← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهي: نسخة أبي نصر هارون بن موسى الراوي عن أبي علي، ونسخه أبي بكر ابن صاحب الأحباس، وأصل ابن أبي الحباب. وقد وردت ألفاظ القراءة والرواية في كتاب "الانتخاب" في مواضع متعددة، وذلك كلما تعلق الأمر بخلاف في المعنى أو المعلومات، وكل ذلك لغاية التحري والتثبت ووضع كل الاحتمالات الواردة في الشرح لكي يبسط أمام القارئ؛ فمن ألفاظ القراءة ما يأتي: * "قال أبو نصر: أقرأني أبو علي: لأن قيس بن عاصم المنقري حفزه حين … " (١). * "ووقع في كتاب ابن قتيبة المقروء عليه: دقيق بالدال من دقة النظر وغموضه، وقد رواه قوم: رفيق بالفاء وهو مثل اللطيف" (٢). * "كذا رواه أبو علي البغدادي وقال: كذلك أقرأني أبو جعفر بن قتيبة والصواب: زركون بتسكينها" (٣). ومن ألفاظ الرواية: * "وقد رواه أبو علي البغدادي عن أبي جعفر بن قتيبة عن أبيه هكذا ولم ينكره" (٤). * "هذه الرواية هي رواية أبي جعفر عن أبيه وهي أحسن من رواية أبي نصر (٥). * "كذا رويناه من طريق أبي نصر عن أبي علي البغدادي، ولم يكن ابن هبيرة الضارب لعيسى بن عمر، إنما الضارب له يوسف بن عمر الثقفي في ولايته للعراق" (٦). _________ (١) الانتخاب: ٢٦٢. (٢) الانتخاب: ٣٣. (٣) الانتخاب: ٣٢٥. (٤) الانتخاب: ١٦. (٥) الانتخاب: ٢٢٣. (٦) الانتخاب: ١١٢.

стр. 107

كما نجد الإشارة إلى الخط كتأكيد على النسبة مثال قوله: * "قال أبو نصر: أقرأني أبو علي: العُكُوبَ بالضم ع: وكذا وجد بخطه" (١). * "عن أبي علي: أُلْفِيَ بخط الغالبي: كَسَبَتْ بالتخفيف وهو الأشهر" (٢). * "قال أبو نصر: الذي رويته في كتاب سيبويه: خَرَفِيٌّ بفتح الخاء وهو الصواب، ووجد بخط الغالبي: خرفي بفتح الراء والخاء، قاله أبو علي" (٣). وقد استفاد من هذه التقنية للمقارنة بين الروايات لتقديم "أدب الكتاب" في جميع رواياته هذه المقارنات مثلًا قوله: * "ووقع في كتاب س: حِدَاءٌ بالقصر فهو على القياس، وكذلك في كتاب ص: وحِدْءَانِ خارج عنه وحده، ووقع في كتاب ابن قتيبة: حدَّانِ ونقله أبو علي ثم أنكر، قال ص: حِدْاءَنُ أفصح وأشهر، قاله أبو علي" (٤). * "وثبت في كتاب أبي جعفر المشق بفتح الشين، وعند أبي علي بإسكانها" (٥). * "قع في كتاب ص سماوي، وفي كتاب س سمائي". * "وقع في كتاب ابن قتيبة وفي كتاب ابن أبي الحباب: محمد بن الجهم وسقط عندهما: البرمكي وثبت في كتاب أبي نصر" (٦). * "رويناه من طريق أبي نصر عن أبي علي: بعني هذه الخمرة بناقته برمتها، ووقع في بعض النسخ: أي بعني هذه الخمر، وهذا هو الوجه، وأظن الأول تصحيفًا وإن كان غير ممتنع: هذه الرواية هي رواية أبي جعفر عن أبيه، _________ (١) الانتخاب: ٢٦١. (٢) الانتخاب: ٢٤١. (٣) الانتخاب: ٥٨٣ - ٦٥٧. (٤) الانتخاب: ٣٥١. (٥) الانتخاب: ٤٢٥. (٦) الانتخاب: ٤٧.

стр. 108

وهي أحسن من رواية أبي نصر" (١). نجده أحيانًا يورد الروايات كلها، ثم ينص على أحسنها إما باعتبار صحة المعنى بما تكلمت به العرب وبما صح عن اللغويين والنحاة، أو باعتبار موسيقية التركيب اعتمادًا على الموازنة بينها أو القياس والسماع، ومثال ما يورده من عبارات القياس والسماع: * قوله: "هذا مذهب الكسائي فاتبعاه عليه؛ لأنَّه لا قياس يعضده ولا سماع يؤيده" (٢). * قوله: "والقول ما قال سيبويه لأن الكلام جرى كالمثل والأمثال قد تخرج عن القياس فتحكى كما سمعت ولا يطرد فيها القياس" (٣). * قال في باب ما يكون للمذكر والمؤنث وفيه علم التأنيث: "هذا الباب على السماع ولا مدخل له في القياس" (٤). * "قياس قول سيبويه أن تكتب في الإفراد، وهذا الذي قاله مذهب كوفي، … وعلى قياسه وقع ﴿مَوْئِلًا﴾ في المصحف" (٥). _________ (١) الانتخاب: ٢٢٣. (٢) الانتخاب: ١٦. (٣) الانتخاب: ١٢. (٤) الانتخاب: ٦٧٤. (٥) الانتخاب: ٦٤٠.

стр. 109

المبحث الرابع موقف الجذامي واستفادته من المادة العلمية جمع الجذامي في الانتخاب مادة علمية هامة من جميع ما استطاع أن يفيده في إغناء شرحه، لهذا فهو يجمع من المصادر التي ذكرناها ما يعضد به الشرح، شروح سابقة لأدب الكتاب وتفسير لأبياته، أو إضافة ما يمكن أن يفيد في توضيح المعنى، أو مآخذ على ابن قتيبة فيه أو إثارة القضايا التي لم يقف عنده الشراح السابقون أو التي أثاروا جانبًا منها. وقد استفاد من المصدر التي اعتمدها من جهتين: * من حيث كونها مصادر للنقول كـ "العين" و "الجمهرة" و "الزاهر"، "المقصور والممدود" لأبي علي، و"معاني الشعر" وغيرها. ومن كونها طرقت نفس المواضيع التي تعرض لها ابن قتيبة كـ "فقه اللغة" و"إصلاح المنطق" و "الأنواء" و "أدب الكتاب" للصولي. أو كانت نفسها شروحًا لـ "أدب الكتاب" كـ "الاقتضاب" و "تفسير الزجاجي الرسالة الكتاب"، أو تعليقات على أدب الكتاب: كتعليقات أبي علي المقالي وتعليقات سليمان بن يزيد السعدي. * ومن حيث كونها مصادر للشاهد، وهكذا يتنوّع الشاهد في "الانتخاب" فمنه الشاهد القرآني والحديثي والشعري والأخباري والمثل. المطلب الأول: الشاهد القرآني استفاد منه الجذامي استفادة بليغة وذلك في تأصيل بعض المسائل الفقهية، أو تأصيل للقواعد النحوية أو اللغوية، أو شرح المعاني المختلفة بالرجوع إلى أوجه القراءات، وقد بلغت الآيات التي استشهد بها الجذامي

стр. 110

١٤٠ آية، من ٦٩ سورة من سور القرآن الكريم، إلا أنه لا يسرد الآية كلها، خاصة إذا كانت من الآيات الطويلة بل يقتصر على موطن الشاهد منها فقط كقوله: "قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ " (١). وقوله: "وعلى قياسه وقع ﴿مَوْئِلًا﴾ في المصحف" (٢). وقد يتكرر ورود بعض الآيات بسبب الحاجة إليها مثل الآية: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣). وعمل على إثارة أوجه القراءات ولم يذكر أصحاب هذه القراءات مثل قوله: "ولم يأت من ذلك إلا أقفل جمع قفل وقرأ بعض القراء: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤) "، وهي قراءة شاذة (٥). وقوله: "إنما تكون اسمًا في قراءة من قرأ: "كَيْدٍ سَاحِرٍ" بالرفع، وأما من نصب ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ فإن "ما" في قراءته صلة" (٦)، فمن قرأ بالرفع قراءة الجمهور إلا حمزة والكسائي وخلف (٧)، ومن قرأ بالنصب مجاهد وحميد وزيد بن علي (٨). وقوله: "يقال: صاره يصوره ويصيره إذا أماله وقرئ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ وصُرْهُنَّ أي: يجمع القلوب المختلفة على محبته" (٩)، من قرأ بكسر الصاد أبو جعفر وحمزة وخلف ورويس، وقرأ الباقون من العشرة بضم الصاد (١٠). لم يذكر أصحاب هذه القراءات. أورد آيات لتعضيد قواعد نحوية كقوله: "ومنها الحال المؤكدة كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾، ومنها الحال الموطئة كقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ _________ (١) الانتخاب: ١٩؛ سورة يوسف: الآية ١٠٨. (٢) الانتخاب: ٦٤٠؛ سورة الكهف: الآية ٥٧. (٣) الانتخاب ٢٢٧ - ٢٨٢؛ سورة القارعة: الآية ٧. (٤) الانتخاب: ٣٤٤؛ سورة محمد: الآية ٢٤. (٥) مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه: ١٤١ وذكرها في البحر المحيط بلفظ: "وقرئ": ٩/ ٤٧٣. (٦) الانتخاب: ٦١٠؛ سورة طه: الآية ٦٩. (٧) تقريب النشر: ١٤٢. (٨) ىروح المعاني: ١٦/ ٣٣٥. (٩) الانتخاب ٥٢؛ سورة البقرة: الآية ٢٦٠. (١٠) تقريب النشر في القراءات العشر: ٩٨.

стр. 111

لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ (١). المطلب الثاني: الشاهد من الحديث النبوي أما الأحاديث التي استشهد بها الجذامي فقد بلغت ٩٢ حديثًا منها حديث قدسي واحد (قال الله : ابن آدم، ألم أحملك على الخيل وزوجتك النساء وجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ وَتَدْسَعُ؟ قال: بلى يا رب، قال: فَأَيْنَ شُكْرُ ذلِكَ؟) (٢). وقد أورد أغلبها في قواعد فقهية شرح به الجذامي جزءًا من مقدمة "أدب الكتاب" فنجد مثلًا: "نهى رسول الله ﷺ في البيوع عن شرط وبيع" فهي تستدعي البحث عن الحديث وهكذا يورد الجذامي حديث الليث بن سعد حين وروده مكة فأورد مجموعة من الأحاديث: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط - قول عائشة ﵂: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة فأعتقها - عن جابر قال: بعت من النبي ﷺ بعيرًا فاشترط لي حملانه إلى المدينة" (٣). وفي "القواعد الفقهية": قوله: (لا طلاق في إغلاق)، (لا قَودَ إلا بحديدة)، (لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ)، (العارية مُؤَدَّاةٌ)، (لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ ولَا كَثَرٍ) (٤). كما أن توثيق أغلب الأحاديث كان من كتب غريب الحديث كقوله ﷺ : (مَا يَحْمِلُكُمْ عَنْ أَنْ تَتَايَعُوا فِي الْكَذِبِ كَمَا يَتَتَايَعُ الْفَرَاسُ فِي النَّارِ) (٥). وقوله: "قال رسول الله ﷺ : (مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا) " (٦).) ومن هذه _________ (١) الانتخاب: ٦٤؛ سورة البقرة: الآية ٩٠، سورة المائدة: الآية ٤٨، سورة الأحقاف: الآية ١١. (٢) الانتخاب: ٢٤٤. (٣) الانتخاب: ٩٠. (٤) الانتخاب: ٨٣. (٥) الانتخاب: ٤٠٩. (٦) الانتخاب: ٧٩.

стр. 112

الأحاديث ما لم نقف عليه في أي من كتب الحديث أو الغريب مثل: "روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (مِسْكِينٌ رَجُلٌ لَا أَهْلَ لَهُ)، قالوا: يا رسول الله وإن كان ذا مال؟ قال: (وإن كان ذا مال) " (١). ومنها ما كان حديثًا ثم جرى على المثل أو الحكمة قوله: " (كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَاء) وقد قاله النبي ﷺ لأبي سفيان بن حرب" (٢). وقوله: "فقد قال رسول الله ﷺ : (خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا) (٣). وقوله: (النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا) (٤). وقوله: (أخرُتُ لِدُنْيَاك) " (٥). ومنها ما قاله ﷺ في حوادث معينة كقوله لحسان: (كيف تهجو قريشًا وأنا منهم؟) فقال له حسان: والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين فقال: (اهجهم وروح القدس معك) (٦). وقوله ﷺ لسادن أصنام بني سليم الذي أسلم: (كيف اسمك؟) قال: غاوي بن ظالم، فقال: (لا بل أنت والله راشد بن عبد ربه) (٧). ومنها ما جاء معضدًا للشرح اللغوي مثل قوله: "دوم ومنه اشتقت الدوامة، وكل شيء استدار في هواء كان أو أرض فهو دائم ومدوم وفي الحديث: (كُرِهَ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) " (٨). وقوله في "شرح التَّتَايُعِ": "وفي التَّتَايُعِ قَولان، قيل: الذي إذا مشى اضطرب في مشيه، وقيل: هو الشديد اللجاجة المتهافت، ومنه قول النبي ﷺ : (مَا يَحْمِلُكُمْ عَنْ أَنْ تَتَايَعُوا فِي الْكَذِبِ كَمَا يَتَتَايَعُ الْفَرَاشُ فِي النَّارِ) " (٩). _________ (١) الانتخاب: ١٨١. (٢) الانتخاب: ١٢٥. (٣) الانتخاب: ١١٩. (٤) الانتخاب: ٢٢. (٥) الانتخاب: ٢٦٥. (٦) نفسه: ١٧٣. (٧) نفسه: ٣٣٣. (٨) نفسه: ٥٦٧. (٩) نفسه: ٤٠٩.

стр. 113

وقد عمل الجذامي على رواية سند بعضها مثل قوله في حديث: (لا رقية إلا من نملة أو حمة أو نفس): "هذا يرويه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب" (١). وقوله: "قال ابن شبرمة: حدثني ابن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: بِعْتُ من النبي بعيرًا واشترط لي حُمْلَانَهُ إلى المدينة" (٢). وأورد أحاديث شاهدًا على مسائل نحوية، مثل قوله في معرض حديثه عن الحال وأنواعها: "وقد يكون معنى التوطئة في الحال أن يتأول في الاسم الجامد تأويل يخرجه إلى حكم الاسم المشتق كقوله ﷺ وقد سئل كيف يأتيه الوحي فقال: (أحيانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا) " (٣). وأورد بعضها المعنى لأنها ذكرت في "أدب الكتاب" كقوله: "حديث أبي الدرداء (٤) وحديث أبي ضمضم (٥)، وحديث ابن سيرين" (٦). وقد ورد ذكر للحديث المرفوع قال: "عبد الله بن عمرو بن العاص من جلّة الصحابة، وأكثرهم رواية للحديث المرفوع" (٧). المطلب الثالث: الشاهد الشعري لقد اعتمد الجذامي على الشعر اعتمادًا كبيرًا بحيث أنه منه أبياتًا كثيرة بلغت من الأبيات: ٥٥٩ بيتًا، وأنصاف الأبيات: ١٩٦، ومن الأرجاز: ٢٦٠ شطرًا، وبهذا فاقت أبيات "أدب الكتاب"، وقد أضاف أبياتًا سابقة أو لاحقة عما أورده ابن قتيبة أو بما أتى به شاهدًا في الشرح: * فمما أضافه على قول أبي دؤاد: (هزج) _________ (١) الانتخاب: ١٣٦ - ١٣٧. (٢) نفسه: ٩٠. (٣) نفسه: ٦٤. (٤) نفسه: ١٧٠. (٥) نفسه: ١٧٠. (٦) نفسه: ١٨٦. (٧) نفسه: ٢٦٦.

стр. 114

طَوِيلٌ طَامِحُ الطَّرْفِ إِلَى مَفْزَعَةِ الْكَلْبِ أورد بيتين قبله، ثم أورد تسعة أبيات بعده (١). ومن ذلك أيضًا قوله في شرح بيت بشر بن أبي خازم: (وافر) وَخِنْذِيذٍ تَرَى الْغُرْمُولَ مِنْهُ … كَطَيِّ الزِّقِّ عَلَّقَهُ التِّجَارُ ويجوز أن يكون أراد بالطي المطوي مثل: نسج اليمن، وضرب الأمير، فيكون المعنى كمطوي الزق فشبه العين بالعين، وبعده: كَأَنَّ حَفِيفَ مِنْخَرِهِ إِذَا مَا … كَتَمْنَ الرَّبْوَ كَيْرٌ مُسْتَعَارُ يُضَمَّرُ بِالْأَصَابِلِ فَهُوَ نَهْدٌ … أَقَب مُقَلّص فِيهِ أَقْوِرَارُ وخنذيذ بالخض لأنَّه معطوف على قوله قبله: بِكُلِّ قِيَادٍ مُسْنِقَةٍ عَنُودٍ … أَضَرَّ بِهَا الْمُسَالِحُ وَالْغُوَارُ (٢) * وقد يتمم بيتًا من "أدب الكتاب" مثل قوله: "وقوله: (بسيط) وَانْصَاعَ جَانِبَهُ الْوَحْشِيَّ هو صدر بيت لذي الرمة، وتمامه: فَأَنْصَاعَ جَانِبَهُ الْوَحْشِيَّ وَانْكَدَرَتْ … يَلْحَبْنَ لا يَأْتَلِي الْمَطلوب وَالطَّلَبُ" (٣) * أو كشاهد على استعمالات اللغة كقوله: "قيل للملك: تحية لأن الملك يحيى" بأبيت اللعن، قال عمرو بن معدي كرب: أَسِيرُ بِهَا إلَى النُّعْمَانِ حَتَّى … أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي * كتأكيد على معاني تستدعي الشرح بالمثال والشاهد: "قال الخليل: اليرن: دماغ الفيل وهو سم، وأنشد أبو علي: وَأَنْتَ الْغَيْثُ يَنْفَعُ مَا يَلِيهِ … وَأَنْتَ السُّمُّ خَالَطَهُ الْيَرُونُ _________ (١) الانتخاب: ٣٦٣. (٢) الانتخاب: ٥٨٩. (٣) الانتخاب: ٤٤٠.

стр. 115

ر: اليرون والأرون: المني" (١). وقد خصص الشعر لشرح غريب اللغة لما علمه أنه من المرجع في إثبات استعمال الغريب في معانيه المختلفة ومنها قوله: "ويقال: اطرغش من مرضه وابرغش وتقشقش: إذا أفاق وبرأ وكان يقال لـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٢)، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ (٣) المقشقشتان، يراد أنهما يبرئان حافظهما من النفاق والكفر، قال الشاعر: (وافر) أُعِيذُكَ بِالْمُقَشْفِشَتَيْنِ مِمَّا … تُحَاذِرُهُ وَمِنْ شَرِّ الْعُيُونِ" (٤) وكقوله: "الشكر: الرضاع، عن المبرد، وقيل: الفرج، قال الهذلي: (طويل) صَنَاعٌ بِإِشْفَاهَا حَصَانٌ بِشَكْرِهَا … جَوَادٌ بِقُوتِ الْبَطْنِ وَالْعِرْقُ زَاخِرُ" (٥) * أو كشاهد على مسائل نحوية مثل قوله: "وقد تكرر العرب ذكر الاسم على غير وجه التنوين والاستطابة لكن لضرب من المبالغة أو على وجه الضرورة، فإذا كان ذلك في جملتين حسن الإظهار والإضمار لأن كل جملة تقوم بنفسها … وإن كان في جملة قبح الإظهار ولم يكد يوجد إلا في الشعر .... ومن الثاني قول سوادة: (خفيف) لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ … نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا" (٦) * أو لذكر مختلف أوجه الإعراب الممكنة في شرح الأبيات قوله في شرح بيت النابغة الجعدي: (رمل) وَأَرَانِي طَرِبًا فِي إِثْرِهِمْ … _________ (١) الانتخاب: ٤٦١. (٢) سورة الإخلاص: ١. (٣) سورة الكافرون: ١. (٤) الانتخاب: ١١٣. (٥) الانتخاب: ١١٠. (٦) الانتخاب: ٦٦٢.

стр. 116

"قوله: أراني يجوز أن يكون من رؤية العلم فيكون "طربًا" معقولًا ثابتًا، وأن يكون من رؤية العين فتكون حالًا لأن هذا مما يرى بالقلب والعين، والأول أجود لقوله: أراني، فعدى فعل الضمير المتصل إلى الضمير المتصل وهما جميعًا للمتكلم … وقد جاء ذلك في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد إلا أنه قليل قالوا: فقدتني وعدمتني ورأيتني، قال قيس بن ذريح: (طويل) نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي فَقَدْتُنِي … كَمَا يَنْدَمُ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ وقال عنترة: (كامل) فَرَأَيْتُنَا مَا بَيْنَنَا مِنْ حَاجِزٍ … إِلَّا الْمِجَنّ وَنَصْلُ أَبْيَضُ مِقْصَلِ واستعمله أبو الطيب فقال: (متقارب) يَرَى حَدُّهُ غَامِضَاتِ الْقُلُوبِ … إِذَا كُنْتُ فِي هَبْوَةٍ لَا أَرَانِي" (١) * كما أنه يلجأ إلى تصويب رواية الأبيات الشعرية مثال تصويبه لبيت عبيد يقول: "وهذا البيت رواه أبو عبيدة هكذا، وهو فاسد الوزن ينقص من شطره الأول جزء وذكر أن الخليل بن أحمد أصلحه فقال: (متقارب) هِيَ الْخَمْرُ يَكْنُونَهَا بِالطِّلَاءِ … كَمَا الذِّئْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَهْ وتصويبه لبيت أعشى باهلة يقول: "والبيت مركب من بيتين، وصحة إنشاده: لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ … وَلَا تَرَاهُ أَمَامَ الْقَوْمِ يَقْتَفِرُ لَا يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنِ وَلَا وَصَبٍ … وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ وكذا أنشده أبو العباس المبرد في "الكامل" (٢). * كما يورد أبياتًا كانت سبب تسمية أصحابها مثل بيت جران العود قوله: "وسمي جران العود لأنَّه صنع سوطًا من باطن حلقوم البعير وهو جرانه، والعود: المسن من الإبل فجعله في الدباغ وهدد به زوجتيه فقال: (طويل) _________ (١) الانتخاب: ١٤١. (٢) الانتخاب: ١٨٨.

стр. 117

خُذَا حِذْرًا يَا حَنَّتَيَّ (فَإِنَّنِي … رَأَيْتُ جِرَانَ الْعَوْدِ قَدْ كَادَ يَصْلُحُ فغلب عليه "جران العود" حتى نسي اسمه" (١). وقوله: "ويسمى معاوية هذا معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة: (طويل) أُعَوِّدُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءَ بَعْدِي … إِذَا مَا الْحَقُّ فِي الْحَدَثَانِ نَابًا" (٢) * كما وثق بالشعر سبب تسمية القبائل كقوله في تسمية قريش: "ع: وقال أبو عبد الله الكلابي: سأل معاوية بن عباس: لِمَ سميت قريش قريشًا؟ فقال: بداية في البحر من أعظم دوابه يقال لها: القرش لا تمر بشيء من الدواب إلا أكلته، قال: فهل تروي في ذلك شيئًا، قال: نعم قول الجمحي: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ … الْبَحْرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا … تَتْرُكُ فِيهِ لِذِي الْجَنَاحَيْنِ رِيشَا قال ابن الأنباري: هو مأخوذ من الاقتراش وهو الاجتماع لتجمعهم حول البيت. وأصل الافتراش وقوع الرماح بعضها على بعض، قال الشاعر: وَلَمَّا دَنَا الرَّايَاتُ وَاقْتَرَشَ الْقَنَا … وَطَارَ مَعَ الْقَوْمِ الْقُلُوبُ الرَّوَاجِفُ وقيل: لأنها تقرشت أي: اجتمعت بعد التفرُّق، وكانوا متبددين في الأرض حتى جمعهم قصي بن كلاب في الحرم فسمي بذلك مجمعًا. قال حذافة بن غانم العذري: (طويل) أَبُوكُمْ قُصَيُّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَعَ اللهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ" (٣) * كما وثق بالشعر أيام العرب منها قوله: قال: "هو بشر بن أبي خازم الأسدي … قال: هذا الشعر في إيقاع بني أسد ببني تميم يوم الجفار، وببني عامر يوم النسار ولذلك يقوله: (متقارب) وَيَوْمَ النِّسَارِ وَيَوْمَ الجِفَارِ … كَانَا عَذَابًا وَكَانَا غَرَامَا" (٤) _________ (١) الانتخاب: ٣٠٥. (٢) الانتخاب: ٣١٧. (٣) الانتخاب: ٢٧١. (٤) الانتخاب: ٢٧٤.

стр. 118

وكذلك يعتمد على الشعر لذكر بعض الحوادث منها حدث تحريق عمرو بن هند لبني دارم في شعر جرير في قوله: (طويل) وَأَخْزَاكُمْ عَمْرُو كَمَا قَدْ خَزَيْتُمْ … وَأَدْرَكَ عَمَّارًا شَقِيُّ الْبَرَاجِمِ (١) وكذلك شعر عبيد بن الأبرص في ذكر خبر قومه بني أسد مع حجر بن امرئ القيس في قوله: (كامل) وَمَنَعْتَهُمْ نَجْدًا فَقَدْ حَلُّوا عَلَى وَجَلٍ تِهَامَهْ أَنْتَ الْمَلِيكُ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الْعَبِيدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَهْ (٢) وكذلك ذكر مقتل عمرو بن مسعود وخالد بن المضلل الأسديان في بيت بنت معبد بن نضلة في قوله: (طويل) أَلَا بَكْرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ … بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيْدِ الصَّمَدْ (٣) وكذلك استثمر الشعر للإحالة على البلدان مثل قوله في مقد وهي بلد تجلب منه الخمر: "وَهُمْ تَرَكُوا أَبْنَ كَبْشَةَ مُسْلَحِبًّا … وَهُمْ شَغَلُوهُ عَنْ شُرْبِ الْمَقَدِّي" (٤) وقد لاحظنا أن الجذامي في روايته لبعض الشعر يخالف روايته في دواوين الشاعر مما اضطرنا في عدة مواقف إلى الحفاظ على روايته والإشارة إلى رواية الديوان في الهامش خاصة إذا تعلق الأمر باعتماده على روايته لشرح مفردة ما تكون هي موطن الشاهد في البيت، من ذلك قوله في البيت الذي أورده الجرير: (كامل) أَيْفَايِشُونَ وَقَدْ رَأَوْا حُفَّاثَهُمْ … قَدْ عَضَّهُ فَقَضَى عَلَيْهِ الْأَشْجَعُ قال: "والمفايشة: المغالبة والمفاخرة .. والضمير في يفايشون يعود إلى مجاشع .. " (٥). _________ (١) الانتخاب: ١٠٠. (٢) الانتخاب: ٢٤٩. (٣) الانتخاب: ١٠٧. (٤) الانتخاب: ٤٨٦. (٥) الانتخاب: ٥٥٤.

стр. 119

وفي رواية البيت في الديوان: أيغايشون بالغين. وبيت ذي الرمة: "وغلاف القمر هو: الساهور، وضوؤه: الفخت، قال الشاعر يصف امرأة: (بسيط) كَأَنَّهَا عِرْقُ سَامٍ عِنْدَ ضَارِيهِ … أَوْ شِقَّةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَوْفِ سَاهُورِ (١) فهو يشرح الساهور ووجدنا أن رواية البيت في الديوان مختلفة: ناهور (٢). أو كقوله: ويدل على أن النوء: الساقط قول ذي الرمة يصف مطرًا: (وافر) أَصَابَ النَّاسَ مُنْغَمِسُ الثُّرَيَّا … بِسَاحِبَةٍ وَأَتْبَعَهَا طِلَالَا ومنغمس الثريا: غروبها يقال: غمس في الماء إذا غاص فيه" (٣) وقد وجدنا في رواية الديوان: منقمس. ومما يؤاخذ عليه هو أنه لم ينسب كثيرًا من الأبيات الشعرية وجاءت روايته لبعض الأبيات مخالفة لرواية الدواوين وقد صادفت هذه المخالفة موطن الشاهد مما جعل تصويب الأبيات مستحيلًا خاصة ما كان منها متعلقًا بموضع الشاهد. وقد أشرنا إلى ذلك في الهامش في مواضعه. وقد كانت أوزان غالب الأبيات المستشهد بها من البحور الطويلة: فمن بحر الطويل (٢٩٢ بيتًا ونصف بيت) ومن البسيط (١٥٣) ومن الوافر (١٠٧) ومن الكامل (٤٢). أما البحور القصيرة فقد لاحظنا أن أبيات الشرح كانت من الرجز والمتقارب (٧٢). ولعل هذا يرجع إلى كثرة محفوظ الجذامي من الأوزان القصيرة التي سرت على ألسنة الناس متأثرة بما ساد في عصره من النظم على هذه الأوزان (٤). كما أنه أورد أبياتًا تعتبر من شعر الحكمة الذي ساد أيضًا في عصره منها قوله في الأدب: _________ (١) الانتخاب: ٣٠٠. (٢) تهذيب اللغة: نهر - ل: (نهر): كأنها بهتة ترعى بأقربة × .. ناهور. (٣) الانتخاب: ٢٩٣. (٤) انظر: انتشار الأرجاز في الشعر الأندلسي؛ نفح الطيب: ١/ ١٦٧ - ٢/ ٢٠.

стр. 120

يَا سَائِلِي عَنْ أَدَبِ الْخِبْرَهْ … أَحْسَنُ مِنْهُ أَدَبُ الْعِشْرَةْ كَمْ مِنْ فَتَى تَكْثُرُ آدَابَهُ … أَخْلاقُهُ مِنْ عِلْمِهِ صِفْرَةْ (١) وكذلك بيتين لمحمود الوراق في الزهد: قال محمود الوراق في معناه نظمًا: (بسيط) أَعْمَلْ لِدُنْيَاكَ فِي دُنْيَاكَ وَاسْعَ لَهَا … حَتَّى كَأَنَّكَ خَالِدٌ فِيهَا أَبَدا وَأَعْمَلْ لِمَا بَعْدَها فِيهَا كَأَنَّكَ لَا … تَشْكُّ مِنْ أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ غَدًا (٢) أما القوافي فنلاحظ أن أكثر الشعر كان على قافية الراء (١٣٤ بيت ونصف ورجز)، ثم اللام (١١٨)، ثم الميم (١١٥)، ثم النون (٦٢)، ثم العين (٤١)، ثم القاف (٣١) والفاء (٢٠). وقد أورد الجذامي أبياتًا كثيرة غير منسوبة عملنا على نسبة أغلبها وردها إلى مظانها وأشرنا في الهامش إلى الأبيات التي لم ننسبه أو لم نقف على تخريجها. وقد عمل على شرح كل الأبيات مع بيان مناسبة الشعر، مثال مناسبة قول بيت أبي عطاء السندي: (طويل) "أَلَا إِنَّ عَيْنًا لَمْ تَجُدْ يَوْمَ وَاسِطٍ … عَلَيْكَ بِجَارِي دَمْعِهَا لَجَمُودُ قال ابن الأعرابي: اسمه أفلح يرثي بهذا الشعر عمر بن هبيرة الفزاري" (٣). وقوله: (رجز) "مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا ط: هذا الرجز قالته الزباء حين جاءها قصير اللخمي بالجمال وعليها صناديق فيها رجال عمرو بن عدي … " (٤). وقد عمل على نسبة الأبيات المشروحة من "أدب الكتاب" إلى أصحابها _________ (١) الانتخاب: ٩٤. (٢) الانتخاب: ٢٦٥ - ٢٦٦. (٣) الانتخاب: ١٤٩. (٤) الانتخاب: ٥٥٨.

стр. 121

وقد أعانه على ذلك الاقتضاب للبطليوسي، فقد اعتمد عليه في هذه المهمة اعتمادًا كبيرًا، كما أنه نسب ما لم ينسبه البطليوسي أو شابه اختلاف في النسبة مثل نسبة البيت: (كامل) "زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا … وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ فهو ينسب لحسان بن ثابت ولكعب بن مالك" (١). وكذلك نسبة البيت: (وافر) "كَتَمْتُ عَوَاذِلِي مَا فِي فُؤَادِي … وَقُلْتَ لَهُنَّ لَيْتَهُمْ بَعِيدُ يروي لبشار بن برد ويروى لعروة بن أذينة الفقيه" (٢). ورواية البيت: (مجزوء البسيط) "وَاللهِ وَاللهِ لَنِعْمَ الْفَتَى الْأَعْرَجُ … لَا النِّكْسُ وَلَا الْخَاذِلُ وهو يروى لعبيد بن الأبرص وللنابغة الذبياني" (٣). وقد لاحظنا أن حظر شعراء الأندلس كان ضئيلًا في كتاب "الانتخاب" إذ لم يذكر إلا بيتًا لمحمد بن هانئ وهو قوله: "ومن بديع ذلك قول محمد بن هانئ يصف جيش المعز: (طويل) وَأَرْعَنَ يَحْمُومٍ كَأَنَّ أَدِيمَهُ … وَقَدْ أُشْرِعَتْ أَرْمَاحُهُ ظَهْرُ شَيْهَمِ" (٤) المطلب الرابع الشاهد من الأمثال استفاد الجذامي من الأمثال بحيث خدمت الشرح خدمة مزدوجة، فبالإضافة إلى المتعة التي بثت في النص، عملت على توشيح النص بالمعاني المبينة والموضحة. وقد بلغت ١٠١ مثلًا منها: "رغم أنفه، قمقم الله عصبه، أسكت الله نأمته، أباد الله خضراءهم، وغيرها مما جاء في باب ما يستعمل _________ (١) الانتخاب: ٩٨. (٢) الانتخاب: ١٤٢. (٣) الانتخاب: ٥٨٧. (٤) الانتخاب: ٤٠٦.

стр. 122

من الدعاء في الكلام وباب تأويل كلام من كلام الناس مستعمل" (١). وقد شرح بعض ألفاظها ومعانيها مثل: "وقال: استأصل الله شأفته، أي: اقتلع الله ماله كما تستأصل الشأفة، والشأفة: قرحة تكون في أسفل رجل الإنسان وفي خف البعير" (٢). كما شرح معانيها مثل قوله: "ما به قلبة، أي: ما به شيء يقلقه فيتقلب من أجله، وقال الفراء: معناه ما به وجع يخاف عليه منه … " (٣). كما أنه أورد مناسبات بعضها مثلًا: "مناسبة المثل: إن الشقي وافد البراجم، وذكر قصة عمار الدارمي مع عمرو بن هند" (٤). وكذلك فعل في ذكر خبر المثل: "أهون من قعيس على عمته" (٥). ومناسبة المثل: "حال الجريض دون القريض" (٦). ومنها ما جاء في حديث رسول الله ﷺ كمثل: (كل الصيد في جوف الفراء). ومنها ما نظم فيه شعر كالمثل: أذل من وقد بقاع؛ حيث جاء في شعر عبد الرحمن بن حسان: (مجزوء الكامل) (٧): وَكُنْتَ أَذَلَّ مِنْ وَتِدٍ بِقَاعِ … يُشَجِّجُ رَأْسَهُ بِالْفِهْرِ وَاجِ وكذلك قول زهير في المثل: على ما خيلت (٨): (طويل) تَجِدْهُمْ عَلَى مَا خَيَّلَتْهُمْ إِزَاءَهَا … وَإِنْ أَفْسَدَ الْمَالَ الْجَمَاعَاتُ وَالْأَزْلُ وقد أتى بقول البطليوسي وبالمثل شاهدًا على خطإ ابن قتيبة: "ط: وتخصيصه الجعر هنا بأنه للسبع غلط وتناقض منه؛ لأنَّه قد قال في باب معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه أن الجعر يكون للإنسان … وقد روي أن دغة التي يضرب بها المثل في الحمق، فيقال: أحمق من دغة، أصابها الطلق … _________ (١) الانتخاب: ٢١٧. (٢) الانتخاب: ٢١٧. (٣) الانتخاب: ٢٢٣. (٤) الانتخاب: ١٠٠. (٥) الانتخاب: ٧٨. (٦) الانتخاب: ٤٨٤. (٧) الانتخاب: ٩٢. (٨) الانتخاب: ٢٣٣.

стр. 123

فأتت ضرتها فقالت: يا هنتاه هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم ويدعو أباه" (١). المطلب الخامس [¬*] الشواهد العامة استثمر الجذامي المادة العلمية في كتاب "الانتخاب" استثمارًا ناجحًا، فبالإضافة إلى القرآن والحديث والشعر والأمثال، فقد استفاد من الأخبار والأحداث والأيام وحاول الإشارة إليها في سياق الشرح مثال قوله في يوم عرفة: "كانت الجاهلية تقول هذا: "أشرق ثبير كيما نغير؛ لأنهم كانوا يقفون بعرفة يوم عرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال دفعوا إلى المزدلفة وباتوا بها، وأقاموا إلى أن تشرق الشمس، فكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، أي: ندفع والإغارة هنا الدفعة للنفر يقال: أغار الرجل: إذا أسرع في عدوه؛ ومنه الغارة في الحرب فخالف رسول الله ﷺ أفعالهم، وأفاض من عرفة بعد الغروب، ومن مزدلفة بعد صلاة الصبح قبل الإسفار" (٢). وكذلك استفاد من علم الأنساب بحيث وجدناه يثير أنساب القبائل كتسمية قبيلة "مراد" (٣) و"طيء" (٤) و "قريش" (٥). وذكر أنساب بعض الشعراء كنسب الأعشى، ونسب الأراقم، ونسب جعفر "أنف الناقة" وغيرهم. وعمل على إيراد تراجم مقتضبة لبعض الأعلام مثل: ترجمة ابن سيرين (٦)، والحسن بن سهل (٧)، ويعقوب بن إبراهيم (٨). كما استفاد من اطلاعه لتصحيح رواية بعض الأحداث: كتصحيح خبر _________ (١) الانتخاب: ٤٩٧. (٢) الانتخاب: ٣١٢. (٣) الانتخاب: ٢٧٦. (٤) الانتخاب: ٢٧٦. (٥) الانتخاب: ٦٧. (٦) الانتخاب: ٩٧. (٧) الانتخاب: ١٢٣. (٨) الانتخاب: ٥٦٦. [¬*] (تعليق الشاملة): في المطبوع «الرابع»

стр. 124

ضرب ابن هبيرة عيسى بن عمر بالسياط: "ولم يكن ابن هبيرة الضارب لعيسى بن عمر إنما الضارب له يوسف بن عمر الثقفي في ولايته العراق" (١). واستفاد أيضًا من اطلاعه على علم الفلك ليغني شرحه بذكر مواقع النجوم وأسمائها وحركاتها وأوقاتها والليالي والشهور والأيام (٢) ومنها ما قاله في القمر: "وأما حال القمر في استهلاله وأفعاله، فإن أهل التجربة يقولون: إن نبات الأرض كله وثمارها يزيد بزيادة القمر وتنقص بنقصانه، ويظهر ذلك بيّنّا في مدّ المياه وفي الأنوار" (٣). كما أشار إلى علم الرياضيات والحساب وروّاده مثل: أقليدس وقسطا في معرض حديثه عن النقطة في الهندسة والعدد في صناعة الحساب (٤). وأشار إلى الفلسفة وعلمائها مثل أرسطوطاليس وأورد قضايا من هذه العلوم (٥). واحتوى كتاب "الانتخاب" على شواهد علم الطب في مواضع كثيرة، ومنها ما ذكره من أثر النجوم على الدم (٦)، وذكر أيضًا أسماء للأطباء مثل: جالينوس (٧)، وأبقراط (٨)، وابن جلجل (٩)، والزهراوي (١٠) وغيرهم. كما أن معارف الجذامي حول النبات والحيوان برزت في هذا الشرح بحيث كانت متنوعة وكثيرة ساهمت في إغناء الأبواب التي كانت مواضيعها في النبات (١١). _________ (١) الانتخاب: ١١١. (٢) الانتخاب: ٢٨٤. (٣) الانتخاب: ٧٢. (٤) الانتخاب: ٣٨. (٥) الانتخاب: ٤٨. (٦) الانتخاب: ٤٣٣. (٧) الانتخاب: ٢٨٥. (٨) الانتخاب: ٢٨٥. (٩) الانتخاب: ٣٢٢. (١٠) الانتخاب: ٣٢٢. (١١) الانتخاب: أبواب النبات: ٣٢٠، القطنية ٣٢٧؛ المسمون بأسماء النبات: ٢٤٨.

стр. 125

وكذا في أبواب الحيوان (١). وغالبًا ما كنا نعثر في "الانتخاب" على شواهد نادرة مثل بعض الأخبار كقوله: "كره الرجل لأن الحسين بن علي ﵁ قتل على أرجل" (٢). وقوله: "كان عمر بن الخطاب ﵁ أروح" (٣). كما لم يخل كتاب "الانتخاب" من الطريف واللطيف من الحكايات التي رواها الجذامي عن أخبار المتقعرين كحكاية عيسى بن عمر قال: "أتيت الحسن البصري مجرمزًا حتى اقعنبيت بين يديه فقلت: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ ما الطلع؟ فقال: هو الطبيع في كفراه" (٤). وحكاية الرجل الذي مرضت أمه فأمرته أن يذهب إلى المسجد ليسأل الناس لها الدعاء فكتب في حيطان المسجد: "صين وأعين، رجل دعا لامرأة مقسئنة عقيلة بليت بأكل هذا الطرموق الخبيث أن يمن الله عليها بالأطرغشاش والأبرغشاش، فما قرأ الكتاب أحد إلا لعنه وأمه. وحكاية أبي علقمة النحوي إذ هاج ذات يوم في بعض الطريق فسقط إلى الأرض مغشيًا عنه، فاجتمع الناس حوله فقال: ما لكم تتكأكؤون علي كما تتكأكؤون على ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية" (٥). وأورد حروف الأبجدية القديمة: أباجد كلمن وصعفص وغيرها، وقال: هي أسماء ملوك مدين (٦). _________ (١) الانتخاب: أبواب الخيل: ٣٥٦ - ٤١٣؛ أبواب الحيوان: ٤٩٥ - ٣٧١؛ أبواب الطير: ٥٣٣. (٢) الانتخاب: ٤١٧. (٣) الانتخاب: ٤٢٦. (٤) الانتخاب: ١١٢. (٥) الانتخاب: ١١٤. (٦) الانتخاب: ٥٩٥.

стр. 126

الفصل الرابع منهج التحقيق المبحث الأول: منهج تحقيق المتن. المبحث الثاني: منهج الفهارس. نماذج من صفحات المخطوط. الخاتمة.

стр. 127

المبحث الأول منهج تحقيق المتن لقد وفّقنا الله إلى إتمام تحقيق القسم الأول من كتاب "الانتخاب في شرح أدب الكتاب" حسب المنهج العام لتحقيق النصوص، وذلك حسب الخطوات التالية: المطلب الأول كتابة المتن وتهميشه فبعد قراءة المخطوط عمدنا إلى كتابته ومراجعته بالأصل، وحاولنا أن نحافظ على ما أمكن على صورة النص كما وضعه مؤلفه، ولم نتدخل بالتغيير أو التصحيح إلا في بعض الحالات الضرورية التي تمس المضمون أو المظهر العام للشرح، منها تصحيح بعض الأخطاء البسيطة التي علمنا أنها من قبل الناسخ، وتأكدنا من أن عملنا فيها لن يمس جوهر التحقيق مثال: "بنوا" و "قنات"، وذلك بتصحيحها "بنو" دون ألف، وقناة بتاء مربوطة، ومنها تصحيح كتابة بعض الآيات القرآنية التي لم يكن بوسعنا تركها على الخطأ. كما تصرفنا في تغيير كتابة بعض الحروف التي تكتب في الغرب الإسلامي غير مهموزة فرددناها إلى الهمز، وبعض الحروف غير المنقوطة في آخر الكلمة، فنقطناها: كالنون والقاف والفاء والياء، كما أن الجذامي يثبت أوجه الإعراب في الكلمة الواحدة بشكلها بعدة حركات، مثال: إذا توسد (١)، سعد الملك (٢)، كما أنه يشكل بعض الكلمات تبعًا للقراءة القرآنية منها أن يثبت الشدة في بداية الكلمة، مثل: لذاك. _________ (١) الانتخاب: ١٢١. (٢) الانتخاب: ٢٢٤.

стр. 128

وقد أثبتنا ذلك بدورنا حفاظًا على ما أراده الكاتب وقد يجد القارئ ذلك في مواضع كثيرة من الشرح. وعملنا على تمييز قول ابن قتيبة في "أدب الكتاب" بالخط الأندلسي والذي كان يبتدئه الجذامي بـ: قوله، وكذلك رموزه في تلخيص الأسماء وهي: ط و د و س و ص وع. كم أننا ميّزنا الزيادات في المتن بإحاطتها بمعقوفين [] وكذلك مواضع البيان منه وأشرنا إلى مصادر الزيادات ومقدار البياض في الهامش. المطلب الثاني: الشكل والشرح لقد عملنا على شكل المتن شكلًا كاملًا بما أن صاحبه شكّل بعضه وخاصة الكلمات المختلف في معناها أو أواخر الكلمات أو الشعر أو الآيات، وقد اعتمدنا على ما أثبته الجذامي؛ لأنَّه في غالب الأحيان كان يورد أوجه الإعراب فيما يثبت، وتدخلنا فيما لم يشكل من النص، وزجّ بنا في متاهات من الاختلافات في المسائل النحوية، والاحتمالات الإعرابية، عملنا على الخروج منها باعتمادنا على المعاجم وكتب اللغة والنحو واستشارة الأساتذة. وقد فصّلنا المتن عن هامش التخريجات بخط فاصل وبقياس مختلف للكتابة مع إضافة علامات الترقيم المختلفة لإيضاح معاني النص. المطلب الثالث التخريج والتوثيق لقد خرّجنا جميع الشواهد والنقول وكل ما يستحق التخريج في الهامش، وجعلنا كل صفحة تستقل بهامشها تفاديًا لإثقال النص بالهوامش الكثيرة، وحرصًا على عدم تشتيت ذهن القارئ بكثرة الأرقام والتردد بين النص والهامش.

стр. 129

وفيما يخص الآيات القرآنية، فقد حصرناها بين قوسين مزهرين ﴿﴾، وخرّجنا جميع الآيات بالاعتماد على المصحف العثماني، برواية حفص عن الله عاصم رضي عنهم أجمعين. وأحلنا في الهامش إلى السورة ورقمها والآية ورقمها. أما الأحاديث النبوية فقد حصرناها بين قوسين () وخرّجنا روايته من كتب الحديث الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات والمجامع، وكذلك كتب غريب الحديث. أما الشواهد الشعرية، والتي بلغ عددها حوالي ألف بيت ونصف، فقد خرّجنا البحور الشعرية لكل الأبيات، وأتممنا ما جاء فيها من أنصاف الأبيات في الهامش، كما نسبنا منها ما جاء غير منسوب، وقد اعتمدنا في توثيق الشعر الدواوين المتيسرة، والمجموعات الشعرية، وكتب اللغة، والأدب، والكتب العامة. أما الأمثال والنقول فقد حصرناها بين مزدوجتين "" وأحلنا على مصادرها في الهامش. كما عملنا على ترجمة الأعلام والبلدان والقبائل في الهامش، مع الإحالة على مصادر الترجمة بعدها، ورتّبنا المصادر حسب تاريخ وفاة أصحابه، وقد اختصرنا عناوين بعض المصادر مثال: الوفيات: عوض وفيات الأعيان، الخزانة: بدل خزنة الأدب، ل: بدل لسان العرب، السمط: عوض سمط اللآلئ، وميّزنا نهاية الأرب للقلقشندي بإضافة (ق) عن "نهاية الأرب" للنويري. ونشير هنا إلى أننا اعتمدنا في رجوعنا إلى كتاب الأغاني على طبعة دار الثقافة لتوثيق الشعر وعلى طبعة دار الكتب لتوثيق الأعلام والأمثال. كما قمنا بمقابلة الشرح بـ "أدب الكتاب" و "الاقتضاب" وأشرنا إلى ذلك في الهامش. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أحمد بن داود الجذامي قد اعتمد على نسخ كثيرة لمخطوط "أدب الكتاب"، ومنها ما خالف النسخ التي اعتمدها محقق

стр. 130

"أدب الكتاب" محمد الدالي، مما جعلنا نحتفظ بما أثبته الجذامي نفسه، وقد أشرنا إلى مواضع المقابلات في الهامش. وقد يتبين للقارئ أننا لم نضع شروحًا لغوية كثيرة، ولم نشرح بعض الألفاظ الخاصة بأسماء الكواكب، والنبات، والحيوان، وألفاظ الحديث المراد بها القواعد الفقهية وذلك تجنُّبًا للإطناب مراعاة لخصوصية إطلاق هذه الألفاظ من خلال الاصطلاح. وقد يلاحظ القارئ لهذا العمل ندرة الرموز التي غالبًا ما ترفق التحقيق، وذلك لأننا نزعنا إلى عدم الإكثار منها رغبة في الوضوح وتلافيًا للحشو، ولكي يكون القارئ أمام نص واض وسليم، ومنها: ق: للقلقشندي، ل: لسان العرب، الأصل خ: المخطوط، ت: ترجمة رقم. ووضعنا في يمين بعض الصفحات رقم الصفحة المخطوط بين الرمز [].

стр. 131

المبحث الثاني منهج الفهارس ولقد ذيّلنا عملنا هذا بفهارس تفصيلية تيسّر العودة إلى النص المحقق، وقد رتّبناها كالآتي: * فهرس الآيات القرآنية حسب ترتيب السور في القرآن، وقد أوردنا الآية ورقمها والسورة ثم الصفحة التي جاءت فيها. * فهرس الأحاديث ومرتّبة حسب الترتيب الهجائي مع ذكر رقم الصفحة. * فهرس الأثر على الترتيب الهجائي مع رقم الصفحة. * فهرس الأبيات الشعرية، بكتابة مطلع البيت وكلمة القافية، ثم الشاعر والبحر ثم رقم الصفحة، مرتبة ترتيبًا هجائيًا تبعًا لحرف القافية. * فهرس أنصاف الأبيات مرتبًا حسب الترتيب الهجائي لمطلع البيت. * فهرس الرجز. * فهرس الألفاظ المعربة المذكورة في المتن. * فهرس الأعلام، وقد أوردنا رقم الصفحة التي ترجم للعلم فيها في الهامش، ولم نذكر كل الصفحات التي تكرر فيه ورود العلم، خاصة وأن بعض الأعلام تكرر ذكرها أكثر من ٣٠٠ مرة، مثل: أبي علي البغدادي، وابن قتيبة، ويعقوب بن السكيت وغيرهم. * فهرس الشعراء. * فهرس القبائل. * فهرس البلدان والمواضع. * فهرس الأيام. * فهرس أبواب الانتخاب في شرح أدب الكتاب.

стр. 132

* فهرس المصادر المذكورة في المتن. * فهرس مصادر الدراسة والتحقيق. وقد ذيلنا الفهارس بفهرس عام للفهارس، وهو جامع لها.

стр. 133

خاتمة إن أجلّ ما قد يطلبه الباحث في مجال البحث العلمي هو أن ينال شرف خدمة الأمة من خلال هذا البحث المتواضع، فنرجو من الله أن يكون علمًا ينتفع به غيرنا ويكون صدقة جارية. ولقد كان التحقيق مجالًا رحيبًا لاكتساب المنافع الجليلة بما أتاحه لنا من معلومات بحيث إننا لا ننفك نشكر الله أن يسّر لنا البحث فيه. وقد علمنا من أساتذتنا الأجلّاء أن العلم لا يؤخذ إلا من مصدرين أساسيين وهما: بطون الكتب، وأفواه الرجال، فجاء اتصالنا بالمصادر المطبوعة والمخطوطة في المكتبات العامة والخاصة التي زرناها في إطار رحلة البحث عن المخطوط أولًا، ثم في إطار التحقيق لردّ النقول والشواهد إلى مظانها، وهكذا استطعنا بفضل الله أن نلمّ بعلم الآلة الذي علمنا أنه أساس البحث كله، واكتسبنا منهجية التعامل مع المصادر المخطوطة والمطبوعة. وقد علمنا أيضًا أن صحبة الرجال العلماء والأخذ عنهم سبيل لتلقي العلم، فجهدنا إلى أن ننال من ذلك نصيبًا، وكان مجال التحقيق أرحب لهذا اللقاء، فقد استفدنا من أستاذنا الجليل الدكتور علي لغزيوي ومن توجيهاته، والتقينا بأساتذة أفذاذ منهم: محمد بنشريفة والأستاذ علال الغازي، واتصلنا بالمرحوم محمد المنوني، والمرحوم مصطفى ناجي، والأستاذ عبد العزيز الساوري، والدكتور عبد العالي مسؤول، الذين قدموا لنا نصائح غالية، فضلًا عما استفدناه من الندوات والمحاضرات والمناقشات التي حرصنا على تتبعها ومحاولة الاستفادة منها. كما أننا اكتسبنا صداقات في مجال البحث باتصالنا بالطلبة الباحثين من خلال الاتصالات المباشرة أو من خلال المراسلات، وقد سعدنا جدًا

стр. 134

بمراسلات أجريناها مع الأخ زين العابدين بن الطاهر بشفشاون وهو عضو بمركز البحوث والدراسات الأندلسية بشفشاون، وذلك للاستفسار عن مسائل مشتركة؛ لأن بحثه ينصب في تحقيق "شرح المقامات الحريرية" لأحمد بن داود الجذامي، والأخت رشيدة بوكرامي من الدار البيضاء والتي تشتغل على مخطوط "الدلائل" لقاسم بن ثابت الأندلسي، وما أمدنا به الأستاذ عبد العزيز السوري من وزارة الشؤون الثقافية بأكدال بالرباط. وقد فتل كل ذلك في حبل شخصيتنا العلمية ونعتبره من حسنات البحث في مجال التحقيق. وقد خلصنا إلى أن التحقيق عمل دؤوب لا أن يجب يحد بالزمان ولا المكان، وأنَّه كلما تقدمنا في البحث ازدادت الأمور توضحًا وازداد ارتباطًا بالبحث، حتى أننا كنا نؤخر الطباعة لأننا نجد مجالًا مفتوحًا دائمًا للإضافات. وقد أتاح لنا البحث في التحقيق فرصة إضافة معلومات كثيرة إلى رصيدنا المعرفي من شواهد شعرية، وأحاديث، وأخبار، وأمثال، وقد أدّى طول مداولتها وإعادة مراجعتها إلى أن حفظناها، ولعلّ هذه من المنافع العظيمة التي تعود على الباحث المحقق. وقد علَّمنا التحقيق طول الصبر ورحابة الصدر؛ لأنهما مفتاح الإتقان في كل شيء وعلّمنا من حديث رسول الله ﷺ أنه إذا ضاق صدر الإنسان ساء خلقه، وأول من يتأثر بسوء الخلق هو البحث مما يؤدي إلى إفساده أو إبخاسه حقه، وهي من الآفات التي لزم أن نتجنّبها في البحث عامة وفي مجال التحقيق خاصة. وقد خلصت أيضًا إلى أنه آن الأوان لأن يستفيد الباحث في التحقيق من تقنيات المعلوماتية لما توفُّره من الجهد والوقت. ولعلّ ما تتيحه المعلوميات بما فيها نظام الحاسوب من طباعة البحث مباشرة، والأقراص المرنة لجرد الموسوعات الخاصة لكل الفنون والمصادر المطبوعة والمخطوطة لكفيل أن يوفر جهد البحث عن المخطوط إذا توفرت

стр. 135

أقراص مرنة تجرّد الكتب المطبوعة والمخطوطة في الخزانات العامة والخاصة بالمغرب وخارجه. وهي مهمة منوطة بالمكتبيين أساسًا وبسائر الباحثين، ومن ثم يأتي الإرشاد إلى المخطوطات القيمة منها وهي مهمة الأساتذة أولي الاختصاص. كما لزم الاستفادة من شبكة الأنترنيت التي فتحت المجال واسعًا أمام الباحثين لاختصار المسافات والاطلاع على ما تحتويه المكتبات العامة والخاصة بجميع أنحاء العالم وإقامة الاتصالات بين الباحثين في المغرب وخارجه. وتبقى هذه الدراسة منطلقًا لبحوث جديدة، فالشرح يطرح مجالات أخرى للدراسة تكملها وتضيف إليها، ويفتح آفاقًا علمية واسعة. فقد أسلفنا أن "الانتخاب" حفل بكم هائل من النقول التي رواها الجذامي عن أبي سليمان داود بن يزيد السعدي وهي تعليقات فريدة من نوعها من حيث قيمتها العلمية إذ إنها مادة تعليمية، وهي مهمة من حيث كمها الهائل، وهي تستحق الجمع والدراسة، ونؤكد على أنها تعد ببحث قيّم ومفيد، وقد تلقي الضوء على شرح أندلسي لـ "أدب الكتاب". كما أن التعليقات التي تضمنها "الانتخاب" عن أبي علي القالي تكون أيضًا مادة غنية للدراسة، خاصة وأنَّه لم ترد في أي كتاب من كتب أبي علي، ولم تقدم فيها أي دراسة إلا ما جاء عرضًا عن الأستاذ عبد العالي الودغيري في كتابه: "أبو علي القالي وأثره في الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس". كما أن الانتخاب في منهجه الخاص الذي سعى فيه الجذامي إلى جمع واستقصاء أكبر عدد ممكن من المعلومات حول الشرح يفتح مجالًا لمقارنته مع غيره من المؤلفات في الشرح للكتاب الأندلسيين لتبين مدى أصالته في هذا المنهج وهل كان منهجًا متداولًا أم كان بدعة من الجذامي. وإن هذه الدراسة تثير إشكالية مهمة وهي ما نطرحه على أنفسنا دائمًا عن آثار الجذامي. فالشرحين يقدمان دليلًا على إجادته وتحكُّمه بزمام الكتابة، وقد أشاد به

стр. 136

المترجمون له، فكيف يعقل أن يكتفي كاتب من هذا العيار بشرحين فريدين، فإننا نشك بأن هناك تآليف أخرى له، غير أن أيدي الإنقاذ لم تصل إليها بعد، ونحن نهيب بالباحثين إلى النجدة فربما يفتح لهم، كما فتح لنا كتب لنا أن ننجد الشرح الذي بين أيدينا. كما تفتح هذه الدراسة المجال لتناول بعض من الآثار التي ضاعت، ومنها كتاب الديباجة لأبي عبيدة، والوشاح لابن دريد، والموعب لابن التياني، وغيرها. فالحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 137

الانتخاب في شرح أدب الكُتَّاب تأليف أبي جعفر أحمد بن داود بن يُوسُف بن هشام الجُذَامِيِّ (المتوفى سنة ٥٩٨ هـ) المجلد الثاني (السفر الأول، من الورقة ١ إلى الورقة ١٢٦ - قسم التحقيق) دراسة وتحقيق الدكتورة السعدية بوخريط مركز الإمام الثعالبي للدراسات ونشر التراث - دار ابن حزم

стр. 138

الحمد لله كتاب "الانْتِخَابِ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكُتَّابِ" (١)، مما عُنِيَ بتأليفه الشَّيْخُ الْفقيه، النحوي، اللغوي، الماهر، أبو جعفرَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ هِشَامٍ السَّرَقُسْطِيُّ الْجُذَامِيُّ الْبَاغِيُّ (٢). روى عن أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ السَّعْدِيَّ (٣)، وكان متقدمًا في المعرفة بالنحو والحفظ للغة، ذا مشاركة جيدة في الطب وغيره، وحظ من قرض الشعر. وصنّف هذا الشرح على "أدب الكتاب" (٤) وتوفي رحمه الله تعالى بباغة (٥) سنة ثمان [. . .] (٦). ذكره ابن عبد الملك (٧) في "التكملة" (٨).

стр. 139

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلّى الله وسلّم على سيّدنا محمد وآله وصحبه قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد بن يُوسُفَ الْجُذَامِيُّ الْبَاغِيُّ ﵁ ونفعنا ببركاته: أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ الله على آلائه، وَصَلَوَاته على محمد رسوله وخاتم أنبيائه، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصفيائه. فَإِنِّي جَمَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ جَمِيعَ مَا تَأَدَّى إِلَيَّ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ وَالنَّحْوِ عَلَى "أَدَبِ الْكُتَّابِ" لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ (١) [الدِّينَوَرِي] (٢) مِنْ شَرْحِ [. . . . . . .] (٣) وَتَفْسِيرِ الْأَبْيَاتِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا فِيهِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْأَغْلَاطِ الْوَاقِعَةِ فِي أَصْلِهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ النَّاقِلِينَ. وَجَعَلْتُهُ تَذْكِرَةً لِنَفْسِي، وَعُدَّةً لِدَرْسِي، وَاخْتَصَرْتُهُ غَايَةَ الْاخْتِصَارِ لِقَصْدِي بِهِ قَصْدَ التَّذْكَارِ، وَنَسَبْتُ كُلَّ قَوْلٍ إِلَى قَائِلِهِ بِعَلَامَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أَسْمَائِهِمْ طَلَبًا لِتَرْكِ التَّطْوِيلِ بِالْإِفْصَاحِ عَنْهُمْ؛ فَجَعَلْتُ ط: عَلَامَةً عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْبَطَلْيُوسِي (٤) و ز: عَلَامَةً عَلَى الزَّجَّاجِ (٥)، وَ د: عَلَامَةً عَمَّا نَقَلْتُهُ مِن الْأُسْتَاذِ

стр. 140

أَبِي سُلَيْمَان دَاوُدِ بْنِ [يَزِيدِ] (١) السَّعْدِي، و ع: عَلَامَة عَلَى تَعْلِيقَاتٍ مِنْ كُتُبٍ، شَتَّى، و ص: عَلَامَة أَبِي نَصْرٍ هَارُونِ بْنِ مُوسَى (٢)، الرَّاوِي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ (٣)، و س: عَلامَةَ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ صَاحِبِ الْأَحْبَاسِ (٤) مِمَّا أَخَذْتُهُ مِنْ أَصْلِهِ الَّذِي كَانَ أَصْلَ ابْنَ أَبِي الْحُبَابِ (٥). وَمَنْ لَمْ أَجْعَلْ عَلَامَةً بِاسْمِهِ، صَرَّحْتُ بِهِ. وَمِنَ اللهِ تَعَالَى أَسْأَلُ التَّوْفِيقَ، وَالْجَرْيَ إِلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ.

стр. 141

قوله: "أَمَّا بَعْدُ" (١). ط: "أَمَّا: حَرْفُ إِخْبَارٍ يَدْخُلُ عَلَى الْجُمَلِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَيَتَضَمَّنُ مَعْنَى حَرْفِ الشَّرْطِ وَالْفِعْلِ الْمَشْرُوطِ بِهِ، وَلِذَلِكَ احْتَاجَ إِلَى الْجَوَابِ بِالْفَاءِ كَمَا يُجَابُ الشَّرْطُ، فَإِذَا قِيلَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، فَمَعْنَاهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فَنَابَتْ "أَمَّا" مَنَابَ حَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ "مَهْمَا"، مَنَابَ الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ بِهِ، وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ فَاعِلِهِ. فَلِذَلِكَ ظَهَرَ بَعْدَهُ الْجَوَابَ وَلَمْ يَظْهَرِ الشَّرْطُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَجَوَابُهُ هُنَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِنِّي رَأَيْتُ"" (٢). ز: "الَّذِي يَلِي "أَمَّا" مُقَدَّمٌ مِمَّا بَعْدَ الْفَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ حَرْفِ الْجَزَاءِ وَالْفِعْلِ الْمُجَازَى بِهِ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَاهُمَا، وَلَا بُدَّ لِلْفِعْلِ مِنْ فَاعِلٍ، فَلِذَلِكَ وَلِيَتْهَا الْأَسْمَاءُ دُونَ الْأَفْعَالِ، فَإِذَا قُلْتَ: "أَمَّا عَبْدُ اللهِ فَمُنْطَلِقٌ" فَتَرْفَعُ مَا بَعْدَ "أَمَّا" بِالابْتِدَاءِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ مِمَّا بَعْدَ الْفَاءِ وَمَا بَعْدَ الْفَاءِ خَبَرهُ" (٣). قال سيبويه (٤): "تَقْدِيرُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَعَبْدُ اللهِ مُنْطَلِقٌ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ الْفَاءِ فِعْلٌ نَاصِبٌ عَمِلَ فِي الْاسْمِ الذي بعد "أَمَّا" فَنَصَبَهُ، وَزَالَ الْابْتِدَاءُ كَمَا يَزُولُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِدُخُولِ الْعَوَامِلِ فتقولُ: أَمَّا زَيْدًا فَلَقَيْتُ، وَأَمَّا عَمْرًا

стр. 142

فَأَكْرَمْتُ" (١). قال الله : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (٢). وَ"بَعْدُ" مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ مِنْ زَمَانٍ مُضَافٍ إِلَى الْحَمْدِ. وَ"قَبْلُ وَبَعْدُ" إِذَا أُضِيفَتَا أُعْرِبَتَا، وَإِذَا أُفْرِدتا بُنِيَتَا عَلَى الضَّمِّ لِخُرُوجِهِمَا عَنْ بَابِهِمَا وَمُفَارَقَتِهِمَا طَرِيقَتَهُمَا وَتَضَمُّنِهِمَا مَعْنَى الْمَحْذُوفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِمَا، فَإِنْ نُكِّرَا لَمْ يُبْنَيَا وَأُعْرِبَا لِزَوَالِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِبِنَائِهِمَا فِي حَالِ التَّعْرِيفِ. ط: "قَبْلُ وَبَعْدُ" لَا يُضَافَانِ إِلَّا إِلَى الْمُفْرَدِ أَوْ مَا فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ، فَالْمُفْرَدُ: جِئْتُكَ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَ خُرُوجِ زَيْدٍ. وَالَّذِي فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ: جِئْتُكَ بَعْدَمَا خَرَجَ زَيْدٌ، وَبَعْدَ أَنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَهَذَا الْكَلَام، وَإِنْ كَانَ جُمْلَةً، فَهُوَ فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ، تَقْدِيرُهُ: جِئْتُكَ بَعْدَ خُرُوجِ زَيْدٍ، وَبَعْدَ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ. وَ"بَعْدُ" يَنْتَصِبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ مَا تَضَمَّنَتْهُ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَتَقْدِيرُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ "رَأَيْتُ" عَلَى مَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: "فَإِنِّي رَأَيْتُ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ"، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٣). وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي نَصْبُ "الْيَتِيمِ" و"السَّائِلِ"، لما تَضَمَّنَتْ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، كَمَا يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِي تَعْمَلُ فِي الظُّرُوفِ، [وَلَا تَعْمَلُ فِي الْمَفْعُولَاتِ الصِّحَاحِ، فَأَمَّا] (٤) إِعْمَالُ مَعْنَى الشَّرْطِ فِي "أَمَّا" فِي قَوْلِهِ: بَعْدَ حَمْدِ اللهِ (٥)، جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِعْمَالُ "رَأَيْتُ" رَأَيٌ [غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَأَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ] (٦) لا يُجِيزُهُ لِأَنَّ [خَبَرَ "إِنَّ" لَا

стр. 143

يَعْمَلُ] (١) عِنْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: زَيْدًا إِنَّكَ ضَارِبٌ، عَلَى مَعْنَى إِنَّكَ [ضارب زيدًا] (٢)، وَكَذَلِكَ لَا يُجِيزُ: أَمَّا زَيْدًا فَإِنَّكَ ضَارِبٌ. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرَّدُ (٣) يُجِيزُ أَنْ يَعْمَلَ خَبَرُ "إِنَّ" فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ "أَمَّا"، وَلَا يُجِيزُهُ [ .. ] (٤) غَيْرِهَا. وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ "أَمَّا" وُضِعَتْ لِيُقَدَّمَ مَعَهَا عَلَى الْفَاءِ مَا كَانَ مُؤَخَّرًا بَعْدَ الْفَاءِ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فَتَجِدُ زَيْدًا بَعْدَ الْفَاءِ، وَإِذَا قُلْتَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، وَجَدْتَهُ قَبْلَ الْفَاءِ، فَلَمَّا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِمَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، جَازَ مَعَهَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا لَمْ يَجُزْ مَعَ غَيْرِهَا. وَمِنَ الْحُجَّةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ أَنْ يَعْمَلَ خَبَرُ "أَنَّ" فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ أَمَّا، لَمَا جَازَ أَنْ يَعْمَلَ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٥)؛ لأَنَّ الْفَاءَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِتْبَاعِ، فَهِيَ تُرَتِّبُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ لِمَا بَعْدَهَا أَنْ يُنْوَى بِهِ التَّقْدِيمُ عَلَى مَا قَبْلَهَا. فَكَمَا جَازَ لِمَا بَعْدَ الْفَاءِ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ "أَمَّا"، كَذَلِكَ فِي خَبَرِ أَنَّ مَعَهَا، وَالْمَازِنِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَاءِ وَ"أَنَّ" لِوُجُودِ مَا بَعْدَ الْفَاءِ يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ غَيْرِ "أَمَّا" نَحْوَ قَوْلِكَ: زَيْدًا فَاضْرِبْ وَبِعَمْرٍو فَامْرُرْ. وَلَمْ يُوجَدْ خَبَرُ "إِنَّ" يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ غَيْرِ "أَمَّا"، فَنَقِيسَ "أَمَّا" عَلَيْهِ" (٦).

стр. 144

د: "اخْتَارَهُ أَيْضًا ابْنُ السَّرَّاجِ (١) كَرَاهِيَةَ أَنْ يُقَدَّمَ مَعْمُولُ "إِنَّ" عَلَيْهَا، وَالَّذِي سَهَّلَ عند سيبويه أَنْ يَجْعَلَ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَبَرِ، مَا تَقْتَضِيهِ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ" (٢). ط: "وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يُجِيزُ: أَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّكَ خَارِجٌ، وَلَا يُجِيزُ: أَمَّا زَيْدًا فَإِنَّكَ ضَارِبٌ؛ لأنَّ الظُّرُوفَ يَتَّسِعُ فِيهَا مَا لَا يَتَّسِعُ فِي غَيْرِهَا" (٣). د: أبو علي: إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ الْحَالَ وَالظَّرْفَ يَعْمَلُ فِيهِمَا الْمَعْنَى، وَأَمَّا تَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بَعْدَ الْفَاءِ نَحْوَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، فَتَحْسِينٌ لِلَّفْظِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَاطِفَةَ وَالْمَجَازِيَةَ لَا يَلِيَانِ إِلَّا الْأَسْمَاءَ الْمُفْرَدَةَ أَوِ الْجُمَلَ، وَلَا يَلِيَانِ الْحُرُوفَ. ط: "وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَدَّمَ مَعَ "أَمَّا" قَبْلَ الْفَاءِ مَا كَانَ مُؤَخَّرًا بَعْدَها مَعَ "مَهْمَا" لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ "أَمَّا" كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَها فِعْلُ الشَّرْطِ كَمَا يَظْهَرُ مَعَ "مَهْمَا"، فَلَمَّا حُذِفَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا، قُدِّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْفَاءِ لِيَكُونَ كَالْعَوَضِ مِنَ الْمَحْذُوفِ. وَالثَّانِي: أَنَّ "الْفَاءِ" إِنَّمَا وُضِعَتْ لِلْإِتْبَاعِ، وَلَمْ تُوْضَعْ لِتَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً، وَالاتْبَاعُ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: إِمَّا إِتْبَاعُ اسْمٍ مُفْرَدٍ لِاسْمٍ مُفْرَدٍ، كَقَوْلِكَ: قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرُو. وَإِمَّا إِتْبَاعُ جُمْلَةٍ لِجُمْلَةٍ كَقَوْلِكَ: قُمْتُ فَضَرَبْتُ زَيْدًا، فَلَوْ قُلْتَ: أَمَّا فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، لَوقَعَتِ الْفَاءُ مُسْتَأْنِفَةً لَيْسَ قَبْلَهَا اسْمٌ وَلَا جُمْلَةٌ يَكُونُ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا لَهُ، "إِنَّمَا" قَبْلَهَا حَرْفُ مَعْنَى لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَائِدَةٌ، فَقَدَّمُوا الاسْمَ لِذَلِكَ، فَقَالُوا: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لِيَكُونَ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا بِنَفْسِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَائِدَةٌ، فَقَدَّمُوا الْاسْمَ لِذَلِكَ، فَقَالُوا:

стр. 145

أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لِيَكُونَ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا لِمَا قَبْلَهَا عَلَى أَصْلِ مَوْضُوعِهَا" (١). د: "وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ "أَمَّا" أُخْرَى وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَرْفَيْنِ مِنْ "أَنْ" وَ"مَا" وَذَلِكَ قَوْلُكَ: أَمَّا أَنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ، وَأَمَّا أَنْتَ سَائِرًا سِرْتُ مَعَكَ، قَالَ سِيْبَوَيْهُ: "تَقْدِيرُهُ أَنْ كُنْتَ سَائِرًا سِرْتُ مَعَكَ" (٢). فَمَوْضِعُ "أَنْ" نَصْبُ مَفْعُولٍ مِنْ أَجْلِهِ، وَاخْتُزِلَتْ كَانَ مِنَ اللَّفْظِ وَأُضْمِرَتْ، وَزِيدَتْ "مَا" عَوَضًا مِنْ حَذْفِ الْفِعْلِ، وَلَا تَكُونُ "أَمَّا" هَذِهِ إِلَّا مَفْتُوحَةً كَمَا تَرَى، وَالْخَبَرُ مَنْصُوبٌ كَمَا شَرَحْتُ لَكَ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهُ: (البسيط) أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ … فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلُهُمُ الضَّبُعُ (٣) الضَّبُعُ: السَّنَةُ الْمُجْدِبَةُ الشَّدِيدَةُ (٤). قَالَ: وَمِثْلُ لُزُومِ "مَا" هَا هُنَا عَوَضًا قَوْلُهُمْ: "إِمَّا لَا" أَلْزَمُوهَا "مَا" عَوَضًا مِنَ الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: افْعَلْ كَذَا إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ غَيْرَهُ، فَوَضَعَ "إِمَّا لَا" مَوْضِعَهُ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ (٥): "إِمَّا لَا" مَعْنَاهَا "إِلَّا"، وَ"مَا" صِلَةٌ أَيْ زَائِدَةٌ [. . .] (٦) حدة وأملت، وَلَوْ انْفَرَدَتْ "لَا" وَحْدَهَا، لَمْ تَجُزْ فِيهَا الْإِقَالَةُ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا
следующие страницы →