وللحديث علتان: الأولى: أبو إسحاق مدلس، ذكره النَّسائي في كتاب " المدلسين " (٩)، وأبو زرعة في كتاب " المدلسين " (٤٧)، وابن حجر في "طبقات المدلسين " (٩١). وقد عنعن.
والعلة الأخرى: في الحارث الأعور فهو ضعيف. قال عنه الترمذي عقيب حديث (٢٠٩٥): «هذا حديث لا نعرفه إلاَّ من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث»، وقال عنه البيهقي ٦/ ٢٦٧: «امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا؛ لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي ﵁، والحارث لا يحتج بخبره؛ لطعن الحفّاظ فيه». وذكره البخاري في " الضعفاء الصغير " (٦٠)، وذكره الدارقطني أيضاً في " الضعفاء والمتروكون " (١٥٣).
وقد تكلم أهل العلم في رواية أبي إسحاق، عن الحارث، فقال البخاري فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٢/ ١٨ (١٠١٠): «قال شعبة: لم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث»، ونقل المزي عن العجلي أنَّه قال: «لم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث، وسائر ذلك إنَّما هو كتاب أخذه».
وخالف يحيى بن أبي أنيسة أصحاب أبي إسحاق فرواه عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : «الدَّين قبل الوصية، وليس لوارث وصية».
أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٩/ ١٠ - ١١، والدارقطني ٤/ ٩٦ ط. العلمية و (٤١٥٢) ط. الرسالة، والبيهقي ٦/ ٢٦٧، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ١٧١ من طريق يحيى بن أبي أنيسة، به.
وهذه رواية منكرة فيحيى ضعيف، وخالف أصحاب أبي إسحاق الثقات، إذ قال فيه البخاري في " الضعفاء الصغير " (٣٩٣): «ليس بذاك»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٦٣٩): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٥٧٢)، وقال عنه البيهقي ٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨: «كذا أتى به يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، ويحيى ضعيف».
стр. 352
وللحديث شاهد من حديث ابن عمر.
أخرجه: الحارث كما في " نصب الراية " ٤/ ٤٠٥ من طريق محمد بن جابر، عن عبد الله بن بدر، عن ابن عمر، قال: قضى رسولُ اللهِ ﷺ بالدَّينِ قبلَ الوصية، وأنْ لا وصية لوارث.
وهذا الشاهد لا يصح؛ لأنَّ فيه محمد بن جابر - وهو الحنفي - قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٢٦٤٧) و (٣٣٠٣) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وقال أيضاً فيما نقله عبد الله بن أحمد في " الجامع في العلل " لأبيه ١/ ١٤٦ (٧٠٤)، والعقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٤٢: «لا يحدّث عنه إلا من هو أشر منه»، وقال أحمد بن حَنْبل في " الجامع في العلل " ١/ ٣١ (١٨٣): «كان ابن مهدي يحدّث عنه ثم تركه بعد».
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تضعيف أحاديث الباب، فقال الشافعي في " الأم " ٥/ ٢١٧ ط. الوفاء: «وقد رُوي في تبدئة الدَّين قبل الوصية حديث عن النبيِّ ﷺ لا يثبت أهل الحديث مثله … »، وقال الترمذي عقب (٢٠٩٥): «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث».
وانظر: "نصب الراية " ٤/ ٤٠٥، و " التلخيص الحبير " ٣/ ٢١٠ (١٣٧٩)، و" إرواء الغليل " ٦/ ١٠٧ - ١٠٨ (١٦٦٧).
стр. 353
النوع الثاني من أنواع علل الإسناد: الإعلال بسبب تضعيف الراوي
لتحمل (١) الحديث وأدائه (٢) شروط يجب أن تتوفر، و الذي يعنينا هنا أهلية (٣) الأداء، ف يشترط فيمن يؤدي الحديث النبوي الشريف - ذكراً كان أو أنثى- الشرائط الآتية:
أولاً: الإسلام (٤): فلا تقبل رواية الكافر أبداً، و لا يعقل أن تقبل روايته؛ لأنَّ في قبولها مخالفة لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (٥) وكيف تقبل رواية من يكيد للإسلام؟ وقد أمرنا الإسلام أن نتوقف في خبر الفاسق، فكيف نأخذ برواية الكافر؟! وهذا إذا كان الراوي على ملة غير الإسلام. أما المخالف من أهل القبلة، فقد نقل الشوكاني عن الرازي قال: «والمخالف من أهل القبلة إذا كفّرناه كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا؟ الحق أنَّه إن كان مذهبه جواز الكذب لا تقبل روايته، وإلا قبلناه، وهو قول أبي الحسين البصري» (٦).
ثانياً: البلوغ (٧): فلا تقبل رواية مَن دون سن التكليف، حيث إنَّ البلوغ
стр. 354
مدار التكليف، وقد قال النبيُّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَن ثَلاثَةٍ: عَن المجنونِ المغلوبِ على عَقْلِهِ حَتى يَبْرَأَ، وَعَن النائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَن الصبيِّ حَتى يَحتلمَ» (١).
والبلوغ مظنة إدراك أحكام الشريعة وفهمها؛ لذلك نيط التكليف به، والمراد بالبلوغ: العقل مع إدراك سن الاحتلام، لذا فقد قرنه بها بعضهم. أي - البلوغ والعقل- (٢)، وقد اكتفى الشافعي بذكر العقل (٣)؛ لأنَّه لا يتصور الإدراك والعقل دون البلوغ عند الغالب. فاشتراط العلماء البلوغ، فيه احتراز عن حديث الصغير، إذ إنَّه لا يعرف أثر الكذب ولا عقوبته، فالبلوغ والعقل يزجران المكلف عن الكذب، أما إذا تحمّل صغيراً، وأدى الرواية كبيراً قُبلت روايته، فلم يتردد أحد في قبول رواية عبد الله بن عباس، ويوسف بن عبد الله ابن سلام، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن بن علي، والسائب بن يزيد .. والمعروف من سير السلف: أنَّهم كانوا يحضرون الأطفال والصبيان مجالس العلم و الرواية، فإذا كان في كبره جامعاً للشروط الأخرى لا يتردد في قبول روايته (٤).
قال الذهبي: «واصطلح المحدّثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعاً، وما دونها حضوراً .. » (٥)
стр. 355
ثالثاً: العدالة (١): وهي كما قال ابن الأثير الجزري: «عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة (٢) جميعاً، حتى تحصل الثقة للنفوس بصدقه، ولا تشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكفي اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما ترد به الشهادة والرواية، وبالجملة فكل ما يدل على ميل دينه إلى حد يستجيز على الله الكذب بالأغراض الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو: الأكل والشرب في السوق، والبول في الشوارع و نحو ذلك؟» (٣) فعلى هذا يشترط في الراوي حتى يسمى عدلاً: أن لا يفعل الكبائر، ولا يصر على الصغائر، ولا يفعل ما يخرم مروءته.
رابعاً: الضبط (٤): هو إتقان ما يرويه الراوي بأنْ يكون متيقظاً لما يروي غير مغفل، حافظاً لروايته إنْ روى من حفظه، ضابطاً لكتابه إنْ روى من الكتاب، عالماً بمعنى ما يرويه و بما يحيل المعنى عن المراد إنْ روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته والمتتبع لأحواله بأنَّه أدى الأمانة كما تحمّلها لم يغير منها شيئاً (٥)، وهذا مناط التفاضل بين الرواة الثقات، فإذا كان الراوي عدلاً ضابطاً سمي ثقة (٦).
стр. 356
ويعرف ضبطه بموافقته الثقات الضابطين المتقنين، إذا اعتبر حديثه بحديثهم، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت موافقته اختل ضبطه ولم يحتج بحديثه (١).
فهذه شرائط أربعة يجب أن تتوفر جميعها في الراوي، فإذا اختلت إحدى هذه الأربعة سقط الاحتجاج بحديثه، و يكون حديثه ضعيفاً حتى ينظر هل له متابع أو شاهد يتقوى به؟.
وإعلال السند بسبب تضعيف الراوي يعود في الغالب إلى فقدان العدالة أوخلل فيها، أو الضبط، وسأضم إليهما حكم الراوي إذا اختلف في توثيقه و تجريحه، و أتكلم عن كل واحد منها في مبحث مستقل؛ لذلك فإنَّ هذا النوع سيتضمن ثلاثة مباحث:
стр. 357
المبحث الأول:
إعلال السند بسبب الطعن في عدالة الراوي
قد يرد حديث ما ويكون في رجال إسناده راو طعن في عدالته، فيختلف العلماء في الاحتجاج به، فمنهم من يرده لهذا الضعف، ومنهم: من يأخذ به لحسن ظنه به، أو لعدم وجود حديث في الباب عنده، أو لقرينة عند هذا الإمام يتقوى بها الحديث (١).
وفيه ثلاثة فروع:
الأول: كذب الراوي أو اتهامه به:
تقدم فيما مضى تعريف العدالة بمعناها الاصطلاحي، وعرفنا أنَّ الراوي لا تثبت ثقته إلا بعد أن يتحقق فيه أمران: العدالة والضبط، وعرفنا أنَّ العدالة لا تبحث في مرويات الراوي ولا في مدى موافقته الثقات، وإنما تبحث العدالة انشراح صدر الراوي لأمور الشرع، بما يمنعه عن الوقوع في الكبائر، ولعل من أكبر الكبائر الكذب على النبي ﷺ والتقول عليه بما لم يقله (٢)، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «إِنَّ كَذِباً عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٣) وعلّق عليه ابن حجر قال: «لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أنْ يكون الكذب على غيره مباحاً، بل يستدل على تحريم الكذب على غيره بدليل آخر، والفرق بينهما أنَّ الكذب عليه توعد فاعله بجعل النار له مسكناً بخلاف الكذب على
стр. 358
غيره» (١)، وقال المناوي: « .. فإنَّ الكذب عليه أعظم أنواع الكذب؛ لأدائه إلى هدم قواعد الدين، وإفساد الشريعة، وإبطال الأحكام» (٢).
مما تقدم يتبين ضرر قبول رواية الكاذبين، لذلك كان الأئمة يحذرون من سطر أحاديث هؤلاء في طيات كتبهم. ومن المفيد أن نقول: إن الكذاب هو من ثبت كذبه، وفرقه عن الموصوف بالكذب أنَّ الثاني رماه أحد الأئمة بالكذب، ولم يثبت هذا لغيره من الأئمة، والله أعلم. وقد عد الحافظ ابن حجر خمسة أمور تقدح الراوي في عدالته وهي: الكذب أو تهمته به أو فسقه أو جهالته أو بدعته (٣).
طرق كشف الكذابين من الرواة:
١ - أنْ يصرح الراوي بأنَّه كذب في حديث ما. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن هذه النقطة استشكلها ابن دقيق العيد فقال: «وهذا كاف في رده، لكن ليس بقاطع في كونه موضوعاً؛ لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه» (٤) فتعقبه تلميذه الذهبي فقال: «وهذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو فتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد، لوقعنا في الوسوسة والسفسطة» (٥).
٢ - أنْ يدّعي ما يستحيل حصوله، كأنْ يصرح الراوي بسماعه ممن تقدموه وفاة بسنين، أو يأتي بما يعارض ما علم من الدين بالضرورة.
٣ - أن ينص الأئمة النقاد على كذب ذلك الراوي.
الوضاعون والكذبة: لم تشر كتب الاصطلاح إلى فرق بيّن بين الكذاب والوضاع، ولكن قد يكون الأخير أخص من الأول، وذلك أنَّ الوضع في كتب الحديث إنَّما يصرف إلى الراوي الذي يختلق إسناداً، ويركب له متناً ما خلق الله منهما شيئاً، فيروي ذلك الحديث مسنداً ويتكرر هذا الفعل منه، فحينئذٍ يوصف الراوي بالوضع.
стр. 359
وأما الكذب فإنَّه أعم من الوضع باعتبار أنَّ إطلاقه يراد به الكذب على الناس والكذب على رسول الله ﷺ ، وعلى كل حال فالذي يخصنا هو الحالة الثانية - أي الكذب على النبيِّ ﷺ وهذه الحالة نجدها متلازمة مع من وصم بالوضع في كتب الحديث سيما الكتب التي جمعت الموضوعات، وفي ذلك يقول ابن الجوزي - في أصناف الوضاعين -: «قوم تعمدوا الكذب الصريح، لا لأنَّهم أخطأوا، ولا لأنَّهم رووا عن كذاب، وهؤلاء يكذبون في الأسانيد فيروون عمن لم يسمعوا منه .. » (١)، وقال الزركشي: « .. فإنَّ الوضع إثبات الكذب .. » (٢) وبذا تظهر حالة تلازم الكذب والوضع، فإذا وجدت حديثاً قد نص الأئمة على وضعه ففي الغالب تجد أحد الكذابين متفرداً به.
فإذا تقرر هذا - أعني تلازم الوضع والكذب - هل يمكن إطلاق الحكم (كذاب) بأنَّه وضاع؟
فنقول: هذا السؤال فيه أمران: الأول: الحكم على عين الراوي. فقد ميَّز الأئمة في الحكم على الرواة بالكذب والوضع، فنجدهم يقولون في بعض الرواة كذاب، وقالوا في بعضهم الآخر: يضع الحديث.
والأمر الآخر: الحكم على الحديث: فإنَّ أحكام النقاد على حديث بالوضع جاء مبنياً في الأعم الأغلب على تفرد الكذابين والهلكى بذلك الحديث، والله أعلم.
وقد يختلف النقاد في تعيين عين الراوي؛ لاشتراك اسمه أو كنيته بين ثقة ومتهم بالكذب، ويكون اختلافهم هذا سبباً في اختلافهم في الحكم على الحديث تصحيحاً أو تضعيفاً. مثال ذلك ما روى محمد بن جُحادة، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ زائراتِ القبورِ، والمتخذاتِ عليها المساجدَ والسُّرُجَ.
стр. 360
أخرجه: الطيالسي (٢٧٣٣)، وابن الجعد (١٥٠٠) ط. العلمية و (١٥٥٠) ط. الفلاح، وابن أبي شيبة (٧٦٢٣) و (١١٩٢٥)، وأحمد ١/ ٢٢٩ و ٢٨٧ و ٣٢٤ و ٣٣٧، وأبو داود (٣٢٣٦)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٧٤١) وفي (تحفة الأخيار) (١٢٥٣)، وابن الأعرابي في "معجمه " (٦٣٢)، والطبراني في " الكبير " (١٢٧٢٥)، والحاكم ١/ ٣٧٤، والبيهقي ٤/ ٧٨، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٨/ ٧٠ وفي ط. الغرب ٨/ ٦٢١، وابن عبد البر في " التمهيد " ٢/ ١٠٤ من طريق شعبة بن الحجاج.
وأخرجه: ابن ماجه (١٥٧٥)، والترمذي (٣٢٠)، والنَّسائي ٤/ ٩٤ - ٩٥ وفي "الكبرى "، له (٢١٧٠) ط. العلمية و (٢١٨١) ط. الرسالة، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٧٤٢) وفي "تحفة الأخيار " (١٢٥٤)، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (٣٠٧)، والبيهقي ٤/ ٧٨، وابن عبد البر في " التمهيد " ٢/ ١٠٤، والبغوي (٥١٠) من طريق عبد الوارث بن سعيد.
وأخرجه: البيهقي ٤/ ٧٨ من طريق همام (١).
ثلاثتهم: (شعبة، وعبد الوارث، وهمام) عن محمد بن جُحادة، عن أبي صالح، بهذا الإسناد.
قال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسنٌ» (٢).
وقال أيضاً فيما نقله الألباني في " الضعيفة " (٢٢٥) "وإرواء الغليل " ٣/ ٢١٢ (٧٦١): «حديث حسن، وأبو صالح هذا مولى أم هانئ بنت أبي طالب، واسمه باذان، ويقال: باذام أيضاً».
وقال المنذري في " مختصر سنن أبي داود " ٣/ ١٩٦: «وفيما قاله - يعني: الترمذي - نظر، فإنَّ أبا صالح هذا هو باذام، ويقال: باذان، مكيٌّ مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وهو صاحب الكلبي. وقد قيل: إنَّه لم يسمع من ابن
стр. 361
عباس (١). وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال ابن … عدي (٢): ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه».
وقال الحاكم: «أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به، إنَّما هو باذان (٣)، ولم يحتج به الشيخان، لكنه حديث متداول فيما بين الأئمة ووجدت له متابعاً من حديث سفيان الثوري في متن الحديث فخرجته» (٤).
قلت: وباذان هذا قال عنه يحيى بن معين: «ليس به بأس»، وضعّفه البخاري، وقال عنه يحيى القطان: «لم أرَ أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ»، وقال إسماعيل بن أبي خالد: «كان أبو صالح يكذب» (٥)، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه تفسير». انظر: " ميزان الاعتدال " ١/ ٢٩٦ (١١٢١).
والحديث صححه أحمد شاكر في المسند ٢/ ٤٩١ وقال عن أبي صالح: «والحق أنَّه ثقة ليس لمن ضعّفه حجة، وإنما تكلموا فيه من أجل التفسير الكثير المروي عنه، والحمل على تلميذه محمد بن السائب الكلبي، وقد ادعى ابن حبان (٦): أنَّه لم يسمع من ابن عباس، وهذه غلطة عجيبة منه،
стр. 362
فإن أبا صالح تابعي قديم، روى عن مولاته أم هانئ، وعن أخيها علي بن أبي طالب، وعن أبي هريرة، وكلهم أقدم من ابن عباس وأكبر».
وقال الألباني في " الضعيفة " (٢٢٥): «فمن هذا حاله لا يَحْسُنُ تَحْسِين حديثه كما فعل الترمذي، فكيف تصحيحه كما فعل أحمد شاكر في تعليقه على المسند وعلى سنن الترمذي». وهذا تعقّب نفيس.
وأبو صالح راوي هذا الحديث اختلف فيه، فقيل: إنَّه باذان أو باذام مولى أم هانئ وكما سبق تخريجه. وقيل: إنَّه أبو صالح ميزان البصري.
فأخرجه: ابن حبان (٣١٧٩) و (٣١٨٠) من طريق عبد الوارث، عن محمد بن جُحادة، عن أبي صالح، عن ابن عباس، به.
وجزم ابن حبان أنَّه ليس بباذان، فقال: «أبو صالح هذا اسمه: ميزان البصري ثقة (١)، وليس بصاحب محمد بن السائب الكلبي».
قال ابن حجر في " إتحاف المهرة " ٨/ ١٠٠ (٩٠٠٩): «كذا قال - يعني: ابن حبان- في الموضعين، وعندي أنَّه خطأ»، وقال في " تهذيب التهذيب " ١٠/ ٣٤٤ في ترجمة ميزان البصري: «فجزم ابن حبان في الصحيح: أنَّ اسم أبي صالح هذا ميزان ٠٠ بعد أنْ أورد هذا الحديث من رواية عبد الوارث، عن محمد بن جُحادة، ولم يذكر المزي ميزان هذا؛ لأنَّه مبنيٌ على أنَّ أبا صالح المذكور في الحديث هو مولى أم هانئ كما صرّح بذلك في الأطراف (٢)، ويؤيده أنَّ علي بن مسلم الطوسي روى هذا الحديث، عن شعيب (٣)، عن محمد بن جُحادة، قال: سمعت أبا صالح مولى أم هانئ فذكر
стр. 363
هذا الحديث. وجزم بكونه مولى أم هانئ الحاكمُ (١)، وعبد الحق في … " الأحكام " (٢)، وابن القطان (٣)، وابن عساكر، والمنذري (٤)، وابن دحية وغيرهم، والله تعالى أعلم».
وقيل: إنَّه أبو صالح السمان.
فأخرجه: الصيداوي في " معجمه " (٢٢٦) من طريق الحسن بن السكين ابن منصور، عن يعلى بن عباد البصري، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، والحسن بن أبي جعفر الجفري، والحسن بن دينار، وأبو الربيع السمان، ومحمد بن طلحة بن مصرف، عن محمد بن جُحادة، عن أبي صالح السمان، عن ابن عباس، به (٥).
والصواب في هذا أنَّه أبو صالح باذان مولى أم هانئ لكثرة دلائله، فقد قال أحمد في " الجامع في العلل " ٢/ ٢١٠ (١٩٤٦) عندما سُئل عن أبي صالح في هذا الحديث فقال: «أبو صالح باذام» (٦).
وقال الدارقطني في " العلل " ٨/ ١٩٩ (١٥١٠): «يرويه محمد بن جُحادة، واختلف عنه، فرواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن ابن جُحادة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٧)، وغيره يرويه، عن ابن جحادة، عن أبي صالح، عن ابن عباس منهم شعبة، وعبد الوارث وهو الصواب».
стр. 364
وقال عبد الحق في " الأحكام " ٢/ ١٥١: «هذا يرويه أبو صالح صاحب الكلبي، وهو عندهم ضعيف جداً».
وتعقّبه ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " ٥/ ٥٦٣ - ٥٦٤ فقال: «كذا قال، وإنَّما ينبغي أنْ يقال هذا في محمد بن سعيد المصلوب، أو الواقدي، أو غياث بن إبراهيم، ونحوهم من المتروكين المجمع عليهم، فأما أبو صالح: باذام مولى أم هانئ فليس في هذا الحد، و لا في هذا النمط. لا أقول: إنَّه ثقة، لكني أقول: إنَّه ليس كما يوهمه هذا الكلام، بل قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: لم أرَ أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان. وعن ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو صالح مولى أم هانئ: ليس به بأس، فإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس .. وإن كان ابن مهدي ترك الرواية عن أبي صالح، فإنَّ غيره قال فيه ما ذكرنا، فاعلم ذلك».
وقال ابن رجب في " فتح الباري " ٣/ ٢٠٠ ط. الحرمين: «واختلف في أبي صالح هذا من هو؟ فقيل: إنَّه السمان، قاله الطبراني وفيه بُعد، وقيل: إنَّه ميزان، وهو ثقة، قاله ابن حبان، وقيل: إنَّه باذان مولى أم هانئ، قاله الإمام أحمد والجمهور .. وضعّفه الإمام أحمد، وقال: لم يصح عندي حديثه هذا».
وقال ابن الملقن في " البدر المنير " ٥/ ٣٤٧: «واختلف كلام الحفاظ في أبي صالح هذا. هل هو باذام مولى أم هانئ الضعيف، أو ذكوان السمان الراوي عن أبي هريرة، الثقة المحتج به في الصحيحين أم غيرُهما؟».
وقال الألباني في " تحذير الساجد " (٥١): «رواه أبو داود وغيره، ولكنَّه ضعيف السند وإنْ لهج بذكره كثير من السلفيين، فالحق أحق أنْ يقال، وأنْ يتبع، وممن ضعّفه من المتقدمين الإمام مسلم، فقال في كتاب "التفصيل": هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس».
وفي الباب عن حسان بن ثابت.
стр. 365
أخرجه: ابن أبي شيبة (١١٩٣٤)، وأحمد ٣/ ٤٤٢، والبخاري في "التاريخ الكبير " ٣/ ٣٣ - ٣٤ (١٢٠)، وابن ماجه (١٥٧٤)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٠٧١)، وابن قانع في " معجم الصحابة " (٣٥٣)، والطبراني في " الكبير " (٣٥٩١) و (٣٥٩٢)، والحاكم ١/ ٣٧٤، والبيهقي ٤/ ٧٨، والمزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ٣٩٢ (٣٧٨٦) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمان بن بهمان، عن عبد الرحمان بن حسان بن ثابت، عن أبيه، قال: لعن رسولُ الله ﷺ زوارات القبور.
وهذا حديث ضعيف؛ فيه عبد الرحمان بن بهمان: مجهول ذكره ابن حبان في كتاب " الثقات " ٧/ ٦٨. إلا أنَّ ابن حجر قال عنه في " التقريب " (٣٨١٧): «مقبول»، وربما اعتمد على توثيق ابن حبان له، علماً أنَّ علي بن المديني قال عنه: «لا نعرفه». انظر: " ميزان الاعتدال " ٢/ ٥٥١ (٤٨٢٦)، و" تحرير التقريب " (٣٨١٧). وذكر أنَّ العجلي وثّقه، ولم أقف على ذلك عند العجلي (١).
قال الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " عقب (٤٧٤٢) وفي " تحفة الأخيار " عقب (١٢٥٤): «فتأملنا هذا الحديث فوجدناه محتملاً أنْ يكون ذلك كان من رسول الله ﷺ قبل إباحته زيارة القبور، ووجدناه محتملاً أنْ يكون أراد به جميع الأشياء المذكورة في هذا الحديث من اتخاذ المساجد على القبور والسُّرُج مع ذلك، ويكون الوصول إلى ذلك بالزيارة للقبور المُتخَذ ذلك عليها، وتكون الزيارة للقبور ما لم يكن ذلك متخذاً قبلها مباحة».
وقال الحاكم ١/ ٣٧٤: «وهذه الأحاديث المروية في النهي عن زيارة القبور منسوخة والناسخ لها حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﵌: «قد كنتُ نهيتكم عنْ زيارةِ القبورِ، ألا فزوروها، فقدْ أذنَ اللهُ تعالى لنبيه ﵌ في زيارةِ قبرِ أمه». وهذا الحديث مخرج في الكتابين الصحيحين للشيخين (٢) ﵄».
стр. 366
وقال البغوي عقب (٥١٠): «فذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ هذا كان قبل ترخيص النبيِّ ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء، وذهب بعضهم إلى أنَّه كره للنساء زيارة القبور؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهن».
وقال ابن القيم في " حاشيته على مختصر سنن أبي داود " ٣/ ١٩٨: «وقد اختلف في زيارة المقابر على ثلاثة أقوال: أحدها: التحريم لهذه الأحاديث. والثاني: يكره في غير تحريم. وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايات عنه. وحجة هذا القول: حديث أم عطية المتفق عليه (١): نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا. وهذا يدل على أنَّ النهي عنه للكراهة لا للتحريم. والثالث: أنَّه مباح لهن غير مكروه، وهو الرواية الأخرى عن أحمد».
وانظر: "تحفة الأشراف" ٤/ ٢٦٤ (٥٣٧٠)، و" البدر المنير " ٥/ ٣٤٦، و" التلخيص الحبير " ٢/ ٣١٣ (٧٩٨)، و" إتحاف المهرة " ٧/ ١٩ (٧٢٤١) و ٨/ ٩٩ (٩٠٠٩)، و " إرواء الغليل " ٣/ ٢١١ (٧٦١).
الثاني: جهالة الراوي أو كونه مبهماً:
جهالة الراوي أو إبهامه مما يؤدي إلى الطعن بعدالته، وسأتكلم على ذلك في فقرتين:
١ - جهالة الراوي:
من شروط صحة الحديث العدالة و الضبط، و من كان عدلاً ضابطاً سمي ثقة (٢).
والمجهول من لم تعرف عدالته و لا ضبطه؛ فهو يفقد شرط الثقة، ووجوده في إسناد حديث يمنع صحته. وسأتناول تعريف الجهالة في اللغة، ثم أعقبه بتعريف الجهالة في اصطلاح المحدّثين و أنواعها عندهم:
стр. 367
فالمجهول في لغة العرب يطلق على معان، منها:
كل شيء غير معلوم الحقيقة، أو غير معلوم الوصف على وجه الدقة، أو في معرفته تردد أو تشكك (١).
أما في اصطلاح المحدّثين فقد عرفه الخطيب فقال: «المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد» (٢) وهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مجهول العين: وهو غالب ما يريده المحدّثون عند الإطلاق، ولهذا النوع صورتان:
الأولى: أن يسمى لكن لم يعرف عنه سوى اسمه من جهة تلميذ واحد روى عنه لا يروي عنه غيره، ولم يعرف ذلك التلميذ بالتحري فيمن يروي عنهم، ولا يدري أحد من أهل الحديث من يكون ذاك الراوي (٣).
والأخرى: كون الراوي لا يسمى، كأن يأتي في الإسناد: «عن رجل»، هذا النوع ذكره الشيخ عبد الله الجديع (٤) وقد قلد فيه ابن كثير بقوله: «فأما المبهم الذي لم يسمَّ أو من سُمي ولا تعرف عينه فهذا ممن لا يقبل روايته أحد علمناه .. » (٥). وهذا النوع فيه توقف ويتطلب إمعان نظر: فإذا كان في الإسناد «رجل» فهذا لا يسمى مجهولاً وإنَّما يطلق عليه مبهم، والفرق بين الاصطلاحين أنَّ الإبهام ستر اسم الراوي عينه وعدالته، فلا يتقوى في قابل الأيام. أما مجهول العين فإنَّ احتمال الوقوف على شيوخ له غير المذكور قائم، وكذا احتمال إيجاد تلاميذ له، وهذا يعني أنَّه قد يرتقي من مرتبة إلى أخرى وهذا الاحتمال يقوى بعدم الوقوف على نصوص في الراوي المومأ
стр. 368
إليه، وأما الذين تكلم الأئمة فيهم فقالوا مثلاً: (مجهول) أو: (لم يرو عنه إلا فلان) أو: (لا يعرف من هو) وغير ذلك من الإطلاقات فإنَّ احتمال تقويته يتضاءل مع تلك النصوص، ومهما يكن من أمر فإنَّ مجهول العين أعلى من المبهم؛ لأنَّك وفي أضعف الاحتمالات عرفت اسمه ووقفت على شيخ واحد وتلميذ واحد، فكيف يستوي من كان بهذا الوصف مع الموصوف بالإبهام اسماً وعدالة؟! وقد قال الحافظ ابن عبد الهادي في راو مبهم: «فإنَّه شيخ مبهم وهو أسوأ حالاً من المجهول» (١).
القسم الثاني: مجهول الحال: المقصود به: أنْ تكون عين الراوي معروفة عند النقاد، أو هو الذي علمت عدالته في الظاهر، وجهلت في الباطن، وعنده ما لا يقل عن شيخين وكذا من التلاميذ. ولكن لم يطلع على عدالته ولم تختبر مروياته فيطلق عليه مجهول الحال. ويلتحق به من له تلميذ واحد عُرف عن ذلك التلميذ أنَّه يحتاط في الأخذ عن شيوخه ويتجنب المجروحين، قال يعقوب ابن شيبة: «قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفاً؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق قال: هؤلاء يروون عن مجهولين» (٢) قال الحافظ ابن رجب عقب كلام يحيى السابق: «وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعداً عنه» (٣).
فهذا الراوي وإن ارتفعت جهالة عينه، فإنه لم تثبت أهليته للحديث؛ لأنَّ رواياته لم تسبر؛ ولأنَّ حاله مع علم الحديث من حيث عدد الشيوخ أو التلاميذ لا يوحي بأنَّه من أهله.
стр. 369
القسم الثالث: مجهول العدالة الباطنة، وهو عدل في الظاهر، فهذا يحتج به بعض من رد القسمين الأولين (١).
وهذا النوع استعمل له المتأخرون لقب مستور.
وقد يستشكل كثير من الناس هذا الباب فلا يحسن التفريق بين «مجهول الحال» و «مستور» ويستشكل تفريق أهل العلم للمجهول فبعضهم يجعل القسمة ثنائية وآخرون يجعلون القسمة ثلاثية، والأمر في هذا واسع، فالمستور هو مجهول الحال، قال الحافظ ابن حجر فيما ذكر مراتب الجرح والتعديل: «السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال» (٢).
إذن فمجهول الحال هو المستور والمستور هو مجهول الحال، لكنَّ تبسيط العلم يستدعي أنْ تجعل القسمة ثلاثية؛ ليعرف أنَّ المستور أريد من ستر حاله على أولئك القوم من أهل الجرح والتعديل الذين عاينوا الرواة، لكن من لم يعاين الرواة فيطلق مصطلح مجهول الحال على اعتبار أنَّ حال الراوي جهل فلا تعرف عدالته الباطنة.
أسباب الجهالة
قد تكثر نعوت الراوي من اسم أو كنية أو لقب أو صفة، فيشتهر بشيء منها فيذكرُ بغير الذي اشتهر به لغرض ما، فيظن أنه آخر، فيحصل الجهل بحاله .. وأنَّه قد يكون مقلاً من الحديث فلا يكثرُ الأخذ عنه (٣).
حكم رواية مجهول العين ومجهول الحال
قال السخاوي: «وقد رده، أي مجهول العين الأكثر من العلماء
مطلقاً» (٤)، وقال الشوكاني: «وأما مجهول العين، وهو من لم يشتهر، ولم يرو عنه إلا راو واحد، فذهب جمهور أهل العلم: أنَّه لا يقبل، ولم يخالف في
стр. 370
ذلك إلا من لم يشترط في الراوي إلا مجرد الإسلام، فقال ابن عبد البر: إن كان المتفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل كابن مهدي وابن معين ويحيى القطان، فإنَّه يكفي وترتفع عنه الجهالة العينية وإلا فلا» (١). قال أبو الحسن ابن القطان: «إنْ زكّاهُ أحد من أئمة الجرح والتعديل مع روايته عنه، وعلمه بما رواه قبُل، وإلا فلا .. » (٢). وقال الشوكاني: «والحق إنها لا تقبل رواية مجهول العين ولا مجهول الحال؛ لأنَّ حصول الظن بالمروي لا يكون إلا إذا كان الراوي عدلاً، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على المنع من العمل بالظن كقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ (٣)، وقوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٤) وقام الإجماع على قبول رواية العدول» (٥).
стр. 371
مسائل في الجهالة
المسألة الأولى: هل رواية الثقة عن غيره توثيق له؟ ذهب بعض أهل العلم إلى اعتبار رواية الثقة عن غيره توثيقاً له، واحتجوا بأنَّ العدل لو كان يعلم فيه جرحاً لذكره حتى لا يقع الناس في لبس. وقد أجاب الخطيب عن مثل هذا فقال: «وهذا باطل؛ لأنَّه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلاً ولا خبراً عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها، كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، مع علمهم بأنَّها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية، وبفساد الآراء والمذاهب» (١)، وقال أبو الوليد الباجي: «ذهب جمهور أصحاب الحديث إلى أنَّ الراوي إذا روى عنه اثنان فصاعداً انتفت عنه الجهالة، وهذا ليس بصحيح عند المحققين من أصحاب الأصول؛ لأنَّه قد يروي الجماعة عن الواحد لا يعرفون حاله ولا يخبرون شيئاً من أمره، ويحدثون بما رووا عنه على الجهالة إذ لم يعرفوا عدالته» (٢)، وقال ابن رجب الحنبلي: «إنَّ رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه، فإنَّ كثيراً من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما، وكان شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن الثقات، لم أحدثكم إلا عن نفر يسير» (٣).
المسألة الثانية: بماذا ترتفع الجهالة عن الراوي؟ هناك أمور ترتفع بها الجهالة: وأقل ما ترتفع به أنْ يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من المشهورين
стр. 372
بالعلم (١). وهذا ترتفع عنه جهالة العين. أما جهالة الحال فلا ترتفع إلا بتزكية من النقاد، أو إذا روى عنه راو معروف عند النقاد أنَّه لا يروي إلا عن ثقة مثل يحيى القطان، قال عنه العجلي: «بصري، ثقة نقي الحديث، وكان لا يحدث إلا عن ثقة» (٢)، وقال ابن حبان: «وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن النقل وترك الضعفاء، ومنه تعلم علم الحديث أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وسائر شيوخنا» (٣)، وسأل أبو داود الإمام أحمد فقال له: «إذا روى يحيى أو عبد الرحمان بن مهدي عن رجل مجهول، يحتجُّ بحديثه؟ قال: يحتج بحديثه» (٤) ومع كل هذا فإنَّ من كان بهذا الحال فإنا لا نجسر على الجزم بثقة هذا الراوي كما نجزم بثقة من نص على توثيقه، ولكن رواية من عُرف بالاحتياط عنه، تكون تقوية لحاله. ويتفرع من هذا القسم إذا لم يكن للراوي إلا راويان، ولكنهما أكثرا من النقل عنه، بما يدل على أنَّ هذا الراوي مرضي عندهما فكل هذه الأمور مقوية لحال الراوي. وإذا احتج به صاحبا الصحيحين، قال الذهبي: «فمن احتجا به أو أحدهما، ولم يوثق ولا غمز فهو ثقة حديثه قوي» (٥).
المسألة الثالثة: ارتفاع الجهالة هل يثبت العدالة؟ هذا السؤال أجاب عنه الحافظ الذهبي فقال: «وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على من لم يجرح مع ارتفاع الجهالة عنه» (٦). ولعل من أشهر من تزعم هذا المذهب ابن حبان فإنَّه قال: «فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها، فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأنَّ العدل من لم يعرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده، إذ لم يكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنَّما
стр. 373
كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء» (١)، وهذا المذهب ليس العمل عليه عند أهل الحديث؛ لأنَّ مذهبهم إعمال قرائن الجرح والتعديل في الراوي، وبعد ذلك يطلق فيه القول.
المسألة الرابعة: مسألة عدالة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
الصحابة عدول كلهم بتعديل الله تعالى وتعديل نبيه ﷺ .
والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام (٢).
قال النووي - رحمه الله تعالى-: «الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرها بإجماع من يعتد به» (٣).
وقال الآمدي: «اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة مطلقاً» (٤).
ذكر بعض أهل العلم أنَّ من كان له راو واحد رد حديثه وإن كان صحابياً، نص على ذلك ابن منده فقال: «من حكم الصحابي أنَّه إذا روى عنه تابعي واحد، وإنْ كان مشهوراً مثل الشعبي وسعيد بن المسيب ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به» (٥).
وقد ذهب هذا المذهب غير ابن منده، ولا يخفى فساد هذا المذهب من وجوه:
الأول: أنَّه مناقض للقرآن والسنة: ففي القرآن آيات كثيرة تدل على علو مكانة الصحابة وتعديلهم من الله ، منها قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٦) ولا يتم الرضا إلا بعد علمه حالهم ظاهراً وباطناً. والآيات في هذا الباب كثيرة جداً، وأما الأحاديث فمنها قوله ﷺ : «خيرُ الناسِ قَرنِي ثُمَّ الذِينَ يَلونهمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهمْ» (٧).
стр. 374
فأصحاب النبي ﷺ أصابتهم الخيرية بمقتضى ظاهر قول النبي ﷺ ، وقوله ﷺ : «لا تَسُبوا أَصْحَابِي، فلو أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مثل أُحدٍ ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدِهمْ وَلا نصِيفَه» (١). فصدر هذا الحديث نهي عما يفعله حطب جهنم الذين اتخذوا سب أحباب النبي ﷺ ديناً يدينون الله به، حسبهم مذلة واحتقاراً أن يكون خصمهم يوم القيامة أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عن الجميع. وأما آخر هذا الحديث والحديث الأول ففيه تزكية مجملة لأصحاب النبي ﷺ ، وأما إجماع الأمة فقد نقله غير واحد من الأئمة على ثبوت عدالة الصحابة، فقال الخطيب: « .. القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنَّهم أفضل من جميع المعدَّلين والمزكّين، الذين يجيؤون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة (٢) العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء» (٣)، وقال ابن عبد البر: « .. قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، على أنَّهم كلهم عدول .. » (٤)، وقال ابن الصلاح: «للصحابة بأسرهم خَصيْصَةٌ، وهي أنَّه لا يسأل عن عدالة أحدٍ منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة … ثم إنَّ الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحساناً للظن بهم ونظراً إلى ما تمهّد لهم من المآثر، وكأنَّ الله أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة، والله أعلم» (٥). وكذلك نقل الإجماع على عدالتهم إمام الحرمين الجويني، والعراقي، والغزالي، والنووي، وابن كثير، وابن حجر، والآلوسي وغيرهم كثير (٦).
стр. 375
أمثلة على مجهول العين:
مثال ما رواه المجهول وأخطأ فيه ما روى أحمد بن إبراهيم بن الخلاد (١)، عن محمد بن موسى الدولابي (٢)، عن أبي نعيم، عن مِسْعر، عن قتادة، عن أنس ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ إذا ختمَ جمعَ أهلَهُ ودعا.
أخرجه: أبو نعيم في "الحلية" ٧/ ٢٦٠، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٠٧١) ط. العلمية و (١٩٠٨) ط. الرشد من طريق أحمد بن إبراهيم بهذا الإسناد.
قال أبو نعيم: «غريب من حديث مِسْعر».
وقال البيهقي: «رفعُهُ وهمٌ، وفي إسناده مجاهيل، والصحيح رواية ابن المبارك، عن مِسْعر موقوفاً على أنس بن مالك».
أقول: هذا حديث أعل بالوقف كما أشار البيهقي.
فأخرجه: ابن المبارك في "الزهد" (٨٠٩).
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٥٣٩)، وابن الضريس في "فضائل القرآن" (٨٤)، والفريابي في "فضائل القرآن" (٨٥) و (٨٦)، وأبو بكر الأنباري كما في "تفسير القرطبي" ١/ ٣٠ - ٣١ من طريق وكيع.
كلاهما: (ابن المبارك، ووكيع) عن مِسْعر، عن قتادة، عن أنس موقوفاً عليه.
وروي الحديث موقوفاً عن قتادة من غير طريق مسعر.
فأخرجه: أبو عبيد في "فضائل القرآن": ٤٨ (٥ - ٨) من طريق ابن المبارك، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس، به موقوفاً.
وروي الحديث من طريق آخر عن أنس.
стр. 376
فأخرجه: سعيد بن منصور (٢٧) (التفسير)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٠٧٠) ط. العلمية و (١٩٠٧) ط. الرشد.
وأخرجه: الطبراني في "الكبير" (٦٧٤) من طريق خالد بن خداش (١).
وأخرجه: الدارمي (٣٤٧٤) عن عفان.
ثلاثتهم: (سعيد، وخالد، وعفان) عن جعفر بن سليمان الضبعي (٢)، عن ثابت البناني، عن أنس: أنَّه كانَ إذا ختمَ القرآنَ جمعَ أهلَهُ فدعا.
قال البيهقي: «هذا هو الصحيح موقوف، وقد روي من وجه آخر عن قتادة، عن أنس مرفوعاً وليس بشيء» وقصد به الرواية الأولى.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ١٧٢: «رواه الطبراني ورجاله ثقات».
ومن هذا يتبين أنَّ الرواية الموقوفة هي المحفوظة، ووهم من رفعه، ولعل الوهم من أحمد بن إبراهيم بن الخلاد فإنَّه لا يعرف.
انظر: " إتحاف المهرة " ١/ ٤٤٧ (٤١٦).
مثال آخر: روى الأعمشُ، عن سَهْل أبي الأسد، عن بُكير بن وهب (٣) الجزري، عن أنسِ بن مالك ﵁، قال: كنَّا في بيتِ رجلٍ منَ الأنصار، فجاءَ رسولُ الله ﷺ حتَّى وقفَ فأخذَ بعِضادتَي الباب، فقال: «الأئمَّةُ منْ قُريشٍ، ولهم عليكم حَقٌّ، ولكم مثلُ ذلكَ، ما إذا استُرحموا رَحموا، وإذا حَكَموا عدَلوا، وإذا عاهَدوا وفوا، فمنْ لم يفعلْ ذلكَ منهم فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ، والناسِ أجمعينَ» (٤).
أخرجه: أحمد ٣/ ١٨٣، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٨ (١٨٧٥)، وأبو عمرو الداني في " الفتن " (٢٠١) من طريق وكيع، عن الأعمش، بهذا الإسناد.
стр. 377
هذا الإسناد اختلف فيه على الأعمش في كنية شيخه اختلافاً كبيراً، فكناه كما في الإسناد السابق أبا أسد.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٢٩٢٨)، وابن أبي عاصم في " السنة" (١١٢٠)، وأبو يعلى (٤٠٣٣) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن سهل أبي الأسود.
وأخرجه: الضياء في " المختارة " ٤/ ٤٠٣ (١٥٧٦) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن سهل أبي أسعد.
وما يدل على أنَّ هذا الاختلاف من الأعمش لا من وكيع أنَّ هذا الحديث روي عن الأعمش من غير طريق وكيع فاختلف عليه أيضاً.
فأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٨ (١٨٧٥) من طريق يحيى ابن عيسى، عن الأعمش، عن سهل الحنفي.
وأخرجه: البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٩٨ (١٨٧٥) من طريق تمام، عن الأعمش، عن سهل الحلبي.
وأخرجه: الطبراني في " الدعاء " (٢١٢٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٢٢ - ١٢٣، وأبو عمرو الداني في" الفتن " (٢٠٠) من طريق فضيل بن عياض، عن الأعمش، عن أبي صالح الحنفي.
وأخرجه: البيهقي ٨/ ١٤٣ - ١٤٤ من طريق عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن سهل، ولم يذكر له كنية أو لقباً.
قلت: وحاصل كلام الرواة: عن الأعمش، عن سهل، عن بكير بن وهب، عن أنس.
وخالف هؤلاء الأئمةَ جريرُ بنُ عبد الحميد فرواه عند البخاري في
"التاريخ الكبير " ٢/ ٩٨ (١٨٧٥)، وأبي يعلى (٤٠٣٢)، وأبي عمرو الداني في " الفتن " (٢٠٠) عن الأعمش، عن بكير الجزري، عن سهل أبي الأسود، عن أنس. فهذه رواية شاذة لا تصح، والحمل فيها على جرير لمخالفته أصحاب الأعمش.
стр. 378
والمحفوظ من عموم هذه الروايات رواية الأعمش، عن سهل أبي أسد، فإنَّه قد توبع عليها.
فقد رواه مسعر بن كدام (١) عند الطبراني في " الدعاء " (٢١٢) عن سهل أبي أسد، عن بكير، به.
وخالفهما شعبة فرواه عند أحمد ٣/ ١٢٩، والنَّسائي (٥٩٤٢)، والدولابي في " الكنى " ١/ ٢٠٥، والمزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ٣١٢ (٤٧٤٤) عن علي أبي الأسد، عن بكير، عن أنس.
قلت: والصواب ما قاله الأعمش ومسعر. قال البيهقي ٨/ ١٤٤: «ورواه شعبة، عن علي بن أبي الأسد، وقيل: عنه عن علي أبي الأسد، وهو واهم فيه، والصحيح ما رواه الأعمش ومسعر، وهو سهل القراري من بني قرار يكنى: أبا أسد»، وقال المزي في " تحفة الأشراف " ١/ ٢٣٩ (٢٥٥): «هكذا يقول شعبة: علي أبو الأسد، وروى عنه الأعمش، فقال: عن سهلٍ أبي الأسد».
قلت: وهذه قرينة أخرى ترجح طريق سهل أبي الأسد على غيره.
إلا أنَّ الحديث معلول بغير ما تقدم فبكير مجهول، فقد ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٧ - ٩٨ (١٨٧٥)، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢/ ٣٢٥ (١٥٨٣) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره الذهبي في " ميزان الاعتدال " ١/ ٣٥١ (١٣١٢) وقال: «يجهل، وهو الجزري الذي قال فيه الأزدي: ليس بالقوي».
قلت: الناظر في كلامه ﵀ سيتحير بين وصفه بالجهالة، وبين نقله لقول الأزدي فيه إلا أنْ يكون ضعفه لجهالته. وقد ذكره ابن حبان في … " الثقات" ٤/ ٧٧ جارياً على عادته في توثيق المجاهيل.
وقد روي هذا الحديث من طرق عديدة عن أنس ولا يصح منها شيء.
стр. 379
فأخرجه: البزار (١) كما في " كشف الأستار " (١٥٨٠)، والطبراني في " الكبير " (٧٢٥) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك، به.
أقول: هذا الإسناد فيه علتان: الأولى: أنَّ حبيب بن أبي ثابت مدلس، قال ابن حبان في " الثقات " ٤/ ١٣٧: «وكان مدلساً» فتكون عنعنته هنا مردودة.
والعلة الثانية: إنَّ في سماعه من أنس نظراً، فقد نقل العلائي في " جامع التحصيل " (١١٧) عن علي بن المديني أنَّه قال: «لقي ابن عباس وسمع عائشة، ولم يسمعْ من غيرهما من الصحابة ﵃».
ولقائل أنْ يقول: أليس ابن عباس وعائشة متقدمي الوفاة على أنس؟ فإذا ثبت سماعه من عائشة كما يفهم من كلام علي بن المديني، ألا يكون ذلك مثبتاً لسماعه من أنس من باب أولى؟
قلت: ذلك صحيح من جهة النظر العقلي، ولكنَّه بعيد من الواقع، فمثل هكذا حال لا يثبت سماع الراوي من شيخه إلا بصحة الإسناد إليه وبتصريحه بالسماع، ولو لمرة واحدة من ذلك الشيخ. على أنَّ حبيباً قد وقع له التصريح بالسماع من أنس فيما أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٧٣ من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك، قال - يعني: حبيباً -: قلنا له: حدثنا ما سمعتَ من رسول الله ﷺ … فذكر حديثاً، وفي هذا دليل على وقوع سماع حبيب من أنس، إلا أنَّ هذا الإسناد ضعيف؛ فيه عمر بن حبيب العدوي وهو ضعيف، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ٣٣٦ (٤٨٠٠) عن يعقوب بن سفيان أنَّه قال فيه: «ضعيف لا يكتب حديثه»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ١٢٩ (٥٥٣) عن يحيى بن معين أنَّه قال: «ضعيف كان يكذب»، وقال عنه النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٧١): «ضعيف».
وقد روي من غير هذا الطريق.
فأخرجه: بحشل في " تاريخ واسط ": ٦٣ و ١٢٣ من طريق شريك بن عبد الله، عن عمر بن عبد الله، عن أنس، به.
стр. 380
وهذا إسناد ضعيف شريك هو القاضي وقد تقدمت ترجمته مراراً، وعمر ابن عبد الله هذا فيه احتمالان: أنْ يكون عمر بن عبد الله بن يعلى، وهذا الذي أميل إليه؛ لأن البخاري علّقه في "التاريخ الكبير" ٢/ ٩٨ (١٨٧٥) عنه، وهذا ضعيف فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ٣٦٥ (٤٨٥٩) عن أحمد أنَّه قال فيه: «ضعيف»، وقال المزي عقبه: «وكذلك قال عباس الدوري، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنَّسائي زاد أبو حاتم: منكر الحديث».
وإما أنْ يكون عمر بن عبد الله المدني أبا حفص مولى غفرة وهذا ضعيف أيضاً، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ٣٦٦ (٤٨٦٠) عن أحمد أنَّه قال فيه: «ليس به بأس ولكن أكثر حديثه مراسيل»، ونقل عن يحيى بن معين قوله فيه: «ضعيف»، وقال عقبه: «وكذلك قال النسائي».
وإذا كان هذا الراوي هو المطلوب فيكون الحديث معلولاً بالانقطاع، قال أبو حاتم فيما نقله ابنه في " المراسيل " (٤٩٦): «لم يلقَ أنس بن مالك».
وقد روي من غير هذا الطريق.
فأخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (١٥٧٩) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس وجاء عنده: «الملك في قريش».
وهذه رواية منكرة خالف سعيد الروايات المروية عن أنس التي جاء فيها: «الأئمةُ من قريشٍ» كما تقدم وكما سيأتي هذا من جهة المتن، أما من جهة الإسناد، فإنَّ سعيداً قد تكلم فيه، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ١٤٠ (٢٢٢٧) عن أبي الحسن الميموني أنَّه قال: «رأيت أبا عبد الله يضعف أمره»، وعن علي بن المديني أنَّه قال فيه: «كان ضعيفاً»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٦٧): «ضعيف».
وقد تكلم أهل العلم في روايته عن قتادة، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ١٤٠ (٢٢٢٧) عن محمد بن عبد الله بن نمير أنَّه قال فيه: «منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث يروي عن قتادة المنكرات»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣١٩: « … وكان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه … ».
стр. 381
وقد روي من طريق آخر.
فأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٨ من طريق أبي القاسم حماد بن أحمد ابن حماد بن أبي رجاء المروزي، قال: وجدت في كتاب جدي حماد بن أبي رجاء السُّلمي بخطه، عن أبي حمزة السُّكري، عن محمد بن سوقة، عن أنس ابن مالك ﵁ … فذكره.
قال عَقِبَهُ: «غريب من حديث محمد، تفرد به حماد موجوداً (١) في كتاب جده».
قلت: وهذا الإسناد منقطع في موضعين:
الأول: قوله: «وجدت في كتاب جدي … » هذا بمعنى الوجادة في اصطلاحات المحدّثين، وهي من المقاطيع؛ إلا أنَّ الوجادة تقبل إذا وثق بالموجود ونسبته إلى صاحبه.
قال ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٢٨٩ بتحقيقي بعد تعريفه لهذه الطريقة من طرق السماع: «وهذا منقطع لم يأخذ شوباً من الاتصال … »، وقال الزركشي في " نكته " ٣/ ٥٥٣: «وهكذا قال الحافظ رشيد الدين القرشي في " الغرر المجموعة ": الوجادة داخلة في باب المقطوع عند علماء الرواية (٢)، وقد يقال: بل عَدُّهُ من التعليق أولى من المرسل والمنقطع» انتهى (٣).
стр. 382
وأما الموضع الآخر: فإنَّ في رواية محمد بن سوقة عن أنس بن مالك نظراً، قال ابن حبان في " الثقات " ٧/ ٤٠٤: «وقد قيل إنَّه رأى أنساً وأبا الطفيل … » فإنَّ الشك في الرؤية يثبت عدم السماع من باب أولى.
وقد روي من طريق آخر.
فأخرجه: الطيالسي (٢١٣٣)، والبزار كما في " كشف الأستار " (١٥٧٨)، وأبو يعلى (٣٦٤٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ١٧١، والبيهقي ٨/ ١٤٤، والضياء المقدسي في " المختارة " ٦/ ١٤٣ (٢١٣٨) من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس.
قال أبو نعيم عقبه: «هذا حديث مشهور ثابت من حديث أنس، لم يروه عن سعد فيما أعلم إلا ابن (١) إبراهيم».
إلا أنَّ الحديث بهذا الإسناد معلول بالانقطاع بين (سعد) و (أنس) فقد نقل العلائي في " جامع التحصيل " (٢٢٤) عن علي بن المديني أنَّه قال فيه: «لم يلق أحداً من الصحابة»، ونقل الخلاّل في علله كما في " المنتخب " (٨٠) عن الإمام أحمد أنَّه قال: «لَيسَ هَذا في كُتُبِ إِبراهيمَ، لا يَنبغي أنْ يكون لَهُ أَصْلٌ».
قلت: مثل هكذا تعليل يطلقه الأئمة على من عرف بتدوينه حديثه في مصنفاته، فإذا جاء إسنادٌ ما عن ذلك المصنف، ولم يُعثر عليه في مصنفاته؛ فإنَّ المحدّثين يستنكرونه كما هو عند الإمام أحمد هنا، فيطلقون على ذلك الإسناد بأنَّه لا أصل له أي: لا أصل له في كتب ذلك المصنف، ولا يقصدون بذلك المعنى الاصطلاحي (٢)، إلا أنه في كلام الإمام أحمد هذا خاصة أراد المعنى الاصطلاحي.
стр. 383
وقد روي من طريق آخر.
فأخرجه: البيهقي ٨/ ١٤٤ من طريق منصور، عمن سمع أنساً، عن النَّبيِّ ﷺ : (بمعناه) (١).
وهذا إسناد ضعيف؛ لإبهام الراوي عن أنس.
وقد روي هذا الحديث بإسناد حسن عن أنس.
فأخرجه: الحاكم ٤/ ٥٠١، والبيهقي ٨/ ١٤٤ من طريق الصعق بن حَزْن، قال: حدثنا علي بن الحكم، عن أنس بن مالك، قال: … فذكره.
قال الحاكم عقبه: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».
وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٨ (١٨٧٥) من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن رجل من آل أنس بن مالك، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، فيه مبهم.
وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٨ (١٨٧٥) من طريق منصور بن المعتمر، عن أنس، عن النبي ﷺ .
قال عقبه: «هذا مرسل أيضاً».
وقد روي من حديث علي ﵁.
فأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٣٥٢١) كلتا الطبعتين، وفي "الصغير "، له (٤١٧)، والحاكم ٤/ ٧٥ - ٧٦، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٢٤٢، وأبو عمرو الداني في " الفتن " (٢٠٣)، والبيهقي ٨/ ١٤٣ من طريق الفيض بن فضل البجلي، قال: حدثنا مسعر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «الأئمةُ منْ قريشٍ، أبرارها أمراء أبرارها، وفجارُها أمراء فجارها، ولكلٍّ حقٌ فآتوا كلَّ ذي حقٍّ حقهُ، وإن أُمِّرَ عليكم عبدٌ حبشيٌّ مجدعٌ فاسمعوا له وأطيعوا،
стр. 384
ما لم يخير أحدُكم بين إسلامه وبينَ ضربِ عنقهِ، فإنْ خُيِّرَ بينَ إسلامِهِ وبينَ ضربِ عنقهِ، ثكلتْهُ أمُّهُ فلا دنيا ولا آخرة بعدَ ذهاب إسلامِهِ».
قال الطبراني عقبه: «لم يروِ هذا الحديث عن مسْعر إلا فيض بن الفضل».
وقال أبو نعيم: «غريب من حديث مسْعر، لم نكتبه عالياً إلا من حديث الفيض».
وعلى انفراد الفيض في روايته هذه، فإنَّه مجهول، فقد ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير " ٧/ ٣٠ (٦٢٩)، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ١١٨ (٥٠٠) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في "الثقات " ٩/ ١٢.
ولقائل أنْ يقول: ورد في ترجمة الفيض في " الجرح والتعديل " أنَّ أبا حاتم الرازي روى عنه ألا يعد ذلك تعديلاً له؟.
فنقول: لا شك أنَّ رواية الثقة عن غيره لا تعد توثيقاً له، وإنَّما يروون عن الضعفاء والمجاهيل؛ لغرض حفظ الطريق، فلربما يأتي راو مدلس، فيعمد إلى ذلك الإسناد، فيسقط منه ضعيفاً بين ثقتين، فيتوهم من ليس له باع في هذا الفن، فيذهب إلى تصحيح ذلك الطريق، ثم إنَّ في سكوت النقاد عن راو معين - وهم أهل هذا الفن وترياقه المجرب- يجعل منه شك في حاله، والله أعلم.
وقد أُعل هذا الحديث باختلافه على مِسْعر، فقد سُئل الدارقطني في "العلل " ٣/ ١٩٨ س (٣٥٩) فقال: «يرويه مِسْعر، واختلفَ عنه، فرفعه فيض بن الفضل، عن مسعر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن ربيعة ابن ناجد، عن علي، عن النَّبيِّ ﷺ (١) وخالفه داود بن عبد الجبار، فرواه عن مسعر، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق ورفعه أيضاً، وغيرهما يرويه عن مسعر موقوفاً، وكذلك رواه أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة موقوفاً، والموقوف أشبه بالصواب».
стр. 385
قلت: أما طريق عبد الجبار فلم أقف على من خرّجه، ولا على طريق أبي عوانة. غير أني وقفت على غير هذه الطرق.
فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٢٩٣٤)، والخلاّل في " السنة " (٦٣) من طريق وكيع عن مسعر، عن عثمان بن المغيرة (١)، عن أبي صادق الأزدي، عن ربيعة بن ناجد، عن علي ﵁ موقوفاً.
وقد توبع وكيع على هذه الرواية، تابعه شعيب بن إسحاق (٢) عند أبي عمرو الداني في " الفتن " (٢٠٤) فرواه عن مسعر، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة، عن علي ﵁ وعنده: «قريش أئمة العرب … ».
فإذا عقدت مقارنة بين طريقي فيض ووكيع، تبين أنَّ فيضاً وَهمَ في موضعين:
الأول: أنَّه قال: عن سلمة بن كهيل، والصواب أنَّه عثمان بن المغيرة.
الثاني: أنَّه رفعه، والصواب وقفه.
وقد روي من غير هذا الطريق عن علي ﵁.
فأخرجه: نعيم بن حماد في " الفتن " (٢٨٣) قال: حدثنا هشام، عن العوام بن حوشب، عمن حدثه، عن علي، فذكره.
وهذا إسناد ضعيف؛ لإبهام الراوي عن علي ﵁.
وقد روي من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁.
فأخرجه: الطيالسي (٩٢٦)، وأحمد ٤/ ٤٢١، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٤٥ (٢٣٢٧)، وابن أبي عاصم في " السنة " (١١٢٥)، والبزار (٣٨٥٧)، والروياني في " مسند الصحابة " (٧٦٤) و (٧٦٨) من طريق سكين بن عبد العزيز، قال: حدثنا سَيّار بن سلامة، سمع أبا بَرزة يرفعه إلى النبي ﷺ ، قال: «الأَئمةُ مِن قُريش، إذا استُرحِموا رَحمِوا، وإذا عِاهَدُوا وَفَوْا، وإذا حَكَموا
стр. 386
عَدَلُوا، فمن لَم يَفْعَلْ ذلك منهم، فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنّاسِ أجمعينَ».
قلت: أما سكين فهو مختلف فيه، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٢٣١ (٢٤٠٧) عن وكيع أنَّه قال فيه: «وكان ثقة»، وعن يحيى بن معين كذلك، ونقل عن أبي حاتم أنَّه قال فيه: «لا بأس به»، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٦/ ٤٣٢. وقال ابن عدي في " الكامل " ٤/ ٥٤٦: «ولسكين غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وفيما يرويه بعض النكرة، وأرجو أن بعضها يحمل بعضاً، وأنَّه لا بأس به؛ لأنَّه يروي عن قوم ضعفاء، وليس هم بمعروفين، ولعل البلاء منهم ليس منه».
وهناك من ضعّفه، فقال الآجري في " سؤالاته " (٩٨٩): «وسألت أبا داود عن سكين بن عبد العزيز فضعّفه»، ونقل المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٢٣١ (٢٤٠٧)، عن النسائي أنَّه قال فيه: «ليس بالقوي»، وقال ابن خزيمة عقب (٢٨٣٢) بتحقيقي: «وروى سكين بن عبد العزيز البصري، وأنا بريء من عهدته وعهدة أبيه»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٢٧٧).
ثم إنَّ الحديث عن أبي برزة، لم يروَ إلا بهذا الإسناد، قال البزار عقب (٣٨٥٩): «هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن أبي برزة بهذا الإسناد، وسكين رجل مشهور من أهل البصرة».
ثم إنَّ الحديث من هذا الوجه أعل بالوقف، قال البخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٤٥ (٢٣٢٧): «وروى عوف وغيره عن سيار ولم يرفعوه».
فالظاهر من كلام البخاري ﵀ أنَّه حمل الوهم على سكين، والله أعلم.
وانظر: " تحفة الأشراف" ١/ ٢٣٨ (٢٥٥)، و"المهذب في اختصار السنن الكبير " (٤٧٠٠) و (١٢٨٣٩) و (١٢٨٤٠)، " وأطراف المسند " ١/ ٢٨٦ (٢٠٦) و ٦/ ٧١ (٧٧٧١)، و"إتحاف المهرة" ١/ ٤٣٧ (٣٨٩) … و ٢/ ١٤٤ (١٤١٧).
مثال آخر: روى سليمان - وهو ابن طَرْخان - التيميُّ، عن أبي عثمان، عن معقل بن يسار: أن رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: «اقرؤوا على موتاكم يس».
стр. 387
أخرجه: النسائي في " الكبرى " (١٠٩١٣) ط. العلمية و (١٠٨٤٦) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١٠٧٤) من طريق عبد الله بن المبارك.
وأخرجه: ابن حبان (٣٠٠٢) من طريق يحيى القطان.
وأخرجه: البيهقي ٣/ ٣٨٣ من طريق نعيم بن حماد.
ثلاثتهم: (ابن المبارك، ويحيى، ونعيم) عن سليمان التيمي، بهذا الإسناد.
أقول: هذا الحديث اختلف في إسناده على سليمان بن طَرْخان التيمي اختلافاً كبيراً، فكما تقدم رواه عن أبي عثمان، عن معقل.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٠٩٤٩)، وأحمد ٥/ ٢٦، والبخاري في "الكنى" (٥٠٥)، وأبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٥١٠)، والحاكم ١/ ٥٦٥، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٢٤٥٧) ط. العلمية و (٢٢٣٠) ط. الرشد عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان - وليس بالنهدي -، عن أبيه (١).
وأخرجه: أحمد ٥/ ٢٦، والنَّسائي في " الكبرى " (١٠٩١٤) ط. العلمية و (١٠٨٤٧) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١٠٧٥)، والروياني في " مسند الصحابة " (١٢٨٤)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٥١١) و (٥٤١) من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار: أنَّ رسول الله ﷺ ، قال: «البقرةُ سنامُ (٢) القرآنِ وذروتهُ، نزلَ معَ كل آيةٍ منها ثمانونَ مَلَكاً واسْتُخرِجتْ: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ (٣) من تحت العرش فَوُصِلتْ بها، أو فَوُصلَتْ بسورة البقرة، ويس قلبُ القرآنِ، لا يقرؤها رجلٌ يريد الله والدار الآخرةَ، إلا غُفِرَ لهُ، اقرؤوها على موتاكم».
وأخرجه: الطيالسي (٩٣١)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٢٤٥٨) ط. العلمية و (٢٢٣١) ط. الرشد من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن
стр. 388
رجل، عن معقل بن يسار المزني: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَرأ يس ابتغاءَ وجهِ اللهِ ، غُفرَ لهُ ما تقدمَ منْ ذنبهِ، فاقرؤوها عندَ موتاكم».
قلت: مما تقدم يتبين أنَّ سليمان التيمي لم يضبط أسانيد هذا الحديث، فحدث به على أربعة أوجه، فضلاً عن أنَّ رواياته جاءت مطولة ومختصرة، وهذا الاضطراب علة الحديث الأولى.
وأما علته الثانية: فهي جهالة أبي عثمان، فكما تقدم في طريق ابن المبارك أنَّ سليمان قال: «عن أبي عثمان، وليس بالنهدي».
وقد ذهب أهل العلم إلى إعلال هذا الحديث بجهالة أبي عثمان وأبيه، فقال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " (٢٢٨٨): «وهو لا يصح؛ لأنَّ أبا عثمان هذا لا يُعرف، ولا روى عنه غير سليمان التيمي، وإذا لم يكن هو معروفاً، فأبوه أبعد من أنْ يعرف، وهو إنَّما روى عنه»، ونقل ابن الملقن في " البدر المنير " ٥/ ١٩٤ عن المنذري أنَّه قال: «أبو عثمان وأبوه ليسا بمشهورين»، وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٧٣٤): «وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر ابن العربي، عن الدارقطني أنَّه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث»، وقال النووي في " الأذكار " عقب (٣٩٢): «إسناده ضعيف؛ فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبو داود»، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٥٥٠ (١٠٤٠٩): «يقال اسمه سعد … ولا يعرف أبوه ولا هو، ولا روى عنه سوى سليمان التيمي».
وقال الحاكم في " المستدرك " ١/ ٥٦٥: «أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك؛ إذ الزيادة من الثقة مقبولة» (١).
قلت: ولكن ما أخرجه ابن حبان من طريق يحيى بن سعيد جاء مرفوعاً، وليس موقوفاً، ولعل الحاكم عكس تشخيص الموقوف والمرفوع، فكما تقدم جاء في رواية ابن أبي شيبة وأحمد، والطبراني من رواية عبد الله بن المبارك:
стр. 389
«اقرؤوها على موتاكم» يعني: يس، فعبارة: «يعني: يس» جاءت موقوفة من طريق عبد الله بن المبارك، في حين جاءت رواية يحيى بن سعيد مرفوعة مكتملة.
أما إعلال الحديث بالاضطراب: فكما هو معلوم أن الاضطراب يعني: أن يأتي الحديث بوجوه عديدة متساوية في القوة مع انعدام المرجح. وفي هذا الحديث يمكن ترجيح أحد الطرق، فالراجح ما اتفق عليه ثلاثة من الرواة وهم: (عبد الله، ويحيى، ونعيم) (١) على رواية واحدة، وهذه قرينة مهمة في ترجيح هذا الطريق على غيره، إلا أن جهالة أبي عثمان تضعف هذا الطريق، فضلاً عن أن العلائي ألمح في " جامع التحصيل " (٩٩٠) إلى إرساله، والله أعلم.
انظر: "تحفة الأشراف" ٨/ ١٦٧ (١١٤٧٩)، و"أطراف المسند" ٥/ ٣٦٠ (٧٣٣٠) و (٧٣٣١)، و"إتحاف المهرة" ١٣/ ٣٨٦ (١٦٨٩٢).
وقد ألّف الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف طيّب الله ثراه مصنَّفاً في هذا الحديث عنونه بـ: " قلب القرآن يس، وجملة مما روي في فضلها "، فانظره.
مثال آخر: روى دويد، عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة ﵂، قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : «الدُّنيا دارُ منْ لا دارَ له، ومالُ مَنْ لا مالَ له، ولها يجمعُ مَنْ لا عقلَ له» (٢).
أخرجه: أحمد ٦/ ٧١، ومن طريقه الخلاّل في "علله " كما في … " المنتخب" (٥) من طريق الحسين بن محمد، عن دويد، بهذا الإسناد.
وأخرجه: ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" (١٨٢)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (١٠٦٣٨) ط. العلمية و (١٠١٥٤) ط. الرشد.
وأخرجه: الخطيب في "تالي تلخيص المتشابه" (٢٨٣) من طريق الحسين ابن محمد، عن أبي سليمان النصيبي، عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة ﵂ به.
стр. 390
ذهب بعض المتأخرين إلى تقوية هذا الحديث، فقال المنذري في "الترغيب والترهيب" عقب (٤٧٥٣): «إسناده جيد»، وقال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٢٨٨: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة»، واعتمد الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٩٣٣) على توثيق الهيثمي فعرّف دويداً، فقال: «دويد هو ابن نافع».
قلت: وكل ما تقدم ليس بصحيح فليس إسناد الحديث بجيد، ولا دويد ثقة، ولا هو ابن نافع وذلك أنَّ دويداً هذا مجهول، فقد قال عنه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" ٢/ ١٠٠٨: «ودويد لم ينسب، يروي عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة: «الدنيا دار … »»، وكذا قال ابن ماكولا في "الإكمال" ٣/ ٣٨٦.
ومما يدل على أنَّ دويداً راوي هذا الحديث ليس ابن نافع، أنَّ الدارقطني وابن ماكولا قد ترجما لدويد بن نافع، ثم ترجما لدويد هذا كما سبق ذكره، مما يدل على أنَّهما اثنان.
وأما طريق أبي سليمان النصيبي، فهذا الطريق لا يرتقي على الذي قبله، فأبو سليمان النصيبي ترجم له الخطيب في "تالي تلخيص المتشابه" (٣٠٠) فقال: «أبو سليم (١) النصيبي في عداد المجهولين» (٢).
فضلاً عن ما تقدم من الجهالة في رواة الإسناد، فإنَّ مدار الحديث من كلا الطريقين قد جاء من طريق الحسين بن محمد، فإما أنْ يكون قد سمع منهما، وكلاهما مجهول فيكون الإسناد ضعيفاً بالجهالة كما تقدم، وإما أنْ يكون قد اضطرب في رواية الحديث، وفي هذه الحالة يكون الاضطراب علة أخرى في هذا الإسناد.