة من طريق عبد الوهاب، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: أنَّ بلالاً أذَّنَ … ، ولم يذكر أنساً، قال الدارقطني: «والمرسل أصح - يعني: حديث عبد الوهاب هذا -». وأخرجه: البزَّار كما في " كشف الأستار " (٣٦٤)، والدارقطني ١/ ٢٤٤
следующие страницы →