← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

٤. روح بن عبادة: عِنْدَ أحمد (١). ٥. سويد بن سعيد الحدثاني (٢). ٦. عَبْد الرحمان بن القاسم (٣). ٧. عَبْد الله بن مسلمة القعنبي: عِنْدَ أبي داود (٤)، وأبي نعيم (٥)، والخطيب (٦). ٨. عَبْد الله بن وهب: عِنْدَ الطحاوي (٧). ٩. عَبْد الله بن يوسف التنيسي: عِنْدَ البخاري (٨). ١٠. الفضل بن دكين: عِنْدَ ابن عَبْد البر (٩). ١١. قتيبة بن سعيد: عِنْدَ أبي أحمد الْحَاكِم (١٠)، والخطيب (١١)، والعلائي (١٢). ١٢. مُحَمَّد بن الحسن (١٣). ١٣. مُحَمَّد بن سليمان المصيصي (لوين) (١٤): عِنْدَ أبي أحمد الْحَاكِم (١٥).

стр. 2277

١٤. أبو مصعب الزهري (١). ١٥. معن بن عيسى القزاز: عِنْدَ الْخَطِيْب (٢). ١٦. يحيى بن بكير: عِنْدَ العلائي (٣). ١٧. يحيى بن يحيى الليثي (٤). ١٨. يحيى بن يحيى النيسابوري: عِنْدَ مُسْلِم (٥). وَلَمْ ينفرد مالك بهذا الحديث، بَلْ تابعه متابعة تامة عليه: ١. سفيان بن عيينة وابن أبي ذئب وزمعة (مقرونين): عِنْدَ الطيالسي (٦)، وسفيان وحده: عِنْدَ الحميدي (٧)، وأحمد (٨)، ومسلم (٩)، والترمذي (١٠)، وأبي يعلى (١١). ٢. شعيب بن أبي حمزة: عِنْدَ أحمد (١٢)، والبخاري (١٣). ٣. مُحَمَّد بن الوليد الزُّبيدي (١٤): عِنْدَ مُسْلِم (١٥).

стр. 2278

٤. معمر بن راشد (١). ٥. سفيان بن حسين: عند أحمد (٢). فظهر أنَّ الحديثين اختلطا عَلَى سعيد بن أبي مريم، فأدرج من متن الثاني لفظاً في الْمَتْن الأول بإسناد الأول، وقد سبق هذا المثال في القسم الثاني وإنما أعدته بطريقة أخرى لصلاحيته للتنويع والتفريع وفي ذلك فائدة في جانب التنظير. القسم الرابع: أنْ يَكُوْن الْمَتْن عِنْدَ راوٍ إلا جزءاً مِنْهُ، فإنَّه لَمْ يسمعه من شيخه فِيْهِ، وإنما سمعه من وساطة بينه وبين شيخه، فيدرج الرُّوَاة الجزء من الْحَدِيْث من غَيْر تفصيل. والفرق بينه وبين القسم الثاني أنَّ الطرف المدرج في القسم الثاني هُوَ عن شيخ مغاير لشيخه في بقية الْمَتْن، وهنا مصدر الحديث في كليهما واحد. مثاله: الْحَدِيْث الَّذِيْ رَوَاهُ إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير (٣)، عن حميد الطويل، عن أنس في قصة العُرَنيين، وأنَّ رَسُوْل الله ﷺ قَالَ لَهُمْ: «لَوْ خَرَجتُمْ إلى إبلِنا فَشَربتُمْ مِنْ ألبانِها وَأبوالِها» (٤). فلفظة: (وأبوالها) لَمْ يسمعها حميد من أنس مباشرة، وإنَّما سمعها من قتادة، عن أنس، فأدرجها إسماعيل في الْمَتْن الأول بإسناد الْحَدِيْث الأول من غَيْر تفصيل، قَالَ الْخَطِيْب البغدادي: «هكذا رَوَى إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري جميع هَذَا الْحَدِيْث عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك،

стр. 2279

وفيه لفظة واحدة لَمْ يسمعها حميد من أنس، وإنَّما رواها عن قتادة عن أنس، وَهِيَ قوله: (وأبوالها)» (١). وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث عَلَى الصواب ففصل رِوَايَة قتادة عدة رواة من أصحاب حميد، مِنْهُم: ١. ابن أَبِي عدي (٢): عِنْدَ أَحْمَد (٣)، والنسائي (٤)، والخطيب (٥). ٢. بشر بن المفضل: عِنْدَ الْخَطِيْب (٦). ٣. خالد بن الحارث (٧): عِنْدَ النسائي (٨). ٤. عَبْد الله بن بكر السَّهمي (٩): عِنْدَ الطحاوي (١٠)، والخطيب (١١).

стр. 2280

٥. مروان بن معاوية الفزاري (١): عِنْدَ الْخَطِيْب (٢). ٦. معتمر بن سليمان: عِنْدَ الْخَطِيْب (٣). ٧. يزيد بن هارون: عِنْدَ أحمد (٤)، وأبي عوانة (٥)، والبغوي (٦)، والخطيب (٧). قَالَ الحافظ ابن حجر: «كلهم يقول فِيْهِ: (فشربتم من ألبانها) قَالَ حميد: قَالَ قتادة، عن أنس - رضي الله تَعَالَى عَنْهُ -: (وأبوالها) فرواية إسماعيل عَلَى هَذَا فِيْهَا إدراج وتسوية» (٨). وأصرح الروايات في هَذَا رِوَايَة أبي عوانة من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، وفيه: «قَالَ حميد: قَالَ قتادة: (وأبوالها)، لَمْ أسمعه أنا من أنس» (٩). هكذا مثّل الْخَطِيْب البغدادي وابن حجر لهذا النوع بهذا المثل (١٠)، واستدرك بعضهم (١١) بأنَّ إسماعيل بن جعفر متابَع تابعه:

стр. 2281

أ. عَبْد الوهّاب بن عَبْد المجيد الثقفي: عِنْدَ ابن ماجه (١). ب. عبد الله بن عمر: عِنْدَ النسائي (٢)، وأبي عوانة (٣). ج. هشيم بن بشير الواسطي: عِنْدَ مُسْلِم (٤). والذي يبدو لي أنَّ هَذِهِ الطرق لا يصح استدراكها عَلَى هذين الحافظين لما يأتي: ١. أما متابعة عَبْد الله بن عمر، فهو ضعيف، ضعّفه أحمد، والعقيلي، وابن معين، وابن المديني، ويحيى بن سعيد، وصالح جزرة، والنسائي، وابن سعد، والترمذي، وابن حبان، والدارقطني، وأبو أحمد الْحَاكِم (٥). ٢. وأما متابعة هشيم، فإنَّما رَوَاهُ عن حميد وثابت وقتادة ثلاثتهم … (مقرونين)، فلعله حمل رِوَايَة بعض عَلَى بعض وَلَمْ يفصّل فِيْهَا (٦). ٣. لَمْ تبق إلا رِوَايَة عَبْد الوهّاب، ويتخرّج أمرها عَلَى محملين: الأول: إنَّها وإنْ تابع فِيْهَا عَبْد الوهّاب إسماعيل بن جعفر، فكل منهما لا يقوى عَلَى مقاومة خلاف أصحاب حميد وهم سبع أنفس، وهذا أقوى المحملين. الثاني: أنْ تصح فيصير الحمل حينئذ عَلَى حميد، فكأنَّه كَانَ يبين لبعض الرُّوَاة الأمر، ويجمله لبعضهم، والله أعلم. القسم الخامس: أنْ يسوق المحدّث إسناده فَقَطْ من غَيْر أنْ يذكر الْمَتْن، ثُمَّ يقطعه قاطع فيذكر كلاماً، فيظن بعض من سمعه أنَّ ذَلِكَ الكلام هُوَ متن الإسناد (٧)، … وجعله بعضهم مثالاً لما وضع في الْحَدِيْث من غَيْر قصد من واضعه، وَهُوَ بنوع المدرج أليق.

стр. 2282

ومثاله: اْلحَدِيْث الَّذِيْ رَوَاهُ ثابت بن موسى (١) الزاهد، عن شريك القاضي، عن الأعمش، عن أَبِي سفيان، عن جابر مرفوعاً: «مَنْ كَثرتْ صَلاتُهُ بالليلِ، حَسُنَ وَجهُهُ بِالنهارِ» (٢). قَالَ الْحَاكِم: «هَذَا ثابت بن موسى الزاهد دخل عَلَى شريك بن عَبْد الله القاضي والمستملي بَيْنَ يديه، وشريك يقول: حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ ، وَلَمْ يذكر الْمَتْن، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قَالَ: مَنْ كثرتْ صلاتُهُ بالليل، حَسُنَ وجهُهُ بالنهار. وإنَّما أراد بِذَلِكَ ثابت بن موسى؛ لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنَّه رَوَى الْحَدِيْث مرفوعاً بهذا الإسناد، فكان ثابت بن موسى يحدِّث بِهِ عن شريك، عن الأعمش، عن أَبِي سفيان، عن جابر، وليس لهذا الْحَدِيْث أصل إلا من هَذَا الوجه، وعن قوم من المجروحين، سرقوه من ثابت بن موسى فرووه عن شريك» (٣). قَالَ الحافظ العراقي: «فعلى هَذَا هُوَ من أقسام المدرج» (٤). القسم السادس: أضاف عبد الله الجديع نوعاً آخر يمكن إلحاقه بالإدراج فقال: «وهو أن يقع بقصدٍ لفائدةٍ، وليس هذا من علل الحديث. وإدراج الزيادة من هذا يُبيَّن عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره، فلا محذور منه، ولا يعل به، وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة.

стр. 2283

مثاله: قول أبي داود السجستاني: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم - يعني: ابن خالد - عن رباح بن زيد، فذكره بإسناده حديثاً. فعبارة (يعني: ابن خالد) إدراج من أبي داود، وعلامة الإدراج قوله: «يعني» ولو لم تأت هذه القرينة وجاء السياق بلفظ: (إبراهيم بن خالد)، لم يصح ادعاء الإدراج في تفسيره، وإنما هو تعريف مخلد نفسه بشيخه» (١). أسباب وقوع الإدراج: إنَّ الباعث عَلَى الإدراج يختلف من شخص لآخر، ومن حَدِيْثٍ إلى حَدِيْثٍ غيره، ما بَيْنَ تفسير كلمة، أَو استنباط حكم، أَوْ قلة ضبط. ويمكننا أنْ نجمل سبب وقوع الإدراج فِيْمَا يأتي: ١. أنْ يريد الرَّاوِي تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواردة في متن الْحَدِيْث، فيحملها عَنْهُ بعض الرُّوَاة من غَيْر فصل لتفسير تِلْكَ الألفاظ. مثاله: حَدِيْث عُقيل (٢)، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين في قصة بدء الوحي، وفيه: «وَكَانَ يخلو بغار حراء فيتحنث فِيْهِ، وَهُوَ التعبد … » (٣).

стр. 2284

فقوله: «وَهُوَ التعبد» تفسير (التحنّث)، مدرج من كلام الزهري في الْحَدِيْث (١). ٢. أنْ يقصد الرَّاوِي إثبات حكم، ويستدل عليه بالحديث المرفوع. مثاله: ما سبق في حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَة ﵁: «أسبغوا الوضوءَ، وَيْلٌ للأعقابِ مِنَ النار». ٣. أنْ يريد الرَّاوِي بيان حكم يُستَنبطُ منْ كلام النَّبِيِّ ﷺ . مثاله: ما تقدم في حَدِيْث بسرة بنت صفوان ﵂: «مَنْ مسَّ ذكرَهُ أوْ أُنثييهِ أو رُفغيهِ فَلْيَتَوَضَّأْ». قَالَ البقاعي: «فَهِمَ عروةُ من الخبر أنَّ سببَ نقض الوضوء مظنة الشهوة، فجعل حكم ما قرب من الذكر كذلك؛ لأنَّ ما قاربَ الشيء أُعطي حكمُهُ، فَقَالَ كلٌّ منهما ذَلِكَ، فظنَّ بعض الرُّوَاة أنَّه من صلب الخبر فنقله مدرجاً فِيْهِ، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا» (٢). ٤. اختصار الْحَدِيْث من بعض الرواة بحذف أداة التفسير، أو التفصيل، والرواية بالمعنى. ٥. الخطأ الناشئ عن عدم ضبط الرَّاوِي لمروياته. طرق الكشف عن الإدراج: لَمْ يَكُن النقد الحديثي في وقت من أوقاته عبارة عن إلقاء الكلام عَلَى عواهنه، بَلْ هُوَ أمر في غاية العسر، تحكمه القرائن، وتقوّيه المرجحات، وتسنده أقوال أئمة هَذَا الشأن.

стр. 2285

ولا ريب أنَّ الكشف عن الْحَدِيْث المُعَلِّ - بأية علة - يستدعي اطّلاعاً واسعاً، وخبرة بالرجال، ودراية بأقوال النقاد، وملاحظة مواضع كلامهم، ومن هنا كَانَ الحكم عَلَى حَدِيْث ما بالإدراج شَيْئاً ليس بالهين. لذا نجد الإمام ابن دقيق العيد يضعّف الحكم بالإدراج عَلَى الْحَدِيْث إذا كَانَ اللفظ المدرج في أثناء متن الْحَدِيْث، ويضعف أكثر إذا كَانَ قَبْلَ اللفظ المرفوع، أو معطوفاً عليه بواو العطف (١). ويُعلِّل هَذَا الضعف بقوله: «لما فِيْهِ من اتصال هَذِهِ اللفظة بالعامل الَّذِيْ هُوَ من لفظ الرسول ﷺ » (٢). والحق أنَّه إذا قامت قرائن ومرجحات، تقوّي في نفس الناقد الحكم عَلَى تِلْكَ اللفظة بالإدراج فلا مانع من ذَلِكَ، وفي هَذَا يقول الحافظ ابن حجر: «وفي الجملة إذا قام الدليل عَلَى إدراج جملة معينة، بحيث يغلب عَلَى الظن ذَلِكَ، فسواء كَانَ في الأول أو الوسط أَو الآخِر، فإنَّ سبب ذَلِكَ الاختصار من بعض الرُّوَاة، بحذف أداة التفسير أَو التفصيل، فيجيء مَن بعده فيرويه مدمجاً من غَيْر تفصيل، فيقع ذَلِكَ» (٣). وَقَد وضع العلماء جملة من القواعد الَّتِيْ يعرف بِهَا كون الْحَدِيْث مدرجاً، يمكننا حصرها فِيْمَا يأتي: ١. أن يَكُوْن لفظه مِمَّا تستحيل إضافته إلى النَّبِيِّ ﷺ . مثاله: حَدِيْث عَبْد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : «للعبدِ المملوكِ الصالحِ أجْرانِ، والذي نفسي بيده، لولا الجهادُ في سبيل الله والحج وبر أمي، لأحبْبتُ أنْ أموتَ وأنا مملوك» (٤).

стр. 2286

فقوله: «والذي نفسي بيده … الخ الْحَدِيْث»، مِمَّا تستحيل نسبته إلى النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ لا يجوز في حقه أنْ يتمنى الرِّق ويصير مملوكاً، وأيضاً لَمْ تكن لَهُ أم يبرها، ولما فتشنا وجدناه مدرجاً من كلام أبي هُرَيْرَة. فَقَدْ أخرجه البخاري (١) عن بشر بن محمد (٢)، عن عَبْد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيْرَة، بِهِ. فأدرج كلام أبي هُرَيْرَة في المرفوع، وفصل القدر المدرج ثلاثة من الرُّوَاة عن ابن المبارك هم: ١. إِبْرَاهِيْم بن إسحاق الطالقاني: عِنْدَ أحمد (٣). ٢. عبدان المروزي (٤): عِنْدَ البيهقي (٥). ٣. حبان بن موسى المروزي (٦): عِنْدَ الْخَطِيْب (٧). كَمَا أنَّ ابن المبارك متابع في روايته عن يونس متابعة تامة، تابعه:

стр. 2287

١. أبو صفوان الأموي (١): عِنْدَ مُسْلِم (٢). ٢. سليمان بن بلال: عِنْدَ البخاري (٣). ٣. عَبْد الله بن وهب: عِنْدَ مُسْلِم (٤)، وأبي عوانة (٥)، والخطيب (٦). ٤. عثمان بن عمر (٧): عِنْدَ أحمد (٨)، وأبي عوانة (٩). فظهر أنَّ هَذَا الجزء من الْمَتْن مدرج في حَدِيْث رَسُوْل الله ﷺ من كلام أبي هُرَيْرَة، قَالَ الْخَطِيْب: «وقول النَّبِيِّ ﷺ هُوَ: «للعبدِ الصالحِ أَجْرانِ» فَقَطْ، وما بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما هُوَ كلام أبي هُرَيْرَة» (١٠). ٢. أنْ يرد التصريح من الصَّحَابِيِّ بأنَّه لَمْ يَسْمَع تِلْكَ الجملة من النَّبِيِّ ﷺ . مثاله: ما رواه أحمد بن عَبْد الجبار العطاردي (١١)، عن أبي بكر بن

стр. 2288

عياش (١)، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِر بن حبيش (٢)، عن عَبْد الله بن مسعود، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ مات وَهُوَ لا يشركُ بالله شَيْئاً دخلَ الجنَّةَ، ومَنْ ماتَ وَهُوَ يشركُ بالله شَيْئاً دخلَ النارَ» (٣). فأحمد بن عَبْد الجبار وهم في هَذَا الْحَدِيْث، فأدرج الجملة الثانية في المرفوع من الْحَدِيْث وَهُوَ الجملة الأولى، قَالَ الْخَطِيْب: «هكذا رَوَى هَذَا الْحَدِيْث أحمد بن عَبْد الجبار العطاردي، عن أبي بكر بن عياش، ووهم في إسناده وفي متنه. فأما الوهم في إسناده، فإنَّ عاصماً إنَّما كَانَ يرويه عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عَبْد الله، لا عن زر، وَقَدْ رَوَاهُ كذلك عن أبي بكر: أسود بن عامر (٤) (شاذان)، وأبو هشام مُحَمَّد بن يزيد الرفاعي (٥)، وأبو كريب مُحَمَّد بن العلاء الهمداني. ووافقهم حماد بن شعيب (٦) والهيثم بن

стр. 2289

جهم (١) والد عثمان بن الهيثم المؤذن، فروياه عن عاصم، عن أبي وائل كذلك. وأما الوهم في متن الْحَدِيْث: فإنَّ العطاردي في روايته جعله كله كلام النَّبِيِّ ﷺ وليس كذلك، وإنَّما الفصل في ذكر من مات مشركاً قَوْل رَسُوْل الله ﷺ ، والفصل الثاني في ذكر من مات غَيْر مشرك قَوْل عَبْد الله بن مسعود» (٢). وَقَدْ رَوَاهُ جمع من الرُّوَاة عن أبي بكر بن عياش، وميزوا بَيْنَ الفصلين، وهم: ١. أبو كريب مُحَمَّد بن العلاء: عِنْدَ الْخَطِيْب (٣). ٢. الأسود بن عامر (شاذان): عِنْدَ: أحمد (٤). ٣. مُحَمَّد بن يزيد أبو هاشم الرفاعي: عِنْدَ أبي يعلى (٥)، والخطيب (٦). ثُمَّ إنَّ أبا بكر بن عياش متابع عليه في روايته عن عاصم، تابعه: ١. حماد بن شعيب: عند الْخَطِيْب (٧). ٢. الهيثم بن جهم: عِنْدَ الْخَطِيْب أَيْضاً (٨).

стр. 2290

٣. أبو أيوب الإفريقي (١): عِنْدَ الطبراني (٢). ورواه أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش مقتصراً عَلَى اللفظ المرفوع (٣). ولفظ الْحَدِيْث كَمَا رَوَاهُ أحمد (٤) من طريق أسود بن عامر: قَالَ عَبْد الله: سَمِعْتُ رَسُوْل الله ﷺ يقول: «مَنْ جَعلَ للهِ نِداً جَعَله اللهُ في النارِ»، وَقَالَ: وأخرى أقولها لَمْ أسمعها مِنْهُ: من مات لا يجعل للهِ نداً أدخله اللهُ الجنةَ. ٣. أنْ يفصِّل بعض الرُّوَاة فيبينوا المدرج، ويَفْصِلُوه عن الْمَتْن المرفوع، ويضيفوه إلى قائله. مثاله: ما رَوَاهُ عَبْد الله بن خيران (٥)، عن شعبة، عن أنس بن سيرين: أنَّه سَمِعَ ابن عمر رضي الله تَعَالَى عنهما يقول: طلقتُ امرأتي وَهِيَ حائضٌ، فذكر عمر ﵁ ذَلِكَ للنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: «فَلْيراجعْها، فإذا طَهرتْ فَلْيطلقْها» قَالَ: فيحتسب بالتطليقة؟ قَالَ: فمه (٦)؟! (٧).

стр. 2291

قَالَ الْخَطِيْب عقبه: «والصواب أنَّ الاستفهام من قَوْل أنس بن سيرين، وأنَّ جوابه قول لابن عمر». وَقَدْ بيّن ذَلِكَ جَمَاعَة الرُّوَاة عن شعبة، وهم: ١. بهز بن أسد (١): وروايته عِنْدَ أحمد (٢)، ومسلم (٣). ٢. الحجاج بن منهال (٤): عِنْدَ الطحاوي (٥). ٣. خالد بن الحارث: عِنْدَ مُسْلِم (٦). ٤. سليمان بن حرب: عِنْدَ البخاري (٧). ٥. مُحَمَّد بن جعفر (غندر): عِنْدَ أحمد (٨)، ومسلم (٩)، والخطيب (١٠). ٦. النضر بن شميل المازني: عِنْدَ الْخَطِيْب (١١). ٧. يحيى بن سعيد القطان: عِنْدَ الْخَطِيْب (١٢). ٨. يزيد بن هارون: عِنْدَ ابن الجارود (١٣). فظهر أنَّ عَبْد الله بن خيران أدرج سؤال ابن سيرين، وجواب ابن عمر لَهُ في الْحَدِيْث، وجعل صورة الكل كأنَّه مرفوع.

стр. 2292

ولفظ الْحَدِيْث كَمَا أخرجه أحمد (١) من طريق مُحَمَّد بن جعفر (غُنْدر)، عن شعبة، عن أنس بن سيرين: أنَّه سَمِعَ ابن عمر قَالَ: طلقتُ امرأتي وَهِيَ حائضٌ، فأتى عمرُ النَّبِيَّ ﷺ فأخبره، فَقَالَ: «مُره فَلْيراجعْها، ثُمَّ إذا طهرتْ فَلْيطلقْها». قُلْتُ لابن عمر: أحسب تِلْكَ تطليقة؟ قَالَ: فمه؟! إلا أنَّ الحَافِظ ابن حجر استدرك عَلَى من حكم عَلَى الْحَدِيْث بالإدراج موافقة لهذه القاعدة الثالثة، بأنَّ البت بالحكم هنا لَيْسَ لَهُ قوة البت بالحكم في النوعين الماضيين، فَقَالَ: «والحكم عَلَى هَذَا القسم الثالث بالإدراج، يَكُوْن بحسب غلبة ظن المحدّث الحَافظ الناقد، ولا يوجب القطع بذَلكَ خلاف القسمين الأولين، وأكثر هَذَا الثالث يقع تفسيراً لبعض الألفاظ الواقعة في الْحَدِيْث، كَمَا في أحاديث الشغار والمحاقلة والمزابنة» (٢). حكم الإدراج اتضح لنا فِيْمَا مضى أنَّ الإدراج علة يُعَلُّ بِهَا الْحَدِيْث، سواء وقعت في الْمَتْن أو في الإسناد أو فيهما، لذا فتعمد الإدراج حرام، قال ابن الصلاح : «واعلم أنَّه لا يجوزُ تَعَمُّدُ شيء من الإدراج المذكور» (٣). واعترض عليه الزركشي، فقال: «فيه أمران: أحدهما: لم يبين حكم فاعل ذلك، وقد سبق في التدليس أنَّ الماوردي والروياني وابن السمعاني في القواطع (٤) قالوا: إنَّ فاعله مجروح ساقط العدالة، وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وكان مُلْحَقاً بالكذابين. الثاني: لم يتكلم على تفاوت هذه المراتب، وأقواها في المنع الأول؛ لخلطه المرفوع بالموقوف، ونسبته إلى

стр. 2293

النَّبيِّ ﷺ ما لم يقله، وأخفّها الأخير؛ لرجوع الخلاف إلى الإسناد خاصة، لا سيما إذا كان الكل ثقات» (١). وبيان ذلك أنَّ الإدراج إما أنْ يكون القصد منه تفسير غريب وإما غير ذلك. فإنْ كان الغرض منه تفسير غريب، فلا بأس به، ولذا قال السيوطي: «وعندي أنَّ ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع، ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة» (٢) على أنْ يأتي بلفظ يدل على الإدراج. وإنْ كان الغرض منه شيئاً غير تفسير غريب ونحوه فهو على حالتين: إما أنْ يكون عمداً، وإما أنْ يكون خطأ. فإنْ كان عمداً، فإنّه حرام كله على اختلاف أنواعه باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول، وعليه دل كلام ابن السمعاني؛ لما يتضمنه من التلبيس ومن عزو القول إلى غير قائله. وإما أنْ يكون خطأ من الراوي فلا يترتب عليه شيء، لكن إذا كثر خطؤه كان هذا جرحاً في ضبطه وإتقانه، ولا يبقى محلاً للقبول، بَلْ هُوَ أمر قادح في عدالة الرَّاوِي، لا سيما إذا انبنى عَلَى ذَلِكَ شيء من الأحكام العلمية أَو العملية.

стр. 2294

النوع السادس من العلل المشتركة: الشذوذ إنَّ الثقة قد يخطئ، وهذا من فطرة الله للإنسان، فإنْ قل خطأه فإنّ ذلك لا يخرجه من دائرة الضبط والإتقان لكثرة الصواب. ثم إنَّ هذه الفطرة هي التي جعلت الرواة يتفاوتون في الضبط والإتقان، قال الله تعالى: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ (١). وهذه التفاوتات قد أوجدت اختلافاً بين الرواة، حتى صار وجود الاختلاف أمرٌ طبعيٌّ. ومن تلك الاختلافات أن يخالف الثقة غيره من الثقات في الحفظ أو العدد، أي: بأن يخالف الثقة من هو أوثق منه في الحفظ والإتقان (٢)، أو عدداً كأن يخالف ثقة اثنين مساويين له من الثقات فأكثر. وهذا ما أتناوله في هذا النوع من العلل، وهو ما يسمى بالشذوذ، على تفصيل. تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً: الشاذ: المنفرد، وشذ الرجل: إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ، ومنه شاذ من القياس، وهذا مما يشذ عن الأصول، وكلمة شاذة … (٣). أما في الاصطلاح فالشذوذ: مخالفة الثقة للأوثق منه حفظاً أو عدداً،

стр. 2295

وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح (١)، قال الحافظ ابن حجر: «ويختار في تفسير الشاذ أنَّه الذي يخالف راويه من هو أرجح منه» (٢). هذا الذي استقر عليه الاصطلاح مأخوذ من كلام المتقدمين، فقد روى البيهقي من طريق يونس بن عبد الأعلى (٣) قال: قال لي الشافعي: «الإجماع أكثر من الخبر المنفرد، وليس الشاذ من الحديث أنْ يروي الثقة ما لا يروي غيره، هذا ليس بشاذ، إنَّما الشاذ أنْ يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس، فهو الشاذ من الحديث» (٤) وروى الحاكم بمعناه (٥). وهذا النص عن الإمام الشافعي نقله الخليلي فقال: «قال الشافعي وجماعة (٦) من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحدٍ، ويرويه ثقة خلافه زائداً أو ناقصاً» (٧). وأسنده الخطيب بلفظ: «ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم

стр. 2296

يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثاً فيشذ عنهم واحد فيخالفهم» (١). ويرى أحد الباحثين أنَّ الشافعي إنَّما قال ذلك جواباً لمن رد حديث الواحد بدعوى الشذوذ (٢). وأشار الإمام الشافعي في هذا التعريف إلى أنَّ مصطلح (شاذ) لا يحمل على إطلاق اللغة بالانفراد، بل هو انفراد خاص؛ إذ يحمل بين طياته مخالفة ثقة أو ثقات، في المتن أو في السند، قال البقاعي: «فالشرط مخالفة الثقة لمن هو أعلى منه صفة، كأنْ يخالف واحداً هو أوثق منه، أو عدداً، كأن يخالف اثنين مساويين له في الثقة فأكثر» (٣). وقد سبق أنْ ذكرت أنَّ مخالفة الثقة لغيره من الثقات أمرٌ طبيعيٌّ؛ إذ إنَّ الرواة يختلفون في مقدار حفظهم وتيقظهم وتثبتهم من حين تحمّلهم الأحاديث عن شيوخهم إلى حين أدائها (٤). وهذه التفاوتات الواردات في الحفظ تجعل الناقد البصير يميز بين الروايات، ويميز الرواية المختلف فيها من غيرها، والشاذة من المحفوظة، والمعروفة من المنكرة. استعمال مصطلح (شاذ) عند المتقدمين والمتأخرين: إنَّ مصطلح (شاذ) قليل الاستعمال لدى المتقدمين، قال الدكتور حمزة المليباري - وفقه الله -: «وجدير بالذكر أنَّ هذا المصطلح نادر الاستعمال لدى المتقدمين، فإذا تتبعت كتب العلل، فإنَّك لا تكاد تجد فيها كلمة (الشاذ)، ولا

стр. 2297

يعني هذا أنَّهم لا يعتبرون الحديث الشاذ معلولاً، وإنَّما أوردوا ما يقال فيه الشاذ على كل المناهج بعبارات أخرى واضحة مثل قولهم: «هذا خطأ» «هذا غير محفوظ» «هذا وهم» أو نحو ذلك» (١). وسبق أنَّ للشاذ تعريفين آخرين ذكرتهما في هامش قبل صفحات، وذكرت في المتن تعريف الشافعي؛ لأنَّه تعريف المتقدمين، ولأنَّ المتأخرين درجوا عليه، ولهجوا به في مصنفاتهم. على أنَّ بعض المتقدمين كان يطلق على الشاذ منكراً، مما حدا بابن الصلاح أنْ لا يفرق بينهما فقد قال - في المنكر -: «والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفاً في شرح الشاذ. وعند هذا نقول: المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ؛ فإنَّه بمعناه» (٢). لكن المختار كما تقدم أنَّ الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه عدداً أو حفظاً، ويقابله المحفوظ، وأنَّ المنكر ما رواه الضعيف مخالفاً للثقات، ويقابله المعروف، مع وجوب الانتباه على الاستعمالات الأخرى التي يستعملها أهل العلم لتلك المعاني بإطلاقات أخرى، حتى يفهم طالب العلم ويدرك أقوال النقاد من أهل الحديث. الفرق بين الشاذ والمنكر: إنَّ تفريق ابن حجر وأهل العلم بعده بين الشاذ والمنكر، وقصر مدلول الشاذ على الشاذ، والمنكر على المنكر، هو الأولى؛ كي لا تتداخل المصطلحات، فابن حجر ومن جاء بعده فرّقوا بين الشاذ والمنكر، وقصروا مدلول كل واحد على معناه، وقيدوا النوعين بقيد المخالفة، فإنْ كانت مخالفة مقبول (٣) فهو الشاذ، وإنْ كان ضعيفاً فهو المنكر، قال ابن رجب عن قاعدة

стр. 2298

الإمام أحمد في المنكر: «إن ما انفرد به ثقة، فإنه يُتوقف فيه حتى يتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والإتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان، وابن معين، وغيرهما» (١) وهذا الصنيع هو الذي يبين للمرء واجب المحدّثين المتأخرين، الذين نجموا بعد القرن الثالث الهجري، والذين كان لهم أثر في خدمة العلم وبيان المصطلحات، حتى لا يقع اللبس على الحديثيّ المبتدئ (٢). دنو رتبة الشاذ: إنَّ الثقة إذا خالف من هو أوثق منه عدداً أو حفظاً، وكان الجمع غير ممكن، ثم ترجحت رواية الأحفظ أو رواية الجمع الذين هم أولى بالحفظ، فإنَّ رواية الثقة تلك تكون شاذة ساقطة، وتكون رتبتها أدنى من رواية الراوي الضعيف؛ لأنَّها خطأ، قال أبو داود: «فإنَّه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم» (٣). ومع حكمنا بشذوذ رواية الثقة وخطئها، فإنا لا نحكم عليها بالوضع والكذب، بل نطلق عليها مصطلح باطل، والشيخ عبد الله السعد لهجٌ في دروسه بإطلاق (باطل) على الروايات الشاذة، وهذا هو الصواب. صعوبة إدراك الشاذ: إنَّ جهابذة النقاد من المحدّثين لا تفوتهم معرفة الشاذ؛ لجودة قريحتهم، وسعة حفظهم، ولما لديهم من معطيات مكنتهم من هذا الفن، قال البيهقي: «وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه، لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم، وإنَّما يعرف بكثرة السماع، ومجالسة أهل العلم بالحديث،

стр. 2299

ومذاكرتهم، والنظر في كتبهم، والوقوف على روايتهم، حتى إذا شذ منها حديث عرفه» (١). هذا نظر ثاقب من الحافظ البيهقي - وهو الخبير الناقد - إذ إنَّ معرفة العلل عموماً، ومعرفة الشاذ خصوصاً، والحكم على الأحاديث، ليست قضية حسابية نظرية تبنى على قواعد ظاهرة فقط، بل إنَّ التصحيح والتضعيف، ومعرفة العلل والشذوذ، يناله النقاد من أهل الحديث، حينما تكون لديهم جملة وافرة من المعطيات، تمكنهم من نقد المرويات والحكم عليها، بحيث يترجح عندهم الحكم الذي يليق بتلك الرواية مع وجود القرائن التي تحفها، فيحكمون على كل رواية بما يليق بها. ولما مكنَّهم الله من ذلك فإنَّهم كانوا لا يشذ عنهم شيءٌ إلا عرفوه وحكموا فيه بما يستحق، قال أبو داود: «ولو احتج رجلٌ بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتجُ بالحديث الذي قد احتج به، إذا كان الحديث غريباً شاذاً. فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح، فليس يقدر أن يرده عليك أحدٌ» (٢). وقال الحافظ ابن حجر مبيناً صعوبة معرفة هذا النوع: «وهذا على هذا أدقُّ من المعلل بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذروة (٣) من الفهم الثاقب، ورسوخ القدم في الصناعة، فرزقه الله تعالى نهاية الملكة» (٤). وقال تلميذه السخاوي: «وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك في كونه ينقدح في نفس الناقد أنَّه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنَّه من أغمض الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من

стр. 2300

رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة التامة بمراتب الرواة، والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ - كما نسب لشيخنا - أدق من المعلل بكثير» (١). إنَّ ما ذكر من أنَّه أصعب من المعلل فهو مبالغة؛ فكل شاذ معلل ولا عكس، وإدراك علة من العلل، أصعب من معرفة الشذوذ، والله أعلم. وتجدر الإشارة إلى أنَّه يوجد في كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين إطلاق الحكم بالشذوذ والنكارة على كثير من التفردات، قال الحافظ ابن الصلاح: «وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث» (٢). وقد قيد الحافظ ابن حجر هذا الكلام بقوله: «وهذا مما ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد (٣) من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده» (٤). وهذا نظرٌ جدٌّ من الحافظ ابن حجر في أنَّ عدداً من المتقدمين يطلقون أحياناً على التفرد: الرد والنكارة والشذوذ، وهو حكمٌ مهم على الحديث بالخطأ، سواء كان الخطأ في الإسناد أو في المتن، أو أنَّه أغرب عن الثقات في الرواية عن راو مكثر، له تلاميذ كثر فأغرب عنهم، أو أنَّ الراوي ممن لا يحتمل تفرده بسنة عزيزة فينفرد بها، وعلى هذا يحمل كلام الخليلي المذكور سالفاً في حده للشاذ، ومما يُستأنسُ به في ذلك قول الإمام مسلم: «وعلامة المنكر في حديث المحدّث، إذا ما عُرضتْ روايتُه للحديث على رواية غيره من أهل

стр. 2301

الحفظ والرضا، خالفت روايتُهُ روايتهم أولم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعمله» (١). وقد سبق في التفرد الإشارة إلى شيء من ذلك فليراجع. شروط الشاذ: يتضح من التعريف الذي استقر عليه جمهور المحدّثين: أنَّ الحديث الشاذ لا يكون شاذاً حتى يجتمع فيه ثلاثة أمور: التفرد، والمخالفة، وثقة راويه؛ وذلك لأنَّ تفرد الثقة بحديث لم يخالف فيه غيره لا يعد ضعيفاً، بل هو صحيح إذا استوفى بقية الشروط. مثال ذلك: حديث: «إنمَّا الأعمالُ بالنياتِ»، فقد تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب (٢). فهذا الحديث قد حصل فيه تفرد في أكثر من طبقة، ومع ذلك فلا يعد شاذاً؛ لأنَّ من تفرد به لم يخالف غيره. ثم إنْ خولف الثقة بأرجح منه: لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من المرجحات، فالمرجوح هو: الشاذ، والراجح محفوظ (٣). أنواع الشذوذ: الشذوذ من العلل المشتركة بين المتن والإسناد، ويحصل بالزيادة أو النقصان، فحدوثه فيهما على أنواع هي: ١ - شذوذ المتن أو بعضه. ٢ - شذوذ الإسناد أو بعضه. ٣ - شذوذ المتن والإسناد كليهما. ومن الأمثلة لحديث ثقة خالف في ذلك حديث ثقة أوثق منه: ما

стр. 2302

رواه معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير (١)، عن عبد الله بن أبي قتادة (٢)، عن أبيه (٣)، قال: «خرجتُ معَ رسولِ الله ﷺ زمنَ الحديبية، فأحرمَ أَصْحابي وَلَمْ أحرمْ، فَرأيتُ حماراً فَحملتُ عليه، فَاصطدتُهُ، فَذَكَرْتُ شأنَه لرسَولِ الله ﷺ ، وذكرتُ أني لم أكنْ أحرمْتُ، وأني إنَّما اصْطدتُهُ لَكَ؟ فأمر النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَه فأكلوا، وَلَمْ يأكلْ مِنْهُ حِيْنَ أخبرته أني اصْطدته لَهُ» (٤). فهذا الحديث يتبادر إلى ذهن الناظر فيه أول وهلة أنَّه حديث صحيح، إلا أنَّه بعد البحث تبين أنَّ معمر بن راشد - وهو ثقة - قد شذ في هذا الحديث، فقوله: «إنَّما اصطدتُهُ لك»، وقوله: «ولم يأكلْ منه حين أخبرتُهُ أني اصطدتهُ له». جملتان شاذتان، شذ بهما معمر بن راشد عن بقية الرواة. قال ابن خزيمة: «هذه الزيادة: «إنَّما اصطدتُهُ لكَ»، وقوله: «ولم يأكلْ مِنهُ حينَ أخبرتُهُ أني اصطدتُهُ لك»، لا أعلم أحداً ذكره في خبر أبي قتادة غير معمر في هذا الإسناد، فإنْ صحت هذه اللفظة، فيشبه أنْ يكون ﷺ أكل من لحم ذلك الحمار قبل [أن] (٥) يعلمه أبو قتادة أنَّه اصطاده من أجله، فلما

стр. 2303

أعلمه أبو قتادة أنَّه اصطاده من أجله امتنع منْ أكله بعد إعلامه إياه أنَّه اصطاده من أجله؛ لأنَّه قد ثبت عنه ﷺ أنَّه قد أكل من لحم ذلك الحمار» (١). هكذا جزم الحافظ ابن خزيمة بتفرد معمر بن راشد بهاتين اللفظتين، وهو مصيب في هذا، إلا أنَّه لا داعي للتأويل الأخير؛ لجزمنا بعدم صحة هاتين اللفظتين - كما سيأتي التدليل عليه -. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري (٢) - شيخ الدارقطني -: «قوله: … (اصطدتُهُ لكَ)، وقوله: (ولمْ يأكلْ مِنهُ)، لا أعلم أحداً ذكره في هذا الحديث غير معمر» (٣). وقال البيهقي: «هذه لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه، وقد روينا عن أبي حازم بن دينار، عن عبد الله بن أبي قتادة في هذا الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ أكل منها، وتلك الرواية أودعها صاحبا الصحيح (٤) كتابيهما دون رواية معمر، وإن كان الإسنادان صحيحين» (٥).

стр. 2304

وقال ابن حزم: «لا يخلو العمل في هذا من ثلاثة أوجه: إما أنْ تغلب رواية الجماعة (١) على رواية معمر، لا سيما وفيهم من يذكر سماع يحيى من ابن أبي قتادة (٢)، ولم يذكر معمراً، وتسقط رواية يحيى بن أبي كثير جملة؛ لأنَّه اضطرب عليه (٣)، ويؤخذ برواية أبي حازم، وأبي محمد، وابن موهب الذين لم يضطرب عليهم؛ لأنَّه لا يشك ذو حسٍّ أنَّ إحدى الروايتين وهمٌ، إذ لا يجوز أنْ تصح الرواية في أنَّه ﵇ أكل منه، وتصح الرواية في أنَّه ﵇ لم يأكل منه، وهي قصة واحدة، في وقت واحد، في مكان واحد، في صيد واحد .. » (٤). وسأشرح الآن شذوذ رواية معمر، فأقول: خالف معمر رواية الجمع عن يحيى، فقد رواه هشام الدستوائي (٥) - وهو ثقة ثبت (٦) -، وعلي بن المبارك (٧) - وهو ثقة (٨) -، ومعاوية بن سلاّم (٩)

стр. 2305

- وهو ثقة (١) -، وشيبان بن عبد الرحمان (٢) - وهو ثقة (٣) -، فهؤلاء أربعتهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، ولم يذكروا هاتين اللفظتين. كما أنَّ الحديث ورد عن عبد الله بن أبي قتادة من غير طريق يحيى بن أبي كثير، ولم تذكر فيه اللفظتان، مما يؤكد ذلك شذوذ رواية معمر بتلك الزيادة؛ فَقَدْ رَوَاهُ عثمان بن عَبْد الله بن موهب (٤) - وَهُوَ ثقة (٥) -، وأبو حازم سلمة ابن دينار (٦) - وهو ثقة (٧) -، وعبد العزيز بن رفيع (٨) - وهو ثقة (٩) -، وصالح بن أبي حسّان (١٠) - وهو صدوق (١١) -؛ فهؤلاء أربعتهم رووه عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، ولم يذكروا هاتين اللفظتين، كما أنَّ هذا الحديث روي من طرق أخرى عن أبي قتادة، وليست فيه هاتان اللفظتان: فقد رواه نافع

стр. 2306

مولى أبي قتادة (١) -وهو ثقة (٢) -، وعطاء بن يسار (٣) - وهو ثقة (٤) -، ومعبد بن كعب بن مالك (٥) - وهو ثقة (٦) -، وأبو صالح مولى التوأمة (٧) - وهو مقبول (٨) - فهؤلاء أربعتهم رووه دون ذكر اللفظتين اللتين ذكرهما معمر،

стр. 2307

وهذه الفردية الشديدة مع المخالفة تؤكد شذوذ رواية معمر؛ لعدم وجودها عند أحدٍ من أهل الطبقات الثلاث. والذي يبدو لي أنَّ السبب في شذوذ رواية معمر بن راشد، دخول حديث في حديث آخر؛ فلعله توهم بما رواه هو عن الزهري، عن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمان بن حاطب، عن أبيه: أنَّه اعتمر مع عثمان في ركب، فأهدي له طائر، فأمرهم بأكله، وأبى أنْ يأكل، فقال له عمرو بن العاص: أنأكل مما لست منه آكلاً؟! فقال: إني لست في ذاكم مثله، إنَّما اصطيد لي وأميت باسمي (١). فربما اشتبه عليه هذا الحديث بالحديث السابق، والله أعلم. ومثال ما شذ فيه راويه سنداً ومتناً ما روى أيمن بن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُعلمُنا التشهدَ كَما يعلمُنا السُّورةَ منَ القرآن: «بسم الله وبالله، التَّحيات للهِ والصلواتُ والطيباتُ لله، السَّلام عليكَ أيُّها النبي ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ أسألُ الله الجنَّةَ، وأعوذُ بالله منَ النارِ» (٢). أخرجه: الطيالسي (١٧٤١)، وابن أبي شيبة (٣٠٠٣) و (٣٠٢٥)، ومسلم

стр. 2308

في "التمييز" (٥٨)، وابن ماجه (٩٠٢)، والترمذي في "العلل": ٢٢٧ (٥٨)، والنسائي ٢/ ٢٤٣ و ٣/ ٤٣ وفي "الكبرى"، له (٧٦٣) و (١٢٠٤) ط. العلمية و (٧٦٥) و (١٢٠٥) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٢٢٣٢)، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٢٦٤ وفي ط. العلمية (١٥٣٧)، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ١٤٦ و ١٤٧، والحاكم ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ و ٢٦٧، والبيهقي ٢/ ١٤١ و ١٤٢ من طرق عن أيمن بن نابل، بهذا الإسناد. أقول: هذا إسناد ظاهره الصحة، قال الحاكم عقبه ١/ ٢٦٧: «أيمن بن نابل ثقة فقد احتج به البخاري، وقد سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن سلمة، يقول: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول وسألته عن أيمن بن نابل، فقال: ثقة». قلت: لا أحد يشك في جلالة أيمن، ولكنَّ حديثه هذا وهمٌ، وهمَ فيه سنداً ومتناً، فقد خالف من هو أوثق وأجل منه، فقد أخرجه: الشافعي في "مسنده" (٢٥٤) بتحقيقي، وأحمد ١/ ٢٩٢ و ٣١٥، ومسلم ٢/ ١٤ (٤٠٣) (٦٠)، وأبو داود (٩٧٤)، وابن ماجه (٩٠٠)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي ٢/ ٢٤٢ وفي " الكبرى "، له (٧٦٢) ط. العلمية و (٧٦٤) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٧٠٥) بتحقيقي، وأبو عوانة ١/ ٥٤٠ (٢٠٢٢) و ١/ ٥٤١ (٢٠٢٤)، وابن حبان (١٩٥٢) و (١٩٥٣) و (١٩٥٤)، والطبراني في "الكبير" (١٠٩٩٦)، والإسماعيلي في "معجمه" (٣٧٨)، والدارقطني ١/ ٣٤٩ ط. العلمية و (١٣٢٥) ط. الرسالة، والبيهقي ٢/ ١٤٠ و ٣٧٧ وفي "الصغرى"، له (٤٣٤) ط. العلمية و (٤٦١) ط. الرشد من طرق عن الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وعن طاووس، عن ابن عباس ﵄، قالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ يعلّمُنا التشهدَ كما يُعلّمُنا السورةَ منَ القرآن، فكان يقول: «التحياتُ المباركاتُ، الصلواتُ الطيباتُ لله، السلامُ عليكَ أيُّها النبي ورحمةُ الله وبركَاتُهُ، السلامُ علينا، وعلى عباد الله الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ» (١).

стр. 2309

وتابع عبدُ الرحمان بن حميد الليثَ. فأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠١٦)، وأحمد ١/ ٣١٥، ومسلم ٢/ ١٤ (٤٠٣) (٦١) وفي "التمييز"، له (٥٩)، والنسائي ٣/ ٤١ وفي "الكبرى"، له (١٢٠١) ط. العلمية و (١٢٠٢) ط. الرسالة، والبيهقي ٢/ ٣٧٧ من طرق عن عبد الرحمان بن حميد الرؤاسي، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس ﵄ مختصراً على قوله: كانَ رسول الله ﷺ يُعلمُنا التشهدَ كما يعلمُنا السورة منَ القرآن. وتابعهما: عمرو بن الحارث، فيما أخرجه: الدارقطني ١/ ٣٤٩ ط. العلمية و (١٣٢٦) ط. الرسالة فرواه عن أبي الزبير، عن عطاء وطاووس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄. قلت: فبعرض رواية أيمن على رواية الليث وعبد الرحمان وعمرو، يتبين أنَّه وهم في سند الحديث، بجعله الحديث عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، وإنَّما هو أبو الزبير، عن سعيد بن جبير

стр. 2310

وطاووس، عن ابن عباس ﵄. فكأنه سلك الجادة (١) في ذلك، ووهم في المتن حيث قال: «بسم الله وبالله … »، وهذه العبارة لم يقلْها الرواة، وقد تعاقب العلماء على تضعيف رواية أيمن، وترجيح رواية الليث، فقد نقل ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٦٣٧ (٤١١) عن يعقوب بن شيبة أنَّه قال: «فيه ضعف»، وقال الترمذي في "العلل الكبير": ٢٢٨ (٥٨): «فسألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: هو غير محفوظ، هكذا يقول أيمن بن نابل: عن أبي الزبير، عن جابر، وهو خطأ، والصحيح ما رواه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وطاووس، عن ابن عباس، وهكذا رواه عبد الرحمان بن حميد الرؤاسي، عن أبي الزبير مثل رواية الليث بن سعد» وقال مسلم في "التمييز" عقب (٥٩): «فقد اتفق الليث وعبد الرحمان بن حميد الرؤاسي، عن أبي الزبير، عن طاووس، وروى الليث فقال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكل واحد من هذين عند أهل الحديث أثبت في الرواية من أيمن (٢)، ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: بسم الله وبالله، فلما بَانَ الوهمُ في حفظ أيمن لإسناد الحديث بخلاف الليث وعبد الرحمان إياه دخل الوهم أيضاً في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه، وقد رُوي التشهد عن رسول الله ﷺ من أوجه عدة صحاح فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: «بسم الله وبالله»، ولا ما زاد في آخره من قوله: «أسألُ اللهَ الجنَّة، وأعوذُ باللهِ من النارِ»، والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم». وقال الترمذي عقب (٢٩٠): «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح غريب، وقد روى عبد الرحمان بن حميد الرؤاسي هذا الحديث عن أبي الزبير، نحو حديث الليث، وروى أيمن بن نابل المكي هذا الحديث، عن أبي الزبير، عن جابر وهو غير محفوظ»، وقال النسائي ٣/ ٤٣: «لا نعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به (٣)، والحديث خطأ وبالله التوفيق»، ونقل ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٦٣٧ (٤١١) عن حمزة الكناني أنَّه قال: «قوله: عن جابر، خطأ، لا أعلم أحداً قال في التشهد: «بسم الله وبالله» إلا أيمن». ونقل المزي في "تهذيب

стр. 2311

الكمال" ١/ ٣١٢ (٥٩٠) عن الدارقطني أنَّه قال: «ليس بالقوي، خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد، وخالفه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وزكريا بن خالد (١)، عن أبي الزبير»، وقال البيهقي ٢/ ١٤٢: «تفرد به أيمن ابن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر … »، وقال في "الصغرى" عقب (٤٣٦) ط. العلمية و (٤٦٤) ط. الرشد: «رواية الليث أصح»، وقال عبد الحق في "الأحكام الوسطى" ١/ ٤٠٩: «أحسن حديث أبي الزبير، عن جابر ما ذكر فيه سماعه منه، ولم يذكر السماع في هذا فيما أعلم». قلت: ولكن الحديث لم يعل بعنعنة أبي الزبير، فأبو الزبير حتى لو لم يصرح بالتحديث، عن جابر فإنَّه معروف بالرواية عنه، وإنَّما الوهم دخل على أيمن، فروى الحديث بما استوجب عند أهل النقد رده قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام " ٤/ ٢٩٧ (١٨٥٠): «فهذا مذهبه فلنبين عمله وذلك أنَّه كان يجب أنْ يطّرد هذا المذهب في أحاديثه، فيبين ما كان منها غير مذكور فيها سماعه مما لم يروه الليث عنه، فيكون ذلك منه تعليلاً لها، محالاً على هذه المواضع التي فسر فيها أمره، وقد كان يكفيه بعضها، ثم يسكت إن شاء عما كان من روايته مذكوراً فيها سماعه، أو كان من رواية الليث عنه، هذا هو طرد ما ذهب إليه ولم يفعل، بل أورد الأحاديث فيما عدا هذه التي تقدم ذكرها على نحوين: نحو يذكرها فيبين أنها من رواية أبي الزبير، عن جابر، فهذا قريب من الصواب، فإنَّه بذلك كالمتبرئ من عهدتها. ونحو يسكت عنه، ولا يبين أنه من روايته، وهو مما لم يذكر فيه سماعه، وهو من رواية الليث عنه، بل إذا قرأه القارئ يظنه من غير رواية أبي الزبير فيعتقد بسكوته عنه أنَّه لا خلاف في صحته، وأكثر ما يقع له هذا العمل فيما كان من الأحاديث مما أخرجه مسلم، كأنها بإدخال مسلم لها حصلت في حمى من النقد، وهذا خطأ لا شك فيه» انتهى كلامه ﵀ ومما ينبغي ذكره يجب أنْ نكون جادين في فهم مراد صاحب الصحيح، وأن لا تمنعنا

стр. 2312

مهابة الصحيح عن فهم صنيع صاحب الصحيح؛ فصاحب الصحيح أحياناً يسوق الرواية الصحيحة في الباب ثم يعقبها بالمعلولة، ليبين علتها، والله أعلم. وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٦٣٧ (٤١١) معقباً على كلام عبد الحق: «ليس العلة فيه من أبي الزبير، فأبو الزبير إنَّما حدَّث به طاووس وسعيد بن جبير، لا عن جابر، ولكن أيمن بن نابل كأنَّه سلك الجادة فأخطأ، وقد جمع أبو الشيخ ابن حيان (١) الحافظ جزءاً (٢) فيما رواه أبو الزبير عن غير جابر، يتبين للناظر فيه أنَّ جل رواية أبي الزبير، إنما هي عن جابر» وقال أيضاً ﵀ عن هذا الحديث: «ورجاله ثقات إلا أنَّ أيمن بن نابل راويه عن أبي الزبير أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو من أوثق الناس في أبي الزبير، فقال: عن أبي الزبير، عن طاووس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس»، وقال في "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٥٨: «زاد -يعني: أيمن- في أول الحديث الذي رواه عن أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس (٣) في التشهد: «بسم الله وبالله»، وقد رواه الليث وعمرو بن الحارث وغيرهما، عن أبي الزبير بدون هذا»، وقال السخاوي في "المقاصد" (٢٩١): «ورجاله ثقات إلا أنَّ أيمن أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو أوثق الناس في أبي الزبير فقال عنه عن طاووس وسعيد بن جبير كلاهما عن ابن عباس، ويروى في البسملة في التشهد غير ذلك، ولكن قد صرح غير واحد بعدم صحته، كما أوضحه شيخنا في تخريج الرافعي»، وقال الزرقاني في "شرحه" ١/ ٢٦٩: «ضعّفه الحفاظ: البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم، وقالوا: إن راويه أخطأ فيه»،

стр. 2313

ونقل ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٦٣٨ (٤١١) عن أبي محمد البغوي، والشيخ (١) في "المهذب" أنهما قالا: «ذِكْرُ التسمية في التشهد غير صحيح، والله أعلم»، وقال النووي في "الخلاصة" كما في "نصب الراية" ١/ ٤٢١: «وهو مردود، فقد ضعّفه جماعة من الحفاظ هم أجلّ من الحاكم وأتقن، وممن ضعّفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي … » (٢)، وقال في "المجموع" ٣/ ٣٠٢: «وذكر التسمية غير صحيح عند أصحاب الحديث». وقال ابن القيم في "زاد المعاد" ١/ ٢٣٧: «ولم تجئ التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث -يعني: حديث أيمن- وله علة غير عنعنة أبي الزبير»، وقال أيضاً: «ولم ينقل عنه في حديث قط أنه صلى عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضاً يستعيذ فيه من عذاب القبر .. ». قلت: وهناك طريق كأنه متابعة لأيمن. فقد أخرج الحاكم ١/ ٢٦٧ من طريق أبي علي الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن قحطبة الصيلحي، قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثنا أبي، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵌، نحوه. قلت: إلا أن الحاكم سرعان ما أعل هذا الطريق فقال عقبه: «سمعت أبا علي الحافظ يوثق ابن قحطبة، إلا أنه أخطأ فيه فإنه عند المعتمر، عن أيمن ابن نابل كما تقدم ذكرنا له وصلى الله على محمد وآله أجمعين». قلت: عاد بذلك الحديث إلى تفرد أيمن به. وانظر: "تحفة الأشراف" ٢/ ٣٦٩ (٢٦٦٥) و ٤/ ٤٣٤ (٥٧٥٠)، و"أطراف المسند" ٣/ ١٣٨ (٣٤٧٦)، و"إتحاف المهرة" ٣/ ٣٥٧ (٣١٩٣) و ٧/ ٧٧ (٧٣٦٩).

стр. 2314

وقد روي هذا الحديث بهذه الزيادة من حديث السيدة عائشة ﵂، ولا يصح. فأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٢ من طريق ابن إسحاق - وهو محمد - قال: وحدثني عبد الرحمان بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يقول في التشهد في الصلاة في وسطها وفي آخرها قولاً واحداً: «بسم الله، التحيات لله، الصلوات لله الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» ويعد لنا بيده عدد العرب. هذا الإسناد ظاهره أنه حسن؛ من أجل محمد بن إسحاق - فهو صدوق يدلس (١) -، إلا أن محمداً وهم في موضعين: الأول: أنه ساق الحديث بما يشعر أنه مرفوع. والصواب أنه موقوف. والآخر: زاد في متنه: «بسم الله … » وهذا الزيادة شاذة لا تصح. ومما يدل على وهم ابن إسحاق، أنه خالف الإمام مالكاً. فقد أخرجه: مالك في "الموطأ " (٥٠١) برواية أبي مصعب الزهري و (٢٤٢) برواية الليثي، ومن طريق مالك أخرجه: البيهقي ٢/ ٤٤٠ عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات … . وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٥٠٢) برواية أبي مصعب الزهري و (٢٤٣) برواية الليثي، ومن طريق مالك أخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٤ عن يحيى ابن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂. وأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٤ من طريق الحجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عائشة تعلمنا التشهد وتشير بيدها تقول: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا … .

стр. 2315

وأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٤ - ١٤٥ من طريق صالح بن محمد بن صالح التمار، عن أبيه، عن القاسم، قال: علمتني عائشة ﵂، قالت: هذا تشهد النبي ﷺ : «التحيات لله … ». أقول: يحيى بن سعيد أولى بالحفظ من محمد التمار، ولو صح الحديث مرفوعاً لما تقاعس عن حفظه القطان. وقد روي الحديث من طريق آخر. فعلقه البيهقي ٢/ ١٤٣ من طريق ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة كلاهما عن النبي ﷺ في التسمية قبل التحية، وثابت بن زهير منكر الحديث ضعيف، والصحيح عن ابن عمر موقوف كما روينا، وروينا عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: بسم الله التحيات لله فانتهره. وهذه الرواية الصواب. انظر: "المهذب في اختصار السنن الكبير " للبيهقي ٢/ ٥٨٨ (٢٥٣٣). وروي أيضاً من حديث علي ﵁ ولا يصح. فأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٣ من طريق أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁ أنه كان إذا تشهد قال: «بسم الله وبالله». وهذا إسناد موضوع، الحارث الأعور تقدمت ترجمته، وأنه كذاب وقد تفرد به من هذا الطريق. وقد روي أيضاً من حديث ابن عمر ﵄. فأخرجه: مالك في "الموطأ" (٢٤١) برواية الليثي و (٥٠٠) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريق مالك أخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٢ عن نافع، أن ابن عمر ﵄: كان يتشهد فيقول: بسم الله، التحيات لله .... وأخرجه: عبد الرزاق (٣٠٧٣) من طريق ابن جريج، قال: قلت لنافع: كيف كان ابن عمر يتشهد؟ فقال: كان يقول: بسم الله التحيات لله الصلوات لله … .
следующие страницы →