← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح ": ٥٧٥: «وأخرج له - أي: للجريري - البخاريُّ أيضاً من رواية خالد الواسطي عنه، ولم يتحرر لي أمره إلى الآن، هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، لكن حديثه عنه بمتابعة بشر بن المفضل». ينظر: " إتحاف المهرة " ٥/ ٤٣٢ (٥٧١١). وروي الحديث من وجه آخر. إذ أخرجه: العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٤٥٧ من طريق أحمد بن محمد بن عاصم الرازي (١). وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ١/ ٢٣٩ وفي ط. الغرب ٢/ ٤٢ - ٤٣ من طريق محمد بن إسحاق بن يزيد البغدادي. (٢) كلاهما: (أحمد، ومحمد) عن عمار بن هارون، عن فضالة بن دينار الشحام، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بُويعَ لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». وحديث أنس هذا فيه فضالة بن دينار الشحام، قال عنه العقيلي في "الضعفاء الكبير " ٣/ ٤٥٧: «منكر الحديث». وفيه عمار بن هارون، قال عنه موسى بن هارون فيما نقله الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٣/ ١٧١ (٦٠٠٩)، وأبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٦/ ٥١٨ (٢١٩٦): «متروك الحديث»، وقال ابن عدي في " الكامل " ٦/ ١٤٢ - ١٤٣: «ضعيف يسرق الحديث … وعامة ما يرويه غير محفوظة». قال العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٤٥٧: «والرواية في هذا الباب غير ثابتة»، وقال أيضاً في ترجمة الحكم بن ظهير الفزاري ١/ ٢٥٩ بعدما ذكر عدة متون منها حديثنا هذا: «ولا تصح من هذه المتون عن النبي ﵇ شيء من وجه ثابت».

стр. 807

وقال ابن حجر في " لسان الميزان " (٦٠٣٢) تعليقاً على قول العقيلي: «ولم يصحّ في هذا حديث»: «وهذا هو العَجَب العجاب كيف يقول المؤلف هذا، أو يُقِرّ عليه، والحديث في صحيح مسلم، وإن كان من غير هذا الوجه، وقد راجعتُ كلام العقيلي، فلم أر هذا الكلام (١) فيه». قلت: قول العقيلي يصبّ في المعنى نفسه فقوله: «والرواية في هذا الباب غير ثابتة»، أما اعتراض الحافظ فكان من باب الأمانة في نقل اللفظ، والله أعلم. انظر: " البدر المنير " ٨/ ٥٤٥. وأحياناً يكون التفرد في الطبقات المتأخرة، فيرده النقاد ولو كان المتفرد إماماً، مثاله: روى نعيم بن حماد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّكم في زمان من ترك منكم عُشرَ ما أُمِرَ به هلكَ، ثمَّ يأتي زمانٌ من عملَ منهم بُعشرِ ما أُمِرَ به نجا». أخرجه: الترمذي (٢٢٦٧)، والطبراني في " الصغير " (١١٢٧)، وابن عدي في " الكامل " ٨/ ٢٥٣، وتمام في " فوائده " كما في " الروض البسام " (١٧٢١)، والسهمي في " تاريخ جرجان " (٩٢٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء " ٧/ ٣١٦، والهروي في " ذم الكلام " (١٠١)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥٥/ ٢٧٣، والذهبي في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٤١٨ من طرق عن نعيم بن حماد، بهذا الإسناد. قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد، عن سفيان بن عيينة». وقال النسائي فيما نقله ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (١٤٢٥): «هذا حديث منكر رواه نعيم بن حماد وليس بثقة».

стр. 808

وقال الطبراني: «لم يروه عن سفيان إلا نعيم». وقال ابن عدي: «قال نعيم: هذا الحديث ينكرونه، وإنما كنتُ مع ابن عيينة فمر بشيءٍ فأنكره، ثم حدثني بهذا الحديث، وقال - أي: ابن عدي -: وهذا الحديث أيضاً معروف (١) لا أعلم رواه عن ابن عيينة غيره - أي: غير نعيم -». وقال الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٤١٨ (٤٢٤): «هذا حديث منكر لا أصل له من حديث رسول الله ﵌، ولا شاهد، ولم يأتِ به عن سفيان سوى نعيم، وهو مع إمامته منكر الحديث». وقال أبو نعيم: «غريب تفرّد به نعيم، عن سفيان». وقال الذهبي أيضاً في " سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٦٠٦: «وتفرد نعيمٌ بذاك الخبر المنكر»، ثم ذكر حديثنا هذا، ثم قال: «فهذا ما أدري من أين أتى به نعيم، وقد قال نعيم: هذا حديث ينكرونه، وإنما كنت مع سفيان فمرّ شيء فأنكره، ثم حدثني بهذا الحديث، قلت: - الكلام للذهبي - هو صادق في سماع لفظ الخبر من سفيان، والظاهر والله أعلم أنَّ سفيان قاله من عنده بلا إسناد، وإنَّما الإسناد قاله لحديث كان يريد أنْ يرويه، فلما رأى المنكر تعجب، وقال ما قال عقيب ذلك الإسناد، فاعتقد نعيم أنَّ ذاك الإسناد لهذا القول، والله أعلم». قلت: قول نعيم: إنما كنت مع ابن عيينة فمر بشيءٍ فأنكره ثم حدثني بهذا الحديث أي إنكاره للشيء الذي مر به قبل أن يروي الحديث ومما يؤكد هذا، قول نعيم بن حماد في رواية تمام في " فوائده ": كنت مع ابن عيينة في طريق فرأى شيئاً فأنكره فالتفت إلينا فقال: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ : … وذكر الحديث، ومن ظاهر هذا اللفظ نرى أنَّ ابن عيينة أنكر الشيء الذي مر به قبل أنْ يذكر الإسناد والحديث، والله أعلم. وهذا الحديث مرفوعٌ تفرّد به نعيم بن حماد، عن سفيان بن عيينة، ونعيم

стр. 809

مختلف فيه، قال عنه يحيى بن معين فيما نقله الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٣/ ٣١٢ وفي ط. الغرب ١٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧: «ليس في الحديث بشيء»، وقال مرة أخرى فيما نقله الذهبي في " الميزان " ٤/ ٢٦٨ (٩١٠٢): «ثقة»، وقال أبو داود فيما نقله الذهبي في " الميزان " ٤/ ٢٦٨ (٩١٠٢)، وابن حجر في " التهذيب " ١٠/ ٤١١: «كان عند نعيم بن حماد نحو عشرين حديثاً عن النبيِّ ﷺ ليس لها أصل»، وقال العجلي في " الثقات " (١٨٥٨): «ثقة»، وقال فيما نقله الذهبي في " الميزان " ٤/ ٢٦٨ (٩١٠٢): «ثقة صدوق»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٥٨٩): «ضعيف»، وقال مرة فيما نقله الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٣/ ٣١٢ وفي ط. الغرب ١٥/ ٤٢٨: «ليس بثقة»، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٩/ ٢١٩ وقال: «ربما أخطأ ووهم»، وقال الدارقطني فيما نقله الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٣/ ٣٠٦ وفي ط. الغرب ١٥/ ٤١٩: «كثير الوهم»، وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٣/ ٣١٢ وفي ط. الغرب ١٥/ ٤٢٦: «كان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يُتابع عليها»، قال الحافظ في " النكت الظراف " ١٠/ ١٧٣ كما في هامش " الروض البسام " (١٧٢١) (١) رداً على قول الذهبي: «بل وجدت له أصلاً: أخرجه ابن عيينة في " جامعه " عن معروف الموصلي، عن الحسن البصري مرسلاً، فيحتمل أنْ يكون نعيم دخل عليه حديث في حديث»، وقال أبو حاتم كما في " العلل " لابنه (٢٧٩٤): «هذا عندي خطأ؛ رواه جرير، وموسى بن أعين، عن ليث، عن معروف، عن الحسن، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً». وتابعهما - أي جريراً وموسى - عُمرُ بنُ معروف عند البخاري في "التاريخ الكبير " ٧/ ٢٩٢ (١٨٢٣)، وإبراهيم بن محمد عند أبي عمرو الداني في " الفتن " (٢٢٩). كلاهما: (عمر، وإبراهيم) عن ليث بن أبي سليم، عن معروف (٢)، عن الحسن مرسلاً.

стр. 810

وهذا الحديث ضعيف لجهالة معروف، ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٧/ ٢٩٢ (١٨٢٣) وذكر حديثه هذا ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٣٧١ (١٤٨٨) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في " الثقات" ٧/ ٥٠٠، وفيه ليث بن أبي سليم، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٥٦٠) و (٧٢٠) برواية الدارمي: «ضعيف»، وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٥١١): «ضعيف»، وقال أحمد بن حنبل فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٢٤٣ (١٠١٤): «مضطرب الحديث، ولكن حدث الناس عنه»، وقال ابن أبي حاتم في الموضع نفسه: «سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به، هو مضطرب الحديث، وسمعت أبا زرعة يقول: ليث بن أبي سليم لين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث». ولكنَّه توبع تابعه ابن عيينة كما ذكرنا في قول ابن حجر في " النكت الظراف ". وهذا الحديث سُئِلَ عنه أحمد بن حنبل فلم يعرفه، هذا ما ذكر في "المنتخب من العلل للخلاّل " (٣٦)، إلا أنَّ لفظ الحديث ورد في المطبوع من " المنتخب " مقلوباً: «أنتم اليوم في زمان من عمل بالعُشر مما أُمرَ به نجا» أي ذكر نجا بدلاً من «هلك»، ولا أدري ألهذا لم يعرفه الإمام أحمد أم أنه خطأ من الناسخ؟. وانظر: " تحفة الأشراف " ٩/ ٥٦١ (١٣٧٢١)، و " السلسلة الضعيفة " (٦٨٤). وأحياناً ينفرد الراوي الذي فيه مقال عن شيخ مكثر له أصحاب، فيُعل الحديث بانفراده عن ذاك الشيخ ليزداد الحديث ضعفاً على ضعف، مثاله: روى محمد بن عمر بن يزيد، قال: حدثنا أبو داود، عن عمران القطان، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «قيلوا (١)، فإنَّ الشياطينَ لا تقيلُ».

стр. 811

أخرجه: أبو الشيخ في " طبقات المحدّثين بأصبهان " ٤/ ٣٣٦، وأبو نعيم في " تاريخ أصبهان " ١/ ٢٣٦ و ٤١٦ و ٢/ ٣٠ من طريق أبي داود، عن عمران القطان، به. هذا الحديث رمز لحسنه السيوطي في " الجامع الصغير " (٦١٦٨)، وحسّنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٦٤٧)، و" صحيح الجامع الصغير "، له (٤٤٣١)، وهذا إسناد ضعيف فيه محمد بن عمر، لم أقف له على تجريح أو تعديل فيكون مجهول الحال. وأما عمران القطان، فقد ضعّفه بعض العلماء، ووثّقه آخرون. فمن الذين ضعفوه: ابن معين في " تاريخه " (٣٦٨٧) برواية الدوري، قال: «ليس بشيء»، وقال أحمد في " الجامع في العلل " (١٦٦) برواية المروذي: «ليس بذاك وضعّفه»، وقال أبو داود كما في "سؤالات الآجري" (٨٥١): «ضعيف»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٧٨): «ضعيف». ومن الذين وثقوه: العجلي في " الثقات " (١٣٠١) قال: «بصريٌّ ثقةٌ»، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٧/ ٢٤٣، وقال ابن عدي في "الكامل" ٦/ ١٦٤: «وهو ممن يكتب حديثه» ولخص الحافظ ابن حجر القول فيه في "التقريب " (٥١٥٤)، فقال: «صدوق، يهم، ورمي برأي الخوارج». والذي أراه - والله أعلم - أنَّ هذا الحديث معلول بتفرّد عمران القطان؛ إذ يستبعد - عن الصحة - أنْ ينفرد راوٍ مثل عمران برواية هذا الحديث عن قتادة، عن أنس، فأين أصحاب قتادة الثقات الأثبات عن رواية مثل هذا الحديث، وذِكْرِ مثل هذه السُّنّة. والحديث روي من عدة طرق عن أنس من غير طريق قتادة ولا تصح.

стр. 812

أخرجه: ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١٥٨، والطبراني في " الأوسط " (٢٨) في كلتا الطبعتين من طريق علي بن عياش الحمصي، قال: حدثنا معاوية بن يحيى الأطرابلسي، عن كثير بن مروان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس. وقال عقبه: «لم يرو هذا الحديث عن أبي خالد الدالاني إلا كثير، ولا عن كثير إلا معاوية بن يحيى، تفرّد به علي بن عيَّاش». هذا إسناد ضعيف؛ فيه كثير بن مروان، قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه " (٤٩٩٧) برواية الدوري: «ضعيف»، وقال عنه أبو حاتم فيما نقله ابن حجر في " لسان الميزان " ٦/ ٤١٤ (٦٢٠٨): «يكذب (١) في حديثه ولا يحتج به»، وقال النسائي فيما نقله ابن حجر في " تعجيل المنفعة " ٢/ ١٤٧: «ليس حديثه بشيء»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٢٢٥: «منكر الحديث جداً، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب»، وذكره الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (٤٤٧). وأخرجه: الخطيب في " الموضح " ٢/ ١٥٩ من طريق عباد بن كثير، عن سيار الواسطي، عن إسحاق، به، وزاد في أوله: «لا تتصبحوا». ونقل الخطيب عن الدارقطني أنَّه، قال: «تفرّد به أبو الحكم سيار بن وردان، عن إسحاق، وتفرّد به عنه عباد بن كثير، ولم يروه عنه غير إسماعيل ابن عيّاش». هذا إسناد ضعيف؛ فيه عباد بن كثير الثقفي البصري، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٤٣١٩) برواية الدوري: «في حديثه ضعف» ومرة قال فيه (٣٢٩٧): «ليس بشيء»، و قال البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ٣٢٢

стр. 813

(٧٧١٣): «سكن مكة، تركوه»، وقال أبو حاتم وأبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ١٠٣ (٤٣٤): «ضعيف الحديث»، وقال أبو داود كما في " سؤالات الآجري " (٦٧٥): «متروك الحديث»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٠٨): «متروك الحديث»، وقال الدارقطني فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ٥٣ (٣٠٧٨): «ضعيف». وروي هذا الحديث موقوفاً عن عمر. أخرجه: ابن نصر في " قيام الليل " (١): ٤٠ كما في "السلسلة الصحيحة" (١٦٤٧). وقال الألباني: «وهو وإنْ كان موقوفاً، فمثله لا يقال من قِبَل الرأي، بل فيه إشعار بأنَّ هذا الحديث كان معروفاً عندهم، ولذلك لم يجد عمر ﵁ ضرورة للتصريح برفعه، والله أعلم». قلت: هذا الكلام قد يكون له وجه إذا كانت الرواية ثابتة عن عمر بن الخطاب ﵁، ولكن الحديث روي كما نقله الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٦٤٧) عند ابن نصر في " قيام الليل ": ٤٠ من طريق مجاهد، قال: بلغ عمر ﵁ أنَّ عاملاً له لا يَقِيل، فكتب إليه: أما بعد فقِلْ فإنَّ الشيطان لا يَقيل. وهذا كما ترى من رواية مجاهد عن عمر، وليس لمجاهد رواية عن عمر، بل هو لم يدركه فكيف يحدث عنه (٢)؟!. قال أبو حاتم كما في " العلل " لابنه (٢١٧٩): «مجاهد لم يلق عمر». وهذا الأثر معلق قال المروزي: «وعن مجاهد». وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٧٥٤). وللحديث شاهد من حديث ابن عباس. فأخرجه: ابن ماجه (١٦٩٣)، وابن خزيمة (١٩٣٩) بتحقيقي، والحاكم

стр. 814

١/ ٤٢٥، والضياء في " المختارة " ١١/ ٤٠١ (٤٢٣) من طريق زمعة ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: «استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل». وأخرجه: الطبراني في " الكبير" (١١٦٢٥) من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل، وبأكل السحر على صيام النهار». غير أنَّ الشاهد لا يصح لضعف زمعة، قال ابن خزيمة: «باب الأمر بالاستعانة على الصوم بالسحور إن جاز الاحتجاج بخبر زمعة بن صالح، فإنَّ في القلب منه لسوء حفظه»، وقال الحاكم: «زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام ليسا بالمتروكين اللذين لا يحتج بهما، لكن الشيخين لم يخرجاه عنهما، وهذا من غرر الحديث في هذا الباب»، ولخص الحافظ القول فيه في " التقريب " (٢٠٣٥) فقال: «ضعيف». وهناك شواهد صحيحة، لكنها فعلية لا قولية منها، ما أخرجه البخاري ٢/ ١٧ (٩٣٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي: «ما كنا نَقِيلُ ولا نتغدى إلا بعد الجمعة». ومنها ما أخرجه البخاري أيضاً ٢/ ١٧ (٩٤٠) من حديث أنس: «كُنَّا نُبكرُ إلى الجمعة ثم نقيلُ». وقد ينفرد من في ضبطه شيء بحديث صحيح، فيستنكر من حديثه، ويصح المتن من حديث غيره، مثاله: روى سويد بن سعيد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «الحَسَنُ والحُسَينُ سَيّدا شَبابِ أَهلِ الجنَّةِ». أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٢٦١٥)، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٩/ ٢٣١ وفي ط. الغرب ١٠/ ٣٢٠، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٤/ ١٤٦ و ٢٤/ ٣١٩ من طريق سويد بن سعيد، بهذا الإسناد.

стр. 815

هذا الحديث متنه صحيح مشهور ومعروف إلا أنَّه بهذا الإسناد معلول، أعلّه يحيى بن معين بتفرّد سويد بن سعيد بهذه الرواية. حيث نقل الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " ٩/ ٢٣١ وفي ط. الغرب ١٠/ ٣٢٠، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٢٤/ ٣١٩، والمزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٣٣٨، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١١/ ٤١٦ عن أبي القاسم حمزة بن يوسف السَّهمي أنَّه قال: «سألت الدارقطني عن سويد بن سعيد، فقال: تكلم فيه يحيى بن معين وقال: حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد: أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: «الحسنُ والحسينُ سيدا شباب أهل الجنةِ»، قال يحيى بن معين: وهذا باطل عن أبي معاوية لم يروه غير سويد بن سعيد وجُرح سويد بروايته لهذا الحديث. قال الشيخ أبو الحسن الدارقطني: فلم يزل يُظن أنَّ هذا كما قال يحيى، وأنَّ سويداً أتى أمراً عظيماً في روايته هذا الحديث حتى دخلت مصر في سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، فوجدت هذا الحديث في مسند أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي المعروف بالمنجنيقي وكان ثقة، روى عن أبي كريب، عن أبي معاوية كما قال سويد سواء، وتخلّص سويد وصحّ الحديث عن أبي معاوية». وحتى لو صحّ هذا النقل، وتوبع سويد على روايته لهذا الحديث فيبقى ضعيفاً؛ لأنَّ فيه عطية العوفي، إذ قال عنه يحيى بن معين فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٨٤: «ضعيف إلا أنَّه يكتب حديثه»، وقال أحمد بن حنبل في " الجامع في العلل " ١/ ٢٠١ (١٢٢٤): «ضعيف الحديث»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٦/ ٥٠٣ (٢١٢٥): «ضعيف الحديث، يكتب حديثه»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٨١): «ضعيف»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١٦٦: «سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث (١) فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله ﷺ بكذا (٢) يحفظه، وكناه أبا سعيد ويروي عنه فإذا قيل له: من

стр. 816

حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنَّه يريد أبا سعيد الخدري وإنَّما أراد به الكلبي، فلا يحل كتب حديثه إلا من جهة التعجب». وروي الحديث من طرق أخر عن أبي سعيد من غير طريق عطية. فأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٢٧١٣)، وأحمد ٣/ ٣ و ٦٢ و ٦٤ و ٨٢، والترمذي (٣٧٦٨)، والنسائي في " الكبرى " (٨١٦٩) و (٨٥١٤) و (٨٥٢٥) - (٨٥٢٨) ط. العلمية و (٨١١٣) و (٨٤٦١) و (٨٤٧٢) - (٨٤٧٥) ط. الرسالة، وأبو يعلى (١١٦٩)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١٩٦٧) وفي (تحفة الأخيار) (٦٤٢١)، وابن حبان (٦٩٦٩)، والطبراني في " الكبير " (٢٦١٠) - (٢٦١٣)، والحاكم ٣/ ١٦٦ - ١٦٧، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٧١ وفي " تاريخ أصبهان "، له (١٨٤٧)، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٤/ ٢٠٧ و ١١/ ٩٠ وفي ط. الغرب ٥/ ٣٣٨ و ١٢/ ٣٧٨، والبغوي (٣٩٣٦)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥/ ٣٦٦ و ١٤/ ٤٥ و ٤٦ و ١٤٦ و ١٥/ ٢٢٥ و ٦٨/ ١٩ و ٢٠ من طرق عن عبد الرحمان بن أبي نُعْم. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٢٦١٤) وفي " الأوسط "، له (٥٦٤٤) كلتا الطبعتين من طريق عطاء بن يسار. كلاهما: (عبد الرحمان، وعطاء) عن أبي سعيد الخدري، به زاد بعضهم: «إلا ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا» وبعضهم زاد: «وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم ابنة عمران». قال الحاكم: «هذا حديث قد صحّ من أوجه كثيرة وأنا أتعجب أنَّهما لم يخرجاه» (١). انظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٣٧١ (٤١٣٤)، و" أطراف المسند " ٦/ ٢٧٤ (٨٣٠٥).

стр. 817

وقد ينفرد راوٍ بحديث فيُعله قوم بتفرد راويه به، مع أنَّ الصواب في الحديث الصحة، وعدم صحة ذلك الإعلال، مثاله (١): روى صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة - مولى ابن الأزرق - أنَّ المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار- أخبره أنَّه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: سأل رجلٌ رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّا نركبُ البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإنْ توضأنا به عطشنا، أفنتوضأُ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : «هوَ الطَّهُورُ ماؤهُ الحِلُّ مَيتتُهُ» (٢). أخرجه: مالك في " الموطأ " (٤٥) برواية الليثي و (٥٣) برواية أبي مصعب الزهري، والشافعي في " المسند " (١) بتحقيقي وفي " الأم "، له ١/ ٣ وفي ط. الوفاء ٢/ ٥، وأحمد ٢/ ٢٣٧ و ٣٦١ و ٣٩٢، والدارمي (٧٢٩) و (٢٠١١)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ٣٩٣ (١٥٩٩)، وأبو داود (٨٣)، وابن ماجه (٣٨٦) و (٣٢٤٦)، والترمذي (٦٩)، والنَّسائي ١/ ٥٠ و ١٧٦ و ٧/ ٢٠٧ وفي " الكبرى "، له (٥٨) كلتا الطبعتين، وابن الجارود (٤٣)، وابن خزيمة (١١١) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " (١٥٨)، وابن حبان (١٢٤٣)، والدارقطني ١/ ٣٥ ط. العلمية و (٨٠) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ١٤٠ - ١٤١، والبيهقي ١/ ٣ وفي " المعرفة "، له (٢) و (٣) و (٤) ط. العلمية و (٤٦٧) و (٤٧٢) و (٤٧٣) ط. الوعي، والخطيب في "تاريخ بغداد " ٧/ ١٣٩ و ٩/ ١٢٩ وفي ط. الغرب ٨/ ٩ و ١٠/ ١٨٧، والبغوي (٢٨١)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ١٦٩ (٢٢٧٣) من طريق صفوان بن سليم، به. أقول: هذا حديث صحيح، صححه عدد من الأئمة منهم: البخاري فيما

стр. 818

نقله عنه الترمذي في " العلل الكبير ": ١٣٥ (٢٣) قال: «سألت محمداً عن حديث مالك، عن صفوان بن سليم، فقال: هو حديث صحيح»، والترمذي، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن السكن، وابن حبان، وابن المنذر، والدارقطني، وابن منده، والحاكم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي، والبغوي، وابن الملقن، وآخرون. انظر: " علل الدارقطني " ٩/ ١٣ س (١٦١٤)، و" تحفة المحتاج " ١/ ١٣٦، و " التلخيص الحبير " ١/ ١١٨ - ١١٩ (١)، و" نيل الأوطار " ١/ ١٧. وقد تعقّب ابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ١٠٧ صنيع البخاري في تصحيح هذا الحديث، فقال: «لا أدري ما هذا من البخاري ﵀، ولو كان عنده صحيحاً لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده، ولم يفعل؛ لأنَّه لا يعول في الصحيح إلاَّ على الإسناد، وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده وهو عندي صحيح؛ لأنَّ العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به»، إلا أنَّ ابن دقيق العيد وابن حجر رحمهما الله ردا هذا الكلام، فأما ابن دقيق العيد فقال: في " شرح الإلمام " كما في " البدر المنير " ١/ ٣٥٠: «قوله: لو كان صحيحاً لأخرجه في كتابه: غير لازم؛ لأنَّه لم يلتزم إخراج كل حديث صحيح». وأما الحافظ ابن حجر فقال: «وهذا مردود؛ لأنَّه لم يلتزم الاستيعاب، ثمَّ حكم ابن عبد البر مع ذلك بصحته؛ لتلقي العلماء له بالقبول، فردَّه من حيث الإسناد، وقبله من حيث المعنى، وقد حكم بصحَّة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا، ولا تقاربه». " التلخيص الحبير " ١/ ١١٨ - ١١٩ (١). وحديث صفوان هذا رغم إجماع عدد كبير من العلماء على تصحيحه، إلاَّ أنَّ الإمام الشافعي ﵀ أعلَّ هذا الحديث بقوله في كتابه " الأم " ١/ ٣ وفي ط. الوفاء ٢/ ٥: «في إسناده من لا أعرفه»، وقال البيهقي ١/ ٣: «وهو الذي أراد الشافعي بقوله: في إسناده من لا أعرفه - يعني: سعيد بن سلمة - أو المغيرة أو هما»، وقال في " المعرفة " (٤٦٩) و (٤٧٠): «وإنَّما لم يخرجه البخاري ومسلم بن الحجاج في الصحيحين؛ لاختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، ولذلك قال الشافعي: في إسناده من لا أعرفه».

стр. 819

قلت: أمَّا سعيد بن سلمة فقد اختلفوا في اسمه، فقيل كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد، وقيل: سلمة بن سعيد، وأصحها سعيد بن سلمة؛ لأنَّها رواية مالك مع جلالته، كما قال ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ٩٧. وهو ثقة كما قال النَّسائي فيما نقله عنه المزي في "تهذيب الكمال " ٣/ ١٦٩ (٢٢٧٣)، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٦/ ٣٦٤. وأما المغيرة بن أبي بردة، فقيل فيه: المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، وقيل: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقال الآجري، عن أبي داود «معروف»، وقال النَّسائي: «ثقة» نقله عنهما المزي في " تهذيب الكمال " ٧/ ١٩١ (٦٧١٦)، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٤١٠، وقال ابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ١٠٧: «وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب»، وقال ابن عبد الحكم: «اجتمع عليه أهل إفريقية أنْ يؤمروه بعد قتل يزيد بن أبي مسلم فأبى» نقله عنه ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ١٠/ ٢٣٠، " والتلخيص الحبير " ١/ ١٢١ (١)، قال في " التلخيص ": «فعلم بهذا غلط من زعم أنَّه مجهول لا يعرف». وبذلك زالت جهالة سعيد والمغيرة (١). ومن ضمن العلل التي ادعى بعضهم وجودها في هذا الحديث قولهم: لم يرو عن المغيرة بن أبي بردة إلاَّ سعيد بن سلمة، ولا عن سعيد بن سلمة، إلاَّ صفوان بن سليم، قال ابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ١٠٦: «أما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه فيما علمت إلاَّ صفوان بن سليم، والله أعلم». قلت: أما صفوان بن سليم فلم ينفرد في الرواية عن سعيد بن سلمة، بل تابعه على ذلك الجلاح أبو كثير (٢)، ورواه عن الجلاح يزيد بن أبي حبيب (٣)،

стр. 820

وعمرو بن الحارث (١)، فأما رواية عمرو فمن طريق ابن وهب (٢)، وأما رواية يزيد، فمن طريق الليث بن سعد (٣) (٤). فمن طريق ابن وهب: أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ٣٩٤ (١٥٩٩)، والبيهقي في " المعرفة " (٧) ط. العلمية و (٤٧٧) ط. الوعي. وأما طريق الليث بن سعد فقد اختلف عليه: إذ أخرجه: أحمد ٢/ ٣٧٨ من طريق قتيبة بن سعيد (٥)، عن الليث بن سعد، عن الجلاح، عن المغيرة، به. ولم يذكر فيه يزيد بن أبي حبيب، ولا سعيد بن سلمة. وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ٣٩٣ (١٥٩٩) من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث (٦). وأخرجه: الحاكم ١/ ١٤١، والبيهقي ١/ ٣ وفي " المعرفة "، له (٥) ط. العلمية و (٤٧٥) ط. الوعي من طريق يحيى بن بكير (٧). كلاهما: (عبد الله، ويحيى) عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح أبي كثير، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، به. فزادوا في هذا الإسناد يزيد وسعيداً. وهذه الرواية هي الصواب، إذ تابع عبد الله بن صالح على ذلك، يحيى بن بكير وهو ثقة في الليث. أما قتيبة فقد تفرد في روايته، والله أعلم،

стр. 821

وبذلك تصح متابعة الجلاح لصفوان بن سليم. ورواه محمد بن إسحاق بن يسار (١)، عن يزيد بن أبي حبيب، إلاَّ أنَّه اختلف عليه في إسناده: فأخرجه: الدارمي (٧٢٨)، والبخاري في " التاريخ الكبير" ٣/ ٣٩٤ (١٥٩٩)، والبيهقي في " المعرفة " (٨) ط. العلمية و (٤٧٩) ط. الوعي من طريق محمد بن إسحاق (٢)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح، عن عبد الله ابن سعيد المخزومي، عن المغيرة (٣)، به. وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ٣٩٤ (١٥٩٩) من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح (٤)، عن سلمة، عن المغيرة، به. وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ٣٩٤ (١٥٩٩) من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة، به. قال البيهقي في " المعرفة " عقب (٨) ط. العلمية و (٤٨٣) ط. الوعي: «الليث بن سعد، أحفظ من محمد بن إسحاق، وقد أقام إسناده، عن يزيد بن أبي حبيب، وتابعه على ذلك: عمرو بن الحارث، عن الجلاح، فهو أولى أنْ يكون صحيحاً». وأما سعيد بن سلمة فلم ينفرد في الرواية عن المغيرة بن أبي بردة، بل تابعه على ذلك يحيى بن سعيد (٥)، ويزيد بن محمد القرشي (٦) كما ستأتي، إلاَّ أنَّ يحيى بن سعيد اختلف عليه فيه.

стр. 822

فأخرجه: عبد الرزاق (٣٢١) من طريق ابن عيينة والثوري (مقرونين). وأخرجه: عبد الرزاق (٨٦٥٧)، والبيهقي في " المعرفة " (١٣) ط. العلمية و (٤٩٢) ط. الوعي، وابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ١٠٧ من طريق سفيان بن عيينة. كلاهما: (ابن عيينة، والثوري) عن يحيى بن سعيد (١)، عن رجل من أهل المغرب يقال له: المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة: أنَّ ناساً من بني مدلج أتوا رسول الله ﷺ ، فذكره مرسلاً. وأخرجه: أبو عبيد في " الطهور " (٢٣٤)، والحاكم ١/ ١٤١، والبيهقي في " المعرفة " (١٠) و (١١) و (١٢) ط. العلمية و (٤٨٨) و (٤٨٩) و (٤٩٠) ط. الوعي من طريق هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة، عن رجل من بني مدلج، عن النَّبيِّ ﷺ . وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٣٨٧) من طريق عبد الرحيم بن سليمان. وأخرجه: أحمد ٥/ ٣٦٥ من طريق يزيد. وأخرجه: الدارقطني في " العلل " ٩/ ١٣ س (١٦١٤) من طريق زفر. وأخرجه: البيهقي في " المعرفة " (١٤) ط. العلمية و (٤٩٣) ط. الوعي من طريق سليمان بن بلال. وأخرجه: البيهقي في " المعرفة " (١٥) ط. العلمية و (٤٩٤) ط. الوعي من طريق أبي خالد. وأخرجه: البيهقي في " المعرفة " (١٦) ط. العلمية و (٤٩٥) ط. الوعي من طريق ابن فضيل. ستتهم: (عبد الرحيم، ويزيد، وزفر، وسليمان، وأبو خالد، وابن فضيل) عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن بعض بني مدلج (٢)، به.

стр. 823

وأخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٨١٨)، والحاكم ١/ ١٤١ - ١٤٢، والبيهقي في " المعرفة " (١٧) ط. العلمية و (٤٩٨) ط. الوعي من طريق حماد، عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة، عن أبيه. وأخرجه: الحاكم ١/ ١٤٢ من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، به. قال ابن حبان فيما نقله ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ١٢٠ (١): «من قال فيه عن المغيرة، عن أبيه، فقد وهم». وأخرجه: البيهقي في " المعرفة " (١٧) ط. العلمية و (٤٩٧) ط. الوعي من طريق حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، عن رجل من بني مدلج. ورواه بحر بن كنيز السقا، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي بردة مرفوعاً. كما في " علل الدارقطني " ٩/ ١٢. قال ابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ١٠٧ - ١٠٨: «والصواب فيه عن يحيى بن سعيد ما رواه ابن عيينة مرسلاً». إلاَّ أنَّ المتتبع لهذه الرواية يجد أنَّ يحيى قد اضطرب فيها اضطراباً شديداً يوجب ضعف هذا الطريق، قال البيهقي في " المعرفة " (٤٩٩): «هذا الاختلاف يدل على أنَّه لم يحفظه كما ينبغي»، وقال أيضاً قبل (١٠): «ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلفت عليه في إسناده من أوجه كثيرة»، وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير " ١/ ١٢٠ (١): «اختلف عليه فيه، والاضطراب منه … - يعني: من يحيى -». أما متابعة يزيد بن محمد القرشي لسعيد بن سلمة فقد: أخرجها: الحاكم ١/ ١٤٢، والبيهقي ١/ ٤ وفي " المعرفة "، له (٩) ط. العلمية و (٤٨٦) ط. الوعي من طريق يزيد بن محمد القرشي (١)، عن المغيرة ابن أبي بردة، به.

стр. 824

قال البيهقي في " المعرفة " عقب (١٨) ط. العلمية: «فصار الحديث بذلك صحيحاً، كما قال البخاري في رواية أبي عيسى عنه، والله أعلم - يعني: متابعة الجلاح، ويزيد بن محمد القرشي (١) -». وقد ورد هذا الحديث من طرق أخرى عن أبي هريرة ﵁، لا تخلو من ضعف كما في " سنن الدارقطني " ١/ ٣٦ - ٣٧ و ٣٧ ط. العلمية و (٨١) و (٨٢) ط. الرسالة، و" مستدرك الحاكم " ١/ ١٤٢. ولهذا الحديث شواهد من حديث جابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وأبي بكر الصديق، وعبد الله ابن عمرو ﵃. قال أبو علي بن السكن فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ١٢١ (١): «حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب». فأخرجه: أحمد ٣/ ٣٧٣ وفي "الجامع في العلل"، له ٢/ ٩٤ (٧٨٠)، ومن طريقه ابن ماجه (٣٨٨)، وابن الجارود (٨٧٩)، وابن خزيمة (١١٢) بتحقيقي، وابن حبان (١٢٤٤)، والدارقطني ١/ ٣٤ ط. العلمية و (٧٠) ط. الرسالة، والبيهقي ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، والخطيب في " المتفق والمفترق " (٨١٢)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٤٠١ (٨١٦٨) من طريق إسحاق بن حازم، عن عبيد الله بن مِقْسم، عن جابر بن عبد الله ﵁، به. هذا الحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان من هذا الطريق، وخالفهم في ذلك ابن منده، فقال فيما نقله عنه ابن الملقن في " البدر المنير " ١/ ٣٦١: «وقد روى هذا الحديث عبيد الله بن مقسم، عن جابر، والأعرج، عن أبي هريرة ولا يثبت»، وقال ابن الملقن: «قال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": عندي أنَّ قول أبي علي ابن السكن في تقوية حديث جابر أقوى من قول ابن منده، وذلك أنَّ عبيد الله بن مِقْسم مذكور في المتفق عليه بين الشيخين،

стр. 825

وإسحاق المدني، وثقه أحمد ويحيى، وقال أبو حاتم: صالح». وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٧٥٩)، والدارقطني ١/ ٣٤ ط. العلمية و (٦٩) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ١٤٣ من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. قال ابن الملقن في " البدر المنير " ١/ ٣٦٣: «وهذا سند على شرط الصحيح إلا أنَّه يُخشى أنْ يكون ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير؛ فإنَّه مدلس وأبو الزبير مدلس أيضاً وقد عنعنا في هذا الحديث». وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ١٢٢ (١): «وإسناده حسن، ليس فيه إلاَّ ما يخشى من التدليس». انظر: "نصب الراية" ١/ ٩٦، و"تحفة المحتاج" ١/ ١٣٦، و"مجمع الزوائد" ١/ ٢١٥ و"تحفة الأشراف" ١٠/ ٢٢٩ (١٤٦١٨)، و"التلخيص الحبير" ١/ ١١٧ (١)، و"إتحاف المهرة" ١٥/ ٦١٠ (١٩٩٨٦)، و"أطراف المسند" ٨/ ٦١ (١٠٣٠٩)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٤٨٠)، و"إرواء الغليل" ١/ ٤٢ (٩). ومما انفرد به راويه الخفيف الضبط واختلف في إسناده ومتنه ما روى عبد الله بن عثمان بن خثيم (١): أنَّ أبا بكر بن حفص (٢) بن عمر أخبره: أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ، قال: صلَّى معاويةُ بالمدينةِ صلاةً جهَرَ فيها بالقراءة بسم الله الرحمن الرحيم لأُمِ القرآن، ولم يقرأ بها للسُّورة التي بعدَها حتّى قَضَى تلكَ القراءةَ، ولم يُكبِّر حين يهوي حتَّى قَضى تلكَ الصلاةَ، فلما سلَّمَ ناداهُ من سَمِعَ ذلك منَ المهاجرينَ منْ كلِ مكانٍ: يا معاويةُ، أسَرقْتَ الصلاةَ أمْ نسيتَ؟ فلما صلى بعدَ ذلكَ قرأ بسم الله

стр. 826

الرحمن الرحيم للسُّورةِ التي بعدَ أم القرآنِ وكبَّرَ حينَ يهوي ساجداً. أخرجه: الشافعي في " مسنده " (٢٠٥) بتحقيقي وفي " الأم "، له ١/ ١٠٨ وفي ط. الوفاء ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦، ومن طريقه الدارقطني ١/ ٣١٠ ط. العلمية و (١١٨٧) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٢٣٣، والبيهقي ٢/ ٤٩ وفي "المعرفة"، له (٧١٤) ط. العلمية و (٣٠٨٦) ط. الوعي من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، به. قال الدارقطني: «رواته كلهم ثقات»، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم». وأخرجه: البيهقي ٢/ ٤٩ من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان به، إلا أنَّه قال: فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها. وأخرجه: عبد الرزاق (٢٦١٨) عن ابن جريج به، ولم يذكر أنساً. هذا الحديث معلول فيه عبد الله بن عثمان بن خثيم وهو متكلم فيه، قال عنه يحيى بن معين فيما نقله ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٠٧٠)، والذهبي في "الميزان" ٢/ ٤٥٩ (٤٤٤٢): «أحاديثه ليست بالقوية» وقال أخرى فيما نقله الذهبي في " الميزان" ٢/ ٤٥٩ (٢٤٤٢): «ثقة حجة»، وقال أبو حاتم فيما نقله الذهبي في " الميزان " ٢/ ٤٦٠ (٤٤٤٢): «ما به بأس صالح الحديث» وقال أخرى: «لا يحتج به». زيادة على ما قيل فيه فإنَّه انفرد به واضطرب. أما اضطرابه فيه فقد اختلف فيه بالسند والمتن. أما في السند فرواه فيما سبق عن أبي بكر بن حفص بن عمر. ورواه مرة أخرى عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه: أنَّ معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع … . أخرجه: الشافعي في " مسنده " (٢٠٦) بتحقيقي وفي " الأم "، له ١/ ١٠٨

стр. 827

وفي ط. الوفاء ٢/ ٢٤٦، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٤٩ - ٥٠ وفي "المعرفة "، له (٧١٥) ط. العلمية و (٣٠٨٧) ط. الوعي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، به. وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (٢٠٧) بتحقيقي وفي " الأم "، له ١/ ١٠٨ وفي ط. الوفاء ٢/ ٢٤٦، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٥٠ وفي " المعرفة "، له (٧١٦) ط. العلمية و (٣٠٨٨) ط. الوعي قال: أخبرنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن معاوية والمهاجرين والأنصار. وقال الشافعي: «مثله أو مثل معناه لا يخالفه، أحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول» (١). هكذا ذهب ﵀ بتخريج رواية إبراهيم بن محمد، ويحيى بن سليم على رواية ابن جريج، وهي وجهة نظره ﵀ ولكن قواعد التحديث تأبى مثل هكذا ترجيح، ولا تستسيغه مناهج المحدثين، فابن جريج أوثق من الاثنين معاً، ومن مثلهما، فروايته هي المحفوظة، والله أعلم. وأخرجه: الدارقطني ١/ ٣١٠ ط. العلمية و (١١٨٨) ط. الرسالة من طريق إسماعيل بن عيّاش، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده: أنَّ معاوية … . قال البيهقي ٢/ ٥٠: «ورواه إسماعيل بن عيّاش، عن ابن خثيم، عن

стр. 828

إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده: أنَّ معاوية قدم المدينة، ويحتمل أنْ يكون ابن خثيم سمعه منهما، والله أعلم». وقال الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ٣٥٤: «ورواه ابن خثيم أيضاً عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، فزاد ذكر الجد كذلك، رواه عنه إسماعيل بن عياش». قلت: وهذه الرواية ضعيفة، فيها إسماعيل بن عيّاش - وهو الحمصي - قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (٥١٤٦) برواية الدوري: «كان إسماعيل ابن عياش أحب إلى أهل الشام من بقية بن الوليد»، وقال أبو إسحاق الفزاري فيما نقله الخطيب في " تاريخ بغداد " ٦/ ٢٢١ وفي ط. الغرب ٧/ ١٩٤: «ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه»، وقال البخاري في "التاريخ الكبير " ١/ ٣٤٦ (١١٦٩): «ما روى عن الشاميين فهو أصح»، وقال العقيلي في " الضعفاء الكبير " ١/ ٨٨: «إذا حدّث عن غير أهل الشام اضطرب وأخطأ» وعبد الله بن عثمان بن خثيم هو مكيٌّ. أما اضطرابه في المتن، فيقول مرة: جهر فيها بالقراءة بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها كما عند الشافعي في "المسند" (٢٠٥) بتحقيقي، ومرة يقول: ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع كما عند البيهقي ١/ ٤٩ - ٥٠، ومرة يقول: فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأها للسورة التي بعدها كما عند الدارقطني ١/ ٣١٠، والبيهقي ٢/ ٤٩، ومرةً يقول: لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين افتتح القرآن. وهنا الاضطراب في السند والمتن يدل على عدم ضبطه للحديث مما يؤدي إلى ضعفه، وقد أجاد وأفاد الزيلعي في نقده لهذا الحديث، فقال: «قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ورواه الدارقطني، وقال: رواته كلهم ثقات، وقد اعتمد الشافعي ﵀ على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر، وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب. والجواب عنه من وجوه:

стр. 829

أحدها: أنَّ مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو وإنْ كان من رجال مسلم لكنَّه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنَّه قال: «أحاديثه غير قوية»، وقال النَّسائي: «لين الحديث، ليس بالقوي فيه»، وقال الدارقطني: «ضعيف ليّنوه»، وقال ابن المديني: «منكر الحديث». وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرد به، مع أنَّه اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضاً من أسباب الضعف، أما في «إسناده» فإنَّ ابن خثيم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص، عن أنس، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، وقد رجح الأولى البيهقي في كتاب " المعرفة " لجلالة راويها، وهو ابن جريج، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية، ورواه ابن خثيم أيضاً عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، فزاد ذكر الجد كذلك، رواه عنه إسماعيل بن عيّاش، وهي عند الدارقطني، والأولى عنده وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي. وأما «الاضطراب في متنه» فتارة يقول: صلى، فبدأ «ببسم الله الرحمن الرحيم» لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، كما تقدم عند الحاكم، وتارة يقول: فلم يقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم» حين افتتح القرآن، وقرآ بأم الكتاب، كما هو عند الدارقطني في رواية إسماعيل بن عيّاش، وتارة يقول: فلم يقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم» لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها، كما هو عند الدارقطني في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند والمتن مما يوجب ضعف الحديث، لأنَّه مشعر بعدم ضبطه. والوجه الثاني: إنَّ شرط الحديث الثابت أنْ لا يكون شاذاً، ولا معللاً، وهذا شاذ معلل، فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات عن أنس، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجاً به، وهو مخالف لما رواه عن النَّبيِّ ﷺ وعن خلفائه الراشدين؟!، ولم يعرف عن أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنَّه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنساً كان مقيماً بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحداً علمناه أنَّ أنساً كان معه، بل الظاهر أنَّه لم يكن معه، والله أعلم.

стр. 830

الوجه الثالث: أنَّ مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنَّه يجهر بها إلا شيء يسير، وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم فكيف ينكرون على معاوية ما هو شبههم؟ هذا باطل. الوجه الرابع: أنَّ معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة، كما نقلوه، لكان هذا معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها. وبالجملة، فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما، أو عدم أحدهما، وكيف تكون صحيحة وليست مخرجة في شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة؟ وفي روايتها الكذابون، والضعفاء، والمجاهيل … » انظر: "نصب الراية" ١/ ٣٥٤، و"إتحاف المهرة" ٢/ ٣٩٥ (١٩٧٥). ومما حصل فيه التفرد، ويُعد تفرداً مطلقاً ونسبياً (١) ما روى الدراورديُّ، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا سجدَ أحدُكم فلا يبركْ كما يبركُ البعيرُ، وليضعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ». أخرجه: أحمد ٢/ ٣٨١، والبخاريُّ في " التاريخ الكبير " ١/ ١٤١ (٤١٨)، وأبو داود (٨٤٠)، والنَّسائيُّ ٢/ ٢٠٧ وفي " الكبرى "، له (٦٧٨) ط. العلمية و (٦٨٢) ط. الرسالة، والطحاويُّ في " شرح معاني الآثار " ١/ ٢٥٤ وفي ط. العلمية (١٤٧٧) و (١٤٧٨) وفي " شرح مشكل الآثار "، له (١٨٢) وفي (تحفة الأخيار) (٧٠٠)، والدارقطنيُّ ١/ ٣٤٤ ط. العلمية و (١٣٠٤) و (١٣٠٥) ط. الرسالة، وتمام في "فوائده" كما في " الروض البسام " (٣٣٥)، وابن حزم في

стр. 831

" المحلى " ٤/ ٨٤، والبيهقيُّ ٢/ ٩٩ و ١٠٠، والبغويُّ (٦٤٣)، والحازميُّ في " الاعتبار ": ١٢١ ط. الوعي و (٨٦) ط. ابن حزم، وابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (٥٢٢) من طرق عن الدراورديِّ، بهذا الإسناد. هذا الحديث مشهور متداول بين الفقهاء، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تقويته، إلا أنَّ هذا الحديث معلول سنداً ومتناً، أما علة سنده: فقد تفرّد به الدراوردي، قال الدارقطنيُّ فيما نقله عنه المنذريُّ في " مختصر سنن أبي داود " (٨٠٤): «تفرّد به الدراورديُّ عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد»، فتعقّبه المنذريُّ قائلاً: «وفيما قاله الدارقطنيُّ نظر، فقد روى نحوه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن حسن. وأخرجه: أبو داود، والترمذيُّ، والنَّسائيُّ من حديثه»، وقال أبو بكر بن أبي داود السجستانيُّ: «وهذه سُنّة تفرّد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان هذا أحدهما، والآخر عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ». قلتُ: القول قول الدارقطنيِّ؛ لأنَّ عبد الله بن نافع خالف الدراورديَّ ولم يتابعه، فقد أخرج روايته أبو داود (٨٤١)، والترمذيُّ (٢٦٩)، والنَّسائيُّ ٢/ ٢٠٧ وفي " الكبرى"، له (٦٧٧) ط. العلمية و (٦٨١) ط. الرسالة، والبيهقيُّ ٢/ ١٠٠ من طريق قتيبة بن سعيد، عن عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يعتمدُ أحدُكم في صلاتهِ فيبرك كما يبركُ البعيرُ». قلت: والمتفحص لمضمون الروايتين سيجد أنَّ عبارة: «وليضعْ يديه قبلَ ركبتيهِ» خالف بها الدراورديُّ عبد الله بن نافع، ويكون الدراوردي متفرّداً بها. وقد ذهب الألبانيُّ في " إرواء الغليل " ٢/ ٧٧ (٣٥٧) وتلميذه أبو إسحاق الحوينيُّ (١) إلى أنَّ الدراوردي ثقة من رجال مسلم فلا يضرّ تفرّده بالحديث، وهذا ادعاء بلا دليل، فإنَّ الدراورديَّ صدوق (٢). وقد تكلم أهل العلم في

стр. 832

ضبطه، فقد نقل المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٤/ ٥٢٨ (٤٠٥٨) عن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال: «كان معروفاً بالطلب وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهم، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ»، ونقل ابن طهمان (٢٨٩) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «إذا روى من كتابه فهو أثبت من حفظه» (١)، ونقل عن أبي زرعة قوله فيه: «سيئ الحفظ فربما حدّث من حفظه الشيء فيخطئ»، ونقل عن النَّسائيِّ قوله فيه: «ليس بالقوي»، وقال ابن سعد في " الطبقات " ٥/ ٤٩٢: «وكان كثير الحديث، يغلط»، وذكره ابن حبان في " ثقاته " ٧/ ١١٦ وقال فيه: «وكان يخطئ». فأقوال أهل العلم هذه دليل صريح على اختلال عنصر الضبط عند الدراورديِّ، فلا أدري لأي مسوغ أعطوه منزلة الثقة (٢)؟. بما تقدم يتبين أنَّ حديث الدراوردي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - إذا حدّث من كتابه فهو صحيح. ٢ - إذا حدّث من كتب غيره يخطئ. ٣ - إذا حدّث عن عبيد الله بن عمر فهو في كثير من الأحيان عن عبد الله المكبر وليس عن عبيد الله المصغر، وسيأتي بيان ذلك. ومما يؤكد أنَّ هذا الحديث حدّث به الدراورديُّ من غير كتبه وأنَّه لم

стр. 833

يضبطه، أنَّه رواه كما تقدم، وقال: «وليضعْ يديه قبلَ ركبتيهِ» ورواه عند البيهقيِّ ٢/ ١٠٠ وجاء في روايته: «وليضعْ يديه على ركبتيه» والفرق بين الروايتين واضح جليٌّ، قال البيهقيُّ عقبه: «كذا قال على ركبتيه، فإنْ كان محفوظاً كان دليلاً على أنَّه يضع يديه على ركبتيه عند الإهواء إلى السجود». وكل ما تقدم فإنَّما هو بيان حال السند، وأما علة المتن. فكما تقدم أنَّ رواية الدراورديِّ: «إذا سجد أحدُكم فلا يبركْ كما يبركُ البعير، وليضعْ يديه قبل ركبتيه» ورواية عبد الله بن نافع: «يَعمدُ أحدُكم في صلاتهِ فيبرك كما يبركُ البعيرُ» وظاهر سياق الروايتين التعارض، ففي الأولى يمنع تقدم الركبتين، بل يضع يديه قبلهما، وأما الرواية الأخرى فظاهرها يوحي بمنع وضع اليدين قبل الركبتين، قال: «فيبرك كما يبركُ البعيرُ» والبعير إنَّما يضع يديه ثم ركبتيه، وكما هو ظاهر فإنَّ هاتين الروايتين لا يمكن الجمع بينهما وجاءت رواية ثالثة: «وليضعْ يديهِ على ركبتيه» لتزيد هذا المتن اضطراباً. وقد تكلم أهل العلم في هذا الحديث، فقال الترمذيُّ عقب (٢٦٩): «حديث أبي هريرة حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه»، وقال ابن المنذر في " الأوسط " ٣/ ١٦٧ عقب (١٤٣٢): «وقد زعم بعض أصحابنا أنَّ وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ»، وقال ابن العربيِّ في " عارضة الأحوذي " ٢/ ٦١: «ضعيف»، وقال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ٢٢/ ٢٦٢: «وقيل: إنَّه منسوخ»، وقال ابن القيم في حاشيته مع " تهذيب سنن أبي داود " ١/ ٢٩٣: « .. إنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن التشبه بالجَمَل في بروكه، والجمل إذا برك إنَّما يبدأ بيديه قبل ركبتيه. وهذا موافق لنهيه ﷺ عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، فنهى عن التشبه بالغراب في النقر، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ورفع الأيدي في السلام كأذنابِ الخيل وبروك كبروك البعير» (١).

стр. 834

وقال ﵀ في " زاد المعاد " ١/ ٢١٦ - ٢١٩: «فالحديث والله أعلم قد وقع فيه وهم من بعض الرواة، فإنَّ أوله يخالف آخره، فإنَّه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإنَّ البعير إنَّما يضع يديه أولاً، ولما علم أصحاب هذا القول ذلك، قالوا: ركبتا البعير في يديه لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولاً فهذا هو المنهيُّ عنه وهو فاسد لوجوه: أحدها: أنَّ البعير إذا برك فإنَّه يضع يديه أولاً وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنَّه ينهض برجليه أولاً وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نَهَى عنه ﷺ وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب منها فالأقرب وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى. وكان يضع ركبتيه أولاً ثم يديه ثم جبهته وإذا رفع، رفع رأسه أولاً ثُمَّ يديه ثم ركبتيه وهذا عكس فعل البعير … وذكر نحو كلامه في حاشيته على "سنن أبي داود ". الثاني: أنَّ قولهم: ركبتا البعير في يديه، كلام لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة، وإنَّما الركبة في الرِّجلينِ، وإنْ أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة فعلى سبيل التغليب (١). الثالث: أنَّه لو كان كما قالوه، لقال: فليبركْ كما يبركُ البعيرُ وأنَّ أول ما يمسُ الأرض من البعير يداه، وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمل بروك البعير، وعلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بروك كبروك البعير، علم أنَّ حديث وائل بن حُجر هو الصواب، والله أعلم، وكان يقع لي أنَّ حديث أبي هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنُه وأصلُه، ولعله: «وليضع ركبتيه قبل يديه» … .

стр. 835

وقال ابن حجر في " فتح الباري " ٢/ ٣٧٦ عقب ذكره حديث أبي هريرة: «ولكن إسناده ضعيف»، وقال في " بلوغ المرام " عقب (٣١٠): «وهو أقوى من حديث وائل: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجدَ وضعَ ركبتيهِ قبلَ يديه. أخرجه الأربعة، فإنَّ للأول شاهداً من حديث ابن عمر ﵁ صححه ابن خزيمة، وذكره البخاريُّ معلّقاً موقوفاً»، وقد تعقّبه الصنعاني في " سبل السلام " عقب (٢٩٣) فقال: «وقول المصنف: إنَّ لحديث أبي هريرة شاهداً يقوَى به معارض فإنَّ لحديث وائل أيضاً شاهداً قد قدمناه». قلت: والذين قالوا بوضع الركبتين قبل اليدين أكثر وأتقن من مخالفيهم، فقد قال ابن المنذر في " الأوسط " ٣/ ١٦٦ عقب (١٤٣١): «وبه قال - يعني: بوضع الركبتين - النَّخعيُّ، ومسلم بن يسار، وسفيان الثوري، والشافعيُّ، وأحمد بن حَنْبل، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: يضع يديه إلى الأرض إذا سجد قبل ركبته، كذلك قال مالك، وقال الأوزاعيُّ: أدركتُ الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم»، وقال الخَطّابي في … " معالم السنن " ١/ ١٧٩ - ١٨٠: «واختلف الناس في هذا فذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين وهذا أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل وفي رأي العين»، وقال الطحاوي في " شرح المعاني " عقب (١٤٨٩): «فنظرنا كيف حكم ما اتفق عليه منها ليعلم به كيف حكم ما اختلفوا فيه منها - يعني الآثار- فرأينا الرجل إذا سجد يبدأ بوضع أحد هذين إما ركبتاه، وإما يداه، ثم رأسه بعدهما، ورأيناه إذا رفع بدأ برأسه فكان الرأس مقدماً في الرفع مؤخراً في الوضع، ثم يثني بعد رفع رأسه برفع يديه ثم ركبتيه وهذا اتفاق منهم جميعاً، فكان النظر على ما وصفنا في حكم الرأس إذا كان مؤخراً في الوضع لما كان مقدماً في الرفع أنْ يكون اليدان كذلك لما كانتا مقدمتين على الركبتين في الرفع أنْ تكونا مؤخرتين عنهما في الوضع، فثبت بذلك ما روى وائل، فهذا هو النظر، وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى … ». قلت: حديث أبي هريرة يدور بين الدراوردي وعبد الله بن نافع وبينهما من الاختلاف ما هو ظاهر للعيان، وقد تُكُلِّم في سماع محمد بن عبد الله بن

стр. 836

الحسن من أبي الزناد، قال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ١/ ١٤١ (٤١٨): «ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟» فتعقّبه أحد فضلاء العصر وأقصد به أبا إسحاق الحويني فقال في " نهي الصحبة ": «ليس في ذلك شيء بتة، وشرط البخاريِّ معروف والجمهور على خلافه من الاكتفاء بالمعاصرة إذا أمن من التدليس، وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (١) عنه: وثّقه النَّسائيُّ، وقول البخاريِّ: لا يتابع على حديثه ليس بصريح في الجرح فلا يعارض توثيق النَّسائيِّ انتهى. ومحمد هذا كان يلقب بالنفس الزكية، وهو براء من التدليس، فتحمل عنعنته على الاتصال، قال المباركفوري في " تحفة الأحوذي " ٢/ ١٣٥: وأما قول البخاريِّ: لا يتابع عليه، فليس بمضر فإنَّه ثقة ولحديثه شاهد من حديث ابن عمر وسبقه الشوكاني إلى مثل ذلك في " نيل الأوطار " ٢/ ٢٨٤ وانتصر لذلك الشيخ المحدّث أبو الأشبال أحمد محمد شاكر في تعليقه على " المحلى " ٤/ ١٢٤ - ١٣٠ فقال بعد أنَّ ساق حديث أبي هريرة: وهذا إسناد صحيح ومحمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية وهو ثقة وقد أعل البخاريُّ الحديث بأنَّه لا يدري سمع من محمد بن أبي الزناد أو لا؟ وهذه ليست علة، وشرط البخاري معروف لم يتابعه عليه أحد، وأبو الزناد مات سنة ١٣٠ هـ بالمدينة ومحمد مدني أيضاً غلب على المدينة، ثم قتل سنة ١٤٥ هـ وعمره ٥٣ سنة، فقد أدرك أبا الزناد طويلاً» انتهى كلامه. قلت: هكذا اعترض الشيخ على البخاري ﵀، وهذه الاعتراضات ليست بشيء إذا ما قورنت بما كان عليه الأئمة، مما اشترطوه للصحيح، قال الخطيب في " الكفاية ": ٢٩١: «وأهل العلم بالحديث مجمعون على أنَّ قول المحدث حدثنا: (فلان، عن فلان) صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنَّه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس» انتهى، وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ١/ ٤٨:

стр. 837

«أجمعوا - أي: أهل الحديث- على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة وهي: عدالة المحدّثين في أحوالهم، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا براءً من التدليس .. وهو قول مالك وعامة أهل العلم»، وقال النووي في " شرح صحيح مسلم " ١/ ٣٣: «ومنهم من شرط ثبوت اللقاء وحده (١)، وهو مذهب علي بن المديني، والبخاري، وأبي بكر الصيرفي الشافعي، والمحققين، وهو الصحيح»، وقال أيضاً في ١/ ١٢٤: «وهذا الذي صار إليه مسلم، قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن: علي بن المديني، والبخاري وغيرهما … »، وقال أيضاً: « … ودليل هذا المذهب المختار الذي ذهب إليه ابن المديني، والبخاري، وموافقوهما: أنَّ المعنعن عند ثبوت التلاقي، إنَّما حمل على الاتصال؛ لأنَّ الظاهر ممن ليس بمدلس أنَّه لا يطلق ذلك إلا على السماع، ثم الاستقراء يدل عليه». وقال الحافظ في " هدي الساري ": ١٤: « … وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أنَّ مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل، وعند التأمل يظهر أنَّ كتاب البخاري أتقنُ رجالاً وأشد اتصالاً … ». قلت: هذا هو شرط البخاريِّ في " صحيحه "، وقد نقل الخطيب الإجماع على قبول الخبر الذي جمع تلك الشروط، فلا أدري ما الذي دفع الحويني وشاكراً إلى القول بأنَّ البخاريَّ لم يتابع على شرطه، ثم إنَّ قولهم هذا مصدوم من جهة أخرى فهذه كتب الحديث مليئة بأنَّ فلاناً لقي فلاناً ولم يسمع منه، أو أنَّ فلاناً رأى فلاناً ولم يسمع منه، هكذا اعترض الشيخ أبو إسحاق والشيخ أحمد شاكر على الإمام البخاري مستدلين بكلام ابن التركماني، والمباركفوري، فيا ترى لو صحح البخاري حديثاً ما، وخالفه ابن التركماني وغيره فبقول مَنْ نأخذ؟ لا شك أنَّ قول البخاري له قصب السبق في القبول دون التفات إلى من خالفه. وهذا الكلام حتى لو لم يتبين لنا معتمد البخاري

стр. 838

في تصحيحه للحديث؛ لأنَّه أعرف بما يقول وما يحكم به، فإذا تبعنا البخاري في تصحيحه للحديث فكذلك نتبعه في تضعيفه؛ لأن النقاد عندهم ملكة بمعرفة صحيح الأسانيد من سقيمها، وهم فرسان هذا الفن وإليهم المنتهى في كل نوائبه. وإذا كان لاعتراض ابن التركماني وجاهة عند بعضهم، فإنَّ اعتراضه كهواء في شبك إذا خالف الكبار، وأما عن تدليس محمد، فإنَّ أحداً لم ينص على أنَّ محمداً مدلس، ولكن مطلب استحضار صيغة السماع الصريحة منه حتى ينتفي عندنا احتمال الإرسال الخفي بين الراوي وشيخه، ومنه تعلم سطوع شرط البخاري على شرط مخالفه، وذلك أنَّ البخاري حينما شرط التصريح بالسماع ولو لمرة واحدة، كان هذا الشرط على عموم المرويات، يعني: إذا كان للراوي عن شيخه (١٠٠) حديث شرط أن يصرح بالسماع من المئة مرة واحدة، وأما إذا كان للراوي عن شيخه حديث واحد أو حديثان فهذا سيكون من جملة الغرائب التي يحتاط فيها ما لا يحتاط في غيرها. فإذا كان الراوي ليس من المكثرين، وإنما له من الحديث شيءٌ قليلٌ عوض حديثه بما اشتهر في الباب، وهذا لا ينطبق على المكثرين كالزهري وشعبة والثوري وأضرابهم إذا انفرد أحدهم بحديث ما كان ذلك الانفراد منقبة له لا مثلبة، والله أعلم. وأما ما نقله عن ابن التركماني في " الجوهر النقي " ٢/ ١٠٠ وقد تقدم فنجيب عنه فنقول: ومن قال: إنَّ البخاريَّ جرح محمداً؟ وهل قول الناقد: (فلان لم يتابع على كذا) يعد نَصّاً في التجريح أم أنَّه إشعار بتفرّد الراوي بهذا الإسناد. ثم إنَّ هذا الإسناد: (أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة) هذا أحد الأسانيد الذهبية التي إن صحت ضُربت إليها أكباد الإبل، فعلامَ إذن ينفرد به راوٍ، ولم يتابع عليه، وينفرد عنه راو آخر، وفي الحديث شبهة انقطاع وفيه اختلاف في متنه، فهذا كله ألا يثير في القلب ريبة بإعلاله؟ ثم إنَّ هذا الحديث وبالحالة التي قدمناها اكتسب صفة الغرابة، وقد قال سلف الأمة بالابتعاد عن الغرائب، فقد قال يحيى بن معين في " تاريخه " (٥٤١) برواية الدوري: «ما أكذب الغرائب»، ونقل الخطيب في " الكفاية ": ١٧٢ عن أحمد أنَّه قال: «شر الحديث الغرائب، التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها»، ونقل

стр. 839

عنه أيضاً أنَّه قال: «تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم!»، ونقل عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي قوله: «من اتبع غريب الحديث كذب» وفي: ١٧٣ عن عبد الرحمان بن مهدي يذكر عن شعبة قيل له: من الذي يترك حديثه؟ قال: «الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر، طرح حديثه». وانظر: " تحفة الأشراف " ٩/ ٦٠١ (١٣٨٦٦). وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. فأخرجه: أبو داود برواية ابن العبد كما في " تحفة الأشراف " ٥/ ٤٩٦ (٨٠٣٠)، وابن خزيمة (٦٢٧) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " (١٤٣٠)، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٢٥٤ وفي ط. العلمية (١٤٧٦)، والدارقطنيُّ ١/ ٣٤٣ ط. العلمية و (١٣٠٣) ط. الرسالة، والحاكم ١/ ٢٢٦، ومن طريقه البيهقيُّ ٢/ ١٠٠، والحازميُّ في "الاعتبار": ١٢٠ ط. الوعي و (٨٥) ط. ابن حزم من طريق الدراورديِّ، عن عبيد الله بن عمر - وهو العمري - عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كانَ رسولُ الله ﷺ يفعلُ ذلكَ. قال الحازميُّ عقبه: «هذا حديث يعد في مفاريد عبد العزيز، عن عبيد الله». وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث اعتماداً منهم على ظاهر إسناده، فقال الحاكم: «هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وقال أيضاً: «فأما القلب في هذا فإنَّه إلى حديث ابن عمر أميل، لروايات في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين»، وقال الألبانيُّ في " إرواء الغليل " ٢/ ٧٧ (٧٥٣) عقب نقله كلام الحاكم الشطر الأول منه: «ووافقه الذهبي (١)، وهو كما قالا». قلت: وكل ما تقدم من تصحيح ليس بصحيح، فالحديث معلول بثلاث علل:

стр. 840

الأولى: أنَّه كما تقدم في كلام الحازميِّ تفرّد به الدراورديُّ. الثانية: التعارض بين الرفع والوقف فكما تقدم أنَّه رواه مرفوعاً. وأخرجه: البيهقي ٢/ ١٠٠ عن الدراورديِّ بإسناده موقوفاً. وهذه الرواية أيضاً علّقها البخاريُّ ١/ ٢٠٢ قبيل (٨٠٣) وقال: قال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه. قلت: والملاحظ أنَّ البخاريَّ ﵀ علّق هذه الرواية بصيغة الجزم ما يدل على صحة الموقوف عنده وهو أمر أغلبيٌّ غير مطرد. وقال ابن المنذر في … " الأوسط " ٣/ ١٦٦ قبيل (١٤٣٢): «وقد تكلم في حديث ابن عمرَ، قيل: إنَّ الذي يصح من حديث ابن عمر موقوف»، وقال البيهقيُّ عن الرواية المرفوعة ٢/ ١٠٠: «وما أراه إلا وهماً». وأما العلة الثالثة: فكثير من مرويات الدراورديِّ عن عبيد الله بن عمر إنَّما هي عن أخيه عبد الله بن عمر، قال أحمد فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٤/ ٥٢٨ (٤٠٥٨): «ما حدَّث عن عبيد الله بن عمر فهو عن عبد الله بن عمر»، ونقل عنه أيضاً: «وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر»، وعن النَّسائيِّ أنَّه قال: «ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر»، وهذا القسم الثالث من أقسام حديث الدراوردي الذي سبقت الإشارة إليه. واعتماداً على ما قدمناه من أقوال أهل العلم فإنَّ الإسناد الصحيح لهذا الطريق هو: الدراوردي، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفاً عليه، وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عمر، وقد تقدمت ترجمته مراراً. وقد روي عن ابن عمر أنَّه كان يضع ركبتيه قبل يديه. فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٧١٧) من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه كان يضعُ ركبتيهِ إذا سجدَ قبل يديهِ، ويرفعُ يديه إذا رفعَ قبل ركبتيه. وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، فقد نقل

стр. 841

ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٤٣١ (١٧٣٩) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ليس بذاك»، ونقل عن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال فيه: «كان سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، وكان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٥٢٥): «ليس بالقوي في الحديث». وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إعلال حديث ابن عمر، فقال ابن خزيمة قبيل (٦٢٧): «باب ذكر خبر روي عن النَّبيِّ ﷺ في بدئه بوضع اليدين قبل الركبتين عند إهوائه إلى السجود منسوخ، غلط في الاحتجاج به بعض من لم يفهم من أهل العلم أنَّه منسوخ، فرأى استعمال الخبر والبدء بوضع اليدين على الأرض قبل الركبتين» ثم أخرج حديث ابن عمر. وانظر: " تحفة الأشراف " ٥/ ٤٩٥ (٨٠٣٠). أما حديث وائل بن حجر الذي هو نقيض حديثنا السالف، فقد روي من أربعة طرق. فقد أخرجه: الدارميُّ (١٣٢٠)، وأبو داود (٨٣٨)، وابن ماجه (٨٨٢)، والترمذيُّ (٢٦٨)، والنَّسائيُّ ٢/ ٢٠٧ و ٢٣٤ وفي " الكبرى "، له (٦٧٦) و (٧٤٠) ط. العلمية و (٦٨٠) و (٧٤٤) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٦٢٦) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " ٣/ ١٦٥ (١٤٢٩)، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٢٥٥ وفي ط. العلمية (١٤٨١)، وابن حبان (١٩١٢)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٩٧)، والدارقطنيُّ ١/ ٣٤٤ ط. العلمية و (١٣٠٧) ط. الرسالة، والبيهقيُّ ٢/ ٩٨، والخطيب في "الموضح" ٢/ ٥٠١، والحازمي في " الاعتبار ": ١٢٢ ط. الوعي و (٨٩) ط. ابن حزم من طريق يزيد ابن هارون، عن شريك بن عبد الله النخعيِّ، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يضعُ ركبتيهِ قبلَ يديه إذا سجدَ (١). وقد اختلفت أحكام أهل العلم في هذا الحديث. فقال الترمذيُّ: «وزاد الحسن بن علي في حديثه: قال

стр. 842

يزيد بن هارون: ولم يروِ شريك، عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث»، وقال الترمذي أيضاً عقب (٢٦٨): «هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحداً رواه غير شريك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، يرون أنْ يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه»، وقال الحازميُّ في " الاعتبار ": ١٢٣: «هذا حديث حسن على شرط أبي (١) داود، وأبي عيسى الترمذيِّ، وأبي عبد الرحمان النَّسائيِّ أخرجوه في كتبهم من حديث يزيد بن هارون، عن شريك. ورواه همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ … » (٢)، وقال ابن العربي في " عارضة الأحوذي " ٢/ ٦١: «حديث غريب»، وقال النَّسائيُّ ٢/ ٢٣٥ وفي " الكبرى "، له (٧٤٠) ط. العلمية (٣): «لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون، والله تعالى أعلم»، ونقل الدارقطنيُّ ١/ ٣٤٥ عن ابن أبي داود أنَّه قال: «ووضع ركبتيه قبل يديه، تفرّد به يزيد، عن شريك ولم يحدث به، عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي، فيما يتفرّد به، والله أعلم»، ونقل ابن الملقن في " البدر المنير " ٣/ ٦٥٦ عن الدارقطنيِّ أنَّه قال: «ولم يحدث به عن عاصم غير شريك»، وقال البيهقيُّ ٢/ ٩٩: «هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنَّما تابعه همام من هذا الوجه مرسلاً، هكذا ذكره البخاريُّ وغيره من الحفّاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى»، ونقل الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ٦١٧ (٣٧٩) عن الحازميِّ أنَّه قال: «رواية من أرسل أصح»، وقال ابن السكن فيما نقله عنه ابن الملقن في " البدر المنير " ٣/ ٦٥٧: «إنَّه مختلف فيه». قلت: مما تقدم يفهم أمران: الأول: أنَّ قسماً من أهل العلم أعلوا هذا الحديث بتفرّد يزيد بن هارون، عن شريك وهذه ليست علة؛ لجلالة يزيد بن هارون وعلو شأنه في

стр. 843

هذا الفن، قال ابن الملقن معقباً على كلام النَّسائيِّ: «وهذا لا يقدح في تصحيحه، لجلالة يزيد وحفظه» هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإنَّ يزيد بن هارون مقدم في الرواة عن شريك، قال عنه - أعني: عن شريك - ابن حبان في "الثقات " ٦/ ٤٤٤: « … وكان في آخر أمره يخطئ فيما يروي، تغير عليه حفظه فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط، مثل يزيد بن هارون وإسحاق الأزرق … ». الثاني: أنَّ قسماً أعلوه بتفرّد شريك، وهو ضعيف حين التفرّد، فقد نقل المزيُّ في "تهذيب الكمال" ٣/ ٣٨٥ (٢٧٢٢) عن يحيى بن معين قوله فيه: «شريك ثقة إلا أنَّه لا يتقن، ويغلط ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة»، ونقل عنه أيضاً: «شريك صدوق ثقة إلا أنَّه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه»، ونقل عن معاوية بن صالح أنَّه قال: «وسمعت أحمد بن حَنْبل يقول شبيهاً بذلك» يعني بكلام يحيى المتقدم، ونقل عن عبد الجبار بن محمد الخطابيِّ قوله: «قلت ليحيى بن سعيد: زعموا أنَّ شريكاً إنَّما خلط بأخرةٍ؟ قال: ما زال مخلطاً»، ونقل عن يعقوب بن شيبة أنَّه قال: «شريك صدوق ثقة، سيئ الحفظ جداً»، ونقل عن الجوزجاني أنَّه قال: «شريك سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، مائل»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٣٣٤ (١٦٠٣) عن أبيه أنَّه قال فيه: «وقد كان له أغاليط»، وعن أبي زرعة قوله فيه: «كان كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحياناً». انظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٣٦ (١١٧٨٠). قلت: على ما قدمنا من حال شريك، فإنَّ حاله لا يسمح له بالتفرّد، كما أنَّ شريكاً قد خولف في هذا الحديث، وإنْ كان من خالفه لا يرتقي لمرتبته. فقد أخرج: أبو داود بعيد (٨٣٩) وفي " المراسيل "، له (٤٢)، والطحاوي (١) في " شرح المعاني " ١/ ٢٥٤ وفي ط. العلمية (١٤٨٢)،

стр. 844

والطبراني في " الأوسط " (٥٩١١) كلتا الطبعتين، والبيهقيُّ ٢/ ٩٩ من طريق همام، قال: حدثنا أبو الليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا سجدَ وقعتْ ركبتاهُ إلى الأرض قبلْ أنْ تقع كفّاه. والحديث بهذا الإسناد معلول لا يصح، وذلك أنَّ شقيقاً مجهول، قال الطحاوي في الموضع السابق: «وشقيق أبو الليث هذا فلا يعرف»، وقال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " (٣٦): «هو لا يعرف بغير رواية همام عنه»، وقال ابن حجر في " لسان الميزان " (٣٢٩٧): «لا يعرف»، وقال في " التقريب "، له (٢٨١٩): «مجهول». وعلى جهالة شقيق فإنَّه قد اضطرب في رواية هذا الحديث فكما تقدم رواه عن عاصم بن كليب، عن أبيه. ورواه عند ابن قانع في " معجم الصحابة " (٦٧٨) عن عاصم بن شنتم (١)، عن أبيه، به. قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب " ٤/ ٣٣١: «فإنْ صحت رواية ابن قانع فيشبه أنْ يكون الحديث متصلاً، وإنْ كانت رواية أبي داود هي الصحيحة فالحديث مرسل، وشنتم ذكره أبو القاسم البغوي في " معجم الصحابة " كما قال ابن قانع، وقال: لم أسمع لشنتم ذكراً إلا في هذا الحديث، وقال ابن السكن: لم يثبت، ولم أسمع به إلا في هذه الرواية انتهى، وقد قيل في شهاب بن المجنون جد عاصم بن كليب إنَّه قيل فيه شتير، فيحتمل أنْ يكون شنتم تصحيف من شتير، ويكون عاصم في الرواية هو ابن كليب، وإنَّما نسب إلى جده، والله أعلم». وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جعل هذا الحديث حديث همام، وأعلوا

стр. 845

به حديث شريك، قال الترمذي عقب (٢٦٨): «وروى همام، عن عاصم هذا مرسلاً، ولم يذكر فيه وائل بن حجر»، وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى " ١/ ٣٩٩ عقب ذكره لرواية شريك: «رواه همام، عن عاصم مرسلاً وهمام ثقة». إلا أنَّ ابن الجوزي قال في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (٥١٨): «وهذا لا يضر؛ لأنَّ الراوي قد يرفع وقد يرسل» (١). وقد تعقّب ابنُ الملقن الترمذيَّ، فقال في " البدر المنير " ٣/ ٦٥٧: « … ثم ننبه بعد ذلك لأمور وقعت في كلام الترمذيِّ رحمنا الله وإياه: أولها: قوله: «لا نعرف أحداً رواه غير شريك» وقد علمت من حال كلام الحازميِّ الحافظ أنَّ همام بن يحيى رواه من طريقين وأخرج أبو داود الطريق الثاني، وقد قال الترمذيُّ نفسُهُ بعد ذلك: ورواه عاصم، عن همام مرسلاً (٢). ثانيها: قوله: إنَّ عاصماً رواه عن همام غير معروف، إنَّما رواه همام، عن شقيق، عن عاصم، وكذا ذكره أبو داود، وهو نفسه في علله (٣). وثالثها: نقل مثل ذلك عن يزيد بن هارون أنَّ شريكاً لم يروِ عن عاصم ابن كليب إلا هذا الحديث وأقرّه عليه، وهو عجيب منهما فقد روى شريك، عن عاصم بن كليب عدة أحاديث، أحدها: حديث: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ حينَ افتتحَ الصلاةَ رفعَ يديهِ حيالَ أذنيه، رواه أبو داود (٤)، عن عثمان بن أبي شيبة، عن شريك، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل … » انتهى وذكر حديثين آخرين. وقال ابن القطان أيضاً في " بيان الوهم والإيهام " (٣٦) معقباً على كلام عبد الحق: «كذا قال، وظاهره أنَّ هماماً خالف شريكاً فرواه، عن عاصم
следующие страницы →