فرواه عن أبي عشانة (١) كما تقدم، ورواه مرة أخرى عن مِشْرح بن هاعان.
فأخرجه: أحمد ٤/ ١٥١ و ١٥٥، والفريابي في "صفة المنافق" (٣٢) و (٣٣) و (٣٤)، والروياني في "مسنده" (٢١١)، وابن عدي في "الكامل" ٥/ ٢٤٣، وابن بطة في "الإبانة" (٩٤٤)، وتمام في فوائده كما في "الروض البسَّام" (١٣٢٠)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١/ ٣٥٧ وفي ط. الغرب ٢/ ٢٢١، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٧/ ٥٣، والذهبي في "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٢٧ من طرق عن ابن لهيعة، عن مِشْرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، به.
قال الذهبي: «هذا حديث محفوظ».
ولابن لهيعة إسناد آخر.
فقد أخرجه: أحمد ٢/ ١٧٥، وابن بطة في " الإبانة " (٩٤٢) من طريق عبد الله بن لهيعة، قال: حدثنا دراج، عن عبد الرحمان بن جبير، عن عبد الله ابن عمرو، به.
وهذه الطرق تبين اضطرابه في إسناد الحديث، وفي الحديث أمر آخر، فإن الإسناد الأخير فيه دراج بن سمعان.
ودراج قال عنه ابن معين: «ليس به بأس»، وقال مرة: «ثقة»، وقال فضلك الرازي: «ما هو بثقة ولا كرامة»، وقال أحمد: «أحاديثه مناكير»، وقال النسائي: «منكر الحديث»، وقال مرة: «ليس بالقوي»، وقال ابن عدي: «عامة أحاديثه لا يتابع عليها» انظر: " ميزان الاعتدال " ٢/ ٢٤ (٢٦٦٧).
إلا أن ابن لهيعة توبع على روايته عن مِشْرح، تابعه الوليد بن المغيرة وهو: «ثقة» (٢).
فأخرجه: أحمد ٤/ ١٥٥، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (٤٧٣)، والفريابي في "صفة المنافق" (٣٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٩٦٠) ط.
стр. 2417
العلمية و (٦٥٦١) ط. الرشد من طريق الوليد بن المغيرة، عن مِشْرح بن هاعان (١)، عن عقبة بن عامر، به.
ومِشْرح بن هاعان مختلف فيه، قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٧٥٥) برواية الدارمي: «ثقة»، وتعقبه عثمان الدارمي، فقال: «ومِشْرح ليس بذاك وهو صدوق» ووثقه العجلي (١٧٢٨)، وذكره العقيلي في "الضعفاء الكبير" ٤/ ٢٢٢ ونقل عن موسى بن داود بإسناده إليه أنَّه قال: «بلغني أنَّ مشرح بن هاعان كان ممن جاء مع الحجاج ونصب المنجنيق على الكعبة»، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٤٥٢ وقال: «يخطئ ويخالف»، وقال في "المجروحين"، له ٣/ ٢٨: «يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها … الصواب من أمره ترك ما انفرد من الروايات والاعتبار بما وافق الثقات»، وقال ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون" (٣٣٢٥): «بطل الاحتجاج به»، ووثقه الذهبي في "الكاشف" (٥٤٥٦).
انظر: "أطراف المسند" ٤/ ٣٧٢ (٦١٣٧)، و"إتحاف المهرة" ١١/ ٢٣٨ (١٣٩٦٠).
وروي الحديث من أوجه أخرى، من حديث ابن عباس، وعصمة بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ ولكن لا يصح من هذه الطرق شيء.
فحديث ابن عباس ﵁:
أخرجه: العقيلي في "الضعفاء الكبير" ١/ ٢٧٤ من طريق حفص بن عمر العدني، قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
وحفص بن عمر العدني ضعيف، قال عنه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٣/ ١٩٥ (٧٨٣): «لين الحديث»، وقال أبو داود فيما نقله ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٢/ ٣٦٩: «منكر الحديث»، وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" ١/ ٢٧٣: «لا يقيم الحديث»، وقال النَّسائي في "الضعفاء
стр. 2418
والمتروكون" (١٣٣): «ليس بثقة»، وقال ابن حبان في "المجروحين" ١/ ٢٥٧: «كان ممن يقلب الأسانيد قلباً، ولا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد»، وقال ابن عدي في "الكامل" ٣/ ٢٨٣: «عامة حديثه غير محفوظ، وأخاف أن يكون ضعيفاً»، وقال الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (١٦٨): «ضعيف».
أما حديث عصمة بن مالك:
فأخرجه: الطبراني في "الكبير" ١٧/ (٤٧١)، وابن عدي في "الكامل" ٧/ ١٢٣ من طريق الفَضْل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك، به.
وهذا أيضاً ضعيف؛ من أجل الفضل بن المختار، قال عنه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٧/ ٩٢ (٣٩١): «مجهول، وأحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل»، وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" ٣/ ٤٤٩: «منكر الحديث»، وقال ابن عدي في "الكامل" ٧/ ١٢٥: «عامة حديثه لا يتابع عليه، إما إسناداً وإما متناً»، وقال الأزدي فيما نقله الذهبي في "الميزان" ٣/ ٣٥٨ (٦٧٥٠): … «منكر الحديث جداً».
وأما حديث عبد الله بن عمرو.
فأخرجه: ابن المبارك في "الزهد" (٤٥١)، وابن أبي شيبة (٣٥٣٣٨)، وأحمد ٢/ ١٧٥، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (٤٧٢) وفي "التاريخ الكبير"، له ١/ ٢٥٥ (٨٢٢)، والفريابي في "صفة المنافق" (٣٦) و (٣٧)، وابن بطة في "الإبانة" (٩٤٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٩٥٨) و (٦٩٥٩) ط. العلمية و (٦٥٥٩) و (٦٥٦٠) ط. الرشد، والبغوي (٣٩) من طرق عن عبد الرحمان بن شريح، عن شراحيل بن يزيد (١)، عن محمد بن هدية (٢)، عن عبد الله بن عمرو، به.
стр. 2419
قال البخاري في "التاريخ الكبير": «قال بعضهم: شرحبيل بن يزيد المعافري ولا يصح»، وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٨/ ١٣٣ (٥١٢): «وقال بعضهم: شرحبيل بن يزيد، وشراحيل أصح (١)» ومن قال شرحبيل بدلاً من شراحيل: ابنُ المبارك وابنُ أبي شيبة والبيهقي (٢).
وهذا الحديث فيه محمد بن هدية، وثقه العجلي (١٦٥٥)، وابن حبان في "الثقات" ٥/ ٣٨١، وقال ابن يونس فيما نقله ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٩/ ٤٢٧: «ليس له غير حديث واحد»، وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٤/ ٥٨ (٨٢٨٢): «لا يعرف»، وقال ابن حجر في "التقريب" (٦٣٦٢): «مقبول».
وفيه عبد الرحمان بن شريح وثقه ابن معين، وأحمد، والنَّسائيُّ، والعجلي، وابن حبان إلا ابن سعد فقد ضعّفه، وقال: «منكر الحديث» "تهذيب التهذيب " ٦/ ١٧٦، وقال ابن حجر في "التقريب (٣٨٩٢): «ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه» (٣).
стр. 2420
وانظر: "أطراف المسند" ٤/ ٨٨ (٥٣٥٩)، و"إتحاف المهرة" ٩/ ٥٧٨ (١١٩٧٦).
ومما استنكر من رواية الضعيف ما روى حفص بن عمر، قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أنَّ رجلاً كانتْ له نخلةٌ، فَرْعُها في دار رجل فقير ذي عيالٍ، وكان الرجل إذا جاء ودخل الدار، فصعدَ النخلة ليأخذ منها التمر، فربما سقطتِ التمرةُ فيأخذها صبيان الفقير، فينزلُ الرجل من نخلته حتّى يأخذَ التمرةَ من أيديهم، فإن وجدها في فيِّ أحدهم أدخل أصبعه حتَّى يُخرجَ التمرةَ من فيه. فشكا الرجلُ ذلكَ إلى النبي ﷺ وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : «اذهب»، ولقي (١) صاحبَ النخلة وقال: «تُعطيني نخلتكَ المائلةَ التي فرعها في دار فُلانٍ، ولك بها نخلةٌ في الجنة؟» فقال له الرجل: إنَّ لي نخلاً كثيراً، وما فيها نخلةٌ أعجب إليَّ ثمرة منها، ثم ذهبَ الرجلُ، فلقي رجلاً كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أتُعطيني ما أعطيتَ الرجل، نخلةً في الجنة إن أنا أخذتها؟ قال: «نعم» فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة، فساوَمَها منه، فقال له: أَشَعَرْتَ أنَّ محمداً أعطاني بها نخلةً في الجنة، فقلتُ: يُعجبني ثمرُها؟ فقالَ له الآخرُ: أتريدُ بيعها؟ قال: لا، إلا أنْ أُعطَى بها ما لا أظنُّه أعطى. قال: فما مُناكَ؟ قال: أربعونَ نخلةً، قالَ له الرجلُ: لقد جئتَ بعظيم، تطلبُ بنخلتك المائلة أربعين نخلةً؟ ثُمَّ سكتَ أنهُ، فقال لهُ: أنا أعطيكَ أربعين نخلةً، فقالَ لهُ: أَشْهِدْ لي إنْ كنت صادقاً. فمر ناسٌ فدعاهم، فأَشْهَدَ له بأربعينَ نخلةً، ثمَّ ذهبَ إلى النبي ﷺ فقالَ: يا رسول الله، إنَّ النخلة قد صارتْ في ملكي، فهي لك.
стр. 2421
فذهب رسول الله ﷺ إلى صاحب الدارِ، فقالَ: «إنَّ النخلةَ لكَ ولعيالك» فأنزل الله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى﴾ (١) اللفظ للواحدي.
أخرجه: ابن أبي حاتم في "التفسير" ١٠/ ٣٤٣٩ (١٩٣٥٥) من طريق أبي عبد الله الطهراني (٢).
وأخرجه: الواحدي في "أسباب النزول" (٤٤١) بتحقيقي من طريق العباس بن عبد الله الترقفي (٣).
كلاهما: (أبو عبد الله الطهراني، والعباس بن عبد الله الترقفي) عن حفص بن عمر بهذا الإسناد.
هذا حديث ضعيف؛ من أجل حفص بن عمر - وهو العدني- قال عنه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٣/ ١٩٥ (٧٨٣): «لين الحديث»، وقال النسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون" (١٣٣): «ليس بثقة»، وقال ابن حبان في "المجروحين" ١/ ٢٥٧: «كان ممن يقلب الأسانيد قلباً، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد»، وقال ابن عدي فيما نقله الذهبي في "ميزان الاعتدال" ١/ ٥٦٠ (٢١٣٠): «عامة ما يرويه غير محفوظ»، وذكره الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (١٦٨).
قال السيوطي في" الدر المنثور" ٦/ ٦٠٣: «وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف، عن ابن عباس» وذكر الحديث.
وقال ابن كثير في "تفسيره": ٢٠٠٣: «هكذا رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جداً».
وقد جاء هذا الحديث برواية مرسلة عن عطاء عند البغوي في "تفسيره" (٢٣٤٨) حيث رواه معلّقاً، وسمّى الرجل الذي اشترى النخلة واسمه أبو
стр. 2422
الدحداح، حيث نزلت فيه وهو أنصاريٌّ، وعلى هذا فإنَّ القصة كانت في المدينة، وسورة الليل سورة مكية، مما يدل على نكارة الحديث.
وقيل: إنها نزلت في أبي بكر الصديق عندما اشترى بلالاً فأعتقه.
فقد أخرج السمرقندي في "تفسيره" ٣/ ٤٨٤، والواحدي في "أسباب النزول" (٤٤٢) بتحقيقي، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٢/ ٤٦ من طريق أبي إسحاق (١)، عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ أبا بكر اشترى بلالاً من أُمية بن خلف بِبُرْدَةٍ (٢) وعشر أواقٍ من ذهب (٣)، فأعتقه لله فأنزل الله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى﴾ إلى قوله: ﴿إن سعيكم لشتى﴾ سعي أبي بكر ﵁ وأُمية وأُبي بن خلف.
وانظر: " تفسير ابن أبي حاتم " ١٠/ ٣٤٤٠ (١٩٣٥٩)، و" تفسير البغوي " (٢٣٤٧)، و" زاد المسير " ٩/ ١٤٦، و" الدر المنثور " ٦/ ٦٠٥.
وقد وردت قصة النخلة بسند صحيح، دون ذكر الآية:
أخرجه: أحمد ٣/ ١٤٦، وعبد بن حميد (١٣٣٤)، وابن حبان (٧١٥٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٧٦٣)، والحاكم ٢/ ٢٠، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٤٥١) ط. العلمية و (٣١٧٧) ط. الرشد من طريق حماد ابن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فَأْمُرْهُ أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبيُّ ﷺ : «أعطها إياه بنخلةٍ في الجنةِ» فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعتُ النخلة بحائطي، قال: فاجعلها لهُ، فقد أعطيتُكها،
стр. 2423
فقال رسول الله ﷺ : «كم منْ عذقٍ رداحٍ (١) لأبي الدحداح في الجنَّة» قالها مراراً. قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح، اخرجي منَ الحائط، فإني قد بعتُهُ بنخلةٍ في الجنَّةِ، فقالت: ربحَ البيعُ (٢) - أو كلمة تشبهها.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم».
وانظر: " إتحاف المهرة " ١/ ٥١٤ (٦٠١).
مثال آخر: روى حجاج بن أرطاة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «منْ أعتقَ نصيباً له في عبدٍ، ضمنَ لأصحابهِ في مالهِ إنْ كان موسراً، وإنْ لم يكنْ لهُ مالٌ بذل العبدُ».
أخرجه: مسلم في " التمييز " (٦١)، قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حجاج، فذكره بهذا الإسناد.
أقول: هذا إسناد فيه مقال، حجاج تكلم فيه، فقد نقل المزي في … " تهذيب الكمال " ٢/ ٥٨ (١٠٩٧) عن يحيى بن معين أنه قال فيه: «صدوق، ليس بالقوي .. »، ونَقَل عن يعقوب بن شيبة أنَّه قال: «واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير، وهو صدوق، وكان أحد الفقهاء»، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال فيه: «كان من الحفاظ قيل: فَلِمَ ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأنَّ في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه … زيادة»، وقد لَخّص الحافظُ ابنُ حجر القول فيه فقال: «صدوق، كثير الخطأ والتدليس» (٣).
ومع أنَّ حاله الصدق إلا أنَّه اشتهر بالتدليس، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٣/ ١٦٩ (٦٧٣) عن أبيه أنه قال: «حجاج بن أرطاة صدوق، يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا، فهو صالح لا يُرتاب في صدقه وحفظه إذا بَيّن السماع، ولا يحتج بحديثه … »، ونَقَل عن
стр. 2424
أبي زرعة أنَّه قال: «الحجاج بن أرطاة، صدوق مدلس»، ونَقَل المزي في "تهذيب الكمال " ٢/ ٥٨ (١٠٩٧) عن عبد الرحمان بن يوسف بن خراش أنَّه قال: «كان مُدلِّساً، وكان حافظاً للحديث»، وقال أبو زرعة في " كتاب المدلسين" (٨): «مشهور بالتدليس عن الضعفاء وغيرهم» (١).
قلت: وبناءً على ما تقدم فيكون الحديث ضعيفاً. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إنكار متن هذا الحديث، وحملهم الوهم على حجاج، فقد أخرج البيهقي ١٠/ ٢٨٣ - ٢٨٤ بإسناده إلى أبي خيثمة - زهير بن حرب - وخلف ابن هشام أنهما ذكرا لعبد الرحمان بن مهدي الحجاج بن أرطاة وخلافه عن الثقات والحفاظ، قالا: فتذاكرنا من هذا النحو أحاديث كثيرة، قال: فذكرنا لعبد الرحمان بن مهدي: حديث الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ﷺ قضى أنَّ العبد إذا كان بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، إنَّ الذي لم يعتق إنْ شاء ضمن المعتق القيمة، فإنْ لم يكن عنده استسعى (٢) العبد غير مشقوق عليه فقال عبد الرحمان: وهذا أيضاً من أعظم الفرية، كيف يكون هذا على ما رواه الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر، وقد رواه عبيد الله بن عمر، ولم يكن في آل عمر أثبت منه ولا أحفظ ولا أوثق، ولا أشد تقدمة في علم الحديث في زمانه، فكان يقال: إنَّه واحد دهره في الحفظ، ثم تلاه في روايته مالك بن أنس، ولم يكن دونه في الحفظ، بل هو عندنا في الحفظ والإتقان مثله أو أجمع منه في كثير من الأحوال، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من أثبت أهل المدينة وأصحهم رواية، رووه جميعاً عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «من أعتقَ نصيباً أو شقصاً في عبدٍ كلفَ عتقَ ما بقي إنْ كانَ لهُ مالٌ، فإنْ لم يكنْ له مال فإنَّه يعتقُ منَ العبدِ ما أعتقَ» (٣)، وقال مسلم في
стр. 2425
"التمييز" عقب (٦١): «وروى هذا الخبر غير واحد هذه الرواية عن نافع في استسعاء العبد فأعتق، والدليل على خطئه اتفاق الحفاظ من أصحاب نافع، على ذكرهم في الحديث المعنى الذي هو ضد السعاية، وخلاف الحفاظ المتقنين لحفظهم يبين ضعف الحديث من غيره … »، وقال البيهقي ١٠/ ٢٨٣: … «وهو منكر بمرة».
قلت: ونكارة متن هذا الحديث سببها مخالفة رواية الثقات الأثبات كما مرَّت الإشارة إليه في كلام العلماء المتقدم.
إذ رواه:
مالك في " الموطأ " (٢٢٤٠) برواية الليثي و (٢٧١٥) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريقه الشافعي في " مسنده " (١٠٧٠) بتحقيقي، وأحمد ١/ ٥٦ و ٢/ ١١٢ و ١٥٦، والبخاري ٣/ ١٨٩ (٢٥٢٢)، ومسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١)(١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٧) وفي " التمييز "، له (٦٢)، وأبو داود (٣٩٤٠)، وابن ماجه (٢٥٢٨)، والنسائي في " الكبرى " (٤٩٥٧) ط. العلمية و (٤٩٣٧) ط. الرسالة، وابن الجارود (٩٧٠)، وأبو يعلى (٥٨٠٢)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٣/ ١٠٦ وفي ط. العلمية (٤٥٨٠)، وابن حبان (٤٣١٦)، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ١٦٠، والبيهقي ١٠/ ٢٧٤ و ٢٧٨، والبغوي (٢٤٢١).
ورواه عبيد الله بن عمر وهو العمري (١) عند أحمد ٢/ ٥٣، والبخاري ٣/ ١٨٩ (٢٥٢٣)، ومسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١)(١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٨)، وأبي داود (٤٩٤٣)، والنسائي في " الكبرى " (٤٩٤٥) - (٤٩٥٠) ط. العلمية و (٤٩٢٥) - (٤٩٣٠) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٣/ ١٠٦ وفي ط. العلمية (٤٥٨٢) و (٤٥٨٣) وفي " شرح مشكل الآثار "، له (٥٣٦٨) وفي (تحفة الأخيار) (٣٠٤٤)، والدارقطني ٤/ ١٢٣ ط. العلمية و (٤٢١٩) ط. الرسالة، والبيهقي ١٠/ ٢٧٧.
стр. 2426
ورواه أيوب بن أبي تميمة السختياني (١) عند عبد الرزاق (١٦٧١٥)، وأحمد ٢/ ١٥، والبخاري ٣/ ١٨٩ (٢٥٢٤)، ومسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٩)، وأبي داود (٣٩٤١) و (٣٩٤٢)، والترمذي (١٣٤٦)، والنسائي ٧/ ٣١٩ وفي " الكبرى "، له (٤٩٥٣) - (٤٩٥٦) ط. العلمية و (٤٩٣٣) - (٤٩٣٦) ط. الرسالة، والبيهقي ١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٧ و ٢٧٨ - ٢٧٩.
ورواه يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري (٢) - عند أحمد ٢/ ٧٧، ومسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٩)، وأبي داود (٣٩٤٤)، والنسائي في " الكبرى " (٤٩٥٨) و (٤٩٦٠) ط. العلمية و (٤٩٣٨) و (٤٩٤٠) ط. الرسالة، والدارقطني ٤/ ١٢٣ ط. العلمية و (٤٢١٩) ط. الرسالة، والبيهقي ١٠/ ٢٧٧.
ورواه جرير بن حازم (٣) عند أحمد ٢/ ١٠٥، والبخاري ٣/ ١٦٩ (٢٥٥٣)، ومسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٩)، والبيهقي ١٠/ ٢٧٩.
ورواه الليث بن سعد (٤) عند أحمد ٢/ ١٢٢، ومسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٩)، والنسائي في " الكبرى " (٤٩٥٢) ط. العلمية و (٤٩٣٢) ط. الرسالة، وابن حبان (٤٣١٥)، والبيهقي ١٠/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
ورواه أسامة بن زيد الليثي (٥) عند مسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٩).
ورواه إسماعيل بن أمية (٦) عند عبد الرزاق (١٦٧١٤)، والبخاري ٣/ ١٩٠ (٢٥٢٥) - معلقاً -، ومسلم ٤/ ٢١٢ (١٥٠١) و ٥/ ٩٥ (١٥٠١)(٤٩).
ورواه جويرية بن أسماء (٧) عند البخاري ٣/ ١٨٤ (٢٥٠٣)، وأبي داود (٣٩٤٥)، والبيهقي ١٠/ ٢٧٧.
стр. 2427
ورواه سليمان بن موسى (١) عند النسائي في " الكبرى " (٤٩٦١) ط. العلمية و (٤٩٤٢) ط. الرسالة، وابن حبان (٤٣١٧).
ورواه ابن أبي ذئب (٢) عند البخاري ٣/ ١٩٠ (٢٥٢٥) - معلقاً-، ومسلم - مسنداً - ٤/ ٢١٢ (١٥٠١).
ورواه محمد بن عجلان (٣) عند النسائي في " الكبرى " (٤٩٥١) ط. العلمية و (٤٩٣١) ط. الرسالة.
ورواه سلمة بن علقمة عند الطبراني في " الأوسط" (٧٣٦٧) كلتا الطبعتين.
ورواه أبو الأسود عند الطبراني في " الأوسط" (٨٩٦٥) كلتا الطبعتين.
جميعهم: (مالك، وعبيد الله، وأيوب، ويحيى، وجرير، والليث، وأسامة، وإسماعيل، وجويرية، وسليمان، وابن أبي ذئب، ومحمد، وسلمة، وأبو الأسود) عن نافع.
فهؤلاء جمع من الرواة غالبهم من الثقات الأثبات، الذين إنْ خالف حجاجٌ أحدَهم، رُدّت روايته، فكيف بهم وقد اجتمعوا على خلافه، ولا سيما أنهم قد رووا هذا الحديث من طريق حجاج نفسه، فهذا ما يقطع بوهمه فيه.
ومما يزيد في رواية حجاج ضعفاً، أنَّ الحديث روي من غير طريق نافع، وكذلك خولف فيه حجاج.
فأخرجه: عبد الرزاق (١٦٧١٢)، ومن طريقه أحمد ٢/ ٣٤، ومسلم ٥/ ٩٦ (١٥٠١)(٥١)، وأبو داود (٣٩٤٦)، والترمذي (١٣٤٧)، والنسائي في" الكبرى " (٤٩٤٣) و (٤٩٤٤) ط. العلمية و (٤٩٢٣) و (٤٩٢٤) ط. الرسالة، والبيهقي ١٠/ ٢٧٥ عن معمر، عن الزهري.
وأخرجه: الحميدي (٦٧٠)، وأحمد ٢/ ١١، والبخاري ٣/ ١٨٩
стр. 2428
(٢٥٢١)، ومسلم ٥/ ٩٦ (١٥٠١)(٥٠)، وأبو داود (٣٩٤٧)، والنسائي في " الكبرى " (٤٩٤٠) و (٤٩٤١) و (٤٩٤٢) ط. العلمية و (٤٩٢٠) و (٤٩٢١) و (٤٩٢٢) ط. الرسالة، والبيهقي ١٠/ ٢٧٥ من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار.
وأخرجه: النسائي في " الكبرى " (٤٩٣٨) ط. العلمية و (٤٩١٧) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٣/ ١٠٥ وفي ط. العلمية (٤٥٨٥) من طريق حبيب بن أبي ثابت.
ثلاثتهم: (الزهري، وعمرو بن دينار، وحبيب بن أبي ثابت) عن سالم، عن ابن عمر بلفظ: «منْ أعتقَ شِركاً له في عبدٍ، فكانَ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ، قُوّم عليه قيمةُ العدلِ، فأعطى شركاه حصصهم، وعتقَ عليه العبدُ، وإلا فقد عتقَ منهُ ما أعتقَ» (١).
من خلال ضم هذه الروايات بعضها إلى بعض يتبين أن رواية حجاج فيها: «وإن لم يكن له مال بذل العبد» في حين أن رواية الجماء الغفير: « .. فقد عتق منه ما أعتق».
وأخرجه: النسائي في " الكبرى " (٤٩١٩) ط. الرسالة (٢) عن أشياخ من أهل مكة، عن ابن عمر، بنحو الرواية السابقة.
انظر: " تحفة الأشراف " ٥/ ٩٩ (٦٧٨٨) و ٥/ ٥٧٣ (٨٣٢٨)، و " أطراف المسند " ٣/ ٥٧٥ (٤٩٦٢) و ٣/ ٥٨٨ (٥٠١٧)، و" إتحاف المهرة " ٩/ ٢٨٩ (١١١٧٧).
ومما استنكر على راويه لتفرده به، وليس عليه العمل ما روى حمّاد بن عيسى الجُهني، عن حَنْظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن
стр. 2429
سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفعَ يديهِ في الدعاءِ، لم يحطَّهما حتى يمسحَ بهما وجهَهُ.
أخرجه: عبد بن حميد (٣٩).
وأخرجه: الترمذي (٣٣٨٦)، والبزار (١٢٩) من طريق محمد بن المثنى.
وأخرجه: الترمذي (٣٣٨٦) من طريق إبراهيم بن يعقوب (١).
وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٧٠٥٣) كلتا الطبعتين من طريق محمد بن بكار العيشي.
وأخرجه: الطبراني في " الدعاء " (٢١٢)، وأبو طاهر السلفي في "معجم السفر " (٦٨٠) من طريق الحسن بن علي الحلواني.
وأخرجه: الحاكم ١/ ٥٣٦ ومن طريقه ابن القيسراني في "تذكرة الحفاظ" (٨٥٣)، والذهبي في " السير " ١٦/ ٦٧ من طريق محمد بن موسى الحرشي، ونصر بن علي (مقرونين).
وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٢٢/ ٣٥، والخلال كما في "العلل المتناهية" (١٤٠٦) من طريق عباس الدوري.
وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٢٢/ ٣٥ من طريق محمد بن يونس بن موسى.
وأخرجه: أبو طاهر السلفي في " معجم السفر " (٤١) من طريق عبد الله بن سعيد وإسحاق بن بهلول وأبي قلابة (مقرونين).
وأخرجه: أبو سعيد النقاش في " فوائد العراقيين " (٢٧) من طريق إسماعيل بن محمد الطلحي.
جميعهم: (عبد بن حميد، ومحمد بن المثنى، وإبراهيم، ومحمد بن
стр. 2430
بكار، والحسن، ومحمد بن موسى، ونصر بن علي، وعباس، ومحمد بن يونس، وعبد الله بن سعيد، وإسحاق، وأبو قلابة، وإسماعيل) عن حماد بن عيسى الجهني، بهذا الإسناد.
قال الترمذي فيما نقله عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام الوسطى " ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧: «حديث حسن صحيح غريب»، وتعقّبه النووي في "الخلاصة" (١٥٢٤) فقال: «وأما قول الشيخ عبد الحق في كتابه " الأحكام " أن الترمذي قال: هو حديث صحيح (١) فغلط؛ إنما قال الترمذي: حديث غريب».
وقال ابن الملقن في " البدر المنير " ٣/ ٦٤٠: «ونقل عبد الحق في "أحكامه " أن الترمذي صححه وقد قيل: إنه وجد كذلك في غير ما نسخة منه، لكن ابن الصلاح ثم النووي غلّطاه في هذا النقل عنه، فإن يثبت ذلك عن الترمذي فليس بجيد منه، وينكر على ابن السكن في إدخاله له في " سننه الصحاح المأثورة " (٢)، والله أعلم».
стр. 2431
وخالفهم معلى بن مهدي الموصلي فرواه بالإسناد نفسه إلى ابن عمر فقط، لم يجاوز به.
إذ أخرجه: الطبراني في " الدعاء " (٢١٣) من طريق معلى بن مهدي الموصلي، عن حماد بن عيسى الجهني، قال: حدثني حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵁، قال: ما مدّ رسولُ الله ﷺ يده في دعاءٍ قط فقبضهما حتى يمسح بهما وجهه.
قال الطبراني: «ولم يجاوز به المعلى بنُ مهدي ابنَ عمر».
قلت: هذا حديث منكر تفرّد به حماد بن عيسى وهو ضعيف، قال عنه أحمد فيما نقله ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (١٠٠١):
«ضعيف»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٣/ ١٥٨ (٦٣٦): «ضعيف الحديث»، وقال أبو داود كما في " سؤالات الآجري " (١٣٢٩): «ضعيف، روى أحاديث مناكير»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٥٤: «لا يجوز الاحتجاج به»، وقال أبو نعيم في " الضعفاء " (٥١): «لا شيء».
قال يحيى بن معين عن هذا الحديث فيما نقله ابن الجوزي في " العلل " عقب (١٤٠٧): «هو حديث منكر»، وقال أبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في "العلل" (٢١٠٦): «هو حديث منكر، أخاف أنْ لا يكون له أصل»، وقال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرّد به وهو قليل الحديث»، وقال البزار عقب الحديث: «وهذا الحديث إنَّما
стр. 2432
رواه عن حنظلة: حماد بن عيسى وهو لين الحديث، وإنَّما ضعف حديثه بهذا الحديث، ولم نجد بداً من إخراجه إذ كان لا يروى عن النبيِّ ﷺ إلا من هذا الوجه أو من وجه دونه»، وقال الطبراني في " الأوسط " بعد الحديث: «لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرّد به حماد بن عيسى الجهني»، وقال العز بن عبد السلام فيما نقله الألباني في "الصحيحة" (٥٩٥): «لا يمسح وجهه إلا جاهل»، وقال النووي في " الخلاصة " (١٥٢٣):
«فهو حديث ضعيف»، وقال في " الأذكار " عقب (١٠٧٤) بعد أنْ ذكر رواية الترمذي ورواية أبي داود: «وفي إسناد كل واحد ضعف، وأما قول الحافظ عبد الحق - رحمه الله تعالى - إنَّ الترمذي قال في الحديث الأول: إنَّه حديث صحيح، فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي أنَّه صحيح، بل قال: حديث غريب»، وقال المقريزي في " مختصر كتاب الوتر": ١٥٢ عقب (٦١): «وسُئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك، وقال: ما علمت! وسئل عبد الله (١) ﵁ عن الرجل يبسط يديه فيدعو ثم يمسح بهما وجهه، فقال: كره ذلك سفيان»، وقال الشيخ الألباني في "إرواء الغليل " ٢/ ١٧٨ عقب (٤٣٣): «فمثله ضعيف جداً، فلا يحسن حديثه فضلاً عن أن يصحح! والحاكم مع تساهله لما أخرجه في " المستدرك " ١/ ٥٣٦ سكت عليه، ولم يصححه، وتبعه الحافظ الذهبي».
إلا أنَّ هناك من حسّن هذا الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في " بلوغ المرام " عقب (١٥٥٤): «ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن»، وقال السيوطي في " فضّ الوعاء " عقب (١٢): «رجاله رجال الصحيح سوى حماد، وهو شيخ صالح، ضعيف الحديث، ولحديثه شواهد فهو حسن، وفي بعض نسخ الترمذي إنَّه قال: صحيح (٢)»، وقال الصنعاني في " سبل السلام " (١٤٦٦): «وله شواهد منها عند أبي داود
стр. 2433
من حديث ابن عباس وغيره ومجموعها يقضي بأنَّه حديث حسن، وفيه دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء» (١).
انظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٢٣٩ (١٠٥٣١)، و "إتحاف المهرة" ١٢/ ٢٨٧ (١٥٦٠٠).
أما حديث ابن عباس الذي اعتبر شاهداً لهذا الحديث فهو ضعيف كذلك.
أخرجه: عبد بن حميد (٧١٥)، وابن ماجه (١١٨١) و (٣٨٦٦)، والطبراني في " الكبير " (١٠٧٧٩)، وابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣٦٨، وابن عدي في " الكامل " ٥/ ٧٨، والحاكم ١/ ٥٣٦، والبغوي (١٣٩٩)، وابن الجوزي في" العلل " (١٤٠٧)، والذهبي في " تذكرة الحفاظ " (٦٤٣) من طريق صالح بن حسان (٢)، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس.
وأخرجه: أبو داود (١٤٨٥)، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٢١٢ وفي … " الدعوات الكبير "، له (١٨٣) من طريق عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القرظي.
قال أبو داود: «روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيفٌ أيضاً».
وأخرجه: إسحاق بن راهويه في " مسنده " كما في " نصب الراية " ٣/ ٥٢،
стр. 2434
والمقريزي في " مختصر كتاب الوتر " (٦٦) من طريق عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ، قال: «إذا سألتم الله، فاسألوه ببطون أكفكم، ثم لا تردوها حتى تمسحوا بها وجوهكم».
أما الرواية الأولى من حديث ابن عباس، ففيها صالح بن حسان وهو متروك، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٦٨٢) برواية الدوري: «ليس حديثه بشيء»، وقال أحمد في " الجامع في العلل " ١/ ١٩٨ (١١٩٧): «ليس بشيء»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ٢٢٦ (٢٧٩٣): «منكر الحديث»، وقال أبو داود كما في " سؤالات الآجري " (١٩١٤): «ضعيف الحديث»، وقال في موضع آخر: «في حديثه نكارة»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٤/ ٣٦٢ (١٧٣٨): «ضعيف الحديث، منكر الحديث»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٩٦): «متروك الحديث» (١).
قال أبو حاتم في " العلل " لابنه (٢٥٧٢) عندما سُئل عن حديث صالح ابن حسان: «هذا حديث منكر»، وقال ابن الجوزي في " العلل " (١٤٠٧) عقب هذا الحديث وحديثاً آخر: «هذان حديثان لا يصحان … ».
وأما الرواية الثانية ففيها إبهام الرجل الذي حدّث عن محمد بن كعب.
وأما الرواية الثالثة: ففيها عيسى بن ميمون - هو المدني المعروف بالواسطي - وهو ضعيف، قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ٢٠٢ (٢٧٨١) وفي " الضعفاء الصغير "، له (٢٦٦): «منكر الحديث»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ٣٦٨ (١٥٩٥) عن أبيه وعن عمرو بن علي أنهما قالا: «متروك الحديث»، ونقل عن أبي زرعة أنه قال: «ضعيف الحديث»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٢٥): «متروك الحديث»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١١٦: «منكر الحديث جداً، يروي عن الثقات أشياء كأنَّها موضوعات فاستحق مجانبة حديثه».
стр. 2435
أقول: والذي يدلك على بطلان عبارة: «وليمسح على وجهه» أن الحديث روي بإسناد حسن فلم يذكر فيه هذه العبارة.
فأخرجه: أبو داود (١٤٨٦)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٤٥٩)، وابن قانع في " معجم الصحابة " (١٥٧٨)، والطبراني في " مسند الشاميين" (١٦٣٩)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٦٠٦٤) و (٦٠٦٥)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٦/ ٣٩، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٥/ ٥٢ من طريق إسماعيل بن عياش، عن ضمضم، عن شريح، قال: حدثنا أبو ظبية: أن أبا بحرية السكوني حدثه، عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي: أنَّ رسول الله ﷺ قالَ: «إذا سألتمُ اللهَ فاسألوه ببطونِ أكفكم ولا تسألوه بظهورها».
قال أبو داود عقبه: «قال سليمان بن عبد الحميد: له عندنا صحبة … - يعني: مالك بن يسار -»، وجاء في " تحفة الأشراف " ٨/ ٢٣ (١١٢٠٩) من الزيادة: «وفي نسخة ما له عندنا صحبة».
أقول: هذا حديث شامي، وهو حديث غريب (١)، وصفة الغرابة لازمته من مبتدأ إسناده، وقد تقدم الاختلاف في نسخ أبي داود في بيان صحبة مالك بن يسار من عدمها. ولنستعرض جملة من الأقوال وما ترجح لأهل العلم فيه، فقد ذكره ابن قانع في " معجم الصحابة " (١٥٧٨)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة " (٢٦١٨)، وابن عبد البر في " الاستيعاب " (٢٣٠٦)، وابن الجوزي في "تلقيح فهوم أهل الأثر": ١٧٩ - تسمية أصحاب رسول الله، ومن رآه -، وذكره في عداد الصحابة ابن الأثير في " أسد الغابة " (٤٦٦١)، وقال المزي في " تهذيب الكمال " ٧/ ٢٤ (٦٣٥١): «عداده في الصحابة»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٦٤٥٧): «صحابي قليل الحديث»، وذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٢٤٧ (٩٧٠) وقال عنه: «شامي روى عن النبيِّ ﷺ
стр. 2436
أنه قال: «إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم» روى عنه أبو بحرية السكوني» انتهى ما ذكره، فكأنَّه بذلك يجزم بصحبته، ونقل ابن حجر في " الإصابة " ٥/ ٥٥ (٧٧٠) عن البغوي أنه قال: «ولا أدري له صحبة أو لا؟».
أقول: والظاهر أنَّ قول الجماعة أولى وأرجح. وأما بقية إسناده فهم ثقات ما خلا أبا ظبية، وقد اختلف في رسمه، فقال صاحب تاريخ الحمصيين: وأبو طيبة السلفي يحدث عن معاذ، وحضر خطبة عمر بالجابية، وساق الإمام أحمد بسنده إلى غيلان أنه قال: عن أبي طيبة السلفي فتعقبه أحمد، فقال: إنما هو أبو ظبية ولكن هكذا قال صاحبنا، قال: خطبنا عمر. وقال ابن منده: يقال: أبو طيبة بالطاء المهملة وبالمعجمة، وذكره مسلم بن الحجاج والحسين ابن محمد القباني، وأبو بشر الدولابي، والحاكم أبو أحمد وغير واحد في الكنى باب الظاء المعجمة، وكذلك قيده أبو الحسن الدارقطني وأبو أحمد العسكري وأبو نصر بن ماكولا، وغير واحد.
قال العسكري: «لا يعرف اسمه، ويقال: اسمه كنيته، وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن أبي ظبية هل يسمى؟ قال: لا أعرف أحداً يسميه. وقال عباس الدوري: سئل يحيى بن معين عن أبي ظبية الذي روى عن محمد بن سعد الأنصاري، فقال: ثقة، وقد روى بسر بن عطية، عن أبي ظبية، عن عمرو بن عبسة لا أدري هو هذا أم غيره، قال أبو القاسم: هو بلا شك، وقال عثمان بن سعيد الدارمي، قلت ليحيى: أبو ظبية الذي يروي عن محمد بن سعد الأنصاري؟ فقال: ثقة، وقال الدارقطني: ليس به بأس». وقال عنه الحافظ ابن حجر في " التقريب " (٨١٩٢):
«مقبول».
أقول: وهذا الوصف مما يجب التوقف والنظر فيه، فالرجل وثقه يحيى بن معين - على تشدده -، وقال عنه الدارقطني: لا بأس به، وذكر له المزي ثمانية من الشيوخ فيهم ستة من الصحابة ﵃، وله ستة من التلاميذ، فأقل ما يقال فيه: لا بأس به. وانظر ما تعقبه الدكتور بشار عواد والشيخ شعيب الأرنؤوط في " تحرير التقريب " (٨١٩٢) على الحافظ، والله أعلم.
стр. 2437
وبعد الخوض في غمار وكمائن إسناد هذا الحديث يتبين أنَّ الصواب قبوله، وأنَّه حديث حسن، والله أعلم.
انظر: " تحفة الأشراف " ٤/ ٧٠١ (٦٤٤٨) و ٨/ ٢٣ (١١٢٠٩)، و" إتحاف المهرة " ٨/ ٥٧ (٨٩٠٣)، و" التلخيص الحبير " ١/ (٣٧٢).
والشاهد الآخر حديث يزيد بن سعيد بن ثمامة والد السائب.
فقد أخرجه: أحمد ٤/ ٢٢١، وأبو داود (١٤٩٢)، ومن طريقه البيهقي في " الدعوات الكبير" (١٨٤) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن حفص بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن السائب بن يزيد، عن أبيه: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه.
وهذا حديث ضعيف، من أجل عبد الله بن لهيعة؛ فإنَّه سيئ الحفظ ومدلس وقد عنعن، وجهالة حفص بن هاشم بن عتبة. انظر: " التبيين لأسماء المدلسين " (٤٢)، و" التقريب " (١٤٣٤)(١).
وقد ذهب الإمام أحمد إلى تضعيف أحاديث الباب فقال فيما نقله ابن الجوزي في " العلل" (١٤٠٧): «لا يُعرفُ هذا، أنَّه كان يمسح وجهه بعد
стр. 2438
الدعاء، إلا عن الحسن»، وقال النووي في " الخلاصة " ١/ ٤٦١: «اتفقوا على ضعفه».
قال البيهقي ٢/ ٢١٢: «فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء، فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يُروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي ﷺ حديث فيه ضعف، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح، ولا أثر ثابت، ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة، وبالله التوفيق».
وأخرج عن علي الباشاني أنَّه قال: «سألت عبد الله - يعني: ابن المبارك - عن الذي إذا دعا مسح وجهه؟ قال: لم أجد له ثبتاً (١)، قال علي: ولم أره يفعل ذلك، قال: وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر، وكان يرفع يديه».
وللحديث شاهد موقوف.
أخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (٦٠٩) قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: أخبرني أبي، عن أبي نعيم - وهو وهب - قال: رأيت ابن عمر وابن الزبير يدعوان، يديران بالراحتين على الوجه.
هذا الإسناد فيه لين؛ من أجل محمد بن فليح بن سليمان وأبيه، فالابن قال عنه الحافظ ابن حجر في " التقريب " (٦٢٢٨): «صدوق يهم». والأب قال عنه في " التقريب" (٥٤٤٣): «صدوق كثير الخطأ، والله أعلم» (٢).
مثال آخر: روى شريك بن عبد الله، عن عمران بن ظَبيان، عن أبي
стр. 2439
تِحْيَى، قال: لما ضربَ ابنُ مُلْجَم علياً الضربة، قال عليٌّ: افعَلُوا به كما أرادَ رسولُ الله ﷺ أنْ يفعل برجلٍ أراد قتْله، فقال: «اقتُلُوهُ، ثُمَّ حرِّقوهُ».
أخرجه: أحمد ١/ ٩٢ - ٩٣، والحاكم ٣/ ١٤٤ من طريق أبي أحمد الزبيري.
وأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند علي): ٧٠ الخبر (٦) من طريق يحيى بن إسحاق البجلي.
كلاهما: (أبو أحمد، ويحيى) عن شريك بن عبد الله، بهذا الإسناد.
قال الطبري: «وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أنْ يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح، لعلل:
إحداها: أنَّه خبر لا يعرف له مخرج عن عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ يصح إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه (١).
والثانية: أنَّ عمران بن ظبيان عندهم ليس ممن يثبت بمثله في الدين حجة (٢).
والثالثة: أنَّ شريكاً عندهم كان كثير الغلط، ومن كان كذلك من أهل النقل وجب التوقف في نقله (٣).
стр. 2440
والرابعة: أنَّ الصحيح عندهم في أمر الذي كان جُعِلَ له جُعْلٌ لقتل رسول الله ﷺ : أنَّه أسلم وحسن إسلامه (١)، وكان له بلاء في ذات الله. وقد قال بعضهم: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بصلبه ولم يأمر بإحراقه (٢).
والخامسة: أنَّ أهل السير لا تدافع بينهم أنَّ علياً رضوان الله عليه إنَّما أمر بقتل قاتله قصاصاً، ونهى عن أنْ يمثل به» (٣) انتهى كلام الطبري.
وانظر: " أطراف المسند " ٤/ ٤٠١ (٦٢١٢)، و " إتحاف المهرة " ١١/ ٣٦٤ (١٤٢٠٥).
стр. 2441
ومما روي منكراً متناً وإسناداً ما روى نوحُ بنُ قيس الحُدَّاني، عن عمرو بن مالك النُّكري (١)،
عن أبي الجَوزاء، عن ابن عباس ﵄، قال: كانت امرأةٌ تُصلي خلفَ رسول الله ﷺ حَسْناء من أحسن
стр. 2442
الناسِ (١) فكان بَعضُ القوم يتقدمُ حتّى يَكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخرُ بعضُهم حتَّى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركَعَ نظَرَ منْ تحت إبطيه، فأنزل الله تعالى: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ (٢).
أخرجه: الطيالسي (٢٧١٢)، وأحمد ١/ ٣٠٥، وابن ماجه (١٠٤٦)، والترمذي (٣١٢٢)، والنسائي ٢/ ١١٨ وفي "الكبرى" (٩٤٢) و (١١٢٧٣) ط. العلمية و (٩٤٥) و (١١٢٠٩) ط. الرسالة وفي "التفسير"، له (٢٩٣)، والطبري في "تفسيره" (١٥٩٧٣) ط. الفكر و ١٤/ ٥٣ - ٥٤ ط. عالم الكتب، وابن خزيمة (١٦٩٦) و (١٦٩٧) بتحقيقي، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير": ١٠٤٥، وابن حبان (٤٠١)، والطبراني في "الكبير" (١٢٧٩١)، والحاكم ٢/ ٣٥٣، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ٨١، والبيهقي ٣/ ٩٨ وفي "شعب الإيمان "، له (٥٤٤٢) ط. العلمية و (٥٠٥٩) ط. الرشد، والواحدي في "أسباب النزول" (٢٨٣) بتحقيقي من طرق عن نوح بن قيس الحداني، بهذا الإسناد.
قال أبو نعيم: «غريب من حديث أبي الجوزاء، عن ابن عباس تفرد برفعه نوح بن قيس».
أقول: هذا حديث معلول بالإرسال (٣).
فقد أخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (١٤٤٥)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (١٥٩٧٢) ط. الفكر و ١٤/ ٥٣ - ٥٤ ط. عالم الكتب عن جعفر بن
стр. 2443
سليمان، قال: أخبرني عمرو بن مالك (١)، قال: سمعت أبا الجوزاء، يقول في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ قال: المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة والمستأخرين.
وذكره السيوطي في" الدر المنثور" ٤/ ١٨٠ وعزاه إلى ابن المنذر، مرسلاً، أي من قول أبي الجوزاء. وقد رجح العلماء الرواية المرسلة.
فقال الترمذي عقب روايته للحديث: «وهذا أشبه أنْ يكون أصح من حديث نوح». وقال ابن كثير في "تفسيره": ١٠٤٥: «وهذا الحديث فيه نكارة شديدة .. فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر» أي مرسل.
وقال القرطبي في "تفسيره" ١٠/ ١٩: «وروي عن أبي الجوزاء، ولم يذكر ابن عباس، وهو أصح».
وقد روي الحديث من وجه آخر ولا يصح.
أخرجه: أحمد في "الجامع في العلل" ١/ ٣٤٣ (٢٦٧٣) قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن رجل، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ قال وكيع: نرى أنَّه أبان بن أبي عيّاش.
فهذا إسناد ضعيف؛ فإنْ كان عن رجل ففيه مبهم، وإنْ كان أبان بن أبي عياش فهو ضعيف الحديث، قال عنه أحمد في "الجامع في العلل" ١/ ١٥٧ (٨٣٥): «متروك الحديث»، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٤٢٠ (١٤٥٥) وفي "التاريخ الصغير" ٢/ ٥٠ وفي "الضعفاء الصغير"، له (٣٢): «كان شعبة سيئ الرأي فيه»، وقال النَّسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون" (٢١): «متروك الحديث»، وقال الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (١٠٣)، وابن حجر في "التقريب" (١٤٢): «متروك».
زيادة على علة الإرسال السابقة فإنَّ متنَ الحديث منكر؛ إذ وردت عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية تفسيرات عدة.
стр. 2444
فقد أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١٥٩٦٠) ط. الفكر و ١٤/ ٤٩ ط. عالم الكتب قال: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ قال: كَان ابنُ عباس ﵄ يقولُ: آدمُ ﷺ ومَنْ مضى من ذريته، ﴿ولقد علمنا المستأخرين﴾: من بقي في أصلاب الرجال.
وهذا الحديث إسناده حسن من أجل بشر - وهو ابن معاذ العقدي -: «صدوق» (١)
وبالمعنى نفسه نقل ابن الجوزي في "زاد المسير" ٤/ ٣٩٦ قال: «إن المستقدمين من خرج من الخلق وكان، المستأخرين: الذين في أصلاب الرجال رواه الضحاك، عن ابن عباس ﵄».
وأخرج: الطبري في "تفسيره" (١٥٩٦٣) ط. الفكر و ١٤/ ٥٠ ط. عالم الكتب قال: حدثني محمد بن سعد (٢)، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ يعني بالمستقدمين: من مات، ويعني بالمستأخرين: من هو حيٌّ لم يمت، وهذا حديث مسلسل بالضعفاء من عائلة العوفي.
وهناك تفسير آخر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ١٨٢ فقال: «وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس ﵄ في الآية قال: قدّم خلقاً وأخّر خلقاً، فعلم ما قدّم وعلم ما أخّر».
قال الطبري في "تفسيره" عقب (١٥٩٧٣) ط. الفكر و ١٤/ ٥٤ - ٥٥ ط. عالم الكتب: «وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدم موته، ولقد علمنا المستأخرين: الذين استأخر موتهم ممن هو حيٌّ، ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعد .... وجائز أنْ تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن
стр. 2445
النساء، والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله عمّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جل ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم وما كانوا يعملون، ومن هو حي منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرها، وأحصينا جميع ذلك ونحن نحشر جميعهم، فنجازي كُلاًّ بأعماله، إنْ خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشرٌ، فيكون ذلك تهديِداً ووعيداً للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء، ولكل من تعدى حد الله وعمل بغير ما أَذِنَ له به، ووعداً لمن تقدم في الصفوف لسبب النساء، وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها».
وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" ٨/ ٥٥١: «ولو صح حديث ابن عباس هذا لكان هو أولى الأقوال، لكن الأشبه أنه قول أبي الجوزاء كما صرح به الترمذي».
وقال الشيخ شعيب في تعليقه على الحديث في " مسند أحمد " ٥/ ٦: … «وقد سبق لنا أنْ حسّنا إسناد هذا الحديث في تعليقنا على " صحيح ابن حبان "، وقد تبين لنا أنه ضعيف لا يستحق التحسين … ».
وللحديث شاهد عن مروان بن الحكم.
أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١٥٩٧١) ط. الفكر و ١٤/ ٥٣ ط. عالم الكتب من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل، قال: أخبرنا عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أُناس يستأخرون في الصف من أجل النساء، قال: فأنزل الله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ مرسلاً.
وهذا الحديث ضعيف؛ لإرساله، وكذلك لإبهام الرجل الذي أخبر عن مروان.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٢٦٢ (٥٣٦٤)، و"جامع المسانيد" ٣٠/ ٣٢ (٣٣)، و"أطراف المسند" ٣/ ٤١ (٣٢٠٢)، و"إتحاف المهرة" ٧/ ١٦ (٧٢٣٤).
стр. 2446
ومما استنكر على راويه إسناداً ومتناً ما روى جبارة (١)، عن حماد بن يحيى الأبح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: «يُعملُ برهةً (٢) بكتابِ اللهِ، ثمَّ يُعملُ برهةً بسُنةِ رسولِ الله ثمَّ يُعملُ برهةً بالرَّأي، فإذا قالوا بالرَّأي فقدْ ضلَّوا وأضلوا» (٣).
أخرجه: عبد الله بن أحمد في " الجامع في العلل " ١/ ١٧٤ - ١٧٥ (١٠٠٩)، ومن طريقه الخلاّل كما في " المنتخب " (٧٨)، والعقيلي في "الضعفاء " ١/ ٢٠٧، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ٢٣، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم " ٢/ ١٣٤ من طريق جبارة، بهذا الإسناد.
قال ابن عدي قبيل الحديث: «سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثاً معضلاً» وذكر حديثنا هذا.
قلت: زيادة على هذا فإن الإسناد ضعيف؛ لضعف جبارة، فقد قال عنه البخاري في "التاريخ الصغير" ٢/ ٣٤٥: «حديثه مضطرب»، وقال عنه النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (١٠١): «ضعيف»، وقال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢/ ٤٨٣ (٢٢٨٤): «سمعت أبا زرعة ذكر جبارة بن المُغلس، فقال: قال لي ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذبُ، قلت: كتبتَ عنه؟ قالَ: نعم، قلت: تُحدِّث عنه؟ قال: لا، قلت: ما حاله؟ قال: كانَ يُوضعُ له الحديثُ فيحدِّث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب».
قلت: ولعل هذا الحديث مما وضع له، وذلك إنَّ لهذا الحديث قصةً فقد قال عبد الله في " العلل " ١/ ١٧٥ عقب (١٠٠٩): «عرضتُ على أبي أحاديث سمعتُها من جبارة الكوفي فقال في بعضها: هي موضوعة أو هي
стр. 2447
كذب، منها عن حماد الأبح … فذكر حديثنا هذا، قال عبد الله عقبه: «فأنكره جداً» يعني: الإمام أحمد.
غير أنَّ جبارة تابعه عثمان بن عبد الرحمان الوقاصي متابعة نازلة، فرواه عند أبي يعلى (٥٨٥٦)، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢٧٣، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ١٣٤ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، به.
وهذا الإسناد كسابقه لا يصح؛ لضعف عثمان، فقد قال عنه البخاري في " الضعفاء الصغير " (٢٥٠): «تركوه»، وقال عنه النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤١٨): «متروك الحديث»، وقال ابن عدي في " الكامل" ٦/ ٢٧٣ عقب هذا الحديث وأحاديث أخرى يرويها عثمان، عن الزهري: «وهذا قد رواه حماد الأبح عن الزهري أيضاً، وسائر الأحاديث عن الزهري، التي أمليتها لا يرويها عن الزهري غير عثمان هذا، ولعثمان غير ما ذكرت من الحديث، وعامة أحاديثه مناكير إما إسناده أو متنه منكراً».
إذن تبين ضعف هذا الحديث، وأنه لا يصح بحال.
ومما استنكر على راويه متناً وإسناداً ما روى حنش (١)، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «منْ جمعَ بينَ صلاتين من غيرِ عذرٍ، فقد أتى باباً منْ أبوابِ الكبائر».
وزاد البزار وابن شاهين: «ومنْ شهدَ شهادةً فاجتاح بها مال امرئٍ مسلم فقد تَبوّأ مقعدَهُ منَ النارِ، ومنْ شربَ شراباً حتّى يذهبَ عقلُهُ الذي رزقَهُ الله، فقد أتى باباً من أبوابِ الكبائر» (٢) واقتصرت زيادة أبي يعلى على الجزء الأول.
стр. 2448
أخرجه: الترمذي (١٨٨)، والبزار كما في " كشف الأستار " (١٣٥٦)، وأبو يعلى (٢٧٥١)، والعقيلي في " الضعفاء الكبير" ١/ ٢٤٨، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٣/ ٩٣٢ (٥٢٠٧)، وابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٤٣، والطبراني في " الكبير " (١١٥٤٠)، والدارقطني ١/ ٣٩٤ ط. العلمية و (١٤٧٥) ط. الرسالة، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (٢٤٤) و (٢٤٥)، والحاكم ١/ ٢٧٥، والبيهقي ٣/ ١٦٩، والخطيب في " الموضح " ١/ ٥٥٦، وابن الجوزي في " الموضوعات " ٢/ ١٠١ ط. الفكر و (٩٧١) ط. أضواء السلف، وفي " التحقيق في أحاديث الخلاف"، له (٧٨٠) من طرق عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، به (١).
ذهب بعض العلماء إلى تصحيح سند الحديث، مثل ابن شاهين والحاكم، فقال ابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " عقب (٢٤٥): «حديث صحيح سنده عن رسول الله ﷺ ونسخ».
وقال الحاكم: «حنش بن قيس الرحبي يقال له: أبو علي من أهل اليمن سكن الكوفة، ثقة» (٢).
وتوثيق الحاكم لحنش هذا فيه نظر، فالمنقول عن المتقدمين أنَّهم كانوا يضعّفونه، فنقل الذهبي في " ميزان الاعتدال " ١/ ٥٤٦ (٢٠٤٣) عن أحمد أنَّه قال فيه: «متروك»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (٢٨٩٢): «ترك أحمد حديثه»، ونقل الذهبي في " ميزان الاعتدال " ١/ ٥٤٦ (٢٠٤٣) عنه: «لا يكتب حديثه»، وقال عند الترمذي: «حنش هذا، هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أحمد وغيره»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٣/ ٧١ (٢٨٦) عن أبيه أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث، منكر الحديث»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه
стр. 2449
قال فيه: «ضعيف»، وقال ابن حبان في " المجروحين" ١/ ٢٤٢: «كان يقلب الأخبار، ويلزق رواية الضعفاء»، وقال عنه الدارقطني في " سننه " ١/ ٣٩٥: «متروك»، وقال عنه ابن حجر في "التقريب " (١٣٤٢): «متروك».
ومن هنا يتبين وهم الحاكم في توثيقه لحنش. ووهم ابن شاهين في تصحيحه لسند الحديث، خاصة بعد ما نُقلَ عن بعض المتقدمين بأنَّ هذا الحديث ليس له أصل. من ذلك ما قاله العقيلي في " الضعفاء الكبير " ١/ ٢٤٨: «لا أصل له»، وقال فيما نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٢/ ٣٢٩ ترجمة حسين بن قيس الرحبي: «لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، وليس له أصل»، وقال ابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (٧٨٠): «لا يصح».
وبعد هذا فلا يلتفت إلى تصحيح ابن شاهين، ولا إلى توثيق الحاكم، فقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه جمع بين صلاتين من غير خوف ولا مطر (١).
كما أخرجه: مسلم ٢/ ١٥١ (٧٠٥)(٥٠) من حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلى رسولُ الله ﷺ الظهرَ والعصرَ جميعاً بالمدينة في غير خوفٍ ولا سفرٍ. قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لمَ فَعلَ ذلكَ؟ فقال: سألتُ ابن عباس كما سألتني، فقال: أرادَ أنْ لا يحرجَ أحداً منْ أمته.
وأبو الزبير أوثق مئة مرة من حنش ومن مثله، وعلى هذا فرواية حنش منكرة لا تصح.
مما سبق يتبين أنَّ حنشاً ضعيف جداً، فلا يحتمل تفرّده، فكيف به إذا خالف من هو أوثق منه كما سبق! إذ إنَّه خالف خبر ابن عباس المتقدم الذي هو في " صحيح مسلم "، ومن بداهة علم العلل أنَّ المحدّثين يثبتون كذب
стр. 2450
الراوي إذا روى عن شخصٍ وقد حفظ عنه خلافه كما في هذا الحديث؛ إذ إنَّ حنشاً روى عن ابن عباس مرفوعاً: أنَّ الجمع بين الصلاتين من غير عذرٍ كبيرة. فقد تفرد حنش بهذا، فلم يعرف الحديث إلاَّ من طريقه ولم يتابعه أحد لا من قريب ولا من بعيد، في حين أنَّ المحفوظ عن ابن عباس خلافه، ومن خلال البحث تبيّن أنَّ الذي رواه حنش محفوظ عن عمر ﵁ من قوله، فقد روى محمد بن الحسن في كتاب " الحجة على أهل المدينة " ١/ ١٦٥، والبيهقي ٣/ ١٦٩: أنَّ عمر بن الخطاب كتب إلى عامل له: ثلاثٌ منَ الكبائرِ: الجمعُ بينَ الصلاتينِ إلا في عذرٍ، والفرارُ منَ الزحف، والنهبى.
قلت: الذي يظهر لي والله أعلم أنَّ حنشاً أخذه سرقةً، وقلب إسناده ورواه عن ابن عباس مرفوعاً، قال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٤٣: «وروى - أي: حنش - عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من ضم يتيماً … » وفي تلك النسخة عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ جمعَ بينَ صلاتينِ منْ غيرِ عذرٍ، فقد أتى باباً منْ أبوابِ الكبائر».
فعلى هذا يكون حكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع (١)، حكماً دقيقاً صحيحاً يتماشى مع قواعد المحدّثين وأئمة النقد.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٥٥١ (٦٠٢٥)، و"إتحاف الخيرة" ٥/ ٤٢٥ (٤٩٤٠/ ٢)، و"المسند الجامع" ٨/ ٤٦٧ (٦٠٨١).
ومما استنكر على راويه إسناداً ومتناً ما روى إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث - وهو عبد الرحمان بن معاوية -، عن الأعرج، عن ابن الصمة: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تيمَّمَ فَمسحَ وجهَهُ وذراعيهِ (٢).
أخرجه: الشافعي في " المسند " (٣٨) و (٨٨) و (٨٩) بتحقيقي وفي
стр. 2451
"الأم "، له ١/ ٤٨ و ٥١ وفي ط. الوفاء ٢/ ١٠٢ و ١٠٨، ومن طريقه البيهقي ١/ ٢٠٥ وفي " المعرفة "، له (٣٠٥) و (٣٠٦) ط. العلمية و (١٥٢٨) و (١٥٣٠) ط. الوعي، والبغوي (٣١٠).
هذا حديث منكر لا يصح، إبراهيم تقدمت ترجمته في مواضع، وأما أبو الحويرث ففيه كلام ليس باليسير، إذ نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٥/ ٣٤٦ (١٣٥٢) عن مالك أنَّه قال فيه: «ليس بثقة»، ونقل عن أبيه أنَّه قال فيه: «ليس بقوي يكتب حديثه، ولا يحتج به»، وقال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " برواية الدوري (١٠٥٠): «ليس يحتج بحديثه»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٣٦٥): «ليس بثقة»، وقال ابن حجر في "التقريب " (٤٠١١): «صدوق سيّئ الحفظ رمي بالإرجاء».
وهذا الطريق لم أجد له متابعاً لا لإبراهيم ولا لشيخه، فيحمل الوهم على إبراهيم لسوء حاله، وقد أخطأ في موضعين في هذا الحديث، فقال: عن الأعرج، عن ابن الصمة. وإنَّما هو عن الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن الصمة، قال البيهقي: «عبد الرحمان بن هرمز الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، إنَّما سمعه من عمير مولى ابن عباس … وقال: مسحَ وجهَهُ وذراعيه. وإنَّما هو مسح وجهه ويديه». وهذا هو الموضع الثاني في وهم إبراهيم.
قال الشافعي في " المسند " (٣٩) بتحقيقي: «وروى أبو الحويرث، عن الأعرج، عن ابن (١) الصمة: أنَّ رسول الله ﷺ بال فتيمم، فأخرجت الحديث بتمامه لهذه العلة».
وقال البيهقي في " المعرفة " عقب (٣٠٦): «اختصر الشافعي متنه في باب التيمم .. ووقع في إسناده اختصار من جهة إبراهيم بن محمد أو أبي الحويرث؛ وذلك لأن الأعرج - وهو عبد الرحمان بن هرمز - لم يسمعه من ابن الصمة، وإنَّما سمعه من عمير مولى ابن عباس، عن ابن الصمة».
стр. 2452
وذكر معناه في " السنن الكبرى " ١/ ٢٠٥ وزاد: «وإبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى الأسلمي، وأبو الحويرث عبد الرحمان بن معاوية، قال: قد اختلف الحفاظ في عدالتهما .. » (١).
وقد توبع أبو الحويرث على روايته هذه، إذ تابعه موسى بن عقبة عند الدارقطني ١/ ١٧٦ ط. العلمية و (٦٧٤) و (٦٧٥) ط. الرسالة، ومن طريقه ابن الجوزي في " التحقيق " (٢٧٤) و (٢٧٥).
إلا أنَّ هذه المتابعة لا تصلح للاحتجاج؛ إذ رواها عن موسى بن عقبة أبو عصمة، وعبد الله بن عطاء وكلاهما ضعيف، فالأول واسمه نوح بن أبي مريم، نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٥٥١ (٢٢١٠) عن أحمد أنَّه قال فيه: «كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير لم يكن في الحديث بذاك … »، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٧ (٢٣٨٣): «ذاهب الحديث جداً»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " عن أبيه أنَّه قال فيه: «متروك الحديث»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث»، وقال الحافظ ابن حجر في " التقريب " (٧٢١٠): «مشهور بكنيته ويعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع».
الثاني - عبد الله بن عطاء - فرواه عنه خارجة بن مصعب، وهو ضعيف قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " برواية الدوري (١٧٢٦): «ليس بثقة»، وفي (٢٠٤٩): «ليس هو بشيء»، وضعفه أحمد في " الجامع في العلل " ١/ ٢٦ (١١٧)، وقال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ١٨١ (٧٠٢): «تركه وكيع، وكان يدلس عن غياث بن إبراهيم، ولا يعرف صحيح حديثه من غيره»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٣/ ٣٦٥ (١٧١٦) عن أبيه أنَّه قال:
стр. 2453
«خارجة بن مصعب مضطرب الحديث ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به … ».
وورد هذا الحديث على الصواب كما أشار البيهقي من رواية جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن الصمة فذكر فيه: «اليدين» بدل «الذراعين» وجعفر بن ربيعة هذا: «ثقة» (١)، قال عنه أحمد فيما نقله عنه المزي في " تهذيب الكمال " ١/ ٤٥٩ (٩٢٢): «كان شيخاً من أصحاب الحديث ثقة»، ونقل المزي عن أبي زرعة أنَّه قال: «صدوق».
وطريق جعفر بن ربيعة هذا:
أخرجه: البخاري ١/ ٩٢ (٣٣٧)، ومسلم معلقاً (٢) ١/ ١٩٤ (٣٦٩)(١١٤)، وأبو داود (٣٢٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢١٧٥)، والنَّسائي ١/ ١٦٥ وفي " الكبرى "، له (٣٠٧) ط. العلمية و (٣٠٣) ط. الرسالة، وابن الجارود (١٢٧)، وابن خزيمة (٢٧٤) بتحقيقي، وأبو عوانة ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (٨٨٨)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٨٥ و ٨٦ وفي ط. العلمية (٥٢٥) و (٥٢٦)، وابن حبان (٨٠٥)، والبيهقي في "المعرفة" (٣٠٧) ط. العلمية و (١٥٣٣) ط. الوعي من طريق جعفر بن ربيعة، به.
فيتبين من هذا أنَّ حديث أبي الحويرث منكر لمخالفته حديث جعفر بن ربيعة في موضعين:
الأول: في عدم ذكره لعمير مولى ابن عباس.
الثاني: أنَّه قال: «فمسح وجهه وذراعيه»، والصواب أنَّه: «مسحَ وجهَهُ ويديه».
стр. 2454
وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٩٨ (١١٨٨٥)، و"إتحاف المهرة" ١٤/ ٦٦ (١٧٤٣٦).
مثال آخر: روى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ (١) فباعَ فيها واشترى، فقالَ:
لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ الملكُ وله الحمدُ يحيي ويميتُ وهو على كل شيءٍ قديرٌ، كتبَ اللهُ له ألفَ ألفَ حسنةٍ، ومحا عنهُ ألفَ ألفَ سيئةٍ، وبَنى له بَيْتاً في الجنَّةِ».
أخرجه: الحاكم ١/ ٥٣٩ من طريق مسروق بن المرزبان، عن حفص بن غياث، عن هشام بن حسّان، عن عبد الله بن دينار، بهذا الإسناد.
قال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والله أعلم».
وتعقّبه الذهبي في " تلخيص المستدرك " فقال: «مسروق بن المرزبان ليس بحجة» (٢).
وهذا الحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لأنَّ الصواب فيه عن عمرو بن دينار مولى آل الزبير، وليس عن عبد الله بن دينار.
فروي عن هشام من وجه آخر.
فأخرجه: يعقوب بن شيبة كما في الملخص من مسنده الذي لخصه أحمد الطبراني (ص /٤/ب - ص/٥ /ب)، والطبراني في " الدعاء " (٧٩٠) من طريق عبد الله بن بكر السَّهمي.
стр. 2455
وأخرجه: الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٢٤٢) من طريق روح بن عبادة.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وأبو الشيخ في "طبقات المحدّثين بأصبهان " ٢/ ٢٢٦، وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " ٢/ ١٥٠ - ١٥١ من طريق فضيل بن عياض.
وأخرجه: الخطيب في " موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ٣١٨ - ٣١٩ من طريق عبد الأعلى بن سليمان (١).
أربعتهم: (عبد الله، وروح، وفضيل، وعبد الأعلى) عن هشام بن حسّان، عن عمرو بن دينار مولى آل الزبير، عن سالم، عن أبيه، عن جده، به.
وهذا الطريق هو الصواب عن هشام.
قلت: إلا أنَّ الحديث روي عن هشام بهذا الإسناد من وجه آخر.
إذ أخرجه: تمام في "فوائده" كما في " الروض البسام " (١٥٩٨) من طريق عبد الله بن بكر السَّهميِّ وعبد الأعلى بن سليمان العَبْدي (مقرونين) قالا: حدثنا هشام بن حسان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله، به.
وخالفهم سويد بن عبد العزيز فعلقه الدارقطني في " العلل " ٢/ ٤٩ (١٠١) عنه عن هشام، عن عمرو، عن ابن عمر، عن عمر موقوفاً، ولم يذكر فيه سالماً.
وعلى الرغم من هذا فإنَّ هشاماً قد توبع على ذكر عبد الله بن دينار في الإسناد، تابعه عمران بن مسلم.
فأخرجه: الترمذي في " العلل الكبير ": ٩١٢ (٤٠٨)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير " ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ١٦٧، والحاكم