← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فَيَسْتَقِيهِ. وَ"الدَّوَالِي": مَا يُدْلَى بِهِ المَاءُ، أَيْ: يُسْتَقَى. وَ"النِّجَادُ": المَوَاضِعُ المُرْتَفِعَةُ. وَ "شَايَعَتهُ": تَابَعَتْهُ عَلَى مَا أَرَادَ وَ"الهَوَادِي": المُتَقَدِّمَةُ. وَ"الأَنْضِيَةُ": سِهَامٌ لَا نِضَالَ لَهَا، وَاحِدُهَا نَضِيٌّ. شَبَّهَهَا بِهَا لِسُرْعَتِهَا. و"المُغَالِي": الَّذِي يُرَامِي صَاحِبَهُ لِيَنْظُر أَيُّهُمَا أَبْعَدُ غَلْوَةَ سَهْمٍ (١). "وَبَيْتَا (٢) النَّمِرِ بن تَوْلَبٍ يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِحُضُورِ المَيْسِرِ وَالمُقَامَرَةِ. وَكَانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنَ الكَرَم وَيُسَمُّونَ اللَّاعِبَ "يَسَرًا"، وَيُعَدُّونَ ضِدَّهُ "لُؤْمًا"، وَيُسَمُّونَ المُمْتَنِعَ مِنْهُ "بَرَمًا". كَمَا قَالَ العَرَنْدَسُ الكِلابِيِّ (٣): (بسيط) هَيْنُونَ لَيْنُونَ أَيْسَارٌ ذَوُو كَرَمٍ … سُوَّاسُ مَكْرَمَةٍ أَبْنَاءُ أَيْسَارِ (٤) وَمَعْنَى "إِذَا القِدَاحُ تُوُحِّدَتْ"، أَيْ: أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ قِدْحًا وَاحِدًا لِغَلَاءِ اللَّحْمِ. وَإِذَا كَانَ اللَّحْمُ رَخِيصًا فَرُبَّمَا أَخَذَ الرَّجُلُ قِدْحَيْنِ، فَكَانَ لَهُ غُنْمُهُمَا وَعَلَيْهِ غُرْمُهُمَا، وَرُبَّمَا أَخَذَ أَكْثَرَ. وَيُرْوَى: "إِذَا اللِّقَاحُ تُوُحِّدَتْ". وَمَعْنَاهُ: تَفَرُّدُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِلِقْحَةِ لِلْجَهْدِ لِيَقُومَ عَلَيْهَا وَلَا يَشْرَكَهُ فِيهَا أَحَدٌ. وَاللَّقْحَةُ: النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ.

стр. 1437

قَالَ يَعْقُوبُ: "أَرَادَ أَنَّهُ شَهِدَهَا حَيْثُ تُوُحِّدَتْ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا وَشَهِدَهَا حَيْثُ أُوقِدَتِ النَّارُ لِيَضْرِبَ عَلَيْهَا بِالقِدَاحِ". وَذَكَرَ إِيقَادَ النَّارِ إِعْلَامًا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَيَّامِ البَرْدِ وَضِيقِ الأَمْوَالِ. وَ"المَوْقَدُ" يفتح القَافِ: المَكَانُ الَّذِي تُوقَدُ فِيهِ النَّارُ. وَيَكُونُ أَيْضًا مَصْدَرًا بِمَعْنَى الإِيقَادِ. وَالمُوقِدُ بِكَسْرِ القَافِ: اسْمُ الفَاعِلِ. وَالرِّوَايَةُ بِفَتْحِ القَافِ. وَقَوْلُهُ: عَنْ ذَاتِ أَوْلِيَةٍ" (١). (البيت) فِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ سَنَامَهَا. شَبَّهَهُ لِتَكَاثُفِ الشَّحْمِ عَلَيْهِ بِالأَوْلِيَةِ: وهي البَرَاذِعُ، وَاحِدَتُهَا: وَلِيَّةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَنَّهَا رَعَتْ وَلِيًا بَعْدَ وَلِيٍّ. وَ "الوَلِيُّ" (٢): أَصْلُهُ المَطَرُ الَّذِي يَلِي الوَسْمِيَّ. وَأَرَادَ هَا هُنَا: النَّبْتَ الَّذِي أَنْبَتَهُ الوَلِيُّ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ، إِذْ كَانَ نَبَاتُهُ عَنْهُ كَمَا قَالُوا لِلنَّبْتِ: نَدًى لِتَكَوُّنِهِ عَنِ النَّدَى. وَ"المُسَاوَدَةُ" و"السِّوَادُ": المُسَارَّةُ. يُقَالُ: سَاوَدْتُ الرَّجُلَ: إِذَا سَارَرْتَهُ. يُرِيدُ أَنَّهُ يُسَارُّ صَاحِبَ هَذِهِ النَّاقَةِ لِيَخْدَعَهُ. وَفِي الحَدِيثِ: "السَّوَادُ ضَرْبٌ مِنَ المِنْحِرِ" (٣). وَقِيلَ لابْنَةِ الخُسِّ (٤): "كَيْفَ زَنَيْتِ وَأَنْتِ سَيِّدَةُ قَوْمِكِ عَقْلًا وَرَأَيًا؟ فَقَالَتْ: قُرْبُ الوِسَادِ وَطُولُ السِّوَادِه (٥). وقَوْلُهُ: "عَنْ ذَاتِ أَوّلِيَةٍ". أَيْ مِنْ أَجْلِهَا.

стр. 1438

وَقَوْلُهُ: (كامل) وَكَأَنَّ لَوْنَ المِلْحِ فَوْقَ شِفَارِهَا (١) فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الشِّفَارَ شُحِدَتْ لَهَا حَتَّى تُرِكَتْ تَلأْلأُ وَتَطْرَحُ مِثْلَ لَوْنِ المِلْحِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: (بسيط) ضَرَبْتُ عَمْرًا عَلَى الخَيْشُومِ مُقْتَدِرًا … بصَارِمٍ مِثْلِ لَوْنِ المِلْحِ بَتَّارِ (٢) وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ عَلَى شِفَارِهَا الَّتِي جُزِرَتْ بِهَا مِنَ شَحْمِهَا شِبْةَ المِلْحِ. وَإِنَّمَا قَالَ: "عِنْدَ اللَّيْلِ" وَلَمْ يَقُلْ "عِنْدَ الصُّبْحِ"، لأَنَّ لَعِبَهُمْ إِنَّمَا كَانَ بِالعِشَاءِ وَبِاللَّيْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ دُرَيْدٌ (٣): (وافر) دَفَعْتُ إِلَى المُفِيضِ وَقَدْ تَجَاثَوْا … عَلَى الرُّكْبَانِ مَغْرِبَ كُلِّ شَمْسٍ (٤) " (٥) "وَبَيْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ (٦) وَصَفَ سَحَابًا ارْتَفَعَتْ مِنَ البَحْرِ. وَهُذَيْلٌ (٧) كُلُّهَا تَصِفُ أَنَّ السَّحَابَ تَسْتَقِي مِنَ البَحْرِ ثُمَّ تَصْعَدُ فِي الجَوِّ. وَقَبْلَ هَذَا البَيْتِ وَهُوَ أَوَّلُ القَصِيدَةِ: (طويل) سَقَى أُمَّ عَمْرٍ وَكُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ … حَنَاتِمٌ سُودٌ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ (٨)

стр. 1439

وَ"الحَنَاتِمُ: سَحَابٌ سُودٌ، وَاحِدُهَا حَنْتَمٌ، وَأَصْلُ الحَنَاتِم جَرَادٌ خُضْرٌ. وَلَكِنَّ العَرَب تَجْعَلُ كُلَّ أَخْضَرٍ أَسْوَدَ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لأَنَّ الخَضْرَةَ إذا اشْتَدَّتْ صَارَتْ سَوَادًا. وَلِذَلِكَ قَالُوا: لِلَّيْلِ أَخْضَرُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: (بسيط) في ظِلٍّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ البُومُ (١) وَقَوْلُهُ: "كُلُّ آخِرِ لَيْلَةٍ". قَالَ الأَصْمَعِيُّ: يُرِيدُ أَبَدًا (٢). وَمِثْلُهُ: لَا أُكَلِّمُكَ آخِرَ اللَّيَالِي، أَيْ: لَا أُكَلِّمُكَ مَا بَقِيتُ عَلَيَّ مِنَ الزَّمَانِ لَيْلَةٌ. و"الثَّجُّ" وَالثَّجِيجُ: السَّيْلُ الشَّدِيدُ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَجِيجٌ بِمَعْنَى تَاجٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: ذُو ثَجِيحٍ، فَحَذَفَ المُضَاف. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْقَعَ المَصَدَرَ مَوْقِعَ اسْمِ الفَاعِلِ مُبَالَغَةً فِي المَعْنَى. وَفِي قَوْلِهِ: "مَتَى ثُجَجٍ" (٣) قَوْلَانِ: قِيلَ: أَرَادَ مِنْ ثُجَجٍ كَمَا قَالَ [أَبُو المُثَلَّمِ الهُذَلِيِّ] (٤): (وافر) مَتَى أَقْطَارِهَا عَلَقٌ نَفِيثُ (٥)

стр. 1440

أَرَادَ: مِنْ أَقْطَارِهَا. وَقِيلَ: "مَتى" بِمَعْنَى "وَسَط". وَحَكَى أَبُو مُعَاذِرٍ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الكُوفَة: "جَعَلْتُهُ فِي مَتَى كُمِّي" (١). وَالنَّئِيجُ: المَرُّ السَّرِيعُ" (٢). ع: أَبُو عَلِيٍّ البَغْدَادِيُّ: "مَتَى" بِمَعْنَى "مِنَ" قَالَ: (بسيط) إِذَا أَقُولُ صَحَا قَلْبِي أُتِيحَ لَهُ … سُكْرٌ مَتَى قَهْوَةٍ سَارَتْ إِلَى الرَّأْسِ (٣) و"مَتَى" بِمَعْنَى "وَسَطَ". وَأَنْشَدَ بَيْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ هَذَا، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الكسَائِيِّ، قَالَ: وَيُقَالُ: أَخْرَجَهُ مِنْ مَتَى كُمِّهِ، أَيْ: مِنْ وَسَطِ كُمِّهِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ القَوْلَ الأَوَّلَ. د: "مَتَى" بِمَعْنَى "فِي"، وَهِيَ لُغَةٌ هُذَيْلٍ. وَنَئِيجُ: صَوْتٌ" (٤). ط: "وَبَيْتُ عَنْتَرَةَ (٥) مِنْ مَشْهُورٍ شِعْرِهِ. وَ"الدُّحْرُضَانِ" (٦): مَاءَانِ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ (٧). وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: "الدُّحْرُضَانِ": بَلَدٌ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُوَ مَاءٌ لِبَنِي سَعْدٍ. وَ"زَوْرَاءُ": مَائِلَةٌ مُنْحَرِفَةٌ. وَأَرَادَ بِـ "الدَّيْلَم" (٨): الأَعْدَاءَ، وَأَصْلُ الدَّيْلَمِ: جِيلٌ مِنَ العَجَمِ، فَشَبَّهَ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، هَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ.

стр. 1441

"سُؤَالِي" فِي مَوْضِعِ رَفعٍ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ سُؤَالِي لَا يَرُدُّ الدِّمْنَةَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. وَمَنْ رَوَى "فَمَا تَرُدُّه" وَاعْتَقَدَ أَنَّهَا نَفْيٌ، جَازَ أَنْ يَقُولُ: "تَرُدُّ" بِلَفْظِ الثَّأْنِيثِ وَبِرَفْعِ الدِّمْنَةِ لَا غَيْرُ. وَجَازَ أَنْ يَقُولَ: "يَرُدُّ" بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، وَبِنَصْبِ الدِّمْنَةَ إِنْ شَاءَ، وَبِرَفْعِهَا إِنْ شَاءَ وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ "مَا" اسْتِفْهَامٌ قَالَ: "يُرَدُّ" عَلَى لَفْظِ التَّذْكِيرِ، وَجَعَلَ "مَا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يَرُدُّ". "وَسُؤَالِي" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَنَصَبَ دِمْنَةً بِالسُّؤَالِ لَا غَيْرُ. وَمَنْ رَوَى: "وَلَا يَرُدُّ سُؤَالِي" عَلَى لَفْظِ التَّذْكِيرِ نَصَبَ الدِّمْنَةَ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَهَا، وَمَنْ رَوَى: "وَلَا تَرُدُّ" عَلَى لَفْظِ التَّأْنِيثِ رَفَعَ الدِّمْنَةَ لَا غَيْرُ" (١). وَقَوْلُهُ: "أَيْ: مَعَ حَسَبٍ" (٢). "إِلَى" و "مَعَ" يَتَدَاخَلَانِ فِي مَعْنَيَيْهِمَا، فَيُوجَدُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعْنَى صَاحِبَتِهَا، لأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مَعَ الشَّيْءِ فَهُوَ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ فَهُوَ مَعَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: فُلَانٌ ظَرِيفٌ عَاقِلٌ إِلَى حَسَبٍ، فَمَعْنَاهُ: أَنَّ لَهُ ظُرْفًا وَعَقْلًا مُضَافَيْنِ إِلَى حَسَبٍ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا البَابِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ مُفَرَّغٍ: شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوَابِقِ (٣) (البَيْتَ) فَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مِنْ هَذَا البَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ غُرَرَهُمْ شَدَخَتْ فِي وجُوهِهِمْ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى اللِّمَامِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ هَذَا البَابِ" (٤). "وَيَصِفُ ابن مَفَرِّغٍ قَوْمًا مَدَحَهُمْ وَأَرَادَ أَنَّهُمْ مَشْهُورُونَ بِالسَّبْقِ إِلَى

стр. 1442

الفَضْلِ كَشُهْرَةِ الفَرَسِ الَّذِي شَدَخَتْ غُرَّتُهُ حَتَّى مَلأَتْ جَبْهَتَهُ، وَأَنَّ لَهُمْ لِمَمًا جعَادًا، وَهِيَ الشُّعُورُ الَّتِي تُلِمُّ بِالمَنَاكِبَ، وَاحِدُتَها: لِمَّةٌ، فَإِذَا لَمْ تُجَاوِزُ شَحْمَةَ الأُذُنِ فَهِيَ: وَفْرَةٌ. وَأَرَادَ بِالجُعُودَةِ هَا هُنَا: الرَّجُلَ. وَأَمَّا الجُعُودَةُ المُفْرِطَةُ فَلَيْسَتْ مِمَّا يُسْتَحَبُّ" (١). "وَتَمَامُ بَيْتِ ذِي الرُّمَّةِ: (طويل) ضَهُولٍ وَرَفْضُ المُذْرِعَاتِ القَرَاهِبِ (٢) وَصَفَ دَارًا خَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا وَصَارَتْ مَأْلَفًا للوَحْشِ بَعْدَهُمْ. وَ"الخَوَّارُ": الثَّوْرُ. وَقِيلَ: الظَّبْيُ. وَ "الصَّعْلَةُ": النَّعَامَةُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِصِغَرِ رَأْسِهَا، وَكُلُّ نَعَامَةٍ كَذَلِكَ. وَ"الضَّهُولُ": الَّتِي تَذْهَبُ وَتَعُودُ. وَ"الرَّقْضُ": القِطَعُ المُتَفَرِّقَةُ. وَ"المُشْرِعَاتُ": البَقَرُ الَّتِي لَهَا ذِرْعَانٌ، وَهِيَ أَوْلَادُ البَقَرِ، وَاحِدُهَا: ذَرَعٌ. وَ"القَرَاهِبُ": المُسِنَّةُ، وَاحِدُهَا قُرْهُوبٌ وَقَبْلَهُ: (طويل) خَلِيلَيَّ عُوجَا بَارَكَ الله فِيكُمَا … عَلَى دَارِ مَيٍّ مِنْ صُدُورِ الرَّكَائِبِ (٣) بِصُلْبِ المِعَى أَوْ بُرْقَةِ الثورِ لَمْ يَدَعْ … لَهَا جِدَّةً حَرُّ الصَّبَا وَالجَنَائِبِ" (٤) د: "خَوَّارٌ": بَيِّنُ المَعْطِفِ، وَ"صَعْلَةٌ": صَغِيرَةُ الرَّأْسِ. قَوْلُهُ: "هَدَيْتُهُ لَهُ وَإِلَيْهِ" (٥). ط: "إِنَّمَا جَازَ وُقُوعُ "اللَّام" مَوْقِعَ "إِلَى"، وَوُقُوعَ "إِلَى" مَوْقِعَ "اللَّامِ" لِمَا بَيْنَ مَعْنَيَيْهِمَا مِنَ التَّدَاخُلِ وَالتَّضَارُعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّامَ لَا تَخُلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى المِلْكِ وَالاسْتِحْقَاقِ أَوِ

стр. 1443

التَّخْصِيصِ، أَوِ العِلَّةِ أَوِ السَّبَبِ. وَ"إِلَى" لانْتِهَاءِ الغَايَةِ، وَغَايَةُ كُلِّ مَمْلُوكٍ أَنْ يَلْحَقَ بِمَالِكِهِ، وَغَايَةُ كُلِّ مُسْتَحِقٍّ أَنْ يَلْحَقَ بِمُسْتَحِقِّهِ، وَغَايَةٌ كُلِّ مُخْتَصٍّ أَنْ يَلْحَقَ بِمُخْتَصِّهِ، وَغَايَةُ كُلِّ مَعْلُولٍ أَنْ يَلْحَقَ بِعِلَّتِهِ، فَكُلُّهَا يُوجَدُ فِيهَا مَعْنَى "إِلَى" وَمَوْضُوعِهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ" (١). وَقَوْلُهُ: "ارْكَبْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ (٢) إِلَى آخِرِ الفَصْلِ. "قَدْ ذَكَرْنَا "عَلَى" فِيمَا تَقَدَّمَ وَقُلْنَا: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمَعْنَى العُلُوِّ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا حِسًّا أَوْ عَقْلًا. وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "عَلَى" هَا هُنَا بِمَعْنَى "البَاءِ"، لأَنَّ "البَاءَ" و "عَلَى" يَقَعَانِ جَمِيعًا مَوْقِعَ الحَالِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي ذَلِكَ. فَيُقَالُ: جَاءَنِي زَيْدٌ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَيَكُونُ المَعْنَى وَاحِدًا. وَقَدْ يَكُونُ لِقَوْلِنَا: جَاءَ زَيْدٌ بِثِيَابِهِ، مَعْنًى آخَرُ. وَهُوَ يُرِيدُ أَنَّهُ سَاقَهَا غَيْرَ لابسٍ لَهَا، فَهَذَا غَيْرُ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ. وَالفَرْقُ بَيْنَ المَسْأَلَتَيْنِ: أَنَّ "البَاءَ" تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الوَجْهِ الآخَرِ بِالفِعْلِ الظَّاهِرِ، وَفِي الوَجْهِ الأَوَّلِ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، لأَنَّ كُلَّ حَرْفِ جَرٍّ وَقَعَ مَوْقِعَ حَالٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ خَبَرٍ فَإِنْهُ يَتَعَلَّقُ أَبَدًا بِمَحْذُوفٍ، وَذَلِكَ المَحْذُوفُ هُوَ مَا نَابَ مَنَابَهُ، وَوَقَعَ مَوْقِعَهُ، وَلأَجْل هَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا: ارْكَبْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا: ارْكَبْ عَلَى الفَرَسِ، لأَنَّ "عَلَى" هَا هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ الظَّاهِرِ وَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِن الإِعْرَابِ وَهِي فِي قَوْلِنَا: ارْكَبْ عَلَى اسْم الله مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَلَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الإِعْرَابِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالحَالِ الَّتِي نَابَتْ مَنَابَهَا. وَالتَّقْدِيرُ: ارْكَبْ مُعْتَمِدًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (كامل) شَدُّوا المَطِيَّ عَلَى دَلِيلٍ دَائِبٍ (٣)

стр. 1444

أَيْ مُعْتَمِدِينَ عَلَى دَلِيلٍ. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: "عَنَفَ بِهِ"، وَ"عَنَفَ عَلَيْهِ" (١) فَلَيْسَا مِنْ هَذَا البَابِ، إِنَّمَا عَنَفَ بِهِ كَقَوْلِكَ: أَلْصَقَ بِهِ العَنْفَ. وَعَنَفَ عَلَيْهِ أَوْقَعَ عَلَيْهِ العَنْفَ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الحَرَفَيْنِ يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا عَلَى مَوْضُوعِهِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ. وَكَذَلِكَ. "خَرُقَ بهِ"، وَخَرُقَ عَلَيْهِ" (٢). وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ذُوئْبٍ: (كامل) وَكَأَنَّهُنَّ رِبَابَةٌ وَكَأَنَّهُ … يَسَرٌ يَفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ (٣) فَلَيْسَ كَقَوْلِهِمْ: ارْكَبْ عَلَى اسْم الله، وَلَا كَقَوْلِ الآخَرِ: (كامل) شُدُّوا المَطِيَّ عَلَى دَلِيلٍ دَائِبِ لأَنَّ "عَلَى" فِي بَيْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسٍ "يُفِيضُ"، لأَنَّهُ يُقَالُ: أَفَاضَ بِالقِدَاحِ: إِذَا دَفَعَ بِهَا. فَالظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِ "عَلَى" هَذِهِ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن البَاءِ، وَإِنَّمَا جَازَ لِـ "عَلَى" أَنْ تَقَعَ مَوْقِعَ البَاءِ، لأَنَّهُ إِذَا قَالَ: دَفَعَتْ به، فَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى: أَوْقَعَتْ عَلَيْهِ الدَّفْعَ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى قَوْل مَنْ جَعَلَ "يَصْدَعُ" فِي هَذَا البَيْتِ بِمَعْنَى: يَصِيحُ. فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ "عَلَى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يَصْدَعُ"، كَأَنَّهُ قَالَ: وَيَصْدَعُ عَلَى القِدَاحِ، كَقَوْلِهِ: يَصِيحُ عَلَيْهَا. فَتَقَدَّمَ الجَارُّ هُنَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَتَقَدُّمِ الظَّرْفِ فِي قَوْلِ طَرَفَة: (طويل) تَلَاقَى وَأَحْيَانًا تَبِينُ كَأَنَّهَا … بَنَائِقٌ غَرٌّ فِي قَمِيصٍ مُقَدَّدِ (٤)

стр. 1445

أَرَادَ وَتَبِينُ أَحْيَانًا. وَالقَوْلُ الأَوَّلُ: هُوَ الوَجْهُ" (١). "وَعَجُزُ بَيْتِ عَوْفٍ بن عَطِيَّةَ بن الخَرِعِ (٢) الَّذِي أَوَّلُهُ: (كامل) شَدُّوا المَطِيَّ عَلَى دَلِيلٍ دَائِبٍ وَتمَامُهُ: (كامل) مِنْ أَهْلِ كَاظِمَةٍ بِسِيفِ الأَبْحُرِ وَصَفَ قَوْمًا رَحَلُوا فَشَدُّوا مَطِيَّهُمْ لِلرَّحِيلِ وَمَعَهُمْ دَلِيلٌ دَائِبٌ، أَيْ: يُوَاصِلُ السَّيْرَ وَيَدِيمُهُ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ مِنَ السَّفَرِ. وَ"عَلَى" هَا هُنَا هِي الَّتِي تُعَاقِبُ وَاوَ الحَالِ فِي قَوْلِهِمْ: جَاءَنِي عَلَى مَرَضِهِ، أَيْ: جَاءَنِي وَهُوَ مَرِيضٌ. وَكَذَلِكَ تَقْدِيرُ البَيْتِ: شَدُّوا المَطِيِّ وَمَعَهُمْ دَلِيلٌ دَائِبٌ. "وَكَاظِمَةُ" (٣): اسْمُ بِئْرٍ. وَ"السِّيفُ": سَاحِلُ البَحْرِ" (٤). "وَبَيْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ (٥) يَصِفُ أُتُنَا وَحِمَارًا. وَ"الرِّبَابَةُ": الخِرْقَةُ الَّتِي تُجْمَعُ فِيهَا قِدَاحُ المَيْسِرِ. وَأَرَادَهَا هَا هُنَا: القِدَاحَ بِأَعْيَانِهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْء بِاسْمِ الشَّيْءِ إِذَا جَاوَرَهُ، أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ. وَ "اليَسَرُ": المُقَامِرُ الضَّارِبُ بِهَا. شَبَّهَ الأُتُنَ فِي اجْتِمَاعِهَا وَتَصْرِيفِ الحِمَارِ لَهَا عَلَى حُكْمِهِ، بِقِدَاحٍ يَلْعَبُ بِهَا يَسَرٌ وَيُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمَعْنَى "يُفِيضُ": يَدْفَعُ، وَمِنْهُ الإِفَاضَةُ مِنْ

стр. 1446

عَرَفَاتٍ (١). وَ"عَلَى القِدَاحِ"، أَيْ: بِالقِدَاحِ. وَ"يَصْدَعُ": يَغْرَقُ وَيَفْصِلُ الحُكْمَ. مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (٢)، أَيْ: افْصِلِ الحُكْمَ. وَقَالَ الخَلِيلُ: "مَعْنَى يَصْدَعُ: يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: هَذَا قِدْحُ فُلَانٍ" (٣). وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ العَيْنُ بَدَلًا مِنْ حَاءٍ، لأنَّ المَعْرُوفَ أَنْ يُقَالَ: صَدَحَ، يَصْدَحُ. وَقَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: "يَصْدَعُ: يُخْرِجُ القِدَاحَ" (٤). وَهَذِهِ الأَقْوَالُ كُلُّهَا قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: قَوْلُهُ: "كَأَنَّهُ يَسَرٌ يَفِيضُ عَلَى القِدَاحِ" أَيْ: يَكِبُّ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَفِيضُ كَمَا يُقَالُ: سَكَرَ عَلَى الخَمْرِ، أَيْ: سَكَرَ وَهُوَ يَشْرَبُ الخَمْرَ. يَقُولُ: الحِمَارُ يَصُكُهَا كَمَا يَصُكُّ البَسَرُ القِدَاحَ وَأَنْشَدَ: كَمَا يَصُكُّ اليَسَرُ القُدُوحَا … صَكًّا مُعَلَّاهُنَّ وَالمَنِيحَا (٥) وَبَعْدَ بَيْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ: (كامل) وَكَأَنَّمَا هُوَ مِدْوَسٌ مُتَقَلِّبٌ … بِالكَفِّ إِلَّا أَنَّهُ هُوَ أَصْلَعُ (٦) فَوَرَدْنَ وَالعَيُّوقُ مَقْعَدَ رَابِ … يءِ الضُّرَبَاءِ خَلْفَ النَّجْمِ لَا يَتَتَلَّعُ" (٧) "وَبَيْتُ (٨) لَبِيدٍ بن رَبِيعَةَ وَصَفَ سَحَابًا فِيهِ بَرْقٌ وَرَعْدٌ.

стр. 1447

وَيُرْوَى "مُصَفِّحَاتٍ" بِكَسْرِ الفَاءِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَيُرْوَى "مُصَفَّحَاتٍ" بِفَتْح الفَاءِ. فَمَنْ كَسَرَ الفَاءَ أَرَادَ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي يُصَفِّحْنَ أَي: يُصَفِّقْنَ. وَ"التَّصْفِيحُ" وَ"التَّصْفِيقُ": سَوَاءٌ. شَبَّهَ صَوْتَ الرَّعْدِ بِالتَّصْفِيقِ. وَمَنْ فَتَحَ الفَاءَ شَبَّهَ لَمِعَ البَرْقِ بِالسُّيُوفِ المُصَفَّحَاتِ، وَهِيَ العَرِيضَةُ. وَ"ذُرَاهُ": أَعَالِيهِ. وَ"أَنْوَاحٌ": نِسَاءٌ يَنُحْنَ وَاحِدَتُهُنّ نَوْحٌ. وَ "المَآلِي": جَمْعُ مِثْلَاةٍ، وَهِيَ خِرَقٌ يُمْسِكُهُنَّ النَّوَائِحُ بِأَيْدِيهِنَّ، وَيَلْطِمْنَ بِهِنَّ خُدُودَهُنَّ. شَبَّهَ بِهِ حَرَكَةَ البَرْقِ. وَرَوَى أَبُو حَاتِمٍ: "وَأَنْوَاحًا بِأَيْدِيهَا المَآلِي". وَقَبْلَهُ: (وافر) أَصَاحٍ تَرَى بُرَيْقًا هَبَّ وَهْنًا … كَمِصْبَاحِ الشَّعِيلَةِ فِي الذُّبَالِ (١) كَأَنَّ رَبَابَهُ فِي المُزْنِ جَيْشٌ … قيام بِالحِرَابِ وَبِالإِلالِ" (٢) "وَقَبْلَ بَيْتِ الشَّمَّاخِ (٣): (طويل) فَوَافَى بِهَا أَهْلَ الْمَوَاسِمِ وَانْبَرَى … لَهُ بَائِعٌ يُغْلِي لَهُ السَّوْمَ رَائِزُ (٤) فَقَالَ: إِزَارٌ شَرْعَبِيٌّ وَأَرْبَعٌ … مِنَ السِّيَرَاءِ أَوْ أَوَاقٍ نَوَاجِزُ ثَمَانٍ مِنَ الكُورِيِّ حُمْرٌ كَأَنَّهَا … مِنَ الجَمْرِ مَا يُذْكِي مِنَ النَّارِ خَابِزُ وَصَفَ قَوَّاسًا أَرَادَ بَيْعَ قَوْسٍ، فَأَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا ثَمَنُ هَذِهِ القَوْسِ لِنَفَاسَتِهَا. وَ"المَوَاسِمُ": الأَسْوَاقُ وَالمَوَاضِعُ المَشْهُورَةَ الَّتِي يَجْتَمِعُ

стр. 1448

إِلَيْهَا النَّاسُ. وَ"انْبَرَى": اعْتَرَضَ. وَ"البَائِعُ": هَا هُنَا المُشْتَرِي وَ "الرَّائِزُ": المُخْتَبِرُ هَلْ يَبِيعُهَا أم لَا؟. وَ"الشَّرْعَبِيُّ": المُصَنَّفُ المُزَيَّنُ. وَ "السِّيَرَاءُ": ثِيَابٌ مِنْ حَرِيرٍ. وَ"النَّواجِزُ": الحَاضِرَةُ الَّتِي لَا مَطْلَ فِيهَا، يَعْنِي: أَوَاقِي ذَهَبٍ. وَ"الأُوقِيَةُ": أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وَ"الكُورِيُّ": الذَّهَبُ الَّذِي خُلِّصَ فِي كُرورِ الحَدَّادَ بَعْدَمَا خُلِّصَ مِنْ تُرَابِ المَعْدِنِ. وَ"الخَالُ" (١): ثِيَابٌ تُصْنَعُ بِاليَمَنِ. وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعٌ بِاليَمَنِ تُصْنَعُ فِيهِ الثِّيَابُ. وَ"المَقْرُوظُ": الجِلْدُ المَدْبُوغُ بِالقَرَظِ. وَ"المَاعِزُ": الشَّدِيدُ المُحْكَمُ، أَيْ: وَيُعْطِي مَعَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ جِلْدًا مَفْرُوظًا، أَرَادَ عَيْبَةً مِنْ أَدَمٍ فِيهَا هَذِهِ الثِّيَابُ. فَـ "عَلَى" فِي هَذَا التَّفْسِيرِ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَهَا، لَيْسَتْ بِبَدَلٍ مِنْ "مَعَ"، لأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ إِذَا كَانَتْ فِي المَقْرُوظِ، فَالمَقْرُوظُ عَلَيْهَا مُشْتَمِلٌ. وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ وَزَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ مَقْرُوظٌ مِنْ القِذِّ، كَمَا تَقُولُ: أبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، وَيَزِيدُنِي عَلَى ذَلِكَ ثَوْبًا، فَإِذَا حُمِلَ البَيْتُ عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَاهِدٌ" (٢). وَأَمَّا قَوْلُهُ "عَلَيْهِنَّ المَآلِي ثُمَّ قَالَ: "عَلَى" بِمَعْنَى "مَعَ"" (٣). فَلَا وَجْهَ لَهُ. وَ "عَلَى" هَا هُنَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ مَوْضِعَ غَيْرِهَا. وَأَحْسِبُ أَنَّ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهَا بِمَعْنَى "مَعَ" إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لأَنَّ "عَلَى" يُرَادُ بِهَا الإِشْرَافُ عَلَى الشَّيْءِ. وَ "المَآلِي" لَيْسَتْ مُشْرِفَةً عَلَى الأَنْوَاحِ، إِنَّمَا هِيَ خِرَقٌ تُمْسِكُهَا فِي أَيْدِيهَا. وَهَذَا غَلَطٌ وَسَهُوٌ، لأَنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ مَا أَشْرَفَ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الجِسْمِ بِمَنْزِلَةِ مَا أَشْرَفَ عَلَيْهِ كُلَّهِ، فَيَقُولُونَ: جَاءَ وَعَلَيْهِ خُفٌّ جَدِيدٌ، وَرَأَيْتُهُ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ فِضَّةٍ. وَيَجوزُ أَنْ يُرِيدَ: عَلَى أَيْدِيهِنَّ المَالِي، فَيَحْذِف المُضاف

стр. 1449

وَيُقِيمَ المُضَافَ إِلَيْهِ مُقَامَهُ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوَسُّعِهِمْ فِي هَذِهِ المَعَانِي قَوْلُ الهُذَلِيُّ (١): (كامل) فَرَمَيْتُ فَوْقَ مُلَاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ (٢) وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّهُ رَمَى بِالسِّهامِ وَعَلَيْهِ مُلَاءَةٌ" (٣). "وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ (٤): إِنَّ مَعْنَاهُ: مِنَ النَّاسِ. وَأَنْشَدَ بَيْتَ صَخْرٍ (٥). وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هَذَا، لأَنَّهُ يُقَالُ: اكْتَلْتُ مِنَ زَيْدٍ الطَّعَامَ، أَيْ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَكِيلَهُ عَلَيَّ. وَاكْتَالَ مِنِّي طَعَامًا، أَيْ: سَأَلَنِي أَنْ أَكِيلَهُ عَلَيْهِ. فَيَسْتَعْمِلُونَ "مِنْ" فِي البَائِعِ وَ"عَلَى" في المبيع مِنْهُ. وَجَازَ اسْتِعْمَالُ "عَلَى" هَا هُنَا لأَنَّ مَعْنَى: كِلْ عَلَيْهِ: اعْرِضْ عَلَيْهِ كَيْلَهُ. فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي الآيَةِ: "إِذَا اكْتَالُوا مِنَ النَّاسِ"، لأَنَّ المُرَادَ اسْتَدْعَوْا مِنْهُمْ أَنْ يَكِيلُوا عَلَيْهِمْ" (٦). "وَأَمَّا البَيْتَ، فَلَيْسَ لِصَخْرِ الغَيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ لأَبِي المُثَلَّمِ الهُذَلِيُّ فِي شِعْرٍ يُجِيبُ بِهِ صَخْرَ الغَيِّ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا البَيْتِ: (وافر) وَمَنْ يَكُ عَقْلُهُ مَا قَالَ صَخْرٌ … يُصِبْهُ مِنَ عَشِيرَتِهِ خَبِيثُ (٧)

стр. 1450

وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لأَنَّ صَخْرَ الغَيِّ قَالَ فِي شِعْرِهِ: (وافر) لَيْتَ مُبَلِّغًا يَأْتِي بِقَوْلِي … لِقَاءَ أَبِي المُثَلَّم لَا يَرِيثُ (١) فَيُخْبِرَهُ بِأَنَّ العَقْلَ عِنْدِي … جُرَازٌ لَا أَفَلُّ وَلَا أَنِيثُ وَ"العَقْلُ": الدِّيَّةُ. أَيْ: لَا دِيَّةَ عِنْدِي إِلَّا السَّيْفُ الجُرَازُ. وَفِي هَذَا البَيْتِ غَلَطَانِ: هَذَا غَلِطَ فِيهِ يَعْقُوبَ فَاتَّبَعَهُ عَلَى غَلَطِهِ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ فِي "كِتَابِ المَعَانِي": "مَتَى أَقْطَارِهَا". وَقَالَ: أَرَادَ مِنْ أَقْطَارِهَا. وَحَكَى أَنَّ هُذَيْلًا تَسْتَعْمِلُ "مَتَى" بِمَعْنَى "مِنْ"، وَفَسَّرَهُ فَقَالَ: يُرِيدُ كَتِيبَةً، أَيْ: مَتَى مَا تَقُولُوا: مَا هَذِهِ؟ فَتَشُكُّوا فِيهَا، تَرِدْ عَلَيْكُمْ فِيهَا الدِّمَاءَ تَنْفُثُهَا نَفْثًا. [وَكَذَلِكَ قَالَ السُّكَّرِيُّ (٢) فِي "أَشْعَارِ الهُذَلِيينَ"] (٣). وَالغَلَطُ الثَّانِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ يَخْتَصُّ الأَصْمَعِيَّ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَالَهُ، وَزَعَمَ أَنَّ الهَاءَ فِي "تُنْكِرُوهَا "ضَمِيرُ الكَتِيبَةِ، أَيْ: مَتَى مَا أَنْكَرَتُمْ هَذِهِ الكتِيبَةَ عَرَفْتُمُوهَا بِهَذِهِ العَلَامَةِ، يَسِيلُ مِنْ أَقْطَارِهَا الدَّمُ (٤). وَهَذَا تَفْسِيرٌ طَرِيفٌ، لأَنَّ الشَّاعِرَ لَمْ يَذْكُرَ فِي هَذَ الشِّعْرِ كَتِيبَةً لَا قَبْلَ البَيْتِ وَلَا بَعْدَهُ. وَهُوَ أَوَّلُ الشِّعْرِ: (وافر) أَنَسْلَ بَنِي شِغَارَةَ مَنْ لِصَخْرٍ … فَإِنِّي عَنْ تَفَقُّرِكُمْ مَكِيثُ (٥) لحَقُّ بَنِي شِغَارَةَ أَنْ يَقُولُوا … لِصَخْرِ الغَيِّ مَاذَا تَسْتَمِيثُ وَبَنُو شِغَارَةَ: رَهْطُ صَخْرٍ، وَشِغَارَةَ لَقَبٌ لِصَخْرٍ. وَيُرْوَى بِالغَيْنِ وَالعَيْنِ.

стр. 1451

وَ"تَسْتَمِيثُ": تَسْتَخْرِجُ، أَيْ: مَاذَا تَسْتَخْرِجُ وَتُثِيرُ مِنَ الشَّرِّ بِمَا قُلْتَهُ. وَ"التَّفَقُّرُ": اتِّبَاعُ الأَثَرِ. وَ"مَكِيثُ": مُحْتَبِسٌ. فَيَجِبُ عَلَى مَا قَالَ الأَصْمَعِيُّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الإِضْمَارِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُونَهُ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لِمَا فِي الكَلَام عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ، إِلَّا أَنَّ في الشَّعْرِ بَيْتًا وَهُوَ: (وافر) فَلَا وَأَبِيكَ لَا تَنْفَكُّ مِنِّي … إِلَيْكَ مَقَالَةٌ فِيهَا وَعُوثُ (١) فَهَذَا البَيْتُ لَوْ قُدِّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: "مَتَى تُنْكِرُوهَا" (٢) اسْتَقَامَ الشِّعْرُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِضْمَارِ شَيْءٍ لَمْ يُذْكَرْ، لأَنَّ الهَاءَ عَائِدَةٌ عَلَى المَقَالَةِ. وَالمَعْنَى: إِنِّي أَقُولُ فِيهِمْ مَقَالَةً لَا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْكَارِهَا وَدَفْعِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، لأَنِّي أَسِمُهَا بِأَسْمَائِكُمْ، وَعَلَى أَقْطَارِهَا الدَّمُ المَنْفُوثُ، أَيْ: إِنَّهَا مَقَالَةٌ تُثِيرُ الحَرْبَ وَسَفْكَ الدِّمَاءِ. كَمَا يُقَالُ: هَذَا كَلَامٌ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ. فَإِذَا حُمِلَ الشِّعْرُ عَلَى هَذَا كَانَتْ "عَلَى" قَدْ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، وَالضَّمِيرُ قَدْ عَادَ إِلَى مَذْكُورٍ وَهَذَا مِمَّا أَفْسَدَتْهُ الرُّوَاةُ، فَقَدَّمُوا وَأَخَّرُوا، لأَنَّ الشَّاعِرَ كَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَيُنْشِدُهُ بِعُكَاظَ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ المَوَاسِمِ، فَيَحْفَظُهُ عَنْهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ الأَعْرَابِ، وَيَذْهَبُونَ بِهِ إِلَى الأَقْطَارِ، فَيُقَدِّمُونَ وَيُؤَخِّرُونَ. وَرُبَّمَا حَفِظَ السَّامِعُ بَعْضَ الشِّعْرِ، وَلَمْ يَحْفَظَ بَعْضَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ خَطٍّ، فَيُقَيِّدُونَ" (٣). "وَ"يَعِمْنَ" فِي بَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ (٤) مِنْ قَوْلِكَ: وَعَمَ يَعِمُ، كَوَعَدَ يَعِدُ، وَوَعِمَ يَعِمُ بِكَسْرِ العَيْنِ، كَوَمِقَ يَمِقُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ "يَعِمُ" مَحْذُوفٌ مِنْ

стр. 1452

يَنْعِمُ، وَأَجَازُوا: عَمْ صَبَاحًا بِفَتْح العَيْنِ وَكَسْرِهَا كَمَا يُقَالُ: أَنْعَمْ صَبَاحًا وَأَنْعِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ بَعْضَ العَرَبِ أَنْشَدَ: (طويل) أَلَا عَمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالِي (١) بِفَتْحِ العَيْنِ. وَحَكَى يُونُسُ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو بنَ العَلَاءَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ عَنْتَرَةَ: (كامل) وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي (٢) فَقَالَ: هُوَ مِنْ نَعِمَ المَطَرُ: إِذَا كَثُرَ، ونَعِمَ البَحْرُ: إِذَا كَثُرَ زَبَدُهُ (٣). كَأَنَّهُ يَدْعُو لَهَا بِالسُّقْيَا وَكَثْرَةِ الخَيْرِ. وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ وَالفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِمْ: عِمْ صَبَاحًا إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ بِالنَّعِيمِ وَالأَهْلِ (٤)، وَهُوَ المَعْرُوفُ فِيهِ. وَمَا حَكَاهُ يُونُسُ نَادِرٌ غَرِيبٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ. فَحَكَى يَعْقُوبُ عَن الأَصْمَعِيِّ أَنَّ "فِي" هَا هُنَا بِمَعْنَى "مِنْ". وَأَجَازَ أَيْضًا أن تكونَ بِمَعْنَى "مَعَ" كَمَا قَالَ: وَلَوْحُ ذِرَاعَيْنِ فِي بِرْكَةٍ (٥)

стр. 1453

وَكَوْنُهَا بِمَعْنَى "مَعَ" أَشْبَهُ مِنْ كَوْنِهَا بِمَعْنَى "مِنْ". وَرَوَاهُ الطُّوسِيُّ (١): "أَوْ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ" (٢). وَكُلُّ هَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ "الأَحْوَالَ" هَا هُنَا: السِّنُونَ، جَمْعُ حَوْلٍ. وَالوَجْهُ فِيهِ عِنْدِي أَنَّ الأَحْوَالَ هَا هُنَا: جَمْعُ حَالٍ لَا جَمْعُ حَوْلٍ. وَإِنَّمَا يُرِيدُ: كَيْفَ يَنْعَمُ مَنْ كَانَ أَقْرَبُ عَهْدِهِ بِالنَّعِيمِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَقَدْ تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، وَهِيَ: اخْتِلَافُ الرِّيَاحِ عَلَيْهِ وَمُلَازَمَةَ الأَمْطَارِ لَهُ، وَالقِدَمُ المُغَيِّرُ لِرُسُومِهِ. فَتَكُونُ "فِي" هَا هُنَا هي الَّتِي تَقَعُ بِمَعْنَى وَاوِ الحَالِ فِي نَحْوِ قَوْلِكَ: مَرَّتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فِي نَعِيمٍ، أَيْ: وَهَذِهِ حَالَهُ" (٣). "وَتَمَامُ بَيْتِ النَّابِغَةَ الجَعْدِي: (متقارب) إِلَى جُؤْجُؤٍ رَهِلِ المَنْكِبِ (٤) وَصَفَ فَرَسًا، وَكُلُّ عَظْمٍ عَرِيضٍ فَهُوَ لَوْحٌ. وَالبِرْكَةُ": الصَّدْرُ، إذَا أَدْخَلْتَ الهَاءَ كُسَرْتَ البَاءَ وَإِذَا حَذَفَتَهَا فُتِحَتْ البَاءُ، وَأَصْلُ البَرْكِ وَالبِرْكَةِ لِلْبَعِيرِ، لأَنَّهُ يَبْرُكُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ فِي غَيْرِهِ. "وَالجُؤْجُؤُ": الصَّدْرُ. وَ"الرَّهِلُ": المُسْتَرْخِي. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ جِلْدَ صَدْرِهِ وَاسِعٌ غَيْرُ ضَيِّقٍ، فَمَنْكِبُهُ يَمُوجُ وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي الفَرَسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو الطَّيِّب: (طويل) لَهُ فَضْلَةٌ عَنْ جِسْمِهِ مِنْ إِهَابِهِ … تَجِيءُ عَلَى صَدْرٍ رَحِيبٍ وَتَذْهَبُ (٥)

стр. 1454

وَقَوْلُهُ: "وَلَوْحُ". مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا البَيْتِ بِأَبْيَاتٍ: (متقارب) وَأَوْظِفَةٍ أَيِّدٌ جَدْلُهَا … كَأَوْظِفَةِ الفَالِجِ المُصْعَبِ (١) "الفَالِجُ": البَعِيرُ الَّذِي لَهُ سَنَامَان. وَ"المُصْعَبُ": الَّذِي لَمْ يُرَضْ" (٢). "وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "فِي" هَا هُنَا بِمَعْنَى "مَعَ" لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا، لأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ فِي الشَّيْءِ فَهُوَ مَعَهُ" (٣). وَقَوْلُهُ: "أَوْ طَعْمُ هَادِيَةٍ" (٤). (البيت) "هُوَ لِخُرَاشَةَ بْنِ عَمْرٍو العَبْسِيِّ (٥)، وَرَوَاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ لِعَنْتَرَةَ بن شَدَّادٍ. وَقَبْلَهُ: (بسيط) كَأَنَّ رِيقَتَهَا بَعْدَ الكَرَى اغْتُبِقَتْ … مِنْ مُسْتَكِنٍّ نَمَاهُ النَّحْلُ فِي نِيقِ (٦) وَصَفَ امْرَأَةً بِعُذُوبَةِ رِيقِهَا وَطِيبِهِ. وَ"الكَرَى": النَّوْمُ. وَخَصَّهُ لأَنَّ الأَفْوَاهَ تَتَغَيَّرُ بَعْدَ النَّوْمِ. وَ"اغْتُبِقَتْ": مِنَ الغُبُوقِ، وَهُوَ مَا يُشْرَبُ بِالعَشِيِّ أَوْ بِاللَّيْلِ. وَيَعْنِي بِـ "المُسْتَكِنِّ": عَسَلًا نَمَتْهُ النَّحْلُ، أَيْ: رَفَعَتْهُ فِي نِيقٍ، وَهُوَ أَعْلَى الجَبَلِ. وَ"الطَّعْمُ": المَذَاقُ. وَ"الغَادِيَةُ": السَّحَابَةُ المُبْكْرَةُ. وَ"الحَدَبُ": المَوْضِعُ المُشْرِفُ.

стр. 1455

وَقَالَ يَعْقُوبُ: ذُو حَدَبٍ: سَيْلٌ لَهُ مُحْدِبٌ، وَهَذَا غَلَطٌ، وَلَا وَجْهَ لِذِكْرِ السَّيْلِ هُنَا، وَإِنَّمَا شَبَّهَ رِيقَتَهَا فِي عُذُوبَتِهَا وَبَرْدِهَا بِمَاءٍ اسْتَنْقَعَ فِي مَوْضِعٍ مُنْخَفِضٍ تَحْتَ جَبَلٍ فَبَرَدَ وَصَفَا كَمَا قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ: (طويل). بِمَاءِ سَحَابٍ زَلَّ عَنْ مَتْنِ صَخْرَةٍ … إِلَى بَطْنِ أُخْرَى طَيِّبٍ مَاؤُهَا خَضِرْ (١) وَذَكَرَ الغَرَانِيقَ لأَنَّهَا تَفْرَحُ بِالمَطَرِ فَتَجِيءُ مَعَهُ. وَقَوْلُهُ: "مِنْ سَاكِنِ المُزْنِ". يُرِيدُ مِنَ المَاءِ السَّاكِنِ فِي المُزْنِ وَهِيَ السُّحَابُ" (٢). "وَقَبْلَ بَيْتِ (٣) مُتَمِّمِ بن نُوَّيْرَةَ (٤): (طويل) وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا (٥) يَرْثِي مُتَمِّمٌ بِهِ أَخَاهُ مَالِكًا (٦)، وَكَانَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ قَتَلَهُ فِي الرِّدَّةِ.

стр. 1456

وَ"نَدْمَانَا جَذِيمَةَ" (١) هُمَا: مَالِكٌ وَعَقِيلٌ (٢). وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا نَادَمَاهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَهُمَا خَبَرٌ مَشْهُورٌ" (٣). "وَبَيتُ الرَّاعِي (٤)، وَصَفَ فِيهِ إِبِلًا وَرَدَتْ مَاءً بَعْدَ أَنْ سَارَتْ إِلَيْهِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ الظِّمْأُ الَّذِي يُسَمَّى "الخِمْسَ" بِكَسْرِ الخَاءِ. وَ"البَايِصُ": المُتَقَدِّمُ السَّابِقُ. وَ "الجُدُّ" بِضَمِّ الجِيم: البِئْرُ تَكُونُ بَيْنَ العُشْبِ وَالكَلَا، وَ"تَعَاوَرُهُ": تَدَاوَلُهُ، تَهُبُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرِّيحُ مَرَّةً وَهَذِهِ الرِّيحَ مَرَّةً. وَأَرَادَ: تَتَعَاوَرُهُ، فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ اسْتِثْقَالًا لاجْتِمَاعِهِمَا، فَمِنَ النَّحْوِيينَ مَنْ يَرَى أَنَّ الأُوْلَى هِيَ المَحْذُوفَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ المَحْذُوفَةُ. وَ"الوَبِيلُ": الثَّقِيلُ عَلَى شَارِبِهِ الَّذِي لَا يَسْتَمْرِئُهُ إِذَا شَرِبَهُ. وَ "التِّمٌّ": التَّمَامُ. وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: تِمٌّ، وَتَمٌّ، وَتُمٌّ (٥). وَشِعْرُ العَجَّاج (٦)، وَصَفَ إِبِلًا وَرَدَتْ مَاءً. وَ"الاسْتِحَارَةُ": الشُّرْبُ وَتَرْدِيدُ الجَرْعِ. وَ"الخَرِيرُ": صَوْتُ المَاءِ. أَرَادَ أَنَّهَا وَرَدَتْهُ وَهِيَ عِطَاشٌ، فَإِذَا

стр. 1457

شَرِبَتْ سُمِعَ لِلْمَاءِ صَوْتٌ فِي أَجْوَافِهَا كَمَا قَالَ الرَّاعِي: (كامل) فَسَقَوْا صَوَادِيَ يَسْمَعُونَ عَشِيَّةً … لِلْمَاءِ فِي أَجْوَافِهِنَّ صَلِيلَا (١) وَالضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ: "فِي أَجْوَافِهَا" يَعُودُ عَلَى هَجْمَةٍ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الشِّعْرِ فَقَالَ: أَنْتَ وَهَبْتَ هَجْمَةً جُرْجُورَا … أَدْمًا وَعِيسًا مُعُصًا خُبُورَا (٢) وَ"الهَجْمَةُ" مِنَ الإِبِلِ: مَا زَادَ عَلَى الأَرْبَعِينَ. وَ"الجُرْجُورَ": العِظَامُ الخَلْقِ. وَالأُدْمُ هَا هُنَا: السُّمْرُ، وَالمَعْرُوفُ فِي الأُدُمِ إِذَا وُصِفَ بِهَا الإِبلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا البِيضُ، وَفِي بَنِي آدَمَ السُّمْرُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ أَرَادَ السُّمْرَ، لأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ العِيسَ، وَهِيَ البيضُ تَعْلُوهَا حُمْرَةٌ. وَ "المُعُصُ" و "المُلُصُ": البيضُ. وَ"الخُبُورُ الغِزَارُ": الكَثِيرَةُ اللَّبَنِ. وَأَصْلُ الخُبُورِ المَزَادُ المَمْلُوءَةُ بِالمَاءِ. شَبَّهَ بِهَا الإِبِلَ لِكَثْرَةِ لَبَنِهَا" (٣). "وَبَيْتُ عَمْرٍو بْنِ قُمِيئَةَ اليَشْكُرِيِّ (٤) مِمَّا غَلِطَ فِيهِ يَعْقُوبُ فِي كِتَابِ "المَعَانِي" فَاتَّبَعَهُ ابن قُتَيبَةَ عَلَى غَلَطِهِ، وَمِنْهُ نَقَلَ ابن قُتَيْبَةَ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا البَيْتِ حَرْفٌ أُبْدِلَ مِنْ حَرْفٍ، وَلَيْسَتْ "مَا" فِيهِ زَائِدَةً عَلَى مَا قَالَ، وَإِنَّمَا البَاءُ هَا هُنَا بِمَعْنَى القَسَمِ، وَ"مَا" اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفَعٍ بِالابْتِدَاءِ و"قَوْمِي" خَبَرُهُ. وَالمَعْنَى بِحَقِّ المَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَيُّ شَيْءٍ قَوْمِي فِي الكَرَمِ وَالجُودِ عِنْدَ هُبُوبِ الشَّمَالِ؟ يُرِيدُ زَمَانَ الشِّتَاءِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَتمَدَّحُونَ بِإِطْعَامِ الطَّعَامِ فِيهِ:

стр. 1458

[كَمَا قَالَ طَرَفَةُ: (رمل) نَحْنُ فِي المِشْتَاةِ نَدْعُو الجَفَلَا (١)] (٢) وَيَعْنِي بِرِيحِهَا: النَّكْبَاء التي تُنَاوِحُهَا، أَيْ: تُقابِلُهَا. كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: (وافر) إِذِ النَّكْبَاءُ نَاوَحَتِ الشَّمَالا (٣) وَيُرْوَى: "بِوَدِّكَ" بِفَتْحِ الوَاوِ (٤). فَمَنْ رَوَاهُ هَكَذَا احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ: بِحَقِّ صَنَمِكِ الَّذِي تَعْبُدِينَ. وَمَنْ رَوَاهُ بِضَمِّ الوَاءِ جَازَ أَنْ يُرِيدَ المَوَدَّةَ، وَجَازَ أَنْ يُرِيدَ الصَّنَمَ، لأَنَّ الصَّنَمَ يُقَالُ لَهُ: وَدٌّ، وَوُدٌّ. وَقَدْ قُرأَ بِهِمَا جَمِيعًا. وَلَوْ أَرَادَ عَلَى مَوَدَّتِكَ قَوْمِي، عَلَى مَا تَوَهَّمَ يَعْقُوبُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، لَمْ يَقُلْ: إِذَا هَبَّتْ شَمَالٌ وَرِيحُهَا، إِنَّمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: مَا هَبَّتْ شَمَالٌ وَرِيحُهَا، كَمَا تَقُولُ: لَا أُكَلِّمُكَ مَا هَبَّتِ الرِّيحُ وَمَا طَارَ طَائِرٌ. وَالوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِـ "الوُدَّ": الصَّنَمَ وَالمَوَدَّةَ، لأَنَّ سُلَيْمَى هَذِهِ كَانَتْ عِرْسَهُ وَكَانَتْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ فَطَلَّقَهَا. وَلِذَلِكَ قَالَ: عَلَى مَا تَرَكْتِهِمْ" (٥). د: أَبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "مَا" اسْتِفْهَامًا وَتَكُونُ "البَاءُ" كَالَّتِي فِي قَوْله: بِاللَّهِ رَبِّكَ إِنْ دَخَلْتَ فَقُلْ لَهُ

стр. 1459

كَأَنَّهُ قَالَ: بالله قُلْ لَهُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بِوُدِّكَ مَا قَوْمِي، أَيْ: سَلِي مَا قَوْمِي. "وَعَلَى أَنْ تَرَكْتِهِمْ" فِي مَوْضِعِ الحَالِ، أَيْ: مَا قَوْمِي مَشْرُوكِينَ مِنْ أَجْلِكِ (١). وَقَوْلُهُ: غُلْبٌ تَشَذَّرُ (٢) (البَيْتَ) ط: "هُوَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَقَبْلَهُ: (كامل) وَكَثِيرَةٍ غُرَبَاؤُهَا مَجْهُولَةٍ … تُرْجَى نَوَافِلُهَا وَيَرْهَبُ ذَامُهَا (٣) يُرِيدُ قُبَّةَ مَلِكٍ فِيهَا قَوْمٌ غُرَبَاءُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَاخَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْ المَلِكِ فَغَلَبَهُمْ، وَظَهَر عَلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ: "مَجْهُولَةً" أَرَادَ مَجْهُولٍ مَنْ فِيهَا، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ القُبَّةَ نَفْسَهَا مَجْهُولَةٌ. وَ"النَّوَافِلُ": الفَضْلُ. وَ"الذَّام": العَيْبُ وَالعَارُ. يُريدُ أَنَّ مَنْ حَضَرَهَا يَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَهُ الظُّهُورُ وَالشَّرَفُ، وَيَرْهَبُ أَنْ يُغْلَبَ وَيُظْهَرَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَارًا يَبْقَى فِي عَقِبِهِ. فَهُوَ لِذَلِكَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَدَعُ غَايَةً مِنَ المُفَاخَرَةِ إِلَّا قَصَدَهُ. وَشَبَّهَهُمْ بِجَمَالٍ غُلبٍ تَشَذَّرُ بأَذْنَابِهَا إذَا تَصَاوَلَتْ وَهَاجَتْ وَيُقَالُ: تَشَذَّرَ البَعِيرُ "بِذَنْبِهِ": إِذَا [اسْتَغْفَرَ] بِهِ. وَتَشَذَّرَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ عِنْدَ القِتَالِ: إِذَا تَحَزَّمَ وَتَهَيَّأَ لِلْحَرْبِ. وَ"الغُلْبُ": الغِلَاظُ الأَعْنَاقِ، الوَاحِدُ أَغْلَبُ. وَ "البَدِيُّ" (٤):

стр. 1460

وَادٍ تَسْكُنُهُ الجِنُّ فِيمَا يَزْعَمُونَ. وَ"الرَّوَاسِي": الثَّابِتَةُ الَّتِي لَا تَبْرَحُ. وَتَمَامُ مَعْنَى الشِّعْرِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: (كامل) أَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا وَبُؤْتُ بِحَقِّهَا … عِنْدِي وَلَمْ يَفْخَرْ عَلَيَّ كِرَامُهَا (١) وَتَقْدِيرُ البَيْتِ الأَوَّلِ: وَ"كَثِيرَةٍ غُرَبَاؤُهَا": مَجْهُولَةٍ غُرَبَاؤُهَا، فَحَذَفَ المُضَافَ وَأَقَامَ الصَّمِيرَ المُضَافَ إِلَيْهِ مُقَامَهُ فَاسْتَتَرَ فِي الصِّفَةِ" (٢). د: أَبُو عُبَيْدٍ: "تَقَطَّرَ الرَّجُلُ، وَتَقَيَّرَ، وَتَشَذَّرَ كُلُّهُ: تَهَيَّأَ لِلْقِتَالِ وَتَحَرَّقَ" وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَشَزَّرَ بِالزَّاي. وَقَالَ يَعْقُوبُ: "قَالَ الأَصْمَعِيُّ: يَعْنِي بِـ "الغُلْبِ" وَفَدًا فَاخَرَهُمْ كَأَنَّهُمْ فُحُولٌ غُلْبٌ أَيْ: غِلَاظٌ الرِّقَابِ" (٣). وَ"تَشَّذَّرُ": تَشُولُ بِأَذْنَابِهَا بِالنُّحُولِ، أَيْ: مِنْ أَجْلِ الذُّحُولِ، مِثْلَ قَوْلِكَ: تَشَذّرَ لِي بِالبَغْضَاءِ أَيْ: مِنْ أَجْلِهَا. وَفِي الحَدِيثَ: "قَالَ قَزَعَةُ: رَآنِي أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ (٤) وَأَنَا أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ فَنَهَانِي فَقُلْتُ: اتْرُكْهُمَا بِكَ؟ قَالَ: اتْرُكْهُمَا بِي، أَيْ: مِنْ أَجْلِكَ وَبِأَمْرِكَ" قَالَهُ قَاسِمُ بنُ ثَابِتٍ (٥) وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ هَذَا البَيْتَ شَاهِدًا.

стр. 1461

بَابُ زِيَادَةِ الصِّفَاتِ (١) ط: "سَمَّى ابنُ قُتَيْبَةَ فِي هَذِهِ الأَبْوَابِ حُرُوفَ الجَرِّ صِفَاتٍ، وَهِيَ عِبَارَةٌ كُوفِيَّةٌ لَا بَصْرِيَّةٌ وَإِنَّمَا سَمَّوْهَا صِفَاتٍ لأَنَّهَا تَنُوبُ مَنَابَ الصِّفَاتِ وَتَحُلُّ مَحَلَّها. إِذَا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا فِي الدَّارِ. فَالمَعْنَى: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ كَائِنٍ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مُسْتَقِرًا فِي الدَّارِ. وَحُرُوفُ الجَرِّ تَنْقَسِمُ مِنْ طَرِيقِ الزِّيَادَةِ وَغَيْرِ الزِّيَادَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَام: قِسْمٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّحْوِيينَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ زَائِدٍ، وَقِسْمُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ زَائِدٌ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ لِشُذُوذِ قَائِلِهِ عَمَّا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ فِيهِ خِلَافٌ. وَإِنَّمَا خَصَّصْنَا البَاءَ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ حُروفِ الجَرِّ، لأَنَّ ابن قتيبةَ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا حَرْفًا غَيْرَ البَاءِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ بَيْتٍ حُمَيْدٍ (٢) فِي آخِرِ البَابِ، فَالبَاءَاتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهَا إِنَّهَا زَائِدَةٌ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ: * مِنْهَا: البَاءُ الَّتِي لَا يَصِلُ الفِعْلُ إِلَى مَعْمُولِهِ إِلَّا بِهَا، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ. وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى بَاءَ الإِلْصَاقِ وَبَاءَ التَّعْدِيَةِ. * وَمِنْهَا البَاءُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الاسْمِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ العَامِلِ وَمَعْمُولِهِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ بِالسَّوْطِ زَيْدًا، وَكَتَبْتُ بِالقَلَم الكِتَابَ، وَشَرِبْتُ بِالمَاءِ الدَّوَاءَ، وَهَذِهِ البَاءُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى بَاءَ الاسْتِعَانَةِ، وَالفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأُولَى، أَنَّ الفِعْلَ

стр. 1462

فِي النَّوْعِ الأَوَّلِ مُتَعَدٍّ إِلَى الاسْمِ الَّذِي بَاشَرَتْهُ البَاءُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا. وَفِي هَذَا النَّوْعِ الثَّانِي تَتَعَدَّى إِلَى شَيْءٍ بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ آخَرَ. وَقَدْ يَقْتصرُونَ عَلَى أَحَدِ الاسْمَيْنِ فَيَقُولُونَ: ضَرَبْتُ بِالسَّوْطِ وَكَتَبْتُ بِالقَلَمِ، وَلَا يَذْكُرُونَ المَضْرُوبَ وَلَا المَكْتُوبَ، وَقَدْ يَقُولُونَ: ضَرَبْتُ الرَّجُلَ، وَكَتَبْتُ الكِتَابَ، وَلَا يَذْكُرُونَ الاسْمَ المُتَوَسِّطَ الَّذِي بِوِسَاطَتِهِ بَاشَرَ العَامِلُ مَعْمُولَهُ. * وَمِنْهَا البَاءُ الَّتِي تَنُوبُ مَنَابَ وَاوِ الحَالِ كَقَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ بِثِيَابِهِ أَيْ: وَثِيَابُهُ عَلَيْهِ. وَكَقَوْلِهِ: (متقارب) وَمُسْتَنَّةٍ كَاسْتِنَانِ الخَرُو … فِي قَدْ قَطَّعَ الحَبْلَ بِالمِرْوَدِ (١) أَيْ: وَالمِرْوَدُ فِيهِ. * وَمِنْهَا البَاءُ الَّتِي تَأْتِي لِمَعْنَى البَدَلِ وَالعَوْضِ. كَقَوْلِهِمْ: هَذَا بِذَاكَ. * وَمِنْهَا البَاءُ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى "عَنْ" بَعْدَ السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ (٢) * وَمِنْهَا البَاءُ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى القَسَمِ. * وَمِنْهَا البَاءُ الَّتِي تَقَعُ فِي التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَقِيتُ بِهِ الأَسَدَ، وَرَأَيْتُ بِهِ القَمَرَ، أَيْ: لَقِيتُ بِلِقَائِي إِيَّاهُ الأَسَدَ، وَرَأَيْتُ بِرُؤْيَتِي إِيَّاهُ القَمَرَ. * وَمِنْهَا البَاءُ الَّتِي تَقَعُ فِي مَا ظَاهِرُهُ غَيْرُ الذَّاتِ، وَإِنَّمَّا المُرَادُ الذَّاتُ بِعَيْنِهَا لَا غَيْرُهَا. كَقَوْلِهِ: (طويل)

стр. 1463

وَلَمْ يَشْهَدِ الهَيْجَاءَ بَأَلْوَثَ مُعْصِمِ (١) أَيْ: لَمْ يَشْهَدِ الهَيْجَاءَ مِنْ نَفْسِهِ بِأَلْوَثَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (منسرح) يَا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ المَطِيَّ وَلَا … يَشْرَبُ كَأْسًا بِكَفِّ مَنْ بَخِلًا (٢) * وَمِنْهَا بَاءُ السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: "غُلْبٌ تَشَذَّرُ بِالنُّحُولِ" (٣)، أَيْ: بِسَبَبِ الذُّحُولِ وَمِنْ أَجْلِهَا. فَجَمِيعِ هَذِهِ البَاءَاتِ لَا تَجُوزُ زِيَادَتُهَا، لَا أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لأَحَدٍ. وَأَمَّا الزَّائِدَةُ الَّتِي لَا خِلَافَ فِي زِيَادَتِهَا إِلَّا مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَكُلُّ يَاءٍ دَخَلَتْ عَلَى الفَاعِلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٤). وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: (وافر) أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ (٥) وَهَذَا البَيْتُ أَوَّلُ القَصِيدَةِ، وَكَذَلِكَ مَا دَخَلَ مِنْهَا عَلَى المُبْتَدَإِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: (سريع) بِحَسْبِكَ فِي القَوْمِ أَنْ يَعْلَمُوا … بِأَنَّكَ فِيهِمْ غَنِيٌّ مُضِرْ (٦)

стр. 1464

وَإِنَّمَا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ هُنَا زَائِدَةً، لأَنَّ الفَاعِلَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى وَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلِهِ، لِشِدَّةِ اتَّصَالِهِ، وَالمُبْتَدَأُ سَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مُعَرَّى مِنَ العَوَامِلِ اللَّفْظِيَّةِ. وَأَمَّا البَاءُ الَّتِي فِيهَا خِلَافٌ، فَكُلُّ بَاءٍ دَخَلَتْ عَلَى مَعْمُولٍ وَعَامِلُهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ وِسَاطَةِ حَرْفٍ بَيْنَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (١). وَقَوْلِ أَبِي ذُؤيبٍ: شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ (٢) فَللنَّحْوِيينَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ البَاءَاتِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ. وَلَكِنَّا نَذْكُرَ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الكِتَابُ مِنْهَا إِنْ شَاءَ الله" (٣). وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٤)، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ بِفتح التاءِ وَضَمِّهَا، فَمَنْ قَرَأَهُ بِالفَتْحِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ القُرَّاءِ (٥)، فَإِنَّهَا غَيْرُ زَائِدَةٍ. وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ التَّاءِ، وَهِيَ قَرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَابْنِ كَثِيرٍ (٦)، فَفِي هَذِهِ القِرَاءَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: مَا ذَكَرَهُ ابن قُتَيْبَةَ (٧) مِنْ زِيَادَةِ البَاءِ، وَأَحْسِبُهُ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَيُقَوِّي هَذَا القَوْلَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ (٨) أَنَّهُ قَرَأَ: "تُخْرِجُ الدُّهْنَ".

стр. 1465

وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ البَاءَ هَا هُنَا هِيَ البَاءُ الَّتِي تُعَاقِبُ وَاوَ الحَالِ، فِي نَحْوِ مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَقَدْ قَطَعَ الحَبْلَ بِالمِرْوَدِ (١) أَيْ: وَالمِرْوَدُ فِيهِ. فَيَكُونُ المَعْنَى: تُنبِتُ نَبَاتَهَا وَالدُّهْنُ فِيهِ. وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ عَلَى حَدِّهَا فِي قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَ التَّاءَ، لأَنَّهُ قَدْ حُكِي: نَبَتَ البَقْلُ وَأَنْبَتَ بِمَعْنًى وَاحِدِه (٢). وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ: ﴿اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٣) عَلَى زِيَادَةِ البَاءِ فَقَوْلُ غَيْرُ مُخْتَارٍ. وَفِيهِ ثلاثة أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: مَا ذَكَرَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ البَاءُ غَيْرَ زَائِدَةٍ، وَلَكِنَّهَا عَلَى بَابِهَا فِي الإِلْصَاقِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: أَلْصِقُ قِرَاءَتَكَ بِاسْمِ رَبِّكَ، فَالمَقْرُوءُ فِي هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ هُوَ الاسْمُ. وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ البَاءُ بِمَعْنَى الاسْتِعَانَةِ وَالمَقْرُوءُ غَيْرُ الاسم؛ كَأَنَّهُ قَالَ: اقْرَأْ كُلَّ مَا تَقْرَؤُهُ بِاسْمِ رَبِّكَ، أَيْ: قَدِّمِ التَّسْمِيَّةَ قَبْلَ قِرَاءَتِكَ. وَهَذَا خَيْرُ الأَقْوَالِ. لأَنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ بِتَقْدِيمِ التَّسْمِيَةَ قَبْلَ كُلِّ مَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ؛ فَهُوَ إِذَنْ مِنْ بَابِ "بَرَيْتُ بِالسِّكِّينِ القَلَمَ" فِي أَنَّ الفِعْلَ يَصِلُ إِلَى أَحَدِ المَفْعُولَيْنِ بِتَوَسط الاسْمِ الآخَرِ (٤). وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (٥). فَفِيهِ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

стр. 1466

أَحَدُهَا: زِيَادَةُ البَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "مِنْ" كَالَّتِي فِي قَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ: شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ (١) وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ المَعْنَى: يُلْصِقُونَ بِهَا شُرْبَهُمْ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يَرَى زِيَادَةَ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ" (٢). "وَأَمَّا قَوْلُ أُمَيَّةَ: (خفيف) إِذْ يَسُفُّونَ بِالدَّقِيقِ (٣) وَقَوْلُ الرَّاعِي: (بسيط) لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ (٤) فَفِيهِمَا قَوْلَانِ: الزِّيَادَةُ وَالإِلْصَاقُ (٥) عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَسْفَلُهُ بِالمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ (٦)

стр. 1467

فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: زِيَادَةُ البَاءِ. فَيَكُون مَوْضِعُ المَجْرُورٍ بِهَا نَصْبًا عَطْفًا عَلَى الشَّتِّ (١)، كَمَا تَقُولُ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وَبَكْرٌ خَالِدًا، فَتَعْطِفُ الفَاعِلَ عَلَى الفَاعِل وَالمَفْعُول عَلَى المَفْعُولِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ زَائِدَةٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَ "أَسْفَلُهُ" مَرْفُوعًا بِالابْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُ: بِـ "المَرْخِ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى صَبْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَسْفَلُهُ مُثْمِرٌ بِالمَرْخِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ التَّقْدِيرِ" (٢). "وَكَمَالُ بَيْتِ أُمَيَّةَ بن أَبي الصَّلْتِ: (خفيف) إِذْ يَسُفُّونَ بِالدَّقِيقِ وَكَانُوا … قَبْلُ لَا يَأْكُلُونَ شَيْئًا فَطِيرَا أَرَادَ: يَسُفُّونَ الدَّقِيقَ - فَزَادَ البَاءَ - وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُونَ خُبْزًا فَطِيرًا، وَأَحْسِبُهُ يَصِفُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (٣). وَصَدْرُ بَيْتِ الرَّاعِي: (بسيط) هُنَّ الحَرَائِرُ لَا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ قَالَ ابن سِرَاج: الرِّوَايَةُ عِنْدِي "أَخْمِرَةٌ" بِالخَاءِ مُعْجَمَةٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْتَمِرُ إِلَّا الإِمَاءُ، فَنَفَى ذَلِكَ عَنْ هَؤُلَاءِ الحَرَائِرِ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: "سُودُ المَحَاجِرِ" وَصْفٌ لِلإِمَاءِ بِمَا هُنَّ سُودُ المَحَاجِرِ غَيْرُ قَارِنَاتٍ لِلسُّوَرِ. ط: "وَالبَيْتُ الَّذِي أَوَّلُهُ: "بَوَادٍ يَمَانٍ" هُوَ لِيَعْلَى الأَحْوَلِ (٤) فِيمَا ذَكَرَ

стр. 1468

الأَصْبَهَانِيُّ (١). وَ"الشَّتُّ": شَجَرُ المَرْخِ. وَيُقَالُ: إِنَّ المَرْخَ هُوَ الكَلْخُ. وَالعَفَارُ: الدِّفْلَى. وَالشَّبَهَانُ: شَجَرٌ يُشْبِهُ السَّمَرَ مِنَ العِضَاءِ. وَقَالَ الخَلِيلُ: "الشَّبَهَانُ: الثُّمَامُ (٢) " (٣). "وَبَيْتُ أَعْشَى بَكْرٍ (٤) لَمْ يَقَعْ فِي شِعْرِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ البَغْدَادِيِّ هَكَذَا، إِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِيهِ: (كامل) ضمِنَتْ لَنَا أَعْجَازُهُنَّ قُدُورَنَا … وَضُرُوعُهُنَّ لَنَا الصَّرِيحَ الأَجْرَدَا (٥) وَقَبْلَهُ فِي وَصْفِ إِبلٍ: (كامل) مِثْلُ الهِضَابِ جُزَارَةٌ لِسُيُوفِنَا … فَإِذَا نُرَاعُ فَإِنَّهَا لَنْ تُطْرَدَا (٦) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَيُرْوَى: "ضَمِنَتْ لَنَا أَعْجَازَهَا أَرْمَاحُنَا" أَيْ: ضَمِنَتْ أَرْمَاحُنَا أَعْجَازَ إِبِلِنَا أَنْ يُغَارَ عَلَيْهَا، فَنَحْنُ نَنْحَرُهَا وَنَشْرَبُ أَلْبَانَهَا. وَالصَّرِيحُ مِنَ اللَّبَنِ: مَا ذَهَبَتْ رَغْوَتُهُ. وَالأَجْرَدُ: الَّذِي لَا رُغْوَةَ لَهُ. وَلَعَلَّ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ قتيبة رِوَايَةٌ ثَانِيةٌ، أَوْ مِنْ قَصِيدَةٍ أُخْرَى وَقَعَتْ فِي غَيْرِ رِوَايَتِنَا" (٧). "وَإِنَّمَا جَازَ دُخُولُ البَاءِ عَلَى "الرِّزْقِ"، لأَنَّ "ضَمِنَتْ" بِمَعْنَى تَكَفَّلَتْ، وَالتَّكَفُّلُ يَتَعَدَّى بِالبَاءِ تَقُولُ: تَكَفَّلْتُ بِكَذَا، فَصَارَ نَحْوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَمْلِهِمُ الفِعْلَ عَلَى نَظِيرِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّاجِزِ:

стр. 1469

نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالفَرَجْ (١) إِنَّمَا عَدَّى الرَّجَاءَ بِـ "البَاءِ" (٢)، لأَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّمَعِ، وَالطَّمَعُ يَتَعَدَّى بِالبَاءِ كَقَوْلِكَ: طَمِعْتُ بِكَذَا: (طويل) طَمِعْتُ بِلَيْلَى أَنْ تَرِيعَ وَإِنَّمَا … تُقَطِّعُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ المَطَامِعُ (٣) " (٤) "وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ (٥) فَإِنَّ فِي هَذِهِ الآيةِ وُجُوهًا مِنَ القِرَاءَاتِ وَالإِعْرَابِ: * فَمَنْ قَرَأَ "تُسَاقِطْ" بِنَاءٍ مَضْمُومَةٍ أَوْ بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَخَفَّفَ السِّينَ، كَسَرَ القَافَ، فَـ "البَاءُ" عَلَى قِرَاءَتِهِ زَائِدَةُ أَوْ لِلْإِلْصَاقِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ القُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ زَائِدٌ. وَ"الهَزُّ" بِحَسَبِ هَاتَيْنِ القِرَاءَتَيْنِ وَالرَّأْيَيْنِ وَاقِعٌ عَلَى الجِذْعِ، وَ"رُطَبًا" مَفْعُولٌ بِـ "تُسَاقِط". وَفِي "تُسَاقِطْ" ضَمِيرُ فَاعِلٍ. * فَمَنْ قَرَأَ بِاليَاءِ وَذَكَّرَ، كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى الجِذْعِ. * [وَمَنْ قَرَأَ "تُسَاقِط" فَأَنَّثَ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا] (٦) إِلَى النَّخْلَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الجِذْع، وَأَنَّكَ الجِذْعَ، إذْ كَانَ مُضَافًا إِلَى مُؤَنَّثٍ وَهُوَ بَعْضُهُ، كَمَا قَالُوا: ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ. * وَمَنْ قَرَأَ "يَسَّاقَطْ" فَفَتَحَ اليَاءَ وَشَدَّدَ السِّينَ وَفَتَحَ القَافَ وَذَكَّرَ

стр. 1470

الضَّمِيرَ، فَلَا يَكُونُ الضَّمِيرُ عَلَى قِرَاءَتِهِ إِلَّا عَائِدًا عَلَى الجِذْعِ. * وَمَنْ فَتَحَ وَشَدَّدَ وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ، كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى النَّخْلَةِ أَوْ عَلَى الجِذْع، وَ"البَاءُ" زَائِدَةً أَوْ لِلْإِلْصَاقِ كَمَا كَانَتْ فِي القِرَاءَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ "الرُّطَبَ" فِي هَاتَيْنِ القِرَاءَتَيْنِ يَنْتَصِبُ عَلَى [التَّمْيِيزِ] (١) وَالتَّفْسِيرِ، لأَنَّ التَّسَاقُطَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ كَمَا تَتَعَدَّى المُسَاقَطَةُ، وَيَجُوزُ فِي هَاتَيْنِ القِرَاءَتَيْنِ الثَّانِيَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ "الرُّطَبُ" مُنتَصِبًا بـ "هُزِّي"، أي: "هُزِّي رُطَبًا جَنِبًا بِهَزِّكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ"، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِمْ: لَقِيتُ بِزَيْدٍ كَرَمًا وَبِرًا، أَيْ: لَقِيتُ الكَرَمَ وَالبِرَّ بِلِقَائِي إِيَّاهُ. فَتَكُونُ "البَاءُ" عَلَى هَذَا غَيْرَ زَائِدَةٍ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ الفَاعِلُ فِي "تَسَّاقَطْ" عَائِدًا عَلَى الرُّطَبِ لَا عَلَى النَّخْلَةِ. لأَنَّ الرُّطَبَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَفِي تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى "الرُّطَب" نَظَرٌ، لأَنَّهُ قَدْ قَالَ ﵎: ﴿جَنِيًّا﴾ فَذَكَرَ صِفَتَهُ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: جَنِيَةً، غَيْرَ أَنَّهُ أَخْرَجَ بَعْضَ الكَلَامِ عَلَى التَّذْكِيرِ وَبَعْضَهُ عَلَى التَّأْنِيثِ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: (كامل) قَالَتْ قُتَيْلَةُ: مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًا … وَأَرَى ثِيَابَكَ بِالِيَاتٍ هُمَّدَا (٢) فَقَالَ: "بَالِيَاتٍ" عَلَى تَأْنِيثِ الجَمْع وَ"هُمَّدًا" عَلَى تَذْكِيرِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي القُرْآنِ مَا هُوَ أَطْرَفُ مِنْ هَذَا وَأَغْرَبُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٣) فَأَفْرَدَ اسْمَ كَانَ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ "مَنْ"، وَجَمَعَ خَبَرَهَا عَلَى مَعْنَاهَا، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ القَائِلِ: لَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ إِلَّا مَنْ كَانَ عُقَلَاءَ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ أَنْكَرَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيينَ، وَقَدْ جَاءَ نَظِيرُهَا فِي كِتَابِ اللهِ كَمَا تَرَى" (٤). وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ (٥).

стр. 1471

"فَإِنَّمَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى زِيَادَةِ "البَاءِ" هَا هُنا، لأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ المَفْتُونَ اسْمُ المَفْعُولِ مِنْ فَتَنْتُهُ، فَوَجَبَ عَلَى هَذَا الاِعْتِقَادِ أَنْ يُقَالَ: أَيُّكُمْ الْمَفْتُونُ عَلَى الابْتِدَاءِ وَالخَبَرِ، وَصَارَتِ "البَاءُ" هَا هُنَا زَائِدَةٌ كَزِيَادَتِهَا فِي قَوْلِهِمْ: بِحَسْبِكَ قَوْلُ السُّوءِ، وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: (سريع) بِحَسْبِكَ فِي القَوْمِ أَنْ يَعْلَمُوا … بِأَنَّكَ فِيهِمْ غَنِيٌّ مُضِرْ وَالأَجْوَدُ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنْ يَكُونَ "المَفْتُونُ" مَصْدَرًا جَاءَ عَلَى زِنَةِ "المَفْعُولِ" كَقَوْلِهِمْ: خُذ مَيْسُورَهُ وَدَعْ مَعْسُورَهُ، فَيَرْتَفِعُ بِالإِبْتِدَاءِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: "بِأَيِّكُمُ" فِي مَوْضِع رَفْعٍ عَلَى خَبَرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِأَيِّكُمُ الفُتُونُ، كَمَا تَقُولُ: بِأَيِّكُمُ المَرَضُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "البَاءَ" هَا هُنَا بِمَعْنَى "فِي"، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ بِالبَصْرَةِ وَفِي البَصْرَةِ. وَالمَفْتُونُ: اسْمُ مَفْعُولٍ لَا مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ بِالابْتِدَاءِ، وَالمَجْرُورُ مُتَضَمِّنٌ لِخَبَرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فِي أَيِّكُمُ المَفْتُونُ؟ كَمَا تَقُولُ: فِي أَيْكُمُ الضَّالُّ؟ وَفِي أَيِّ الطَّائِفَتَينِ الكَافِرُ؟ " (١). "وَأَمَّا قَوْلُ امْرِيءِ القَيْسِ: هَصَرْتُ بِغُصْنٍ (٢). (البيت) فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: مِنْ زِيَادَةِ "البَاءِ"، وَمِنْ مَعْنَى الإِلْصَاقِ، وَيُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ بِالإِلْصَاقِ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ الهَصْرَ بِالغُصْنِ لأَفَادَ مَا يُفيدُهُ قَوْلُهُ: هَصَرْتُ غُصْنًا، وَكَذلِكَ لَوْ قَالَ القَائِلُ: أَوْقِعِ الهَزَّ بِالجِذْعِ، وَالشَّرْبَ بِالمَاءِ، لأفَادَ مَا يُفيدُهُ: هُزِّ الجِذْعَ، وَاشْرَبِ المَاءَ. فَكَأَنَّهُ كَلَامٌ حُمِلَ عَلَى مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي المَعْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَمْلِهِمْ

стр. 1472

بَعْضَ [الأَسْمَاءِ] (١) عَلَى بَعْضِ" (٢). "وَصَدْرُه: (طويل) فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ وَأَسْمَحَتْ (٣) وَمَعْنَى "تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ": تَدَاوَلْنَاهُ. حَدَّثَتْنِي مَرَّةً وَحَدَّثْتُهَا أُخْرَى. وَ"أَسْمَحَتْ": لَانَتْ بَعْدَ صُعُوبَتِهَا وَانْقَادَتْ بَعْدَ إِبَائِهَا. وَ"الهَصْرَ": الجَذْبُ. يُقَالُ: هَصَرْتُ الغُصْنَ فَانْهَصَرَ، أَيْ: جَذَبْتُهُ إِلَيَّ فَانْجَذَبَ. وَالشَّمَارِيخُ: العَرَاجِينَ، شَبَّهَ قَدَّهَا بِالغُصْنِ وَشَعَرَهَا بِالشَّمَارِيخِ. وَفِي هَذَا البَيْتِ شَيْءٌ يَظُنُّهُ قَوْمٌ مُخَالِفًا لِمَا قَالَ. قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي "كِتَابِهِ": "وَأَمَّا تَفَاعَلْتُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا وَأَنْتَ تُرِيدُ فِعْلَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعْمَلًا فِي مَفْعُولٍ لَا يَتَعَدَّى الفَاعِلَ إِلَى مَنْصُوبٍ، فَفِي "تَفَاعَلْنَا" تَلْفِظُ بِالمَعْنَى الَّذِي فَاعَلْتَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُكَ: تَضَارَبْنَا وَتَرَامَيْنَا وَتَقَاتَلْنَا". وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَقَدْ تَجِيءُ تَفَاعَلْتُ عَلَى غَيْرِ هَذَا كَمَا جَاءَ عَاقَبْتُ وَنَحْوُهَا، لا تُرِيدُ بِهِمَا الفِعْلَ مِن اثْنَيْنِ، وَذَلِكَ قَوْلُكَ: تَمَارَيْتُ فِي هَذَا وَتَرَاءَيْتُ لَهُ، وَتَقَاضَيْتُهُ وَتَعَاطَيْتُ مِنْهُ أَمْرًا قَبِيحًا" (٤). فَلَمْ يُجِزْ سِيبَوَيْهِ تَعَدِّي "تَفَاعَلَ" إِلَى مَفْعُولٍ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُجِزْهُ إِذَا كَانَ مِن اثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَظٌّ فِي الفِعْلِ، وَالعِلَّة فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَكَ: تَفَاعَلْنَا قَدْ تَضَمَّنَ الفَاعِلَ وَالمَفْعُول الَّذِي فِي قَوْلِكَ: فَاعَلَ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: ضَارَبْتُ زَيْدًا وَضَارَبَنِي زَيْدٌ، فَتَجْعَلُ أَحَدَهُمَا الفَاعِلَ وَالآخَرَ المَفْعُول، فَإِذَا قُلْتَ: [تَضَارَبْتُ] (٥)، لَمْ يُجِزْ أَنْ يَتَعَدَّى، لأَنَّكَ قَدْ أَسْنَدْتَ

стр. 1473

الفِعْلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا وَجَعَلْتَهُ فَاعِلًا، وَتَضَمَّنَ الكَلَامُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا ضَرَبَ صَاحِبَهُ، فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ مِنَ التَّعَدِّي إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْعُولٌ خَارِجٌ عَنْكُمَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ "تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ"، لأَنَّ فِي هَذَا مَفْعُولًا آخَرَ خَارِجًا عَنْهُمَا لَا حَظَّ لَهُ فِي إِسْنَادِ الفِعْلِ إِلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: نَازَعْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، فَتُعَدِّيهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. فَإِذَا قُلْتَ: تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِ المَفْعُولِ الثَّانِي، لأَنَّ قَوْلَكَ: تَنَازَعْنَا إِنَّمَا تَضَمَّنَ أَحَدَ المَفْعُولَيْنِ وَلَمْ يَتَضَمَّنِ الآخَرَ. فَإِذَا كَانَ الأمْرُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَلَيْسَ فِيهِ نَقْضٌ لِمَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، لأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ العِلَّةَ المَانِعَةَ مِنْ تَعَدِّيهِ تَضَمُّتُهُ المَعْنَى الَّذِي فِي نَازَعْتُهُ الحَدِيثَ كُلَّهُ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّى. عَلَى أَنَّ سِيبَوَيْهِ كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي فَاعَلَ الَّذِي يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ دُونَ فَاعَلَ المُتَعَدِّي إِلَى اثْنَيْنِ. فَفِي كَلَامِهِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ نَقْصٌ عَنْ تَوْفِيةِ الغَرَضِ الَّذِي أَرَادَهُ" (١). "وَزَادَ يَعْقُوبُ قَبْلَ قَوْلِهِ: نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالفَرَجْ … نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أَصْحَابُ الفَلَجْ وَلَمْ يُسمِّ قَائِلَهُ. وَ"الفَلَجُ": المَاءُ الجَارِي مِنَ العَيْنِ. وَ"الفَلَجُ": البِئْرُ الكَبِيرَةُ عَنِ ابْنِ كِنَاسَةَ (٢). وَمَاءٌ فَلَجٌ: جَارٍ. قَالَ عُبَيْدٌ: (مخلع البسيط) أَوْ فَلَجٌ مَا بِبَطْنِ وَادٍ … لِلْمَاءِ مِنْ تَحْتِهِ قَسِيبُ (٣) (٤)

стр. 1474

"وَ "السَّرْحَةُ" في بَيْتِ حُمَيْدٍ (١) كِنايةٌ عَنِ امْرَأَةٍ. وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ عَهِدَ إِلَى الشُّعَرَاءِ أَلَّا يَنْسُبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِامْرَأَةٍ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ الشُّعَرَاءِ يَكْنُونَ عَن النِّسَاءِ بِالشَّجَرِ وَغَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ حُمَيْدٌ قَبْلَ هَذَا البَيْتِ: (طويل) سَقَى السَّرْحَةَ المِحْلَالَ وَالأَبْرَقَ الَّذِي … بِهِ الشَّرْيُ غَيْثٌ دَائِمٌ وَبُرُوقُ (٢) وَهَل أنا إِنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ … مِنَ السَّرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ و"السَّرْحَة": شَجَرَةٌ مِنَ العِضَاءِ تَطُولُ فِي السَّمَاءِ، وَجَمْعُهَا: سَرْحٌ وَظِلُّهَا بَارِدٌ فِي الحَرِّ. وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ: (طويل) فَيَا سَرْحَةَ الرُّكْبَانِ ظِلُّكِ بَارِدٌ … وَمَائُكِ عَذْبٌ لَوْ يُبَاحُ لِشَارِبِ (٣) وَ"الأَفْنَانُ": الأَغْصَانُ، وَاحِدُهَا فَنَنٌ. وَالأَفْنَانُ أَيْضًا: الأَنْوَاعُ، وَاحِدُهَا فَنٌّ. وَ "تَرُوقُ": تُعْجِبُ. وَإِنَّمَا جَعَلَ "عَلَى" فِي هَذَا البَيْتِ زَائِدَةً، لأَنَّ رَاقَ يَرُوقَ لَا يُحْتَاجُ فِي تَعَدِّيهِ إِلَى حَرْفِ جَرٍّ، إِنَّمَا تَقُولُ: رَاقَنِي الشَّيْءَ يَرُوقُنِي، فَالمَعْنَى: تَرُوقُ كُلَّ أَفْنَانٍ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ "عَلَى" هَاهُنَا لأَنَّهَا إِذَا رَاقَتْها كَانَ لَهَا فَضْلٌ وَشَرَفٌ عَلَيْهَا. وَقَدْ يُمْكِنُ فِي هَذَا البَيْتِ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ أَنْ يُقَدَّرَ فِي الكَلَامِ مَحْذُوفٌ. كَأَنَّهُ قَالَ: أَبى الله إلَّا أَنَّ أَفْنَانِ سَرْحَةِ مَالِكٍ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: "عَلَى كُلِّ أَفْنَانِ العِضَاهِ" فِي وُضِع خَبَرِ "أَنَّ"، كَمَا تَقُولُ: أبى الله إلا أَنَّ فَضْلَ زَيْدٍ عَلَى كُلِّ فَضْلٍ، أَيْ: فَوْقَ كُلِّ فَضْلٍ، أَوْ ظَاهِرٌ عَلَى كُلِّ فَضْلٍ. وَيَكُونُ "تَرُوقُ" خَبْرًا ثَانِيًا، لأَنَّ "أَوْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الحَالِ.

стр. 1475

فَالأَفْنَانُ عَلَى هَذَا القَوْلِ جَمْعُ فَنَنٍ وَهُوَ الغُصْنُ. وَعَلَى القَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ ابن قتيبة (١) وَهُوَ قَوْلُ يَعْقُوبَ (٢)، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَمْعَ فَنٍّ، وَهُوَ النَّوْعُ كَأَنَّهُ قَالَ: تَرُوقُ كُلَّ أَنْوَاعِ العِضَاهِ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ فِي صَدَرِ البَيْتِ مِنَ الحَذْفِ مِثْلَ مَا ذَكَرنَاهُ، فَتَكُونُ الأَفْنَانُ الأَغْصَانُ، كَمَا أَنَّهُ يُمْكِنُ فِي القَوْلِ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الأَفْنَانُ أَيْضًا، الأنواع، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ" (٣).
следующие страницы →