← Адаб

Адаб · id 1529

الانتخاب في شرح أدب الكتاب = الكاتب

أحمد بن داود الجُذَامي

Полный текст (1 606 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ط: "كَذَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ هُبَيْرَةَ الضَّارِبَ لِعِيسَى بْنِ عُمَرَ، إِنَّمَا الضَّارِبُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ فِي وِلَايَتِهِ العِرَاقَ بَعْدَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله الْقَسْرِيِّ، وَوَجَدْتُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ: وَيُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْن هُبَيْرَةَ يَضْرِبُهُ بِالسِّيَاطِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَكَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ. وَكَانَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ هَذَا شَدِيدَ التَّقْعِيرِ فِي كَلَامِهِ، وَمِمَّا يُحْكَى مِنْ تَشَادُقِهِ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ الْحَسَنَ الْبَصِرِيَّ مُجْرَمِّزًا حَتَّى اقْعَنْبَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ (١)، مَا الطَّلْعُ؟ فَقَالَ: هُوَ الطِّبِّيعُ فِي كُفُرَّاهُ، ولعمري إن الآية لَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ" (٢). والطَّلْعُ: أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ فِي النَّخْلَةِ مِنْ حَمْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَنشَقَّ عَنْهُ غِشَاؤُهُ الَّذِي يَسْتُرُهُ، فَإِذَا انْشَقَّ عَنْهُ غِشَاؤُهُ قِيلَ لَهُ: الضَّحْكُ لِأَنَّهُ أَبْيَضٌ، فَشَبَّهَ انْشِقَاقَهُ وَبُرُوزَهُ بِظُهُورِ الْأَسْنَانِ عِنْدَ الضَّحِكِ، والطِّبِّيعُ: بكسر الطَّاءِ وَالْبَاءِ وتَشْدِيدِهِمَا، الطَّلْعُ بِعَيْنِهِ ويقال له: الطَّبيعُ أَيْضًا بِفَتْح الطَّاءِ وتَخْفِيفِ الْبَاءِ" (٣). [أَوَّلُ التَّمْرِ طَلْعٌ ثُمَّ ظَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رَطْبٌ ثُمَّ تَمْرٌ] (٤). ع: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِامْتِلَائِهِ وَاحْتِشَاءِ قِشْرِهِ. يقال: هذَا طِبْعُ الإناء، أي مِلؤُهُ. وَالنَّضِيدُ: الْمُجْتَمِعُ الْحَبِّ المَضْمُومُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، يقال: نَضَدْتُ الْمُتَاعَ، إِذَا ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى نَضِيدًا مَا لَمْ يَنْشَقَّ وَتَتَفَرَّقَ شَمَارِيخُهُ.

стр. 247

ط: "وَالْكُفُرَّى: بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا: الْغِشَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الطَّلْعُ، ويقال له أيضًا: الْكَمَامُ وَالْكَمُّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (١). وَالْمُجْرَمِّزُ: الْمُسْرِعُ، وَقَالَ الْخَطَّابِي (٢): الْمُجْرَمِّزُ: الْمُتَقَبِّضُ الْمُجْتَمِعُ. يقال: ضَمَّ جَرَامِيزَهُ، إِذَا اسْتَعَدَّ لِلْأَمْرِ. ومعنى اقْعَنْبَيْتُ: جَلَسْتُ جِلْسَةَ مُسْتَوْفِزٍ (٣). وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُتَقَعِّرِينَ، مَرِضَتْ أُمُّهُ فَأَمَرَتْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَيَسْأَلَ النَّاسَ الدُّعَاءَ لَهَا، فَكَتَبَ فِي حِيطَانِ الْمَسْجِدِ: "صِينَ وَأُعِينَ رَجُلٌ دَعَا لامْرَأَةٍ مُقْسَئِنَّةٍ عَقِيلَةٍ، بُلِيَتْ بِأَكْلِ هَذَا الطُّرْمُوقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهَا بالاطرِغْشَاشٍ وَالابْرِغْشَاشِ". فَمَا قَرَأَ الْكِتَابَ أَحَدٌ إِلَّا لَعَنَهُ وَأُمُّهُ. يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: صِينَ وَأُعِينَ: صَانَهُ اللهُ وَأَعَانَهُ، على مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَالْمُقْسَئِنَّةُ: الْمُتَنَاهِيَةُ في الهَرَمِ وَالشَّيَخ، يقال: اقْسَأَنَّ الْعُودُ، إِذَا اشْتَدَّ وَصَلُبَ وَذَهَبَتْ عَنْهُ الرُّطُوبَةُ واللِّينُ. وَالطُّرْمُوقُ: الطَّفْلُ، فإذا قلت: الطُّمْرُوقَ، بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الرَّاءِ، فَهُوَ الْخُفَّاشُ. ويقال: اطْرَغْشَّ مِنْ مَرَضِهِ وَابْرَغَشَّ، وَتَقَشْقَشَ، إِذَا أَفَاقَ وَبَرُأَ، وكان يقال لِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٤) وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ (٥): الْمُقَشْقِشَتَانِ، يُرَادُ أَنَّهُمَا يُبْرئَانِ حَافِظَهُمَا مِنَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ قال الشاعر: (وافر) أُعِيذُكَ بِالْمُقَشْقِشَتَيْنِ مِمَّا … أُحَاذِرُهُ وَمِنْ شَرِّ الْعُيُونِ (٦)

стр. 248

وكان أَبُو عَلْقَمَةَ النَّحْوِيُّ (١) مِمَّنْ يَنْحُو نَحْوَ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، وكان يَعْتَرِيهِ هَيْجَانُ مِرَارٍ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، فَهَاجَ بِهِ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَظَنُّوهُ مَجْنُونًا، فلما ذَهَبَ ما كان بِهِ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ إلى الناس يَزْدَحِمُونَ حَوالَيْهِ فقال: مَا لَكُمْ تَتَكَأَكَؤُونَ عَلَيَّ، كَمَا تَتَكَأَكَؤُونَ عَلَى ذِي جِنَّةٍ، افْرَنْقِعُوا عَنِّي، فقال رجل منهم: دَعُوهُ، إِنَّ شَيْطَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِالْهِنْدِيَّةِ" (٢). يُقَالُ: تَكَأَكَأَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذَا انْحَنَى وَتَقَاصَرَ. وَمِنْهَا قِيلَ لِلْقَصِيرِ مُتَكَأْكئٌ، وَتَكَأْكَأَ الْقَوْمُ: إِذَا تَضَايَقُوا وَازْدَحَمُوا، فَإِذَا قِيلَ: تَكَأْكَأَ عَنِ الشَّيْء، فَمَعْنَاهُ: ارْتَدَعَ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَالْإِفْرِنْقَاعُ: الزَّوَالُ عَنِ الشَّيْءِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَخْبَارِ الْمُتَقَعِّرِينَ أَنَّ الْجَرْجَرَائِيَّ (٣) كَانَ لَهُ كَاتِبٌ يَتَقَعَّرُ فِي كَلَامِهِ، فَدَخَلَ الْحَمَّامَ فِي السَّحَرِ، فَوَجَدَهُ خَالِيًا فقال لِبَعْضِ الْخَدَمَةِ: نَاوِلْنِي الْحَدِيدَةَ الَّتِي تُمْتَلَخُ بِهَا الطُّؤْطُؤَةُ مِنَ الْإِخْقِيقِ، فَلَمْ يَفْهُمْ قَوْلَهُ وَعَلِمَ بِهَيَأَةِ الْحَالِ أَنَّهُ يُرِيدُ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّعَرَ عَنْ عَانَتِهِ، فَأَخَذَ كُسْتُبَانَ النُّورَةِ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ وَشَكَا بِهِ إِلَى صَاحِبِ الْمَدِينَةِ فَأَمَرَ بِالْخَادِم إِلَى السِّجْنِ، فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْجَرْجَرَائِي فَضَحِكَ وَاسْتَظْرَفَ مَا جَرَى وَأَمَرَ بِالْخَادِمِ فَأُطْلِقَ وَأَلْحَقَهُ بِجُمْلَةِ أَتْبَاعِهِ. تُمْتَلَخُ: تُنْزَعُ، مِنْ قَوْلِهِم: امْتَلَخْتُ غُصْنًا مِنَ الشَّجَرَةِ إِذَا قَطَعْتَهُ، وَمَلَخْتُ اللِّجَامَ عَنْ رَأْسِ الْفَرَسِ: إِذَا نَزَعْتَهُ، وَالطُّؤْطُؤَةُ: شَعَرُ الْعَانَةِ وَيُقَالُ لَهُ: الشِّعْرَةَ أَيْضًا، وَالْإخْقِيقُ: الشَّقُّ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ، وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا الشَّقَّ الذِي يَكُونُ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ، وَيُقَالُ اسْتَحَدَّ الرَّجُلُ وَاسْتَعَانَ إِذَا حَلَقَ عَانَتَهُ، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ الْمُطَرِّزِ، وَيُقَالُ مِنَ النُّورَةِ: انْتَارَ الرَّجُلُ انْتِيَارًا، وَانْتَوَرَ انْتِوَارًا، وَتَنَوَّرَ، تَنَوُّرًا.

стр. 249

وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبُ يُنْكِرُ تَنَوَّرَ فِي هَذَا وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ تَنَوَّرَ إِلَّا إِذَا نَظَرَ إِلَى نَارٍ" (١). وَأَنْشَدَ أَبُو تَمَّامِ فِي "الْحَمَاسَةِ": (طويل) أَجِدَّكُمَا لَمْ تَعْلَمَا أَنَّ جَارَنَا … أَبَا الْحِسْلِ بِالْبَيْدَاءِ لَا يَتَنَوَّرُ وَلَمْ تَعْلَمَا حَمَّامَنَا فِي بِلَادِنَا … إِذَا جَعَلَ الْحِرْبَاءُ فِي الْعُودِ يَخْطِرُ (٢) ع: وَأُثَيَابٌ تَصْغِيرُ أَثْوَابٍ، وَأُسَيْفَاظٌ: تَصْغِيرُ أَسْفَاطٍ، وَالْغَرَضُ بِتَصْغِيرِ الْجَمْعِ تَقْلِيلُهُ، وَالْعَشَّارُونَ: الذين يَأخُذونَ الْأَعْشَارَ مِنَ النَّاسِ، وَاحِدُهُمْ عَشَّارٌ. وَالْغَضُّ (٣): الطَّرِيُّ الْجَدِيدُ. وقوله: "والزَّمَانُ زَمَانٌ" (٤) هَذَا يُسَمَّى التَّأْكِيدَ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ كَمَا يُقَالُ: "كَانَ ذَلِكَ وَالنَّاسُ النَّاسُ" قَالَ الشَّاعِرُ: (طويل) [بِلَادٌ لَنَا كَانَتْ وَكُنَّا نُحِبُّهَا] … إِذِ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلادُ بِلادُ (٥) وَقَوْهُ: "وَيُنَافِسُونَ فِي الْعِلْمِ" (٦). ط: "الْمُنَافَسَةُ أَنْ تَشْتَدَّ رَغْبَةُ الرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ حَتَّى يَحْسُدَ غَيْرَهُ وَيَغْبِطَهُ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّفْسِ: يُرَادُ بِهَا مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الْأَمْرِ وَحِرْصُهَا عَلَيْهِ" (٧). وقوله: "وَيَتَحَلَّوْنَ بِالْفَصْاحَةِ" (٨): أي يَتَزَيَّنُون بِهَا كَمَا يُتَزَيَّنُ بِالْحُلِيِّ.

стр. 250

وقوله: "وَيَرَوْنَهُ تِلْوَ الْمِقْدَارِ" (١). ط: "التِّلْوُ: التَّابِعُ بِكَسْرِ التَّاءِ، فَإِذَا قُلْتَ: تَلْوٌ بِفَتْح التَّاءِ فَهُوَ الْمَصْدَرُ مِنْ تَلَوْتُهُ، أَتْلُوهُ تَلْوًا. وَالْمِقْدَارُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْقَدَرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْقَضَاءَ السَّابِقَ. وَمَعْنَى كَوْنُ الْعِلْمِ تَابِعًا لِلْمِقْدَارِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ عِزًّا لِصَاحِبِهِ وَشَرَفًا وَالْجَهْلُ ذُلًّا وَمَهَانَةً، وَإِنَّمَا أَخَذَ هَذَا مِنْ قَوْله ﷺ : (مَا اسْتَرْذَلَ الله عَبْدًا إِلَّا حَظَّرَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ) (٢)، وَقَدْ أَلَمَّ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّيُّ لِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: (متقارب) كَأَنَّ نَوَالَكَ بَعْضُ الْقَضَاءِ … فَمَا تُعْطِ مِنْهُ نَجِدْهُ جُدُودًا (٣) وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمِقْدَارِ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ كَمَا يُقَالُ: لِفُلَانٍ عِنْدِي قَدْرٌ وَقَدَرٌ وَمِقْدَارٌ، أَي قِيمَةٌ فَتَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: (بسيط) قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ (٤) فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: "وَيَرَوْنَ الْمِقْدَارَ تِلْوَ الْعِلْمِ" لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّجُلِ تَابِعَةٌ لِعِلْمِهِ فَهَذَا يَصِحُّ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ مِقْدَارَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ أَنَّ الله تَعَالَى يَهَبُ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِحَسَبِ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ، وهذا نَحْو مِنْ قَوْلِ النبي ﵇: (مَا اسْتَرْذَلَ اللهُ عَبْدًا إِلَّا حَظَّرَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ) فَيَكُونُ رَاجِعًا إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ مِقْدَارَهُ عِنْدَ النَّاسِ فَيَكُونُ قَدْ أَجْرَى "التِّلْوَ" الَّذِي

стр. 251

هُوَ اسْمٌ مُجْرَى التِّلْوِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ كَمَا أَجْرَى الْقُطَامِيُّ (١) "الْعَطَاءَ" مُجْرَى "الْإِعْظَاءِ" فِي قَوْلِهِ: (وافر) وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا (٢) وَيَكُونُ قَدْ جَعَلَ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَمَا قَالُوا: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ أَيْ مَضْرُوبُهُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَيَرَوْنَهُ مَتْلُوَّ الْمِقْدَارِ، أَي الشَّيْءَ الَّذِي يَتْلُوهُ الْمِقْدَارُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَمَا كَانَتْ قِيمَةُ الْإِنْسَانِ مُرْتَبِطَةً بِعِلْمِهِ صَارَ عِلْمُهُ أَيْضًا مُرْتَبِطًا بِهَا كَالشَّيْأَيْنِ الْمُتلازِمَيْنِ الذَيْنِ يُوجَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوُجُودِ الْآخَرِ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخرَى" (٣). ع: ابْنُ سِيدَةَ فِي "الْمُحْكَم": "يُقَالُ رَجُلٌ تِلْوُ الْمِقْدَارِ: أَي رَفِيعُهُ لُغَةٌ"، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَة: وَيَرَوْنَهُ تِلْوَ الْمِقْدَرِ. وَدَرَكُ الشَّيْءِ (٤): إِدْرَاكُهُ، وَيُقَالُ فِيهِ: دَرَكٌ وَدَرْكٌ مَعًا. وقوله: "الثَّرْثَارُونَ" (٥). الْمُتَنَطِّعُونَ فِي الْكَلَامِ الْمُكْثِرُونَ مِنْهُ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ثَرْثَارَةٌ، إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْمَاءِ، وَضَرْعٌ ثَرْثَارٌ إِذَا كَانَ غَزِيرَ اللَّبَنِ، قَالَ الرَّاجِزُ يَصفُ نَاقَةً.

стр. 252

لِشُحْبِهَا فِي الصَّحْنِ ذِي الْأَعْشَارِ بَرْبَرَةٌ كَصَخَبِ الْمَمَارِي مِنْ قادِمٍ مُنْهَمِرٍ ثَرْثَارِ (١) وَاشْتِقَاقُ الْمُتَفَيْهِقِينَ مِنْ فَهَقَ الْغَدِيرُ، يَفْهَقُ، إذا امْتَلأَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَوْضِعُ مَزِيدٍ، قَالَ الْأَعْشَى: (طويل) كَجَابِيَةِ الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ تَفْهَقُ (٢) وَاشْتِقَاقُ الْمُتَشَدِّقِينَ مِنَ الشِّدْقَيْنِ، يُرَادُ بِهِ الَّذِينَ يَفْتَحُونَ أَشْدَاقَهُمْ بِالْقَوْلِ، يُقَالُ: رَجُل أَشْدَقُ، إِذَا كَانَ وَاسِعَ الشِّدْقَيْنِ جَهِيرَ الصَّوْتِ مُتَنَطِّعًا فِي الْكَلَامِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقَ (٣) وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: (طويل) تَشَدَّقَ حَتَّى مَالَ بِالْقَوْلِ شِدْقُهُ … وَكُلُّ خَطِيبٍ لَا أَبُا لَكَ أَشْدَقُ (٤) وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ) (٥). وَهَذَا الْخَبَرُ غَيْرُ خَارِجٍ عَمَّا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ الْمُعْجَبَ بِنَفْسِهِ يَدْعُوهُ إِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ وَتَكَبُّرُهُ إِلَى التَّنَطُّعِ فِي كَلَامِهِ. ع: د: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "الْمُتَفَيْهِقُونَ: أَصْلُهُ مِنَ الْفَهْقَةِ وَهِيَ الدَّأْيَةُ التِي

стр. 253

هِيَ مُرَكَّبُ الرَّأْسِ فِي الْعُنُقِ، فَالْمُتَفَيْهقُ: الَّذِي يَعْقِدُ عُنُقَهُ فِيهَا وَكِبْرًا" (١). وقوله: "وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ بِكَلامِهِ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي تَلْزَمُهُ مُسْتَثْقَلَ الْإِعْرَابِ" (٢). ط: "هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ عَوَامِّ النَّاسِ لِأَنَّهُ إِن فَعَلَ ذَلكَ صَارَ هُزْءَةً لَهُمْ بَلْ يَقْصِدُ الْأَلْفَاظَ السَّهْلَةَ وَالْإِعْرَابَ السَّهْلَ، وَتَكُونُ عَلَى كَلَامِهِ دِيبَاجَةٌ وَطَلَاوَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَأَدِّبٌ، وَيَجْعَلُ لِكَلَامِهِ مَرْتَبَةً بَيْنَ الْأَلْفَاظِ السُّوقِيَّةِ وَالْأَلْفَاظِ الْوَحْشِيَّةِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا (٣) " (٤). وقوله: "وَكَانَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ (٥) سَامَ نَفْسَهُ" إلى آخر الفصل (٦). ط: "اللَّثَعُ فِى اللِّسَانِ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالْحَرْفِ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَقْلِبَهُ حَرْفًا آخَرَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي كُلِّ الْحُرُوفِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَافِ وَالْكَافِ وَالسِّينِ وَاللَّام وَالرَّاءِ، وَقَدْ تُوجَدُ فِي الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ" (٧). فَاللُّثْعَةُ فِي السِّينِ بِأَنْ تُبْدَلَ ثَاءً فَيُقَالَ فِي: بِسْمِ اللَّهِ بِثْمِ اللهِ، وَفِي الْقَافِ بأَنْ تُبْدَلَ طَاءَ فَيُقَال في: قَالَ، طَالَ، وَتَكُونُ أَيْضًا بِأَنْ تُبْدَلَ كَافًا فيقالَ فِي: قَالَ: كَالَ، وَفِي الْكَافِ بِأَنْ تُبْدَلَ هَمْزَةٌ فَيُقَالَ فِي: كَانَ كَذَا، آنَّ كَذَا، وَفِي اللَّامِ بِأَنْ تُحَوَّلَ يَاءَ فَيُقَالَ فِي: جَمَلٌ، جَمَيٌ. وَقَدْ تَكُونُ بِأَنْ تُبْدَلَ كافًا فَيُقَالَ فِي: جَمَلٌ جَمَكٌ، كَمَا حَكَى الْجَاحِظُ

стр. 254

عَنْ عُمَرَ أَخِي بِلَالٍ (١) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا الْعِلَّةُ فِي كَذَا، مَكْعَكَّةُ فِي كَذَا. وَأَمَّا اللُّثْعَةُ الَّتِي تَعْرِضُ فِي الرَّاءِ فَذَكَرَ الْجَاحِظُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي سِتَّةِ أَحْرُفٍ: الْعَيْنُ وَالْغَيْنُ وَالذَّالُ وَالْيَاءُ وَاللَّامُ وَالضَّادُ الْمُعْجَمَةُ (٢). وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْهَمْزَةِ (٣). وَكَانَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ حَسَنَ النُّطْقِ بِالْحُرُوفِ كُلِّهَا إِلَّا الرَّاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا مِنْ مَخْرَجِهَا فَأَسْقَطَهَا مِنْ كَلَامِهِ فَلَمْ تُسْمَعْ فِي مَنْطِقِهِ رَاءٌ، فَكَانَ أَمْرُهُ أَحَدَ الْأَعَاجِيبِ. ع: "وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ أَحَدُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَكَانَ يُسَمَّى الْغَزَّالَ لمُلَازَمَتِهِ سُوقَ الْغَزْلِ لِيَعْرِفَ الْمُتَعَفِّفَاتِ وَأَهْلَ الْحَياءِ مِنَ النِّسَاءِ فَيَضَعُ صَدَقَتَهُ فِيهِنَّ، وَكَانَ مِنْ رُؤسَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ (٤) " (٥). ع: وَسَامَ نَفْسَهُ: كَلَّفَهَا. وقوله: "حَتَّى انْقَادَ لَهُ طِبَاعَهُ" (٦). ط: "قال أبو حَاتِمٍ: "الطِّبَاعُ: وَاحِدٌ مُذَكَّرٌ بِمَعْنَى الطَّبْعِ، وَمَنْ أَنَّثَهُ ذَهَبَ بِهِ إلى مَعْنَى الطَّبِيعَةِ، وقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبْعٍ بِمَنْزِلَةِ كَلْبٍ وَكِلَابٍ" (٧). وَقَالَ الْفَرَّاءُ: "الطِّبَاعُ، طِبَاعُ الرَّجُلِ أُنْثَى، يُقَالُ: إِنَّ طِبَاعَهُ لَكَرِيمَةٌ، وَهِيَ وَاحِدٌ لَا تُجْمَعُ مِثْل النَّجَارِ، إِلَّا أَنَّ النَّجَارِ مُذَكَّرٌ، وَرُبَّمَا ذُكِّرَتِ

стр. 255

الطِّبَاعُ" (١) وَوَحْشِيُّ الْغَرِيبِ (٢): مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ أَوْ كَانَ قَلِيلَ الاِسْتِعْمَالِ، شُبِّهَ بالوَحْشِيِّ مِنَ الْحَيَوانِ، وَهُوَ مَا نَفَرَ مِنَ الْإِنْسَانِ وَلَمْ يَأْنَسْ بِهِ فَكَأَنَّ النُّفُوسَ تُنَافِرُهُ. وَالْغَرِيبُ: مَا غَرُبَ مِنَ الْكَلَامِ أَيْ بَعُدَ. وتَعْقِيدُ الْكَلَامِ (٣): اسْتِصْعَابُهُ وَهُوَ مِنْ عَقَدْتُ الشَّيْءَ. وقوله: "وَأَنَا مُحْتَاجٌ إِلَى أَنْ تُنَفِّذَ إِلَيَّ جَيْشًا لَجِبًا عَرَمْرَمًا" (٤). ط: لا أَعْلَمُ مَنِ الْقَائِلَ لِهَذَا الْكَاتِبَ بِهِ، وَالْجَيْشُ: الْعَسْكَرُ، سُمِّيَ جَيْشًا مِنَ الْحَرَكَةِ وَالْاضْطِرَابِ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاشَتِ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ وَثَارَتْ، وَجَاشَ صَدْرُهُ بِالْحُزْنِ، يَجِيشُ: إِذَا كَثُرَ قَلَقُهُ. وَجَاشَتِ النَّفْسُ، تَجِيشُ: إِذَا هَمَّتْ بِالْخُرُوجِ" (٥)، قَالَ ابْنُ الْإِطْنَابَةِ: (وافر) وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ … مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي (٦) وَاللَّجَبُ (٧): الْكَثِيرُ الْأَصْوَاتِ وَالْجُلَبَةِ. وَالْعَرَمْرَمُ (٨) فِي قَوْلِ الْأَصْمَعِيِّ: الْكَثِيرُ الْعَدَدِ (٩). وفي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ: الشَّدِيدُ الْبَأْسِ (١٠)، مَأخُوذَةٌ مِنَ الْعَرَامَةِ وَهِيَ الشِّدَّةُ. وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَشْبَهُ

стр. 256

بِالاشْتِقَاقِ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ رَاجِعًا إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وقوله: "وَكَقَوْلِ آخَرَ فِي كِتَابِهِ: "عَضَبَ عَارِضٌ أَلَمَّ"" (١). ط: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْكَاتِبَ مَنْ هُوَ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ أَحْمَدُ بْنُ شُرَيْحٍ الْكَاتِبُ (٢). وَمَعْنَى عَضَبَ: قَطَعَ، وَالْأَلَمُ: الْمَرَضُ، وَعَارِضُهُ: مَا يَعْرِضُ لِلْمَرِيضِ مِنْهُ، وَأَلَمَّ: نَزَلَ. وقوله: "فَأَنْهَيْتُهُ عُذْرًا" (٣): أَيْ جَعَلْتُهُ النِّهَايَةَ فِي الْعُذْرِ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَذَا رَجُلٌ كَانَ كَلَّفَهُ أَمْرًا فَتَضَمَّنَ لَهُ السَّعْيَ فِيهِ، فَقَطَعَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مَرَضٌ عَرَضَ لَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَعْتَذِرُ مِنْ تَأَخُّرِ سَعْيِهِ فِيهِ بِالْمَرَضِ الذِي عَاقَهُ عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذَا الْكَلَامَ فِي "آلَةِ الْكُتَّابِ" وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِ فَلَمْ يُسَمَّ قَائِلُهُ. وَالْبَسْطَةُ السَّعَةُ وَالانْبِسَاطُ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ" (٤). ع: عَضَبَ (٥): قَطَعَ، وَالْعَضْبُ: الْقَطْعُ اسْمُ مَا عُضِبَ أَيْ قُطِعَ مثل النَّفَضِ. وَالْأَلَمُ (٦): الْوَجَعُ، وأَنْهَيْتُهُ: أَوْصَلْتُهُ وَبَلَّغْتُهُ، يقال: أَنْهَيْتُ السَّهْمَ إِلَى الْغَرَضِ، أَيْ أَوْصَلْتُهُ. وَعُذْرًا: مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْإِنْهَاءِ أَوْ حَالٌ. فَأَمَّا النَّهْيُ فَالزَّجْرُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْعَقْلُ نُهْيَةً لأَنَّهُ يَنْهَى صَاحِبَهُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ. وقوله: "طُغْيَانٌ فِي الْقَلَمِ" (٧). كَذَا وَقَعَ في النُّسَخِ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِي يَقُولُ: "حِفْظِي طُغْيَانَ

стр. 257

الْقَلَمِ". وَالْعَرَبُ تَخْتَلِفُ فِي تَصْرِيفِ الْفِعْلِ مِنَ الطُّغْيَانِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: طَغَيْتَ يَا رَجُلُ، ومنهم من يقول: طَغَوْتَ بِالْوَاوِ ولم يَخْتَلِفُوا فِي الطُّغْيَانِ أَنَّهُ بِالْيَاءِ. ومِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ الطَّاءَ فيقول: طِغْيَانٌ، حَكَى ذَلِكَ الْفَرَّاءُ. ع: الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ (١) أَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ، وَكَانَ وَزِيرَ الْمَأْمُونِ (٢) وَيُدْعَى ذَا الرِّئَاسَتَيْنِ وَعَلَيْهِ وَلَاءٌ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَتَزَوَّجَ الْمَأْمُونُ ابْنَتَهُ بُورَان (٣). والطُّغْيَانُ: مُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ، وَارْتِفَاعُ الْمَاءِ أَيْضًا، قَالَ الله : ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (٤). وقوله: "أَنْ يُنَزِّلَ أَلْفَاظَهُ" (٥). ط: "تَنْزِيلُ الْكَلَامِ: تَرْتِيبُهُ وَوَضْعُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مَوْضِعَهُ وَذِكْرُهُ فِي الْوَقْتِ الذِي يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ" (٦) قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٧). أَنْشَدَ الْجَاحِظُ لِمَكِيِّ بْنِ سَوَادَةَ (٨) فِي صِفَةِ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ

стр. 258

الْأَهْتَمِيّ (١) وَكَانَ خَالِدٌ أَذْكَرَ النَّاسِ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ وَأَحْفَظَهُمْ لِكُلِّ شَيْءٍ سَلَفَ مِنْ مَنْطِقِهِ عَلَى فَصَاحَتِهِ: (طويل) عَلِيمٌ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ مُلَقَّنٌ … ذكُورٌ لِمَا سَدَاهُ أَوَّلَ أَوَّلَا يَبُذُّ قَرِيعَ الْقَوْمِ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ … وَلَوْ كَانَ سَحْبَانَ الْخَطِيبَ وَدَغْفَلَا تَرَى خُطَبَاءَ النَّاسِ يَوْمَ ارْتِجَالِهِ … كَأَنَّهُمُ الْكَرْوَانُ عَايَنَّ أَجْدَلَا (٢) وقوله: "وَرَأْيَكَ إِنَّمَا يُكْتَبُ بِهَا إِلَى الْأَكْفَاءِ" (٣). ع: إِنَّمَا كُتِبَ بِهَا إِلَى الْأَكْفَاءِ لِأَنَّهَا مَنْصُوبَة بِفِعْلِ الْأَمْرِ وَالتَّقْدِيرُ: فَرَأْيَكَ. وَالْأَمْرُ لِمَنْ يُكَافِئُكَ وَيُسَاوِيكَ عَرْضٌ وَطَلِبَةٌ، وَلَمَنْ فَوْقَكَ رَغْبَةٌ وَتَضَرُّعٌ، وَلَمَنْ دُونَكَ أَمْرٌ وَجَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ. ط: "الْأَكْفَاءُ: النُّظَرَاءَ، وَاحِدُهُمْ كُفْءٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَسْكِينِ الْفَاءِ، وَكَفْءٌ وَكِفْءٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ، وَكُفُؤٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَالْفَاءِ، وَكَفِيءٌ عَلَى مِثَالِ نَبِيءٍ، وَكِفَاءٌ عَلَى مِثَالِ رِوَاءٌ" (٤). وَالْأَسْتَاذُ (٥): لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ عَرَّبَتْهَا الْعَرَبُ، وَالْفُرْسُ يُوقِعُونَهَا عَلَى الْعَالِمِ بالشَّيْءِ الْمَاهِرِ فِيهِ الَّذِي يُبَصِّرُ غَيْرَهُ وَيُسَدِّدُهُ، ومِثْلُهُ مَنْ كَلَام الْعَرَبِ: الرَّبَّانِي وَهُوَ الْعَالِمُ وَالْمُعَلِّمُ، قال الله : ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٦).

стр. 259

وقوله: "وَلَيْسَ يَفْرُقُونَ بَيْنَ مَنْ يُكْتَبُ إِلَيْهِ "أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ" وَبَيْنَ مَنْ يُكتبُ إِلَيْهِ "وَنَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ"" (١). ع: إِلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُمْ مِنَ النَّاقِل. ط: "كَذَا الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ: وَالصَّوَابُ بَيْنَ مَنْ يَكْتُبُ عَنْ نَفْسِهِ: "أَنَا فَعَلْتُ" وَبَيْنَ مَنْ يَكْتُبُ عَنْ نَفْسِهِ: "نَحْنُ فَعَلْنَا كَذَا" لأنَّ هَذَا أَمْرٌ يَخُصُّ الكَاتِبُ دُونَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ" (٢). وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ هُوَ الصَّحْيحُ الَّذِي لَا مَدْفَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ لَهُ وَجْهٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَاتِبَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَنْ نَفْسِهِ: "وَنَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ" إِلَّا إِلَى مَنْ هُوَ كُفْءٌ لَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ أَوْ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ مِمَّنْ يُعَظِّمُهُ وَيُوَقِّرُهُ، إِنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَغِّرَ نَفْسَهُ وَيَضَعَ مِنْهَا، فَإِذَا حُمِلَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَذَا صَحَّ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلرَّئيسِ وَالْعَالِم أَنْ يَقُولَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا: "نَحْنُ نَقُولُ كَذَا، وَنَحْنُ فَعَلْنَا كَذَا" لإنَّ الرَّئِيسَ يُطَاعُ أَمْرُهُ وَلَهُ أَتْبَاعٌ عَلَى مَذْهَبِهِ فَكَأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَنْ يَتْبَعُهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الجَلِيلَ الْقَدْرِ يَنُوبُ مَنَابَ جَمَاعَةٍ، "كُلُّ، الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَراءِ" (٣)، وَقَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ (٤). وَالْحِمَارُ الْوَحْشِيُّ يُقَالُ لَهُ: الْفَرَاءُ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَالْأَشْهَرُ فِيهِ الْقَصْرُ وَالْهَمْزُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ أَجَلُّ مَا يَصِيدُهُ الصَّائِدُ، فَإِذَا صَادَهُ فَكَأَنَّهُ

стр. 260

قَدْ صَادَ جَمِيعَ الصَّيْدِ. وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، قَالَ أَبُو نُوَاسٍ (١): (مجزوء البسيط) وَلَيْسَ لِلّهِ بِمُسْتَنْكِرٍ … أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ (٢) وَقَالَ أَبُو عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيُّ (٣): (طويل) وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوَتُوا … إِلَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ (٤) وَأَخَذَهُ أَبُو الطَّيِّبَ فَقَالَ: (طويل) مَضَى وَبَنُوهُ وَانْفَرَدْتَ بِفَضْلِهِمْ … وَأَلْفٌ إِذَا مَا جُمِّعَتْ وَاحِدًا فَرْدُ (٥) وقوله: "وَعَلَى هَذَا الْابْتِدَاءِ خُوطِبُوا فِي الْجَوَابِ" (٦). يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ يُخَاطَبُ عَلَى حَسَبِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: "نَحْنُ فَعَلْنَا" قِيلَ لَهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ: "أَنْتُمْ فَعَلْتُم"، وَإِذَا كَانَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: "أَنَا فَعَلْتُ" قِيلَ لَهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ: "أَنْتَ فَعَلْتَ"، وَلَمَا كَانَ الله يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِإِخْبَارِ الْجَمَاعَةِ فَيَقُولُ: ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (٧) و ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٨) خَاطَبَهُ الْكَافِرُ بِمُخَاطَبَةِ الْجَمَاعَةِ فَقَالَ:

стр. 261

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (١) وَلَمْ يَقُلْ: رَبِّ أَرْجَعْنِي. ع: وَقَالَ الْمَازِنِيُّ: "أَرَادَ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي" فَلَمَّا كَرَّرَ جَمَعَ، كَمَا قِيلَ فِي "قِفَا نَبْكِ" (٢) أَرَادَ قِفْ قِفْ فَثَنَّى". ط: "يُقَالُ أَبْرَوَازُ، وَأَبْرَوَيْزُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَأَبْرَوِيزُ بِكَسْرِهَا" (٣). ط: "تَنْزِيلُ الْكَلَام (٤): تَرْتِيبُهُ وَوَضْعُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مَنْزِلَتَهُ اللَّائِقَةَ بهِ" (٥). وَيُقَالُ: إِنَّ كِسْرَى (٦) هَذَا الْأَخِيرَ الذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﵇: (إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ) (٧) هُوَ أَبْرَوَازُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَوْطِيَةِ: "هُوَ الْمَلِكُ الَّذِي قَتَلَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ (٨) مِنْ أَكَاسِرَةِ فَارِسَ". ع: سُؤَالُكَ عَنِ الشَّيْءِ (٩): هُوَ الاسْتِفْهَامُ، وَسُؤَالُكَ الشَّيْءَ (١٠) هُوَ

стр. 262

الطَّلَبُ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ قَدْ قَسَّمَهُ فِي الرِّسَالَةِ حِينَ قَالَ: وَالْكَلَامُ أَرْبَعَةٌ: أَمْرٌ، اسْتِخْبَارٌ، خَبَرٌ وَرَغْبَةٌ (١) وَجَعَلَهَا هُنَالِكَ "هَذَيَانًا"، وَهُنَا حَاصِرَةً لِأَصْنَافِ الْكَلَام وَدَعَائِمَ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَصْنَافَ الكَلَام وَدَعَائِمَهُ خَمْسَةٌ: مَا ذَكَرَ وَالنِّداءُ، وَهَذِهِ لَا يُوجَدُ لَهَا سَادِسٌ، وَقَدْ نَبِّهتُ عَلَيْهَا قَبْلُ. ط: "دَعَائِمُ الْمَقَالَاتِ: أُصُولُهَا الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ الْاخْتِلَافَ فِيهَا" (٢). وقوله: "فَأَسْجِحْ" (٣). أَيْ اُرْفُقْ وَسَهِّلْ، قَالَ عُقَيْبَةُ الْأَسْدِيُّ (٤): (وافر) مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ (٥) وقوله: "فَأَوْضِحْ" (٦). أَي بَيِّنْ سُؤَالَكَ. وقوله: "وَإِذَا أَمَرْتَ فَأَحْكِمْ" (٧). كَذَا رَوَيْنَاهُ مَقْطُوعَ الْهَمْزَةِ مَكْسُورَ الْكَافِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: "فَاحْكُمْ" مَوْصُولَ الْهَمْزَةِ مَضْمُومَ الْكَافِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ يُقَالُ: حَكَمْتُ الرَّجُلَ وَأَحْكَمْتُهُ إِذَا أَدَّبْتُهُ وَعَلَّمْتُهُ الْحِكْمَةَ، وَاشْتِقَاقُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَكَمْتُ الدَّابَّةَ

стр. 263

وَأَحْكَمْتُهَا، إِذَا جَعَلْتَ لَهَا حَكَمَةً لِأَنَّ الْحِكْمَةَ تَمْنَعُ مُتَعَلِّمَهَا مِنَ الْقَبِيحِ كَمَا تَمْنَعُ الْحَكَمَةُ الدَّابَّةَ مِنَ الْاضْطِرَابِ وَالنَّزَقِ، ومِنْهُ قِيلَ: أَحْكَمْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَتْقَنتَهُ. وَحَكَمَ الرَّجُلُ، يَحْكُمُ: إِذَا صَارَ حَكِيمًا، قال النَّمْرُ بْنُ تَوْلَبٍ (١): (متقارب) وَأَحْبِبْ حَبِيبَكَ حُبُّا رُوَيْدًا … فلَيْسَ يَهْولُكَ أَنْ تَصْرِمَا وَأَبْغَضْ بَغِيضَكَ بُغْضًا رُوَيْدًا … إذا أَنْتَ حَاوَلتَ أَنْ تَحْكُمَا (٢) وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلُوا قَوْلَ الْنَّابِغَةِ: (بسيط) اُحْكُمْ كَحُكُم فَتَاةِ الْحَيِّ (٣) وقوله: "وَلَكِنَّهُ أَطالَ الْكَلَامَ" (٤). ع: الْأَوْلَى فِي هَذَا أَنْ يَقُولَ: وَلَكِنَّهُ أَطَالَ تَارَةً لِلْإِفْهَامِ وَحَذَفَ تَارَةً لِلْإِيجَازِ وَكَرَّرَ تَارَةً لِلتَّوْكِيدِ. وقوله: "وَلَيْسَ يَجُوزُ لِمَنْ قَامَ مَقَامًا فِي تَحْضِيضِ" الكلام. ط: التَّحْضِيضُ والْحَضُّ: الْإِغْرَاءُ بِالشَّيْءِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ. الْحَمَالَةُ: الْكَفَالَةُ يُقَالُ: تَحَمَّلْتُ بِالشَّيْءِ كَقَوْلِكَ: تَكَلَّفْتُ بِهِ، وَفُلَانٌ حمِيلٌ بِكَذَا وَكَفِيلٌ بِمَعْنَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْ حَمَالَةٌ لِدَمٍ بِاللَّامِ،

стр. 264

وَبِالْبَاءِ وَقَعَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بْنِ قُتَيْبَةَ، وَلَا أَعْرِفُ ذَلِكَ مَرْوِيًا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعِ يَجْعَلُهُ مِنْ قَوْلِكَ: "حَمَلْتُ الشَّيْءَ عَنِ الرَّجُلِ"، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهَذِهِ اللَّامُ الَّتِي فِيهِ هِيَ اللَّامُ الَّتِي تُزَادُ فِي الْمَفْعُولِ تَأْكِيدًا لِلْعَامِل وَأَكْثَرَ مَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَفْعُولِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (١). وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٢) وَعَلَى هَذَا تَقُولُ: "أَعْجَبَنِي الضَّرْبُ لِزَيْدٍ"، وَمِثْلُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ (٣): (طويل) أُريدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا … تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ (٤) وَالْعَشَائِرُ (٥): الْقَبَائِلُ، وَاحِدَتُهَا عَشِيرَةٌ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْمُعَاشَرَةِ وَهِيَ الْمُصَاحَبَةُ، يقال: فُلَانٌ عَشِيري وَشَعِيري أَيْ صَاحِبِي، وَعَشِيرُ الْمَرْأَةِ: زَوْجُهَا" (٦). وَالاسْتِصْلَاحُ (٧): اسْتِجْلَابُ الصُّلْحِ. وَالْفَتْحُ: النَّصْرُ قَالَ الله : ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (٨) أَيْ إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ النَّصْرُ، وَفِي الْحَدِيثِ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ) (٩) أَيْ يَسْتَنْصِرُ.

стр. 265

قوله: "كِتَابُ يَزِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ (١) " (٢). ط: "قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُكْنَى أَبَا خَالِدٍ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالنَّاقِصِ لِأَنَّهُ نَقَصَ الْجُنْدَ أُعْطِيَاتِهِمْ عِنْدَ وِلَايَتِهِ (٣). وَقِيلَ: لَقَّبَهُ بِذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ (٤) الْمَعْرُوفِ بِالْجَعْدِيِّ وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ يَزيدُ بِمَا حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَمَرْوَانُ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ بِالْمَشْرِقِ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَأُمُّهُ لَوْعَةٌ سُرِّيَّةٌ مِنَ الْكُرْدِ (٥). وَقِيلَ: بَلْ أُمُّهُ رَيَّا، جارِيَةٌ كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ (٦) فَصَارَتْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ (٧) يَوْمَ قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَلَدَتْ عَلَى فِرَاشِ مُحَمَّد بْنِ مَرْوَانَ، وَقُتِلَ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ سِنِينَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لُقِّبَ يَزِيدُ النَّاقِصَ لِفَرْطِ كَمَالِهِ كَمَا يُقَالُ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو

стр. 266

الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَعْمَى: بَصِيرٌ (١)، وَكَذَا قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ (٢). وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَلَيْلَتَيْنِ، وَأُمُّهُ أَعْجَمِيَّةٌ وَهِيَ شَاهَفْرَيْدُ (٣) بِنْتُ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجَرْدَ، وَهِيَ أَوَّلُ سُرِّيَّةٍ وَلَدَتْ مَلِكًا فِي الْإِسْلَام وَهُوَ الْقَائِلُ: (رجز) أَنَا ابْنُ كِسَرَى وَبُنَيُّ مَرْوَانُ … وَقَيْصَرُ جَدِّي وَجَدِّي خَاقَانْ (٤) وَمَعْنَى شَاهَفْرَيْدَ بِالْفَارِسِيَّةِ: سَيِّدَةُ الْبَنَاتِ" (٥). وَالتَّلكُؤُ (٦): الْإِبْطاءُ وَالتَّأخُّرُ. وقوله: "وَسُكُونِ الطَّائِرِ" (٧). ط: "الطَّائِرُ يُسْتَعْمَلُ فِي كَلَام الْعَرَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلْوَقَارِ وَالرَّكَانَةِ، يُرَادُ أَنَّهُ لِشِدَّةِ وَقَارِهِ لَوْ نَزَلَ عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ لَمْ يَطِرْ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَاهُنا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَضْرُوبًا لِلذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ يُرَادُ أَنَّهُ لِذُلِّهِ لَا يَتَحَرَّكُ وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ: (وافر) إِذَا نَزَلَتْ بَنُو تَيْمٍ عُكَاظًا … رَأَيْتَ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الْغُرَابَا (٨)

стр. 267

أَمَّا قَوْلُ جَوَّاسٍ الضَّبِيِّ (١): (طويل) كَأَنَّ خُرُوءَ الطَّيْرِ فَوْقَ رُؤْسِهِمْ … إِذَا اجْتَمَعَتْ قَيْسٌ مَعًا وَتَمِيمُ (٢) فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ الْمُبَرَّدُ: يَصِفُ قَوْمًا قُرْعًا شَبَّهَ بَيَاضَ قُرْعِهِمْ بِخُرْءِ الطَّيْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُرِيدُ الذُّلَّ وَالْخُضُوعَ، كَمَا قَالَ الآخَرُ: (طويل) أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسِهِ … لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ (٣) " (٤) وقوله: "وَخَفْضِ الْجَنَاحِ" (٥). ط: "هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلِينِ الْجَانِبِ وَالتَّعَطُّفِ وَالْإِشْفَاقِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الطَّائِرَ يَضَعُ جَنَاحَيْهِ عَلَى فِرَاخِهِ وَيَخْفِضُهُمَا عَلَيْهَا، قَالَ اللهُ : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٦) وَلِذَلِكَ قَالُوا: فُلَانٌ مُوَطَّأُ الْأَكْنَافِ. وَقَدْ يُضْرَبُ الْجَنَاحُ مَثَلًا فِي الْعَوْنِ عَلَى الْأُمُورِ كَمَا قَالَ مِسْكِينُ الدَّارِمِيُّ: (طويل): وَإِنَّ ابْنَ عَمِّ الْمَرْءِ فَاعْلَمْ جَنَاحُهُ … وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِي بِغَيْرِ جَنَاحِ (٧) وَالْمَجْدُ" (٨): الشَّرَفُ، وَذِرْوَتُهُ: أَعْلَاهُ، وَكَذَلِكَ ذِرْوَةُ كُلِّ شَيْءٍ، ويُقَالُ: ذِرْوَةٌ وَذُرْوَةٌ، وَالْجَمْعُ ذُرًى فِي اللَّغَتَيْنِ. وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ قُتَيْبَةَ "فِي ذُرًى" بِالْجَمْعِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: "فِي ذروة المجد".

стр. 268

وقوله: "الْحَاوِي قَصَبَ السَّبْقِ" (١). ط: "هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلتَّقَدُّم وَالتَّبْرِيزِ عَلَى الْأَكْفَاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَسَابَقُوا إِلَى غَايَةٍ وَخَاطَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَضَعُوا الْخَطَرَ عَلَى رَأْسِ قَصَبَةٍ أَوْ فِي جَوْفِهَا وَرَكَّزُوهَا فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَتَجَاوَزُونَ إِلَيْهَا، فَمَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا أَخَذَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ غُولِبَ فَغَلَبَ. وَالسَّبْقُ: بِسُكُونِ الْبَاءِ الْمَصْدَرُ، وَالسَّبَقُ بِفَتْحِهَا: الْخَطَرُ بِعَيْنِهِ. قَالَ رُؤْبَةُ: (رجز) تَضْمِيرُكَ السَّابِقَ يُطْوَى لِلسَّبَق (٢) " (٣) ع: كَانُوا يَجْعَلُونَ ثَلَاثَ قَصَبَاتٍ يُجْعَلُ عَلَى الْقَصَبَةِ الْأُولَى خَطَرٌ مَا، فَمَنْ لَحِقَهُ بِفَرَسِهِ أَوَّلًا أَخَذَهُ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، فَالَّذِي يَجْمَعُهَا كُلَّهَا فَقَدْ حَوَى قَصَبَ السَّبْقِ ثُمَّ ضُرِبَ مَثَلًا فِيمَنْ حَوَى الْكَمَالَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

стр. 269

باب ما يضعه الناس في غير موضعه ط: "الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَوَاضِعُ غَلَطٍ أُنَبِّهُ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي: أَشْيَاءٌ اضْطَرَبَ فِيهَا كَلَامُهُ فَأَجَازَ فِي مَوْضِعٍ مَا مَنَعَ فِي آخَرٍ. وَالثَّالِثُ: أَشْيَاءٌ جَعَلَهَا مِنْ لَحْنِ الْعَامَّةِ وَخَطَئِهِمْ وَعَوَّلَ فِيهَا عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَأَجَازَهَا غَيْرُ الْأَصْمَعِيِّ كَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ (١) وَيُونُسَ (٢) وَأَبِي زَيْدٍ (٣) وَغَيْرِهِمْ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: هَذَا هُوَ الْمَخْتَارُ أَوِ الْأَفَصَحُ أوْ: قَوْلُ فَلَانٍ، وَلَا يَحْجُرُ شَيْئًا جَائِزًا مِنْ أَجْلِ إنْكَارِ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ لَهُ. وَالرَّابِعُ: مَوَاضِعُ وَقَعَتْ غَلَطًا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ الْمَنْقُولَةِ إِلَيْنَا فَلَا أَعْلَمُ أَهِيَ غَلَطٌ مِنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَمْ غَلَطٌ مِنَ النَّاقِلِينَ عَنْهُ" (٤). ع: قوله: "عَلَى مَا بَيَّنْتُ لَكَ فِي بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ" (٥) هَذَا

стр. 270

الْبَابُ فِي كِتَابِ "الْمُشْكَلِ" (١) لَا فِي "الْأَدَبِ". ع: الْحُمَةُ (٢): جَمْعُهَا حُمَاتٌ وَحُمَّى وَهِيَ السُّمُّ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ حَمِيَ الشَّيْءُ فِي النَّارِ: إِذَا الْتَهَبَ. وَكَذَلِكَ حَمِي الرَّجُلُ: إِذَا غَضِبَ، كَأَنَّهُ حَمِيَ مِزَاجُهُ أَي الْتَهَبَ. وَحَكَى الْمُطَرِّزُ فِي كِتَابِ "الْيَوَاقِيتِ" فِي الْحُمَةِ التَّخْفِيفَ وَالتَّثْقِيلَ. وَالضَّرُّ بِالْفَتْح، ضِدُّ النَّفْعِ، وَبِالضَّمِّ: الْبُؤْسُ. وَقَالَ أَبُو عَلِي: يُقَالُ: الْتِّرْيَاقُ، وَالدِّرْيَاقُ أَفْصَحُ، وَحُكِي الطَّرْيَاقُ وَالدِّرَاقُ وَلَيْسَا بِشَيْءٍ. قوله: "وَمِنْهُ قَوْلُهُ" (٣): يَعْنِي "ابْنَ سِيرِينَ". قال في "غريب الحديث": "هَذَا يَرْوِيْهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٤) عَنْ مَعْمَرٍ (٥) عَنْ أَيُّوبٍ (٦) " (٧). وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبنْتِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ (٨): (عَلِّمِي

стр. 271

حَفْصَةَ (١) رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ) (٢). قوله: "وَالْحُمَةُ: كُلُّ هَامَّةٍ ذَاتُ سُمِّ" (٣). كَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ: لِكُلِّ هَامَّةٍ بِزِيَادَةِ اللَّام عَلَى هَذَا اللفظ أَصْلَحَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَدْ يَخْرُجُ كَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ عَلَى أَنْ يُرِيدَ بِالْحُمَةِ ذَاتَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَأَجْسَامَهَا لَا نَفْسَ الْمِزَاجِ السُّمِّيِّ. قوله: (طويل) وَلَا عَيْبَ فِينَا (٤) ط: "هَذَا الْبَيْتُ لَا أَعْلَمُ قَائِلَهُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: "نَخُطُّ" بِالْخَاءِ مُعْجَمَةَ وَ"نَحُطُّ" بِالْحَاءِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَرَادَ بِالنَّمْلِ الْقُرُوحَ، يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ كَانَ أَخْوَالُهُ مَجُوسًا. كَذَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابٍ "الْمَعَانِي" وَأَنْشَدَهُ: وَلا عَيْبَ إِلَّا نَزْعُ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ (٥) وَمَنْ رَوَى "نَحُطُّ" فَيَكُونُ مَعْنَاهُ كَالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَطَطْتُ الْأَدِيمَ إِذَا دَلَكْتَهُ وَنَقَشْتَهُ" (٦). وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: نَحْفِرُ بُيُوتَ النَّمْلِ وَنَسْتَخْرِجُ مَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ مَهَانَةً

стр. 272

وَخَسَاسَةً مِنْ قَوْلِهِمْ: حَطَّتِ النَّاقَّةُ فِي سَيْرِهَا حَطُّا، إِذَا ضَرَبَتْ بِقَوَائِمِهَا الْأَرْضَ فَحَفَرَتْهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا نَحُطُّ رِحَالَنَا عَلَى جِحَرَةِ النَّمْلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَنْكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: "يَقُولُ نَحْنُ كِرَامٌ فَلَا نَأْتِي بُيُوتَ النَّمْلِ فِي الْجَدْبِ لِنَحْفِرَ عَلَى مَا جُمِعَ فِيهَا فَتَأْكُلَهُ". ع: قَوْلُهُ: نَخُطُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ نَكْتُبُ عَلَيْهَا شَكْلَ خَوَاتِمِ سُلَيْمَانَ ﵇. وَالْعِرْقُ (١): الْأَصْلُ شُبِّة بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ. ط: "وَمَنْ نَصَبَ "غَيْرَ" جَعَلَهُ مَرْدُودًا عَلَى مَوْضِعِ الاسْمِ الْمَنْصُوبِ بِالتَّبْرِيَةِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ: مَا فِي فُلَانٍ عَيْبٌ إِلَّا السَّخَاءُ، وَالْمَعْنَى: لَا عَيْبَ فِيهِ الْبَتَّةَ. وَأَصْحَابُ الْمَعَانِي وَالنَّقْدِ يَجْعَلُونَ هَذَا الْاسْتِثْنَاءِ مِنْ مَحَاسِنِ الشِّعْرِ وَبَدِيعِهِ كَالطَّبَاقِ وَالتَّجْنِيسِ وَالتَّصْدِيرِ وَالتَّرْصِيعِ وَنَحْوِهَا، وَالْأَصْلُ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ هَذَا الاسْتِثْنَاءَ أَنَّ اللَّئْيِمَ الطَّبْعِ يَعْتَقِدُ السَّخَاءَ تَبْذِيرًا وَالشَّجَاعَةَ هَوَجًا وَالْحِلْمَ ذُلًّا فَيَرى الصَّوَابَ فِي أَضْدَادِهَا. وَحَرْفُ الْجَرِّ في آخِرِ الْبَيْتِ مُتَعَلِّقٌ بِـ"نَخُطُّ" وَهُوَ ظَاهِرٌ فَلَا مَوْضِعَ لَهُ وَ"فِي" أَوَّلِ الْبَيْتِ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ التَّبْرِيَةِ الْمُقَدَّرِ فَلَهُ مَوْضِعٌ لِتَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ. وَمَنْ رَفَعَ "غَيْرَ" جَازَ أَنْ يَرْفَعَهُ عَلَى خَبَرِ التَّبْرِيَةِ وَتَكُونُ "فِينَا" فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ"عَيْبٍ". وَجَازَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ صِفَةَ لِـ"عَيْبٍ" عَلَى الْمَوْضِع أوْ بَدَلًا وَيَكُونَ خَبَرُ التَّبْرِيَةِ فِي الْمَجْرُورِ. وقوله: "وَأَنَّا لَا نَخُطُّ": جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: "عِرْقٍ"، كَأَنَّهُ قَالَ: "غَيْرُ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ كِرَامٍ وَامْتِنَاعٍ مِنَ الْخَطِّ عَلَى النَّمْلِ، وَيَجُوزُ

стр. 273

أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: غَيْرَ عِرْقٍ فَمَعْنَاهُ: إِلَّا عِرْقًا. وَمَنْ رَفَعَ "غَيْرُ" أَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: "غَيْرُ عِرْقٍ" فَرَفَعَ غَيْرَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا عِرْقٌ" (١). وقوله: "يُرِيدُ أَنَّا لَسْنَا بِمَجُوسٍ" (٢). يُقَالُ: إِنَّ وَلَدَ الرَّجُل مِنْ أُخْتِهِ إِذَا خَطَّ عَلَى النَّمْلَةِ بَرَأَ صَاحِبُهَا. ع: وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرَ بْنِ قُتَيْبَةَ: "بِمَجُوسَ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وَعَنْ غَيْرِهِ بِالصَّرْفِ، وَمَجُوسُ اسْمٌ لِجَمَاعَةِ الْقَبِيلَةِ مُؤَنَّثٌ لَا يَنْصَرِفُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِاجْتِمَاع التَّعْرِيفِ وَالتَّأْنِيثِ وَكَذَلِكَ يَهُودُ، وَقَدْ يَأْتِيَانِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَاَ جَمْعًا لِيَهُودِيِّ وَمَجُوسِيِّ فَيَكُونَانِ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ يَاءُ النَّسَبِ كقولك: زِنْجِيٌّ وَزِنْجٌ، فَيَكُونَانِ مَصْرُوفَيْنِ وَهُمَا نَكِرَتَانِ تَدْخُلُهُمَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ. وَالْهَامَّةُ: بِالتَّشْدِيدِ وَاحِدَةُ الْهَوَامِ، مِنْ هَمَّ: إِذَا دَبَّ. وَبِالتَّخْفِيفِ: الرَّأْسُ وَالطَّائِرُ، وَجَمْعُهَا: هَامَاتٌ وَهَامٌ وأَنشد: (رمل) وَأَرَانِي طَرِبُا (٣) البيت ط: "هُوَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ (٤) وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: اسْمُهُ حَيَّانُ بْنُ قَيْسٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَعْدَةَ وَيُكْنَى أَبَا لَيْلَى،

стр. 274

يَقُولُهُ فِي شِعْرٍ يَذْكُرُ فِيهِ مَقْتَلَ عُثْمَانُ ﵁ (١) وَيَوْمَ الْجَمَلِ (٢) وَيَوْمَ صِفِّينَ (٣)، وَأَنْشَدَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الطَّرَبِ يَكُونُ فِي الْجَزَعِ كَمَا يَكُونُ فِي السُّرُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "طَرَبَ الْوَالِهِ"، وَالْوَالِهُ: الذَّاهِبُ العَقْلِ لِفَقْدِ حَبِيبٍ، وَالْمُخْتَبَلُ: الَّذِي قُطِعَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ. قَالَ يَعْقُوبُ: "يُقَالُ: بَنُو فُلانٍ يُطَالِبُونَ بَنِي فَلَانٍ بِدِمَاءٍ وَخَبُولٍ أَي بِقَطْعِ أَيْدٍ وَأَرْجُلٍ" (٤). وَقَدْ يَكُونُ الْمُخْتَبَلُ الْفَاسِدَ الْعَقْلِ وَهُوَ نَحْوٌ مِنَ الْوَالِهِ. وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَقَبْلَ الْبَيْتِ: سَأَلَتْنِي جَارَتِي عَنْ أُمَّتِي … وَإِذَا مَا عَيَّ ذُو اللُّبِّ سَأَلْ سَأَلَتْنِي عَنْ أُنَاسٍ هَلَكُوا … شَرِبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِمْ وَأَكَلْ (٥) وقوله: "أَرَاني" (٦). يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعِلْمِ فَيَكُونُ "طَربًا" مَعْقُولًا ثَابِتًا. وَأَنْ يَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، فَيَكُونُ حَالًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُرَى بِالْقَلْبِ وَالْعَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ لِقَوْلِهِ: أَرَانِي، فَعَدَّى فِعْلَ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ وَهُنَا جَمِيعًا لِلْمُتَكَلِّمِ.

стр. 275

وَلَا يُجِيزُ سِيبَوَيْهُ وَأَصْحَابُهُ تَعَدِّي فِعْلِ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى نَفْسِهِ إِلَّا فِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ: ظَنَنتُني خَارِجًا، وَحَسِبْتُكَ مُنْطَلِقًا، وَلَا يُجِيزُ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، فَلَا تَقُولُ: ضَرَبْتُنِي، إِنَّمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ نَفْسِي، وَلَا تَقُولُ لِلْمُخَاطَب: ضَرَبْتَكَ، إِنَّمَا تَقُولُ: ضَرَبْتَ نَفْسَكَ (١). وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ إِلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ، قَالُوا: فَقَدْتُنِي، وَعَدِمْتُنِي، وَرَأَيْتُنِي، قَالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ (٢): (طويل) نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي فَقَدْتُنِي … كَمَا يَنْدَمُ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ (٣) وقال عَنْتَرَةُ: (كامل والقافية من المتدارك) فَرَأَيْتُنَا مَا بَيْنَنَا مِنْ حَاجِزٍ … إِلَّا الْمِجَنُّ وَنَصْلُ أَبْيَضَ مِقْصَلِ (٤) وَاسْتَعْمَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ: (متقارب) يَرَى حَدُّهُ غَامِضَاتِ الْقُلُوبِ … إِذَا كُنْتُ فِي هَبْوَةٍ لَا أَرَانِي (٥) وَقَوْلُهُ: "طَرَبَ الْوَالِهِ". مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ، أَرَادَ مِثْلَ طَرَبٍ الْوَالِهِ فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَأَقَامَ صِفَتَهُ مَقَامَهُ ثُمَّ حَذَفَ الصِّفَةَ وَأَنَابَ الْمُضَافَ إِلَيْهَا مَنَابَهَا وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ الْأَمِيرِ اللِّصَّ.

стр. 276

وَ"الْوَالِهُ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالطَّرَبِ، كَأَنَّهُ قَالَ: "كَمَا يَطْرَبُ الْوَالِهِ" (١). ع: يُقَالُ: طَرَبَ الرَّجُلُ إِذَا خَفَّ لِفَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ، وَطَرَبَتِ الْإِبِلُ لِلْحُدَاءِ. وَلَمْ يَأْتِ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِشَاهِدٍ فِي الطَّرَبِ بِمَعْنَى الْخِفَّةِ فِي الْفَرَحِ. وَأَنْشَدَ فِيهِ ابْنُ الْأَنْبَارِي فِي "الزَّاهِرِ" لِابْنِ الدُّمَيْنَةِ (٢): (طويل) فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِذَا أَنْتَ لَمْ تَزُرْ … حَبِيبًا وَلَمْ يَطْرَبْ إِلَيْكَ حَبِيبُ (٣) أَيْ لَمْ يَخِفَّ، وَأَنْشَدَ: (وافر) يَقُلْنَ لَقَدْ بَكَيْتَ (٤) البيت ط: "يُرْوَى لِبَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ (٥) وَيُرْوَى لِعُرْوَةَ بْن أُذَيْنَةَ الْفَقِيهِ (٦)، وَرَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ: "يَقُلْنَ"، وَالصَّوَابُ: "فَقُلْنَ" لِأَنَّ قَبْلَهُ: (وافر) كَتَمْتُ عَوَاذِلِي مَا فِي فُؤَادِي … وَقُلْتُ لَهُنَّ لَيْتَهُمُ بَعِيدُ

стр. 277

فَجَالَتْ عَبْرَةٌ أَشْفَقْتُ مِنْهَا … تَسِيلُ كَأَنَّ وَابِلَهَا فَرِيدُ (١) " (٢) وَأَنْشَدَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي "النوادِرِ": "فَقَالُوا" بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِأَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى "الْعَوَاذِلِ" وَالْمُرَادُ بِهِنَّ النِّسَاءُ لِأَنَّ "فَوَاعِلَ" جَمْعُ فَاعِلَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْعَوَاذِلِ الْعُذَّلَ ضَرُورَةً كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ: (كامل) وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهُمْ … خُضَعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَبْصَارِ (٣) فَيُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: "وَقُلْتُ لَهُنَّ" يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدِي عَلَى أَنْ يَكُونَ انْصَرَفَ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُؤَنَّثِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُذَكَّرِ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: (وافر) فَقَالُوا مَا لِدَمْعِهِمَا سَوَاءٌ … أَكِلْتَيْ مُقْلَتَيْكَ أَصَابَ عُودُ (٤) فَهَذَا الضَّمِيرُ لَا يَصِحُّ فِيهِ إِلَّا التَّذْكِيرُ عَلى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ رُوِيَ: "فَقُلْنَ نَرَى دُمُوعَهُمَا سَوَاءٍ" لَكَانَ أَجْوَدَ وَأَبْعَدَ مِنَ الْمُجازِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ رِوَايَةً ثانِيَةً غَيْرَ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ. وَ"كَلَّا" هُنَا كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الزَّجْرُ وَالرَّدْعُ، وَقِيلَ مَعْنَاهَا النَّفْيُ، أَيْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، وَلَا مَوْضِعَ "لِمَنْ" مِنَ الْإِعْرَابِ لِتَعَلُّقِهَا بِالظَّاهِرِ وَهُوَ: "يَبْكِي". أبُو عَلِيِّ: كَلَّا زَجْرٌ وَرَدْعٌ، وهَكَذَا قَالَ أَشْيَاخُنَا قَوْلَهُ: "مِنْ ذَلِكَ الْحِشْقَةُ" (٥) الكلام.

стр. 278

ط: "هَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ كَمَا ذُكِرَ عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورَ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْحِشْمَةَ تَكُونُ بِمَعْنَى الْاسْتِحْيَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ": "الْحِشْمَةُ: الْانْقِبَاضُ عَنْ أَخِيكَ فِي الْمَعْظِم وَطَلَبِ الْحَاجَةِ" (١)، تَقُولُ: احْتَشَمْتَ عَنِّي، وَمَا الَّذِي حَشَمَكَ وَأَحْشَمَكَ، وَقَدْ رَوَى فِي شِعْرٍ عَنْتَرَةَ: (كامل) وَأَرَى مَغَانِمَ لَوْ أَشَاءُ حَوَيْتُهَا … فَيَصُدُّنِي عَنْهَا كَثِيرُ تَحَشُّمِي (٢) وَقَالَ كُثَيِّرُ: (بسيط) إِنِّي إِذَا لَمْ يَكُنْ عَطَاؤُهُمَا عِنْدِي … بِمَا قَدْ فَعَلْتُ أَحْتَشِمُ (٣) وَقَالَ الطِّرِمَّاحُ: وَرَأَيْتُ الشَّرِيفَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ … وَضِيعًا وَقَلَّ مِنْهُ احْتِشَامِي (٤) وَقَدْ تَحْتَمِلُ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ فَلَا تَكُونُ فِيهَا حُجَّةٌ فَيَكُونَ "تَحَشُّمِي" فِي قَوْلِ عَنْتَرَةَ: أَنَفَتِي وَحَمِيَّتِي لِأَنَّ هِمَّتِي فِي الْمَسْلُوبِ لَا فِي السَّلَبِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: (بسيط) إِنَّ الْأُسُوَدَ أُسُودَ الْغَابِ هِمَّتُهَا … يَوْمَ الْكَرِيهَةِ فِي الْمَسْلُوبِ لَا السَّلَبِ (٥) وَيَكُونُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:"أَحْتَشِمُ" أَيْ أَغْضَبُ وَآنَفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَيَّ أَلَّا أُجَازِيهِمَا عَلَيْهِ وَيَكُونَ "قَلَّ مِنْهُ احْتِشَامِي" بِمَعْنَى قَلَّ مِنْهُ غَضَبِي وَأَنَفَتِي لأنَّ الشَّرِيفَ يَأْنَفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَاجِعًا لِلْخَسِيسِ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ: (بسيط) وَأَعْرِضْ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا (٦)

стр. 279

وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ لَا يَرَى الطِّرِمَّاحَ حُجَّةً (١). وَقَدِ اسْتَعْمَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الاِحْتِشَامَ بَمَعْنَى الاِسْتِحْيَاءِ، وَذَلِكَ أَحَدُ مَا رُدَّ عَلَيْهِ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ: (بسيط) ضَيْفٌ أَلَمْ بِرَأْسِي غَيْرَ مُحْتَشِمٍ … وَالسَّيْفُ أَحْسَنُ فِعْلًا مِنْهُ بِاللَّمَمِ (٢) " (٣) ع: حَكَى أَبو عَلِيٍّ أَنَّ الْحِشْمَةَ تَكُونُ بِمَعْنَى الْحَيَاءِ وَأَنْشَدَ خِلافًا لابْنِ قُتَيْبَةَ: (مجزوء البسيط) فِيَّ انْقِبَاضٌ وَحِشْمَةٌ فَإِذَا … لاقَيْتُ أَهْلَ الْوَفَاءِ وَالْكَرَم أَرْسَلْتُ نَفْسِي عَلَى سَجِيَّتِهَا … وَقُلْتُ مَا شِئْتُ غَيْرَ مُحْتَشِمِ (٤) وَيُقَالُ: حَشِمَ، يَحْشَمُ إِذَا غَضِبَ، وَحَشَمْتُهُ وَأَحْشَمْتُهُ: إِذَا أَغْضَبْتَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا سُمِّيَ حَشَمُ الرَّجُلِ حَشَمُا، وَهُمْ عِمَالُهُ وَقَرَابَتُهُ، مِنَ الْحَشَمِ وَهُوَ الْغَضَبُ لِأَنَّهُ يَغْضَبُ لَهُمْ وَيَحْرَبُ مِنْ دُونِهِمْ أَنْ يُنَالُوا بِمَكْرُوهٍ، وَيُقَالُ: حَشَمٌ وَأَحْشَامٌ فِي الْجَمِيعِ. وقوله: "يَذْهَبُونَ فِيهِ إِلَى مَعْنَى ظَنَنْتُ" (٥). ط: "حَكَى أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: زَكِنْتُ مِنْكَ مِثْلَ الَّذِي زَكِنْتَ مِنِّي، قَالَ: وَهُوَ الظَّنُّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَكَ كَالْيَقِينِ" (٦).

стр. 280

وَحَكَى صَاحِبُ "الْعَيْنِ" نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ (١). وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ تَرْجِعُ فِي النَّظَرِ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الظَّنَّ إِذَا قَوِيَ فِي النَّفْسِ وَكَثُرَتْ دَلَائِلُهُ عَلَى الْأَمْرِ الْمَظْنُونِ صَارَ كَالْعِلْمِ، وَلِأَجْلِ هَذَا اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ الظَّنَّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ (٢). وَقَالَ دُرَيْدٌ (٣): (طويل) فَقُلْتُ لَهُمْ ظَنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ (٤) وَلَا يُسْتَعْمَلُ الظَّنُّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ إِلَّا فِي الْأَشْيَاءِ الْغَائِبَةِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْحَوَاسِّ لَهَا، لَا يُقَالُ: ظَنَنْتُ الْحَائِطَ مَبْنِيًا وَأَنْتَ تُشَاهِدُهُ. وَأَنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (بسيط) وَلَنْ يُرَاجِعَ قَلْبِي (٥) وَهُوَ لِقَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صَاحِبٍ (٦) يَقُولُهُ فِي أَنَاسٍ مِنْ قَبِيلَتِهِ كَانُوا يُنَاصِبُونَهُ بِالْعَدَاوَةِ، وقبله: (بسيط)

стр. 281

مَهْلًا أَعَاذِلَ قَدْ جَرَّبْتُ مِنْ خُلُقِي … أَنِّي أَجُودُ لِأَقْوَامٍ وَإِنْ ضَنِنُوا (١) وَبَعْدَهُ: كُلٌّ يُدَاجِي عَلَى الْبَغْضَاءِ صَاحِبَهُ … وَلَنْ أُعَالِنَهُمْ إِلَّا كَمَا عَلَنُوا صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ … وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا (٢) وَيَجُوزُ فِي "وُدِّهِمُ" الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ لأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ فِعْلُ الْاِثْنَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا وَمَنْ رَاجَعَكَ فَقَدْ رَاجَعْتَهُ. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرَ بْنِ قُتَيْبَةَ. البيتَ: زَكِنْتُ مِنْهُم عَلَى مِثْلِ الَّذِي زَكِنُوا (٣) وقوله: "إِنَّمَا الْقَافِلَةُ: الرَّاجِعَةُ" (٤). ع: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ (٥): "لَمْ يَذْكُرْ مَا يُقَالُ لِلذَّاهِبَةِ، وَأَخْبَرَنِي نِفْطَوَيْهُ (٦) عَنْ ثَعْلَبٍ (٧) أَنَّهُ يُقَالُ لِلذَّاهِبَةِ: صَائِبَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى التَّفَوُّلِ لَهَا.

стр. 282

وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ لِلرُّفْقَةِ الْمُنْصَرِفَةِ: قَافِلَةٌ، وَيُقَالُ لِلسَّائِرَةِ: مُزْمِعَةٌ وَمُسْتَقِلَةٌ وَظَاعِنَةٌ وَمُقَوِّضَةٌ وصَائِبَةٌ أَي قَاصِدَةٌ، وَصَابَ: قَصَدَ، ويقال لَهَا: سَيَّارَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، ويُقَالُ: رُفْقَةٌ وَرِفْقَةٌ. وقوله: "يَجْتَمِعْنَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (١). ط: "حَكَى كُرَاعٌ (٢) وَابْنُ الْأَنْبَارِي عَنِ الطُّوسِيِّ (٣) أَنَّ الْمَأتَمَ يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ أَيْضًا وَأَنْشَدَ: (رجز) كَمَا تَرَى حَوْلَ الْأَمِيرِ الْمَأْتَمَا (٤) " (٥) ع: وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقٍ الْحَرْبِيُّ (٦): الْمَأْتَمُ كُلُّ مُجْتَمَعٍ لِلنِّسَاءِ مِنْ فَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى خَصُّوا بِهِ الْحُزْنَ. وَقَالَ التَّوَّزِيُّ وَالطُّوسِيُّ: يُقَالُ لِكُلِّ مُجْتَمِعٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ مَأْتَمٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ" نَحْوَهُ (٧)، قال العَجَّاجُ (٨): (رجز)

стр. 283

حَتَّى تَرَاهُنَّ لَدَيْهِ قُيَّمًا … كَمَا تَرَى حَوْلَ الْأَمِيرِ الْمَأْتَمَا (١) ع: الْمَأْتَمُ مَفْعَلٌ مِنَ الْأُتُومِ، يُقَالُ: أَتَمَ بِالْمَكَانِ أُتُومًا إِذَا أَقَامَ، وَالنِّسَاءُ: جَمْعُ نِسْوَةٍ وَكَذَلِكَ النِّسْوَانُ. وقوله: (طويل) "عَشِيَّةَ قَامَ النَّائِحَاتُ (٢) " ط: "هُوَ أَبُو عَطَاءٍ السِّنْدِيُّ (٣) وَاسْمُهُ مَرْزُوقٌ عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ حَبِيبٍ (٤) " (٥). وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: "اسْمُهُ أَفَلَحُ، يَرْثِي بِهَذَا الشِّعْرِ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيَّ" وَقَبْلَهُ: (طويل) أَلا إِنَّ عَيْنُا لَمْ تَجُدْ يَوْمَ وَاسِطٍ … عَلَيْكَ بِجَارِي دَمْعِهَا لَجَمُودُ (٦) فَنَصَبَ عَشِيَّةً عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: "يَوْمَ وَاسِطٍ"، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ قَامَ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْجُمْلَةِ الَّتِي أَضَافَ "الْعَشِيَّةَ" إِلَيْهَا، وَالْعَامِلُ فِيهِ "لَمْ تَجُدْ"، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ "لَمْ تَجُدْ" وَقَدْ حَالَ الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ

стр. 284

"لَجَمُودُ" بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ فِيهِ. وَلَوْ قُلْتَ إِنَّ الضَّارِبَ أَخُوكَ زَيْدًا أَوْ: إِنَّ خَارِجًا غَيْرُ مُصِيبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ الضَّارِبَ زَيْدًا أَخُوكَ، وَإِنْ خَارِجًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ مُصِيبٍ، فَالْجَوابُ أَنَّ الْعَشِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ يَوْمٍ، وَالْمُبْدَلُ يُقَدَّرُ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى وَيُقَدَّرُ مَعَهُ إِعَادَةُ الْعَامِلِ بِدَلِيلِ ظُهُورِهِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١) جَازَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجَازَ النَّحْوِيُونَ تَأْخِيرَ الصِّفَةِ بَعْدَ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ زَيْدًا خَارِجٌ الْكَرِيمَ، وَالصِّفَةُ أَشَدُّ اتِّصَالًا بِالْمَوْصُوفِ مِنَ الْبَدَلِ، وَأَجَازُوا ذَلِكَ فِي الْمَعْطُوفِ كَقَوْلِكَ: "إِنَّ زَيْدًا خَارِجٌ وَعَمْروًا وَعَمْرٌو، عَلَى اللَّفْظِ وَعَلَى الْمَوْضِعِ"، وَإِذَا جَازَ فِي الصِّفَةِ كَانَ فِي الْبَدَلِ أَجْوَزَ. وَأَنْشَدَ: (طويل) رَمَتْهُ أَنَاةٌ البيت (٢) وَهُوَ لِأَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ (٣)، وَاسْمُهُ الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ. وَمَعْنَى رَمَتْهُ: أَي قَتَلَتْهُ بِمَحَايِنهَا وَصَادَتْهُ بِعَيْنَيْهَا، فَكَأَنَّهَا رَمَتْهُ مِنْ أَلْحَاظِهَا بِسَهمٍ قَتَلَهُ، وَالشُّعَرَاءُ يُشَبِّهُونَ الْعُيُونَ بِالسِّهَامِ وَالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ. وَالْأَناةُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي فِيهَا فُتُورٌ عِنْدَ الْقِيَام لِثِقَلِ أَرْدَافِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَنَى وَهُوَ الْفُتُورُ. وَالْهَمْزَةُ فِيهَا بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَأَكْثَرُ مَا تُبْدَلُ مِنْهَا الْهَمْزَةُ

стр. 285

الْمَضْمُومَةُ وَالْمَكْسُورَةُ وَبَدَلُهَا مِنَ الْمَضْمُومَةِ أَكْثَرُ. وَقَوْلُهُ: "مِنْ رَبِيعَةِ عَامِرٍ" (١). فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الصِّفَةِ لِأَنَاةٍ، أَيْ كَائِنَةٌ مِنْ رَبِيعَةِ عَامِرٍ. وقوله: "فِي مَأْتَمٍ". يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأَنَاةِ أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْهَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا وُصِفَتْ قَرُبَتْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ فَجَازَتِ الْحالُ مَعَها وَحَسُنَتْ. وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ: (طويل) فَجَاءَتْ كَخُوطِ الْبَانِ لَا مُتَتَابِع … وَلَكِنْ بِسِيمَا ذِي وَقَارٍ وَمِيسَمِ فَقُلْنَ لَهَا سِرًّا فَدَيْنَاكِ لَا يَرُحْ … سَلِمًا وَإِنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَأَلْمِمِ فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ … بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٍّ وَمِعْصَمِ (٢) ع: نَؤُمٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِأَنَاةٍ، وَبِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "رَبِيعَةٍ"، وَبِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ "أَعْنِي". د: بَدَلُ نَؤُومٍ مِنْ رَبِيعَةٍ بَعِيدٌ، وَبَدَلُ الْهَمْزَةِ مِنَ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ شَاذٌّ. وقوله: "وَذَلِكَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ: فُلَانٌ يَسْأَلُ" (٣). ط: "هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الأَصْمِعَيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، وَقَدْ حَكَى أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِي وَذَكَرَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ (٤) عَنْ أَنَّهُ يُقَالُ: تَصَدَّقَ
следующие страницы →