← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1526

الجامع في العلل والفوائد

ماهر الفحل

Полный текст (2 498 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وأما الحافظ ابن كثير فقد انتقده من ناحية أخرى فقال في " تفسيره ": ٦٨٥: «وهذا حديث غريب، فإنَّ هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر». فبذلك بان ضعف الحديث وعدم صحته. وانظر: " تحفة الأشراف " ٣/ ٤٧ (٣٥٢٢)، و " جامع المسانيد " ٤/ ٧٦ (٢٤٣٦) وأصل الحديث أنه من حديث سعد بن أبي وقاص. أخرجه: عبد بن حميد (١٣١)، ومسلم ٧/ ١٢٧ (٢٤١٣) (٤٥)، وابن ماجه (٤١٢٨)، والنسائي في " الكبرى " (٨٢٢٠) و (٨٢٣٧) و (٨٢٦٤) ط. العلمية و (٨١٦٣) و (٨١٨٠) و (٨٢٠٧) ط. الرسالة وفي "فضائل الصحابة "، له (١١٦) و (١٣٣) و (١٦٠) و (١٦٢)، وأبو يعلى (٨٢٦)، والطبري في " تفسيره " (١٠٣٣٢) ط. الفكر و ٩/ ٢٦٢ ط. عالم الكتب، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٤/ ١٢٩٨ (١٣٣١)، وابن حبان (٦٥٧٣)، والحاكم ٣/ ٣١٩، وأبو نعيم في " الحلية" ١/ ٢٤٥، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ٣٥٣، والواحدي في " أسباب النزول " (٢٣٩) بتحقيقي من طريق المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبيِّ ﷺ : اطردْ هؤلاء لا يجترؤُن علينا. قال: وكنتُ أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أنْ يقع، فحدث نفسه فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٢٥ وعزاه إلى الفريابي، وأحمد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه. أقول: وقد اعتمد الدكتور خالد بن سليمان المزني في " المحرر في أسباب النزول ": ٦٨٤ على أمر آخر لتقوية هذا الحديث، فقال: إن سبب النزول المذكور وإن كان ضعيفاً لكن يعتضد بإجماع المفسرين على معناه، وسياق الآيات القرآني ويكون سبب نزولها، والله أعلم.

стр. 947

وهذا القول عليه بعض المؤخذات منها: ١. ادعى الإجماع ولم ينقل عمن نقله. ٢. لعله أراد بالإجماع ذكر أصحاب التفسير لهذه القصة في مصنفاتهم، فإن صح هذا الأمر فيكون أشد عليه من الأول، وهل ذكر المفسرين لأمر ما دليل على تصحيحه؟ ولو أُصِّل هذا الأمر لُصحِحت عدد من القصص والروايات الواهية والموضوعة والتالفة كقصة ثعلبة وغيرها. وانظر: " تحفة الأشراف" ٣/ ٢٤٩ (٣٨٦٥)، و"جامع المسانيد" ٥/ ١٤٤ (٣٢٣٨). مثال آخر: روى يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أَتتْ قريشٌ اليهودَ، فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويدُهُ بيضاء للناظرين، وأَتَوا النصارى، فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: يُبرِئ الأَكمهَ والأَبرصَ ويُحيي الموتى. فأَتوا النبيَّ ﷺ فقالوا: ادعُ لنا ربَّكَ يجعل لنا الصَّفا ذهباً. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ (١). أخرجه: ابن المنذر في " تفسيره " (١٢٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٣/ ٨٤١ (٤٦٥٥)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٦١٦) وفي (تحفة الأخيار) (٥٩٣٦)، والطبراني في "الكبير" (١٢٣٢٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (١٥٨) بتحقيقي واللفظ له، من طريق يحيى الحماني، بهذا الإسناد. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٢٩٩ و ٢/ ١٩٣ وعزاه لابن مردويه، عن ابن عباس. هذا الحديث فيه يحيى الحماني، قال عنه ابن نمير فيما نقله الذهبي في … " الميزان " ٤/ ٣٩٢ (٩٥٦٧): «كذاب» وقال مرة أخرى : «ثقة»، وقال أحمد بن

стр. 948

حنبل فيما نقله ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٢٠٧ (٦٩٥)، والذهبي في " الميزان " ٤/ ٣٩٢ (٩٥٦٧): «كان يكذب جهاراً»، وقال البخاري في" التاريخ الكبير " ٨/ ١٧١ (٣٠٣٧): «يتكلمون فيه رماه أحمد وابن نمير» وفي " الضعفاء الصغير "، له (٣٩٨) قال: «سكتوا عنه»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٦٢٥): «ضعيف»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٧٥٩١): «حافظ إلا أنَّهم اتهموه بسرقة الحديث»، إلا أنّ ابن معين قال في " تاريخه " (٨٩٩) برواية الدارمي: «صدوق مشهور، ما بالكون مثل ابن الحماني، ما يقال فيه إلا من حسد» (١). وفيه أيضاً يعقوب القمي قال عنه النسائي: «ليس به بأس»، و قال الدارقطني: «ليس بالقوي» هذا فيما نقله الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٨/ ٣٠٠، وقال ابن حجر في " التقريب " (٧٨٢٢): «صدوق يهم». وفيه جعفر بن أبي المغيرة قال عنه أحمد بن حنبل في " الجامع في العلل " ٢/ ١٢٠ (١٠٥٧): «ثقة»، وقال الذهبي في " الميزان " ١/ ٤١٧ (١٥٣٦): «وكان صدوقاً» وقال: «قال ابن منده: ليس هو بالقوي في سعيد بن جبير»، وقال ابن حجر في " التقريب " (٩٦٠): «صدوق يهم». قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ٨/ ٢٩٧ عقب (٤٥٦٩): «رجاله ثقات إلا الحماني فإنَّه تكلم فيه، وقد خالفه الحسن بن موسى فرواه عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد مرسلاً، وهو أشبه». وحديث سعيد بن جبير المرسل الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر.

стр. 949

أخرجه: عبد بن حميد كما في " العجاب " لابن حجر ٢/ ٨١٦ - ٨١٧ عن الحسن بن موسى. وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩٩٠) ط. الفكر و ٣/ ٧ ط. عالم الكتب عن محمد بن حميد الرازي. كلاهما: (الحسن، وابن حميد) عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد، قال: سألتْ قريشٌ اليهودَ … فقالتْ قريشٌ عند ذلك للنَّبيِّ ﷺ : ادعُ اللهَ أنْ يَجعلَ لنا الصَّفا ذهباً فنزْداد يقيناً، ونَتقوَّى به على عدونا. فسأل النَّبيُّ ﷺ ربَّه، فأَوحى إليه: إني مُعطيهم، فأجعل لهم الصَّفا ذهباً، ولكن إنْ كذبوا عذّبتهُم عذاباً لم أعذبْه أحداً منَ العالمينَ، فقال النبيُّ ﷺ : «ذَرْني وَقَومِي فَأَدْعُوهُم يَوماً بِيومٍ» فأنزل اللهُ عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية، إنَّ في ذلك لآيةً لهم، إن كانوا إنَّما يريدون أنْ أجعل لهم الصَّفا ذهباً، فخلق الله السمواتِ والأرض واختلاف الليلِ والنهارِ أعظم من أنْ أجعلَ لهم الصَّفا ذهباً ليزدادوا يقيناً (١)، مرسلاً. قال ابن حجر في " العجاب " ٢/ ٨١٧: «وأخرجه: ابن أبي حاتم والطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد، عن يعقوب موصولاً يذكر ابن عباس فيه. والمرسل أصح». هذا حديث ظاهره الإرسال، ولكن يعتبر مسنداً؛ وذلك لقول يعقوب القمي الذي نقله أبو داود في " سننه " عقب (١٣٠٢) قال: «سمعت محمد بن حميد يقول: سمعت يعقوب يقول: كل شيء حدثتكم عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن النبيِّ ﷺ فهو مسند، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ». قلت: بقي فيه يعقوب القمي، وجعفر بن أبي المغيرة وقد تقدم الكلام عليهما، كما أنَّ فيه علة أخرى وهي المعارضة، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره ": ٤٢٩: «وهذا مشكلٌ فإنَّ هذه الآية مدنية، وسؤالهم أنْ يكون

стр. 950

الصفا ذهباً كان بمكة، والله أعلم» وقال في: ٤٣١: «وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية والمشهور أنها مدنية». وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ٨/ ٢٩٧ عقب (٤٥٦٩) : «وعلى تقدير كونه محفوظاً وصلُهُ، ففيه إشكال من جهة أنَّ السورة مدنية وقريش من أهل مكة، قلت: ويحتمل أنْ يكون سؤالهم لذلك بعد أنْ هاجر النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة». والدليل على أن هذه الآية مدنية ما رواه عطاء بن أبي رباح من حديث عائشة. أخرجه: ابن المنذر في " التفسير " (١٢٦١)، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (٥٤٢) من طريق أبي جناب الكلبي. وأخرجه: ابن حبان (٦٢٠)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبيِّ" (٥٦٦) من طريق إبراهيم النَّخعي، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان. كلاهما: (أبو جناب، وعبد الملك) عن عطاء، قال: دخلتُ أنا وعُبيدُ ابنُ عُمير على عائشة (١)، فقالت لعُبيد بن عُمير: قد آنَ لكَ أنْ تزورنا، فقال: أقولُ يا أُمَّه كما قال الأولُ: زُرْ غبًّا تزدد حُبًّا (٢). قال: فقالت: دعُونا من رَطَانتكُمْ هذهِ. قال ابنُ عُمير: أخبْرينا بأعجبِ شيءٍ رأيتهِ منْ رسول الله ﷺ ، قال: فسكتتْ ثم قالتْ: لما كانَ ليلةٌ من الليالي قال: «يا عائشةُ، ذريني أتعبَّد الليلة لربي». قلتُ: واللهِ إني لأحبُّ قُربَكَ، وأحبُ ما سرَّكَ. قالت: فقام فتطهرَ، ثمَّ قام يصلي. قالت: فلم يزلْ يبكي حتى بَلَّ حجرَهُ، قالت: ثم بكى فلم يزلْ يبكي حتى بَلَّ لحيتهُ (٣)، قالتْ: ثم بكى فلمْ يزلْ يبكي حتى بَلَّ الأرض، فجاء بلالٌ يؤذنُهُ بالصلاةِ، فلما رآهُ يبكي، قال: يا رسول الله، لِمَ

стр. 951

تَبكي وقدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ وما تأخّرَ؟ قال: «أفلا أكون عَبداً شكوراً؛ لقد نزلت عليَّ الليلة آيةٌ، ويلٌ لمنْ قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .. ﴾ الآية كلها (١). قال الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " عقب (٤٦١٨) وفي (تحفة الأخيار) عقب (٥٩٣٨): «فقال قائل: فهذا بخلاف حديث ابن عباس … ؛ لأنَّ في حديث ابن عباس أنَّ إنزال الله تعالى كان لهذه الآية على رسوله للسبب الذي ذكره ابنُ عباس في حديثه، وفي حديث عائشة ﵂ هذا إنزاله إياها على رسول الله ﷺ عند الذي كان منه من صلاته ورِقّة قلبه عندها. فكان جوابنا له في ذلك: أنْه لا اختلافَ في هذين الحديثين ولا تضادَّ؛ لأنَّ الذي في حديث ابن عباس هو ذكر سؤال قريش رسول الله ﷺ ، ما ذكر من سؤالها إياه فيه، وتخيير الله إياه ﷺ بَيْنَ الشيئين المذكورين في ذلك الحديث، واختياره ﷺ لسائليه ما هو في العاقبة أَحمدُ، ومآلهم فيه السبب الذي يكون إيصالاً لهم إلى الجنة، وفوزاً لهم من عذابه، وكان إنزال الله الآية التي أقام بها الحجةَ عليهم في الليلة التي أنزلها فيها عليه، وهو في بيت عائشة، وكان ابن عباس قد تقدّم علمُهُ بالسبب الذي كان من أجله نزولها، ولم يكن ذلك تقدَّم عند عائشة، فعاد بحمد الله ونعمته جميع الآثار التي رويناها في هذا الباب إلى انتفاء التضاد لها، والاختلاف عنها، والله الموفق». قلت: كلام الطحاوي لا ينفي التعارض بين الحديثين فحديث ابن عباس يقتضي كون الآية مكية، في حين أنَّ حديث عائشة صريح في كون الآية نزلت على رسول الله ﷺ في المدينة، كما أنَّ المشهور في كتب التفسير أن سورة آل عمران مدنية.

стр. 952

وانظر: "جامع المسانيد" ٣٠/ ٢٠٥ (٣٩٢)، و "إتحاف المهرة " ١٧/ ٤٠٧ (٢٢٥٠٧). مثال آخر: روى الحسين بن ميمون، عن عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم، عن أبي الجنوب الأسدي، قال: أُتِيَ علي بن أبي طالب ﵁ برجلٍ منَ المسلمينَ قَتلَ رجلاً منْ أهلِ الذمة قال: فقامتْ عليه البيّنةُ فأمرَ بقتلهِ، فجاء أخوهُ قال: إني قد عفوتُ، فقالَ: لعلهم هدّدوكَ أو فرقوك أو فزعوكَ؟ قال: لا، ولكنْ قتله لا يرد عليَّ أخي، وعوضوني فرضيتُ، قال: أنتَ أعلم، مَنْ كان له ذمتنا، فدمهُ كدمنا، وديتُهُ كديتنا. أخرجه: محمد بن الحسن الشيباني في " الحجة " ٤/ ٣٥٥، والشافعي في " الأم " ٧/ ٣٢١ وفي ط. الوفاء ٩/ ١٣١ (٤٠٧٨) وفي " المسند "، له (١٦٢٣) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٣٤ وفي " المعرفة "، له (٤٨١٧) ط. العلمية و (١٥٧٢٨) ط. الوعي. هذا حديث فيه ثلاث علل: العلة الأولى: اضطراب الحُسين بن ميمون فيه، فرواه عن عبد الله بن عبد الله كما هو أعلاه، ورواه عن أبي الجنوب دون ذكر عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم عند الجصاص في " أحكام القرآن " ١/ ١٧٣، والدارقطني ٣/ ١٤٧ ط. العلمية و (٣٢٩٦) ط. الرسالة. وهو على اضطرابه فإنَّه ليِّن في الحديث، فقد نقل المزي في " تهذيب الكمال " ٢/ ٢٠٥ (١٣٢٩) عن علي بن المديني أنَّه قال فيه: «ليسَ بمعروف، قلَّ من روى عنه»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٣/ ٧٢ - ٧٣ (٢٩٣) عن أبيه أنَّه قال فيه: «ليسَ بقويِّ الحديث، يكتب حديثهُ»، ونقل عن أبي زرعة أنَّه قال فيه: «شيخ». وأما العلة الثانية: فهي ضعف أبي الجنوب (عقبة بن علقمة)، إذ نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٦/ ٢٠٤ (١٧٤٣) عن أبيه أنَّه قال فيه: «ضعيف الحديث .. لا يشتغل به»، وقال عنه الدارقطني ٣/ ١٤٧: «ضعيف

стр. 953

الحديث»، وقال عنه ابن حجر في " التقريب " (٤٦٤٦): «كوفيٌّ ضعيفٌ». وأما العلة الثالثة: فهي المعارضة، فهو مخالف لما أخرجه: الشافعي في "المسند" (١٦٢٥) و (١٦٢٦) بتحقيقي، و " السنن المأثورة "، له (٦٣٢)، ومن طريقه البيهقي في " معرفة السنن والآثار " (٤٩٨٤) ط. العلمية و (١٦٤٢٥) ط. الوعي، والطيالسي (٩١)، وعبد الرزاق (١٨٥٠٨)، والحميدي (٤٠)، وابن أبي شيبة (٢٧٩٢٠)، وأحمد ١/ ٧٩، والدارمي (٢٣٥٦)، والبخاري ١/ ٣٨ (١١١) و ٤/ ٨٤ (٣٠٤٧) و ٩/ ١٣ (٦٩٠٣) و ٩/ ١٦ (٦٩١٥)، وابن ماجه (٢٦٥٨)، والترمذي (١٤١٢)، والنَّسائي ٨/ ٢٣ - ٢٤ وفي "الكبرى"، له (٦٩٤٦) ط. العلمية و (٦٩٢٠) ط. الرسالة، وأبو يعلى (٤٥١)، وابن الجارود (٧٩٤)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٣/ ١٩٢ وفي ط. العلمية (٤٩٣٣) وفي " شرح مشكل الآثار "، له (٥٧٦٤) و (٥٧٦٥) وفي (تحفة الأخيار) (٥٧٢٧)، والبيهقي ٨/ ٢٨، والبغوي (٢٥٣٠) وفي " التفسير "، له (١٢٨)، والحازمي في " الاعتبار ": ٢٨٦ - ٢٨٧ ط. الوعي و (٣٠٨) ط. ابن حزم عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة، قال: سألتُ علياً ﵁: هل عندكم منْ رسول الله ﷺ شيءٌ سوى القرآن؟ فقال: لا، والذي فلقَ الحبةَ وبرأَ النسمةَ، إلا أن يُؤتى عبدٌ فهماً في القرآن وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقلُ، وفكاكُ الأسيرِ، ولا يُقتلُ مسلمٌ بكافرٍ (١). ومطرف والشعبي أوثق مئة مرةٍ من الحسين بن ميمون ومن أبي الجنوب، وعلى هذا فتكون الرواية الأولى منكرة، قال الشافعي في القديم: «وفي حديث أبي جحيفة عن علي ﵁ أن علياً لا يروي عن النبي ﷺ شيئاً ويقول بخلافه» نقله البيهقي في " السنن الكبرى " ٨/ ٣٤. ثم ذهب الشافعي إلى

стр. 954

تضعيف عامة أحاديث الباب، فقال: «وهذه الأحاديث منقطعات أو ضعاف أو تجمع الإنفطاع والضعف جميعاً» نقله البيهقي في " المعرفة " عقب (٤٨١٨)، والله أعلم. انظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ١٣٥ - ١٣٦ (١٠٣١١). ٣ - معارضة خبر الآحاد لعمل أهل المدينة: «المراد بإجماع أهل المدينة: هو اتفاق مجتهديهم على حكم في واقعة بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ في القرون الثلاثة المفضلة هذا هو الراجح في حصر هذا الاتفاق على هذه القرون، قال ابن تيمية: والكلام إنَّما هو في إجماعهم في تلك الأعصار المفضلة، وأما بعد ذلك فقد اتفق الناس على أن إجماع أهلها ليس بحجة» (١). لقد كَانَت المدينة المنورة مهبط الوحي ومركز التشريع بعد هجرة الرسول ﷺ إليها، أي الحقبة الثانية من الدعوة النبوية، وَلَمْ يُؤْثَرْ عن أحد من الصحابة سواء من المهاجرين أم من الأنصار أنَّهُ نزح عَنْهَا في حياة رَسُوْل الله ﷺ . قال القاضي: وإنَّما خصوا هذه المواضع - يعني القائلين بحجية إجماع أهلها - لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج منها إلا لشذوذ (٢). وكانت حياتهم العامة عَلَى تماس مَعَ التشريعات والأحكام، يعيشون ظروفها، ويفقهون عللها، ويقومون بمهمة نشرها وتعليمها، وهكذا ظلت القرون الأولى فِيْهَا تتلقى الأحكام جيلاً عن جيل، مما أدى في نهاية المطاف إلى وصف إجماع أهلها نقلاً بالتواتر للحكم المعمول بِهِ (٣). وقد كان الإمام مالك لا يروي في كتابه " الموطأ " إلا ما عمل به، أما ما لا يعمل به، فإن ذَكَرَهُ في كتابه بيّن أنَّ العمل على خلافه، كما صنع في

стр. 955

حديث خيار المجلس إذ أخرجه ثم قال عقبه: «وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه» (١)، وحديث الأكل والشرب للصائم ناسياً في الفرض لم يخرجه وتكلم عن اجتهاده في خلافه (٢). أما صوم ستة من شوال فلم يخرجه، وذكر عدم شرعية صيامه (٣)، قال السيوطي: «وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به؛ لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قدحاً في نافع راويه» (٤). لذا اشترط جمهور المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة (٥) واحتجوا بِمَا قدمنا ذكره. والحق أنَّ الْحَدِيْث إذا صَحَّ لَمْ يَكُنْ لأحدٍ كائناً من كَانَ أن يعارض بِهِ، والحجة في نقل المعصوم فَقَطْ، ثمَّ إنَّ أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها، فَلَا ينبني عَلَى موافقتهم جواز مخالفة الأحاديث المقبولة (٦). وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها: ١ - الخبر المسند الصَّحِيْح قَبْلَ العمل بِهِ، أحق هُوَ أم باطل؟ فإن قالوا: حق، فسواء عمل بِهِ أهل المدينة أم لَمْ يعملوا، لَمْ يزد الحقَّ درجةً عملُهُم بِهِ وَلَمْ ينقصه إن لَمْ يعملوا بِهِ، وإن قالوا باطل، فإنَّ الباطل لا ينقلب حقاً بعملهم بِهِ، فثبت أنْ لا معنى لعمل أهل المدينة أو غيرهم. ٢ - نقول: متى أثبت الله العمل بالخبر الصَّحِيْح؟ قبل أنْ يعمل بِهِ أم بَعْدَ العمل بِهِ؟ فإن قالوا: قَبْلَ أن يعمل بِهِ، فَهُوَ كقولنا. وإن قالوا: بَعْدَ أن يعمل بِهِ، لزمهم عَلَى هَذَا أنَّ العاملين بِهِ هم الَّذِيْنَ شرعوا الشريعة، وهذا باطل. ٣ - نقول: عمل من تريدون؟ عمل أمة مُحَمَّد ? كافة، أم عمل عصر

стр. 956

دُوْنَ عصر، أم عمل رسول الله ?، أم عمل أبي بكر، أم عمل عمر، أم عمل صحابي مخصوص من سكان المدينة؟ فإن قالوا: عمل الأمة كلها، فَلَا يصح؛ لأنَّ الخلاف بَيْنَ الأمة مشتهر، وهم دائمو الرد عَلَى من خالفهم، فلو كَانَتْ الأمة مجمعة عَلَى هَذَا القول فعلى من يردون؟! وإن قالوا: عمل عصر دُوْنَ عصر، فباطل أيضاً؛ لأنَّهُ ما من عصر إلا وقَدْ وجد فيه خلاف، ولا وجود لمسألة متفق عَلَيْهَا بَيْنَ أهل عصر واحد (١). ٤ - ونقول لَهُمْ: أهل المدينة الَّذِيْنَ جعلتم عملهم حجة رددتم بِهَا خبر المعصوم، اختلفوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ أم لا؟ فإن قالوا: لا، فإنَّ " الموطأ " يشهد بخلاف هَذَا، وإن قالوا: نعم، قُلْنَا: فما الَّذِي جعل اتباع بعضهم أولى من بَعْض؟ (٢). وقال الآمدي: «اتفق الأكثرون على أنَّ إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم خلافاً لمالك، فإنَّه قال: يكون حجة .. والمختار مذهب الأكثرين، وذلك أنَّ الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة متناولة لأهل المدينة، والخارج عن أهلها، وبدونه لا يكونون كل الأمة، ولا كل المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة على ما عرف في المسائل المتقدمة .. . وعلى ما ذكرناه، فلا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين: الكوفة والبصرة حجة على مخالفيهم، وإنْ خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل» (٣)، وقال الزركشي: «ولا يضره عمل أهل المدينة بخلافه خلافاً لمالك، ولهذا لم يقل بخيار المجلس مع أنَّه الراوي له. قال القرطبي: وإذا فُسر عملُهم بالمنقول تواتراً كالأذان والإقامة والمُدّ والصاع، فينبغي أن لا يقع فيه خلاف، لانعقاد الإجماع على أنَّه لا يُعمل

стр. 957

بالمظنون إذا عارضه قاطع» (١)، ونقل عن إمام الحرمين في باب الترجيح: «إن تحقق بلوغه لهم، وخالفوه مع العلم به دلّ على نسخه، وليس ذلك تقديماً لأقضيتهم على الخبر، بل هو تمسك بالإجماع على وجوب حمله على وجه ممكن من الصواب، فكان تعلقاً بالإجماع في معارضة الحديث، وإن لم يبلغهم أو غلب على الظن أنَّه لم يبلغهم، فالتعلق حينئذ واجب، وظني بدقة نظر الشافعي في أصول الشريعة أنَّه يُقدَّم الخبر في مثل هذه الصورة، وإن غلب على الظن أنَّه بلغهم وتحققنا مخالفة عملهم له، فهذا مقام التوقف، فإنْ لم نجد في الواقعة سوى الخبر والأقضية تعلقنا بالخبر، وإنْ وجدنا غيره تعين التعلق به. قال: ومن بديع ما ينبغي أنْ يُتنبه له أنَّ مذاهب أئمة الصحابة إذا نُقلت من غير إجماع لا يتعلق بها، فإذا نُقلت في معارضة خبر نص على المخالفة تعلقنا بها، وليس هو في الحقيقة تعلق بالمذاهب، بل بما صدرت عنه مذاهبهم. قال: وما ذكرناه في أئمة الصحابة يطّرد في أئمة التابعين، وفي أئمة كل عصر ما لم يوقف على خبر» (٢). المثال الأول: خيار المجلس يمكن تعريف خيار المجلس بأنه: حق العاقدين في إمضاء العقد أو رده، منذ التعاقد إِلَى التفرق أو التخاير (٣). والأكثرون عَلَى تسميته «خيار المجلس» ومنهم من يسميه «خيار الْمُتَبَايِعَيْنِ» (٤). فإذا أتم العاقدان عقد البيع من غَيْر أنْ يتفرقا وَلَمْ يختر أحدٌ مِنْهُمَا اللزوم، فهل يعتبر العقد لازماً بمجرد هَذَا التمام أَمْ أن لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما داما في مجلس البيع؟ فقال الجمهور بثبوت خيار المجلس للمتعاقدين واستدلوا بقول النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَمَ يَتفرَّقا، فِإنْ صَدَقا

стр. 958

وبَيّنا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهما، وَإِنْ كَتَما وَكَذبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما». واعترض المالكية بأنَّ هذا الحديث مخالف لعمل أهل المدينة. وَهُوَ خبر آحاد فَلَا يقوى عَلَى مخالفة عملهم (١). نقل ابن رجب قول طائفة من السلف: «إذا اختلفت الأحاديث، فانظروا ما كان عليه أبو بكر وعمر، يعني أنَّ ما عملا به فهو الذي استقرّ عليه أمر النبي ﷺ » (٢). ونستطيع أن نرد قَوْل المالكية هَذَا، من ثلاثة وجوه هِيَ: ١ - أنَّ اشتراط المالكية للعمل بخبر الآحاد: أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة، شرط تفردوا بِهِ، فيكون لازماً لَهُمْ ولا يلزم غيرهم. ٢ - عَلَى فرض التسليم - جدلاً - بكون هَذَا الَّذِي اشترطوه شرطاً للعمل بخبر الآحاد، فما اشترطوه غَيْر متحقق في هَذِهِ المسألة، فإنَّهم نصوا عَلَى أنَّ إجماع أهل المدينة إذا عارضه خبر آحاد، قدم الإجماع. ودعوى إجماع أهل المدينة هنا منقوضة، فقد ثبت القول بخيار المجلس عن: عمر وعثمان وابن عمر وأبي هُرَيْرَةَ وسعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب والدراوردي (٣)، وهؤلاء جميعاً من أهل المدينة، فكيف تصح دعوى إجماعهم؟ حَتَّى إنَّ ابن أبي ذئب لما قِيْلَ لَهُ: إنَّ مالكاً لا يعمل بهذا الْحَدِيْث قَالَ: «هَذَا خبرٌ مَوطو في المدينة» (٤)، يريد أنَّهُ منتشر. ٣ - إذا أمعنا في التنزل معهم، والتسليم بأن هَذَا الشرط الَّذِي اشترطوه صَحِيْح، وأن إجماع أهل المدينة متحقق، فإنه يخدش استدلالهم عدم كون الْحَدِيْث آحادياً، وكيف يَكُوْن خبر آحاد وَقَدْ رَوَاهُ من الصَّحَابَة عدد غفير، وقفنا عَلَى رِوَايَة سبعة مِنْهُمْ، هم: أ. سمرة بن جندب: وحديثه أخرجه: أحمد (٥)، وابن ماجه (٦)،

стр. 959

والنسائي (١)، والطحاوي (٢)، والطبراني (٣)، والحاكم (٤)، والبيهقي (٥)، وابن عبد البر (٦). ب. عَبْد الله بن عَمْرو بن العاص: وحديثه عِنْدَ أحمد (٧)، وأبي داود (٨)، والترمذي (٩)، والنسائي (١٠)، والدارقطني (١١)، والبيهقي (١٢)، وابن عَبْد البر (١٣). ج. عبد الله بن عَبَّاسٍ: وأخرج حديثه ابن حبان (١٤)، والبزار (١٥)، وأبو بكر (١٦) الإسماعيلي (١٧)، والبيهقي (١٨). د. أبو هُرَيْرَةَ: حديثه عِنْدَ الطيالسي (١٩)، وابن أبي شيبة (٢٠)، وأحمد (٢١)، والطحاوي (٢٢)، والطبراني (٢٣)، وابن عدي (٢٤).

стр. 960

هـ. عَبْد الله بن عمر: وَطريقه أشهر طرق هَذَا الْحَدِيْث، أخرجه: مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، والبخاري (٤)، ومسلم (٥)، وأبو داود (٦)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٨)، والنسائي (٩)، وغيرهم (١٠). و. حكيم بن حزام: عِنْدَ الشَّافِعِيّ (١١)، والطيالسي (١٢)، وأحمد (١٣)، والبخاري (١٤)، ومسلم (١٥)، وأبي داود (١٦)، والترمذي (١٧)، والنسائي (١٨)، وابن حبان (١٩)، والطبراني (٢٠)، وغيرهم (٢١). ز. أبو برزة الأسلمي: أخرجه الشَّافِعِيُّ (٢٢)، والطيالسي (٢٣)، وابن أَبِي

стр. 961

شيبة (١)، وأحمد (٢)، وأبو داود (٣)، وابن ماجه (٤)، وبحشل (٥)، والبزار (٦)، وابن الجارود (٧)، والروياني (٨)، والطحاوي (٩)، والدارقطني (١٠)، والبيهقي (١١)، والخطيب (١٢)، وابن عَبْد البر (١٣). وبهذا فإنَّ الْحَدِيْث في أقل أحواله: مشهور (١٤)، والمشهور تختلف أحكامه عن الآحاد من حَيْثُ تخصيص الكِتَاب والزيادة عَلَيْهِ. أما الحنفية فَقَدْ استدلوا بعمومات نصوص الكِتَاب العزيز مِنْهَا: ١ - قوله تَعَالَى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ? (١٥). وجه الدلالة: أنَّ الله تَعَالَى أباح أكل المبيع إذا كَانَ عن رضا الطرفين، والنص مطلق عن قيد التفرق عن مكان العقد. ٢ - قوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١٦).

стр. 962

وجه الدلالة: أنَّ الشارع ﵎ أوجب الوفاء بالعقود، وعقد البيع بَعْدَ الإيجاب والقبول وقبل مفارقة المجلس أو التخيير يسمى عقداً أيضاً، فيكون داخلاً في عموم هَذَا النص، والقول بخلافه إبطال للنص. وأجابوا عن الْحَدِيْث بأنه: خبر آحاد مخالف لظاهر الكِتَاب فيجب تأويله، فيحمل التفرق الوارد في الْحَدِيْث عَلَى التفرق بالأقوال لا بالأبدان، جمعاً بَيْنَ النصوص الواردة في هَذَا (١). ونجيب عَنْهُ بِمَا يأتي: أما كون الْحَدِيْث آحادياً: فَقَدْ أبطلنا ذَلِكَ في ما مضى، وبينا أنَّ الْحَدِيْث في أقل أحواله مشهور، وللمشهور عِنْدَ الحنفية حكم المتواتر في جواز تخصيص عمومات الكِتَاب بِهِ (٢). وأما كون المراد التفرق بالأقوال: فهو خلاف المتبادر إلى الذهن من أنَّ المراد التفرق بالأبدان، ونضيف بأنَّ من الْمُسلّمَات - إذا سرنا عَلَى أصول الحنفية - أنَّ راوي الْحديث أعلم بتفسيره لذا ردوا حَدِيْث ولوغ الكلب، وإذا حكّمنا هَذِهِ القاعدة هنا بانت الحجة عَلَيْهِمْ، فهذا الْحدِيْث من رواية ابن عمر ﵄ وَقَدْ أخرج البُخَاريُّ (٣) من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع، قَالَ: وَكَانَ ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه. رواه مسلم (٤) من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ: فكانَ إذا بايعَ رجلاً فأراد أن لا يُقيله، قام فمشى هنية، ثُمَّ رجع إِلَيْهِ. كَمَا أنَّ في بَعْض ألفاظ الْحدِيْث من رواية ابن عمر وغيره من الصحابة ﵃ التصريح بما يخالف تأويل الحنفية لهذا الْحدِيْث.

стр. 963

لهذا ولغيره، يبدو لنا رجوح ما ذهب إِلَيْهِ الجُمْهُورُ. مثال آخر: روى عبد الله بن الحارث، عن مالك بن أنس، عن يزيد بن قسيط، عن سعيد بن المسيب: أنَّ عُمَرَ وعثمانَ ﵄ قَضَيا في المِلطاةِ (١) بنصفِ ديةِ الموُضِحَةِ (٢). أخرجه: الشافعيُّ في " مسنده " (١٦٦٥) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٧/ ٢٦٨ وفي ط. الوفاء ٨/ ٧٧٥، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٨٣ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٤٩٠٣) ط. العلمية و (١٦٠٨٨) ط. الوعي من طريق عبد الله بن الحارث، به. وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٦٦٦) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٧/ ٢٦٨ وفي ط. الوفاء ٨/ ٧٧٥، وعبد الرزاق (١٧٣٤٥)، وابن أبي شيبة (٢٧٢٣٤)، وابن عدي في " الكامل " ٩/ ١٣١ - ١٣٢، والبيهقي ٨/ ٨٣ - ٨٤ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٤٩٠٤) ط. العلمية و (١٦٠٨٩) ط. الوعي، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١١/ ٢٢٣ وفي ط. الغرب ١٣/ ٧١، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٨/ ١٢٣ و ١٢٤ و في" ميزان الاعتدال "، له ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١ (٩٧١٩) من طرق عن سفيان الثوري، به. قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٨/ ١٢٤: «وهذا إسناد عزيز، نزل الشافعي في إسناده كثيراً؛ تحصيلاً للعلم» (٣). وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (١٦٦٧) بتحقيقي وفي " الأم "، له ٧/ ٢٦٨ وفي ط. الوفاء ٨/ ٧٧٥، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٨٣ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٤٩٠٤) ط. العلمية و (١٦٠٩٠) ط. الوعي عن من سمع ابن نافع، به.

стр. 964

ثلاثتهم: (عبد الله بن الحارث، والثوري، ومن سمع ابن نافع) عن مالك (١)، عن يزيد بن قسيط، به. قال عبد الرزاق: «قلت لمالك: إنَّ الثوري أخبرنا عنك، عن يزيد بن قسيط، عن ابن المسيب: أنَّ عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف الموضحة، فقال لي قد حدثته به، فقلت: فحدثني به، فأبى، وقال: العمل عندنا على غير ذلك، وليس الرجل عندنا هنالك، يعني: يزيد بن قسيط» (٢). أقول: هذا الحديث موقوف، إسناده صحيح، إلا أنَّ عدول مالك عن التحديث به، يدل على أنَّ الشخص الذي أخذ عنه مالك فيه نظر. إلا أنَّ ابن التركماني قال في " الجوهر النقي " ٨/ ٨٣: «إن عبد الرزاق قال لمالك: حدثني به، فأبى، وقال: العمل عندنا على غيره، ورجلُهُ عندنا ليس هناك يعني: ابن قسيط - قلت (٣) -: في كونه هو المراد نظر. وذكر الطحاوي في كتاب " الرد على الكرابيسي " أن المراد غيره فأخرج في الكتاب المذكور عن النسائي قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع (٤)، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن عبد الرحمان بن أشرس، عن مالك، عن رجل، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط فذكره. ثم قال الطحاوي ما ملخصه: فعقلنا بذلك أنّّ مالكاً لم يسمع من ابن قسيط وأنَّ مُبلِّغه عنه الذي لم يسمه ليس هناك - أي: ليس موضعاً لقبول روايته، لا أنَّه أراد بقوله: ليس هناك، ابن قسيط. انتهى كلامه، وهذا أولى؛ لأنّ ابن قسيط من الثقات الذين أخرج لهم الشيخان وغيرهما» (٥).

стр. 965

وقد رويت بعض الآثار على أنْ ليس في ما دون الموضحة شيء. قال مالك في " الموطأ " (٢٢٧٠) برواية أبي مصعب الزهري، و (٢٥٠١) برواية الليثي: «الأمر عندنا فيما دون الموضحة من الشِّجاج عقل، حتى تبلغ الموضحة، وإنَّما العقل في الموضحة فما فوقها؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ انتهى إلى الموضحة، في كتابه لعمرو بن حزم، فجعل فيها خمساً من الإبل، ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث، فيما دون الموضحة بعقل». وأخرج: عبد الرزاق (١٧٣١٦) عن معمر والثوري، عن بعض أصحابهم: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يقضِ فيما دونَ الموضحةِ بشيءٍ. وأخرج: عبد الرزاق (١٧٣٢٠) من طريق يونس، عن الحسن: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يقضِ فيما دون الموضحة بشيء. وأخرج: عبد الرزاق (١٧٣١٧) من طريق سليمان بن يونس، قال: كتب عمر إلى الأَجناد: و لا نعلم أنَّ رسول الله ﷺ قضى فيما دون الموضحة بشيء. وأخرج: البيهقي ٨/ ٦٥ من طريق محمد بن المنكدر، عن طاووس ذكر النبيُّ ﷺ أنَّه قال: «لا طلاقَ قبلَ مِلكٍ، ولا قصاصَ فيما دونَ الموضحةِ منَ الجراحات». قال البيهقي: «هذا منقطع».

стр. 966

قلت: فهذا الحديث إنما هو من أفراد يزيد بن عبد الله بن قسيط، وإنما له عن ابن المسيب بضعة أحاديث، غالبها موقوفات ومقاطيع، فأين كان الزهري وأضرابه حتى ينفرد عنهم راوٍ لم يشتهر بتلك الصحبة لابن المسيب، ثم إنَّ مثل هكذا أثر فيه حكم من أحكام أئمة الهدى، فلو صح لَضُربتْ إليه أكبادُ الإبل من القاصي والداني، فكيف وقد عزف عن التحديث به مالك ﵀، وقال الإمام الشافعي في " مسنده " عقب (١٦٦٧): «وقرأنا على مالك: إنا لم نعلم أحداً من الأئمة في القديم ولا الحديث قضى فيما دون الموضحة بشيء»، وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" ٧/ ١٠٠ - ١٠١ عقب ذكره لهذا الأثر: «هذا خلافُ ظاهرِ الموطأ»، وقال أيضاً مُعقِّباً على كلام عبد الرزاق: قلتُ لمالكٍ: إنَّ الثوريَّ … : «هكذا قال عبد الرزاق: (يعني: يزيدَ بنَ قُسيط)، وليس هو عندي كما ظنَّ عبد الرزاق؛ لأنَّ الحارث بن مسكين ذكر هذا الحديث، عن ابن القاسم، عن عبد الرحمان بن أشرس، عن مالك، عمن حدثه، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط (١)، عن سعيد بن المسيب أنَّ عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف الموضحة … » إلى أنْ قال: « … وما كان مالكٌ ليقول فيه ما ظن عبد الرزاق به؛ لأنَّه قد احتَجَّ به في مواضع من موطئه، وإنَّما قال مالك: وليس الرجل عندنا هنالك في الرجل الذي كَتم اسمه، وهو الذي حدثه بهذا الحديث عن يزيد بن قسيط». انتهى كلامه ﵀ وفيه نظرٌ من بعض الوجوه. فإنَّه احتج بعبد الرحمان بن أشرس وعبد الرحمان هذا مجهول؛ إذ قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " الجرح والتعديل " ٥/ ٢٦٧ (١٠٠٧): «مجهول»، وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٥٤٨ (٤٨١٤): «مجهول الحال، وقال ابن الجنيد: ليس به بأس، وضعّفه الدارقطني». هَبْ أنَّ حاله أقوى من هذا، فكفى بروايته ضعفاً ونكارة أنه خالف ثلاثة من الرواة أحدهم سفيان الثوري رووه بخلاف ما رواه. إذن فالصواب هو رواية الجماعة.

стр. 967

وأما قوله: «وإنَّما قال مالك: وليس الرجل عندنا هنالك في الرجل الذي كتم اسمه، وهو الذي حدثه بهذا الحديث عن يزيد بن قسيط». هذا الكلام فيه احتمالان: الأول: أنَّه زعم أنَّ مالكاً مدلس، وهذا الاحتمال بعيدٌ؛ لأنه بناه على صحة رواية عبد الرحمان، وقد تقدم حاله. والثاني: أنَّ معنى كلامه أنَّ مالكاً لم يقف على اسم الراوي الذي حدثه بهذا الحديث، وهو احتمال بعيدٌ؛ لأنَّ مالكاً رواه عن يزيد من دون واسطة بينهما. قلت: فإنْ قال قائل: فإنَّ مالكاً أخرج له في موطئه في غير موضع، ثم إنه ضعّفه في هذا الحديث. فنقول: الظاهر - والله أعلم- أنَّ مالكاً ﵀ إنَّما غمز يزيد في هذا الحديث خصوصاً، والله أعلم. ٤ - معارضة خبر الآحاد للقياس: القياس: أحد أدلة الأحكام الشرعية ومصادرها في الفقه الإسلامي (١). وقد ذهب جمهور عُلَمَاء الأمة إِلَى القول بحجيته، ويعرّف بأنَّه: حمل معلوم عَلَى معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمرٍ جامع بَيْنَهُمَا (٢). ويكون القياس بالنظر في تصرفات الشارع الحكيم والاستنباط منها وربط الأحكام بعللها، فإذا عارض خبر الواحد القياس، فأي مِنْهُمَا يقدم موجبه عَلَى الآخر؟ اشتهر عند الحنفية اشتراط عدم مخالفة خبر الواحد للقياس حَتَّى يصح العمل بِهِ كدليل مستقل، والحق أنَّ هَذَا الموطن لَيْسَ محل اتفاق بَيْنَهُمْ، بَلْ هناك تفصيل في مذهبهم عَلَى النحو الآتي:

стр. 968

أكثر المتقدمين من الحنفية على تقديم خبر الآحاد إذا تعارض مع القياس، سواء أوافق القياس أم خالفه؛ لأنَّ القياس اجتهاد ولا اجتهاد في مورد النص. وهو رأي الآمدي وابن الحاجب الشافعيين (١). بل نقل ابن حزم عن أبي حنيفة أنَّه قال: «إنَّ الخبر المرسل والضعيف عن رسول الله ﷺ أولى من القياس، ولا يحل القياس مع وجوده» (٢). وأما الَّذِيْنَ قالوا بتقديم القياس عَلَى خبر الواحد فهم بَعْض المتقدمين مِنْهُمْ، وتابعهم عَلَيْهِ كَثِيْر من المتأخرين، ولكنَّهم لَمْ يقولوا بالرد بالإطلاق، بل قسموا الرُّوَاة على قسمين: الأول: الرُّوَاة المعروفون بالضبط والفقه والاجتهاد، كالخلفاء الأربعة والعبادلة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ﵃ فهؤلاء تقبل أخبارهم باتفاق. الثاني: الرُّوَاة الَّذِيْنَ اشتهروا بالرواية، وَلَمْ يُعرفوا بالفقه والاجتهاد والفتيا، فإذا جاءوا بخبر الآحاد، فإن وافق القياس قُبل، وإن خالفه ووافق قياساً آخر قُبل أيضاً، وأما إنْ خالف جَمِيْع الأقيسة، فَقَالَ عيسى بن أبان (٣) والقاضي أبو زيد الدبوسي (٤) وتابعهما أكثر المتأخرين من الحنفية: أنَّهُ لا يقبل (٥).

стр. 969

مع أنَّه ثبت أنَّ أبا حنيفة قد عمل بأحاديث رواها أبو هريرة وقدمها على القياس، وتبعاً لهذا لم يشترط الشيخ أبو الحسن الكرخي، ومن تبعه من الحنفية فقه الراوي لتقديم خبره على القياس؛ لأنَّ التغيير من الراوي بعد ثبوت عدالته وضبطه موهوم. على أنَّ شرط الفقه متوفر في أبي هريرة، وقد روى حديث المصرّاة وأثبت الخيار للمشتري (١). وَهُوَ قولٌ للمالكية أيضاً (٢) قال ابن جماعة: «ورجح بعض المالكية القياس على خبر الواحد المعارض للقياس» (٣). إلا أنَّ ولي الدين العراقي قال: «وفي خبر الواحد المخالف للقياس مذهبان آخران: أحدهما: - وهو الصحيح - تقديم الخبر مطلقاً، وقال الباجي: إنَّه الأصح عندي من قول مالك؛ فإنَّه سُئل عن حديث المصرّاة، فقال: أَوَ لأحد في هذا الحديث رأي. ثانيهما: وهو المختار عند الآمدي وابن الحاجب التفصيل في ذلك، فإنْ عرفت علة ذلك القياس بنص راجع على الخبر، ووجدت في الفرع قطعاً لم يقبل الخبر، وإنْ كان وجودها فيه ظناً فالوقف، وإن لم تعرف العلة بنص راجع قبل الخبر» (٤). وفصّل أبو الْحُسَيْن البصري (٥) من المعتزلة تفصيلاً آخر، فرأى أنَّ القياس يقدّم عَلَى خبر الواحد في حال ثبوت علة القياس بدليل قاطع، وعلل ذَلِكَ بأنَّ النص عَلَى العلة كالنص عَلَى حكمها، فحينئذ يكون القياس قطعياً، وخبر الآحاد ظنياً، والقطعي مقدم عَلَى الظني (٦).

стр. 970

واستدلوا - أي الحنفية والمالكية - بأن عرض خبر الواحد عَلَى القياس كَانَ من ضمن المناهج الَّتِي اتبعها الصَّحَابَة في نقد المرويات وتمحيص الأخبار، فهذا ابن عَبَّاسٍ يرد عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عندما حدّث بحديث: «تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (١)، قائلاً: «أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهنِ؟ أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الحميمِ؟ فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: يا ابن أخي، إذا سَمِعْتَ حديثاً عنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَلَا تَضْربْ لَهُ الأمْثالَ». فابن عَبَّاسٍ توقف في قبول خبر أبي هُرَيْرَةَ وعارضه بالقياس. وقد أجاب الجُمْهُوْر: بأنَّ دعوى أنَّ مِثْل هَؤُلَاءِ من الصَّحَابَة - كأبي هُرَيْرَةَ وأنس - ليسوا من أهل الفقه، أمر فِيْهِ نظر طويل، ولو أمعنا النظر في مروياته وآرائه لعلمنا رجاحة عقليته الفقهية، وإجابته لابن عَبَّاسٍ تدل عَلَى هَذَا دلالة لايشوبها لبس أو غموض. وأمَّا حديث الوضوء مِمَّا مست النار، فَلَمْ يَكُنْ رد ابن عَبَّاسٍ لَهُ مستنداً إِلَى مخالفة القياس، وإنَّما كَانَ الْحَدِيْث عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ منسوخاً بحديث: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ كَتفَ شاةٍ وصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (٢). عَلَى أنَّ أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ منفرداً برواية حَدِيْث الوضوء مِمَّا مست النار، إذ شاركه في روايته: أبو أيوب (٣)، وأبو طلحة (٤)، وزيد بن ثابت (٥)، وأم حبيبة (٦)، وعائشة (٧)، وأبو موسى الأشعري (٨)، وسهل بن الحنظلية (٩)، وأم

стр. 971

سلمة (١)، وأنس بن مالك (٢)، وعبد الله بن عمر (٣)، ومعاذ بن جبل (٤)، وعبد الله بن زيد (٥)، وغيرهم، حَتَّى عدّوه من المتواتر (٦). واستدلوا أيضاً بأنَّ الخبر هو قول غيره، والقياس متعلق باستدلاله، وهو بفعله أوثق منه بفعل غيره، ولهذا قُدِّمَ اجتهاده على اجتهاد غيره، فكان الرجوع إلى فعله أولى. ويجاب عن هذا القول أنَّه لا فرق بينهما؛ لأنَّه يرجع في عدالة الراوي ومعرفة صدقه إلى أفعاله التي قد شاهدها منه، كما يرجع إلى المعنى الذي ورد عن صاحب الشرع في الأصل، فنحكم به في الفرع، فطريق معرفة العدالة أظهر؛ لأنَّه رجوع إلى العيان والمشاهدة وطريق معرفة العلة هو الفكر والنظر، فكان الرجوع إلى الخبر أولى … واستدلوا أيضاً بأنَّ خبر الواحد يوجد فيه عدة وجوه توجب الرد منها: جواز غلط راويه وفسقه وكذبه، وأن يكون منسوخاً أو مجازاً، أو مجملاً، ولا يوجد في القياس ذلك، وإنَّما يوجد فيه جواز الغلط في علته، وذلك وجه واحد، فلم يقدم عليه ما يوجب رده لوجوه. والجواب عن هذا الاستدلال أنَّ الخبر المستنبط منه القياس، جميع هذه الأحوال موجودة فيه، والوجه الذي يرد به القياس، فقد زاد عليه الخبر بوجه في الرد، فيجب أن يتأخر عنه (٧). فالراجح من ناحية النظر والدليل: ما ذهب إِلَيْهِ جمهور الْعُلَمَاء، لذا قَالَ ابن جَمَاعَة: «والصحيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْحَدِيْث أو جمهورهم، أنَّ خبر الواحد العدل المتصل في جَمِيْع ذَلِكَ مقبول وراجح عَلَى القياس المعارض

стр. 972

لَهُ، وبه قَالَ الشَّافِعِيُّ وأحمد بن حنبل وغيرهما من أَئِمَّة الْحَدِيْث والفقه والأصول ﵃» (١)، وقال الشيرازي: «فأما إذا ورد مخالفاً للقياس، أو انفرد الواحد برواية ما يعم به البلوى لم يرد» (٢). وإليك مثالاً. الانتفاع بالعين المرهونة اختلفوا في تعيين وجوب رد الصاع، أو ما ينوب عَنْهُ (٣). واستدل القائلون بالجواز بحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا تُصَرُّوا الإبِلَ والغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ، فإنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شاءَ أَمْسَكَ، وإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعاً منْ تَمْرٍ» (٤). وأجاب من قَالَ بعدم الجواز: بأنَّ هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وجوه: ١. إن رد المبيع بلا عيب ولا خلاف في صفة، لا تقره أصول الشريعة؛ وذلك لأنَّ التصرية ليست من العيوب، فإنَّ البيع يقتضي سلامة المبيع، وقلة اللبن لاتعدُّ من العيوب الَّتِي تعدم السلامة؛ لأنَّ اللبن ثمرة وبعدمه لا تنعدم صفة السلامة، وقلته من باب أولى. ٢. القاعدة: أنَّ الخراج بالضمان، فاللبن الحادث عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْر مضمون، وَقَدْ نُصَّ عَلَى ضمانه. ٣. إنَّ الشيء المضمون أي: (اللبن) مثلي، والقاعدة: أنَّ المثليات تضمن بمثلها، وَقَدْ ضمنه بغير المثل. ٤. في الضمان إذا انتقل من المثل، فإنَّه ينتقل إِلَى القيمة، والتمر المذكور في الْحَدِيْث لَيْسَ قيمة ولا مثْلاً.

стр. 973

٥. إنَّ المال المضمون يقدر بقدره قلة وكثرة، والقدر منصوص عَلَيْهِ هنا وَهُوَ الصاع (١). وأجيب عن الأول بأنَّه لَيْسَ في أصول الشريعة ما يدل عَلَى انحصار أسباب الرد بهذين الأمرين، بَلْ إنَّ الخيار يثبت للمشتري بالتدليس؛ لأنَّ الْمُشْتَرِي رأى الضرع مملوءاً باللبن، فظن أنَّ ذَلِكَ عادتها، فكأنَّ البائع قَدْ شرط لَهُ ذَلِكَ، فإذا تبين لَهُ خلاف ذَلِكَ ثبت لَهُ الرد، لفقد الشرط المعنوي الَّذِي نوهنا به. وعن الثاني: فإنَّ الخراج اسم للغلة، مِثْل: كسب العبد وأجرة الدابة ونحوهما. أما الولد واللبن فَلَا يسمى خراجاً، والعامل المشترك بَيْنَهُمَا كونهما من الفوائد، وإلا فإنَّ الكسب الحادث والغلة لَمْ يكونا موجودين حال البيع، بَلْ حدثا بَعْدَ القبض. وأما اللبن هنا فإنَّه كَانَ موجوداً حال العقد، فكان جزءاً من المعقود عَلَيْهِ، والصاع لَمْ يقدره الشارع عوضاً عن اللبن الحادث، وإنَّما هُوَ عوض عن اللبن الَّذِي كَانَ موجوداً وقت العقد في الضرع، فكان ضمانه من تمام العدل. وعن الثالث: فإنَّه لا يمكن تضمينه بالمثل البتة، فإنَّ اللبن في الضرع محفوظ وغير عرضة للفساد، فإذا حلب صار معرضاً للحموضة والفساد. وعن الرابع: بأنا لَوْ وكلنا تقديره إليهما أو إِلَى أحدهما لكثر النزاع، فحسم الشارع النزاع وحده بقدر لا يتعد أنَّهُ قطعٌ للخصومة. وعن الخامس: فإنَّ اللبن الحادث بَعْدَ العقد قَدْ اختلط بالموجود وقته، ولا يعرف مقداره حَتَّى نوجب نظيره، وَقَدْ يَكُوْن أكثر أو أقل، فيفضي إِلَى الربا (٢).

стр. 974

٥ - كون خبر الآحاد مما تعم بِهِ البلوى: يجدر بنا قَبْلَ الدخول في هَذِهِ المسألة أنْ نتعرف عَلَى المقصود من قَوْل الفقهاء: «ما تعم بِهِ البلوى». المقصود به: هو ما كثر وقوعه، وكثر السؤال عنه، ويحتاج الناس إلى العلم به، وإذا كثر السؤال عنه كثر الجواب أيضاً. وبهذا يكثر نقله ويشتهر وينتشر، لهذا لا تقبل رواية الآحاد فيه، وهذا ما أخذ به الحنفية (١) ولا يوجه الاتهام بالتقصير في رواية السنة، فالخبر مما تعم به البلوى، إذا لم يشتهر وينتشر مع شدة الحاجة إليه، كان ذلك آية عدم صحته (٢)، قال السمرقندي: «إذا ورد في حادثة تعم بها البلوى، فإنَّه لا يقبل؛ لأنَّ الحادثة إذا كانت مما يشتهر لشدة الحاجة، لو كان الحديث صحيحاً لاشتهر اشتهار الحادثة، فلما روي بطريق الآحاد علم أنَّه غير ثابت ظاهراً» (٣). وموقف العلماء من العمل بخبر الواحد يظهر في أقوالهم وأفعالهم، فقد قَبِلَ بعضهم العمل به فيما تعم به البلوى، بل أوجبه بعضهم. وذكر السرخسي - بعد نصه أنَّ الانقطاع في الأخبار نوعان: انقطاع صورة، وانقطاع معنى - أنَّ الانقطاع معنى قسمان: إما أنْ يكون ذلك المعنى بدليل معارض، أو نقصان في حال الراوي، ثم ذكر أنَّ الانقطاع بدليل معارض على أربعة أوجه، ثم قال: «وأما القسم الثالث وهو الغريب فيما يعم به البلوى، ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به، فإنه زيف؛ لأنَّ صاحب الشرع كان مأموراً بأنْ يبين للناس ما يحتاجون إليه، وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم، فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أنَّ صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم، وأنهم لم

стр. 975

يتركوا نقله على وجه الاستفاضة فحين لم يشتهر النقل عنهم عرفنا أنه سهو أو منسوخ» (١). وقال الشاشي: «ومن صور مخالفة الظاهر عدم اشتهار الخبر فيما يعم به البلوى في الصدر الأول والثاني؛ لأنهم لا يتهمون بالتقصير في متابعة السنة، فإذا لم يشتهر الخبر مع شدة الحاجة وعموم البلوى كان ذلك علامة عدم صحته» (٢). وقال الكلوذاني: «يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى كمس الذكر، ورفع اليدين في الصلاة، وبه قال عامة الفقهاء، وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل» (٣). وقال ابن العربي: «خبر الواحد مقبول في الأحكام الشرعية باتفاق من أهل السنة، واختلف الفقهاء هل يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى؟ فرده أبو حنيفة، وقد بيناه في الأصول، وأنه قد ناقض في مسائل قبل فيها خبر الواحد» (٤) وقال: «ويجب العمل به فيما تعم به البلوى» (٥). وقال الشيرازي: «ويجب العمل بخبر الآحاد فيما تعم به البلوى وفيما لا تعم (٦)، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز العمل به فيما تعم به البلوى، والدليل على فساد ذلك أنه حكم شرعي يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز إثباته بخبر الواحد قياساً على ما لا تعم به البلوى» (٧). وقال الآمدي: «خبر الواحد إذا ورد موجباً للعمل فيما تعم به البلوى .. مقبول عند الأكثرين، خلافاً للكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة … » (٨). وقال العلائي: «اختيار ابن الخطيب في قول الصحابي إذا لم ينتشر وكان فيما تعم به البلوى أنَّه حجة» (٩).

стр. 976

وواضح من النصوص عدم قبول خبر الآحاد إذا كانت فيما تعم به البلوى عند أصحاب أبي حنيفة خاصة. نقل الصنعاني عن الجلال - وهو الحسن بن أحمد اليمني - قوله: «إنَّ كلامهم - يعني: الحنفية - فيها غير منقح؛ لأنَّ التكاليف كلها مما تعم به البلوى» (١). وبرّأ الغزالي ساحة الرواة، لا سيما الصحابة ﵃، فقال: «ما تعم به البلوى، فيجوز أنْ يخبر به الرسول ﵇ عدداً يسيراً ثم ينقلونه آحاداً ولا يستفيض، وليس ذلك مما يعظم في الصدور وتتوفر الدواعي على التحدث به دائماً» (٢). واستدلوا - أعني: الحنفية - بالآثار الَّتِي رويت عن صحابة رَسُوْل الله ﷺ ، مِمَّا يدل ظاهرها عَلَى العمل بهذا الشرط، من ذَلِكَ: ١. عن قبيصة بن ذؤيب، قَالَ: جَاءَتِ الَجَّدةُ إِلَى أبي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ ميراثَها، قَالَ: فَقَالَ لَها: مَالَكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وَمَالَكِ في سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ، فارْجعي حَتَّى أسْألَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النْاسَ فَقَالَ المُغَيرةُ بنُ شَعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فَأَعْطاها السُّدُسَ فَقَالَ أبو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فقامَ مُحَمَّدُ بنُ مسلمةَ الأنصاريُّ فَقَالَ مِثْلَ ما قَالَ المغيرةُ بنُ شُعْبةَ فأنْفذَهُ لهَا أبو بَكْرٍ (٣).

стр. 977

٢. عن أبي سعيد الخدريِّ، قَالَ: اسَتْأذَنَ أبو موسَى عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أأدْخُلُ؟ قَالَ عُمَرُ: واحِدة، ثُمَّ سكت ساعة، ثُمَّ قَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ قَالَ عمر: اثنان، ثُمَّ سكت ساعة، فَقَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ فَقَالَ عمر: ثلاث. ثُمَّ رجع أبو موسى، فَقَالَ عمر للبواب: ما صنع؟ قَالَ: رجع. قَالَ: عَليَّ بِهِ، فلما جاءه قَالَ: ما هذا الَّذِي صنعت؟ قَالَ: السنة، قَالَ: السنة؟ والله لتأتيني عَلَى هَذَا ببرهان أو بينة أو لأفعلنَّ بك، قَالَ: فأتانا ونحن رفقة من الأنصار: فَقَالَ: يا معشر الأنصار ألستم أعلم الناس بحديث رَسُوْل الله ﷺ ؟ ألم يقل رَسُوْل الله ﷺ : «الاسْتئذانُ ثلاثٌ، فإنْ أذنَ لَكَ، وإلا فَارجِعْ»، فجعل القوم يمازحونه، قَالَ أبو سعيد: ثُمَّ رفعت رأسي إِلَيْهِ فقلت: فما أصابك في هَذَا من العقوبة فأنا شريكك. قَالَ: فأتى عمر فأخبره بِذَلِكَ، فَقَالَ عمر: ما كنت علمت بهذا (١). ولا معارض من الصَّحَابَة لفعل الخليفتين، فكان إجماعاً مِنْهُمْ عَلَى مضمون فعلهما (٢). وأجيب عن استدلالهم هذا: بأنَّ دعوى الإجماع منقوضة بفعل عدد من الصحابة، إذ قَبِلَ كثير منهم أخبار الآحاد، بل ورد هذا عن الخليفتين أميري المؤمنين اللذَيْنِ استدلوا بفعلهما، ومن ذلك: ١ - قَبِلَ الخليفة أبو بكر حديث ابنته أم المؤمنين عائشة في قدر الثوب

стр. 978

الذي كفن فيه رسول الله ﷺ ، فروىلبخاري (١)، ومسلم (٢) وغيرهما (٣)، عن عائشة ﵂: «دَخَلْتُ عَلَى أبي بَكْرٍ - ﵁ - فَقَالَ: في كَمْ كَفَّنْتُم النَّبيَّ ﷺ ؟ قَاَلتْ: في ثَلاثَةِ أثْوابٍ سَحوِليَّةٍ لَيْسَ فِيها قَميصٌ ولا عِمامةٌ، وَقالَ لها: في أيِّ يومٍ توفيَ رَسولُ اللهِ ﷺ ؟ قالتْ: يوم الإثنينِ (٤) … ». وكلا الأمرين (الكفن، ويوم وفاته) مِمَّا تعم بِهِ البلوى. ٢ - قَبِلَ الخليفة الفاروق أمير المؤمنين عمر خبر أم المؤمنين عَائِشَة ﵂ في وجوب الغسل من التقاء الختانين، فأخرج الطحاوي (٥) من طريق عبيد الله بن عدي بن الخيار، قَالَ: تَذاكَرَ أَصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ الغُسْلَ مِنَ الجنَابَةِ. فَقَاَلَ بَعْضُهُم: إذا جَاوَزَ الخِتانُ الخِتان فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ، وَقَالَ بعضُهم: إنِّما الماءُ مِنَ الماءِ. فقال عمرُ ﵁: قَدِ اخْتَلَفْتُم عَلَيَّ وَأَنْتُم أهلُ بَدْرٍ الأخْيارُ، فَكَيْفَ بالناسِ بَعدْكم؟ فَقَالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: يا أميرَ المُؤْمِنيِنَ، إِنْ أَرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ، فَأَرْسِلْ إلى أزواجِ النَّبيِّ ﷺ فَسَلْهُنَّ عَنْ ذَلكَ. فأرْسَلَ إلى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: «إذا جَاوَزَ الخِتانُ الخِتان فَقَدْ وَجَبَ

стр. 979

الغُسْلُ». فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلك: لا أسْمَعُ أَحَداً يَقولُ: الماءُ من الماءِ، إلاّ جَعَلْتُهُ نكالاً. وهذا الأمر مما تعم به البلوى أيضاً. وغيرها من الحوادث والآثار التي تعزز في نفس الناظر قبول خبر الآحاد فيما تعم به البلوى أو في غيرها. أما الحادثتان اللتان استدلوا بهما، فيمكن الإجابة عنهما: أنَّ أبا بكر إنَّما توقف في خبر المغيرة؛ لأنَّ ما أخبر عنه أمر مشهور، فأراد التثبت فيه (١). وأما عمر فلأنَّ أبا موسى أخبره الحديث عقب إنكاره عليه، فأراد عمر الاستثبات في خبره لهذه القرينة (٢). فالراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أنَّ خبر الآحاد يعمل به وإن كان مما تعم به البلوى إذا استوفى شروط القبول للاحتجاج به من حيث ثبوته عن رسول الله ﷺ ، ذلك أنَّ الأدلة الشرعية الدالة عَلَى وجوب العمل بخبر الآحاد لم تفرق بين عموم البلوى وغيرها. مثال على ذلك: اختلف أهل العلم في من مَسَّ ذكره، هل ينتقض وضوءه؟ على قولين: الأول: ينتقض وضوءه، وبه قال الشافعية (٣)، والظاهرية (٤)، وجمهور المالكية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦) على تفصيل بينهم. الثاني: لا ينتقض وضوءه، وهو مذهب الحنفية (٧)، ورواية عن الإمام أحمد (٨). استدل من قَالَ بنقض الوضوء: مِن مس الذكر بجملة أدلة، من بينها

стр. 980

حَدِيْث بسرة بنت صفوان أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ (١) ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢). وَقَدْ رد الحنفية الاستدلال بهذا الْحَدِيْث من وَجْهَيْنِ: الأول: الطعن في الْحَدِيْث من ناحية الثبوت (٣). الثاني: الاعتراض عَلَيْهِ من حَيْثُ إنَّ بسرة تفردت بنقله، والفرض أنْ ينقله عدد كبير؛ لتوافر الدواعي عَلَى نقله (٤)، قَالَ السرخسي (٥): «ما بال رَسُوْل الله ﷺ لَمْ يقل هَذَا بَيْنَ يدي كبار الصَّحَابَة، حَتَّى لَمْ ينقله أحد مِنْهُمْ، وإنَّما قَالَهُ بَيْنَ يدي بسرة؟ وَقَدْ كَانَ رَسُوْل الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها» (٦). ويتفرع عن إيرادهم هَذَا الاعتراض مَا يأتي: ١. ورد في بَعْض الروايات أنَّ مروان بعث شرطياً إلى بسرة، فنقل الْحَدِيْث عَنْهَا وسمعه مِنْهُ عروة، وهذا الشرطي مجهول. فتبين أن سَمَاع عروة عن طريق مجهول، فَلَا تقوم الحجة بإخباره.

стр. 981

٢. أنَّ هَذَا الْحَدِيْث يعارض حَدِيْث طلق بن عَلِيّ الحنفي في تَرْك الوضوء من مسه، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ في حَدِيْث طلق: «هَذَا الْحَدِيْث أحسن شيء روي في هَذَا الباب» (١). ٣. إنَّ هَذَا الْحَدِيْث حَدِيْث آحاد، وَقَدْ ورد فِيْمَا تعم بِهِ البلوى، وهذه ريبة توجب التوقف في قبوله. ٤. أنَّهُ تضمن حكماً يختص بالرجال، وَقَدْ روته امرأة. ونجيب عن هَذِهِ الاعتراضات بِمَا يأتي: أما الأول: فإنَّه قَدْ ورد في بَعْض طرق الْحَدِيْث التصريح بأنَّ عروة سمعه مباشرة من غَيْر واسطة من بسرة. فأخرج أحمد (٢)، وابن الجارود (٣)، وابن حبان (٤)، والدارقطني (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧) هَذَا الْحَدِيْث، وفيه التصريح بسماع عروة من بسرة. ولنسق رِوَايَة ابن الجارود ليتضح هَذَا، فروى بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بسرة، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». قَالَ عروة: سألتُ بُسْرةَ فَصَدَّقَتهُ. ومن خلال التتبع للطرق الَّتِي روي بِهَا الْحَدِيْث، نقف عَلَى ثلاث طرق للحديث من طريق عروة، هِيَ: ١. عروة، عن مروان، عن بسرة. ٢. تذاكر عروة ومروان نواقض الوضوء، فأرسل مروان شرطياً إِلَى بسرة، فذكرت الْحَدِيْث. فتكون حقيقة الرِّوَايَة: عروة، عن الشرطي، عن بسرة.

стр. 982

٣. عروة، عن بسرة مباشرة. وَقَدْ أجاد الحَافِظ ابن حبان في تفسير هَذَا التنوع قائلاً: «وأما خبر بسرة الَّذِي ذكرناه، فإنَّ عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة، فَلَمْ يقنعه ذَلِكَ حَتَّى بعث مروان شرطياً لَهُ إلى بسرة فسألها، ثُمَّ أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بسرة، فسمعه عروة ثانياً عن الشرطي عن بسرة، ثُمَّ لَمْ يقنعه ذَلِكَ حَتَّى ذهب إِلَى بسرة فسمع منها. فالخبر عن عروة عن بسرة متصل لَيْسَ بمنقطع، وصار مروان والشرطي كأنَّهما عاريتان يسقطان من الإسناد» (١). وَقَالَ الحَافِظ ابن حجر: «وقد جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة: بأنَّ عروة سمعه من بسرة» (٢). وأسهب أبو عَبْد الله الحَاكِم في التدليل عَلَى هَذَا بعرض نفيس (٣). عَلَى أنَّ الْحَدِيْث مروي عَنْهَا من غَيْر طريق عروة (٤). وقد اختلفت أقوال النقاد في هذا الحديث، فقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وقال محمد - يعني: البخاري -: «إنَّه أصح شيء في الباب»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح ثابت على شرط البخاري ومسلم»، وعن أبي داود أنَّه قال: «قلت لأحمد بن حنبل: حديث بسرة في مسِّ الذكر ليس بصحيح؟ قال: بل هو صحيح»، وقال الدارقطني: «هو صحيح ثابت»، وقال البيهقيُّ في " المعرفة ": «هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان في كتابيهما لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو هو عن مروان فقد احتجا بسائر رواة حديثهما، واحتج البخاري برواية مروان بن الحكم في عدة أحاديث فهو صحيح على شرط البخاري بكل حال، وإذا ثبت سؤال عروة بسرة عن هذا

стр. 983

الحديث كان صحيحاً على شرط الشيخين جميعاً، قال: وقد استقرت الدلالة على سؤاله إياها عن هذا الحديث وتصديقها مروان فيما روى عنها»، وقال الحافظ أبو بكر الحازمي: «هذا حديث لا يختلف في عدالة رواته»، وقال عبد الحق: «هو حديث صحيح»، وقال ابن الجوزي في … " التحقيق ": «إسناده لا مطعن فيه»، وقال ابن الصلاح: «هو حديث حسن ثابت أخرجه: أصحاب السنن بأسانيد عديدة»، وقال ابن الملقن: «فهذه أقوال الحفاظ قديماً وحديثاً تشهد لما قدمناه من صحته» (١). ثم ذكر ابن الملقن اعتراضات من اعترض على تصحيحه. وخالف هؤلاء الأئمة يحيى بن معين وعلي بن المديني، فقال ابن معين: «ثلاث لا يصح فيهن حديث عن رسول الله ﷺ هذا منها - أي حديث بسرة -» (٢). وأما علي بن المديني فإنَّ تضعيفه لهذا الحديث ثابت وسيأتي، وأما رواية ابن معين فلم تثبت عنه، قال ابن الملقن: «الحكاية عن يحيى بن معين أنَّه حديث لا يصح فحكاية لا تثبت عنه البتة كما نبه عليه ابن الجوزي في تحقيقه، وتبعه ابن المنذر قالا: «وقد كان مذهبه انتقاض الوضوء بمسِّ الذكر، وقد كان يحتج بحديث بسرة كما رواه الدارقطني عنه، وروى عنه عبد الملك الميموني أنَّه قال: إنَّما يطعن في حديث بسرة من لا يذهب إليه، وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": «روى مضر بن محمد، قال: سألت يحيى بن معين عن مس الذكر، أي شيء أصح فيه من الحديث؟ قال يحيى بن معين: لولا حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة فإنَّه يقول فيه: سمعت، قال: سمعت، لقلت لا يصح شيء، قلت: - أي: ابن الملقن - وعلى تقدير صحة الحكاية السالفة عنه، فأهل العلم قاطبة على خلافها، فقد صححه الجماهير من الأئمة، والحفاظ كما أسلفناه، واحتج به نجوم الحديث، ولو كان كما ذكر لم يحتجوا به» (٣).

стр. 984

وقد أخرج البيهقي من طريق عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، قال: حدثنا رجاء بن مرجا الحافظ، قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، فتناظروا في مس الذكر، فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه، وتقلد علي بن المديني قول الكوفيين، وقال به، واحتج ابن معين بحديث بسرة بنت صفوان، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلد إسناد بسرة ومروان بن الحكم أرسل شرطياً حتى رد جوابها إليه، فقال يحيى: ثم لم يقنع ذلك عروة حتى أتى بسرة فسألها وشافهته بالحديث، ثم قال يحيى: ولقد أكثر الناس في قيس بن طلق، وأنَّه لا يحتج بحديثه، فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما، فقال يحيى: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر يتوضأ من مس الذكر، فقال علي: كان ابن مسعود يقول: لا يتوضأ منه، وإنما هو بضعة من جسدك، قال: فقال يحيى: هذا عمن، فقال: عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن عبد الله، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا فابن مسعود أولى أن يتبع، فقال له أحمد بن حنبل: نعم، ولكن أبا قيس الأودي لا يحتج بحديثه، فقال علي: حدثني أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن عمير بن سعيد، عن عمار قال: لا أبالي مسسته أو أنفي، فقال يحيى: بين عمير بن سعيد وعمار بن ياسر مفازة» (١). غير أنَّ ابن الملقن رجح حديث بسرة فقال: «فقد اتضح صحة حديث بسرة هذا بحمد الله ومنه وزال عنه ما طعن فيه، ولقد أحسن الحافظ أبو حامد

стр. 985

أحمد بن محمد بن الحسن الشرقي تلميذ مسلم الذي قال فيه الحاكم: هو صاحب الصحاح فيما حكى عنه أبو الحسن محمد بن أحمد النصراباذي الفقيه قال: استقبلني أبو حامد بن الشرقي، وأنا متوجه إلى منزلي، فقلت أيها الشيخ: ما تقول في مس الذكر أيصح من جهة الإسناد؟ فقال: بلى هو حديث صحيح، فقلت: أنَّ مشايخ أصحابك يقولون: لا يصح، قال: من يقول هذا؟ قلت: أبو بكر بن إسحاق، وأبو علي الحافظ، فقال: أما أبو بكر بن إسحاق فقد سبق مني أني لا أقول في حديثه شيئاً، وأما أبو علي فلقيط لا يدري ما الحديث، وأما أنت فحائك، والحديث صحيح» (١). وأما اعتراضهم الثاني: فحديث طلق بن عَلِيّ الحنفي، صححه جمع من الحفاظ النقاد، مِنْهُمْ: عَمْرو بن عَلِيّ الفلاس (٢)، وعلي بن المديني، والطحاوي، وابن حبان، والطبراني، وابن حزم (٣). قَالَ الفلاس: «هُوَ عندنا أثبت من حَدِيْث بسرة» (٤)، وَقَالَ ابن المديني: «هُوَ عندنا أحسن من حَدِيْث بسرة» (٥). وبيان طرق هَذَا الْحَدِيْث فِيْمَا يأتي: فَقَدْ رَوَاهُ عن طلق ابنه قيس، وقيس هَذَا تكلم فِيْهِ وثقه أحمد، وابن مَعِيْنٍ، والعجلي، وذكره ابن حبان في ثقاته (٦)، وقال عنه … الحافظ: «صدوق» (٧).
следующие страницы →