← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

التَّمْثيلَ بِالْعَبْدِ لَا بِكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَيْبُ، يقال: خَارَجَ فُلَانٌ عَبْدَهُ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى ضَرِيبَةٍ يَأْخُذُهَا السَّيِّدُ مِنَ الْعَبْدِ مُنَاجَمَةً" (١). وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَجُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ" (٢): ط: "الْعَجْمَاءُ: الْبَهِيْمَةُ سُمِّيَتْ عَجْمَاءَ لِاسْتِعْجَامِهَا عَنِ الْكَلَامِ. وَالْجُبَارُ: الْهَدْرُ الَّذِي لَا دِيَةَ فِيهِ، ومعناه: أَنَّ كُلَّ حَدَثٍ أَحْدَثَتْهُ الدَّابَّهُ هَدْرٌ لَا دِيَةَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَائِدٌ وَلَا رَاكِبٌ وَلَا سَائِقٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ مَأْخُوذًا بِمَا أَحْدَثَتْهُ إِلَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهَا مِنْهُ كَالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (الرِّجْلُ جُبَارٌ) (٣) " (٤). ز: "وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) (٥). قِيلَ: مَنْ وَقَعَ فِيهِمَا، وَقِيلَ: مَنْ انْهَارَا عَلَيْهِ لأَنَّهُ عَمِلَ فِيهِمَا بِالْأُجْرَةِ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَنْ عَمِلَ بِالْأُجْرَةِ أَنَّهُ هَدْرٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَهُ،

стр. 212

وقيل في البِئْرِ: هي الْبِئْرُ الْقَدِيمَةُ لَا يُعْرَفُ مَنْ حَفَرَهَا، فَمَنْ وَقَعَ فِيهَا فَهُوَ جُبَارٌ" (١). وقوله: "وَلَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" (٢). ط: "يقال: غَلِقَ الرَّهْنُ: إِذَا لَمْ يُفَكَّ. وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ مَا يُمْسِكُهُ عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَصْرِفُهُ عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (٣) كَانَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ فَيَرْغَبُ إِلَيْهِ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالثَّمَنِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَيَأْبَى الْبَائِعُ مِنْ تَأْخِيرِهِ إِلَّا بِرَهْنٍ، فَإِذَا رَأَى الرَّهْنَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَهُ لَّمْ يَصْرِفْهُ عَلَيْهِ. والمعنى الآخر: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرْهَنُ الرَّهْنَ ثُمَّ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْتَكَّهُ إِذَا رَأَى أَنَّ رَهْنَهُ لَا يُسَاوِي الْقِيمَةَ الَّتِي عَلَيْهِ. وَهُوَ عَكْسُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وكِلَاهُمَا قد فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ" (٤). والأَوَّلُ أَظْهَرُ، ومِنْ هَذَا المعنى الثَّانِي مَا رُوِيَ في تَفْسِيرِ قولهم في الْمَثَلِ: "أَهْوَنُ مِنْ قُعَيْسٍ عَلَى عَمَّتِهِ" (٥). وأَصْلُهُ أَنَّ قُعَيْسًا (٦) رهَنَتَهُ عَمَّتُهُ فِي جُرْزَةِ بَقْلٍ اشْتَرَتْهَا ثُمَّ لَمْ تَفْتَكَّهُ وقالت: غَلِقَ الرَّهْنُ" (٧). ز: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ: أَيْ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ إِذَا أَدَّى فِكَاكَهُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَغْلَقْتُ الْبَابَ" (٨).

стр. 213

والفُقَهَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي الرَّهْنِ إِذَا تَلَفَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ بِمَا عَلَيْهِ. ومنهم من يقول: هُوَ مَالُ الرَّاهِنِ لَهُ فَضْلُهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ. ع: كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ يَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا فِيهِ، فَنَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ) (١)، أَيْ لَا يَبْطُلُ وَيَهْلَكُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، يُقَالُ: غَلِقَ الشَّيْءُ، إِذَا هَلَكَ، وفي حديثٍ آخر: (لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) (٢)، فالرَّهْنُ لَهُ وَالشَّرْطُ مُنْفَسِخٌ. قوله: "وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ" (٣). ط: "الْمِنْحَةُ وَالْمَنِيحَةُ الشَّاةُ أَوِ النَّاقَةُ يُعِيرُهَا الرَّجُلُ صَاحِبَهُ لِيَنْتَفِعَ بِلَبَنِهَا مُدَّةً ثُمَّ يَرُدُّهَا، فَأَرَادَ أَنْ إِعْطَاءَهُ إِيَّاهَا لَيْسَ يُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا إِلَّا أَنْ يَهَبَهَا لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا لقوله ﵇: (الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالرَّاجِعِ في قَيْئِهِ) (٤) " (٥). ز: "أَصْلُ مَنَحْتُ الرَّجُلَ مَالًا مِنْ هَذَا، يَعْنِي كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْهَيْآتِ وَالصِّلَاتِ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ حَتَّى قِيلَ: مَنَحْتُهُ وُدِّي وَنُصْحِي، وَكِلَاهُمَا اتِّسَاعٌ. وَالْأَصْلُ الشَّاةُ كَمَا ذَكَرْتُ" (٦).

стр. 214

وقوله: "وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ" (١). ط: "يَقُولُ: إِعَارَتُهَا لَا تُخْرِجُهَا عَنْ مُلْكِ صَاحِبِهَا مِثْلَ الْمِنْحَةِ، وَالْعَارِيَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمِنْحَةِ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا أَعْطَاهُ الْإِنْسَانُ إِعْطَاءً يَنْوِي اسْتِرْجَاعَهُ إِذَا قَضَى الْمُسْتَعِيرُ مِنْهُ حَاجَتَهُ، واشْتِقَاقُهَا مِنَ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّدَاوُلُ، يقال: عَاوَرْتُهُ الشَّيْءَ مُعَاوَرَةً، وَعِوَارً، كَمَا تَقُولُ: دَاوَلْتُهُ الشَّيْءَ مُدَاوَلَةً، وَدِوَالًا، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: (طويل) وَسِقْطٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ عَاوَرْتُ صُحْبَتِي … أَبَاهَا وَهَيَّأْنَا لِمَوْقِعِهَا وَكْرَا (٢) وَزْنُهَا عَلَى هَذَا: "فَعَلِيَّةٌ" وَأَصْلُهَا: عَوَرِيَّةٌ انْقَلَبَتْ وَاوُهَا أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا، وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلِهَا وَقَوْلُهُمْ: عَوَارِيٌّ فِي الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وقال بعضهم: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْعَارِ لأَنَّ اسْتِعَارَتَهَا عَارٌ عَلَى مُسْتَعِيرِهَا، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَدِ اسْتَعَارَ دِرْعًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَّيَّةَ (٣)، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَارًا لَمَا فَعْلَهُ (٤). وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَارَ عَيْنُهُ يَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: عَيَّرْتُهُ كَذَا وَعَيْنُ العَارِيَةُ واوٌ" (٥). وقوله: "وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ" (٦).

стр. 215

ط: "الزَّعِيمُ: الضَّامِنُ، يقال: زَعَمْتُ بِالشَّيْءِ، أَزْعُمُ، قال أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ (١): (متقارب) وَإِنِّي زَعِيمٌ لَكُمْ أَنَّهُ … سَيُنْجِزُ رَبُّكُمْ مَا زَعَمْ (٢) " (٣) قوله: "وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (٤). ط: "مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَيْسَ لِمَنْ يَرِثُهُ مِنْ مَسَاكِينِ أَهْلِهِ حَظٌّ فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي مِيرَاثِهِ" (٥). ابن القوطية: كَانَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَام قَدْ نَزَلَ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٦)، ثُمَّ أُحْكِمَتِ الْفَرَائِضُ لِأَهْلِهَا عَامَ الْفَتْحِ، فَقال رسول الله ﷺ في خُطْبَتِهِ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (٧)، فَأَبْطَلَ الوَصِيَّة لِلْوَرَثَةِ وَبَقِيَتْ لِلْأَقارِبِ مِمَّنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ وَلِغَيْرِهِمْ، وَبِهَذَا أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٨) في دَفْعِ غَيْرِ الْعُصْبَةِ عَنِ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُعْطِ إِلَّا مَنْ فَرَضَ اللَّهُ لَهُ

стр. 216

وَسَمَّاهُ: وذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى تَوْرِيثِ الْأَقَارِبِ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١). وقوله: "وَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ" (٢). ط: الْكَثَرُ: الْجُمَّارُ، ومعناه أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ ثَمَرًا مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ كَثَرًا مِنْ نَخْلَةٍ وَلَمْ تَكُنْ تَحْتَ ثِقَافٍ وَحِرْزٍ لَمْ يَلْزَمُهُ قَطْعُ يَدِهِ ولَكِنْ يُؤَدَّبُ بِما يَرَاهُ الْإِمَامُ. فإن كان ذَلِكَ تَحْتَ حِرْزٍ وَثِقَافٍ وَسَرَقَ مِنْهُ قَدْرَ رُبْعِ دِينَارٍ لَزِمَهُ قَطْعُ يَدِهِ" (٣). وقوله: "وَلَا قَوَدَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ" (٤). ط: الْقَوْدُ: الْقِصَاصُ، ومَعْنَاهُ أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قَتَلَ رَجُلًا بِأَيِّ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ، فَإِنَّمَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالسَّيْفِ. وَمِنَ الفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ، والأول: مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، والثَّانِي: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحِجَازِ" (٥). ع: وفي الحديث: (الْمَرْءُ مَقْتُولٌ بِمَا قَتَلَ بِهِ، إِنْ سَيْفًا فَسَيْفٌ، وَإِنْ خَنْجَرًا فَخَنْجَرٌ) (٦). وقوله: "وَالْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ" (٧). ط: أَي تُسَاوِيهِ فِي الْعَقْلِ، وَهُوَ غُرْمُ الدِّيَةِ، فإذا بَلَغَ الْعَقْلُ ثُلُثَ الدِّيَةِ

стр. 217

أَخَذَتْ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ لِأَنَّ دِيَتَهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَالدِّيَةُ مِائَةُ بَعِيرٍ أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا إِصْبَعُ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا إِصْبَعَانِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ. وَكَذَلِكَ يَأخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ثَلاثِينَ، فَإِنْ قُطِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُ أَصَابِعَ أَخَذَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ قَدْ تَجَاوَزَتِ الثُّلُثَ" (١). ع: هَذَا فِي الْخَطَإِ خَاصَّةً، وَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ أَوِ الصُّلْحُ. قوله: "وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا" (٢). ط: "العَاقِلَةُ: أَهْلُ الرَّجُلِ وَقَرَابَتُهُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، أَيْ يَغْرِمُونَ عَنْهُ الدِّيَةَ، أَيْ إِنَّمَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ إِذَا قُتِلَ خَطَأً، فَإِذَا قَتَلَ عَمْدًا فَإِنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِ فِي صَمِيمِ مَالِهِ إِذَا رَضِيَ بِذلِكَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ. ومَعْنَى عَبْدًا: أَن يَقْتُلَ الرَّجُلُ عَبْدًا لِغَيْرِهِ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ فِي صَمِيم مَالِهِ، وَالصُّلْحُ: أَنْ يُصَالِحَ الْجَانِي أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ على شَيْءٍ يُعْطِيهِمْ إيَّاهُ، وَالاعْتِرَافُ: أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَتَلَ خَطأً فَتَلْزَمُهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ أَيْضًا" (٣). ز: "إِلَّا صَدَّقَتْهُ الْعَاقِلَةُ أَوْ تَطَوَّعَتْ" (٤). وقوله: "وَلَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" (٥). ط: "الْإِغْلَاقُ: الْإِكْرَاهُ. وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَغْلَقْتُ البَابَ إِغْلَاقًا، كأن

стр. 218

المُكْرَهَ سُدَّتْ عَلَيْهِ الأَبْوَابُ والسُّبُلُ فلم يَجِدْ بُدًّا مِنَ الطَّلَاقِ. وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الإِغْلَاقَ: الْغَضَبُ، وَالْإِغْلَاقُ وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْغَضَبِ فَلَيْسَ المُرَادُ هُنَا بِالْحَدِيثِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لم يَلْزَمْ أَحَدًا طَلَاقٌ؛ لأن كل مُطَلِّقٍ لا يُطَلِّقُ إِلا وهو غَضْبَانٌ عَلَى عِرْسِهِ غَير رَاضٍ عنْهَا" (١). وقوله: "وَالْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرقَا" (٢). ط: "يَعْنِي بِالْبَيِّعَيْنِ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي كَلَام الْعَرَبِ مِنَ الأَضْدَادِ، ويقال لكل واحد مِنْهُمَا: بَائِعٌ وبَيِّعٌ، واخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الْاِفْتِرَاقِ، فمنهم مَنْ يرى أنه تَبَاعُدُ الأشخاص وتَبَايُنُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أن الافْتِرَاقَ بِالْعَقْدِ وَانْقِطَاعِ الْكَلَامِ وإِن لَمْ تَفْتَرِقِ الْأَشْخَاصُ" (٣). وقوله: "وَالْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ" (٤). يريد بِذَلِكَ الشُّفْعَةَ، وبهذا الحديث أَوْجَبَ العِرَاقِيُّونَ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ، وَأَمَّا الْحِجَازِيُّونَ مِنَ الفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ لا يَرَوْنَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ. والصَّقَبُ على وجهين: يَكُونُ الْقُرْبَ، وَيَكُونُ الشَّيْءَ القَرِيبَ نَفْسَهُ. وقوله: "والطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ" (٥). ع: الباء مُتَعَلِّقَةٌ بِمَنُوطٍ أَوْ مُعَلَّقٍ. وقال الهَرَوِيُّ: "تَقْدِيرُهُ وَالطَّلَاقُ يُعْتَبَرُ بالرِّجَالِ، والعِدَّةُ تُعْتَبَرُ بِالنِّسَاءِ" (٦).

стр. 219

ط: "هذا مَذْهَبُ عُثْمَانَ بْن عَفَّانٍ ﵁. ومعناه: أَنَّ الْحُرَّةَ إِذَا كَانَتْ تحت مَمْلُوكٍ بَانَتْ بطَلْقَتَيْنِ لأن تطليق المَمْلُوكِ ثِنْتَانِ وَاعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَهَيَ الْأَطْهَارُ على مَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ، والْحِيَضِ على مَذْهَبِ العِرَاقِيِّينَ. وإذا كانت مَمْلُوكَةً تحت حُرٍّ بَانَتْ عَنْهُ بِثَلَاثِ تَطلِيقَاتٍ واعْتَدَّتْ قُرْءَيْنِ، فَيُنْظَرُ في الطلاقِ إلى الرَّجُل وفي العِدَّةِ إلَى الْمَرْأَةِ. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ ﵁ فقال: "الطَّلَاقُ بِالنِّسَاءِ وَالعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ، لَا يُنظَرُ إِلى الرَّجُلِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّلَاقِ، فإن كانت حُرَّةً تَحْتَ مَمْلُوكٍ بَانَتْ عنه بثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَاعْتَدَّتْ ثلاثة قُرُوءٍ، وإن كانت مملوكةً تَحْتَ حُرٍّ بَانَتْ عَنْهُ بِطَلْقَتَيْنِ وَاعْتَدَّتْ قُرْءَيْنِ" (١). فَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الْحِجَازِيُّونَ، فَأَخَذُوا بِمَذْهَبِ عَثْمَانَ فَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ. وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الْعِرَاقِيُّونَ، فأخذوا بمذهب عَلِيٍّ فَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ" (٢). وقوله: "وَكَنَهْيِهِ فِي الْبُيُوعِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ" (٣). ط: "الْمُخَابَرَةُ: الْمُزَارَعَةُ عَلَى جُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ كَالْثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِمَا. وَفِي اشْتِقَاقِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْخُبْرَةِ، وهي النَّصِيبُ. والخُبْرَةُ أيضًا: أَنْ يَشْتَرِي قوم شَاةً فَيَقْسِمُونَهَا. قال عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ (٤): (طويل) إِذَا مَا جَعَلْتَ الشَّاةَ لِلْقَوْمِ خُبْرَةً … فَشَأنَكَ إِنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤُونِي (٥)

стр. 220

والثاني: قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، كان يزعم أنها مشتقة مِنْ خَيْبَرَ (١)؛ لأَنَّ رسول الله ﷺ أَقَرَّهَا بِأَيْدِي أَصْحَابِهَا حِينَ افْتَتَحَهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ منهم نِصْفَ غَلَّاتِهِمْ ثُمَّ تَنَازَعُوا فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ" (٢). ويُقَالُ لِلْأَكَّارِ: خَبِيرٌ، ويقال لِلْمُخَابَرَةِ: خِبْرَةٌ بكسر الخاء. والْمُحَاقَلَةُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أقوال، قَالَ قَوْمٌ: هي بَيْعُ الزَّرْعِ فِي سُنْبُلِهِ بِالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا. وَقِيلَ: هِيَ اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الطَّعَام. وقيل: هِيَ مِثْلُ الْمُخَابَرَةِ، وهذا الْقَوْلُ أَشْبَهَ بِهَا مِنْ طريق اللُّغَةِ؛ لأنها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ الْقَرَاحُ" (٣). وَالْقَرَاحُ: قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ، وهو الفَدَّانُ في لُغَةِ أَهْلِ الشَّامِ. ويقال: المَحْقَلُ أَيْضًا، قال الراجز: يَخْطِرُ بِالْمِنْجَلِ وَسْطَ الْمَحْقَلِ (٤) وقوله: "وَالْمُزَابَنَةُ" (٥): بَيْعُ التَّمْرِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ، يقال: زَبَنَتِ النَّاقَةُ الْحَالِبَ، إذا ضَرَبَتْهُ بِرِجْلِهَا عِندَ الْحَلْبِ. وَتَزَابَنَ الرَّجُلَانِ: إِذَا تَخَاصَمَا، وَمِنْهُ قِيلَ: حَرْبٌ زَبُونٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَفِرُّونَ عَنْهَا فَكَأَنَّهَا تَزبِنُهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيلَ لَهَا: زَبُونٌ لأن كلَّ واحِدٍ من الفَرِيقَيْنِ يَزْبِنُ صَاحِبَهُ، فنُسِبَ الزَّبْنُ إِلَيْهَا، والمراد أهلها الذين يَتَزَابَنُونَ كَمَا

стр. 221

قَالَ تَعَالَى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ (١)، وإنما الْكَذِبُ وَالْخَطَأُ لِصَاحِبِهَا. قَالَ أَبُو الْغُولِ الطُّهَوِيُّ (٢): (وافر) فَوَارِسُ لَا يَمَلُّونَ الْمَنَايَا … إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبُونِ (٣) فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمُبَايَعَةُ مُزَابَنَةً؛ لإنَّ الْمُشْتَرِي إِذَا بَانَ (٤) لَهُ أَنَّهُ مَغْبُونٌ (٥) أَرَادَ فَسْخَ الْبَيْعِ وأَرَادَ الْبَائِعُ إِمْضَاءَهُ فَتَزَابَنَا، أَيْ تَدَافَعَا وَتَخَاصَمَا. وكان مَالِكٌ (٦) ﵀ يَجْعَلُ الْمُزَابَنَةَ وَاقِعَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الجِزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ بِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمَّى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْعَدَدِ" (٧). ز: "إِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ لِأَنَّهَا مِنَ الْكَيْلَ، وليس يجوز شَيْءٌ مِنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَيَدُا بِيَدٍ" (٨). ط: "وَالْمُعَاوَمَةُ (٩) فِيهَا قَوْلَانِ، قَالَ قَوْمٌ: هِيَ بيعُ عِنَبِ الْكَرْمِ لِعَامَيْنِ، وكذلك حَمْلُ النَّخْلِ ونَحْوَهُ مِنَ الشَّجَرِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.

стр. 222

وقال قوم: هِيَ مُبَايَعَةٌ كَانَتْ في الجَاهِلِيَّةِ، يَبِيعُ الرَّجُلُ مِنْ صَاحِبِهِ السِّلْعَةَ مُؤَجَّلًا عَلَيْهِ ثَمَنُهَا إِلَى انْقِضَاءِ عَامٍ، فإذا انْقَضَى الْعَامُ وَاقْتَضَاهُ الثَّمَنَ قَالَ: ليس عِنْدِي مَالٌ ولكِنْ أَضْعِفْ عَلَيَّ الْعَدَدَ وَأَجِّلْنِي بِهِ إِلَى انْقِضَاءِ عَامٍ آخَرٍ" (١). ع: يقال عَاوَمْتُ فُلَانًا مُعَاوَمَةً، وسَانَيْتُهُ مُسَانَاةً، مِنَ السَّنَةِ، وَسَانَهْتُهُ مُسَانَهَةً، وكذلك مُشَاهَرَةً، وَمُيَاوَمَةً، وَمُسَاوَعَةً أَي عَامَلْتُهُ لِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ. ط: "وَالثُّنْيَا: بَيْعُ الشَّيْءِ الْمَجْهُولِ الكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وذلك غير جَائِزٌ لأَنَّ المُسْتَثْنَى مِنْهُ رُبَّمَا أَتَى عَلَى جَمِيعِهِ. فَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يُجِيزُهُ لَا فِيمَا قَلَّ وَلَا فِيمَا كَثُرَ. ومنهم مَنْ يُجِيزُهُ إذا كَانَ المُسْتَثْنَى الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ، وَلَا يَجُوزُ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ. وبَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَض (٢): أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ. وَإِنْ بَاعَهُ أَكْثَرَ مِنَ الثُّمُنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ فَهُوَ رِبْعُ مَا لَمْ يُضْمَنْ (٣). والبَيْعُ وَالسَّلَفُ (٤) أن يقول الرَّجُلُ لصَاحِبِهِ: أَبِيعُكَ هذه السِّلْعَةَ بِكَذَا وكذا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ تُسَلِفَنِي كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنْ أن يكونَ بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا مِنْ أَجْلِ الْقَرْضِ. وشَرْطَانِ فِي بَيْعٍ (٥): أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: أَبَيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ إِلَى شَهْرٍ بِدِينَارٍ، وإلى شهريْنِ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وهو يشبه بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهَذَا غَيْرُ

стр. 223

جَائِزٍ. فأما بَيْعٌ وَشَرْطٌ فَفِيهِ خِلَافٌ، قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (١): وَرَدْتُ مَكَّة (٢) حَاجًا، فَأَلْفَيْتُ فِيهَا أَبَا حَنِيفَةً (٣)، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى (٤)، وَابْنَ شُبْرُمَةً (٥) فَقُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: ما تقول في رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَشَرَطَ شَرْطًا؟ فقال: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ، فقال: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبُرُمَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ فقال: الْبَيْعُ جَائِزٌ، والشَّرْطُ جَائِزٌ. فقلت: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ لا يَتَّفِقُونَ فِي مَسْأَلَةٍ. قال: فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بما قَالَ صَاحِبَاهُ، فقال: مَا أَدْرِي مَا قَالَا! حدثني عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ (٦) عَنْ أَبِيهِ عن جَدِّهِ قال: نَهَى رسول الله ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا

стр. 224

قَالَ صَاحِبَاهُ، فقال: مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةٍ (١) عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ (٢) قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَشْتَرِي بَرِيرَةَ (٣) فَأُعْتِقَهَا (٤)، الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. قال: فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ صَاحِبَاهُ، فقال: ما أَدْرِي مَا قَالَا لَكَ، حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ (٥) عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ (٦) عَنْ جَابِرٍ (٧) قَالَ: بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ بَعِيرًا وَشَرَطَ لِي حُمْلَانَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ (٨). فالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ وَيُرْوَى نَاقَةً. وبَيْعُ الْغَرَرِ يَقَعُ فِي أَشْيَاء كَثِيرَةٍ كَبَيْعِ الْجَنين فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَبَيْعِ الْعَبْدِ فِي حِينِ إِبَاقِهِ، وَبَيْعِ عَصِيرِ الْكَرَمِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَكُونُ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ عَلَى ثِقَةٍ.

стр. 225

وبَيْعُ الْمُوَاصَفَةِ (١): أَنْ يَبيعَ الشَّيْء بِالصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَيْهِ. وَبَيْعُ الْكَالِيءِ بِالْكَالِيء (٢): بيع الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَالرَّجُلِ يُسَلِّمُ فِي طَعَام إِلَى رَجُلٍ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ تَقَاضِي الطَّعَام قال له الْمُسْلِّمُ إِلَيْهِ: لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ أَعْطِيكَهُ وَلَكِنْ بِعْهُ مِنِّي. فَإِذَا بَاعَهُ مِنْهُ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَالٌ ولكن أجِّلْنِي بِالثَّمَنِ شَهْرًا. وكان الأَصْمَعِيُّ لَا يَهْمِزُ الْكَالِئَ، ويحتج بقول الشاعر: (مجزوء الكامل) وَإِذَا تُبَاشِرُكَ الْهُمُو … مُ فَإِنَّهَا كَالٍ وَنَاجِزْ (٣) وأما أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى (٤) فَإِنَّهُ كَانَ يَهْمِزُهُ، ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ: (رجز) وَعَيْنُهُ كَالْكَالِيءِ الضِّمَارِ (٥) أَيْ يُشَاهِدُهُ كَالْغَائِبِ لِلْغَرَرِ. والذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةً هُوَ الصَّحِيحُ، ودَلِيلُهُ قولُهُمْ: تَكَلَّأْتُ، كَلأَةً: إذا أَخَذْتَ نَسِيئَةً بِالْهَمْزِ فِيهَا. وَكَلَأَ الشَّيْءُ: بَلَغَ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتَهُ. قال الشاعر: (طويل) تَعَفَّفْتُ عَنْهَا فِي الْعُصُورِ الَّتِي خَلَتْ … فَكَيْفَ الْتَّصَابِي بَعْدَمَا كَلَأَ الْعُمْرُ (٦) فأما الْبَيْتُ الذي أَنْشَدَهُ الْأَصْمَعِيُّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، فَإِنَّهُ جَاءَ عَلى تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ، كما قال الآخر: (مجزوء الكامل)

стр. 226

وَكُنْتَ أَذَلَّ مِنْ وَتِدٍ بِقَاعٍ … يُشَجِّجُ رَأْسَهُ بِالْفِهْرِ وَاجٍ (١) أَرَادَ وَاجِيءٍ، فَخَفَّفَ. وقوله: "عَنْ تَلَقِّى الرُّكْبَانِ" (٢). كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الرِّفَاقِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَى الْمَصْرِ، فَيَبْتَاعُونَ السِّلَعَ بِأَقَلَّ مِنْ أَثْمَانِهَا وَيَخْدَعُونَ الْأَعْرَابَ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِهَا الْمَصْرَ، فَيَبِيعُونَهَا وَيُغْلُونَ في أَثْمَانِهَا، وَلَوْ وَرَدَ الْأَعْرَابُ لَاشْتُرِيَتْ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَنُهُوا عَنْهُ. وقال ﷺ : (دَعُوا عِبَادَ الله يُصِبْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (٣) " (٤). وقوله: "وَتَفَهَّمَ مَعَانِيهَا وَتَدَبَّرَهَا" (٥). ع: مَعْنَى الشَّيء: مَا دَلَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ عَنَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا قَصَدْتَهُ. وَالْأَشْبَاهُ: النَّظَائِرُ وَالْمِثَالَاتُ، وَاحِدُهَا شَبَهٌ وَشِبْهٌ، وتَدَبَّرَهَا: مأخوذ من الدُّبُرِ، وهو آخِرُ الشَّيْءِ: أي عَرَفَ آخِرَهَا وَمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ. وَالنَّاسُ: اسْمٌ وَاقِعٌ على الْخَلْقِ خَاصَّةً، وجمع نَاسٍ: أَنْوَاسٌ. وتَصْغُيرُ نَاسٍ: نُوَيْسٌ لِأَنَّ أَلِفَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، فَعَادَتْ فِي التَّصْغِيرِ. وسِيبَوَيْهُ يَقُولُ: "أَصْلُهُ أُنَاسٌ، على فُعَالٍ، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ، فَتَصْغِيرُهُ على مَذْهَبِهِ أُنَيْسٌ" (٦). وأَخْبَارُ النَّاسِ (٧): آدابُهُمْ وَسِيَرُهُمْ.

стр. 227

وتَحَفُّظُ الشَّيْءِ (١): تَتَبُّعُ حِفْظِهِ وَمُلَازَمَتُهُ. وقوله: "فِي تَضَاعِيفِ أَسْطَارِهِ" (٢). ط: "يُرِيدُ بَيْنَ أَسْطَارِهِ وَفِي أَثْنَائِهَا، وَاحِدُهَا تَضْعِيفٌ، وَهُوَ ما تَضَعَّفَ، أي اجْتَمَعَ. وعَيْنُ كُلِّ شَيْءٍ: أَفْضَلُهُ. قال الشاعر: (بسيط) قَالُوا خُذِ الْعَيْنَ مِنْ كُلٍّ، فَقُلْتُ لَهُمْ … فِي الْعَيْنِ فَضْلٌ وَلَكِنْ نَاظِرُ الْعَيْنِ حَرْفَانِ فِي أَلْفٍ طُومَارٍ مُسَوَّدَةٍ … وَرُبَّمَا لَمْ تَجِدْ فِي الْأَلْفِ حَرْفَيْنِ (٣) " (٤) وقوله: "إِذَا حَاوَرَ" (٥). ط: "الْمُحَاوَرَةُ: الْمُرَاجَعَةُ فِي الْكَلَامِ، يقال: حَاوَرْتُهُ مُحَاوَرَةً وحِوَارًا، قال عَنْتَرَةُ (٦): (بسيط) لَوْ كَانَ يَدْرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى … أَوْ كَانَ يَدْرِي مَا جَوَابُ تَكَلَّمِ (٧) وقال النابغة: (بسيط) بِتَكَلُّمٍ لَعوْ تَسْتَطِيعُ حِوَارَهُ … لَدَنَتْ لَهُ أَرْوَى الْهِضَابِ الصُّخَّدِ (٨) " (٩) وقوله: "ومَدَارُ الْأَمْرِ" (١٠): ع: الْمَدَارُ: الدَّوَرَانُ، ومَوْضِعُ الدَّوَرَانِ أَيْضًا.

стр. 228

ط: "أَصْلُ الْقُطْبِ: مَا تَدُورُ عَلَيْهِ الرَّحَى، وَمَا تَدُورُ عَلَيْهِ البَكَرَةُ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: قُطْبٌ، قِطْبٌ، قَطْبٌ، قُطُبٌ" (١). ع: وَالْقُطْبُ أَفْصَحُهَا. ط: "وجَعَلَ عَقْلُ الْإِنْسَانِ قُطُبًا لَهُ لأَنَّ مَدَارَ الرَّحَى عَلَى قُطْبِهَا" (٢). ع: وَوَقَعَ فِي "كتابِ" أَبِي عَلِيٍّ: وجُوْدَةِ: بِكَسْرِ الْهَاءِ كَأَنه عَطْفٌ عَلَى الْقُطْبِ، والأَحْسَنُ رَفْعُهُ عَطْفًا على العَقْلِ. والْقَرِيحَةُ: الطَّبِيعَةُ الْخَالِصَةُ، أُخِذَتْ مِنَ الْقَرَاحِ وهو المَاءُ الْخَالِصُ الَّذِي لَمْ يُمْزَجْ بِشَيْءٍ. ع: القَرِيحَةُ: فَعِيلَةٌ مِنَ الْاِقْتِرَاحِ، وَهُوَ الاِسْتِخْرَاجُ، وَأَصْلُ الْقَرِيحَةِ: الْبِئْرُ تُحْفَرُ فَيُسْتخْرَجُ الْمَاءُ، ثم وُضِعَتْ مَوْضِعَ الطَّبِيعَةِ، وَائْتَمَّ بِكُتُبِنَا: جَعَلَهَا إِمَامًا. وقوله: "أَنْ يُؤَدِّبَ نَفْسَهُ" الكلام (٣). ط: "هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ: "أَدَبُ النَّفْسِ خَيْرٌ مِنْ أَدَبِ الدَّرْسِ" (٤). ويقال: الْأَدَبُ أَدَبَانِ، أَدَبُ خِبْرَةٍ وَأَدَبُ عِشْرَةٍ. قال الشاعر: (رجز) يَا سَائِلِي عَنْ أَدَبِ الْخِبْرَة … أَحْسَنُ مِنْهُ أَدَبُ الْعِشَرَة كَمْ مِنْ فَتًى تَكْثُرُ آدَابُهُ … أخْلاقُهُ مِنْ عِلْمِهِ صِفُرَةْ (٥) وَالْخَطَلُ مِنَ الْقَوْلِ: الْكَثِيرُ فِي فَسَادٍ، يقال: رَجُلٌ أَخْطَلٌ: إِذا كَانَ بَذِيَّ اللِّسَانِ، وبه سُمِّيَ الْأَخْطَلُ (٦) في بعض الأقْوَالِ" (٧).

стр. 229

ع: وَيُهَذِّبُ: يُخْلِّصُ وَيُصَفِّي. وَالْغَيْبَةُ: مِنَ الْغَيْبِ، يقال: اغْتَابَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا ذَكَرَ عُيُوبَهُ فِي غَيْبَتِهِ، ثم اسْتُعْمِلَ فِي ذِكْرِهِ فِي الْغَيْبِ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ حَقًّا ولم يك فِي الحَقِيقَةِ عَيْبًا. والرَّفَثُ: الْفُحْشُ فِي الْكَلَام. وَالشَّنِيعُ وَالشَّنِعُ (١): مَا أُنْكِرَ من قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وفعله: شَنُعَ، وشَنِعَ، وفِعْلُ الرَّفَثِ: رَفِثَ الرَّجُلُ، يَرْفَثُ رَفَثًا، فَهُوَ رَافِثٌ. ط: "رَفَثُ الْمَزْحِ (٢): مَا كان فِيهِ ذِكْرُ النِّكَاحِ وَالسَّوْءَاتِ. والْإِسْوَةُ، بكسر الهَمْزَةِ وَضَمِّهَا: القُدْوَةُ. والدَّعَابَةُ: الْفُكَاهَةُ وَالْمِزَاحُ، ويقال: مَزْحٌ، وَمُزَاحٌ، ومِزَاحٌ، ومِزَاحَةٌ، ومُمَازَحَةٌ بمعنًى" (٣). وقوله: "وَمَازَحَ عَجُوزًا" (٤). ع: الْعَجُوزُ هي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٥) أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّام (٦)، قالت للنبي ﵇: سَلْ لِي الْجَنَّةَ، فَدَاعَبَهَا بهذا الكلام. أي: (لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ إِلَّا شَوَابَّ (٧)). لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ (٨).

стр. 230

وَقَالَ لِأمْرَأَةٍ قَالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي يَا رَسُولَ الله عَلَى بَعِيرٍ، فَقَالَ: "أَحْمِلُكِ عَلَى ابْنِ الْبَعِيرِ. فقالت: إِنَّهُ لَا يَحْمِلُنِي. فقال: (أَلَيْسَ كُلُّ بَعِيرٍ ابْنُ بَعِيرٍ) " (١). ع: ابْنُ سِيرِينَ (٢)، هُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مات بَعْدَ الْحَسَنِ (٣) بِمِائَةِ لَيْلَةٍ، وهو ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وكان يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ، وصلى عَلَيْهِ النَّضْرُ بْنُ عَمْرٍو. وقال مَالِكٌ ﵁ في ابْنِ سِيرِينَ: هُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ المَشْرِقِ بِالْحَلَالِ والحَرَامِ، فَقَدَّمَهُ عَلَى الْحَسَنِ، وَالشِّعْبِيِّ (٤)، والنَّخَعِيِّ (٥) ﵏، وكان عَالِمًا بِالرُّؤْيَا وَوَاحِدًا فِي دِينِهِ. ط: "يقال: تُوُفِّيَ الرَّجُلُ (٦)، إِذَا مَاتَ، وتوفي: إِذَا نَامَ لأن حَالَ النَّوْم تُضَارعُ حَالَ الْمَوْتِ كَمَا أَنَّ الْيَقَظَةَ تُضَارِعُ حَالَ الْحَيَاةِ" (٧)، وَلِذَلِكَ قَالَ الشاعِرُ: (طويل) نَمُوتُ وَنَحْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … وَلَابُدَّ يَوْمًا أَنْ نَمُوتَ وَلَا نَحْيَا (٨)

стр. 231

وقال الْمَعَرِّي: (طويل) وَبَيْنَ الرَّدَى وَالْنَّوْمِ قُرْبَى وَنِسْبَةٌ … وَشَتَّانَ بُرْءٌ لِلنُّفُوسِ وَإعْلَالُ (١) وَالرَّجُلُ الذِي سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ سِيرِينَ اسْمُهُ هِشَامُ بْنُ حَسَانٍ (٢)، غاب عن مجلس ابْنِ سِيرِينَ، فقال رَجُلٌ أَحْسِبُهُ غَالِبًا التَّمَّارَ: أَرَى هِشَامًا قَدْ غَابَ الْيَوْمَ عَنْ مَجْلِسِنَا! فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ الْبَارْحَةَ؟ ع: البَارِحَةُ: صفَةُ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ وَبِذَلِكَ سَاغَ أَنْ تكُونَ ظَرْفًا، وبَرِحَتْ: زَالَتْ، ولا يُقَالُ لِلنَّهَارِ إِذا مَضَى: الْبَارِحُ. وقوله: "وَمَازَحَ مُعَاوِيَةُ (٣) الْأَحْنَف بن قَيْسٍ" إلى آخر الفصل (٤). ط: "الذي اقْتَضَى ذِكْرَ الشَّيْءِ الْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ وذِكْرَ السَّخِينَةِ فِي هَذِهِ الْمُمَازَحَةِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قُرَشِيًّا، وكانت قُرَيْشُ (٥) تُعَيَّرُ بِأَكل السَّخِينَةِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَفُرُوا بِهِ دَعَا عَلَيْهِمْ وقال: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِّي يُوسُفَ) فَأَجْدَبُوا سَبْعَ سِنِينَ (٦) فَكَانُوا يَأْكُلُونَ الْوَبْرَ بِالدَّمِ وَيُسَمُّونَهُ: الْعِلْهِزَ. وَكَانَ أَكْثَرُ قُرْيْشٍ إِذْ ذَاكَ يَأْكُلُونَ

стр. 232

السَّخِينَةَ، فَكَانَتْ قُرَيْشُ تُلَقَبُ "سَخِينَةً" تَعْيِيرًا لَهُمْ بها" (١)، وفي ذلك يقول حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ (٢): (كامل) زَعَمَتْ سَخِينَةٌ أَنْ سَيَغْلِبُ رَبَّهَا … وَلَيَغْلِبَنَّ مُغَالِبُ الْغُلَّابِ (٣) ر: س: مُحَمَّد بْنُ سَلَّامٍ (٤) عن عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِي (٥) وغيره. قال رسول الله ﷺ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (٦): (أَتُرَى اللَّهَ نَسِيَ لَكَ قَوْلَكَ): (كامل) زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا … وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ (٧) " (٨) وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُلَقَّبُ سَخِينَةً لأكْلِهِمُ السَّخْنَ، وأنه لَقَبٌ لَزِمَهُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ النبيِّ ﵇، ويَدُلُّ على صِحَّةِ ما قاله قَوْلُ خِدَاشِ بْنِ زُهَيْرٍ (٩)، ولم يُدْرِكِ الْإِسْلامَ: (بسيط)

стр. 233

يَا شَدَّةَ مَا شَدَدْنَا يَوْمَ ذَاكَ عَلَى … ذَوِي سَخِينَةَ لَوْلَا اللَّيْلُ والْحَرَمُ (١) وأَنْشَدَ الْجَاحِظُ (٢): (بسيط) يَا شَدَّة مَا شَدَدْنَا غَيْرَ كَاذِبَةٍ … عَلَى سَخِينَةٍ لَوْلَا اللَّيْلُ وَالْحَرَمُ (٣) وقال: "هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشُّعُوبِيَّةِ (٤): أَنَّ الْعَرَبِ كَانَتْ لَا تُقَاتِلُ بِاللَّيْلِ، ولا تعرف ذلك حُجَّةً وَإِنْ كانَتْ قد تُقَاتِلُ بِاللَّيْلِ، وقد جاء ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ" (٥). ط: "وَأَمَّا الْأَحْنَفُ فإِنَّهُ كان تَمِيمِيًا وكانَتْ تَمِيمُ (٦) تُعَيَّرُ بِحُبِّ الطَّعَامِ وَشِدَّةِ الشَّرَهِ إِلَيْهِ وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ الْمُنْذِرِ (٧) أَخَا عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ (٨) كَانَ

стр. 234

مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي دَارِمٍ (١) فِي حِجْرِ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ (٢)، فَخَرَجَ يَوْمًا يَتَصَيَّدُ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا، فَنَزَلَ بِإِبِلِ سُوَيْدِ بْنِ رَبِيعَةَ الدَّارِمِيِّ (٣) فَنَحَرَ مِنْهَا بَكْرَةً، فَقَتَلَهُ سُوْيَدٌ، فَغَزَاهُمْ عَمْرُو يَوْمَ الْقُصَيْبَةَ، وَيَوْمَ أُوَارَةِ (٤)، ثُمَّ أَقْسَمَ لَيَحْرِقَنَّ مِنْهُمْ مِائَةً، فبذلك سُمِّيَ "مُحَرِّقًا" فَأَخَذَ مِنْهُم تِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَقَذِفِهُمْ فِي النَّارِ وَأَرَادَ أَنْ يَبَرَّ قَسَمَهُ بِعَجُوزٍ مِنْهُمْ، فَمَرَّ وَافِدُ الْبَرَاجِم (٥) فَاشْتَمَّ رَائِحَةَ اللَّحْمِ، فَظَنَّ أَن الملِكَ يَتَّخِذُ طَعَامًا، وَأَدْرَكَهُ النَّهَمُ وَالشَّرَهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فقال: وَافِدُ البَرَاجِمِ، فقال عَمْرٌو: "إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ" (٦)، فَذَهَبَتْ مَثَلًا، ثم أَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ فِي النَّارِ. ففي ذلك يقول جَرِيرٌ (٧) لِلْفَرَزْدَقِ: (طويل) وأَخْزَاكُمْ عَمْرُو كَمَا قَدْ خَزَيْتُمْ … وَأدْرَكَ عَمَّارًا شَقِي الْبَرَاجِمِ (٨) وَعُيِّرَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِحُبِّ الطَّعَامِ لِطَمَعِ البُرْجُمِيِّ فِي الْأَكْلِ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ

стр. 235

عَمْرٍ وابْنِ الصَّعِقِ (١): (وافر) أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ … بِآيَةِ مَا يُحِبُّونَ الطَّعَامَا (٢) " (٣) ع: قِيلَ إِنَّمَا كَانَ مُعَاوِيَةُ يَتَعَرَّضُ الأَكْفَاءَ ومن يَعْلَمُ أَنه لَا يُمْسِكُ عَنِ الانْتِصَافِ مِنْهُ، لِيَعْلَمَ بذلك صَبْرَهُ وَسَعَةَ خُلُقِهِ وَيَمْتَحِنَهُمَا. والسَّخِينَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفْعَلَةٍ، مِنَ "السَّخَانَةِ" أَيْ أَنَّهَا أُسْخِنَتْ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. ط: "وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي جَرَى بَيْنَ مُعَاوِيةَ وَالْأَحْنَفِ يُسَمَّى "التَّعْرِيضُ" لأن كل واحد منهما عَرَّضَ لِصَاحِبِهِ بِمَا تُسَبُّ بِهِ قَبِيلَتُهُ مِنْ غير تَصْرِيحٍ. ونَظِيرُهُ ما يُحْكَى أن رجلًا مِنْ بَنِي نُمَيرٍ (٤) قال لِرَجُلٍ من بَنِي فَقْعَسَ (٥): مَا لَكَ لا تَزُورُنَا! فقال النُّمَيْرِيُّ: والله إنِّي لآتِيكَ زَائِرًا مِرَارًا كَثِيرَةً، ولكني أَجِدُ عَلَى بَابِكَ خُرْءًا فَأَنْصَرِفُ. فقال له الْفُقْعَسِيُّ: اخْرَحْ عَلَيْهِ شَيْئًا من تُرَابٍ وَادْخُلْ. عَرَّض لَهُ النُّمَيْرِيُّ بقول الشاعر: (وافر) يَنَامَ الفَقْعَسِيُّ وَلَا يُصَلِّي … وَيَخْرُؤُ فَوْقَ قَارِعَةِ الطَّرِيقِ (٦) وعَرَّضَ لَهُ الْفَقْعَسِيُّ بقول جرير: (وافر) وَلَوْ وَطِئَتْ نِسَاءُ بَنِي نُمَيْرٍ … عَلَى تِبْرَاكَ أَخْبَثْنَ التُّرَابَا (٧)

стр. 236

وشَبيهٌ بهذا أيضًا ما يُرْوَى مِنْ أن شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ النُّمَيْرِيِّ (١) سَايَرَ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيَّ (٢) يَوْمًا، فَبَدَرَتْ بَغْلَةُ شَرِيكٍ، فقال له ابْنُ هُبَيْرَةَ: غُضَّ مِنْ لِجَامِهَا، فقال شريك: إنها مَكْتُوبَةٌ أَصْلَحَ اللهُ الْأَمِيرَ، فَضَحِكَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وقال: لَمْ أُرِدْ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ (٣). عَرَّضَ لَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ بقول جرير: (وافر) فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ … فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلابَا (٤) وعَرَّضَ له شِريكٌ بِقَوْلِ سَالِمٍ بْنِ دَارَةَ (٥): (بسيط) لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًا مَرَرْتَ بِهِ … عَلَى قَلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ (٦) وكَانَ بَنُو فَزَارَةَ (٧) يُنْسَبُونَ إِلَى غِشْيَانِ الإِبلِ" (٨). وقوله: "إِذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمٍ (٩) ". ط: "هُوَ أَبُو المُهَوِّشِ الْأَسَدِيُّ (١٠) عَلَى مَا ذَكَرَهُ الجَاحِظُ، وقيل يَزِيدُ بْنُ

стр. 237

عَمْرِو بْنِ الصَّعِقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، وَرَدَّ أُبُو حَاتِمٍ السَّجَسْتَانِي (١) قَوْلَ النَّاسِ: "مَاتَ الْمَيِّتُ"، وقال: هو خَطَأٌ والصوابُ: "مَاتَ الْحَيُّ" (٢). وفي هذا البَيْتِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا أَنْكَرَ غَيْرُ مُنْكَرٍ. قَدْ يُسَمَّى مَيِّتًا لِأَنَّ أَمْرَهُ يَؤُولُ إِلَى المَوْتِ كَمَا يُقَالُ لِلزَّرْع: قَصِيلٌ لِأَنَّهُ يُقَصَلُ، أَي يُقْطَعُ، وتَقُولُ الْعَرَبُ: بِئْسَ الرَّمِيَّةُ الْأَرْنَبُ، فَيُسَمُونَهَا "رَمِيَّةً" لأنها مِمَّا يُرْمَى. ويقال لِلْكَبْشِ الَّذِي يُرَادُ ذَبْحُهُ: "ذَبِيحٌ" وَهُوَ لَمْ يُذْبَحْ، و"أَضْحِيَةٌ" وَهُوَ لَمْ يُضَحَّ بِهِ، وقال الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٣) وقال: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٤). وَإِنَّمَا يُعْصَرُ الْعِنَبُ. وهذا في كلام العرب كثيرٌ. وقَدْ فَرَّقَ قَوْمُ فقالوا: الْمَيِّتُ المشدد، مَا سَيَمُوتُ. والمَيْتُ الْمُخَفَّفُ، مَا قَدْ مَاتَ، وهذا أيضًا خطأٌ في القياس مُخَالِفٌ لِلسَّمَاعِ، فإنما مَيْتٌ الْمُخَفَّفُ، خُفِّفَ مِنَ الْمُشَدَّدِ كَمَا قَالُوا: "هَيْنٌ وَلَينٌ" فِي "هَيِّنٍ وَلَيْنٍ"، وَأَمَّا السَّمَاعُ فإن العَرَبَ لَمْ تَجْعَل بينهما فَرْقًا. قال الشاعر: (خفيف) لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إِنَّمَا الْمَيِّتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ (٥) والمُلَفَّفُ فِي الْبِجَادِ (٦): وَطْبُ اللَّبَنِ يُتْرَكُ فِيهِ حَتَّى يَرُوبَ. وَالْوَطْبُ: زِقُّ اللَّبَن خَاصَّةً. وَالْبَجَادُ: كِسَاءٌ فِيهِ خَطُوطٌ. وإِنَّمَا ذَكَرَ لُقْمَانَ بْنَ

стр. 238

عَادٍ (١) لِخَلَاقَتِهِ وَعِظَمِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ، لشدة نَهَمِهِ وَشَرَهِهِ إِذَا ظَفِرَ بِأَكْلَةٍ فَكَأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِرَأْسِ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُزْهَى بِمَا فَعَلَ ويَفْخَرُ بِمَا أَدْرَكَ: "كَأَنَّهُ جَاءَ بِرَأْسِ خَاقَانَ" (٢). ع: خُصَّ رَأْسُ لُقْمَانَ لِعِظَمِ خَلْقِهِ وَكِبَرِ جِسْمِهِ. ط: "وإذا: ظَرْفٌ مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ، يَجْرِي مَجْرَى أَدَوَاتِ الشَّرْطِ فِي أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى جُمْلَتَيْنِ فَيَرْبِطُ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَيُصَيِّرُ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا جَوَابًا لِلْأُولَى، وَيُخَالِفُهَا فِي أَنَّهُ لَا يَجْزِمُ كما تَجْزِمُ وأن العَامِلَ فِيهِ جَوَابُهُ ولا يصح أن يَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلُ الذِي هُوَ شَرْطُهُ. وأما الْأَسْمَاءُ الَّتِي يُشْرَطُ بِهَا فَالْعَوَامِلُ فِيهَا شُرُوطُهَا، ولا يَصِحُّ أن تَعْمَلَ فِيهَا أَجْوِبَتُهَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ "إِذَا" مِنْ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلُ الذي هُوَ شَرْطُهُ لأنه في تَقْدِيرِ الْإِضَافَةِ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ فِي الْمُضَافِ. ولا يُجَازَى بِهِ عَنْدَ الْبَصَرِيِّينَ إِلَّا فِي الشِّعْرِ. ولَقَدْ أَجَازَ قَوْمٌ الْمُجَازَاةَ بِهِ إِذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ مَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتِ الْمُجَازَاةُ بِهِ عند البَصْرِيِّينَ؛ لأَنَّ الْمُجَازَاةَ سَبِيلُهَا أن تَكُونَ بِالْمُمْكِنِ الذي يجوز أن يَقَعَ وألا يَقَعَ، والفِعْلُ المشروطُ بِهِ بَعْدَ "إِذَا" مضمُونُ الْوُقُوعِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذا قلت: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ آتِيكَ" فَكَوْنُ يَوْمِ الجُمُعَةِ مَوْجُودٌ لَا مَحَالَةَ. وإذا قلت: "إِنْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ"، فَمُمْكِنٌ أن يكون ذَلِكَ، وَمُمْكِنٌ أَلَّا يَكُونَ، فلما خَالَفَ أدَوَاتِ الشَّرْطِ في المعنى خَالَفَهَا فِي الْعَمَلِ. والعَامِلُ في "إذا" مِنْ قوله:"إذا مَا مَاتَ مَيْتٌ" فِيمَن مَذْهَبُهُ المُجَازَاةُ بِهِ إذا زيدت عليه "ما" قوله: "مَاتَ" لأنه إِذَا أجْرَاهُ مَجْرَى الأسماء المجَازَى بِهَا

стр. 239

لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْجُمْلَةِ التِي بَعْدَهُ، كَمَا لَا تُضَافُ أَسْمَاءُ الجَزَاءِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ الفِعْلُ الذِي هُوَ شَرْطُهُ. وفيمن كان مَذْهَبُهُ أن لَا يُجْرِيهِ مَجْرَى أدَوَاتِ الشَّرْطِ قوله: فَجِئْ بِزَادٍ. وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ يَجْعَلُ الْفَاءَ في مِثْلَ هَذَا زَائِدَةً؛ لأن مَا بَدَ الْفَاءِ عِنْدَهُ لا يجوز أن يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهَا (١). وَقَدْ أَجَازَ سِيبَوَيْهُ: "زَيْدًا فَاضْرِبْ وَبِعَمْرٍو فَامْرُرْ، عَلَى إِعْمَالِ مَا بَعْدَ الفَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا" (٢). قَالَ السَّيْرَافِيُّ (٣): تَقْدِيرُ الْكَلَام: "تَأَهَّبُ، فَاضْرِبْ زَيْدًا" أو "تَعَمَّدْ فَاضْرِبْ زَيْدًا"، فَلَمَّا حَذَفْتَ الفِعْلَ قَدَّمْتَ زَيْدًا لِيَكُونَ عَوَضًا مِنَ الْمَحْذُوفِ، وَأَعْمَلْتَ فِيهِ مَا بَعْدَ الْفَاءِ كَمَا أَعْمَلْتَ مَا بَعْد الفَاءِ في جوابِ "أَمَّا" فِيمَا قَبْلَهَا، وقَدَّمْتَ الاسْمَ عَوَضًا مِنَ الفِعْلِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي قَامَتْ "أَمَّا" مَقَامَهُ وَهُوَ قَوْلُكَ: "مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ ضَرَبْتُ زَيْدًا. وإذا نَقَلْتَهُ إلى "أَمَّا"، قُلْتَ: "أمَّا زَيْدًا فَقَدْ ضَرَبْتُ"، قال: والدَّلِيلُ على جَوَازِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "بِزَيْدِ فَامْرُوْ"، فلولا أَنَّ مَا بَعْدَ الفَاءِ عَمِلَ فِيمَا قَبْلَهَا مَا دَخَلَتِ الْبَاءُ عَلَى زَيْدٍ لِأَنَّ الْبَاءَ صِلَةُ الْمُرُورِ، وَلَا يَصْلُحُ أنْ تُضْمِرَ فِعْلًا آخَرَ؛ لأَنَّ مَا كَانَ من الأفعالِ مُتَعَدِّيًا بِحَرْفِ جَرِّ لَا يُضْمَرُ. وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي "إِذَا" فِي نَحْوِ هَذِهِ المَوَاضِعِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ" (٤).

стр. 240

ر: وإذا ارْتَفَعَ الاِسْمُ بَعْدَ "إِذَا" فَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَهَا الاِبْتِدَاءُ والخَبرُ، كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ (١). وإنما قُدِّرَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا؛ لأَنَّ مَعْنَى الْجَزَاءِ مَوْجُودٌ فِيهَا. ولا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ، والعامِلُ فِي "إِذَا" على هذا الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ، ولا يجوز أن يَعْمَل فِيهَا الظَّاهِرُ لأَنَّهُ تَفْسِيرٌ، والتَّفْسِيرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ كَالمُلْغَى إِذْ لا مَوْضِعَ لَهُ من الإِعْرَابِ. ط: "وَأَمَّا حُرُوفُ الْجَرِّ المذكورَةُ فِي هَذَا الشِّعْرِ فَمِنْهَا مَا لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ وَمِنْهَا مَا لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرٍ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُضْمَرٍ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ حَرْفِ جَرٍّ وَقَعَ خَبَرًا، أَوْ صِفَةً، أَوْ صِلَةً، أَوْ حَالًا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ أَبْدًا بِمَحْذُوفٍ. وَمَا نَابَ مِنْهَا مَنَابَ صِفَةٍ أَوْ خَبَرٍ أَوْ حَالٍ، قِيْلَ فِيهِ: إِنَّ لَهُ مَوْضِعًا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِظَاهِرٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ. وَلَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّ لَهُ مَوْضِعًا، فَقَوْلُهُ: "مِنْ تَمِيمٍ" "مِنْ" هاهنا لَهَا مَوْضِعٌ لأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَ الصِّفَةِ، والتقدير "مَيْتٌ كَائِنٌ مِنْ تَمِيمٍ"، فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصِّفَةِ الْمَحْذُوفَةِ الَّتِي قَامَتْ مَقَامَهَا. وَسَائِرَ حُرُوفِ الجَرِّ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الشِّعْرِ لَا مَوْضِعَ لَهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ منها مُتَعَلِّقٌ بِالظَّاهِرِ، فَالْبَاءُ في قوله: "بِزَادٍ" متعلقة بجِئْ، و"فِي" مُتَعَلِّقَةٌ "بِالْمُلَفَّفِ"، واللَّام في قوله: "لِيَأْكُل" متعلقة "بيُطَوِّفُ"، وأَمَّا الْبَاءُ في قوله: "بِخُبْزٍ" أَوْ "بِتَمْرٍ" ففيها خلاف؛ لأن "خبزًا" هاهنا بَدَلٌ من زَادٍ، أُعِيدَ معه حَرْفُ الْجَرِّ كما أعيد في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٢). وَكَإِعَادَتِهِ في قول الشاعر: (طويل)

стр. 241

أَلَا بَكْرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ … بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (١) فَمَنْ كان مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ البَدَلَ من جُمْلَةٍ ثَانِيَةٍ، وَاسْتَدَلَّ على ذلك بِجَوَازِ إِعَادَةِ الْعَامِلِ مَعَهُ، وهو رَأْيُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، جَازَ عَلى قِيَاسِ قَوْلِهِ، أن تكون الباء في قوله: "بِخُبْزِ" مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ الذِي هُوَ "جِئْ" ولا مَوْضِعَ لَهَا. وَمَنْ كَانَ يَرَى أَنَّ البَدَلَ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى ولا يُقَدِّرُ مَعَهُ إِعَادَةَ الْعَامِلِ، فَالْبَاءُ في قوله: "بِخُبْزٍ" متعلقة "بِجِئْ". ومعنى قوله: أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ: "فَجِئْ "بِزَادٍ" لا مَوْضِعَ لَهَا، أَنها لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَ صِفَةٍ، ولا حَالٍ، وَلَا خَبَرٍ، ولَسْتُ أُرِيدُ أَنَّ المجرور لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإعْرَابِ؛ لأن المجرورَ، هاهنا، مَفْعُولٌ فِي الْمَعْنَى. وقوله: يُطَوِّفُ (٢)، في موضع الحال مِنَ الضَّمِيرِ المفعول في "تَرَاهُ". وَحِرْصًا، يَنْتَصِبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مفعولًا مِنْ أَجْلِهِ. والثاني: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَقَعَ مَوْقِعَ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يُطَوِّفُ كأنه قال: "يُطَوِّفُ الْآفَاقَ حَرِيصًا، فيكون بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: جِئْتُهُ رَكْضًا أَيْ رَاكِضًا" (٣). وقوله: "تُعَيَّرُ بِأَكْلِ السَّخِينَةِ" (٤). ط: "هكذا رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في هذا الكتاب؛ لأنه قَالَ: وتقول: عَيَّرْتَنِي كَذَا ولا تقول: عَيَّرْتَنِي بِكَذَا. وأنشد للنابغة: (بسيط)

стр. 242

وَغَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ … وَهَلْ عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ (١) وَقَدْ تَأَمَّلْتُهُ في عِدَّةٍ مِنَ النسخ المَضْبُوطَةِ، فَوَجَدْتُهُ بِالْبَاءِ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ وَإِسْقَاطُ الْبَاءِ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ. الحَسَاءُ، وَالْحَسْوُ (٢): وهما اسْمُ مَا حُسِيَ. والْعَجَفُ (٣): الضُّعْفُ وَالْهُزَالُ. وأراد بِالْمَالِ، هَاهُنَا، الْحَيَوَانَ، وكذلك تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ في أكثر كَلَامِهَا، وقد يَجْعَلُونَ الْمَالَ اسْمًا لِكُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَاطِقٍ وَصَامِتٍ. قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (٤)، وقال ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ (٦). فَالْمَالُ في هَذِهِ الآيَاتِ عَامٌّ لِكُلِّ مَا يُمْلَكُ، لَا يَخُصُّ شيئًا دُونَ شَيْءٍ. وَكَلَبُ الزَّمَانِ (٧): شِدَّتُهُ، وَأَصْلُ الْكَلَبِ سُعَارٌ يُصِيبُ الْكِلابَ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلزَّمَانِ الذِي يَذْهَبُ بالأَمْوَالِ وَيَتَعَرَّقُ الْأَجْسَامَ، كَمَا سَمُّوا السَّنَةَ الشَّدِيدَةَ ضَبُعًا تَشْبِيهَا لَهَا بِالضَّبُعِ، فَقَالُوا: أَكَلَهُ الدَّهْرُ وَتَعَرَّقَهُ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ (٨): (بسيط) أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ … فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ (٩) " (١٠)

стр. 243

وَالسِّبَابُ (١): الْمُشَاتَمَةُ، وَهِيَ مَصْدَرُ: سَابَّ. وخِسَاسُ الْعَبِيدِ (٢): أَدْنِيَاؤُهُمْ وَحُقَرَاؤُهُمْ. وَالسَّلَفُ: الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْآبَاءِ، وَاحِدُهُمْ سَالِفٌ. طـ: "قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّقْعِيرُ (٣) أَنْ يَتَكَلَّمَ بِأَقْصَى قَعْرِ فَمِهِ. يقال: قَعَّرَ فِي كَلَامِهِ تَقْعِيرًا، وهو مأخُوذٌ من قَوْلِهِمْ: قَعَّرْتُ الْبِئْرَ، وَأَقْعَرْتُهَا: إِذَا عَظَّمْتَ قَعْرَهَا. وَإِنَاءٌ قَعْرَانٌ: إذا كان عَظِيمَ الْقَعْرِ، فَكَأَنَّ الْمُتَقَعِّرَ: الَّذِي يَتَوَسَّعُ فِي الْكَلَامِ، وَيَتَشَدَّقُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَعَرْتُ النَّخْلَةَ فَانْقَعَرَتْ، إِذَا قَلَعْتَهَا مِنْ أَصْلِهَا فلم تُبْقِ مِنْهَا شَيْئًا، فيكون مَعْنَى الْمُتَقَعِّرِ مِنَ الرِّجَالِ: الذي لا يُبْقِي غَايَةً مِنَ الْفَصَاحَةِ إِلَّا أَتَى عَلَيْهَا. والتَّقْعِيبُ: أَنْ يَصِيرَ فَمُهُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ كَأَنَّهُ قَعْبٌ، وَهُوَ الْقَدَحُ الصَّغِيرُ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَبِيرَ" (٤). وقوله: "أَأَنْ سَأَلَتْكَ ثَمَنَ شَكْرِهَا وَشَبْرِكَ (٥) ": الشَّكْرُ: الْفَرْجُ، وَالشَّبْرُ: النِّكَاحُ، يُقَالُ: شَبَرَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ إِذَا عَلَاهَا، وفي الحديث (٦) أَنَّهُ نُهِيَ (٧) عَنْ شَبْرِ الْفَحْلِ، والمعنى: عَنْ ثَمَنِ شَبْرِ الْفَحْلِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مقَامَهُ" (٨)، ومن دُعَائِهِ ﵇ لِعَلِيٍّ وفَاطِمَةَ (٩): (جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَكُمَا وَبَارَكَ فِي

стр. 244

شَبْرِكُمَا) (١). وأَنْشَأْتَ: أَقْبَلْتَ وَابْتَدَأْتَ، ومنه يقال: أَنْشَأَ الشَّاعِرُ يَقُولُ كَذَا، ومنه قول الراجز: (الرجز) يَا لَيْتَ أُمَّ الْغَمْرِ كَانَتْ صَاحِبِي … مَكَانَ مَنْ أَنْشَأَ عَلَى الرَّكَائِبِ (٢) ومَعْنَى تَطُلُّهَا (٣): تَسْعَى فِي بُطْلَانِ حَقِّهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: طُلَّ دَمُهُ وَأُطِلَّ، إذا ذَهَبَ هَدَرًا، ويجوز أن يريد: تُقَلِّلَ لَهَا الْعَطَاءَ، فيكون مَأْخُوذًا مِنَ الطَّلِّ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْمَطَرِ، يقال: طُلَّتِ الرَّوْضَةُ، إذا أَصَابَهَا الطَّلُّ فِهَي مَطْلُولَةٌ، وقوله: تَضْهَلُهَا: أَي تُعْطِيهَا حَقَّهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ضَهُولٌ: إِذَا كَانَ مَاؤُهَا يَخْرُجُ مِنْ جَالِهَا وَهُوَ نَاحِيَتُهَا، وَإِنَّمَا يَكْثُرُ مَاؤُهَا إِذَا خَرَجَ مِنْ قَعْرِهَا. ع: الشَّكْرُ: الرَّضَاعُ عَنِ الْمُبَرَّدِ (٤)، وقيل: الْفَرْجُ. قَالَ الْهَذَلِي (٥): (طويل) صَنَاعٌ بِإِشْفَاهَا، حَصَانٌ بِشَكْرِهَا … جَوَادٌ بِقُوتِ الْبَطْنِ وَالْعِرْقُ زَاخِرُ (٦) د: وحُكِي عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ الشَّكْرَ وَالشَّبْرَ: الْفَرْجَانِ (٧)، وذَكَرَهُ أَيْضًا

стр. 245

أبُو عُبَيْدَةَ في كِتَابِ "الْمَجَازِ" له (١). وقال الخَلِيلُ: "الشَّبْرُ: حَقُّ النِّكَاحِ" (٢). وقوله:"وَكَقَوْلِ عِيسَى بْنِ عُمَرَ (٣) وَابْنُ هُبَيرَةَ يَضْرِبُهُ بِالسَّيَاطِ" (٤). أبو بَكْرٍ الزُّبَيْدِيُّ في "طَبَقَاتُ اللُّغَوِيِّينَ والنحويين" قال: "قال الأصْمَعِيُّ: كان ابْنُ هُبَيْرَةَ اتَّهَمَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُمَّالِ اسْتَوْدَعَهُ مَالًا، فَضَرَبَهُ نَحْوًا من أَلْفِ سَوْطٍ، فجعل يَقُولُ لَهُ: مَا عِنْدَكَ؟ فيقول: وَاللَّهُ مَا كَانَتْ إِلَّا أَثْيَابًا فِي أُسَيْفَاطٍ قَبَضَهَا عَشَّارُوكَ، فيقول عمر: إِنَّكَ لَخَبِيثٌ. وقال عَنِ الأصمعيِّ: كَانَ بَعْضُ جُلَسَاءِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (٥)، عِنْدَ وُقُوعِ البَلِيَّةِ بِخَالِدٍ (٦)، قَدِ اسْتَوْدَعَ عِيسَى وَدِيعَةً، فَنُمِي ذَلِكَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ (٧) فَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ ضَرَبَهُ فَجَزَعَ وَقَالَ الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ، فَوَكَّلَ بِهِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ حَتَّى أُخِذَتْ مِنْهُ (٨) " (٩).

стр. 246

ط: "كَذَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ هُبَيْرَةَ الضَّارِبَ لِعِيسَى بْنِ عُمَرَ، إِنَّمَا الضَّارِبُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ فِي وِلَايَتِهِ العِرَاقَ بَعْدَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله الْقَسْرِيِّ، وَوَجَدْتُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ: وَيُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْن هُبَيْرَةَ يَضْرِبُهُ بِالسِّيَاطِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَكَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ. وَكَانَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ هَذَا شَدِيدَ التَّقْعِيرِ فِي كَلَامِهِ، وَمِمَّا يُحْكَى مِنْ تَشَادُقِهِ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ الْحَسَنَ الْبَصِرِيَّ مُجْرَمِّزًا حَتَّى اقْعَنْبَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ (١)، مَا الطَّلْعُ؟ فَقَالَ: هُوَ الطِّبِّيعُ فِي كُفُرَّاهُ، ولعمري إن الآية لَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ" (٢). والطَّلْعُ: أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ فِي النَّخْلَةِ مِنْ حَمْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَنشَقَّ عَنْهُ غِشَاؤُهُ الَّذِي يَسْتُرُهُ، فَإِذَا انْشَقَّ عَنْهُ غِشَاؤُهُ قِيلَ لَهُ: الضَّحْكُ لِأَنَّهُ أَبْيَضٌ، فَشَبَّهَ انْشِقَاقَهُ وَبُرُوزَهُ بِظُهُورِ الْأَسْنَانِ عِنْدَ الضَّحِكِ، والطِّبِّيعُ: بكسر الطَّاءِ وَالْبَاءِ وتَشْدِيدِهِمَا، الطَّلْعُ بِعَيْنِهِ ويقال له: الطَّبيعُ أَيْضًا بِفَتْح الطَّاءِ وتَخْفِيفِ الْبَاءِ" (٣). [أَوَّلُ التَّمْرِ طَلْعٌ ثُمَّ ظَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رَطْبٌ ثُمَّ تَمْرٌ] (٤). ع: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِامْتِلَائِهِ وَاحْتِشَاءِ قِشْرِهِ. يقال: هذَا طِبْعُ الإناء، أي مِلؤُهُ. وَالنَّضِيدُ: الْمُجْتَمِعُ الْحَبِّ المَضْمُومُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، يقال: نَضَدْتُ الْمُتَاعَ، إِذَا ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى نَضِيدًا مَا لَمْ يَنْشَقَّ وَتَتَفَرَّقَ شَمَارِيخُهُ.

стр. 247

ط: "وَالْكُفُرَّى: بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا: الْغِشَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الطَّلْعُ، ويقال له أيضًا: الْكَمَامُ وَالْكَمُّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (١). وَالْمُجْرَمِّزُ: الْمُسْرِعُ، وَقَالَ الْخَطَّابِي (٢): الْمُجْرَمِّزُ: الْمُتَقَبِّضُ الْمُجْتَمِعُ. يقال: ضَمَّ جَرَامِيزَهُ، إِذَا اسْتَعَدَّ لِلْأَمْرِ. ومعنى اقْعَنْبَيْتُ: جَلَسْتُ جِلْسَةَ مُسْتَوْفِزٍ (٣). وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُتَقَعِّرِينَ، مَرِضَتْ أُمُّهُ فَأَمَرَتْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَيَسْأَلَ النَّاسَ الدُّعَاءَ لَهَا، فَكَتَبَ فِي حِيطَانِ الْمَسْجِدِ: "صِينَ وَأُعِينَ رَجُلٌ دَعَا لامْرَأَةٍ مُقْسَئِنَّةٍ عَقِيلَةٍ، بُلِيَتْ بِأَكْلِ هَذَا الطُّرْمُوقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهَا بالاطرِغْشَاشٍ وَالابْرِغْشَاشِ". فَمَا قَرَأَ الْكِتَابَ أَحَدٌ إِلَّا لَعَنَهُ وَأُمُّهُ. يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: صِينَ وَأُعِينَ: صَانَهُ اللهُ وَأَعَانَهُ، على مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَالْمُقْسَئِنَّةُ: الْمُتَنَاهِيَةُ في الهَرَمِ وَالشَّيَخ، يقال: اقْسَأَنَّ الْعُودُ، إِذَا اشْتَدَّ وَصَلُبَ وَذَهَبَتْ عَنْهُ الرُّطُوبَةُ واللِّينُ. وَالطُّرْمُوقُ: الطَّفْلُ، فإذا قلت: الطُّمْرُوقَ، بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الرَّاءِ، فَهُوَ الْخُفَّاشُ. ويقال: اطْرَغْشَّ مِنْ مَرَضِهِ وَابْرَغَشَّ، وَتَقَشْقَشَ، إِذَا أَفَاقَ وَبَرُأَ، وكان يقال لِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٤) وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ (٥): الْمُقَشْقِشَتَانِ، يُرَادُ أَنَّهُمَا يُبْرئَانِ حَافِظَهُمَا مِنَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ قال الشاعر: (وافر) أُعِيذُكَ بِالْمُقَشْقِشَتَيْنِ مِمَّا … أُحَاذِرُهُ وَمِنْ شَرِّ الْعُيُونِ (٦)

стр. 248

وكان أَبُو عَلْقَمَةَ النَّحْوِيُّ (١) مِمَّنْ يَنْحُو نَحْوَ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، وكان يَعْتَرِيهِ هَيْجَانُ مِرَارٍ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، فَهَاجَ بِهِ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَظَنُّوهُ مَجْنُونًا، فلما ذَهَبَ ما كان بِهِ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ إلى الناس يَزْدَحِمُونَ حَوالَيْهِ فقال: مَا لَكُمْ تَتَكَأَكَؤُونَ عَلَيَّ، كَمَا تَتَكَأَكَؤُونَ عَلَى ذِي جِنَّةٍ، افْرَنْقِعُوا عَنِّي، فقال رجل منهم: دَعُوهُ، إِنَّ شَيْطَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِالْهِنْدِيَّةِ" (٢). يُقَالُ: تَكَأَكَأَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذَا انْحَنَى وَتَقَاصَرَ. وَمِنْهَا قِيلَ لِلْقَصِيرِ مُتَكَأْكئٌ، وَتَكَأْكَأَ الْقَوْمُ: إِذَا تَضَايَقُوا وَازْدَحَمُوا، فَإِذَا قِيلَ: تَكَأْكَأَ عَنِ الشَّيْء، فَمَعْنَاهُ: ارْتَدَعَ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَالْإِفْرِنْقَاعُ: الزَّوَالُ عَنِ الشَّيْءِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَخْبَارِ الْمُتَقَعِّرِينَ أَنَّ الْجَرْجَرَائِيَّ (٣) كَانَ لَهُ كَاتِبٌ يَتَقَعَّرُ فِي كَلَامِهِ، فَدَخَلَ الْحَمَّامَ فِي السَّحَرِ، فَوَجَدَهُ خَالِيًا فقال لِبَعْضِ الْخَدَمَةِ: نَاوِلْنِي الْحَدِيدَةَ الَّتِي تُمْتَلَخُ بِهَا الطُّؤْطُؤَةُ مِنَ الْإِخْقِيقِ، فَلَمْ يَفْهُمْ قَوْلَهُ وَعَلِمَ بِهَيَأَةِ الْحَالِ أَنَّهُ يُرِيدُ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّعَرَ عَنْ عَانَتِهِ، فَأَخَذَ كُسْتُبَانَ النُّورَةِ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ وَشَكَا بِهِ إِلَى صَاحِبِ الْمَدِينَةِ فَأَمَرَ بِالْخَادِم إِلَى السِّجْنِ، فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْجَرْجَرَائِي فَضَحِكَ وَاسْتَظْرَفَ مَا جَرَى وَأَمَرَ بِالْخَادِمِ فَأُطْلِقَ وَأَلْحَقَهُ بِجُمْلَةِ أَتْبَاعِهِ. تُمْتَلَخُ: تُنْزَعُ، مِنْ قَوْلِهِم: امْتَلَخْتُ غُصْنًا مِنَ الشَّجَرَةِ إِذَا قَطَعْتَهُ، وَمَلَخْتُ اللِّجَامَ عَنْ رَأْسِ الْفَرَسِ: إِذَا نَزَعْتَهُ، وَالطُّؤْطُؤَةُ: شَعَرُ الْعَانَةِ وَيُقَالُ لَهُ: الشِّعْرَةَ أَيْضًا، وَالْإخْقِيقُ: الشَّقُّ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ، وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا الشَّقَّ الذِي يَكُونُ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ، وَيُقَالُ اسْتَحَدَّ الرَّجُلُ وَاسْتَعَانَ إِذَا حَلَقَ عَانَتَهُ، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ الْمُطَرِّزِ، وَيُقَالُ مِنَ النُّورَةِ: انْتَارَ الرَّجُلُ انْتِيَارًا، وَانْتَوَرَ انْتِوَارًا، وَتَنَوَّرَ، تَنَوُّرًا.

стр. 249

وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبُ يُنْكِرُ تَنَوَّرَ فِي هَذَا وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ تَنَوَّرَ إِلَّا إِذَا نَظَرَ إِلَى نَارٍ" (١). وَأَنْشَدَ أَبُو تَمَّامِ فِي "الْحَمَاسَةِ": (طويل) أَجِدَّكُمَا لَمْ تَعْلَمَا أَنَّ جَارَنَا … أَبَا الْحِسْلِ بِالْبَيْدَاءِ لَا يَتَنَوَّرُ وَلَمْ تَعْلَمَا حَمَّامَنَا فِي بِلَادِنَا … إِذَا جَعَلَ الْحِرْبَاءُ فِي الْعُودِ يَخْطِرُ (٢) ع: وَأُثَيَابٌ تَصْغِيرُ أَثْوَابٍ، وَأُسَيْفَاظٌ: تَصْغِيرُ أَسْفَاطٍ، وَالْغَرَضُ بِتَصْغِيرِ الْجَمْعِ تَقْلِيلُهُ، وَالْعَشَّارُونَ: الذين يَأخُذونَ الْأَعْشَارَ مِنَ النَّاسِ، وَاحِدُهُمْ عَشَّارٌ. وَالْغَضُّ (٣): الطَّرِيُّ الْجَدِيدُ. وقوله: "والزَّمَانُ زَمَانٌ" (٤) هَذَا يُسَمَّى التَّأْكِيدَ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ كَمَا يُقَالُ: "كَانَ ذَلِكَ وَالنَّاسُ النَّاسُ" قَالَ الشَّاعِرُ: (طويل) [بِلَادٌ لَنَا كَانَتْ وَكُنَّا نُحِبُّهَا] … إِذِ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلادُ بِلادُ (٥) وَقَوْهُ: "وَيُنَافِسُونَ فِي الْعِلْمِ" (٦). ط: "الْمُنَافَسَةُ أَنْ تَشْتَدَّ رَغْبَةُ الرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ حَتَّى يَحْسُدَ غَيْرَهُ وَيَغْبِطَهُ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّفْسِ: يُرَادُ بِهَا مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الْأَمْرِ وَحِرْصُهَا عَلَيْهِ" (٧). وقوله: "وَيَتَحَلَّوْنَ بِالْفَصْاحَةِ" (٨): أي يَتَزَيَّنُون بِهَا كَمَا يُتَزَيَّنُ بِالْحُلِيِّ.

стр. 250

وقوله: "وَيَرَوْنَهُ تِلْوَ الْمِقْدَارِ" (١). ط: "التِّلْوُ: التَّابِعُ بِكَسْرِ التَّاءِ، فَإِذَا قُلْتَ: تَلْوٌ بِفَتْح التَّاءِ فَهُوَ الْمَصْدَرُ مِنْ تَلَوْتُهُ، أَتْلُوهُ تَلْوًا. وَالْمِقْدَارُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْقَدَرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْقَضَاءَ السَّابِقَ. وَمَعْنَى كَوْنُ الْعِلْمِ تَابِعًا لِلْمِقْدَارِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ عِزًّا لِصَاحِبِهِ وَشَرَفًا وَالْجَهْلُ ذُلًّا وَمَهَانَةً، وَإِنَّمَا أَخَذَ هَذَا مِنْ قَوْله ﷺ : (مَا اسْتَرْذَلَ الله عَبْدًا إِلَّا حَظَّرَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ) (٢)، وَقَدْ أَلَمَّ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّيُّ لِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: (متقارب) كَأَنَّ نَوَالَكَ بَعْضُ الْقَضَاءِ … فَمَا تُعْطِ مِنْهُ نَجِدْهُ جُدُودًا (٣) وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمِقْدَارِ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ كَمَا يُقَالُ: لِفُلَانٍ عِنْدِي قَدْرٌ وَقَدَرٌ وَمِقْدَارٌ، أَي قِيمَةٌ فَتَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: (بسيط) قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ (٤) فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: "وَيَرَوْنَ الْمِقْدَارَ تِلْوَ الْعِلْمِ" لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّجُلِ تَابِعَةٌ لِعِلْمِهِ فَهَذَا يَصِحُّ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ مِقْدَارَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ أَنَّ الله تَعَالَى يَهَبُ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِحَسَبِ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ، وهذا نَحْو مِنْ قَوْلِ النبي ﵇: (مَا اسْتَرْذَلَ اللهُ عَبْدًا إِلَّا حَظَّرَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ) فَيَكُونُ رَاجِعًا إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ مِقْدَارَهُ عِنْدَ النَّاسِ فَيَكُونُ قَدْ أَجْرَى "التِّلْوَ" الَّذِي
следующие страницы →