← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

يكون مقدماً لما سبق، وإن تعرض لنفيه بأن قال: رأيت فلاناً المدعى قتله حياً بعد ذلك فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى» (١). ٢ - التعديل مقدم على الجرح: إذا كان المعدلون من الأئمة المعروفين بهذا الشأن فيقدم قولهم على قول الجارح، فإنْ قيل: إنَّ هذا القول يتنافى مع قول ابن الصلاح: «فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى. والصحيح والذي عليه الجمهور: أنَّ الجرح أولى لما ذكرناه، والله أعلم» (٢). فنقول: لا تعارض بين القولين، وإنَّما القولان يفسر أحدهما الآخر، فإنَّ القول الأول مطلق، قيده القول الثاني، فإذا رأيت الكبار - غالبهم - على توثيق راوٍ ما، ومخالفوهم على تضعيفه فلا عبرة بمن خالفهم؛ لأنَّ قول الجمهور مقيد بكون المعدلين من الأئمة المعروفين لا ينافيه قول ابن الصلاح، والله أعلم. ويلتحق بمبحث تقديم التعديل على الجرح بعض المباحث فمنها إذا كان الجارح زائغاً عن الحق، بأنْ كان معروفاً ببدعة، وكان المجروح على نقيض تلك البدعة كأن يكونا ناصبياً ورافضياً وغيرها، وكان الجمهور على توثيق أحدهما فيكون التعديل مقدماً على الجرح. ومنها إن كان الجارح والمجروح من الأقران، فإن جرح أحدهما الآخر، فتأن ولا تهجم على تضعيفه حتى تراجع كلام بقية النقاد فإن وجدتهم يوثقونه فاعمل بما أجمعوا ولا تنظر إلى مخالفهم. ويلتحق به أيضاً إذا كان الجارح فيه حدة كأن يكون الجارح يحيى بن سعيد القطان أو أبا حاتم الرازي وأمثالهم، وكان مخالفوهم من المتوسطين كأن يخالفهم أحمد والبخاري وأبو زرعة؛ فقول الفريق الثاني أقرب بما عرفته من حال الفريق الأول.

стр. 667

٣ - إذا تعارض الجرح والتعديل فلا يترجح أحدهما إلا لمرجح، قال السبكي: «إنَّ قولهم الجرح مقدم إنَّما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل، فإنْ تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه زيادة العلم، وتعارضهما هو استواء الظن عندهما؛ لأنَّ هذا شأن المتعارضين، أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض، بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل» (١) (٢). ٤ - النظر في عدد المعدلين والمجرحين قال الخطيب: «إذا عدل جماعة رجلاً وجرحه أقل عدداً من المعدلين، فإنَّ الذي عليه جمهور العلماء أنَّ الحكم للجرح والعمل به أولى، وقالت طائفة: بل الحكم للعدالة، وهذا خطأ لأجل ما ذكرناه من أنَّ الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر، ويقولون عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره» (٣). ضوابط في الحكم على الرواة المختلف فيهم ١ - إنَّ حكم الناقد على الراوي هو أمر اجتهادي قال عبد العظيم بن عبد القوي المنذري: «واختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإنَّ الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص اجتهد في أنَّ ذلك القدر مؤثر أم لا. وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونقل إليه فيه جرح اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا، ويجري الكلام عنده فيه ما يكون جرحاً في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه، ولا فرق بين أنْ يكون الجارح مخبراً بذلك للمحدث مشافهة، أو ناقلاً له عن غيره بطريقه، والله أعلم» (٤). ٢ - رد كلام الأقران: قال ابن عبد البر: «هذا باب قد غلط فيه كثير من

стр. 668

الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك .. » (١)، وقال اللكنوي: «الجرح إذا صدر من تعصب أو عداوة أو منافرة أو نحو ذلك فهو جرح مردود، ولا يؤمن به إلا مطرود» (٢). ٣ - الانتباه لاختلاف العقائد بين الجارح والمجروح، وقد تقدم بيان ذلك. ٤ - بلدي الرجل أعرف بحال شيخه قال حماد بن زيد: «كان الرجل يقدم علينا من البلاد، ويذكر الرجل ويحدث عنه ويحسن الثناء عليه فإذا سألنا أهل بلاده، وجدناه على غير ما يقول، قال: وكان يقول: بلدي الرجل أعرف بالرجل» (٣). فإذا عدل أو جرح الراوي أهل بلده فهم مقدمون على غيرهم. ٥ - قولهم: «الجرح مقدم على التعديل» هذا ليس على إطلاقه، وإنَّما تقوى هذه القاعدة ويستوجب العمل بها لو كان الجرح مفسراً، غير أنَّ الرائج في كتب التراجم أنَّ غالب الأقوال ليست مفسرة، وهذا الأمر أوقع بعض اللبس لطلبة العلم، وجوابه إِننا عوضنا تفسير الجرح بإجماع النقاد أو توافق أقوالهم في الراوي فحينئذ يمكن غض النظر عن تفسير الجرح. ٦ - قال المعلمي: «ابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأنْ يكون له فيما يروي متابع أو مشاهد (٤)، وإنْ لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد» (٥). ٧ - كثرة العبادة والتقوى والصلاح تنفع الراوي من حيث عدالته، أما من حيث الضبط والاتقان فإنها لا تنفعه بشيء، فإن التوثيق من حيث العدالة أمر والتوثيق من حيث الحفظ والاتقان أمر آخر. وقد آن أوان سوق الأمثلة:

стр. 669

مثال حديث اختلف النقاد في الحكم عليه؛ لاختلافهم في أحد رواته تجريحاً وتعديلاً مثاله: روى شعبة، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلمة، قال: أتيتُ على عليٍّ أنا ورَجُلان، فقالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ يَقضي حاجتَهُ، ثُمَّ يَخرُجُ فيقرأ القرآنَ، ويأكلُ مَعنا اللحمَ، ولا يحجزُهُ - وربَّما قال: يَحجبُه - منَ القرآنِ شيءٌ ليسَ الجَنابة (١). أخرجه: الطيالسي (١٠١)، وأبو عبيد في " فضائل القرآن " (١/ ٢٦)، وابن الجعد (٥٩) ط. العلمية و (٦١) ط. الفلاح، وأحمد ١/ ٨٣ و ٨٤ و ١٠٧ و ١٢٤، وأبو داود (٢٢٩)، وابن ماجه (٥٩٤)، والبزار (٧٠٨)، والنَّسائيُّ ١/ ١٤٤ وفي " الكبرى "، له (٢٦١) ط. العلمية و (٢٥٧) ط. الرسالة، وابن الجارود (٩٤)، وأبو يعلى (٢٨٧) و (٤٠٦) و (٤٠٧) و (٤٠٨)، وابن خزيمة (٢٠٨) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " (٦٢٦)، والطحاوي في " شرح المعاني "١/ ٨٧ وفي ط. العلمية (٥٣٦) و (٥٣٧) و (٥٣٨) و (٥٣٩)، والآجري في " أخلاق أهل القرآن " (٧٦)، والحاكم ١/ ١٥٢ و ٤/ ١٠٧، والبيهقي ١/ ٨٨ و ٨٩ وفي " شعب الإيمان "، له (٢١٠٩) ط. العلمية و (١٩٣٣) ط. الرشد، والبغوي (٢٧٣)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ١٥٤ (٣٣٠١) من طرق عن شعبة (٢)، بهذا الإسناد. قال أحمد فيما نقله عنه ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٢٨٠: «لم يرو أحد: لا يقرأ الجنب غير شعبة، عن عمرو بن مرَّة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي». قلت: إلا أنَّ شعبة توبع على هذا الحديث.

стр. 670

فقد أخرجه: الحميديُّ (٥٧)، والبيهقي في " المعرفة " (١١٠) ط. العلمية و (٧٧٤) ط. الوعي من طريق شعبة ومِسْعر وابن أبي ليلى. وأخرجه: ابن حبان (٧٩٩) (١) و (٨٠٠) (٢)، والدارقطني ١/ ١١٨ … ط. العلمية و (٤٢٩) ط. الرسالة، والبيهقي في " المعرفة " (١١٤) ط. العلمية و (٧٨٢) ط. الوعي، والخطيب في " الجامع " (١٣٧٤) ط. العلمية و (١٤٠٢) ط. الرسالة، والسمعاني في " الإملاء والاستملاء ": ٨٠ من طريق شعبة ومِسْعر. وأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (٢/ ٢٦)، وابن أبي شيبة (١٠٨٥)، وأحمد ١/ ١٣٤، والبزار (٧٠٧)، وأبو يعلى (٣٤٨) و (٥٢٤) و (٥٧٩) و (٦٢٣)، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٨٧ وفي ط. العلمية (٥٤١)، وابن عدي في "الكامل" ٥/ ٢٨٠ من طريق ابن أبي ليلى. وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٠٨٤) و (١١١٣)، والبزار (٧٠٦)، والنَّسائيُّ ١/ ١٤٤ وفي " الكبرى "، له (٢٦٢) ط. العلمية و (٢٥٨) … ط. الرسالة، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٨٧ وفي ط. العلمية (٥٤٠) من طريق الأعمش. وأخرجه: الترمذي (١٤٦) من طريق ابن أبي ليلى والأعمش. وأخرجه: الخطيب في " موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ٤٨٦ من طريق أبي عبد الله الجعفي، عن أبان بن تغلب. خمستهم: (شعبة، ومِسْعر، وابن أبي ليلى، والأعمش، وأبان) عن عمرو بن مرَّة (٣)، بالإسناد السابق. أقول: هذا إسناد ظاهره الصحة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح

стр. 671

هذا الحديث أو تحسينه، فقال سفيان بن عيينة فيما نقله ابن عدي في "الكامل " ٥/ ٢٨٠: «سمعت هذا الحديث من شعبة، قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث … »، ونقل ابن الملقن في " البدر المنير " ٢/ ٥٥٤ عن شعبة أنَّه قال: «هذا ثلث رأس مالي»، وقال الترمذي عقب (١٤٦): «حديث عليٍّ حسنٌ صحيحٌ»، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " ولم يتكلما عليه بشيء ما يدل على صحته عندهما، وقال الحاكم ٤/ ١٠٧: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وقال عبد الحق في " الأحكام الوسطى " ١/ ٢٠٤: «والصحيح حديث النَّسائي (١)»، وصححه ابن السكن كما في " التلخيص الحبير " ١/ ٣٧٥ (١٨٤)، وقال البغوي عقب (٢٧٣): «هذا حديث حسن صحيح»، وقال ابن حجر في " فتح الباري" ١/ ٥٣٠ عقيب (٣٠٥): «والحق أنَّه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل: في الاستدلال به نظر؛ لأنَّه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه». وخالفهم جمع آخر فذهبوا إلى تضعيفه، فقال البزار عقب (٧٠٨): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عليٍّ، ولا يروى عن عليٍّ إلا من حديث عمرو بن مرَّة عن عبد الله بن سلمة، عن علي، وكان عمرو بن مرَّةَ يحدث عن عبد الله بن سلمة فيقول: يعرف في حديثه وينكر (٢)»، وقال ابن المنذر في " الأوسط " عقب (٦٢٧): «وحديث علي لا يثبت إسناده؛ لأنَّ عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة وإنا لنعرف وننكر، فإذا كان هو الناقل بخبره فجرحه بطل الاحتجاج به، ولو ثبت خبر علي، لم يجب الامتناع من القراءة من أجله … »، وقال الدارقطني عقب طريق أبان فيما نقله الخطيب في " الموضح " ٢/ ٤٨٦: «هذا الحديث غريب من حديث أبان بن تغلب، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، تفرّد به أبو عبد الله الجعفي - وهو معلى بن هلال - عنه».

стр. 672

وتعقّب الإمام النوويُّ تحسينَ الترمذيِّ لهذا الحديث، فقال في " الخلاصة " فيما نقله عنه ابن حجر في "التلخيص الحبير " ١/ ٣٧٥ (١٨٤): «خالف الترمذيَّ الأكثرون فضعّفوا هذا الحديث» (١)، وقال ابن حجر عقبه: «وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنَّه لم يرَ تصحيحه لغيره»، وقال الخطّابي في " معالم السنن " ١/ ٦٦: «وكان أحمد بن حنبل يرخص للجنب أنْ يقرأ الآية ونحوها، وكان يوهن حديث عليٍّ هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة، وكذلك قال مالك في الجنب: إنَّه لا يقرأ الآية ونحوها»، وقال الشافعيُّ في " سنن حرملة " فيما نقله ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ٣٧٥ (١٨٤): «إنْ كان هذا الحديث ثابتاً ففيه دلالة على تحريم القرآن على الجنب»، ونقل أيضاً أنَّه قال في " جماع كتاب الطهور ": «أهل الحديث لا يثبتونه» (٢)، ونقل ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٢٨٠، و المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٤/ ١٥٤ (٣٣٠١) عن شعبة أنَّه قال: «روى عبد الله بن سلمة هذا الحديث بعدما كبر»، وقال البيهقيُّ في " المعرفة " عقب (١١٠) معقّباً على كلام الشافعيِّ: «إنَّما توقف الشافعي ﵀ في ثبوت الحديث؛ لأنَّ مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنَّما روى هذا الحديث بعدما كبر، قاله شعبة». قلت: وهذا الاختلاف بين أقوال أهل العلم يرجع في ظاهره إلى أنَّ قسماً منهم اعتمدوا على ظاهر الإسناد فصححوا الحديث، والقسم الآخر اطلعوا على علة خفية في هذا الإسناد فذهبوا إلى تضعيفه، وقديماً قالوا: من يعلم حجة على من لا يعلم، وقبل أنْ نرجح أحد الطرفين لا بد من أنْ نبينَ حال عبد الله بن سلمة. وذلك أنَّ أهل العلم قد اختلفوا فيه، فقال العجلي في "ثقاته " (٨٩٨): «كوفيٌّ، تابعي، من ثقات الكوفيين»، ونقل المزي في "تهذيب الكمال " ٤/ ١٥٣ (٣٣٠١) عن يعقوب بن شيبة أنَّه قال فيه: «ثقة، يعد في

стр. 673

الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة»، وقال ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٨١: «أرجو أنَّه لا بأس به»، وقال المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٤/ ١٥٣ (٣٣٠١): «روى عنه عمرو بن مرَّة، وأبو إسحاق السبيعيُّ»، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه قال: «لا أعلم روى عنه غيرهما، وكنيته أبو العالية»، وقال أبو حاتم فيما نقله ابنه في " الجرح والتعديل " ٥/ ٨٧ (٣٤٥): «وروى عنه عمرو بن مرة، وأبو الزبير المكي»، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ١٢ وقال: «يخطئ»، وقال الذهبي في "الكاشف" (٢٧٦٠): «صويلح». أما من ذهب إلى تضعيفه، فقد قال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٥/ ١٠ (٢٨٥): «قال أبو داود: عن شعبة، عن عمرو بن مرَّةَ كان عبد الله يحدثنا، فنعرف وننكر، وكان قد كبر» وقال عنه أيضاً: «لا يتابع في حديثه»، وقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " الجرح والتعديل " ٥/ ٨٨ (٣٤٥): «تعرف وتنكر»، وقال النَّسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون" (٣٤٧): «يُعرف ويُنكر»، وذكره العقيلي في "الضعفاء الكبير" ٢/ ٢٦٠، وابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون " (٢٠٣٨) (١). أما ما ذكره الإمام أحمد من رواية أبي إسحاق عنه، فقد تُعُقِّب ﵀ في ذلك، فقد نقل البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٥/ ١٠ (٢٨٥) عن ابن نمير أنَّه قال: «إنَّ عبد الله بن سلمة الذي روى عنه أبو إسحاق غير الذي روى عنه عمرو بن مرة» وقال ابن معين في " تاريخه " (٣٧٥٣) برواية الدوري: «وأبو العالية أيضاً عبد الله بن سلمة يروي عنه أبو إسحاق السبيعي، وليس هو الذي يروي عنه عمرو بن مرة»، وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " ١١/ ١٣١ ط. الغرب: «وقد روى أبو إسحاق السبيعيُّ عن أبي العالية عبد الله ابن سلمة الهمداني، فزعم أحمد بن حنبل أنَّه الذي روى عنه عمرو بن مرة، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ليس به، بل هو رجل آخر، وكان يحيى بن معين، قال مثل قول أحمد بن حنبل، ثم رجع عنه». قلت: فهذه بعض أقوال أهل العلم في هذا الراوي، وقد اتفق ثلاثة من

стр. 674

أكابر أهل العلم وهم: البخاري وأبو حاتم والنَّسائي على: «تعرف وتنكر» وهذه العبارة يطلقها المحدّثون على الراوي المجروح الذي جرحه ليس بالشديد، وإنَّما تتقلب أحاديثه ما بين موافق للثقات ومخالف، فما وافق الثقات فيه فهو داخل في تعرف، وما خالفهم فيه فهو داخل في تنكر، وأقل ما يلزم هو التوقف في الحكم عليه، والله أعلم. وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٧٨ (١٠١٨٦)، و "إتحاف المهرة " ١١/ ٤٩٦ (١٤٥٠٥). وقد روي من غير هذا الطريق ولا يصح. فأخرجه: أحمد ١/ ١١٠، وأبو يعلى (٣٦٥)، والضياء المقدسي في "المختارة " ٢/ ٢٤٤ (٦٢١)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ٢٧ (٣٠٢٧) من طريق عائذ بن حبيب، قال: حدثني عامر بن السِّمْط، عن أبي الغَريف، قال: أُتي عليٌّ بِوَضوء فمضمَض واستنشق ثلاثاً، وغسلَ وجهه ثلاثاً، وغسلَ يديه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثُمَّ مَسَحَ برأسه، ثُمَّ غسلَ رجليهِ، ثمَّ قالَ: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ توضأ، ثمَّ قرأ شيئاً من القرآن، ثُمَّ قالَ: «هذا لمن ليس بجُنُبٍ فأما الجُنُبُ فلا، ولا آيةً» (١). وهذا إسناد ظاهره أنَّه حسنٌ، فعائذ صدوق (٢)، وعامر بن السِّمط ثقة (٣)، وأبو الغريف اسمه عبيد الله بن خليفة وهو صدوق (٤)، إلا أنَّ هذا الإسناد ضعيف فقد خالف عائذاً من هم أكثر وأوثق منه. فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (١٠٩٢) من طريق شريك. وأخرجه: الدارقطني ١/ ١١٧ ط. العلمية و (٤٢٥) ط. الرسالة من طريق يزيد بن هارون. وأخرجه: البيهقيُّ ١/ ٨٩ من طريق الحسن بن حيٍّ.

стр. 675

وأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " (٦١٩)، والبيهقيُّ ١/ ٩٠ من طريق خالد بن عبد الله. وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٩/ ٤٧٢ وفي ط. الغرب ١١/ ١٤٧ من طريق نصير بن أبي الأشعث. خمستهم: (شريك، ويزيد، والحسن، وخالد، ونصير) عن عامر بن السِّمْط. وأخرجه: عبد الرزاق (١٣٠٦)، وابن المنذر في " الأوسط " (٦٢٠) من طريق عامر الشعبي (١). كلاهما: (عامر بن السمط، والشعبي) عن أبي الغريف، قال: كُنَّا معَ عليٍّ في الرحبةِ، فخرجَ إلى أقصى الرحبةِ، فوالله ما أدري أبولاً أحدثَ أم غائطاً، ثمَّ جاءَ فدعا بكوزٍ منْ ماءٍ، فغسلَ كفيه، ثمَّ قبضهما إليه، ثمَّ قرأ حدراً من القرآنِ، ثمَّ قال: اقرؤوا القرآنَ ما لم يصبْ أحدُكم جنابةً، فإنَّ أصابته جنابةٌ فلا ولا حرفاً واحداً. وقد رجح الدارقطني وقفه فقال: «وهو صحيح عن عليٍّ». قلت: وما رجحه الدارقطني هو الحق، فرواية الجمع هي الصحيحة؛ لأنَّ كثرة العدد تَستبعد في ذهن الباحث تواردهم على الخطأ؛ لأنَّ حصول الوهم من الواحد أقرب من حصوله من العدد لا سيما إذا كان هذا الواحد قد عرف أنَّه يخطئ في حديثه أحياناً، والحال هاهنا كذلك، فعائذ لم ينزل من الثقة إلى صدوق إلا لأخطاء اعترته. وانظر: " إتحاف المهرة " ١١/ ٦٨٦ (١٤٨٦٨). الفرع الثاني: اختلاف قول الناقد في الراوي: فإنَّك ترى بعض النقاد يضعّف الراوي تارة ويقويه أخرى ويصفه بالثقة تارة أخرى، ومن أشهر من نقل عنه ذلك إمام المجرحين والمعدلين يحيى بن معين فقد اختلفت أقواله في الرواة اختلافاً كثيراً، قال الزركشي في سبب اختلاف النقل عن يحيى بن

стр. 676

معين: «وقد سأله عن الرجال غير واحد من الحفاظ، ومن ثم اختلفت آراؤه وعباراته في بعض الرجال كما اختلفت اجتهادات الفقهاء، وصارت لهم الأقوال والوجوه، فاجتهدوا في المسائل كما اجتهد ابن معين في الرجال» (١)، «قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في " المدخل ": وهذا لأنه قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتاً ما ينكره قلبه، فيخرج جوابه على حسب النكرة التي في قلبه، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر، فيجيب عما يعرفه في الوقت منه. قال: وليس ذلك بتناقض ولا إحالة، ولكنَّه صدر عن حالين مختلفين عرض أحدهما في وقت والآخر في غيره» (٢)، وقال المعلمي: «كان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً أو ورد بغداد شيخ فسمع منه مجلساً فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سئل عن الشيخ وثقه، وقد يتفق أنْ يكون الشيخ دجالاً استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك» (٣). وابن معين لم ينفرد بهذه الحالة، وإنما مثلت به لاشتهاره بذلك، وإلا فإن النسائي ضعف بعض الرواة ووثقهم في موضع آخر، وابن حبان ذكر بعض الرواة الثقات وذكرهم أيضاً في المجروحين (٤)، فإذن هذه الحالة لم ينفرد بها يحيى بن معين.

стр. 677

وقد بين الدكتور نور الدين عتر ما يجب على طالب العلم عمله في هكذا حال فقال: «وبناء على هذا يقدم الجمع بين الحكمين المنقولين عن العالم .. فإذا تحتم التعارض يأتي دور الترجيح بحسب قوة الرواية عن الإمام الذي نقل عنه الجرح والتعديل في الراوي الواحد، وبحسب تفسير الجرح أو عدم تفسيره (١) .. وربما صرح العالم بتغير اجتهاده» (٢).

стр. 678

النوع الثالث من أنواع علل الإسناد التفرد التَّفَرّد في اللغة: مأخوذ من الفعل الثلاثي المزيد بحرفين (تَفَرَّدَ). يقال: فَرَدَ بالأمر والرأي: انْفَرَدَ، وفَرَدَ الرجلُ: كَانَ وحده مُنْفَرِدًا لا ثاني مَعَهُ. وفَرَّدَ برأيه: اسْتَبَدَّ. وَقَدْ أشار ابن فارس (١) إلى أنَّ جميع تراكيب واشتقاقات هَذَا الأصل تدل عَلَى الوحدة. إِذْ قَالَ: "الفاء والراء والدال أصل صَحِيح يدل عَلَى وحدة. من ذَلِكَ: الفرد وَهُوَ الوتر، والفارد والفرد: الثور المنفرد. . ." (٢). في الاصطلاح: عرّفه أبو حفص الميانشي (٣) قال: "أما المفرد فهو: ما انفرد بروايته

стр. 679

بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرُّوَاة عن ذَلِكَ الشيخ" (١). وفي هَذَا التعريف بعض القصور يتجلى في إدخال بعض أفراد المُعَرَّف في حقيقة التعريف، إِذْ قَصَرَه عَلَى انفراد الثقة فَقَطْ عن شيخه، وأجاب عَنْهُ بعضهم بأنَّ رِوَايَة غَيْر الثقة كَلَا رِوَايَة (٢). وعرّف حمزة المليباري التفرد، فَقَالَ: "يراد بالتفرد أن يروي شخص من الرُّوَاة حديثًا دون أن يشاركه الآخرون" (٣). وهذا التعريف الأخير أعم وأشمل من التعريف الأول، فإنَّه جامع لتفرد الثقة وغيره، وعليه تدل تصرفات نقاد الْمُحَدِّثِينَ وجهابذة الناقلين. ومن تعبيراتهم الدالة على وقوع التفرد في إحدى طبقات الإسناد قولهم: حَدِيث غريب، أو غريب من حديث فلان، أو تفرّد بِهِ فُلان، أو لا يروى إلا عن فلان، أو هَذَا حَدِيث لا يعرف إلا من هَذَا الوجه، أو لا نعلمه يروى عن فُلَان إلا من حَدِيث فُلَان، أو لا يتابع عليه، وقد يومئون إلى التفرد من بعيد غير مصرّحين به، كقولهم: "لا أعلمه إلا عن فلان" و "وهو بفلان أشبه" ونحوها من التعبيرات (٤). ولربما كَانَ الحامل للميانشي عَلَى تخصيص التعريف بالثقات دون

стр. 680

غيرهم، أنَّ رِوَايَة الضعيف لا اعتداد بِهَا عِنْدَ عدم المتابع والعاضد. ولكن من الناحية التنظيرية نجد المُحَدِّثِيْنَ عِنْدَ تشخيصهم لحالة التفرد لا يفرقون بَيْنَ كون المتفرد ثقة أو ضعيفًا، فيقولون مثلًا: تفرد بِهِ الزهري، كَمَا يقولون: تفرد بِهِ ابن أبي أويس (١). وبهذا المعنى يظهر الترابط الواضح بَيْنَ المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، إذ إنهما يدوران في حلقة التفرد والوحدان. طريقة كشف التفرد: يكشف تفرد الراوي بحديث ما الجهابذةُ النقادُ، والسبيل إلى ذلك اعتبار الروايات، وعرض بعضها ببعض؛ ليظهر ما فيها من تفرد، وهذا في كل طبقة من طبقات الإسناد، ولما كان ذلك لا يتحقق إلا بكثرة البحث والتفتيش عن الأسانيد والروايات، في بطون الكتب وصدور الرجال، كان للاعتبار عند المحدثين أهميته البالغة وضرورته القصوى، فبالاعتبار يتبين حال رواة الحديث من حيث التفرد والإغراب ورواية ما لا يعرفون، فهي عملية جِدُّ دقيقة، خلافًا لما يقوم به كثير من المعاصرين بتخريج الأحاديث معرضين عن هذا الجانب الذي هو غاية التخريج (٢). والتفرد ليس بعلة في كُلّ أحواله، ولكنه كاشف عن العلة مرشد إلى وجودها، وفي هَذَا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنَّهم يقولون في الْحَدِيث إذا تفرد به واحد - وإن لَم يروِ الثقات خلافه -: إنَّه لا يتابع عَلَيْهِ. ويجعلون ذَلِكَ علة فِيهِ، اللهم إلَّا أَنْ يَكُون ممن

стр. 681

كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كُلّ حَدِيث نقد خاص، وليس عندهم لِذَلِكَ ضابط يضبطه" (١). ومعنى قوله: "ويجعلون ذَلِكَ علة"، أنَّ ذَلِكَ مخصوص بتفرد من لا يحتمل تفرده، بقرينة قوله: "إلا أنْ يَكُون ممن كثر حفظه. . ."، فتفرده هُوَ خطؤه، إِذْ هُوَ مظنة عدم الضبط ودخول الأوهام، فانفراده دال علَى وجود خلل ما في حديثه، كَمَا أنَّ الحمّى دالة عَلَى وجود مرض ما، وَقَد وجدنا غَيْر واحد من النقاد صرح بأنَّ تفرد فُلان لا يضر، فَقَدْ قَالَ الإمام مُسْلِم: "هَذَا الحرف لا يرويه أحدٌ غَيْر الزهري، قَالَ: وللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويه عن النبيِّ ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد" (٢). وَقَالَ الحافظ ابن حجر: "وكم من ثقة تفرد بما لَمْ يشاركه فِيْهِ ثقة آخر، وإذا كَانَ الثقة حافظًا لَم يضره الانفراد (٣). وَقَالَ الزيلعي (٤): "وانفراد الثقة بالحديث لا يضره" (٥). وتأسيسًا عَلَى ما أصّلناه من قَبْل - من أنَّ تفرد الرَّاوِي لا يضر في كُلّ حال، ولكنَّه ينبه الناقد عَلَى أمر ما -، قَالَ المعلمي اليماني: "وكثرة الغرائب إنَّما تضر الراوي في أحد حالين: الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرةً عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة. الثانية: أن يَكُون مع كثرة غرائبه غَيْر معروف بكثرة الطلب" (٦).

стр. 682

وتمتع هَذَا الجانب من النقد الحديثي باهتمام النقاد، فنراهم يديمون تتبع هَذِهَ الحالة وتقريرها، وأفردوا من أجل ذَلِكَ المصنفات، مِنْهَا: كتاب "التفرد" (١)، للإمام أبي داود، و"الغرائب والأفراد" (٢) للدارقطني، و"المفاريد" (٣) لأبي يعلى، وعني الإمام الطبراني في معجميه "الأوسط" و "الصغير" بذكر الأفراد، وكذا فعل البزار في مسنده، والعقيلي (٤) في ضعفائه. وَهُوَ ليس بالعلم الهيّن، فهو "يحتاج لاتساع الباع في الحفظ، وكثيرًا ما يدعي الحافظ التفرد بحسب علمه، ويطلّع غيره عَلَى المتابع" (٥). وفي كُلّ الأحوال فإنَّ التفرد بحد ذاته لا يصلح ضابطًا لرد الروايات، حَتَّى في حال تفرد الضعيف لا يحكم على جميع ما تفرد بِهِ بالرد المطلق، بَلْ إنَّ النقاد يستخرجون من أفراده أحيانًا ما يعلمون بالقرائن والمرجحات عدم خطئه فيْهِ، وَهُوَ ما نسميه بعملية الانتقاء، وخيرُ مثال على هذا رواية إمام المحدثين الإمام البخاري عن شيخه إسماعيل بن أبي أوس؛ إذ روى عنه حديثين تفرد بهما، وهما من صحيح حديثه، قال الحافظ ابن حجر: ". . . ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوي حديثين" (٦). ومثلما أنَّ تفرد الضعيف لا يرد مطلقًا، فكذلك تفرد الثقة لا يقبل عَلَى الإطلاق كما سبق في كلام ابن رجب، وإنَّما القبول والرد موقوف على

стр. 683

القرائن والمرجحات. قَالَ الإمام أحمد: "إذا سَمِعْتَ أصحاب الْحَدِيث يقولون: هَذَا حَدِيث غريب أو فائدة، فاعلم أنَّه خطأ، أو دخل حَدِيث في حَدِيث، أَوْ خطأ من المُحدِّث، أَوْ حَدِيث ليس لَهُ إسناد، وإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى شعبة وسفيان، فإذا سمعتهم يقولون: هَذَا لا شيء، فاعلم أنَّه حَدِيث صحيح" (١). وَقَالَ أبو داود: "والأحاديث التي وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير، وهي عِنْدَ كُلّ من كتب شَيْئًا من الْحَدِيث، إلا أنَّ تمييزها لا يقدر عَلَيْهِ كُلّ الناس، والفخر بِهَا: أنَّها مشاهير، فإنَّه لا يحتج بحديث غريب، وَلَوْ كَانَ من رِوَايَة مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم" (٢). ونحن نجد أمثلة تطبيقية متعددة في ممارسة النقاد، مِنْهَا قَوْل الحافظ ابن حجر في حَدِيث صلاة التسبيح: "والحق أنَّ طرقه كلها ضعيفة، وإن كَانَ حديث ابن عَبَّاسٍ يقرب من شرط الحسن إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر .. " (٣). ويمكننا أنْ نقسم التفرد - حسب موقعه في السند - إلى قسمين: الأول: تفرد في الطبقات المتقدمة: كطبقة الصَّحَابَة، وطبقة كبار التَّابِعِينَ، وهذا التفرد مقبول إذا كَانَ راويه ثقة - وهذا الاحتراز فِيْمَا يخص طبقة التَّابِعِينَ -، فهو أمر وارد جدًّا لأسباب متعددة يمكن حصرها في عدم توفر فرص متعددة تمكّن الْمُحَدِّثِيْنَ من التلاقي وتبادل المرويات؛ وذلك لصعوبة التنقل في البلدان، لا سيما في هذين العصرين.

стр. 684

فوقوعه فيهما لا يولّد عِنْدَ الناقد استفهامًا عن كيفيته، ولا سيما أن تداخل الأحاديث فِيْمَا بينها شيء لا يكاد يذكر؛ نظرًا لقلة الأسانيد زيادة على قصرها. هَذَا فِيْمَا إذا لَمْ يخالف الثابت المشهور، أو من هُوَ أولى مِنْهُ حفظًا أو عددًا. وإن كَانَ المتفرد ضعيفًا أو مجهولًا - فيما يخص التَّابِعِيْنَ - فحكمه بيّن وَهُوَ الرد إلا أن توجد قرائن أخرى ترفع الحَدِيث من حيز الرد إلى حيز القبول. الثاني: التفرد في الطبقات المتأخرة: بعد أنْ نشط الناس لطلب العلم وأداموا الرحلة فيه والتبحر في فنونه، ظهرت مناهج متعددة في الطلب والموقف مِنْهُ، فكانت الغرس الأول للمدارس الحديثية التي نشأت فِيْمَا بَعْد، فكان لها جهدها العظيم في لَمِّ شتات المرويات وجمعها، والحرص على تلقيها من مصادرها الأصيلة، فوفرت لَهُم الرحلات المتعددة فرصة لقاء المشايخ والرواة وتبادل المرويات، فإذا انفرد من هَذِهِ الطبقات أحد بشيء ما فإنَّ ذَلِكَ أمر يوقع الريبة عِنْدَ الناقد، لا سيما إذا تفرد عمن يجمع حديثه أو يكثر أصحابه، كالزهري ومالك وشعبة وسفيان وغيرهم (١). ثم إنّ العلماء قسموا الأفراد من حَيْثُ التقييد وعدمه إلى قسمين: الأول: الفرد المطلق: وَهُوَ ما ينفرد بِهِ الرَّاوِي عن أحد الرُّوَاة (٢). الثاني: الفرد النسبي: وَهُوَ ما كَانَ التفرد فِيهِ نسبيًا إلى جهة ما (٣)، فيقيد بوصف يحدد هَذِهِ الجهة.

стр. 685

وما قِيلَ من أنَّ لَهُ أقسامًا أخر، فإنَّها راجعة في حقيقتها إلى هذين القسمين. ولكن لا بد من بيانها، فقد ذكر ابن طاهر المقدسي في مقدمة "أطراف الغرائب" (١) خمسة أنواع للتفرد هي: ١ - غرائب وأفراد صحيحة. ٢ - أحاديث أفرادٌ يرويها جماعة من التابعين عن الصحابي. ٣ - أحاديث ينفرد بزيادة ألفاظ فيها راوٍ واحد عن شيخه. ٤ - متون اشتهرت عن جماعة من الصحابة، أو عن واحد منهم فروي ذلك المتن عن غيره من الصحابة ممن لا يعرف به إلا من طريق هذا الواحد، ولم يتابعه عليه غيره. ٥ - أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم. وهذه الأنواع الخمسة تعود إلى التفرد النسبي - وكما هو بيِّن - فإنَّ عامتها جاءت مقيدة. مدلولات التفرد عند المتقدمين والمتأخرين: اختلف المتقدمون والمتأخرون في مرادهم بغرابة الحديث، فكل منهم كان يريد به استفراغًا لما جاش في صدره، وركوبًا لمطية المعنى الذي يراد عند إطلاق مثل هذا الاصطلاح. أما المتقدمون: فالأصل عندهم في تنصيصهم على تفرد الراوي بالحديث إشارتهم إلى استغراب ذلك المتفرد، وإعلال الرواية به، وأحيانًا قليلة يريدون إعلال متابعاتها، وعدم الاعتداد بتلك المتابعات، وأكثر ما يريدون بإطلاق التفرد هو النسبي، فإنَّهم إذا قالوا بالحديث: تفرد فلان، فهي في الغالب عبارة إعلال، وإشارة إلى وهم ذلك المتفرد، أو إلى عدم احتمال حاله مثل ذلك التفرد. ولما كان الغالب على مسلكهم في هذه القضية هو مقصد الإعلال صاروا لا يعتدون بالمتابعات الساقطة عن حد الاعتبار، ولا يلتفتون إليها،

стр. 686

فتراهم ينصون على تفرد ذلك الراوي الثقة أو المقبول في الجملة، وإنْ شاركه في روايته لذلك الحديث بعض الهلكى أو المخطئين من الرواة. أما المتأخرون: فالأصل عندهم في التنصيص على التفرد هو الإحصاء وذكر الغرائب، وبيان انتفاء المتابعة تيسيرًا على الباحث المستقرئ، والأصل عندهم أيضًا أنَّ التفرد لا يكون علة إلا إذا كان المتفرد ضعيفًا، أو مخالفًا لمن هو أوثق منه، مخالفةً لا يمكن معها الجمع بين الروايتين (١). أما الحكم على الأفراد باعتبار حال الرَّاوِي المتفرد فَقَط من غَيْر اعتبار للقرائن والمرجحات، فهو خلاف منهج الأئمة النقاد المتقدمين، إذن فليس هناك حكم مطرد بقبول تفرد الثقة، أو رد تفرد الضعيف، بَلْ تتفاوت أحكامهما، ويتم تحديدهما وفهمهما عَلَى ضوء المنهج النقدي النَّزيه؛ وذلك لأنَّ الثقة يختلف ضبطه باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يحدث في كيفية التلقي للأحاديث، أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه - حَتَّى وَلَوْ كَانَ من أثبت أصحابهم وألزمهم -، ولذا ينكر النقاد من أحاديث الثقات - حَتَّى وَلَوْ كانوا أئمة - ما ليس بالقليل، فقد قال ابن القيم: "قيل: التفرد نوعان: تفرد لم يخالف فيه من تفرد به … وتفرد خولف فيه المتفرد .. " (٢). علاقة الغريب بالفرد: لا شك أنَّ بين الغريب والفرد علاقة وثيقة، تخفي معنى واحدًا، فما من مصنِّف صنّف في علم الحديث وبث فيه ما جاش في صدره عن الغرائب إلا وتجده خلّله بكلام عن التفرد، والعكس كذلك، وهذا لا ينحصر في المصنفات، وإنَّما يمتد إلى أقوال النقاد، وبهذا يتبين عمق الروابط بين التفرد والغرابة، وعلى الرغم مما تقدم فإنَّ المتأخرين أدركوا نوع الاختلاف بين المصطلحين، قال الحافظ ابن حجر: "فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد

стр. 687

المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق، فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان أو أغرب فلان" (١)، وبالاستقراء فإنَّ مصطلح التفرد يطلق ويراد به السند، والغريب يطلق ويراد به المتن أو السند أو كلاهما، فيكون مصطلح الغرابة أعم من مصطلح التفرد، ومن ناحية أخرى فإِنَّ إطلاق التفرد لا يفهم منه إلا التفرد الاصطلاحي في حين إنَّ الغرابة تحتمل أكثر من معنى، فهي تحتمل التفرد، وقد يقرن بألفاظ أخرى لتكون حكمًا على الحديث، فتجد الترمذي ﵀ كثيرًا ما يحكم على حديث بـ: "غريب صحيح" و "حسن غريب" وقد تفرد هذه الكلمة فيراد بها ضعف الحديث وهو صنيع الترمذي في جامعه، وأبي نعيم في "الحلية" إذن فاصطلاح الغريب والفرد يتفقان في تجريد إحدى طبقات السند من المتابعات - هذا في أسهل الاحتمالات - وإثبات تفرد أحد الرواة في الإسناد. ولمصطلح الغريب عند المتقدمين من المحدّثين معنى نقدي خطير، أما المتأخرون فليس الأمر عندهم كذلك، فهم يكادون يقصرون معناها على مقصد إحصائي محض مجرد عن أي معنى نقدي، فالاشتغال ببيان الغرابة هو عندهم من لطائف الفن، وليس من أصوله ومهماته (٢). مظان الحديث الغريب: هناك كتب خاصة أُلفت في الحديث الغريب منها ما هو صريح كالغرائب والأفراد، و"غرائب مالك" للدارقطني وغيرهما. أما غير الصريح فمثل المعجمين "الأوسط" و"الصغير" و "مسند البزار" و "حلية الأولياء" وغيرها كما سبق بيانه. ومن مظانه أيضًا كتب الفوائد: فالفوائد أخص من الغرائب، فكتب الفوائد تجمع غرائب مصنفيها وحدهم، أما كتب الغرائب فتعنى أصلًا بجمع ما أغرب - أي تفرد - به راو عن إمام حافظ مكثر شهير. وكثير من هذه

стр. 688

الغرائب لا تلبث أنْ تشتهر في الطبقات التالية لطبقة ذلك المتفرد، وذلك بسبب كونها مروية من طريق ذلك الإمام الذي يحرص كثير من الرواة على جمع كل ما روي عنه، بخلاف الفوائد فهي غرائب في بلد جامعها أو في عصره كما تقدم، فغرابتها متأخرة في طبقتها عن غرابة سائر الغرائب (١). أنواع الغريب: قسم أهل الحديث الغريب إلى أنواع، فقال الترمذي: ١ - رب حديث يكون غريبًا لا يروى إلا من وجه واحد (٢). ٢ - ورب رجل من الأئمة يحدث بالحديث لا يعرف إلا من حديثه. ٣ - ورب حديث إنَّما يستغرب بزيادة تكون في الحديث، وإنَّما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه. ٤ - ورب حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنَّما يستغرب لحال الإسناد (٣). وفصّل الحاكم الغريب إلى أنواع منها (٤): ١ - غرائب الصحيح. ٢ - غرائب الشيوخ. ٣ - غرائب المتون. وكثيرًا ما يجد الباحثون في مصنفات علم الحديث أحكامًا للأئمة النقاد يحكمون فيها على الأحاديث بالغرابة فيقال مثلًا: (هذا حديث غريب)، أو (لم يروه عن فلان إلا فلان)، وغيرها من العبارات التي توحي بوجود غرابة

стр. 689

في الإسناد، وهذا لا يلزم الحكم على ذلك الحديث بالضعف؛ لأنَّ الغريب ينطوي على الصحيح وغيره، قال الذهبي: "والغريب صادق على ما صحّ وعلى ما لم يصحّ، والتفرد يكون لما انفرد به الراوي إسنادًا أو متنًا، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين .. " (١). وبعد هذا الذي قدمناه فقد يقول متعجل: إنا نجد بعض الحفاظ نص على تفرد فلان بحديث ما، ثم نجد متابعات لذلك الراوي المتفرد. هذا القول أجاب عنه محمد خلف سلامة قائلًا: "وهاهنا احتمالات: أولها - وهو أظهرها -: أنَّهم وقفوا على تلك المتابعات، ولكنَّهم تركوها، ولم يلتفتوا إليها؛ لسقوطها وشدة وهائها فعدّوها في حكم العدم .. وثانيها: أنَّها فاتتهم إما بتعمد منهم أو بدونه، فليست عندهم فهم لم يكتبوها أو لم يسمعوها أصلًا بسبب كونها من رواية المتروكين عندهم، من معاصريهم أو من طبقة شيوخهم، والأئمة يكتبون أحيانًا عن بعض المتروكين لحاجات النقد، ويتركون الكتابة عن كثير منهم، وهم الذين لا ينتفع برواياتهم في الدراسات النقدية. وثالثها: أنها وُجدت أو افتريت بعد عصرهم إما بسرقة أو تركيب متعمد، أو تلقين أو إدخال، أو تزوير، أو وجدت بعد عصرهم كذلك، ولكن من غير تعمد، بل بسبب خطأ من رواية مخطئ، ولهذا فإنَّ من أراد أنْ يستدرك عليهم مثل هذا المتابعات ينبغي أنْ لا يكون استدراكه مشعرًا بوصفهم بالتقصير في التفتيش أو القصور في الحفظ، فإنَّهم فوق ذلك، وإنْ لم يكونوا معصومين من الخطأ ولا محيطين بكل العلم، فليعلم ذلك، وأيضًا ينبغي أن يجعل تنصيصهم على ذلك التفرد احتمالًا قويًا في سقوط تلك الرواية المستدركة، أو تعليلها بما يمنعها من صلاحيتها للاستشهاد بها، وحينئذ لا بد من دراسة كل الاحتمالات والقرائن في كل حديث" (٢).

стр. 690

مثال للتفرد: * حَدِيث العلاء بن عبد الرحمن (١)، عن أبيه (٢)، عن أبي هُرَيْرَة: أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إذا انتصفَ شعبانُ فلا تَصوموا". أخرجه عبد الرزاق (٣)، وابن أبي شيبة (٤)، وأحمد (٥)، والدارمي (٦)، وأبو داود (٧)، وابن ماجه (٨)، والترمذي (٩)، والنسائي (١٠)، والطحاوي (١١)، والعقيلي (١٢)، والدينوري (١٣)، وابن حبان (١٤)، والطبراني (١٥)، وأبو نعيم (١٦) والبيهقي (١٧)، والخطيب (١٨)، جميعهم من هَذِهِ الطريق.

стр. 691

قَالَ النسائي: "لا نعلم أحدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيْثِ غَيْر العلاء بن عبد الرحمن". وَقَالَ الترمذي: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هَذَا الوجه عَلَى هَذَا اللفظ". وأورده الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي (١) في "أطراف الغرائب والأفراد" (٢). وَقَدْ أنكره الحفاظ من حَدِيث العلاء بن عبد الرحمن: فَقَالَ أبو داود: "كَانَ عبد الرحمن - يعني: ابن مهدي (٣) - لا يحدّث به. قلت لأحمد: لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ عنده أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يصل شعبان برمضان، وَقَالَ عن النَّبِيِّ ﷺ خلافه" وقال: "وليس هذا عندي خلافه، ولم يجيء به غير العلاء، عن أبيه" (٤). وَقَالَ الإمام أحمد: "العلاء ثقة لا ينكر من حديثه إلا هَذَا" (٥). وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَرُّوذِيِّ (٦): "سألت ابن مهدي عَنْهُ فَلَمْ يحدثني بِهِ، وَكَانَ يتوقاه. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْد الله: هَذَا خلاف الأحاديث التي رويت عن النَّبيِّ ﷺ " (٧).

стр. 692

واستنكره ابن معين أَيْضًا (١). وزعم السخاوي (٢) أنَّ العلاء لَمْ يتفرد بهِ وأنّ لَهُ متابعًا في روايته عن أبيه، فَقَدْ رَوَى الطبراني (٣) الْحَدِيْث قائلًا: "حَدَّثَنَا أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبيد الله بن عَبْد الله المنكدري، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي (٤)، عن أبي أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إذا انتصف شعبانُ فأفطروا". قَالَ الطبراني عقبه: "لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيث عن مُحَمَّد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد به ابنه: عبد الله". والحق أنَّ هَذَا الْحَدِيث لا يصلح للاستشهاد، فضلًا فضلًا عن أن يشد عضد رِوَايَة العلاء؛ إذ هُوَ مسلسل بالضعفاء والمجاهيل: بدءًا من شيخ الطبراني وَهُوَ: أحمد بن مُحَمَّد بن نافع أورده الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٥) وَقَالَ: "لا أدري مَنْ ذا؟ ذكره ابن الجوزي مرة وَقَالَ: اتهموه. كَذَا قَالَ لَمْ يزد" (٦). وعبد الله بن المنكدر - المتفرد بهذا الْحَدِيث -، قَالَ فِيْهِ العقيلي: "عن أبيه، ولا يتابع عَلَيْهِ" (٧).

стр. 693

وَقَالَ الذهبي: "فِيهِ جهالة، وأتى بخبر منكر" (١). وَقَالَ مرة: "لا يعرف" (٢). والمنكدر بن مُحَمَّد - الَّذِي لَمْ يرو الَّذِي لَمْ يرو هَذَا الْحَدِيث عن أبيه غيره - قَالَ أبو حاتم: "كَانَ رجلًا صالحًا لا يقيم الْحَدِيث، وَكَانَ كثير الخطأ، لَمْ يَكُنْ بالحافظ الحديث أبيه" (٣). وَقَالَ النسائي: "ضعيف" (٤)، وَقَالَ مرة: "ليس بالقوي" (٥) وقَالَ أبو زرعة: "ليس بقوي" (٦). وَقَالَ ابن حبان: "قطعته العبادة عن مراعاة الحفظ والتعاهد في الإتقان، فكان يأتي بالشيء الَّذِي لا أصل لَهُ عن أبيه توهمًا (٧). وَقَالَ الذهبي: "فِيْهِ لين" (٨). وبهذا تبين أنَّ الشاهد غَيْر صالح للاعتبار، فهو جزمًا من أوهام المنكدر بن مُحَمَّد. ويبقى الْحَدِيث من أفراد العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه. قال ابن رجب: "واختلف العلماء في صحة هَذَا الْحَدِيْثِ ثُمَّ في العمل

стр. 694

به: فأما تصحيحه فصححه غَيْر واحد، مِنْهُمْ: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي وابن عبد البر. وتكلم فيه من هُوَ أكبر من هؤلاء وأعلم. وقالوا: هُوَ حَدِيث منكر، مِنْهُم: عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي، والأثرم، وقال الإمام أحمد: "لم يرو العلاء حديثًا أنكر منه" ورده الإمام أحمد بحديث: لا تَقَدَّموا رمضان بصومِ يومٍ أو يَومين"، فإنَّ مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين" (١). * مثال آخر: حَدِيْث قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب (٢)، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة (٣)، عن معاذ بن جبل (٤): أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ في غزوة تبوك إذا ارتحل قَبْلَ زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بَعْدَ زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا ثُمَّ سار. وَكَانَ إذا ارتحل قَبْلَ المغرب أخّر المغرب حَتَّى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بَعْدَ المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب.

стр. 695

رَوَاهُ أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وابن حبان (٤)، وأبو إسحاق إبراهيم المزكي (٥)، والدارقطني (٦)، والحاكم (٧)، والبيهقي (٨)، والخطيب (٩)، والذهبي (١٠)، كلهم من طريق قتيبة هذا. أقول: هَذَا الْحَدِيث ظاهره الصحة قال قتيبة: "عليه - أي الحديث - علامة سبعة من الحفاظ، كتبوا عني هذا الحديث: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والحميدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خثيمة حتى عدَّ سبعة" (١١)، وقال ابن الملقن: "وهذا إسناد على شرط الشيخين، لكنه فرد من الأفراد" (١٢) غير أن حديثنا هذا تفرد بِهِ قتيبة، عن الليث، ونص الحفاظ عَلَى ذَلِكَ: قَالَ أبو داود: "لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيث إلا قتيبة وحده". وَقَالَ الترمذي: "حَدِيث معاذ حَدِيث حسن غريب، تفرّد بِهِ قتيبة، لا

стр. 696

نعرف أحدًا رَوَاهُ عن الليث غيره" (١). وَقَالَ البيهقي: "تفرد بِهِ قتيبة بن سعيد، عن ليث، عن يزيد". وَقَالَ الْخَطِيْب: "لَمْ يروِ حَدِيث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل أحدٌ عن الليث: غَيْر قتيبة". وَقَالَ الذهبي: "ما رَوَاهُ أحد عن الليث سوى قتيبة" (٢). وَقَدْ أُنكر هَذَا الْحَدِيث عَلَى قتيبة سندًا ومتنًا: أما في السند: فالرواية المحفوظة هِيَ رِوَايَة أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ. قَالَ أبو سعيد بن يونس (٣): "لَمْ يحدث به إلا قتيبة، ويقال: إنَّه غلط، وإنَّ موضع يزيد بن أبي حبيب: أبو الزبير (٤) " (٥). وَقَدْ وقفت عَلَى ثمانية أنفس رووه عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ وهم: ١ - مالك بن أنس (٦)، ومن طريقه: الشَّافِعِيّ (٧)، وعبد الرزاق (٨)، وأحمد (٩)، والدارمي (١٠)، ومسلم (١١)، وأبو داود (١٢)، والنسائي (١٣)،

стр. 697

وابن خزيمة (١)، والطحاوي (٢)، والشاشي (٣)، وابن حبان (٤)، والطبراني (٥)، والبيهقي (٦). ٢ - قرة (٧) بن خالد (٨): عِنْدَ أبي داود الطيالسي (٩)، وأحمد (١٠)، ومسلم (١١)، والبزار (١٢)، وابن خزيمة (١٣)، والطحاوي (١٤)، والشاشي (١٥)، وابن حبان (١٦)، والطبراني (١٧). ٣ - عمرو بن الحارث (١٨): عِنْدَ الطبراني (١٩).

стр. 698

٤ - هشام بن سعد (١): عِنْدَ الإمام أحمد (٢)، وعبد بن حميد (٣)، والبزار (٤)، والشاشي (٥)، والطبراني (٦)، والبيهقي (٧). ٥ - سفيان بن سعيد الثوري: ومن طريقه أخرجه: عبد الرزاق (٨)، وابن أبي شيبة (٩)، وأحمد (١٠)، وابن ماجه (١١)، والطبراني (١٢)، وأبو نعيم (١٣). ٦ - أبو خيثمة (١٤) زهير بن معاوية: عِنْدَ مُسلم (١٥)، والبزار (١٦)، والطبراني (١٧).

стр. 699

٧ - أشعث بن سوار (١): وروايته عِنْدَ الطبراني (٢). ٨ - زيد بن أبي أنيسة (٣): كَمَا أخرجها الطبراني (٤). أقول: فَقَدْ خالف قتيبة في روايته هَذَا الْحَدِيث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب هؤلاء الرُّوَاة. أما الليث بن سعد فَقَدْ رَوَى أصحابه الْحَدِيث عَنْهُ، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، به. وهم: ١ - عبد الله بن صالح (٥): عِنْدَ الطبراني (٦). ٢ - يزيد بن خالد بن يزيد الرملي (٧): عِنْدَ أبي داود (٨). والبيهقي (٩).

стр. 700

إلا أنه قرن الليث بن سعد مع المفضل (١) بن فضالة (٢). وهكذا يتجه الحمل في إسناد هَذَا الْحَدِيث إلى قتيبة بن سعيد لا محالة، في إبدال يزيد بن أبي حبيب موضع أبي الزبير المكي. وأما الْمَتْن: فكل من رَوَى الْحَدِيث (٣) من طريق أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ. فإنَّما ذكر مطلق الجمع من غَيْر تعرض لجمع التقديم في شيء من طرق الْحَدِيث، إلا في رِوَايَة قتيبة بن سعيد. وأما رِوَايَة يزيد بن خالد الرملي - الآنفة - فَقَدْ وقع لفظها مقاربًا للفظ حَدِيْث قتيبة، إلا أنَّ الحفاظ أعلّوا هَذِهِ الرِّوَايَة، قَالَ الحافظ ابن حجر: "وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فِيْهِ، وَقَدْ خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك، والثوري، وقرة بن خالد، وغيرهم. فَلَمْ يذكروا في روايتهم جمع التقديم" (٤). وَقَالَ الترمذي: "وحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ: حَدِيث غريب. والمعروف عِنْدَ أهل العلم حَدِيث معاذ من حَدِيث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جمع في غزوة تبوك بَيْنَ الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، رَوَاهُ قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد، عن أبي الزبير المكي" (٥). وَقَالَ البيهقي: "وإنَّما

стр. 701

أنكروا من هَذَا رِوَايَة يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، فأما رِوَايَة أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة" (١). وَقَالَ الذهبي: "غلط في الإسناد، وأتى بلفظ منكر جدًّا" (٢). وَقَالَ الْخَطِيب: "هُوَ منكر جدًّا من حديثه" (٣). وَقَدْ أفاض الْحَاكِم في بيان علة الْحَدِيث في فصل ممتع، فَقَالَ: "هَذَا حديث رواته أئمة ثقات، وَهُوَ شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بِهَا، وَلَوْ كَانَ الْحَدِيث عِنْدَ الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل لعللنا به الْحَدِيْثِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الزبير لعللنا به، فلما لَمْ نجد لَهُ العلتين خرج عن أن يَكُوْن معلًا. أن يَكُوّن معلًا، ثُمَّ نظرنا فَلَمْ نجد ليزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل رِوَايَة، ولا وجدنا هَذَا الْمَتْن بهذه السياقة عِنْدَ أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عِنْدَ أحد ممن رَوَاهُ عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل، فقلنا: الْحَدِيث شاذ" (٤). وَقَالَ أبو حاتم: "كتبت عن قتيبة حديثًا عن الليث بن سعد - لَمْ أصبه بمصر عن الليث -، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه كَانَ في سفر فجمع بَيْنَ الصلاتين" ثُمَّ قَالَ: "لا أعرفه من حَدِيث يزيد، والذي عندي: أنه دخل لَهُ حَدِيْث في حَدِيث" (٥). أقول: وعلة هذا الحديث الرئيسة أنَّ حديث قتيبة فيما يبدو أُدخل عليه، فقد أخرج الحاكم من طريق البخاري أنّه قال: "قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟، قال: كتبته مع خالد المدائني" قال البخاري: "وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ" (٦)، وقال الخطيب: "وهو منكر جدًّا من حديثه - يعني

стр. 702

قتيبة - ويرون أنَّ خالدًا المدائني أدخله على الليث، وسمعه قتيبة معه، فالله أعلم" (١)، وقال الذهبي: "فيكون قد غلط في الإسناد، وأتى بلفظ منكر جدًّا؛ يرون أنَّ خالدًا المدائني، أدخله على الليث، وسمعه قتيبة معه، فالله أعلم، قلت: هذا التقرير يؤدي إلى أنَّ الليث كان يقبل التلقين، ويروي ما لم يسمع، وما كان كذلك! بل كان حجة متثبتًا، وإنّما الغفلة وقعت فيه من قتيبة، وكان شيخ صدق، قد روى نحوًا من مائة ألف فيغتفر له الخطأ في حديث واحد" (٢). أقول: ليس في هذا تقرير البتة، بل الناظر في كلام البخاري سيجد أنَّ خالدًا أدخل هذا الحديث في كتب قتيبة بن سعيد، وليس على الليث، والذي يدل على ذلك أنَّ أحدًا لم يروه عن الليث إلا قتيبة - مع أنَّ الليث معروف بكثرة التلاميذ، وهو أحد الرواة الذين يجمع حديثهم -، وكان خالد يفتعل هذا الفعل الشائن حتى افتضح أمره وبان للقاصي والداني، ولذا قال عنه أبو حاتم: "كذاب كان يفتعل الأحاديث، ويضعها في كتب ابن أبي مريم، وأبي صالح، وهذه الأحاديث التي أنكرت على أبي صالح يتوهم أنه من فعله" (٣). وكان هذا يتلاعب بالأحاديث، ومن تلاعبه أنه جعل أحاديث الليث بن سعد إذا كانت عن الزهري، عن ابن عمر؛ أدخل سالمًا، وإذا كانت عن الزهري عن عائشة؛ أدخل عروة (٤). . . أقول: عند الله تلتقي يا خالدٌ وخصومك. قال ابن الملقن: "فتحصلنا على خمس مقالات في هذا الحديث للحفاظ: إحداها: أنَّه حسن غريب، قاله الترمذي. ثانيها: أنَّه محفوظ صحيح، قاله ابن حبان والبيهقي. ثالثها: أنه منكر قاله أبو داود.

стр. 703

رابعها: أنَّه منقطع قاله ابن حزم. خامسها: أنَّه موضوع، قاله الحاكم. وأصل حديث أبي الطفيل عن معاذ في "صحيح مسلم" (١) وهو معدود من أفراده، ولفظه عنه: جمع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، قال: فقلت ما حمله على ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمته" (٢). وقد ذهب غَيْر واحد من أئمة الْحَدِيث إلى أنَّه لَمْ يصح في جمع التقديم شيء، قال أبو داود: "ليس في جمع التقديم حَدِيث قائم" (٣). وَقَالَ ابن حجر: "والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه: أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل. وَقَدْ أعلّه جَمَاعَة من أئمة الْحَدِيث بتفرد قتيبة عن الليث" (٤). * مثال آخر: ما تفرد بهِ (٥) أبو قيس: عبد الرحمن بن

стр. 704

ثروان (١)، عن هُزَيل بن شرحبيل (٢)، عن المغيرة بن شعبة، قَالَ: "توضأ النَّبِيُّ ﷺ ومسح على الجوربين". وَقَدْ رَوَاهُ من هَذَا الوجه: ابن أبي شيبة (٣)، وأحمد (٤)، وعبد بن حميد (٥)، ومسلم (٦)، وأبو داود (٧)، وابن ماجه (٨)، والترمذي (٩)، والنسائي (١٠)، وابن خزيمة (١١)، وابن المنذر (١٢)، والطحاوي (١٣)، وابن حبان (١٤)، والطبراني (١٥)، وابن حزم (١٦)، والبيهقي (١٧). هكذا تفرد بِهِ أبو قيس، عن هزيل (١٨)، وَقَدْ صححه بعض أهل العلم

стр. 705

مِنْهُمْ: الترمذي (١)، وابن خزيمة وابن حبان (٢)، وغيرهم (٣). عَلَى أنَّ آخرين من جهابذة هَذَا الفن قَدْ أعلوا الْحَدِيث بتفرد أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل، وأعلوا الْحَدِيْث بهذا التفرد. قال علي بن المديني: "حَدِيث المغيرة بن شعبة في المسح: رَوَاهُ عن المغيرة أهل الْمَدِينَة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنَّه قَالَ: ومسح عَلَى الجوربين، وخالف الناس" (٤). وقال يحيى بن معين: "الناس كلهم يروونه عَلَى الخفين غَيْر أبي قيس" (٥).
следующие страницы →