وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٤٤٣) عنه عن طاووس سُئلَ مَنْ أَقرأُ الناسِ؟ قال: مَنْ إذا قَرأ رأيتَهُ يخشى اللهَ. وزاد هنا: وكان طلقٌ منْ أولئك. كذا رواه مقطوعاً (١).
وأخرجه: سعيد بن منصور (٤٧) (التفسير) عنه، عن طاووس أنَّه قال: والله ما رأيتُ أحداً أحسن قراءة من طلق بن حبيب، وأشار بيده، وسُئلَ: مَنْ أقرأ الناس؟ قال: مَنْ إذا سمعتَ قراءتَهُ رأيتَ أنَّه يَخشى الله . كأنَّه جعلَ المتنَ هنا لطلق.
وأخرجه: أحمد في "الزهد" (٩٧٧) عن طلق، قال: أحسنُ الناسِ صوتاً بالقرآن، الذي إذا قرأ رأيتَ أنَّه يَخشى الله . وذكر فيه زيادة.
وقد روي هذا الحديث عن طاووس من غير طريق عبد الكريم ولا يصح منها شيء.
فأخرجه: الطبراني في "الكبير" (١٠٨٥٢)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٩ عن يحيى بن (٢) عثمان بن صالح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أحسنَ الناسِ قراءةً مَنْ إذا قرأ يتحزّنُ».
أقول: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعةَ. وفي القلب من سماع ابن لهيعة من عمرو بن دينار شيءٌ، حيث إني لم أجده يصرح بالسماع من عمرو، لا في هذا الحديث ولا في غيره، ثم إنَّه مدلس وقد عنعن، قال ابن حبان في
стр. 562
"المجروحين" ٢/ ١٨: «وكان شيخنا صالحاً، ولكنَّه كان يدلس عن الضعفاء قبل احتراق كتبه … ».
وقد روي من غير هذا الطريق.
أخرجه: عبد الله بن المبارك في " الزهد " (١١٣) قال: أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن رجل، عن طاووس، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «لا يُسمعُ القرآنُ منْ رجلٍ، أشهى منهُ ممنْ يخشى الله ».
وهذا الإسناد فيه مبهمٌ فيضعف الحديث به، وكذلك فهو مرسلٌ.
وقد روي هذا الحديث من حديث ابن عمر، ولا يصح.
أخرجه: البزار كما في "كشف الأستار" (٢٣٣٦)، والروياني في "مسند الصحابة" (١٤١٥)، والطبراني في "الأوسط" (٢٠٩٥) و (٦٢٠٥) … ط. الحديث و (٢٠٧٤) و (٦٢٠٥) ط. العلمية، وابن عدي في "الكامل" ٣/ ٨٣، وتمام في " فوائده " كما في "الروض البسام" (١٣١٩)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٣/ ٢٠٨ وفي ط. الغرب ٤/ ٣٤١ من طريق حميد بن حماد بن خوار، عن مِسْعر بن كدام، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعاً.
والحديث من هذا الطريق تفرد به حميد بن حماد بن خوار (١)، قال البزار عقبه: «لم يتابع حميد على روايته هذه، إنَّما يرويه مِسْعرٌ، عن عبد الكريم، عن مجاهد (٢) مرسلاً، ومِسعرٌ لم يحدث عن عبد الله بن دينار بشيء ولم نسمعْ هذا إلا من محمد بن معمر، أخرجه إلينا من كتابه»، وقال الطبراني: «لم يروه عن مِسْعر إلا حميد بن حماد، تفرد به محمد بن معمر»، وقال ابن عدي في "الكامل": «وهذا عن مِسْعر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، لم يروه إلا حميد بن حماد هذا.
وقد روي هذا الحديث عن مِسْعر لون آخر، عن عبد الكريم المعلم، عن طاووس، سُئلَ النَّبيُّ ﷺ (مرسل): مَنْ
стр. 563
أحسنُ الناسِ صوتاً .. فذكره ووصله إسماعيل بن عمرو البجلي، عن مِسْعر، عن عبد الكريم، عن طاووس، فقال: عن ابن عباس، قال: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ : أيُّ الناسِ أحسنُ قراءةً؟ .. » إلى أنْ قال: «والروايتان جميعاً غير محفوظتين، والصحيح مرسلٌ، عن طاووس، قال: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ . رواه أبو أسامة، ومحمد بن بشر، وشعيب بن إسحاق، وغيرهم عن مِسْعر مرسلاً»، وقال الخطيب عقبه: «تفرد بروايته ابن خوار، وخالفه إسماعيل بن عمرو، عن مِسْعر، عن عبد الكريم، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ».
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الطريق.
فأخرجه: ابن حبان في "المجروحين" ١/ ١٥٦ - ١٥٧ من طريق أحمد بن محمد بن مصعب، قال: وحدثنا أبي وعمي، قالا: حدثنا أبي، قال: حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا شعبة والثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ .. فذكره.
وهذا إسناد تالف، شيخ ابن حبان (أحمد بن محمد) قال عنه: «ولعله قد أقلب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث، كتبت أنا منها أكثر من ثلاثة آلاف حديث مما لم أشك أنَّه قلبها، كان على عهدي به قديماً وغيره، وهو لا يفعل إلا قلب الأخبار عن الثقات والطعن على أحاديث الأثبات».
قلت: ثم ذكر ﵀ عدداً من الأحاديث التي قلبها وجعل هذا الحديث أحدها.
وقد روي من وجه آخر.
فأخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (١١٤) من طريق الزهري، قال: بلغنا أنَّ رسول الله ﷺ ، قال: «إنَّ منْ أحسنِ الناسِ صوتاً بالقرآنِ، الذي إذا سمعتَه يقرأ، رأيتَ أنَّه يَخشى الله ».
وهذا الإسناد غاية في الضعف فإنَّه من مراسيل الزهري، فقد نقل السيوطي في "تدريب الراوي" ١/ ٢٠٥ عن يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد أنَّهما قالا في مراسيل الزهري: «ليس بشيء»، وقال عقب ذلك: «وروى
стр. 564
البيهقي عن يحيى بن سعيد أنَّه قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنَّه حافظ، وكلما قدر أنْ يُسمي سمى، وإنَّما يترك من لا يستحب أنْ يسميه … ».
مثال آخر: روى محمد بن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: أتت سهلةُ بنتُ سُهيل رسولَ الله ﷺ فقالتْ له: يا نبيَّ الله، إنَّ سالماً كان منا حيثُ قد علمتَ، إنَّا كنَّا نعده ولداً، فكان يدخل عليَّ كيف شاء لا نحتشم منه، فلما أنزل الله فيه وفي أشباههِ ما أنزلَ، أنكرتُ وجهَ أبي حذيفة إذا رآه يدخل عليَّ، قال: «فأرضعيهِ عشرَ رضعاتٍ، ثم ليدخلَ عليكِ كيف شاء، فإنَّما هو ابنُكِ». فكانت عائشة تراه عامّاً للمُسلمين، وكان مَنْ سواها من أزواج النبيِّ يرى أنها كانت خاصَّة لسالم مولى أبي حذيفة الذي ذكرتْ سَهلةُ مِنْ شأنهِ رخصة له.
هذا الحديث أخرجه: أحمد ٦/ ٢٦٩، وابن حزم في " المحلى " ١١/ ٩٠.
وهو صحيح دون قوله: «فأرضعيه عشر رضعات» فلفظ العشر لفظ منكر أخطأ فيه محمدُ بنُ إسحاقَ، وخالف الثقات الأثبات الذين رووه عن الزهري فذكروا خمس رضعات فاللفظ الصحيح: «أرضعيه خمس رضعات». وسأُفصِّل ذلك إن شاء الله، لكني سأذكر كلام ابن حزم قبل ذلك، قال ابن حزم مُعلِّقاً على هذا الحديث: «وهذا إسناد صحيح (١) إلا أنَّه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن يكون ابن إسحاق وهم فيه (٢)؛ لأنه قد روى هذا الخبر عن الزهري من هو أحفظ من ابن إسحاق وهو ابن جريج فقال فيه: «أرضعيه خمس رضعات» .. أو يكون محفوظاً فتكون رواية ابن إسحاق صحيحة، ورواية ابن جريج صحيحة (٣)، فيكونان خبرين اثنين، فإذا كان ذلك،
стр. 565
فالعشر الرضعات منسوخات .. فسقط هذا الخبر؛ إذ لا يخلو ضرورة من أن يكون وهماً، أو منسوخاً لا بد من أحدهما». انتهى كلام ابن حزم.
أقول: سأَدُلُّك بما لا يقبل الشك أنَّ رواية محمد بن إسحاق وهم.
فمحمد بن إسحاق فيه كلام، وقد أطلق توثيقه جماعة وضعّفه آخرون، والصواب أنه صدوق حسن الحديث، أما إذا روى في المغازي والسير فهو حجة، وروايته عن الزهري فيها مقال، قال يحيى بن معين في " تاريخه " (١٥) برواية الدارمي: «وهو ضعيف الحديث عن الزهري».
أقول: كلام ابن معين دقيق جداً؛ فقد وجدت أحاديث ليست باليسيرة رواها ابن إسحاق، عن الزهري خالف فيها الثقات المتقنين من أصحاب الزهري.
وهذا منها إذ إن هذا الحديث رواه ابن جريج، وابن أخي الزهري، ومالك، ويونس بن يزيد الأيلي، وجعفر بن ربيعة وعبد الرحمان بن خالد، رووه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكروا فيه: «فأرضعيه خمس رضعات» وهذا هو الصحيح.
أما رواية ابن جريج فأخرجها: عبد الرزاق (١٣٨٨٧)، وإسحاق بن راهويه (٧٠٦)، وأحمد ٦/ ٢٠١.
وأما رواية ابن أخي الزهري فأخرجها: أحمد ٦/ ٢٧١، والبخاري ٥/ ١٠٤ (٤٠٠٠)، وابن الجارود (٦٩٠)، وأبو عوانة ٣/ ١٢٢ (٤٤٣١).
وأما رواية مالك (١) فهي في " الموطأ " (١٧٧٥) برواية الليثي و (١٧٤٩) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريقه عبد الرزاق (١٣٨٨٦)، وأحمد ٦/ ٢٥٥.
وأما رواية يونس فهي عند أبي داود (٢٠٦١).
وأما رواية جعفر بن ربيعة فهي عند النسائي في " الكبرى " (٥٤٤٩) ط. العلمية و (٥٤٢٦) ط. الرسالة.
стр. 566
وأما رواية عبد الرحمان بن خالد بن مسافر فهي عند الطبراني في "الكبير" ٢٤/ (٧٤١)، والحاكم ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.
وانظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ٣٦٧ (١٦٤٦٧)، و " إتحاف المهرة " ١٧/ ٢١٢ (٢٢١٤٤).
وقد يكون الراوي من كبار الثقات الأثبات، لكنه يضعف في شيخ من الشيوخ، مما يجعل ذلك علة تمنع من صحة الخبر، مثاله: روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: «وآدمُ بينَ الروحِ والجسدِ».
أخرجه: الترمذي (٣٦٠٩) وفي " العلل الكبير "، له:٩٢٥ (٤١٥)، والآجري في " الشريعة ": ٤٢١ و في ط. (٩٤٦) و (٩٤٧) الوطن، وابن حبان في " الثقات " ١/ ٤٧، والحاكم ٢/ ٦٠٩، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٤٠٣)، وأبو نعيم في " دلائل النبوة ": ٢٢، والبيهقي في "دلائل النبوة " ٢/ ١٣٠، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٣/ ٧٠ و ٥/ ٨٢ وفي ط. الغرب ٤/ ١١٩ و ٦/ ٢٥٣ من طرق عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
هذا الحديث سنده نظيف بالظاهر، ورجاله ثقات؛ إلا أنَّه معلول بخطأ الأوزاعي.
قال الإمام أحمد فيما نقله الخلاّل كما في " المنتخب من العلل " (٩٣): «هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي يخطئ كثيراً عن يحيى بن أبي كثير»، وقال أيضاً فيما نقله الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٧/ ١١٣، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٣٧/ ١٢٦: «حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب».
وقال الإمام أحمد أيضاً عندما سُئل عن الأوزاعي فيما نقله ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٣٧/ ١٢٨: «حديث ضعيف، ورأيٌ ضعيف».
وقد علّق عليه البيهقي فيما نقله ابن عساكر في المصدر نفسه فقال: «قوله في الأوزاعي: حديث ضعيف، يريد به بعض ما يحتج به، لا أنَّه ضعيف في
стр. 567
الرواية، والأوزاعي ثقة في نفسه، لكنه قد يحتج في بعض مسائله بحديث من عساه لم يقف على حاله، ثم يحتج بالمراسيل والمقاطيع وذلك بَيّن في كتبه (١)».
وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه».
وقال أيضاً في " العلل الكبير ": ٩٢٦ (٤١٥): «سألت محمداً عن هذا الحديث فلم يعرفه. قال أبو عيسى: وهو حديث غريب من حديث الوليد بن مسلم رواه رجل واحد من أصحاب الوليد».
وللحديث شاهد:
أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٤٢، والبخاري في " التاريخ الكبير" ٧/ ٢٥١ (١٦٠٦)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار " (٥٩٧٧) وفي (تحفة الأخيار) (٦٣٤٩)، وابن قانع في " معجم الصحابة " (١٧٥٥)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٨٣٣)، والآجري في " الشريعة ": ٤٢١ وفي ط. الوطن (٩٤٥)، وابن عدي في " الكامل " ٥/ ٢٧٩، والحاكم ٢/ ٦٠٨ - ٦٠٩، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٦٣٣٠)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٨٤ - ٨٥ و ٢/ ١٢٩، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٥/ ٢٧٢ من طريق إبراهيم بن طهمان.
وأخرجه: أحمد ٥/ ٥٩، والترمذي في " العلل الكبير ": ٩٢٤ (٤١٥)، وابن أبي عاصم في " السُّنة " (٤١٠)، وعبد الله بن أحمد في "السُّنة " (٨٦٤)، وابن قانع في " معجم الصحابة " عقيب (١٧٥٥)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٨٣٤)، والآجري في " الشريعة ": ٤١٦ و ٤٢١ و في ط. الوطن (٩٤٣) و (٩٤٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٥٣ وفي " معرفة الصحابة "، له (٦٣٣١) من طريق منصور بن سعد.
стр. 568
وأخرجه: السهمي في " تاريخ جرجان ": ٣٩٢، وأبو نعيم في "الحلية" ٧/ ١٢٢ من طريق سفيان بن سعيد.
ثلاثتهم: (إبراهيم، ومنصور، وسفيان) عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبياً؟ قال: «وآدمُ بين الروحِ والجسدِ».
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
وهذا الحديث اختلف فيه على عبد الله بن شقيق من جهة الصحابي، فمنهم من قال: ميسرة الفجر كما سبق، ومنهم من قال: ابن أبي الجدعاء، ومنهم من قال: عن رجل، ومنهم من رواه عنه مرسلاً.
قال ابن حجر في " الإصابة " ٥/ ٢١٧: «وهذا سند قوي لكن اختلف فيه على بديل بن ميسرة، فرواه منصور بن سعد (١) عنه هكذا، وخالفه حماد بن زيد، فرواه عن بديل، عن عبد الله بن شقيق، قال: قيل: يا رسول الله، لم يذكر ميسرة، وكذا رواه حماد عن والده، وعن خالد الحذّاء، كلاهما عن عبد الله بن شقيق، أخرجه: البغوي، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت: يا رسول الله، أخرجه: البغوي أيضاً، وأخرجه: من طريق أخرى عن حماد، فقال: عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: قلت: يا رسول الله، وأخرجه: أحمد من هذا الوجه، وسنده صحيح، وقد قيل: إنه عبد الله بن أبي الجدعاء الماضي في العبادلة، وميسرة لقب»
أما من قال عن ابن أبي الجدعاء:
فأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ١١٨ و ٧/ ٤٢، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار " (٥٩٧٦) وفي (تحفة الأخيار) (٦٣٤٨)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٤٠٨٠)، والضياء المقدسي في " المختارة " ٩/ ١٤٢ (١٢٣) و ٩/ ١٤٣ (١٢٤)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ١٠٠ (٣١٨٦)، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١١/ ١١٠ من طريق خالد الحذّاء، عن عبد الله بن
стр. 569
شقيق، عن ابن أبي الجدعاء (١)، قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبياً؟ قال: «إذ آدم بينَ الروحِ والجسد».
وأما من قال: عن رجل.
فأخرجه: أحمد ٤/ ٦٦ و ٥/ ٣٧٩، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٩١٨) وفي " السُّنة "، له (٤١١)، وابن بطة في " الإبانة " (١٨٩٢) من طريق حماد بن سلمة، عن خالد الحذّاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: قلت: يا رسول الله، متى جُعلت نبياً؟ قال: «وآدمُ بين الروحِ والجسدِ».
أما من رواه مرسلاً:
فأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٧٥٥٠) من طريق وهيب.
وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ١١٨ عن إسماعيل بن علية.
وأخرجه: ابن بطة في " الإبانة " (١٨٩٣) من طريق حجاج.
ثلاثتهم: (وهيب، وابن علية، وحجاج) عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، به مرسلاً.
قال وهيب: إنَّ رجلاً سأل النبيَّ ﷺ … وقال ابن علية: قال رجل
: يا رسول الله … الحديث، وقال حجاج: جاء أعرابي إلى رسول الله … .
فاتفقوا كلهم مع حماد بن سلمة بعدم تسمية الرجل.
قلت: صحابي هذا الحديث واحد رغم الاختلاف بحقيقته، وفي كتب التراجم ترجمة لميسرة الفجر، وترجمة لابن أبي الجدعاء واسمه عبد الله كلٌّ على حدة، وهناك من قال: إنهم واحد، والله أعلم.
قال ابن خياط في " طبقاته ": ٥٩: «عبد الله بن أبي الجدعاء،
وعبد الله بن أبي الحمساء، وميسرة الفجر، روى: متى كنت نبياً، هؤلاء روى عنهم عبد الله بن شقيق العقيلي، ولم يعرف لهم نسباً».
стр. 570
فقد قال ابن الأثير في " أسد الغابة " ٥/ ٢٧٣: «قال ابن الفرضي: اسم ميسرة الفجر عبد الله بن أبي الجدعاء، وميسرة لقب له (١)، ويشبه أنْ يكون كذلك، فإنَّ عبد الله بن شقيق يروي عنهما: متى كنت نبياً؟».
وقال ابن حجر في " الإصابة " ٣/ ١٦٩: «وقد اختلف في عبد الله بن شقيق في حديث متى كنت نبياً؟ هل هو عن عبد الله بن أبي الجدعاء، أو هو ميسرة الفجر؟ وقيل: إنه هو، وزعم بعضهم أيضاً: أن عبد الله بن أبي الجدعاء، هو عبد الله بن أبي الحمساء، و الصحيح أنه غيره»، وقال في … " نزهة الألباب في الألقاب " (٢٧٨٤): «ميسرة الفجر هو عبد الله بن أبي الجدعاء فيما مثل له البغوي».
وروي الحديث مرسلاً أيضاً من غير طريق عبد الله بن شقيق، ولم يسمِّ الرجل.
أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ١١٨ من طريق أبي هلال، عن داود بن أبي هند، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: أنَّ رجلاً سأل … رسول الله ﷺ : … الحديث.
وأخرجه ابن سعد في " الطبقات " ١/ ١١٨ من طريق إسرائيل بن يونس، عن جابر، عن عامر، به.
وهذا الإسناد غاية في الوهن فيه جابر الجعفي كذبه أبو حنيفة (٢).
وانظر: "تحفة الأشراف" ١٠/ ٤٨٠ (١٥٣٩٧)، و" إتحاف المهرة " ١٦/ ٢١٤ (٢٠٦٧٧).
وأحياناً يروي من ضُعف ضعفاً مخصوصاً في شيخ معين فيأتي بحديث منكر سنداً ومتناً مع علل أخرى تحف الرواية، مثال ذلك ما روى الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن
стр. 571
دُرَيك، عن عائشة: أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكر دخلتْ على رسول الله ﷺ وعليها ثيابٌ رِقاقٌ فأعرضَ عنها رسول الله ﷺ ، وقال: «يا أسماءُ، إنَّ المرأةَ إذا بَلَغتِ المحيضَ لمْ تَصْلُحْ لها أنْ يُرَى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجههِ وكَفّيهِ (١).
أخرجه: أبو داود (٤١٠٤)، وابن عدي في " الكامل " ٤/ ٤١٧، والبيهقي ٢/ ٢٢٦ و ٧/ ٨٦ وفي " معرفة السنن و الآثار " (٩٨٨) ط. العلمية و (٤٠٥٩) ط. الوعي وفي " الآداب "، له (٧٣٨) من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، بهذا الإسناد.
وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٧٥ وعزاه لابن مردويه.
هذا الحديث فيه عدة علل.
الأولى: الانقطاع بين خالد بن دريك وعائشة ﵂.
قال أبو داود: «هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة»، وقال العلائي في " جامع التحصيل " (١٦٠): «خالد بن دريك البناني روى عن ابن عمر وعائشة ﵄ ولم يدركهما قاله شيخنا المزي (٢)»، وقال عبد الحق الإشبيلي فيما نقله أبو زرعة في " تحفة التحصيل " (٢١٦): «لم يسمعْ من عائشة»، قال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " ٣/ ٢٦ (٦٧٢): «وخالد بن دريك، فإنَّه مجهول الحال»، وتعقبه ابن الملقن في … " البدر المنير " ٦/ ٦٧٥ فقال: «وهو وهم منه فقد وثقه النسائي وغير واحد، وقد قال هو - يعني: ابن القطان - في كتابه " أحكام النظر": خالد بن دريك رجل شامي عسقلاني مشهور يروي عن ابن محيرز».
العلة الثانية: تفرّد خالد بن دريك، عن عائشة برواية هذا الحديث.
العلة الثالثة: سعيد بن بشير ضعيف، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه "
стр. 572
(٣٣١٩) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وقال الساجي فيما نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٤/ ١٠: «حدث عن قتادة بمناكير»، ونقل عن
علي بن المديني أنَّه قال: «كان ضعيفاً»، وقال ابن نمير فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل" ٤/ ٧ (٢٠): «منكر الحديث، وليس بشيء ليس بقوي الحديث يروي عن قتادة المنكرات»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ٣٧٩ (١٥٢٩): «يتكلمون في حفظه»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٦٧): «ضعيف»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣١٩: «كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه».
زد على هذا تفرّده عن قتادة برواية هذا الحديث، وروايته عن قتادة
خاصة ضعيفة كما مرّ سلفاً. قال الحافظ في " التلخيص الحبير " ٣/ ١٠٧ (١٢٤٤): «وتفرد به سعيد بن بشير - وفيه مقال - عن قتادة بذكر خالد فيه .. ».
والعلة الرابعة: هي الاضطراب، قال ابن عدي: «ولا نعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال مرة فيه: عن خالد بن دريك، عن أم سلمة بدل عائشة».
والعلة الخامسة: هي الإرسال، قال أبو حاتم في " العلل " لابنه (١٤٦٣): «هذا وهم، إنما هو قتادة، عن خالد بن دريك: أن عائشة .. مرسلاً».
العلة السادسة: فيه الوليد بن مسلم: ثقة إلا أنَّه مدلس (١) وقد عنعن وتفرّد بهذا الحديث عن سعيد بن بشير أيضاً.
العلة السابعة: إنَّ سعيداً على ما تقدم من ضعفٍ في حاله وفي روايته عن قتادة على وجه الخصوص، فإنَّه خالف من هو أوثق منه.
فقد أخرجه: أبو داود في " المراسيل ": ٢١٥ ط. القلم و (٤٣٧) … ط. الرسالة من طريق أبي داود (٢) عن هشام، عن قتادة: أنَّ رسول الله ﷺ ، قال:
стр. 573
"إنَّ الجارية إذا حاضتْ لم يَصلُح أن يُرَى منها إلا وجهُها ويداها إلى المفصل» مرسلاً.
قال البيهقي ٢/ ٢٢٦: «مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قوياً»، وقال الذهبي في " المهذب في اختصار السنن الكبير " ٢/ ٦٦٥ قبيل (٢٨٥٩): «يعتضد بأقوال الصحابة قبله».
وهذا الحديث صحّحه الشيخ الألباني في كتاب " جلباب المرأة المسلمة ": ٥٧ - ٦٠.
وللحديث شاهد.
فقد أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٤/ (٣٧٨)، والبيهقي ٧/ ٨٦ من طريق ابن لهيعة، عن عياض بن عبد الله: أنَّه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري يخبر، عن أبيه، أظنه عن أسماء بنت عميس أنَّها قالت: دخل
رسولُ اللهِ ﷺ على عائشة بنت أبي بكر وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثيابٌ شاميةٌ واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله ﷺ قام فخرج، فقالت لها عائشة ﵂: تنحّي فقد رأى رسولُ اللهِ ﷺ أمراً كرهه، فتنحّتْ، فدخلَ رسولُ الله ﷺ فسألتْهُ عائشة ﵂ لمَ قامَ؟ قال: «أَوَلم تري إلى هيئتها، إنَّه ليس للمرأةِ المسلمةِ أنْ يبدو منها إلا هذا
وهذا»، وأخذ بكفيه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه ثم نصب كفيه على صدغيهِ، حتى لم يبد إلا وجهه.
стр. 574
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وقد تقدم في غير موضع بيان ضعفه. وفيه أيضاً عياض بن عبد الله قال عنه الحافظ في " التقريب " (٥٢٧٨): «فيه لين».
وهناك علة أخرى هي الاختلاف في معنى الحديث، هل الوجهُ والكفانِ من العورة؟ يجب أن تغطيهما؟ أم غير واجب تغطيتهما؟ وهل الخمار للرأس أم للرأس والوجه معاً؟
فمنهم من اعتبره مخالفاً للكتاب والسنة وفسروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ
جَلابِيبِهِنَّ … (١)﴾).
نقل ابن كثير في " تفسيره ": ١٥٢٦، عن ابن عباس أنَّه قال: «أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أنْ يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلالبيب ويبدين عيناً واحدة»، ونقل أيضاً عن محمد بن سيرين أنَّه قال: «سألت عبيدة السَّلماني عن قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى».
وروى البخاري في "صحيحه " ٦/ ١٣٦ (٤٧٥٩) من حديث عائشة أنَّها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها.
قال ابن حجر في " الفتح " ٨/ ٦٢١ عقب (٤٧٥٩): «قوله: فاختمرن: أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع».
وقد خالف هذه الآراء من فَسّر قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. فعن ابن عباس عدة أقوال في هذا:
قال: «الظاهر منها الكحل والخدّان» عند الطبري في " تفسيره " (١٩٦٥١)، وقال: «ما في الكف والوجه»، وقال أخرى: «الكحل والخاتم» والقولان عند البيهقي ٢/ ٢٢٥.
وقال: «والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم». عند الطبري في " تفسيره " (١٩٦٥٥).
стр. 575
وعن عائشة ﵂ قالت: «ما ظهر منها، الوجه والكفان». عند البيهقي ٢/ ٢٢٦.
ونقل البيهقي ٢/ ٢٢٦ عن ابن عمر ﵁ أنَّه قال: «الزينة الظاهرة: الوجه والكفان».
وقال الشافعي فيما نقله البيهقي ٧/ ٨٥: «إلا وجهها وكفيها».
وأخرج الطبري في " تفسيره " على أنَّه: الوجه والكفان عن عدة من العلماء في (١٩٦٥٢) عن سعيد بن جبير، وفي (١٩٦٥٣) عن عطاء، وفي (١٩٦٦١) عن الأوزاعي.
كما أنَّ هناك كثيراً من الأحاديث التي تدل على أنَّ الوجه والكفين ليسا بعورة وتخالف الرأي الأول منها:
حديث الفضل بن العباس، قال: كنت ردف رسول الله ﷺ مِن جَمْع (١) إلى مِنىً (٢)، فبينا هو يسير إذ عرض له أعرابيٌّ مردفاً ابنة له جميلة، وكانَ يسايرهُ، قال: فكنت أنظر إليها، فنظر إليَّ النبيُّ ﷺ فقلب وجهي عن وجهها، ثم أعدتُ النظر، فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثاً وأنا لا أنتهي، فلم يزلْ يلبي حتى رَمى جمرةَ العقبةِ.
أخرجه: أحمد ١/ ٢١١ و ٢١٣، وأبو يعلى (٦٧٣١)، وابن خزيمة (٢٨٣٢) و (٢٨٣٣) بتحقيقي، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٨٤٠) من طريق ابن عباس، عن الفضل بن العباس، به.
وروي الحديث عن ابن عباس، قال: كانَ الفضلُ بنُ العباس رديفَ النبي ﷺ فجاءت امرأةٌ من خَثعم فجعلَ الفضلُ ينظرُ إليها … وذكر الحديث بنحوه.
стр. 576
أخرجه: البخاري ٢/ ١٦٣ (١٥١٣) و ٣/ ٢٣ (١٨٥٥)، ومسلم ٤/ ١٠١ (١٣٣٤)(٤٠٧).
وهذا الحديث يدل على أنَّ وجه المرأة كان مكشوفاً، وإلا كيف نظر إليها الفضل وعرف أنَّها جميلةٌ؟
وحديث جابر بن عبد الله، قال: شَهِدْتُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ العيدِ فبدأ بالصلاة قبلَ الخُطْبةِ بغير أَذانٍ ولا إقامة، ثمَّ قامَ مُتَوكِّئاً على بلالٍ، فأمر بتقوى اللهِ وحَثَّ على طاعتِهِ، ووعظَ الناسَ وذَكَّرهم، ثمَّ مَضَى حتى أَتى النساءَ فَوَعظهُنَّ وذَكَّرهنَّ، فقالَ: «تَصدّقْنَ فإنَّ أكثركُنَّ حَطبُ جهنَّمَ» فقامَتِ امرأةٌ منْ سِطَةِ (١) النِّساء سَفْعاءُ الخَدّينِ (٢) فقالتْ: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: «لأنّكُنَّ تُكِثرنَ الشَّكاةَ وتَكْفُرنَ العَشيرَ» قال: فجَعلْنَ يتَصدّقْنَ من حُلِيّهنّ، يُلقينَ في ثَوبِ بلالٍ من أَقرِطَتِهنَّ وخواتمهنَّ (٣).
أخرجه: أحمد ٣/ ٣١٨، ومسلم ٣/ ١٩ (٨٨٥)(٤)، والنسائي ٣/ ١٨٦ - ١٨٧ وفي " الكبرى "، له (١٧٨٤) و (٥٨٩٥) و (٩٢٥٥) … ط. العلمية و (١٧٩٧) و (٥٨٦٤) و (٩٢١١) ط. الرسالة، و ابن خزيمة (١٤٦٠) بتحقيقي.
وحديث سهل بن سعد، قال: جَاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، جئتُ أَهَبُ لك نَفْسي، فنظرَ إليها رسول الله ﷺ فصعّد النظرَ فيها وصوّبَه ثم طأطأ رسولُ الله ﷺ رأسَه … الحديث.
أخرجه: مسلم ٤/ ١٤٣ (١٤٢٥)(٧٦).
وهذا أيضاً يدل على أنَّ المرأة كانت كاشفة عن وجهها.
стр. 577
وحديث فاطمة بنت قيس، قالت: … قلت: أَمْري بِيدكَ فأَنكحْني مَن شِئتَ، فقال: «انتَقلي إلى أُم شَريك» وأُمُّ شَريك امرأةٌ غَنية من الأنصار، عظيمةُ النّفقةِ في سبيل الله، يَنزلُ عليها الضِّيفانُ، فقلتُ: سَأَفعلُ، فقال: «لا تَفْعلي، إنّ أُمّ شَريك امرأةٌ كثيرةُ الضِّيفانِ، فإني أَكرهُ أن يَسقُطَ عنكِ خمارُكِ أو يَنكشفَ الثوبُ عن ساقيكِ، فَيَرى القومُ منكِ بعضَ ما تكرهينَ، ولكنِ انتقلي إلى ابنِ عمّكِ عبدِ اللهِ بن عمرو بن أم مكتوم» … فلما انقضتْ عدتي سمعتُ نداءَ المنادي، منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاةَ جامعة (١). فخرجتُ إلى المسجد فصليتُ مع رسول الله ﷺ فكنتُ في صف النساء التي تلي ظُهور القوم … الحديث بطوله وفيه قصة تميم الداري.
أخرجه: مسلم ٤/ ١٩٥ (١٤٨٠)(٣٦) و ٨/ ٢٠٣ (٢٩٤٢)(١١٩)، وأبو داود (٢٢٨٤).
قال الشيخ الألباني في تعليقه على كتابه " جلباب المرأة المسلمة ": ٦٦: «ووجه دلالة (٢) الحديث على أنَّ الوجه ليس بعورة ظاهر؛ وذلك لأنَّ النبي ﷺ أقرَّ ابنة قيس على أنْ يراها الرجال وعليها الخمار - وهو غطاء الرأس - فدل هذا على أنَّ الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها، ولكنه ﷺ خشي عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم بالنص، فأمرها
﵇ بما هو الأحوط لها، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى، فإنَّه لا يراها إذا وضعت خمارها، وحديث «أفعمياوانِ أنتما؟!» ضعيف الإسناد، منكر المتن» (٣).
وحديث سُبَيعة بنت الحارث.
أنها كانت تحت سَعد بن خَولةَ، وهو في بني عامر بن لؤي - وكان ممن
стр. 578
شَهِدَ بدراً - فَتُوُفِّيَ عنها في حَجّة الوداع وهي حاملٌ. فلم تَنْشَب (١) أن وضعتْ حملَها بعد وفاته، فلما تَعَلّتْ (٢) من نفاسها تَجمّلتْ للِخُطَّاب. فَدخلَ عليها أبو السنابل بن بَعْكَكٍ - رجل من بني عبد الدار - فقال لها: مالي أراكِ مُتَجمِّلةً؟ لعلّكِ تَرجينَ النكاح إنك واللهِ! ما أنتِ بناكحٍ حتى تَمُرّ عليكِ أربعةُ أشهر وعشرٌ … الحديث.
أخرجه: مسلم ٤/ ٢٠٠ (١٤٨٤)(٥٦)، وأبو داود (٢٣٠٦)، وابن حبان (٤٢٩٤).
وذكر الشيخ الألباني في الكتاب المذكور سالفاً عدة أحاديث غير التي ذكرنا، يستدل بها على عدم وجوب تغطية الوجه والكفين.
انظر: " تحفة الأشراف " ١١/ ١٨٨ (١٦٠٦٢)، و"نصب الراية"١/ ٢٩٩، و "البدر المنير" ٦/ ٦٧٥، و"التلخيص الحبير" ٣/ ١٠٧ (١٢٤٤)، و" إرواء الغليل " ٦/ ٢٠٣ (١٧٩٥).
مثال آخر: روى سفيان بن حسين، عن الزهريِّ، عن سالم بن عبد الله ابن عمر، عن أبيه، قال: كَتبَ رسولُ اللهِ كتابَ الصدقةِ فلمْ يُخرجْهُ إلى عُمالهِ حتَّى قُبضَ فقرنَهُ بسيفِهِ فعمل به أبو بكرٍ حتَّى قبضَ، ثُمَّ عمل به عمر حتَّى قبضَ فكانَ فيه: «في خَمْسٍ من الإبلِ شاةٌ، وفي عشرٍ شاتان، وفي خمس عشرةَ ثلاثُ شياهٍ، وفي عشرينَ أربعُ شياهٍ، وفي خمسٍ وعشرينَ ابنةُ مخاضٍ إلى خَمْسٍ وثلاثينَ، فإنْ زادتْ واحدةٌ ففيها ابنةُ لبونٍ إلى خمسٍ وأربعينَ، فإذا زادتْ واحدةٌ ففيها حقَّةٌ إلى ستينَ، فإذا زادتْ واحدةٌ ففيها جذعَةٌ إلى خمسٍ وسبعينَ، فإذا زادتْ واحدةٌ ففيها ابنتا لبُونٍ إلى تسعينَ، فإذا زادتْ واحدة ففيها حِقّتانِ إلى عشرين ومئَةٍ،
стр. 579
فإنْ كانَتْ الإبل أكثرَ منْ ذلكَ ففي كل خمسينَ حقةٌ، وفي كلِّ أربعين ابنةُ لبونٍ، وفي الغَنَم في كلِّ أربعينَ شاةً شاةٌ إلى عشرينَ ومئةٍ، فإنْ زادت واحدةٌ فشاتان إلى مئتين، فإذا زادتْ واحدةٌ على المئتين ففيها ثلاثُ شياهٍ إلى ثلاثمئة، فإنْ كانتِ الغنمُ أكثرَ منْ ذلكَ ففي كل مئةِ شاةٍ شاةٌ، وليسَ فيها شيء حتَّى تبلغَ المئة، ولا يفرَّقُ بينَ مجتمعٍ ولا يجمعُ بينَ متفرق مخافةَ الصدقةِ، وما كانَ منْ خليطين فإنَّهما يتراجعانِ بينهما بالسَّوية، ولا يؤخذُ في الصَّدقة هرمةٌ ولا ذاتُ عيبٍ».
قال: وقال الزهريُّ: إذا جاءَ المصُدِّقُ قُسِمَتِ الشاءُ أثلاثاً: ثلثاً شراراً، وثلثاً خياراً، وثلثاً وسطاً فأخذَ المصُدِّقُ منَ الوسطِ، ولم يذكر الزهريُّ البقر. اللفظ: لأبي داود.
أخرجه: ابن أبي شيبة (٩٩٧٦) و (١٠٠٥٢) و (١٠٠٦٦) و (١٠٠٨٦)، وأحمد ٢/ ١٤ و ١٥، والدارمي (١٦٢٠) و (١٦٢٦) و (١٦٢٧)، وابن زنجويه في " الأموال " (١١٠١)، وأبو داود (١٥٦٨) و (١٥٦٩)، والترمذي (٦٢١)، وأبو يعلى (٥٤٧٠) و (٥٤٧١)، وابن خزيمة (٢٢٦٧) بتحقيقي، والحاكم ١/ ٣٩٢، وابن حزم في "المحلى"
٥/ ١٨٥، والبيهقي ٤/ ٨٨ و ١٠٥ - ١٠٦ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٢٢٢٧) و (٢٢٢٨) ط. العلمية و (٧٨٧٦) و (٧٨٧٧) ط. الوعي، وابن الجوزي في" التحقيق" (٩٣٠)، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ١٤ - ١٥.
قال الترمذي: «حديث ابن عمر حديث حسن» وقال في كتاب "العلل " فيما نقله البيهقي ٤/ ٨٨: «سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظاً، وسفيان بن حسين صدوق»، وقال الحاكم ١/ ٣٩٣: «هذا حديث كبير في هذا الباب يشهد بكثرة الأحكام التي في حديث ثمامة، عن أنس، إلا أنَّ الشيخين لم يخرجا لسفيان بن حسين الواسطي في الكتابين، وسفيان بن حسين أحد أئمة الحديث وثقه يحيى بن معين ٠٠٠»، وقال ابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " عقب (٩٣٠): «سفيان ثقة أخرج عنه مسلم».
стр. 580
وأخرجه: الشافعي في " المسند " (٦٩٧) بتحقيقي قال: أخبرني الثقة من أهل العلم، عن سفيان، به.
وهذا فيه جهالة شيخ الشافعي.
وأخرجه: أبو عبيد في " الأموال " (٩٣٩) قال: وكان عباد بن العوام يحدث بهذا الحديث، عن سفيان بن حسين، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه حدثت بذلك عنه.
وهذا الحديث فيه جهالة الوساطة بين أبي عبيد وعباد.
قلت: فأما تحسين الترمذي لهذا الحديث فلعله من أجل متنه لا من أجل سنده. وأما توثيق الحاكم وابن الجوزي لسفيان بن حسين فالذي وقفت عليه أنَّه ثقة في غير الزهري ضعيف فيه، وهذا ما عليه جمهور المحدثين، إذ قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " برواية الدارمي (١٩): «ثقة، وهو ضعيف الحديث عن الزهري»، وقال أيضاً فيما نقله عنه المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٢١٤ (٢٣٨٣): «ليس به بأس، وليس من كبار أصحاب الزهري، وفي حديثه ضعف ما روى عن الزهري»، وقال أخرى: «ثقة في غير الزهري لا يدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنَّما سمع منه بالموسم»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٢١٣ (٩٧٤) عن أبيه أنَّه قال فيه: «سفيان بن حسين صالح الحديث يكتب حديثه، ولا يحتج به»، ونقل المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٢١٤ (٢٣٨٣) عن عثمان بن أبي شيبة أنَّه قال فيه: «كان ثقة، ولكنَّه كان مضطرباً في الحديث»، ونقل عن النَّسائي أنَّه قال فيه: «ليس به بأس، إلا في الزهري»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣٥٨: «يروي عن الزهري المقلوبات وإذا روى عن غيره أشبه حديثه حديث الأثبات، وذاك أنَّ صحيفة الزهري اختلطت عليه فكان يأتي بها على التوهم، فالإنصاف في أمره تنكب ما روى عن الزهري، والاحتجاج بما روى عن غيره»، وقال عنه ابن عدي في " الكامل " ٤/ ٤٧٧: «هو في غير الزهري صالح الحديث … ».
وعلى هذا فتكون رواية سفيان بن حسين، عن الزهري ضعيفة لا يحتج بها، وعلى ضعف سفيان في هذه الرواية إلا أنَّه قد توبع في وصله لهذا
стр. 581
الحديث، تابعه سليمان بن كثير عند أبي عبيد في " الأموال " (٩٣٨)، وابن ماجه (١٧٩٨) و (١٨٠٥)، وابن عدي في " الكامل " ٤/ ٢٩٠، والبيهقي ٤/ ٨٨.
ولكن هذه المتابعة لا تصحح من رواية سفيان شيئاً لنفس العلة السابقة - فسليمان بن كثير ضعيف في روايته عن الزهري - قال عنه يحيى بن معين فيما نقله عنه المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٢٩٦ (٢٥٤٢): «ضعيف»، وعن النَّسائي أنَّه قال فيه: «ليس به بأس إلا في الزهري فإنَّه يخطئ عليه»، وقال العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٢/ ١٣٧: «مضطرب الحديث»، وقال: «حدثنا عبد الله بن علس، قال: سمعت محمد بن يحيى، يقول: ما روى عن الزهري فإنَّه قد اضطرب في أشياء منها، وهو في غير حديث الزهري أثبت»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣٣٤: «كان يخطئ كثيراً، أما روايته عن الزهري فقد اختلط عليه صحيفته، فلا يحتج بشيء ينفرد به عن الثقات ويعتبر بما وافق الأثبات في الروايات».
وتابع سفيان بن حسين أيضاً، سليمان بن أرقم عند الدارقطني ٢/ ١١١ - ١١٢ ط. العلمية و (١٩٨٣) ط. الرسالة، وزاد في أوله: «عن ابن عمر، قال: وجدنا في كتاب عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال في صدقة الإبل … » ثم ساق بقية المتن.
قال الدارقطني: «كذا رواه سليمان بن أرقم، وهو ضعيف الحديث متروك».
وقال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٢٥٧٧) برواية الدوري: «ليس يساوي فلساً»، وقال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ٢٢ (١٧٥٦): «تركوه»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٩٨ (٤٥٠) عن أبيه أنَّه قال فيه: «متروك الحديث»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «بصريٌّ ضعيف الحديث ذاهب الحديث».
زيادة على ضعف هذه الروايات عن الزهري فإنَّ يونس بن يزيد الأيلي خالفهم فرواه عن الزهري، عن سالم، به مرسلاً.
أخرجه: أبو عبيد في " الأموال " (٩٣٦)، وأبو داود (١٥٧٠)، والدارقطني ٢/ ١١٥ ط. العلمية و (١٩٨٦) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٣٩٣،
стр. 582
والبيهقي ٤/ ٩٠ وفي " المعرفة "، له (٢٢٢٩) ط. العلمية و (٧٨٨٠) … ط. الوعي، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٣/ ١٧ من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر … ، فذكر الحديث، قال: «فإذا كانت إحدى وعشرين … ».
قال الترمذي عقب (٦٢١): «وقد روى يونس بن يزيد، وغير واحد، عن الزهري، عن سالم هذا الحديث ولم يرفعوه (١)، وإنما رفعه سفيان بن حسين»، وقال المزي في "تحفة الأشراف" ٥/ ١٠٩ (٦٨١٣) عقب رواية يونس: «ولم يسنده عن ابن عمر».
وعلى الرغم منْ أنَّ بعض العلماء قد تكلم في رواية يونس، عن الزهري (٢)، إلا أنَّ يحيى بن معين جعله من أوثق الناس في الزهري (٣).
وقد روي هذا الحديث من وجه آخر من رواية موسى بن عقبة، عن
نافع، عن ابن عمر موقوفاً.
أخرجه: الشافعي في " المسند " (٦٩٦) بتحقيقي، وابن زنجويه في
"الأموال " (١١٠٢)، والبيهقي ٤/ ٨٧ وفي "المعرفة "، له (٢٢٢٥) … ط. العلمية و (٧٨٧١) ط. الوعي. بلفظ: أنَّ هذا كتاب الصدقات فيه: في كل أربع وعشرين من الإبل فدونها … .
انظر: " تحفة الأشراف" ٥/ ١٠٨ (٦٨١٣) و ٥/ ١٢٠ (٦٨٣٧)، و"إتحاف المهرة" ٨/ ٣٧٦ (٩٥٩١).
стр. 583
وقد روي بنحو هذا الحديث.
أخرجه: الشافعي في " المسند" (٦٩٤) بتحقيقي، وأحمد ١/ ١١، والبخاري ٢/ ١٤٦ (١٤٥٤)، وأبو داود (١٥٦٧)، وابن ماجه (١٨٠٠)، والبزار (٤٠) و (٤١)، والنسائي ٥/ ١٨ و ٥/ ٢٧ - ٢٨، وأبو يعلى (١٢٦)
و (١٢٧)، وابن الجارود (٣٤٢)، وابن خزيمة (٢٢٦١) بتحقيقي، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٣٧٤ وفي ط. العلمية (٢٩٩٦)، وابن حبان (٣٢٦٦)، والدارقطني ٢/ ١١٣ ط. العلمية و (١٩٨٤) و (١٩٨٥) … ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٣٩٠، وابن حزم في " المحلى " ٥/ ١٨٤ - ١٨٥، والبيهقي ٤/ ٨٦ وفي " المعرفة "، له (٢٢٢٢) ط. العلمية و (٧٨٦٤) ط. الوعي من طريق ثمامة بن عبد الله بن أنس أنَّ أنساً حدثه: أنَّ أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم) هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطِ: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كلِّ خمسٍ شاة إذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبونٍ أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمسٍ وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت يعني: ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبونٍ وفي كل خمسين حقةٌ، ومن لم يكن معه إلا أربعٌ من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاةٌ، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة
شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاثمئة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمئة ففي كل مئة شاةٌ، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاةٌ واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء
ربها، وفي الرقة ربع العشر فإن لم تكن إلا تسعين ومئة
стр. 584
فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها (١).
وانظر: " إتحاف المهرة" ٨/ ٢٠٨ (٩٢٢٨).
ومن ذلك: روى أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الفجرُ فجرانِ: فجرٌ يحرمُ فيه الطعامُ ويحلُّ فيه الصلاةُ، وفجرٌ يحرمُ فيه الصلاةُ ويحلُّ فيه الطعامُ».
أخرجه: ابن خزيمة (٣٥٦) بتحقيقي، والدارقطني ٢/ ١٦٤ - ١٦٥ … ط. العلمية و (٢١٨٥) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ١٩١، والبيهقي ٤/ ٢١٦ والخطيب (٢) في " تاريخ بغداد " ٣/ ٥٨ وفي ط. الغرب ٤/ ٩٥.
وهذا الحديث قال عنه الحاكم ١/ ١٩١: «حديث صحيح على شرط الشيخين في عدالة الرواة، ولم يخرجاه وأظن أني قد رأيته من حديث عبد الله ابن الوليد، عن الثوري موقوفاً، والله أعلم».
وقد تعقبه الذهبي في " التلخيص " ١/ ١٩١ فقال: «وقفه بعضهم عن سفيان وشاهده صحيح».
إلا أنَّه أُعل بالوقف، قال الدارقطني ٢/ ١٦٥: «لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيري (٣)، عن الثوري، ووقفه الفريابي وغيره، عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن جريج عنه أيضاً»
стр. 585
وقال البيهقي ١/ ٣٧٧: «هكذا رواه أبو أحمد مسنداً، ورواه غيره موقوفاً، والموقوف أصح».
فهذا الحديث أخطأ فيه أبو أحمد الزبيري، وخالف فيه جماعة رووه عن الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفاً.
فقد أخرجه: البيهقي ١/ ٣٧٧ من طريق الحسين بن حفص.
وذكره الحاكم ١/ ١٩١ من طريق عبد الله بن الوليد.
وذكره الدارقطني ٢/ ١٦٥ من طريق الفريابي.
ثلاثتهم: (الحسين، وعبد الله، والفريابي) عن الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفاً.
وهؤلاء الرواة عن سفيان الثوري وهم: «أبو أحمد الزبيري (١)،
والحسين بن حفص، وعبد الله بن الوليد، والفريابي» رُتَبهُم تكاد تكون واحدة بالنسبة لروايتهم عن سفيان.
حيث قال أبو بكر بن أبي خيثمة كما في " تهذيب الكمال " ٦/ ٥٧٢ (٦٣٠٨): «سمعت يحيى بن معين، وسُئل عن أصحاب الثوري أيهم أثبت؟ فقال: هم خمسة: يحيى القطّان، ووكيع، وابن المبارك، وابن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين. وأما الفريابي، وأبو حذيفة، وقبيصة بن عقبة، وعبيد الله، وأبو عاصم، وأبو أحمد الزبيري، وعبد الرزاق وطبقتهم فهم كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات كلهم دون أولئك في الضبط والمعرفة».
ولكنَّ أبا أحمد الزبيريَّ رواه عن سفيان، عن ابن جريج مرفوعاً ولم يتابعه أحد، فبذلك تكون روايته شاذة حيث انفرد بها، وخالف من هم أكثر منه عدداً، كما أنَّه خالف أصحاب ابن جريج، الذين تابعوا سفيان على الرواية الموقوفة كما صرّح بذلك الدارقطني.
وقد روي الحديث من وجه آخر.
стр. 586
فقد أخرجه: الحاكم ١/ ١٩١، ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٧٧ عن أبي بكر محمد بن أحمد بن حاتم الداربردي بمرو، قال: حدثنا عبد الله بن روح المدائني، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا ابن أبي ذئب، عن الحارث ابن عبد الرحمان، عن محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «الفجرُ فجران: فأمَّا الفجرُ الذي يكونُ كذنب السرحان (١) فلا يحلُ الصلاةَ ولا يحرمُ الطعامَ، وأمَّا الذي يذهبُ مستطيلاً في الأفق فإنَّه يحلُ الصلاةَ ويحرمُ الطعام» (٢).
وهذا الحديث معلول سنداً ومتناً. قال البيهقي: «هكذا روي بهذا الإسناد موصولاً، وروي مرسلاً وهو أصح».
أما الطريق المرسل فقد أخرجه: أبو داود في " المراسيل " (٩٧) من طريق أحمد بن يونس.
وأخرجه: الدارقطني ١/ ٢٦٧ ط. العلمية و (١٠٥٣) ط. الرسالة من طريق يزيد بن هارون.
وأخرجه: الدارقطني ٢/ ١٦٤ ط. العلمية و (٢١٨٤) ط. الرسالة من طريق ابن أبي فديك.
وأخرجه: البيهقي ١/ ٣٧٧ من طريق عاصم بن علي.
وأخرجه: البيهقي ١/ ٣٧٧ من طريق علي بن الجعد.
خمستهم: (أحمد، ويزيد، وابن أبي فديك، وعاصم، وعلي) عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمان، عن محمد بن عبد الرحمان بن
стр. 587
ثوبان، قال (١): قال رسول الله ﷺ : «هما فجرانِ: فأما الذي كأنَّه ذنبُ السرحان، فإنَّه لا يحل شيئاً ولا يحرمُ، وأما المستطيرُ الذي يأخذُ الأفقَ، فهو يحلُ الصلاةَ ويحرمُ الطعامَ».
وبهذه الرواية يتبين إعلال متن الرواية الموصولة، وذلك أنَّ الرواية الموصولة جاء فيها: « … مستطيلاً … » والصواب مستطيراً، كما جاء في طرق الرواية المرسلة (٢)، هذا من جهة، وفي الحديث الصحيح ما يؤيد ما ذهبنا إليه.
وأما الحديث الصحيح من حديث سمرة بن جندب ﵁.
فأخرجه: مسلم ٣/ ١٣٠ (١٠٩٤)(٤٣) من طريق عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرنَّكم منْ سحوركم أذانُ بلالٍ، ولا بياضُ الأفقِ المستطيل هكذا، حتى يستطيرَ هكذا».
وانظر: "إتحاف المهرة" ٧/ ٤١٨ (٨١٠٣)، و"التلخيص الحبير" ١/ ٤٥٤ عقب (٢٥٥).
الثاني: اختلاط الراوي:
كنت قد أشرت إلى موضوع الاختلاط باعتباره سبباً من أسباب وقوع العلة، وهنا أزيد على ما هناك محاولاً لملمة فروع الاختلاط ومتفرقاته باعتباره هنا موضوعاً أساسياً وليس فرعياً فأقول:
يشترط في الراوي أنْ يكون ضابطاً لما يرويه إنْ حدَّث من حفظه، ومحافظاً على كتابه من دخول الزيادة و النقصان فيه إنْ حدث من كتابه (٣). والاختلاط ينافي الضبط فكل مختلط ليس ضابطاً، ومعرفة المختلطين فن مهم من فنون علم الحديث.
стр. 588
تعريف الاختلاط:
الاختلاط في اللغة، يقال: اختلط فلان أي فسد عقله، ورجل خلط بَيّنُ الخلاطة أحمق مخالط العقل، ويقال: خولط الرجل فهو مخلط واختلط عقله فهو مختلط: إذا تغير عقله (١).
أما في اصطلاح المحدثين، فقد حده السخاوي بقوله: «فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال: إما بخرف أو ضرر أو مرض أو عرض: من موت ابن، وسرقة مال كالمسعودي، أو ذهاب كتب كابن لهيعة، أو احتراقها كابن الملقن» (٢).
حكم رواية المختلط:
قال الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله تعالى -: «هذا فن عزيز مهم لم أعلم أحداً أفرده بالتصنيف واعتنى به مع كونه حقيقاً بذلك جداً. وهم منقسمون: فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه، ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير
ذلك، و الحكم فيهم: أنَّه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده» (٣).
وقال الإمام النووي: «يقبل ما روي عنهم قبل الاختلاط و لا يقبل ما بعده أو شك فيه» (٤).
وقال ابن حبان: «و أما المختلطون في أواخر أعمارهم - مثل: الجريري وسعيد بن أبي عروبة وأشباههما - فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا، ونحتج بما رووا، إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، وما وافقوا الثقات في الروايات التي
стр. 589
لا نشك في صحتها و ثبوتها من جهة أخرى؛ لأنَّ حكمَهم - وإنِ اختلطوا في أواخر أعمارهم وحُمِلَ عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتِهم - حكمُ الثقة إذا أخطأ، أنَّ الواجب ترك خطئه إذا عُلم والاحتجاج بما نعلم أنَّه لم يخطئ فيه، وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات، وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذي كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء» (١).
وقال الحازمي: «أما من زال عقله بأمر طارئ، كالاختلاط وتغيب الذهن فلا يعتد بحديثه، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طرح حديثه بالكلية؛ لأنَّ هذا عارض قد طرأ على غير واحدٍ من المتقدمين والحفاظ المشهورين، فإذا تميز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحته جاز له الرواية عنه، وصح العمل بها» (٢).
وللسلف نظرات ثاقبة في معرفة الحديث الذي لم يخطئ فيه الراوي من الذي أخطأ فيه، فهم ينتقون من أحاديث المختلطين: فما تبين لهم أنَّه لم يخطئ فيه أخذوه، وما تبين لهم أنَّه أخطأ فيه تركوه، قال وكيع بن الجراح: «كنا ندخل على سعيد (٣)، فنسمع فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحاً طرحناه» (٤).
وقال أبو نعيم: «كتبت عنه بعد ما اختلط حديثين» (٥).
ويبدو أنَّ هذا هو صنيع صاحبي الصحيحين، فقد أخرجا عن بعض المختلطين بطريق من سمع منهم بعد الاختلاط، فقد أخرج الإمام البخاري لحصين بن عبد الرحمان السلمي (٦) المختلط بطريق حصين بن نمير (٧)، وأشار
стр. 590
السخاوي: أنَّ حصين بن نمير سمع من حصين بن عبد الرحمان بعد الاختلاط (١).
وكذلك روى الإمام مسلم لأبي إسحاق السبيعي (٢) بطريق عمار بن رزيق (٣).
قال أبو حاتم: «عمار بن رزيق (٤) سمع من أبي إسحاق بأخرة» (٥).
يقول الشيخ عبد القيوم عبد رب النبي: «والحقيقة أنَّ صاحبي الصحيحين أخرجا كثيراً عن المختلطين بوساطة من سمعوا منهم بعد الاختلاط، والذي يحكم به في هذا البحث هو أنَّ صاحبي الصحيحين لما يخرجان (٦) عن المختلطين بطريق من سمع منهم بعد الاختلاط ينتقيان من حديثهم، ولا يخرجان جميع أحاديثهم» (٧).
لكنَّ هذا الانتقاء لا يكون إلا من قبل إمام كبير الشأن فلا يستطيعه كل مشتغل بالحديث، بل هو خصيصة لأولئك الأئمة العظام المجتهدين العارفين بعلل الحديث ومشكلاته، فحكم المختلطين عند الجمهور من أهل العلم كما سبق بيانه عن ابن الصلاح: أنَّه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلا
стр. 591
يدرى هل أخذ عنهم قبل الاختلاط أو بعده. وهذا ما نراه جلياً في حكم أئمة الجرح … والتعديل على المختلطين (١).
الاختلاط والتخليط والتغير:
تقدم في أسباب العلة الكلام عن الاختلاط، وأزيد هنا بعض الأمور منها:
أ- الاختلاط غير التلخيط: فالاختلاط معروف وأما التخليط فهو:
«اختلال عارض في الضبط يقع في حال الصحة لا الخرف» (٢)، قال ابن حبان: «إنَّ من اختلط عليه ما سمع بما لم يسمع، ثم لم يرع عن نشرها بعد علمه بما اختلط عليه منها حتى نشرها وحدث بها وهو لا يتيقن بسماعها لبالحري أنْ لا يُحتج به في الأخبار؛ لأنَّه في معنى من يكذب وهو شاك، أو يقول شيئاً وهو يشك في صدقه، والشاك في صدق ما يقول لا يكون بصادق، ونسأل الله الستر، وترك إسبال الهتك إنَّه المان به» (٣)، والاختلاط ليس حالة تواكب الراوي حتى الموت، بل قد يكون عارضاً في بعض الأوقات، من ذلك قول أبي داود: «قال معمر: احتجمت فذهب عقلي حتى كنت أُلقن فاتحة الكتاب في صلاتي، وكان احتجم على هامتِهِ» (٤)، قال السخاوي: «وبلغني أنَّ البرهان الحلبي عرض له الفالج فأُنسي كل شيء حتى الفاتحة، ثم عوفي، وكان يحكي عن نفسه أنَّه صار يتراجع إليه محفوظه الأول كالطفل شيئاً شيئاً، وأَعجب من هذا ما ذكره القاضي عياض: أنَّ إبراهيم بن محمد الحضرمي المعروف بابن الشرقي المتوفَّى في سنة ست وتسعين وثلاثمئة كان قد حصل له قبل موته بثلاثين شهراً فالج فلم يكن ينطق بغير لا إله إلا الله، ولا يكتب غير بسم الله الرحمن الرحيم، فكان ذلك من آيات الله» (٥). وهناك ثلاثة أنواع
стр. 592
أخرى للاختلاط، عدها ابن رجب الحنبلي، فذكر أنَّ النوع الأول: من ضعف حديثه في بعض الأوقات دون بعض، والثاني: من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، والثالث: قوم ثقات في أنفسهم لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف (١)، وأضاف الأستاذ همام سعيد نوعاً رابعاً: ويقع ذلك في الرواة الذين تخصصوا وأفرغوا عنايتهم لنوع معين من أبواب الحديث.
ب- الاختلاط غير التغير: إنَّ الاختلاط والتغير أمران متباينان، فالتغير هو رقة في الحفظ كما يحصل من أجل الشيخوخة وكبر السن، ولازم هذا التفريق: أنَّ الذي أصابه التغير لا يعامل معاملة المختلط، ووجه ذلك أنَّ التغير لا يؤثر على مرويات الراوي؛ لقلة ما يحصل بسببه من الأوهام والأغلاط حاله حال الثقة الذي قد يهم فيجتنب ما تحقق أنَّه وهم فيه وأخطأ، ويقبل باقي حديثه ولا يتوقف في قبوله بخلاف الاختلاط الذي يجعل المتصف به لا يعقل ما يحدث به فيجيب فيما سئل، ويحدث كيف شاء فيختلط حديثه الصحيح بحديثه السقيم (٢).
مهمات عن الاختلاط:
١ - التيقن من وصف الراوي بالاختلاط، فإذا صدر الحكم على راوٍ ما من الأئمة الكبار فحينئذ نمشي وراء ما ذهبوا إليه، ولا نطالبهم بالدليل فإنَّهم أعرف بحال الرواة من غيرهم.
٢ - ليس كل ما حدث به المختلطون بعد اختلاطهم من ضعيف
حديثهم. والممعن النظر في كلام ابن حبان يجده استثنى رواية المختلط إذا وافق الثقات، وإنْ حدث عنه بعد اختلاطه.
٣ - إنَّ مسألة قبول رواية حديث المختلط إذا روي عنه قبل اختلاطه يختص فيما إذا كان ثقة فاختلط، أما إذا كان المختلط ضعيفاً قبل اختلاطه فحينئذ يرد حديثه، سواء كان قبل اختلاطه أو بعده.
стр. 593
٤ - ينبغي أنْ يتفطن لاحتمال أنْ يسمع الراوي من شيخه مرتين: مرة في حال الصحة، ومرة في حال الخرف، فلا يتميز حديث هذا من هذا كما وقع ذلك لحماد بن سلمة في روايته عن عطاء بن السائب (١).
٥ - في حال الوقوف على رواية مختلط حُدث عنه بعد اختلاطه ووُجدت هذه الرواية في الصحيحين فلا تعجل بتضعيف تلك الرواية. واعلم أنَّ صاحبي الصحيحين قد انتقيا من حديث المختلط لعلة يعرفها صاحب الصحيح، وغابت على غيره أو تكون تلك الرواية صحيحة عند صاحب الصحيح.
٦ - من الرواة من وُصفوا بالاختلاط، وهم ليسوا كذلك وإنَّما وقع لهم نوع تغير في الحفظ كما هو الحال لسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله، بل إنَّ شريكاً ضعف ضبطه بسبب توليته القضاء، وهذا ما يسمى تخليطاً.
٧ - إذا لم يهتد إلى معرفة رواية راو ما عن أحد المختلطين فإنَّه يعزف عن روايته بالكامل.
٨ - قد يكون راو سمع من شيخه بعد الاختلاط، ولكنَّه يعرف صحيح حديثه من ضعيفه فحينئذ يقبل حديثه عنه، مثل ذلك أنَّ يحيى بن معين قال لوكيع: «تحدث عن سعيد بن أبي عروبة، وإنَّما سمعت منه في الاختلاط؟ فقال: رأيتني حدثتُ عنه إلا بحديث مستوٍ؟» (٢).
٩ - قد يختلط الراوي، ولكن اختلاطه لا يؤثر فيه لأحد أمرين:
الأول: أنّه لم يحدث بشيء حال اختلاطه، كما حصل لعبد الوهاب الثقفي، وجرير بن حازم. قال أبو داود: «جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي تغيرا فحجب الناس عنهما».
الثاني: أن لا يُؤْثَر عنه حديثٌ منكرٌ كما قال ابن عدي في أبان بن صمعة أنَّه مع اختلاطه لم يجد له حديثاً منكراً، وأشار الإمام أحمد إلى أنَّ
стр. 594
أبان بن
صمعة وإن تغير بأخرة فهو صالح الحديث (١).
١٠ - إذا لم يعرف وقت اختلاط الراوي فرواية الأكابر من أصحابه عنه أولى وأمثل من رواية الصغار عنه؛ لأنَّ الغالب في الاختلاط يقع متأخراً، إلا إذا تبين بالدليل أن الأكابر ممن أخذوا عنه متأخراً.
١١ - إذا كان الراوي المختلط معروفاً بملازمته بعض مشايخه بحيث يكون حديثه على لسانه من شدة حفظه له فهنا تفصل مثل تلك الروايات على غيرها، ويعتبر لها.
١٢ - إذا روى عن المختلط من لا يحمل عن شيوخه إلا صحيح حديثهم، فيعتبر بمثل تلك الحال.
١٣ - إذا تيقنا أنَّ المختلط حدَّث من كتابه لا من حفظه وكان كتابه صحيحاً، فتقبل تلك الرواية بعينها، ولو رواها عنه من سمع منه بعد … الاختلاط.
و مما رواه المختلط بعد الاختلاط فأخطأ في إسناده، ووصل المرسل ما روى عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا استجدَّ ثوباً سمَّاه باسمه عمامةً أو قميصاً أو رداءً ثم يقول: «اللهمَّ لكَ الحمدُ أنتَ كَسَوتنيهِ أسألك من خيرهِ وخيرِ ما صُنعَ له، وأعوذُ بكَ منْ شرِهِ وشرِ ما صُنعَ لهُ». وزِيد في بعض الروايات: قال أبو نَضْرة: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا رأى
أحدهم على صاحبه ثوباً، قال: تُبلي ويخلفُ الله (٢).
أخرجه: أحمد ٣/ ٣٠ و ٥٠، وعبد بن حميد (٨٨٢)، وأبو داود (٤٠٢٠)، والترمذي (١٧٦٧) وفي " الشمائل "، له (٦٠) بتحقيقي، وأبو الشيخ
стр. 595
في " أخلاق النبي ﷺ " (٢٦٤)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٢٨٤) ط. العلمية و (٥٨٧١) ط. الرشد، والبغوي (٣١١١) من طرق عن عبد الله بن المبارك، بهذا الإسناد.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن» (١)، وقال النووي في " الأذكار " (٤٥): «حديث صحيح» (٢).
إلا أنَّ إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأنَّ الجريري اختلط في آخر عمره، وعبد الله بن المبارك ممن سمع منه بعد الاختلاط (٣)، إلا أنَّ ابن المبارك قد توبع.
إذ أخرجه: أبو يعلى (١٠٨٢)، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (٢٥٧)، والحاكم ٤/ ١٩٢، والبغوي عقب (٣١١١) من طريق حماد بن أسامة (٤). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».
وأخرجه: أبو يعلى (١٠٧٩)، وعنه ابن حبان (٥٤٢٠) من طريق خالد ابن عبد الله (٥).
وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٥٦، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (٢٥٨)، والبيهقي في " الدعوات الكبير " (٤٣٢) من طريق
عبد الوهّاب بن عطاء الخفاف. (٦)
وأخرجه: أبو داود (٤٠٢١)، والنسائي في " الكبرى " (١٠١٤١)
ط.
стр. 596
العلمية و (١٠٠٦٨) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٣٠٩)، وابن حبان (٥٤٢١)، والطبراني في " الدعاء " (٣٩٨)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٢٧١) من طريق عيسى بن يونس (١).
وأخرجه: الترمذي (١٧٦٧ م) وفي " الشمائل "، له (٦١) بتحقيقي من طريق القاسم بن مالك المازني (٢).
وأخرجه: أبو داود (٤٠٢٢) من طريق محمد بن دينار (٣).
وأخرجه: ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (١٤) من طريق يحيى بن راشد المازني (٤).
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٢٥٦) من طريق يزيد بن هارون (٥).
جميع هؤلاء رووه عن سعيد بن إياس الجريري بمثل رواية عبد الله بن
المبارك، ولكن كل هؤلاء سمعوا من الجريري بعد الاختلاط (٦)، عدا خالد بن
عبد الله الواسطي، فلا يعرف هل سمع من الجريري قبل الاختلاط أو بعده؟
قال ابن حجر في " هدي الساري": ٥٧٥: «وأخرج له البخاري أيضاً - أي: الجريري - من رواية خالد الواسطي، عنه، ولم يتحرر لي أمره إلى الآن، هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده؟ … ».
وخالفهم حماد بن سلمة، عن الجريري، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه (٧).
إذ رواه عنه، عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشخير (٨) أنَّ
стр. 597
رسول الله
ﷺ … فذكر الحديث، وأبو العلاء هذا تابعي ثقة، وُلد في خلافة عمر ﵁ (١) فالحديث مرسل.
أخرجه: النسائي في " الكبرى " (١٠١٤٢) ط. العلمية و (١٠٠٦٩) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٣٠١) من طريق إبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة، به.
قال النسائي: «حماد بن سلمة في الجريري أثبت من عيسى بن يونس؛ لأنَّ الجريري كان قد اختلط، وسماع حماد بن سلمة منه قديم قبل أنْ يختلط، وقال يحيى بن سعيد القطان: قال كهمس: أنكرنا الجريري أيام الطاعون. وحديث حماد أولى بالصواب من حديث عيسى وابن المبارك، وبالله التوفيق».
وقال أبو داود عقب (٤٠٢٢): «وعبد الوهّاب الثقفي (٢) لم يذكر فيه أبا
стр. 598
سعيد، وحماد بن سلمة قال: عن الجريري، عن أبي العلاء، عن النبي ﷺ … حماد بن سلمة والثقفي سماعهما واحد». يعني بذلك: أنَّ سماع
عبد الوهّاب الثقفي مثل سماع حماد بن سلمة كلاهما قبل اختلاط الجريري.
وقال ابن حجر في " نتائج الأفكار " ١/ ١٢٤: «وغفل ابن حبان والحاكم عن علته؛ فصححاه» وقال بعد ذكر روايات الحديث: «وكل من ذكرناه سوى حماد والثقفي سمعوا من الجريري بعد اختلاطه فعجب من الشيخ - أي: النووي - كيف جزم بأنَّه حديث صحيح … ويحتمل أنْ يكون صحيح المتن لمجيئه من طريق آخر حسن أيضاً، والله أعلم».
فعلى هذا فالرواية المرسلة أصح، والرواية المتصلة معلولة باختلاط الجريري.
وكنت في السابق أتبع الدكتور بشار عواد معروف في تصحيحه للرواية المتصلة؛ إذ كان الدكتور يصحح الرواية المتصلة ويرجحها على المرسلة بحجة أنَّ خالد بن عبد الله الواسطي ممن روى عنه البخاري ومسلم عن الجريري في صحيحيهما، إلا أنني توصلت إلى قناعة وهي أنَّ البخاري ومسلماً قد انتقيا من رواية المختلطين وممن روى عنهم بعد الاختلاط انتقاءً دقيقاً، فهما لم يخرجا لراوٍ سمع راوياً آخر بعد اختلاط الراوي الأخير، وقد خالفه منْ سمع الأخير قبل اختلاطه كما هو الحال هنا في رواية خالد، عن الجريري فلا تصح رواية خالد الواسطي، عن الجريري في الصحيحين أنْ تكون حجة لترجيح روايته هنا؛ لأنَّه خالف حماد بن سلمة وعبد الوهّاب الثقفي، وكلاهما سمع من الجريري قبل اختلاطه كما مر تبيانه. وما ينطبق على رواية خالد ينطبق على رواية حماد ابن أسامة، والتي احتج بها الدكتور أيضاً لترجيح الرواية المتصلة، زد على ذلك أنَّ حماد بن أسامة وُلد سنة (١٢١ هـ) وتوفي سنة (٢٠١ هـ) فهو من طبقة يزيد بن هارون، وابن أبي عدي، وقد قال العجلي في " معرفة الثقات " ١/ ٣٩٤: «روى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن أبي عدي. كلما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو يختلط … » فهذه إشارة من العجلي يستوضح بها في تلاميذ الجريري.
стр. 599
كما أنَّ الدكتور بشاراً قد أعلّ رواية عبد الوهاب الثقفي بأنَّه روى الحديث مرة مرسلاً ومرة متصلاً، وقد أشرت فيما سبق إلى أنني لم أقف على رواية الثقفي المرسلة التي ذكرها أبو داود، أما الرواية المتصلة التي أشار إليها الدكتور فلم أجدها بعد بحث طويل، كما أنَّ الدكتور لم يخرّجها.
وما دمت قد أسهبت بإعلال الحديث، ولربما ابتعدتْ بعض علله على القارئ لطول المقام فأحببت أن أُلخص الحكم في ذلك، فأقول: خلاصة هذا الحديث أنَّ للجريري ثلاث روايات:
الأولى: رواية أبي سعيد ﵁ وقد رواها عنه عبد الوهّاب بن عطاء الخفاف ومن تابعه.
والثانية: رواها عنه حماد بن سلمة، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط، إلا أن حماداً أرسلها وجعلها عن يزيد بن عبد الله بن الشخير.
والثالثة: عن أبي نضرة مرسلاً. وهذه استفدتها من كلام أبي داود بذكره رواية الثقفي، كما مر.
وهذا الاختلاف ينبئ عن اضطراب الجريري فيه. وقد اختلفت أقوال أهل العلم ما بين مصحح ومضعف، فقد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم والنووي.
وأعله أبو داود والنسائي وابن حجر، إلا أنَّ الراجح من ذلك قول من أعله، والله أعلم.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٤٥٣ (٤٣٢٦)، "وأطراف المسند" ٦/ ٣٦٨ (٨٥٨٧)، " وإتحاف المهرة " ٥/ ٤٣٨ (٥٧٢٣).
ومما رواه المختلط بعد الاختلاط وأخطأ فيه ما روى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، قال: لما نزلت: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن﴾ (١) عزلوا أموال اليتامى، حتى جعل الطعام يفسد، واللحم ينتن، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ،
стр. 600
فنزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ (١) قال: فخالطوهم.
أخرجه: أحمد ١/ ٣٢٥، والطبري في "تفسيره" (٣٣٤٢) ط. الفكر
و ٣/ ٦٩٨ - ٦٩٩ ط. عالم الكتب، وابن مردويه كما في "الدر المنثور" ١/ ٤٥٦، والحاكم ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩، والبيهقي ٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩ و ٦/ ٥، والضياء المقدسي في "المختارة" ١٠/ ٢٥٨ (٢٧٢) من طرق عن إسرائيل.
وأخرجه: أبو داود (٢٨٧١)، والطبري في "تفسيره" (٣٣٤٣) … ط. الفكر و ٣/ ٦٩٩ ط. عالم الكتب، والحاكم ٢/ ١٠٣ و ٣٠٣ و ٣١٨، والواحدي في "أسباب النزول" (٧٩) بتحقيقي، والضياء المقدسي في "المختارة" ١٠/ ٢٥٩ (٢٧٣) من طرق عن جرير.
وأخرجه: النسائي ٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧ وفي "الكبرى"، له (٦٤٩٧) … ط. العلمية و (٦٤٦٤) ط. الرسالة، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢٠٨١) من طريق عمران بن عيينة (٢).
وأخرجه: النسائي ٦/ ٢٥٦ وفي "الكبرى"، له (٦٤٩٦) من طريق أبي كدينة (يعني: يحيى بن المهلب) (٣).
أربعتهم: (إسرائيل، وجرير، وعمران، ويحيى) عن عطاء بن
السائب، بهذا الإسناد.
هذه متابعات يقوي بعضها بعضاً، إلا أنَّ العلة ليست في أحد تلك الطرق فيتقوى بغيره، إنَّما العلة في عطاء بن السائب، إذ قال الإمام أحمد (٤): «فكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها».
وقال الشوكاني في " نيل الأوطار" ٥/ ٣٧٥: «تفرد بوصله - يعني: عطاء - وفيه مقال».