الصحة فمعدوم؛ لأنَّ عامة الوجوه التي روي بها هذا الحديث بذكر زيادة الرفع في السجود، لم تخلُ من مقال، إما باختلاف الراوي أو مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه، أو الوهم في تلك الرواية، وغير ذلك مما تقدم.
وأما مسألة زيادة الثقة فهذه يجاب عنها بأمرين:
الأول: إن مثل هذا الأمر مما تتوافر فيه دوافع تواتر ناقليه، فيما لو صح، وأما أن يتفرّد راوٍ بنقل سُنّة تستوجب التواتر، ثم يختلف هذا الراوي فتارة يذكر الزيادة وتارة لا يذكرها، فهذا دليل على إعلال تلك اللفظة.
الثاني: كما هو معروف أن ليس كل زيادات الثقة مقبولة، وليس كل ما زاده مردود، وحكم ذلك من القبول والرد يعود على القرائن التي بها تُقبل تلك الزيادة أو تُرد، والأحاديث التي جاء فيها ذكر زيادة الرفع في السجود كما تقدم، لا تخلو من مقال، كما قدمناه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فمما لا شك فيه أنَّ زيادة الثقة تُقبل في حال عدم وجود ما يعارضها، أو ثبوت ما يناقضها، فإذا ثبتت المعارضة أو المخالفة رُدت تلك الزيادة، لا سيما إذا جاءت المعارضة بطرق أقوى من الطرق المستزادة، وفي هذه الأحاديث التي جاءت فيها زيادة رفع اليدين من السجود لو زادها مئة من الثقات لردها حديث ابن عمر وحده، فكيف وقد انضم إليه حديث علي! فكما تقدم أنَّ حديث ابن عمر كان ينفي الرفع بين السجدتين خصوصاً، وفي حديث علي ﵁ كان ينفي الرفع في القعود عموماً. ثم إنَّ أحاديث الباب التي حملها الصحابة لنا كان الرفع فيها يدور حول تكبيرة الاستفتاح وفي الركوع، وإذا رفع من الركوع، و إذا قام من الركعتين، فالرفع في هذه الحالات ثابت متواتر الصحة (١)، فلماذا
стр. 632
يدخل بعضهم على ما تواتر نقله بعض ما يستشكل؟ ويحاولون تصحيح ذلك بشتى الطرق وتحت مختلف التسميات؟ إذن فالصواب، ترك ما يستشكل، والتمسك بالذي لا لبس فيه للخروج من كل خلاف.
ثمَّ إنَّ في تصحيح مثل هذا الفعل خروجاً عمّا ذهب إليه السلف، قال الطحاوي في " شرح المعاني " عقب (١٣٣١) ط. العلمية: «فإنَّهم قد أجمعوا أنَّ التكبيرة الأولى معها رفع، والتكبيرة بين السجدتين لا رفع معها»، وقال ابن القيم في " زاد المعاد " ١/ ٢١٥: «ثم يكبّر ويخرّ ساجداً ولا يرفع يديه، وقد روي أنه كان يرفعهما أيضاً وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد ابن حزم وهو وهم فلا يصح ذلك عنه البتة … » والله أعلم.
وقد يروي المختلط حديثاً حال اختلاطه فيخطيء فيه، ويعرف خطؤه بعد عرض روايته تلك على روايات الثقات، مثاله ما رواه جرير، عن عطاء ابن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يرفعه في قوله تعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرضَى أَوْ عَلَى سَفَر﴾ (١) قال: إذا كانَتْ بالرَّجُلِ الجراحةُ في سبيلِ اللهِ، أو القُروح أو الجُدَري، فَيُجنِبُ، فَيَخافُ إنِ اغتسلَ أنْ يموتَ فليتيمَّم (٢).
أخرجه: ابن الجارود (١٢٩)، وابن خزيمة (٢٧٢) بتحقيقي، وابن عدي في " الكامل " ٧/ ٧٥، والدارقطني ١/ ١٧٦ ط. العلمية و (٦٧٨) … ط. الرسالة، والحاكم ١/ ١٦٥، والبيهقي ١/ ٢٢٤ وفي " السنن الصغرى " (٢١٣) وفي " معرفة السنن والآثار" له (٣٤٢) ط. العلمية و (١٦٤٧) و (١٦٤٨) ط. الوعي، والضياء المقدسي في" المختارة "١٠/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٣١٥) من طريق جرير، بهذا الإسناد.
وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنَّ عطاء بن السائب اختلط بأخرة، قال
стр. 633
يحيى بن معين فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٧٢ - ٧٣: «وحديث جرير وأشباهه بعد تغيّر عطاء في آخر عمره»، وقال أيضاً فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ٤٣١ (١٨٤٨): «عطاء بن السائب اختلط … وما سمع منه جرير وذووه ليس من صحيح حديث عطاء .. ولا يحتج بحديثه»، وقال ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٧٣: «كان قد اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فجيد، ومن سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء .. وجميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان»، وقال أحمد بن حَنْبل فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ٤٣١ (١٨٤٨)، وابن عدي في " الكامل " ٧/ ٧٣: «من سمع منه قديماً كان صحيحاً، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء، سمع منه قديماً مثل شعبة وسفيان، وسمع حديثاً جرير، وخالد بن عبد الله، وإسماعيل بن علية، وعلي بن عاصم فكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يعرفها» (١).
قال ابن الملقن في " البدر المنير " ٢/ ٦٧٢: «لعل هذا منها».
قال ابن خزيمة عقب (٢٧٢) بتحقيقي: «هذا خبر لم يرفعه غير عطاء بن السائب».
وقال البزار فيما نقله عنه ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ٣٩٣ (١٩٨): «لا نعلم رفعه عن عطاء من الثقات إلا جريراً». وعلى هذا فإنَّ هذا الحديث سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً فإنَّه ضعيف؛ لأنَّ الراوي عن عطاء سمع منه بعد الاختلاط.
إلا أنَّ جريراً توبع على روايته المرفوعة عن عطاء بن السائب، تابعه علي بن عاصم كما في " العلل " لابن أبي حاتم (٤٠) إذ رواه عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ في المجدور والمريض إذا خاف على نفسه تيمم.
قال أبو زرعة كما في " علل الحديث " لابن أبي حاتم (٤٠): «ورواه
стр. 634
جرير أيضاً، فقال: عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس - رفعه - في المجدور - قال (١): إن هذا خطأ، أخطأ فيه علي بن عاصم ورواه أبو عوانة وورقاء وغيرهما، عن عطاء بن السائب، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفاً، وهو الصحيح».
وقال الدارقطني ١/ ١٧٧ ط. العلمية و (٦٨٠) ط. الرسالة: «رواه علي بن عاصم، عن عطاء ورفعه إلى النبيِّ ﷺ ، ووقفه ورقاء وأبو عوانة وغيرهما، وهو الصواب».
وقد روي هذا الحديث موقوفاً على علي بن عاصم.
فأخرجه: البيهقي ١/ ٢٢٤ من طريق علي بن عاصم، قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: في الرجل تصيبُهُ الجنابةُ وبه الجراحةُ يخافُ إذا اغتسلَ أنْ يموتَ، قال: فليتيمّمْ وليصلِّ، موقوفاً.
وتابع علي بن عاصم على الرواية الموقوفة:
١ - شجاع بن الوليد عند ابن أبي حاتم في " تفسيره " (٥٣٦٢) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قال: هو الرجل المحدود أو به الجرح فيخاف أنْ يغتسل فيموت فليتيمم الصعيد.
٢ - سلاّم بن سليم عند ابن أبي شيبة (١٠٧٦).
٣ - عاصم الأحول عند الدارقطني ١/ ١٧٧ ط. العلمية و (٦٧٩)
و (٦٨٠) ط. الرسالة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: رُخِّص للمريض التيمم بالصعيد.
وأخرجه: البزار (٥٠٧٦) من طريق سفيان، عن عاصم الأحول، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: رخصَ للمريضِ في التيمم بالصعيد إذا كان مجدوراً.
стр. 635
وأخرجه: البيهقي ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ من طريق شعبة، قال: أخبرني عاصم الأحول، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، به موقوفاً.
فعلى هذا يتبين أنَّ عاصماً قد اختلف في رواية هذا الحديث، فرواه تارة عن عطاء، عن سعيد، وتارة عن قتادة، عن سعيد، وأخرى عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد. إلا أنَّ الراجح من هذا الاختلاف هو الأخير منه؛ لأنَّه توبع عليه، فقد قال البيهقي ١/ ٢٢٤: «ورواه إبراهيم بن طهمان وغيره أيضاً، عن عطاء موقوفاً، وكذلك رواه عزرة، عن سعيد بن جبير موقوفاً» (١).
أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥٨٩) ط. الفكر و ٧/ ٦٠ ط. عالم الكتب من طريق سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، موقوفاً عليه دون ذكر ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرضَى﴾ قال: إذا كان به جروح أو قروح يتيمم.
انظر: "البدر المنير" ٢/ ٦٧٠ - ٦٧٢، و" إتحاف المهرة " ٧/ ٧٠ (٧٣٥٤)، و " التلخيص الحبير" ١/ ٣٩٣ (١٩٨).
ومثال ما رواه المختلط فأخطأ فيه؛ لأنَّ من روى عنه إنما رواه عنه بعد الاختلاط حديث محمد بن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ صامَ الدهرَ ضيقتْ عليهِ جهنَّمُ هكذا» وعقد تسعين (٢).
стр. 636
أخرجه: البزار (٣٠٦٢)، والنَّسائيُّ كما في " تحفة الأشراف " ٦/ ١٨١ (٩٠١١)، والروياني في " مسنده" (٥٦١)، وابن خزيمة (٢١٥٤) و (٢١٥٥) بتحقيقي من طريق ابن أبي عدي، بهذا الإسناد.
هذا الحديث رجاله ثقات؛ إلا أنَّ محمد بن أبي عدي سمع من سعيد بن أبي عروبة بعد الاختلاط (١)، فإسناد هذا الحديث ضعيف؛ لسماع محمد بن أبي عدي من سعيد بن أبي عروبة بعد الاختلاط.
قال ابن خزيمة عقيب الحديث (٢١٥٥): «لم يسند هذا الخبر عن قتادة غير ابن أبي عدي، عن سعيد» إلا أنَّ قتادة له متابعات، ولكنَّ هذه المتابعات لا تصح.
إذ أخرجه: الطيالسي (٥١٤)، وابن أبي شيبة (٩٦٤١)، وأحمد ٤/ ٤١٤، والبزار (٣٠٦٣)، والعقيلي في " الضعفاء الكبير " ٢/ ٢١٩، وابن حبان (٣٥٨٤)، والطبراني في " الأوسط " (٢٥٨٣) ط. الحديث و (٢٥٦٢) ط. العلمية، والبيهقي ٤/ ٣٠٠ وفي " السنن الصغير " (١٤٤٨) وفي " شعب الإيمان "، له (٣٨٩١) ط. العلمية و (٣٦٠٨) ط. الرشد من طريق الضحاك أبي العلاء، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، به مرفوعاً.
والضحاك بن يسار أبو علاء ضعيف، قال يحيى بن معين في " تاريخه " (٤١٢٥) برواية الدوري: «الضحاك بن يسار يضعّفه البصريون»، وذكره ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (١٧١٦)، والذهبي في " المغني في الضعفاء " (٢٩١٥).
وأخرجه: عبد بن حميد (٥٦٤) من طريق أبان بن أبي عيّاش، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، به مرفوعاً.
وأبان بن أبي عيّاش متروك الحديث، ذكره البخاري في " الضعفاء الصغير " (٣٢)، والنَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٢١)، والدارقطني في "الضعفاء
стр. 637
والمتروكون " (١٠٣). فبهذا يتبين ضعف هذا الحديث وضعف متابعاته.
وهو على علته المتقدمة قد أُعلَّ بالوقف. قال العقيلي في "الضعفاء الكبير" ٢/ ٢١٩: «وقد روي هذا عن أبي موسى موقوفاً، ولا يصح مرفوعاً».
أخرجه: الطيالسي (٥١٣)، وابن أبي شيبة (٩٦٤٠)، وأحمد ٤/ ٤١٤، والبيهقي ٤/ ٣٠٠ من طريق شعبة.
وأخرجه: عبد بن حميد (٥٦٣) من طريق همام بن يحيى.
كلاهما: (شعبة، وهمام) عن قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي موسى موقوفاً عليه.
وشعبة من أوثق الناس في قتادة (١).
كما أنَّ قتادة توبع على روايته الموقوفة تابعه الثوري عند عبد الرزاق (٧٨٦٦).
وتابعه أيضاً عقبة بن عبد الله الأصم (٢) عند عبد الله بن أحمد في زياداته على " الزهد " لأبيه (١١٠٣).
فالصحيح في هذا الحديث الوقف؛ لاتفاق قتادة والثوري وهم الثقات على الرواية الموقوفة وعدم صحة الروايات المرفوعة.
انظر: "تحفة الأشراف" ٦/ ١٨١ (٩٠١١)، و"إتحاف المهرة" ١٠/ ١١٦ (١٢٣٨٣).
ومما يزاد هنا ليستدل به على نكارة المتن المرفوع ما رواه البخاري ٣/ ٥٢ - ٥٣ (١٩٧٩)، ومسلم ٣/ ١٦٤ (١١٥٩ «١٨٦) من حديث … عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: «لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد» (٣).
стр. 638
وقد يروي المختلط الحديث فيبدل الضعيف بالثقة، فيمشي ذلك على بعض من يعمل بصناعة الحديث أخذاً منهم بنقد ظاهر الإسناد دون الغور في خفايا الحديث وبواطن علله، ويتنبه على ذلك المتقدمون من أصحاب الخبرة التامة والمعرفة الكاملة الذين عاينوا الرواية وكانت صدورهم وعاءً لحفظ السنة ويقيسون عليها الصواب والخطأ من مرويات الثقات، مثاله ما رواه الجريري سعيد بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: مرحباً بوصيةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، كانَ رسولُ الله ﷺ يوصينا بكم.
أخرجه: ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ١/ ٣٠٦ (المقدمة)، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (٢١)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٨٨، والبيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٦٢١) من طريق سعيد بن سليمان الواسطي، عن عباد بن عوام، عن الجريري، به.
وأخرجه: الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٢٠) من طريق أبي عبد الله شيخ ينزل وراء منزل حماد بن زيد، قال: حدثنا الجريري، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري: أنَّه كان إذا رأى الشبابَ، قال: مرحباً بوصيةِ رسولِ الله ﷺ ، أمرنا أنْ نحفظكم الحديثَ، ونوسعَ لكم في المجالس.
صحح بعض الأئمة هذا الحديث لأجل هذا الطريق؛ إذ استشهد به الرامهرمزي وابن أبي حاتم، وصححهُ الحاكم، وقال: «هذا حديث صحيح ثابت؛ لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد بن سليمان وعباد بن عوام والجريري، ثم احتجاج مسلم بحديث أبي نَضْرة فقد عددت له في المسند الصحيح أحد عشر أصلاً للجريري، ولم يخرجا هذا الحديث الذي هو أول حديث في فضل طلاّب الحديث، ولا يعلم له علة، فلهذا الحديث طرق يجمعها أهل الحديث عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد، وأبو هارون ممن سكتوا عنه».
وأشار البيهقي إلى أنَّ رواية الجريري عن أبي نَضْرة عاضدة لرواية أبي
стр. 639
هارون؛ إذ قال في " المدخل إلى السنن الكبرى " (٦٢٣): «هكذا رواه جماعة من الأئمة عن أبي هارون العبدي، وأبو هارون وإنْ كان ضعيفاً فرواية أبي نضرة له شاهدة»، وحسّنه العلائي في " بغية الملتمس " ٢/ ٢ فقال: «إسناده لا بأس به؛ لأنَّ سعيد بن سليمان هذا، هو النشيطي، فيه لين محتمل، حدّث عنه أبو زرعة وأبو حاتم الرازي وغيرهما». وصححه أيضاً الألباني إذ أورده في " السلسلة الصحيحة " (٢٨٠) وأسهب الكلام في تصحيحه مستنداً في ذلك إلى ما ذهب إليه الحاكم، ورد على العلائي في أنَّ سعيد بن سليمان هو الواسطي الثقة، وليس النشيطي.
أقول: هذا هو ديدن كثير من المتأخرين في تصحيح الأحاديث؛ وكأنَّهم جعلوا علم الحديث قواعد تطبّق وحسب، وهذا غير صحيح فعلم الحديث ولا سيما قضية التصحيح والتضعيف ليست عملية رياضية حسابية، بل هي جملة معطيات وقرائن تدور مع الحديث وجوداً وعدماً يعرفها أصحاب الملكة من أهل الحديث.
لذا فإنَّ الإمام أحمد كانت له نظرة أخرى لهذا الإسناد دلت على دقة ملاحظة المتقدمين من أئمة الحديث، وبُعْد نظرهم؛ إذ قال حينما سأله تلميذه مهنأ عن هذا الإسناد: «ما خلق الله من ذا شيئاً، هذا حديث أبي هارون، عن أبي سعيد» (١).
وكذا علق الترمذي عقب حديث (٢٦٥١) فقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون، عن أبي سعيد».
وعلّق العلاّمة الألباني على جواب الإمام أحمد فقال: «وجواب أحمد هذا يحتمل أحد أمرين: إما أنْ يكون سعيد عنده هو الواسطي، وحينئذ فتوهيمه في إسناده إياه مما لا وجه له في نظري لثقته كما سبق، وإما أنْ يكون عَنَى أنَّه النشيطي الضعيف، وهذا مما لا وجه له بعد ثبوت أنَّه الواسطي».
стр. 640
والحقيقة أنَّ علة الحديث ليست بكون سعيد بن سليمان هو الواسطي أو النشيطي، بل علته التي تنبه لها الإمامان أحمد و الترمذي هي اختلاط الجريري، إذ إنَّه اختلط قبل وفاته بثلاث سنين. قال ابن معين في " تاريخه " (٤٤٠٩) رواية الدوري: «قال عيسى بن يونس: قد سمعت من الجريري، ولكن نهاني عنه يحيى بن سعيد، يعني أنَّه مختلط»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٤/ ٤ (١): «تغيّر حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صالح، وهو حسنُ الحديث»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٧١): «من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء». وقد حصر الدكتور بشار عواد معروف والشيخ شعيب الرواة الذين سمعوا من الجريري قبل الاختلاط في كتابهما " تحرير التقريب " (٢٢٧٣) وهم: (شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وإسماعيل بن علية، ومعمر بن راشد، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زريع، ووهيب بن خالد، وعبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، وبشر بن المفضل، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وسفيان بن عيينة) (١)، من هذا يتضح أنَّ عباد بن العوام سمع من الجريري بعد الاختلاط، وأنَّ الجريريَّ أخطأ في ذكر أبي نَضْرة، وإنَّما هو أبو هارون، ومما يدل على ذلك أنَّ جمعاً من الرواة رووا هذا الحديث عن أبي هارون: فقد رواه معمر في " جامعه " (٢٠٤٦٦)، ومن طريقه البيهقي في "المدخل " (٦٢٢).
ومحمد بن مهزم عند الطيالسي (٢١٩١).
وسفيان الثوري عند ابن ماجه (٢٤٩)، والترمذي (٢٦٥٠)، والصيداوي في " معجم شيوخه ": ٣٥٨ (٣٤٣).
стр. 641
ومحمد بن عبدة عند ابن ماجه (٢٤٧).
وعلي بن عاصم عند الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٢٢).
ومحمد بن ذكوان عند البيهقي في " شعب الإيمان " (١٧٤١) … ط. العلمية و (١٦١٠) ط. الرشد وفي " المدخل "، له (٦٢٤)، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث " (٣٥).
وحسن بن صالح عند الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (٣٦٠).
سبعتهم: (معمر، ومحمد بن مهزم، وسفيان الثوري، ومحمد بن عبدة، وعلي بن عاصم، ومحمد بن ذكوان، وحسن بن صالح) عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، به.
وأبو هارون هذا متروك الحديث، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٣٦٢٤) رواية الدوري: «لا يصدق في حديثه» وقال في (٤٠٤٤): «ليس بثقة»، وقال شعبة فيما نقله عنه الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ١٧٣ (٦٠١٨): «لأن أُقدم فتضرب عنقي أحبُّ إلي منْ أنْ أُحدث عن أبي هارون»، وقال حماد بن زيد فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٦/ ٤٧٧ (٢٠٠٥): «كان أبو هارون العبدي كذاباً»، وقال أحمد في " الجامع في العلل " ١/ ١٥٩ (٨٤٣): «ليس بشيء»، وضعّفه أبو حاتم وأبو زرعة فيما نقله عنهما ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٦/ ٤٧٧ (٢٠٠٥)، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٧٦): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٣٨١).
وعلى هذا فالإسناد ضعيف؛ لضعف أبي هارون، أما القول بأنَّ رواية أبي نَضْرة متابعة لرواية أبي هارون، فهذا غير محفوظ؛ لأنَّ رواية أبي نضرة خطأ، أخطأ فيها الجريري.
وعلى فرض صحة رواية الجريري، أنَّ عباداً سمع منه قبل الاختلاط، ففي مخالفة الجريري لهؤلاء الرواة - وهم من هم في الحفظ والإتقان - يبين شذوذ رواية الجريري، وأنَّ الصواب الذي لا محيد عنه أنَّ الحديث حديث أبي هارون لا غير، والله أعلم.
стр. 642
أما المتابعات (١) التي ساقها العلاّمة الألباني فإنَّها ضعيفة ولا تصلح لعضد رواية أبي هارون، إذ روي الحديث من طريق سفيان الثوري، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد، قال: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ … عند أبي نعيم في " الحلية " ٩/ ٢٥٢ - ٢٥٣ وهذا إسناد ضعيف؛ للانقطاع في سنده بين سفيان الثوري وأبي هريرة.
وروي من طريق الليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد، به عند الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (٣٦٠)، والذهبي في " السير " ١٥/ ٣٦٢. وهذا إسناد ضعيف؛ فيه الليث بن أبي سليم وهو ضعيف، إذ قال عنه يحيى بن معين في ما نقله ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٢٣٣: «ضعيف»، وقال أحمد في " الجامع في العلل " ١/ ٢٧ (١٣٧): «ليس هو بذاك»، وقال أيضاً فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٢٤٣ (١٠١٤): «مضطرب الحديث، ولكن حدّث الناس عنه»، وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٢٤٣ (١٠١٤): «سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به، هو مضطرب الحديث»، وقال أيضاً: «سمعت أبا زرعة يقول: ليث بن أبي سليم لين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث»، وضعّفه النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٥١١).
وروي أيضاً من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا ابن الغسيل، عن أبي خالد مولى ابن الصبّاح الأسدي، عن أبي سعيد الخدري، به عند الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٢٣). وهذا أيضاً ضعيف؛ فيه
يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو وإنْ وثّقه يحيى بن معين في " تاريخه " برواية
стр. 643
الدارمي (٦٧٤)، إلا أنَّه اتهم بسرقة الحديث، إذ قال الإمام أحمد بن حَنْبل فيما نقله عنه ابن عدي في " الكامل " ٩/ ٩٦: «قد جاء ابن الحماني إلى هاهنا فاجتمع عليه الناس، وكان يكذب جهاراً ابن أبي شيبة على حال
يصدق (١)، ما زلنا نعرف ابن الحماني أنّه يسرق الأحاديث ويتلقطها».
بعد عرض هذا الحديث يبدو الفرق واضحاً بين إعلال المتقدمين لهذا الحديث، وبين تسرع المتأخرين في تصحيحه، لا سيما وقد اتفق على تضعيفه عالمان جليلان من مدرستين مختلفتين:
أولهما: الإمام المبجل أحمد بن حنبل، وثانيهما: الإمام الجهبذ محمد بن عيسى الترمذي تلميذ البخاري وخرّيجه، وهذا الجزم منهما على أنَّ الحديث حديث أبي هارون هو حكم ناتج عن استقراء تام للمرويات، ولم يخفَ عليهم طريق عباد بن العوام، عن الجريري، وأنَّه إسناد خطأ مركب، لذا كان قول الإمام المبجل أحمد بن حنبل: «ما خلق الله من ذا شيئاً» نصاً صريحاً في الحكم على خطأ الحديث.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٤٢٤ (٤٢٦٢).
وقد يروي المختلط حديثاً فيرويه من روى عنه قبل اختلاطه على وجهٍ، ويرويه من روى عنه بعد اختلاطه على وجه مخالف، مما يجعل النفس تطمئن إلى رواية من رواه عنه قبل الاختلاط لأنها هي الأصل، ثم تأتي قرينة خارجية تعضد الرواية الأولى فيجزم الناقد ولا يتردد بتصويب رواية من روى عن المختلط قبل الاختلاط، مثاله ما روى إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّ نبيَّ الله سليمانَ كانَ إذا قامَ يُصلي رأى شجرةً نابتةً بينَ يديهِ، فيقول لها: ما اسمُكِ؟ فتقول: كذا، فيقول: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ فتقول: لكذا، فإنْ كانتْ لدواه كتبت، وإنْ كانَتْ منْ غرسٍ غرستْ، فبينما
стр. 644
هو ذاتَ يومٍ يُصلي، إذا شجرةٌ نابتةٌ بينَ يديه، فقالَ لها: ما اسمُكِ؟ قالتْ: الخرنوبة، قال: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ قالتْ: لخرابِ هذا البيتِ، قال سليمان: اللهمَّ عمِّ على الجن موتي حتى تعلم الإنس أنَّ الجنَّ لا يعلمونَ الغيبَ، فأخذَ عصاه فتوكّأ عليها فماتَ، والجنُ تعمل، فأكلتها الأرضةُ في سنةٍ، فسقطَ: فتبينتِ الجِنُّ أنْ لو كانوا يعلمونَ الغيبَ ما لبثوا حولاً في العذابِ المهينِ» وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء (١).
أخرجه: البزار (٥٠٦٠)، والطبري في " تفسيره " (٢١٩٧٦) ط. الفكر و ١٩/ ٢٤٠ ط. عالم الكتب، وفي " تاريخ الأمم والملوك "، له ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والطبراني في " الكبير " (١٢٢٨١)، والحاكم ٤/ ١٩٧ - ١٩٨ و ٤٠٢، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٣٠٤، وابن عساكر في " تاريخ دمشق "٢٤/ ٢١٢، والضياء المقدسي في " المختارة " ١٠/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٣٠٦) و (٣٠٧)
و (٣٠٨)، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩ من طريق إبراهيم بن طهمان، بهذا الإسناد.
وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٤٣٢ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن السني في " الطب النبوي "، وابن مردويه.
وقال البزار: «وهذا الحديث قد رواه جماعة عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفاً، ولا نعلم أسنده إلا إبراهيم بن طهمان».
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو غريبٌ بمرة من رواية عبد الله (٢) بن وهب، عن إبراهيم بن طهمان، فإني لا أجد عنه غير رواية هذا الحديث الواحد، وقد رواه سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، فأوقفه على ابن عباس».
стр. 645
وقال أبو نعيم: «غريب من حديث سعيد تفرّد به عطاء».
هذا الحديث رواه إبراهيم بن طهمان، عن عطاء به مرفوعاً كما سلف، وخالفه سفيان بن عيينة وجرير فروياه موقوفاً.
فأخرجه: البزار (٥٠٦١)، ومحمد بن نصر المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٢٠٧) من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه: الحاكم ٢/ ٤٢٣ من طريق جرير بن عبد الحميد.
كلاهما: (ابن عيينة، وجرير) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به موقوفاً عليه ولم يرفعه.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
قال ابن كثير في " تفسيره ": ١٥٣٥: «وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر»، وقال أيضاً: «وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفاً» (١).
قلت: والموقوف أصوب كما قال ابن كثير؛ لأنَّ سفيان بن عيينة رواه عن عطاء، وهو ممن سمع منه قديماً قبل الاختلاط بصورة قطعية، وأما جرير فسمع منه بعد الاختلاط إلا أنَّه يتقوى برواية ابن عيينة. وإبراهيم بن طهمان لم يذكر أحد أنّه أخذ عنه قبل الاختلاط، ولم يتابع إبراهيمَ على روايته المرفوعة أحدٌ.
ومما يرجح الرواية الموقوفة أنَّه روي موقوفاً من غير طريق عطاء.
فأخرجه: الحسين المروزي في زوائده على " الزهد " لابن المبارك (١٠٧٢)، والحاكم ٤/ ١٩٨، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٢٤/ ٢١٢ -
стр. 646
٢١٣ من طريق سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به موقوفاً عليه.
وروي موقوفاً على ابن عباس من طريق آخر.
فأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢١٩٧٧) ط. الفكر و ١٩/ ٢٤١ ط. عالم الكتب وفي "تاريخ الأمم والملوك"، له ١/ ٢٩٦ من طريق السدي (١)، في حديث ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، به موقوفاً.
وعلى هذا فإنَّ السدي رواه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكلهم وقفه.
قال ابن كثير في " التفسير ": ١٥٣٥: «وهذا الأثر والله أعلم إنَّما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف، لا يصدق منها إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب».
وانظر: " إتحاف المهرة " ٧/ ١٧٥ (٧٥٦٨).
مثال آخر لما رواه المختلط، وأخطأ فيه، ما روى المسعودي، عن عمرو بن مرَّةَ، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن مُعاذ بن جبلٍ، قال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قدمَ المدينةَ، فصامَ يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ، ثُمَّ إنَّ الله جل وعز فرضَ شهرَ رمضانَ، فأنزلَ اللهُ تعالى ذكره: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصّيام﴾ حتى بلغَ: ﴿وعلى الذين يطيقونهُ فدية طعام مِسْكين﴾ فكانَ مَنْ شاءَ صامَ، ومَنْ شاءَ أفطرَ وأطعمَ مسكيناً، ثُمَّ إنَّ الله أوجبَ الصيامَ على الصحيحِ المقيمِ، وثبتَ
стр. 647
الإطعامُ للكبير الذي لا يستطيعُ الصومَ، فأنزلَ الله : ﴿فمن شهد منكم الشَّهرَ فَلْيصمهُ ومَنْ كان مَريضاً أوْ على سفرٍ﴾ (١) إلى آخر الآية (٢).
أخرجه: أبو داود (٥٠٧) من طريق يزيد بن هارون.
وأخرجه: الطبريُّ في " تفسيره " (٢٢٤٣) و (٢٢٤٦) ط. الفكر و ٣/ ١٦١ ط. عالم الكتب من طريق يونس بن بكير.
وأخرجه: الحاكم ٢/ ٢٧٤ من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم.
وأخرجه: البيهقيُّ ٤/ ٢٠٠ من طريق عاصم بن علي.
أربعتهم: (يزيد، ويونس، وأبو النضر، وعاصم) عن عبد الرحمان بن عبد الله بن عتبة المسعودي، عن عمرو بن مرة، بهذا الإسناد.
هذا إسناد معلول بعلتين:
الأولى: المسعودي اختلط في آخر عمره، قال الحافظ ابن حجر في "التقريب " (٣٩١٩): «صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أنَّ مَنْ سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط»، وجميع الذين رووا هذا الحديث عن المسعودي هم ممن روى عنه بعد الاختلاط، نقل ابن الصلاح في " معرفة أنواع علوم الحديث ": ٤٩٦ بتحقيقي عن يحيى بن معين أنَّه قال: «من سمع من المسعودي في زمان أبي جعفر فهو صحيح السماع، ومن سمع منه أيام المهدي فليس سماعه بشيء»، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه قال: «سماع عاصم - وهو ابن علي - وأبي النضر وهؤلاء من المسعودي بعد ما اختلط» فتعقبه الأبناسي فقال في "الشذا الفياح " ٢/ ٧٥٧: «اعترض عليه (٣) أمور منها: أنَّه اقتصر على ذكر اثنين ممن سمع منه بعد الاختلاط وهما: عاصم بن علي وأبو النضر هاشم بن القاسم وقد سمع منه بعد الاختلاط أيضاً: عبد الرحمان بن
стр. 648
مهدي، ويزيد بن هارون، وحجاج بن محمد الأعور، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد».
وقال ابن الكيال في " الكواكب النيرات ": ٢٨٧: «ذكر حَنْبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل أنَّه قال: سماعُ عاصم بن علي، وأبي النضر هاشم بن القاسم من المسعودي بعد ما اختلط».
سوى يونس بن بكير، فلم نجد من نص على أنَّه روى عنه قبل الاختلاط أو بعده (١)، والناظر في طبقات الرواة سيجدهم من الطبقة التاسعة، وإذا كان يونس بن بكير أقدمهم وفاة، فإنَّ يزيد وهاشماً أعرف بالطلب وأشهر من يونس، فإذا كان يزيد سمع منه بعد الاختلاط فيكون يونس بنفس الحال، والله أعلم.
ولكن مع هذا فإنَّ خطأ المسعودي في هذا الحديث واختلاطه واضح؛ لأنَّ المسعودي قد خولف، خالفه من هو أوثق منه، فرواه الأعمش بوجه آخر كما سيأتي.
أما العلة الثانية: فإنَّ عبد الرحمان بن أبي ليلى، لم يسمع من معاذ بن جبل، فقد قال الترمذيُّ في " جامعه " عقب حديث (٣١١٣): «عبد الرحمان بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ»، وقال البزار في " مسنده " عقب حديث (٢٦٦٧): «عبد الرحمان بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، وقد أدرك عمر»، وقال الدارقطنيُّ في " العلل " ٦/ ٦١ (٩٧٦) حول سماعه من معاذ: «فيه نظر؛ لأنَّ معاذاً قديم الوفاة مات في طاعون عمواس»، وقال البيهقي عقب الحديث: «هذا مرسل، عبد الرحمان لم يدرك معاذ بن جبل».
زيادة على ما تقدم من علل هذا الحديث، فإنَّه قد اختلف فيه على عمرو بن مرة فروي عنه، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل كما تقدم، وروي عنه من وجوه أخرى.
إذ أخرجه: البخاريُّ ٣/ ٤٥ عقب (١٩٤٨) تعليقاً، وابن أبي حاتم في
стр. 649
"تفسيره " ١/ ٣٠٩ (١٦٤٦)، والبيهقي ٤/ ٢٠٠ من طريق عبد الله بن نمير.
وأخرجه: ابن أبي حاتم في " تفسيره " ١/ ٣٠٦ (١٦٣٢) من طريق عيسى بن يونس.
كلاهما: (ابن نمير، وعيسى) عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، فذكره.
فإن قيل: إنَّ المبهم هنا بينته رواية معاذ السابقة. فنقول: هذا القول ليس بجيد؛ لأنَّ أهل العلم نصوا على أنَّ ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، وهو هنا أتى بسماع صريح.
وهذا الطريق أرجح من طريق المسعودي؛ لأنَّ الأعمش أحفظ وأتقن للحديث من المسعودي. قال ابن حجر في " فتح الباري " ٤/ ٢٤٠ عقب (١٩٤٩): «واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وطريق ابن نمير هذه أرجحها».
وروي الحديث عن شعبة، واختلف عليه.
إذ أخرجه: سعيد بن منصور (٢٦٨) (التفسير) من طريق عبد الرحمان ابن زياد، عن شعبة، عن عمرو بن مرَّة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: هي منسوخةٌ.
هذا متن منكر، فإنَّ عبد الرحمان بن زياد الرصاصي (١) قد أخطأ فيه، فرواه عن شعبة بهذا الإسناد، واختصرَ متنَ الحديث، ولم يوافقه أحد من الرواة على ذلك، والصواب فيه ما رواه محمد بن جعفر غندر، ومن تابعه. فقد أخرجه: أبو داود (٥٠٦) من طريق عمرو بن مرزوق.
وأخرجه: أبو داود (٥٠٦)، والطبريُّ في " تفسيره " (٢٢٤٧) … ط. الفكر و ٣/ ١٦٢ ط. عالم الكتب من طريق محمد بن جعفر.
стр. 650
وأخرجه: الطبريُّ في " تفسيره " (٢٢٤٧) ط. الفكر و ٣/ ١٦٢ … ط. عالم الكتب من طريق أبي داود الطيالسي.
ثلاثتهم: (عمرو بن مرزوق، ومحمد بن جعفر، والطيالسيُّ) عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا: أنَّ رسول الله ﷺ لما قدمَ عليهم أمرهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ تطوعاً غير فريضةٍ، قال: ثُمَّ نزل صيامُ رمضانَ، قال: وكانوا قوماً لم يتعوّدوا الصيامَ، قال: وكانَ يشتدُّ عليهم الصوم، قال: فكانَ منْ لم يصمْ أطعمَ مِسْكيناً، ثُمَّ نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر﴾ فكانت الرخصةُ للمريضِ والمسافر، وأمرنا بالصيام (١).
قلتُ: وقد ساقَ الطبريُّ سنده إلى عمرو بن مرَّة، قال: حدثنا أصحابنا، وهذا السياق قد يتوهم منه أنَّ عمرو بن مرَّةَ هو القائل: (حدثنا أصحابنا)، ولكنَّ الطبريَّ ساقَ بعدهُ ما يفيد أنَّ قائل ذلك هو ابن أبي ليلى، فقال: «قال محمد بن المثنى: قوله قال عمرو: حدثنا أصحابنا: يريد ابن أبي ليلى، كأن ابن أبي ليلى القائل حدثنا أصحابنا». ورواية محمد بن جعفر كافية لأنْ ترجح على باقي الروايات؛ لأنَّ محمد بن جعفر من أوثق الناس في شعبة، فإنَّه روى عنه فأكثر، وجالسه نحواً من عشرين سنة، وكان ربيبه فقد قال ابن المبارك فيما رواه ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل " ١/ ٢٣١: «إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غُنْدَر حكم فيما بينهم»، وقال العجلي في " الثقات " (١٥٨٢): «وكان من أثبت الناس في حديث شعبة»، وقال أبو حاتم فيما نقله ابنه في "الجرح والتعديل " ٧/ ٢٩٨ (١٢٢٣): «كان صدوقاً، وكان مؤدياً (٢)، وفي حديث شعبة ثقة»، وقال الذهبيُّ في " ميزان الاعتدال " ٣/ ٥٠٢ (٧٣٢٤): «أحد الأثبات المتقنين، ولا سيما في شعبة».
стр. 651
وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٩٧ (١١٣٤٤)، و " إتحاف المهرة " ١٣/ ٢٦٧ (١٦٦٩٧).
وللحديث شواهد منها حديث ابن عمر.
إذ أخرجه: ابن أبي شيبة (٩٠٩٤)، والبخاريُّ ٣/ ٤٥ (١٩٤٩) و ٦/ ٣٠ (٢٤٠٦)، والطبريُّ في "تفسيره" (٢٢٥١) ط. الفكر و ٣/ ١٦٣ … ط. عالم الكتب، والبيهقيُّ ٤/ ٢٠٠ من طرق عن عبيد الله (١) بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: نسختْ هذه الآية - يعني: … ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ التي بعدها: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر﴾ (٢).
ومثال الحديث الذي رواه راوٍ كان روى عن المختلط بعد الاختلاط وقبل الاختلاط، فضعفت تلك الروايات بسبب ذلك لعدم وجود قرينة ترفع الحديث من حيز الضعف إلى موطن القوة، مثاله ما روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَنْ تركَ موضعَ شَعْرةٍ منْ جنابة لم يُصبْها ماءٌ، فعلَ اللهُ تعالى بهِ كذا وكذا منَ النَّارِ» قال عليٌّ: فمن ثَمَّ (٣) عاديتُ شَعْري (٤).
أخرجه: الطيالسيُّ (١٧٥)، وابن أبي شيبة (١٠٧٣)، وأحمد ١/ ٩٤ و ١٠١، والدارميُّ (٧٥١)، وأبو داود (٢٤٩)، وابن ماجه (٥٩٩)، والبزار (٨١٣)، وعبد الله بن أحمد في "زياداته" على "مسند أبيه" ١/ ١٣٣، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند علي): ٢٧٦ - ٢٧٧ الخبر (٤١) و (٤٢)، وابن عدي
стр. 652
في " الكامل " ٧/ ٧٧، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٢٠٠، والبيهقيُّ ١/ ١٧٥، وأبو القاسم الأصبهاني في " الترغيب والترهيب " كما في " مسند علي " ٣/ ٩٣٤، وابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (٢٦٢)، والضياء في " المختارة " ٢/ ٧٤ (٤٥١) و ٢/ ٧٤ - ٧٥ (٤٥٢) من طريق حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
وقد توبع حماد على روايته.
فقد أخرجه: ابن المظفر في " غرائب شعبة " كما في " مسند علي " ٣/ ٩٣٤، ومن طريقه الضياء في " المختارة " ٢/ ٧٥ (٤٥٣) من طريق حماد وشعبة (مقرونين)، عن عطاء، عن زاذان، عن علي، به.
وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٧٠٣٤) كلتا الطبعتين وفي "الصغير "، له (٩٦٦) من طريق حريز بن المسلم الصنعاني، قال: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، به.
وهذه الطرق ستأتي مناقشتها واحداً تلوَ الآخر.
وهذا الحديث هو من رواية حماد بن سلمة، عن عطاء، وكما هو معروف أنَّ عطاءً اختلط (١)، وقلة من الذين رووا عنه قبل اختلاطه، فقد نقل البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٦/ ٢٥٣ (٣٠٠٠) عن يحيى القطان أنَّه قال فيه: «ما سمعتُ أحداً منَ الناسِ يقول في عطاء بن السائب شيئاً في حديثه القديم، قيل ليحيى: ما حدَّثَ سفيان وشعبة أصحيح هو؟ قال: نعم، إلا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة» (٢). وقد اختلف العلماء في سماع حماد من عطاء فمنهم من قال: سمع منه قبل اختلاطه، ومنهم من قال بعده، فقد قال ابن الكيال في " الكواكب النيرات " عقب (٣٩): «وقد استثنى الجمهور رواية حماد بن سلمة عنه أيضاً، قاله ابن معين، وأبو داود، والطحاوي، وحمزة الكناني (٣)، وذكر
стр. 653
ذلك عن ابن معين ابن عدي في " الكامل" (١)، وعباس الدوري (٢)، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وقال الطحاوي: وإنَّما حديث عطاء الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من أربعة لا من سواهم وهم: شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وقال حمزة بن محمد الكناني في " أماليه ": حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء … »، ونقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٧/ ١٨٠ عن ابن الجارود أنَّه قال في "الضعفاء": «حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عنه جيد … »، ونقل عن يعقوب بن سفيان أنَّه قال: «هو ثقة حجة وما روى عنه سفيان وشعبة وحماد بن سلمة سماع هؤلاء سماع قديم … »،
وقال في " التلخيص الحبير " ١/ ٣٨٢ (١٩٠): «وإسناده صحيح، فإنَّه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط»، في حين قال العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٣٩٩: «قال عليٌّ: قلت ليحيى: وكان أبو عوانة حمل عن عطاء بن السائب قبل أنْ يختلط، فقال: كان لا يفصل هذا من هذا، وكذلك حماد بن سلمة» وقال عبد الحق في " الأحكام " كما في " الكواكب النيرات " عقب (٣٩): « … إنَّ حماد بن سلمة سمع منه بعد الاختلاط»، ونقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٧/ ١٧٩ عن الدارقطني أنَّه قال: «دخل عطاء البصرة مرتين فسماع أيوب وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح»، وقال ابن حجر في " تهذيب التهذيب" ٧/ ١٨٠: «فيحصل لنا من مجموع كلامهم أنَّ سفيان الثوري وشعبة وزهيراً وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة، فاختلف قولهم، والظاهر أنَّه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يومئ إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة وسمع منه مع جرير وذويه، والله أعلم». قلت: فعلى هذا ظهرت علة رواية حماد، عن عطاء وهي أنَّه سمع منه
стр. 654
قبل الاختلاط، إلا أنَّ ما يعكر صفو هذا السماع أنَّه سمع منه بعد الاختلاط أيضاً، أعني في القدمة الثانية للبصرة، ولم يتميز حديثه هذا من هذا.
وأما المتابعات.
فأخرجه: محمد بن المظفر في " غرائب شعبة " كما في " مسند علي " ٣/ ٩٣٤، والضياء في " المختارة " ٢/ ٧٥ (٤٥٣) من طريق عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة وشعبة، قالا: أخبرنا عطاء بن السائب، عن زاذان: أنَّ علياً … كما تقدم.
فهذا الطريق وهم فيه أحد الرواة فأضاف شعبة إلى الإسناد. قال الدارقطني في "العلل" ٣/ ٢٠٨ (٣٦٥): «ورفعه عفان، عن حماد بن سلمة وشعبة، عن عطاء، وعطاء تغيّر حفظه، والمحفوظ عن عفان، عن حماد، قال: سمعته يذكر عن عطاء بن السائب فصحّفه الراوي، فقال: شعبة»، وسماع شعبة منه صحيح، فنقل ابن الكيال في " الكواكب النيرات " عقب (٣٩) عن يحيى القطان أنَّه قال: «لم أسمع أحداً يقول في حديثه القديم شيئاً قط، وحديث سفيان وشعبة عنه صحيح، - يعني: القديم -، إلا حديثين من حديث شعبة سمعهما منه بأخرة، عن زاذان» انتهى. فتعقّبه ابن الكيال قائلاً: «والعجب منه أنَّه لم يذكرهما».
فتعقّبه المحقق الشيخ عبد القيوم عبد رب النبي، فقال: «وقد بذلت مجهودي أنْ أقف على الحديثين اللذينِ سمعهما شعبة، عن عطاء، عن زاذان فوجدت في غرائب شعبة لابن المظفر حديثاً واحداً بهذا السند، وهو حديث عليٍّ ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ تركَ موضعَ شعرةٍ منْ جسدِهِ منْ جنابةٍ … » غرائب شعبة (ل ٢٦ - أ) ولم أجد الحديث الثاني».
وهذا يعني أنَّ هذا الحديث سمعه شعبة من عطاء بعد اختلاطه، إلا أنَّ هذا لا يفرح به؛ فذكر شعبة خطأ كما تقدم عن الحافظ الدارقطني.
أما المتابعة الأخيرة: فهي ما أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٧٠٣٤) كلتا الطبعتين وفي " الصغير "، له (٩٦٦) من طريق حريز بن المسلم الصنعاني، قال: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، عن عطاء بن
стр. 655
السائب، عن زاذان، عن عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: … فذكره.
قال الطبرانيُّ في "الصغير" عقبه: «لم يروه عن عبد العزيز إلا ابنه، تفرّد به حريز بن مسلم، والمشهور من حديث حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب».
وهذا الإسناد فيه حريز بن مسلم، ذكره ابن حبان في " الثقات " ٨/ ٢١٣، وذكره الدارقطني في " المؤتلف والمختلف " ١/ ٣٥٦، وابن ماكولا في " الإكمال " ٢/ ٨٦ ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وإنَّما اقتصرت عبارة ابن ماكولا على: «يروي عن عبد المجيد بن أبي رواد وغيره، روى عنه إبراهيم بن محمد بن المعمر». راجع " الاحتفال بمعرفة الرواة الثقات الذين ليسوا في تهذيب الكمال " ٤/ ٤٨٩.
فضلاً عن هذا فإنَّ عبد المجيد وأباه قد تكلم فيهما كما جاء في " تهذيب الكمال " ٤/ ٥١٦ - ٥١٧ (٤٠٣٥) و ٤/ ٥٤٥ - ٥٤٦ (٤٠٩٨).
وقد أعل الحديث بالوقف، فقد قال البزار عقب (٨١٣): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد»، وقال الطبريُّ في " تهذيب الآثار " (مسند علي) الخبر عقب (٤٢): «وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أنْ يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح لعلل: إحداها: أنَّه خبر لا يعرف له مخرج يصح عن عليٍّ، عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه (١).
والثانية: أنَّ راويه عن زاذان عطاء بن السائب، وعطاء بن السائب عندهم كان قد تغيّر حفظه أخيراً، فاضطرب عليه حديثه، فغير جائز الاحتجاج عندهم بحديثه (٢).
стр. 656
والثالثة: أنَّ حماد بن سلمة كان قد استنكر حديثَه أصحابه أخيراً، حتى هموا بترك حديثه.
والرابعة: أنَّ المعروف عن عليٍّ أنَّه كان يقول: إذا اغتسلْتَ منَ الجنابةِ أجزأكَ أنْ تصب على رأسكَ مرتين (١)» انتهى كلامه.
وقال الدارقطنيُّ في " العلل " ٣/ ٢٠٨ عقب (٣٦٥): «وروي عن حماد بن زيد، عن عطاء، عن زاذان، عن عليٍّ موقوفاً، وكذلك قال الأسود بن عامر، عن حماد (٢) بن سلمة»، وقال أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٢٠٠: «هذا حديث غريب تفرّد به حماد، عن عطاء، ورواه يحيى بن سعيد القطان، عن حماد نحوه»، وقال عبد الحق في " الأحكام الوسطى " ١/ ٢٠٠: «هذا يروى مرفوعاً عن عليٍّ وهو أكثر». فتعقّبه ابن القطّان في "بيان الوهم والإيهام " عقب (١٠١٩): «وهذا الأصل أعني أنْ يُروَى الحديث تارة موقوفاً وتارة مسنداً مرفوعاً قد تناقض فيه» وقال عقب (١٨١٧): «أعلّه بالوقف تارةً، وبالرفع أخرى، ولم يعرض لكونهِ منْ رواية حماد بن سلمة، عن عطاء، وهو إنَّما سمعَ منه بعد الاختلاط»، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر، فقال في " التلخيص الحبير " ١/ ٣٨٢ (١٩٠): «وإسناده صحيح فإنَّه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، … لكن قيل: إنَّ الصواب وقفه على عليٍّ»، وقال الصنعاني في " سبل السلام " عقب (١١٣): «ولكن قال ابن كثير في "الإرشاد": إنَّ حديث عليٍّ هذا من رواية عطاء بن السائب وهو سيئ الحفظ، وقال النوويُّ: إنَّه حديث ضعيف (٣) قلت -القائل الصنعاني-: وسبب اختلاف الأئمة في تصحيحه وتضعيفه: أنَّ عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره، فمن روى عنه قبل اختلاطه فروايته عنه (٤)
стр. 657
صحيحة، ومن روى عنه بعد اختلاطه فروايته عنه ضعيفة، وحديث عليٍّ هذا اختلفوا هل رواه قبل الاختلاط أو بعده، فلذا اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، والحق الوقف عن تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه، وقيل: الصواب وقفه على عليٍّ ﵇».
انظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٣٣ - ٣٤ (١٠٠٩٠)، و " إتحاف المهرة " ١١/ ٣٨٣ (١٤٢٤٨)، و " أطراف المسند " ٤/ ٤٠٧ (٦٢٣٠).
الثالث: قبول الراوي التلقين:
يقال: (لقن حديثاً) و (لقن) و (لقن فتلقن) أو (كان يلقن فيتلقن).
بينت فيما سبق أنَّ من شروط صحة الحديث ضبط الراوي لما يرويه.
وعدم الضبط أمارة من أمارات رد الحديث و تضعيفه، والتلقين من وسائل الكشف عن الراوي هل هو ضابط أو غير ضابط، فمن يقبل التلقين فهو سيئ الحفظ ومختلط عليه غير ضابط، ومن يرد التلقين و يصلح الخطأ فهو ضابط حافظ لما يروي.
قال ابن حبان: «ومنهم من كان يجيب عن كل شيء يسئل سواء كان ذلك من حديثه أو من غير حديثه فلا يبالي أن يتلقن ما لقن، فإذا قيل له: هذا من حديثك حدث به من غير أن يحفظ فهذا وأحزابه لا يحتج بهم؛ لأنهم يكذبون من حيث لا يعلمون» (١).
وقال ابن القطان: «وإنَّه - يعني: التلقين- لعيب يسقط الثقة بمن يتصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدث تجربة لحفظه وصدقه، وربما لقنوه الخطأ كما قد فعلوا بالبخاري حين قدم بغداد» (٢).
وقال الصنعاني: «وهو أنْ يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنَّه
стр. 658
من حديثه» (١).
وقال المعلمي اليماني: «التلقين القادح في الملقِّن هو أنْ يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فإنْ كان إنَّما فعل ذلك امتحاناً للشيخ وبيّن ذلك في المجلس، لم يضره، وأما الشيخ فإنْ قبل التلقين وكثر ذلك منه فإنَّه يسقط» (٢).
وقال ابن حزم: «من صح أنَّه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنَّه لم يتفقه في دين الله ولا حفظ ما سمع، وقد قال ﵇: «نضّر الله امرءاً سمع منا حديثاً حفظه حتى بلغه غيره» (٣) فإنَّما أمر ﵇ بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو: أنْ يقول له القائل: حدثك فلان بكذا و يسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه فيقول: نعم، فهذا لا يخلو من أحد وجهين ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أنْ يكون فاسقاً يحدث بما لم يسمع، أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له؛ لأنَّه ليس من ذوي الألباب، ومن هذا النوع كان سماك بن حرب (٤) أخبر بأنَّه شاهد ذلك منه شعبة الإمام الرئيس ابن الحجاج» (٥).
والتلقين ينشأ من الاختلال الكبير في الحفظ، و من اختل ضبطه فهو مردود الرواية قال الحميدي: «ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه. وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثاً في حفظه ولا يعرف به
стр. 659
قديماً، وأما من عرف به قديماً في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن أنْ يكون ما حفظه مما لقن» (١).
فالراوي إذا لقن ففطن إلى الصواب، ولم يقبل التلقين فهو في رتبة الثقة بل في رتبة الحفظ والاتقان، ومن لا يفطن ففي رتبة الترك لا سيما إنْ كثر منه ذلك (٢).
أما من كان يتلقن، فلا يقبل إذا حدَّث من حفظه، وأما إذا حدث من كتابه المصحح فيقبل؛ لأنَّ الاعتماد على كتابه لا على حفظه (٣).
صوره:
أ- أن يؤتى للراوي بأحاديث ليست من سماعه، فتقرأ عليه على أنها من أحاديثه، ويسكت دون أنْ يبين أنَّها ليست من سماعه، وهذا مما وقع فيه ابن لهيعة.
ب- أن يقف الراوي على مرويات عنده، ولا يدري هل هي من سماعه أم لا؟ فيقال له: إنَّها من مروياته، فيحدث بها على أنَّها كذلك، كما حصل لعبد الله بن صالح (٤).
أسباب قبول التلقين:
يقع قبول التلقين للراوي إما بسبب الغفلة أو التساهل في حديث النبي ﷺ أو نسيانه أو كونه قليل الفطنة مفرطاً في إحسان الظن أو التهاون عديم المبالاة والحرص أو جامعاً بين حسن الظن بالملقِّن وسوء الحفظ لمروياته، وقد يدفعه ميله إلى الكذب ورغبته فيه وعدم تحرجه عنه (٥)، ومنهم من فعله ليرويه بعد ذلك عمن لقنه (٦)، وقد يقود الشره الحديثي إلى قبوله التلقين فيحدث بما ليس من حديثه.
стр. 660
حكم رواية الملقَّن: في رواية الملقن ثلاثة أقوال:
الأول: من كان يلقن أحياناً قليلة فيتلقن، وهو مكثر من الرواية فلعله يصلح للاعتبار به كشأن الضعيف السيئ الحفظ؛ لأنَّ الغالب فيه عدم ذلك التلقين (١).
الثاني: قال السخاوي: «أو قبل التلقين الباطل ممن يلقنه إياه في الحديث إسناداً أو متناً وبادر إلى التحديث بذلك ولو مرة، لدلالته على مجازفته، وعدم تثبته، وسقوط الوثوق بالمتصف به، لا سيما وقد كان غير واحد يفعله
اختباراً، لتجربة حفظ الراوي وضبطه وحذقه» (٢)، فالسخاوي ﵀ يرى أنَّ من لقن حديثاً باطلاً ولو مرة واحدة ردت عامة أحاديثه، وقد سبقه إلى ذلك ابن حزم كما تقدم النقل عنه.
الثالث: إذا تميز حديثه الذي كان يحفظ من حديثه الذي لقن فيه قُبل ما حفظ ورُد ما لقن فيه، وإنْ لم يتميز رُد جميع حديثه، وأما من لزقه هذا الوصف ولم يعرف بضبط أصلاً فكل حديث مردود من طريقه (٣).
ولا يخفى أنَّ الأول والثالث ينحيان منحى واحداً، وإن اختلفت الألفاظ وبنحوه قال به الحميدي والمعلمي، فخلاصة القول: إنَّ الملقن إذا مُيزَ ما لُقن طرح الذي تلقنه واحتج بما سواه، وإذا كان الراوي واسع الرواية ولم يثبت أنَّه لقن غير أحاديث يسيرة فعند ذاك يقبل حديثه؛ لأنَّ الغالب عليه عدم التلقين، ويجب أنْ يقيد هذا في حال لم تظهر نكارة أو شذوذ في ذلك الحديث أي: أنْ يكون موافقاً لما يرويه غيره، والله أعلم. ويجب أنْ يتنبه على أنَّ الراوي قد يكثر من تلقن أحاديث موضوعة فيصيّر بذلك الراوي متروكاً أو مطروح الحديث (٤). وقد يكون التلقين مدعاة لكشف كذب الرواة فمن ذلك: «ما وقع
стр. 661
لحفص بن غياث فإنَّه لقي (١) هو ويحيى القطان وغيرهما موسى بن دينار المكي فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول: حدثتك عائشة ابنة طلحة، عن عائشة ﵂ بكذا وكذا فيقول: حدثتني عائشة، ويقول له: وحدثك القاسم بن محمد، عن عائشة بمثله، فيقول: حدثني القاسم بن محمد، عن عائشة بمثله .. فلما فرغ حفص مدَّ يده لبعض من حضر ممن لم يعلم المقصد، وليست له نباهة، فأخذ ألواحه التي كتب فيها ومحاها، وبيّن له كذب موسى» (٢).
ويجب أن يزاد نوع آخر على ما ذكرته، وإنما أخرته عن موضعه لأهميته. وهذا النوع تكون عملية التلقين فيه مقبولة، وهو إذا كان الملقن ثقة وأظهر المتلقن وثوقه بمن لقنه، ولا يعرف للمتلقن تلقين من غير هذا الثقة، ولم تظهر نكارة على الأحاديث المتلقنة فتكون تلك الأحاديث جيدة في حيز القبول.
مثال ذلك ما وقع لسهل بن أبي صالح فإنَّه كان يقول في بعض أحاديثه: حدثني ربيعة عني، عن أبي.
مثال ما حصل فيه التلقين، وقدح في روايته: ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه. قال سفيان: قدم الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه: «ثم لا … يعود» (٣).
هذا الحديث على ما فيه من كلام فإنَّ في متنه لفظة منكرةً فقوله: «ثم لا يعود» لُقنها يزيد في الكوفة، وقد نص الأئمة النقّاد على ذلك، قال سفيان - أي ابن عيينة -: «فظننتُ أنَّهم لقنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته
стр. 662
بالكوفة، وقالوا لي: إنَّه قدْ تغيرّ حفظه، أو ساء حفظه» (١).
وقال الشافعي: «وذهب سفيان إلى أن يغلّط يزيد في هذا الحديث، يقول: كأنه لقّن هذا الحرف فتّلقنه» (٢)، وقال الدارمي: «ومما يحقق قول سفيان بن عيينة أنَّهم لقنّوه هذه الكلمة أن سفيان الثوري وزهير بن معاوية وهشيماً وغيرهم من أهل العلم لم يجيئوا بها، إنَّما جاء بها مَن سمع منه … بأخرة» (٣)، وقال الدارقطني: «وإنَّما لّقن يزيد في آخر عمره: «ثم لم يعد» فتلقنه، وكان قد اختلط» (٤)، وقال ابن حبان: «وكان يزيد بن أبي زياد يروي عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، ثم قدم الكوفة في آخر عمره فروى هذا الحديث فلقنوه: «ثم لم يعد» فتلقن» (٥)، وقال الخطيب: «ذكر ترك العَود إلى الرفع ليس بثابت عن النبي ﷺ فكان يزيد بن أبي زياد يروي هذا «الحديث قديماً ولا يذكره، ثم تغير وساء حفظه فلقنه الكوفيون ذلك فتلقنه، ووصله بمتن الحديث» (٦).
ثم جلّى سفيان بن عيينة عن أصْرح دليل في تلقن يزيد لتلْك العبارة، فنقل عنه - أي: عن سفيان - ابن عبد البر أنَّ يزيد حدثهم قديماً، وليس فيه: «ثم لا يعود» ثم حدثهم به بعد فذكر فيه: «ثم لا يعود» قال: فنظرته فإذا ملحقٌ بين سطرين.
قال ابن عبد البر: «ذكره أحمد بن حنبل والحميدي عن ابن عيينة، وذكره أبو داود» (٧).
стр. 663
وبهذا نخلص إلى أنَّ عبارة: «ثم لا يعود» تلقنها يزيد في الكوفة، ومن المعروف أنَّ مذهب أهل الكوفة أنَّهم يرفعون أيديهم في تكبيرة الإحرام فقط. وقدْ ذهب كوكبة من العلماء إلى تضعيف حديث البراء، قال ابن الملقن: … «حديث البراء فهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ كسفيان بن عيينة، والشافعي، وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدارمي، والبخاري وغيرهم من المتقدمين، وهؤلاء أركان الحديث وأئمة الإسلام فيه» (١)
стр. 664
المبحث الثالث
حكم المختلف في توثيقه وتجريحه من الرواة
في هذا المبحث فرعان:
الأول: اختلاف أقوال النقاد في الراوي الواحد.
الثاني: اختلاف قول الناقد الواحد في الراوي الواحد.
الفرع الأول: هناك أسباب كثيرة لاختلاف أقوال النقاد في الراوي، كأنْ يطلع بعضهم على جارح في الراوي فيجرحه بسبب ذلك، ولا يطلع عليه الآخر، وقد يكون بعض من أئمة الجرح والتعديل متشدداً (١)
في الجرح فيجرح الراوي ويصفه بالضعف؛ لأدنى سبب مما لا يعده غيره سبباً موجباً لسقوط روايته، أو قد يطلع بعضهم على جارح فيضعف العالم من أئمة الجرح والتعديل هذا الراوي بسبب الأمر الجارح، ثم يتوب الراوي من ذلك أو تزول العلة التي بسببها ضعف الراوي، و لا يعلم ذلك المجرح ويطلع عليه غيره؛ فيكون ذلك سبباً في اختلاف التجريح و التعديل في الرواة (٢)، ومن ذلك المخالفة في العقائد فإنَّها أوجبت تكفير الناس بعضهم بعضاً، أو تبديعهم وأوجبت عصبية اعتقدوها ديناً يتدينون به كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد (٣).
وقد بين المنذري أسباب اختلاف النقاد فقال: «واختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مؤثراً أم لا؟ وكذلك المحدّث إذا أراد
стр. 665
الاحتجاج بحديث شخص وَنُقِلَ إليه فيه جرح، اجتهد فيه هل هو مؤثرٌ أم لا؟ ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحاً، في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك، كما يجري عند الفقيه، ولا فرق بين أن يكون الجارح مخبراً بذلك للمحدّث مشافهةً أو ناقلاً له عن غيره بطريقة، والله أعلم» (١).
فهذا الذي قدمناه يتلخص فيه سبب اختلاف النقاد في توثيق وتجريح الرواة، ولنتطرق الآن لحكم الراوي المختلف فيه، فإذا وجد للنقاد المتقدمين أحكاماً مختلفة في راوٍ واحدٍ فلعلماء الحديث في التعامل مع تلك الأقوال للوصول إلى حكم جامع شامل على الراوي مذاهب:
١ - قال الخطيب: «اتفق أهل العلم على أنَّ من جرحه الواحد والاثنان وعدّله مثل عدد من جرحه فإنَّ الجرح به أولى، والعلة في ذلك أنَّ الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ويصدق المعدل ويقول له قد علمت من حاله الظاهرة ما علمتها، وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، وإخبار المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح فيما أخبر به فوجب لذلك أن يكون الجرح أولى من التعديل» (٢)، وقال ابن الصلاح: «إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم؛ لأنَّ المعدل يخبر عما ظهر من حاله والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل .. » (٣).
هذه القاعدة متداولة بين أهل الحديث، وظاهر كلام الخطيب أن يكون ما عند الجارح ليس عند المعدل. فإن ظهر اطلاع المعدل على الجرح، هذا الاحتمال أجاب عنه الآمدي فقال: «إذا تعارض الجرح والتعديل، فلا يخلو إما أن يكون الجارح قد عين السبب أو لم يعينه، فإن عينه، فقول الجارح يكون مقدماً لاطلاعه على ما لم يعرفه المعدل ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي وإنْ عيّن السبب بأنْ يقول تقديراً: رأيته وقد قتل فلاناً، فلا يخلوا إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك أو يتعرض لنفيه، فإنْ كان الأول فقول الجارح
стр. 666
يكون مقدماً لما سبق، وإن تعرض لنفيه بأن قال: رأيت فلاناً المدعى قتله حياً بعد ذلك فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى» (١).
٢ - التعديل مقدم على الجرح: إذا كان المعدلون من الأئمة المعروفين بهذا الشأن فيقدم قولهم على قول الجارح، فإنْ قيل: إنَّ هذا القول يتنافى مع قول ابن الصلاح: «فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى. والصحيح والذي عليه الجمهور: أنَّ الجرح أولى لما ذكرناه، والله أعلم» (٢).
فنقول: لا تعارض بين القولين، وإنَّما القولان يفسر أحدهما الآخر، فإنَّ القول الأول مطلق، قيده القول الثاني، فإذا رأيت الكبار - غالبهم - على توثيق راوٍ ما، ومخالفوهم على تضعيفه فلا عبرة بمن خالفهم؛ لأنَّ قول الجمهور مقيد بكون المعدلين من الأئمة المعروفين لا ينافيه قول ابن الصلاح، والله أعلم.
ويلتحق بمبحث تقديم التعديل على الجرح بعض المباحث فمنها إذا كان الجارح زائغاً عن الحق، بأنْ كان معروفاً ببدعة، وكان المجروح على نقيض تلك البدعة كأن يكونا ناصبياً ورافضياً وغيرها، وكان الجمهور على توثيق أحدهما فيكون التعديل مقدماً على الجرح. ومنها إن كان الجارح والمجروح من الأقران، فإن جرح أحدهما الآخر، فتأن ولا تهجم على تضعيفه حتى
تراجع كلام بقية النقاد فإن وجدتهم يوثقونه فاعمل بما أجمعوا ولا تنظر إلى مخالفهم.
ويلتحق به أيضاً إذا كان الجارح فيه حدة كأن يكون الجارح يحيى بن سعيد القطان أو أبا حاتم الرازي وأمثالهم، وكان مخالفوهم من المتوسطين كأن يخالفهم أحمد والبخاري وأبو زرعة؛ فقول الفريق الثاني أقرب بما عرفته من حال الفريق الأول.
стр. 667
٣ - إذا تعارض الجرح والتعديل فلا يترجح أحدهما إلا لمرجح، قال السبكي: «إنَّ قولهم الجرح مقدم إنَّما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل، فإنْ تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه زيادة العلم، وتعارضهما هو استواء الظن عندهما؛ لأنَّ هذا شأن المتعارضين، أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض، بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل» (١)(٢).
٤ - النظر في عدد المعدلين والمجرحين قال الخطيب: «إذا عدل جماعة رجلاً وجرحه أقل عدداً من المعدلين، فإنَّ الذي عليه جمهور العلماء أنَّ الحكم للجرح والعمل به أولى، وقالت طائفة: بل الحكم للعدالة، وهذا خطأ لأجل ما ذكرناه من أنَّ الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر، ويقولون عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره» (٣).
ضوابط في الحكم على الرواة المختلف فيهم
١ - إنَّ حكم الناقد على الراوي هو أمر اجتهادي قال عبد العظيم بن عبد القوي المنذري: «واختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإنَّ الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص اجتهد في أنَّ ذلك القدر مؤثر أم لا. وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونقل إليه فيه جرح اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا، ويجري الكلام عنده فيه ما يكون جرحاً في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه، ولا فرق بين أنْ يكون الجارح مخبراً بذلك للمحدث مشافهة، أو ناقلاً له عن غيره بطريقه، والله أعلم» (٤).
٢ - رد كلام الأقران: قال ابن عبد البر: «هذا باب قد غلط فيه كثير من
стр. 668
الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك .. » (١)، وقال اللكنوي: «الجرح إذا صدر من تعصب أو عداوة أو منافرة أو نحو ذلك فهو جرح مردود، ولا يؤمن به إلا مطرود» (٢).
٣ - الانتباه لاختلاف العقائد بين الجارح والمجروح، وقد تقدم بيان ذلك.
٤ - بلدي الرجل أعرف بحال شيخه قال حماد بن زيد: «كان الرجل يقدم علينا من البلاد، ويذكر الرجل ويحدث عنه ويحسن الثناء عليه فإذا سألنا أهل بلاده، وجدناه على غير ما يقول، قال: وكان يقول: بلدي الرجل أعرف بالرجل» (٣). فإذا عدل أو جرح الراوي أهل بلده فهم مقدمون على غيرهم.
٥ - قولهم: «الجرح مقدم على التعديل» هذا ليس على إطلاقه، وإنَّما تقوى هذه القاعدة ويستوجب العمل بها لو كان الجرح مفسراً، غير أنَّ الرائج في كتب التراجم أنَّ غالب الأقوال ليست مفسرة، وهذا الأمر أوقع بعض اللبس لطلبة العلم، وجوابه إِننا عوضنا تفسير الجرح بإجماع النقاد أو توافق أقوالهم في الراوي فحينئذ يمكن غض النظر عن تفسير الجرح.
٦ - قال المعلمي: «ابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأنْ يكون له فيما يروي متابع أو مشاهد (٤)، وإنْ لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد» (٥).
٧ - كثرة العبادة والتقوى والصلاح تنفع الراوي من حيث عدالته، أما من حيث الضبط والاتقان فإنها لا تنفعه بشيء، فإن التوثيق من حيث العدالة أمر والتوثيق من حيث الحفظ والاتقان أمر آخر.
وقد آن أوان سوق الأمثلة:
стр. 669
مثال حديث اختلف النقاد في الحكم عليه؛ لاختلافهم في أحد رواته تجريحاً وتعديلاً مثاله: روى شعبة، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلمة، قال: أتيتُ على عليٍّ أنا ورَجُلان، فقالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ يَقضي حاجتَهُ، ثُمَّ يَخرُجُ فيقرأ القرآنَ، ويأكلُ مَعنا اللحمَ، ولا يحجزُهُ - وربَّما قال: يَحجبُه - منَ القرآنِ شيءٌ ليسَ الجَنابة (١).
أخرجه: الطيالسي (١٠١)، وأبو عبيد في " فضائل القرآن " (١/ ٢٦)، وابن الجعد (٥٩) ط. العلمية و (٦١) ط. الفلاح، وأحمد ١/ ٨٣ و ٨٤ و ١٠٧ و ١٢٤، وأبو داود (٢٢٩)، وابن ماجه (٥٩٤)، والبزار (٧٠٨)، والنَّسائيُّ ١/ ١٤٤ وفي " الكبرى "، له (٢٦١) ط. العلمية و (٢٥٧) ط. الرسالة، وابن الجارود (٩٤)، وأبو يعلى (٢٨٧) و (٤٠٦) و (٤٠٧) و (٤٠٨)، وابن خزيمة (٢٠٨) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " (٦٢٦)، والطحاوي في " شرح المعاني "١/ ٨٧ وفي ط. العلمية (٥٣٦) و (٥٣٧) و (٥٣٨) و (٥٣٩)، والآجري في " أخلاق أهل القرآن " (٧٦)، والحاكم ١/ ١٥٢ و ٤/ ١٠٧، والبيهقي ١/ ٨٨ و ٨٩ وفي " شعب الإيمان "، له (٢١٠٩) ط. العلمية و (١٩٣٣) ط. الرشد، والبغوي (٢٧٣)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ١٥٤ (٣٣٠١) من طرق عن شعبة (٢)، بهذا الإسناد.
قال أحمد فيما نقله عنه ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٢٨٠: «لم يرو أحد: لا يقرأ الجنب غير شعبة، عن عمرو بن مرَّة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي».
قلت: إلا أنَّ شعبة توبع على هذا الحديث.
стр. 670
فقد أخرجه: الحميديُّ (٥٧)، والبيهقي في " المعرفة " (١١٠) ط. العلمية و (٧٧٤) ط. الوعي من طريق شعبة ومِسْعر وابن أبي ليلى.
وأخرجه: ابن حبان (٧٩٩)(١) و (٨٠٠)(٢)، والدارقطني ١/ ١١٨ … ط. العلمية و (٤٢٩) ط. الرسالة، والبيهقي في " المعرفة " (١١٤) ط. العلمية و (٧٨٢) ط. الوعي، والخطيب في " الجامع " (١٣٧٤) ط. العلمية و (١٤٠٢) ط. الرسالة، والسمعاني في " الإملاء والاستملاء ": ٨٠ من طريق شعبة ومِسْعر. وأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (٢/ ٢٦)، وابن أبي شيبة (١٠٨٥)، وأحمد ١/ ١٣٤، والبزار (٧٠٧)، وأبو يعلى (٣٤٨) و (٥٢٤) و (٥٧٩) و (٦٢٣)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٨٧ وفي ط. العلمية (٥٤١)، وابن عدي في "الكامل" ٥/ ٢٨٠ من طريق ابن أبي ليلى.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٠٨٤) و (١١١٣)، والبزار (٧٠٦)، والنَّسائيُّ ١/ ١٤٤ وفي " الكبرى "، له (٢٦٢) ط. العلمية و (٢٥٨) … ط. الرسالة، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٨٧ وفي ط. العلمية (٥٤٠) من طريق الأعمش.
وأخرجه: الترمذي (١٤٦) من طريق ابن أبي ليلى والأعمش.
وأخرجه: الخطيب في " موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ٤٨٦ من طريق أبي عبد الله الجعفي، عن أبان بن تغلب.
خمستهم: (شعبة، ومِسْعر، وابن أبي ليلى، والأعمش، وأبان) عن عمرو بن مرَّة (٣)، بالإسناد السابق.
أقول: هذا إسناد ظاهره الصحة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح