الكمال" ١/ ٣١٢ (٥٩٠) عن الدارقطني أنَّه قال: «ليس بالقوي، خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد، وخالفه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وزكريا بن خالد (١)، عن أبي الزبير»، وقال البيهقي ٢/ ١٤٢: «تفرد به أيمن ابن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر … »، وقال في "الصغرى" عقب (٤٣٦) ط. العلمية و (٤٦٤) ط. الرشد: «رواية الليث أصح»، وقال عبد الحق في "الأحكام الوسطى" ١/ ٤٠٩: «أحسن حديث أبي الزبير، عن جابر ما ذكر فيه سماعه منه، ولم يذكر السماع في هذا فيما أعلم».
قلت: ولكن الحديث لم يعل بعنعنة أبي الزبير، فأبو الزبير حتى لو لم يصرح بالتحديث، عن جابر فإنَّه معروف بالرواية عنه، وإنَّما الوهم دخل على أيمن، فروى الحديث بما استوجب عند أهل النقد رده قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام " ٤/ ٢٩٧ (١٨٥٠): «فهذا مذهبه فلنبين عمله وذلك أنَّه كان يجب أنْ يطّرد هذا المذهب في أحاديثه، فيبين ما كان منها غير مذكور فيها سماعه مما لم يروه الليث عنه، فيكون ذلك منه تعليلاً لها، محالاً على هذه المواضع التي فسر فيها أمره، وقد كان يكفيه بعضها، ثم يسكت إن شاء عما كان من روايته مذكوراً فيها سماعه، أو كان من رواية الليث عنه، هذا هو طرد ما ذهب إليه ولم يفعل، بل أورد الأحاديث فيما عدا هذه التي تقدم ذكرها على نحوين: نحو يذكرها فيبين أنها من رواية أبي الزبير، عن جابر، فهذا قريب من الصواب، فإنَّه بذلك كالمتبرئ من عهدتها. ونحو يسكت عنه، ولا يبين أنه من روايته، وهو مما لم يذكر فيه سماعه، وهو من رواية الليث عنه، بل إذا قرأه القارئ يظنه من غير رواية أبي الزبير فيعتقد بسكوته عنه أنَّه لا خلاف في صحته، وأكثر ما يقع له هذا العمل فيما كان من الأحاديث مما أخرجه مسلم، كأنها بإدخال مسلم لها حصلت في حمى من النقد، وهذا خطأ لا شك فيه» انتهى كلامه ﵀ ومما ينبغي ذكره يجب أنْ نكون جادين في فهم مراد صاحب الصحيح، وأن لا تمنعنا
стр. 2312
مهابة الصحيح عن فهم صنيع صاحب الصحيح؛ فصاحب الصحيح أحياناً يسوق الرواية الصحيحة في الباب ثم يعقبها بالمعلولة، ليبين علتها، والله أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٦٣٧ (٤١١) معقباً على كلام عبد الحق: «ليس العلة فيه من أبي الزبير، فأبو الزبير إنَّما حدَّث به طاووس وسعيد بن جبير، لا عن جابر، ولكن أيمن بن نابل كأنَّه سلك الجادة فأخطأ، وقد جمع أبو الشيخ ابن حيان (١) الحافظ جزءاً (٢) فيما رواه أبو الزبير عن غير جابر، يتبين للناظر فيه أنَّ جل رواية أبي الزبير، إنما هي عن جابر» وقال أيضاً ﵀ عن هذا الحديث: «ورجاله ثقات إلا أنَّ أيمن بن نابل راويه عن أبي الزبير أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو من أوثق الناس في أبي الزبير، فقال: عن أبي الزبير، عن طاووس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس»، وقال في "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٥٨: «زاد -يعني: أيمن- في أول الحديث الذي رواه عن أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس (٣) في التشهد:
«بسم الله وبالله»، وقد رواه الليث وعمرو بن الحارث وغيرهما، عن أبي الزبير بدون هذا»، وقال السخاوي في "المقاصد" (٢٩١): «ورجاله ثقات إلا أنَّ أيمن أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو أوثق الناس في أبي الزبير فقال عنه عن طاووس وسعيد بن جبير كلاهما عن ابن عباس، ويروى في البسملة في التشهد غير ذلك، ولكن قد صرح غير واحد بعدم صحته، كما أوضحه شيخنا في تخريج الرافعي»، وقال الزرقاني في "شرحه" ١/ ٢٦٩: «ضعّفه الحفاظ: البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم، وقالوا: إن راويه أخطأ فيه»،
стр. 2313
ونقل ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٦٣٨ (٤١١) عن أبي محمد البغوي، والشيخ (١) في "المهذب" أنهما قالا: «ذِكْرُ التسمية في التشهد غير صحيح، والله أعلم»، وقال النووي في "الخلاصة" كما في "نصب الراية" ١/ ٤٢١: «وهو مردود، فقد ضعّفه جماعة من الحفاظ هم أجلّ من الحاكم وأتقن، وممن ضعّفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي … » (٢)، وقال في "المجموع" ٣/ ٣٠٢: «وذكر التسمية غير صحيح عند أصحاب الحديث».
وقال ابن القيم في "زاد المعاد" ١/ ٢٣٧: «ولم تجئ التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث -يعني: حديث أيمن- وله علة غير عنعنة أبي الزبير»، وقال أيضاً: «ولم ينقل عنه في حديث قط أنه صلى عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضاً يستعيذ فيه من عذاب القبر .. ».
قلت: وهناك طريق كأنه متابعة لأيمن.
فقد أخرج الحاكم ١/ ٢٦٧ من طريق أبي علي الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن قحطبة الصيلحي، قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثنا أبي، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵌، نحوه.
قلت: إلا أن الحاكم سرعان ما أعل هذا الطريق فقال عقبه: «سمعت أبا علي الحافظ يوثق ابن قحطبة، إلا أنه أخطأ فيه فإنه عند المعتمر، عن أيمن ابن نابل كما تقدم ذكرنا له وصلى الله على محمد وآله أجمعين».
قلت: عاد بذلك الحديث إلى تفرد أيمن به.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٢/ ٣٦٩ (٢٦٦٥) و ٤/ ٤٣٤ (٥٧٥٠)، و"أطراف المسند" ٣/ ١٣٨ (٣٤٧٦)، و"إتحاف المهرة" ٣/ ٣٥٧ (٣١٩٣) و ٧/ ٧٧ (٧٣٦٩).
стр. 2314
وقد روي هذا الحديث بهذه الزيادة من حديث السيدة عائشة ﵂، ولا يصح.
فأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٢ من طريق ابن إسحاق - وهو محمد - قال: وحدثني عبد الرحمان بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يقول في التشهد في الصلاة في وسطها وفي آخرها قولاً واحداً: «بسم الله، التحيات لله، الصلوات لله الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» ويعد لنا بيده عدد العرب.
هذا الإسناد ظاهره أنه حسن؛ من أجل محمد بن إسحاق - فهو صدوق يدلس (١) -، إلا أن محمداً وهم في موضعين: الأول: أنه ساق الحديث بما يشعر أنه مرفوع. والصواب أنه موقوف.
والآخر: زاد في متنه: «بسم الله … » وهذا الزيادة شاذة لا تصح.
ومما يدل على وهم ابن إسحاق، أنه خالف الإمام مالكاً.
فقد أخرجه: مالك في "الموطأ " (٥٠١) برواية أبي مصعب الزهري و (٢٤٢) برواية الليثي، ومن طريق مالك أخرجه: البيهقي ٢/ ٤٤٠ عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات … . وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٥٠٢) برواية أبي مصعب الزهري و (٢٤٣) برواية الليثي، ومن طريق مالك أخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٤ عن يحيى ابن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂.
وأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٤ من طريق الحجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عائشة تعلمنا التشهد وتشير بيدها تقول: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا … .
стр. 2315
وأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٤ - ١٤٥ من طريق صالح بن محمد بن صالح التمار، عن أبيه، عن القاسم، قال: علمتني عائشة ﵂، قالت: هذا تشهد النبي ﷺ : «التحيات لله … ».
أقول: يحيى بن سعيد أولى بالحفظ من محمد التمار، ولو صح الحديث مرفوعاً لما تقاعس عن حفظه القطان.
وقد روي الحديث من طريق آخر.
فعلقه البيهقي ٢/ ١٤٣ من طريق ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة كلاهما عن النبي ﷺ في التسمية قبل التحية، وثابت بن زهير منكر الحديث ضعيف، والصحيح عن ابن عمر موقوف كما روينا، وروينا عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: بسم الله التحيات لله فانتهره.
وهذه الرواية الصواب.
انظر: "المهذب في اختصار السنن الكبير " للبيهقي ٢/ ٥٨٨ (٢٥٣٣).
وروي أيضاً من حديث علي ﵁ ولا يصح.
فأخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٣ من طريق أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁ أنه كان إذا تشهد قال: «بسم الله وبالله».
وهذا إسناد موضوع، الحارث الأعور تقدمت ترجمته، وأنه كذاب وقد تفرد به من هذا الطريق.
وقد روي أيضاً من حديث ابن عمر ﵄.
فأخرجه: مالك في "الموطأ" (٢٤١) برواية الليثي و (٥٠٠) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريق مالك أخرجه: البيهقي ٢/ ١٤٢ عن نافع، أن ابن عمر ﵄: كان يتشهد فيقول: بسم الله، التحيات لله ....
وأخرجه: عبد الرزاق (٣٠٧٣) من طريق ابن جريج، قال: قلت لنافع: كيف كان ابن عمر يتشهد؟ فقال: كان يقول: بسم الله التحيات لله الصلوات لله … .
стр. 2316
قلت: هذان الإسنادان صحيحان إلا أنهما موقوفان.
وقد روي عن ابن عمر ﵄ أيضاً دون هذه الزيادة.
فأخرجه: أبو داود (٩٧١)، وأبو يعلى في "معجمه" (٣١٠)، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٢٦٤ وفي ط. العلمية (١٥٣٣) و (١٥٣٤)، والبيهقي ٢/ ١٣٩ من طريق مجاهد، عن ابن عمر ﵄، فذكره دون الزيادة.
قال البيهقي عقب الرواية التي فيها الزيادة ٢/ ١٤٣: «وأما الرواية فيها عن ابن عمر فهي، وإن كانت صحيحة فيحتمل أن تكون زيادة من جهة ابن عمر فقد روينا عنه، عن النبي ﷺ حديث التشهد ليس فيه ذكر التسمية، والله أعلم (١)».
وقد روي هذا الحديث من حديث عبد الله بن الزبير.
أخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٢٦٤ وفي ط. العلمية (١٥٤٠) من طريق ابن لهيعة، قال: حدثني الحارث بن يزيد: أن أبا أسلم المؤذن حدثه أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: إن تشهد رسول الله ﷺ الذي كان يتشهد به: «بسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات الطيبات … ».
وهذا السند ضعيف؛ فيه ابن لهيعة، وقد تقدمت ترجمته بما يغني عن أعادتها هنا.
ومما حصل الشذوذ في بعض إسناده ما روى يعلى بن عبيد الطنافسي، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ : «البيّعان بالخيار، وكل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار».
رواية يعلى أخرجها: الطبراني في " الكبير" (٢)(١٣٦٢٩)، والخليلي في
стр. 2317
"الإرشاد " ١/ ٣٤١. وهي رواية معلولة؛ فقد غلط فيها يعلى، وقال: عمرو بن دينار، وإنَّما هو عبد الله بن دينار كما رواه الأئمة المتقنون من أصحاب سفيان الثوري مثل:
الفضل بن دكين عند: أحمد ٢/ ١٣٥، والبيهقي ٥/ ٢٦٩، وابن عبد البر في " التمهيد " ٥/ ٢٣٦.
ومحمد بن يوسف الفريابي عند البخاري ٣/ ٨٤ (٢١١٣).
ومخلد بن يزيد عند النسائي ٧/ ٢٥٠ وفي " الكبرى "، له (٦٠٦٩) ط. العلمية و (٦٠٢٥) ط. الرسالة.
وعبد الرزاق (١٤٢٦٥).
أربعتهم (الفضل، ومحمد، ومخلد، وعبد الرزاق) عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، به.
وكذلك رواه أقران سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، مثل: شعبة عند الطيالسي (١٨٨٢)، وأحمد ٢/ ٥٢، والنسائي ٧/ ٢٥١ وفي "الكبرى "، له (٦٠٧٠) ط. العلمية و (٦٠٢٦) ط. الرسالة، وأبو عوانة ٣/ ٢٦٨، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٢ وفي ط. العلمية (٥٤٠١).
وسفيان بن عيينة عند الشافعي في " مسنده " (١٣٧٤) بتحقيقي، والحميدي (٦٥٥)، وابن أبي شيبة (٢٢٨٨٧)، وأحمد ٢/ ٩، والنسائي ٧/ ٢٥١ وفي " الكبرى "، له (٦٠٧٢) ط. العلمية و (٦٠٢٥) ط. الرسالة، وابن الجارود (٦١٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٥٤٠٢) و (٥٤٠٣) ط. العلمية، والبيهقي في "المعرفة" (٣٣١٥) و (٣٣١٦) ط. العلمية و (١٠٩٦٢) و (١٠٩٦٣) ط. الوعي.
وإسماعيل بن جعفر عند مسلم ٥/ ٩ (١٥٣١)(٤٦)، والنسائي ٧/ ٢٥٠ وفي " الكبرى "، له (٦٠٦٧) ط. العلمية و (٦٠٢٣) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ١٢ وفي ط. العلمية (٥٤٠٤)، وابن حبان (٤٩١٣)، والبيهقي ٥/ ٢٦٩، والبغوي (٢٠٥٠).
стр. 2318
ويزيد بن عبد الله (ابن الهاد) عند النسائي ٧/ ٢٥٠ وفي "الكبرى "، له (٦٠٦٨) و (٦٠٧١) ط. العلمية و (٦٠٢٤) و (٦٠٢٧) ط. الرسالة.
أربعتهم (شعبة، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن جعفر، ويزيد بن عبد الله) رووه عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، به.
وقد أخرج أبو القاسم البغوي في " الجعديات " (١٦٠٦) ط. العلمية … و (١٦٦٧) ط. الفلاح، قال: حدثنا ابن المقرئ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ : «الحديث» ثم قال عقبه: «هكذا حدّث ابن المقرئ بهذا الحديث عن أبيه، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، وهو وَهْم؛ لأنَّ الحديث حدّث به شعبة، عن عبد الله بن دينار، وأحسب ابن المقرئ وَهمَ فيه هو أو أبوه».
وقال الخليلي في " الإرشاد " ١/ ٣٤١: «وهذا خطأ وقع على يعلى بن عبيد، وهو ثقة متفق عليه، والصواب فيه: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه، عن عبد الله بن دينار».
وقال النووي في (التقريب مع تدريب الراوي) ١/ ٢٥٤: «غلط يعلى إنَّما هو عبد الله بن دينار»، وقال السيوطي: «هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، كأبي نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد وغيرهم».
وانظر في الحديث: " تحفة الأشراف" ٥/ ٢٣٦ (٧١٧٣)، و"جامع الأصول" ١/ ٥٧٤ (٤٠٧)، و " البدر المنير " ٦/ ٥٠٢ - ٥٠٣، و"التلخيص الحبير" ٣/ ٤٩، و"إتحاف المهرة" ٨/ ٥٢١ (٩٨٩٠)، و"أطراف المسند" ٣/ ٤٢٠ (٤٣٣٧).
مثال آخر: روى مالك، عن ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد - وهو من ولد المغيرة بن شعبةَ - عن أبيه المغيرة بن شعبة: أنَّ رسولَ الله ﷺ ذهبَ لحاجتهِ في غزوة تبوكَ، قال المغيرةُ: فذهبتُ معهُ بماءٍ، فجاءَ رسولُ الله ﷺ فسكبْتُ عليه الماءَ، فغسلَ وجههُ، ثُمَّ ذهبَ يُخْرجُ يديه من
стр. 2319
كُمَّي جبته فلمْ يستطعْ من ضيق كُمَّي الجُبَّة، فأخرجهُما منْ تحتِ الجبةِ، فغسل يديه، ومسحَ برأسهِ، ومسحَ على الخفين، فجاءَ رسولُ الله ﷺ وعبد الرحمان بن عَوْفٍ يَؤُمُّهُم، وقد صلى بهم ركعةً، فصلَّى رسولُ الله ﷺ الرَّكعةَ التي بقيتْ عليهم، ففزع الناسُ، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاتهُ، قال: «أحسنتُم» (١).
أخرجه: مالك في "الموطأ" (٧٩) برواية الليثي و (٨٧) برواية أبي مصعب الزهري، و (٤٧) برواية محمد بن الحسن وكذا في رواية القعنبي، ومن طريق مالك أخرجه: الشافعي في "الأم" ٧/ ٢٢٦ ط. المعرفة وفي ط. الوفاء (٣٧٨٠)، وفي "المسند"، له (٧٦) بتحقيقي، ومسلم في "التمييز" (١٠٣)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على مسند أبيه ٤/ ٢٤٧، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٤١٦) ط. العلمية و (١٩٦٠) ط. الوعي، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨١، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٥٦ - ١٥٧ بهذا الإسناد.
أقول: هذا الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه معلول بوهم مالكٍ فيه، حيث نسب عباد لولد المغيرة وما هو كذلك، قال الشافعي فيما نقله عنه البيهقي في "المعرفة" (٤١٦): «وهم مالك ﵀، فقال: عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، وإنَّما هو مولى المغيرة بن شعبة»، ونقل عبد الله بن أحمد في " زوائده على مسند أبيه " ٤/ ٢٤٧، ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨١، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٥٧ عن مصعب بن عبد الله الزبيري أنَّه قال: «أخطأ فيه مالك خطأ قبيحاً حيث قال: عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، والصواب عن عباد بن زياد، عن رجل من ولد المغيرة ابن شعبة»، ونقل عنه أيضاً ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٥٩: «ومما أخذوا على مالك أنَّه كان يقول في معاوية بن الحكم السُّلمي: عمر بن الحكم، وقال:
стр. 2320
عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، وإنَّما هو عباد بن زياد ابن أبي سفيان».
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" ٥/ ٣١٢ (١٥٩٣): « … وقال مالك: عن الزهري، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، عن المغيرة، ويقال: إنَّه وهم، وقال بعضهم: عن مالك، عن الزهري، عن عباد، عن ابن المغيرة، عن أبيه … »، وقال مسلم في "التمييز" (١٠٤): «فالوهم من مالك في قوله: عباد بن زياد - من ولد المغيرة - وإنَّما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان كما فسره أبو أويس في روايته، والمحفوظ عندنا من رواية الزهري، رواية ابن جريج، لاقتصاصه الحديث عن الزهري، عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، ثم فصل في آخر الحديث زيادة الزهري، عن حمزة ابن المغيرة». ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٩٨ (٤٠٩) عن أبيه أنَّه قال: «قال مالك: هو من ولد المغيرة بن شعبة، ووهم مالك في نسب عباد، وليس من ولد المغيرة، ويقال: إنَّه من ولد زياد بن أبي سفيان .. »، وقال في " العلل" لابنه (١٨٢): «وهم مالك في هذا الحديث في نسب عباد ابن زياد، وليس هو من ولد المغيرة، ويقال له: عباد بن زياد بن أبي سفيان، وإنَّما هو عباد بن زياد، عن عروة وحمزة ابني المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ ».
ونقل السيوطي في " تنوير الحوالك " ١/ ٥٧ عن الدارقطني أنه قال في الأحاديث التي خولف فيها مالك: «خالفه صالح بن كيسان، ومعمر، وابن جريج، ويونس، وعمرو بن الحارث، وعقيل بن خالد، وعبد الرحمان بن مسافر وغيرهم، فرووه عن الزهري، عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه فزادوا على مالك في الإسناد عروة بن المغيرة، وبعضهم قال: عن ابن شهاب، عن عباد، عن عروة وحمزة ابني المغيرة، عن أبيهما، قال ذلك: عقيل وعبد الرحمان بن خالد، ويونس من رواية الليث عنه، ولم ينسب أحد منهم عباداً إلى المغيرة، وهو عباد بن زياد بن أبي سفيان، قال ذلك مصعب الزبيري، وقاله علي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم، ووهم مالك في إسناده في موضعين: أحدهما:
стр. 2321
قوله: عباد بن زياد من ولد المغيرة، والآخر: إسقاطه من الإسناد عروة وحمزة ابني المغيرة … »، وقال أيضاً - يعني: الدارقطني - في "العلل" ٧/ ١٠٦ عقب (١٢٣٦): «يرويه الزهري واختلف عنه فرواه مالك، عن الزهري، عن عباد بن زياد رجل من ولد المغيرة، عن المغيرة ووهم فيه ﵀ يعني: مالكاً - وهذا مما يعتد به عليه؛ لأنَّه عباد بن زياد بن أبي سفيان، وهو يروي هذا الحديث عن عروة بن المغيرة، عن أبيه .. »، وقال البيهقي في "المعرفة" عقب (٤١٦) ط. العلمية و (١٩٦١) و (١٩٦٢) ط. الوعي: «قصر مالك بن أنس بإسناده فرواه مرسلاً، وإنَّما رواه عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة». وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨٠: «فرواه مالك ولم يقمه وأفسد إسناده .. »، وقال أيضاً: «وهو وهم وغلط منه، ولم يتابعه أحد من رواة ابن شهاب، ولا غيرهم عليه، وليس هو من ولد المغيرة بن شعبة عند جميعهم»، وقال أيضاً في ٤/ ٣٨١: «وإسناد هذا الحديث من رواية مالك في " الموطأ " وغيره، إسناد ليس بالقائم؛ لأنَّه إنَّما يرويه ابن شهاب، عن عباد ابن زياد، عن عروة وحمزة ابني المغيرة بن شعبة، عن أبيه (١) المغيرة بن … شعبة .. »، وقال الذهبي في "تذهيب التهذيب" ٥/ ٤٩ (٣١٢٢): «وبعضهم وَهِم وقال: عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة».
وقال المزي في "تهذيب الكمال" ٤/ ٤٧ (٣٠٦٦) عقب ذكره لهذا الحديث: «وذلك معدود في أوهامه»، وقال الزرقاني في "شرحه" ١/ ١١٤: «وقوله من ولد المغيرة، وهم من مالك، وإنَّما هو مولى المغيرة، قاله الشافعي، ومصعب الزبيري، وأبو حاتم، والدارقطني، وابن عبد البر … ».
قلت: قد تبين الآن أنَّ ما قاله مالك في نسب عباد بن زياد لولد المغيرة ابن شعبة، إنَّما هو وهم، لاتفاق العلماء على ذلك.
وروي بنفس العلة من غير طريق الزهري ولا يصح (٢).
стр. 2322
فأخرجه: أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ١٩١ من طريق أيوب بن سليمان بن بلال، قال: حدثنا أبو بكر، عن سليمان بن بلال، عن قدامة بن موسى، عن عبد العزيز بن يزيد، عن مكحول، عن عباد بن زياد، عن المغيرة بن شعبة ﵁ … فذكره.
وهذا إسناد ضعيف لا يصح؛ فيه عبد العزيز بن يزيد - وهو ابن رمانة - فقد نقل الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٦٣٩ (٥١٤١) عن البخاري أنه قال فيه: «لا يصح حديثه، رواه سليمان بن بلال، عن عبد الملك بن قدامة، عن قدامة بن موسى».
قلت: هذا الإسناد يشبه إسناد أبي نعيم، إلا أنَّ فيه من الزيادة: «عبد الملك بن قدامة» بين سليمان بن بلال وقدامة بن موسى، ومن المحتمل أنَّ البخاري قد عمد إلى هذا الإسناد، فقال عنه: «لا يصح».
فإن صحت هذه الزيادة فيكون الحديث ضعيفاً لسوء حال عبد الملك، فقد نقل الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٦٦١ (٥٢٣٩) عن ابن معين أنه قال فيه: «صالح»، وعن أبي حاتم قوله: «ضعيف ليس بالقوي»، وعن أبي داود قوله: «كان عبد الرحمان يثني عليه، وفي حديثه نكارة»، وعن الدارقطني قوله: «يترك».
عاد بذلك الحديث إلى تفرد مالك. وقد خالف مالك أصحاب الزهري الذين رووه بخلاف ما روى، فرواه: يونس بن يزيد عند أبي داود (١٤٩)، وابن خزيمة (١٦٤٢) بتحقيقي، وابن حبان (٢٢٢٤)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٨٨١)، والبيهقي ٣/ ١٢٣، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨٢، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٦٠.
وابن جريج عند الشافعي في "مسنده" (٧٣) بتحقيقي، وعبد الرزاق (٧٤٨)، وأحمد ٤/ ٢٥١، وعبد بن حميد في "المنتخب" (٣٩٧)، ومسلم ٢/ ٢٦ (٢٧٤)(١٠٥)، والنسائي (١٦٦)، وابن خزيمة (١٥١٥) بتحقيقي، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٨٨٠)، والبيهقي ١/ ٢٧٤ وفي "المعرفة "، له (٤١٥) ط. العلمية و (١٩٥٣) ط. الوعي، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤/
стр. 2323
٣٨٣ و ٣٨٤، والبغوي (٢٣٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٥٧ و ١٥٨، والمزي في "تهذيب الكمال" ٤/ ٤٨ (٣٠٦٨).
وصالح بن كَيْسان عند أحمد ٤/ ٢٤٩، والنسائي في "الكبرى" (١٦٥) كلتا الطبعتين، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨٣، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٥٧.
وعمرو بن الحارث عند النسائي ١/ ٦٢، وابن خزيمة (٢٠٣) بتحقيقي، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٦٠.
ومعمر عند عبد بن حميد (٣٩٧)، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨٢.
وبرد بن سنان عند الطبراني في "مسند الشاميين" (٣٧٢).
ستتهم: (يونس، وابن جريج، وصالح، وعمرو، ومعمر، وبرد) عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد (١)، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، فذكره.
وخالف هؤلاء الرواة أبو أويس.
فقد أخرجه: مسلم في " التمييز " (١٠٤) من طريق أبي أويس، قال: أخبرني ابن شهاب: أنَّ عباد بن زياد بن أبي سفيان أخبره: أنَّ المغيرة قال: … فذكره.
أقول: أبو أويس صدوق يهم (٢)، وقد أسقط من السند عروة بن المغيرة، فلعل هذا من أوهامه، والله أعلم.
وقد روي هذا الحديث عن عروة من غير طريق عباد.
فأخرجه: أحمد ١/ ٢٥٥، والبخاري ٧/ ١٨٦ (٢٧٩٩)، ومسلم ١/ ١٥٨ (٢٧٤)(٧٩) و (٨٠)، وأبو داود (١٥١)، والنسائي ١/ ٦٣ (٣) وفي " الكبرى "،
стр. 2324
له (١١١) كلتا الطبعتين، والطبراني في " الأوسط " (٨٩٣٣) كلتا الطبعتين، وأبو نعيم في " المستخرج " (٦٣١) من طريق عامر الشعبي.
وأخرجه: البخاري ١/ ٥٦ (١٨٢) و ١/ ٦٢ (٢٠٣) و ٦/ ٩ (٤٤٢١)، ومسلم ١/ ١٥٧ (١٧٤)(٧٥)، وابن ماجه (٥٤٥)، والنسائي ١/ ٨٢ وفي "الكبرى "، له (١٢٢) ط. العلمية و (١٢١) ط. الرسالة من طريق نافع بن جبير بن مطعم.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٢٥٥ من طريق يونس بن أبي إسحاق.
وأخرجه: مسلم ١/ ١٥٨ - ١٥٩ (٢٧٤)(٨١) من طريق بكر بن عبد الله المزني.
أربعتهم: (الشعبي، ونافع، ويونس، وبكر) عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة، به.
وأخرجه: أحمد ٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧ و ٢٥٤، وأبو داود (١٦١)، والترمذي (٩٨) من طريق عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما.
أقول: هذا الحديث معلول سنداً ومتناً.
أما علة سنده فإنَّ عبد الرحمان بن أبي الزناد، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد (١)، وقد خالف أربعة من الرواة بإبداله عروة بن المغيرة بعروة بن الزبير وهذه علة سنده.
وأما علة متنه فإن قوله: «على ظاهرهما»، تفرد بها عن أقرانه من الرواة عن عروة.
قال الترمذي: «حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمان ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن المغيرة، ولا نعلم أحداً يَذْكُرُ عن عروة، عن المغيرة: «على ظاهرهما» غيره».
стр. 2325
فإن قيل جاء اللفظ عند أبي داود: «كان يمسح على الخفين» يعني: دون ذكر تلك العبارة.
فنقول: اللفظ الذي جاء عند أبي داود تفرد به محمد بن الصباح، يدل على ذلك قول أبي داود عقبه: «وقال غير محمد: مسح على ظهر الخفين».
ويجدر بنا الوقوف على ما ذهب إليه مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال" ٧/ ١٦٨ حيث إنَّه تعقب المزي في توهيم مالك في رواية هذا الحديث، فقال: «وفي قول المزي - وقال مالك، عن الزهري، عن عباد بن زياد ولد (١) المغيرة ابن شعبة، عن ابن المغيرة، عن المغيرة وذلك معدود في أوهامه - نظر؛ لما ذكره البخاري في "تاريخه" من أنَّ مالكاً روى عنه كرواية غيره عن عباد، عن ابن المغيرة، عن أبيه، ولما ذكره الدارقطني في "كتاب أحاديث الموطأ" تأليفه، حدثنا أبو محمد بن صاعد، وأبو بكر النَّيْسابوري، والحسين بن محمد، قالوا: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مالك، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، وابن سمعان: أنَّ ابن شهاب أخبرهم، عن عباد بن زياد، من ولد المغيرة بن شعبة، عن عروة بن المغيرة: أنَّه سمع أباه، يقول: سكبتُ على رسولِ الله ﷺ حينَ توضأ في غزوة تبوك … الحديث، قال: ورواه روح، عن مالك، عن الزهري، عن عباد بن زياد، عن رجل من ولد المغيرة، عن المغيرة، وفي كتاب "العلل" للرازي (٢): قال الزهري: عباد من ولد المغيرة، وإنَّما هو من ولد أبي سفيان، فهذا كما ترى مالك قد روى عنه كرواية الجماعة، وقد تابعه على روايته الأخرى غيره، وقد أضاف الرازي الجناية فيه إلى الزهري نفسه، فلأي شيء تعصب به الجناية؟ اللهم إلا مشياً على الجادة؛ لأن غالب المحدِّثين في ذهنهم أن مالكاً وهم في نسب عباد يتوارثونه خلفاً عن سلف ولو قيل: هاتوا حققوا لم يحققوا» انتهى.
قلت: مما تقدم يتبين أن مغلطاي تعقب بـ:
стр. 2326
اعتراضه على المزي.
نقله كلاماً للبخاري وأبي حاتم يرفع الوهم عن مالك.
نقله متابعات لمالك تبين أنَّ الوهم ليس منه.
ادعائه أنَّ أبا حاتم حملَ الوهم فيه على الزهري.
وسنأتي لمناقشة هذه التعقبات الواحدة تلو الأخرى.
فأقول ومن الله التوفيق: فأما اعتراضه على المزي فكما تقدم أنَّ المزي لم ينفرد بتوهيم مالك، وإنَّما هو موافق للأئمة النقاد، فإذا اعترض على المزي فأين هو من الشافعي، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم، والدارقطني، وابن عبد البر وغيرهم؟ فضلاً عن الرواة الذين رووا هذا الحديث عن ابن شهاب، فخالفوا فيه مالكاً.
وأما نقله عن البخاري حيث ألمح إلى قول البخاري: «وقال بعضهم، عن مالك، عن الزهري، عن عباد، عن ابن المغيرة، عن أبيه … » فهم منه أنَّ مالكاً روى هذا الحديث كرواية يونس، وابن جريج، وقبل أن نناقش هذه النقطة لا بد من أن نبين أن المبهم هنا يعني، قوله: «وقال بعضهم» هو روح ابن عبادة (١)، وقد ذكر هذا الطريق الدارقطني في "العلل" ٧/ ١٠٧ (١٢٣٦) وقال عقبه: «فإنْ كان روح حفظه عن مالك هكذا، فقد أتى بالصواب عن الزهري» فأحال الدارقطني ﵀ صواب هذه الرواية وخطأها إلى حفظ روح، ثم إنَّ المحفوظ من طريق مالك أنَّه نسب عباد لولد المغيرة، وجعله الحديث عن عباد، عن المغيرة، كما سبق بيانه، هكذا رواه عنه أصحاب الموطأ وغيرهم، ولا يعقل أنَّ كل أصحاب مالك وهموا في رواية هذا الحديث ليخالفهم واحد فقط، فيحفظ الحديث على الصواب، ثم ألا ترى إلى صنيع البخاري حيث إنه قدم رواية يونس، وابن جريج، ثم بعد ذلك ساق رواية مالك، وقال عقبه: «وهم .. » ثم ساق هذه الرواية، فيكون هذا الصنيع دليلاً على ضعف روايته هذه.
стр. 2327
وعلى فرضية صحة الإسناد إلى روح، فإنَّ هذا الطريق يبقى في حيز الشذوذ لمخالفة روح لأصحاب مالك.
وأما ما نقله من متابعات يعني، قوله: «أخبرني مالك، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، وابن سمعان أن ابن شهاب … ».
فهذا الطريق أخرجه: النسائي ١/ ٦٢، وذكره ابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨٢ وعزاه لابن وهب في "موطئه" وقال عقبه: «ولم يذكر مالك عروة ابن المغيرة، ولم يذكر ابن سمعان عباداً، هكذا قال ابن وهب عن هؤلاء كلهم جمعهم في إسناد واحد ولفظ واحد كما ترى، إلا ما خص من ذكر مالك في عروة، وذكر ابن سمعان في عباد بن زياد، من ولد المغيرة إلا من رواية ابن وهب هذه، وإنَّما يعرف هذا لمالك، وأظن ابن وهب حمل لفظ بعضهم على بعض، وكان يتساهل في مثل هذا كثيراً».
قلت: يفهم من كلام ابن عبد البر هذا: أنَّ ابن وهب أدرج هذه الأسانيد بعضها في بعض وجمعها على الزهري، ولم يراعِ الاختلاف فيما بينها إلا بخصوص ما كان من إسقاط مالك لعروة بن الزبير، وإسقاط ابن سمعان لعباد، وهذا يعني: هناك اختلافات في هذه الأسانيد، وعلى هذا فلا تعد هذه الروايات متابعات لمالك، بل إنَّ سياق ابن وهب لهذه الأسانيد على هذا النحو، إنَّما هو إعلال لرواية مالك، ورواية ابن سمعان، على اعتبار أنَّه ساق هذه الأسانيد ثم تكلم على اثنين منها، وانتفت بذلك المتابعات التي ساقها؛ لأنَّها معلولة بالإدراج، والله أعلم.
وأما ما ادعاه في حمل أبي حاتم الوهم على الزهري في هذا الحديث، فقد تقدم النقل عن أبي حاتم أنَّه حمل الوهم على مالك لا على الزهري. وانظر: "العلل " (١٨٢).
وهذا كله فيما يخص الرد على كلام مغلطاي، ومن ناحية أخرى فقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلة أخرى، فقد جاء في رواية الليثي: «عباد بن زياد من ولد المغيرة، عن أبيه … » في حين أنَّ الرواية الأخرى: «عن المغيرة»، وقد يُظن أنَّ يحيى واهم في ذلك غير أنَّ الوهم فيما يبدو لي ليس منه بل من مالك
стр. 2328
أيضاً؛ وذلك لأنَّ يحيى تابعه عبد الرحمان بن مهدي عند أحمد ٤/ ٢٤٧، وابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨١، وتابعه أيضاً أبو مصعب الزهري كما تقدم في تخريج روايته، إلا أنَّ رواية أبي مصعب في القلب منها شيء، حيث إنَّ الموجود في كتاب " الموطأ " بالروايات الثمانية (٤٠) عن المغيرة، وليس عن أبيه، وأيضاً فقد أخرجه: ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٨/ ١٥٦ من طريقه - يعني: أبا مصعب - فجاء في روايته عن المغيرة، ولم يتبين لي الوهم ممن هو، وعلى العموم فإنَّ متابعة عبد الرحمان كافية لتقوية رواية يحيى، قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١: «وزاد يحيى بن يحيى في ذلك أيضاً شيئاً لم يقله أحد من رواة " الموطأ "، وذلك أنه قال فيه: عن أبيه المغيرة بن شعبة، ولم يقل أحد فيما علمت في إسناد هذا الحديث، عن أبيه المغيرة غير يحيى بن يحيى، وسائر رواة الموطأ عن مالك، يقولون: عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد وهو من ولد المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، لا يقولون: عن أبيه المغيرة كما قال يحيى، ولم يتابعه واحد منهم على ذلك، كتبت هذا وأنا أظن أنَّ يحيى ابن يحيى وهم في قوله: عن أبيه، حتى وجدته لعبد الرحمان بن مهدي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، عن أبيه كما قال يحيى، ذكره أحمد بن حنبل وغيره، عن ابن مهدي وقد … ذكرناه».
قلت: فظاهر كلامه ﵀ أنَّه كان يحمل الوهم في ذكر عبارة (عن أبيه) على يحيى الليثي، ثم إنه وجد بعد ذلك متابعة صحيحة ليحيى على ما ذكر فحمل الوهم بعد ذلك على مالك.
وأما الرواية الصواب فقد:
أخرجه: عبد الرزاق (٧٤٩)، وابن ماجه (١٢٣٦)، والنسائي ١/ ٧٦ و ٨٣ وفي "الكبرى"، له (٨٢) و (١١٠) كلتا الطبعتين، وأبو عوانة ١/ ٢١٧ (٧١٠)، وابن حبان (١٣٤٧)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٨٨٩)، والبيهقي ١/ ٥٨ و ٦٠، والخطيب في "الفصل للوصل" ٢/ ٨٧٠ ط. الهجرة و ٢/ ٩٦٢ ط. العلمية من طرق عن حمزة بن المغيرة.
стр. 2329
وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٨٦٩)، والبخاري ١/ ١٠١ (٣٦٣) و ٤/ ٥٠ (٢٩١٨) و ٧/ ١٨٥ - ١٨٦ (٥٧٩٨)، ومسلم ١/ ١٥٧ - ١٥٨ (٢٧٤)(٧٦)، وابن ماجه (٣٨٩)، والنسائي ١/ ٨٢ وفي "الكبرى"، له (٩٦٦٤) ط. العلمية و (٩٥٨٥) ط. الرسالة من طرق عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق.
وأخرجه: مسلم ١/ ١٥٧ (٢٧٤)(٧٦) عن الأسود بن هلال.
وأخرجه: الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٩٢٣)، والحاكم ٣/ ٤٥١ من طريق وارد مولى المغيرة.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٨٦٦)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٩٧٢) من طريق سالم بن أبي الجعد، وأبي سفيان.
وأخرجه: أبو داود (١٥٢) من طريق زرارة بن أوفى.
ثمانيتهم: (عروة بن المغيرة، وحمزة، ومسروق، والأسود، ووارد، وسالم، وأبو سفيان، وزرارة) عن المغيرة، فذكر نحو رواية مالك.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ١٧٢ (١١٤٨٨) و ٨/ ١٧٦ (١١٤٩٤) و ٨/ ١٧٧ (١١٤٩٥) و ٨/ ١٨٧ (١١٥١٤)، و" إتحاف المهرة " ١٣/ ٤٢٠ (١٦٩٤٥)، و" أطراف المسند " ٥/ ٣٦٥ (٧٣٤٤) و ٥/ ٣٧٠ (٧٣٦١).
ومما شذ فيه الثقة وخالف ثقتين: روى عمرو بن مرة (١)، قال: سمعتُ أبا وائل يُحدِّثُ عن عائشةَ (٢)، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «إذا تصدَّقتِ المرأةُ منْ بيتِ زوجها، كان لها به أجرٌ، وللزوجِ مثلُ ذلكَ، وللخازن مثلُ
стр. 2330
ذلك، ولا ينقصُ كلُّّ واحدٍ منهما منْ أجر صاحبه شيئاً، للزوجِ بما اكتسب، ولها بما أنفقتْ» (١).
أخرجه: ابن الجعد في " مسنده " (٧٥) ط. العلمية و (٧٧) ط. الفلاح، وإسحاق بن راهويه (١١٠٣)، وأحمد ٦/ ٩٩، والترمذي (٦٧١)، والنسائي ٥/ ٦٥ وفي " الكبرى " (٢٣١٩) و (٩١٩٦) ط. العلمية، و (٢٣٣١) و (٩١٥٢) ط. الرسالة وفي " عشرة النساء "، له (٣١٤)، والسهمي في "تاريخ جرجان ": ٣٩١ (٦٥٠).
وهذا الإسناد حصل فيه خطأ هو إسقاط ذكر مسروق بين أبي وائل وعائشة، وإسناد الحديث بدون ذكر مسروق غير محفوظ، والمحفوظ ما رواه منصور بن المعتمر والأعمش كلاهما عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، ومنصور والأعمش كل واحد منهما أوثق من عمرو بن مرة فما بالك بهما إذا اتفقا؟ لذا أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما رواية منصور والأعمش، وأخرج الترمذي الوجهين وتعقّب رواية منصور عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة بقوله: «وهذا أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه: عن مسروق» (٢).
ورواية منصور أخرجها:
ابن الجعد في " مسنده " (٧٧) ط. العلمية و (٧٨) ط. الفلاح، وأحمد ٦/ ٢٧٨، والبخاري ٢/ ١٣٩ (١٤٢٥) و ٢/ ١٤٢ (١٤٣٩) و (١٤٤١) و ٣/ ٧٣ (٢٠٦٥)، ومسلم ٣/ ٩٠ (١٠٢٤)(٨٠)، وأبو داود (١٦٨٥)، والترمذي (٦٧٢)، والنسائي في " الكبرى " (٩١٩٧) ط. العلمية و (٩١٥٣) ط. الرسالة، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " ١٧/ ٥٤٦ (٢٢٧٦٥)، والسهمي في " تاريخ جرجان ": ٣٩١ (٦٥٠)، وأبو نعيم في " المسند المستخرج " (٣)(٢٢٩٠).
ورواية الأعمش أخرجها:
стр. 2331
عبد الرزاق (٧٢٧٥) و (١٦٦١٩)، والحميدي (٢٧٦)، وابن الجعد في "مسنده" (٧٧) ط. العلمية و (٧٨) ط. الفلاح، وابن أبي شيبة (٢٢٣٩٢)، وإسحاق بن راهويه (١٤١٨)، وأحمد ٦/ ٤٤، والبخاري ٢/ ١٤١ (١٤٣٧) ٢/ ١٤٢ (١٤٤٠)، ومسلم ٣/ ٩٠ (١٠٢٤)(٨١)، وابن ماجه (٢٢٩٤)، والنسائي في" الكبرى" (٩١٩٨) ط. العلمية و (٩١٥٤) ط. الرسالة وفي "عِشْرة النساء "، له (٣١٦)، وأبو عوانة كما في "إتحاف المهرة " ١٧/ ٥٤٦ (٢٢٧٦٥)، والسهمي في " تاريخ جرجان ":٣٩١ (٦٥٠)، وأبو نعيم في "المسند المستخرج " (٢٢٩٢)، والبيهقي ٤/ ١٩٢، والبغوي (١٦٩٢) و (١٦٩٣).
كلاهما: (الأعمش، ومنصور) عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، به.
فالذي يظهر من خلال هذا التخريج، ومن كلام الترمذي أنَّ رواية عمرو بن مرة وهمٌ منه على شقيق بن سلمة أبي وائل؛ وذلك لاتفاق إمامين على روايته عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، وخالفهما عمرو بن مرة.
وعلى هذا فليس أبو وائل هو الذي حذف الوساطة بينه وبين عائشة، ولكنَّ عَمْروَ بن مرة أخطأ عليه فحذف مسروقاً. أما أبو وائل شقيق بن سلمة فقد كان يروي حديثه عن عائشة بوساطة مسروق، مُصرّحاً بهذه الوساطة (١).
ومما يدل على ذلك أيضاً أنَّ أبا وائل قد تُوبع على روايته بذكر مسروق، تابعه أبو الضحى مسلم بن صبيح (٢) - عند أبي يعلى (٤٣٥٩)، وابن حبان (٣٣٥٨)، والطبراني في " الأوسط " (٢٧٦٠) ط. الحديث و (٢٧٣٩) ط.
العلمية.
انظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ٢٢٩ (١٦١٥٤) و ١١/ ٧٢١ - ٧٢٢
(١٧٦٠٨)، و "إتحاف المهرة " ١٧/ ٥٤٦ (٢٢٧٦٥).
стр. 2332
مثال آخر: روى حمّاد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: أنَّهُ قال في قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ (١) فقال: هو العمدُ يَرْضى أهلهُ بالديةِ: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أُمرَ به الطالبُ ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ من المطلوبِ.
أخرجه: الطبريُّ في " تفسيره " (٢١٢٠) ط. الفكر و ٣/ ١٠٥ ط. عالم الكتب، والحاكم ٢/ ٢٧٣، والبيهقي ٨/ ٥٢ من طريق حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
قال الحاكم: «هذا حديث على شرط مسلم، ولم يخرجاه».
قلت: هذا حديث شاذ خالف فيه حماد بن سلمة من هو أوثق منه، وأكثر عدداً.
فأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٦٣٥) بتحقيقي وفي " أحكام القرآن " (٢)، له ١/ ٢٧٧، وعبد الرزاق (١٨٤٥١) وفي " تفسيره " (١٦٤)، وسعيد بن منصور (٢٤٦) " التفسير "، وابن أبي شيبة (٢٨٤٢٨)، والبخاريُّ ٦/ ٢٨ (٤٤٩٨) و ٩/ ٧ (٦٨٨١)، والنَّسائيُّ ٨/ ٣٦ - ٣٧ وفي " الكبرى " (٦٩٨٣) و (١١٠١٤) ط. العلمية و (٦٩٥٧) و (١٠٩٤٧) ط. الرسالة وفي " التفسير "، له (٣٤)، وابن الجارود (٧٧٥)، والطبريُّ في " تفسيره " (٢١٢٠) ط. الفكر و ٣/ ١٠٤ ط. عالم الكتب، والطحاوي في " شرح معاني الآثار" ٣/ ١٧٥ وفي ط. العلمية (٤٨٨٩)، وابن أبي حاتم في " التفسير " ١/ ٢٩٣ (١٥٧٣)، والدارقطنيُّ ٣/ ١٩٩ ط. العلمية و (٣٤٥٠) ط. الرسالة، والحاكم ٢/ ٢٧٣، والبيهقي ٨/ ٥١ و ٥٢ وفي " المعرفة "، له (٤٨٤٨) ط. العلمية و (١٥٨٧٢) ط. الوعي من طريق سفيان بن عيينة.
стр. 2333
وأخرجه: الطبريُّ في " تفسيره " (٢١٢٠) ط. الفكر و ٣/ ١٠٥ ط. عالم الكتب، وابن حبان (٦٠١٠) من طريق محمد بن مسلم الطائفيِّ.
كلاهما: (ابن عيينة، ومحمد بن مسلم) عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس، به فقالا: مجاهداً بدلاً من جابر بن زيد.
ومحمد بن مسلم الطائفي: «صدوق يخطئ من حفظه» (١) ولكنَّه توبع بابن عيينة، وهو أوثق منه في عمرو بن دينار (٢).
وتوبع عمرو بن دينار على روايته عن مجاهد.
فأخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (١٦٤) عن معمر.
وأخرجه: الطبرانيُّ في " الكبير " (١١١٥٥) من طريق أبان بن تغلب.
كلاهما: (معمر، وأبان) عن ابن أبي نجيح (٣)، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
وأخرجه: عبد الرزاق (١٨٤٥٠)، ومن طريقه الدارقطنيُّ ٣/ ٨٦
ط. العلمية و (٣١٠٤) ط. الرسالة عن معمر، عن عمرو بن دينار أو ابن أبي نجيح أو كليهما (٤)، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
وروي موقوفاً أيضاً.
فأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢١٢١) ط. الفكر و ٣/ ١٠٦ ط. عالم الكتب من طريق عيسى بن ميمون الجرشي (٥)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به موقوفاً.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢١٢٢) ط. الفكر و ٣/ ١٠٦ ط. عالم الكتب من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.
ومن هذا يتبين أنَّ الحديث المحفوظ هو حديث عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس.
стр. 2334
انظر: " تحفة الأشراف " ٤/ ٦٨٨ (٦٤١٥)، و" إتحاف المهرة " ٨/ ١٨ (٨٨٠٤).
ومثال ما حصل الشذوذ في متنه ما روى محمد بن إسحاق، عن … عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة. وعن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لقد نَزَلتْ آيةُ الرجم، ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفةٍ تحت سريري، فلما مات رسول الله ﷺ وتشاغلنا بموته، دخل داجن (١) فأكلها.
أخرجه: أحمد ٦/ ٢٦٩ (٢)، وابن ماجه (١٩٤٤)، وأبو يعلى (٤٥٨٧)، والطبراني في " الأوسط " (٧٨٠٥) كلتا الطبعتين، والبيهقي في "المعرفة " (١٥٤٦٨) ط. الوعي و (٤٧٢٩) ط. العلمية، وابن حزم في "المحلى " (٣) ١٣/ ٩٧.
هذا الحديث فيه علتان، الأولى: في قوله: «رضاعة الكبير»، والثانية: في قوله: «فدخل داجن فأكلها» فهاتان العبارتان خطأ، أخطأ فيهما محمد بن إسحاق، وهو صدوق حسن الحديث لكن له مناكير، وهذا من مناكيره، إذ قد تفرّد بذلك وخالفه الثقات الأثبات.
وممن خالفه الإمام مالك بن أنس إذ روى الحديث في " الموطأ " (١٧٨٠) برواية الليثي و (١٧٥٤) برواية أبي مصعب الزهري و (٣٩١) برواية سويد بن سعيد و (٦٢٥) برواية محمد بن الحسن الشيباني، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمان، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها
стр. 2335
قالت: كان مما أُنزل من القرآن عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعلومات يُحرِّمْنَ، ثم نُسِخْنَ بخمسٍ مَعلوماتٍ، فَتُوفيَ رسولُ الله ﷺ وهن فيما يُقرأُ من القرآن. (١)
ومن طريق مالك أخرجه: الشافعي في " مسنده " (١١٨٠) بتحقيقي، والدارمي (٢٢٥٣)، ومسلم ٤/ ١٦٧ (١٤٥٢)(٢٤)، وأبو داود (٢٠٦٢)، والترمذي (١١٥٠ م)، والنسائي ٦/ ١٠٠ وفي " الكبرى "، له (٥٤٤٨) ط. العلمية و (٥٤٢٥) ط. الرسالة، وابن حبان (٤٢٢١) و (٤٢٢٢)، والبيهقي ٧/ ٤٥٤ وفي " معرفة السنن والآثار"، له (٤٧١٥) ط. العلمية و (١٥٤٣٨) ط.
الوعي، والبغوي (٢٢٨٣) وهذه الرواية ليس فيها ما ذكره محمد بن إسحاق
стр. 2336
من زيادة اللفظتين المنكرتين اللتين تفرّد بهما، ومحمد بن إسحاق لا يبلغ حفظ مالك بن أنس نجم السنن.
ثم وقع في نفسي شيء، وهو كيف دخل الوهم لمحمد بن إسحاق في هذا الحديث، ومعلوم لدى المشتغلين بعلوم السنة أنَّ خطأ الراوي يكون لأسباب فهو إما أن يَختصر الحديث فيخطأ في ذلك، وإما أن يخلط حديثين أو يخلط مرفوعاً بموقوف، أو لا يفهم الراوي الحديث ويرويه بالمعنى فيغلط، فلعل محمد ابن إسحاق توهم بما رواه هو عن الزهري، عن عائشة، قالت: أَتتْ سهلةُ بنتُ سهيل رسولَ الله ﷺ ، فقالت له: يا نبي الله، إنَّ سالماً كان منا حيث قد علمت، إنا كنا نعده ولداً فكان يدخل عليَّ كيف شاء لا نحتشم منه، فلما أنزل الله فيه وفي أشباهه ما أنزل، أنكرت وجه أبي حذيفة، إذا رآه يدخل عليَّ قال: «فأرضعيه عشر رضعات، ثم ليدخل عليك … » (١).
ولفظ العشر أخطأ فيه محمد بن إسحاق والصواب: «خمس رضعات» كما رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري، فهذا الحديث هو الذي أوقع الوهم لابن إسحاق فجعل الحديث في رضاع الكبير، وهي اللفظة المنكرة في هذا الحديث، وذكر الداجن كذلك هو خطأ لتفرّد محمد بن إسحاق به، ولنكارة هذه اللفظة أيضاً.
انظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ٨٥٠ - ٨٥١ (١٧٨٩٧)، و" إتحاف المهرة " ١٧/ ٧٤٠ (٢٣١٥١).
ومما شذ راويه في بعض متنه ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نَذْرَ ولا يمينَ فيما لا يملك ابنُ آدمَ، ولا في معصيةِ اللهِ، ولا في قطيعةِ رحمٍ، ومنْ حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليدعْها، وليأتِ الذي هو خير، فإنَّ
стр. 2337
تركها كفارتها» (١).
أخرجه: أحمد ٢/ ٢١٢، وأبو داود (٣٢٧٤)، ومن طريقه ابن حزم في " المحلى " ٨/ ١٩٣، والبيهقي ١٠/ ٣٣ - ٣٤ من طريق بكر بن عبيد الله السَّهمي، عن عبيد الله بن الأخنس. (٢)
وأخرجه: الطيالسي (٢٢٥٩)، وأحمد ٢/ ١٨٥ من طريق خليفة بن خياط. (٣)
وأخرجه: ابن ماجه (٢١١١) من طريق عون بن عمارة (٤)، قال: حدثنا رَوْح بن القاسم، عن عبيد الله بن عمر العمري (٥).
ثلاثتهم: (عبيد الله بن الأخنس، وخليفة، وعبيد الله بن عمر) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.
هذا الحديث إسناده حسن، من أجل عبيد الله بن الأخنس، وخليفة بن خياط فكلاهما صدوق، أما متابعة عبيد الله بن عمر العمري فهي ضعيفة؛ لضعف عون بن عمارة.
أما متنه فمعلول بزيادة شاذة وهي قوله: «تركها كفارتها» إذ المحفوظ في هذا الحديث: «وليكفر عن يمينه» وقد ذهب بعض العلماء إلى رد هذه العبارة فقال مسلم في " التمييز" عقب (٨٢): «وأما حديث ابن خياط، عن عمرو بن شعيب فلا معنى للتشاغل به»، وقال أبو داود عقب (٣٢٧٤): «الأحاديث كلها
стр. 2338
عن النَّبيِّ ﷺ : «وليكفر عن يمينه» إلا فيما لا يعبأ به، وقال الخَطّابي في "معالم السنن" ٤/ ٤٦: «قد نطقت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ ، بأنَّ الكفارة لازمة لمن حنث في مينه … »، وقال ابن حزم في " المحلى " ٨/ ١٩٣ عقب ذكره لهذا الحديث وأحاديث أخر: «كل هذا لا يصح»، وقال البيهقي ١٠/ ٣٤: «وروي ذلك من وجه آخر أضعف من هذا»، فظاهر كلام البيهقي أنَّ هذا الحديث عنده ضعيف، إلا أن له طرقاً أخرى أضعف من هذا، سيأتي بيانها.
ومما يدل على ضعف هذه الزيادة وشذوذها أن عَمْرَو بنَ شعيب قد روى هذا الحديث ولم يذكر فيه الزيادة، بل روى ما يخالفها، إذ روى عند أحمد ٢/ ١٨٥، وأبي داود (٣٢٧٣) من طريق عبد الرحمان بن الحارث عنه، عن أبيه، عن جده بالشطر الأول من الحديث فقط، دون ذكر الزيادة أو ما يخالفها، ورواه النسائي في " الكبرى " (٤٧٢٣) ط. العلمية و (٤٧٠٥) ط. الرسالة من طريق عبيد الله بن الأخنس عنه، عن أبيه، عن جده، به. وقال فيه: "فليكفِّر عن يمينه» وهذه العبارة تتعارض مع العبارة الشاذة السابقة.
وانظر: " تحفة الأشراف" ٦/ ٦٥ (٨٧٥٤)، و "إتحاف المهرة" ٩/ ٥٢٧ (١١٨٤٠)، و " أطراف المسند " ٤/ ٣٦ (٥١٨٣).
وقد ورد الحديث بمعنى الزيادة السابقة نفسه.
فأخرجه: مسلم في " التمييز " (٨٢)، و البيهقي ١٠/ ٣٤ (١) عن هشيم، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «منْ حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرها خيراً منها فأتى الذي هو خير، فهو
كفارته».
هذا إسناد ضعيف؛ لضعف يحيى بن عبيد الله، إذ نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٦٧ (٧٤٧١) عن أحمد أنَّه قال فيه: «منكر الحديث، ليس بثقة»، ونقل عنه مرة أخرى قوله: «أحاديثه مناكير، ولا يعرف هو ولا أبوه»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٢٠٦ (٦٩٢) عن أبيه أنَّه قال: «ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً»، وقد ذهب مسلمٌ إلى ردِّ هذه الزيادة،
стр. 2339
فقال في " التمييز " عقب (٨٢): «فلو لم يكن مما تبين فساد هذه - يعني: الرواية - إلا ما ذكرنا قبل من رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. ويزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : «فليأتها وليكفرْ عنْ يمينه» لكفى ذلك، فكيف ومعه حديث أبي موسى، وعدي بن حاتم، وأبي الدرداء وغيرهم؟ بمثل هذه الرواية وأشباهها تَرَكَ أهلُ الحديث حديثَ يحيى بن عبيد الله، لا يقتدون به … ».
وقد تقدم قول البيهقي على حديث عمرو بن شعيب: «وروي ذلك من وجه آخر أضعف من هذا» فذكر عقب هذا القول رواية يحيى بن عبيد الله، وقد خالف يحيى بن عبيد الله الرواة الثقات في رواياتهم عن أبي هريرة.
فأخرجه: مالك في " الموطأ " (١٣٧٣) برواية الليثي و (٢٢٠١) برواية أبي مصعب الزهري و (٢٦٢) برواية سويد بن سعيد، ومن طريقه أحمد ٢/ ٣٦١، ومسلم ٥/ ٨٥ (١٦٥٠)(١٢)، والترمذي (١٥٣٠)، والنسائي في " الكبرى " (٤٧٢٢) ط. العلمية و (٤٧٠٤) ط. الرسالة، وابن حبان (٤٣٤٩)، والبيهقي ١٠/ ٥٣، والبغوي (٢٤٣٨).
وأخرجه: مسلم ٥/ ٨٥ (١٦٥٠)(١٣) من طريق عبد العزيز بن المطلب (١).
وأخرجه: مسلم ٥/ ٨٥ (١٦٥٠)(١٤) من طريق سليمان بن بلال (٢).
ثلاثتهم: (مالك، وعبد العزيز، وسليمان) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه.
وأخرجه: مسلم ٥/ ٨٥ (١٦٥٠)(١١) وفي" التمييز "، له (٨١) من طريق يزيد بن كيسان (٣)، عن أبي حازم (٤).
كلاهما: (أبو صالح، وأبو حازم) عن أبي هريرة قال: أَعْتَمَ (٥) رجلٌ
стр. 2340
عندَ النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ رجعَ إلى أهلهِ فوجدَ الصبية قد ناموا، فأتاهُ أهلُهُ بطعام فحلفَ لا يأكلُ من أجل صبيتهِ، ثمَّ بدا له فأكلَ، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسولُ الله ﷺ : «منْ حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيراً منها فليأتِها، وليكفِّرْ عنْ يمينِهِ» (١).
قلت: فأين يحيى من هؤلاء الثقات، الذين إن خالف أحدهم أصبحت روايته منكرة، فما بالك بهم وقد اجتمعوا على خلافه! فعلى هذا تكون روايته منكرة لا يُعوَّل عليها.
وانظر:" تحفة الأشراف" ٩/ ١٧٦ (١٢٦٧٣) و ٩/ ١٩١ (١٢٧٣٤) و ٩/ ١٩٣ (١٢٧٣٨) و ٩/ ٤٥٥ (١٣٤٥٤)، و" إتحاف المهرة" ١٤/ ٥٥٦ (١٨٢١٥)، و " أطراف المسند " ٧/ ٢٢٤ (٩٣١٩).
وقد روي من حديث أبي سعيد بذكر العبارة المنكرة.
أخرجه: أحمد ٣/ ٧٦ قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري بلفظ: «مَنْ حلفَ على يمينٍ، فرأى خيراً منها، فكفارتها تركُها».
وهذا إسناد ضعيف، ابن لهيعة تقدمت ترجمته وبيان ضعفه مراراً، وهناك علة أخرى في الحديث، فإنّ رواية دراج عن أبي الهيثم قد اختلف فيها، فقال عباس الدوري في روايته " لتاريخ ابن معين " (٥٠٣٩): «سمعت يحيى يقول: وسئل عن حديث درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد؟ فقال: ما كان هكذا الإسناد فليس به بأس، فقلت له: إنَّ دراجاً يحدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ قال: أصدق الرؤيا بالأسحار، ويروى أيضاً
اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون، فقال: هما ثقتان، دراج وأبو الهيثم، قال يحيى: وقد روى هذه الأحاديث عمرو بن الحارث، قلت ليحيى: دراج من هو؟ قال: مصريٌّ، وهو أبو السمح»، في حين قال أبو داود كما في "سؤالات
стр. 2341
الآجري" (١٤٩٢): «أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد».
وانظر: " إتحاف المهرة " ٥/ ٢٤٩ (٥٣٣٩)، و" أطراف المسند " ٦/ ٣٧٩ (٨٦٣٦).
وروي من حديث ابن عباس.
أخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٢٧٩٣) قال: حدثنا سعيد بن
عبد الرحمان التستري، قال: حدثنا المنذر بن الوليد الجارودي، عن أبيه، قال: حدثنا مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك النكري (١)، عن أبيه، عن جده عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرها خيراً منها فليأتها؛ فإنَّها كفارتُها إلا طلاقٌ أو عتاقٌ (٢)».
وهذا إسنادٌ ضعيف أيضاً؛ لضعف يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٧٤ (٧٤٨٧) عن يحيى بن معين وأبي زرعة وأبي داود والنسائي وأبي بِشْر الدولابي قالوا فيه: «ضعيف»، ونقل ابن حبان في " المجروحين " ٣/ ١١٤ عن حماد بن زيد أنَّه كان يرميه بالكذب.
وانظر: " مجمع الزوائد " ٤/ ١٨٣.
وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر موقوفاً.
أخرجه: ابن حزم في " المحلى " ٨/ ١٦٥ من حديث جميل بن زيد، عن ابن عمر قال: من حلف على يمين …
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف جميل بن زيد، فقد نقل العقيلي في "الضعفاء " ١/ ١٩١ عن يحيى بن معين قوله فيه: «ليس بثقة»، وقال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " الجرح والتعديل " ٢/ ٤٥٠ (٢١٣٧): «ضعيف الحديث».
стр. 2342
وأما روايته عن ابن عمر فقال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٢/ ١٩٨ (٢٢٣٩): «سمع ابن عمر» ثم أعقبه بـ: «قال أحمد، عن أبي بكر بن عيّاش، عن جميل: هذه أحاديث ابن عمر، ما سمعتُ من ابن عمر شيئاً إنَّما قالوا: اكتب أحاديث ابن عمر، فقدمت المدينة فكتبتها»، وكذا نقل العقيلي ٢/ ١٩١ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه فذكره.
وقد يسأل بعضهم فيقول: هذا الحديث يروى عن خمسة من الصحابة، والطرق كافة تُروَى بمعنى ترك ذلك اليمين، وإتيان الأفضل فهو كفارة ذلك اليمين، لتعدد الطرق ألا يوجد لهذا الحديث أصل؟
فنقول: قد تقدم بيان ضعف كل طريق من هذه الطرق وأنَّ الحديث بعبارة: «تركها كفارتها» لم يصح فيها شيء، بل إنَّ الحديث بهذه الطرق إنَّما هو دليل على ضعفه؛ لاشتهاره بين الضعفاء، فلماذا لم يتناقله الثقات وهم أهل هذا الشأن وهم المعوّل عليهم فيه، فتصور حديث يرويه يحيى بن عبيد الله ومن كان بدرجته، يخالف به سليمان بن بلال وأبا حازم وغيرهما من الرواة الثقات. فبرواية من نأخذ؟ فلا شك رواية الثقة أولى خاصة في مثل هكذا باب، والله أعلم.
مثال آخر: روى أبو عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمرةَ، قال: سُئلَ عليٌّ عنْ صلاةِ رسول اللهِ ﷺ ، قال: كانَ يُصلِّي منَ الليلِ سِت عشرةَ ركعةً.
أخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته على مسند أبيه" ١/ ١٤٥.
أقول: هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه اختلف فيه على أبي إسحاق، فقد رواه عنه أبو عوانة واختلف عليه، فرواه عنه العباس بن الوليد بن نصر وهو: «ثقة» (١) باللفظ المذكور آنفاً. ورواه عنه أبو كامل الجحدري وهو: «ثقة حافظ» (٢)، عند عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " ١/ ١٤٢
стр. 2343
بلفظ: أنَّه سُئل عن صلاة رسول الله ﷺ بالنهار، فقال: كان يصلي ستَّ عشرة ركعة، قال: يصلي إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا كصلاة العصر ركعتين، وكان يصلي إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا … الخ.
وقد توبع أبو عوانة على رواية الليل، فقد رواه العلاء بن المسيب وهو: «ثقة ربما وهم» (١) عند عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " ١/ ١٤٥ وجاء في روايته لفظ صلاة الليل.
ورواه عنه الجمع الغفير من الثقات بلفظ رواية النهار، فقد رواه:
معمرٌ والثوريُّ (مقرونين) عند عبد الرزاق (٤٨٠٦).
ورواه معمر عند عبد الرزاق (٤٨٠٧).
ورواه سفيان وإسرائيل والجراح عند أحمد ١/ ٨٥، وابن ماجه (١١٦١).
ورواه شعبة عند أحمد ١/ ١٦٠، والترمذيِّ (٥٩٨) و (٥٩٩) وفي "الشمائل "، له (٢٨٧) بتحقيقي، والبزار (٦٧٣)، والنَّسائيِّ ٢/ ١١٩ - ١٢٠ وفي " الكبرى "، له (٣٣٩) و (٤٧٠) ط. العلمية و (٣٣٧) و (٤٧٢) ط. الرسالة، والبغوي (٨٩٢).
ورواه شريك عند أحمد ١/ ١١١.
ورواه أبو الأحوص عند أحمد ١/ ١٤٢.
ورواه سفيان الثوري عند عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " ١/ ١٤٣، والبزار (٦٧٥)، وأبي يعلى (٦٢٢)، والبيهقي ٣/ ٥٠.
ورواه سفيان وإسرائيل (مقرونين) عند عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " ١/ ١٤٣.
ورواه إسرائيل عند البيهقيِّ ٣/ ٥١.
стр. 2344
ورواه عبد الملك بن أبي سليمان عند البزار (٦٧٧)، والنَّسائيِّ في "الكبرى " (٣٣٧) و (٤٧١) ط. العلمية و (٣٣٥) و (٤٧٣) ط. الرسالة.
قال البزار: «ولا نعلم أسند عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن عليٍّ إلا هذا الحديث، ولا رواه عن عبد الملك إلا محمد بن فضيل».
وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٣/ ٣٨٨ وفي ط. الغرب ٤/ ٦١٢ من طريق ياسين الكناسي.
تسعتهم: (معمر، والثوري، وإسرائيل، والجراح، وشعبة، وشريك، وأبو الأحوص، وعبد الملك، وياسين الكناسي) عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ، عن عاصم بن ضَمْرة، قال: سألنا علياً عن تطوع النَّبيِّ ﷺ بالنهار، فقال: إنَّكم لا تطيقونَهُ، قال: قلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما أطقْنا، قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا صلى الفجرَ أمهلَ، حتّى إذا كانتِ الشمسُ منْ هاهنا - يعني: منْ قبلِ المشرقِ - مقدارها منْ صلاةِ العصرِ منْ هاهنا - منْ قبلِ المغرب - قامَ فصلَّى ركعتينِ، ثم يمهلُ حتّى إذا كانتِ الشمسُ منْ هاهنا - يعني: منْ قبلِ المشرقِ - مقدارها منْ صلاةِ الظهرِ منْ هاهنا - يعني: منْ قبلِ المغربِ - قامَ فصلَّى أربعاً، وأربعاً قبلَ الظهرِ إذا زالتِ الشمس، وركعتينِ بعدها، وأربعاً قبل العصرِ، يفصلُ بينَ كلِّ ركعتينِ بالتسليمِ على الملائكة المقرَّبين، والنبيينَ ومنْ تبعهم منَ المؤمنين والمسلمين، وقال: قالَ عليٌّ: تلكَ ستَّ عشرةَ ركعة تطوعُ رسول الله ﷺ بالنهارِ، وقلَّ منْ يُداوم عليها.
حدَّثنا وكيعٌ، عن أبيه، قالَ: قال حبيبُ بن أبي ثابت لأبي إسحاقَ حينَ حدَّثه: يا أبا إسحاق، يسْوى حديثكَ هذا ملءَ مسجدكَ ذهباً (١).
قال الترمذي عقب (٥٩٩): «هذا حديثٌ حسنٌ»، وقال أيضاً: «وقال إسحاق بن إبراهيم: أحسنُ شيءٍ رُوي في تطوع النَّبيِّ ﷺ في النهار هذا»، وقال أيضاً: «ورُويَ عن ابن المباركِ أنَّه كانَ يضعّفُ هذا الحديث، وإنَّما
стр. 2345
ضَعْفُهُ عندنا - والله أعلم - لأنَّه لا يروى مثل هذا عن النَّبيِّ ﷺ إلا من هذا الوجه، عن عاصم بن ضَمْرة، عن عليٍّ، وعاصمُ بنُ ضمرةَ هو ثقة عند بعض أهلِ الحديث».
قال البزار عقب (٦٧٣): «ولا نعلم يروى هذا الكلام، وهذا الفعل إلا عن عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ».
وقال البيهقي ٣/ ٥١: «تفرّد به عاصمُ بن ضمرةَ، عن عليٍّ ﵁، وكان عبد الله بن المبارك يضعّفُهُ، فيطعنُ في روايته هذا الحديث، والله أعلم».
قلت: إنْ كان ابن المبارك ضعّف الحديث بسبب عاصم بن ضمرة فإنَّه اجتهاد قاده لهذا التضعيف، على أنَّ عاصماً وثّقه بعض أهل الحديثِ، وهو صريحٌ فيما قاله الترمذيُّ، وفيما قاله ابن سعد في " الطبقات " ٦/ ٢٤٥: «وكان ثقة وله أحاديث»، وقال عليُّ بن المديني فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ٤٤٩ (١٩١٠): «ثقة»، وقال العجلي في " الثقات" (٨١١): «تابعيٌّ ثقة»، وقال النَّسائيُّ فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ١٠ (٢٩٩٩): «ليس به بأس»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٣٠٦٣): «صدوق».
وإنْ كانَ ابن المبارك قد اطّلعَ على علةٍ خفية ضعف لأجلها الحديث فهذا واردٌ ومحتَمَلٌ إذ هو أحد أكابر هذا الفن، وليسَ بغريبٍ أنْ يطّلعَ على ما لم يطلع عليه غيره، والله أعلم.
وقول حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاق: «يسوى حديثك هذا ملء مسجدك ذهباً» إنَّما أراد به تصحيحَ الحديث وتقويته.
أقول: في رواية الإمام أحمد السابقة وصف تفصيلي لصلاته ﷺ مع ملاحظة أنَّ عامة ما ذكره علي بن أبي طالب ﵁ إنَّما هو لصلاة النهار، دون ذكر صلاة الليل في شيء، وهذه قرينة مهمة في ترجيح رواية النهار على رواية الليل، والله أعلم.
وقد وهم الحافظ ابن حجر ﵀ في " التهذيب " ٢/ ١٣٤ فجعل هذه الكلمة - أي قول حبيب بن أبي ثابت - ثناءً على الحارث الأعور، فقد ذكرها
стр. 2346
في ترجمته، فقال: «قلت: وفي " مسند أحمد " عن وكيع، عن أبيه، قال حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاقَ حين حدَّثه عن الحارث، عن عليٍّ في الوتر: يا أبا إسحاقَ، يُساوي حديثُكَ هذا ملء مسجدكَ ذهباً»، والظاهرُ والله أعلم أنَّ الحافظ ابن حجر انتقل نظره، فإنَّ هذه الكلمة إنَّما هي عن حديث عاصم بن ضمرة، هكذا وردت في مطبوع المسند، وكذا في " إتحاف المهرة "، ولكن جاء بعدها حديث الحارث في الوتر، فانتقل نظر الحافظ حين النقل، فظنَّ أنَّ هذه الكلمة بعد حديث الحارث لا قبله. فعفى الله عنا وعنه.
انظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٥٣ (١٠١٣٧)، و " إتحاف المهرة " ١١/ ٤٣٢ - ٤٣٣ (١٤٣٦٠)، و" المسند الجامع " ١٣/ ٢١١ (١٠٠٦٥).
стр. 2347
النوع السابع من العلل المشتركة: المنكر
إنَّ الثقة قد يخطئ لكن أكثر الأخطاء من الرواة الضعفاء أو سيئي الحفظ، وهذه الأخطاء قد تصحبها أمور أخرى كالتفرد والمخالفة، وقد تقدم في فصل الحديث الشاذ أنَّ الثقة حينما يخالف غيره من الرواة الثقات مع التفرد يحكم على حديثه بأنَّه شاذ، كذلك الضعفاء أحياناً يتفردون ويخالفون - بل هو الأكثر - فحينئذٍ يحكم على أحاديثهم بأنَّها منكرة، وهذا الذي ذكرنا إنَّما هو على ما استقر عليه الاصطلاح، أما المتقدمون فلهم معانٍ مغايرة للمنكر، وكما حصل خلاف في حدِّ الحديث الشاذ فإنَّ الخلاف نفسه حاصل في الحديث المنكر، بل هو أكثر.
والمنكر لغة: خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإنكار والمنكر، وهو ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرّمه وكرهه: فهو منكر، ونكره ينكره نكراً، فهو منكور، واستنكره فهو مستنكر، ونَكِرَ الأمر نكيراً وأنكره إنكاراً ونكراً جهله (١)، قال ابن فارس: «النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكر الشئ وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه» (٢) وجاء التدليل على هذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿فلما جاء آل لوطٍ المرسلون * قال إنكم قوم منكرون﴾ (٣)، وكقوله تعالى: ﴿إذ دَخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون﴾ (٤).
أما في الاصطلاح فقد حصل تضارب كبير في حده، ولعل أول من
стр. 2348
عرّفه الإمام مسلم فقال: «وعلامة المنكر في حديث المحدّث إذا ما عُرضتْ روايتُهُ للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايتُهُ روايتَهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلبُ من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله» (١)، ثم عرفه من بعده البرديجي فقال: «إنَّ المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكراً» (٢)، وقال مرة أخرى: «الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر» (٣).
ثم عرفه ابن الصلاح فقال: «المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنَّه بمعناه» وقال عن الشاذ: «الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم» (٤). وقال النووي: «قال الحافظ البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه من غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون، والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ - أي كما قسمه ابن الصلاح -» (٥). وقال ابن دقيق العيد: «وهو كالشاذ، وقيل: هو ما تفرد به الراوي، وهو منقوض بالأفراد الصحيحة» (٦). وقال الذهبي: «هو ما خالف راويه الثقات، أو: ما انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده» (٧).
وقال ابن كثير: «وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً، وإن لم يخالف، فمنكر مردود» (٨).
стр. 2349
وقال العراقي:
وَالمنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْديجي … أطلَقَ، والصوابُ في التَّخريج
إجراءُ تَفْصِيلٍ لَدَى الشُّذُوذِ مَرْ … فَهْوَ بمعناهُ، كَذَا الشيخُ ذَكر (١)
فكل من أتى بعد ابن الصلاح مشى على ما ذكره من تعريف الحديث المنكر، حتى جاء الحافظ ابن حجر فقيده، فقال: «إنْ وقعت المخالفة مع الضعف، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر» (٢)، وقال في موضع آخر: «وعرف بهذا أنَّ بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً من وجه؛ لأنَّ بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة، وافتراقاً في أنَّ الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، وقد غفل من سَوَّى بينهما» (٣).
ثم جرى على هذا من جاء بعد الحافظ ابن حجر ﵀.
فقال البقاعي: «المنكر: اسم لما خالف فيه الضعيف أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا يجبر وهيُه بمتابعة مثله» (٤)، وقال السخاوي: «إذا انفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض مشايخه خاصة أو نحوهم، ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده - بما لا متابع له ولا شاهد، فهذا أحد قسمي المنكر … وإنْ خولف مع ذلك؛ فهو القسم الثاني، وهو المعتمد على رأي الأكثرين في تسميته» (٥)، وقال السيوطي:
والمنكَرُ الذي رَوَى غير الثِّقَة … مُخالِفاً، في نُخْبةٍ قَدْ حَقَّقَه
قَابَلهُ المعرُوفُ والَّذِي رَأى … تَرادُفَ المنكَرِ والشاذِ نَأى (٦)
وقال القاضي زكريا الأنصاري: «المنكر: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله، أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بذلك» (٧).
стр. 2350
«الترابط بين المعنى اللغوي والاصطلاحي»
يظهر من خلال تعريف المنكر لغة واصطلاحاً أنَّهما يشتركان في معنى: الجهالة وعدم المعرفة، أي أنَّ الذي انفرد بحديث لم يأتِ به غيره أغرب عنهم وأتى بشيء لا يعرف من جهة أخرى، وهو بهذا المعنى أقرب إلى تعريف المتقدمين منه إلى تعريف المتأخرين، كما في تعريف الحافظ البرديجي حيث أطلق المنكر على حديث راوٍ انفرد بمتنٍ لم يتابع عليه من قبل غيره، وعلى ما سيأتي في بيان مناهجهم بعد قليل.
قال الدكتور حمزة المليباري: «المنكر في لغة المتقدمين أعم منه عند المتأخرين، وهو أقرب إلى معناه اللغوي» (١).
«شروط الحديث المنكر»
للحديث المنكر شروط اشترطها المتأخرون؛ لمحاولة تقريب المفاهيم، وضبط المسائل، وحدّها بحدود معروفة؛ لكي يسهل تناولها ودراستها، وهذه المسائل اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح ـ هي:
أولاً: أن يكون الحديث فرداً، وهذا الشرط متفق عليه بين المتقدمين والمتأخرين على حد سواء.
ثانياً: أن يروي الراوي حديثاً يخالف فيه غيره من الرواة الثقات، وهذا الشرط موجود في كلام بعض المتقدمين، كما في تعريف الإمام مسلم الذي يدل على اشتراطه المخالفة في حد المنكر.
ثالثاً: أن يكون الراوي المتفرد والمخالف ضعيفاً، وهو الذي اشترطه الحافظ ابن حجر وشهره وأيده أغلب من جاء بعده، إلا أنَّ هذا الشرط لم يسلم من الاعتراض قال الشيخ طارق عوض الله: «إنَّ إنكار الأئمة - عليهم رحمة الله - للحديث سابق لتضعيفهم للراوي؛ لأنَّهم جعلوا ما يرويه من المناكير دليلاً على سوء حفظه وقلة ضبطه، و معنى هذا: أنَّهم عرفوا نكارة