و (١٠١٨) من طريق الأعمش، عن الضحاك بن قيس المشرقي (١)، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أيعجزُ أحدُكم أنْ يقرأ ثلثَ القرآنِ في ليلة؟» قال: فشقَّ ذلك على أصحابِهِ، فقالوا: منْ يطيقُ ذلكَ؟ قال: «يقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ فهي ثلثُ القرآن».
وما دام أن الإبهام علة في الإسناد لجهالة حال الراوي المبهم ولعدم معرفتنا لعدالته وضبطه إلا أنَّه قد يأتي به مصرحاً بطريق آخر فيبين لنا إن كان ثقة أو غير ثقة. وأحياناً يأتي التصريح باسم الراوي المبهم ويكون ذلك التصريح خطأ، مثاله ما روى أنسُ بن عياض، قال: حدثني أبو مودودٍ، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبان بن عثمان، عن عثمانَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ قالَ: بسمِ اللهِ الذي لا يَضرُّ مَعَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهوَ السميعُ العليمُ، فقالها حينَ يُمسي، لم تفجأهُ فاجئةُ بلاءٍ حتَّى يُصبحَ، وإنْ قالها حينَ يُصبحُ لم تفجأهُ فاجئة بلاءٍ حّتى يُمسيَ» وإنَّ أبانَ أصابهُ فالجٌ (٢)، فقلت له: أينَ ما كنتَ حدَّثتنا؟ قال: واللهِ ما كذَبْتُ ولا كُذبْتُ ولكنِّي حينَ أراد الله ما أرادني به أنساني ذلك الدعاء (٣).
أخرجه: أبو داود (٥٠٨٩) عن نصر بن عاصم الأنطاكي.
وأخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " على "مسند أبيه " ١/ ٧٢، ومن طريقه الضياء في "المختارة" ١/ ٤٣٣ (٣٠٩)، وابن حجر في " نتائج الأفكار " ٢/ ٣٤٩ عن محمد بن إسحاق المسيّبي.
وأخرجه: البزار (٣٥٧) عن أحمد بن أبان القرشي.
وأخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (٩٨٤٣) ط. العلمية و (٩٧٥٩) … ط. الرسالة وفي "عمل اليوم والليلة "، له (١٥)، ومن طريقه الطحاوي في … " شرح
стр. 492
مشكل الآثار" (٣٠٧٥) وفي (تحفة الأخيار) (٥٦٢٥)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٤٥)، وأخرجه: ابن حبان (٨٥٢)، والطبراني في " الدعاء " (٣١٧) من طرق عن قتيبة بن سعيد.
وأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٠٧٤) وفي (تحفة الأخيار) (٥٦٢٤) من طريق أسد بن موسى.
وأخرجه: ابن حبان (٨٦٢) من طريق الحسين بن عيسى البسطامي.
وأخرجه: الطبراني في " الدعاء " (٣١٧) من طريق إبراهيم بن حمزة.
وأخرجه: الطبراني في " الدعاء " (٣١٧) من طريق عليِّ بن المدينيِّ.
وأخرجه: الطبراني في " الدعاء " (٣١٧) من طريق إبراهيم بن بشار الرماديِّ.
وأخرجه: ابن عبد الدايم في " مشيخته " (٣٥)، والبغوي (١٣٢٦)، وابن حجر في " نتائج الأفكار " ٢/ ٣٤٩ من طريق هارون بن موسى الفروي.
وأخرجه: الدارقطني في "العلل" ٣/ ٨ (٢٥٤) من طريق الزبير بن بكار.
وأخرجه: المعمري (١) في " عمل اليوم والليلة " كما في " نتائج الأفكار " ٢/ ٣٤٩ من طريق هشام بن عمار.
جميعهم: (نصر، ومحمد، وأحمد، وقتيبة، وأسد، والحسين، وإبراهيم ابن حمزة، وعلي، وإبراهيم بن بشار، وهارون، والزبير، وهشام) عن أنس ابن عياض - أبي ضمرة - بالإسناد المتقدم.
وخالف الجميع يونس بن عبد الأعلى (٢) فرواه عند الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٠٧٣) وفي (تحفة الأخيار) (٥٦٢٣)، وابن أبي حاتم في
"العلل " عقب (٢٠٧٩)، قال: أخبرني أنس بن عياضٍ الليثيُّ، عن أبي مودود، - قال أبو جعفر: وهو المدينيُّ -، عن رجل، قال يونس: لا أعلمه إلا محمد بن كعب، عن أبان بن عثمان ولم يتجاوز بعد، به … .
стр. 493
قال الطحاوي عقبه: «هكذا حدثناه يونس، عن أنس على ما ذكرناه في هذا الإسناد».
قلت: وهذه الرواية شاذة لا تقوم بها حجة؛ لمخالفة الراوي لجمع من الرواة. والصواب عن أنس بن عياض هي الرواية الموصولة، وهي رواية ظاهرها الصحة، فإنَّ أبا مودود وثّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو داود، وابن المديني، وابن نمير (١).
إلا أنَّ هذه الرواية لا تصح، والحمل فيها على أنس بن عياض؛ وذلك أنَّ المحفوظ عن أبي مودود أنَّ شيخه في هذا الحديث مبهمٌ.
فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٧٦٣) عن زيد بن الحباب.
وأخرجه: أبو داود (٢)(٥٠٨٨) عن عبد الله بن مسلمة.
كلاهما: (زيد، وعبد الله) عن أبي مودود، عمن سمع أبان، عن أبان بن عثمان، عن أبيه، به.
وأخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (٩٨٤٤) ط. العلمية و (٩٧٦٠) … ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١٦) عن محمد بن علي، عن … عبد الله بن مسلمة القعنبيِّ.
وأخرجه: علي بن المديني في " العلل " كما في "نتائج الأفكار" ٢/ ٣٥٠، وابن أبي حاتم في " العلل " عقب (٢٠٧٩)، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٤٢ من طريق عبد الرحمان بن مهدي.
وأخرجه: ابن أبي حاتم في " العلل " عقب (٢٠٧٩) من طريق أبي عامر العقدي.
стр. 494
ثلاثتهم: (عبد الله، وعبد الرحمان، وأبو عامر) عن أبي مودود، عن رجل، عمن سمع أبان، عن أبان، عن أبيه، به.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى إعلال طريق محمد بن كعب، فقد نقل أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " العلل " عقب (٢٠٧٩) عن عبد الرحمان ابن مهدي: أنَّه أنكره أنْ يكون عن محمد بن كعب القرظي، ونقل عنه أيضاً أنَّه قال: «هو باطل»، ونقل ابن أبي حاتم أيضاً في " العلل " (٢١٠٥) عن أبي زرعة أنَّه قال عن رواية محمد بن كعب: «هذا خطأ، والصحيح ما حدثنا القعنبيُّ، قال: حدثنا أبو مودود، عن رجل … » ثم ذكر حديث القعنبي بمثل رواية النسائي. ونص الدارقطني على إعلال رواية محمد بن كعب، فقال عقب ذكره لرواية عبد الرحمان وأبي عامر: «وهذا القول هو المضبوط، عن أبي مودود، ومن قال فيه: عن محمد بن كعب القرظي فقد وهم»، وقال ابن حجر في " نتائج الأفكار " ٢/ ٣٥٠: «وهي علة خفية، راجت على البزار وابن حبان».
قلت: فهذه أقوال أهل العلم جاءت صريحة بينة في إعلال طريق محمد بن كعب، وإنَّ الصواب من طريق أبي مودود أن بينه وبين أبان راويين مبهمين.
فظهرت الآن علة هذا الطريق، بقي هناك أمر يستحق المناقشة، وهو تحديد الوهم في هذا الحديث، فمن خلال ما قدمناه قد يحيك في الصدر أنَّ الواهم فيه أنس بن عياض، على اعتبار مخالفته الرواة عن أبي مودود، وهذا الكلام فيه نظر: فالذي تبين لي أنَّ الوهم كله من أبي مودود، وأنَّه اضطرب في هذا الحديث فحدَّث به على وجهين:
الأول: طريق محمد بن كعب. والثاني: الطريق الذي أبهم فيه شيخه.
زد على ذلك ما نقله ابن أبي حاتم في " العلل " عقب (٢٠٧٩) عن عليِّ بن المديني أنَّه قال: «حدثني اثنان بالمدينة عن أبي مودود، عن محمد بن كعب … » فهذان الراويان مع أنَّهما مبهمان إلا أننا إذا جمعنا روايتيهما مع روايات الثقات تبين الوهم حينئذ وهو أنَّ ابن المديني كان يحمل الوهم فيه على أبي مودود.
وقد روي من غير هذا الطريق.
стр. 495
فأخرجه: عبد بن حميد (٥٤)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠١٧٩) ط. العلمية و (١٠١٠٧) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٣٤٧) من طريق يزيد بن فراس، عن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من قال … » الحديث.
وهذا إسناد ضعيف؛ يزيد بن فراس مجهول، فقد قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "الجرح والتعديل" ٩/ ٣٤٧ (١١٩٧): «مجهول لا يعرف»، وقال النَّسائيُّ في " الكبرى " عقب (١٠١٧٨): «ويزيد بن فراس مجهول لا نعرفه»، وقال الذهبيُّ في "ميزان الاعتدال " ٤/ ٤٣٨ (٩٧٤٢): «مجهول».
وقد روي من غير هذا الطريق.
فقد أخرجه: الطيالسيُّ (٧٩)، وأحمد ١/ ٦٢ و ٦٦، والبخاريُّ في "الأدب المفرد " (٦٦٠)، وابن ماجه (٣٨٦٩)، والترمذي (٣٣٨٨)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠١٧٨) ط. العلمية و (١٠١٠٦) ط. الرسالة
وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٣٤٦)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٣٠٧٦) وفي (تحفة الأخيار) (٥٦٢٦)، والحاكم ١/ ٥١٤، والضياء في "المختارة " ١/ ٤٣٤ (٣١٠)، وابن حجر في " نتائج الأفكار " ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨ من طريق عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبان، عن عثمان، به.
وقد اختلفت أقوال أهل العلم في هذا الحديث، فقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب»، وقال النسائيُّ عقب (١٠١٧٨)
: «عبد الرحمان بن أبي الزناد ضعيف»، في حين قال الدارقطني في " العلل " ٣/ ٩ قبيل (٢٥٥): «وهذا متصل وهو أحسنها إسناداً»، وقال الحاكم عقبه: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وقال ابن حجر: «هذا حديث حسن صحيح».
قلت: عبد الرحمان ضعّفه غير واحد من الأئمة، فقد قال عنه ابن معين في " تاريخه " (٥٢٩) برواية الدارمي: «ضعيف» وقال في (١٢١١) برواية الدارمي: «وابن أبي الزناد لا يحتج بحديثه»، ونقل المزيُّ في "تهذيب الكمال" ٤/ ٤٠٠ (٣٨٠٤) عنه أنَّه قال فيه: «ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث، ليس بشيء»، ونقل عن عليِّ بن المديني أنَّه قال فيه: «كان عند
стр. 496
أصحابنا ضعيفاً»، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه قال فيه: «مضطرب الحديث»، ولخّص الحافظ ابن حجر القول فيه فقال في " التقريب " (٣٨٦١): «صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهاً».
كانت هذه أقوال أهل العلم في عبد الرحمان وهي أقوال مجملة، إلا أنَّ لعبد الرحمان بعض الخصوصية التي ترفع بعض أحاديثه، قال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٥٧٦ (٤٩٠٨): «قد مشّاه جماعة وعدّلوه. وكان من الحفاظ المكثرين، ولا سيما عن أبيه وهشام بن عروة، حتى قال يحيى بن معين: هو أثبت الناس في هشام» فهذه الخصوصية تجعل حديثه عن أبيه وهشام من قوي حديثه (١)، والله أعلم.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٦/ ٥٣٣ (٩٧٧٨)، و " إتحاف المهرة " ١١/ ١٠ (١٣٦٢٩)، و " أطراف المسند " ٤/ ٣٠١ (٥٩٤٦).
وقد يأتينا إسناد متصل فيما يبدو للناظر من أول وهلة، لكن عند جمع الطرق يزاد في الإسناد رجل مبهم وتتعدد الأسانيد بذكر المبهم تارة، وبعدم ذكره تارة أخرى، ولطالما اختلفت أقوال النقاد في الترجيح، فمن رجح ذكر المبهم جعله علة الحديث الرئيسة، ومن رجح عدم ذكر المبهم زالت عنده علة الحديث، مثاله ما روى شعبةُ، عن منصور بن المعتمر، عن ربْعي ابن حراشٍ، عن عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يُؤمنُ عبدٌ حتَّى يُؤمنَ بأربعٍ: حتى يشهدَ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأنيِّ رسولُ الله بَعثني بالحقِّ، وحتَّى يؤمنَ بالبعثِ بعد الموتِ، وحتَّى يؤمنَ بالقدرِ» (٢).
أخرجه: الطيالسي (٣)(١٠٦)، ومن طريقه الترمذيُّ (٢١٤٥) عن
شعبة، بهذا الإسناد.
стр. 497
وتابع الطيالسيَّ محمدُ بنُ جعفر.
فأخرجه: أحمد ١/ ٩٧، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٣٠) و (٨٨٧)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٨٤٥)، والبزار (٩٠٤)، وابن بطة في "الإبانة " (١٤٤٩)، والضياء المقدسي في " المختارة " ٢/ ٦٤ (٤٤٠) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، بالإسناد نفسه.
وتابعهما روح بن عبادة، أخرجه: البيهقي في " كتاب القضاء " (١) كما في " مسند علي " ٣/ ٩٠٠ (٥١٢٨) من طريق روح بن عبادة، عن شعبة، بالإسناد نفسه.
وتوبع شعبة على هذا الحديث.
إذ أخرجه: ابن حبان (١٧٨)، والحاكم ١/ ٣٢ - ٣٣، وتمام في "فوائده" كما في " الروض البسام " (٤٠)، والبيهقيُّ في " كتاب القضاء " (٢) كما في "مسند عليٍّ " ٣/ ٩٠٠ (٥١٢٩)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٣٧/ ٥٩ و ٥٤/ ١٠٩ من طريق محمد بن كثير.
وأخرجه: الضياء المقدسي في " المختارة " ٢/ ٦٥ (٤٤٢) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين.
وأخرجه: الضياء المقدسي في " المختارة " ٢/ ٦٦ (٤٤٣) من طريق أبي داود الحفري عمر بن سعد الفزاري.
وأخرجه: الحاكم ١/ ٣٢ - ٣٣ من طريق أبي عاصم النبيل.
أربعتهم: (محمد بن كثير، وأبو نعيم، وأبو داود الحفري، وأبو عاصم) عن سفيان الثوريِّ.
وأخرجه: ابن ماجه (٨١)، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٣٠) و (٨٨٧)، والآجري في " الشريعة ": ١٨٨ ط. السنة المحمدية و (٣٧٥) ط.
стр. 498
الوطن، واللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " (١١٠٤)، والخطيب في "تاريخ بغداد " ٣/ ٢٦٦ وفي ط. الغرب ٤/ ٥٨١، وأبو القاسم الأصبهاني في " الترغيب والترهيب " كما في " مسند علي " ٣/ ٩٠١ (٥١٣٢)، والضياء المقدسي في " المختارة " ٢/ ٦٦ (٤٤٤) من طريق شريك بن عبد الله النخعيِّ.
وأخرجه: أبو يعلى (٣٥٢)، ومن طريقه الضياء المقدسي في " المختارة " ٢/ ٦٥ (٤٤١) من طريق زائدة بن قدامة.
وأخرجه: الفريابي في " القدر " (١٩٤)، وأبو يعلى (٥٨٣)، والحاكم ١/ ٣٣، والذهبيُّ في " سير أعلام النبلاء " ١٠/ ١٥٨ من طريق جرير بن عبد الحميد.
وأخرجه: اللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " (١١٠٥) من طريق بهلول، عن ورقاء بن عمر اليشكري.
وتابعهم عمرو بن أبي قيس كما في " علل الدارقطني " ٣/ ١٩٦ س (٣٥٧).
ستتهم: (الثوري، وشريك، وزائدة، وجرير، وورقاء، وعمرو بن أبي قيس) عن منصور، عن ربعيٍّ، عن عليٍّ ﵁، به.
قال الحاكم ١/ ٣٣: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد قصر بروايته بعض أصحاب الثوريِّ، وهذا عندنا مما لا يعبأ».
إلا أنَّ الحديث اختلف فيه على شعبة وسفيان وورقاء.
أما عن شعبة فرواه الطيالسيُّ وغُنْدر عنه بالإسناد السابق، وخالفهما النضر بن شميل ومعاذ بن معاذ العنبري.
إذ أخرجه: الترمذيُّ (٢١٤٥) (م) من طريق النضر بن شميل.
وأخرجه: الفريابي في " القدر " (١٩٣) من طريق معاذ بن معاذ العنبريِّ.
كلاهما: (النضر، ومعاذ) عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن رجل، عن عليٍّ به. بجعل رجل غير مسمى بين ربعي وعليٍّ.
قال الترمذي: «حديث أبي داود، عن شعبة عندي أصح من حديث
стр. 499
النضر، وهكذا روى غير واحد عن منصور، عن ربعي، عن عليٍّ». فعلى هذا يكون الراجح الطريق الأول.
وأما عن سفيان الثوري: فرواه عنه عدة، بالإسناد السابق، ولكنَّهم خولفوا.
فأخرجه: أحمد ١/ ١٣٣، ومن طريقه ابنه عبد الله في " السنة " (٨٤٦) عن وكيع.
وأخرجه: عبد بن حميد (٧٥)، وابن بطة في " الإبانة " (١٤٥٠)، والبيهقي في " كتاب القضاء " (١) كما في " مسند علي " ٣/ ٩٠٠ (٥١٢٩)، والبغوي (٦٦) وفي " التفسير "، له (٢٠٨٥) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين.
وأخرجه: البغوي (٦٦) وفي " التفسير "، له (٢٠٨٥) من طريق عبيد الله بن موسى.
وأخرجه: الحاكم ١/ ٣٣، والبيهقي في " كتاب القضاء " (٢) كما في "مسند علي " ٣/ ٩٠٠ (٥١٢٩) من طريق أبي حذيفة (٣).
وأخرجه: البيهقي في " كتاب القضاء " (٤) كما في " مسند علي " ٣/ ٩٠٠ (٥١٢٩)، والبغوي (٦٦) وفي " التفسير "، له (٢٠٨٥) من طريق يعلى بن عبيد.
خمستهم: (وكيع، وأبو نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأبو حذيفة، ويعلى) عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن رجل (٥)، عن عليٍّ، به. فزادوا في إسناد الثوري رجلاً مبهماً. بنحو رواية شعبة الثانية.
стр. 500
قال الحاكم: «أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي وإنْ كان البخاري يحتج به، فإنَّه كثير الوهم لا يحكم له على أبي عاصم النبيل، ومحمد بن كثير وأقرانهم، بل يلزم الخطأ إذا خالفهم». وهذا إعلال منه لهذا الإسناد بأبي حذيفة، إلا أنَّ أبا حذيفة لم ينفرد بهذه الرواية بل توبع عليها كما تقدم.
أما عن ورقاء: فرواه عنه بهلول عند اللالكائي بالإسناد الأول من دون الرجل المبهم. وخالفه الطيالسي إذ أخرجه في " مسنده " (١٠٦) عن ورقاء، عن منصور، عن ربعي، عن رجل، عن عليٍّ، به.
وتابعهم أبو الأحوص.
إذ أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٨٣٠) وفي " الإيمان "، له (٣)، والفريابي في " القدر " (١٩٢)، وأبو يعلى (٣٧٦)، والآجري في " الشريعة ": ١٨٧ - ١٨٨ ط. السنة المحمدية و (٣٧٤) ط. الوطن من طريق أبي الأحوص، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من بني أسد، عن عليٍّ، به، ولفظه: «أربعٌ لنْ يجدَ رجلٌ طعمَ الإيمانِ حتى يؤمنَ بهنَّ … ».
وتابعهم سليمان التيمي، عن منصور، بهذا الإسناد كما في " علل الدارقطني " ٣/ ١٩٦ س (٣٥٧).
قال الدارقطني: «وهو الصواب» يعني: بذكر الرجل المبهم، وقد خالف الترمذيَّ، والحاكم بهذا القول.
ومن هذا يتبين عدم الجزم بترجيح أحد الإسنادين، ويمكن أنْ يكون
ربعي بن حراش سمعه من عليٍّ مرة، وسمعه أخرى بوساطة الرجل المبهم الذي لم يُسمَّ؛ لأنَّ ربعياً مخضرم وقد سمع من عليٍّ أيضاً، وقد خرّج له البخاري، عن عليٍّ حديث: «لا تكذبوا عليَّ، فإنَّه منْ يكذب عليَّ يلج النار» (١).
وقال العلائي في " جامع لتحصيل ": ١٧٤ (١٨٢): «فإنَّه تابعي كبير سمع عمر ﵁ وغيره».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٣٣ (١٠٠٨٩)، " وإتحاف المهرة " ١١/ ٣٧٧
стр. 501
(١٤٢٣٣) و ١١/ ٧٠٣ (١٤٩٠٣)، " وأطراف المسند " ٤/ ٤٠٥ (٦٢٢٣) و ٤/ ٥١١ (٦٤٨٨).
والرواة حينما يبهمون شيوخهم فهم في الغالب لا يبهمونهم إلا لضعفهم، والراوي الضعيف مظنة الخطأ، مثاله ما روى محمد بن إسحاق، قال: حدثني رجلٌ، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس، قال: أهْدى رسولُ اللهِ ﷺ في حجَّةِ الوداع مئَةَ بدنَةٍ، نحرَ منها ثلاثينَ بدنةً بيده، ثُمَّ أمَرَ علياً فنحرَ ما بقي منها، وقالَ: «اقْسِمْ لُحُومَها وجلَالها وجُلودَها بين الناسِ، ولا تُعْطينَّ جَزَّاراً منها شيئاً، وخُذْ لنا من كلِّ بعيرٍ حُذْيةً من لحمٍ، ثم اجْعلْها في قِدْرٍ واحدةٍ، حتى نأْكُلَ من لَحْمِها، ونَحْسُوَ من مَرَقِها» فَفَعَل.
أخرجه: أحمد ١/ ٢٦٠.
أقول: هذا إسناد ضعيف ومتنه منكر. أما ضعف إسناده؛ فلإبهام شيخ محمد هنا، وهو مع أنَّه مبهم لا يعرف فقد خالف أصحاب ابن أبي نجيح، وذلك أنَّ المحفوظ أنَّ ابن أبي نجيح يرويه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ كما سيأتي.
انظر: " إتحاف المهرة " ٨/ ٤٢ (٨٨٧٠).
وأخرجه: أحمد ١/ ١٥٩ - ١٦٠، وأبو داود (١٧٦٤)، ومن طريقه البيهقي ٥/ ٢٣٨ من طرق عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن عليٍّ، قال: لما نَحَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بُدْنه نَحَرَ بيده ثلاثينَ، وأمرني فنحرتُ سائرها، وقال: «اقسم لُحومها بينَ الناسِ وجُلُودها وجلالها، ولا تُعطينَّ جازراً منها شيئاً» (١).
هذا هو المحفوظ من حديث عليٍّ ﵁، وهذه الرواية توبع عليها ابن إسحاق.
فقد أخرجه: الحميدي (٤٢)، وأحمد ١/ ١٤٣، والبخاري ٢/ ٢٠٨ -
стр. 502
٢٠٩ (١٧٠٧) و ٣/ ١٢٨ (٢٢٩٩)، ومسلم ٤/ ٨٧ (١٣١٧)(٣٤٨)، والنَّسائي في " الكبرى " (٤١٤٧) ط. العلمية و (٤١٣٣) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٢٩١٩) بتحقيقي من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه: مسلم ٤/ ٨٧ (١٣١٧)(٣٤٨)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (٤١٤٨) ط. العلمية و (٤١٣٤) ط. الرسالة من طريق هشام الدستوائيِّ.
وأخرجه: أحمد ١/ ١١٢، والبزار (٦٠٨)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (٤١٤٩)(١) ط. العلمية و (٤١٣٥) ط. الرسالة، وابن حبان (٤٠٢١) من طريق أيوب.
وأخرجه: البزار (٦١٦) من طريق شعبة.
أربعتهم: (سفيان، وهشام، وأيوب، وشعبة) عن ابن أبي نجيح (٢)، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن عليٍّ، قال: أمرني النَّبيُّ ﷺ أنْ أقومَ على بدنه، وأنْ أتصدقَ بجلودها وجلالها، وأراه قال: ولحومها (٣).
لذا فإنَّ رواية ابن عباس وهم، وهذا ما يخص علة الإسناد.
وأما علة المتن فالناظر في الروايات التي قدمناها سيجد أنَّ حديث عليٍّ ﵁ ليس فيه ذكر عدد البدن التي نحرها رسول الله ﷺ ، وإنَّما جاء ذكر العدد في رواية الراوي المبهم فقط.
وقد وهم هذا الراوي في موضع ثانٍ من هذا الحديث، وذلك أنَّ المحفوظ أنَّ رسول الله ﷺ إنَّما نحر ثلاثاً وستين بدنةً في ذلك اليوم وأمر علياً أنْ ينحر الباقي.
فقد أخرجه: أحمد ٣/ ٣٣١، وعبد بن حميد (١١٣٣) و (١١٣٥)،
стр. 503
ومسلم ٤/ ٣٨ - ٤٢ (١٢١٨)(١٤٧)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤) و (٣٠٧٦)، والنسائي في "الكبرى" (٤١١٩) و (٤١٣٩)
و (٦٦٩١) ط. العلمية و (٤١٠٥) و (٤١٢٥) و (٦٦٥٧) ط. الرسالة، وابن الجارود (٤٦٥) و (٤٦٩)، وابن حبان (٣٩٤٣) و (٤٠١٨)، والبيهقي ٥/ ٧ - ٨ و ١٣٣ - ١٣٤ و ٢٣٨ و ٢٤٠ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: كانَ عليٌّ قدم من اليمن بهديٍ لرسول الله ﷺ ، فكانَ الهديُ الذي قدمَ به رسولُ الله ﷺ وعليٌّ من اليمن مئَة بدنة، فنحرَ رسولُ اللهِ ﷺ منها ثلاثاً وستينَ، ونحرَ عليٌّ سبعاً وثلاثين، وأشرك علياً في بدنِهِ، ثُمَّ أخذ منْ كل بدنةٍ بضعةً، وجُعلتْ في قدْرٍ وطُبختْ فأكل رسول الله ﷺ وعليٌّ منْ لحمِها وشربا منْ مرقها (١).
انظر: " تحفة الأشراف " ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦ (٤٥٩٣)، و " إتحاف المهرة " ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧ (٣١٤٩).
إبهام الصحابي:
إذا انتهى الإسناد إلى الصحابي فلا نسأل عنه، و لا نبحث في حاله؛ لأنَّهم عدول بلا استثناء؛ لذلك فإنَّ جهالة اسم الصحابي لا تضر كأنْ يقول التابعي: (قال رجل من أصحاب النبي ﷺ ). وروى الخطيب بإسناده عن الأثرم قال: «قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: إذا قال رجل من التابعين: (حدثني رجل من أصحاب النبي ﵌ فالحديث صحيح؟ قال: نعم» (٢).
وقال ابن الصلاح: «والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأنَّ الصحابة كلهم
عدول» (٣).
وروى البخاري، عن الحميدي، قال: «إذا صح الإسناد عن الثقات إلى
стр. 504
رجل من أصحاب النبي ﷺ فهو حجة، وإن لم يسمّ ذلك الرجل» (١).
ولكن ينبغي التحرز من عنعنة التابعين عن ذلك الصحابي، لأننا لا نعرف سماع التابعي عن ذلك الصحابي، فإذا وصف التابعي بالتدليس أو كثرة الإرسال فحينئذ يجدر التوقف في ذلك الإسناد.
ويجب التنبيه على أن ما قدمناه هو ما عليه الجماهير من أهل العلم وقد خالف في ذلك ابن حزم ﵀ و اعتبره قادحاً في صحة الحديث (٢).
مثال ذلك: روى خالد الحذّاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن
أَوْس، عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ألا وإنَّ قتيلَ الخطأ شبه العمدِ ما كانَ بالسوطِ والعصا مئةٌ من الإبل أربعون في بُطُونها
أَولَادُهَا» (٣).
أخرجه: أبو داود (٤٥٤٧) و (٤٥٨٨)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، والنسائي ٨/ ٤١ وفي "الكبرى"، له (٦٩٩٦) ط. العلمية و (٦٩٦٩) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار" (٤٩٤٨) وفي (تحفة
الأخيار) (٣٢٨٤)، والبيهقي في " المعرفة " (٤٨٧٢) ط. العلمية
و (١٥٩٨٤) ط. الوعي، والمزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ١٩٣ (٤٥٥٩) من طريق حماد بن زيد.
وأخرجه: أبو داود (٤٥٤٨) و (٤٥٨٩)، وابن حبان (٦٠١١)، والدارقطني ٣/ ١٠٣ ط. العلمية و (٣١٧٠) ط. الرسالة من طريق وهيب.
كلاهما: (حماد، ووهيب) عن خالد الحذّاء (٤) بهذا الإسناد.
فهذان الاثنان: (حماد، ووهيب) خالفا جمعاً من الثقات رووه عن خالد فأبهموا اسم الصحابي.
إذ أخرجه: الشافعيُّ في " المسند " (١٦٣٨) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" (٤٨٧١) ط. العلمية و (١٥٩٨٣) ط. الوعي من طريق الثقفي (٥).
стр. 505
وأخرجه: عبد الرزاق (١٧٢١٣)، ومن طريقه الدارقطني ٣/ ١٠٤ ط. العلمية و (٣١٧١) ط. الرسالة من طريق الثوري.
وأخرجه: أحمد ٥/ ٤١٢ من طريق إسماعيل.
وأخرجه: النسائي ٨/ ٤١ - ٤٢ وفي "الكبرى"، له (٦٩٩٩) ط. العلمية و (٦٩٧٢) ط. الرسالة، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٩٤٩) وفي (تحفة الأخيار) (٣٢٨٥) من طريق بشر بن المفضل.
وأخرجه: النَّسائي في "الكبرى" (٧٠٠٠) و (٧٠٠١) ط. العلمية و (٦٩٧٣) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٩٥٠) وفي (تحفة الأخيار) (٣٢٨٦) من طريق يزيد بن زريع.
وأخرجه: الدارقطني ٣/ ١٠٢ ط. العلمية و (٣١٦٨) ط. الرسالة من طريق بشر بن المفضل ويزيد بن زريع (مقرونين).
فهؤلاء الخمسة: (عبد الوهاب، والثوري، وإسماعيل، وبشر، ويزيد) رووه عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة (١) بن أوس، عن رجل (٢) من
стр. 506
أصحاب النبي ﷺ حدثه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ألا وإنَّ قَتيلَ الخطأ شِبهِ العمْد، قتيلَ السَّوط والعَصا، فيه مئة من الإبل منها أربعون يعني في بطونها
أولادُها».
وأخرجه: أحمد ٣/ ٤١٠، والنسائي ٨/ ٤١ وفي "الكبرى"، له (٦٩٩٧) ط. العلمية و (٦٩٧٠) ط. الرسالة من طريق هشيم، عن خالد، عن
القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أَوْسٍ، عن رجل من أصْحَاب النَّبيِّ ﷺ قال خطب النَّبيُّ ﷺ يوم فتح مكة، فقال: «ألا وإنَّ قتيل الخطأ العَمْدِ (١) بالسَّوْطِ والْعَصَا والحَجَرِ مئةٌ منَ الإبل فيها أَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً إلى بَازِل عَامهَا كُلُّهُنَّ … خَلِفَةٌ».
ومن هذا يتبين أنَّ هشيماً زاد العبارات: «الحَجَر»، و «أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة»، وهشيم ثقة ثبت، إلا أنَّه خالف بهذه الزيادة خمسة من الرواة فيهم الثوري، والجماعة أولى بالحفظ منه، فيتوقف في قبول زيادته لحينٍ ما يترجح قبولها أو ردها، والأقرب في ذلك ردها؛ لمخالفة هشيم لمن هو أوثق بالحفظ وأولى منه.
وقد روي عن خالد بوجه آخر.
فأخرجه: النسائي ٨/ ٤١ وفي " الكبرى "، له (٦٩٩٨) ط. العلمية
و (٦٩٧١) ط. الرسالة عن ابن أبي عدي، عن خالد، عن القاسم، عن عقبة، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً.
والحديث بهذا السند فيه علتان: الأولى: الإرسال، فعقبة وإنْ كان صدوقاً، إلا أنه ليس من الصحابة، قال ابن حجر في " التقريب" (٤٦٣١): «وهم من قال: له صحبة».
وقال ابن عبد البر في " الاستيعاب " (٢٧٩٣) بعد أن ذكر هذه الرواية: «هذا لا يصح، ولا يعرف في الصحابة يعقوب (٢) هذا عندهم».
стр. 507
والعلة الثانية: أنَّ ابن أبي عدي تفرّد بإرسال هذا الحديث، فخالف جمعاً من الثقات رووه عن خالد موصولاً، ما يجعل روايته شاذة لا يلتفت إليها.
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه:
فرواه شعبة، عن أيوب، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً.
أخرجه: أحمد ٢/ ١٦٤ و ١٦٦، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ٢٢٧ (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، والنسائي ٨/ ٤٠ وفي "الكبرى"، له (٦٩٩٤) ط. العلمية و (٦٩٦٧) ط. الرسالة، والطحاوي في … " شرح مشكل الآثار " (٤٩٤٦) وفي (تحفة الأخيار) (٣٢٨٢)، والدارقطني ٣/ ١٠٣ ط. العلمية و (٣١٦٩) ط. الرسالة.
هذا إسناد ضعيف؛ لاضطراب أيوب فيه، والقاسم بن ربيعة لم يصحّ له سماع من عبد الله بن عمرو، قال أبو زرعة في " تحفة التحصيل " (٨٤١)
: «قال عبد الحق في " أحكامه ": لا يصح له سماع من عبد الله بن عمرو».
ومن اضطراب أيوب فيه ما رواه عن القاسم بن ربيعة، عن النبيِّ ﷺ ، مرسلاً.
أخرجه: النسائي ٨/ ٤٠ - ٤١ وفي " الكبرى "، له (٦٩٩٥) ط. العلمية و (٦٩٦٨) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٩٤٧) وفي (تحفة الأخيار) (٣٢٨٣) به؛ فالقاسم بن ربيعة ترجمه الحافظ في
"التقريب " (٥٤٥٧) وجعله من الثالثة، وهي الطبقة الوسطى من التابعين (١).
إلا أنَّ أيوب قد توبع، تابعه حميد الطويل عند النسائي ٨/ ٤٢ وفي
"الكبرى "، له (٧٠٠٣) ط. العلمية و (٦٩٤٧) ط. الرسالة وهذه المتابعة لا تصحح من هذه الرواية شيئاً؛ لأنَّ علة هذا الطريق أنَّه مرسل.
стр. 508
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه.
فرواه علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر.
أخرجه: الشافعي في " الأم " ٦/ ٨ و ١٠٥ وفي ط. الوفاء ٧/ ١٩ و ٧/ ٢٥٧ وفي " السنن المأثورة " (٦٣٧) وفي " المسند "، له (١٦٣٧) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٤٤ وفي " المعرفة"، له (٤٨٧٠) … ط. العلمية و (١٥٨١٩) ط. الوعي، والبغوي (٢٥٣٦).
وأخرجه: عبد الرزاق (١٧٢١٢)، والحميدي (٧٠٢)، وابن أبي شيبة (٢٧١٥١)، وأحمد ٢/ ١١ و ٣٦، وأبو داود (٤٥٤٩)، وابن ماجه (٢٦٢٨)، والنسائي ٨/ ٤٢ وفي " الكبرى "، له (٧٠٠٢) ط. العلمية
و (٦٩٧٥) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٥٦٧٥)، والدارقطني ٣/ ١٠٤ … ط. العلمية و (٣١٧٢) و (٣١٧٣) ط. الرسالة من طرق عن علي بن زيد ابن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر.
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان قال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " ٥/ ٤١٠ (٢٥٧٦): «فأما من رواية عبد الله بن عمر فلا يكون صحيحاً؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان»، ونقل ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكين " (٢٣٧٣) أنَّ ابن عيينة ضعّفه، ونقل عن حماد بن زيد أنَّه قال فيه: «كان يقلب الأخبار، وذكر شعبة أنه اختلط»، وقال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " برواية الدارمي (٤٧٢): «ليس بذاك القوي»، ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٦/ ٢٤٠ (١٠٢١) عن شعبة أنَّه قال فيه: «كان رفّاعاً» (١)، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال فيه
: «ليس هو بالقوي، روى عنه الناس»، ونقل عن أبيه أنه قال فيه: «ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به»، ونقل عن أبي زرعة أنه قال فيه: «ليس بالقوي».
стр. 509
ومع ضعف علي فإن في حديثه علتين:
الأولى: أنه خالف جمعاً من الرواة الثقات، رووه عن رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، أو عن عبد الله بن عمرو، وتفرّد ابن جدعان فَنَسبَ هذا الحديث لابن عمر، ما جعل روايته منكرة لمخالفته الثقات.
والعلة الثانية: أن ابن جدعان قد اضطرب في هذا الحديث، فرواه عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، كما سبق، ورواه عن يعقوب السدوسي، عن ابن عمر.
أخرجه: ابن أبي حاتم في " العلل " (١٣٨٩).
ورواه عن يعقوب السدوسي، عن عبد الله بن عمرو.
أخرجه: ابن أبي حاتم في " العلل " (١٣٨٩)، والدارقطني ٣/ ١٠٣ ط. العلمية و (٣١٦٩) ط. الرسالة من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يعقوب السدوسي، عن عبد الله بن عمرو.
وهذه الطرق كلها ضعيفة، ولا تقوي من حديث ابن جدعان شيئاً، على أنها متفاوتةٌ في الضعف فقد نقل ابن أبي حاتم في " العلل " (١٣٨٩) عقب نقله لروايات ابن جدعان عن أبي زرعة أنه قال: «حديث القاسم بن ربيعة أصح»؛ ولكن هذا الكلام لا يؤخذ على تصحيح رواية القاسم، بل إنَّ قصد أبي زرعة أنَّ رواية القاسم أقل خطأ من بقية الروايات، والله أعلم.
ولعل سبب ترجيح أبي زرعة لطريق القاسم أنَّ يزيد بن هارون الذي روى هذا الحديث عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان. قد توبع، تابعه أسد بن موسى فيما ذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (١٣٨٩)، والله أعلم (١).
وأسد هذا قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٣٩ (١٦٤٥)
:
стр. 510
«مشهور الحديث»، ونقل المزي في " تهذيب الكمال " ١/ ٢٠٧ (٣٩٣) عن النسائي أنه قال فيه: «ثقة»، وهذا ما يقوي روايته، إلا أن ابن أبي حاتم ذكر هذه الرواية بصيغة التعليق، وَبَيْنَ وفاتيهما (٢١٥) سنة تقريباً.
فعلى هذا تكون جميع طرق هذا الحديث معلولة.
انظر: " تحفة الأشراف " ٦/ ١٢٦ (٨٩١١)، و " نصب الراية " ٤/ ٣٣١ و ٣٥٦، و "البدر المنير " ٨/ ٣٥٥ - ٣٦٠، و " أطراف المسند " ٤/ ٨٣ (٥٣٤٦)، و "التلخيص الحبير" ٤/ ٤٧ (١٦٨١) و ٤/ ٧٠ (١٦٩٦)، و" إتحاف المهرة " ٩/ ٤٤٨ (١٢٠١٣) و ٩/ ٦١١ (١٢٠٤٦).
الثالث: الراوي المبتدع:
البدعة لغة: من بدع وابتدع. وبدعتُ الشيء قولاً وفعلاً إذا ابتدأته لا على مثال سابق (١). والبديع والبدْع: الشيء الذي يكون أولاً، قال تعالى
: ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ (٢) أي: ما كنت أول من أرسل.
وقال الفيروزآبادي: «البدعة -بكسر الباء- الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال» (٣).
أما في الاصطلاح: فقد عرفها الشاطبي بقوله: «البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة
الشرعية … » (٤).
وقال الحافظ ابن حجر: «وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة» (٥).
وعرفها بقوله: «هي اعتقاد ما حدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا بمعاندة بل بنوع شبهة» (٦).
стр. 511
وعرفها السخاوي بقوله: «هي ما أحدث على غير مثال متقدم فيشمل المحمود والمذموم .. ولكنها خصت شرعاً بالمذموم مما هو خلاف المعروف عن النبي ﷺ » (١).
وقد أعلت كثير من الأحاديث النبوية وتوقف عن العمل بها؛ لأنَّ أحد رواتها كان مبتدعاً. فالابتداع أحد الأسباب التي جعلت قسماً من العلماء لا يقبلون بعض الأحاديث.
أقسام البدعة:
قبل الخوض في تقسيم البدع، لا بد من بيان أنَّ البدع التي يذكرها أهل الجرح والتعديل يقصدون بها: البدع العقدية، لا البدع الإضافية في أبواب الفروع. وأصول البدع تعود جملتها إلى: بدعة الخوارج: وهي أول البدع في الإسلام، حين شقوا عصا الطاعة وخرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ .. ، والقدرية: وهم القائلون بنفي القدر .. ، والرافضة: الذين يبغضون أبا بكر وعمر وعثمان أو يكفرونهم، ويغالون في علي وأهل بيته .. ، والناصبة: من يبغضون علياً وأهل بيته، والمرجئة: الذين يقولون إنَّ الإيمان اعتقاد القلب وإقرار اللسان فهو لا يزيد ولا ينقص .. ، والجهمية: أتباع جهم بن صفوان في نفي صفات الله تعالى واعتقاد خلق القرآن .. ، والواقفة: الذين توقفوا في
القرآن فقالوا: لا نقول هو مخلوق، ولا غير مخلوق .. (٢).
قال الحافظ ابن حجر: «وأما البدعة فالموصوف بها إما أنْ يكون ممن يُكفَّر بها أو يفسَّق، فالمكفَّر بها لا بد أن يكون التكفير متفقاً عليه من قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أو غير ذلك وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة، والمفسَّق بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين
стр. 512
لأصول السنة خلافاً ظاهراً لكنَّه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله إذا كان معروفاً بالتحرز من الكذب، مشهوراً بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفاً بالديانة والعبادة، فقيل: يقبل مطلقاً وقيل: يرد مطلقاً» (١).
وقال الإمام علي بن المديني: «من تنقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوءه، فهو مبتدع حتى يترحم عليهم جميعاً؛ فيكون قلبه لهم سليماً» (٢).
حكم المبتدع وحديثه:
هذا المبحث يدخل في علم الجرح والتعديل وهو من أخطر مباحثه؛ كونه يدخل في الراوي أموراً خارجة عن ضبط الراوي وعن مروياته، وإنَّما يبحث في ما يعتقده الراوي وما يدين الله به؛ لذا فقد اختلفت مشارب بعض الرواة في أمور في العقيدة، وهذا الاختلاف في بعض أمور العقيدة نتج عنه أن يكفِّر بعضهم بعضاً، وفي ذلك يقول ابن دقيق العيد: «المخالفة في العقائد: فإنَّها أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أو تبديعهم، وأوجبت عصبية اعتقدوها ديناً يتدينون به، ويتقربون به إلى الله، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير، أو التبديع، وهذا موجود كثيراً في الطبقة المتوسطة من المتقدمين، والذي تقرر عندنا لا تعتبر المذاهب في الرواية» (٣)، وقال الحافظ ابن حجر: «من المعلوم أنَّ كل فرقة ترد قول مخالفها، وربما كفرته، فينبغي التحري في ذلك» (٤). وأما المكفرات فقد بينها البقاعي فقال: « .. فكل من جحد مُجْمَعاً عليه معلوماً من الدين بالضرورة كفر، سواء كان فيه نص أو لا، ومعنى العلم بالضرورة: أن يكون ذلك المعلوم من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في
стр. 513
معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة والحج وتحريم الخمر والزنا» (١).
فالمُكَفَّر ببدعته لا تقبل روايته عند الجمهور، نقل الإمام النووي الاتفاق على ذلك (٢)، لكنه لم يوافَق على نقل الإجماع، فقد اعترض عليه في ذلك الحافظ ابن حجر والسيوطي ونقلا: بأنَّها تقبل عند قوم إن اعتقد حرمة الكذب (٣).
أما إذا لم يكن مُكفَّراً ببدعته فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كبيراً على أقوال منها:
القول الأول: رد روايته مطلقاً وعدم الاحتجاج بها (٤). وهذا القول عزاه السيوطي لمالك (٥).
القول الثاني: تقبل رواية المبتدع إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، و لا يستحل الشهادة بالزور لمن وافقه سواء أكان داعية إلى بدعته أم لم يكن (٦)، قال الشافعي: «وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنَّهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم» (٧).
القول الثالث:- فصلوا ذلك: إن كان المبتدع داعية إلى بدعته لم تقبل روايته وإن لم يكن داعية قبلت، ومنهم من زاد: إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يشيد بدعته و يزينها و يحسنها ظاهراً فلا تقبل وإن لم تشتمل قبلت (٨).
стр. 514
وقال ابن حبان: «وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أنَّ الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أنَّ الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره» (١). وتعقبه الحافظ ابن حجر في دعواه الاتفاق على ذلك فقال: «وأغرب ابن حبان فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية من غير تفصيل. نعم الأكثر على قبول غير الداعية، إلا إنْ روى ما يقوي بدعته؛ فيرد على المذهب المختار» (٢).
القول الرابع: التفريق بحسب شدة البدع وخفتها في نفسها، وبحسب الغلو فيها أو عدمه بالنسبة إلى صاحبها (٣). ومن ذلك إذا رمي الراوي بالإرجاء أو القدر، فقد قبل الإمام أحمد حديثهما فقال: «احتملوا المرجئة في
الحديث» (٤)، وقال أبو داود: «قلت لأحمد: يكتب عن القدري؟ قال: إذا لم يكن داعياً» (٥)، وقال المروذي (٦): «وكان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية» (٧).
القول الخامس: عدم اعتبار البدعة جرحاً مسقطاً لحديث الراوي لما تقوم عليه من التأويل، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق والسلامة من الفسق والكذب (٨).
стр. 515
ومما أعله النقاد فردوا رواية راويه لكونها مما يشيد مذهب ذلك الراوي مع مخالفته الثقات ما روى أبو حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن يحيى بن يعمر، قالَ: دخلتُ المسجد فإذا عبدُ الله بن عمر جالسٌ، فقلت لصاحبي: انطلقْ بنا إليه، فجلسنا معه، فقلتُ له: يا أبا عبد الرحمان أنا منقلبٌ في هذه الأرضين، ونلقى قوماً يقولون: لا قدَرَ، فغضبَ غضباً شديداً، فقالَ: آتهم فأخبرهم أنَّ عبد الله بن عمر منهم بريءٌ، وإنهم مني براءٌ ثلاثَ مراتٍ، ولو أجد أعواناً لجاهدتهم عليه، ثم أنشأ يحدثنا قال: بينا أنا عند النبي ﷺ في أناس من أصحابه إذ دخل عليه شابٌ حسن الوجهِ، طيب الريح، حسن الثياب، حسن الهيئةِ، فقال: السلامُ عليك يا نبيَّ اللهِ، قال: فردَّ النَّبيُّ ﷺ السلام ورددنا، ثمَّ قالَ: أَدْنُو يا رسولَ الله؟ قالَ: «نعمْ» فدنا حتى أَلصقَ ركبته بركبةِ النبيِّ ﷺ ، ثُمَّ قالَ: ما الإيمانُ؟ قالَ: «الإيمانُ باللهِ، وملائكتهِ،
وكتبهِ، ورسلهِ، والقدرِ خيرهِ وشرهِ منَ الله»، قال: صدقتَ، فعجبنا من قوله: صدقتَ، مع توقيرهِ إياه كأنَّه يعلمُ، ثم قالَ: ما شرائعُ الإسلام؟ قالَ: «إقامُ الصلاةِ، وإيتاء الزكاةِ، وحجُّ البيتِ، وصومُ رمضانَ، والاغتسال من الجنابةِ» قال: صدقتَ، فعجبنا من قولهِ: صدقتَ، قالَ: ما الإحسان؟ قالَ: «أنْ تعمل لله كأنَّك تراهُ، فإنْ لمْ تكنْ تراهُ، فإنهُ يراكَ»، قال: متى الساعة؟ قالَ: «ما المسؤول عنها بأعلمَ منَ السائلِ» قالَ: صدقتَ، ثمَّ قام فانطلقَ، فقال رسولُ الله ﷺ : «عليَّ بالرجل» قالَ: فطلبناه وهو بين أظهرنا، فكأنَّما التقمتهُ (١) الأرضُ، فما وجدناهُ، ولا رأينا شيئاً، فأخبرنا
стр. 516
النَّبي ﷺ ، فقالَ: «هذا جبريلُ أتاكم ليعلمَكم معالمَ دينِكم، ما جاءني في صورةٍ إلا وأنا أعرفُ فيها، إلا اليومَ في هذه الصورة».
أخرجه: أبو حنيفة في " مسنده ": ١٥٢ (رواية أبي نعيم).
هذا حديث صحيح مشهور، إلا أنَّ فيه عبارة منكرة، وهي قوله: «ما شرائع الإسلام» وهذه العبارة ليستْ من الحديث في شيء، وقد حملَ مسلمٌ في " التمييز ": ٧٥ على أبي حنيفة في اختلاق هذه العبارة، فقالَ: «فهذه زيادةٌ مختلقةٌ، ليستْ من الحروف بسبيل، وإنَّما أدخل هذا الحرف - في رواية هذا الحديث - شِرْذِمة (١) زيادة في الحرف مثل ضرب النُّعمان بن ثابت وسعيد بن سنان، ومن يُجاري الإرجاء نحوهما، وإنَّما أرادوا بذلكَ تصويباً في قوله في الإيمان، وتقعيد الإرجاء، ذلك ما لم يزد قولهم إلا وهناً، وعن الحق إلا بُعداً، إذ زادوا في رواية الأخبار ما كفى بأهلِ العلم، والدليل على ما قلنا من إدخالهم الزيادة في هذا الخبر أنَّ عطاء بن السائب وسفيان روياه عن علقمة فقالا: قال: يا رسولَ اللهِ ما الإسلام؟ وعلى ذلك رواية الناس بعد مثل: سليمان، ومطر، وكهمس ومحارب، وعثمان، وحسين بن حسن وغيرهم من الحفاظ كلهم يحكي في روايته أنَّ جبريل ﵇ قالَ: يا محمد ما الإسلام؟ ولم يقلْ: ما شرائعُ الإسلامِ؟ كما روت المرجئة».
قلت: توبع أبو حنيفة على هذه العبارة تابعه عبد العزيز بن أبي رواد (٢) عند العقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٨ - ٩، وأبي نعيم في "حلية الأولياء" ٨/ ٢٠٢، إلا أنَّ هذه المتابعة لا تنفع، ولا تقوّي رواية أبي حنيفة بشيء؛ لأنَّ عبد العزيز معروف بالإرجاء، وعلى كل حال فإنَّ هذه العبارة أينما دارت دارت على مرجئ (٣).
стр. 517
وقد ذهب العلماء إلى توهينها، فقال أبو داود عقب (٤٦٩٧): «هذا حديث المرجئة»، وقال العقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٩ عقب تخريجه لرواية عبد العزيز: «هكذا قال: شرائع الإسلام، وتابعه على هذه اللفظة أبو حنيفة، وجراح بن الضحاك وهؤلاء مرجئة، وكان علقمة بن مرثد يذهب إلى الإرجاء».
وقال أيضاً فيما نقله ابن القيم في " حاشيته " المطبوعة مع مختصر سنن أبي داود ٤/ ٢٩٥: «وهذه زيادة مرجئ تفرّد بها عن الثقات الأئمة فلا تقبل»، وقال ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " ١/ ١٦١ بتحقيقي: «وهذه اللفظة لم تصحّ عند أئمة الحديث ونقّاده، منهم: أبو زرعة الرازي،
ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيلي وغيرهم».
وما يدل على خطأ من قال بهذه العبارة أنَّ الحديث قد روي عن علقمة ابن مرثد بإسناد آخر فلم تذكر فيه هذه العبارة، فجعلوه عنه عن سليمان بن بريدة، عن يحيى بن يعمر فرواه: سفيان الثوري عند أحمد ١/ ٥٢ و ٥٣، وأبي داود (٤٦٩٧)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٦٨) و (٣٦٩) عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: «ما الإسلام».
وقد روي هذا الحديث من غير طريق سليمان بن بريدة فلم تذكر فيه هذه العبارة أيضاً فرواه: الركين بن الربيع (١) عند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧٠)، والنسائي في "الكبرى" (٥٨٨٣) ط. العلمية و (٥٨٥٢) ط. الرسالة. وعلي بن زيد بن جدعان (٢) عند أحمد ٢/ ١٠٧، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧١).
وإسحاق بن سويد (٣) عند أحمد ٢/ ١٠٧، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧٢).
стр. 518
ثلاثتهم: (الركين، وعلي، وإسحاق) عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، به.
وخالفهم عطاء الخراساني فرواه عند المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" … (٣٧٣) عن يحيى بن يعمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ … فذكره ولم يذكر فيه ابن عمر، وهذا إسنادٌ مرسلٌ.
وقد روي هذا الحديث من غير طريق يحيى فلم تذكر فيه العبارة. فرواه محارب بن دثار (١) عند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧٤).
ورواه عبد الملك بن قدامة الجمحي قال: حدثنا عبد الله بن دينار (٢) عند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧٥) و (٣٧٦).
كلاهما: (محارب، وعبد الله) عن ابن عمر ولم يذكر أحد منهم تلك العبارة.
مما تقدم يتضح أنَّ عبارة: «شرائع الإسلام» ليست صحيحة وليست من الحديث في شيء.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٥/ ٢١٨ (٧١٢٠)، و " أطراف المسند " ٣/ ٥٩٧ (٥٠٥٠)، و " المسند الجامع " ١٠/ ١١ - ١٢ (٧١٦٩).
стр. 519
المبحث الثاني
الإعلال بسبب الطعن في ضبط الراوي
حفظ الراوي لحديثه ركن أساسي لتزكيته، فإذا حفظ الراوي حديثه سمي ضابطاً، إذن فالضبط هو: «أن يكون - أي الراوي - متيقظاً حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدث منه، عارفاً بما يحيل المعنى إن روى به .. » (١)، أو هو: «حفظ المسموع وتثبيته من الفوات والخلل بحيث يتمكن من استحضاره» (٢)، وقال العراقي: «أن لا يكون مغفلاً كثير الغلط، وذلك بأن يعتبر حديثه بحديث أهل الضبط والإتقان فإن وافقهم غالباً فهو
ضابط» (٣).
ومن هذه التعاريف تكون غاية الضبط، معرفة قوة حفظ الراوي لحديثه، وتمكنه من أدائه حال الأداء، وهو متفاوت عند الرواة فمنهم من كان ضبطه في أعلى الدرجات كسفيان وشعبة والزهري والأعمش وغيرهم، ومنهم من كان ضبطه متردداً بين التمام والقصور، ودونهم من ساء ضبطه، والاختلال في ضبط الراوي من عوامل الطعن فيه. وهذا المبحث فيه ثلاثة فروع:
الأول: سوء حفظ الراوي:
إذا كان في سند حديث ما راو قد ضعف بسبب سوء الحفظ، ولم توجد قرينة دالة على أنَّ الراوي السيئ الحفظ قد حفظ حديثه - كأن تكون له متابعات أو شواهد- فإنَّ هذا الحديث يتوقف فيه سيما إذا انفرد، و لا يعمل به إلا حيث يعمل بالحديث الضعيف، وحسب الضوابط التي قررها العلماء للعمل به (٤).
стр. 520
وذلك لأنَّ الحديث الذي يرويه راو مختل الضبط قد فقد شرطاً من شروط الصحة فاحتمال وهمه فيه قائم لسوء حفظه، و قد وجدنا خلال البحث والسبر أنَّ بعض العلماء قد احتجوا بأحاديث بعض الضعفاء، وهي مخالفة لرواية الثقات، فقد يرى إمام من الأئمة أنَّ الراوي قد حفظ هذا الحديث وسلم فيه من الخطأ كأن يجد له ما يقويه، أو يحسن الظن بالراوي، أولم يطلع على روايات الثقات - و هو ممن يرى العمل بالحديث الضعيف الذي لا يجد في الباب أحسن منه ما لم يجمع على ترك راويه - فإذا عمل البعض بهذا الحديث، وترك العمل به آخرون كان ذلك سبباً من أسباب الاختلاف بين الفقهاء (١).
وكما أنَّ ليس كل ما يرويه الثقة صواباً، فليس كل ما يرويه الضعيف خطأ، فقد تصح بعض أحاديث الضعفاء، وكذلك يقع الضعفاء في الخطأ، وكما أن العلة تكون في حديث الثقة ويعسر على المحدث الوقوف عليها، فكذلك تقع العلة في أحاديث الضعفاء، ويكون الحكم على العلة في حديث الضعيف ليس من الأمر السهل، بل هو أمر يحتاج إلى دقة ونظر واسع واطلاع غايص.
مثال ما حصلت فيه العلة في أحاديث الضعفاء ما روى ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي ﵁: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «آمين» حينَ يفرغُ منْ قراءةِ فاتحةِ الكتاب.
أخرجه: ابن أبي حاتم في " العلل " عقب (٢٥١) من طريق عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، به.
وأخرجه: ابن ماجه (٨٥٤) من طريق حميد بن عبد الرحمان، عن ابن أبي ليلى بهذا الإسناد لكن بلفظ: سمعتُ رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين».
قال الدارقطني في " العلل " ٣/ ١٨٥ - ١٨٦ س (٣٤٩): «هو حديث
стр. 521
يرويه محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى واختلف عنه، رواه حميد بن
عبد الرحمان الرؤاسي، وعمران بن محمد، وسهيل بن صبرة، وزياد البكائي، وعيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي بن أبي طالب … ورواه مطلب بن زياد، عن ابن أبي ليلى فقال: عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي (١).
ورواه عمران [عن] (٢) ابن أبي ليلى، عن سلمة، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، عن النَّبيِّ ﷺ .
وقيل أيضاً عنه، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي.
والاضطراب في هذا من ابن أبي ليلى؛ لأنَّه كان سيّئ الحفظ، والمشهور عنه حديث حجية بن عدي .. ».
قال شعبة فيما نقله الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (٤١٢): «ما رأيت أسوأ حفظاً من ابن أبي ليلى».
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي (٣): فحديث المطلب، ما حاله؟
قال: «لم يروه غيره لا أدري ما هو، وهذا من ابن أبي ليلى، كان ابن أبي ليلى سيّئ الحفظ».
وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ١/ ١٠٦: «هذا إسناد فيه مقال: ابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى ضعّفه الجمهور (٤)، وقال
стр. 522
أبو حاتم: محله الصدق، وباقي رجاله ثقات وله شاهد من حديث وائل بن حجر رواه أبو داود، والترمذي (١) وقال: حديث حسن».
وعلى هذا فإنَّ الحديث منكر؛ لضعف ابن أبي ليلى ومخالفته للثقات (٢).
وانظر: "تحفة الأشراف" ٧/ ٢١ (١٠٠٦٥)، و"التلخيص الحبير" ١/ ٥٨٣ (٣٥٣).
والحديث حصلت فيه علل أخرى لشعبة بن الحجاج كما سيأتي في غير هذا الموضع.
مثال آخر: روى يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل (٣)، عن سعد بن عبادة ﵁، قالَ: حدَّثه غيرَ مرةٍ ولا مرتين: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: «ما منْ أميرِ عشرةٍ إلا يؤتى بهِ يومَ القيامةِ مَغْلولاً لا يفكُهُ منْ غلهِ إلا العدلُ، ومَنْ قرأ القرآنَ ثمَّ نسيهُ لقي اللهَ أجذمَ».
أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٤٩٥) و (٣٣٠٩٣)، والطبراني في "الكبير" (٥٣٩١) من طريق محمد بن فضيل.
وأخرجه: سعيد بن منصور (١٨) (التفسير)، ومسدد كما في " إتحاف الخيرة " (٤١٨٦/ ١)، وأحمد ٥/ ٢٨٥، والحربي في " غريب الحديث " ٢/ ٤٢٨، والطبراني في "الكبير" (٥٣٨٩) و (٥٣٩٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٩٧٠) ط. العلمية و (١٨١٨) ط. الرشد من طريق خالد ابن عبد الله.
كلاهما: (محمد، وخالد) عن يزيد بن أبي زياد، بهذا الإسناد.
أقول: هذا الإسناد مسلسل بالعلل:
стр. 523
فأما أولى علله: فهي ضعف يزيد بن أبي زياد، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٨/ ١٢٦ (٧٥٨٦) عن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال فيه: «حديثه ليس بذاك»، ونقل عن يحيى بن معين قوله فيه: «لا يحتج به»، وفي رواية الدارمي: «ليس بالقوي»، ونقل عن ابن المبارك قوله فيه: «أكرم به»، فتعقبه ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ١١/ ٢٨٦ فقال: «وقال ابن المبارك أرم به كذا هو في تاريخه، ووقع في أصل المزي «أكرم به» وهو تحريف، وقد نقله على الصواب أبو محمد بن حزم في "المحلى" (١) وأبو الفرج بن الجوزي في "الضعفاء" (٢) له».
أما علته الثانية: فهي جهالة عيسى بن فائد، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" ٥/ ٥٥٦ (٥٢٣٩) عن علي بن المديني أنَّه قال فيه: «لم يروِ عنه غيره» يعني: لم يروِ عنه غير يزيد بن أبي زياد، وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٣/ ٣١٩: «لا يدرى من هو»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٥٣١٩): «مجهول».
وأما علته الثالثة: فإنَّ يزيد - وعلى ما بيناه من ضعف حاله - قد اضطرب في روايته هذه فإنَّه كما تقدم رواه عن عيسى، عن رجل، عن سعد بن عبادة ﵁.
ورواه مرة أخرى بوجه آخر:
فأخرجه: عبد الرزاق (٥٩٨٩) عن ابن عيينة.
وأخرجه: أبو داود (١٤٧٤)، والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي" (٨٦) من طريق ابن إدريس.
وأخرجه: الطبراني في "الكبير" (٥٣٨٨) و (٥٣٩١) من طريق محمد بن فضيل.
وأخرجه: ابن عبد البر في "التمهيد" ٥/ ٢٨٣ من طريق شعبة.
стр. 524
وأخرجه: عبد بن حميد (٣٠٧) من طريق زائدة.
خمستهم: (ابن عيينة، وابن إدريس، ومحمد، وشعبة، وزائدة) عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى، عن سعد بن عبادة، به. بإسقاط المبهم من الإسناد.
وهذا الإسناد زاد الحديثَ ضعفاً على ضعفه، فإنَّه منقطع فيما بين عيسى بن فائد وسعد، فقد قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٥/ ٢٨٣: «معناه عندي منقطع الحجة، والله أعلم»، ونقل عنه ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٨/ ١٩٧ أنَّه قال: «هذا إسناد رديء (١) في هذا المعنى وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه»، وقال الذهبي في "الكاشف" (٤٣٩٤): «لم يدرك سعد بن عبادة»، وقال في "الميزان"، له ٣/ ٣١٩ (٦٥٩٤): «وهذا منقطع، وعيسى يتأمل حاله، ثم قد رواه شعبة، وجرير، وخالد بن عبد الله، وابن فضيل، عن يزيد فأدخلوا رجلاً بين ابن فائد وبين سعد، وقيل غير ذلك»، وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة" عقب (٤١٨٦): «ومدار أسانيد حديث سعد هذا على التابعي، وهو مجهول، وعيسى لم يسمع من سعد، قاله عبد الرحمان بن أبي حاتم (٢) وغيره».
ومن اضطراب يزيد أيضاً ما ذكره المزي في " تحفة الأشراف " ٣/ ٢٣٤ عقب (٣٨٣٥)، وابن حجر في " إتحاف المهرة " ٥/ ٨٧ (٤٩٨٤) فقالا: «ورواه أبو بكر بن عيّاش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت» وقد ذهبا رحمهما الله إلى حمل الوهم على أبي بكر بن عيّاش، فقال المزي ﵀: «ولم يتابع على ذلك» وقال ابن حجر: «وشذ بذلك».
قلت: إلا أنَّ الوهم من يزيد؛ لأنَّ أبا بكر قد توبع.
فقد أخرجه: أحمد ٥/ ٣٢٣ من طريق عبد العزيز بن مسلم (٣)، قال:
стр. 525
حدثني يزيد - يعني: ابن أبي زياد - عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت.
وأخرجه: عبد الله بن أحمد في "زوائده على مسند أبيه" (١)
٥/ ٣٢٨ من طريق أبي عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى، قال:- وكان أميراً على الكوفة - عن عبادة بن الصامت، فذكره.
ومن الاضطراب أيضاً ما ذكره المزي في " تحفة الأشراف " ٣/ ٢٣٥
стр. 526
(٣٨٣٥)، وابن حجر في " إتحاف المهرة " ٥/ ٨٧ (٤٩٨٤)، فقال المزي: «ورواه وكيع»، وقال ابن حجر: «وقال وكيع» عن أصحابه، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً، هذه رواية المزي، وقال ابن حجر: «لم يذكر بينهما أحداً».
ورواه شعبة واضطرب في تسمية والد عيسى اضطراباً كبيراً (١).
فقد أخرجه: أحمد ٥/ ٢٨٤ من طريق محمد بن جعفر.
وأخرجه: عبد بن حميد في "المنتخب" (٣٠٦) من طريق يزيد بن هارون.
وأخرجه: الدارمي (٣٣٤٠) من طريق سعيد بن عامر.
ثلاثتهم: (محمد، ويزيد، وسعيد) عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى، عن رجل، عن سعد.
وأخرجه: البزار في "مسنده" (٣٧٤٠) من طريق غندر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد أو لقيط.
وأخرجه: ابن عبد البر في "التمهيد" ٥/ ٢٨٣ من طريق عثمان بن عمر بن فارس، قال: أخبرنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، قال: سمعت رجلاً من أهل الجزيرة يقال له عيسى، يحدث عن سعد.
وهذا الإسناد شاذ، وقد تقدم الكلام عليه.
وأخرجه: الطبراني في "الكبير" (٥٣٨٧) و (٥٣٩٠) من طريق عمرو بن مرزوق.
وأخرجه: الحارث في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (٦٠٠) من طريق سعيد بن عامر.
كلاهما: (عمرو، وسعيد) عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن لقيط.
стр. 527
وأخرجه: البيهقي في "شعب الإيمان" (١٩٦٩) ط. العلمية و (١٨١٧) ط. الرشد من طريق سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن لقيط (١) أو إياد.
وأخرجه: الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٨٧) من طريق سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن لقيط أو إياد بن لقيط. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى حمل هذا الاختلاف على شعبة، فقال البيهقي: «كذا روي عن شعبة وهو خطأ، وإنَّما هو عيسى بن فائد، ورواه أبو عبيد، عن الحجاج، عن شعبة، على الصواب، وكذلك رواه غير شعبة، عن يزيد، عن عيسى بن فائد»، وقال المزي في "تحفة الأشراف" ٣/ ٢٣٤ (٣٨٣٥) عقب ذكره لبعض الاختلاف على شعبة: «وذلك معدود في أوهامه».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥ (٣٨٣٥)، " وإتحاف المهرة " ٥/ ٨٨ (٤٩٨٨).
ويشهد للشطر الأول من الحديث:
ما أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٣٠٩٤)، وأحمد ٢/ ٤٣١، والبزار كما في " كشف الأستار " (١٦٤٠)، وأبو يعلى (٦٦٢٩)، والبيهقي ٣/ ١٢٩ وفي "شعب الإيمان"، له (٧٣٨٢) ط. العلمية و (٦٩٩٧) ط. الرشد، والبغوي (٢٤٦٧) من طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مِنْ أميرِ عشرة (٢) إلا يُؤتى بهِ يومَ القيامةِ مغلولةً يداهُ إلى عنقِهِ أطلقَهُ الحقُ أو أوثقَهُ».
وأخرجه: الدارميُّ (٢٥١٥)، والبزار كما في " كشف الأستار " (١٦٣٨)
стр. 528
و (١٦٣٩) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، به.
وانظر: " إتحاف المهرة " ١٥/ ١٤ (١٨٧٧١).
مثال آخر: روى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يمان بن المغيرة
العنزيُّ، قال: حدَّثنا عطاء، عن ابن عباس، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «﴿إذا زلزلت﴾ تعدلُ نصف القرآن (١)، و ﴿قل هو الله أحد﴾ تَعْدلُ ثُلثَ القرآنِ، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدلُ ربعَ القرآنِ».
أخرجه: أبو عبيد في "فضائل القرآن": ١٤٠ (٢ - ٤٤)، والترمذيُّ (٢٨٩٤)، وابن الضريس في "فضائل القرآن" (٢٩٨)، وابن عدي في "الكامل" ٨/ ٥٢٨، والحاكم ١/ ٥٦٦، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٥١٤) ط. العلمية و (٢٢٨٤) ط. الرشد، والبغوي في "تفسيره" (٢٣٩٤) من طرق عن يزيد بن هارون (٢).
وأخرجه: ابن عبد البر في " التمهيد " ٣/ ٣٤٠ من طريق مسلم بن إبراهيم (٣).
كلاهما: (يزيد، ومسلم) عن يمان بن المغيرة، بهذا الإسناد.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» وتعقبه الذهبي في "التلخيص" فقال: «بل يمان ضعيف» (٤).
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٩/ ٧٨ عقب (٥٠١٥): «صحح الحاكمُ حديث ابن عباس، وفي سنده يمان بن المغيرة، وهو ضعيف عندهم».
стр. 529
وذكره الألباني في "الضعيفة" (١٣٤٢) وقال: «منكر» وأعله بيمان بن المغيرة. قلت: وهو كما قالوا، وعلة الحديث في شطره الأول: ﴿إذا زلزلت﴾، أما شطره الثاني ففيه أحاديث صحيحة (١)، وكذا الشطر الثالث فيه أحاديث حِسَان (٢).
ويمان بن المغيرة الذي هو علة الحديث قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٣٢١٩) برواية الدوري: «ليس حديثه بشيء»، وقال البخاري في "التاريخ الكبير " ٨/ ٢٩٩ (٣٥٧٩) وفي "التاريخ الصغير" ٢/ ١٦٩ وفي " الضعفاء
الصغير "، له (٤١٤): «منكر الحديث»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٦٥٣): «ليس بثقة»، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٣٧٨ (١٣٤٢): «سألت أبي عن اليمان بن المغيرة، فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث … وسألت أبا زرعة عنه، فقال: ضعيف الحديث».
انظر: " تحفة الأشراف " ٤/ ٥٢٨ (٥٩٧٠)، و" إتحاف المهرة " ٧/ ٤٥١ (٨١٩٣).
وللحديث شاهد من حديث أنس، وله عنه طريقان.
١ - طريق ثابت:
أخرجه: الترمذي (٢٨٩٣)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ١/ ٢٤٣، وابن حبان في "المجروحين" ١/ ٢٣٤، و البيهقي في " شعب الإيمان " (٢٥١٦) و (٢٥١٧) ط. العلمية و (٢٢٨٦) ط. الرشد، والخطيب في "تالي تلخيص المتشابه" ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣، والمزي في "تهذيب الكمال" ٢/ ١٣١ (١٢١٧) من طريق محمد بن موسى الحرشي، عن الحسن بن سلْم بن صالح العجلي، عن ثابت، عن أنس، به مرفوعاً.
стр. 530
قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هذا الشيخ الحسن بن سلم».
وقال الذهبي في "الميزان" ١/ ٤٩٣ (١٨٥٦): «هذا منكر، والحسن لا يعرف».
قلت: هذا الحديث ضعيف؛ من أجل الحسن بن سلم (١)
هذا، فهو مجهول كما قال الذهبي، وقال أيضاً في "الميزان" ١/ ٥٢٣ (١٩٥٠): «لا يكاد يعرف وخبره منكر». وقال عنه العقيلي في "الضعفاء" ١/ ٢٤٣: «مجهول في النقل، وحديثه غير محفوظ ولا روى عنه سوى محمد بن موسى الحرشي».
٢ - طريق يزيد الرقاشي:
أخرجه: محمد بن نصر في "قيام الليل" كما في "المختصر" (١٧٩) من طريق عمر بن رياح، عن يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس، به زاد فيه: «﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ عدلت ربع القرآن».
وهذا حديث ضعيف أيضاً، فيه عمر بن رياح، قال عنه الفلاس فيما نقله ابن عدي في "الكامل" ٦/ ١٠٦، والذهبي في "الميزان" ٣/ ١٩٧ (٦١٠٩):