← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قوله: "أَمَّا بَعْدُ" (١). ط: "أَمَّا: حَرْفُ إِخْبَارٍ يَدْخُلُ عَلَى الْجُمَلِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَيَتَضَمَّنُ مَعْنَى حَرْفِ الشَّرْطِ وَالْفِعْلِ الْمَشْرُوطِ بِهِ، وَلِذَلِكَ احْتَاجَ إِلَى الْجَوَابِ بِالْفَاءِ كَمَا يُجَابُ الشَّرْطُ، فَإِذَا قِيلَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، فَمَعْنَاهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فَنَابَتْ "أَمَّا" مَنَابَ حَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ "مَهْمَا"، مَنَابَ الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ بِهِ، وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ فَاعِلِهِ. فَلِذَلِكَ ظَهَرَ بَعْدَهُ الْجَوَابَ وَلَمْ يَظْهَرِ الشَّرْطُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَجَوَابُهُ هُنَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِنِّي رَأَيْتُ"" (٢). ز: "الَّذِي يَلِي "أَمَّا" مُقَدَّمٌ مِمَّا بَعْدَ الْفَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ حَرْفِ الْجَزَاءِ وَالْفِعْلِ الْمُجَازَى بِهِ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَاهُمَا، وَلَا بُدَّ لِلْفِعْلِ مِنْ فَاعِلٍ، فَلِذَلِكَ وَلِيَتْهَا الْأَسْمَاءُ دُونَ الْأَفْعَالِ، فَإِذَا قُلْتَ: "أَمَّا عَبْدُ اللهِ فَمُنْطَلِقٌ" فَتَرْفَعُ مَا بَعْدَ "أَمَّا" بِالابْتِدَاءِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ مِمَّا بَعْدَ الْفَاءِ وَمَا بَعْدَ الْفَاءِ خَبَرهُ" (٣). قال سيبويه (٤): "تَقْدِيرُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَعَبْدُ اللهِ مُنْطَلِقٌ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ الْفَاءِ فِعْلٌ نَاصِبٌ عَمِلَ فِي الْاسْمِ الذي بعد "أَمَّا" فَنَصَبَهُ، وَزَالَ الْابْتِدَاءُ كَمَا يَزُولُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِدُخُولِ الْعَوَامِلِ فتقولُ: أَمَّا زَيْدًا فَلَقَيْتُ، وَأَمَّا عَمْرًا

стр. 142

فَأَكْرَمْتُ" (١). قال الله : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (٢). وَ"بَعْدُ" مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ مِنْ زَمَانٍ مُضَافٍ إِلَى الْحَمْدِ. وَ"قَبْلُ وَبَعْدُ" إِذَا أُضِيفَتَا أُعْرِبَتَا، وَإِذَا أُفْرِدتا بُنِيَتَا عَلَى الضَّمِّ لِخُرُوجِهِمَا عَنْ بَابِهِمَا وَمُفَارَقَتِهِمَا طَرِيقَتَهُمَا وَتَضَمُّنِهِمَا مَعْنَى الْمَحْذُوفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِمَا، فَإِنْ نُكِّرَا لَمْ يُبْنَيَا وَأُعْرِبَا لِزَوَالِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِبِنَائِهِمَا فِي حَالِ التَّعْرِيفِ. ط: "قَبْلُ وَبَعْدُ" لَا يُضَافَانِ إِلَّا إِلَى الْمُفْرَدِ أَوْ مَا فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ، فَالْمُفْرَدُ: جِئْتُكَ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَ خُرُوجِ زَيْدٍ. وَالَّذِي فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ: جِئْتُكَ بَعْدَمَا خَرَجَ زَيْدٌ، وَبَعْدَ أَنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَهَذَا الْكَلَام، وَإِنْ كَانَ جُمْلَةً، فَهُوَ فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ، تَقْدِيرُهُ: جِئْتُكَ بَعْدَ خُرُوجِ زَيْدٍ، وَبَعْدَ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ. وَ"بَعْدُ" يَنْتَصِبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ مَا تَضَمَّنَتْهُ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَتَقْدِيرُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ "رَأَيْتُ" عَلَى مَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: "فَإِنِّي رَأَيْتُ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ"، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٣). وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي نَصْبُ "الْيَتِيمِ" و"السَّائِلِ"، لما تَضَمَّنَتْ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، كَمَا يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِي تَعْمَلُ فِي الظُّرُوفِ، [وَلَا تَعْمَلُ فِي الْمَفْعُولَاتِ الصِّحَاحِ، فَأَمَّا] (٤) إِعْمَالُ مَعْنَى الشَّرْطِ فِي "أَمَّا" فِي قَوْلِهِ: بَعْدَ حَمْدِ اللهِ (٥)، جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِعْمَالُ "رَأَيْتُ" رَأَيٌ [غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَأَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ] (٦) لا يُجِيزُهُ لِأَنَّ [خَبَرَ "إِنَّ" لَا

стр. 143

يَعْمَلُ] (١) عِنْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: زَيْدًا إِنَّكَ ضَارِبٌ، عَلَى مَعْنَى إِنَّكَ [ضارب زيدًا] (٢)، وَكَذَلِكَ لَا يُجِيزُ: أَمَّا زَيْدًا فَإِنَّكَ ضَارِبٌ. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرَّدُ (٣) يُجِيزُ أَنْ يَعْمَلَ خَبَرُ "إِنَّ" فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ "أَمَّا"، وَلَا يُجِيزُهُ [ .. ] (٤) غَيْرِهَا. وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ "أَمَّا" وُضِعَتْ لِيُقَدَّمَ مَعَهَا عَلَى الْفَاءِ مَا كَانَ مُؤَخَّرًا بَعْدَ الْفَاءِ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فَتَجِدُ زَيْدًا بَعْدَ الْفَاءِ، وَإِذَا قُلْتَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، وَجَدْتَهُ قَبْلَ الْفَاءِ، فَلَمَّا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِمَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، جَازَ مَعَهَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا لَمْ يَجُزْ مَعَ غَيْرِهَا. وَمِنَ الْحُجَّةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ أَنْ يَعْمَلَ خَبَرُ "أَنَّ" فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ أَمَّا، لَمَا جَازَ أَنْ يَعْمَلَ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (٥)؛ لأَنَّ الْفَاءَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِتْبَاعِ، فَهِيَ تُرَتِّبُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ لِمَا بَعْدَهَا أَنْ يُنْوَى بِهِ التَّقْدِيمُ عَلَى مَا قَبْلَهَا. فَكَمَا جَازَ لِمَا بَعْدَ الْفَاءِ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ "أَمَّا"، كَذَلِكَ فِي خَبَرِ أَنَّ مَعَهَا، وَالْمَازِنِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَاءِ وَ"أَنَّ" لِوُجُودِ مَا بَعْدَ الْفَاءِ يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ غَيْرِ "أَمَّا" نَحْوَ قَوْلِكَ: زَيْدًا فَاضْرِبْ وَبِعَمْرٍو فَامْرُرْ. وَلَمْ يُوجَدْ خَبَرُ "إِنَّ" يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ غَيْرِ "أَمَّا"، فَنَقِيسَ "أَمَّا" عَلَيْهِ" (٦).

стр. 144

د: "اخْتَارَهُ أَيْضًا ابْنُ السَّرَّاجِ (١) كَرَاهِيَةَ أَنْ يُقَدَّمَ مَعْمُولُ "إِنَّ" عَلَيْهَا، وَالَّذِي سَهَّلَ عند سيبويه أَنْ يَجْعَلَ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَبَرِ، مَا تَقْتَضِيهِ "أَمَّا" مِنْ مَعْنَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ" (٢). ط: "وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يُجِيزُ: أَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّكَ خَارِجٌ، وَلَا يُجِيزُ: أَمَّا زَيْدًا فَإِنَّكَ ضَارِبٌ؛ لأنَّ الظُّرُوفَ يَتَّسِعُ فِيهَا مَا لَا يَتَّسِعُ فِي غَيْرِهَا" (٣). د: أبو علي: إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ الْحَالَ وَالظَّرْفَ يَعْمَلُ فِيهِمَا الْمَعْنَى، وَأَمَّا تَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بَعْدَ الْفَاءِ نَحْوَ: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، فَتَحْسِينٌ لِلَّفْظِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَاطِفَةَ وَالْمَجَازِيَةَ لَا يَلِيَانِ إِلَّا الْأَسْمَاءَ الْمُفْرَدَةَ أَوِ الْجُمَلَ، وَلَا يَلِيَانِ الْحُرُوفَ. ط: "وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَدَّمَ مَعَ "أَمَّا" قَبْلَ الْفَاءِ مَا كَانَ مُؤَخَّرًا بَعْدَها مَعَ "مَهْمَا" لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ "أَمَّا" كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَها فِعْلُ الشَّرْطِ كَمَا يَظْهَرُ مَعَ "مَهْمَا"، فَلَمَّا حُذِفَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا، قُدِّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْفَاءِ لِيَكُونَ كَالْعَوَضِ مِنَ الْمَحْذُوفِ. وَالثَّانِي: أَنَّ "الْفَاءِ" إِنَّمَا وُضِعَتْ لِلْإِتْبَاعِ، وَلَمْ تُوْضَعْ لِتَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً، وَالاتْبَاعُ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: إِمَّا إِتْبَاعُ اسْمٍ مُفْرَدٍ لِاسْمٍ مُفْرَدٍ، كَقَوْلِكَ: قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرُو. وَإِمَّا إِتْبَاعُ جُمْلَةٍ لِجُمْلَةٍ كَقَوْلِكَ: قُمْتُ فَضَرَبْتُ زَيْدًا، فَلَوْ قُلْتَ: أَمَّا فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، لَوقَعَتِ الْفَاءُ مُسْتَأْنِفَةً لَيْسَ قَبْلَهَا اسْمٌ وَلَا جُمْلَةٌ يَكُونُ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا لَهُ، "إِنَّمَا" قَبْلَهَا حَرْفُ مَعْنَى لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَائِدَةٌ، فَقَدَّمُوا الاسْمَ لِذَلِكَ، فَقَالُوا: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لِيَكُونَ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا بِنَفْسِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَائِدَةٌ، فَقَدَّمُوا الْاسْمَ لِذَلِكَ، فَقَالُوا:

стр. 145

أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، لِيَكُونَ مَا بَعْدَهَا تَابِعًا لِمَا قَبْلَهَا عَلَى أَصْلِ مَوْضُوعِهَا" (١). د: "وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ "أَمَّا" أُخْرَى وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَرْفَيْنِ مِنْ "أَنْ" وَ"مَا" وَذَلِكَ قَوْلُكَ: أَمَّا أَنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ، وَأَمَّا أَنْتَ سَائِرًا سِرْتُ مَعَكَ، قَالَ سِيْبَوَيْهُ: "تَقْدِيرُهُ أَنْ كُنْتَ سَائِرًا سِرْتُ مَعَكَ" (٢). فَمَوْضِعُ "أَنْ" نَصْبُ مَفْعُولٍ مِنْ أَجْلِهِ، وَاخْتُزِلَتْ كَانَ مِنَ اللَّفْظِ وَأُضْمِرَتْ، وَزِيدَتْ "مَا" عَوَضًا مِنْ حَذْفِ الْفِعْلِ، وَلَا تَكُونُ "أَمَّا" هَذِهِ إِلَّا مَفْتُوحَةً كَمَا تَرَى، وَالْخَبَرُ مَنْصُوبٌ كَمَا شَرَحْتُ لَكَ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهُ: (البسيط) أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ … فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلُهُمُ الضَّبُعُ (٣) الضَّبُعُ: السَّنَةُ الْمُجْدِبَةُ الشَّدِيدَةُ (٤). قَالَ: وَمِثْلُ لُزُومِ "مَا" هَا هُنَا عَوَضًا قَوْلُهُمْ: "إِمَّا لَا" أَلْزَمُوهَا "مَا" عَوَضًا مِنَ الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: افْعَلْ كَذَا إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ غَيْرَهُ، فَوَضَعَ "إِمَّا لَا" مَوْضِعَهُ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ (٥): "إِمَّا لَا" مَعْنَاهَا "إِلَّا"، وَ"مَا" صِلَةٌ أَيْ زَائِدَةٌ [. . .] (٦) حدة وأملت، وَلَوْ انْفَرَدَتْ "لَا" وَحْدَهَا، لَمْ تَجُزْ فِيهَا الْإِقَالَةُ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا

стр. 146

عَلَى جَوَابِ كَلَامٍ [. . .] (١) أن لا أَفْعَلُ هَذَا، فَقَالَ الآخَرُ: "إِمَّا لَا" يريد إِلَّا تَفْعَلْ، فَافْعَلْ هَذَا" (٢). قال سيبويه: "وَإِنْ أَظْهَرْتَ الْفِعْلَ كَسَرْتَ "إِمَّا" وَلَمْ يَجُزْ فَتْحُهَا، فَقُلْتَ: إِمَّا كُنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْفِعْلِ مَعَ الْمَكْسُورَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ مَعَ الْمَفْتُوحَةِ" (٣). وَالْمُبَرَّدُ يُجِيزُ إِظْهَارَ الْفِعْلِ مَعَ الْمَفْتُوحَةِ، فَيَقُولُ: "أَنْ كُنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ". وَإِنْ شِئْتَ أَدْخَلْتَ "مَا" زَائِدَةً، فَيَجُوزُ مَعَهَا مَا كَانَ قَبْلَ دُخُولِهَا فَتَقُولُ: أَمَّا كُنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ مَعَكَ. وَالْقَوْلُ مَا قَالَ سِيبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ جَرَى كَالْمَثَلِ، وَالْأَمْثَالُ قَدْ تَخْرُجُ عَنِ الْقِيَاسِ فَتُحْكَى كَمَا سُمِعَتْ وَلَا يَطَّرِدُ فِيهَا الْقِيَاسُ، فَتَخْرُجُ عَنْ طَرِيقَةِ الْأَمْثَالِ، فَهَذَا حُكْمُ "أَمَّا" فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لَهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. ط: الْمَحَامِدُ (٤): جَمْعُ حَمْدٍ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كَالْمَفَاقِرِ جَمْعُ فَقْرٍ، وَالْمُذَاكِرِ جَمْعُ ذَكَرٍ، هَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ" (٥) وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَحَامِدُ، جَمْعُ مَحْمِدَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْمَحْمِدَةَ قَدْ نَطَقَتْ بِهَا الْعَرَبُ نَثْرًا وَنَظْمًا، قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (٦): أَلَا أدُلُّكُمْ عَلَى الْمَحْمِدَةِ بِلا مَرْزِئَةٍ: الْخُلُقُ السَّجِيحُ وَالْكَفُّ عَنِ الْقَبيحِ (٧).

стр. 147

وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّ الْأَفْعَالَ التي يَكُونُ الْمَاضِي مِنْهَا على فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَينِ، فَقِيَاسُ الْمَفْعَلِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ فِي الْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ والمكان، كَالْمَشْرَبِ وَالْمَعْلَمِ وَالْمَجْهَلِ إِلَّا كَلِمَتَيْنِ شَذَّتَا وَهُمَا: الْمَحْمِدَةُ وَالْمَكْبِرُ، فَجَاءَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ، قَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ (١): طَلَبْتُ الصَّبَا إِذْ عَلَا الْمَكْبِرُ … وَشَابَ الْقَذَالُ فَمَا تُقْصِرُ (٢) قوله: "وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ" (٣). ط: "الثَّنَاءُ مَمْدُودٌ إِذَا قَدَّمْتَ الثَّاءَ عَلَى النُّونِ، وَفِعْلُهُ رُباعِيٌّ، يُقَالُ: أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ أُثْنِي إِثْنَاءً والاسم الثَّنَاءُ، كَمَا تَقُولُ: أَعْطَيْتُ، أُعْطِي إعْطَاءً، وَالاسْمُ الْعَطَاءُ. فَإِنْ قدمتَ النُّونَ عَلَى الثَّاءِ قُلْتَ: نَثَا مَقْصُورٌ يكتب بالأَلِفِ لأَنَّهُ مِنَ الْوَاوِ، ويقال: نَثَا عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، يَنْثُو نَثًا (٤)، حَكَاهُ سِيبَوَيْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ يُقَالُ: نَثَوْتُ الْحَدِيثَ، أَنْثُوهُ نَثْوًا، وَنَثَيْتُهُ، أَنْثِيهِ نَثْيًا. ع: وَهَذَا الْمَقْصُورُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. قَالَ الشَّاعِرُ: (البسيط) مِنْهُمْ وَفِيهِمْ يُعَدُّ الْمَجْدُ مُتَّلِدًا … وَلَا يُعَدُّ نَثَا خِزْيٍ وَلَا عَارِ (٥) وَقَالَ آخَرُ: (متقارب) فَاضِلٌ، كَامِلٌ، جَمِيلٌ نَثَاهُ … أَرْيَحِيٌّ مُهَذَّبٌ مَنْصُورُ (٦) وَالْغَالِبُ عَلَى الْمَمْدُودِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْخَيْرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشَّرِّ، إِلَّا أَنَّهُ

стр. 148

قَلِيلٌ، أَنْشَدَ أَبُو عُمَرَ الْمُطَرِّزُ (١) عَنْ ثَعْلَبٍ (٢): (بسيط) أَثْنِ عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي … أُثْنِي عَلَيْكِ بِمِثْلِ رِيحِ الْجَوْرَبِ (٣) إِلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مَعْنَى: إِنِّي أُقِيمُ لَكَ الذَّمَّ مَقَامَ الثَّنَاءِ، كَمَا قَالُوا: عِتَابُكَ السَّيْفُ، وَتَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ. قَالَ الله : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤). وَالْعَذَابُ لَيْسَ بِبِشَارَةٍ إِنَّمَا تَأْوِيلُهُ: أَقِمْ لَهُمْ الْإِنْدَارَ بِالْعَذَابِ مَقَامَ الْبِشَارَةِ. قوله: "وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ الْمُصْطَفَى وَآلِهِ" (٥). ز: طـ: "الصَّلَاةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى: الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ، وَمِنَ النَّاسِ: الدُّعَاءُ وَالْعَمَلُ، وَأَصْلُهَا الدُّعَاءُ، قَالَ اللهُ : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٦). وَسُمِّيَ الْعَمَلُ صَلَاةً لِمَا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ،

стр. 149

إِنَّمَا هِيَ الدُّعَاءُ لَهُ، قَالَ الْأَعْشَى (١): (بسيط) تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلًا … يَا رَبِّ جَبِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا أَعَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا (٢) مَنْ رَفَعَ "مِثْلُ" دَعَا لَهَا بِمِثْلِ مَا دَعَتْ لَهُ، ومَنْ نَصَبَ، جَعَلَهُ إِغْرَاءً، أَمَرَهَا بأَنْ تَلْزَمَ هَذَا الدُّعَاءَ. وَالْمُصْطَفَى (٣): الْمُخْتَارُ، وَهُوَ مُفْتَعَلٌ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَهِيَ خِيَارُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَصْلُهُ مُصتَفَوٌ أَبْدَلُوا التَّاءَ طَاءً لِتُوَافِقَ الصَّادَ فِي الْإِسْتِعْلَاءِ، وَتَجَاوَزَتِ الْكَلِمَةُ ثلاثَةَ أَحْرُفٍ، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً كَانْقِلابهَا فِي أَعْطَيْتُ ثُمَّ تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ وَقَبْلَهَا فَتْحَةٌ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا. وَذَكَرَ أَبُو جَعفَرِ بْنُ النَّحَّاسِ (٤) أَنَّ "آلًا" يُضَافُ إِلَى الْأَسْمَاءِ الظَّاهِرَةِ وَلَا يُضَافُ إِلَى الْأَسْمَاءِ الْمُضْمَرَةِ فَلَمْ نُجِزْ هَذَا الَّذِي أَجَازَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: وَالصَّوَابُ: وَأَهْلَهُ. وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الزُّبَيْدِيُّ (٥) فِي كِتَابِ "لَحْنِ

стр. 150

الْعَامَّةِ"، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكَسَائِيِّ (١)، فَتَبِعَاهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ يَعْضُدُهُ وَلَا سَمَاعَ يُؤَيِّدُهُ. وَكَانَ الْكَسَائِيُّ يَرَى أَنَّ "آلًا" الذِي يُرَادُ بِهِ الأَهْلُ لَا يُضَافُ إِلَى المُضْمَرَاتِ وَلَا إِلَى البِلَادِ، فَكَانَ لَا يُجِيزُ: "صَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ "وَلَا يُجِيزُ رَأَيْتُ آلَ الْبَصْرَةِ" (٢)، إِنَّمَا يُقَالُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ "أَهْلٌ"، وَلَا يَمْنَعُ مَانِعٌ مِنْ إِضَافَةِ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ" (٣). وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَر ابْنِ قُتَيْبَةَ (٤) عَنْ أَبِيهِ هَكَذَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَقَدْ أَجَازَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ المُبَرَّدُ وهو مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ. وقال أَبُو عَلِيٍّ الدِّينَوَرِيُّ (٥) في كتابه الذي وَضَعَهُ في "إِصْلَاح المَنْطِقِ" (٦). "تَقُولُ: فُلَانٌ مِنْ آلِ فُلانٍ وَمِنْ آلِ أَبِي فُلانٍ، وَلَا تَقُلْ: مِنْ آلِ الْكُوفَةِ (٧)، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِذَا كَنَّيْتَ قُلْتَ: هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا تَقُلْ مِنْ آلِهِ، إِلَّا فِي قِلَّةٍ مِنَ الْكَلَام". وَهَذَا نَصٌّ بِأَنَّهَا لُغَةٌ، وَقَدْ وَجَدْنَا "آلًا" فِي الشِّعْرِ مُضَافًا إِلَى الْمُضْمَرِ، قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ (٨): (مجزوء الرجز)

стр. 151

أُنْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكَ (١) وقال خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ السُّلَمِيُّ (٢): (طويل) أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي … وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا (٣) وقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ (٤)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ: (كامل) وَاللهُ يُسْعِدُ كُلَّ يَوْمٍ جَدَّهُ … وَيَزِيدُ مِنْ أَعْدَائِهِ فِي آلِهِ (٥) وَوَجْهُ الحُجَّةِ بِبَيْتِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ عَنُوا بِانْتِقَادِ شِعْرِهِ، وَمَا أَنْكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهِ: كَالْوَاحِدِيِّ (٦)، وَابْنِ عَبَّادٍ (٧)، وَالْحَاتِمِيِّ (٨)، وَابْنِ

стр. 152

وَكِيعٍ (١)، وَابْنِ خَالَوَيْهِ (٢) وَابْنِ جَنِّي (٣) وَغَيْرِهِمْ. و"آلٌ" أَصْلُهُ "أَهْلٌ" ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الْهَاءِ هَمْزَةً، فَقِيلَ "أَأْلٌ" ثم أُبْدِلَ من الْهَمْزَةِ أَلِفٌ كَرَاهِيَةً لِاجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي تَصْغِيرِهِ: "أُهَيْلٌ" فَرَدُّوهُ إِلَى أَصْلِهِ. وَحَكَى الْكَسَائِيُّ: "أُوَيْلٌ" وهذا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ أَلِفُ "آلٍ" بَدَلًا مِنْ وَاوٍ كَأَلِفِ بَابٍ وَدَارٍ. د: "آلٌ" عِنْدَ أَقْوَامٍ غَيْرُ "أَهْلٍ"، وَآلُ الرَّجُلِ: كُلُّ مَنْ آلَ إِلَيْهِ، أَيْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِقَرَابَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ، وَهُوَ مِنْ آلَ، يَؤُولُ، وَتَصْغِيرُهُ أُوَيْلٌ عَلَى مَا حَكَى الْكَسَائِيُّ عَنِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا أَهْلُ الرَّجُلِ فَقَرَابَتُهُ خَاصَّةً، فَكُلُّ أَهْلٍ آلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ آلٍ أَهْلًا. س: "أَهْلٌ" أَعَمُّ مِنْ آلٍ" بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَأَهْلُ زَيْدٍ، فَأَضافُوهُ إِلَى الْأَمَاكِنِ وَالْأَعْلَامِ خَاصَّةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ "أَهْلُ" (٤). وقوله: "عَنْ سَبِيلِ الْأَدَبِ نَاكِبِينَ" (٥). السَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وَتُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا التَّأْنِيثُ. قال الله :

стр. 153

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (١) وَالنَّاكِبُ: الْعَادِلُ الْمُنْحَرِفُ، يُقَالُ: نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ، يَنْكُبُ نُكُوبًا. قال الله : ﴿بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (٢) وَيُقَالُ أَيْضًا: نَكَبَ، يَنْكَبُ نَكَبًا فِي الْمَعْنَى، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ (٣): (بسيط) هَيْفٌ يَمَانِيَةٌ فِي مَرِّهَا نَكَبُ (٤) وَالْأَدَبُ: مَصْدَرُ أَدِبَ الرَّجُلُ، يَأْدَبُ أدَبًا، إِذَا بَرَعَ فِي حِلْمٍ أَوْ خُلُقٍ أَوْ ظُرْفٍ. قوله: "وَعَنِ اسْمِهِ مُتَطَيِّرِينَ" (٥). أَيْ مُتَشَائِمِينَ بِهِ، مِنْ لَفْظِ الطِّيَرَةِ، يُرِيدُونَ أَنَّهُمْ يَتَطَيَّرُونَ مِنَ الْأَدَبِ وَيَرَوْنَهُ حَرْفًا وَشُؤْمًا، وَيَقُولُونَ لِصَاحِبِهِ: أَدْرَكَتْهُ حِرْفَةُ الْأَدَبِ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (بسيط) مَا ازْدَدْتُ مِنْ أَدَبِي حَرْفًا أُسَرُّ بِهِ … إِلَّا تَزَيَّدْتُ حَرْفًا تَحْتَهُ شُؤْمُ كَذَاكَ مَنْ يَدَّعِي حِذْقًا بِصَنْعَتِهِ … أَنَّى تَوَجَّهَ فِيهَا فَهُوَ مَحْرُومُ (٦) والحُرْفَا وَالْحِرْفَةُ: الْحِرْمَانُ، إِذْ ضَمَمْتَ الْحَاءَ حَذَفْتَ، وَإِذَا كَسَرْتَهَا أَثْبَتَّهَا.

стр. 154

ز: "وَاشْتِقَاقُ الطِّيَرَةِ مِنْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّيَرَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا يَكْرَهُهُ اشْمَأَزَّ مِنْهُ وَأَسْرَعَ التَّبَاعُدَ عَنْهُ، فَشُبِّهَ سُرْعَةُ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ بِالطَّيَرَانِ. وَالْآخَرُ: وَهُوَ الْأَصْلُ، أَنَّ العَرَبَ كانَتْ تَزْجِرُ الطَّيْرَ وَالْوَحْشَ، وَتَتَفَاءَلُ بِهَا فَتَتَبَرَّكُ بِبَعْضِهَا، وَتَتَشَاءَمُ بِبَعْضِهَا، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الطِّيَرَةِ فَقَالَ: (تَفَاءَلُوا وَلَا تَطيَّرُوا) (١). ط: وَالنَّاشِئُ (٢): الصَّغِيرُ، وَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ مِنْ نَشَأَ، يَنْشَأُ، فَهُوَ نَاشِئٌ أَيْ مُبْتَدِئٌ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ كَذَا: ابْتَدَأَ، وَجَمْعُ النَّاشِئِ، نَشَأَةٌ، كَمَا يُقَالُ: كَافِرٌ وَكَفَرَةٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا: نَاشِئٌ وَنَشأٌ مثل: حَارِسٍ وَحَرَسٍ" (٣) قال نُصَيْبُ (٤): (وافر) وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ صَبَا نُصَيْبٌ … لَقُلْتُ بِنَفْسِيَ النَّشَأُ الصِّغَارُ (٥) وَرَاغِبٌ عَنِ التَّعَلُّمِ (٦): تَارِكٌ لَهُ، يُقَالُ: رَغَبْتُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا تَرَكْتُهُ وَزُلْتُ عَنْهُ. وَرَغِبْتُ فِيهِ: حَرَصْتُ عَلَيْهِ، والشَّادِي: الذِي قَدْ شَدَا شَيْئًا، أَيْ نَالَ مِنَ الْأَدَبِ طَرَفًا، يُقَالُ: شَدَا، يَشْدُو. وَيُقَالُ لِطَرَفِ كُلِّ شَيْءٍ: شَدَا. قَالَ الشَّاعِرُ: (طويل) فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَدًا مِنْ خُصُومَةٍ … لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الْخُصُومِ الْمَلَاوِيَا (٧)

стр. 155

وَالشَّادِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُغَنِّي، يُقَالُ: شَدَا، يَشْدُو، إِذَا غَنَّى. وَالشَّذَا، بِالدَّالِ الْمُعْجَمَةِ: حَدُّ كُلِّ شَيْءٍ. وَالازْدِيَادُ (١): افْتِعَالٌ مِنَ الزِّيَادَةِ وَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ، وَأَصْلُهُ ازْتيَادٌ، أُبْدِلَ مِنَ التَّاءِ دَالًّا لِتُوَافِقَ الزَّايَ فِي الْجَهْرِ لِتَشاكُلِ اللَّفْظِ. وَعُنْفَوَانُ الشَّبَابِ وَكُلِّ شَيْءٍ: أَوَّلُهُ. وَالنَّاسِي: الْمَطْبُوعُ عَلَى النِّسْيَانِ، والْمُتَنَاسِي: الْمُتَغَافِلُ حَتَّى يَنْسَى، أَيْ يُظهِرُ النِّسْيَانَ وَلَيْسَ بِنَاسٍ نِفَارًا مِنَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ. قال أَبُو تَمَّامٍ (٢) فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا: (بسيط) لَيْسَ الْغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ … وَلَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ الْمُتَغَابِي (٣) وَاللَّامُ فِي قوله: لِيَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ الْمَجْدُودِينَ (٤) تُسَمَّى لَامَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ، كَالَّتِي فِي قَوْلِكَ: جِئْتُ لِأَضْرِبَ زَيْدًا، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ جِئْتَ؟ أَوْ تَوَقَّعَ أنْ يُطَالَبَ بِعِلَّةِ مَجِيئِهِ، فَقَالَ: لِأَضْرِبَ زَيْدًا. يُريدُ أَنَّ الْمُتَأَدِّبَ يَعْتَقِدُ أَنَّ أَهْلَ الْأَدَبِ مَحْرُومُونَ مُحَارَفُونَ عَنِ الرِّزْقِ، فَهُوَ يَتَنَاسَى الْأَدَبَ فِرَارًا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي جُمْلَتِهِمْ. وَالْمَجْدُودُ: ذُو الْجَدِّ، وَهُوَ السَّعْدُ وَالْبَخْتُ، وَيُقَالُ: رَجُلٌ مَجْدُودٌ وَمَحْظُوظٌ وَحَظِيظٌ، مِنَ الْحَظِّ، وَقَدْ جُدَّ جَدًّا. وَالْمَحْدُودُ: الْمَحْرُومُ، مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَدَدْتُهُ عَنِ الشَّيْء إِذَا مَنَعْتَهُ مِنْهُ، أَيْ: الْمَمْنُوعُ الرِّزْقَ، وَأَصْلُ الْحَدِّ: الْمَنْعُ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ حُدُودِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَحْصِرُ الْمَحْدُودَ، وَحُدُودُ اللهِ لأَنَّهَا مَنْعٌ لِلْمَحْدُودِ مِنَ الدُّخُولِ فِيمَا عُوقِبَ عَلَيْهِ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَانِعٍ لِشَيْءٍ حَدَّادًا، كَحَاجِبِ السُّلْطَانِ وَبَوَّابِهِ. وَسَمَّى الْأَعْشَى الْخَمَّارَ حَدَّادًا لِمَنْعِهِ الْخَمْرَ إِلَّا بِثَمَنِهَا، فَقَالَ: (متقارب)

стр. 156

فَقُمْنَا وَلَمَّا يَصِحْ دِيكُنَا … إِلَى جَوْنَةٍ عِنْدَ حَدَّادِهَا (١) وَسُمِّيَ الْحَدِيدُ حَدِيدًا، لِامْتِنَاعِهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِيهِ. وَأَرَادَ بِالْمَجْدُودِينَ، أَهْلَ الْأَمْوَالِ وَالْجَاهِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالْمَحْدُودِينَ أَهْلَ الْأَدَبِ الَّذِينَ حُدُّوا عَنِ الرِّزْقِ، أَيْ مُنِعُوا مِنْهُ. وقوله: "فَالْعُلَمَاءُ مَغْمُورُونَ" (٢): ط: "كَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ يَرْوِيهِ بِالرَّاءِ، وَكَانَ ابْنُ الْقَوْطِيَةِ (٣) يَرْوِيهِ بِالزَّاي، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ، مَنْ رَوَاهُ بِالرَّاءِ فَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: غَمَرَهُ الْمَاءُ: إِذَا غَطَّاءُ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَغْمُورٌ، إِذَا كَانَ خَامِلَ الذِّكْرِ، يُرَادُ أَنَّ الْخُمُولَ قَدْ أَخْفَاهُ وَغَطَّاهُ كَمَا يَغْمُرُ الْمَاءُ الشَّيْءَ، أَيْ: يُغَطِّيهِ. وَمَنْ رَوَاهُ مَعْمُوزُونَ بِالزَّايِ، فَمَعْنَاهُ: مَطْعُونٌ عَلَيْهِمْ، مِنْ قَوْلِكَ: غَمَزْتُ الرَّجُلَ: إِذَا عِبْتَهُ وَطَعَنْتَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ يُبَدَّعُونَ وَيُكَفَّرُونَ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ (٤) " (٥) من قول رسول الله ﷺ : (النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا) (٦). وَكَرَّةُ الْجَهْلِ (٧): دَوْلَتُهُ، ومنه قوله : ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ

стр. 157

عَلَيْهِمْ﴾ (١)، أي الدَّوْلَةَ، وَأَصْلُهَا مَصْدَرُ: كَرَّ، يَكُرُّ فِي الْحَرْبِ، كَرًّا وَكَرَّةً: إِذَا حَمَلَ بَعْدَ انْهِزَامٍ، يُرِيدُ أَنَّ دَوْلَةَ الْجَهْلِ قَمَعَتْهُمْ وَأَذَلَّتْهُمْ، يقال: قَمَعْتُ الرَّجُلَ: إذَا أَذْلَلْتَهُ وَصَرَفْتَهُ عَمَّا يُرِيدُهُ. وقوله: "حِينَ نَوَى نَجْمُ الْخَيْرِ" (٢): أَيْ سَقَطَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَنْسُبُ الأَنْوَاءَ إلى مَنَازِلِ القَمَرِ الثَّمَانِي والعِشْرِينَ، وَمَعْنَى النَّوْءِ: سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْفَجْرِ وطُلُوعُ نَجْمٍ آخَرَ يُقَابِلُهُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي الْمَشْرِقِ، وَسُمِّيَ نَوْءًا لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ الْغَارِبُ نَاءَ الطَّالِعُ، يَنُوءُ نَوْءًا. وَكُلُّ نَاهِضٍ بِثِقَلٍ فَقَدْ نَاءَ. وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ النَّوْءَ سُقُوطَ النَّجْمِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَكَانُوا إِذَا سَقَطَ مِنْهَا نَجْمٌ وَطَلَعَ آخَرُ فَحَدَثَ عِنْدَ ذَلِكَ مَطَرٌ أو رِيحٌ أو بَرْدٌ أو حَرٌّ، نَسَبُوهُ إِلَى السَّاقِطِ، إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الذِي بَعْدَهُ، وإذا سَقَطَ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ سُقُوطِهِ مَطَرٌ وَلَا رِيحٌ وَلَا بَرْدٌ، وَلَا حَرٌّ، قِيلَ: خَوَى نَجْمُ كَذَا، وَأَخْوَى، يُقَالُ: خَوَى، وأَخْوَى، وخَوَاءً، فَضَرَبَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَثَلًا لِذَهَابِ الخَيْرِ كَمَا ضَرَبَ "كَسَادَ السُّوقِ" لِزَهَادَةِ النَّاسِ فِي الْبِرِّ. وَالْأَشْهَرُ فِي السُّوقِ التَّأْنِيثُ، وَقَدْ حُكِي فِيهَا التَّذْكِيرُ، أَنْشَدَ الفَرَّاءُ (٣): (طويل) بِسُوقٍ كَثِيرٍ رِيحُهُ وَأَعَاصِرُهْ (٤)

стр. 158

وَسُمِّيَتْ سُوقًا لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ تُسَاقُ إِلَيْهَا، وقيل: سُمِّيَتْ سُوقًا لِقِيَامِ النَّاسِ فِيهَا عَلَى سُوقِهِمْ. وَالْبِرُّ: الْخَيْرُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ: "وَبَارَتْ بَضَائِعُ أَهْلِهِ" (١). ط: "الْبَوْرُ: الْهَلَاكُ، يُقَالُ: بَارَ الشَّيءُ يَبُورُ بَوْرًا: إِذَا هَلَكَ، بِفَتْحِ البَاءِ، فإِذا وَصَفْتَ بِهِ قُلْتَ: رجل "بُورٌ" بضم البَاءِ، وبَائِرٌ" (٢). قال ابْنُ الزِّبَعْرَى (٣): (خفيف) يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ (٤) وَيُقالُ: قَوْمٌ بُورٌ. قال الله : ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (٥) أَيْ هَلْكَى. ط: "وَالْبَضَائِعُ: الْأَمْوَالُ التي يَحْمِلُهَا التُّجَّارُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ للتِّجَارَةِ، وَاحِدَتُهَا بِضَاعَةٌ، وَقَدْ تَكون البَضَائِعُ الْمَالَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْبَضْعِ"، وَهُوَ الْقَطْعُ، يُرَادُ أنها قِطْعَةٌ مِنَ الْمَالِ، فَجَعَلَ العِلْمَ لِلْعَالِم بِمَنْزِلَةِ الْبِضَاعَةِ لِلتَّاجِرِ. يقال: هَلَكَتْ بَضَائِعُ العُلَمَاءِ التِي اسْتَبْضَعُوهَا مِنَ العِلْمِ حِينَ لَمْ يَجِدُوا لَهَا طَالِبًا" (٦). أَبُو عَلَي: بَارَتْ السُّوقُ: كَسَدَتْ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْهَلَاكِ. وَالْفَضْلُ: الزِّيَادَةُ. ط: "وَكُلُّ شَيْءٍ قَصَرْتَهُ عَلَى آخَرَ، وَلَمْ تَجْعَلْ لَهُ مُشَارِكًا فِيهِ، فَهُوَ وَقْفٌ

стр. 159

عَلَيْهِ. تَقُولُ: مَوَدَّتِي وَقْفٌ عَلَيْكَ، وَمِنهُ. قِيلَ: لِمَا جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقْفٌ" (١) ز: "وَالْفِعْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: وَقَفْتُهُ وَقْفًا، بِلا أَلِفٍ" (٢). ط: يقال: وَقَفَ الْمُلُوكَ أَمْوَالَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لَا يَصْرِفُونَهَا فِي عِلْمٍ، إِنَّمَا يَصْرِفُونَهَا فِي مَآكِلِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ [وَمَرَاكِبِهِمْ] (٣) وَمَنَاكِحِهِمْ، لا فَضْلَ فِيهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ" (٤). قوله: "وَالْجَاهُ الذِي هُوَ زَكَاةُ الشَّرَفِ" (٥): ز: "الْجَاهُ" وَزْنُهُ فَعَلٌ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَاوٍ وَهُوَ الحُرْمَةُ، وَزَكَاتُهُ: بَذْلُهُ" (٦). وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَهُوَ مَقْلُوبٌ مِنَ الْوَجْهِ، وَاسْتَدَلَّ على ذلك بِقَوْلِهِمْ: وَجُهَ الرَّجُلُ، فَهُوَ وَجِيهٌ: إِذَا كَانَ ذَا جَاهٍ، وَيُقَالُ: لَهُ جَاهٌ فِي النَّاسِ، وَوَجْهٌ بِمَعْنَى. وجمع الْجَاهِ: أَجْوَاهٌ، وَجِوَاهٌ، وَجِيَاهٌ. ط: "والْخَلَقُ (٧): ضِدُّ الْجَدِيدِ، يُرِيدُ أَنَّهُ مُبْتَذَلٌ يَنَالُهُ كُلُّ مَنْ يُرِيدُهُ، بَعْدَ أنْ كَانَ لا يَنَالُهُ إِلَّا الأَشْرَافُ. والْخَلَقُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَالاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، وَالمُذَكَّرِ والْمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى المَصْدَرِ، وقد يُثَنَّى وَيُجْمَعُ، فيقال: ثِيَابٌ أَخْلَاقٌ؛ لأنه يُوصَفُ بِهِ، فَيُجْرَى مَجْرَى الأَسْمَاءِ. وَقَدْ قالوا: ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ فَوَصَفُوا بِهِ الْوَاحِدِ، قَالَ الكَسَائِيُّ: أَرَادُوا أَنَّ نَوَاحِيهِ أَخْلَاقٌ، فلذلك جَمَعَ، قال الراجز: (رجز)

стр. 160

جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلَاقْ … شَرَاذِمُ يَضْحَكُ مِنْهَا التَّوَّاقْ (١) " (٢) ط: "وآضَتِ المُرُوآتُ (٣): أي رَجَعَتْ، يُقال: آضَ، يَئِضُ أَيْضًا، وَمِنْهُ قيل: فَعَلَ ذلك أَيْضًا، أي فَعَلَهُ عَوْدًا" (٤). "والمُرُوءاتُ: هِي الْخِصَالُ الْجَمِيلَةُ التي يَعْمَلُ بِهَا الْإِنْسَانُ فَتَتِمُّ بها إِنْسَانِيَّتُهُ" عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ الْقَوْطِيَّةِ (٥). وقال قوم: المُرُوءَةُ مِنَ المَرْءِ، كالرُّجُولَةِ مِنَ الرَّجُلِ، يريدون أنه مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ. وذلك غلط؛ لأَنَّهُمْ قَدْ قالوا: مَرْؤَ الرَّجُلَ: إذا حَسنَتْ هَيْأَتُهُ وَعَفَافُهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ، فَالْمُرُوءَةُ مَصْدَرُ مَرْؤَ بِمَنْزِلَةِ السُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ مَصْدَرُ: سَهُلَ وَصَعُبَ. وَاشْتِقَاقُهَا عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرُؤَ الطَّعَامُ وَمَرِئَ، فَهُوَ مَرِيءٌ، إِذَا سَاغَ لآكِلِهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ، ومنه: كُلْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا، فَتَأْوِيلُ الْمَرُوءَةِ: الخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ، والأخْلاقُ الجَمِيلَةُ التي تُحَبِّبُ الإِنْسَانَ إلى الناسِ حتى تصِيرَ حُلوًا في نُفُوسِهِمْ خَفِيفًا عَلَيْهِمْ. ز: "قوله: "فِي زَخَارِفِ النَّجْدِ" (٦): الكلام. زَخَارِفٌ: جَمْعُ زُخْرُفٍ: وَهُوَ الزِّينَةُ، وَأَصْلُهُ الذَّهَبُ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ (٧). ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُزَيِّنٍ وَمُحَسِّنٍ زُخْرُفًا

стр. 161

وَمُزَخْرَفًا" (١). ط: "وَالنَّجْدُ: ما يُزَيَّنُ بِهِ الْبَيْتُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبُسْطِ وَالثِّيَابِ، يقال: نَجَدْتُ الْبَيْتَ تَنْجِيدًا، قال ذُو الرُّمَّةِ: (بسيط) حَتَّى كَأَنَّ رِيَاضَ الْقُفِّ أَلْبَسَهَا … مِنْ وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وَتَنْجِيدُ (٢) " (٣) ويقال للذي يَفْرِشُ الْبُيُوتَ: النَّجَّادُ وَالْمُنَجِّدُ، وَيُقَالُ لِعَصَاهُ الَّتِي يَنْفُضُ بِهَا: الْمِنْجَدَةُ. ز: "النَّجْدُ: مَا نُجِدَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ، أَيْ نُضِدَ وَرُفِعَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَصْلُهُ مِنَ النَّجْدِ وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ" (٤). ط: "وَتَشْيِيدُ الْبُنْيَانِ (٥): رَفْعُهُ وَإِطَالَتُهُ، وَيُقَال: تَجْصِيصُهُ، وَيُقَالُ لِلْجِصِّ: الشِّيدُ. قال الله : ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٦) " (٧). وَلَذَّاتُ النُّفُوسِ (٨)، مَرْفُوعَةٌ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى المُرُوءَاتِ؛ أَي وَآضَتْ لَذَّاتُ النُّفُوسِ. وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ (٩): ضَرْبُهَا بِالْأَكُفِّ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الصَّفْقِ، وَالطَّاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءِ الْافْتِعَالِ لِتُوَافِقَ الصَّادَ فِي الْاسْتِعْلَاءِ وَيَتَجَانَسَ الصَّوْتُ

стр. 162

وَلَا يَتَنَافَرَ. وَالْمِزْهَرُ: الْعُودُ، أُخِذَ مِنَ الزَّهِيرِ وَهُوَ الصَّوْتُ. وَقَالَ شَبْرُمَةُ بْنُ الطُّفَيْلِ (١): (طويل) وَيَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ … دَمُ الزِّقِّ عَنَّا وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ (٢) ز: "وَمُعَاطَاةُ النَّدْمَانِ (٣): مُنَاوَلتُهُ الْكَأْسَ، وَالْأَخْذُ مِنْهُ، وَالْمُفَاعَلَةُ مِنَ اثْنَيْنِ، وَالنَّدْمَانُ: وَاحِدُ النَّدَامَى، كَسَكْرَانٍ وَسَكَارَى، وَالنَّدِيمُ مِثْلُهُ، وَجَمْعُهُ نُدَماءُ، مِثْلَ: ظَرِيفٍ وَظُرَفَاءٍ، وَقَالُوا: نِدَامٌ، كَمَا قَالُوا: ظِرَافٌ. قال الشاعر: (وافر) وَنَدْمَانٍ يَزِيدُ الْكَأْسَ طِيبًا … سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَيَّرَتِ النُّجُومُ (٤) " (٥) د: ابن السِّكِّيتِ (٦): يُقَالُ: هُوَ نَدِيمِي، وَهُمْ نُدَمَائِي وَهُوَ نَدْمَانِي، اَلْجَمْعُ كَالْوَاحِدِ" (٧) وفي كتاب "العين" مِثْلُهُ: هُوَ نَدْمَانُهُ وَهُمْ نَدْمَانُهُ. قوله: "وَنُبِذَتِ الصَّنَائِعُ" (٨): أيْ: تُرِكَتْ وَطُرِحَتْ، وَالصَّنَائِعُ: جَمْعُ صَنِيعَةٍ، وَهِيَ مَا اصْطَنَعْتَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ خَيْرٍ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ صَنِيعَةٌ لِفُلَانٍ: إِذَا كَانَ يُؤْثِرُهُ وَيُقَرِّبُهُ. وَيُقَالُ:

стр. 163

قَدْرٌ وَقَدَرٌ بِسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، وَالْمَعْرُوفُ: اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ حَسَنٍ قَدْ تَعَارَفَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ مَعْرُوفًا؛ لأنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُنْكِرُونَهُ. وَالْخَوَاطِرُ (١): الْأَذْهَانُ وَاحِدُهَا خَاطِرٌ، وَحَقِيقَةُ الْخَاطِرِ مَا يَخْطِرُ بِبَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وقوله: "وَزُهِدَ فِي لِسَانِ الصِّدْقِ وَعُقَدِ الْمَلَكُوتِ" (٢): ط: "لِسَانُ الصِّدْقِ يُسْتَعْمَلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلُ الْحَقِّ، والثاني: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ. قال الله ﵎: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (٣). وَهُوَ الذِي أَرَادَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: وَيُسْعِدُهُ بِلِسَانِ الصِّدْقِ فِي الْآخِرِينَ (٤)، أي إِنَّ النَّاسَ زَهَدُوا فِي قَوْلِ الحقِّ أو فِي مَا يَبْنِي لَهُمُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ" (٥). ز: "وكان الأَخْفَشُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ (٦) يَرْوِي: وعَقدِ الْمَلَكُوتِ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ يَجْعَلُهُ مَصْدَرَ عَقَدْتُ عَقْدًا. وَكَان أَبُو الْقَاسِمِ الصَّائِغُ (٧) يَرْوِيهِ عَنْهُ: وعُقْدِ الْمَلَكُوتِ، يَجْعَلُهُ جَمْعَ عُقْدَةٍ مِثْلَ: غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ" (٨). ط: "وهكذا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ البَغْدَادِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنِ القَوْطِيَّةِ" (٩). وَأَصْلُ الْعُقْدَةِ فِي اللُّغَةِ: الضَّيْعَةُ، يَتَّخِذُهَا الرَّجُلُ أَصْلَ مَالٍ، يقال:

стр. 164

اعْتَقَدَ، إِذَا اتَّخَذَ أَصْلَ مَالٍ يَتْرُكُهُ لِعَقِبِهِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيضًا: نَشَبٌ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الإِنْسَانَ مِنَ الرَّحيل والانْتِقَالِ وَتَنْشِبُهُ، وتُسَمَّى أَعْمَالُ البِرِّ وَالْخَيْرِ عُقَدًا لِأَنَّهَا ذَخَائِرُ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ عِنْدَ رَبِّهِ، ويَعْتَقِدُ بها الْمُلْكَ عِنْدَهُ، أَي يَسْتَوْجِبُهُ وَيَنَالُهُ. والْمَلَكُوتُ (١): الْمُلْكُ، وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ مِثْلَهُمَا فِي جَبَرُوتٍ وَرَهَبُوبٍ، أَيْ زَهِدَ النَّاسُ فِي أَعْمَالِ البرِّ التي يَنَالُونَ بِهَا الْمَرَاتِبَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى" (٢). ع: عُقَدُ الْمَلَكُوتِ خَمْسٌ: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالصَّلَاةُ، والصِّيَامُ، والزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَهِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ. قوله: "فَأَبْعَدُ غَايَاتِ كَاتِبِنَا" الكلام. ز: "إِنَّما أَنْكَرَ هذا عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ حُسْنَ الخَطِّ نِهَايَةَ كَمَالِهِ، وَقُصَارَى مَرْتَبَتِهِ، فَيُزْهَى بِنَفْسِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ فَاقَ أَبْنَاءَ جِنْسِهِ. وَأَمَّا حُسْنُ الْخَطِّ فَمَحْمُودٌ بِالْجُمْلَةِ، إِذَا كَانَ يَتْبَعُهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْكَاتِبِ فِيهِ مُشَارَكَةٌ مِنَ الْمَعَارِفِ لِحُضُورِهِ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ التي يَحْضُرُهَا الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ المُذَاكَرَةِ، وَقَدْ قِيلَ: أَوَّلُ مَعْرِضِ الْكَاتِبِ لِبَاسُهُ ثُمَّ خَطُّهُ ثُمَّ كَلَامُهُ ثُمَّ صِنَاعَتُهُ" (٣). وقيل في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٤)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٥): هِيَ الْخَطُّ الْحَسَنُ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (٦). وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (الْخَطُّ الْحَسَنُ يَزِيدُ الْحَقَّ وُضُوحًا) (٧).

стр. 165

وَقَدْ قِيلَ: "حُسْنُ الْخَطِّ إِحْدَى الْبَلاغَتَيْنِ، وَرَدَاءَةُ الْخَطِّ إِحْدَى الزَّمَانَتَيْنِ" (١). وَقَالَ إِقْلِيدَسُ (٢): "الْخَطُّ هَنْدَسَةٌ رُوحَانِيّةٌ ظَهَرَتْ جَسَدَانِيّةً بِآلَةٍ جِسْمَانِيّةٍ" (٣). وَكَذَلِكَ قوله: "وَأَعْلَى مَنَازِلِ أَدِيبِنَا أَنْ يَقُولَ مِنَ الشِّعْرِ أَبيَاتًا" (٤): هَذَا أَيْضًا، إِذَا اعْتَقَدَهُ أَفْضَلَ مَرَاتِبِهِ وَأَعْلَى مَنَازِلِهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ آدَابٌ وَفَضَائِلُ وكان الشِّعْرُ بَعْضَ حُلَاهُ، وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكْسَبًا وَصِنَاعَةً، وَلَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ حِرْفَةً وَبِضَاعَةً فَإِنَّهُ زَائِدٌ فِي جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَنَبَاهَةِ ذِكْرِهِ. وَالْأَدَبُ غَرَضٌ أَدْنَى وَغَرَضٌ أَقْصَى، فَالْأَدْنَى أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُتَأَدِّبِ بِالنَّظَرِ فِي الْأَدَبِ قُوَّةٌ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى النَّظْمِ وَالنَّثْرِ. وَالْأَقْصَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى فَهْمِ "كِتَابِ اللهِ تَعَالَى"، وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﵇ وَصَحَابَتِهِ، وَيَعْلَمَ كَيْفَ تُبْنَى الْأَلْفَاظُ الْوَارِدَةُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى يَسْتَنْبِطَ مِنْهَا الْأَحْكَامَ وَيُفَرِّعَ الْفُرُوعَ وَيُنَتِّجَ النَّتَائِجَ وَيَقْرُنَ الْقَرَائِنَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مَبَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا يَفْعَلُ أَصْحَابُ الْأُصُولِ. وَفِي الْأَدَبِ لِمَنْ حَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَعْظَمُ مَعُونَةٍ عَلَى فَهْمِ الْكَلَامِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ. وَأُبَيَّاتٌ: تَصْغِيرُ أَبْيَاتٍ، وَيُرْوَى أَبْيَاتًا عَلَى التَّكْثِيرِ، وَالتَّصْغِيرُ أَشْبَهُ بِغَرَضِهِ الَّذِي قَصَدَهُ فِي ذَمِّ الْمُتَأَدِّبِينَ، وَالْمُرَادُ بِتَصْغِيرِ الْجَمْعِ تَقْلِيلُ عَدَدِهِ. وَالْقَيْنَةُ (٥): الْمُغَنِّيَةُ، وَقِيل: إِنَّهُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ أَمَةٍ مُغَنِّيَةٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِ مُغَنِّيَةٍ.

стр. 166

ز: قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ (١): "اشْتِقَاقُهَا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: قَانَتِ الْمَرْأَةُ الْجَارِيَةَ: إِذَا زَيَّنَتْهَا، وَاقْتَانَتِ الرَّوْضَةُ: إِذَا ظَهَرَتْ فِيهَا أَنْوَاعُ الْأَزْهَارِ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْمَاشِطَةُ مُقنِّيَةً، فَالْقَيْنَةُ عَلَى هَذَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَزَيُّنِهَا وَتَحَسُّنِهَا وَقِيلَ: سُمِّيت قَيْنَةً؛ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ بِيَدَيْهَا مَعَ غِنَائِهَا وَكُلُّ صَانِع بِيَدِهِ قَيْنٌ" (٢). وَتَفْسِيرُ ابْنِ دُرَيْدٍ عِنْدِي أَصَحُّ. ط: "وَالْكَأْسُ (٣): الْإِنَاءُ، بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَمْرِ، وَلَا يُقَالُ لِلْإِنَاءِ وَحْدَهُ دُونَ خَمْرٍ كَأْسٌ، كَمَا لَا يُقَالُ: مَائِدَةٌ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا طَعَامٌ، وَإِلَّا فَهِيَ خُوَانٌ، وَلَا يُقَالُ: قَلَمٌ حَتَّى يَكُونَ مَبْرِيًّا، وَإِلَّا فَهُوَ قَصَبَةٌ وَأُنْبُوبٌ" (٤). وَحَكَى يَعْقُوبُ "أَنَّهُ يُقَالُ لِلْإِنَاءِ وَحْدَهُ كَأْسٌ" (٥). ط: "وَاللَّطِيفُ (٦)، هَاهُنا: الْمُتَفَلْسِفُ، سُميَ لَطِيفًا لِلُطْفِ نَظَرِهِ وَعُمُوضِهِ فِي الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي تَنْبُو عَنْهَا أَفْهَامُ الْعَامَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْخَاصَّةِ" (٧). وَيَعْنِي بِالْقَضَاءِ (٨)، الْحُكْمَ بِدَلَائِلِ النُّجُومِ. وَحَدُّ الْمَنْطِقِ (٩): مُقَدَّمَةٌ لِلْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ كَمَا أَنَّ النَّحْوَ مُقَدَّمَةٌ لِلْعُلُومِ الْأَدَبِيَّةِ، وَمَحَلُّ هَذَا فِي المَعْقُولَاتِ، وَمَحَلُّ هَذَا فِي الْأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَاتِ،

стр. 167

وَقَدْ تَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ فِي بَعْضِ الْأَعْرَاضِ. وَتَقْوِيمُ الكَوَاكِبِ (١): تَعْدِيلُهَا. وقوله: "فُلَانٌ رَقِيقٌ" (٢): ط: "الرِّقَّةُ: ضِدُّ الْخُشُونَةِ، وَتُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الرَّحْمَةُ وَالْإِشْفَاقُ. يقال: رَقَّتْ لَهُ نَفْسِي: يريدون بِذَلِكَ ذَهَابَ الْخُشُونَةِ وَالْقَسُوَةِ. والثاني: حَلَاوَةُ الشَّمَائِلِ، يقال: فلانٌ رَقِيقُ الْحَوَاشِي، يُرِيدُونَ ذَهَابَ الْغَلِظِ وَالْجَفَاءِ عَنْهُ. والثالثُ: الحُسْنُ والجَمَالُ، ولذلك قَالُوا لِبَائِعِ الْخَدَمِ: بَائِعُ الرَّقِيقِ. وَوَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ: دَقِيقٌ بالدَّالِ مِنْ دِقَّةِ النَّظَرِ وَغُمُوضِهِ. وَقد رواه قَوْمٌ "رَفِيقٌ" بالفاء وهو مِثْلُ اللَّطِيفِ" (٣). وقوله: "وَمِمَّا عِنْدَهُ" (٤): يعني: الْجَنَّةَ وَالمَعَادَ. والرَّعَاعُ (٥): سُقَّاطُ النَّاسِ وَسَفِلَتُهُمْ. والرَّعَاعُ مِنَ الطَّيْرِ: كلُّ مَا لَا يَصِيدُ وَلَا يُصَادُ. والغُثَاءُ (٦): مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنَ الزِّبْلِ. والغُثْرُ (٧): الْجُهَّالُ الْأَغْبَيَاءُ، وَاحِدُهُمْ أَغْثَرٌ، والغُثْرَةُ: غُبْرَةٌ تُخَالِطُهَا كُدْرَةٌ حَتَّى تُقَارِبَ السَّوَادَ. ويقال: كِسَاءٌ أَغْثَرٌ وَأَكْسِيَةٌ غُثْرٌ، إِذَا كَثُرَ صُوفُهَا حَتَّى تَخْشُنَ وَتَخْرُجَ عَنِ الْاعْتِدَالِ، ويقال لِسَفِلَةِ النَّاسِ: الغَثْرَاءُ والدَّهْمَاءُ. د: في حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ (٨) ﵀ قال: "أُحِبُّ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ وأُحِبُّ الغَثْرَاءَ" (٩).

стр. 168

أراد بهم عَامَّةَ النَّاسِ وَدَهْمَاءَهُمْ، وَأَرَادَ بِالْمَحَبَّةِ الْمُنَاصَحَةَ لَهُمْ. وسُمُّوا الغَثْرَاءَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، يقال: شاة غَثْرَاءٌ: إذا كانت كَثِيرَةَ الصُّوفِ، وَكِسَاءٌ أَغْثَرُ: إذا غَلُظَ صُوفُهُ وكَثُرَ زِئْبِرُهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: سُمِّيَتِ العَامَّةُ الْغَثْرَاءِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ، يقال: رَجُلٌ أَغْثَرٌ، إِذَا كَانَ جَاهِلًا، وَامْرَأَةٌ غَثْرَاءٌ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. ع: والْأَغْثَرُ أيضًا مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُشَبِّهَ سَفِلَةِ النَّاسِ بِها كَمَا شبهها بِالرَّعَاعِ، وهي صِغَارُ الطَّيْرِ. وقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" أَنَّ عُثْمَانَ (١) قَالَ حِينَ تَنَكَّرَ لَهُ النَّاسُ: "إِنَّ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ رِعَاعٌ غَثَرَةٌ" (٢). قوله: "وَهِيَ بِهِ أَلْيَقُ" (٣): ط: "أَيْ أَلْصَقُ، يقال: هَذَا أَمْرٌ لَا يَلِيقُ بِكَ: أَي لَا يَلْصَقُ ولا يَعْلَقُ. ومنه اشْتُقَّتْ لِيقَةُ الدَّوَاةِ لِالْتِصَاقِهَا، ومنه قيل: مَا لَاقَنِي بِكَ كَذَا، ولا أَلَاقَنِي، أَيْ مَا أَمْسَكَنِي" (٤). والزَّارِي (٥): أي العَائِبُ الطَّاعِنُ، يقال: زَرَيْتُ عَلَيْهِ، إِذا عِبْتَهُ وَنَقَّصْتَهُ. وأَزْرَيْتُ بهِ: إِذا قَصَّرْتَ بِهِ. وثَلَجُ الْيَقِينُ (٦): بَرْدُهُ، يقال: ثَلِجَتْ نَفْسِي بِالشَّيْءِ: إِذَا سُرَّتْ بِهِ وسَكَنَتْ إِلَيْهِ، وأَصْلُهُ أَنَّ الْمُهْتَمَّ بِالشَّيْءِ الْحَزِينَ يَجِدُ لَوْعَةً وحِدَّةً فِي مِزَاجِهِ، فَإِذا وَرَدَ

стр. 169

عَلَيْهُ مَا يَسُرُّهُ، ذَهَبَتْ تِلْكَ اللَّوْعَةُ عَنْهُ، فقيل: ثَلِجَتْ نَفْسُهُ بكذا، كَأَنَّهَا بَرَدَتْ بِهِ، وَهُوَ ضِدُّ قوْلِهِمْ: الْتَاعَتْ نَفْسِي من كذا واحْتَرَقَتْ. وقوله: "فَنَصَبَ لِذَلِكَ" (١): ط: "كَذَا الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ. وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَصَبْتُ لِفُلَانٍ الشَّرَّ: إِذَا أَعْدَدْتَهُ لَهُ لِيَقَعَ فِيهِ، وَنَصَبْتُ لَهُ الحَرْبَ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّيَّادَ يَنْصِبُ حَبَائِلَهُ لِلصَّيْدِ لِيَقَعَ فِيهَا، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ في كُلِّ مَنْ يَكِيدُ لِيَغْتَرَّ وَيُوقِعَهُ فِي الْمَكْرُوهِ. ومنه سُمِّيَتِ الْفِرْقَةُ الْمُبْغِضَةُ لِعَلِيٍّ (٢) رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، نَاصِبَةً (٣) " (٤). ويُرْوَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُسَلِّمُونَ (٥). وَتَرُوقُ (٦): تُعْجِبُ، وَتَهُولُ (٧): تُفْزِعُ. وَالْغُمْرُ (٨): الذي لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ. ويقال: غُمْرٌ، بضم الغَيْنِ وتَسْكِينِ الْمِيمِ وَغُمُرٌ بِضَمِّهَا، وَغُمَرٌ بِفَتْحِهَا، ومُغْمَرٌ بمعنى واحد. الْحَدَثُ الْغِرُّ (٩): الصَّغِيرُ، وفعله غَرَّ، يَغِرُّ غَرَارَةً، فَهُوَ غِرٌّ. وَالْكَوْنُ (١٠): خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. وَالْفَسَادُ (١١): خُرُوجُهُ مِنَ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ. ط: "وَسِمْعُ الْكِيَانِ: بِكَسْرِ السِّينِ الرِّوَايَةُ، وَيُرْوَى سَمْعٌ بفتح السِّينِ،

стр. 170

فَالسَّمْعُ بفتح السِّينِ مَصْدَرُ سَمِعْتُ، وبِكَسْرِ السِّينِ: الذِّكْرُ، يقال: ذَهَبَ سِمْعُهُ فِي النَّاسِ أَيْ ذِكْرُهُ. ورواه بَعْضُهُمْ في هذا الكتاب: سَمِعَ الكِيَانَ. وَتَوَهَّمَهُ فعْلًا مَاضِيًا ونَصَبَ بِهِ الْكِيَانَ، وَهُوَ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ كِتَابٌ مَعْرُوفٌ بِهَذَا الْاسْمِ لِأرِسْطَاطَالِيسِ (١)، فمن قال: سَمْعُ الكِيَانِ بِفَتْحِ السِّينِ، فمعناه: سَمَاعُ مَا يَكُونُ، ومن كَسَرَ السِّينَ، فمعناه: ذِكْرُ الْكِيَانِ. وكذا رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ قُتَيْبَةَ" (٢). ز: "سَمْعَ الْكِيَانِ: كتاب، ومعناه: أَسْمَعْ مَا تَكَوَّنَ أَو يَتَكَوَّنُ، وَلَيْسَ فِي تَسْمِيَةِ الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ مَا فِيهِ وَلَا صَوَابِهِ" (٣). ع: ووقع في كتاب أبي عَلِيٍّ قَوْلُهُ: الْكَوْنُ بِرَفْعِ الكَوْنِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ، وَقَرَأْنَاهُ عَلَيْهِ نَصْبًا بِإِعْمَالِ الْقَوْلِ وَالْكِيَانُ جَمْعُ كَوْنٍ، مثل: سَوْطٍ وَسِيَاطٍ، وقد يكون مَصْدَرَ كَانَ، يقال: كَانَ، يَكُونُ كَوْنًا وَكِيَانًا، مثل: صَوْمٍ وَصِيَامٍ. وأَخَلَّ فِي الْقِسْمَةِ، إِذْ كَانَ يَكْفِيهِ ذِكْرُ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ (٤) عَنْ أَنْ يَذْكُرَ الْكَيْفِيَّةَ وَالْكَمِّيَّةَ (٥)، وَأَسَاءَ الْعِبَارَةَ فِي تَقْدِيمِهِ الْكَيْفِيَّةَ عَلَى الْكَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَقُولَاتِ الْكَمِيَّةِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى مَقُولَةِ الْكَيْفِيَّةِ. وَالْأَسْمَاءُ الْمُفْرَدَةُ: هِيَ الْمَقُولَاتُ الْعَشْرُ (٦) الْمُسَمَّاةُ فِي اللُّغَةِ الْيُوَنَانِيّةِ: قَاطِيغُورِيَاسْ، "ومعناه الأَسْمَاءُ المفْرَدَةُ، وهي: الْجَوْهَرُ، وَالْكَمِّيَّةِ؛ وَالْكَيْفِيَّةُ، والإضَافَةُ، ومَتَى، وأيْنَ، والْوَضْعُ، وَالْجِدَةُ،

стр. 171

والفَاعِلُ، والمُنْفَعِلُ" (١). فَأَمَّا الْجَوْهَرُ، فَالْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْقَابِلُ لِلْمُتَضَادَّاتِ. وَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: رُوحَانِيٌّ وَجِسْمَانِيٌّ. فالرُّوحَانِيُّ: كَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ. والجِسْمَانِيُّ مثل: الْجِسْمِ الطَّوِيلِ الْعَرِيضِ الْعَمِيقِ، والمُتَضَادَّاتُ الَّتِي يَقْبَلُهَا: الْأَعْرَاضُ، وَهِيَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: رُوحَانِيّةٌ وَجِسْمَانِيّةٌ. فَالرُّوحَانِيةُ، كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَسَائِرِ أَعْرَاضِ النَّفس. والجِسْمَانِيةُ، كَالسَّوَادِ، والبَيَاضِ، والثَّخَنِ، والرِّقَّةِ، وَالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَسَائِرِ أَعْرَاضِ الْجِسْمِ. وَأَمَّا الْكَمِّيةُ، فَهِيَ مَا يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِكَمْ؟ مِنَ الْمَقَادِيرِ وَالْأَعْدَادِ. وَالْكَيْفِيَّةُ مَا يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِكَيْفَ؟ مِنَ الْحَالَاتِ وَالْهَيْئَاتِ، فَيُقَالُ: كَمْ هَذَا؟ وكَيْفَ هَذَا؟ وإنما تَقَدَّمَتِ الكَمِّيَّاتُ الْكَيْفِيَّات لأَنَّهَا حَامِلَةٌ لَهَا، وَضُرُوبُهُمَا كثِيرَةٌ، وشَرْحُهُمَا فِي "كُتُبِ الْمَنْطِقِ". ط: "وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقٍ الزَّجَّاجُ يَقُولُ: الكَمِّيَّةُ، بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهُوَ خَطَأٌ، والقِياسُ تَخْفِيفُهَا" (٢). وَرَاعَهُ (٣): أَفْزَعَهُ، طَالَعَهَا (٤): قَرَأَهَا وَأَشْرَفَ عَلَى مَعَانِيَها. ومعنى لَمْ يَحْلُ (٥): لَمْ يَظْفَرْ، والطَّائِلُ (٦): الْمَنْفَعَةُ، وحَقِيقَةُ الطَّائِلِ أَنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ وَشَرَفٌ عَلَى غَيْرِهِ يُتَنَافَسُ فِيهِ مِنْ أَجْلِهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ طَائِلٌ

стр. 172

وَذُو طَوْلٍ. قَالَ الطِّرِمَّاحُ (١): (طويل) لَقَدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أَنَّنِي … بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ امْرِئٍ غَيْرِ طَائِلٍ (٢) قَوْلُهُ: "إِنَّمَا هُوَ الْجَوْهَرْ" (٣). ط: "إِنَّمَا" عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَهَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْقِيرُ الشَّيْءِ وَتَقْلِيلُهُ، كَرَجُلٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّهُ يَهَبُ الْهِبَاتِ فَتَقُولُ: إِنَّمَا وَهَبْتَ دِرْهَمًا، تُحَقِّرُ مَا صَنَعَ. والثاني: الاقْتِصارُ عَلَى الشَّيْءِ، كرجل سَمِعْتَهُ يَقُولُ: زَيْدٌ شُجَاعٌ وَكَرِيمٌ وَعَالِمٌ، فَتَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ شُجَاعٌ، أَيْ لَيْسَ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ غَيْرُ الشَّجَاعَةِ. وَالَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَالتَّقْلِيلِ" (٤). وقوله: "مَعَ هَذَيَانِ كَثِيرٍ" (٥): ط: "هَذَا طَرِيفٌ جِدًّا، لا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ (٦) مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ أَنَّ الْجَوْهَرَ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَالْعَرَضَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ". وَكَذَلِكَ رَأْسُ الْخَطِّ النُّقْطَةُ، وَالنُّقْطَةُ لَا تَنْقَسِمُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَصِيرٍ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، لِأَنَّهُ عَابَهُمْ بِمَا هُوَ صَحِيحٌ. وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا لَيْسَ بِحَقٍّ.

стр. 173

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُ كَانَ مُتَّهَمًا بِمَذَاهِبِهِمْ فَأَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ بِثَلْبِهِمْ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ" (١). ع: وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا أَلَّفَ كِتَابَ "الْمَعَارِفِ" أُنْكِرَ عَلَيْهِ فِيهِ أَشْيَاءٌ نَسَبَهَا إِلَى الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَبُدِّعَ بِذَلِكَ. فَقَالَ هَذَا الْكَلَامَ يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ مَا رُمِيَ بِهِ. وأراد بالجَوْهَرِ هُنَا: الْجِسْمَ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ، القَابِلَ لِهَذِهِ الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ في الأَلْوَانِ والقِيَامِ والقُعُودِ في الحَرَكَاتِ، والحَرَارَةِ وَالبُرُودَةِ فِي الْمَلْمُوسَاتِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَعَاقِبَةٌ عَلَيْهِ بِالْاسْتِحَالَةِ مِن غَيْرِ أن يَفْسُدَ وَيَبْطُلَ؛ لأن الجوهرَ لَا ضِدَّ لَهُ، إِنَّما التَّضَادُّ فِي الْأَعْرَاضِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِبَةِ فِيهِ. فَالْعَشْرُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَ فِيهَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ إِلَّا الْجَوْهَرُ وَحْدَهُ، وسائِرُهَا التِّسْعُ مَحْمُولَاتٌ فِيهِ وَأَعْرَاضٌ لَهُ، كَالْكَميَّةِ فِي مَقَادِيرِهِ، مثل: الطولِ، والعَرْضِ، والعُمْقِ، وَكَالْكَيْفِيَّةِ في هَيْأَتِهِ: كالبَياضِ، والسَّوَادِ، وَكَالْإِضَافَةِ فِي النِّسْبَةِ بين شَيْئَيْنِ: كَالْأَبِ وَالابْنِ، وَكَالْمَتَى فِي الزَّمَانِ، وَكَالْأَيْنَ فِي المَكَانِ، وكالوَضْعِ فِي هَيْأَةِ تَمَكُّنِهِ فِي مَكَانِهِ، كالقَائِمِ والنَّائِمِ، وكَجِدَتِهِ وَمَلَكَتِهِ، كَذِي مَالٍ وذِي فِعْلٍ، وكالفَاعِلِ: كَضَارِبٍ، وَكَالْمَفْعُولِ: كَمَضْرُوبٍ. وقوله: "وَرَأْسُ الْخَطِّ النُّقْطَةُ، وَالنُّقْطَةُ لَا تَنْقَسِمُ" (٢): ط: "النُّقْطَةُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ نِهَايَةِ الْخَطِّ، وَمُنْقَطَعِهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَنْقَسِمَ لِأَنَّ الْانْقِسَامَ إِنَّمَا لِمَا لَهُ أَبْعَادٌ. والنُّقْطَةُ عَارِيَةٌ عَنِ الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ. وَمَنْزِلَةُ النُّقْطَةِ فِي صِنَاعَةِ الْهَنْدَسَةِ مَنْزِلَةُ الْوَحْدَةِ فِي صِنَاعَةِ الْعَدَدِ، فَكَمَا أَنَّ الْوَحْدَةَ لَيْسَتْ عَدَدًا، إِنَّمَا هِيَ مَبْدَأٌ لِلْعَدَدِ، كَذَلِكَ النُّقْطَةُ لَيْسَتْ بُعْدًا وَلَا عُظْمًا، إِنَّمَا هِيَ مَبْدَأٌ لِلْأَبْعَادِ وَالْأَعْظَامِ وَعِلَّةٌ لِوُجُودِهَا، وَهَذِهِ النُّقْطَةُ تَفْرِضُ

стр. 174

بِالْوَهْمِ أَنَّهَا أَوَّلُ مَرَاتِبِ وُجُودِ الْأَعْظَامِ ثُمَّ لَحِقَهَا بُعْدٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الطُّولُ. فَصَارَتْ خَطًّا ثُمَّ لَحِقَ الحَادِثُ مِنْهُمَا بُعْدٌ آخَرُ، وَهُوَ الْعَرْضُ، فَصَارَ سَطْحًا، وثُمَّ لَحِقَ ذَلِكَ بُعْدٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْعُمْقُ أَوِ السُّمْكُ، فَصَارَ جِسْمًا، فَصَارَتِ النُّقْطَةُ بِهَذَا الْاعْتِبَارِ مَبْدَأَ الْخَطِّ، وَالْخَطُّ مَبْدَأَ السَّطحِ، والسَّطْحُ مَبْدَأُ الْجِسْمِ، ثُمَّ يَكُونُ الانْحِلَالُ بِعَكْسِ مَا كَانَ عَلَيْهِ التَّرْكِيبُ لأَنَّ الْجِسْمَ يَنْحَلُّ إِلَى السَّطْحِ، وَيَنْحَلُّ السَّطْحُ إِلَى الْخَطِّ، وَيَنْحَلُّ الْخَطُّ إِلَى النُّقْطَةِ. وَمِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْجِسْمَ يَنْحَلَّ إِلَى أَجْزَاءٍ لَا تَتَجَزَّأُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ يَطُولُ" (١). ز: "قَالَ أُقْلِيدَسُ: "النُّقْطَةُ شَيْءٌ لَا جُزْءَ لَهُ، وَالْخَطُّ طُولٌ لَا عَرْضَ لَهُ، وَنِهَايَةُ الْخَطِّ نُقْطَتانِ، وَالْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْمَوْضُوعُ عَلَى مُقَابَلَةِ النُّقَطِ". لَيْسَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: النُّقْطَةُ شَيْءٌ لَا جُزْءَ لَهُ النُّقْطَةَ الَّتِي يَنْقُطُهَا الْكَاتِبُ لِأَنَّ تِلْكَ شَكْلٌ بَسِيطٌ، وإنما تَأْوِيلُهُ أَنَّ كُلَّ مُتَرَكِّبٍ إِذَا حُلَّ، فَإِنَّمَا يَنْحَلُّ إِلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِمَّا ترَكَّبَ مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ المؤَلَّفَ مِنْ أَشْيَاءٍ إِنَّمَا يَنْحَلُّ إِلَى مَا أُلِّفَ مِنْهُ. فَأَتَمُّ الأَشْكَالِ: الْمُجَسَّمُ، وَهُوَ الطَّوِيلُ، العَرِيضُ، العَمِيقُ، ذُو الْجِهَاتِ السِّتِّ، فَإِذَا حُلَّ بِأَنْ يُرْفَعَ مِنْهُ الْعُمْقُ بَقِي الطُّولُ والْعَرْضُ، وَذَلِكَ هُوَ الشَّكْلُ الْبَسِيطُ، ثُمَّ يَنْحَلُّ هَذَا الْبَسِيطُ إِلَى الْخُطُوطِ بِأَنْ يُقَدَّرَ رَفْعُ الْعَرْضِ مِنْهُ فَيَبْقَى الطَّوْلُ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْخَطُّ، وَإِنَّمَا هُوَ خَطٌّ وَهْمِيٌّ لَا مَا يُصوِّرُهُ الْكَاتِبُ، ثُمَّ يَنْحَلُّ الْخَطُّ إِلَى نُقْطَةٍ هِيَ نِهَايَةُ مَا يَتَنَاهَى إِلَيْهِ. وَلَيْسَ دُونَهَا مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا فَتَنْحَلُّ إِلَيْهِ" (٢). وقَوْلُهُ: "وَالْكَلَامُ أَرْبَعَةٌ: أَمْرٌ وَاسْتِخْبَارٌ وَخَبَرٌ وَرَغْبَةٌ" (٣): ط: "لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي أُصُولِ الْكَلَامِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: اسْمٌ، وَفِعْلٌ، وَحَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنَى. وَيُسَمَّى الْفِعْلُ كَلِمَةً،

стр. 175

وَيُسمَّى الْحَرْفُ أَدَاةً وَرَابِطًا. فَأَمَّا الْمَعَانِي التِي تَتَرَكَّبُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهَا كَمْ هِيَ؟ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ، فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِحَصْرِهَا، وَهُوَ رَأْيُ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا. وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْكَلَامَ قِسْمَانِ: خَبَرٌ، وَغَيْرُ خَبَرٍ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ إِلَى تَقْسِيمٍ آخَرَ. وزعَمَ آخَرُونَ أَنَّهَا عَشَرَةٌ: نِدَاءٌ، وَمَسْأَلَةٌ، وَأَمْرٌ، وَتَشَفُّعٌ، وَتَعَجُّبٌ، وَقَسَمٌ، وَشَرْطٌ، وَوَضْعٌ، وَشَكٌّ، وَاسْتِفْهَامٌ. وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهَا تِسْعَةٌ، وَأَسْقَطُوا الاسْتِفْهَامَ، وَجَعَلُوهُ دَاخِلًا فِي الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا ثَمَانِيَةٌ، وَأَسْقَطُوا التَّشَفُّعَ وَأَدْخَلُوهُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَالاسْتِفْهَامِ. وَقَالَ قَوْمٌ: سَبْعَةٌ، وَأَسْقَطُوا الشَّكَّ لأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْخَبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا سِتَّةٌ، وَأَسْقَطُوا الشَّرْطَ لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ مِنَ الْخَبَرِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ يَرَى أَنَّهَا سِتَّةٌ: خَبَرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَأَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَنِدَاءٌ، وَتَمَنٍّ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَمْسَةٌ: خَبَرٌ، وَأَمْرٌ، وَتَضَرُّعٌ، وَطَلِبَةٌ، وَنِدَاءٌ. وَقَالَ جُمْلَةٌ مِنْ حُذَّاقِ النَّحْوِيِّينَ وَمِنْهُمْ قُطْرُبُ (١)، هِيَ أَرْبَعَةٌ: خَبَرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَطَلَبٌ، وَنِدَاءٌ، فَجَعَلُوا الْأمْرَ وَالنَّهْيَ دَاخِلَيْنِ تَحْتَ الطَّلَبِ، وَالتَّمَنِّي دَاخِلًا تَحْتَ الْخَبَرِ. وَقالَ آخَرُونَ: الَّذِي حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَخَبَرٌ، وَجَعَلُوا الرَّغْبَةَ دَاخِلَةً فِي

стр. 176

الأَمْرِ، وَالْكَلَامُ عَلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا" (١). د: الْأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَالْأَخْلَصُ: الْوَجْهُ الآخَرُ الْمُقَسَّمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ مِنَ الْأَمْرِ، إِذِ الْأَمْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: لِمَنْ دُونَكَ أَمْرٌ، وَلِمَنْ فَوْقَكَ رَغْبَةٌ، وَلِمَنْ هُوَ مِثْلُكَ عَرْضٌ. وَكَأَنَّهُ يَعُمُّ أُصُولَ الْكَلَامِ الثَّلَاثَةِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ بِالْفِعْلِ، وَالاسْتِخْبَارَ وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ بِالْحَرْفِ، وَالْخَبَرَ بِالْفِعْلِ والْاسْمِ. ع: الذي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَنْطِقِ وَالْمُحَقِّقُونَ لِتَفْصِيلِ الْكَلَامِ أَنَّ أَصْنَافَ الْكَلَامِ خَمْسَةٌ: أَمْرٌ، وَهُوَ لِمَنْ دُونَكَ. وَتَضَرُّعٌ، وَهُوَ لِمَنْ فَوْقَكَ. وَطَلَبَةٌ، وَهُوَ لِمَنْ يُسَاوِيكَ. وَنِدَاءٌ، وَخَبَرٌ، وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْكَلَامِ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ وَرَاجِعَةٌ إِلَى معَانِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي نَصْرٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الاسْتِحْبَارَ بَدَلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَحْتَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لأَنَّهُ يَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِهَا، يَأْتِي عَلَى جِهَةِ الْأَمْرِ، وَالتَّضَرُّعِ وَالطَّلَبَةِ. وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي عَلَى مَعْنَى الطَّلَبِ وَالتَّضَرُّعِ، لِشَرَفِ الْمُعَلِّمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ. وَأَمَّا النَّهْيُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ السَّلْبِ كَمَا يَدْخُلُ عَلَى الْإِيْجَابِ الْخَبَرِيِّ، فَيَصِيرُ سَلْبًا. وَكَذَلِكَ الطَّلِبَةُ والتَّضَرُّعُ، وَجَمِيعُ مَا يَأْتِي فِي الْكَلَامِ مِنَ الْمَعَانِي فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى هَذِهِ، فَلْيَكُنْ الْاعْتِمَادُ فِي انْقِسَامِهِ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ. قوله: "وَالآنَ: حَدُّ الزَّمَانَيْنِ" (٢): ز: "أَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي هَذَا أَنَّ "الآنَ" آخِرُ الزَّمَانِ المَاضِي، وَأَوَّلُ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ" (٣).

стр. 177

ط: "يَعْنُونَ بِحَدِّ الزَّمَانَيْنِ: الْحَاضِرَ؛ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي صِناعَةِ الْكَلَامِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَالْحَقِيقَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ فِعْلٌ وَلَا حَرَكَةٌ عَلَى التَّمَامِ لِأَنَّهُ يَنْقَضِي أَوَّلًا فَأَوَّلًا وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ شَبَّهُوهُ بِالْمَاءِ السَّيَّالِ الذِي يَذْهَبُ جُزْءًا بَعْدَ جُزْءٍ. فَإِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْجِيمِ مِنْ "جَعْفَرٍ" لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَجِيءَ الزَّمَانُ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْفَاءُ وَالرَّاءُ، بَلْ يَذْهَبُ كُلُّ زَمَانٍ مِنْهَا وَيَعْقُبُهُ الْآخَرُ، فَلَا يَرِدُ الثَّانِي إِلَّا وَالْأَوَّلُ قَدْ صَارَ مَاضِيًا. وَلِهَذَا جَعَلُوهُ فِي صِنَاعَةِ الْهَنْدَسَةِ، التِي لَا بُعْدَ لَهَا، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ وُجُودَهُ وَقَالُوا: إِنَّمَا الْمَوْجُودُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَلَا وُجُودَ لَهُ، وَهَذَا غَلَطٌ لأَنَّ قِصَرَ مُدَّتِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَلَوْ لَمْ يُوْجَدْ زَمَانٌ حَاضِرٌ لَمَا كَانَ شَيْءٌ مَوْجُودًا؛ لأنَّ وُجُودَ الأَشْيَاءِ مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ الزَّمَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْأَجْرَامِ فِي غَيْرِ زَمَانٍ" (١). وَأَمَّا الْمَجَازُ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْجُمْهُورُ فِي صِنَاعَةِ النَّحْوِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ "الآنِ" الَّذِي هُوَ كَالنُّقْطَةِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ "آنًا"، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: "هُوَ خَارِجٌ الآنَ"، وَالَّذِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْأَفْعَالُ وَالْحَرَكَاتُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ. وَأَمَّا اشْتِقَاقُ الْآنِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ آنَ الشَّيْءُ، يَئِنُ، إِذَا حَانَ، فَالْأَلِفُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَادٍ كَأَلِفِ بَابٍ وَدَارٍ عِنْدَنَا، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ ذَوَاتِ اليَاءِ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَالثَّانِي: أَن أَصْلَهُ: أَوَانٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْهُ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: بَلْ قُلِبَتِ الْوَاوُ

стр. 178

أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَاجْتَمَعَتْ أَلِفَانِ سَاكِنَانِ، فَحُذِفَتِ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَكَانَتْ أَوْلَى بِالْحَذْفِ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ. وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِبِنَائِهِ فَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيهَا، فَقَالَ سِيبَوَيْهُ وَأَصْحَابُهُ: "إِنَّمَا بُنِي "الْآنُ" وَفِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لأَنَّهُ ضَارَعَ الْمُبْهَمَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبِيلَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ أَنْ تَدْخُلَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ، كَقَوْلِكَ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ"، أَوْ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ كَقَوْلِكَ: "قَدْ كَثُرَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ"، لَسْتَ تَقْصِدُ إِلَى دِينَارٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا إِلَى دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا تُريدُ الْجِنْسَ كُلَّهُ. أَوْ لِتَعْرِيفِ الأَسْمَاءِ التِي غَلَبَتْ عَلَى شَيْءٍ فَعُرِّفَ بِهَا، كَالْحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ، وَالدَّبَرَانِ، وَالسِّمَاكِ، والنَّجْمِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى "الآنِ" عَلَى غَيْرِ هَذِهِ السَّبِيلِ، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَعْنَى الْإِشَارَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْحَاضِرِ. كَقَوْلِكَ: هَذَا الْوَقْتُ، وَجَبَ بِنَاؤُهُ لِمُضَارَعَتِهِ اسْمَ الْإِشَارَةِ الْمَبْنِىِّ" (١). وَقَالَ الْمُبَرَّدُ: إِنَّمَا بُنِيَ لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ مَعْرِفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. وَسَبِيلُ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً أَوَّلًا ثُمَّ يُعَرَّفَ بِهِمَا، فَلَمَّا خَرَجَ عَنْ نَظَائِرِهِ بُنِيَ" (٢). وَكَانَ الْفَارِسِيُّ (٣) يَقُولُ: إِنَّهُ مَعْرِفةٌ بِلَامٍ مُقَدَّرَةٍ فِيهِ غَيْرُ اللَّامِ الظَّاهِرَةِ، وَأَنَّهُ بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اللَّامِ كَمَا بُنِيَ "أَمْسُ" (٤). وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَزْعَمُ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ فِعْلُ مَاضٍ، مِنْ قَوْلِكَ "آنَ" الشَّيْءُ،

стр. 179

يَئِنُ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللَّامُ، وَتُرِكَ مَحْكِيًّا عَلَى فَتْحِهِ (١)، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قِيلَ وَقالَ (٢) (٣) عَلَى الْحِكَايَةِ، كَمَا يُقَالُ: قَدْ أَعْيَانِي مِنْ شَبَّ إِلَى دَبَّ، أَيْ مُذْ شَبَّ إِلَى أَنْ دَبَّ (٤). فَأُدْخِلَ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَى الْفِعْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ وَحَكَاهُمَا. وَقَرَأْتُ فِي بَعْضِ مَا يُحْكَى عَنِ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ: الآنُ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ بِالرَّفْعِ، وَاعْتَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي أَوْجَبَتْ بِنَاءَهُ أَنَّهَا عَرَضَتْ لَهُ وَهُوَ مُشَارٌ بِهِ إِلَى الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، فَإِذَا قَالَ: وَالآنَ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ، فَلَيْسَ يُشِيرُ بِهِ إِلَى زَمَانٍ، إِنَّمَا يُخْبِرُ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُعْرَبَ، إِذْ فَارَقَ حَالَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا البِنَاءَ. وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُتْرَكَ مَفْتُوحًا كَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، كَمَا تَقُولُ: مِنْ: حَرْفٌ يَخْفِضُ، وَقَامَ: فِعْلُ مَاضٍ، فَتَتْرُكُهُمَا مَبْنِيَيْنِ عَلَى حَالِهِمَا وَإِنْ كَانَا قَدْ فَارَقَا بَابَ الْحُرُوفِ وَالْأَفْعَالِ، وَخَرَجَا إِلَى بَابِ الْأَسْمَاءِ. وَكَذَلِكَ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (٥) إِلَى أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقَطَّعَ، ولَكِنَّهُ لَمَّا جَرَى مَنْصُوبًا فِي الكَلَامِ تَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٦). وقوله: "وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ عَلَى تِسْعَةِ آلافٍ وَكَذَا وَكَذَا مِائَةٍ مِنَ الْوُجُوهِ" (٧): ز: "هَكَذَا الرِّوَايَةُ عَنِ الصَّائِغِ عَنْهُ فِيمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ

стр. 180

جَمِيعُ مَنْ نَقَلَهُ بِتَكْرِيرِ كَذَا، وَخَفْضِ مِائَةٍ، وَهُوَ خَطَأٌ" (١). ع: وقع في كتاب ابْنِ قُتَيْبَةَ: "وكَذَا كَذَا" بِغَيْرِ وَاوٍ وَلَيْسَ فِي مِائَةٍ ضَبْطٌ. ط: "الخَطَأُ في هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَفَضَ مِائَةً وَحُكْمُهَا أَنْ تُنْصَبَ لأَنَّ أَسْمَاءَ الْإِشَارَةِ الْمُبْهَمَةِ لَا تُضَافُ لِأَنَّهَا مَعَارِفُ بِالْإِشَارَةِ. وَلِأَنَّ كَذَا وَكَذَا كِنَايَةٌ يَقَعُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ إِلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، وَالمُمَيَّزُ بَعْدَ هَذِهِ الْأَعْدَادِ مَنْصُوبٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى تِسْعَةِ آلَافٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ مِائَةً. وَهَذَا يَصِيرُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا وَمِائَةً بِعِبَارَةٍ فَاسِدَةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَسَبَ إِلَى الْقَوْمِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ مِنْهُمْ. وَالَّذِي دَعَا ابْنَ قُتَيْبَةَ إِلَى الْغَلَطِ فِي خَفْضِ مِائَةٍ أَنَّهُ رَأَى النَّحْوِيِّينَ قَدْ قَالُوا: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: لَهُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا دِرْهَما بِالْعَطْفِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ إِلَى تِسْعَةَ عَشَرَ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ خَاصَّةً: إِذا قَالَ: لَهُ عِنْدِي كَذَا أَثْوَابٍ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْجَمْعِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ، وَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي كَذَا دِرْهَمٍ، بِالْإِفْرَادِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْمُفْرَدِ مِنْ مِائَةٍ إِلَى تِسْعِ مِائَةٍ. وَلَا يُجِيزُ الْبَصْرِيُّونَ الْخَفْضَ، فَلَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا أَجَازُوا فِيهِ الْخَفْضَ وَلَا بَيْنَ مَا لَمْ يُجِيزُوهُ، لأَنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا فِي صِنَاعَةِ العَرَبِيَّةِ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ أَشْيَاءٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ يَقَعُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ" (٢).
следующие страницы →