ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٤٣١ (١٧٣٩) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه: «ليس بذاك»، ونقل عن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال فيه: «كان سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، وكان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٥٢٥): «ليس بالقوي في الحديث».
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إعلال حديث ابن عمر، فقال ابن خزيمة قبيل (٦٢٧): «باب ذكر خبر روي عن النَّبيِّ ﷺ في بدئه بوضع اليدين قبل الركبتين عند إهوائه إلى السجود منسوخ، غلط في الاحتجاج به بعض من لم يفهم من أهل العلم أنَّه منسوخ، فرأى استعمال الخبر والبدء بوضع اليدين على الأرض قبل الركبتين» ثم أخرج حديث ابن عمر.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٥/ ٤٩٥ (٨٠٣٠).
أما حديث وائل بن حجر الذي هو نقيض حديثنا السالف، فقد روي من أربعة طرق.
فقد أخرجه: الدارميُّ (١٣٢٠)، وأبو داود (٨٣٨)، وابن ماجه (٨٨٢)، والترمذيُّ (٢٦٨)، والنَّسائيُّ ٢/ ٢٠٧ و ٢٣٤ وفي " الكبرى "، له (٦٧٦) و (٧٤٠) ط. العلمية و (٦٨٠) و (٧٤٤) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٦٢٦) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " ٣/ ١٦٥ (١٤٢٩)، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٢٥٥ وفي ط. العلمية (١٤٨١)، وابن حبان (١٩١٢)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٩٧)، والدارقطنيُّ ١/ ٣٤٤ ط. العلمية و (١٣٠٧) ط. الرسالة، والبيهقيُّ ٢/ ٩٨، والخطيب في "الموضح" ٢/ ٥٠١، والحازمي في " الاعتبار ": ١٢٢ ط. الوعي و (٨٩) ط. ابن حزم من طريق يزيد ابن هارون، عن شريك بن عبد الله النخعيِّ، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يضعُ ركبتيهِ قبلَ يديه إذا سجدَ (١).
وقد اختلفت أحكام أهل العلم في هذا الحديث.
فقال الترمذيُّ: «وزاد الحسن بن علي في حديثه: قال
стр. 842
يزيد بن هارون: ولم يروِ شريك، عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث»، وقال الترمذي أيضاً عقب (٢٦٨): «هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحداً رواه غير شريك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، يرون أنْ يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه»، وقال الحازميُّ في " الاعتبار ": ١٢٣: «هذا حديث حسن على شرط أبي (١) داود، وأبي عيسى الترمذيِّ، وأبي عبد الرحمان النَّسائيِّ أخرجوه في كتبهم من حديث يزيد بن هارون، عن شريك. ورواه همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ … » (٢)، وقال ابن العربي في " عارضة الأحوذي " ٢/ ٦١: «حديث غريب»، وقال النَّسائيُّ ٢/ ٢٣٥ وفي " الكبرى "، له (٧٤٠) ط. العلمية (٣): «لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون، والله تعالى أعلم»، ونقل الدارقطنيُّ ١/ ٣٤٥ عن ابن أبي داود أنَّه قال: «ووضع ركبتيه قبل يديه، تفرّد به يزيد، عن شريك ولم يحدث به، عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي، فيما يتفرّد به، والله أعلم»، ونقل ابن الملقن في " البدر المنير " ٣/ ٦٥٦ عن الدارقطنيِّ أنَّه قال: «ولم يحدث به عن عاصم غير شريك»، وقال البيهقيُّ ٢/ ٩٩: «هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنَّما تابعه همام من هذا الوجه مرسلاً، هكذا ذكره البخاريُّ وغيره من الحفّاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى»، ونقل الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ١/ ٦١٧ (٣٧٩) عن الحازميِّ أنَّه قال: «رواية من أرسل أصح»،
وقال ابن السكن فيما نقله عنه ابن الملقن في " البدر المنير " ٣/ ٦٥٧: «إنَّه مختلف فيه».
قلت: مما تقدم يفهم أمران:
الأول: أنَّ قسماً من أهل العلم أعلوا هذا الحديث بتفرّد يزيد بن هارون، عن شريك وهذه ليست علة؛ لجلالة يزيد بن هارون وعلو شأنه في
стр. 843
هذا الفن، قال ابن الملقن معقباً على كلام النَّسائيِّ: «وهذا لا يقدح في تصحيحه، لجلالة يزيد وحفظه» هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإنَّ يزيد بن هارون مقدم في الرواة عن شريك، قال عنه - أعني: عن شريك - ابن حبان في "الثقات " ٦/ ٤٤٤: « … وكان في آخر أمره يخطئ فيما يروي، تغير عليه حفظه فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط، مثل يزيد بن هارون وإسحاق الأزرق … ».
الثاني: أنَّ قسماً أعلوه بتفرّد شريك، وهو ضعيف حين التفرّد، فقد نقل المزيُّ في "تهذيب الكمال" ٣/ ٣٨٥ (٢٧٢٢) عن يحيى بن معين قوله فيه: «شريك ثقة إلا أنَّه لا يتقن، ويغلط ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة»، ونقل عنه أيضاً: «شريك صدوق ثقة إلا أنَّه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه»، ونقل عن معاوية بن صالح أنَّه قال: «وسمعت أحمد بن حَنْبل يقول شبيهاً بذلك» يعني بكلام يحيى المتقدم، ونقل عن عبد الجبار بن محمد الخطابيِّ قوله: «قلت ليحيى بن سعيد: زعموا أنَّ شريكاً إنَّما خلط بأخرةٍ؟ قال: ما زال مخلطاً»، ونقل عن يعقوب بن شيبة أنَّه قال: «شريك صدوق ثقة، سيئ الحفظ جداً»، ونقل عن الجوزجاني أنَّه قال: «شريك سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، مائل»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٣٣٤ (١٦٠٣) عن أبيه أنَّه قال فيه: «وقد كان له أغاليط»، وعن أبي زرعة قوله فيه: «كان كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحياناً».
انظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٣٦ (١١٧٨٠).
قلت: على ما قدمنا من حال شريك، فإنَّ حاله لا يسمح له بالتفرّد، كما أنَّ شريكاً قد خولف في هذا الحديث، وإنْ كان من خالفه لا يرتقي لمرتبته.
فقد أخرج: أبو داود بعيد (٨٣٩) وفي " المراسيل "، له (٤٢)، والطحاوي (١) في " شرح المعاني " ١/ ٢٥٤ وفي ط. العلمية (١٤٨٢)،
стр. 844
والطبراني في " الأوسط " (٥٩١١) كلتا الطبعتين، والبيهقيُّ ٢/ ٩٩ من طريق همام، قال: حدثنا أبو الليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا سجدَ وقعتْ ركبتاهُ إلى الأرض قبلْ أنْ تقع كفّاه.
والحديث بهذا الإسناد معلول لا يصح، وذلك أنَّ شقيقاً مجهول، قال الطحاوي في الموضع السابق: «وشقيق أبو الليث هذا فلا يعرف»، وقال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " (٣٦): «هو لا يعرف بغير رواية همام عنه»، وقال ابن حجر في " لسان الميزان " (٣٢٩٧): «لا يعرف»، وقال في " التقريب "، له (٢٨١٩): «مجهول».
وعلى جهالة شقيق فإنَّه قد اضطرب في رواية هذا الحديث فكما تقدم رواه عن عاصم بن كليب، عن أبيه. ورواه عند ابن قانع في " معجم الصحابة " (٦٧٨) عن عاصم بن شنتم (١)، عن أبيه، به. قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب " ٤/ ٣٣١: «فإنْ صحت رواية ابن قانع فيشبه أنْ يكون الحديث متصلاً، وإنْ كانت رواية أبي داود هي الصحيحة فالحديث مرسل، وشنتم ذكره أبو القاسم البغوي في " معجم الصحابة " كما قال ابن قانع، وقال: لم أسمع لشنتم ذكراً إلا في هذا الحديث، وقال ابن السكن: لم يثبت، ولم أسمع به إلا في هذه الرواية انتهى، وقد قيل في شهاب بن المجنون جد عاصم بن كليب إنَّه قيل فيه شتير، فيحتمل أنْ يكون شنتم تصحيف من شتير، ويكون عاصم في الرواية هو ابن كليب، وإنَّما نسب إلى جده، والله أعلم».
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جعل هذا الحديث حديث همام، وأعلوا
стр. 845
به حديث شريك، قال الترمذي عقب (٢٦٨): «وروى همام، عن عاصم هذا مرسلاً، ولم يذكر فيه وائل بن حجر»، وقال عبد الحق الإشبيلي في
"الأحكام الوسطى " ١/ ٣٩٩ عقب ذكره لرواية شريك: «رواه همام، عن عاصم مرسلاً وهمام ثقة».
إلا أنَّ ابن الجوزي قال في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (٥١٨): «وهذا لا يضر؛ لأنَّ الراوي قد يرفع وقد يرسل» (١). وقد تعقّب ابنُ الملقن الترمذيَّ، فقال في " البدر المنير " ٣/ ٦٥٧: « … ثم ننبه بعد ذلك لأمور وقعت في كلام الترمذيِّ رحمنا الله وإياه:
أولها: قوله: «لا نعرف أحداً رواه غير شريك» وقد علمت من حال كلام الحازميِّ الحافظ أنَّ همام بن يحيى رواه من طريقين وأخرج أبو داود الطريق الثاني، وقد قال الترمذيُّ نفسُهُ بعد ذلك: ورواه عاصم، عن همام مرسلاً (٢).
ثانيها: قوله: إنَّ عاصماً رواه عن همام غير معروف، إنَّما رواه همام، عن شقيق، عن عاصم، وكذا ذكره أبو داود، وهو نفسه في علله (٣).
وثالثها: نقل مثل ذلك عن يزيد بن هارون أنَّ شريكاً لم يروِ عن عاصم ابن كليب إلا هذا الحديث وأقرّه عليه، وهو عجيب منهما فقد روى شريك، عن عاصم بن كليب عدة أحاديث، أحدها: حديث: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ حينَ افتتحَ الصلاةَ رفعَ يديهِ حيالَ أذنيه، رواه أبو داود (٤)، عن عثمان بن أبي شيبة، عن شريك، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل … » انتهى وذكر حديثين آخرين.
وقال ابن القطان أيضاً في " بيان الوهم والإيهام " (٣٦) معقباً على كلام عبد الحق: «كذا قال، وظاهره أنَّ هماماً خالف شريكاً فرواه، عن عاصم
стр. 846
مرسلاً، ورواه شريك، عن عاصم متصلاً كأنَّهما جميعاً روياه عن عاصم، والأمر فيه ليس كذلك عند أبي داود، وإنَّما يرويه همام، عن شقيق، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ هكذا مرسلاً، فهمام إذن لم يروِه عن عاصم، ويؤكد قبح هذا العمل ضعف شقيق الذي عنه رواه همام، فإنَّه شقيق أبو الليث هو لا يعرف بغير رواية همام عنه، فإسقاطه إزالة ضعيف من الإسناد، وهي التسوية، وقد تبين في كتاب " المراسيل " في نفس الإسناد أنَّه شقيق أبو الليث، فاعلم ذلك».
وأما قول الحازميِّ: «رواية من أرسل أصح» فهذا الكلام مدفوع بما قدمناه من حال شريك المُوصِل، وحال شقيق المرسِل، فكيف تقدم رواية راوٍ مجهول العين على راوٍ شهد له أهل العلم بكثرة الطلب، والسعي فيه، ولم ينكر عليه إلا سوء حفظه؟ فلا شك في رجحان رواية شريك، والله أعلم.
وقد روي هذا الحديث عن همام من طريق آخر.
فأخرجه: أبو داود (٧٣٦) و (٨٣٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٦٠)، والبيهقيُّ ٢/ ٩٩ من طريق همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا دخلَ الصلاةَ رفعَ يديهِ وكبّر، ثُمَّ التحفَ بثوبه ثُمَّ وضع يده اليُمنى على اليسرى، فلما أرادَ أنْ يركعَ، قال هكذا بثوبه، وأخرجَ يديهِ، ثُمَّ رفعهما وكبّرَ، وركعَ، فلما أرادَ أنْ يسجدَ وقعتْ ركبتاهُ على الأرضِ قبل كفّيه، فلما سجدَ وضعَ جبهتهُ بينَ كفّيهِ وجافى بين إبطيهِ.
هذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه، فعبد الجبار لم يسمع من أبيه، فقد نقل الترمذيُّ في "العلل الكبير": ٦١٩ (٢٥٠) عن البخاريِّ أنَّه قال: «وعبد الجبارلم يسمع من أبيه، وُلد بعد موت أبيه».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٢٩ (١١٧٦٢).
إلا أنَّ هذا الحديث روي بإسناد متصل، ولكنَّه لا يصح.
فأخرجه: البيهقيُّ ٢/ ٩٩ من طريق سعيد بن عبد الجبار، عن عبد الجبار ابن وائل، عن أمه، عن وائل بن حجر، قال: صليت خلفَ
стр. 847
رسولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ سجدَ وكان أول ما وصل إلى الأرض ركبتاه.
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف سعيد بن عبد الجبار، فقد قال فيه البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٣/ ٤٠٥ (١٦٥١): «فيه نظر»، وقال النَّسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون " (٢٦٥): «ليس بالقويِّ»، وقال ابن عدي في "الكامل " ٤/ ٤٣٨: «وليس لسعيد بن عبد الجبار كثير حديث، إنَّما له عن أبيه، عن جده أحاديث يسيرة نحو الخمسة أو الستة»، وخالف الجميع ابن حبان فذكره في " الثقات " ٦/ ٣٥٠.
وهذا الإسناد أشد ما يقال فيه لين، لحال سعيد، فإنْ قيل: بل هو شديد الضعف لأنَّ البخاريَّ لا يطلق وصف " فيه نظر " إلا عندما يكون الراوي متهماً، بدليل ما قاله الذهبي في " الميزان " ٢/ ٤١٦: «ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالباً»، وقال في ٣/ ٥٢: «وقلّ أنْ يكون عند البخاريِّ رجل فيه نظر إلا وهو متهم» فنقول: الناظر في كلام الإمام الذهبي سيجد قوله: «قلّ» أو: «غالباً» أنَّ هناك أفراداً لا ينطبق عليهم هذا الوصف، فقد أطلق البخاريُّ ﵀ هذا الوصف على جملة من الرواة الذين اتهموا بوضع الحديث كـ: (عثمان بن فائد) (١)، وقالها أيضاً في بعض الرواة الذين يعتبر بهم كـ: (علي بن مسعدة) (٢) و (حيي بن عبد الله المعافري) (٣). والناظر في حال سعيد سيجد أنَّه لم يجرح بما يخل في عدالته، ولم يقدح به ذلك القدح السمين، فيكون عدادُ سعيد بعلي ومسعدة وطبقته (٤).
ومما تقدم يتبين أنَّ حديث وائل بن حجر يروى من أربعة طرق لا يخلو كل منها من مقال، ولكن بجمع بعضها إلى بعض ينتقل الحديث من ضعيف إلى حسن لغيره، وهذه القرينة الأولى القوية في ترجيح حديث وائل على
стр. 848
حديث أبي هريرة ﵄ الذي عانى الغرابة في إسناده، وقد تقدم بيان أنَّ طريق الدراورديِّ منقوض بطريق عبد الله بن نافع، فإذا قدم إسناد الدراوردي على إسناد شريك، قدم حديث وائل؛ لأنَّه يروى من أربعة طرق يعضد بعضها بعضاً.
وأما القرينة الثانية: فإنَّ متن حديث أبي هريرة قد اختلف على الرواة بثلاث صور لا يمكن الجمع بينها، في حين أنَّ حديث وائل لم ينقل عنه غير صورة واحدة، وهذا دليل رجحانه على حديث أبي هريرة.
كما أنَّ لحديث وائل شواهد، إلا أنَّها لا تصح.
فأخرج: ابن أبي شيبة (٢٧١٤)، وأبو يعلى (٦٥٤٠)، والطحاوي في "شرح المعاني" ١/ ٢٥٤ و في ط. العلمية (١٤٨٠)، والبيهقيُّ ٢/ ١٠٠ من طريق محمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد - وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري - عن جده، عن أبي هريرة يرفعه: «إذا سجدَ أحدُكم فليبتدئ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل (١)».
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن سعيد، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٥/ ٨٥ (٣٣٦) عن أحمد أنَّه قال فيه: «منكر الحديث، متروك الحديث»، ونقل البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٥/ ١٥ (٣٠٧) عن يحيى القطان أنَّه قال فيه: «استبان لي كذبه في مجلس»، وقال النَّسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون " (٣٤٣): «متروك الحديث».
قلت: وهذا الحديث لعله مما اقترفته يداه وذلك أنَّ قوله: «فليبتدئ بركبتيه» أغرب بها عن الدراورديِّ وعبد الله بن نافع في حديثيهما، عن أبي هريرة، وأين هذا الراوي المتروك حتى ينفرد عن مثل هذين الراويين، فبمثل هكذا إغرابات وتفرّدات يعرف زيغ الراوي عن جادة الصواب.
وقد روي نحو هذا الحديث عن أنس، ولا يصح.
فأخرجه: الدارقطنيُّ ١/ ٣٤٤ ط. العلمية و (١٣٠٨) ط. الرسالة،
стр. 849
والحاكم ١/ ٢٢٦، وابن حزم في " المحلى " ٤/ ٨٤، والبيهقي ٢/ ٩٩، والحازمي في " الاعتبار ": ١٢٢ ط. الوعي و (٨٨) ط. ابن حزم، وابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (٥١٩) من طريق العلاء بن إسماعيل العطار، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ كبّر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه، ثمَّ ركعَ حتى استقرَ كلُ مفصلٍ منه في موضعهِ، ثم رفعَ رأسَهُ حتى استقرَ كلُ مفصلٍ منه في موضعه، ثم انحطّ بالتكبيرِ، فسبقتْ ركبتاه يديه (١).
قال الدارقطني عقبه: «تفرّد به العلاء بن إسماعيل، عن حفص بهذا الإسناد، والله أعلم»، وقال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة ولم يخرجاه».
قلت: والصواب ليس كما قال الحاكم، فالعلاء بن إسماعيل مجهول، قال ابن حجر في " لسان الميزان " (٥٢٧١): «أخرج له الحاكم في "المستدرك " وسكت عنه الذهبيُّ في تلخيصه»، وقال ابن القيم في "زاد المعاد" ١/ ٢٢١: «مجهول»، وقد تعقّب ابنُ عبد الهادي في " تنقيح تحقيق أحاديث الخلاف " (٥٧٩) الحاكمَ بجعل الحديث على شرط الشيخين فقال: «وليس كما قال، العلاء بن إسماعيل غير معروف». ثم إنَّ حديث حفص بن غياث المحفوظ أنَّه يرويه عن عمر موقوفاً، قال ابن حجر في " لسان الميزان " عقب (٥٢٧١): «وخالفه - يعني: العلاء بن إسماعيل - عمرُ بنُ حفص بن غياث وهو من أثبت الناس في أبيه، فرواه عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وغيره عن عمر موقوفاً عليه، وهذا هو المحفوظ، والله أعلم» انتهى.
وقد أنكر أبو حاتم هذا الحديث، فقال فيما نقله عنه ابنه في " العلل " (٥٣٩): «هذا حديث منكر»، ثم في سماع عاصم من أنس شيء، فإنَّه وإنْ أتى بصيغة تحديث عنه - في غير هذا الحديث - إلا أنَّ العلائي قال في " جامع التحصيل " (٣١٧): «لم يسمع من أنس شيئاً»، فإنْ قيل: فإنَّه قال في "مسند
стр. 850
أحمد " ٣/ ١١١: «سمعت أنساً» فنقول: هذا لم يرد إلا في موضع واحد، والسند هناك معلّق فلا يعوّل عليه.
وقد روي بنحوه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
أخرجه: ابن خزيمة (٦٢٨) بتحقيقي، ومن طريقه ابن حبان كما في "إتحاف المهرة " ٥/ ٩٥ (٥٠٠١)، والبيهقيُّ ٢/ ١٠٠ من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد: كُنَّا نضعُ اليدين قبلَ الركبتينِ فأمرنا بالركبتين قبل اليدين.
وهذا الإسناد مسلسل بالضعفاء فالأول: إبراهيم بن إسماعيل، قال عنه ابن حبان في " الثقات " ٨/ ٨٣: «في روايته عن أبيه بعض المناكير»، وقال العقيلي ١/ ٤٤: «حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، قال: كانَ ابن نمير لا يرضى إبراهيم بن إسماعيل ويضعّفه، قال: روى مناكير». وأما الثاني: إسماعيل بن يحيى، قال عنه الدارقطنيُّ في "الضعفاء والمتروكون " (٨٦): «متروك»، وقال ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٢٧): «قال الأزدي: متروك الحديث».
وأما الثالث: يحيى بن سلمة بن كهيل، فقد قال عنه البخاريُّ في "الضعفاء الصغير " (٣٩٧): «في حديثه مناكير»، وقال عنه النَّسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون " (٦٣١): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطنيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٥٧٤).
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى رد الحديث من هذا الطريق، فقال البيهقيُّ ٢/ ١٠٠: «كذا قال، والمشهور عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق، والله أعلم»، وقال الحازميُّ في " الاعتبار ": ١٢٢: «وأما حديث سعد ففي إسناده مقال، ولو كان محفوظاً لدل على النسخ، غير أنَّ المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق، والله أعلم. وفي الباب أحاديث تشيده»، وذكرَ ابن القيم في " زاد المعاد " ١/ ٢٢٠ للحديث علتين فذكر في الأولى: تضعيفاً ليحيى بن سلمة، وقال: «الثانية: أنَّ المحفوظ من رواية
стр. 851
مصعب بن سعد، عن أبيه هذا، إنَّما هو قصة التطبيق، وقول سعدٍ كُنَّا نصنع هذا، فأمرنا أنْ نضع أيدينا على الركب»، وقال ابن حجر في " فتح الباري " ٢/ ٣٧٦ عقب (٨٠٥): «وهذا لو صح لكان قاطعاً للنزاع، ولكنَّه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل، عن أبيه وهما ضعيفان».
كما رويت آثار عديدة في هذا الباب.
فقد أخرج: عبد الرزاق (٢٩٥٥)، وابن أبي شيبة (٢٧١٥) من طريق الأعمش، عن إبراهيم: أنَّ عمرَ كانَ يضعُ ركبتيه قبلَ يديه.
وهذا إسناد منقطع؛ إبراهيم لم يسمع من عمر شيئاً، فقد نقل ابن أبي حاتم في " المراسيل " (٢٣) عن أبي زرعة و (٢٤) عن أبيه أنَّهما قالا: «إبراهيم النخعيُّ عن عمر مرسل».
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٧١٦) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود: أنَّ عمر كان يقع على ركبتيه.
وهذا إسناد متصل بثقات، فقد ذكر ابن أبي خيثمة في " تاريخه " (٣٨٣٤) و (٣٨٦٠)(١) عن عبد الرحمان بن الأسود، عن أبيه، قال: حججت مع أبي بكر وعمر وعثمان فجردوا الحج.
وأخرجه: الطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٣٣٢ وفي ط. العلمية (١٤٩٠) من طريق الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن أصحاب عبد الله: علقمة والأسود، فقالا: حفظنا عن عمر في صلاته أنَّه خَرَّ بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه.
стр. 852
مما تقدم يتبين أنَّ الأعمش رواه على ثلاثة أوجه، فجعل في الأول الراوي إبراهيم، وفي الثاني الأسود، وفي الثالث إبراهيم، عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود، وهذا يثير في النفس أنْ يكون الأعمش لم يضبط هذه الآثار، وقد يقول قائل: إنَّ هذا اضطراب.
إلا أنَّ مما يبعد أنَّ يكون الأعمش قد اضطرب في هذا الحديث، أنَّ روايات الأعمش كانت عن إبراهيم - وهو النخعي - وعلقمة والأسود وهؤلاء كوفيون، والأعمش كذلك كوفي، وأهل البلد أعرف بحديث بلدهم (١).
وأخرج: عبد الرزاق (٢٩٥٦)، وابن أبي شيبة (٢٧١٩)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٣٣٢ وفي ط. العلمية (١٤٩٢) أنَّ إبراهيم سُئل عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه؟ فكره ذلك، وقال: هل يفعله إلا مجنون (٢)؟.
وبعد هذه الدراسة المستفيضة ظهر أنَّ أدلة من قال بوضع الركبتين أولاً أقوى، وإنْ كان النووي قال في " شرح المهذب " ٣/ ٢٧٤: «ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة».
ومن التفرد النسبي ما تفرد به أهل بلد، مثاله ما روى الحسنُ بن يزيد الأصم، قال: سمعت السُّدِّيَّ إسماعيلَ يذكره، عن أبي عبد الرحمان السُّلَميِّ، عن علي قال: لما تُوفِّي أبو طالب أتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقلتُ: إنَّ عَمَّكَ الشيخَ قد ماتَ، قال: «اذهَبْ فوارهِ، ثمَّ لا تُحدثْ شيئاً حتى تأتيني» قال فواريتُه ثم أتيتُه، قال: «اذهَبْ فاغتسِلْ، ثم لا تُحدثْ شيئاً حتى تأتِيَني» قالَ: فاغتسلتُ ثُمَّ أتيتهُ، قال: فدعا لي بدَعَواتٍ ما يَسُرُّني أنَّ لي
стр. 853
بها حُمْرَ النَّعَمِ وسُودَها، قال: وكانَ عليٌّ إذا غَسَّلَ الميتَ اغتسل (١).
أخرجه: أحمد ١/ ١٠٣، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه" ١/ ١٢٩، وأبو يعلى (٤٢٤)، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ١٧٣، والطبرانيُّ في " الأوسط " (٦٣٢٢) كلتا الطبعتين، والبيهقي ١/ ٣٠٤ و ٣٠٥ من طريق الحسن (٢) بالإسناد المتقدم.
هذا إسناد ضعيف؛ من أجل الحسن بن يزيد، فهو صدوق يهم (٣)، وهذا الحديث معلول بثلاث علل:
الأولى: أنَّ الحسن بن يزيد تفرّد برواية هذا الطريق، قال الطبرانيُّ عقبه: «لم يرو هذا الحديث عن السُّديِّ إلا الحسن (٤) بن يزيد»، وقال البيهقيُّ ١/ ٣٠٥: «تفرّد به الحسن بن يزيد الأصم بإسناده هذا».
الثانية: أنَّ الحسن تكلم في روايته عن السُّديِّ خصوصاً. قال ابن عدي في " الكامل " ٣/ ١٧٢: «عن السُّديِّ ليس بالقويِّ، وحديثه عنه ليس بالمحفوظ». ثمَّ ذكر هذا الحديث، وقال عقبه: «وهذا لا أعلم يرويه عن السُّديِّ غير الحسن هذا، ومدار هذا الحديث المشهور على أبي إسحاق السَّبيعيِّ، عن ناجية بن كعب، عن عليٍّ ﵁»، وقال أيضاً: «وللحسن بن يزيد أحاديث غير ما ذكرته، وهذا أنكر ما رأيت له عن السدي».
قلت: ومقتضى كلامه ﵀ أنَّ هناك أحاديث أخرى منكرة رواها عن السُّديِّ إلا أنَّ هذه الأحاديث - وهي ثلاثة ذكرها - أَنْكَر ما مر عليه.
الثالثة: أنَّ الحسن بن يزيد لم يضبط هذا الحديث، فكما تقدم أنَّه رواه عن السُّديِّ، عن أبي عبد الرحمان السُّلمي.
стр. 854
وأخرجه: البزار (٥٩٢) عن الحسن بن يزيد، عن السُّديِّ، عن سعد ابن عبيدة، عن أبي عبد الرحمان السُّلميِّ، عن عليٍّ، فزاد في الإسناد سعد بن عبيدة، ولعل علة الاضطراب هذه هي التي جعلت ابن عدي يعد هذا الحديث مما استنكر على الحسن، قال الدارقطني في " العلل " ٤/ ١٥٩ س (٤٨٤): «زاد فيه سعد بن عبيدة وهو وهم، والقول الأول أصح» يعني: بإسقاط سعد بن عبيدة.
انظر: " أطراف المسند" ٤/ ٥٠٢ (٦٤٦٤)، و" إتحاف المهرة " ١١/ ٤٨٤ (١٤٤٨١).
قلت: أما طريق أبي إسحاق الذي أشار إليه ابن عدي.
فهو ما أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٩٩، وابن أبي شيبة (١١٢٥٨) و (١١٩٥٢) و (٣٢٦٢٥)، وأحمد ١/ ١٣١، و أبو داود (٣٢١٤)، والنَّسائيُّ ٤/ ٧٩ وفي "الكبرى" (١٩٥) ط. العلمية (١) وفي "خصائص علي"، له (١٤٣)، والدارقطني في " العلل " ٤/ ١٤٦ (٤٧٥)، وابن حزم في " المحلى " ٥/ ٨٣، والبيهقي ٣/ ٣٩٨ وفي " دلائل النبوة "، له ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩، والمزي في" تهذيب الكمال " ٧/ ٣٠٤ (٦٩٤٧) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧٠/ ٢٤٨ من طريق سفيان - وهو الثوري -.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (١١٩٥١) من طريق أبي الأحوص.
وأخرجه: أبو يعلى (٤٢٣)، والخطيب في " تلخيص المتشابه " ٢/ (١١٣٥)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧٠/ ٢٤٨، والذهبي في "السير " ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥ من طريق إبراهيم بن طهمان.
وأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " (٢٩٥٢)، والبيهقيُّ ١/ ٣٠٤ من طريق إسرائيل.
وأخرجه: الطيالسيُّ (١٢٠)، ومن طريقه البيهقيُّ في " دلائل النبوة " ٢/ ٣٤٨، والشافعيُّ في " مسنده " (١٠٢) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقيُّ في " المعرفة "
стр. 855
(٤٦٢) ط. العلمية و (٢١٣١) ط. الوعي. وأحمد ١/ ٩٧، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨، والنسائيُّ ١/ ١١٠ وفي " الكبرى "، له (١٩٣) ط. الرسالة (١)، وابن الجارود (٥٥٠) من طريق شعبة.
وأخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٧٠/ ٢٤٧ من طريق سفيان وإسرائيل وشريك (مقرونين).
وأخرجه: الطيالسي (١٢٢) من طريق يزيد بن عطاء.
وأخرجه: عبد الرزاق (٩٩٣٦) من طريق معمر والثوري (مقرونين).
ثمانيتهم: (سفيان الثوري، وأبو الأحوص، وإبراهيم، وإسرائيل، وشعبة، وشريك، ويزيد، ومعمر) عن أبي إسحاق (٢)، عن ناجية بن كعب، به.
وخالف هؤلاء الرواة إسماعيلُ بن مسلم فقد:
أخرجه: البيهقي ١/ ٣٠٥ من طريق صالح بن مقاتل بن صالح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن الزبرقان، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ فذكره.
وهذا إسناد منكر خالف فيه إسماعيلُ ثمانية من الرواة - فيهم سفيان وشعبة - رووه عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، قال البيهقيُّ عقبه: «هذا غلط، والمشهور عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن عليٍّ كما تقدم، وصالح بن مقاتل بن صالح يروي المناكير، وروي في ذلك عن عليٍّ من قوله» (٣).
وقد توبع أبو إسحاق على الرواية السالفة.
فقد أخرجه: الطبرانيُّ في " الأوسط " (٥٤٩٠) كلتا الطبعتين من طريق زياد بن الحسن بن فرات القزاز، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا جدي فرات
стр. 856
القزاز، عن ناجية بن كعب، به وجاء عنده: «فدعا لي بدعواتٍ ما أحبُ أنَّ لي بها كذا وكذا».
قال الطبراني عقبه: «لم يرو هذا الحديث عن فرات القزاز إلا ابنه
الحسن، ولا عن الحسن إلا ابنه زياد».
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فزياد متكلم فيه، فقد قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " الجرح والتعديل " ٣/ ٤٧٨ (٢٣٩٢): «منكر الحديث»، وقال الدارقطني فيما نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٣/ ٣١٩: «لا بأس به، ولا يحتج به، وأبوه وجده ثقتان»، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٨/ ٢٤٨ وقال ابن حجر في " التقريب " (٢٠٦٧): «صدوق يخطئ». ولعل في تفرّده بهذه الرواية قرينة قوية في رد حديثه هذا.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ١٢٦ (١٠٢٨٧)، و " نصب الراية " ٢/ ٢٨١، و" البدر المنير " ٥/ ٢٣٧، و" أطراف المسند " ٤/ ٤٧٧ (٦٤٠٦)، و" إتحاف المهرة " ١١/ ٦٣٥ (١٤٧٧٦)، و" إرواء الغليل " ٣/ ١٧٠ (٧١٧).
وقد اختلف أهل العلم في تقوية وتضعيف هذا الحديث، فمن ذهب إلى تقويته، ما تقدم من كلام ابن عديٍّ: « .... ومدار هذا الحديث المشهور على أبي إسحاق السبيعيِّ، عن ناجية، عن عليٍّ»، وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " ٢/ ٢٦٩ (٧٥٤): «قال الرافعي: إنَّه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه»، وقال أيضاً عقب نقله تضعيف البيهقي: «ومداره كلام البيهقي على أنه ضعيف ولا يتبين وجه ضعفه»، وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (جزء السيرة): ٢٣٥: «هذا حديث حسن متصل» (١)، وقال الألباني في "الإرواء " ٣/ ١٧٠ (٧١٧): «صحيح»، وقال ابن الملقن في … " البدر المنير " ٥/ ٢٣٨ عقب ذكره بعض طرق هذا الحديث: «وهذه أسانيد جيدة».
وخالفهم جماعة من أهل العلم فضعّفوا هذا الحديث، وعامة أحاديث الباب.
стр. 857
فقد أخرج: البيهقي في " المعرفة " (٤٦٣) ط. العلمية و (٢١٣٥) … ط. الوعي من طريق محمد بن إسماعيل البخاريِّ قال: قال أحمد بن حَنْبل، وعليّ: «لا يصح في هذا الباب شيء»، ونقل البيهقيُّ في ١/ ٣٠٤ عن عليِّ ابن المديني أنَّه قال: «لا يثبت فيه حديث» يعني لا يثبت في الباب حديث، ونقل عنه أيضاً أنَّه قال: «حديث عليٍّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمره أنْ يواري أبا طالب، لم نجده إلا عند أهل الكوفة، وفي إسناده بعض الشيء، رواه أبو إسحاق، عن ناجية، ولا نعلم أحداً روى عن ناجية غير أبي إسحاق» وقال: «وقد روي من وجه آخر ضعيف عن عليٍّ هكذا» فذكر حديث حسن بن يزيد وقد تقدم، وقال ابن الملقن في " البدر المنير " ٥/ ٢٣٩: «وحاصل كلام البيهقيِّ تضعيفه»، وقال النوويُّ في " المجموع " ٥/ ٨٧: «وهو ضعيف، ضعّفه البيهقيُّ».
قلت: إلا أنَّ الراجح هو التضعيف؛ لاتفاق إمامين جليلين من المتقدمين على ذلك، ثم إنَّ من خالفهم لم يبلغ ما بلغوا من المعرفة والخبرة في هذا العلم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلابد من ترجمة لناجية حتى يمكن أنْ نحكم على ما ينفرد به. فقد قال عنه الجوزجاني في " أحوال الرجال " (٤٠) «مذموم»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٣/ ٥٧: «كان شيخاً صالحاً، إلا أنَّ في حديثه تخليطاً لا يشبه حديثه حديث أقرانه الثقات عن علي، فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات فإن احتج به محتج أرجو أنَّه لم يجرح في فعله ذلك»، ونقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ١٠/ ٣٥٨ عن عليِّ بن المديني أنَّه قال فيه: «لا أعلم أحداً روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ٥٥٤ (٢٢٢٣) عن أبيه أنَّه قال: «شيخ».
قلت: وهذه العبارة لا يفهم منها جرح ولا تعديل، قال الذهبيُّ في
"ميزان الاعتدال " ٢/ ٣٨٥ (٤١٧٧): «فقوله: شيخ، ليس هو عبارة جرح، ولهذا لم أذكر في كتابنا أحداً ممن قال فيه ذلك، ولكنها أيضاً ما هي عبارة توثيق، وبالاستقراء يلوح لك أنَّه ليس بحجة، ومن ذلك قوله: يكتب حديثه،
стр. 858
أي ليس هو بحجة». وقال ابن القطّان في " بيان الوهم والإيهام " (٢١٨٤): «فأما قول أبي حاتم فيه (١): «شيخ» فليس بتعريف بشيء من حاله إلا أنَّه مقلّ، ليس من أهل العلم، وإنَّما وقعت له رواية أخذت عنه».
وقد حسن القول فيه بعضهم؛ فقد نقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٨/ ٥٥٤ (٢٢٢٣) عن يحيى بن معين أنه قال: «صالح»، وذكره العجلي في "الثقات " (١٨٣٠) وقال: «كوفيٌّ تابعيٌّ ثقة».
وتعقّب الذهبيُّ قول عليِّ بن المديني: «لا أعلم أحداً روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول» فقال: «بلى وولده يونس بن أبي إسحاق»، وذكره ابن حجر في" التقريب " (٧٠٦٥) وقال «ثقة»، وقال أيضاً في " تهذيب التهذيب " ١٠/ ٣٥٧ مستدلاً على تفريقه بين ناجية بن كعب وبين ناجية بن خَفّاف: «فيخلص من أقوال هؤلاء الأئمة أنَّ الراوي عن عمار حديث التيمم هو ناجية بن خَفّاف أبو خفاف العنزي، وهو الذي روى عن ابن مسعود، وعنه أبو إسحاق وابنه يونس بن أبي إسحاق وغيرهما، وأما ناجية بن كعب الأسديُّ فهو الراوي عن عليِّ بن أبي طالب، فقد قال ابن المديني أيضاً: لا أعلم أحداً روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول».
قلت: ظهر الآن بطلان تعقّب الذهبيِّ على عليِّ بن المديني، وأنَّ يونس ابن أبي إسحاق روى عن ناجية بن خفاف وليس ناجية بن كعب. إلا أنَّ العجيب أنَّ الحافظ ﵀ أقرّ عليَّ بن المديني في تجهيل ناجية في حين أنَّه وثّقه في " التقريب " وكما تقدم.
قلت: فعلى حال ناجية هذا، بَعُدَ قبول تفرّده، وبه يعل الحديث.
وقد روي هذا الحديث من غير طريق ناجية.
فقد أخرجه: البيهقيُّ ١/ ٣٠٥ من طريق إسحاق بن محمد الفرويِّ، قال: حدثنا عليُّ بن أبي عليٍّ اللهبي، عن الزهريِّ، عن علي بن حسين، عن
стр. 859
عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: دخل عليُّ بن أبي طالب على رسول الله ﷺ فأخبره بموت أبي طالب فقالَ: «فاذهبْ فاغسلْهُ ولا تحدثَن شيئاً حتَّى تأتيني» فَغسلتُهُ وواريتُهُ ثُمَّ أتيتُهُ فقالَ: «اذهبْ فاغتسلْ».
قال عقبه: «وهذا منكر، لا أصل له بهذا الإسناد، وعليُّ بن أبي عليٍّ اللهبي ضعيفٌ جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وجرحه البخاريُّ وأبو عبد الرحمان النَّسائيُّ، ويروى عن عليٍّ من وجه آخر هكذا، وإسناده ضعيف، وروي عن عليٍّ من قوله، وليس بالقوي (١)».
стр. 860
قلت: وما يدل على نكارة هذا الحديث أنَّه جاء في الروايات المتقدمة أنَّه قال له: «اذهبْ فوارهِ» في حين جاء في هذه الرواية أنَّه قال له: «اذهبْ فاغسلْهُ».
أما الطريق الموقوف الذي سبقت الإشارة إليه.
فقد أخرجه: البيهقيُّ ١/ ٣٠٥ من طريق الشعبيِّ، عن الحارث، عن عليٍّ أنَّه قال: منْ غَسلَ ميتاً فليغتسلْ.
وهذا في إسناده الحارث، وقد تقدمت ترجمته بما يغني عن إعادتها هنا. والله أعلم.
وللحديث شاهد.
أخرجه: البيهقي ١/ ٣٠٤، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٦٢٨) من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ غسل ميتاً فليغتسلْ».
قال الدارقطني في " العلل " ٤/ ١٤٦ س (٤٧٦): «ولا يثبت هذا عن أبي إسحاق، والمحفوظ قول الثوري وشعبة ومن تابعهما، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي»، وقال البيهقي: «قال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: خبر أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة ساقط … »، وقال ابن الجوزي في " العلل ": «وأما حديث حذيفة، فإنَّ أبا إسحاق تغير بآخرة، وأبوه ليس بمعروف في النقل» (١). وذكر الدارقطني طريقاً آخر لهذا الحديث، فقال في " العلل " ٤/ ١٤٥ - ١٤٦ (٤٧٥): «ورواه الأعمش وقد اختلف عنه فقال: عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي. وقال ابن نمير:
стр. 861
عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن رجل غير مسمى، عن علي».
ومما أعل بالتفرد مع وجود متابعات تالفة وأخرى مصحفة لم ترفع صفة الحديث من الفردية ما روى همام بن يحيى، قال: أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لَا تكتبوا عَني شيئاً غيرَ القرآنِ، فمنْ كتبَ عَني شيئاً غير القرآنِ، فليمحُهُ»، وقال: «حَدِّثوا عَنْ بني إسرائيلَ ولا حرجَ، حدِّثوا عني ولا تكذبوا عليَّ»، قال: «ومَنْ كذب عليَّ» قال همام: أحسبه قال: «متعمداً فليتبوأ مقعدهُ منَ النارِ» (١).
أخرجه: أحمد ٣/ ٥٦، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (٨٠٠٨) ط. العلمية و (٧٩٥٤) ط. الرسالة وفي " فضائل القرآن "، له (٣٣)، والبيهقيُّ في "المدخل " (٧٢٤)، والخطيب في " تقييد العلم ": ٢٩ من طريق عفان.
وأخرجه: مسلم ٨/ ٢٢٩ (٣٠٠٤)(٧٢)، وأبو عوانة كما في " تحفة الأشراف " ٣/ ٣٩٠ (٤١٦٧)، " والبداية والنهاية " ٣/ ٣١ ط. عالم الكتب، والطبراني في " حديث من كذب عليَّ " (٨٤)، والبيهقي في " المدخل " (٧٢٤)، والخطيب في " تقييد العلم ": ٣٠ من طريق هدبة (٢) بن خالد.
وأخرجه: أحمد ٣/ ٢١، والدارميُّ (٤٥٠)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (٨٠٠٨) ط. العلمية و (٧٩٥٤) ط. الرسالة وفي " فضائل القرآن "، له (٣٣)، وابن أبي داود في " المصاحف " (٩) و (١٠) من طريق يزيد بن هارون.
وأخرجه: أحمد ٣/ ١٢، والخطيب في " تقييد العلم ": ٣١ من طريق إسماعيل بن علية.
стр. 862
وأخرجه: أحمد ٣/ ٣٩، والخطيب في " تقييد العلم ": ٣٠ و ٣٠ - ٣١ من طريق أبي عبيدة الحداد.
وأخرجه: أبو يعلى (١٢٨٨)، والطبراني في " حديث من كذب عليَّ " (٨٤)، والحاكم ١/ ١٢٦ - ١٢٧، والخطيب في " تقييد العلم ": ٢٩ - ٣٠ من طريق أبي الوليد الطيالسي.
وأخرجه: ابن حبان (٦٤)، والخطيب في " تقييد العلم ": ٣٠ من طريق كثير بن يحيى.
وأخرجه: الخطيب في " تقييد العلم ": ٣١ من طريق أبي الوليد وعمرو بن عاصم الكلابي (مقرونين).
وأخرجه: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٦٣ من طريق موسى بن إسماعيل.
تسعتهم: (عفان، وهدبة، ويزيد، وإسماعيل، وأبو عبيدة، وأبو الوليد، وكثير، وعمرو، وموسى) عن همام بن يحيى، بهذا الإسناد.
الروايات مطولة ومختصرة.
وخالفهم شعيب بن حرب عند أحمد ٣/ ١٢ فرواه عن همام بهذا الإسناد، إلا أنَّه قال: «لا تكْتبوا عَني شيئاً فمنْ كَتبَ عني شَيْئاً فليمحه» فهنا نهي عن كل كتابة لا قرآن ولا غيره، ولعله اختصار مخل من شعيب بن حرب (١).
أقول: هذا حديث ظاهره الصحة إلا أنَّه أعل بالوقف، قال أبو داود فيما نقله المزي في " تحفة الأشراف " ٣/ ٣٩٠ (٤١٦٧): «هو منكر، أخطأ فيه همام، هو من قول أبي سعيد».
قال الخطيب في " تقييد العلم ": ٣١ - ٣٢: «تفرّد همام برواية هذا
стр. 863
الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعاً، وقد روي عن سفيان الثوري أيضاً عن زيد. ويقال إنَّ المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد من قوله (١) غير مرفوع إلى النبيِّ ﷺ … ».
وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ١/ ٢٧٥ عقب (١١٣): «ومنهم من أعل حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاريُّ وغيره».
قلت: إعلال الحديث فيه نظر؛ إذ إنَّ هماماً لم ينفرد برواية الحديث مرفوعاً، بل رواه غيره مرفوعاً أيضاً.
فقد أخرج: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢١٢، والخطيب في " تقييد العلم ": ٣٢ عن محمد بن الحسين، قال: حدثنا النضر بن طاهر، قال: حدثنا عمرو بن النعمان البصريِّ، عن سفيان الثوريِّ، عن زيد بن أسلم، به مرفوعاً.
هذا إسناد تالف فيه النضر بن طاهر، قال عنه ابن عدي في " الكامل " ٨/ ٢٦٨: «ضعيف جداً، يسرق الحديث، ويحدث عمن لم يرهم، ولا يحمل سنه أنْ يراهم»، وقال في ٨/ ٢٧٠ (٩٠٧٠): «والضعف على حديثه بين»، وقال ابن أبي عاصم فيما نقله الذهبي في " الميزان " ٤/ ٢٥٩: «سمعت منه، ثم وقفت منه على كذب .. » أما عمرو بن النعمان، فقد قال عنه أبو حاتم كما في " الجرح والتعديل " لابنه ٦/ ٣٤٢ (١٤٦٤): «ليس به بأس، صدوق»، وذكره ابن حبان في "الثقات " ٨/ ٤٨٢ إلا أنَّ ابن عدي قال عنه في " الكامل " ٦/ ٢١٢: «وعمرو بن النعمان روى عن جماعة من الضعفاء أحاديث منكرة فلا أدري البلاء منه أو من الضعيف الذي يروي هو عنه»، وقال في مقدمة الترجمة: «ليس بالقوي في الحديث».
وقد لخّص الكلام فيه الحافظ ابن حجر في " التقريب " (٥١٢٣) فقال:
стр. 864
«صدوقٌ، له أوهام»، إلا أنَّ صاحبي التحرير قد تعقّبا الحافظ في وصفه هذا، فقالا: «بل صدوق حسن الحديث»، وبعد أنْ نقلا قول ابن عديٍّ فيه، قالا: «فقوله: له أوهام كأنَّه استفاده من قول ابن عدي، لكن ابن عدي بَيّنَ سبب هذه الأوهام وأنَّها من الضعفاء الذين روى عنهم» انتهى كلامهما.
قلت: ابن عدي كان شاكّاً في كون الوهم منه أو من الضعفاء، كما تقدم النقل عنه، ولم يجزم بكون الوهم من الضعفاء الذين روى عنهم، كما زعم صاحبا التحرير.
وقد روي الحديث من طريق آخر عن سفيان، إذ أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٣/ ٥٠٢ من طريق يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد مرفوعاً، فأقحم يوسفُ بنُ أسباط بين سفيان وزيد خارجةَ بنَ مصعب. فبذلك يكون الإسناد ضعيفاً؛ لضعف خارجة، قال عنه يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال ابن نمير: «ليس بثقة»، وقال مرة: «ليس بشيء»، وقال أحمد بن حنبل: «لا يكتب حديثه»، وقال البخاريُّ: «تركه ابن المبارك ووكيع»، وقال أبو حاتم: «مضطرب الحديث، ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به»، وقال النَّسائيُّ: «متروك الحديث»، وقال مرة: «ليس بثقة»، وقال أخرى: «ضعيف». كما جاء في " تهذيب التهذيب " ٣/ ٧١ (١٦٨٩).
ويوسف بن أسباط هذا قد وثّقه ابن معين، وقال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٨/ ٢٦١ (٣٤١٤): «قال صدقة: دفنَ يوسفُ كتبَهُ، فكان بعد يقلب عليه فلا يجيء به كما ينبغي»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٩/ ٢٦٨ (٩١٠): «كان رجلاً عابداً دفن كتبه، وهو يغلط كثيراً، وهو رجل صالح لا يحتج بحديثه»، وقال ابن عديٍّ في " الكامل " ٨/ ٤٨٩: «ويوسف هذا هو عندي من أهل الصدق، إلا أنَّه لما عدم كتبه كان يعمل على حفظه فيغلط ويشتبه عليه، ولا يتعمد الكذب»، وقال ابن حبان في "الثقات " ٧/ ٦٣٨: «مستقيم الحديث، ربما أخطأ».
قلت: وعلى حال يوسف وغلطه فإنَّ أحداً من أهل العلم لم يقدح في
стр. 865
عدالته، وإنَّما ملخص الكلام فيه أنَّه حدّث من حفظه فأخطأ في حين أنَّ الإسناد السابق فيه من قدح في عدالته، فيكون إسناد يوسف أقبل من سابقه، ويكون الحديث ضعيفاً بخارجة، والله أعلم.
وقد توبع همام متابعة أخرى.
إذ أخرج: ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ١/ ٦٣ من طريق هشام - وهو ابن سعد -، قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تَكتبوا عَني شَيئاً سوى القرآنِ، فمنْ كتبَ عَني شَيئاً سوى القرآنِ فليمحُهُ».
وهشام بن سعد متكلم فيه، إذ نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٧٨ (٢٤١) عن يحيى بن معين أنَّه قال: «هشام بن سعد فيه ضعف»، وقال أخرى: «هو صالح، ليس بمتروك الحديث»، وعن أحمد أنَّه قال: «لم يكن هشام بن سعد بالحافظ»، وقال أحمد أيضاً: «ليس بمحكم الحديث»، ونقل عن أبيه أنَّه قال: «يكتب حديثه، ولا يحتج به»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه قال: «شيخ محله الصدق»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٦١١): «ضعيف»، ونقل الذهبيُّ عنه في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٢٩٩ (٩٢٢٤) أنَّه قال مرة: «ليس بالقوي».
إلا أنَّ أبا داود قال فيما نقله الذهبيُّ: «هو أثبت الناس في زيد بن أسلم»، ونقل عن الحاكم أنَّه قال: «أخرج له مسلم في الشواهد»، وقال العجليُّ في " الثقات " ٢/ ٣٢٩ (١٩٠٠): «جائز الحديث، وهو حسن الحديث»، وقال ابن عدي في " الكامل " ٨/ ٤١١: «ومع ضعفه يكتب حديثه»، وقال الذهبيُّ في " الكاشف" (٥٩٦٤): «حسن الحديث»، ولخّص القول فيه ابن حجر فقال في " التقريب " (٧٢٩٤): «صدوق، له أوهام».
والكلام الذي قيل في هشام انجبر بروايته عن زيد بن أسلم، فالناظر في كلام أبي داود سيجد أنَّ هشام بن سعد مقدم في الرواية عن زيد بن أسلم، وقد وجدت مسلماً قد خرّج له في " صحيحه " ثمانية مواضع خمسة منها عن زيد بن أسلم، لذلك فإنّ ما كنا نخشاه من أوهام هشام تلاشت بروايته عن زيد، وبذلك يزداد هذا الطريق قوة ويكون عاضداً للطريق الأول
стр. 866
وبعد هذا الجهد والعناء، تبين لنا أنَّ هشاماً قد تصحف عن همام، إذ رجعنا إلى طبعة أخرى للكتاب وهي بعناية الشيخ شعيب الأرناؤوط ١/ ٨٨ فوجدنا الاسم على الصواب: همام، ولكنهم لم يشيروا إلى ما وقع في الطبعات السابقة من تحريف، فعاد الحديث بذلك إلى تفرد همام، وأنا أنصح نفسي والباحثين بالتأني والتأني قبل الاعتماد على هذه المتابعات الصورية، أو المصحفة. وإنما تدخل هذه الأمور على من ولج هذا العلم من غير بابه، والله أعلم.
وتابع هماماً أيضاً سفيانُ بن عيينة بنحوٍ مختلف.
فقد أخرجه: الدارميُّ (٤٥١) عن أبي معمر.
وأخرجه: الترمذيُّ (٢٦٦٥) عن سفيان بن وكيع.
كلاهما: (أبو معمر، وسفيان بن وكيع) عن سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: استأذنا النَّبيَّ ﷺ في الكتابة فلم يأذن لنا.
وأبو معمر هذا هو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذليُّ، وهو ثقة مأمون (١)، وسفيان بن وكيع، كان صدوقاً إلا أنَّه ابتليَ بورّاقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فَنُصِحَ فلم يقبل فسقط حديثه (٢). غير أنَّ في إسناد سفيان شبهة انقطاع، أو أنَّه لم يسمع هذا الحديث من زيد، والذي يدل على ذلك أنَّه جاء في رواية الدارمي: «حدث زيد بن أسلم»، فتكون عنعنته في رواية الترمذي مجملة بينتها رواية الدارمي، ولكن الذي يدل على أنَّ سفيان لم يسمعه من زيد رواية لوين عند الخطيب في " تقييد العلم ": ٣٢ - ٣٣، والحسين بن الحسن بن حرب المروزيّ عند الخطيب أيضاً في " تقييد العلم ": ٣٣ كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدريِّ ﵁، به.
وهذا الإسناد الثاني فيه زيادة: (عبد الرحمان بن زيد) وهو ضعيف، إذ
стр. 867
قال عنه يحيى بن معين: «ليس حديثه بشيء، ضعيف»، وقال أحمد بن حنبل: «ضعيف»، وقال أبو حاتم: «ليس بقوي الحديث، كان في نفسه صالحاً، وفي الحديث واعياً، ضعفه علي - يعني: ابن المديني - جداً»، وقال أبو زرعة: «ضعيف الحديث». كما في " الجرح والتعديل " ٥/ ٢٨٩ (١١٠٧).
فإذا لم نرد ترجيح أيّ الروايتين عن سفيان بن عيينة، فهذا بحد ذاته اضطراب قادحٌ في طريق سفيان، وإنْ كنت أميل إلى ترجيح الرواية الثانية عنه، إذ رواه لوين وهو ثقة (١)، والحسين بن الحسن، وهو صدوق (٢)، في حين أنَّ الرواية الأولى رواها إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر، وله متابعة واحدة لا تصح من طريق سفيان بن وكيع، فاتفاق اثنين على رواية الحديث على وجه معين أولى من رواية الواحد، لذا فإنَّ طريق ابن عيينة لا يصح، والله أعلم، ولا ينفع كمتابع لهمام.
ولنرجع الآن إلى تفرّد همام، قال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث ": ٢٦٤: «قالوا: رويتم عن همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، فمنْ كتبَ عني شيئاً فليمحُه». ثم رويتم عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله، أُقيِّد العلم؟ قال: «نَعمْ» (٣) قيل: وما تقييدهُ؟ قال: «كتابتُهُ». ورويتم عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قلتُ: يا رسول الله، أكتبُ كل ما أسمع منك؟ قال: «نَعمْ». قلتُ: في الرضا والغضب؟ قال: «نَعمْ، فإني لا أقول في ذلك كله إلا الحقَ» (٤).
قالوا: وهذا تناقض
стр. 868
واختلاف. قال أبو محمد: ونحن نقول: إنَّ في هذا معنيين. أحدهما (١): أنْ يكون من منسوخ السنة بالسنة، كأنَّه نهى في أول الأمر عن أنْ يكتب قوله، ثم رأى بعد - لما علم أنَّ السنن تكثر وتفوت الحفظ - أنْ تكتب وتقيد. والمعنى الآخر: أنْ يكون خص بهذا عبد الله بن عمرو، لأنَّه كان قارئاً للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن، ولم يصب التهجي. فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، لما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك، أذن له».
وقال ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ٢٩٢ - ٢٩٤ بتحقيقي: «اختلف الصدر الأول ﵃ في كتابة الحديث، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم وأمروا بحفظه، ومنهم من أجاز ذلك … ومن صحيح حديث رسول الله ﷺ الدال على جواز ذلك حديث: أبي شاه اليمني في التماسه منْ رسول الله أنْ يكتب له شيئاً سمعَهُ من خطبته عام فتح مكة، وقوله ﷺ : «اكتبوا لأبي شاهٍ» (٢)، ولعله ﷺ أَذِنَ في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه، مخافة الاتكال على الكتاب، أو نهى عن كتابة ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم، وأَذِنَ في كتابته حين أمن من ذلك ٠٠ ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة، والله أعلم».
وقال الحافظ العراقي في " شرح التبصرة " ١/ ٤٦٤ بتحقيقي: «وقد اختلف في الجواب عن حديث أبي سعيد الخدري، والجمع بينه وبين أحاديث الإذن في الكتابة، فقيل: إنَّ النهيَ منسوخ بها، وكان النهيُ في أول الأمر لخوف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن فيه، وجمع بعضهم بينهما، بأنَّ
стр. 869
النهيَ في حق من وثق بحفظه وخيف اتكاله على خطه إذا كتب، والإذن في حق من لا يوثق بحفظه، كأبي شاهٍ المذكور، وحمل بعضهم النهي على كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لأنَّهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معه فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه، والله أعلم».
وقال ابن حجر في " فتح الباري " ١/ ٢٧٥ عقب (١١٣): «إنَّ النهيَ خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو أنَّ النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم الإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنَّه لا ينافيها. وقيل: إنَّ النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن ممن أمن منه ذلك».
وكذلك من الأحاديث التي تمنع الكتابة.
ما أخرجه: أبو داود (٣٦٤٨) عن أحمد بن يونس، قال: حدثنا ابن شهاب، عن خالد الحذّاء، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، من قوله قال: ما كنَّا نكتبُ غيرَ التشهدِ والقرآن.
انظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٣٩٠ (٤١٦٧)، و " إتحاف المهرة " ٥/ ٣٢٤ (٥٤٨٢) و ٥/ ٣٢٥ (٥٤٨٣)، و " أطراف المسند " ٦/ ٢٨٥ (٨٣٣٥)، و " المسند الجامع " ٦/ ٤٤٥ (٤٦٠٣).
مثال آخر لما أعل بالتفرد، مع إعلال الحديث بعلة أخرى، صارت هي العلة الرئيسة، وقد ألقى التفرد الضوء عليها: روى محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى - بن كُناسة - قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عثمان بن عروة، عن أبيه، عن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : «غيِّروا الشَّيْبَ، ولا تشبَّهوا باليهودِ» (١).
أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٣٨، وأحمد ١/ ١٦٥، والنسائي
стр. 870
٨/ ١٣٧ - ١٣٨ وفي " الكبرى "، له (٩٣٤٥) ط. العلمية و (٩٢٩٢) … ط. الرسالة، وأبو يعلى (٦٨١)، والشاشي (٤٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٨٠ (١)، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٥/ ٤٠٤ وفي ط. الغرب ٣/ ٤٠٠، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٧/ ١١٩ و ٤٠/ ٣٢٠، والمزي في " تهذيب الكمال " ٦/ ٣٧٤ (٥٩٤٤)، والذهبي في " تاريخ الإسلام " حوادث (٢٠١ - ٢١٠): ٣٥٦ من طريق محمد بن كناسة به (٢).
هذا الإسناد ظاهره أنَّه حسن؛ من أجل محمد بن كناسة فهو صدوق (٣). إلا أنَّه معلول بعلتين، فقد تفرّد ابن كناسة بروايته، قال الدارقطني في " علله " ٤/ ٢٣٥ س (٥٣١): «لم يتابع عليه»، وقال أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٨٠: «غريب من حديث عروة، تفرّد به ابن كناسة، وحدّث به عن ابن كناسة الأئمة أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة»، وقال الذهبي في " تاريخ الإسلام " «تفرّد به ابن كناسة».
وأما العلة الثانية: فإنَّ حديث ابن كناسة أُعل بالإرسال.
قال يحيى بن معين في " تاريخه " (٢٦٠٧) برواية الدوري: «حديث ابن كناسة حديث: غيروا الشيب إنَّما هو عن عروة مرسل»، وقال الدارقطني في " العلل " ٤/ ٢٣٥ س (٥٣١): «ورواه الحفّاظ من أصحاب هشام، عن هشام، عن عروة مرسلاً، وهو الصحيح».
قلت: أما الطريق المرسل.
فقد أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٣٨، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٥/ ٤٠٦ وفي ط. الغرب ٣/ ٤٠٢ من طريق ابن نمير، قال: حدثنا هشام، عن أبيه مرفوعاً.
стр. 871
وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٥/ ٤٠٦ وفي ط. الغرب ٣/ ٤٠١ من طريق محمد بن بشر العبدي (١) قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عثمان بن عروة، عن عروة به.
وقد روي هذا الحديث موصولاً من طريق هشام.
قال الدارقطني في " العلل " ٤/ ٢٣٥ س (٥٣١): « .. وروي عن الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قال ذلك زيد بن الحريش عن عبد الله بن رجاء، عن الثوري، وكذلك روي عن حفص بن عمر الحبطي (٢)، عن هشام».
قلت: حديث سفيان الثوري أخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " ٥/ ٤٠٥ وفي ط. الغرب ٣/ ٤٠١ من طريق زيد بن الحريش، قال: حدثنا ابن رجاء، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به مرفوعاً.
قال الخطيب عقبه: «قال ابن المقرئ: أنا سألت عبدان عن هذا الحديث، وحدثني جماعة من أصحابنا عن يحيى بن صاعد، عن عبدان بهذا الحديث، وهكذا رواه أبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام».
قلت: زيد بن الحريش ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٣/ ٥٠٤ (٢٥٣٧) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في "الثقات " ٨/ ٢٥١ وقال: «ربما أخطأ»، وقال الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " (٣٢٩٣): «قال ابن القطان: مجهول الحال»، فعلى هذا تعد هذه الرواية غير ثابتة عن الثوري.
وأما حديث يحيى بن أبي زكريا الذي أشار إليه الخطيب، فأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (١٢٥٢) ط. الحديث و (١٢٣٠) ط. العلمية من طريق محمد بن حرب الواسطي، قال: حدثنا يحيى، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
стр. 872
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «غَيِّروا الشيبَ، ولا تشبهوا باليهودِ والنصارى».
قال الطبراني عقبه: «لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا محمد».
قلت: يحيى بن أبي زكريا الغساني ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب " (٧٥٥٠)، وبه تعلم أنَّ قول الحافظ الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥/ ١٦٠ - ١٦١ عن هذا الحديث: «رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخ له اسمه أحمد، ولم أعرفه، والظاهر أنَّه ثقة لأنَّه أكثر عنه، وبقية رجاله ثقات» فيه تساهل، لما علم من حال يحيى المذكور.
وأخرجه: النَّسائي ٨/ ١٣٧ وفي " الكبرى "، له (٩٣٤٤) ط. العلمية و (٩٢٩١) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٥٦٧٨)، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٤/ ٧٧ وفي ط. الغرب ٥/ ١٢٣ من طريق أحمد بن جناب، قال: حدثنا عيسى ابن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر به مرفوعاً.
قال الخطيب عقبه: «تفرّد بروايته هكذا عن هشام عيسى بن يونس، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن جناب عنه».
هذا الاختلاف من هشام بن عروة، فإنَّه اضطرب في هذا الحديث ففي طريق ابن كناسة أثبت أخاه (عثمان بن عروة) أما الروايات المرسلة ففي رواية محمد بن بشر العبدي أثبته، وتارة يسقطه كما في رواية ابن نمير، وجعله تارة من حديث عائشة، ثمَّ جعله من مسند ابن عمر، وعلى ذلك فالمرويُّ عنه أربعة أوجه لا يمكن جمع أحدها مع البقية فيكون الحديث بذلك معلاً باضطراب هشام فيه. ولا سبيل إلى تصحيحه، ولعل هذه العلل هي التي دفعت النَّسائي ﵀ أنْ يقول في " المجتبى " وفي " الكبرى " عقب تخريجه لحديث ابن عمر وحديث الزبير: «وكلاهما غير محفوظ».
على أنَّ الحديث قد روي من غير هذا الوجه.
فأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٣٨، وأحمد ٢/ ٢٦١ و ٤٩٩، وأبو يعلى (٥٩٧٧)، وابن حبان (٥٤٧٣)، والبغوي (٣١٧٥) من طريق محمد بن عمرو.
стр. 873
وأخرجه: الترمذيُّ (١٧٥٢)، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٧٩ من طريق عمر بن أبي سلمة (١).
كلاهما: (محمد بن عمرو، وعمر) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «غيِّروا الشَّيْبَ، ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٥٠٩ من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ذكر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «غيِّروا الشَّيْبَ، ولا تشبهوا باليهود، واجتنبوا السواد». وعبارة «واجتنبوا السواد» دخيلة على الحديث، وعبد العزيز بن أبي رواد فيه كلام.
وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٩/ ٥ من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن الزهريِّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «غيِّروا الشَّيْبَ، ولا تشبهوا باليهود والنصارى».
وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف يحيى بن أبي أنيسة.
قلت: وأقوى هذه الأسانيد، الإسناد الأول على ما فيه من كلام، وقد روي بنحوه عن أبي هريرة بأسانيد صحيحة بلفظ آخر.
فأخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠١٧٥)، والحميدي (١١٠٨)، وأحمد ٢/ ٢٤٠ و ٢٦٠ و ٣٠٩ و ٤٠١، والبخاريُّ ٤/ ٢٠٧ (٣٤٦٢) و ٧/ ٢٠٧ (٥٨٩٩)، ومسلم ٦/ ١٥٥ (٢١٠٣)(٨٠)، وأبو داود (٤٢٠٣)، وابن ماجه (٣٦٢١)، والنَّسائي ٨/ ١٣٧ وفي " الكبرى "، له (٩٣٣٨) و (٩٣٣٩) و (٩٣٤٠) و (٩٣٤١) و (٩٣٤٢) و (٩٣٤٣) ط. العلمية و (٩٢٨٦/ ١) و (٩٢٨٦/ ٢) و (٩٢٨٧) و (٩٢٨٨) و (٩٢٨٩) و (٩٢٩٠) ط. الرسالة، وأبو عوانة ٥/ ٢٧٣ (٨٧١٢) و (٨٧١٣) و (٨٧١٤) و (٨٧١٥) و (٨٧١٦) و ٥/ ٢٧٤ (٨٧١٧)، وأبو يعلى (٥٩٥٧) و (٦٠٠١) و (٦٠٠٣)، والبيهقي ٧/ ٣٠٩ من طريق الزهري، عن أبي سلمة (٢)،
стр. 874
وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ اليهودَ والنصارى لا يصبغونَ فخالفوهم».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ١٢٥ (٣٦٤٢) و ٩/ ٤٦٦ (١٣٤٨٠)، و " إتحاف المهرة " ٤/ ٥٥٣ (٤٦٤٩) و ١٦/ ١٩٢ - ١٩٣ (٢٠٦٣١).
стр. 875
النوع الرابع الإعلال بسبب إنكار الأصل رواية الفرع
يراد بالأصل الشيخ والفرع تلميذه.
وصورته التي لا خلاف فيها أنْ يروي التلميذ عن شيخه حديثاً، وعندما يراجع التلميذُ الشيخ بذلك الحديث ينكر أنْ يكون قد رواه أو حدّث به. وهذا المبحث فيه بعض الأمور فيمكن أنْ نقسمه بحسب إنكار الشيخ إلى قسمين:
الأول: أنْ يتوقف الراوي في ذلك الحديث كأنْ يقول: لا أدري، فهذا القسم أجاب عنه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب فقال: «إنْ كان إنكاره لذلك إنكار شاك متوقف، وهو لا يدري هل حدّث به أم لا، فهو غير جارح لمن روى عنه، ولا مكذب له ويجب قبول هذا الحديث والعمل به؛ لأنَّه قد يحدث الرجل بالحديث وينسى أنَّه حدث به، وهذا غير قاطع على تكذيب من روى عنه .. » (١)، وقال ابن الصلاح: «أما إذا قال لا أعرفه، أو لا أذكره أو نحو ذلك فذلك لا يوجب رد الراوي عنه» (٢)، وقال السخاوي: «فقد رأوا - أي الجمهور من المحدثين - قبوله والحكم للراوي الذاكر كما هو عند المعظم من الفقهاء والمتكلمين، وصححه غير واحد، منهم الخطيب وابن الصلاح وشيخنا (٣)، بل حكى فيه اتفاق المحدّثين؛ لأنَّ الفرض أنَّ الراوي ثقة جزماً فلا يطعن فيه بالاحتمال؛ إذ المروي عنه غير جازم بالنفي، بل جزم الراوي عنه وشكه هو قرينة لنسيانه» (٤).
стр. 876
الثاني: أنْ يجزم الشيخ بكذب من روى عنه، قال القاضي أبو بكر محمد ابن الطيب: «وإنَّ جحوده للرواية عنه جحود مصمم على تكذيب الراوي عنه وقاطع على أنَّه لم يحدثه ويقول: كذب عليّ فذلك جرح منه له، فيجب أنْ لا يعمل بذلك الحديث وحده من حديث الراوي» (١)، وقال ابن الصلاح: «إذا روى ثقة عن ثقةٍ حديثاً ورُوجع المروي عنه فنفاه، فالمختارُ: أنَّه إنْ كان جازماً بنفيه بأنْ قال: ما رويته، أو كذب عليّ، أو نحو ذلك فقد تعارض الجزمان، والجاحد هو الأصل، فوجب رد حديث فرعه ذلك» (٢)، وقال السخاوي: «ومن روى من الثقات عن شيخ ثقة أيضاً حديثاً فكذبه المروي عنه صريحاً، كقوله: كذب عليّ فقد تعارضا في قولهما كالبينتين إذا تكاذبتا فإنَّهما يتعارضان؛ إذ الشيخ قطع بكذب الراوي، والراوي قطع بالنقل، لكل منهما جهة ترجيح، أمّا الراوي فلكونه مثبتاً، وأما الشيخ فلكونه نفى ما يتعلق به في أمرٍ يقرب من المحصور غالباً» (٣).
تقدم في مباحث سابقة أنَّ وصف الراوي بالكذب من أغلظ الجرح وأشنع الأوصاف فإذا أنكر الشيخ هذا الحديث بصيغة الجزم بأنْ قال كذب، هل يعد هذا القول دليلاً على سقوط مرويات المنكر عليه؟ وهل يعد قول الشيخ جرحاً في روايات ذلك التلميذ فنقول: هذا السؤال أجاب عنه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب فقال: «ولا يكون هذا الإنكار جرحاً يبطل جميع ما يرويه الراوي؛ لأنَّه جرح غير ثابت بالواحد، ولأنَّ الراوي العدل أيضاً يجرح شيخه، ويقول: قد كذب في تكذيبه لي، وهو يعلم أنَّه قد حدثني» (٤)، وقال ابن جماعة: «إذا كذب أصل فرعه في رواية خبر عنه أو جزم بنفيه سقط ذلك الخبر ولا يقدح ذلك في عدالتهما وباقي رواياتهما .. » (٥)، وقال ابن الصلاح: « .. ثم لا يكون ذلك جرحاً له يوجب رد باقي حديثه؛ لأنَّه مكذب
стр. 877
لشيخه أيضاً في ذلك .. » (١)، وقال السخاوي: « .. وأيضاً فقد كذبه الآخر أي كذب الراوي الشيخ بالتصريح إنْ فرض أنَّه قال: كذب، بل سمعته منه، أو بما يقوم مقام التصريح وهو جزمه بكون الشيخ حدثه به؛ لأنَّ ذلك قد يستلزم تكذيبه في دعواه أنَّه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر. وأيضاً: فكما قال التاج السبكي: عدالة كل واحدٍ منهما متيقنة، وكذبه مشكوك فيه، واليقين لا يرفع بالشك فتساقطا» (٢).
العمل في الحديث إذا كان بمثل ما تقدم للعمل بمثل هذا الحديث ننظر إلى الأصدق الأحفظ والأكثر جزماً وقطعاً، وأيهما أكثر، فيحكم للأكثر عدداً وللأقل تردداً (٣) ..
وهذا الحال كله معقود بكون التلميذ أو شيخه ثقتين، أما إذا اتُّهم أحدهما بتهمة ما، فإنَّ عامة ما تقدم سيتلاشى وتنجلي تهمة المتهم.
فإذا أنكر الأصل رواية الفرع إنكار متوقف فقد اختلف العلماء في ذلك:
فذهب الجمهور إلى: أنَّ هذا لا يضر الرواية ولا يوهنها. ولكن بعض أهل العلم رأوا أنَّ ذلك علة تبطل الرواية (٤).
قال الخطيب: «وقد اختلف الناس في العمل بمثل هذا وشبهه: فقال أهل الحديث و عامة الفقهاء- من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما- و جمهور المتكلمين: إنَّ العمل به واجب إذا كان سامعه حافظاً والناسي له بعد روايته عدلاً، وهو القول الصحيح. وزعم المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة: أنَّه لا يجب قبول الخبر على هذا السبيل ولا العمل به، قالوا: ولهذا لزم اطراح
стр. 878
حديث الزهري في المرأة تنكح بغير إذن وليها» (١).
وقال ابن الصلاح: «ومن روى حديثاً ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطاً للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين؛ خلافاً لقوم من أصحاب أبي حنيفة صاروا إلى إسقاطه بذلك» (٢).
وقال ابن عبد البر: «العدل إذا روى خبراً عن عدل مثله حتى يتصل، لم يضر الحديث أنْ ينساه أحدهم؛ لأنَّ الحجة حفظ من حفظ وليس النسيان بحجة» (٣).
فقد تبين لنا أنَّ الجمهور على قبول رواية الراوي إذا نساها بعد أنْ حدث بها، والحنفية على خلاف ذلك.
مثال ذلك: روى إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن علية - قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا نَكَحَتِ المرأةُ بغيرِ أمرِ مَولاها فَنِكاحُها باطلٌ، فَنِكاحُها باطلٌ، فَنِكاحها باطلٌ، فإنْ أصابها، فلها مهرُها بما أصابَ منها، فإن اشتَجَروا، فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ لهُ». قال ابن جريج: فلقيتُ الزهريَّ، فسألتُه عن هذا الحديث، فلم يعرفه. (٤) أخرجه: أحمد ٦/ ٤٧، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ٥٢ (١٨٨٨) وفي " التاريخ الصغير "، له ١/ ٣٤٠، والعقيلي في " الضعفاء الكبير " ٢/ ١٤٠، والخطيب في " الكفاية ":٣٨٠، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٢٤/ ٢٦٧، وابن الجوزي في "التحقيق " (١٦٨٥) من طريق إسماعيل بن علية، بهذا الإسناد.
стр. 879
قلت: فيه سليمان بن موسى، قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير" ٤/ ٥٢ (١٨٨٨): «عنده مناكير»، وقال في" التاريخ الصغير "، له ١/ ٣٤٠: «عنده أحاديث عجائب»، وقال كما في " علل الترمذي الكبير " بترتيب أبي طالب القاضي: ٦٦٦ (٢٧٥): «سليمان بن موسى منكر الحديث، أنا لا أروي عنه شيئاً، روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير»، وقال عنه النسائي فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٣٠٥ (٢٥٥٦): «أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث» (١).
إلا أنَّ يحيى بن معين قال حينما سُئل عن رواية سليمان، عن الزهري، فقال: «ثقة» نقل ذلك المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٣٠٥ (٢٥٥٦)، ونقل المزي عن دحيم أنَّه قال: «ثقة»، وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٤/ ١٣٥ (٦١٥): «محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب»، ونقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٤/ ٢٠٥ عن يحيى بن معين أنه قال ليحيى بن أكثم: «سليمان بن موسى: ثقة، وحديثه صحيح عندنا»، وعن الدارقطني أنَّه قال في " العلل ": «من الثقات، أثنى عليه عطاء والزهري»، وقال ابن عدي بعد أنْ ساق عدداً من الأحاديث: «ولسليمان بن موسى غير ما ذكرت من الأحاديث، وهو فقيه راوٍ حدَّث عنه الثقات من الناس، وهو أحد علماء أهل الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق» الكامل ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال "٢/ ٢٢٦ (٣٥١٨): «كان سليمان فقيه أهل الشام في وقته قبل الأوزاعي؛ وهذه الغرائب التي تستنكر له، يجوز أن يكون حفظها»، وقال ابن حجر في "التقريب " (٢٦١٦): «صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل».
стр. 880
أقول: والحديث أعلَّ بقول ابن جريج: «فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه».
قال العيني في " عمدة القاري " ٢٠/ ١٢٨: «وضعفوا هذا الحديث من أجل هذا - يعني: قول ابن جريج - فإن قلت: قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قلت: من أين له الحسن وقد أنكره الزهري! فإن قلت: إنكاره لا يعين التكذيب، بل يحتمل أنه رواه فنسيه، إذ كل محدث لا يحفظ ما رواه. قلت: إذا احتمل التكذيب والنسيان فلا يبقى حجة، ويلزم المحتج به أنْ يقول بمفهوم الخطاب، ومفهوم هذا يقتضي صحة النكاح بإذن الولي فلا نقول به».
إلا أنَّ ابن معين ضعّف رواية إسماعيل، عن ابن جريج هذه، حيث قال فيما نقله الترمذي عقب (١١٠٢): «لم يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلا إسماعيل بن إبراهيم، وقال: وسماع إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج ليس بذاك، إنما صحّح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ما سمع من ابن جريج» (١).
وقال أيضاً فيما أسنده إليه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٢٤/ ٢٦٩: «كتب إلي يحيى بن أكثم: هل يصح عندك حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذنِ وليها فنكاحُها باطلٌ؟» قال: فكتبت إليه: نعم هو صحيح، سليمان بن موسى ثقة، ولعل الزهري نسيه بعدد (٢) هذه الكلمة لم يحدث بها غير إسماعيل بن علية، قال: قال ابن جريج: سألت عنه الزهري فلم يعرفه، وهو عندنا صحيح» (٣)، وقال الإمام أحمد بن حَنْبل عندما سُئل عن قول ابن جريج هذا فيما نقله ابن أبي حاتم في " العلل " (١٢٢٤)،