← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأَمْرِ، وَالْكَلَامُ عَلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا" (١). د: الْأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَالْأَخْلَصُ: الْوَجْهُ الآخَرُ الْمُقَسَّمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ مِنَ الْأَمْرِ، إِذِ الْأَمْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: لِمَنْ دُونَكَ أَمْرٌ، وَلِمَنْ فَوْقَكَ رَغْبَةٌ، وَلِمَنْ هُوَ مِثْلُكَ عَرْضٌ. وَكَأَنَّهُ يَعُمُّ أُصُولَ الْكَلَامِ الثَّلَاثَةِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ بِالْفِعْلِ، وَالاسْتِخْبَارَ وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ بِالْحَرْفِ، وَالْخَبَرَ بِالْفِعْلِ والْاسْمِ. ع: الذي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَنْطِقِ وَالْمُحَقِّقُونَ لِتَفْصِيلِ الْكَلَامِ أَنَّ أَصْنَافَ الْكَلَامِ خَمْسَةٌ: أَمْرٌ، وَهُوَ لِمَنْ دُونَكَ. وَتَضَرُّعٌ، وَهُوَ لِمَنْ فَوْقَكَ. وَطَلَبَةٌ، وَهُوَ لِمَنْ يُسَاوِيكَ. وَنِدَاءٌ، وَخَبَرٌ، وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْكَلَامِ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ وَرَاجِعَةٌ إِلَى معَانِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي نَصْرٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الاسْتِحْبَارَ بَدَلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَحْتَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لأَنَّهُ يَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِهَا، يَأْتِي عَلَى جِهَةِ الْأَمْرِ، وَالتَّضَرُّعِ وَالطَّلَبَةِ. وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي عَلَى مَعْنَى الطَّلَبِ وَالتَّضَرُّعِ، لِشَرَفِ الْمُعَلِّمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ. وَأَمَّا النَّهْيُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ السَّلْبِ كَمَا يَدْخُلُ عَلَى الْإِيْجَابِ الْخَبَرِيِّ، فَيَصِيرُ سَلْبًا. وَكَذَلِكَ الطَّلِبَةُ والتَّضَرُّعُ، وَجَمِيعُ مَا يَأْتِي فِي الْكَلَامِ مِنَ الْمَعَانِي فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى هَذِهِ، فَلْيَكُنْ الْاعْتِمَادُ فِي انْقِسَامِهِ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ. قوله: "وَالآنَ: حَدُّ الزَّمَانَيْنِ" (٢): ز: "أَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي هَذَا أَنَّ "الآنَ" آخِرُ الزَّمَانِ المَاضِي، وَأَوَّلُ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ" (٣).

стр. 177

ط: "يَعْنُونَ بِحَدِّ الزَّمَانَيْنِ: الْحَاضِرَ؛ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي صِناعَةِ الْكَلَامِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَالْحَقِيقَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ فِعْلٌ وَلَا حَرَكَةٌ عَلَى التَّمَامِ لِأَنَّهُ يَنْقَضِي أَوَّلًا فَأَوَّلًا وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ شَبَّهُوهُ بِالْمَاءِ السَّيَّالِ الذِي يَذْهَبُ جُزْءًا بَعْدَ جُزْءٍ. فَإِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْجِيمِ مِنْ "جَعْفَرٍ" لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَجِيءَ الزَّمَانُ الَّذِي يُنْطَقُ فِيهِ بِالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْفَاءُ وَالرَّاءُ، بَلْ يَذْهَبُ كُلُّ زَمَانٍ مِنْهَا وَيَعْقُبُهُ الْآخَرُ، فَلَا يَرِدُ الثَّانِي إِلَّا وَالْأَوَّلُ قَدْ صَارَ مَاضِيًا. وَلِهَذَا جَعَلُوهُ فِي صِنَاعَةِ الْهَنْدَسَةِ، التِي لَا بُعْدَ لَهَا، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ وُجُودَهُ وَقَالُوا: إِنَّمَا الْمَوْجُودُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَلَا وُجُودَ لَهُ، وَهَذَا غَلَطٌ لأَنَّ قِصَرَ مُدَّتِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَلَوْ لَمْ يُوْجَدْ زَمَانٌ حَاضِرٌ لَمَا كَانَ شَيْءٌ مَوْجُودًا؛ لأنَّ وُجُودَ الأَشْيَاءِ مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ الزَّمَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْأَجْرَامِ فِي غَيْرِ زَمَانٍ" (١). وَأَمَّا الْمَجَازُ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْجُمْهُورُ فِي صِنَاعَةِ النَّحْوِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ "الآنِ" الَّذِي هُوَ كَالنُّقْطَةِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ "آنًا"، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: "هُوَ خَارِجٌ الآنَ"، وَالَّذِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْأَفْعَالُ وَالْحَرَكَاتُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ. وَأَمَّا اشْتِقَاقُ الْآنِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ آنَ الشَّيْءُ، يَئِنُ، إِذَا حَانَ، فَالْأَلِفُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَادٍ كَأَلِفِ بَابٍ وَدَارٍ عِنْدَنَا، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ ذَوَاتِ اليَاءِ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَالثَّانِي: أَن أَصْلَهُ: أَوَانٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْهُ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: بَلْ قُلِبَتِ الْوَاوُ

стр. 178

أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَاجْتَمَعَتْ أَلِفَانِ سَاكِنَانِ، فَحُذِفَتِ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَكَانَتْ أَوْلَى بِالْحَذْفِ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ. وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِبِنَائِهِ فَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيهَا، فَقَالَ سِيبَوَيْهُ وَأَصْحَابُهُ: "إِنَّمَا بُنِي "الْآنُ" وَفِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لأَنَّهُ ضَارَعَ الْمُبْهَمَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبِيلَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ أَنْ تَدْخُلَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ، كَقَوْلِكَ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ"، أَوْ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ كَقَوْلِكَ: "قَدْ كَثُرَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ"، لَسْتَ تَقْصِدُ إِلَى دِينَارٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا إِلَى دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا تُريدُ الْجِنْسَ كُلَّهُ. أَوْ لِتَعْرِيفِ الأَسْمَاءِ التِي غَلَبَتْ عَلَى شَيْءٍ فَعُرِّفَ بِهَا، كَالْحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ، وَالدَّبَرَانِ، وَالسِّمَاكِ، والنَّجْمِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى "الآنِ" عَلَى غَيْرِ هَذِهِ السَّبِيلِ، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَعْنَى الْإِشَارَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْحَاضِرِ. كَقَوْلِكَ: هَذَا الْوَقْتُ، وَجَبَ بِنَاؤُهُ لِمُضَارَعَتِهِ اسْمَ الْإِشَارَةِ الْمَبْنِىِّ" (١). وَقَالَ الْمُبَرَّدُ: إِنَّمَا بُنِيَ لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ مَعْرِفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. وَسَبِيلُ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً أَوَّلًا ثُمَّ يُعَرَّفَ بِهِمَا، فَلَمَّا خَرَجَ عَنْ نَظَائِرِهِ بُنِيَ" (٢). وَكَانَ الْفَارِسِيُّ (٣) يَقُولُ: إِنَّهُ مَعْرِفةٌ بِلَامٍ مُقَدَّرَةٍ فِيهِ غَيْرُ اللَّامِ الظَّاهِرَةِ، وَأَنَّهُ بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اللَّامِ كَمَا بُنِيَ "أَمْسُ" (٤). وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَزْعَمُ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ فِعْلُ مَاضٍ، مِنْ قَوْلِكَ "آنَ" الشَّيْءُ،

стр. 179

يَئِنُ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللَّامُ، وَتُرِكَ مَحْكِيًّا عَلَى فَتْحِهِ (١)، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قِيلَ وَقالَ (٢) (٣) عَلَى الْحِكَايَةِ، كَمَا يُقَالُ: قَدْ أَعْيَانِي مِنْ شَبَّ إِلَى دَبَّ، أَيْ مُذْ شَبَّ إِلَى أَنْ دَبَّ (٤). فَأُدْخِلَ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَى الْفِعْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ وَحَكَاهُمَا. وَقَرَأْتُ فِي بَعْضِ مَا يُحْكَى عَنِ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ: الآنُ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ بِالرَّفْعِ، وَاعْتَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي أَوْجَبَتْ بِنَاءَهُ أَنَّهَا عَرَضَتْ لَهُ وَهُوَ مُشَارٌ بِهِ إِلَى الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، فَإِذَا قَالَ: وَالآنَ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ، فَلَيْسَ يُشِيرُ بِهِ إِلَى زَمَانٍ، إِنَّمَا يُخْبِرُ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُعْرَبَ، إِذْ فَارَقَ حَالَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا البِنَاءَ. وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُتْرَكَ مَفْتُوحًا كَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، كَمَا تَقُولُ: مِنْ: حَرْفٌ يَخْفِضُ، وَقَامَ: فِعْلُ مَاضٍ، فَتَتْرُكُهُمَا مَبْنِيَيْنِ عَلَى حَالِهِمَا وَإِنْ كَانَا قَدْ فَارَقَا بَابَ الْحُرُوفِ وَالْأَفْعَالِ، وَخَرَجَا إِلَى بَابِ الْأَسْمَاءِ. وَكَذَلِكَ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (٥) إِلَى أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقَطَّعَ، ولَكِنَّهُ لَمَّا جَرَى مَنْصُوبًا فِي الكَلَامِ تَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٦). وقوله: "وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ عَلَى تِسْعَةِ آلافٍ وَكَذَا وَكَذَا مِائَةٍ مِنَ الْوُجُوهِ" (٧): ز: "هَكَذَا الرِّوَايَةُ عَنِ الصَّائِغِ عَنْهُ فِيمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ

стр. 180

جَمِيعُ مَنْ نَقَلَهُ بِتَكْرِيرِ كَذَا، وَخَفْضِ مِائَةٍ، وَهُوَ خَطَأٌ" (١). ع: وقع في كتاب ابْنِ قُتَيْبَةَ: "وكَذَا كَذَا" بِغَيْرِ وَاوٍ وَلَيْسَ فِي مِائَةٍ ضَبْطٌ. ط: "الخَطَأُ في هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَفَضَ مِائَةً وَحُكْمُهَا أَنْ تُنْصَبَ لأَنَّ أَسْمَاءَ الْإِشَارَةِ الْمُبْهَمَةِ لَا تُضَافُ لِأَنَّهَا مَعَارِفُ بِالْإِشَارَةِ. وَلِأَنَّ كَذَا وَكَذَا كِنَايَةٌ يَقَعُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ إِلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، وَالمُمَيَّزُ بَعْدَ هَذِهِ الْأَعْدَادِ مَنْصُوبٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى تِسْعَةِ آلَافٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ مِائَةً. وَهَذَا يَصِيرُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا وَمِائَةً بِعِبَارَةٍ فَاسِدَةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَسَبَ إِلَى الْقَوْمِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ مِنْهُمْ. وَالَّذِي دَعَا ابْنَ قُتَيْبَةَ إِلَى الْغَلَطِ فِي خَفْضِ مِائَةٍ أَنَّهُ رَأَى النَّحْوِيِّينَ قَدْ قَالُوا: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: لَهُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا دِرْهَما بِالْعَطْفِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ إِلَى تِسْعَةَ عَشَرَ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ خَاصَّةً: إِذا قَالَ: لَهُ عِنْدِي كَذَا أَثْوَابٍ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْجَمْعِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ، وَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي كَذَا دِرْهَمٍ، بِالْإِفْرَادِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَعْدَادِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْمُفْرَدِ مِنْ مِائَةٍ إِلَى تِسْعِ مِائَةٍ. وَلَا يُجِيزُ الْبَصْرِيُّونَ الْخَفْضَ، فَلَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا أَجَازُوا فِيهِ الْخَفْضَ وَلَا بَيْنَ مَا لَمْ يُجِيزُوهُ، لأَنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا فِي صِنَاعَةِ العَرَبِيَّةِ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ أَشْيَاءٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ يَقَعُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ" (٢).

стр. 181

ز: "كَذَا، إِشَارَةٌ وَلَيْسَ سَبِيلُهُ أَنْ يُضَافَ لِأَنَّ ذَا اسْمٌ مُبْهَمٌ، وَالْمُبْهَمُ لَا تَجُوزُ إِضَافَتُهُ نَحْوَ: هَذَا، وَذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ بِالْإِشَارَةِ، فَإِنْ أَضَفْتَهُ إِلَى نَكِرَةٍ فَقَدْ أَحَلْتَ لِأَنَّكَ تَجْمَعُ بَيْنَ تَعْرِيفِ الإِشَارَةِ وَالتَّنْكِيرِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِنْ أَضَفْتَهُ إِلَى مَعْرِفَةٍ لَمْ يَجُزْ، لِلْجَمْعِ بَيْنَ تَعْرِيفَيْنِ" (١). وقال المبرد: قَوْلُهُمْ "كَذَا" إِنَّمَا هِيَ "ذَا" دَخَلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ، وَمَعْنَاهُ "كَهَذا الْعَدَدِ" كَمَا قَالُوا: "كَأَيْنَ"، فَأَدْخَلُوا كَافَ التَّشْبِيهِ عَلَى "أَيْ"، فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ "كَمْ"". ز: "إِضَافَةُ "كَذَا" قَبِيحَةٌ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الْحِكَايَةِ، قَالَ: وَكُنْتُ تَكَلَّمْتُ مَعَ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَخْفَشِ عَلَى قَوْلِهِ: "كَذَا وَكَذَا مِائَةٍ"، فَقَالَ: هُوَ لَحْنٌ فَاجْعَلُوهُ: وَ"كَذَا مِائَةٍ" بِغَيْرِ تَكْرِيرِ "كَذَا" لِيَزُولَ عَنْهُ اللَّحْنُ. وقول أَبي الْحَسَنِ أَيْضًا لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى ضَرْبٍ مِنَ الْحِكَايَةِ" (٢). وقوله: "وَبَالًا عَلَى لَفْظِهِ" (٣): الْوَبَالُ: الثِّقَلُ، وَالْمَحَافِلُ: الْمَجَالِسُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا النَّاسُ. وَوَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي الْحُبَابِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ (٤)، وَسَقَطَ عِنْدَهُمَا الْبَرْمَكِيُّ (٥) وَثَبَتَ فِي كِتَابٍ أَبِي نَصْرٍ.

стр. 182

وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ (١) مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ وَالْأَوَّلُ الرَّاوِيَةُ (٢)، وَهُمَا أَخَوَانِ فَارِسِيّانِ كَاتِبَانِ شَاعِرَانِ. والحَكِيمُ (٣)، بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ هُوَ: أَرْسَطَاطالِيسُ، كَمَا أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: الْمَدِينَةَ (٤)، فَإِنَّمَا هِيَ مَدِينَةُ الرَّسُولِ ﵇. والْكِنُّ (٥): مَا سَتَرَ مِنْ بَيْتٍ وَنَحْوِهِ، وَجَمْعُهُ أَكْنَانٌ. وقوله: "فَكَانَ ابْتِدَاءُ تَفَكُّرِهِ آخِرَ عَمَلهِ وَآخِرُ عَمَلهِ بَدْءَ تَفَكُّرِهِ (٦): ط: "كَذَا الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ عَكَسَ الْكَلَامَ، والثاني هُوَ الأَوَّلُ بِعَيْنِهِ، فلم يَنْتَقِلْ عَنِ السَّقْفِ. وصوابُهُ: فَكَانَ ابْتِدَاءُ تَفَكُّرِهِ آخِرِ عَمَلِهِ، وَآخِرُ تَفَكُّرِهِ ابْتِدَاءُ عَمَلِهِ، وَيَصِحَّ الْكَلَامُ. وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مُحَاوِلٍ لأَمْرٍ، فَإِنَّمَا يُقَدِّمُ أَوَّلًا فِي فِكْرِهِ الْغَايَةَ الَّتِي يُرِيدُهَا، ثُمَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي يَصِلُ بِهَا إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ، فَيُقَدِّمُهَا أَوَّلًا فَأَوَّلًا عَلَى مَرَاتِبِهَا، حَتَّى يَصِلَ فِي آخِرِ عَمَلِهِ إِلَى مَا سَبَقَ إِلَيْهِ أَوَّلُ فِكْرِهِ" (٧). ع: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ يَعُدُّهَا كَثِيرٌ مِنَ الجُهَّالِ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وهي مُقَدَّمَةٌ صَادِقَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ قَاصِدٍ إِلَى مَطْلُوبٍ، فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي فِكْرِهِ مِنْهُ أَوَّلًا غَايَتُهُ، فَإِنْ كَانَ عِلْمِيًّا ابْتدَأَ مِنَ الْغَايَةِ فَحَلَّهَا إِلَى مُرَكَّبَاتِهَا الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إِلَى أَنْ يَنتَهِي إِلَى الْأُمُورِ الْمُتَعَارَفَةِ وَيَقِفَ، وَإِنْ كَانَ

стр. 183

عَمَلِيًّا، انْحَدَرَ مِنَ الْغَايَةِ فَحَلَّهُ، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَوَّلِ أَسْبَابِهِ، ثُمَّ عَادَ بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى رَاجِعًا إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ، فَيَكُونُ فِيهِ ابْتِدَاءُ فِكْرِهِ آخِرَ عَمَلِهِ، وآخِرَ فِكْرِهِ ابْتِدَاءُ عَمَلِهِ، وآخِرَ فِكرِهِ ابْتِدَاءُ عَمَلِهِ. قوله: "وفَصْلَ الْخِطَابِ" (١): ط: "فَصْلُ الْخِطَابِ: بَيَانُهُ، وَأَصْلُ الْفَصْلِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ حَتَّى يَمْتَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ قَوْلٍ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَضْلًا. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعُضْوِ الَّذِي يَمْتَازُ مِنْ غَيْرِهِ: مَفْصِلٌ، وَفَصْلٌ" (٢). وَقَوْلُ الْخَطِيبِ فِي خُطْبَتِهِ، وَالْكَاتِبِ فِي رِسَالَتِهِ: "أَمَّا بَعْدُ"، يُسَمَّى: فَصْلَ الْخِطَابِ، لأنَّ مِنْ شَأْنِ الْخَطِيبِ أَوِ الْكَاتِبِ، أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلًا بِحَمْدِ اللهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ"، فَيَبْدَأُ بِاقْتِصَاصِ مَا قَصَدَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "أَمَّا بَعْدُ" فَصْلًا بَيْنَ التَّحْمِيدِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ الَّذِي قَصَدَهُ وَحَاوَلَهُ. ع: "وَدَقَائِقُ الْكَلَامِ" (٣): جَمْعُ دَقِيقَةٍ، وَهُوَ مَا يَغْمُضُ مِنْهُ وَيَدِقُّ فِي النَّظَرِ وَالرَّوِيَّةِ. ط: "وَالْوَزِيرُ أَبُو الْحَسَنِ، هُوَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنُ خَاقَانَ (٤)، وَكَانَ وَزِيرَ الْمُتَوَكِّلِ (٥)، فَعَمِلَ لَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذَا الْكِتَابَ، وَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَأَحْسَنَ عُبَيْدُ اللهِ صِلَتَهُ وَاصْطَنَعَهُ، وَعُنِي بِهِ عِنْدَ الْمُتَوَكِّلِ حَتَّى صَرَفَهُ فِي بَعْضِ

стр. 184

أعْمَالِهِ" (١). قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: اسْمُ خَاقَانَ: النَّضْرُ بْنُ مُوسَى بن أَبِي الضُّحَى (٢)، وَاسْمُ أَبِي الضُّحَى (٣): مُسْلِمُ، مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (٤). وَسَمِعَ أَبُو الضُّحَى مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ. ط: "والرَّذِيلَةُ (٥): ضِدُّ الْفَضيلَةِ" (٦). ع: الرَّذِيلَةُ: النَّقِيصَةُ. وَأَبَانَهُ: أَيْ أَخْرَجَهُ عَن الْعَامَّةِ. ط: "وَحَبَاهُ: خَصَّهُ" (٧). وَالْخِيَمُ": الطَّبْعُ. ع: الْخِيمُ: الْأَصْلُ. ط: "والسَّنَنُ (٨): الطَّرِيقُ، وَيُقَالُ: تَنَحَّ عَنْ سَنَنِ الطَّرِيقِ، بِفَتْحِ السِّينِ والنُّونِ، وعن سُنُنِ الطَّرِيقِ، بضم السِّينِ والنُّونِ. وعن سُنَنِ الطَّرِيقِ، بِضَمِّ السِّينِ وفتح السِّينِ وفتح النُّونِ. يراد بذلك: مَحَجَّتَهُ وَمَمَرَّهُ" (٩). والْخِيَارُ (١٠): الصَّالِحُونَ، وَهُمْ جَمْعُ خَيِّرٍ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وهو مِنْ: خِرْتُ الشَّيْءَ، أَخِيرُهُ: إِذَا أَخَذْتَ أَجْوَدَهُ وَأَفْضَلَهُ. وَمُعْتَلِقَةٌ (١١): مُحِبَّةٌ، وَالْعَلَاقَةُ: الْحُبُّ. وصَبَّةٌ: شَيِّقَةٌ.

стр. 185

ز: "وَمَظَانُّ الْقَبُولِ (١): جمع مَظَنٍّ، وهو مَفْعَلٌ، يُرَادُ بِهِ الزَّمَانُ، ثُمَّ جَمَعَهُ وَنَصَبَهُ نَصْبَ الظَّرْفِ. تَقْدِيرُهُ: فِي مَظَانِّ الْقَبُولِ، أَيْ فِي الْأَوْقَاتِ التِي يَظُنُّونَ أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ" (٢). ط: "مَظَانٌّ: جَمْعُ مَظِنَّةٍ، قال النابغة (٣): (وافر) فَإِنَّ مَظِنَّةَ الْجَهْلِ الشَّبَابُ (٤) يُرِيدُ الْوَقْتَ الذِي يُظَنُّ فِيهِ الْجَهْلُ، وَنَصَبَهُ عَلَى الظَّرْفِ. وَالْعَامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: مُمْتَدَّةٌ، تَقْدِيرُهُ: وَأَيْدِيهِمْ فِيهِ إِلَى اللَّهِ مُمْتَدَّةٌ مَظَانَّ الْقَبُولِ" (٥). ع: [أَوْقَاتُ الْإِجَابَةِ] (٦) قِيلَ: إِنَّهَا ثَلَاثَةٌ: ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي، وَعِنْدَ الْآذَانِ، وَفِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَيَهْجَعُ (٧): يَنَامُ. وقوله: "وَيُلْبِسُهُ لِبَاسَ الضَّمِيرِ" (٨): أَيْ يُظهِرُ حُسْنَ مُعْتَقَدِهِ. أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا) (٩). ع: لِبَاسُ الضَّمِيرِ: مَحَبَّاتُ الْقُلُوبِ. وَيَصُورُ (١٠): يَمِيلُ وَيَصْرِفُ. يُقَالُ:

стр. 186

صَارَهُ، يَصُورهُ، وَيَصِيرُهُ، إِذَا أَمَالَهُ. وَقُرِئَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ (١)، وَصِرْهُنَّ: أَيْ يَجْمَعُ الْقُلُوبَ، الْمُخْتَلِفَةَ عَلَى مَحَبَّتِهِ. ط: وقوله: "وَيُسْعِدُهُ بِلِسَانِ الصِّدْقِ فِي الْآخِرِينَ" (٢): يُرِيدُ: الثَّنَاءَ الْحَسَنَ. قال الله : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (٣): أَيْ ذِكْرًا جَمِيلًا. وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّ اللِّسَانَ هو الخَبَرُ، وَالْكَلَامُ يُسَمَّى لِسَانًا لِأَنَّهُ بِاللِّسَانِ يَكُونُ، عَلَى مَذْهَبِهِمْ في تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْم الشَّيْءِ إِذَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ، وَالْمُرَادُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الصِّدْقِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ثَنَاءً حَسَنًا تُصَدِّقُهُ أَفْعَالُهُ، حَتَّى يَكُونَ الْمُثْنِيُّ عَلَيْهِ غَيْرَ كَاذِبٍ فِيمَا يَنْسُبُهُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكُونُ فَاضِلًا إِذَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ. وقوله: "وَأَعْفَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ كَدِّ النَّظَرِ" (٤): أَيْ أَرَاحُوهَا مِنْ ذَلِكَ. وَالْعَفْوُ، مَا جَاءَ سَهْلًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ. وَأَخْزَى: أَفْضَحَ، وَالْخِزْيُ: الْفَضِيحَةُ، يُقَالُ: خَزِيَ، يَخْزَى خِزْيًا: إِذَا افْتَضَحَ. وَخَزَى، يَخْزَى خِزَايَةً: إِذَا اسْتَحْيَا. وَالدَّرَكُ: إدْرَاكُ الْحَاجَةِ، وَالْكَدُّ: التَّعَبُ. وقوله: "مِنْ مَوْقِفِ رَجُلٍ مِنَ الْكُتَّابِ" (٥): قَالَ ابْنُ الْقَوْطِيَةِ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ (٦)، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ النَّحَاسِ، وَهَذَا غَلَطٌ لأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ إِنَّمَا وَزَرَ لِلْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ شَاعِرًا،

стр. 187

كَاتِبًا، حُلْوَ الشَّمَائِلِ، عَالِمًا بِالْغِنَاءِ، وَوَلِيَ الْوِزَارَةَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ الْمُسْتَعِينِ (١). وَأَمَّا الْخَلِيفَةُ الْمَذْكُورُ هُنَا فَأَبُو إِسْحَاقٍ الْمُعْتَصِمُ (٢). قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ: الْكَاتِبُ أَحْمَدُ بْنُ عَمَّارٍ (٣)، وَكَذَلِكَ قَالَ الصُّولِيُّ (٤) " (٥). وَقَدْ قِيلَ: هُوَ الْفَضْلُ بْنُ مَرْوَانَ (٦). وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ مَرْوَان وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَّارٍ لَا يُحْسِنَانِ شَيْئًا مِنَ الْأَدَبِ، وَكَانَ عَمَّارٌ طَحَّانًا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاء: (سريع) لا يَعْمُرُ الرَّحْمَنُ مُلْكَ امْرِيءٍ … يُقِيمُهُ رَأْيُ ابْنُ عَمَّارٍ مَا يَفْرُقُ الطَّحَّانُ مِنْ جَهْلِهِ … مَا بَيْنَ إِيرَادٍ وَإِصْدَارِ (٧) فَيُقَالُ: إِنَّ الْمُعْتَصِمَ لَمَّا قَرَأَ هَذَا الشِّعْرَ ضَحِكَ وَعَزَلَ أَحْمَدَ بْنَ عَمَّارٍ. وَيُرْوَى أَنَّ الْمُعْتَصِمَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَيُكْنَى أَبَا إِسْحَاقٍ،

стр. 188

كَانَ قَلِيلَ الْبِضَاعَةِ مِنَ الْأَدبِ، مُعَرَّى مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ أَبُوهُ عُنِي بِتَأْدِيبِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، فَمَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ لِبَعْضِ الْخَدَم فَقَالَ: لَيْتَنِي كُنْتُ هَذِهِ الْجِنَازَةَ لأَتَخَلَّصَ مِنْ هَمِّ الْمَكْتَبِ، فَأَخْبِرَ بِذَلِكَ أَبُوهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا عَذَّبْتُهُ بِشَيْءٍ يَخْتَارُ الْمَوْتَ مِنْ أَجْلِهِ، وَأَقْسَمَ أَلَّا يَقْرَأَ طُولَ حَيَاتِهِ. فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، وَاتَّخَذَ ابْنَ عَمَّارٍ وَزِيرًا، وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ عَامِلِ الْخَيْلِ يَذْكُرُ فِيهِ خِصْبَ السَّنَةِ، وَأَنَّهُمْ مُطِرُوا مَطَرًا كَثُرَ عَنْهُ الْكَلَأُ. فَقَالَ لِابْنِ عَمَّارٍ: مَا الْكَلَأُ؟ فَتَرَدَّدَ فِي الْجَوَابِ وَتَعَثَّرَ لِسَانُهُ، ثُمَّ قَالَ: لا أَدْرِي. فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: إِنَّا لِلَّهِ [وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] (١)، خَلِيْفَةٌ أُمِّيٌّ وَكَاتِبٌ أُمِّيٌّ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَقْرُبُ مِنَّا مِنْ كُتَّابِ الدَّارِ، فَعُرِّفَ مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزِّيَاتِ (٢) مِنَ الْأدَبِ. وَكَانَ يَتَوَلَّى قَهْرَمَةَ الدَّارِ، وَيُشْرِفُ عَلَى الْمَطْبَخِ، وَيَقِفُ فِي الدَّارِ فِي دُرَّاعَةٍ سَوْدَاءَ. فَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا الْكَلَأُ؟ فَقَالَ: النَّبَاتُ كُلُّهُ، رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ، وَالرَّطْبُ مِنْهُ خَاصَّةً يُقَالُ لَهُ: خَلَّى، وَالْيَابِسُ مِنْهُ خَاصَّةً يُقَالُ لَهُ: حَشِيشٌ. ثُمَّ انْدَفَعَ فِي صِفَةِ النَّبَاتِ مِنْ حِينِ ابْتِدَائِهِ إِلَى حِينِ اكْتِمَالِهِ إِلَى حِينِ هَيْجِهِ. فَاسْتَحْسَنَ الْمُعْتَصِمُ مَا رَأَى مِنْهُ، وَقَالَ: لِيَتَقَلَّدُ هَذَا الْفَتَى الْعَرْضَ. وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَرَقِّيهِ إِلَى الْوِزَارَةِ" (٣). ع: الْجَيِّدُ أَنْ يَقُولَ: مَرْكَبَ الْكَسَلِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ، وَالْكَسْلَ مَعَ الْقُدْرَةِ.

стр. 189

ع: وقوله: "مِنْ تَعَبِ التَّفَكُّرِ" (١). قال أبو علي: يُقَالُ: تَعَبٌ وَتَعْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ الأَنْبَارِيِّ (٢) عن أبيه عَنْ سَلَمَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ قال: "كُلُّ شَيْءٍ كَانَ ثَانِيهِ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شِئْتَ أَسْكَنتَهُ وَإِنْ شِئْتَ حَرَّكْتَهُ" (٣). قال أبو إسحاقٍ الزَّجَّاجُ: "هَذَا خَطَأٌ، مَا سُمِعَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْهُ نُقِلَ عَلَى مَا سُمِعَ، وَلَا يُجْعَلُ قِيَاسًا، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: وَعْدٌ، وَلَا يُقَالُ: وَعَدٌ. وَالْجَيِّدُ أَنْ يَقُولَ: وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ لَعَمْرِي؛ لِأَنَّ "قَدْ" حَرْفٌ يَصْحَبُ الْأَفْعَالَ وَلَا يُفَارِقُهَا" (٤). د: قَدْ أَجَازَ النَّحْوِيُّونَ الْفَصْلَ بَيْنَ "قَدْ" وَالْفِعْلِ بِالْقَسَمِ، فَقَالُوا: قَدْ وَاللهِ أَحْسَنْتَ، وَقَدْ لَعَمْرِي كَذَا وَكَذَا. وقوله: "مِنْ مَقَامِ آخَرَ فِي مِثْلِ حَالِهِ" (٥). ط: "هَذَا هُوَ شُجَاعُ بْنُ الْقَاسِمِ (٦) كَاتِبُ أَوْتَامِشٍ التُّرْكِيِّ (٧)، وَكَانَ يَتَوَلَّى

стр. 190

عَرْضَ الْكُتُبِ عَلَى الْمُسْتَعِين أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ جَاهِلًا لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ذَكِيُّا تُقْرَأُ عَلَيْهِ عَشَرَةُ كُتُبٍ فَيَحْفَظُ مَعَانِيَهَا، وَيَدْخُلُ إِلَى الْمُسْتَعِينِ فَيَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، وَلَا يَغْلَطُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. فَقَرَأَ عَلَى الْمُسْتَعِينِ كِتَابًا كَلَّفَهُ قِرَاءَتَهُ وَكَانَ فِيهِ: حَاضِرُ طَيِّءٍ. وَطَيِّءٌ (١): قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ (٢). وَحَاضِرُهُمْ: مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ، أَيْ سَكَنَ الْحَاضِرَةَ، فَقَالَ: جَاءَ ضَرَّطِيٌّ، وَالضَّرِطُ لُغَةٌ فِي الضِّرَاطِ. فَضَحِكَ الْمُسْتَعِينُ" (٣). د: قال أبو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: هَذَا الْكَاتِبُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، وَتَصْحِيفُهُ: جَاءَ ضَرَّطِيٌّ. ط: "وَيُرْوَى أَنَّ شُجَاعًا دَخَلَ إِلَى الْمُسْتَعِينِ وَذَيْلُ قَبَائِهِ قَدْ تَخَرَّقَ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَعِينُ: مَا هَذَا يَا شُجَاعُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، دَرَسَ الْكَلْبُ ذَنْبِي فَخَرَقْتُ قَبَاءَهُ، يُرِيدُ: دَرَسْتُ الْكَلْبَ، فَخَرَّقَ قَبَائِي. وَكَانَ الْمُسْتَعِينُ يَسْتَظْرِفُ مَا يَأْتِي بِهِ، وَمَدَحَهُ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ: (وافر) أَبُو الْحَسَنِ يَزِيدُ الْمُلْكَ حُسْنًا … وَيَصْدُقُ فِي الْمَوَاعِدِ وَالْفَعَالِ جَبَانٌ عَنْ مَذَمَّةِ آمِلِيهِ … شُجَاعٌ فِي الْعَطِيَّةِ وَالنَّوَالِ (٤) فَقَالَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ، وَيْلَكَ، أَنِّي جَبَانٌ؟ فَقَالَ: أَعَزَّكَ اللهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكَ جَبَانٌ عَنِ الْبُخْلِ، لَا جَبَانٌ عَنِ الْأَعْدَاءِ، وَاسْتَشْهَدُ بِمَنْ حَضَرَ فَشَهِدُوا لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا تُزَيِّنُونَ مَا أَتَى بِهِ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِعِنَايَتِكُمْ لَا لِشِعْرِهِ" (٥).

стр. 191

وقوله: "وَمِنْ قَوْلِ آخَرَ فِي وَصْفِ بِرْذَوْنِ أَهْدَاهُ" (١). ط: "هَذَا الْكَاتِبُ لا أَعْلَمُ مَنْ هُوَ، وَالْأَرْثَمُ مِنَ الْخَيْلِ: الَّذِي فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا بَيَاضٌ، وَالْأَلْمَظُ: الَّذِي فِي شَفَتِهِ السُّفْلَى بَيَاضٌ، وَإِذَا كَانَ أَبْيَضَ الظَّهْرِ قِيلَ لَهُ: أَرْحَلُ وَأَخْلَسُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "بَابِ شِيَاتِ الْخَيْلِ": الْأَرْثَمَ، وَالْألْمَظَ، وَالْأَرْحَلَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَخْلَسَ" (٢). ط: "الْفَيْءُ (٣): مَا يَعُودُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ جِبَايَةٍ أَوْ مَغْنَمٍ. وَالتَّحَلُّبُ وَالْحَلَبُ سواء، وَهُمَا مَا لَيْسَ بِوَظِيْفَةٍ مَعْلُومَةِ الْمِقْدَارِ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَ السُّلْطَانُ شَيْئًا كَلَّفَ الرَّعِيَّةَ إِحْضَارَهُ، شُبِّهَ بِحَلْبِ الشَّاةِ وَالنَّاقَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ" (٤). ابن القوطية: "الْفَيْءُ: الْجِبَايَةُ، وَهُوَ مِنْ فَاءَ، يَفِيءُ: إِذَا رَجَعَ وَعَادَ لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى السُّلْطَانِ، وَتَحَلُّبُهُ: اسْتِحْلَابُهُ وَاسْتِدْرَارُهُ مِنْ لَفْظِ الْحَلْبِ" (٥). ع: "وَقَعَ فِي الْأُمَّهَاتِ" (٦): وَقَتْلِ النُّفُوسِ وَإِخْرَابِ الْبِلادِ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ بِالْخَفْضِ، عَطْفًا عَلَى التَّحَلُّبِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ بِجِبَايَةِ الْأَمْوَالِ وَوُجُوهِهَا، وَبِقَتْلِ مَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ عَلَى مَنْعِهَا، وَإِخْرَابِ بِلَادِهِمْ عَلَى مُعَانَدَتِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ "الأُمَّهَاتِ" بِرَفْعِ قَوْلِهِ: وَقَتْلُ النُّفُوسِ فِيهِ وَإِخْرَابُ الْبِلَادِ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ على الْقَطْعِ وَالرَّفْعِ بِالْابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: الْعَائِدِ؛ أي: هَذَا كُلُّهُ عَائِدٌ عَلَى السُّلْطَانِ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ (٧). وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.

стр. 192

وَقَال مَنْ رَأَى ذَلِكَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَالِمًا بِقَتْلِ النُّفُوسِ، وَإِخْرَابِ الْبِلَادِ. ط: "وَالنَّخَّاسُ: هُنَا بَائِعُ الرَّقِيقِ، وَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى بَائِعِ الْحَيَوَانِ خَاصَّةً" (١). والشَّغَا (٢): تَرَاكُبُ الْأَسْنَانِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَاخْتِلَافُ مَنَابِتِهَا. يُقَالُ: رجُلٌ أَشْغَى، وَامْرَأَةٌ شَغْوَاءُ، وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ شغوٌ. وَتُسَمَّى العُقَابُ شَغْوَاءَ: لِزِيَادَةِ مِنْقَارِهَا الْأَعْلَى عَلَى مِنْقَارِهَا الْأَسْفَلِ. ويُقَالُ: شَغِيَتِ السِّنُّ، تَشْغَى شَغًا، وَهِيَ شَغْوَاءٌ وَشَاغِيَةٌ. ع: وقوله: "شَاغِيَةٌ زَائِدَةٌ" (٣): أَيْ أَنَّ شَغَاهَا كَانَ بِتَرْكِيبِهَا وَبِزِيَادَتِهَا عَلَى عِدَّتِهَا. قوله: "تَبَرَّأْتُ إِلَيْهِمْ مِنَ الشَّغَا" (٤). يَعْنِي أَنَّهُ مِمَّا لَيْسَ يَنْكَتِمُ لأَنَّ الْعِيَانَ يَلْحَقُهُ، فَزَعَمَ الْمُشْتَرُونَ أَنَّهَا، مَعَ كَوْنِهَا شَاغِيَةً، هِيَ زَائِدَةٌ فِي الْعَدِدِ، وَلِذَلِكَ طَلَبَ النَّحَّاسُ عِدَّةَ الْأَسْنَانِ لِيُعْلَمَ أَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى عَدَدِهَا، أَمْ هِيَ مِنَ الْجُمْلَةِ؟ والسَّبَّابَةُ (٥): الْإِصْبَعُ الَّتِي تَلِي الْإبْهَامَ، وَقِيلَ لَهَا سَبَّابَةٌ مِنْ لَفْظِ السَّبَبِ لأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا وَيُتَسَبَّبُ إِلَى الْمَجْهُولِ. وَقِيلَ: مِنْ لَفْظِ السَّبِّ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا فِي الْمُنَازَعَاتِ، وَيُقَالُ لَهَا: الدَّعَّاءَةُ لأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ التَّشَهُّدِ. ط: "وَالْأَسْنَانُ إِذَا كَمُلَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْءٌ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا: أَرْبَعُ ثَنَايَا، وَأَرْبَعٌ رَبَاعِيَاتٌ، وأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ، وَأَرْبَعَةُ ضَوَاحِكٍ، وَاثْنَتَا

стр. 193

عَشْرَةَ رَحًى، وَأَرْبَعَةُ نَوَاجِذٍ، وَهِيَ أَقْصَاهَا وَآخِرُهَا نَبَاتًا. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا تَخْرُجُ لَهُ فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ: ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْرُجُ لَهُ اثْنَانِ مِنْهُمَا فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ ثَلَاثِينَ. وَيَزْعَمُونَ أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ النَّوَاجِذُ كَانَ وَافِرَ اللِّحْيَةِ، وَمَنْ لَمْ تَخْرُجْ لَهُ كَانَ كَوْسَجًا" (١). وقوله: "فَمَا رَأَيْتُ أَحَدُا مِنْهُمْ يَعْرِفُ فَرْقَ مَا بَيْنَ الْوَكَعِ وَالْكَوَعِ" (٢). ط: "الوكَعُ فِي الرِّجْلِ أَنْ تَمِيلَ إِبْهَامُهَا عَلَى الْأَصَابِعِ حَتَّى يُرَى أَصْلُهَا خَارِجًا" (٣). ر: "وَمِنْهُ قِيلَ: أَمَةٌ وَكْعَاءُ" (٤). وَالْكَوَعُ فِي الْكَفِّ أَنْ تَعْوَجَّ مِنْ قِبَلِ الْكُوعِ، وَالْكُوعُ: رَأْسُ الزِّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ، وَالْكُرْسُوغُ: رَأْسُ الزِّنْدِ الذِي يَلِي الْخِنْصِرَ. وَالْحَنَفُ: أَنْ تَمِيلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ إِبْهَامِي الرِّجْلِ عَلَى الرِّجْلِ الأُخْرَى، وَهُوَ خِلَافُ الْوَكَع، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْمَعِي (٥). وَقِيلَ: الْحَنَفُ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِي (٦). وَالْأَقْفَدُ: الَّذِي يَمْشِي عَلَى صَدْرِهِمَا عَنْهُ أَيْضًا. ع: وقال ابْنُ دُرَيْدٍ: "الْحَنَفُ: انْقِلَابُ الْقَدَمِ حَتَّى يَصِيرَ بَطْنُهَا ظَهْرًا" (٧).

стр. 194

ط: "وَالْفَدَعُ فِي الْكَفِّ: زَيْغٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَظْمِ السَّاعِدِ، وَفِي الْقَدَم: زَيْغٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَظمِ السَّاقِ، وَاللَّمَى: سُمُرَةُ الشَّفَتَيْنِ تُخَالِطُهَا حُمْرَةٌ، وَذَلِكَ مِمَّا يُمْدَحُ بِهِ وَيُسْتَحَبُّ" (١). وَاللَّطَعُ: بَيَاضٌ فِي الشَّفَتَيْنِ، وَذَلِكَ مِمَّ يُذَمُّ بِهِ، وَاللَّطَعُ أَيْضًا، أَنْ تَنْكَسِرَ الْأَسْنَانُ وَتَبْقَى أُصُولُهَا. وَاللَّطَعُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَرْجُ الْمَرْأَةِ قَلِيلَ اللَّحْمِ، وَالْمُسْتَحَبُّ مِنَ الْفَرْجِ أَنْ يَكُونَ نَاتِئًا كَثِيرَ اللَّحْمِ. كَمَا قَال: (كامل) رَابِيَ الْمَجَسَّةِ بِالْعَبِيرِ مُقَرْمَدِ (٢) وَقَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ يَصِفُ أَمْرَأَةً: قَامَتْ تَمَطَّى وَالْقَمِيصُ مُنْخَرِقْ … فَصَادَفَ الْخَرْقُ مَكَانًا قَدْ حُلِقْ كَأَنَّهُ قَعْبُ نَضَارٍ مُنْفَلِقْ (٣) وقوله: "في تَقْويمِ اللِّسَانِ وَالْيَدِ" (٤): ط: "تَقْوِيمُ اللِّسانِ: اسْتِقَامَتُهُ فِي الْكَلَام حَتَّى لَا يَلْحَنَ، وَتَقْوِيمُ الْيَدِ: اسْتِقَامَتُهَا فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْهِجَاءِ لَحْنٌ فِي الْخَطِّ كَمَا أَنَّ فَسَادَ الْإِعْرَابِ لَحْنٌ فِي الْقَوْلِ" (٥). وَأَعْفَيْتُهُ: أَخْلَيْتُهُ. قوله: "لِتَحَفُّظِهِ" (٦): التَّحَفُّظُ: مَصْدَرُ تَحَفَّظْتُ الْعِلْمَ: إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ

стр. 195

شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَالتَّفَعُّلُ يَأْتِي لِأَخْذِ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ. وَأَمَّا الْحِفْظُ: فَهُوَ أَخْذُ الْمَحْفُوظِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَتَحْصِيلُهُ. وقوله: "إِنْ فَاءَتْ بِهِ هِمَّتُهُ" (١): كَذَا الرِّوَايَةُ، فَاءَتْ بِالْفَاءِ، وكانَ أَبُو عَلِيٍّ البغدادِي يَقُولُ: الصَّوَابُ "نَأَتْ بِهِ هِمَّتُهُ" بِالنُّونِ: أَي نَهَضَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاءَ بِالْحِمْلِ، يَنُوءُ: إِذَا نَهَضَ بِهِ مُتَثَاقِلًا. وَالذِي أَنْكَرَ أَبُو عَلِيٍّ غَيْرُ مُنْكَرٍ، وَمَعْنَاهُ: إِنْ رَجَعَتْ بِهِ هِمَّتُهُ إِلَى النَّظَرِ الذِي أَغْفَلَهُ. والفَيْءُ: الرُّجُوعُ، فَالْهَاءُ فِي "بِهِ" فِيمَنْ قَالَ: نَأَتْ بِالنُّونِ تَعُودُ إِلَى الْكِتَابِ، كَمَا يَقُولُ: نَاء بِالْحِمْلِ: إِذَا اسْتَقَلَّ بِهِ وَأَطَافَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى مُغْفِلِ التَّأْدُّبِ: أَيْ إِنْ نَهَضَتْ بِهِ هِمَّتُهُ إِلَى النَّظَرِ. وَمَنْ رَوَى فَاءَتْ، بِالْفَاءِ، فَالْهَاءُ فِي "بِهِ" تَعُودُ عَلَى الْمُغْفِلِ لِلتَّأَدُّبِ، أَيْ إِنْ رَجَعَتْ بِهِ هِمَّتُهُ إِلَى النَّظَرِ بَعْدَ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ. ع: إِنَّمَا صَوَّبَ أَبُو عَلِيٍّ: نَاءَتْ لِأَنَّهَا تَتَعَدَّى بِالبَاءِ، وَفَاءَتْ بِإِلَى، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ: إِنْ فَاءَتْ إِلَيْهِ هِمَّتُهُ. وأَضَلَّ: أَتْلَفَ. يُقَالُ: أَضَلَّ الرَّجُلُ نَاقَتَهُ: إِذَا ضَلَّتْ لَهُ وَتَلِفَتْ. وَأَسْتَظْهِرُ: أَسْتَعِدُّ، وَاسْتَظْهَرَ بِكَذَا: اسْتَعَانَ بِهِ. والآلَةُ: الْأَدَاةُ. والوَطَرُ: الْحَاجَةُ، وَالْإِدَالَةُ (٢): مَصْدَرُ أُدِيلَ الْعَامِلُ عَنْ عَمَلِهِ، إِذَا صُرِفَ عَنْهُ وَعُزِلَ. ط: "يَقُولُ: كِتَابِي مُعَدًّا مَذْخُورًا لِمُغْفِلِ التَّأَدُّبِ الَّذِي شَغَلَهُ جَاهُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ وَالنَّظَرِ، فَإِذَا عُزِلَ عَنْ عَمَلِهِ قَرَأَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ إِلَيْهِ فَضْلُ النَّظَرِ، وَهُوَ فِي جَاهِهِ وَحُرْمَتِهِ، قَضَى مِنْهُ وَطَرَهُ" (٣). قوله: "وَأَلْحَقَهُ، مَعَ كَلَالِ الْحَدٍّ" (٤) الكلام.

стр. 196

ط: "هَذِهِ كُلُّهَا أَمْثَالٌ وَاسْتِعَارَاتٌ ضَرْبَهَا لِقَارِيءِ كِتَابِهِ. وَالْمُرْهَفُ: السَّيْفُ الْحَدِيدُ، وَالْكَلِيلُ: الَّذِي لَا يَقْطَعُ، ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلْبَلَادَةِ كما ضَرَبَ الْمُرْهَفَ لِلذَّكَاءِ، وَكَذَلِكَ يُبْسُ الطِّينَةِ مَضْرُوبٌ لِسُوءِ الذِّهْنِ عَنْ قَبُولِ الْعِلْمِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الطِّينَ إِذَا كَانَ رَطْبًا ثُمَّ طُبعَ فِيهِ قَبِلَ نَقْشَ الطَّابِعِ، وَإِذَا كَانَ يَابِسًا لَمْ يَقْبَل النَّقْشَ. وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "بَابِ الْمَصَادِرِ" (١) مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْكَلَالَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِعْفَاءِ، وَفِي السَّيْفِ: كَلَّ، يَكِلُّ كِلَّةً، وَخَالَفَ هُنَا مَا قَالَهُ هُنَاكَ" (٢). وَالْكَوْدَنُ (٣): الْبَغْلُ. وقال التَّوَّزِيُّ (٤) في كِتَابِ "الْأَضْدَادِ": "الْكَوْدَنُ: الْبِرْذَوْنُ يَكُونُ بَيْنَ الْقِلَاصِ، يُرْكَبُ فَتَتْبَعُهُ الْقِلَاصُ، وأنشد: (رجز) أَمَا تَرَيْنِي رَاضِيًا بِالإِهْمَادِ … كَالْكَوْدَنِ الْمَرْبُوطِ بَيْنَ الْأَوْتَادِ (٥) أتى (٦) عَلَى أَنَّ الْإِهْمَادَ: السُّكُونَ هُنَا، لَا السُّرْعَةَ" (٧). وفي "الجمهرة": "الْكَوْدَنُ: الْبِرْذَوْنُ الْهَجِينُ" (٨).

стр. 197

وَالْمِضْمَارُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْخَيْلُ، وَالْعِتَاقُ: الْكِرَامُ السَّابِقَةُ مِنْهَا. قوله: "فَعَرَفَ الصَّدْرَ وَالْمَصْدَرَ" (١). ط: "الصَّدْرُ: الْفِعْلُ نَفْسُهُ لأَنَّهُ صَدَرَ عَنِ الْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ: الْحَدَثُ، وَكِلَاهُمَا اسْمُ الْفِعْلِ، أَعْنِي الْمَصْدَرَ وَالْحَدَثَ، وَسُمِّيَ حَدَثًا لِأَنَّ الْفَاعِلَ يُحْدِثُهُ، وَسُمِّي مَصْدَرًا لأَنَّ الْفِعْلَ اشْتُقَّ مِنْهُ، فَصَدَرَ عَنْهُ الْفِعْلُ كَمَا صَدَرَ الصَّادِرُ عَن الْمَكَانِ" (٢). وَهَذَا الاسْمُ مَنْقُولٌ لَهُ (٣) شربها الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ إِذَا شَرِبَتْ (٤) وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ أَصْلُ الْفِعْلِ، وَلَوْ لم يَكُنْ لَهُ أَصْلًا لَمْ يُسَمَّ مَصْدَرًا فِي جُمْلَةِ اسْتِدْلَالَاتِهِمْ، وَلَكَانَ أَحَقُّ بِأنْ يُسَمَّى "صَادِرًا" مِنْ أَنْ يُسَمَّى "مَصْدَرًا"، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي يَقُولُ: إِنَّمَا أَرَادَ بِالصَّدْرِ الأَفْعَالَ الْمُشْتَقَةَ مِنَ الْمَصْدَرِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ، وَكَانَ يَرَى أَنْ الصَّدْرَ جَمْعُ صَادِرٍ، كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ، وَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ. وَأَمَّا الْحَالُ: فَهِيَ هَيْأَةُ الْفَاعِلِ فِي حِينِ إِيقَاعِهِ الْفِعْلَ، وَهَيْأَةُ الْمَفْعُولِ فِي حِينِ وُقُوع الْفِعْلِ بِهِ، الْأَوَّلُ: "جَاءَ زَيْدٌ رَاكِبًا"، والثاني: "زَيْدٌ جَالِسًا". ولها سبعة شروط: - أَنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُشْتَقِّ. - وَأَنْ تَكُونَ مُنْتَقِلَةً أَوْ فِي حُكْم الْمُشْتَقِّ. - وأن تكون نَكِرَةً أو في حُكْم النَّكِرَةِ. - وأن تكون بَعدَ كَلامٍ تَامٍّ أو في حُكْمِ التَّامِّ. - وأن تكون بَعْدَ اسْمِ مَعْرِفَةٍ أو فِي حُكْمِ الْمَعْرِفَةِ.

стр. 198

- وأن تَكُونَ مُقَدَّرَةً بِفِي. - وأن تَكُونَ مَنْصُوبَةً. ولها أقسام كثيرة: فَمِنْهَا الْحَالُ الْمُسْتَصْحِبَةُ، كَقَوْلِكَ: "هَذَا زَيْدٌ قَائِمًا". وَمِنْهَا الْحَالُ الْمَحْكِيَةُ، كَقَوْلِكَ: "رَأَيْتُ زَيْدًا أَمْسِ ضَاحِكًا". ومنها الحال المُقَدَّرَةُ كَقَوْلِكَ: "سَيَخْرُجُ زَيْدٌ مُسَافِرًا غَدُا". ومنها الحَالُ السَّادَّةُ مَسَدَّ الْأَخْبَارِ، كقولك: "ضَرْبِي زَيْدًا قَائِمًا". وَمِنْهَا الْحَالُ الْمُؤَكِّدَةُ، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١). ومنها الحال المُوَطِّئَةُ كقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ (٢). فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ "لِسَانُا" هُوَ الْحَالُ، وَعَرَبِيُّا هُوَ التَّوْطِئَةُ، وَمَعْنَى التَّوْطِئَةُ: أَنَّ الْاسْمَ الْجَامِدَ لَمَّا وُصِفَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا صَلُحَ أَنْ يَقَعَ "حَالًا". وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ: عَرَبِيُّا هُوَ الْحَالُ، وَلِسَانًا هُوَ التَّوْطِئَةُ، وَمَعْنَى التَّوْطِئَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْحَالَ لَمَّا كَانَتْ صِفَةً مَعْنَوِيَّةً شَبيهَةً بِالصِّفَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَكَانَ حُكْمُ الصِّفَةِ اللَّفْظِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَوْصُوفٌ تَجْرِي عَلَيْهِ. فُعِلَ مِثْلُ ذَلِكَ بِالصِّفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَقُدِّمَ لَهَا مَوْصُوفٌ تَجْرِي عَلَيْهِ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى التَّوْطِئَةِ فِي الْحَالِ أَنْ يُتَأَوَّلَ فِي الْاِسْم الْجَامِدِ تَأْوِيلٌ يُخْرِجُهُ إِلَى حُكْم الْاِسْمِ الْمُشْتَقِّ كَقَوْلِهِ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ كَيْفَ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ، فقال: (أَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا) (٣). فَالتَّوْطِئَةُ تَكُونُ هَاهُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَجْعَلَ رَجُلًا فِي تَأْوِيلِ فَقَوْلِهِ: مَرْئِيُّا أَوْ مَحْسُوسًا، وَهُمَا اسْمَانِ جَارِيَانِ عَلَى الْفِعْلِ.

стр. 199

وَالثَّاني: أنْ يُرِيدَ: "مِثْلَ رَجُلٍ" فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: "إِنَّ سَبِيلَهَا أَنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً أَوْ فِي حُكْمِ الْمُشْتَقِّ". وَأَمَّا الْحَالُ الَّتِي فِي حُكْمِ الْمُتَنَقِّلِ، فَنَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١)، فَالْحَقُّ لَا يُفَارِقُهُ التَّصْدِيقُ، وَلَكِنْ لَمْا كَانَ الْمُخْبِرُ يَذْكُرُ الْحَقَّ لِيُصَدِّقَ بِهِ حَقُّا آخَرَ، وَقَدْ يَذْكُرُهُ لِنَفْسِهِ، أَشْبَهَتِ الْحَالُ الْمُنْتَقِلَةَ حِينَ كَانَ لَهَا مَعْنَيَانِ تَنتَقِلُ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ. وأما الظُّرُوفُ: فَهِيَ أَسْمَاءُ الْأَزْمِنَةِ وأَسْمَاءُ الْأَمْكِنَةِ إذا جُعِلَتْ مَحَلًّا لأُمُورٍ تَقَعُ فِيهَا، كَقَوْلِكَ: "أَعْجَبَنِي الْخُرُوجُ الْيَوْمَ"، "فَالْيَوْمَ" مَحَلٌّ لِلْخُرُوج الذِي أَسْنَدْتَ الْحَدِيثَ إِلَيْهِ، فَإِذَا قُلْتَ: "أَعْجَبَنِي الْيَوْمُ" أَوْ قُلْتَ: "الْيَوْمُ مُبَارَكٌ"، لَحِقَ بِالْأَسْمَاءِ وَلَمْ يُسَمَّ ظَرْفًا لِأَنَّكَ إِنَّمَا تُحَدِّثُ عَنْهُ لَا عَنْ شَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ، فَمِنْ خَاصَّةِ الظَّرْفِ أَلَّا يَكُونَ مُحَدَّثًا عَنْهُ، وَأَنْ يَصْلُحَ فِيهِ تَقْدِيرُ "فِي"، فَإِذَا فَارَقَهُ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا" (٢). وقوله: "وَشَيْئًا مِنَ التَّصَارِيفِ وَالْأَبْنِيَةِ" (٣). ط: "هَذَا مِنْ أَجَلِّ "عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ" لأَنَّهُ مَعْرِفَةُ الْأَصْلِيِّ مِنَ الزَّائِدِ، والصَّحِيحِ مِنَ الْمُعْتَلِّ، وَالتَّامِّ مِنَ النَّاقِصِ، وَالْمُظْهَرِ مِنَ الْمُدْغَمِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: تَصْرِيفُ لَفْظٍ فَقَطْ، وَتَصْرِيفُ مَعْنًى فَقَطْ، وَتَصْرِيفُ لَفْظٍ وَمَعْنًى مَعًا. فَأَمَّا تَصْرِيفُ اللَّفْظِ، فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: تَعَاقُبُ الْحَرَكَاتِ أوِ الْحُرُوفِ عَلَى اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ، كَقَوْلِكَ: "زَيْدٌ، زَيْدًا، زَيْدٍ" "أَخُوكَ، أَخَاكَ، أَخِيكَ".

стр. 200

وَالثَّاني: تَغْيِيرُ الصُّوَرِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعَانِي نحو: "ضَارِبٌ، وضَرَّابٌ، ومِضْرَابٌ، ضَرِبٌ، وضَرِيبٌ". وَأَمَّا تَصْرِيفُ الْمَعْنَى وَحْدَهُ فهو اخْتِلَافُ الْمَعَانِي مع اتِّفَاقِ الْأَلْفَاظِ كَـ"الهِلَالِ" يَتَصَرَّفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى عِشْرِينَ مَعْنَى. و"القَمَرُ" على سِتَّةِ مَعَانٍ، و"الكَوْكَبُ" على خمسةٍ، والنَّجْمِ عَلَى سِتَّةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَصْرِيفُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى: فَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ وَيَخْتَلِفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِ: كَـ"ضَارِبٍ" لِفَاعِلِ الضَّرْبِ، و"مَضْرُوبٍ" لِلَّذِي وَقَعَ بِهِ الضَّرْبُ، وَمَضْرَبٍ، بِفَتْحِ الرَّاءِ لِلْمَصْدَرِ، وَمَضْرِبٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ، لِلْمَكَانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الضَّرْبُ أَوِ الزَّمَانِ، وَمِضْرَبٌ لِلْعُودِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ" (١). "وَأَمَّا انْقِلَابُ الْيَاءِ عَنْ الْوَاوِ" (٢) فَفِي مَوَاضِعَ. ز: "الْوَاوُ تُقْلَبُ يَاءً إِذَا اجْتَمَعَا وَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا بِسْكُونٍ، تُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً وَتُدْغَمُ الْيَاءُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، فَمَا سَبَقَتْ فِيهِ الْيَاءُ، نحو: "سَيِّدٍ، وَمَيِّتٍ، وَهَيِّنٍ، وَطَيِّبٍ"، وَمَا سَبَقَتْ فِيهِ الْوَاوُ، نَحْوَ: "طَوَيْتُ طَيًّا، وَلَوَيْتُ لَيًّا"، وَتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً إِذَا سَكَنَتْ وَانْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا، نحو: "مِيزَانٍ، ومِيعَادٍ"، وَالْأَصْلُ: "مِوْزَانٌ، وَمِوْعَادٌ"، فَإِذَا جُمِعَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْأَصْلِ فَقُلْتَ: "مَوَازِينٌ، وَمَوَاعِيدٌ. وَتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً إِذَا وَقَعَتْ رَابِعَةً فَصَاعِدًا، نحو: "أَغْزَيْتُ وَاسْتَغْزَيْتُ". وَتُقْلَبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا، نحو: "غُزِيَ، وَدُعِيَ". وفي التَّثْنِيَةِ، نحو: "يُغْزَيَانِ، وَيُدْعَيَانِ"، فَتَصِيرُ كَذَوَاتِ الْيَاءِ، نحو: "يُرْمَيَانِ، وَيُعْطَيَانِ"، لِتَجَاوُزِهِمَا ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ، وَتُقْلَبُ لِاجْتِمَاعِ الْحَرْفَيْنِ المِثْلَيَيْنِ بَدَلًا مِنْ أَحَدِهِمَا، نَحْوَ: تَسَرَّيْتُ وَتَقَصَّيْتُ، وَالْأَصْلُ: تَسَرَّرْتُ، وَتَقَصَّصْتُ، وَتَمَطَّطْتُ، ونحو: "دِيبَاجٍ، وَدِيوَانٍ، وَدِيمَاسٍ"، والأصل: "دِبَّاجٌ، وَدِوَّانٌ، وَدِمَّاسٌ"، فإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: دَوَاوِين، فَتَرُدُّ الْوَاوَ إِلَى الْأَصْلِ، وقالوا: "عِيدٌ وَأَعْيَادٌ، وَدِيمَةٌ وَدِيَمٌ وَأَصْلُهُ الْوَاوُ. وَتُقْلَبُ يَاءً فِي "عَتَا عُتِيُّا"،

стр. 201

وَأَصْلُهُ "عُتُوًّا" إِلَّا أَنْ تُرِيدَ الْجَمْعَ، فَتَقُولُ: "عَاتٍ وَعَتِيٌّ" لَا غَيْر. وَقَدْ قُلِبَتْ يَاءً فِي قَيَّامٍ، وَدَيَّارٍ. وَتُقَلَبُ يَاءً فِي تَصْغِيرِ كُرْدُوسٍ، وَبُهْلُولٍ، تقول: "كُرَيْدِيسٌ، وبُهَيْلِيلٌ" وفي الجمع في: "بَهَالِيلٍ، وَكَرَادِيسٍ". وَتُقَلَبُ فِي "مَفْعُولٍ"، إذا كَانَتْ اللَّامُ مِنْهُ يَاءً، نحو: "مَرْضِيٌّ"، و"مَرْمِيٌّ". وَقَدْ أُبْدِلَتْ مِنَ النُّونِ فِي دِينَارٍ وَقِيرَاطٍ، وَالْأَصْلُ: دِنَّارٌّ وَقِرَّاطٌ، لقولهم: دَنَانِيرٌ وَقَرَارِيطٌ. وَقَدْ قُلِبَتْ يَاءً فِي: "قِيَام"، وفي حَالَتِ النَّاقَةُ حِيَالًا. وَفِي سَوْطٍ وَسِيَاطٍ، وَرَوْضٍ وَرِيَاضٍ، وفي حَقْوٍ وَأَحُقٍ، وَدَلْوٍ وَأَدْلٍ، وَغَازٍ وَدَاعٍ" (١). "وَأَمَّا إِبْدَالُ الْيَاءِ وَاوًا" (٢): ز: "تُقْلَبُ الْيَاءُ وَاوًا إِذَا سَكَنَتْ وَانْضَمَّ مَا قَبْلَهَا، نَحْوَ: "مُوسِرٍ" و"مُوقِنٍ"، وفي نَسَبِ الْمَقْصُورٍ، نَحْو: "رَحَوِيٍّ وَبَدَوِيٍّ". وتُبْدَلُ فِي "فَعْلَى" إِذَا كَانَتِ اسْمًا، نحو: "التَّقْوَى وَالشَّرْوَى، مِنْ "شَرَيْتُ" و"تَقَيْتُ". وَقَدْ أُبْدِلَتْ فِي فُعْلَى وَهِيَ عَيْنٌ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: "الطُّوبَى"، و"الكُوسَى". وَأَمَّا انْقِلَابُ الْأَلِفِ عَنِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، ففي كُلِّ مَوْضِعٍ تَتَحَرَّكُ فِيهِ الواوُ واليَاءُ وَقَبْلَهُمَا فَتْحَةٌ في العَيْنِ كَـ"قَالَ" و"بَاعَ"، وفِي اللَّامِ كَـ"مَشَى وَدَعَا" وقَدْ أُبْدِلَتْ فَاءً فِي "يَاجَلُ" وَ"يَاحَلُ" مِنْ "يَوْجَلُ وَيَوْحَلُ" (٣). ط: "وَقَدْ تُقْلَبُ الْيَاءُ عَنِ الْأَلِفِ فِي نَحْوِ: سِرْبَالٍ، وَسَرَابِيلٍ" (٤). وقوله: "وَلَابُدَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ فِي الْأَشْكَالِ لِمِسَاحَةِ الْأَرَضِينِ" (٥).

стр. 202

أبو علي: لَابُدَّ: أَي لا مَحَالَةَ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ اشْتِقَاقًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبِدَّةَ: وَهو النَّصِيبُ، وَالْبُدُّ: صَنَمٌ لِأَهْلِ الْهِنْدِ يَعْبُدُونَهُ. ط: "الْمِسَاحَة (١): مَصْدَرُ مَسَحْتُ الْأَرْضَ، إِذَا ذَرَعْتَهَا، وَالمُثَلَّثُ (٢) عَلَى الإطلاقِ هُوَ أَوَّلُ السُّطُوحِ التي تُحِيطُ بِهَا خُطُوطٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وهي كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَمَبْدَؤُهَا مِنَ الْمُثَلَّثِ، وَتَتَرَقَّى صَاعِدَةً، فيكون أَوَّلُهَا الْمُثَلَّثُ، وهو الذِي تُحِيطُ بِهِ ثَلَاثَةُ خُطُوطٍ، ثم المُرَبَّعُ، وَهُوَ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ أَرْبَعَةُ خُطُوطٍ، ثُمَّ الْمُخَمَّسُ، ثُمَّ المُسَدَّسُ تَتَزَايَدُ هَكَذَا، وَإِنَّمَا صَارَ الْمُثَلَّثُ أَوَّلَهَا لِأَنَّ خَطَّيْنِ مُسْتَقِيمَيْنِ لَا يُحِيطَانِ بِسَطْحٍ، وما كان مِنْ هَذِهِ السُّطُوحِ يُحيطُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ خُطوطٍ فإنه يسمى: "الْكَثِيرَ الزَّوَايَا"، ومَبْدَؤُهَا: الْمُخَمَّسُ. وَأَنْوَاعُ الْمُثَلَّثِ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ خُطُوطٌ مُسْتَقِيمَةٌ ثَلَاثَةٌ: مُثَلَّثٌ قَائِمٌ الزَّاوِيَةِ، وَمُثَلَّثٌ حَادُّ الزَّاوِيَةِ، وَمُثَلَّثٌ مُنْفَرِجُ الزَّاوِيَةِ. وَالزَّوَايَا ثَلَاثٌ: قَائِمَةٌ، وَحَادَّةٌ، وَمُنْفَرِجَةٌ. وَالْمُثَلَّثُ الْقَائِمُ الزَّاوِيَةِ نَوعانِ: مُتَسَاوِي السَّاقَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ ضِلَعَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ مِنْ أَضْلاعِهِ، وَمُخْتَلِفُ الْأَضْلاعِ، وَهُوَ الَّذِي أَضْلاعُهُ كُلُّهَا مُخْتَلِفَةٌ. وَالْمُثَلَّثُ الْحَادُّ الزَّاوِيَةِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعَ: الْمُتَسَاوِي الْأَضْلَاعِ. وَالْمُتَسَاوِي السَّاقَيْنِ، وَالْمُخْتَلِفُ الأَضْلَاعِ، وَالْمُثَلَّثُ الْمُنْفَرِجُ الزَّاوِيَةِ نَوْعَانِ: مُتَسَاوِي السَّاقَيْنِ، وَمُخْتَلِفُ الأَضْلَاعِ. وأما قوله: وَمَسَاقِطُ الْأَحْجَارِ (٣): فَإِنَّ مَسْقِطَ الْحَجَرِ هُوَ الْخَطُّ الذي يَخْرُجُ مِنْ زَاوِيَةِ الْمُثَلَّثِ إلى الضِّلَعِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا، ويسمى: "الْعَمُودَ" أَيْضًا، ويُقَالُ لِلضِّلَعِ التي يَقَعُ عَلَيْهَا مَسْقِطُ الْحَجَرِ: "الْقَاعِدَةُ". وَهَذَا هو أحدُ الْعَمُودَيْنِ اللذين ذَكَرَهُمَا، والْعَمُودُ الْآخَرُ: كُلُّ خَطٍّ قَامَ عَلَى خَطٍّ آخَرَ قِيَامًا مُعْتَدِلًا، فَإِنَّ الْخَطَّ

стр. 203

الأسْفَلَ يُقَالُ لَهُ: "القَاعِدَةُ"، والقَائِمُ يُقَالُ لَهُ: "الْعَمُودُ"، وتُسَمَّى الزَّاوِيَتَانِ اللَّتَانِ عَنْ جَنْبَتَي الْعَمُودِ الْأَوَّلِ: قَائِمَتَيْنِ، فَإِنْ مَالَ العَمُودُ إلى إِحْدَى النَّاحِيَتَيْنِ قِيلَ لِلزَّاوِيَةِ الَّتِي مِنْ نَاحِيَةِ الْمَيْلِ "حَادَّةٌ"، ولِلثَّانِيَةِ: "مُنْفَرِجَةٌ" (١). والزَّاوِيَةُ الْقَائِمَةُ هِيَ أَنْ يَقُومَ خَطٌّ مُسْتَقِيمٌ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، فَتَصِيرَ الزَّاوِيَتَانِ اللَّتَانِ عَنْ جَنْبَتَيْهِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ. ز: "وَالْخُطُوطُ ثَلَاثَةٌ: مُسْتَقِيمٌ، وغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَمُدَوَّرٌ. فالمستقيم على ما قَالَ إِقْلِيدَسُ: هُوَ الْمَوْضُوعُ عَلَى أَيِّ النُّقَط كَانَتْ، يَعْنِي إِذَا وَصَلْتَ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بِخَطٍّ، فَذَلِكَ الْخَطُّ هُوَ الْمُسْتَقِيمُ. وقال غيره: الْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ كُلُّ خَطٍّ وُجِدَ فِيهِ ثَلَاثُ نُقَطٍ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ. وقَالَ قُسْطَا (٢): الخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ أَقْصَرُ خَطٍّ وَصَلَ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ. وَغَيْرُ الْمُسْتَقِيم يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْمُقَوَّسُ والدَّائِرَةُ. فَإِنْ انْحَرَفَ الْخَطُّ عَنِ الْاِسْتِقَامَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّ تَقَوَّسَ وَلَمْ يَلْتَقِ طَرَفَاهُ فَهُوَ قَوْسٌ. وَإِنِ الْتَقَى طَرَفَاهُ وَكَانَ لَهُ مَرْكَزٌ وَتَساوَتِ الخُطُوطُ الْخَارِجَةُ مِنْهُ إِلَى الْمَرْكَزِ، فَذَلِكَ دَائِرَةٌ" (٣). ط: "وَأَمَّا الْمُرَبَّعَاتُ الْمُخْتَلِفَاتُ (٤): فَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرَ إِقْلِيدَسُ خَمْسَةٌ: مُرَبَّعٌ قَائِمُ الزَّاوِيَةِ مُتَسَاوِي الْأَضْلاعِ، وَسَمَّاهُ الْمُرَبَّعَ الصَّحِيحَ"، وَمُرَبَّع قَائِمُ الزَّاوِيَةِ مُتَسَاوِي كُلِّ ضِلْعَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وَسَمَّاهُ "مُرَبَّعًا مُسْتَطِيلًا". وَمُرَبَّعٌ مُتَسَاوِي الْأَضْلاعِ غَيْرِ قَائِمِ الزَّوَايَا، وَهُوَ الْمُعَيَّنُ". ومُرَبَّعٌ مُتَسَاوِي كُلِّ ضِلْعَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فَقَط، وَكُلِّ زَاوِيَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ فقط، وسَمَّاهُ "الشَّبِيهَ بِالْمُعَيَّنِ"، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ

стр. 204

الْحُدُودِ سَمَّاهُ "مُنْحَرِفًا" (١). "وأَمَّا الْقِسِيُّ (٢) فَجَمْعُ قَوْسٍ، وَالْقَوْسُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْخُطُوطِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْخُطُوطَ ثَلَاثَةٌ: مُسْتَقِيمٌ، وَمُقَوَّسٌ، وَمُنْحَنٍ. والْخُطُوطُ الْمُسْتَقِيمَةُ كَثِيرَةٌ وَلَهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ، كقولنا: "عَمُودٌ، وَقَاعِدَةٌ، وسَاقٌ، وضِلَعٌ، وَوَتَرٌ، وسَهْمٌ، وَقُطْرٌ، وَمَسْقِطُ الْحَجَرِ (٣)، وَمِحْوَرٌ، وَجَيْبٌ مُسْتَوٍ، وَجَيْبٌ مَنْكُوسٌ" وَنَحْوَ ذَلِكَ. والْخُطُوطُ الْمُقَوَّسَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: دَائِرَةٌ، وَنِصْفُ دَائِرَةٍ، وَأَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةٍ، وأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةٍ" (٤). ز: "الْخَطُّ الذِي يَصِلُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ يُقَالُ لَهُ: الْوَتَرُ، وَسَهْمُهُ خَطُّ يَصِلُ بَيْنَ الْخَطِّ والْوَتَرِ. وأما الدَّائِرَةُ فَمَا أَحَاطَ بِه خَطَّانِ مُقَوَّسَانِ فَنَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا يُسَمَّى: "الشَّكْلَ الْهِلَالِيَ"، وهو أن تكون حَدَبَةُ إحْدى القَوْسَيْنِ تَلِي أَخْمَصَ الْقَوْسِ الْأُخْرَى. والآخَر يسمى: "الشَّكْلَ الْبَيْضِيَّ"، وهو أن يكون أَخْمَصَا القَوْسَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ. وأما السطوح الَّتِي يُحِيطُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ خَطَّيْنِ فإنها غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ وَأَوَّلُهَا الْمُثَلَّثُ" (٥). قوله: "وكَانَتِ الْعَجَمُ تَقُولُ" (٦) الكلام إلى آخره. ع: الْعَجَمُ، هَاهُنَا عُلَمَاءُ فَارِسَ (٧). وإجْرَاءُ الْمِيَاهِ (٨): جَلْبُهَا مِنْ مَكَانٍ

стр. 205

إلى مَكَانٍ، بِوَزْنٍ وَتَقْدِيرٍ. وَالْفُرَضُ (١): الْأَنْهَارُ. والمَشَارِبُ (٢): الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَشْرَبُ فِيهَا الْمَوَاشِي. ط: "مِنْ ظَرِيفِ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ (٣) أَنَّهُ نَهَى قَارِئَ كِتَابِهِ (٤) أَوَّلًا عَنِ النَّظَرِ في شَيْءٍ مِنَ "العُلُومِ الْقَدِيمَةِ" وسَمَّاهَا "هَذَيَانًا" ثُمَّ رَغَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا وَكَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ فَيَتَنَاقَضَ، فَنَسَبَ ذَلِكَ إِلَى الْعَجَمِ" (٥). والْمَشَارِبُ (٦): جَمْعُ مَشْرَبٍ، وَهُوَ شَاطِئُ النَّهْرِ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ، وَالْفُرَضَةُ: الْمَدْخَلُ إِلَى النَّهْرِ. وقَالَ الْخَلِيلُ: "الفُرْضَةُ: مَشْرَبُ المَاءِ مِنَ النَّهْرِ، والفُرْضَةُ: مَرْفَأُ السُّفُنِ أيضًا" (٧). وَالْمَهَاوِي (٨): جَمْعُ مَهْوَاةٍ، وَمَهْوَى، وَهُوَ مَا بَيْنَ أَعْلَى الْجَبَلِ وَأَسْفَلِهِ، وكُلُّ مَكَانٍ عَمِيقٍ يُهْوَى فِيهِ فَإِنَّهُ مَهْوَى. وقوله: "وَمَجَارِي الْأَيَّام فِي الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ" (٩). ط: "هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ هَيْأَةِ الْأَفْلَاكِ ونِصْبَةِ (١٠) الْعَالَمِ، وَذَلِكَ بِتَرَدُّدِ الشَّمْسِ مَا بَيْنَ رَأْسِ الْجَدِي وَرَأْسِ السَّرَطَانِ مُدْبِرَةً عَنَّا تَارَةً وَمُقْبِلَةً إِلَيْنَا تَارَةً، فَتَعْظُمُ قِسِيُّ النَّهَارِ مَرَّةً، وَتَصْغُرُ مَرَّةً فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِطُولِ النَّهَارِ وَقِصَرِهِ. وذلك أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا صَارَتْ فِي رَأْسِ الْجَدْي كَانَتْ فِي أَبْعَدِ بُعْدِها عَنَّا؛ لأَنَّهَا انْتَقَلَتْ مِنَ الْبُرُوجِ الشَّامِيَةِ إِلَى الْبُرُوجِ الْيَمَانِيَةِ، فَصَغُرَ قَوْسُ النَّهَارِ

стр. 206

وَعَظُمَ قَوْسُ اللَّيْلِ. وَعِنْدَ حُلُولِهَا بِرَأْسِ الْجَدْيِ يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَقْصَرَ الْأَيَّامِ عِنْدَنَا وَأَطْوَلَ اللَّيَالِي، ثُمَّ تَأْخُذُ فِي الْإِقْبَالِ إِلَى الشِّقِّ الشَّمَالِيِّ فَتَدْنُو كُلَّ يَوْم مِنَّا، وَتَبْدَأُ قَوْسُ النَّهَارِ تَعْظُمُ وَقَوْسُ اللَّيْلِ تَصْغُرُ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى رَأْسِ الْحَمْلِ، فَتَتَوَسَّطُ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَ رَأْسِ الْجَدْيِ وَرَأْسِ السَّرَطَانِ، فَتَتَسَاوَى قَوْسُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. ثُمَّ تَجُوزُ رَأْسَ الْحَمْلِ مُقْبِلَةً نَحْوَنَا فَيَأْخُذُ النَّهَارُ فِي الزِّيَادَةِ واللَّيْلُ فِي النُّقْصَانِ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى رَأْسِ السَّرَطَانِ، فَتَنْتَهِي قَوْسُ النَّهَارِ إِلَى غَايَتِهَا فِي الْعِظَم، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَعْظَمَ يَوْمٍ عِنْدَنَا وَأَقْصَرَ لَيْلَةٍ. ثُمَّ تَبْدَأُ بِالرُّجُوعِ نَحْوَ الشِّقِّ الْجَنُوبِيِّ مُدْبِرَةً عَنَّا، فَتَبْدأُ قَوْسُ النَّهَارِ تَصْغُرْ وَقَوْسُ اللَّيْلِ تَعْظُمْ فَيَنْقُصُ مِنَ النَّهَارِ بِقَدْرِ مَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ. حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ إِلَى رَأْسِ الْمِيزَانِ، صَارَتْ مُتَوَسِّطَةً بين المسافة التي بَيْنَ رَأْسِ السَّرَطَانِ ورَأْسِ الْجَدْيِ، فَاسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَّةً ثَانِيَةً، كَاسْتِوَائِهِمَا فِي رَأْسِ الْحَمَلِ لِتَسَاوِي الْقَوْسَيْنِ. فإذا جَازَتْ رَأْسَ الْمِيزَانِ مُوغِلَةً فِي الْجَنُوبِ اشْتَدَّ بُعْدَهَا عَنَّا واشْتَدَّ صِغَرُ قَوْسِ النَّهَارِ، واشْتَدَّ عِظَمُ قَوْسِ اللَّيْلِ حتى تَنْتَهِيَ إِلَى رَأْسِ الْجَدْيِ، وَذَلِكَ دَأبُبَهَا أَبَدًا. ولها ما بين رأسِ الْجَدْيِ وَرَأسِ السَّرَطَانِ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ مَشْرِقًا، وَمِائَةٌ وَثَمَانُونَ مَغْرِبًا. تَطْلُعُ مِنْ كُلِّ مَشْرِقٍ مِنْهَا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي إِقْبَالِهَا إِلَيْنَا، وَمَرَّةً فِي إِدْبَارِهَا عَنَّا، وَتَغْرُبُ مِثْلَ ذَلِكَ" (١). ع: وَأَمَّا حَالُ الْقَمَرِ فِي اسْتِهْلالِهِ (٢) فَإِنَّ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ نَبَاتَ الْأَرْضِ كُلَّهُ وَثِمَارَهَا تَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْقَمَرِ وَتَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بَيِّنًا فِي مَدِ الْمِيَاهِ وَجَزْرِهَا وَفِي الْأَنْوَارِ. وذُكِرَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (يُحْتَجَمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ، وَتِسْعَ

стр. 207

عَشَرَةَ لَيْلَةٍ) (١). قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا يُصَدِّقُ أَنَّ لِلْقَمَرِ عَمَلًا فِي الْأَجْسَامِ كَعَمَلِهِ فِي الْبَحْرِ. أَرَادَ بِذَلِكَ نُقْصَانَ الدَّم فِي آخِرِ الشَّهْرِ. وقوله: "وَذَرْعُ الْمُثَلَّثِ وَالْمُرَبَّعِ" (٢). ط (٣): "أَصْلُ مَا تُمْسَحُ بِهِ الْأَرَضُونَ: أَشَلٌ، وَبَابٌ، وَذِرَاعٌ. فَالْأَشَلُ: حَبْلٌ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا. وَالشَّاقُولُ: خَشَبَةٌ قَدْرُ ذِرَاعَيْنِ فِي طَرْفِهَا زُجٌّ، تُرْكَزُ فِي الْأَرْضِ، وَيُشَدُّ فِيهَا طَرَفُ الْأَشَلِ. وَالْبَابُ: قَصَبَةٌ طُولُهَا سِتُّ أَذْرُعٍ، وَالذِّرَاعُ الَّتِي يَمْسَحُ بِهَا السُّلْطَانُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ إِصْبَعًا، وَتُسَمَّى: الذِّرَاعَ الْهَاشِمِيَّةَ، وَالذِّرَاعَ السَّوْدَاءَ أَيْضًا، وهِيَ الَّتِي تُمْسَحُ بِهَا الدُّورُ وَغَيْرُهَا. وقيل: الَّتِي تُمْسَحُ بِهَا الدُّورُ وَغَيْرُهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إِصْبَعًا، وَتُسَمَّى الذِّرَاعَ الجَدِيدَةَ. وَالْأَشَلُ: عَشْرَهُ أَبْوَابٍ، وَالْبَابُ: سِتُّ أَذْرُعٍ، وَالذِّرَاعُ: سُدُسُ الْبَابِ، وَالْقَصَبَةُ سُدُسُ الدِّرَاعِ، وَالْإِصْبَعُ: رُبُعُ الْقَصَبِةِ. فَأَمَّا الْمُثَلَّثُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ أَضْلاعُهُ كُلُّهَا أَوِ اسْتَوَتْ اثْنَتَانِ مِنْهَا كَانَ تَكْسِيرُهُ ضَرْبَ عَمُودِهِ فِي نِصْفِ قَاعِدَتِهِ. وَذَلِكَ مُثَلَّثٌ عَمُودُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ، وَنِصْفُ قَاعِدَتِهِ خَمْسُ أَذْرُعٍ فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ خَمْسُونَ ذِرَاعًا. وَأَمَّا اسْتِخْرَاجُ ذَرْعِ الْعَمُودِ مِنْ قِبَلِ الضِّلَعِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَنْ تَضْرِبَ الضِّلَعَ فِي نَفْسِهَا وَتَنْقُصَ مِنَ الْعَدَدِ نِصْفَ الْقَاعِدَةِ مَضْرُوبًا فِي نَفْسِهِ، وَتَأْخُذَ حِذْرَ مَا بَقِيَ، فَهُوَ الْعَمُودُ، وَإِنْ أَرَدْتَ اسْتِخْراج الضِّلَعِ، ضَرَبْتَ الْعَمُودَ فِي

стр. 208

نَفْسِهِ وَنِصْفَ الْقَاعِدَةِ فِي نَفْسِهَا، وَجَمَعْتَ الْعَدَدَيْنِ وَأَخَذْتَ حِذْرَهُمَا، وَهُوَ الضِّلَعُ. وَإِنْ أَرَدْتَ اسْتِخْرَاجَ نِصْفِ الْقَاعِدَةِ ضَرَبْتَ الضِّلْعَ فِي نَفْسِهَا ونَقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمُودَ مَضْرُوبًا فِي نَفْسِهِ وَأَخَذْتَ حِذْرَ مَا بَقِيَ، فَهُوَ نِصْفُ الْقَاعِدَةِ". ز: "كُلُّ ضِلَعَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فِي مُثَلَّثَةٍ يَخْرُجُ بَيْنَهُمَا عَمُودٌ عَلَى قَاعِدَةٍ فَإِنَّ مَسْقِطَ حَجَرِ الْعَمُودِ يَقَعُ عَلَى نِصْفِ الْقَاعِدَةِ إِذَا اسْتَوَى الضِّلْعَانِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا، خَالَفَ مَسْقِطَ الْحَجَرِ عَنْ نِصْفِ الْقَاعِدَةِ" (١). ط: "وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَضْلاعُ الْمُثَلَّثِ فَإِنَّ الْعَمَلَ فِي مَسَاحَتِهَا أَنْ تَجْمَعَ الْأَضْلَاعَ الثَّلَاثَ، وَتَأْخُذَ نِصْفَ مَا يَجْتَمِعُ مَعَكَ مِنْ ذَلِكَ فَتَحْفَظُهُ، ثُمَّ تَنْظُرُ مَا بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَضْلاعِ وَبَيْنَ هَذَا النِّصْفِ فَتَضْرِبَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، ثُمَّ فِي هَذَا النِّصْفِ وَتَجْمَعَ حِذْرَ جَمِيعَ ذَلِكَ فَهُوَ تَكْسِيرُهُ، مِثَالُهُ: مُثَلَّثٌ إِحْدَى أَضْلاعِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَالْأُخْرَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَالْأُخْرَى ثَلاثَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، الْعَمَلُ أَنْ تَجْمَعَ هَذِهِ الْأَضْلَاعَ فَيَكُونَ الْمُجْتَمِعُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، فَتَأْخُذَ نِصْفَ ذَلِكَ فَيَكُونُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، ثُمَّ تَنْظُرَ كَمْ بَيْنَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالْإِحْدَى وَالْعِشْرِينَ فَتَجِدُ ذَلِكَ سِتًّا. وَمَا بَيْنَ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَبَيْنَها فَتَجِدُ ذَلِكَ سَبْعًا، وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ فَنَجِدُ ذَلِكَ ثَمَانِيًا، فَتَضْرِبُ سِتَّةً فِي سَبْعَةٍ فَتَكُونُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ فِي ثَمَانٍ فَتَكُونُ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ثُمَّ تَضْرِبُ فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَتَكُونُ: سَبْعَةَ آلَافٍ وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ، فَتَأْخُذُ حِذْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ، فَيَكُونُ تَكْسِيرَ الْمُثَلَّثِ. وَأَمَّا الْمُرَبَّعُ، فَأَصْنَافُهُ خَمْسَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَأَمَّا الْمُتَسَاوِي الْأَضْلَاعِ فَضَرْبُ إِحْدَى أَضْلَاعِهِ فِي نَفْسِهِ هُوَ تَكْسِيرُهُ، كَمُرَبَّعٍ كُلُّ ضِلْعِ مِنْهُ عَشْرَةٌ فَتَكْسِيرُهُ مِائَةٌ، وَأَمَّا الْمُرَبَّعُ الْمُسَتَطِيلُ فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ بِضَرْبِ طُولِهِ فِي عَرْضِهِ.

стр. 209

وَأَمَّا الْمُخْتَلِفُ الْأَضْلاعِ: فَجَمْعُ طُولَيْهِ وَعَرْضَيْهِ وَأَخْذُ نِصْفِهِمَا، وَضَرْبُ نِصْفِ الطُّولَيْنِ فِي نِصْفِ الْعَرْضَيْنِ تَكْسِيرُهُ، وَهُوَ عَمَلُ الْحِسَابِ لَا عَمَلَ الْمُهَنْدِسِينَ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالْمُرَبَّعِ الشَّبِيهِ بِالْمُعَيَّنِ، يَجْمَعُونَ الضِّلْعَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ، وَيَأْخُذُونَ نِصْفَ مَا يَجْتَمِعُ، وَيَجْمَعُونَ أَيْضًا الضِّلْعَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَيَأْخُذُونَ نِصْفَ مَا يَجْتَمِعُ، وَيَضْرِبُونَ النِّصْفَ فِي النِّصْفِ. وَأَمَّا الْمُرَبَّعُ الْمُعَيَّنُ، فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ بِضَرْبٍ نِصْفِ أَحَدٍ قُطْرَيْهِ فِي الْقُطْرِ الْآخَرِ. وَأَمَّا الْمُدَوَّرُ فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ بِضَرْبِ قُطْرِهِ فِي مِثْلِهِ وَإِسْقَاطُ سُبُعٍ مَا يَجْتَمِعُ وَنِصْفِ سُبُعِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: مُدَوَّرٌ قُطْرُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَإِنَّكَ تَضْرِبُ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي مِثْلِهَا فَتَكُونُ مِائةً وَسِتَّةً وَتِسْعِينَ، فَتُلْقِيَ مِنْ ذَلِكَ سُبُعَهُ وَنِصْفَ سُبُعِهِ، وَذَلِكَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ، فَيَبقَى مِائِةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ، فَهُوَ تَكْسِيرُهُ، وَإِنْ عَرَفْتَ تَكْسِيرَهُ وَلَمْ تَعْرِفْ قُطْرَهُ وَأَرَدْتَ مَعْرِفَتَهُ مِنَ التَّكْسِيرِ، فَاضْرِبِ التَّكْسِيرَ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَاقْسِمْهُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ، فَمَا خَرَجَ فَخُذْ حِذْرَهُ فَهُوَ الْقُطْرُ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ الدَّوْرِ فَاضْرِبِ الْقُطْرَ فِي ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِ فَمَا اجْتَمَعَ فَهُوَ الدَّوْرُ". ز: "تَكْسِيرُ الْمُدَوَّرَاتِ بِأَنْ تَضْرِبَ نِصْفَ الْقُطْرِ فِي نِصْفِ الدَّوْرِ، فَهُوَ تَكْسِيرُهَا. والدَّوْرُ إِذَا قُسِمَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسُبُعٍ، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ الْقُطْرُ. وَكُلُّ قِطْعَةٍ شَبِيهَةٍ بِقَوْسٍ، فَإِنْ كَانَ سَهْمُ الْقَوْسِ مِثْلَ نِصْفِ الوَتْرِ فَهِيَ دَائِرَةٌ. وَإِنْ كَانَ السَّهْمُ أَقَلَّ مِنْ نَصْفِ الْوَتَرِ فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةِ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْوَتَرِ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دَائِرَةٍ" (١). وقوله: "والدَّوَالِي وَالنَّوَاعِيرُ" (٢). ط: "الدَّوَالِي: جَمْعُ دَالِيَةٍ، وهي التي يقال لها: الْخَطَّارَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ

стр. 210

لأَنَّهَا يُدْلَى بِهَا الْمَاءُ، يقال: أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إِذَ أَدْخَلْتَهَا فِي الْبِئْرِ لِتَمْلَأَهَا، وَدَلَوْتُهَا: إِذَا أَخْرَجْتَهَا. قَالَ مِسْكِينُ الدَّارِمِيُّ (١): (بسيط) بِأَيْدِيهِمْ مَغَارِفُ مِنْ حَدِيدٍ … أُشَبِّهُهَا مُغَيَّرَةَ الدَّوَالِي (٢) " (٣) ع: هِيَ خَشَبَةٌ يُرْبَطُ فِيهَا الدَّلْوُ. وَفِي الْجَانِبِ الآخَرِ صَخْرَةٌ، وَيُسْتَقَى بِهَا الْمَاءُ، وَهِيَ الْخَطَّارَةُ. وقوله: "وَلَابُدَّ لَهُ مِنَ النَّظَرِ فِي الْفِقْهِ" (٤)، إلى آخر الفصل. ط: "قَوْلُهُ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" (٥) الْخَرَاجُ وَالْخَرْجُ سَوَاءٌ، وَقُرِئَ بِهَا جميعًا في قولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ (٦). وَمَعْنَى الْخَرَاج بِالضَّمَانِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسْتَغَلَّهُ مُدَّةً ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَجِبُ (٧) لَدَيْهِ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا يَرُدُّ ما اسْتَغَلَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ضَمَانِهِ لَوْ تَلَفَ عِنْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِ الْعَيْبِ بِهِ" (٨). د: فَكَأَنَّ الْبَاءَ فِيهِ بِالْمُجَازَاةِ كقولك: "هَذَا بِهَذَا"، و"ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ". وقال أبو عُبَيدٍ (٩): "مَعْنَى الْخَرَاج فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَلَّةُ الْعَبْدِ، فَجَعَلَ

стр. 211

التَّمْثيلَ بِالْعَبْدِ لَا بِكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَيْبُ، يقال: خَارَجَ فُلَانٌ عَبْدَهُ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى ضَرِيبَةٍ يَأْخُذُهَا السَّيِّدُ مِنَ الْعَبْدِ مُنَاجَمَةً" (١). وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَجُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ" (٢): ط: "الْعَجْمَاءُ: الْبَهِيْمَةُ سُمِّيَتْ عَجْمَاءَ لِاسْتِعْجَامِهَا عَنِ الْكَلَامِ. وَالْجُبَارُ: الْهَدْرُ الَّذِي لَا دِيَةَ فِيهِ، ومعناه: أَنَّ كُلَّ حَدَثٍ أَحْدَثَتْهُ الدَّابَّهُ هَدْرٌ لَا دِيَةَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَائِدٌ وَلَا رَاكِبٌ وَلَا سَائِقٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ مَأْخُوذًا بِمَا أَحْدَثَتْهُ إِلَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهَا مِنْهُ كَالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (الرِّجْلُ جُبَارٌ) (٣) " (٤). ز: "وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) (٥). قِيلَ: مَنْ وَقَعَ فِيهِمَا، وَقِيلَ: مَنْ انْهَارَا عَلَيْهِ لأَنَّهُ عَمِلَ فِيهِمَا بِالْأُجْرَةِ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَنْ عَمِلَ بِالْأُجْرَةِ أَنَّهُ هَدْرٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَهُ،

стр. 212

وقيل في البِئْرِ: هي الْبِئْرُ الْقَدِيمَةُ لَا يُعْرَفُ مَنْ حَفَرَهَا، فَمَنْ وَقَعَ فِيهَا فَهُوَ جُبَارٌ" (١). وقوله: "وَلَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" (٢). ط: "يقال: غَلِقَ الرَّهْنُ: إِذَا لَمْ يُفَكَّ. وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ مَا يُمْسِكُهُ عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَصْرِفُهُ عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (٣) كَانَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ فَيَرْغَبُ إِلَيْهِ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالثَّمَنِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَيَأْبَى الْبَائِعُ مِنْ تَأْخِيرِهِ إِلَّا بِرَهْنٍ، فَإِذَا رَأَى الرَّهْنَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَهُ لَّمْ يَصْرِفْهُ عَلَيْهِ. والمعنى الآخر: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرْهَنُ الرَّهْنَ ثُمَّ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْتَكَّهُ إِذَا رَأَى أَنَّ رَهْنَهُ لَا يُسَاوِي الْقِيمَةَ الَّتِي عَلَيْهِ. وَهُوَ عَكْسُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وكِلَاهُمَا قد فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ" (٤). والأَوَّلُ أَظْهَرُ، ومِنْ هَذَا المعنى الثَّانِي مَا رُوِيَ في تَفْسِيرِ قولهم في الْمَثَلِ: "أَهْوَنُ مِنْ قُعَيْسٍ عَلَى عَمَّتِهِ" (٥). وأَصْلُهُ أَنَّ قُعَيْسًا (٦) رهَنَتَهُ عَمَّتُهُ فِي جُرْزَةِ بَقْلٍ اشْتَرَتْهَا ثُمَّ لَمْ تَفْتَكَّهُ وقالت: غَلِقَ الرَّهْنُ" (٧). ز: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ: أَيْ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ إِذَا أَدَّى فِكَاكَهُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَغْلَقْتُ الْبَابَ" (٨).

стр. 213

والفُقَهَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي الرَّهْنِ إِذَا تَلَفَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ بِمَا عَلَيْهِ. ومنهم من يقول: هُوَ مَالُ الرَّاهِنِ لَهُ فَضْلُهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ. ع: كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ يَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا فِيهِ، فَنَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ) (١)، أَيْ لَا يَبْطُلُ وَيَهْلَكُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، يُقَالُ: غَلِقَ الشَّيْءُ، إِذَا هَلَكَ، وفي حديثٍ آخر: (لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) (٢)، فالرَّهْنُ لَهُ وَالشَّرْطُ مُنْفَسِخٌ. قوله: "وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ" (٣). ط: "الْمِنْحَةُ وَالْمَنِيحَةُ الشَّاةُ أَوِ النَّاقَةُ يُعِيرُهَا الرَّجُلُ صَاحِبَهُ لِيَنْتَفِعَ بِلَبَنِهَا مُدَّةً ثُمَّ يَرُدُّهَا، فَأَرَادَ أَنْ إِعْطَاءَهُ إِيَّاهَا لَيْسَ يُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا إِلَّا أَنْ يَهَبَهَا لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا لقوله ﵇: (الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالرَّاجِعِ في قَيْئِهِ) (٤) " (٥). ز: "أَصْلُ مَنَحْتُ الرَّجُلَ مَالًا مِنْ هَذَا، يَعْنِي كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْهَيْآتِ وَالصِّلَاتِ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ حَتَّى قِيلَ: مَنَحْتُهُ وُدِّي وَنُصْحِي، وَكِلَاهُمَا اتِّسَاعٌ. وَالْأَصْلُ الشَّاةُ كَمَا ذَكَرْتُ" (٦).

стр. 214

وقوله: "وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ" (١). ط: "يَقُولُ: إِعَارَتُهَا لَا تُخْرِجُهَا عَنْ مُلْكِ صَاحِبِهَا مِثْلَ الْمِنْحَةِ، وَالْعَارِيَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمِنْحَةِ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا أَعْطَاهُ الْإِنْسَانُ إِعْطَاءً يَنْوِي اسْتِرْجَاعَهُ إِذَا قَضَى الْمُسْتَعِيرُ مِنْهُ حَاجَتَهُ، واشْتِقَاقُهَا مِنَ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّدَاوُلُ، يقال: عَاوَرْتُهُ الشَّيْءَ مُعَاوَرَةً، وَعِوَارً، كَمَا تَقُولُ: دَاوَلْتُهُ الشَّيْءَ مُدَاوَلَةً، وَدِوَالًا، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: (طويل) وَسِقْطٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ عَاوَرْتُ صُحْبَتِي … أَبَاهَا وَهَيَّأْنَا لِمَوْقِعِهَا وَكْرَا (٢) وَزْنُهَا عَلَى هَذَا: "فَعَلِيَّةٌ" وَأَصْلُهَا: عَوَرِيَّةٌ انْقَلَبَتْ وَاوُهَا أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا، وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلِهَا وَقَوْلُهُمْ: عَوَارِيٌّ فِي الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وقال بعضهم: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْعَارِ لأَنَّ اسْتِعَارَتَهَا عَارٌ عَلَى مُسْتَعِيرِهَا، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَدِ اسْتَعَارَ دِرْعًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَّيَّةَ (٣)، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَارًا لَمَا فَعْلَهُ (٤). وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَارَ عَيْنُهُ يَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: عَيَّرْتُهُ كَذَا وَعَيْنُ العَارِيَةُ واوٌ" (٥). وقوله: "وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ" (٦).

стр. 215

ط: "الزَّعِيمُ: الضَّامِنُ، يقال: زَعَمْتُ بِالشَّيْءِ، أَزْعُمُ، قال أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ (١): (متقارب) وَإِنِّي زَعِيمٌ لَكُمْ أَنَّهُ … سَيُنْجِزُ رَبُّكُمْ مَا زَعَمْ (٢) " (٣) قوله: "وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (٤). ط: "مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَيْسَ لِمَنْ يَرِثُهُ مِنْ مَسَاكِينِ أَهْلِهِ حَظٌّ فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي مِيرَاثِهِ" (٥). ابن القوطية: كَانَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَام قَدْ نَزَلَ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٦)، ثُمَّ أُحْكِمَتِ الْفَرَائِضُ لِأَهْلِهَا عَامَ الْفَتْحِ، فَقال رسول الله ﷺ في خُطْبَتِهِ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (٧)، فَأَبْطَلَ الوَصِيَّة لِلْوَرَثَةِ وَبَقِيَتْ لِلْأَقارِبِ مِمَّنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ وَلِغَيْرِهِمْ، وَبِهَذَا أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٨) في دَفْعِ غَيْرِ الْعُصْبَةِ عَنِ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُعْطِ إِلَّا مَنْ فَرَضَ اللَّهُ لَهُ
следующие страницы →