← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

في ترجمته، فقال: «قلت: وفي " مسند أحمد " عن وكيع، عن أبيه، قال حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاقَ حين حدَّثه عن الحارث، عن عليٍّ في الوتر: يا أبا إسحاقَ، يُساوي حديثُكَ هذا ملء مسجدكَ ذهباً»، والظاهرُ والله أعلم أنَّ الحافظ ابن حجر انتقل نظره، فإنَّ هذه الكلمة إنَّما هي عن حديث عاصم بن ضمرة، هكذا وردت في مطبوع المسند، وكذا في " إتحاف المهرة "، ولكن جاء بعدها حديث الحارث في الوتر، فانتقل نظر الحافظ حين النقل، فظنَّ أنَّ هذه الكلمة بعد حديث الحارث لا قبله. فعفى الله عنا وعنه. انظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٥٣ (١٠١٣٧)، و " إتحاف المهرة " ١١/ ٤٣٢ - ٤٣٣ (١٤٣٦٠)، و" المسند الجامع " ١٣/ ٢١١ (١٠٠٦٥).

стр. 2347

النوع السابع من العلل المشتركة: المنكر إنَّ الثقة قد يخطئ لكن أكثر الأخطاء من الرواة الضعفاء أو سيئي الحفظ، وهذه الأخطاء قد تصحبها أمور أخرى كالتفرد والمخالفة، وقد تقدم في فصل الحديث الشاذ أنَّ الثقة حينما يخالف غيره من الرواة الثقات مع التفرد يحكم على حديثه بأنَّه شاذ، كذلك الضعفاء أحياناً يتفردون ويخالفون - بل هو الأكثر - فحينئذٍ يحكم على أحاديثهم بأنَّها منكرة، وهذا الذي ذكرنا إنَّما هو على ما استقر عليه الاصطلاح، أما المتقدمون فلهم معانٍ مغايرة للمنكر، وكما حصل خلاف في حدِّ الحديث الشاذ فإنَّ الخلاف نفسه حاصل في الحديث المنكر، بل هو أكثر. والمنكر لغة: خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإنكار والمنكر، وهو ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرّمه وكرهه: فهو منكر، ونكره ينكره نكراً، فهو منكور، واستنكره فهو مستنكر، ونَكِرَ الأمر نكيراً وأنكره إنكاراً ونكراً جهله (١)، قال ابن فارس: «النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكر الشئ وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه» (٢) وجاء التدليل على هذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿فلما جاء آل لوطٍ المرسلون * قال إنكم قوم منكرون﴾ (٣)، وكقوله تعالى: ﴿إذ دَخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون﴾ (٤). أما في الاصطلاح فقد حصل تضارب كبير في حده، ولعل أول من

стр. 2348

عرّفه الإمام مسلم فقال: «وعلامة المنكر في حديث المحدّث إذا ما عُرضتْ روايتُهُ للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايتُهُ روايتَهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلبُ من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله» (١)، ثم عرفه من بعده البرديجي فقال: «إنَّ المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكراً» (٢)، وقال مرة أخرى: «الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر» (٣). ثم عرفه ابن الصلاح فقال: «المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنَّه بمعناه» وقال عن الشاذ: «الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم» (٤). وقال النووي: «قال الحافظ البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه من غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون، والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ - أي كما قسمه ابن الصلاح -» (٥). وقال ابن دقيق العيد: «وهو كالشاذ، وقيل: هو ما تفرد به الراوي، وهو منقوض بالأفراد الصحيحة» (٦). وقال الذهبي: «هو ما خالف راويه الثقات، أو: ما انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده» (٧). وقال ابن كثير: «وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً، وإن لم يخالف، فمنكر مردود» (٨).

стр. 2349

وقال العراقي: وَالمنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْديجي … أطلَقَ، والصوابُ في التَّخريج إجراءُ تَفْصِيلٍ لَدَى الشُّذُوذِ مَرْ … فَهْوَ بمعناهُ، كَذَا الشيخُ ذَكر (١) فكل من أتى بعد ابن الصلاح مشى على ما ذكره من تعريف الحديث المنكر، حتى جاء الحافظ ابن حجر فقيده، فقال: «إنْ وقعت المخالفة مع الضعف، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر» (٢)، وقال في موضع آخر: «وعرف بهذا أنَّ بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً من وجه؛ لأنَّ بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة، وافتراقاً في أنَّ الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، وقد غفل من سَوَّى بينهما» (٣). ثم جرى على هذا من جاء بعد الحافظ ابن حجر ﵀. فقال البقاعي: «المنكر: اسم لما خالف فيه الضعيف أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا يجبر وهيُه بمتابعة مثله» (٤)، وقال السخاوي: «إذا انفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض مشايخه خاصة أو نحوهم، ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده - بما لا متابع له ولا شاهد، فهذا أحد قسمي المنكر … وإنْ خولف مع ذلك؛ فهو القسم الثاني، وهو المعتمد على رأي الأكثرين في تسميته» (٥)، وقال السيوطي: والمنكَرُ الذي رَوَى غير الثِّقَة … مُخالِفاً، في نُخْبةٍ قَدْ حَقَّقَه قَابَلهُ المعرُوفُ والَّذِي رَأى … تَرادُفَ المنكَرِ والشاذِ نَأى (٦) وقال القاضي زكريا الأنصاري: «المنكر: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله، أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بذلك» (٧).

стр. 2350

«الترابط بين المعنى اللغوي والاصطلاحي» يظهر من خلال تعريف المنكر لغة واصطلاحاً أنَّهما يشتركان في معنى: الجهالة وعدم المعرفة، أي أنَّ الذي انفرد بحديث لم يأتِ به غيره أغرب عنهم وأتى بشيء لا يعرف من جهة أخرى، وهو بهذا المعنى أقرب إلى تعريف المتقدمين منه إلى تعريف المتأخرين، كما في تعريف الحافظ البرديجي حيث أطلق المنكر على حديث راوٍ انفرد بمتنٍ لم يتابع عليه من قبل غيره، وعلى ما سيأتي في بيان مناهجهم بعد قليل. قال الدكتور حمزة المليباري: «المنكر في لغة المتقدمين أعم منه عند المتأخرين، وهو أقرب إلى معناه اللغوي» (١). «شروط الحديث المنكر» للحديث المنكر شروط اشترطها المتأخرون؛ لمحاولة تقريب المفاهيم، وضبط المسائل، وحدّها بحدود معروفة؛ لكي يسهل تناولها ودراستها، وهذه المسائل اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح ـ هي: أولاً: أن يكون الحديث فرداً، وهذا الشرط متفق عليه بين المتقدمين والمتأخرين على حد سواء. ثانياً: أن يروي الراوي حديثاً يخالف فيه غيره من الرواة الثقات، وهذا الشرط موجود في كلام بعض المتقدمين، كما في تعريف الإمام مسلم الذي يدل على اشتراطه المخالفة في حد المنكر. ثالثاً: أن يكون الراوي المتفرد والمخالف ضعيفاً، وهو الذي اشترطه الحافظ ابن حجر وشهره وأيده أغلب من جاء بعده، إلا أنَّ هذا الشرط لم يسلم من الاعتراض قال الشيخ طارق عوض الله: «إنَّ إنكار الأئمة - عليهم رحمة الله - للحديث سابق لتضعيفهم للراوي؛ لأنَّهم جعلوا ما يرويه من المناكير دليلاً على سوء حفظه وقلة ضبطه، و معنى هذا: أنَّهم عرفوا نكارة

стр. 2351

أحاديثه قبل معرفتهم بضعفه لا سيما وفي بعض الأمثلة السابقة رجوع الناقد عن توثيق من كان قد وثقه من قبل إلى تضعيفه بعد أنْ وقف له على مناكير تدل على ضعفه، وفي بعضها تعليل ضعف الراوي بكونه جاء بمناكير تدل على سوء حفظه، وإذا كان ذلك كذلك، فكيف يشترط في الحديث المنكر أن يكون راويه ضعيفاً، وهم ما عرفوا ضعفه إلا بعد حكمهم على رواياته بأنَّها مناكير» (١). «صور المنكر» بناءً على ما استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين؛ فإنَّ المنكر له صورتان: الأولى: «إذا انفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض، بشيء لا متابع له، ولا شاهد، فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث» (٢)، وشرط هذه الصورة أنْ ينفرد الراوي، مع كونه سيئ الحفظ من غير أن يخالف. الثانية: أنْ ينفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض شيوخه، بشيء لا متابع له، ولا شاهد مع زيادة شرط ثالث وهو المخالفة. «مصطلح الحديث المنكر عند المتقدمين» يتبين من خلال النظر في كلام الأئمة المتقدمين أنَّهم يستعملون عبارة حديث منكر، ومنهم من أكثر من استعمالها كالإمام أحمد ويحيى القطان وابن المديني وغيرهم، ومن خلال التتبع والاستقراء لأقوال هؤلاء الحفاظ في إطلاقهم النكارة على بعض الأحاديث وجد لها عدة معان وهي ما يلي: أولاً: تفرد أو خطأ الثقة، وهذا موجود في كلام الإمام أحمد، وقاله

стр. 2352

البرديجي، ويحيى بن معين والنَّسائي وغيرهم، سئل الإمام أحمد عن حديث يرويه الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ : متى كُتبتَ نبياً، قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، وهو كثيراً مما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير (١). فقد حكم الإمام أحمد على هذا الحديث بالنكارة؛ لخطأ الأوزاعي (٢) فيه، وهو الظاهر من كلام البرديجي من خلال تعريفه للمنكر. ونقل ابن عدي عن يحيى بن معين قوله في حديث عبد الرزاق أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى على عُمَرَ قَميصاً: أنَّه حديث منكر ليس يرويه أحد غير عبد الرزاق (٣) وكذا استنكره النسائي، ونقل عن يحيى القطان استنكاره أيضاً (٤)، فحكم عليه بأنَّه منكر؛ لتفرد عبد الرزاق به، وهو من الثقات. وهذا ملحوظ كثيراً في كلام الإمام أحمد فقد استعمل مصطلح (المنكر) على الأحاديث الأفراد التي يقع فيها الخطأ، سواء خالف راويها أم لم يخالف، وسواء كان راويها ثقةً أم ضعيفاً، وسواء كان الخطأ في الإسناد أم في المتن. قال الحافظ ابن رجب معلقاً على قول الإمام أحمد على حديث أنَّه ليس بالمنكر: «وإنَّما قال الإمام أحمد: ليس بالمنكر؛ لأنَّه قد وافقه على بعضه غيره؛ لأنَّ قاعدته: أنَّ ما انفرد به ثقة فإنَّه يُتوقف فيه حتى يتابع عليه، فإنْ تُوبع عليه زالت نكارتُه، خُصُوصاً إنْ كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والإتقان، وهذه قاعدة يحيى القطَّان وابن المديني، وغيرهما» (٥)، وقد حصل

стр. 2353

هنا إشكال في فهم المراد من كلام الأئمة المتقدمين في إطلاقهم النكارة على مجرد تفرد الثقة. فقال بعضهم: ليس مرادهم مطلق التفرد، وإنَّما لقرائن أخرى حفت الراوية سواء كان الخطأ أو الوهم من الراوي، أو أن يكون متن الحديث لم يعرف من وجه آخر، وغيرها من القرائن التي جعلت الحفاظ يحكمون على الحديث بأنَّه منكر، وقال بعضهم: بل أرادوا من ذلك مطلق التفرد، والحق أنَّهم أحياناً يريدون به التفرد مع غرابة المتن أو الخطأ. قال الحافظ ابن حجر: «المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له» (١)، وفصل في موضع آخر فقال: «وهذا مما ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي، وغير واحد من النقاد لفظ (المنكر) على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم على حديثه بالصحة بغير عاضد يعضده» (٢)، وقال ابن كثير: «وأما إن كان الذي تفرد به عدلٌ ضابطٌ حافظٌ قبل منه شرعاً، ولا يقال له: منكر، وإن قيل له ذلك لغة» (٣)، إلا أنَّه يجب التنبه على مسألة مهمة وهي: حالة التفرد، وطبقات التفرد، فلا شك أنَّ هناك فرقاً بين التفرد في طبقات الصحابة أو التابعين، وبين تفرد غيرهم من الطبقات المتأخرة، وكذا الحال بالنسبة لتفرد الثقات الأثبات فتفردهم مقبول، أي مع السلامة من العلل الأخرى، والذي دعاني لمثل هذا القول حتى لا يكون هناك تعارض بين الأقوال، فردّ حديث الثقة الفرد مطلقاً مع السلامة من أي علة سواءً كانت في المتن أم في الإسناد منهج لم نعرفه في أقوال المتقدمين ولا في أحكامهم، زد على ذلك أنَّ شروط الحديث الصحيح معروفة ومنثورة في الكتب، فلم نجد أحداً من الأئمة السابقين أو اللاحقين قد اشترط لصحة الحديث أن ينقل من راويين فأكثر، وإلا سيضطرنا مثل هذا الرأي أن نقول بقول بعض المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، الذين اشترطوا العدد في ثبوت الحديث، وهذا ما لم يقل به أحد من أهل العلم

стр. 2354

بالحديث، بل قد ردوا عليه وشنعوا الكلام على من قال به. قال الدكتور حمزة المليباري: «والحق الذي أميل إليه أنَّ الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث بمجرد تفرد ثقة من الثقات، وإنَّما يستنكرونه إذا لم يعرف من مصادر أخرى، إما برواية ما يشهد له من معنى الحديث أو بالعمل بمقتضاه … أما إطلاق المنكر على ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنَّه قد وقع في كلامهم، إن كان بعض ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك، فإنَّه ينبغي حمله على أنَّ ذلك في حدود معرفتهم؛ لتفادي التناقض بين التصريح والعمل» (١)، والحين الآخر أن تكون الرواية خطأ أو وهماً، وهذا موجود في كلام الإمام أحمد كما مر. وقد استشكل بعضهم المراد من كلام الإمام أحمد: «الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبداً منكر» (٢)، وبين ما يفهم من كلامه في إطلاق النكارة على التفرد، فقال: كيف أنَّ المنكر مطّرح لا يحتاج إليه، وفي نفس الوقت هو الحديث الفرد، والحق أنَّ الإمام أحمد إنَّما يقصد بـ (المنكر أبداً منكر): أن يكون الحديث الفرد قد وقع فيه خطأ، و الخطأ لا يتقوى بغيره، على العكس من رواية الضعيف السيئ الحفظ الذي نخشى أنَّه لم يضبط الحديث، فعند متابعة غيره له زال ما كنَّا نخشاه من عدم ضبطه للحديث، أما أن يكون أصل الحديث خطأ، فهذا لا تنفعه المتابعات ولا الشواهد. فإطلاق النكارة إنَّما يكون لقرائن أخرى كأنْ يكون الإغراب عن شيخ حافظ واسع الرواية ممن تدور عليه الأسانيد وله تلاميذ كثر، أو الإغراب بمتن لا يعرف إلا من طريقه، أو غيرها من الأسباب الخفية التي تجعل الإمام أحمد وغيره من الأئمة يحكمون على الرواية بالنكارة والرد. قال البرديجي: «إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ حديثاً لا يصاب إلا عند الرجل الواحد، لم يضره أنْ لا يرويه غيره،

стр. 2355

إذا كان متن الحديث معروفاً، ولا يكون منكراً ولا معلولاً» (١). ثانياً: تفرد أو خطأ الراوي النازل عن درجة الثقة، وهو الذي يُسمى صدوقاً، وهو موجود في كلام الإمام أحمد وأبي داود والنسائي. ومثاله: حديث علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ، وخَيْرُ الخطَّائينَ التَّوَّابُون» (٢). هذا الحديث قال عنه الإمام أحمد: هذا حديث منكر (٣)، فقد حكم الإمام أحمد عليه بالنكارة لتفرد علي بن مسعدة به، وهو صدوق له أوهام (٤). ثالثاً: الحديث الفرد الذي يرويه المستور أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض شيوخه دون بعض، أو بعض حديثه دون بعض، وليس له عاضد يقوى به. وهذا موجود في كلام الأئمة منهم النسائي. مثاله: حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر (٥)، فقال عنه النسائي بأنَّه منكر، ومثل به ابن الصلاح للحديث المنكر (٦)؛ لتفرد أبي زكير به، وهو ليس ممن يحتمل تفرده. رابعاً: الحديث الفرد الذي يرويه من سبق وصفه في النوع الثالث، مع شرط المخالفة، وهذا موجود في كلام المتقدمين، وهذا الذي جرى عليه الحافظ ابن حجر ومن أتى بعده. ومثاله: حديث هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي

стр. 2356

هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ أفطر في رمضان … (١) الحديث. نقل الحافظ ابن حجر عن العلائي قوله: «تفرد به هكذا هشام بن سعد - وهو متكلم فيه سيئ الحفظ - وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم» (٢). خامساً: حديث المجهول، أو الحديث المدرج، أو المنقطع، أو الشاذ، وغير ذلك من أنواع الأحاديث المعلة، وهذا موجود في كلامهم كثيراً. سادساً: حديث المتروكين والكذابين، فقد وجد أنَّهم يطلقون على أحاديث هذا النوع من الرواة النكارة، ولها مرادفات كثيرة كالحديث الواهي، أو الباطل، أو الإسناد التالف، أو الإسناد الساقط المطَّرح وهو الأولى بتسميته. قال العلامة المعلمي: «ويقولون - يعني: أئمة الحديث - للخبر الذي تمتنع صحتهُ أو تبعد: منكر، أو: باطل، وتجد ذلك كثيراً في تراجم الضعفاء وكتب العلل والموضوعات» (٣). من خلال هذه الأقوال التي سقناها يتبين أنَّ الأئمة يتوسعون في عبارات: الحديث المنكر، أو أحاديثه مناكير، أو في أحاديثه نكارة، أو كان يحدث بالمناكير، خلافاً لما عليه المتأخرون الذين ضيقوا هذا المعنى وحدّوا له حدوداً، ووضعوا له شروطاً لم نجدها عند كثير من الأئمة المتقدمين، وإن كان ما حده المتأخرون من حد المنكر موجود في أقوال المتقدمين إلا أنهم لم يجعلوا المنكر مقصوراً عليه. قال الدكتور حمزة المليباري: «الذي يتأكد من خلال التتبع والاستقراء لمصادر العلل والتراجم أنَّ هذا الاصطلاح الذي استقر عليه رأي المتأخرين تضييق لما وسّعه نقاد الحديث في استعماله لفظة المنكر، إذ المعنى عندهم: حديث غير معروف عن مصدره، سواء من رواية الثقة أم لا، سواء تفرد به الراوي مع المخالفة أم لا، لكنَّهم يعبرون عن هذا المعنى

стр. 2357

بالألفاظ التالية: خطأ، وهم، غير محفوظ، غير صحيح، لا يشبه، غريب، لا يثبت، لا يصح، وهي أكثر استعمالاً بالنسبة إلى كلمة المنكر» (١). «مفهوم الحديث المنكر عند المتأخرين» يتضح من خلال التعاريف التي عرف بها المتأخرون الحديث المنكر أنَّهم يريدون به ما يلي: أولاً: الحديث الفرد المخالف، وهذا أحد نوعي المنكر الذي قرره ابن الصلاح. ومثاله: حديث مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يَرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ» (٢) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله: عُمر بن عثمان - بضم العين - بينما غيره يقول: عَمرو بن عثمان (٣). ثانياً: الحديث الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف. مثاله: حديث أبي زكير السابق. ثالثاً: الحديث الفرد الذي يرويه الضعيف مخالفاً به غيره من الثقات. ومثاله: حديث هشام بن سعد المتقدم. وهذا الأخير هو الذي اشتهر واستقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، من زمن الحافظ ابن حجر إلى يومنا هذا. (الحديث المنكر) و (منكر الحديث) يعتبر مصطلحا (الحديث المنكر) و (منكر الحديث) من الألفاظ التي قد يظن بعضهم أنَّهما مترادفان، إلا أنَّ الواقع أنَّهما مفترقان، والفرق بينهما أنَّ لفظ (الحديث المنكر) يقصد به الحديث والحكم عليه، أما (منكر الحديث)

стр. 2358

فهو من ألفاظ الجرح ويقصد به الحكم على الراوي، فما هو الترابط بينهما. قال الذهبي: «قولنا في الرجل منكر الحديث لا نعني به أنَّ كل ما رواه منكر، فإذا روى الرجل جملة وبعض ذلك مناكير، فهو منكر الحديث» (١) وقال أيضاً: «ما كل من روى المناكير يضعف» (٢)، ونقل السخاوي عن ابن دقيق العيد قوله: «قولهم: روى مناكير لا يقتضي بمجرده ترك روايته، حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أنْ يقال فيه: منكر الحديث؛ لأنَّ منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه» (٣)، ونقل عن العراقي أيضاً قوله: «وكثيراً ما يطلقون المنكر على الراوي؛ لكونه روى حديثاً واحداً» (٤). فلا يظن من قولهم: هذا حديث منكر أنَّ راويه غير ثقة؛ لما علمت من مرادهم في إطلاق هذه اللفظة على الأحاديث التي يكون فيها خطأ أو وهم، أو ينفرد بها الثقات. قال عبد الرحمان بن مهدي سألت شعبة: من الذي تترك الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يعرف، أو أكثر الغلط (٥)، والذي يرادف الغير معروف هو: المنكر فالراوي إذا لم يكثر من المناكير لا يترك، أما إكثاره من المناكير فيوجب رد حديثه وتركه. وكذلك قولهم: فلان روى مناكير، أو حديثه هذا منكر، ونحو ذلك، لا يعنون أنَّه ضعيف، كقول الإمام أحمد في محمد بن إبراهيم التيمي: يروي أحاديث منكرة، وهو ممن اتفق عليه الشيخان، ويكفي في ذلك حديثه: «إنَّما الأعمالُ بالنياتِ» (٦) الذي اتفقت الأمة على قبوله، ويتبين مما سبق وجه الخلاف بين اللفظتين من جهة، وترابطهما من جهة أخرى، فوجه الخلاف أنَّ

стр. 2359

إحداهما تطلق على الحديث، والأخرى تطلق على الراوي، أما وجه الترابط فإنَّ إكثار الراوي من الأحاديث المنكرة والضعيفة والمخالفة للأحاديث الصحيحة يستلزم الحكم عليه بأنَّه منكر الحديث. وكذا التفريق بين قولهم: (يروي مناكير) وقولهم: (في حديثه نكارة) ففي الأولى أنَّ هذا الراوي يروي المناكير، وربما العهدة ليست عليه إنَّما من شيوخه، وهي تفيد أنَّه لا يتوقى في الرواية، أما قولهم: (في حديثه نكارة) فهي كثيراً ما تقال لمن وقعت النكارة منه. «منكر الحديث عند الإمام البخاري» من ألفاظ الجرح التي يستخدمها الإمام البخاري هي: منكر الحديث، نقل ابن القطان عن البخاري قوله: «كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه» (١)، فهي عند الإمام البخاري من أشد ألفاظ الجرح فهو يستعملها في الراوي الضعيف جداً، والذي أكثر من المناكير والمخالفة إلا أنَّه ليس هناك كبير فرق بين قول البخاري في راوٍ: منكر الحديث، وقول غيره: منكر الحديث أيضاً، فقد وجد من الرواة من أطلق عليهم البخاري منكر الحديث، وتابعه على هذا الحكم غيره من الأئمة. قال عبد الله الجديع: «والذي وجدته بالتتبع أنَّ استعمال البخاري لهذه اللفظة لا يختلف عن استعمال من سبقه أو لحقه من علماء الحديث، فهو إنَّما يقول ذلك في حق من غلبت النكارة على حديثه، أو استحكمت من جميعه، وربما حكم عليه غيره بمثل حكمه، وربما وصف بكونه متروك الحديث بمجرد الضعف، وربما قال ذلك البخاري في الراوي المجهول الذي لم يرو إلا الحديث الواحد المنكر» (٢) ثم ساق أمثلة لمن قال فيهم البخاري منكر الحديث.

стр. 2360

وما دمت قد فصلت القول في الحديث المنكر فقد آن لي سرد الأمثلة، فأقول: ومما حصلت النكارة في إسناده ما روى سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شريك، عن عثمان بن موهب، قال: سئل أبو هريرة، هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. أخرجه: الترمذي في " الشمائل " (٤٦) بتحقيقي، وعبد الله بن أحمد في زياداته على " العلل " لأبيه ١/ ١١٦ (٤٢١)، بهذا الإسناد. وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف سفيان بن وكيع إذ قال فيه البخاري فيما نقله المزي في "تهذيب الكمال" ٣/ ٢٢٩ (٢٤٠٢): «يتكلمون فيه لأشياء لقنوه»، وقال أبو زرعة فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٤/ ٢١٧ (٩٩١): «لا يشتغل به … »، ونقل عن أبيه قوله فيه: «لين»، وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٢٨٩): «ليس بشيء». وهو معلول، فشريك النخعي قد خالف من هو أوثق منه. وانظر: " تحفة الأشراف" ١٠/ ٥٠ (١٤١٣٥). وقد روي معنى هذا الحديث عن أم سلمة - وليس عن أبي هريرة - بطرق سبعة، عن عثمان بن موهب. أخرجه: أحمد ٦/ ٢٩٦ من طريق أبي معاوية. وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٣٦، وأحمد ٦/ ٣١٩ و ٣٢٢، والبخاري ٧/ ٢٠٧ (٥٨٩٧)، وابن ماجه (٣٦٢٣)، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٧٦٤)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٢٣٦ من طريق سلام بن أبي مطيع. وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٣٦، والبخاري ٧/ ٢٠٧ (٥٨٩٨) من طريق نصير بن أبي الأشعث. وأخرجه: البخاري ٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧ (٥٨٩٦)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٢٣٦ من طريق إسرائيل.

стр. 2361

وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٧٦٥) من طريق منصور بن دينار. وأخرجه: البيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ من طريق أبي حمزة السكري. وأخرجه: الإسماعيلي كما ذكره الحافظ ابن حجر في " فتح الباري" عقب ١٠/ ٤٣٤ (٥٨٩٨) من طريق أبي إسحاق السبيعي. سبعتهم: (أبو معاوية، وسلام، ونصير، وإسرائيل، ومنصور، وأبو حمزة، وأبو إسحاق) عن عثمان بن موهب، عن أم سلمة، وقد خالفوا شريكاً النخعي، فجعلوا هذا الحديث في مسند أم سلمة، وليس في مسند أبي هريرة. وقد نص الإمام الترمذي على علة هذا الحديث، بأنَّ شريكاً قد خولف فيه، فقال في " الشمائل " عقب (٤٦) بتحقيقي: «روى أبو عوانة هذا الحديث، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، وقال: عن أم سلمة». وقد أيد المزي ذلك فقال في " التحفة " ١٠/ ٥١ (١٤١٣٥) عقب كلام الترمذي: «تابعه سلام بن أبي مطيع، عن عثمان، عن أم سلمة» (١). ولما انتهينا من الكلام عن علة الحديث الرئيسة وأنَّه من حديث أمِّ سلمة لا من حديث أبي هريرة. بقي علينا أنْ نبين ممن هذا الخطأ، فهو قد يكون من شريك بن عبد الله النخعي السيئ الحفظ (٢)، وقد يكون من سفيان بن وكيع الضعيف في روايته بسبب أنَّ ورّاقه كان يتلاعب بكتبه فنصح فلم يقبل (٣)، ولم أجد متابعاً لسفيان بن وكيع فلعل الحمل يكون عليه، وأنَّ هذا الحديث مما زاده ورّاقه عليه. ومما تقدم يتبين أن الحديث ضعيف من حديث أبي هريرة، صحيح من حديث أم سلمة. وانظر: " تحفة الأشراف " ١٢/ ١١٣ (١٨١٩٦)، و" أطراف المسند " ٩/ ٤١٠ (١٢٥٩٣)، و" إتحاف المهرة " ١٨/ ١٤٦ (٢٣٤٦٣).

стр. 2362

مثال آخر: روى محمد بن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَنْ مسَّ فرجَهُ فليتوضأْ». أخرجه: ابن أبي شيبة (١٧٣٤)، وأحمد ٥/ ١٩٤، وابن أبي خيثمة في "تاريخه " (٣٠٦٩)، والبزار (٣٧٦٢)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٧٣ وفي ط. العلمية (٤٢٣)، والطبراني في " الكبير " (٥٢٢١) و (٥٢٢٢)، وابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ " (١٠٩) و (١١٠)، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١٩١) ط. العلمية و (١٠٣١) ط. الوعي. وذكره الترمذي في " جامعه " عقب (٨٢). وأخرجه: ابن أبي خيثمة (٣٠٧٠) من طريق عمر بن سريج، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النَّبيِّ ﷺ … والحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عمر بن سريج، إذ قال ابن عدي في " الكامل " ٦/ ١٢٣: «أظنه شامياً، عن الزهريِّ، أحاديثه عنه ليست بمستقيمة»، وقال الذهبيُّ في " الميزان " ٣/ ٢٠٠ (٦١٢٥): «عن الزهري لين … » وساق الذهبيُّ هذا الحديث مما استنكر عليه. وظاهر إسناد هذا الحديث الصحة، ومحمد بن إسحاق صرّح بالسماع فانتفت شبهة تدليسه، وقد حسّن هذا الإسناد الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على " المسند الأحمدي " إذ قال: «إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين … ». ولكن أئمة علم الحديث من المتقدمين قد حكموا على هذا الإسناد بالوهم والنكارة، إذ قال الحافظ زهير بن حرب فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٢٧٠: «هذا عندي وَهْم، إنَّما رواه عروة، عن بسرة». وعلى هذا وافقهم من المتأخرين ابن عبد الهادي (١) فقال: «حديث

стр. 2363

زيد ابن خالد غلط فيه ابن إسحاق، وصوابه عن بسرة بدل زيد». وبعد المتابعة والبحث وجدنا أنَّ تضعيف هذين الناقدين الجليلين لهذا السند كان مبنياً على أسس علمية رصينة؛ إن دلت على شيء فإنَّما تدل على قوة ملاحظة أئمة الحديث من المتقدمين، وبُعْدِ نظرهم، وإحاطتهم بطرق الحديث كافة، مع مراعاة حالة الرواة ومدى ضبطهم للأحاديث؛ إذ إنَّ الإمام الجهبذ علي بن المديني عدّ هذا الإسناد من منكرات محمد بن إسحاق، واتضح لنا أنَّ محمد بن إسحاق قد خالف من هم أحفظ منه لرواية الزهري؛ إذ إنَّ هذا الحديث روي من طريق شعيب بن أبي حمزة. أخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٣٢٢٢)، وعبد الله بن أحمد في " وجاداته " ٦/ ٤٠٧، والنَّسائي ١/ ١٠٠ - ١٠١، والطبراني في "الكبير " ٢٤ / (٤٩٣)، وابن عدي في " الكامل " ٧/ ٢٧٠، والبيهقي ١/ ١٢٩ وفي " الخلافيات "، له (٥٠٤)، وابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩. ومن طريق يونس بن يزيد الأيلي: أخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٣٢٢٧)، والطبراني في "الكبير " ٢٤/ (٤٩٤). ومن طريق ابن أبي ذئب: أخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٣٢٢٣)، والطبراني في "الكبير " ٢٤/ (٤٩٥). ومن طريق عقيل بن خالد: أخرجه: البيهقي ١/ ١٣٢ وفي الخلافيات، له (٥٠٥). أربعتهم: (شعيب، ويونس، وابن أبي ذئب، وعقيل) عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري: أنَّه سمع عروة بن الزبير: ذكر مروان في إمارته على المدينة: أنَّه يتوضأ مِن مسِّ الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك عليه، فقلت: لا وضوء على من مسه، فقال مروان: أخبرتني

стр. 2364

بسرة بنت صفوان أنَّها سمعت رسول الله ﷺ يذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله ﷺ : «ويتوضأ من مس الذكر». وهذا هو الصواب؛ لأنَّ محمد بن إسحاق قد خالف في هذا الحديث من هم أوثق منه في الزهري، ومن هؤلاء شعيب بن أبي حمزة الذي قال عنه ابن معين: «شعيب أثبت الناس في الزهري … » (١)، زيادة على المتابعات الأخرى لشعيب، وقال البيهقي عن هذا الطريق عقب رواية عقيل بن خالد، عن الزهري: «هذا هو الصحيح من حديث الزهري». أما طريق ابن إسحاق فهو وَهْم منه، ولم يتابعه عليه أحد إلا متابعة واهية عند ابن عدي في " الكامل " ١/ ٣١٨، من طريق أحمد بن هارون المصيصي، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وزيد بن خالد، به، وهذا إسناد معلول لسببين: الأول: فيه أحمد بن هارون، قال ابن عدي عنه: «يروي مناكير عن قوم ثقات لا يتابع عليه أحد»، وقال: «وهذا الحديث يرويه محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد. ومن حديث ابن جريج، عن الزهري غير محفوظ»، وقال أيضاً بعد أنْ سرد حديثاً آخر له: «ولم أجد لأحمد هذا، أشنع من هذين الحديثين». والثاني: عنعنة ابن جريج. ومن هذا يتضح أنَّ الشيخ شعيباً قد تابع ظاهر سند الحديث، وهذا ما درج عليه المعاصرون من الناقدين دون الدخول إلى تفريعات وطرق الأحاديث المتشعبة، وهذا ما يؤدي بهم - وكما هو الحال في هذا المثال - إلى الوهم في الحكم على الأحاديث. وهذا ما تنبه له أئمة الحديث الأفاضل من المتقدمين؛ إذ إنَّهم لا يحكمون على الحديث لأول وهلة، لكن بعد متابعة طرقها ومعرفة حال رواتها ومتى تكون رواياتهم دقيقة، ومتى تكون مخالفة للصواب، والفضل في هذا يعود إلى الكم الهائل والخزين الوافر من حفظ الأسانيد

стр. 2365

والمتون الذي كانوا يتمتعون به، فهم عاصروا الرواية، وكانت السنة محفوظة لديهم بصدورهم وسطورهم وعاينوا أحوال الرواة ومراتبهم، وما تحيط الأحاديث من أمور، وعلل، وأحوال فرحمهم الله وجزاهم عن الإسلام والمسلمين ألف خير، وإنَّ من واجب المتأخرين الآن أن يجدّوا ويجتهدوا في شرح إعلالات جهابذة المتقدمين، ويحاولوا الوصول إلى شرح مرادهم، وحل عباراتهم ومعرفة سبب أحكامهم. قال علي بن المديني: «لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا نعسَ أحدُكم يومَ الجمعة». والزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد الجهني: «إذا مسَّ أحدُكم فرجَه». انظر: " القراءة خلف الإمام " للبيهقي ١/ ٦٠،" وتهذيب الكمال " ٦/ ٢٢٥ (٥٦٤٦)، "وسير أعلام النبلاء" ٧/ ٤٥، "والمغني في الضعفاء " للذهبي ٢/ ٥٥٣، و" تهذيب التهذيب" ٩/ ٣٦. قال أبو عيسى الترمذي في " العلل الكبير ":١٥٧ - ١٥٨ (٣٠): «قلت له - يعني: البخاري -: فحديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد؟ قال: إنَّما روى هذا الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، ولم يعد حديث زيد بن خالد محفوظاً». قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥: «ورجاله رجال الصحيح إلا أنَّ ابن إسحاق مدلس، وقد قال حدثني». قال ابن عدي في " الكامل ١/ ٣١٩: «وهذا الحديث يرويه محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد. ومن حديث ابن جريج، عن الزهري غير محفوظ». وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ٤٧٣: «يقال: هذا غلط؛ وصوابه عن بسرة بدل زيد». وقد روي من غير طريق ابن إسحاق. وأخرجه: إسحاق بن راهويه كما في " المطالب العالية " ١/ ٤٧٩

стр. 2366

(١٥٧)، ومن طريقه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١٩٠) ط. العلمية … و (١٠٢٧) ط. الوعي عن محمد بن بكر البرساني، قال: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة (قال- يعني الزهري-: ولم أسمعه منه) أنَّه كان يحدّث عن بسرة بنت صفوان، وعن زيد ابن خالد الجهني، به. البرساني فيه كلام، وذكر زيد بن خالد وهم، يحمل على البرساني أولى من حمله على ابن جريج، وسيأتي أن الصواب من طريق الزهري، عن بسرة لا غيره، علماً أن البرساني روى حديث بسرة، ووهم فيه. وانظر: " ميزان الاعتدال " ٣/ ٤٩٢ (٧٢٧٧). قال البيهقي في " معرفة السنن والآثار" ١/ ٢٢٣ عقيب (١٩١): «قد أخبر الزهري بأنَّه لم يسمعه من عروة، وإنَّما سمعه من عبد الله بن أبي بكر، وهو من الثقات عن عروة، ثم عروة رواه عن بسرة، وعن زيد بن خالد كما رواه ابن جريج». مما تقدم يتبين أن ذكر زيد بن خالد وهم وأن الحديث حديث بسرة. وقد تقدمت مناقشته، ولمزيد الفائدة نذكر بعض أقوال السلف عن حديث بسرة فقد قال الطحاوي في " شرح معاني الآثار " عقب (٤٢٤) ط. العلمية: «ونفس هذا الحديث منكر وأَخْلِقْ به أن يكون غلطاً؛ لأنَّ عروة حين سأله مروان عن مس الفرج، فأجابه من رأيه: أن لا وضوء فيه، فلما قال له مروان: عن بسرة، عن النَّبيِّ ﷺ ما قال، قال له عروة: ما سمعت به وهذا، بعد موت زيد بن خالد عن النبي ﷺ بكم شاء الله، فكيف يجوز أنْ ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه إياه زيد بن خالد؟»، قال الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ٦٠٢: «هذا بما لا يستقيم ولا يصح». وقال ابن معين فيما نقله ابن عبد الهادي في " تنقيح التحقيق" ١/ ١٥٠: «ثلاثة أحاديث لا تصح، حديث «مس الذكر» و «لا نكاح إلا بولي» و «كل مسكر حرام»». وقد تعقبه ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ٣٤١ (١٦٥) فقال: «ولا

стр. 2367

يعرف هذا عن ابن معين، وقد قال ابن الجوزي: إن هذا لا يثبت عن ابن معين، وقد كان من مذهبه انتقاض الوضوء بمسه». وروي الحديث من وجه آخر عن عبد الله بن أبي بكر من غير طريق الزهري. فأخرجه: ابن أبي شيبة (١٧٣٦)، وابن أبي خيثمة في " التاريخ الكبير " (٣٠٦٦) عن ابن علية، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث أبي، قال: ذاكرني مروان مس الذكر، فقلت: (وذكر الحديث). وأخرجه: ابن أبي خيثمة في " التاريخ الكبير " (٣٠٦٧) من طريق سفيان بن عيينة. وأخرجه: ابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (٣٠٦٨) من طريق مالك. كلاهما: (سفيان، ومالك) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن عروة، به. وانظر: "مختصر خلافيات البيهقي" ١/ ٢٧٨، و"التلخيص الحبير" ١/ ٣٤١ (١٦٥)، و"أطراف المسند" ٢/ ٤١٠ (٢٥٠٤)، و"إتحاف المهرة" ٥/ ١٢ (٤٨٧٦). ومما أُعل بالنكارة بسبب الوصل ما روى لوين - وهو محمد بن سليمان - عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه - ولم يقل مرةً عن أبيه - قال: كنا عند النَّبيِّ ﷺ وعنده قومٌ جلوسٌ، فدخلَ عليٌّ، فلما دخل خرجوا فلما خرجوا تلاوموا، فقالوا: والله ما أخرجنا وأدْخله، فرجعوا فدخلوا، فقال: «والله ما أنا أدخلتُهُ وأخرجتكُم، بل الله (١) أدخلهُ وأخرجكم» (٢).

стр. 2368

أخرجه: البزار في "مسنده" (١١٩٥)، والنَّسائي في "الكبرى" (٨١٥٢) ط. العلمية و (٨٠٩٦) ط. الرسالة وفي "خصائص الإمام علي"، له (٣٨)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" ٢/ ٢١٧، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ١/ ١٤٧، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٥/ ٢٩٣ وفي ط. الغرب ٣/ ٢١٩ من طريق لوين، بهذا الإسناد. أقول: هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ لويناً خالف أصحاب ابن عيينة، الذين رووه مرسلاً. أخرجه: الخطيب في "تاريخ بغداد" ٥/ ٢٩٤ وفي ط. الغرب ٣/ ٢١٩ من طريق عبد الله بن وهب. وأخرجه: الخطيب في "تاريخ بغداد" ٥/ ٢٩٤ وفي ط. الغرب ٣/ ٢٢٠ من طريق الحميدي. كلاهما: (ابن وهب، والحميدي) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر (١)، عن إبراهيم بن سعد، فذكره مرسلاً. وقد ذهب الإمام أحمد إلى إنكار الرواية الموصولة، فقال فيما نقله عنه المروذي في "العلل" بروايته (٢٨٠)، ومن طريقه الخلال في "علله" كما في "المنتخب" (١٢٢): «حدّث - يعني: لويناً - بحديثٍ منكرٍ، عن ابن عيينة ما له أصل، عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه قصة علي: «ما أنا الذي أُخرِجُكم، ولكنّ اللهَ أخرَجَكم» فأنكره إنكاراً شديداً، وقال: ما له أصل» (٢). وقد حمل الخطيب في "تاريخ بغداد" ٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤ وفي ط. الغرب ٣/ ٢١٩ كلام الإمام أحمد على غير معناه الاصطلاحي، فقال: «أظن أبا عبد الله أنكر على لوين روايته متصلاً، فإنَّ الحديث محفوظ، عن سفيان بن

стр. 2369

عيينة، غير أنَّه مرسل، عن إبراهيم بن سعد، عن النَّبيِّ ﷺ ». قلت: الذي يؤكد ما ذهب إليه الخطيب أنَّ غير عالم ذهب إلى ترجيح الرواية المرسلة، فقال البزار عقب (١١٩٥): «وغير محمد بن سليمان إنَّما يرويه، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي مرسلاً» (١)، وقال الدارقطني في " علله " ٤/ ٣٦٣ (٦٢٩): «يرويه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه قاله لوين كذلك، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلاً وهو المحفوظ»، وألمح النَّسائيُّ في "خصائص الإمام علي" (٣٨) إلى الرواية المرسلة، وقال: «وهذا أولى بالصواب». قلت: فحاصل أقوال الأئمة وما قدمناه من طرق جعل الوهم من لوين بروايته الحديث متصلاً، إلا أنَّ ما يبرأ ساحة لوين ما نقله أبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" ٢/ ٢١٧، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ١/ ١٤٧ عن لوين أنَّه قال: «حدثنا به ابن عيينة مرة أخرى، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، لم يجاوز به». ومرسل هذا الطريق أخرجه: أبو الشيخ ٢/ ٢١٧، وأبو نعيم ١/ ١٤٧ وبناءً على ما تقدم فيكون الواهم في إسناد هذا الحديث ابن عيينة، وأنَّه رواه على وجهين مسنداً ومرسلاً. إلا أنَّ الراجح من هذين الطريقين المرسل؛ لمكانة من رواه مرسلاً في سفيان خصوصاً؛ ولترجيح الأئمة لذلك. وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٢٣٨ (٣٨٤٢). وقد روي من غير هذا الطريق ولا يصح. فأخرجه: النَّسائي في "خصائص الإمام علي" (٣٩) من طريق علي … - وهو ابن قادم - قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد الله بن شريك، عن الحارث بن مالك، قال: أتيت مكة فلقيت سعد بن أبي وقاص ﵁، فقلت له: سمعتَ

стр. 2370

لعليٍّ منقبة؟ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد، قال: فخرجنا، فلما أصبح أتاه عمه، فقال: يا رسول الله، أخرجتَ أصحابك وأعمامك وأسكنتَ هذا الغلام؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما أنا أمرتُ بإخراجكم، ولا بإسكانِ هذا الغلام، إنَّ الله هو أمر به». وهذا إسناد ضعيف؛ علي بن قادم كان شيعياً، فقد قال عنه ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٣٧١: «كان ممتنعاً منكر الحديث، شديد التشيع»، وقد تكلم فيه، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٥/ ٢٩٤ (٤٧١١) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ضعيف». والذي يهمنا مما قيل فيه، ما قاله ابن سعد من بدعته. وكما هو معروف أنَّ الراوي إذا أتى بما يوافق بدعته رُدّت روايته، ولعل خير ما قيل في هذا الباب ما قاله الإمام الذهبي ﵀ في " ميزان الاعتدال " ١/ ٢٧ (٧٢): … «وقد اختلف الناس في الاحتجاج برواية الرافضة على ثلاثة أقوال: أحدها: المنع مطلقاً. الثاني: الترخص مطلقاً إلا فيمن يكذب ويضع (١). والثالث: التفصيل، فتقبل رواية الرافضي الصدوق العارف بما يحدث، وتُرَدّ رواية الرافضي الداعية ولو كان صدوقاً، قال أشهب: سُئل مالك عن الرافضة، فقال: لا تكلمهم ولا تروِ عنهم، فإنَّهم يكذبون». قلت: فالناظر في وصف ابن سعد له، ويقارنه بين ما قاله أهل العلم في حكم رواية الروافض من جهة، وبين ما جاء به علي بن قادم من جهة أخرى، لن يتوانَ برهة في رد حديثه. وروي من طريق آخر. فأخرجه: الحاكم ٣/ ١١٦ من طريق مسلم الملائي، عن خيثمة بن عبد الرحمان، قال: سمعت سعد بن مالك، وقال له رجل: إنَّ علياً يقع فيك، أنَّك تخلفت عنه، فقال سعد: والله، إنَّه لرأي رأيته، وأخطأ رأيي، إنَّ علي بن

стр. 2371

أبي طالب أُعطي ثلاثاً؛ لأنْ أكون أعطيت إحداهن أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، لقد قال له رسول الله ﷺ يوم غدير خم (١) بعد حمد الله والثناء عليه: «هلْ تعلمونَ أني أولى بالمؤمنين؟» قلنا: نعم، قال: «اللهمَّ مَنْ كنْتُ مولاهُ فعليٌّ مولاه، والِ مَنْ والاهُ، وعادِ مَنْ عاداهُ» وجيء به يوم خيبر وهو أرمد ما يبصر، فقال: يا رسول الله، إني أرمدُ، فتفل في عينيه، ودعا لهُ فلمْ يرمد حتَّى قُتِلَ، وفتح عليه خيبر، وأخرج رسول الله ﵌ عمه العباس وغيره منَ المسجدِ، فقال له العباس: تخرجنا ونحنُ عصبتك وعمومتك وتسكن علياً؟ فقال: «ما أنا أخرجتُكم وأسكنتُه، ولكنَّ الله أخرجكم وأسكنَهُ». وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف مسلم بن كَيْسان الملائي، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال" ٧/ ١٠٣ (٦٥٣١) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «لا شيء»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث»، وعن البخاري قوله فيه: «يتكلمون فيه»، وعن أبي داود قوله فيه: «ليس بشيء»، وعن الترمذي قوله فيه: «يُضَعّف». وروي من حديث ابن عباس ﵄. فأخرجه: الطبراني في " الكبير" (١٢٧٢٢) من طريق كثير النواء، عن ميمون أبي عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما أخرج أهل المسجد وترك علي، قال الناس في ذلك فبلغ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «ما أنا أخرجتكم منْ قبل نَفْسي، ولا أنا تركتُهُ، ولكنَّ الله أخرجكم وتركَهُ، إنَّما أنا عبدٌ مأمورٌ، ما أمرت به فعلتُ، إن أتبع إلا ما يوحى إليّّ» وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف ميمون، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٧/ ٢٩٧ (٦٩٣٥) عن أحمد أنَّه قال فيه: «أحاديثه مناكير»، ونقل عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «لا شيء»، ونقل عن أبي داود أنَّه قال: «تكلم فيه».

стр. 2372

وكثير النواء رافضيٌّ ضعيف، فقد ضعّفه النَّسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٥٠٧)، وقال عنه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٧/ ٢١٦ (٨٩٥): «ضعيف الحديث»، وقال ابن عدي في "الكامل" ٧/ ٢٠٤: «كان غالياً في التشيع مفرطاً فيه». مثال آخر: روى أبو معشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلةٌ». أخرجه: ابن ماجه (١٠١١)، والترمذيُّ (٣٤٢) و (٣٤٣)، والعقيليُّ في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٣٠٩، والطبرانيُّ في " الأوسط " (٢٩٢٤) ط. العلمية و (٢٩٤٥) ط. الحديث، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٣٢٠ من طريق أبي معشر، بهذا الإسناد (١). قال الترمذيُّ: «حديث أبي هريرة قد روي عنه من غير وجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قِبل حفظه، واسمه نجيح مولى بني هاشم. قال محمد: لا أروي عنه شيئاً، وقد روى عنه الناس. قال محمد: وحديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أقوى من حديث أبي معشر وأصحّ». وأبو معشر هذا، هو نجيح بن عبد الرحمان السندي، قال عنه عبد الرحمان بن مهدي: «يعرف وينكر»، وقال ابن المديني: «ذاك شيخ ضعيف .. كان يحدث عن المقبري ونافع بأحاديث منكرة»، وقال البخاريُّ: «منكر الحديث»، وقال النَّسائيُّ (٢) والدارقطني: «ضعيف». انظر: " ميزان الاعتدال " ٤/ ٢٤٦ (٩٠١٧).

стр. 2373

وفي الحديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال عنه ابن رجب في " شرح علل الترمذي " ١/ ١١٥ ط. عتر و ١/ ٤٠٣ ط. همام: «وقد تكلم فيه يحيى ومالك، وقال أحمد: كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها ويسندها لأقوام آخرين، قال: وهو مضطرب الحديث .. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: ما زال الناس يتقون حديث محمد بن عمرو، قيل له: ما علة ذلك؟ قال: كان مرة يحدث عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١)، ووثّقه ابن معين في رواية أخرى». أما حديث عثمان الأخنسي الذي أشار إليه البخاريُّ سلفاً. فأخرجه: ابن أبي شيبة (٧٥١٠)، والترمذيُّ (٣٤٤)، والطبرانيُّ في "الأوسط " (٧٩٠) و (٩١٤٠) ط. العلمية و (٧٩٤) و (٩١٤٠) ط. الحديث، وابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ١٩٦ من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي (٢)، عن عثمان بن محمد الأخنسي (٣)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به. قال الترمذي: «هذا حديث حسنٌ صحيحٌ … وقد روي عن غير واحد من أصحاب النَّبيِّ ﷺ : «ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلةٌ» منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب (٤)، وابن عباس (٥)، وقال ابن عمر: إذا جعلتَ المغربَ عنْ يمينكَ والمشرقَ عنْ يسارك فما بينهما قبلةٌ إذا استقبلتَ القبلة. وقال ابن المبارك: ما بين المشرقِ والمغربِ قبلةٌ، هذا لأهل المشرقِ. واختار عبد الله بن المبارك التياسر لأهل مرو». وقال الطبراني عقب الرواية الأولى: «لم يروِ هذا الحديث عن عثمان بن محمد إلا عبد الله بن جعفر».

стр. 2374

وقال المناوي في " فيض القدير " ٥/ ٥٥٢ (٧٨٥٨): «وقال المظهر: أراد قبلة المدينة فإنَّها واقعة بين المشرق والمغرب، وهي إلى الطرف الغربي أميل فيجعلون المغرب عن يمينهم والمشرق عن يسارهم، ولأهل اليمن من السعة في قبلتهم كما لأهل المدينة، لكنَّهم يجعلون المشرق عن يمينهم والمغرب عن يسارهم، وقيل: أراد من اشتبه عليه القبلة فإلى أي جهة صلى أجزأ» … وقال: «ثم قال الترمذيُّ: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبيُّ (١)، وقال النَّسائيُّ: منكر، وأقره عليه الحافظ العراقي (٢)، ثم إنَّ ما تقرر منْ أنَّ سياق الحديث هكذا، هو ما ذكره المصنِّف - يعني: السيوطي - هو في نسخ الكتاب، والذي وقفت عليه في الفردوس معزواً للترمذيِّ بزيادة: لأهل المشرق، فليحرر». انظر: " تحفة الأشراف " ٩/ ٢٨٧ (١٢٩٩٦)، و ١٠/ ٤٠٣ (١٥١٢٤)، و " إرواء الغليل " ١/ ٣٢٤ (٢٩٢). مثال آخر: روى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن سالم، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن ضمرة، عن عليٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «فيما سقتِ السماءُ ففيه العشرُ، وما سقي بالغرْب (٣) والدالية (٤) ففيه نصفُ العشرِ». أخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " ١/ ١٤٥، وابن عدي في "الكامل " ٧/ ٣٤٣ من طريق عثمان بن أبي شيبة (٥).

стр. 2375

وأخرجه: البزار (٦٩٠) من طريق يوسف بن موسى (١). وأخرجه: العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٧٦ من طريق عوف بن جرير بن عبد الحميد (٢). ثلاثتهم: (عثمان، ويوسف، وعوف) عن جرير بن عبد الحميد، بهذا الإسناد مرفوعاً. قال عبد الله بن أحمد بعد الحديث: «فحدثت أبي بحديث عثمان، عن جرير فأنكره جداً، وكان أبي لا يحدثنا عن محمد بن سالم؛ لضعفه عنده وإنكاره لحديثه». وقال الإمام أحمد أيضاً في " الجامع في العلل " ١/ ٢٠٤ (١٢٥٠): «هذا حديث أراه موضوعاً» ثم قال عبد الله شارحاً كلام أبيه: «أنكره من حديث محمد بن سالم» (٣). ومحمد بن سالم الهمداني هذا قال عنه ابن معين: «ضعيف»، وقال ابن المبارك: «اطرح حديث محمد بن سالم»، وقال عمرو بن علي: «ضعيف الحديث، متروك»، وقال البخاري: «يتكلمون فيه، كان ابن المبارك ينهى عنه»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، منكر الحديث .. يشبه المتروك»، وقال النَّسائيُّ: «ليس بثقة، ولا يكتب حديثه»، وقال الجوزجاني: «غير ثقة». كما جاء في " تهذيب التهذيب " ٩/ ١٥٠ (٦١٥٤). إلا أنَّ محمد بن سالم توبع على رفع الحديث. فأخرجه: البزار (٦٩١) من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليٍّ، به. قال - يعني: زهيراً -: وأظنه رفعه إلى النَّبيِّ ﷺ بنحوه.

стр. 2376

وزهير بن معاوية: «ثقة ثبت، إلا أنَّ سماعه عن أبي إسحاق بأخرة» (١). وأبو إسحاق تغير بأخرةٍ. وزيادة على هذا فقد أعل الحديث بالوقف، قال الدارقطني في " العلل " ٤/ ٧١ - ٧٢ س (٤٣٦): «يرويه أبو إسحاق واختلف عنه، فرفعه محمد بن سالم العنبسي أبو سهل - وهو ضعيف -، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، عن النَّبيِّ ﷺ ، ووقفه الثوري، عن أبي إسحاق، والصحيح موقوف .. ». قلت: لم يكن الثوري وحده الذي وقفه عن أبي إسحاق، وإنَّما معه جمع من الرواة فيهم الثقات أيضاً. فأخرجه: عبد الرزاق (٧٢٣٣)، وابن أبي شيبة (١٠١٧١) من طريق سفيان الثوري. وأخرجه: عبد الرزاق (٧٢٣٤) من طريق معمر. وأخرجه: يحيى بن آدم في " الخراج " (٣٧٧)، وأبو عبيد في " الأموال " (١٤١٩) من طريق أبي بكر بن عيّاش الأسدي (٢). وأخرجه: يحيى بن آدم في " الخراج " (٣٧٦)، ومن طريقه البيهقي ٤/ ١٣١ من طريق عمار بن رزيق الضبي (٣). وأخرجه: يحيى بن آدم في " الخراج " (٣٧٩)، ومن طريقه البيهقي ٤/ ١٣١ من طريق إسرائيل بن يونس (٤). وأخرجه: يحيى بن آدم في " الخراج " (٣٧٤) من طريق شريك بن عبد الله (٥).

стр. 2377

وأخرجه: يحيى بن آدم في "الخراج" (٣٧٥) من طريق قيس بن الربيع (١). وأخرجه: يحيى بن آدم في " الخراج " (٣٧٨) من طريق حسن بن صالح (٢). ثمانيتهم: (الثوري، ومعمر، وأبو بكر بن عيّاش، وعمّار، وإسرائيل، وشريك، وقيس، وحسن (٣)) عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، به موقوفاً عليه. من هذا يتبين - وكما قال الدارقطني - أنَّ الصواب في هذا الحديث الوقف من هذا الطريق؛ وذلك لمخالفة محمد بن سالم من هو أوثق منه. ولفظ الحديث ورد مرفوعاً من وجه آخر بإسناد صحيح. فأخرجه: البخاري ٢/ ١٥٥ (١٤٨٣)، وأبو داود (١٥٩٦)، وابن ماجه (١٨١٧)، والترمذي (٦٤٠)، والنَّسائي ٥/ ٤١ وفي "الكبرى"، له (٢٢٦٧) ط. العلمية و (٢٢٧٩) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٢٣٠٧) و (٢٣٠٨) بتحقيقي، وابن حبان (٣٢٨٥) و (٣٢٨٧)، والبيهقي ٤/ ١٣٠، والبغوي (١٥٨٠) من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «فيما سقتِ السماءُ والعيونُ أو كان عثريّاً (٤) العشرُ، وما سُقي بالنضحِ نصف العشرِ». وانظر: " التلخيص الحبير " ٢/ ٣٧٤ (٨٤٣)، و" أطراف المسند " ٤/ ٤٢٨ (٦٢٨٥)، و " إتحاف المهرة " ١١/ ٤٤٦ (١٤٣٩٠). وفي الباب عن جابر وأبي هريرة.

стр. 2378

ومما جاء منكراً في بعض متنه ما روى طالب بن حجير، عن هود بن عبد الله بن سعد، عن جده، قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضة، قال طالب: فسألته عن الفضة، فقال: كانتْ قبيعةُ السيفِ فضةً. أخرجه: الترمذي (١٦٩٠) وفي " العلل الكبير ": ٧١٦ (٢٩٩) وفي "الشمائل"، له (١٠٧) بتحقيقي، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١٦٩١)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٨١٣)، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (٤١٢)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٦٣٦٠)، والبغوي في "الأنوار في شمائل النبي المختار " (٨٧٨)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٤٩٥ (٢٩٤٤). أقول: هذا حديث تفرد به طالب بن حجير، عن هود بن عبد الله بن سعد، وهو حديث منكر، ونكارته بسبب ذكر الذهب فيه؛ إذ لم يرد ذلك في الأحاديث الصحاح. وقد اضطربت نسخ جامع الترمذي في حكم الترمذي على هذا الحديث، ففي طبعة الدكتور بشار "لجامع الترمذي" ٣/ ٣١٢: «هذا حديث غريب» وكذا في "تحفة الأشراف" ٨/ ٥٤ (١١٢٥٤) "وتحفة الأحوذي" ٥/ ٣٣٨، لكن في طبعة أحمد شاكر "لجامع الترمذي": «هذا حديث حسن غريب» وكذا في "عارضة الأحوذي" ٧/ ١٣٦. ويبدو لي أنَّ الراجح في اختلاف نسخ الترمذي هو الحكم بغرابته حسب، دل على ذلك أنَّ الترمذي أورده في كتابه " العلل الكبير " والمزي - رحمه … الله - يختار في تحفته أصح النصوص. فنعود إلى إعلال الحديث فنقول وبالله التوفيق: هذا الحديث لم يرد إلا بهذا الإسناد الواهي، وهود بن عبد الله بن سعد مقبول حيث يتابع و إلا فمجهولٌ، ولم يتابع بل قد تفرد بهذا الحديث المنكر قال الإمام الذهبي ﵀ في "الميزان" ٢/ ٣٣٣: «هذا حديث منكر فما علمنا في حلية سيفه ﷺ ذهباً».

стр. 2379

أقول: كلام الذهبي صحيح فقد روى البخاري في "صحيحه" ٤/ ٤٧ (٢٩٠٩) من قول أبي أمامة، قال: «لقد فتح الفتوح قوم ما كان حلية سيوفهم الذهب، ولا الفضة إنَّما كانت حليتهم العلابيّ والآنك والحديد». ولما حسَّن الحديثَ عبد الحق عقَّب عليه ابن القطان قائلاً في "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٤٨١ - ٤٨٢ (١٢٤٨): «هكذا حسنه بتحسين الترمذي، ولم يبين لِمَ لا يصح، وهو عندي ضعيف لا حسن، إلا على رأي من يقبل المساتير، ولا يبتغي فيهم مزيداً، فإنَّه يكون حسناً، فأقول - وبالله التوفيق - (والقائل هو ابن القطان): هود بن عبد الله بن سعد، بصري، لا مزيد فيه على ما في هذا الإسناد: من روايته عن جده، ورواية طالب بن حجير عنه، فهو مجهول الحال. وطالب بن حجير أبو حجير، كذلك، وإنْ كان قد روى عنه أكثر من واحد. وسئل عنه الرازيان فقالا: شيخ. يعنيان بذلك أنَّه ليس من طلبة العلم ومُقْتَنيه، وإنما هو رجل اتفقت له رواية لحديث، أو أحاديث أخذت عنه». ويضاف أيضاً إلى من ضعف الحديث ابن عبد البر فقد أورد بعضه في "الاستيعاب": ٧١٤ في ترجمة مزيدة العبدي وقال: «إسناده ليس بالقوي». انظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٥٤ (١١٢٥٤). مثال آخر: روى عفّان، عن همّام، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لأبي ذر ﵁: لو رأيتُ رسولَ الله ﷺ لسألتُهُ، قالَ: وما كنتَ تسأله؟ قالَ: كنتُ أسألهُ: هل رأى ربَّه؟ قال: فإنِّي قد سألتُهُ، فقالَ: «قَدْ رأيتُهُ نوراً، أنَّى (١) أراهُ؟!». أخرجه: أحمد ٥/ ١٤٧ عن عفّان، بهذا الإسناد.

стр. 2380

هذا إسناد صحيح رواتُهُ ثقاتٌ، إلا أنَّ فيه لفظةً منكرةً، فالمحفوظ أنه روي بلفظ: «نوراً أَنَّى أراه» أو بلفظ: «رأيتُ نوراً … »، ففي هذه الرواية زيادة الضمير (الهاء). ثم إنه اختلف على عفان في لفظه. فرواه عنه أحمد بن حنبل كما سلف باللفظ أعلاه، وروي عنه بلفظ آخر. إذ أخرجه: مسلم ١/ ١١١ (١٧٨) (٢٩٢) عن حجاج بن الشاعر، عن عفان، به بلفظ: «رأيت نوراً». وأخرجه: أبو عوانة ١/ ١٢٩ (٣٨٤) من طريق أحمد بن حنبل. وأخرجه: أبو عوانة ١/ ١٢٩ (٣٨٤) عن عثمان بن أبي شيبة. كلاهما: (أحمد، وعثمان) قالا: حدثنا عفان، عن همام، عن قتادة، به بلفظ: «قد رأيت نوراً، أَنَّى أراه». والحديث رواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة واختلف على معاذ أيضاً. فأخرجه: أبو عوانة ١/ ١٢٩ (٣٨٤) من طريق أحمد بن حنبل، قال: قال عفان: فقدم علينا ابن هشام الدستوائي - يعني: معاذاً - فحدثنا عن أبيه، عن قتادة، مثل ما قال همام، به يعني: «قد رأيت نوراً، أَنَّى أراه». وأخرجه: أبو عوانة ١/ ١٢٩ (٣٨٤) عن عثمان بن خرزاد، قال: حدثناه القواريري. وأخرجه: ابن منده في "الإيمان" (٧٧٤) من طريق إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن بشار، وعمرو بن علي (مقرونين). أربعتهم: (القواريري، وإسحاق، ومحمد، وعمرو) عن معاذ بن هشام، عن أبيه، به بلفظ: «نوراً أنّى أراه». قال ابن خزيمة في " التوحيد " عقب (٣٠٦): «وقوله: «نور أنّى أراه» يحتمل معنيين: أحدهما نفي، أي: كيف أراه وهو نور؟ والمعنى الثاني: أي: كيف رأيته، وأين رأيته وهو نور، لا تدركه الأبصار، إدراك ما تدركه الأبصار من المخلوقين».

стр. 2381

وأخرجه: مسلم ١/ ١١١ (١٧٨) (٢٩٢)، وابن خزيمة في " التوحيد " (٣٠٣)، وابن منده في "الإيمان " (٧٧٣) من طريق محمد بن بشار. وأخرجه: ابن أبي عاصم في " السنة " (٤٤١) عن زيد بن أخزم. وأخرجه: ابن حبان (٥٨) من طريق عبيد الله بن عمر القواريري. وأخرجه: ابن منده في " الإيمان " (٧٧٢) من طريق عبد الرحمان بن محمد الحارثي. أربعتهم: (محمد، وزيد، والقواريري، وعبد الرحمان) عن معاذ، عن أبيه، به بلفظ: «رأيت نوراً». وأخرجه: ابن منده في " الإيمان " عقب (٧٧١) من طريق عفان (١) … قال: … ثم قدم علينا معاذ بن هشام، فبلغني أو سمعته رواه عن أبيه كما قال همام. أي بلفظ: «رأيته نوراً … ». إلا أن معاذاً توبع على روايته: «نوراً أنى أراه» تابعه متابعة يزيد بن إبراهيم التستري، عن قتادة. فأخرجه: الطيالسي (٤٧٤)، ومن طريقه أبو عوانة ١/ ١٢٨ (٣٨٣)، وابن منده في "الإيمان" (٧٧٠). وأخرجه: مسلم ١/ ١١١ (١٧٨) (٢٩١)، والترمذي (٣٢٨٢)، وابن خزيمة في " التوحيد " (٣٠٥)، وابن منده في " الإيمان " (٧٧٠) من طريق وكيع. وأخرجه: أحمد ٥/ ١٥٧ عن وكيع، وبهز (مقرونين). وأخرجه: أحمد ٥/ ١٧١، وابن منده في " الإيمان " (٧٧٠) من طريق يحيى بن سعيد. وأخرجه: أحمد ٥/ ١٧٥، والترمذي (٣٢٨٢) من طريق يزيد بن هارون (٢).

стр. 2382

وأخرجه: أبو عوانة ١/ ١٢٩ (٣٨٤)، وابن منده في " الإيمان " (٧٧٠) من طريق موسى بن إسماعيل. وأخرجه: ابن خزيمة في " التوحيد " (٣٠٤) من طريق معاذ بن معاذ العنبري. وأخرجه: البزار (٣٩٠٦)، وابن خزيمة في " التوحيد " (٣٠٨) و (٣٠٩) من طريق عبد الرحمان بن مهدي. وأخرجه: ابن منده في " الإيمان " (٧٧١) من طريق عفان بن مسلم. تسعتهم: (الطيالسي، ووكيع، وبهز، ويحيى، ويزيد، وموسى، ومعاذ العنبري، وابن مهدي، وعفان) عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن قتادة، به بلفظ: «نور أَنَّى أراه» (١). قال ابن خزيمة في " التوحيد " عقب (٣٠٥): «في القلب من صحة سند هذا الخبر شيء، لم أرَ أحداً من أصحابنا من علماء أهل الآثار فطن لعلةٍ في إسناد هذا الخبر، فإن عبد الله بن شقيق، كأنه لم يثبت أبا ذر، ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه». وقال النووي في " شرح صحيح مسلم " ٢/ ١٢ عقب (١٧٨): «هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات، ومعناه: حجابه نور فكيف أراه؟ قال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: الضمير في «أراه» عائد على الله ، ومعناه: أن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه». ومما يؤكد أن رواية هشام ورواية يزيد هما الصواب، عن قتادة، أن عفان شكك في رواية همام، فقد نقل ابن منده في " الإيمان " (٧٧١) عن عفان أنه قال لهمام: «كيف يكون «قد رأيته». ويقول: «نور أَنَّى أراه» قال: هكذا قال».

стр. 2383

وقال الإمام أحمد فيما أسنده إليه أبو عوانة ١/ ١٢٩ (٣٨٤): «وما زلت منكراً لحديث يزيد بن إبراهيم حتى حدثنا عفان، عن همام، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لأبي ذر … » فذكر الحديث بلفظ: «قد رأيت نوراً، أَنَّى أراه». فعلى هذا فإنَّ عفّان قد نقل روايتين عن همام: الرواية الأولى: التي قدمناها، والتي ذكر فيها قوله: «رأيتُهُ» بزيادة الضمير. وفي هذه الرواية يذكر رواية أخرى عن همام، وافق فيها رواية هشام ويزيد بن إبراهيم فلعل الوهم يكون من عفّان، وما يدعم ذلك أنَّه شك في سماعهِ الحديث من معاذ بن هشام فيما نقله عنه ابن منده في "الإيمان" عقب (٧٧١) إذ قال: «فبلغني أو سمعته رواه عن أبيه … ». انظر: " تحفة الأشراف" ٨/ ٤٣٢ (١١٩٣٨)، " وأطراف المسند " ٦/ ١٧٢ (٨٠٣٦). ومما استنكر على الثقة الحافظ المتقن ما روى عبد الرزاق، قالَ: سمعتُ مالكاً، يقولُ: وقّتَ رسولُ الله ﷺ لأهل العراقِ قرناً، فقلتُ: مَنْ حدَّثكَ هذا يا أبا عبد الله؟ قالَ: أخبرنيه نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، فحدثتُ به معمراً، فقالَ: قد رأيتُ أيوبَ دارَ مرةً إلى قرْنٍ فأحرم منها. قال عبد الرزاق: وأخبرني بعض أهلِ المدينةِ أنَّ مالكاً بأخرةٍ محاهُ منْ كتابهِ. أخرجه: مسلم في "التمييز" (٩٤)، والطبراني في "الأوسط (٨١٠٩) كلتا الطبعتين، وأبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٢٣٧ من طرق عن إسحاق، عن عبد الرزاق بهذا الإسناد. هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه معلول بوهم عبد الرزاق فيه، فقوله: «لأهل العراق قرناً» لم يتابع عليه، قالَ الطبراني في "الأوسط" عقب

стр. 2384

(٨١٠٩): «لم يروِ هذا الحديث عن مالك إلا عبد الرزاق تفرد به إسحاق بن راهويه»، وقال أبو نعيم: «تفرد به عبد الرزاق، عن مالك فيما قاله سليمان»، ونقل ابنُ حجر في "فتح الباري" عقب (١٥٣١) عن الدارقطني أنَّه قال في "غرائب مالك": «تفرد به عبد الرزاق»، وقال ابن حجر عقب ذلك: «والإسنادُ إليه ثقات أثبات، وأخرجه: إسحاق بن راهويه في " مسنده " عنه، وهو غريب جداً، وحديث الباب يرده». وقال مسلم في "التمييز" عقب (٩٥): «والصحيح المحفوظ من توقيت رسول الله ﷺ يكون (١) ذلك حفظ عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ وقّتَ قرْناً لأهل العراق، هذا ما لا يحتملُ التوهمَ على مالك». قلت: كأنه يحمل الوهم على عبد الرزاق، ومما يزيد في رواية عبد الرزاق ضعفاً أنَّ أصحاب مالك رووه عنه بخلاف هذا. إذ رواه عنه الليثي (٩٢٧). وأبو مصعب الزهري في روايته "للموطأ" (١٠٦٠)، ومن طريقه ابن ماجه (٢٩١٤)، والبغوي (١٨٥٨). والقعنبي عند أبي داود (١٧٣٧)، والجوهري (٦٦٢)، والبيهقي ٥/ ٢٦. وعبد الله بن يوسف عند البخاري ٢/ ١٦٥ (١٥٢٥). ويحيى بن يحيى النيسابوري عند مسلم ٤/ ٦ (١١٨٢) (١٣) وفي "التمييز "، له (٩٥). وقتيبة بن سعيد عند النسائي ٥/ ١٢٢ وفي "الكبرى"، له (٣٦٣١) ط. العلمية و (٣٦١٧) ط. الرسالة. وسويد بن سعيد في روايته "للموطأ " (٤٩٦).

стр. 2385

ومحمد بن الحسن في روايته "للموطأ " (٣٨٠). وأحمد بن عبد الله بن يونس عند الدارمي (١٧٩٠)، وأبي داود (١٧٣٧). وعبد الله بن وهب عند الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٢/ ١١٨ وفي ط. العلمية (٣٤٤٤). عشرتهم: (الليثي، وأبو مصعب، والقعنبي، وعبد الله بن يوسف، ويحيى، وقتيبة، وسويد، ومحمد، وأحمد، وعبد الله بن وهب) عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قالَ: «يهلُ أهلُ المدينة منْ ذي الحليفة، ويهلُ أهلُ الشام منَ الجحفةِ، ويهلُ أهل نجدٍ من قرن» قال عبد الله بن عمر ﵁: وبلغني أن رسول الله ﷺ ، قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم» (١). وقد توبع مالك على هذه الرواية. فرواه عبيد الله بن عمر العمري عند أحمد ٢/ ٣ (٢) و ٥٥، وابن حبان (٣٧٦١). والليث بن سعد عند البخاري ١/ ٤٥ (١٣٣)، والنسائي ٥/ ١٢٢ وفي "الكبرى"، له (٥٩٠٢) ط. العلمية و (٥٨٧١) ط. الرسالة. ويحيى بن سعيد عند أحمد ٢/ ٣. وعبد الله بن عون عند أحمد ٢/ ٣. وابن جريج عند أحمد ٢/ ٤٧، والبيهقي في "المعرفة" (٢٧٤٨) ط. العلمية و (٩٣٩٨) ط. الوعي. خمستهم: (عبيد الله، والليث، ويحيى، وعبد الله، وابن جريج) عن نافع، عن ابن عمر ﵁، به. ثم إنَّ مالكاً ﵀ روى هذا الحديث من غير طريق نافع، فلم يذكر فيه ما ذكره عبد الرزاق، فرواه عنه:
следующие страницы →