← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

إِنِّي إِذَا خَفِيَ الرِّجَالُ وَجَدْتَنِي … كَالشَّمْسِ لَا تَخْفَى بِكُلِّ مَكَانٍ (١) وَذِرْوَةُ كُلِّ شَيْءٍ: أَعْلَاهُ. وَقَالَ ابن قُتيبةَ: مَعْنَاهُ: فِي ذِرْوَةٍ (٢)، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، لأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ آوِيًا إِلَى ذِرْوَةٍ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ (٣) فَلَيْسَ فِيهِ عَلَى هَذَا حُجَّةٌ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَلَسْتُ إِلَى القَوْمِ إِنَّمَا تَأْوِيلُهُ: جَلَسْتُ مُنْضَمًّا إِلَى القَوْمِ وَآوِيًا إليْهِمْ" (٤). "وَزَادَ أَبُو زَيْدٍ بَعْدَ بَيْتِ القُحَيْفِ (٥): (وافر) وَلَا تَنْبُو سُيُوفُ بَنِي قُشَيْرٍ … وَلَا تَمْضِي الأَسِنَّةُ فِي صَفَاهَا (٦) " (٧) وَقَوْلُهُ: "رَمَيْتُ عَلَى القَوْسِ، أَيْ: عَنْهَا" (٨) الْكَلَامَ. إِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "عَلَى" هَا هُنَا، لأَنَّهُ إِذَا رَمَى عَنْهَا وَضَعَ السَّهْمَ عَلَيْهَا لِلرَّمْيِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ ذِي الإِصْبَعِ (٩): (منسرح) لَمْ تَعْقِلَا جَفْرَةً عَلَيَّ (١٠)

стр. 1402

إِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "عَلَى" هَا هُنَا لأَنَّهَا إِذَا عَقَلَاهَا عَنْهُ اعْتَدَّى بِهَا عَلَيْهِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَعْقِلَا جَفْرَةً تَعْتَدَّانِ بِهَا عَلَيَّ. وَقَدْ يُقَالُ: ضَرَبْتُ عَلَى يَدَيْكَ، أيْ: بِسَبَبِكَ وَمِنْ أَجْلِكَ" (١). وَزَادَ يَعْقُوبُ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ (٢) وفِي كِتَابِ "القَلْبِ وَالإِبْدَالِ": وَهْيَ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ وَالإِصْبَعُ (٣) وَهْيَ إِذَا أَنْبَضَتْ فِيهَا تَسْجَعُ تَرَنُّمَ النَّحْلِ أَبَى لَا يَهْجَعُ "الفَرْعُ": القَوْسُ تُتَّخَذُ مِنْ عُودٍ كَامِلٍ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْ طَرَفِ القَضِيبِ. وَإِذَا قُطِعَ عُودُهَا زِيدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الأذْرُعِ المُتَعَارِفَةِ إِصْبَعٌ، احْتِيَاطًا لاخْتِلَافِ أَذْرُعِ النَّاسِ فِي الطُّولِ وَالقِصَرِ. فَصَارَ الإِصْبَعُ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ، فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الأَلِفَ وَاللَّامَ اللَّتَيْنِ لِلْعَهْدِ. وَ "الإِنْبَاضُ": جَذْبُ الوَتَرِ عِنْدَ الرَّمْيِ. وَشَبَّهَ صَوْتَهَا بِتَرَنُّمِ النَّحْلِ، وَذَلِكَ لِكَرَمِ عُودِهَا وَعِتْقِهِ. وَ "أَجْمَعَ": يَرْتَفِعُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الْمُتَوَهَّمِ فِي فَرْعٍ، لأَنَّ فَرْعًا وَإِنْ لَم يَكُنْ جَارِيًا عَلَى فِعْلٍ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى: الْجَارِي. كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِقَاعٍ عَرْفَجٍ كُلُّهُ. وَإِمَّا تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُتَوَهَّمِ فِي فَرْعٍ، لأَنَّ فَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا عَلَى

стр. 1403

فِعْلٍ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى: الْجَارِي. كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِقَاعٍ عَرْفَجٍ كُلُّهُ. وَإِمَّا تَأْكِيدًا لـ "هِيَ" كَأَنَّهُ قَالَ: وَهِيَ أَجْمَعُ فَرْعٌ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: جَمْعَاءُ، وَلَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى مَعْنَى العُودِ. وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، لأَنَّ فَرْعًا نَكِرَةً وَالنَّكِرَةُ لَا تُؤَكَّدُ. وَحَكَى الكُوفِيُونَ تَأْكِيدَهَا فِي الشِّعْرِ. "وَأَنْشَدَ: تَحْمِلُنِي التَّلْفَاءُ حَوْلًا أَكْتَعَا (١) فَفِيهِ شُذُوذَانِ: أحَدُهُمَا: تَأْكِيدُ النَّكِرَةِ. وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالُ أَكْتَعَ غَيْرَ تَابِعٍ لأَجْمَعَ" (٢). "وَقَبْلَ بَيْتِ ذِي الإِصْبَعِ: (منسرح) إِنَّكُمَا صَاحِبَيْ لَنْ تَدَعَا … لَوْمِي وَمَهُمَا أَضِعَ فَلَنْ تَسَعَا (٣) إِنَّكُمَا مِنْ سَفَاءِ رَأْيِكُمَا … لَنْ تُحْسِنَا بي الشَّكَاةَ وَالقَدَعا يعنِّفُ صَاحِبَيْهِ عَلَى لَوْمِهِمَا إِيَّاهُ فَيَقُولُ: لَمْ أجْنِ جِنَايَةً تَعْقِلَانِ فِيهَا عَنِّي جَفْرَةً، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَلَمْ أُودِ صَدِيقًا مِنْ أَصْدِقَائِي، وَلَمْ أَتَدَنَّسُ بِدَنَسٍ فَأَسْتَحِقَّ اللَّوْمَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ: وَ "الجَفْرَةُ" لا تُعْقَلُ، وَإِنَّمَا ضَرَبَهُ مَثَلًا، أَيْ: لَمْ تَعْقِلَا عَنِّي قَدْرَ جَفْرَةٍ (٤). وَ "القَذَعُ": الْكَلَامُ القَبِيحُ. و "الطَّبَعُ": الدَّنَسُ. وَأَصْلُهُ فِي

стр. 1404

السيفِ ثُمَّ اسْتَعِيرَ فِي غَيْرِهِ" (١). د: بَعْدَهُ: (منسرح) إِلَّا بَأَنْ تَكْذِبَا عَلَيَّ وَلَا … أَمْلِكُ أَنْ تَكْذِبَا وَأَنْ تَلَعَا (٢) "تَلَعَا": تَكْذِبَا. وَقَوْلُهُ: إِذَا مَا امْرُؤٌ وَلَّى (٣) (البيت). ط: "هُوَ دَوْسَرُ بنُ غَسَّانَ اليَرْبُوعِيُّ. وَبَعْدَهُ: (طويل) وَلَمْ أَتَعَذَّرْ مِنْ خِلَالٍ تَسُوؤُهُ … كَمَا كَانَ يَأْتِي مِثْلَهُنَّ عَلَى عَمْدِ (٤) فَإِنْ تَكُ أَثْوَابِي تَمَزَّقْنَ لِلْبِلَى … فَإِنِّي كَنَصْلِ السَّيْفِ فِي خَلَقِ الغِمْدِ وَيُرْوَى: لَمْ يُدْبِرُ بِإِدْبَارِهِ" (٥). وَقَوْلُهُ: "حَدَّثَنِي فُلَانٌ مِنْ فُلانٍ" (٦) الكَلامَ. "إِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "مِنْ" هَا هُنَا مَكَانَ "عَنْ" لأَنَّهُ إِذَا حَدَّثَهُ عَنْهُ فَقَدْ أَتَاهُ بِالْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَهِيَ عَنْهُ فَقَدْ لَهِيَ مِنْ أَجْلِهِ وَبِسَبَبِهِ. "مِنَ" الأُولَى. هِيَ الَّتِي يُرَادُ بِهَا ابْتِدَاءُ الغَايَةِ. وَكَذَلِكَ "مِن" الثَّانِيَةِ: وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا الَّتِي بِمَعْنَى "مِنْ أَجْلِ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (٧) " (٨).

стр. 1405

"وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "البَاءِ" مَكَانَ "عَنْ" بَعْدَ السُّؤَالِ (١)، لأنَّ السُّؤال عَنِ الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ عِنَايَةٍ وَاهْتِبَالٍ بِأَمْرِهِ. فَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ بِمَعْنَى العِنَايَةِ وَالاهْتِبَالِ عُدِّيَ بِمَا يُعَدَّيَانِ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٢) فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَاسْأَلْ عَنْهُ العُلَمَاءَ ذَوِي [الخِبْرَةِ] (٣) مِنْ خَلْقِهِ، فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ: فَاسْأَلْ بِسُؤَالِكَ إِيَّاهُ خَبِيرًا، أَيْ: إِذَا سَأَلْتَهُ فَقَدْ سَأَلْتُ خَبِيرًا عَالِمًا، كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُ بِزَيْدٍ الأَسَدَ، أَيْ: لَقِيتُ الأَسَدَ بِلِقَائِي إِيَّاهُ. فَالْمَسْؤُولُ فِي هَذَا الوَجْهِ هُوَ الله ، وَالْبَاءُ عَلَى وَجْهِهَا. وَالْمَسْؤُولُ فِي الْوَجْهِ الأَوَّلِ غَيْرُ اللهِ تَعَالَى وَالبَاءُ بِمَعْنَى "عَنْ". وَالْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدِي أَجْوَدُ، وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ غَيْرُ بَعِيدٍ" (٤). "وَبَيْتُ ابْنِ أَحَمَرَ وَقَعَ فِي شِعْرِهِ: (وافر) وَرُبَّتَ سَائِلٍ عَنِّي حَفِيٍّ (٥) وَهُوَ الصَّحِيحُ، لأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ مَذْكُورٌ يَعُودُ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ مِنْ

стр. 1406

قَوْلِهِ: تُسَائِلُ (١). وَلَعَلَّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابن قُتَيبةَ (٢) رِوَايَةٌ. وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ: (وافر) فَإِن يَفْرَحُ بِمَا لَاقَيْتُ قَوْمِي … لِئَامُهُمْ فَلَمْ أُكْثِرُ حِوَارَا (٣) وَ "الْحِوَارُ": مَصْدَرُ حَاوَرْتُهُ فِي الأَمْرِ، إِذَا رَاجَعَتْهُ فِيهِ. يَقُولُ: لَمْ أَكْثِرُ مُرَاجَعَةَ مَنْ سُرَّ بِذَلِكَ مِنْ قَوْمِي، وَلَا عَنَّفْتُهُ فِي سُرُورِهِ بِمَا أَصَابَنِي. وَكَانَ رَمَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَخْشِيٌ بِسَهْمٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: (بسيط) شَلَّتْ أَنَامِلُ مَخْشِيٍّ فَلَا جَبَرَتْ … وَلَا اسْتَعَانَ بِضَاحِي كَفِّهِ أَبَدًا (٤) أَهْوَى لَهَا مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَهَا … وَكُنْتُ أَدْعُو قِذَاهَا الإِثْمِدَ القَرِدًا أَعْشُو بِعَيْنٍ وَأُخْرَى قَدْ أَضَرَّ بِهَا … رَيْبَ الزَّمَانِ فَأَمْسَى ضَوْؤُهَا خَمَدَا وَقَوْلُهُ: أم لَمْ تَعَارَا (٥). (البيت). كَانَ قِيَاسُهُ أَنْ يَقُول: أم لَمْ تَعَرْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَا النُّونَ الخَفِيفَةَ كَمَا قَالَ الآخَرُ: يَحْسِبُهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَمَا … شَيْخًا عَلَى كُرَسِيِّهِ مُعَمَّمَا (٦) " (٧)

стр. 1407

"وَبَيْتُ الأَخْطَلِ (١) يَمْدَحُ بِهِ مَصْقَلَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ (٢)، أَحَدَ بَنِي ثَعْلَبَةَ بن شَيْبَانَ (٣). وَ "المُغَمَّرُ" هَا هُنَا: الرَّجُلُ الَّذِي تَغْمُرُهُ الرِّجَالُ وَتَفْضُلُهُ. وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَمَرَهُ المَاءُ: إِذَا عَلَاهُ فَلَمْ يَظْهَرُ. فَشَبَّهِ الَّذِي لَا صِيتَ لَهُ فِي النَّاسِ بِالشَّيْءِ المَوَارَى تَحْتَ المَاءِ. وَيُقَالُ فِي هَذَا المَعْنَى: رَجُلٌ مَغْمُورٌ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابن قُتَيْبَةَ بِقَوْلِهِ: فَالْعُلَمَاءُ مَغْمُورُونَ (٤). يَقُولُ: لَا تَسْأَلْ عَنْ مَصْرَعِ مَنْ هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ فَقْدَهُ لَا يَغُمُّ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ مَصْقَلَةَ البُكْرِيِّ الَّذِي يُوجِعُ مُصَابُهُ وَيُسْتَمْطَرُ إِيَابُهُ. وَبَعْدَ هَذَا البَيْتِ: (بسيط) جَزْلُ العَطَاءِ وَأَقْوَامٌ إِذَا سُئِلُوا … يُعْطُونَ نَزْرًا كَمَا تَسْتَوْكِفُ الوَشَلَا (٥) وَفَارِسٌ غَيْرُ وَقَّافٍ بِرَابِيَةٍ … يَوْمَ الكَرِيهَةِ حَتَّى يَخْضِبَ الأَسَلا "النَّزْرُ": الْقَلِيلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَ "الوَشْلُ": القَلِيلُ مِنَ الْمَاءِ خَاصَّةً. وَتَسْتَوْكِفُ: تَسْتَقْطِرُ قَطْرَةً بَعْدَ قَطْرَةٍ. وَقَوْلُهُ: مَا فَعَلَا. (البيت). فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

стр. 1408

* يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" (١) بمَعنى "الَّذِي" * وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مع الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وَهِيَ فِي كِلَا هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بَدَلٌ مِنْ مَصْقَلَةَ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْبَاءُ العَامِلَةُ في مَصْقَلَةَ. * وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَهَا اسْتِفْهَامًا، فَتَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهَا، وَيَكُونُ فِي هَذَا الْوَجْهِ قَدْ عَلَّقَ البَاءَ عَنِ العَمَلِ فِي "مَا"، لأَنَّ الاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ [فِي مَا] (٢) قَبْلَهُ. وَأَجْرَى السُّؤَالَ مُجْرَى القَوْلِ لأَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ" (٣). "وَالْبَيْتُ بَعْدَهُ (٤): لِمَالِكِ بْنِ [خُزَيْم] (٥) الهَمْدَانِيِّ (٦)، وَكَانَ أَبُو العَبَّاسِ المُبَرَّدُ يَقُولُ: "خُرَيْمٌ بِخَاءِ مُعْجَمَةٍ عَلَى لَفَظِ التَّصْغِيرِ وَكَانَ يُنْسَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى التَّصْحِيفِ" (٧). قَالَ السِّيرَافِيُّ: "وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ السَّرَّاج (٨) أَنَّهُ وُجِدَ بِخَطِّ اليَزِيدِيِّ (٩)

стр. 1409

فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا" (١). وَحَكَى أَبُو جَعْفَرَ بنُ النَّحَّاسِ (٢) قَالَ: "قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ الله نَفْطَوَيْه: هُوَ مَالِكُ بنُ خُزَيْمٍ بِالزَّايِ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ عَلَى لَفْظِ التَّصْغِيرِ كَذَا وَجَدْتُهُ مَضْبُوطًا عَنْهُ" (٣). وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ "أَدَبِ الكُتَّابِ": "وَلَا تَسْأَلِ الضَّيْفَ" بِنَصْبِ الضِّيْفِ وَبِالخِطَابِ عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ. وَالصَّحِيحُ: "وَلَا يَسْأَلُ الضَّيْفُ" بِالرَّفْعِ عَلَى وَجْهِ الإِخْبَارِ عَنْهُ، وَبِهِ يَصِحُّ المَعْنَى لأَنَّ بَعْدَهُ: (طويل) فَإِنْ يَكُ غَثًا أَوْ سَمِينًا فَإِنَّنِي … سَأَجْعَلُ عَيْنَيْهِ لِنَفْسِهِ مَقْنَعَا (٤) يَقُولُ: لَيْسَ يَحْتَاجُ ضَيْفِي إِذَا رَدَّ عَنِّي وَفَارَقَنِي أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا كُنْتُ أَطْبُخُهُ فِي قِدْرِي، لأَنَّ مَا فِيهَا مِنْ غَثٍّ أَوْ سَمِينٍ أُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْعَلُ عَيْنَيْهِ مَقْنَعًا لِنَفْسِهِ، أَيْ: أَقُولُ لَهُ: تَخَيَّرُ مَا تُحِبُّ وَاتْرُكُ مَا لَا تُحِبُّ. وَمَعْنَى "زَحَرَتْ": غَلَتْ. وَذَكَرَ الشَّتْوَةَ لأَنَّهَا وَقْتَ الضِّيقِ وَالجَهْدِ. وَيُرْوَى: "لَهُ" وَ "بِهِ". وَالْعَامِلُ فِي "إِذَا" جَوَابُهَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وَأَغْنَى عَنْهُ قَوْلُهُ: "وَلَا يَسْأَلُ". وَالْعَامِلُ فِي "حِينَ" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "زَخَرَتْ"، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "تَسْأَلُ"، وَهُوَ أَجْوَدُ" (٥).

стр. 1410

د: وَقَعَ فِي "كِتَابِ أَبِي عَلِيٍّ": (طويل) وَلَا يَسْأَلُ الضَّيْفُ الغَرِيبُ إِذَا شَتَا وَمَا فِي الْمَتْنِ فِي "كِتَاب ص" (١). قَوْلُهُ: "رَمَيْتُ عَنِ القَوْسِ بِمَعْنَى بِالْقَوْسِ" (٢) الْكَلَامِ. ط: قَدْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى رَمَيْتُ عَلَى القَوْسِ: رَمَيْتُ عَنْهَا. وَأَنَّ "عَلَى" بِمَعْنَى "عَنْ"، ثُمَّ ذَكَرَ هَا هُنَا أَنَّ "عَنْ" بِمَعْنَى "البَاءِ" فَحَصَلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ "عَلَى" بَدَلٌ مِنْ "عَنْ" وَ "عَنْ" بَدَلٌ مِنْ "البَاءِ"، فَهِيَ إِذَا بَدَلٌ عَنْ بَدَلٍ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لأَنَّ "عَنْ" فِي قَوْلِهِمْ: رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ مِنْ شَيْءٍ، لأَنَّ مَعْنَى "عَنْ" التَّجَاوُزُ، كَقَوْلِكَ: خَرَجْنَا عَنِ البَلَدِ. وَهَذَا المَعْنَى مَوْجُودُ فِي الرَّمْي، لأَنَّ السَّهْمَ يَتَجَاوَزُ القَوْسَ وَيَصِيرُ عَنْهَا، فَهِيَ عَلَى بَابِهَا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ، لَيْسَتِ البَاءُ فِيهِ بَدَلًا مِنَ حَرْفٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: رَمَيْتُ بِالحَجَرِ زَيْدًا. وَالْمَعْنَى: رَمَيْتُ السَّهْمَ بِالْقَوْسِ كَمَا تَقُولُ: دَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي بِالسَّيْفِ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِينَ اسْتِعْمَالَ الْبَاءِ هَا هُنَا. وَقَالَ: لَا يَجُوزُ رَمَيْتُ بِالْقَوْسِ إِلَّا أَنْ تُلْقِيهَا عَلَى يَدِكَ. وَإِنَّمَا الصَّوَابُ: رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ (٣). قَالَ طُفَيْلُ: (طويل) رَمَتْ عَنْ قِسِيِّ المَاسِخِيِّ رِجَالُنَا … بِأَجْوَدَ مَا يُبْتَاعُ مِنْ نَبْلِ يَثْرِبِ (٤) وَإِنَّمَا أَنْكَرَ هَذَا الْمُنْكِرُ ذَلِكَ، لأَنَّهُ تَوَهَّمَ قَوْلَهُمْ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: رَمَيْتُ بِالشَّيْءِ: إِذَا أَلْقَيْتَهُ عَنْ يَدِكَ. وَلَيْسَ المَعْنَى عَلَى مَا ظَنَّ، إِنَّمَا المَعْنَى: رَمَيْتُ السَّهْمِ بِالْقَوْسِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

стр. 1411

وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي بَيْتِ (١) امْرِيء الْقَيْسِ أَنَّهُ أَرَادَ بِـ "أَسِيل" كَمَا تَقُولُ: صَدَّ بِوَجْهِهِ عَنِّي، وَإِذَا جَعَلْتَ "عَنْ" مُتَعَلَّقَةٌ بِـ "تُبْدِي" لَمْ يَلْزَمُ مَا قَالَ، لأَنَّهُ يُقَالُ: أَبْدَيْتُ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا أَظْهَرْتَهُ. قَالَ عَبْدُ بَنِي الحَسْحَاسِ (٢) يَصِفُ ثَوْرًا: (طويل) يَهِيلُ وَيُبْدِي عَنْ عُرُوقٍ كَأَنَّهَا … أَعِنَّهُ حَرَّازٍ جَدِيدًا وَبَالِيَا (٣) وَالْوَجْهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَنْ تُعْمِلَ الفِعْلَ الثَّانِي، وَتَجْعَلَ "عَنْ" مُتَعَلِّقَةً به عَلَى وَجْهِهَا، لأَنَّهُ لَوْ أَعْمَلَ الفِعْلَ الأَوَّلَ لَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: تَصُدُّ وَتُبْدِي عَنْهُ بِأسِيلٍ، لأنَّ الفِعْلَ الأَوَّلَ إِذَا أُعْمِلَ فَحُكْمُ الفِعْلِ الثَّانِي أَنْ يُضْمَر فِيهِ. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (٤)، أي: بِالهَوَى (٥)، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ. وَ "عَنْ" فِي الْآيَةِ عَلَى بَابِهَا، غَيْرَ بَدَلٍ مِنْ شَيْءٍ. وَالْمُرَادُ أَنَّ نُطْقَهُ لَا يَصْدُرُ عَنْ هَوًى مِنْهُ، إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ وَحْيٍ" (٦). "وَتَمَامُ بَيْتِ امْرِيءِ الْقَيْسِ: (طويل) بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ وَ "النَّاظِرَةُ" فِيهَا قَوْلَانِ: قِيلَ أَرَادَ الْعَيْنَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بَقَرَةً نَاظِرَةً. وَ "وَجْرَةُ": فَلَاةٌ تَألَفُهَا الوَحْشُ. وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لأَنَّهَا قَلِيلَةُ الْمَاءِ، فَوَحْشُهَا تَجْتَزِئُ بِالنَّبَاتِ الأَخْضَرِ عَنْ شُرْبِ المَاءِ فَتَضْمُرُ بُطُونُهَا وَيَشْتَدُّ عَدْوْهَا. و "مُطْفِلٌ: ذَاتُ طِفْلٍ وَخَصَّهَا لأَنَّهَا تَحْنُو عَلَى وَلَدِهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ القُنَّاصَ

стр. 1412

وَالسِّبَاعَ، فَتُكْثِرُ التَلَفُّتُ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ أَصَحُّ وَأَحْسَنُ فِي تَشْبِيهِ الْمَرْأَةِ بِهَا فِي الْمَنْظَرِ، لأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا حَذِرَةٌ مِنَ الرُّقَبَاءِ، فَهِيَ مُتَشَوِّفَةٌ كَتَشَوُّفِ هَذِهِ البَقَرَةِ. وَمَنْ جَعَلَ النَّاظِرَةَ البَقَرَةَ، كَانَ مُطْفِلٌ صِفَةً لَهَا. وَالتَّقْدِيرُ؛ وَتَتَّقِي بِعَيْنِ بَقَرَةٍ نَاظِرَةٍ مُطْفِلٍ، ثُمَّ حَذَفَ المُضَافَ. فَهُوَ إِذَنْ مِنْ إِبْدَالِ الشَّيْء مِنَ الشَّيْء، وَهُمَا لِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ النَّحْويينَ وَأَحْسِبُهُ ابن كَيْسَانَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ: وَتَتَّقِي بِنَاظِرَةِ مُطْفِلِ، فَلَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ المُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ رَدَّ التَّنْوِينَ الَّذِي كَانَ سَقَطَ للإِضَافَةِ. وَعَلى هَذَا كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَ الآخَرِ: (خفيف) رَحِمَ اللهُ أَعْظُمًا دَفَنُوهَا … بِسَجِسْتَانَ طَلْحَةِ الطَّلْحَاتِ (١) وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى مِثْلِهِ، لأَنَّ العَرَبَ إِذَا حَالَتْ بَيْنَ المُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ لَمْ تُنَوِّنُهُ. وَذَلِكَ أَكْثَرُ فِي الشَّعْرِ مِنْ أَنْ يُحْصَى كَقَوْلِهِ: (بسيط) كَأَنَّ أَصْوَاتَ مِنْ إِيغَالِهِنَّ بِنَا … أَوَاخِرَ المَيْسِ أَصْوَاتُ الفَرَارِيجِ (٢) وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الشَّيْءُ عَلَى الشُّذُوذِ إِذَا وُجِدَ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: مِنَ وَحْشِ وَجْرَةَ. (البيت). "مِنْ" فِيهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، لأَنَّهَا فِي مَوْضِع خَفْضٍ عَلَى الصِّفَةِ لِنَاظِرَةٍ،

стр. 1413

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّاظِرَةَ "البَقَرَةُ"، فَتَقْدِيرُهُ: بِعَيْنِ بَقَرَةٍ نَاظِرَةٍ كَائِنَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ، فَفِيهِ مَجَازَانِ: حَذْفُ مَوْصُوفٍ وَحَذْفُ مُضَافٍ" (١). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٢) مَعْنَاهُ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ (٣). هَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَلْزَمُ. وَ "فِي" هَا هُنَا عَلَى بَابِهَا المُتَعَارَفِ فِي اللُّغَةِ، لأنَّ الأَيْدِيَ هَاهُنَا لَا تَخُلُو مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهَا الأَيْدِيَ الَّتِي هِيَ: الجَوَارِجُ، أَوْ الأَيْدِيَ الَّتِي هِيَ: النِّعَمُ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الجَوَارِحُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ عَضُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ الغَيظِ عَلَى الرُّسُلِ. فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٤). وَلَا يَعَضُّونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ إِلَّا بِأَنْ يُدْخِلُوهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ: (طويل) يَرُدُّونَ فِي فِيهِ عَشْرَ الحَسُّودِ (٥) وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بالأَيْدِي: النِّعَمَ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ رَدُّوا كَلَامَ الرُّسُلِ، وَإِنْذَارَهُمْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ، وَسَمَّى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ إِنْذَارِهِمْ نِعَمًا، لأَنَّ مَنْ خَوَّفَكَ مِنْ عَاقِبَةِ مَا تَصِيرُ إِلَيْهِ، وَأَمَرَكَ بِمَا فِيهِ نَجَاتُكَ، فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: رَدَدْتُ كَلَامَهُ فِي فِيهِ: إِذَا لَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُ. فَالأَيْدِي وَالأَفْوَاهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِلرُّسُلِ. وَهِيَ فِي القَوْلِ الأَوَّلِ لِلْكُفَّارِ" (٦). "وَبَيْتُ (٧) زَيْدِ الخَيْلِ بن مُهَلْهِلٍ الطَّائِيِّ مِنْ شِعْرٍ خَاطَبَ بِهِ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ. وَسُمِّيَ زَيْدَ الخَيْلِ لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ خَيْلٌ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا: الهَطَّالُ والكُمَيْتُ،

стр. 1414

وَالْوَرْدُ، وَالْكَامِلُ، وَذَؤُولٌ، وَلَاحِقٌ (١). وَقَبْلَهُ: (طويل) نُخَضِّضُ جَبَّارًا عَلَيَّ وَرَهْطَهُ … وَمَا صِرْمَتِي مِنْهُمْ لأَوَّلِ مَنْ سَعَى (٢) تَرَعَّى بِأَذْنَابِ الشِّعَابِ وَدُونَهَا … رِجَالٌ يَصُدُّونَ الظُّلُومَ عَنِ الهَوَى وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: "وَتَرْكَبُ فِيهَا" تَعُودُ عَلَى الصِّرْمَةِ. وَقَوْلُهُ: "بَصِيرُونَ"، أَيْ: حَاذِقُونَ" (٣). "وَلَا أَعْلَمُ قَائِلَ الْبَيْتِ الْمُسْتَشْهَدِ بهِ بَعْدَهُ (٤)، وَأَحْسِبُهُ يَصِفُ سُفُنًا. وَ "الخَضْخَضَةَ": التَّحْرِيكُ. وَ "الغِمَارُ": جَمْعُ غَمْرَةٍ، وَهِيَ مُعْظَمُ الْمَاءِ" (٥). "وَالرَّجَزُ (٦) الَّذِي أَنْشَدَهُ ابن قُتيبةَ بَعْدَهُ هُوَ لِبَعْضِ شُعَرَاءِ طَيِّءٍ، وَبَعْدَهُ: سَمَا لَهَا أَنْفٌ عَزِيزٌ وَذَنَبْ (٧) وَحَاجِبٌ مَا إِنْ يُوَارِيهِ العُطُبْ مِنَ السَّحَابِ تَرْتَدِي وَتَنْتَقِبْ يَعْنِي بـ "الأُمِّ سَلْم" (٨): أَحَدَ جَبَلَيْ طَيِّءٍ، جَعَلَهُ أَمَّا لَهُمْ، لأَنَّهُ يَضُمُّهُمْ كَمَا تَضُمُّ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا. قَالَ الله : ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ (٩). وَ "يُوَارِيهِ": يَسْتُرُهُ. وَ "العُطْبُ": القُطنُ" (١٠).

стр. 1415

وَيُقَالُ: لُذْتُ بِالشَّيْء: إِذَا لَجَأْتُ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "فِي" هَا هُنَا لأَنَّ الْمُرَادَ بِالأُمِّ سَلْمَى، وَإِذَا لَاذُوا بِالجَبَلِ فَقَدْ صَارُوا فِيهِ. "وَصَدْرُ بَيْتِ الأَعْشَى: (كامل) رَبِّي كَرِيمٌ لَا يُكَدِّرُ نِعْمَةً (١) عَنَى بِهِ كِسْرَى. وَكَانَ الْحَارِثُ بنُ وَعْلَةَ (٢) أَغَارَ عَلَى بَعْضِ سَوَادِ كِسْرَى، فَأَخَذَ كِسْرَى قَيْسُ بْنَ مَسْعُودٍ (٣) وَمَنْ وَجَدَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فَحَبَسَهُمْ، فَلِذَلِكَ قَالَ الأَعْشَى هَذَا يَسْتَعْطِفُهُ بِهِ وَيَسْأَلُهُ إِتْمَامَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَلَّا يُكَدِّرَهَا بإساءَةِ مَنْ أَسَاءَ مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ: إِذَا تُنُوشِدَ. (البيت). يذكِّرُهُ بِمُعَاهَدَتِهِ الَّتِي كَانَ عَاهَدَهُمْ، وَذِمَّتِهِ الَّتِي أَعْطَاهُمْ، فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِمَا فِي كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ الْتَزَمَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ دِينِهِ، وَقَبْلَهُ: (كامل) قَالَتْ قُتَيْلَةُ: مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًا … وَأَرَى ثِيَابَكَ بِالِيَاتٍ هُمَّدَا (٤) أَأَذْلَلْتَ نَفْسَكَ بَعْدَ تَكَرُمَةٍ … أم كُنْتَ ذَا عَوَرٍ وَمُنْتَظِرًا غَدًا أم غَابَ رَبُّكَ فَاعْتَرَتْكَ خَصَاصَةٌ … فَلَعَلَّ رَبَّكَ أَنْ يَعُودَ مُؤَيَّدًا وَيُقَالُ: نَشَدْتُكَ بِاللهِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَإِنَّمَا صَلُحَ ذِكْرُ "فِي" هَا هُنَا، لأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِالمَهَارِقِ (٥) فَإِنَّمَا يَحْلِفُ بِمَا فِيهَا مِنْ كَلَامِ الله تَعَالَى. وَمَعْنَى

стр. 1416

"تُتُوشِدَ": تُسُوئِلَ" (١). "وَبَيْتُ الرَّاعِي (٢) وَصَفَ فِيهِ نَاقَةً فَقَالَ: رَعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ أَشْهُرَ الرَّبِيعِ، وَخَلَا لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ مُنَازِعٌ فَسَمِنَتْ. وَ "النَّيُّ": الشَّحْمُ. وَمَعْنى "طَارَ": أَسْرَعَ ظُهُورُهُ. وَقَالَ ابن قُتَيْبَةَ فِي "الْمَعَانِي": "اسْتَغَارَ، وَغَارَ وَاحِدٌ" (٣) كَأَنَّهُ قَالَ: ظَهَرَ النِّيُّ فِيهَا وَانْتَشَرَ. وَرَوَاهُ البَاهِلِيُّ: "فَسَارَ" بِالسِّينِ. وَقَالَ: "مَعْنَى سَارَ: ارْتَفَعَ. وَ "اسْتَغَارَ": انْهَبَطَ، مِنْ قَوْلِكَ: غَارَ يَغُورُ" (٤). وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابن أَحْمَرَ: تَعَالَى النَّدَى فِي مَتْنِهِ وَتَحَدَّرَا (٥) " (٦) وَقَوْلُهُ: فَخَرَّ صَرِيعًا (٧). (البيت).

стр. 1417

"يُرْوَى لِلْمُكَعْبِرِ الأَسَدِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِلْمُكَعْبِرِ الضَّبِّي (١)، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِشُرَيْحٍ بن أَوْفَى العَبْسِيِّ (٢)، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِعِصَامِ بن المُقَشْعِرِ العَبْسِيِّ (٣). وَذَكَرَ ابْنُ شَبَّةَ (٤) أَنَّهُ لِلأَشْعَثِ بن قَيْسٍ الكِنْدِيِّ (٥). وَصَدْرُهُ: (طويل) تَنَاوَلْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيَابَهُ (٦) وَهَذَا الشِّعْرُ قِيلَ فِي مُحَمَّدِ بن طَلْحَةَ (٧) وَقُتِلَ يَوْمَ صِفِّينَ (٨). وَكَانَ عَلِيٌّ ﵀ قَالَ لأَصْحَابِهِ: اجْعَلُوا شِعَارَكُمْ: "حَم لَا يُنْصَرُونَ". وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَّةَ، وَكَانَ إِذَا حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَقُولُ

стр. 1418

لَهُ: مُحَمَّدٌ أَسْأَلُكَ بِحَامِيم، فَيَكُفُّ عَنْهُ إِلَى أَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ بنُ قَيْسٍ فَقَالَ لَهُ: مُحَمَّدٌ أَسْأَلُكَ بِحَامِيمَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ وَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. وَقَالَ: (طويل) وَأَشْعَتَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ … قلِيلِ الأَذَى فِي مَا تَرَى العَيْنُ مُسْلِمٍ (١) تَنَاولْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيَابَهُ … فَخَرَّ صَرِيعًا لِليَدَيْنِ وَلِلْفَمِ يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلا حَامِيمَ قَبْلَ التَقَدُّمَ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا … عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَع الحَقَّ يَظْلِمِ" (٢) وَقَوْلُهُ: كَأَنَّ مُخَوَّلَهَا (٣) (البَيْتَ). "هُوَ لِلطِّرْمَّاح بن حَكِيمٍ (٤). وَبَعْدَهُ: (طويل) وَقَعْنَ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ وَفَرْدَةً … يُبَادِرْنَ تَغْلِيسًا سِمَالَ المَدَاهِنِ (٥) "المُخَوَّى": مَصْدَرُ خَوَّى البَعِيرُ تَخْوِيَةً. وَ "مُخَوَّى": إِذَا تَجَافَى لِلْبُرُوكِ. و "الثَّفِنَاتُ": مَا أَصَابَ الأَرْضَ مِنَ البَعِيرِ إِذَا بَرَكَ. وَ "المُعَرَّسُ": مَوْضِعُ التَّعْرِيسِ وَهُوَ: النُّزُولُ فِي السَّحَرِ. وَ "الجَنَاجِنُ": جَمْعُ جِنْجِنِ، وَهِيَ عِظَامُ الصَّدْرِ.

стр. 1419

وَصَفَ نَاقَةً بَرَكَتْ فَشَبَّهَ آثَارَ ثَفِنَاتِهَا فَي الْأَرْضِ، وَهِيَ قَوَائِمُهَا الْأَرْبَعُ وَصَدْرُهَا، بِآثَارِ خَمْسٍ مِنَ القَطَا وَقَعَتْ عَلَى جَنَاحِنِهَا فَأَثَّرَتْ فِي الْأَرْضِ. وَأَرَادَ بِـ "الاثْنَتَيْنِ" و "الاثْنَتَيْنِ": مَوَاقِعُ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا. وَبِـ "الفَرْدَةِ": مَوْضِعَ صَدْرِهَا. وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: مُعَرَّسَ خَمْسٍ مِنَ القَطَا، فَلَمْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ ذُو الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ: (طويل) مُنَاخَ قَرُونِ الرُّكْبَتَيْنِ كَأَنَّهُ … مُعَرَّسُ خَمْسٍ مِنْ قَطًا مُتَجَاوِرِ (١) وَقَعْنَ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ وَفَرْدَةً … حَرِيدًا هِيَ الْوُسْطَى بِصَحْرَاءِ جَابِرِ وَقَوْلُهُ: وَفَرْدَةً (البيت). يَعْنِي: الكِرْكِرَةَ، وَهِيَ الوُسْطَى. وَ "السِّمَالُ": بَقَايَا المِيَّاهِ، وَاحِدَتُهَا سَمَلَةٌ. وَ "جَابِرٌ": مَوْضِعٌ (٢). و "التَّغْلِيسُ": البُكُورُ وَ "المَدَاهِنُ": نُقَرٌ فِي الصَّخْرِ تَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَاحِدُهَا مُدْهَنٌ" (٣). وَقَوْلُهُ: وَقَعَتْ لِلْجَنَاجِنِ (البيت). "إِنَّمَا جَرَتِ العَادَةُ بِأَنْ يُقَالَ: سَقَطَ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَى حَلَاوَةِ قَفَاهُ، وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّامِ هَا هُنَا لأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَقَدْ حَصَلَ التَقَدُّمُ لِذَلِكَ العُضْوِ عَلَى كُلِّ مَا تَبِعَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الأَعْضَاءِ. فَإِذَا قَالَ: سَقَطَ لِفِيهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: سَقَط مُقَدِّمًا لِفِيهِ" (٤). "وَصَدْرُ بَيْتِ ابن أَحْمَرَ: (طويل) تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالكُورِ فَوْقَهَا (٥) وَصَفَ نَاقَتَهُ بِأَنَّهُ يُتْعِبُهَا فِي السَّفَرِ حَتَّى إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ

стр. 1420

هَذِهِ المَقَالَةَ. وَالتَّقْدِيرُ: يُسْقَى ابْنُ أَحْمَرَ فَلَا يُرْوَى مِنِّي، فَقَدَّمَ وَأَخَرَ، وَضَرَبَ السَّقْيَ وَالرِّيَّ مَثَلًا لِمَا يَنَالُهُ فِيهَا مِنَ المَآرِبِ وَيُدْرِكُهُ بِالسَّفَرِ عَلَيْهَا مِنَ المَطَالِبِ وَقَبْلَهُ: (طويل) فَزِعْتُ إِلَى القَصْوَاءِ وَهْيَ مُعَدَّةٌ … لأَمْثَالِهَا مِنِّي إِذَا كُنْتُ أَوْجَرَا (١) كَثَوْرِ العَذَابِ الفَرْدِ يَضْرِبُهُ النَّدَى … تَعَالَى النَّدَى فِي مَتْنِهِ وَتَحَدَّرَا" (٢) وَاسْتَعْمَلَ "إِلَى" مَوْضِعَ "مِنْ" وَجَازَ اسْتِعْمَالُهَا هَا هُنَا، لأنَّ الرَّيَّ مِنَ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ظَمَإٍ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الظَّمَأُ هُوَ السَّبَبُ الدَّاعِي إِلَى الرِّيِّ، اسْتَعْمَلَ الحَرْفَ الَّذِي يَتَعَدَّى بِهِ ضِدُّهُ، كَاسْتِعْمَالِهِمْ "عَلَى" الَّتِي تُعَدِّي السَّخَطَ مَكَانَ "عَنْ" الَّتِي يَتَعَدَّى بِهَا الرِّضَى فِي قَوْلِهِ: (وافر) إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ (٣) وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: يُسَقَّى ابن أَحْمَرَ فَلَا يُرْوَى ظَمَأُهُ إِلَيَّ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الظَّمَإِ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى مَفْهُومًا، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَسْتَوْحِشَ مِنْ تَرْكِهِ ذِكْرَ الْفَاعِلِ، لأنَّهُ قَدْ أَقَامَ الضَّمِيرَ الَّذِي كَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ مُقَامَ الفَاعِلِ، فَصَارَ مُسْتَتِرًا فِي الْفِعْلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَا يُرْوَى هُوَ. وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُمْ: هَذَا "جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيرَهُ. خَرِبٍ جُحْرُهُ، فَحَذَفَ الجُحْرَ الَّذِي كَانَ فَاعِلًا وَأَقَامَ الضَّمِيرَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، فَصَارَ مُسْتَمِرًّا فِي خَرِبٍ. وَقَدْ وَجَدْنَاهُمْ يَحْذِفُونَ الفَاعِلَ دُونَ أَنْ يُقِيمُوا شَيْئًا مُقَامَهُ اتِّكَالًا عَلَى فَهْمِ السَّامِع، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٤) وَكَقَوْلِ عَنْتَرَةَ: (وافر) وَأُدْفِئُهُ إِذَا هَبَّتْ شَمَالًا … بَلِيلًا حَرْجَفًا بَعْدَ البَلِيلِ (٥)

стр. 1421

وَأَنْشَدَ أَبُو عَلِيٍّ فِي "نَوَادِرِهِ": (طويل) سَقَى دِمْنَتَيْنِ لَيْسَ لِي بِهِمَا عَهْدُ … بِحَيْثُ الْتَقَى الدَّارَاتُ وَالجَرَعُ الكُبْدُ (١) وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الأَخْفَشُ: إِذَا قُلْتَ: عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبٍ زَيْدًا، فَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، لِعِلْم السَّامِع، وَلَيْسَ بِمُضْمَرِ فِي الضَّرْبِ، لأَنَّ المَصَادِرَ أَجْنَاسٌ، وَالأَجْنَاسُ لَا يُضْمَرُ فِيهَا" (٢). "وَقَبْلَ بَيْتِ أَبِي كَبِيرٍ الهُذِلِيِّ (٣) وَهُوَ أَوَّلُ القَصِيدَةِ: (كامل) أَزْهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِنْ مَعْدِلِ … أم لَا سَبِيلَ إِلَى الشَّبَابِ الأَوَّلِ (٤) "زُهَيْرَ" تَرْخِيمُ زُهَيْرَةَ، وَهِيَ ابْنَتُهُ. [يَقُولُ: هَلْ عَنْ شَيْبَةَ مِنْ مَصْرِفٍ أم لَا سَبِيلَ إِلَى شَبَابِي الَّذِي مَضَى؟] (٥). وَ "الرَّحِيقُ": الخَمْرُ. وَ "السَّلْسَلُ": السَّهْلُ فِي الحَلْقِ. يُقَالُ: مَاءٌ سَلْسَلٌ وَسَلْسَالٌ، وَسُلَاسِلٌ وَسَلْسَبِيلٌ إِذَا كَانَ عَذْبًا" (٦). "وَأَجْرَى "إِلَى" مُجْرَى "عِنْدَ" لِتَقَارُبِ مَعْنَاهُمَا، فَلِذَلِكَ سَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَسَدَّ الأُخْرَى. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذْ قَالَ: هُوَ أَشْهَى عِنْدِي مِنَ العَسَلِ، فَمَعْنَاهِ: أَنَّهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهُ. وَ "إِلَى" فِي هَذَا الْمَوْضِع أَشَدُّ تَمَكُّنًا مِنْ "عِنْدَ" (٧). وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَقَدْ سَادَتْ إِلَيَّ الغَوَانِيَا (٨) (البيت).

стр. 1422

لأَنَّهَا إِذَا سَادَتْ عِنْدَهُ الغَوَانِي فَقَدْ صَارَتْ أَحَبَّهُنَّ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَكَانَ إِلَيْهَا كَالَّذِي (١) (البَيْتَ). فَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "إِلَى" هَا هُنَا، لأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهَا كَالَّذِي اصْطَادَ بِكْرَهَا فِي البُغْضِ كَانَ بَغِيضًا إِلَيْهَا مِثْلَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (طويل) وَذِكْرُكِ سَبَّاتٍ إِلَيَّ عَجِيبُ (٢) فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا تَأْوَّلْنَاهُ فِي الأَوَّلِ، لأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَجِيبًا عِنْدَهُ كَانَ حَبِيبًا إِلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "عَجِيبٌ" بِمَعْنَى، مُعْجِبٍ. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ؛ وَذِكْرُكِ مُعْجِبٌ لِي. فَتَكُونُ "إلى" فِي هَذَا الوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ اللَّام. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (طويل) لعَمْرُكَ إِنَّ المَسَّ مِنْ أُمِّ جَابِرٍ … إِلَيَّ ................... (٣)

стр. 1423

فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. لأَنَّ مَعْنَاهُ: لَبَغِيضٌ إِلَيَّ، فَـ "إِلَيَّ" فِيهِ عَلَى بَابِهَا" (١). "وَالثَّقَالُ فِي بَيْتِ الرَّاعِي (٢): الْمَرْأَةُ الثَّقِيلَةُ عَنْ الحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ، الْمُلَازِمَةُ لِمَكَانِهَا. وَمَعْنَى: "رَادَ النِّسَاءَ": أَكْثَرْنَ مِنَ الذَّهَابِ وَالْمَجِيء. يَقُولُ: إِذَا أَكْثَرَ النِّسَاءُ الجَوَلَانَ وَالطَّوَافَ لَزِمَتْ بَيْتَهَا لِخَفَرِهَا، وَلأَنَّ لَهَا مَنْ يَكْفِيهَا الأمُورَ وَيُغْنِيهَا عَنِ التَّصَرُّفِ. وَ "الصَّنَاعُ": الصَّانِعَةُ الحَاذِقَةُ بِالأَعْمَالِ. و "الغَوَانِي": النِّسَاءُ اللَّوَاتِي غَنِينَ بِجَمَالِهِنَّ عَنِ الزِّينَةِ، وَقِيلَ: هُنَّ اللَّوَاتِي غَنِينَ بِأزْوَاجِهِنَّ عَنْ غَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: هُنَّ اللوَاتِي لَمْ يَقَعُ عَلَيْهِنَّ سِبَاءُ" (٣). د: "الثِّقَالُ: مَا ثَقُلَ فِي مَجْلِسِهِ. وَ "الثَّقِيلُ": مَا ثَقُلَ حَمْلُهُ. وَ "خَرِيدَةٌ": حَيِيَّةٌ. وَقِيلَ: بِكْرٌ. وَالخَرِيدَةُ: الدُّرَّةُ الَّتِي لَمْ تُثْقَب" (٤). "وَقَبْلَ بَيْتِ (٥) النَّابِغَةِ الجَعْدِيَّ: (طويل) فَلَمَّا شَفَاهَا اليَأْسُ وَارْتَدَّ هَمُهَا … إِلَيْهَا وَلَمْ يَتْرُكُ لَهَا مُتَذَكَّرَا (٦) أُشِبَّ لَهَا فَرْدٌ خَلَا بَيْنَ عَاذِبٍ … وَبَيْنَ حِمَادِ الجِنِّ بِالصَّيْفِ أَشْهُرَا فَلَمَّا رَآهَا كَانَتِ الهَمَّ وَالمُنَى … وَلَمْ يَرَ فِيمَا دُونَهَا مُتَغَيَّرَا وَصَفَ بَقَرَةً أَكَلَ السَّبُعُ وَلَدَهَا، فَلَمَّا يَئِسَتْ مِنْهُ عَرَضَ لَهَا ثُوْرٌ فَرْدٌ لَيْسَ مَعَهُ أَزْوَاجٌ فَأَرادَهَا، فَفَرَّتْ عَنْهُ، لِمَا كَانَتْ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ عَلَى وَلَدِهَا، وَكَانَ عِنْدَهَا فِي كَرَاهَتِهَا إِيَّاهُ كَالَّذِي اصْطَادَ وَلَدَهَا، إِذْ كَانَتْ لَهُ أَشَدَّ بُغْضًا وَأَهْجَرَ.

стр. 1424

وَمَعْنَى "أُشِبَّ لَهَا": عَرَضَ لَهَا. يُقَالُ: أُشِبَّ لِي فُلَانٌ: إِذَا عَرَضَ لَكَ بِحَيْثُ تَرَاهُ مِنْ بُعْدٍ. وَ "مُتَغَيَّرٌ": بَقَاءٌ، أَيْ: حَرَصَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرَ بَقَاءً دُونَهَا. و "البِكْرُ": الوَلَدُ الأَوَّلُ" (١). "وَصَدْرَ بَيْتِ حُمَيْدٍ: (طويل) ذَكَرْتُكِ لَمَّا أَتْلَعَتْ مِنْ كِنَاسِهَا يَقُولُ لِمَحْبُوبَتِهِ: لَمَّا رَأَيْتُ الظَّبْيَةَ قَدْ مَدَّتْ عُنُقَهَا مِنْ كِنَاسِهَا وَنَصَبَتْهُ، ذَكَرْتُكِ لِشَبَههَا بِكِ. وَ "التَّلَعُ": إِشْرَافُ العُنْقِ وَانْتِصَابُهُ. وَ "السَّبَاتُ": الأَوْقَاتُ، وَاحِدَتُهَا سَبَّةٌ. وَ "عَجِيبٌ": مُعْجِبٌ لَذِيدٌ. يَقُولُ: ذِكرُكِ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ يُعْجِبُنِي وَيَلَذُّ لِي" (٢). "وَزَادَ ابن الأَعْرَابِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: (طويل) لعَمْرُكَ إِنَّ المَسَّ مِنْ أُم جَابِرٍ (٣) … .............................. إِذَا فَرَشَتْنَا ثَوْبَهَا فَكَأَنَّمَا … يُفَرِّقُ نَمْلٌ بَيْنَنَا وَبَعُوضُ (٤) [وَيُرْوَى: "فَكَأَنَّمَا عَلَى الثَّوْبِ .. نَمْلُ عَارِمٌ وَبَعُوضُ". وَيُرْوَى: "وَإِنْ لَمْ آتِهِ لَبَغِيضُ"] (٥). وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ هُنَا: النِّكَاحُ. وَصَفَ امْرَأَةً يَكْرَهُ مَضَاجَعَتَهَا حَتَّى كَأَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا البَعُوضُ وَالنَّمْلُ" (٦). "وَبَيْتُ ذِي الإِصْبَعِ (٧) خَاطَبَ بِه ابنَ عَمٍّ لَهُ كَانَ يُنَافِسُهُ وَيُعَادِيهِ. وَالقَصِيدَةُ مَشْهُورَةٌ.

стр. 1425

وَقَوْلُهُ: لَاهٍ: أَرَادَ للهِ، فَحَذَفَ لَامَ الجَرِّ، وَاللَّامَ الأُولَى مِنَ الله. وَكَانَ أَبُو العَبَّاسِ المُبَرَّدُ يَرَى: "أَنَّهُ حَذَفَ اللَّامَيْنِ مِنَ اللهِ وَأَبْقَى لَامَ الجَرِّ وَفَتَحَهَا. وَحُجَّتُهُ أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ لَا يَجُوزُ". وَقَالَ الخَلِيلُ ﵀: "كَانَتِ العَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَقُولُ: "لَاهٍ أَنْتَ" بِمَعْنَى: للهِ أَنْتَ. وَكُرِهَ ذَلِكَ فِي الإِسْلَام لِكَثرَةِ الحَذْفِ" (١). و "الدَّيَّانَ": القَيِّمُ بالأَمْرِ الْمُجَازِي بِهِ. وَمَعْنَى "تَخْزُونِي": تَسُوسُنِي. يَقُولُ: للهِ ابْنُ عَمِّكَ الَّذِي سَاوَاكَ فِي الحَسَبِ وَمَاثَلَكَ فِي الشَّرَفِ، فَلَيْسَ لَكَ فَضْلٌ عَلَيْهِ فِي الأُبُوَّةِ فَتَفْتَخِرَ بِهِ، وَلَا أَنْتَ مَالِكُ أَمْرِهِ فَتَسُوسَهُ. وَيَعْنِي بِابْنِ العَمِّ الْمَذْكُورِ نَفْسَهُ؛ فَلِذَلِكَ رَدَّ الإِخْبَارَ بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّم، وَلَمْ يَخْرِجُهُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ لَئِلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ يَعْنِي غَيْرَ نَفْسِهِ. وَلَوْ جَاءَ بِالْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ الغَيْبَةِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ تَأْكِيدَ البَيَانِ، وَرَفْعَ الإِشْكَالِ. وَذَهَبَ يَعْقُوبُ - وَمِنْ "كِتَابِهِ" نَقَلَ ابْنُ قُتِيبةَ هَذِهِ الْأَبْوَابَ - إِلَى أَنَّ "عَنْ" هَا هُنَا بِمَعْنَى "عَلَى"، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: "أَفْضَلْتَ" مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفْضَلْتُ عَلَى الرَّجُل: إذَا أَوْلَيْتَهُ فَضْلًا. وَأَفْضَلْتُ هَذِهِ تَتَعَدَّى بـ "عَلَى"، لأَنَّهَا بِمَعْنَى الإِنْعَام. وَمَعْنَاهُ: إِنَّكَ لَمْ تُنْعِمَ عَلَيَّ بِأَنْ شَرَّفْتَنِي فَتَعْتَدَّ بِذَلِكَ. وَجَاءَ اسْتِعْمَالُ "عَنْ" هَا هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ لِـ "عَلَى"، لأَنَّهُ إِذَا فَضَلَ عَلَيْهِ فَقَدْ جَازَ الإِفْضَالَ عَنْهُ، وَاسْتَبَدَّ بِهِ دُونَهُ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَعْطَى وَأَفْضَلَ: إِذَا زَادَ عَلَى الوَاجِبِ.

стр. 1426

وَأَفْضَلَ هَذِهِ أَيْضًا تَتَعَدَّى بـ "عَلَى" يُقَالُ: أَفْضَلَ عَلَى كَذَا: أَيْ زَادَ عَلَيْهِ [فَضْلَةً] (١). وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفْضَلَ الرَّجُلُ: إِذَا صَارَ ذَا فَضْلٍ فِي نَفْسِهِ. فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَكَ فَضْلٌ تَنْفَرِدُ بِهِ عَنِّي وَتَحَوزُهُ دُونِي. فَتَكُونُ "عَنْ" هَاهُنَا عَلَى بَابِهَا غَيْرَ مُبْدَلَةٍ مِنْ "عَلَى". وَقَوْلُهُ: "لَا أَفْضَلْتَ" مَعْنَاهُ: لَمْ تُفْضِلْ، وَالعَرَبُ تَقْرُنُ "لَا" بِالفِعْلِ الْمَاضِي فَيَنُوبُ ذَلِكَ مَنَابَ "لَمْ" إِذَا قُرِنَتْ بِالفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ (٢). مَعْنَاهُ: لَمْ يُصَدِّقَ وَلَمْ يُصَلِّ، وَمِنْهُ قَوْلَ أَبِي خِرَاشِ: إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا … وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمّا (٣) أيْ: لَمْ يُلِمَّ بِذَنبٍ" (٤). "وَصَدَرُ بَيْتِ قَيْسٍ بن الخُطِيمِ: (طويل) لَوْ أَنَّكَ تَلْقِي حَنْظَلًا فَوْقَ بَيْضِنَا (٥)

стр. 1427

وَصَف تَضَايُقَهَمُ فِي الحَرْبِ وَشِدَّةِ تَلَاصُقِهِمْ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ حَتَّى لَوْ أُلْقِيَ الحَنْظَلُ عَلَى بَيْضَاتِهِمْ لَمَشى عَلَيْهَا وَتَدَحْرَجَ فَوْقَهَا وَلَمْ يَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ. وَكَانَ النَّاسَ يَعُدُّونَ هَذَا مِنَ الإِغْرَاقِ وَالْمُحَالِ. حَتَّى قَالَ ابْنَ الرُّومِيِّ: (طويل) فَلَوْ حَصَبَتْهُمْ بِالفَضَاءِ سَحَابَةٌ … لَظَلَّتْ عَلَى هَامَاتِهِمْ تَتَدَحْرَجُ (١) يَقُولُ: لَوْ نَزَلَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بَرْدٌ لَمْ يَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ فَكَانَ هَذَا أَشْنَعَ فِي الْمُحَالِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فَزَادَ فِي الإِغْرَاقِ وَالْمُحَالِ: (منسرح) يَمْنَعُهَا أَنْ يُصِيبَهَا مَطَرٌ … شِدَّهُ مَا قَدْ تَضَايَقَ الأَسَلُ (٢) وَمَعْنَى "تَدَحْرَجَ": اسْتَدَارَ. وَ "السَّامُ": عُرُوقُ الذَّهَبِ. وَيَعْنِي بـ "ذِي سَامِهِ": البَيْضَ الْمُذْهَبَ. وَفِي قَوْلِهِ: "عَنْ ذِي سَامِهِ" شُذُوذٌ وَاسْتِكْرَاهٌ، لأَنَّ الهَاءَ الَّتِي فِي "سَامِهِ" تَرْجِعُ إِلَى "البَيْضِ" و "ذو السَّام": هُوَ البَيْضُ نَفْسُهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي إِضَافَةَ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَفِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا ذُكِرَ ثُمَّ احْتِيجَ إِلَى إِعَادَةِ ذِكْرِهِ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ أَنْ يُضْمَرَ وَلَا يُظْهَرَ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ قامَ. وَيَقْبُحَ أَنْ تَقُولَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُضْمِرَ "البَيْضَ" لأنَّ ذِكْرَهَا قَدْ جَرَى. فَيَقُولُ: "تَدَحْرَجَ عَنْهُ" فَأَتَى بِهِ مُظْهَرًا بِغَيْرِ لَفْظِ الأَوَّلِ، فَصَارَ كَقَوْلِكَ: لَقِيتُ زَيْدًا فَضَرَبْتُ ذَا الفَرَسِ، وَأَنْتَ تُرِيدُ: فَضَرَبْتُهُ، ثُمَّ أَضَافَهُ إِلَى الهَاءِ فَصَارَ كَقَوْلِكَ: لَقِيتُ زَيْدًا فَضَرَبْتُ ذَا فَرَسِهِ. وَهَذَا شُذُوذٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي كَلَامِهِمْ فِيمَا عَلِمْنَاهُ، وَهُوَ أَقْبَحُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهِهِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ القُبْح. وَالْوَجْهُ لِمَنْ رَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنْ يَجْعَلَ الهَاءَ عَائِدَةً عَلَى الرِّجَالِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ: (طويل) رِجَالٌ مَتَى يَدْعُوا إِلَى المَوْتِ يُرْقِلُوا … إِلَيْهِ كَإِرْقَالِ الجِمَالِ المَصَاعِبِ (٣)

стр. 1428

فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَدَحْرَجَ عَنْ ذِي سَام الرِّجَالِ، وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ وَأَفْرَدَهُ عَلَى مَعْنَى الجَمْعِ. وَذُو سَامِ الرِّجَالِ: هُوَ البَيْضُ. فَأَدَّى ذَلِكَ مَا يُؤَدِّيهِ قَوْلُهُ: "عَنْ بَيْضِ الرِّجَالِ". وَلَوْ رُوِيَ: "عَنْ ذِي سَامِنَا" بِالنُّونِ، أَوَ "عَنْ بَيْضِنَا" لَكَانَ أجوَدَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَكْرَهًا. وَإِنَّمَا أَضَافَ السَّامَ إِلَى الرِّجَالِ وَإِلَى ضَمِيرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ السَّامُ إِنَّمَا هُوَ البَيْضُ، لأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَذْهَبُوهُ وَزَيَّنُوهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَنِ البَيْضِ الَّذِي أَذْهَبَهُ الرِّجَالَ أَوْ أَذْهَبْنَاهُ، وَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى الشَّيْءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُلَابَسَةِ وَالاتِّصَالِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ (١)، ولا مَقَامَ الله تَعَالَى وَلَا هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: مَقَامَهُ عِنْدَهُ. وَقَدْ رُوِيَ بَيْتُ زُهَيْرٍ: (بسيط) وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الوَدَاعِ فَأَمْسَى رَهْنُهَا غَلِقَا (٢) و"الرَّهْنُ" لَيْسَ لَهَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى رَهْنُكَ عِنْدَهَا" (٣). "وَجَازَ ذِكْرُ "عَنْ" هَا هُنَا لأَنَّهُ إِذَا قَالَ: "تَدَحْرَجَ عَلَيْهَا" فَالمَعْنَى: انْتَقَلَ عَنْ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ" (٤). وَقَوْلُهُ: لَقِحَتْ حَرْبُ وَائِلٍ (٥). (البيت). "هُوَ لِلْحَارِثِ بن عُبَادٍ (٦). وَصَدْرُهُ: (خفيف) قَرِّبَا مَرْبِطَ النَّعَامَةِ مِنِّي

стр. 1429

قَالَهُ فِي حَرْبٍ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ حِينَ قَتَلَ جَسَّاسٌ كُلَيْبًا، فَاعْتَزَلَ الحَارِثُ حَرْبَهُمْ وَقَالَ: "هَذَا أَمْرٌ لَا نَاقَةَ لِي فِيهِ وَلَا جَمَلَ" (١) فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى لَقِيَ مُهَلْهِلْ بُجَيْرًا ابنَ أَخِيهِ، وَزَعَمَ المُبَرَّدَ أَنَّهُ ابنُهُ (٢)، فَقَتَلَهُ. وَقَالَ: "بُؤ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ". فَأَخْبِرَ بِذَلِكَ الحَارِثُ فَقَالَ: نِعْمَ القَتِيلُ قَتِيلٌ أَصْلَحَ بَيْنَ ابْنَي وَائِلٍ (٣) فَحَقَنَ دِمَاءَهَا وَكَفَّ سَفَاءَهَا. وَ "السَّفَاءُ" مَمْدُودٌ: الطَّيْشُ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا قَتَلَهُ مُهْلهِلٌ "بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ" فَلَمْ يُصَدِّقْ ذَلِكَ، وَبَعَثَ إِلَى مُهَلْهِلٍ: إِنْ كُنْتَ قَتَلْتَ بَجَيْرًا بِأَخِيكَ وَرَضِيتُ بِهِ كَفْأً وَبَوَاءً فَقَدْ رَضِيتُ ذَلِكَ لِتَزَولَ هَذِهِ النَّائِرَةُ. فَقَالَ مُهْلهِلٌ: إِنَّمَا قَتَلْتُهُ بِشِسْعٍ نَعْلِهِ. فَعِنْدَهَا قَالَ الحَارِثُ هَذَا الشِّعْرَ، وَبَعْدَ البَيْتِ: (خفيف) لَا يُجَيْرٌ أَغْنَى قَتِيلًا وَلَا … رَهْطُ كُلَيْبٍ تَزَاجَرُوا عَنْ ضَلَالِ (٤) لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّ … هُ وَإِنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالِ قَرِّبَا مَرْبِطَ النَّعَامَةِ مِنِّي … إِنَّ قَتْلَ الغُلَامِ بِالشِّسْعِ غَالِ وَ"النَّعَامَةُ: اسْمُ فَرَسِهِ". [يَقُولُ: لَا تُبْعِدُوهَا عَنِّي. وَيُرْوَى "مِرْبَطَ" بِفَتْحِ البَاءِ وَكَسْرِهَا، فَمَنْ فَتَحَ، أَرَادَ المَصْدَرَ وَهُوَ الرِّبَاطُ. وَمَنْ كَسَرَ، أَرَادَ مَوْضِعَ الرِّبَاطِ. وَ"الْمِرْبَط" بِكَسْرِ المِيمِ وَفَتْحِهَا: الحَبْلُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ] (٥). وَمَعْنَى "لَقِحَتْ": حَمَلَتْ وَ"الحِيَالُ": أَنْ يَضْرِبَ الفَحْلُ النَّاقَةَ فَلَا تَحْمِلُ. وَإِنَّمَا ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِمَا تَوَلَّدَ عَنِ الحَرْبِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَمْ

стр. 1430

تُحْتَسَبْ قَبْلَ ذَلِكَ" (١). يُرِيدُ: إِنَّ الْحَرْبَ هَاجَتْ بَعْدَ سُكُونِهَا. وَقَالَ ابن قُتيبةَ: "مَعْنَاهُ، بَعْدَ حِيَالَ" (٢). "وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ، لأَنَّ "عَنْ" و "بَعْدَ" يَتَقَارَبُ مَعْنَاهُمَا وَيَتَدَاخَلَانِ، فَلِذَلِكَ تَقَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الأُخَرَى، لأنَّ "عَنْ" تَكُونُ لِمَا عَدَا الشَّيْءَ وَتَجَاوَزَهُ، وَ"بَعْدَ" لِمَا تَبِعَهُ وَعَاقَبَهُ. فَقَوْلُكَ: أَطْعَمَهُ عَنْ جُوعٍ وَكَسَاهُ عَنْ عُرْيٍ، يُفيدُ أَنَّهُ فَعَلَ الإِطْعَامَ بَعْدَ الجُوعِ وَالْكُسْوَةَ بَعْدَ العُرْي. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لَقِحَتِ النَّاقَةُ بَعْدَ حِيَالٍ، أَفَادَ ذَلِكَ أَنَّ اللِّقَاحَ عَدَا وَقْتَ الحِيَالِ وَتَجَاوَزَهُ. وَعَلَى نَحْوِ هَذَا يُتَأَوَّلُ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ" (٣). "وَيَجُوزُ فِي قَوْلِ امْرِي الْقَيْسِ: نَؤُومُ الضُّحَى (٤). الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَإٍ وَالنَّصْبُ عَلَى إِضْمَارٍ فِعْلٍ، كَأَنَّهُ قَالَ أَعْنِي: نَؤُومَ. وَالخَفْضُ عَلَى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ. وَمَعْنَى "لَمْ تَنْتَطِقْ": لَمْ تَحْتَزِمْ بِنِطَاقٍ لِلْخِدْمَةِ. وَ"التَّفَضُّلُ": التَّجَرُّدُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ للابْتِذَالِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ إِنَّهَا مَكْفِيَّةُ المَؤُونَةِ، فَهِيَ تَنَامُ إِلَى وَقْتِ الضُّحَى (٥). "وبَعْدَ بَيْتِ (٦) العَجَّاجِ:

стр. 1431

قَفْرَيْنٍ هَذَا ثُمَّ ذَا لَمْ يُوهَلٍ … كَأَنَّ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ المُرَمَّل (١) عَلَى ذُرَى قَلَّامِهِ المُهَدِّلِ … سَبُوبُ كتَّانٍ بِأَيْدِي الغُزَّلِ وَأَنْشَدَهُ ابن الأَعْرَابِيِّ فِي "نَوَادِرِهِ" لِعَبْدِ اللَّهِ بن رَوَاحَةَ. وَأَنْشَدَ بَعْدَهُ: قَفْرٍ بِهِ الأَعْطَارُ لَمْ تُسَهَّلِ … عَلَيْهِ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ المُرْمَلِ (٢) طَالَ فَلَمْ يُقْطَعْ وَلَمْ يُوَصَّلِ … .............................. "المَنْهَلُ": مَوْرِدُ المَاءِ وَ"يُوَهَلُ": يَعْمُرُ وَيَكُونُ بِهِ أَهْلٌ. وَ "المُرْمَلُ": المَنْسُوجُ. يُقَالُ: رَمَلْتُ الحَصِيرَ، وَأَرْمَلْتُهُ: إِذَا نَسَجْتَهُ. وَ"الذُّرَى": الأعَالِي. وَاحِدُهَا ذِرْوَةٌ وَذُرْوَةٌ، بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا. وَ"الغُلامُ": نَبْتٌ. وَ"المُهَدَّلُ": المُتَدَلِّي الأَغْصَانِ. وَ"السُّبُوبُ": الثِّيَابُ الرِّقَاقُ، وَاحِدُهَا: سِبٌّ" (٣). وَقَوْلُ [الجَعْدِيِّ] (٤): تَشُولُ عَنْ عُقْمٍ (٥) (البيت). يُقَالُ: شَالَتِ النَّاقَةُ: إِذَا رَفَعَتْ ذَنَبَهَا لِتُرِيَ أَنَّهَا لَاقِحٌ. و"العُقْمُ": مَصْدَرُ العَقِيم. يَقُولُ: اسْتَلْ عَنْهُمْ أَسَدًا كَيْفَ صَبْرُهُمْ وَشَجَاعَتُهُمْ إِذَا صَارَتِ الحَرْبُ الحَائِلُ لَاقِحًا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: لَقَحَتْ حَرْبُ حَائِلٍ عَنْ حِيَالٍ (٦) (البيت). وَبَعْدَهُ: (كامل) شُمُّ الأُنُوفِ طِوَالِ أَنْضِيَّةِ ال … أَعْنَاقِ غَيْرُ تَنَابِلِ كُزْمِ (٧)

стр. 1432

و"التَّنَابُلُ": القِصَارُ. وَاحِدُهُمْ تِنْبَالٌ. وَ"الكُزْمُ": القِصَارُ الأُنُوفِ. وَقِيلَ: هُمْ قِصَارُ الأَصابع، وَاحِدُهُمْ أَكْزَمْ. وَ"الأَنْضِيَةُ": جَمْعُ نَضِيٍّ، وَهُوَ القِدْحُ بِلَا نَصْلِ، فَشَبَّهَ بِهِ الْعُنُقَ" (١). قَوْلُهُ: "أَيْ: فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ" (٢). ط: "في" وَ "عَلَى" يَتَداخَلَانِ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ لِتَقَارُبِ مَعْنَاهُمَا، لأَنَّ مَعْنَى "عَلَى": الإِشْرَافُ وَالارْتِفَاعُ وَمَعْنَى "فِي": الوِعَاءُ وَالإِشْتِمَالُ، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالأَمْكِنَةِ، وَمَكَانُ الشَّيْءٍ قَدْ يَكُونُ عَالِيًا مُرْتَفِعًا، وَقَدْ يَكُونُ مُنْسَفِلًا مُنْخَفِضًا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُمْ فَوْقَ وَتَحْتَ فِي الظُّرُوفِ. وَأَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْعُلُوِّ وَالآخَرُ عَلَى السُّفْلِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ (٣) وَهُوَ يُرِيدُ: "عَلَى سَرْحَةٍ" لأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ "عَلَيْهَا" فَقَدْ صَارَتْ ظَرْفًا لَهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٤)، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا البَابِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَعْمَلَهُ هَا هُنَا لأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ تَقَوَّلُوا عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ. كَمَا يُقَالُ: تَقَوَّلْتُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ. وَنَحْنُ إِنْ شَاءَ الله نَشْرَحُ ذَلِكَ شَرْحًا يَرْفَعُ الإِشْكَالَ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي الكَلَامِ مِنْهُ. اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ "عَلَى": العُلُوُّ عَلَى الشَّيْءِ وَإِتْبَانُهُ مِنْ فَوْقِهِ، كَقَوْلِكَ: أَشْرَفْتُ عَلَى الجَبَلِ. ثُمَّ يَعْرِضُ فِيهَا إِشْكَالٌ فِي بَعْضِ مَوَاضِعِهَا الَّتِي تَتَصَرَّفُ فِيهَا، فَيَظُنُّ الضَّعِيفُ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ أَنَّهَا قَدْ فَارَقَتْ مَعْنَاهَا. فَمِنْ

стр. 1433

ذَلِكَ قَوْلُ القَائِلِ: زُرْتُهُ عَلَى مَرَضِي وَأَعْطَيْتُهُ عَلَى أَنَّهُ شَتَمَنِي. وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "عَلَى" هَا هُنَا، لأَنَّ المَرَضَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الزِّيَارَةِ. وَكَذَلِكَ الشَّتْمُ يَمْنَعُ المَشْتُومَ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ شَاتِمَهُ شَيْئًا. وَالمَنْعُ: قَهْرٌ لِلْمَمْنُوعِ وَاسْتِعْلَاءٌ عَلَيْهِ، فَهِيَ إِذَا لم تَخْرُجْ عَنْ أَصْلِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ المَعْقُولَ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ المَحْسُوسِ فَخَفِيَ ذَلِكَ عَنْ مَنْ لَا دُرْبَةَ لَهُ فِي المَجَازَاتِ وَالاسْتِعَارَاتِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُم: فُلَانٌ أَمِيرٌ عَلَى البَصْرَةِ، إِنَّمَا يُرَادُ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا وَصَارَتْ تَحْتَ حُكْمِهِ وَنَظَرِهِ. وَاسْتِعْمَالُهُمْ لَفْظَي: التَّحْتِ وَالفَوْقِ هَا هُنَا يُوضِحُ مَا قُلْنَاهُ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: فُلَانٌ تَحْتَ يَدِ فُلَانٍ وَتَحْتَ نَظَرِهِ وَإِشْرَافِهِ، وَهُوَ فَوْقَهُ فِي المَنْزِلَةِ وَالمَكَانَةِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِيمَا يُحَسُّ وَيُرَى. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: تَقَوَّلْتُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ. إِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "عَلَى" فِيهِ لأَنَّهُ إِذَا نَسَبَ إِلَيْهِ القَوْلَ فَقَدْ حَمَّلَهُ إِيَّاهُ، وَعَصَّبَهُ بِهِ وَالتَّحْمِيلُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى العُلُوِّ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هَذَا الأَمْرُ مَعْصُوبٌ بِرَأْسِهِ، وَمُقَلَّدٌ مِنْ عُنُقِهِ. وَيُوْضِحُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: (طويل) الكميت بن معروف وَمَا زِلْتُ مَحْمُولًا عَلَى ضَغِينَةٍ … وَمُضْطِلَعٍ الْأَضْغَانِ مُذْ أَنَا يَافِعٍ ألَا تَرَاهُ قَدْ جَعَل الصَّغِينَة مَحْمُولةٌ عليه كما يحمل الشيء على الظهر، وجعل نفسه مضطلعًا بذلك كاضطلاع الحامل بحمله، وكذلك قولهم: كان ذلك على عهد كسرى، إنما استعملت فيه على لأنه إذا كان ذلك في عهده فقد صار العهد متحملًا له، والشيء المتحمل في الأمور المحسوسة من شأنه أن يكون عاليًا على حامله، ويبين ذلك وإن كان ما قدمناه يغني عنه. قولهم: اتصل بي هذا الأمر على فلان. وقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾، أي على لسانه.

стр. 1434

وقولهم: تقلد الأمر. ويقول المتضمن للشيء المتكفل به: هذا الأمر في عنقي، وعلى أن أقوم به. وهذا المعنى أراد الشاعر بقوله: إن لي حاجة إليك فقالت … بين أذني وعاتقي ما تريد ومن طريق هذا الباب قول ابن الرقيات: ألا طرقت من آل بثينة طارقة … على أنها معشوقة الدل عاشقة وأبين ما فيه أن تكون عاشقة صفة لطارقة على معنى التقديم والتأخير كأنه قال: طارقة عاشقة على أنها معشوقة، وذلك أن من شأن المعشوق أن يعرض عن عاشقه ويهجره، فيريد أن هذه الطارقة لا تمنعها معرفتها بعشق محبها لها أن تعشقه فهو من باب قولهم: زرته على مرضي، وأكرمته على أنه أهانني، فقس على ما يرد في هذا الباب عليك على هذه الأمثلة، فإنك تجده غير خارج عما وضعت عليه اللفظة من معنى الأشراف حقيقة أو مجازًا إن شاء الله. وقوله: لو رد تقلص الغيطان عنه. (البيت). "هُوَ لِلَبِيدِ بن رَبِيعَةَ. وَتَمَامُهُ: (وافر) يَبُذُّ مَفَازَةَ الخَمْسِ الكِمالِ يَصِفُ حَمِيرَ وَحْشٍ تَسِيرُ لِوِرْدِ المَاءِ وَهِيَ شَدِيدَةُ العَطَشِ، فَهِيَ تُسْرِعُ فَكَأَنَّ الغِيطَانَ تَقْصُرُ مِنْ سُرْعَتِهَا. وَ"الغِيطَانُ": المَوَاضِعُ الْمُنْخَفِضَةُ مِنَ الْأَرْضِ، وَاحِدُهَا غَائِطٌ. وَقَوْلُهُ: "عَنْهُ". أيْ: مِنْ أَجْلِهِ. وَ"يَبُذُّ" هَا هُنَا بِمَعْنَى: يَقْطَعُ. و "المَفَازَةُ": الفَلَاةُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ [تَفَاؤُلًا] (١) لِسَالِكِهَا بِالفَوْزِ وَالنَّجَاةِ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهَا:

стр. 1435

مَهْلِكَةٌ، كَمَا قَالَ لِلَّدِيغ: سَلِيمٌ [تَفَاؤُلًا] (١) لَهُ بِالسَّلَامَةِ، هَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ (٢). وَذَكَرَ أَبو العباس ثَعْلَبٌ قَالَ: "ذَكَرْتُ لابنِ الأَعْرَابِيِّ قَوْلَ الأَصْمعيِّ فِي المَفَازَةِ فَقَالَ: أَخْطَأَ، لأَنَّ أَبَا المَكَارِمِ أَخبرنا أَنَّهَا إِنَّمَا قِيلَ لَهَا مَفَازَةٌ: لأَنَّ مَنْ قطعَهَا فَازَ" (٣). وَحَكَى أَبُو العَبَّاسِ المبرَّدُ: "فَازَ الرَّجُلُ وَفَوَّزَ: إِذَا هَلَكَ" (٤). فَالمَفَازَةُ عَلَى هَذَا بِمَنْزِلَةِ المَهْلَكَةِ. بِخِلَافِ مَا قَالَا. وَأَرَادَ بِـ "الخِمْسِ الحِمَالِ": مَسِيرَهَا إِلَى المَاءِ خَمْسَ لَيَالٍ كَامِلَةً. يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْطَعُ المَسَافَةَ الَّتِي لَا تُقْطَعُ إِلَّا فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ لِسُرْعَةِ السَّيْرِ. وَ"كمَالٌ": جَمْعُ كَامِلِ، كَقَائِمٍ وَقِيَامٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ كَمِيلٍ، كَظَرِيفٍ وَظِرَافٍ. وَيُرْوَى "الخِمْسِ" بِكَسْرِ الخَاءِ وَ"الكَمَالِ" بِفَتْحِ الكَافِ وَتَقْدِيرُهُ: ذِي الكَمَالِ، فَحَذَف المُضَاف. وَيَجُوزُ أَنْ يَصِفَ بِالمَصْدَرِ فَيَجْعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الفَاعِلِ، كَمَا قَالُوا: رَجُلٌ عَدْلٌ، أَيْ: عَادِلٌ. وَقَبْلَ هَذَا البَيْتِ: (وافر) فَذَكَّرَهَا مَنَاهِلَ طَامِيَاتٍ … بِصَارَةَ لَا تُنَزَّحُ بِالدَّوَالِي (٥) فَأَقْبَلَهَا النِّجَادَ وَشَايَعَتْهُ … هَوَادِيهَا كَأَنْضِيَةِ المُغَالِي قَوْلُهُ: "ذَكَّرَهَا": (البيت) يَعْنِي الحِمَارَ. وَ"المَنَاهِلُ": مَوَارِدُ المَاءِ. وَ"الطَّامِيَاتُ": الَّتِي طَمَا مَاؤُهَا، أَيْ: ارْتَفَعَ لِكَثْرَتِهِ. وَقَوْلُهُ: "لَا تُنَزَّحُ" (البيت). أَيْ: لَا يُسْتَقَى مَا فِيهَا حَتَّى يَنْفَذَ لِكَثْرَتِهِ، وَأَنَّهُ فِي فَلَاةٍ لَا يَرِدُهُ وَارِدٌ

стр. 1436

فَيَسْتَقِيهِ. وَ"الدَّوَالِي": مَا يُدْلَى بِهِ المَاءُ، أَيْ: يُسْتَقَى. وَ"النِّجَادُ": المَوَاضِعُ المُرْتَفِعَةُ. وَ "شَايَعَتهُ": تَابَعَتْهُ عَلَى مَا أَرَادَ وَ"الهَوَادِي": المُتَقَدِّمَةُ. وَ"الأَنْضِيَةُ": سِهَامٌ لَا نِضَالَ لَهَا، وَاحِدُهَا نَضِيٌّ. شَبَّهَهَا بِهَا لِسُرْعَتِهَا. و"المُغَالِي": الَّذِي يُرَامِي صَاحِبَهُ لِيَنْظُر أَيُّهُمَا أَبْعَدُ غَلْوَةَ سَهْمٍ (١). "وَبَيْتَا (٢) النَّمِرِ بن تَوْلَبٍ يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِحُضُورِ المَيْسِرِ وَالمُقَامَرَةِ. وَكَانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنَ الكَرَم وَيُسَمُّونَ اللَّاعِبَ "يَسَرًا"، وَيُعَدُّونَ ضِدَّهُ "لُؤْمًا"، وَيُسَمُّونَ المُمْتَنِعَ مِنْهُ "بَرَمًا". كَمَا قَالَ العَرَنْدَسُ الكِلابِيِّ (٣): (بسيط) هَيْنُونَ لَيْنُونَ أَيْسَارٌ ذَوُو كَرَمٍ … سُوَّاسُ مَكْرَمَةٍ أَبْنَاءُ أَيْسَارِ (٤) وَمَعْنَى "إِذَا القِدَاحُ تُوُحِّدَتْ"، أَيْ: أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ قِدْحًا وَاحِدًا لِغَلَاءِ اللَّحْمِ. وَإِذَا كَانَ اللَّحْمُ رَخِيصًا فَرُبَّمَا أَخَذَ الرَّجُلُ قِدْحَيْنِ، فَكَانَ لَهُ غُنْمُهُمَا وَعَلَيْهِ غُرْمُهُمَا، وَرُبَّمَا أَخَذَ أَكْثَرَ. وَيُرْوَى: "إِذَا اللِّقَاحُ تُوُحِّدَتْ". وَمَعْنَاهُ: تَفَرُّدُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِلِقْحَةِ لِلْجَهْدِ لِيَقُومَ عَلَيْهَا وَلَا يَشْرَكَهُ فِيهَا أَحَدٌ. وَاللَّقْحَةُ: النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ.

стр. 1437

قَالَ يَعْقُوبُ: "أَرَادَ أَنَّهُ شَهِدَهَا حَيْثُ تُوُحِّدَتْ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا وَشَهِدَهَا حَيْثُ أُوقِدَتِ النَّارُ لِيَضْرِبَ عَلَيْهَا بِالقِدَاحِ". وَذَكَرَ إِيقَادَ النَّارِ إِعْلَامًا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَيَّامِ البَرْدِ وَضِيقِ الأَمْوَالِ. وَ"المَوْقَدُ" يفتح القَافِ: المَكَانُ الَّذِي تُوقَدُ فِيهِ النَّارُ. وَيَكُونُ أَيْضًا مَصْدَرًا بِمَعْنَى الإِيقَادِ. وَالمُوقِدُ بِكَسْرِ القَافِ: اسْمُ الفَاعِلِ. وَالرِّوَايَةُ بِفَتْحِ القَافِ. وَقَوْلُهُ: عَنْ ذَاتِ أَوْلِيَةٍ" (١). (البيت) فِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ سَنَامَهَا. شَبَّهَهُ لِتَكَاثُفِ الشَّحْمِ عَلَيْهِ بِالأَوْلِيَةِ: وهي البَرَاذِعُ، وَاحِدَتُهَا: وَلِيَّةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَنَّهَا رَعَتْ وَلِيًا بَعْدَ وَلِيٍّ. وَ "الوَلِيُّ" (٢): أَصْلُهُ المَطَرُ الَّذِي يَلِي الوَسْمِيَّ. وَأَرَادَ هَا هُنَا: النَّبْتَ الَّذِي أَنْبَتَهُ الوَلِيُّ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ، إِذْ كَانَ نَبَاتُهُ عَنْهُ كَمَا قَالُوا لِلنَّبْتِ: نَدًى لِتَكَوُّنِهِ عَنِ النَّدَى. وَ"المُسَاوَدَةُ" و"السِّوَادُ": المُسَارَّةُ. يُقَالُ: سَاوَدْتُ الرَّجُلَ: إِذَا سَارَرْتَهُ. يُرِيدُ أَنَّهُ يُسَارُّ صَاحِبَ هَذِهِ النَّاقَةِ لِيَخْدَعَهُ. وَفِي الحَدِيثِ: "السَّوَادُ ضَرْبٌ مِنَ المِنْحِرِ" (٣). وَقِيلَ لابْنَةِ الخُسِّ (٤): "كَيْفَ زَنَيْتِ وَأَنْتِ سَيِّدَةُ قَوْمِكِ عَقْلًا وَرَأَيًا؟ فَقَالَتْ: قُرْبُ الوِسَادِ وَطُولُ السِّوَادِه (٥). وقَوْلُهُ: "عَنْ ذَاتِ أَوّلِيَةٍ". أَيْ مِنْ أَجْلِهَا.

стр. 1438

وَقَوْلُهُ: (كامل) وَكَأَنَّ لَوْنَ المِلْحِ فَوْقَ شِفَارِهَا (١) فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الشِّفَارَ شُحِدَتْ لَهَا حَتَّى تُرِكَتْ تَلأْلأُ وَتَطْرَحُ مِثْلَ لَوْنِ المِلْحِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: (بسيط) ضَرَبْتُ عَمْرًا عَلَى الخَيْشُومِ مُقْتَدِرًا … بصَارِمٍ مِثْلِ لَوْنِ المِلْحِ بَتَّارِ (٢) وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ عَلَى شِفَارِهَا الَّتِي جُزِرَتْ بِهَا مِنَ شَحْمِهَا شِبْةَ المِلْحِ. وَإِنَّمَا قَالَ: "عِنْدَ اللَّيْلِ" وَلَمْ يَقُلْ "عِنْدَ الصُّبْحِ"، لأَنَّ لَعِبَهُمْ إِنَّمَا كَانَ بِالعِشَاءِ وَبِاللَّيْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ دُرَيْدٌ (٣): (وافر) دَفَعْتُ إِلَى المُفِيضِ وَقَدْ تَجَاثَوْا … عَلَى الرُّكْبَانِ مَغْرِبَ كُلِّ شَمْسٍ (٤) " (٥) "وَبَيْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ (٦) وَصَفَ سَحَابًا ارْتَفَعَتْ مِنَ البَحْرِ. وَهُذَيْلٌ (٧) كُلُّهَا تَصِفُ أَنَّ السَّحَابَ تَسْتَقِي مِنَ البَحْرِ ثُمَّ تَصْعَدُ فِي الجَوِّ. وَقَبْلَ هَذَا البَيْتِ وَهُوَ أَوَّلُ القَصِيدَةِ: (طويل) سَقَى أُمَّ عَمْرٍ وَكُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ … حَنَاتِمٌ سُودٌ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ (٨)

стр. 1439

وَ"الحَنَاتِمُ: سَحَابٌ سُودٌ، وَاحِدُهَا حَنْتَمٌ، وَأَصْلُ الحَنَاتِم جَرَادٌ خُضْرٌ. وَلَكِنَّ العَرَب تَجْعَلُ كُلَّ أَخْضَرٍ أَسْوَدَ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لأَنَّ الخَضْرَةَ إذا اشْتَدَّتْ صَارَتْ سَوَادًا. وَلِذَلِكَ قَالُوا: لِلَّيْلِ أَخْضَرُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: (بسيط) في ظِلٍّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ البُومُ (١) وَقَوْلُهُ: "كُلُّ آخِرِ لَيْلَةٍ". قَالَ الأَصْمَعِيُّ: يُرِيدُ أَبَدًا (٢). وَمِثْلُهُ: لَا أُكَلِّمُكَ آخِرَ اللَّيَالِي، أَيْ: لَا أُكَلِّمُكَ مَا بَقِيتُ عَلَيَّ مِنَ الزَّمَانِ لَيْلَةٌ. و"الثَّجُّ" وَالثَّجِيجُ: السَّيْلُ الشَّدِيدُ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَجِيجٌ بِمَعْنَى تَاجٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: ذُو ثَجِيحٍ، فَحَذَفَ المُضَاف. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْقَعَ المَصَدَرَ مَوْقِعَ اسْمِ الفَاعِلِ مُبَالَغَةً فِي المَعْنَى. وَفِي قَوْلِهِ: "مَتَى ثُجَجٍ" (٣) قَوْلَانِ: قِيلَ: أَرَادَ مِنْ ثُجَجٍ كَمَا قَالَ [أَبُو المُثَلَّمِ الهُذَلِيِّ] (٤): (وافر) مَتَى أَقْطَارِهَا عَلَقٌ نَفِيثُ (٥)

стр. 1440

أَرَادَ: مِنْ أَقْطَارِهَا. وَقِيلَ: "مَتى" بِمَعْنَى "وَسَط". وَحَكَى أَبُو مُعَاذِرٍ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الكُوفَة: "جَعَلْتُهُ فِي مَتَى كُمِّي" (١). وَالنَّئِيجُ: المَرُّ السَّرِيعُ" (٢). ع: أَبُو عَلِيٍّ البَغْدَادِيُّ: "مَتَى" بِمَعْنَى "مِنَ" قَالَ: (بسيط) إِذَا أَقُولُ صَحَا قَلْبِي أُتِيحَ لَهُ … سُكْرٌ مَتَى قَهْوَةٍ سَارَتْ إِلَى الرَّأْسِ (٣) و"مَتَى" بِمَعْنَى "وَسَطَ". وَأَنْشَدَ بَيْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ هَذَا، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الكسَائِيِّ، قَالَ: وَيُقَالُ: أَخْرَجَهُ مِنْ مَتَى كُمِّهِ، أَيْ: مِنْ وَسَطِ كُمِّهِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ القَوْلَ الأَوَّلَ. د: "مَتَى" بِمَعْنَى "فِي"، وَهِيَ لُغَةٌ هُذَيْلٍ. وَنَئِيجُ: صَوْتٌ" (٤). ط: "وَبَيْتُ عَنْتَرَةَ (٥) مِنْ مَشْهُورٍ شِعْرِهِ. وَ"الدُّحْرُضَانِ" (٦): مَاءَانِ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ (٧). وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: "الدُّحْرُضَانِ": بَلَدٌ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُوَ مَاءٌ لِبَنِي سَعْدٍ. وَ"زَوْرَاءُ": مَائِلَةٌ مُنْحَرِفَةٌ. وَأَرَادَ بِـ "الدَّيْلَم" (٨): الأَعْدَاءَ، وَأَصْلُ الدَّيْلَمِ: جِيلٌ مِنَ العَجَمِ، فَشَبَّهَ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، هَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ.
следующие страницы →