← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

له من بعض» (١) وقد انتقد على الزهري هذا الصنيع كما نقله القاضي عياض فقال: «انتقدوا على الزهري ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقاً عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر». وأما الجمع في السند ففيه أمران أيضاً: الأول: إذا كان الجمع بين ثقات وضعيف، فهذا مما يلزم الحذر منه لاحتمال اختصاص الضعيف بشي عن الثقات؛ ولأجل هذا المحذور كان الإمام أحمد يكره أن يروي الراوي حديثاً عن رجلين أحدهم مجروح فيسقط اسم المجروح من السند ويقتصر على جعل الحديث عن الثقة وحده. والأمر الآخر: أن يكون في منتهى السند خلاف، كأنْ يكون أحد الأسانيد موقوفاً والآخر مرفوعاً، أو يكون أحدهما مرسلاً والآخر مسنداً، أو يكون عند بعضهم زيادة رجل في الإسناد، ولا يكون هذا الرجل موجوداً عند الآخرين، فحينئذ يكون جمع هذه الأسانيد غير مقبول، إلا بعد تمييز كل منها على حدة (٢). إذنْ فإنَّ جمع الشيوخ يتناول الإسناد والمتن على حد سواء، يدرس اتفاق الرواة واختلافهم، لذلك أولاه أهل العلم عناية كبرى وكان محل دراسة ونقد النقاد، فليس غريباً أنْ يقبل النقاد جمع راو ويردون آخر، فمن ذلك ما نقله الخطيب عن عثمان الدارمي أنَّه قال: «يقال من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث: سفيان، وشعبة، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدين» (٣)، وقال الخطيب: «وأصحاب الحديث يجمعون حديث خلق كثير غير هؤلاء، أنا أذكر ما حضرني من أسمائهم، فمنهم: إسماعيل بن أبي خالد البجلي، وأيوب بن أبي تميمة السختياني، وبيان بن بشر الأحمسي، وداود بن أبي هند البصري، وربيعة بن أبي عبد الرحمان المدني، والحسن بن صالح بن حيّ الكوفي،

стр. 912

وزياد بن سعد الخراساني، وسليمان الأعمش الكاهلي، وسليمان أبو إسحاق الشيباني، وسليمان بن طرخان التيمي، وصفوان بن سليم، ومحمد بن مسلم ابن شهاب الزهريان، وطلحة بن مصرف اليامي، ومِسْعر بن كدام الهلالي، وعبد الله بن عون البصري، وأبو حصين عثمان بن عاصم الكوفي، وعبد الرحمان بن عمرو الأوزاعي، وعبيد الله بن عمر العمري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرو بن دينار المكي، ومحمد بن جُحادة الأودي، ومحمد بن سوقة العبدي، ومحمد بن واسع الأزدي، ومطر بن طهمان الخراساني، ويونس بن عبيد البصري» (١). وعلى النقيض من هؤلاء الأعلام فقد ضُعِّفَ بعض الشيوخ إذا ما جمعوا بين شيوخهم، منهم: عطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، وجابر الجعفي، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، وعبد الرحمان بن عبد الله بن عمر العمري، وأبو بكر بن أبي مريم (٢). ونستطيع الآن أن نحدد بعض المحذورات في جمع الشيوخ: ١ - أن لا يكون عند الراوي حفظ ومعرفة بكلام العرب فيكون جمعه للشيوخ محذوراً؛ لأنَّ بعض ألفاظ الروايات تختلف عن الأخريات، والجمع يستلزم أن يكون الجامع له معرفة بكلام العرب حتى يميز التوافق من التضاد. ٢ - أن لا يكون الراوي من الحفاظ المتقنين العارفين بمواضع الاختلاف في مرويات شيوخه. ٣ - أن يكون بعض الشيوخ ضعيفاً فإنَّ جَمْعَ الشيوخ في هذه الصورة يؤدي إلى حمل حديث الضعيف على حديث الثقة (٣)، ولكن إذا مُيزَتْ رواية الضعيف فكانت مثل رواية الثقات فلا بأس إذ ذاك في الجمع.

стр. 913

هذا القسم يتناول أخطاء الرواة في متون الأحاديث من زيادة لفظ أو اختصار أو معارضة، ويتناول أيضاً دارسة هذه الأخطاء وبيانها، ومرجع علل المتن في الأصل إلى الإسناد؛ لأن خطأ الرواة بزيادة لفظ في المتن وإغرابه عن بقية الرواة هي علة في الإسناد، ودراسة علل المتون لا تبحث في مجرد الزيادات أو الاختصارات بل تبحث في توافق الروايات مع بعضها أو تنافرها، ولما كان هذا القسم يدخل في أقوال وأفعال النبي ﷺ أولاه النقاد جل اهتمامهم. وهذا ليس لأهل الحديث خاصة، بل إنَّ البحث والتنقير في متون الأحاديث تعداهم إلى الأصوليين فوضعوا شرائط خاصة لقبول الأحاديث، قال الزركشي: «أن يكون مما يصح كونه، ولا يستحيل في العقل وجوده، وأنْ لا يكون مخالفاً لنص مقطوع بصحته، ولا مخالفاً لإجماع الأمة والصحابة، وأنْ لا يخالفه دليل قاطع، لقيام الإجماع على تقديم المقطوع على المظنون، فإنْ خالفه قاطع عقلي ولم يقبل التأويل علم أنَّه مكذوب على الشارع، وإن قبله تعيين تأويله جمعاً بين الدليلين، وإن كان سمعياً، ولم يمكن الجمع فكذلك، وإن علم تأخر المقطوع عنه حمل أنَّه منسوخ به، وأن لا ينفرد راويه بما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر، أو يجب عليهم علمه فإن انفرد لم يقبل» (١). أقول: هذا الذي شرطه الأصوليون دليل عميق على شدة ترابط أواصر العلوم الشرعية فيما بينها فإنَّ عموم هذه الضوابط لخصها المحدثون بقولهم: «غير شاذ ولا معلل». ومنه تعلم أنَّ العلوم الشرعية تعوم في فلك الكتاب والسنة، وأنَّها تدور في أفلاك متراصة. وقد سبق القسم الأول بقضه وقضيضه، والذي تناول العلل التي تصيب الإسناد، وها هو ذا القسم الثاني من العلل التي تطرأ على المتن، سأذكر أنواعها متكلماً عن كل ضرب منها في موطنه.

стр. 914

أنواع علل المتن: النوع الأول من أنواع علل المتن: معارضة خبر الآحاد. التعارض: هو التقابل على سبيل التمانع بين أمرين أو أكثر، فكل أمر منها يدل على ما ينافي الأمر الآخر. قال الغزالي: «اعلم أنَّ التعارض هو التناقض» (١)، وقال الصنعاني: «حقيقة التعارض بين الشيئين تقابلهما، وحيث يمنع كل واحد منهما مقتضى الآخر» (٢). أما خبر الآحاد، فالآحاد جمع أحد أي واحد، قال ابن حجر: «وخبر الواحد في اللغة: ما يرويه شخص واحد، وفي الاصطلاح: مالم يجمع شروط التواتر» (٣). قال البقاعي: «والأصل في خبر الواحد أنَّ النبي ﷺ كان يرسل رسله إلى الآفاق وحداناً بأوامره ونواهيه التي تستباح بها الدماء والأموال وغيرها، بكتب وبغير كتب، ولم يشهد على شيء من ذلك اثنين، وكان يأمر بقبول أخبارهم» (٤). وقال ابن رجب: «وأما خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى

стр. 915

منه، فإنَّه يجب قبوله لأدلة دلّت على ذلك، وقد يُتوقف فيه أحياناً؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيه، كما توقف النبي ﷺ في قول ذي اليدين حتى تُوبع عليه» (١). وهذا النوع وثيقة صلته بمباحث الناسخ والمنسوخ، إذ قد يكون الخبران المتعارضان في الظاهر غير متعارضين، بأن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً (٢). وتحت هذا النوع أمور منها: معارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن الكريم، ومعارضته لحديث آخر، وكذلك معارضة خبر الآحاد لإجماع أهل المدينة، وللقياس، وللقواعد العامة وغيرها مما سيأتي في هذا القسم. ١ - معارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن الكريم: من المتفق عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ أنَّ القرآن الكريم نُقل إلينا متواتراً، وهو من حَيْثُ الثبوت قطعي لا مراء فِيْهِ، في حين أنَّ خبر الآحاد لا يعدو كونه ظني الثبوت، إذ إنَّ احتمال وجود الخطأ في رِوَايَة الحفاظ الثقات المتقنين أمر وارد، وَقَدْ قَالَ الإمام أحمد: «ومن ذا الَّذِي يَعْرَى من التصحيف والخطأ» (٣). وخبر الآحاد إذا كان معارضاً للقرآن الكريم، فإنَّ ذلك يدل على عدم صحته، إذ لو كان صحيحاً لما خالف القرآن. وبسبب هَذِهِ الشبهة في خبر الآحاد، فإنَّه لا مجال للقول بقطعية ثبوته؛ لأنَّ «ما فِيْهِ شبهة لا يعارض ما لَيْسَ فِيْهِ شبهة» (٤). ومن ثَمَّ فإنَّه لا وجه للقول باستوائهما من ناحية الاستدلال، فضلاً عن تعارضهما وفي ذلك يقول الغزالي: «الظن ينمحي في مقابلة القاطع، فلا يبقى معه»، وقال ابن قدامة: «لا يتصور أن يتعارض علم وظن؛ لأنَّ ما عُلم، كيف يظن خلافه؟ وظن

стр. 916

خلافه شك، فكيف يشك فيما يعلم» (١)؛ لذا نجد فقهاء الحنفية (٢) وبعض فقهاء المالكية (٣) عند معارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن الكريم يوجبون ردّه، أو تأويله عَلَى وجه يجمع بَيْنَهُمَا. ويُعلّلون هَذَا الاشتراط: بأنَّ «خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب، والسهو والغلط، والكتاب دليل قاطع، فَلَا يقبل المحتمل بمعارضة القاطع، بَلْ يخرج عَلَى موافقته بنوع تأويل» (٤). وبالمقابل فإننا نجد الجُمْهُوْر يلغون هَذَا الاشتراط، ويجوِّزون تخصيص عموم نصوص الكِتَاب بخبر الواحد عِنْدَ التعارض، كَمَا يجوز تقييد ما أطلق من نصوصه بِهَا (٥)؛ وذلك أنّ الحنفية ومن وافقهم يرون الزيادة عَلَى النص نسخاً (٦)، وكيف يصح نسخ المقطوع بالمظنون؟ قال ابن حجر: «وأجاب بعض الحنفية بأنَّ الزيادة على القرآن نسخ، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر» (٧). فقد قال الشافعي: «وليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله ﷺ مبين معنى ما أراد الله، خاصاً وعاماً، وناسخاً ومنسوخاً، ثم يلزم الناس ما سُنَّ بفرض الله، فمن قَبِلَ عن رسول الله ﷺ فعن الله قَبِلَ» (٨). وذهب الكلوذاني - من الحنابلة - قريباً من مذهب الحنفية والمالكية

стр. 917

فقال: «ومن ذلك أنْ يدفع مقتضى خبر الواحد الكتاب أو السنة المتواترة، ولا يكون ذلك إلا إذا نفى أحدهما ما أثبته الآخر على الحد الذي أثبته، نحو أن يرد في أحدهما: ليصل فلان في الوقت الفلاني في المكان الفلاني على الوجه الفلاني، وينهى في الآخر عن هذه الصلاة على هذا الحد فلا يقبل الخبر؛ لأنا قد علمنا أنَّ الله تعالى تكلم بالآية، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ تكلم بما ورد به التواتر، فلو أخذنا بخبر الواحد، لكنا قد تركنا ما علمنا أنَّ المشرع قاله إلى ما لا نعلم أن صدق (١)، فنترك اليقين بالشك، وهذا لا يجوز» (٢). ومنع ابن حزم العمل بما خالف القرآن بقوله: «وما كان خلافاً لظاهر القرآن دون نصٍ من بيان النَّبيِّ ﷺ فلا يجوز القول به، وليس يوجب هذا القول قياس، ولا نظر» (٣). ونقل الزركشي عن أبي زيد قال: «خبر الواحد يعتقد زيفه من وجوه أربعة: العرضُ على كتاب الله، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته، ثم على السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهي الثابتة بطريق الاستفاضة … » (٤). وقال أحد الباحثين: «اعلَم أنَّه يخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث يزعم صحته، فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافية للقضاء أنْ لا يوجد حديث يقوم لمعارضة القرآن. لذا ما يمكن تصور وجودِهِ من ذلك إن كان ظاهره الصحة نقلاً، فلا يخلو من أحد حالين: الأول: أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن، لا تعدو أن تكون غلطاً من مُدَّعيها، لا غلطاً في نفس الأمر، وهذا يكون تارة وهماً، وتارة هوى. والثاني: أن تكون معارضة حقيقية، وعندئذ لا يسلم الإسناد من علة خفية. والمقصود: منع وقوع التعارض الحقيقي بين آية من كتاب الله وحديث

стр. 918

صحيح عن رسول الله ﷺ ، إلا على معنى وجود النسخ، وواقع الحال: امتناع أن يأتي حديث يسلم من علةٍ، يعارض آية من كتاب الله، وإنَّما توجد أمثلة من الحديث يحسبها بعض المشتغلين بالحديث صحيحة، ولم يقفوا على عللها، ووجدها غيرهم مما يخالف القرآن. وعرض الحديث على القرآن طريق من طرق فحصه، اعتبره أئمة هذا العلم وبنوا عليه التعليل لبعض الحديث الآتي على خلافه» (١). ويرى الجمهور: أنّ الزيادة عَلَى النص، ليست من باب النسخ دائماً (٢)، وإنَّما قَدْ تَكُوْن بياناً، أو تخصيصاً، أو تقييداً. وفي مسألة البيان لا يشترط تكافؤ الأدلة من حَيْثُ عدد ناقليها. وهذان مثالان لمعارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن الكريم. الأول: حَدِيْث فاطمة بنت قيس قالت: طَلَّقَني زَوْجي ثَلاثاً لَمْ يَجْعَلْ لي سُكْنَى وَلا نَفَقَةً، فَأَتَيْتُ رَسُوْل اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لي سُكْنَى ولا نَفَقَةً، قَالَ: «صَدَقَ» … (٣). رَوَاهُ مالك (٤)، والشافعي (٥)، والطيالسي (٦)، وعبد الرزاق (٧)، والحميدي (٨)، وسعيد (٩) بن مَنْصُوْر (١٠)، وابن سعد (١١)، وابن الجعد (١٢)،

стр. 919

وابن أبي شيبة (١)، وأحمد (٢)، والدارمي (٣)، ومسلم (٤)، وأبو داود (٥)، ابن ماجه (٦)، والترمذي (٧)، والنسائي (٨)، وابن الجارود (٩)، والطبري (١٠)، والطحاوي (١١)، وابن حبان (١٢)، وغيرهم (١٣). وألفاظ الروايات مختلفة متفقة المعنى غير أنَّ مسلماً أخرجه: ٤/ ١٩٨ (١٤٨٠) (٤٦) من طريق أبي أحمد، قال حدثنا عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أنَّ رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفاً من حصى فحصبه به، فقال: ويلك

стр. 920

تحدث بمثل هذا. قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة قال الله : ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾.». قوله: «وسنة نبينا» لفظة في ثبوتها نظر؛ قال الدارقطني: «هذا أصح من الذي قبله؛ لأنَّ هذا الكلام لا يثبت، ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه والله أعلم، وقد تابعه قبيصة بن عقبة». وَقَد اختلف الفقهاء في المطلقة ثلاثاً (المطلقة غَيْر الرجعية) إذا لَمْ تَكُنْ حاملاً، هَلْ تجب لها النفقة والسكن أم لا؟ عَلَى ثلاثة أقوال: القول الأول: إنَّ المطلقة البائن بينونة كبرى غَيْر الحامل تجب لها النفقة والسكنى عَلَى الزوج المُطَلِّق. روي ذَلِكَ عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، والنخعي، وابن شبرمة (١)، والثوري، والحسن بن صالح، وعثمان البتي (٢)، وعبيد الله ابن الحسن (٣) العنبري (٤). وَهُوَ رِوَايَة عن سعيد بن المسيب (٥).

стр. 921

وبه قَالَ الحنفية (١). واستدلوا: بأنَّ الله ﵎ افتتح سورة الطلاق بقوله - جل ذكره -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، فإنَّ الخطاب فِيْهَا شامل للمطلقة الرجعية والمبتوتة، فلما قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بآيات: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٣) كان أمراً شاملاً للجميع، فدخلت تحته البائنة والرجعية واستويتا في الحكم من حَيْثُ وجوب السكن (٤). وأجابوا عن حَدِيْث فاطمة بأنَّه مخالف لنص القرآن الصريح، واستناداً إِلَى هَذِهِ المخالفة رد حديثَها سيدُنا عمر بن الخطاب ﵁، فروى الطحاوي أنَّهُ قَالَ: «لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ بقول امرأة لا ندري لعلها كذبت (٥)» (٦). القول الثاني: لَيْسَ للمطلقة المبتوتة الحائل نفقة أيّاً كَانَت ولا سكن. روي ذَلِكَ عن: عَلِيٍّ، وابن عَبَّاسٍ، وجابر، وطاووس، وعمرو بن ميمون، والزهري، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور، وداود (٧). وَهُوَ رِوَايَة عن: الحسن البصري، وعطاء، والشعبي (٨). وإليه ذهب أحمد في المَشْهُوْر من مذهبه (٩)، وبه قَالَت الظاهرية (١٠)، والإمامية (١١).

стр. 922

واستدلوا بحديث فاطمة، وقالوا: لا تعارض بينه وبين نصوص الكِتَاب، وَهُوَ «حَدِيْث صَحِيْح صريح في دلالته، وأنَّه يعتبر مخصصاً لعموم آيات الإنفاق والسكن للمعتدات، وَلَيْسَ بمستغرب أن تَكُوْن السنة النبوية مخصصة لعام القرآن أو مقيدة لمطْلَقِهِ كَمَا هُوَ معروف في أصول الفقه» (١). القول الثالث: لها السكن دُوْنَ النفقة. روي هَذَا عن الفقهاء السبعة (٢)، والأوزاعي، وابن أبي ليلى (٣). وَهُوَ رِوَايَة عن: سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي (٤). وإليه ذهب المالكية (٥) والشافعية (٦)، والزيدية (٧)، وأحمد في رِوَايَة (٨). المثال الثاني: حكم القضاء باليمين مَعَ الشاهد. ذهب إليه المالكية (٩) والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١). وكانت إحدى الحجج المشتركة بَيْنَ هَذِهِ المذاهب الثلاثة، ما ورد: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمينِ مَعَ الشَّاهِدِ». وسيأتي الكلام عَنْهُ. المذهب الرابع: أنَّهُ لا يقضى باليمين مَعَ الشاهد في شيء مطلقاً. روي ذَلِكَ عن الشعبي، والنخعي، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وابن

стр. 923

شبرمة، وإبراهيم، والحكم بن عتيبة (١). وَهُوَ رِوَايَة عن: عروة بن الزبير، والزهري، وعمر بن عَبْد العزيز (٢). وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ وأصحابه (٣). وذكر ابن عَبْد البر أنَّ هَذَا القول لَمْ يرو عن أحد من الصَّحَابَة (٤). وأجابوا عن الْحَدِيْث بأنَّه معارض لنص القرآن الكريم، وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥)، والمانع من العمل بهذا الخبر أنَّهُ آحاد معارض للكتاب العزيز (٦). وأجاب الجُمْهُوْر عن هَذَا الاعتراض، بأن هَذَا الْحَدِيْث في أقل تقديراته يَكُوْن مشهوراً، فَقَدْ روي عن عدد من الصَّحَابَة منهم: ١. عَبْد الله بن عَبَّاسٍ: أخرجه الشَّافِعِي (٧)، وأحمد (٨)، ومسلم (٩)، وأبو داود (١٠) والنسائي (١١)، وابن ماجه (١٢)، … وأبو يعلى (١٣)، وابن الجارود (١٤)، والطحاوي (١٥) والطبراني (١٦)، والبيهقي (١٧).

стр. 924

٢. أبو هُرَيْرَةَ: عِنْدَ الشَّافِعِي (١)، والترمذي (٢)، وأبي داود (٣)، وابن ماجه (٤)، والطحاوي (٥). ٣. جابر بن عَبْد الله: عِنْدَ أحمد (٦)، وابن ماجه (٧)، وابن الجارود (٨)، والبيهقي (٩). ٤. سُرَّق (١٠): عِنْدَ ابن ماجه (١١)، والبيهقي (١٢). وَقَدْ روي أيضاً من حَدِيْث: عمر، وعلي، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث، وعمارة بن حزم، ومسلمة بن قيس، وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، وتميم الداري، وأنس، وأم المؤمنين أم سلمة، وزينب بنت ثعلبة (١٣). وإذا قُلْنَا: إنَّهُ مشهور، فإنَّه يعتبر بياناً للكتاب، ويصح كونه مخصِصاً لعام القرآن كَمَا هُوَ مقرر في أصولهم (١٤).

стр. 925

ومما روي منكراً مسلسلاً بالعلل؛ لمخالفته القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ والحكم الفقهي ما روى مُعانُ بنُ رفاعة السلامي (١)، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهاني (٢) أنَّه أخبره، عن القاسم بن عبد الرحمان أنَّه أخبره، عن أبي أُمامة الباهليِّ، عن (٣) ثعلبةَ بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله ﷺ : ادعُ اللهَ أن يرزقني مالاً، فقال رسولُ الله ﷺ : «ويحكَ يا ثعلبةُ، قليلٌ تؤدي شكرَه، خيرٌ من كثير لا تُطيقهُ!» قال: ثم قالَ مرةً أخرى، فقال: «أَمَا ترضَى أنْ تكون مثل نبيِّ الله؟ فوالذي نفسي بيده، لو شئتُ أن تسيرَ معي الجبالُ ذهباً وفضةً لسارتْ!» قال: والذي بعثك بالحقِ، لئنْ دعوتَ اللهَ فرزقني مالاً لأُعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه! فقال رسول الله ﷺ : «اللهم ارزقْ ثعلبةَ مالاً!». قال: فاتّخذَ غَنَماً، فَنَمَتْ كما ينمو الدودُ، فضاقت عليه المدينةُ فتنحّى عنها، فنزل وادياً من أوديتها، حتى جعلَ يُصلي الظهر والعصر في جماعةٍ، ويترك ما سواهما، ثم نَمَتْ وكَثرتْ، فتنحّى حتى تركَ الصلوات إلا الجمعةَ، وهي تنمو كما ينمو الدودُ، حتى تركَ الجمعةَ. فطفقَ يتلقى الرُّكبان يومَ الجمعةِ يسألهم عن الأخبارِ، فقال رسول الله ﷺ : «ما فعل ثعلبة؟» فقالوا: يا رسول الله، اتخذَ غنماً فضاقتْ عليهِ المدينةُ، فأخبروه بأمرِهِ، فقال: «يا ويحَ ثعلبةَ، يا ويحَ ثعلبةَ، يا ويحَ ثعلبةَ!» قال: وأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٤) الآية. ونزلتْ عليه فرائضُ الصدقة، فبعثَ رسولُ الله ﷺ رجلينِ على الصدقةِ، رجلاً من

стр. 926

جهينة، ورجلاً من سُليم، وكتبَ لهما كيف يأخذانِ الصدقة من المسلمينَ، وقال لهما: «مُرَّا بثعلبة وبفلان - رجلٌ من بني سُليم - فَخُذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبةَ، فسألاهُ الصدقةَ، وأقرآه كتابَ رسول الله ﷺ ، فقال: ما هذه إلا جزيةٌ، ما هذه إلا أختُ الجزيةِ، ما أدري ما هذا! انْطَلِقَا حتى تفرغا ثم عُودا إليّ! فانْطَلَقَا، وسمع بهما السُّلميُّ، فنظر إلى خيار أسنان إبلهِ فعزلها للصدقةِ ثم استقبلهم بها، فلما رأوها، قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريدُ أنْ نأخذَ هذا منكَ. قال: بلى فخذوه، فإنَّ نفسي بذلك طيبةٌ، وإنما هي لي فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رَجعا حتى مَرَّا بثعلبةَ، فقال: أروني كتابكما! فنظر فيه فقال: ما هذهِ إلا أختُ الجزيةِ، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبيَّ ﷺ ، فلما رآهما قال: «يا ويحَ ثعلبةَ!» قبل أنْ يكلمهما، ودعا للسُّلميِّ بالبركة، فأخبراه بالذي صنعَ ثعلبة، والذي صنعَ السُّلميُّ، فأنزل اللهُ ﵎ فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ (١) وعند رسول الله ﷺ رجل من أقاربِ ثعلبةَ، فسمِعَ ذلك، فخرج حتى أتاهُ، فقال: ويحكَ يا ثعلبةُ، قد أنزل الله فيكَ كذا وكذا! فخرج ثعلبة حتى أتى النبيَّ ﷺ ، فسألهُ أن يقبلَ منهُ صدقته، فقال: «إنَّ اللهَ منعني أنْ أقبلَ منكَ صدقتكَ!» فجعلَ يحثي على رأسه الترابَ، فقال له رسولُ الله ﷺ : «هذا عملُك، قد أمرتُك فلم تُطعني». فلما أبى أن يقبضَ رسولُ الله ﷺ ، رجعَ إلى منزله، وقُبضَ رسول الله ﷺ ولم يقبلْ منه شيئاً، ثمَّ أتى أبا بكر حينَ استخلفَ، فقال: قد علمتَ منزلتي منْ رسول الله ﷺ وموضعي منَ الأنصار، فاقبلْ صدقتي! فقال أبو بكر: لم يقبلها رسولُ الله ﷺ وأنا أقبلها؟ فقُبضَ أبو بكر ولم يقبضْها. فلما وليَ عمرُ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي! فقال: لم يقبلها رسولُ الله ﷺ ، ولا أبو بكرٍ، وأنا لا أقبلها منك! فقُبضَ ولم يقبلها.

стр. 927

ثمَّ ولي عثمان - رحمة الله عليه - فأتاه فسأله أنْ يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر ولا عمر رضوان الله عليهما وأنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبةُ في خلافةِ عثمانَ رحمة الله عليه (١). أخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٢٥٣)، والطبري في "تفسيره " (١٣٢٠٥) ط. الفكر و ١١/ ٥٧٨ - ٥٨٠ ط. عالم الكتب، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٦/ ١٨٤٧ (١٠٤٠٦) و (١٠٤٠٨)، وابن قانع في " معجم الصحابة " (١٨٥)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (١٤٠٦)، وابن عبد البر في " الاستيعاب " (٢٧٣)، والواحدي في " أسباب النزول " (٢٦٦) بتحقيقي، والبغوي في " تفسيره" (١٠٩٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " ١٣/ ٦، وابن الأثير في " أسد الغابة " ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤ من طريق محمد بن شعيب بن شابور. (٢) وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٧٨٧٣) وفي " الأحاديث الطوال "، له (٢٠)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (١٤٠٦) من طريق الوليد بن مسلم. وأخرجه: أبو نعيم في " معرفة الصحابة " (١٤٠٦)، وابن حزم في "المحلى " ١٣/ ٧٥، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٤٣٥٧) ط. العلمية و (٤٠٤٨) ط. الرشد وفي " دلائل النبوة "، له ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢ من طريق مسكين بن بكير. ثلاثتهم: (محمد بن شعيب، والوليد بن مسلم، ومسكين بن بكير) عن معان (٣) بن رفاعة السلامي، بهذا الإسناد.

стр. 928

وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٤٦٧ وعزاه إلى الحسن بن سفيان، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والعسكري في " الأمثال " وابن مردويه، عن أبي أمامة. قال البيهقي في " شعب الإيمان ": «في إسناد هذا الحديث نظر»، وقال في " دلائل النبوة": «هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولاً بأسانيد ضعاف». وقال ابن حجر في " فتح الباري " ٣/ ٣٣٦ عقب (١٤٠٠): «لكنه حديث ضعيف لا يحتج به»، وقال في " الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف " (٤٧٥): «وهذا إسناد ضعيف جداً». قلت: هذا حديث لا يصح، إسناده ضعيف ومتنه باطل. أما إسناده ففيه معان بن رفاعة مختلف فيه، قال عنه يحيى بن معين فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٨/ ٣٧، وابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (٣٣٥٣): «ضعيف»، وقال أحمد بن حنبل فيما نقله ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٨/ ٤٨٢ (١٩١٩): «لم يكن به بأس»، وقال السعدي فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٨/ ٣٧ وابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (٣٣٥٣): «ليس بحجة»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل " لابنه ٨/ ٤٨٢ (١٩١٩): «يكتب حديثه، ولا يحتج به»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٣/ ٣٦: «منكر الحديث، يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام مجاهيل لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب على روايته ما تنكر القلوب استحق ترك الاحتجاج به»، وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال " ٤/ ١٣٤ (٨٦١٩): «وثقه ابن المديني، … وهو صاحب حديث ليس بمتقن»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٦٧٤٧): «لين الحديث كثير الإرسال». وفيه علي بن يزيد الألهاني، قال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ١٢٧ (٢٤٧٠) وفي التاريخ الصغير " ١/ ٣٤٥ وفي " الضعفاء الصغير "، له (٢٥٥): «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم فيما نقله ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون " (٢٤١٠): «متروك الحديث»، وقال أبو زرعة فيما نقله الذهبي في

стр. 929

" ميزان الاعتدال " ٣/ ١٦١ (٥٩٦٦): «ليس بالقوي»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٤٣٢): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٤٠٧) وقال فيما نقله الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ١٦١ (٥٩٦٦): «متروك». وفيه القاسم بن عبد الرحمان، مختلف فيه، قال عنه يحيى بن معين فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " ٦/ ٧٤ (٥٣٨٩): «ثقة»، ونقل عن يعقوب بن شيبة أنه قال: «ثقة» وقال في موضع آخر: «قد اختلف الناس فيه، فمنهم من يضعّف روايته، ومنهم من يوّثقه»، ونقل عن أبي حاتم أنه قال: «حديث الثقات عنه مستقيم، لا بأس به، وإنَّما ينكر عنه الضعفاء»، وقال أحمد بن حنبل في " الجامع في العلل " ١/ ٢٠٦ (١٢٦٩): «في حديث القاسم مناكير»، وقال فيما نقله ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٧٤٦): «منكر الحديث، حدث عنه علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من قبل القاسم»، وقال ابن حجر في "التقريب" (٥٤٧٠): «صدوق يغرب كثيراً». إذن فالسند مسلسل بالعلل زيادة على علته الكبيرة، وهي التفرد إذ لم يروه عن أبي أمامة سوى القاسم بن عبد الرحمان ولم يروه عن القاسم سوى علي، ولم يروه عن علي سوى معان، ولا يقبل تفرد واحد من هؤلاء؛ لضعفهم فالإسناد مظلم؛ لذا قال العلاّمة الكبير أحمد محمد شاكر في تعليقه على " تفسير الطبري " ٢٤/ ٣٧٣: «وهو ضعيف كل الضعف ليس له شاهد من غيره، وفي بعض رواته ضعف شديد». أما متن الحديث فمنكر جداً. قال ابن حزم في " المحلى " ١٣/ ٧٥ بعد ذكر الآية: «وهذه أيضاً صفة أوردها الله تعالى يعرفها كل من فعل ذلك بنفسه، وليس فيها نص ولا دليل على أنَّ صاحبها معروف بعينه، على أنه قد روينا أثراً لا يصح، وفيه أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل؛ لأنَّ ثعلبة بدريٌّ معروفٌ» فخرّج حديثنا هذا، وقال عقبه: «وهذا باطل بلا شك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر ﵇ عند موته أنْ لا يبقى في جزيرة العرب

стр. 930

دينان، فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلماً ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد، ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافراً ففرض أنْ لا يقر في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك، وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمان، وعلي بن يزيد -وهو أبو عبد الملك الألهاني - وكلهم ضعفاء، ومسكين بن بكير: ليس بالقوي». وقال القرطبي في " تفسيره " ٨/ ٢١٠: «وثعلبة بدري أنصاري ممن شهد الله له ورسوله بالإيمان … فما روي عنه غير صحيح». قال ابن الأثير في " أسد الغابة " ١/ ٤٦٤ (٥٩٠) عقب الحديث: «أخرجه الثلاثة (١)، ونسبوه كما ذكرناه وكلهم قالوا: إنَّه شهد بدراً، وقال ابن الكلبي: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية - يعني: ابن زيد ابن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف الأنصاري من الأوس، شهد بدراً، وقُتِلَ يوم أحد، فإن كان هذا الذي في هذه الترجمة، فإما أنْ يكون ابن الكلبي قد وهم في قتله، أو تكون القصة غير صحيحة، أو يكون غيره، وهو هو لا شك فيه». وقال ابن حجر في " الإصابة " (٩٢٤): «وفي كون صاحب هذه القصة - إن صح الخبر ولا أظنه يصح - هو البدري المذكور قبله نظر - عنى بذلك: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد - وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي: إنَّ البدري استشهد بأحد، يقوّي ذلك أيضاً أنَّ ابن مردويه روى في " تفسيره " من طريق عطية، عن ابن عباس في الآية المذكورة قال: وذلك أنَّ رجلاً يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار، أتى مجلساً فأشهدهم فقال: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِه﴾ فذكر القصة بطولها (٢)، فقال: إنَّه ثعلبة بن أبي

стр. 931

حاطب، والبدري اتفقوا على أنَّه ثعلبة بن حاطب، وقد ثبت أنَّه ﷺ قال: «لا يدخل النار أحدٌ، شهد بدراً والحديبية» (١) وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (٢)، فمن يكون بهذه المثابة، كيف يعقبه الله نفاقاً في قلبه وينزل فيه ما نزل؟ فالظاهر أنَّه غيره، والله أعلم». وقال أيضاً في " الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف " (٤٧٥): «وقال السهيلي عن ابن إسحاق: ثعلبة بن حاطب من البدريين. وعن ابن إسحاق أيضاً: في المنافقين وذكر هذه الآية التي نزلت فيه، فلعلهما اثنان». قلت: هذا حديث متنه باطل؛ لأنَّه يخالف ما جاء في القرآن والسنة فقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤)، وقال رسول الله ﷺ : «إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يغرغرْ» (٥) وها هو قد جاء تائباً، نادماً، خائفاً فمن يحول بينه وبين التوبة ورجاء القبول، والتوبة لم يحجبها الله عن أحد من خلقه إلا عن إبليس، وعن فرعون لكونه وصل إلى حالة اليأس وهي بمثابة الغرغرة وما شابه ذلك، وهذا إذا كان السند صحيحاً، فكيف والسند مسلسل بالعلل كما تقدم؛ فالحديث باطلٌ سنداً ومتناً. ٢ - معارضة خبر الآحاد لحديث آخر: مِمَّا لاريب فِيْهِ أنَّ الأحكام الشرعية مصدرها واحد، لذا نجد أنَّ من العلماء كثراً ذهبوا إلى امتناع ورود دليلين صحيحين متكافئين في نفس الأمر

стр. 932

ويكونان متضادين ينفي أحدهما ما أثبته الآخر (١). لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ وجدنا من أدلة الأحكام الشرعية قد بدت - لأول وهلة - متعارضة من حَيْثُ الظاهر، والحقيقة أنَّهُ لا تعارض بَيْنَها؛ لذا كَانَ الإمام ابن خزيمة يَقُوْل: «لا أعرف أنَّهُ روي عن رسول الله ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كَانَ عنده فليأت بِهِ حتى أؤلف بَيْنَهُمَا» (٢). وَقَد تقاسم المحدّثون والأصوليون الاهتمام بهذا الجانب، وكرَّسوا لَهُ جزءاً لا يستهان بِهِ من طاقاتهم الفكرية؛ وذلك من خلال إشباعه بحثاً في مصنفاتهم. فالأصوليون ذكروه تحت باب " التعارض والترجيح " (٣)، وأما المحدّثون فَقَدْ خصوه بنوع من أنواع علم الْحَدِيْث أسموه مختلف الْحَدِيْث، تحدّثت عَنْهُ كتب المصطلح، وأفرده قسم مِنْهُمْ بالتأليف المستقل. فإن كان الحديثان المتعارضان متماثلين في القوة، أو على أقل الأحوال صحيحين، فقد سلك الفريقان إزاء هَذَا الاختلاف الظاهري ثلاثة مسالك، هِيَ: ١. الجمع. ٢. النسخ. ٣. الترجيح (٤).

стр. 933

وهذه المسالك ليست اختيارية للمجتهد، بَلْ هِيَ واجبة حسب ترتيبها، فالمجتهد يطلب الجمع بوجه من الوجوه الممكنة من غَيْر تعسّف (١)؛ لأنَّ في الجمع إعمالاً للدليلين معاً، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما أو إهمالهما كليهما (٢). وإذا لَمْ يمكن الجمع، فإن عُلِمَ تاريخ المتقدم من المتأخر قِيْلَ بالنسخ، والنسخ: رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه. والناسخ: ما يدل على الرفع المذكور. ويعرف النسخ بأمور: - أصرحها: ما ورد في النص. - ومنها: ما يجزم الصحابي بأنَّه متأخر. - ومنها: ما يعرف بالتاريخ، وليس منها ما يرويه الصحابي الذي تأخر إسلامه معارضاً للمتقدم عليه؛ لاحتمال أنْ يكون سمعه من صحابي آخر أقدم من المذكور، أو يكون مثله فأرسله، فإن وقع التصريح بسماعه له من النَّبيِّ ﷺ فينسخه بشرط أن يكون لم يتحمل عن النَّبيِّ ﷺ شيئاً قبل إسلامه، فإن لم يعلم التاريخ صير إِلَى الترجيح بوجه من وجوهه المعتبرة (٣). قال ابن رجب: «وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ، فلا يطلقه إلا عن يقين وتحقيق، فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار والأخذ بأصحها إسناداً، فأخذ بحديث عائشة في المرأة، وبحديث

стр. 934

ابن عباس في الحمار، فبقي الكلب الأسود من غير معارض» (١). وقد ذكر الحازمي (٢) خمسين وجهاً من وجوه الترجيح، وزاد عليها الحافظ العراقي فأوصلها إلى مئة وجهٍ أو تزيد (٣)، وأرجعها السيوطي إلى سبعة أقسام تندرج تحتها وجوه الترجيح (٤). ثُمَّ إنَّ هَذَا التعارض إنَّما يَكُوْن متجهاً فِيْمَا إذا تساوى الدليلان من حَيْثُ القوة، أما إذا كَانَ أحدهما صحيحاً والآخر ضعيفاً، فَلَا اعتبار بمخالفة الضعيف، إذ الضعيف غَيْر معتبر في نفسه، فكيف تستقيم معارضته لما هُوَ أقوى مِنْهُ؟ وقد كان حفاظ الحديث المتقدمون يردون الحديث الواحد من رواية الثقة إلى المحفوظ من السنن، ويجعلون من ذلك المحفوظ ميزاناً يزنون به رواية ذلك الثقة، فإن جاءت على خلاف المحفوظ جعلوا ذلك علة لها (٥)، يعلم ذلك من تتبع صنيعهم في إعلال كثير من الأحاديث التي هذه حالتها. فجهابذة المتقدمين ممن لم يفصلوا متن الحديث عن سنده، ولا فصلوا هذين عن فقهه ومعناه، إذا جاءهم الحديث أول ما ينظرون إلى معناه هل هو موافق للشرع أم لا؟ ثم هل هو موافق للمحفوظ أم لا؟ فلعل راويه قد أخطأ فيه، أو وهم في متنه، أو خالف ما عند الناس. ونقل ابن رجب عن الشافعي في الحديث الذي فيه المرأة والحمار والكلب قال: «إنه عندنا غير محفوظ، وردّه - أي الشافعي - لمخالفته لحديث عائشة وغيره؛ ولمخالفته لظاهر قول الله : ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾» (٦).

стр. 935

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنَّ اختلاف الروايات شيء غير تعارض الأدلة، فاختلاف الروايات يعني: أنَّ الحديث متحد المخرج والمدار، ثم اختلف الرواة عن المدار في سند الحديث أو في متنه، أما تعارض الأدلة فهو إشكال في ذهن الناقد أو الفقيه رأى من خلاله تعارضاً بين دليلين منفصلين، وعلى هذا فإن اختلاف الروايات عن المدار ما لم يكن راجعاً إلى معنى واحد، لا بد فيه من سلوك طريق الترجيح أولاً، ولا يجمع بينهما إذا كان المعنى متعارضاً، ولا دخل للنسخ هنا؛ لأنَّ الاختلاف طارئ متأخر، وقد صدر الحديث عن النَّبيِّ ﷺ مرة واحدة. أما ما يذكر في كتب الأصول والمصطلح من الجمع ثم الحكم بالنسخ إنْ عُلم المتقدم والمتأخر ثم الترجيح ثم التوقف، فهذا في اختلاف دليلين منفصلين، ومن الخطأ تطبيق هذه القاعدة على اختلاف الروايات (١). ولاختلاف الروايات أسباب: ١ - الرواية بالمعنى: فمعلوم قطعاً أنَّ كثيراً من الأحاديث التي تروى عن النَّبيِّ ﷺ ، لم ينطقها النَّبيُّ ﷺ بحروفها وترتيبها كاملة كما نقلت إلينا، ولكنَّه كلام النَّبيِّ ﷺ بالجملة، وما تغاير اللفظ فيه فهو يحمل على المعنى في الغالب. علماً أنَّ الرواية بالمعنى ليست هي الغالب في نقل الأحاديث، بل الأصل أنَّ الحديث نقل إلينا بلفظه، لكن حينما تختلف الألفاظ المنقولة في كثير من الأحايين، فتحمل على النقل بالمعنى. ٢ - قلة ضبط بعض الرواة، فربما تكون الواقعة في الخبر هي التي يهتم بها الناقل، فيضبطها، ولا يعتني عناية تامة فيما هو خارج عن المناسبة. ٣ - اختلاف فهوم النقلة، فربما يكون الحديث فعلاً من أفعاله ﷺ فيحكيه أحدهم على وجه ويحكيه الآخر على وجه آخر إلا أنَّ المعنى واحد، فالحديث حكاية فعل لا حكاية قول. ٤ - وربما يكون اختلاف الروايات اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فكل راوٍ يحكي ما رآه ممن لم يره الآخر وإنْ كانت الواقعة واحدة.

стр. 936

٥ - وربما يكون هناك اختلاف حقيقي فعلي سببه تعدد الواقعة، فمعلوم أنَّ بعض الحوادث تكررت وتعددت كواقعة السهو في الصلاة. وينبغي لطالب العلم في مثل هذا النظر في حال هذه الروايات المختلفة، والترجيح بأحوال منها: النظر في أحوال الرواة عند تعددها فهم غالباً يتفاوتون في الضبط، وكذلك ينظر إلى العدد فقد يكون الجمع الغفير يتفق على رواية معينةٍ ويخالفهم من هم أقل عدداً. والنظر في ترجيح الأئمة الأوائل لهذه الرواية أو تلك مما ينقل عنهم من إعلال وترجيح وغير ذلك مما هو معلوم لدى الإستقراء (١). وَقَد اختلفت مناهج الفقهاء والمدارس الفقهية في سلوك مسالك دفع التعارض بَيْنَ الأدلة الشرعية المتكافئة المتعارضة من حَيْثُ الظاهر، فمنهم من يتبين لَهُ وجه جمع بينها، ومنهم من قَد يرى في الجمع تكلفاً فيلجأ إِلَى القول بالنسخ … وهكذا، مِمَّا أدّى إِلَى ظهور خلاف بَيْنَ الفقهاء في استنباط الأحكام الَّتِي دلّت عَلَيْهَا تِلْكَ الأدلة. وقد يأتي حديث موقوف لفظاً، وله حكم المرفوع، وتأتي لفظة منه تعارض الأحاديث الصحيحة الثابتة، مثاله ما روى سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود ﵁ حديثاً طويلاً موقوفاً عليه وفيه: ثم يأذن الله تعالى في الشفاعة فيكون أول شافع، روح الله القدس جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يقوم نبيكم ﵌، فلا يشفع أحد فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود، الذي ذكره الله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا﴾ (٢). أخرجه: الطيالسي (٣٨٩)، والعقيلي في " الضعفاء الكبير " ٢/ ٣١٤ - ٣١٥، والنسائي في " الكبرى " (١١٢٩٦) ط. العلمية و (١١٢٣٢) … ط. الرسالة وفي " التفسير" له (٣١٦)، والطبري في " التفسير " (١٧٠٦٣) ط. الفكر و ١٥/

стр. 937

٤٤ - ٤٥ ط. عالم الكتب، وابن خزيمة في " التوحيد ": ١٧٥ - ١٧٦ ط. العلمية و (٢٥٢) ط. الرشد، والطبراني في " الكبير " (٩٧٦٠) و (٩٧٦١)، والحاكم ٤/ ٤٩٦ - ٤٩٨ و ٥٩٨ - ٦٠٠، والبيهقي في " البعث والنشور " (٥٩٨) من طرق عن سلمة بن كهيل، بهذا الإسناد موقوفاً. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» وتعقبه الذهبي، فقال: «ما احتجا بأبي الزعراء». وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٣٣٠: «رواه الطبراني وهو موقوف مخالف للحديث الصحيح، وقول النبي ﷺ : «أنا أول شافع»». وقال الشيخ الألباني في تعليقه على " شرح العقيدة الطحاوية ": ٤١٠: «وله حكم المرفوع؛ لكنه منقطع بين أبي الزعراء واسمه يحيى بن الوليد، لم يرو عن أحد من الصحابة بل عن بعض التابعين، ثم إن في الحديث فقرة .. مخالفة لحديث صحيح … ». قلت: قد أصاب الشيخ، فإن الحديث في حكم المرفوع؛ لأن هذا الكلام لا يقال بالرأي، أما قوله: لكنه منقطع بين أبي الزعراء واسمه يحيى بن الوليد. فقد أخطأ فيه ﵀؛ وذلك لكون أبي الزعراء هذا هو عبد الله بن هانئ أبو الزعراء الأكبر، وقد أورد المزي هذا الحديث في " تحفة الأشراف " (١) في ترجمة عبد الله بن هانئ، عن عبد الله بن مسعود، وكذلك ابن حجر في "إتحاف المهرة " في موضعين في ترجمة عبد الله بن هانئ (٢) وفي كنيته أبي الزعراء (٣)، عن عبد الله بن مسعود. قال البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ١٢٠ (٧٢٠): «روى عن ابن مسعود في الشفاعة، ثم يقوم نبيكم رابعهم، والمعروف عن النبي ﷺ : «أنا أول شافع» ولا يتابع في حديثه».

стр. 938

وقال العقيلي: «سمع ابن مسعود، وفيه كلام ليس في حديث الناس». وقال النسائي فيما نقله ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٣٨٩: «أبو الزعراء لا يعلم أحد روى عنه غير سلمة بن كهيل». انظر: " تحفة الأشراف " ٦/ ٣٣٤ (٩٣٥٣)، و" إتحاف المهرة " ١٠/ ٢٩٩ (١٢٧٩٩) و ٥١٦ (١٣٣١٩). وهذا الحديث فيه ما ينافي الحديث الصحيح الذي يدل على أنَّ أول من يُشَفَّع هو رسول الله ﷺ ، وكما أشار البخاري، والهيثمي، والشيخ الألباني. فقد ورد من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً». أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٢١٨٣) و (٣٦٨٥٧)، وأحمد ٣/ ١٤٠، والدارمي (٥١)، ومسلم ١/ ١٣٠ (١٩٦) (٣٣٢)، وابن أبي عاصم في "السنة " (٧٩٦)، وأبو يعلى (٣٩٦٨)، وابن خزيمة في " التوحيد ": ٢٥٥ ط. العلمية و (٣٦٠) ط. الرشد، وابن منده في " الإيمان " (٨٨٦) و (٨٨٧) من طريق زائدة بن قدامة (١). وأخرجه: مسلم ١/ ١٣٠ (١٩٦) (٣٣٠)، وأبو يعلى (٣٩٥٩) و (٣٩٦٧) و (٣٩٧٣) من طريق جرير (٢). وأخرجه: أبو عوانة ١/ ١٠٢ و ١٣٨ من طريق حفص بن غياث (٣). وأخرجه: ابن منده في " الإيمان " (٨٨٥) من طريق القاسم بن مالك المزني (٤). أربعتهم: (زائدة، وجرير، وحفص، والقاسم) عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أنا أولُ الناس يشفعُ في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً».

стр. 939

انظر: " تحفة الأشراف " ١/ ٦٧٨ (١٥٧٨)، و"إتحاف المهرة" ٢/ ٣٣١ (١٨١٤). وقد تجتمع في الحديث عدة علل من ضعف في الرواة ونكارة في المتن ومعارضته لأحاديث صحيحة قوية، يدركها الباحث لأول نظرة في الحديث، مثاله ما روى عمار بن مطر، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قتل مسلماً بمعاهد، وقال: «أنا أَكْرَمُ مَنْ وَفَى بِذمَّتهِ». أخرجه: الدارقطني ٣/ ١٣٣ ط. العلمية و (٣٢٥٩) ط. الرسالة، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٣٠ من طريق عمار بن مطر الرهاوي، عن إبراهيم بن محمد، عن ربيعة، عن عبد الرحمان بن البيلماني، عن عبد الله بن عمر، به موصولاً هكذا. أقول: هذا حديث ضعيف. قال الدارقطني: «لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني - مرسل - عن النبيِّ ﷺ ، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وَصل الحديث فكيف بما يرسله، والله أعلم». وقال البيهقي: «هذا خطأ من وجهين، أحدهما: وصله بذكر ابن عمر فيه، وإنَّما هو عن ابن البيلماني، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً. والآخر: روايته عن إبراهيم، عن ربيعة وإنَّما يرويه إبراهيم، عن ابن المنكدر. والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي فقد كان يقلب الأسانيد، ويسرق الحديث حتى كثر ذلك في رواياته، وسقط عن حد الاحتجاج به». وعمار بن مطر قال عنه أيضاً أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٦/ ٥١٨ (٢١٩٨): «كان يكذب»، و قال العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٣٢٧: «يحدث عن الثقات بمناكير»، و قال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١٨٥: «يسرق الحديث ويقلبه»، وقال ابن عدي في " الكامل " ٦/ ١٣٧: «متروك الحديث».

стр. 940

أما إبراهيم بن محمد فقد قال عنه يحيى القطان فيما نقله ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل " ٢/ ٧٣ (٣٩٠): «سألت مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي يحيى أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه»، وقال أحمد بن حنبل في "الجامع في العلل " ٢/ ٣٦ (٢٩٩): «ترك الناس حديثه»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٣٠٦ (١٠١٣)، وفي " الضعفاء الصغير "، له (٨): «تركه ابن المبارك والناس»، ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٢/ ٧٤ (٣٩٠) عن أبيه أنَّه قال: «كذاب، متروك الحديث»، وعن أبي زرعة أنَّه قال: «ليس بشيء»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٥): «متروك الحديث». زيادة على هذا ضعف عبد الرحمان بن البيلماني قال عنه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٥/ ٢٦٩ (١٠١٨): «هو لين»، وقال البزار كما في " كشف الأستار " (١٢٩٣) و (١٢٩٦): «عبد الرحمان له مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم»، وقال الحازمي في " الاعتبار ": ٢٨٤ ط. الوعي و (٣٠٥) ط. ابن حزم: «وليس ابن أبي يحيى ممن يفرح بحديثه». ومع كل هذه العلل فهو معلول بالإرسال، والصواب في الحديث الإرسال. فأخرجه الشافعي في " مسنده " (١٦٢٢) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٧/ ٣٢٠ وفي ط. الوفاء ٩/ ١٢٨، ومن طريقه البيهقي في " معرفة السنن والآثار " (٤٨١٤) ط. العلمية و (١٥٧٢٥) ط. الوعي عن محمد بن الحسن. وأخرجه: البيهقي ٨/ ٣٠ من طريق يحيى بن آدم. وأخرجه: البيهقي ٨/ ٣١ من طريق القاسم بن سلاّم. ثلاثتهم: (محمد بن الحسن، ويحيى بن آدم، والقاسم بن سلاّم) عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمان بن البيلماني: أنّ رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فَرُفِعَ ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «أَنا أَحَقُّ مَن وَفَى بِذِمَّتهِ» ثم أمر فقتل، مرسلاً.

стр. 941

قال البيهقي: «هذا هو الأصل في هذا الباب، وهو منقطع وراويه غير ثقة». وقد توبع محمد بن المنكدر تابعه ربيعة الرأي. فأخرجه: عبد الرزاق (١٨٥١٤)، ومن طريقه الدارقطني ٣/ ١٣٥ ط. العلمية و (٣٢٦٠) ط. الرسالة، والبيهقي ٨/ ٣١، والحازمي في "الاعتبار ": ٢٨٤ ط. الوعي و (٣٠٥) ط. ابن حزم عن الثوري، عن ربيعة الرأي. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٧٩٠٩)، وأبو داود في " المراسيل ": ١٥٥ ط. القلم و (٢٥٠) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٣/ ١٩٥ وفي ط. العلمية (٤٩٣٦)، والدارقطني ٣/ ١٣٥ ط. العلمية و (٣٢٦١) و (٣٢٦٢) ط. الرسالة، والبيهقي ٨/ ٣٠ - ٣١، والحازمي في "الاعتبار ": ٢٨٣ ط. الوعي و (٣٠٤) ط. ابن حزم من طرق عن ربيعة، عن عبد الرحمان بن البيلماني، به مرسلاً (١). ونقل البيهقي، عن صالح بن محمد أنه قال: «عبد الرحمان بن البيلماني حديثه منكر، وروى عنه ربيعة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَتل مسلماً بمعاهد، وهو مرسل منكر»، وقال البيهقي: «ويقال إنَّ ربيعة إنَّما أخذه عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى والحديث يدور عليه» (٢)، ونقل عن علي بن المديني أنَّه قال: «حديث ابن البيلماني: أنَّ النبيَّ ﷺ قتل مسلماً بمعاهدٍ، هذا إنما يدور على ابن أبي يحيى ليس له وجه حجاج وإنَّما أخذه عنه». ولهذا رواه في ٨/ ٣١ بصيغة البلاغ من طريق القاسم بن سلاّم، قال: بلغني عن ابن أبي يحيى أنه قال: أنا حَدَّثتُ ربيعة بهذا الحديث. فإنما دار

стр. 942

الحديث على ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمان بن البيلماني: أنّ النَّبيَّ ﷺ أقادَ مسلماً بمعاهدٍ وقال: «أَنا أَحقُّ مَنْ وفّى بذمتهِ». وهذه رواية شديدة الأهمية؛ فإنها تبين تدليس ربيعة وتعيد الحديث إلى مداره إبراهيم، ولكن هذا الحديث ضعيف؛ لإرساله ولكونه جاء بصيغة البلاغ، فلا يعرف من هو الذي بلغ به مع شدة ضعف مداره. وقد بين الشافعي علة حديث ابن البيلماني الرئيسة فقال فيما نقله البيهقي في " المعرفة " عقب (٤٨١٨): « .. وحديث ابن البيلماني منقطع، وحديث ابن البيلماني خطأ، وإنَّما روى ابن البيلماني فيما بلغني أنَّ عمرو بن أمية قتل كافراً كان له عهد إلى مدة، وكان المقتول رسولاً فقتله النبيُّ ﷺ ». وأخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٣/ ١٩٥ وفي ط. العلمية (٤٩٣٧) من طريق محمد بن أبي حميد المدني، عن محمد بن المنكدر، عن النبيِّ ﷺ . وهذا حديث ضعيف؛ لإرساله بل إنَّه معضل. وفيه محمد بن أبي حميد المدني قال عنه يحيى بن معين كما نقله العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ٦١: «ليس بشيء»، و قال أحمد بن حنبل كما في " الجامع في العلل " ١/ ٣٤٧ (٢٧١٩): «أحاديثه أحاديث مناكير» وفي ٢/ ٣٠ (٢٣٩): «ليس هو بقوي في الحديث»، وقال البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٧٢ (١٦٨) وفي "الضعفاء الصغير "، له (٣١٥): «منكر الحديث»، وقال ابن حبان في "المجروحين " ٢/ ٢٦٨: «كان شيخاً مغفلاً يقلب الإسناد ولا يفهم، ويلزق به المتن ولا يعلم، فلما كثر ذلك في أخباره بطل الاحتجاج بروايته»، وقال الجوزجاني في " أحوال الرجال " (٢١٦): «واهي الحديث، ضعيف». أقول: هذا حديث منكر الإسناد منكر المتن، قال أبو عُبيد - القاسم بن سلاّم - فيما نقله البيهقي ٨/ ٣١: «وهذا حديث ليس بمسند ولا يجعل مثله إماماً يسفك به دماء المسلمين. قال أبو عُبيد: وقد أخبرني عبد الرحمان بن مهدي، عن عبد الواحد بن زياد، قال: قلت لزفر: إنَّكم تقولون إنا ندرأ الحد بالشبهات، وإنَّكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها. قال: وما هو؟

стр. 943

قال: قلت: المسلم يقتل بالكافر. قال: فاشهد أنت على رجوعي عن هذا». وقال الحازمي في " الاعتبار ": ٢٨٥ ط. الوعي و (٣٠٦) ط. ابن حزم: «وذهب الشافعي إلى أنَّ حديث ابن البيلماني على تقدير ثبوته منسوخ بقوله ﷺ في خطبته زمن الفتح «لا يقتلُ مسلمٌ بكافر» (١)». وانظر: "نصب الراية" ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦، و"تحفة الأشراف" ١٢/ ٣٩٠ (١٨٩٥٧)، و"إتحاف المهرة" ٨/ ٥٥٧ (٩٩٥٣). ومن المعارضة أن يأتي الخبر فيعارض ما ثبت تاريخياً، مثاله ما روى السديُّ، عن أبي سعد الأزدي (٢)، عن أبي الكنود، عن خَبّاب بن الأرتّ في قوله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٣) قال: جاء - يعني: النبيَّ ﷺ الأقرعُ بنُ حابسٍ التميميُّ وعُيَينةُ ابن حصن الفزاري فوجدوا النبيَّ ﷺ قاعداً مع بلال وعمار بن ياسر وصُهيب وخَبّاب بن الأرت ﵃ في أناسٍ من الضعفاء منَ المؤمنين، فلما رأوهم حوله حَقَروُهم، فأتوه فَخَلَوا به، فقالوا: إنا نحبُ أنْ تجعل لنا منكَ مجلساً تعرف به العرب فضلنا، فإنَّ وفودَ العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العربُ قعوداً مع هؤلاء العبيد، أو إذا نحنُ جئناكَ فأقمهم عنا، وإذا نحن فرغنا فأقعدهم إنْ شئتَ، فقال: «نعم» فقالوا: فاكتبْ لنا عليك كتاباً، فدعا بالصحيفة ليكتب لهم، ودعا علياً ليكتب، فلما أراد ذلك ونحن قعود في ناحية؛ إذ نزل جبريل ﵇: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية. ثم ذكر الأقرعَ بنَ حابس وصاحبَه قال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (٤) ثم ذكره فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ

стр. 944

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١) فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة، فدعانا فأتيناه وهو يقول: «سلامٌ عليكم» فدنونا منه حتى وضعنا رُكَبَنا على رُكْبَتَيِه، وكانَ رسولُ الله ﷺ يجلسُ معنا، فإذا أراد أنْ يقومَ قامَ وَتَرَكَنَا، فأنزل الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقول: لا تجالس الأشراف: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢) أمَّا الذي أغفل قلبه فهو عيينةُ، والأقرعُ بنُ حابس، وأما فُرُطاً فهلاكاً (٣)، ثم ضرب مَثَلَ رجلين ومَثَلَ الحياة الدنيا قال: فكنا بعدَ ذلكَ نَقعدُ مع النَّبيِّ ﷺ ، فإذا بَلَغْنَا الساعة التي كانَ يقوم فيها قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حتى يقومَ وإلا صَبَرَ حتى نقومَ (٤). أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤١٢٧)، والبزار (٢١٢٩) و (٢١٣٠)، والطبري في "تفسيره " (١٠٣٢٨) ط. الفكر و ٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠ و ٢٦٠ ط. عالم الكتب، والطحاوي في شرح مشكل الآثار " (٣٦٧) وفي

стр. 945

(تحفة الأخيار) (٦٠٢٦)، وابن أبي حاتم في " تفسيره" ٤/ ١٢٩٧ (٧٣٣١)، والطبراني في " الكبير " (٣٦٩٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء " ١/ ١٤٦ - ١٤٧ و ٣٤٤ و ٣٤٥، والمزي في " تهذيب الكمال " ٨/ ٤١٠ (٨١٨٥) من طريق أسباط بن نصر. وأخرجه: البيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، والواحدي في "أسباب النزول" (٢٤٠) بتحقيقي وفي " تفسيره " ٢/ ٢٧٤ من طريق حكيم بن زيد. كلاهما: (أسباط بن نصر، وحكيم بن زيد) عن السدي، بهذا الإسناد. قال البوصيري في " الزوائد " ٤/ ٢١٩ (١٦٤١): «هذا إسناد صحيح رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط ابن نصر فذكره بإسناده ومتنه وزاد في آخره «ولا صبر أبداً حتى نقوم» وأصله في "صحيح مسلم" وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص، وقد روى مسلم والنسائي والمصنِّف (١) بعضه من حديث سعد بن أبي وقاص». قلت: في إسناده من تكلم فيه، فالسُّدي صدوق يَهِمُ ورُمِيَ بالتشيع كما قال الحافظ ابن حجر في " التقريب " (٤٦٣). وأبو سعد الأزدي لم يذكر فيه العلماء جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٥٦٨، وقال عنه الحافظ ابن حجر في " التقريب " (٨١١٧): «مقبول». وأبو الكنود الكوفي وهو عبد الله بن عامر أو عبد الله بن عمير. ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ٦٤ (٥٠٣)، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٥/ ١٥٩ (٥٩٩) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، ووثقه ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٢١٥ - ٢١٦، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٤٤، وقال عنه ابن حجر في " التقريب " (٨٣٢٨): «مقبول». ولم أجد متابعاً للسدي أو من بعده فالحديث ضعيف من جهة السند.

стр. 946

وأما الحافظ ابن كثير فقد انتقده من ناحية أخرى فقال في " تفسيره ": ٦٨٥: «وهذا حديث غريب، فإنَّ هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر». فبذلك بان ضعف الحديث وعدم صحته. وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٤٧ (٣٥٢٢)، و " جامع المسانيد " ٤/ ٧٦ (٢٤٣٦) وأصل الحديث أنه من حديث سعد بن أبي وقاص. أخرجه: عبد بن حميد (١٣١)، ومسلم ٧/ ١٢٧ (٢٤١٣) (٤٥)، وابن ماجه (٤١٢٨)، والنسائي في " الكبرى " (٨٢٢٠) و (٨٢٣٧) و (٨٢٦٤) ط. العلمية و (٨١٦٣) و (٨١٨٠) و (٨٢٠٧) ط. الرسالة وفي "فضائل الصحابة "، له (١١٦) و (١٣٣) و (١٦٠) و (١٦٢)، وأبو يعلى (٨٢٦)، والطبري في " تفسيره " (١٠٣٣٢) ط. الفكر و ٩/ ٢٦٢ ط. عالم الكتب، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٤/ ١٢٩٨ (١٣٣١)، وابن حبان (٦٥٧٣)، والحاكم ٣/ ٣١٩، وأبو نعيم في " الحلية" ١/ ٢٤٥، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٣٥٣، والواحدي في " أسباب النزول " (٢٣٩) بتحقيقي من طريق المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبيِّ ﷺ : اطردْ هؤلاء لا يجترؤُن علينا. قال: وكنتُ أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أنْ يقع، فحدث نفسه فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٢٥ وعزاه إلى الفريابي، وأحمد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه. أقول: وقد اعتمد الدكتور خالد بن سليمان المزني في " المحرر في أسباب النزول ": ٦٨٤ على أمر آخر لتقوية هذا الحديث، فقال: إن سبب النزول المذكور وإن كان ضعيفاً لكن يعتضد بإجماع المفسرين على معناه، وسياق الآيات القرآني ويكون سبب نزولها، والله أعلم.

стр. 947

وهذا القول عليه بعض المؤخذات منها: ١. ادعى الإجماع ولم ينقل عمن نقله. ٢. لعله أراد بالإجماع ذكر أصحاب التفسير لهذه القصة في مصنفاتهم، فإن صح هذا الأمر فيكون أشد عليه من الأول، وهل ذكر المفسرين لأمر ما دليل على تصحيحه؟ ولو أُصِّل هذا الأمر لُصحِحت عدد من القصص والروايات الواهية والموضوعة والتالفة كقصة ثعلبة وغيرها. وانظر: " تحفة الأشراف" ٣/ ٢٤٩ (٣٨٦٥)، و"جامع المسانيد" ٥/ ١٤٤ (٣٢٣٨). مثال آخر: روى يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أَتتْ قريشٌ اليهودَ، فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويدُهُ بيضاء للناظرين، وأَتَوا النصارى، فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: يُبرِئ الأَكمهَ والأَبرصَ ويُحيي الموتى. فأَتوا النبيَّ ﷺ فقالوا: ادعُ لنا ربَّكَ يجعل لنا الصَّفا ذهباً. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ (١). أخرجه: ابن المنذر في " تفسيره " (١٢٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٣/ ٨٤١ (٤٦٥٥)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٦١٦) وفي (تحفة الأخيار) (٥٩٣٦)، والطبراني في "الكبير" (١٢٣٢٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (١٥٨) بتحقيقي واللفظ له، من طريق يحيى الحماني، بهذا الإسناد. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٢٩٩ و ٢/ ١٩٣ وعزاه لابن مردويه، عن ابن عباس. هذا الحديث فيه يحيى الحماني، قال عنه ابن نمير فيما نقله الذهبي في … " الميزان " ٤/ ٣٩٢ (٩٥٦٧): «كذاب» وقال مرة أخرى : «ثقة»، وقال أحمد بن

стр. 948

حنبل فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٢٠٧ (٦٩٥)، والذهبي في " الميزان " ٤/ ٣٩٢ (٩٥٦٧): «كان يكذب جهاراً»، وقال البخاري في" التاريخ الكبير " ٨/ ١٧١ (٣٠٣٧): «يتكلمون فيه رماه أحمد وابن نمير» وفي " الضعفاء الصغير "، له (٣٩٨) قال: «سكتوا عنه»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٦٢٥): «ضعيف»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٧٥٩١): «حافظ إلا أنَّهم اتهموه بسرقة الحديث»، إلا أنّ ابن معين قال في " تاريخه " (٨٩٩) برواية الدارمي: «صدوق مشهور، ما بالكون مثل ابن الحماني، ما يقال فيه إلا من حسد» (١). وفيه أيضاً يعقوب القمي قال عنه النسائي: «ليس به بأس»، و قال الدارقطني: «ليس بالقوي» هذا فيما نقله الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٨/ ٣٠٠، وقال ابن حجر في " التقريب " (٧٨٢٢): «صدوق يهم». وفيه جعفر بن أبي المغيرة قال عنه أحمد بن حنبل في " الجامع في العلل " ٢/ ١٢٠ (١٠٥٧): «ثقة»، وقال الذهبي في " الميزان " ١/ ٤١٧ (١٥٣٦): «وكان صدوقاً» وقال: «قال ابن منده: ليس هو بالقوي في سعيد بن جبير»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٩٦٠): «صدوق يهم». قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ٨/ ٢٩٧ عقب (٤٥٦٩): «رجاله ثقات إلا الحماني فإنَّه تكلم فيه، وقد خالفه الحسن بن موسى فرواه عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد مرسلاً، وهو أشبه». وحديث سعيد بن جبير المرسل الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر.

стр. 949

أخرجه: عبد بن حميد كما في " العجاب " لابن حجر ٢/ ٨١٦ - ٨١٧ عن الحسن بن موسى. وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩٩٠) ط. الفكر و ٣/ ٧ ط. عالم الكتب عن محمد بن حميد الرازي. كلاهما: (الحسن، وابن حميد) عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد، قال: سألتْ قريشٌ اليهودَ … فقالتْ قريشٌ عند ذلك للنَّبيِّ ﷺ : ادعُ اللهَ أنْ يَجعلَ لنا الصَّفا ذهباً فنزْداد يقيناً، ونَتقوَّى به على عدونا. فسأل النَّبيُّ ﷺ ربَّه، فأَوحى إليه: إني مُعطيهم، فأجعل لهم الصَّفا ذهباً، ولكن إنْ كذبوا عذّبتهُم عذاباً لم أعذبْه أحداً منَ العالمينَ، فقال النبيُّ ﷺ : «ذَرْني وَقَومِي فَأَدْعُوهُم يَوماً بِيومٍ» فأنزل اللهُ عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية، إنَّ في ذلك لآيةً لهم، إن كانوا إنَّما يريدون أنْ أجعل لهم الصَّفا ذهباً، فخلق الله السمواتِ والأرض واختلاف الليلِ والنهارِ أعظم من أنْ أجعلَ لهم الصَّفا ذهباً ليزدادوا يقيناً (١)، مرسلاً. قال ابن حجر في " العجاب " ٢/ ٨١٧: «وأخرجه: ابن أبي حاتم والطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد، عن يعقوب موصولاً يذكر ابن عباس فيه. والمرسل أصح». هذا حديث ظاهره الإرسال، ولكن يعتبر مسنداً؛ وذلك لقول يعقوب القمي الذي نقله أبو داود في " سننه " عقب (١٣٠٢) قال: «سمعت محمد بن حميد يقول: سمعت يعقوب يقول: كل شيء حدثتكم عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن النبيِّ ﷺ فهو مسند، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ». قلت: بقي فيه يعقوب القمي، وجعفر بن أبي المغيرة وقد تقدم الكلام عليهما، كما أنَّ فيه علة أخرى وهي المعارضة، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره ": ٤٢٩: «وهذا مشكلٌ فإنَّ هذه الآية مدنية، وسؤالهم أنْ يكون

стр. 950

الصفا ذهباً كان بمكة، والله أعلم» وقال في: ٤٣١: «وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية والمشهور أنها مدنية». وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ٨/ ٢٩٧ عقب (٤٥٦٩) : «وعلى تقدير كونه محفوظاً وصلُهُ، ففيه إشكال من جهة أنَّ السورة مدنية وقريش من أهل مكة، قلت: ويحتمل أنْ يكون سؤالهم لذلك بعد أنْ هاجر النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة». والدليل على أن هذه الآية مدنية ما رواه عطاء بن أبي رباح من حديث عائشة. أخرجه: ابن المنذر في " التفسير " (١٢٦١)، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (٥٤٢) من طريق أبي جناب الكلبي. وأخرجه: ابن حبان (٦٢٠)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبيِّ" (٥٦٦) من طريق إبراهيم النَّخعي، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان. كلاهما: (أبو جناب، وعبد الملك) عن عطاء، قال: دخلتُ أنا وعُبيدُ ابنُ عُمير على عائشة (١)، فقالت لعُبيد بن عُمير: قد آنَ لكَ أنْ تزورنا، فقال: أقولُ يا أُمَّه كما قال الأولُ: زُرْ غبًّا تزدد حُبًّا (٢). قال: فقالت: دعُونا من رَطَانتكُمْ هذهِ. قال ابنُ عُمير: أخبْرينا بأعجبِ شيءٍ رأيتهِ منْ رسول الله ﷺ ، قال: فسكتتْ ثم قالتْ: لما كانَ ليلةٌ من الليالي قال: «يا عائشةُ، ذريني أتعبَّد الليلة لربي». قلتُ: واللهِ إني لأحبُّ قُربَكَ، وأحبُ ما سرَّكَ. قالت: فقام فتطهرَ، ثمَّ قام يصلي. قالت: فلم يزلْ يبكي حتى بَلَّ حجرَهُ، قالت: ثم بكى فلم يزلْ يبكي حتى بَلَّ لحيتهُ (٣)، قالتْ: ثم بكى فلمْ يزلْ يبكي حتى بَلَّ الأرض، فجاء بلالٌ يؤذنُهُ بالصلاةِ، فلما رآهُ يبكي، قال: يا رسول الله، لِمَ
следующие страницы →