Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وهو مطلق، والثانية بعد اعتبار تقييده فعامله متعدد معنى كما في رزقوا منها من ثمرة، وأفعل التفضيل فكأنه قيل كيف عدم الإيمان في حال الطمع المذكور، وهذه حال مترادفة، ولزوم الأولى لا يخرجها عن الترادف، وإذا كانت من فاعل نؤمن فهي متداخلة، وقيل معنى كلام المصنف رحمه الله تعالى أنها لو جعلت حالاً مستقلة، ولم يعتبر التقييد كان المآل مآلنا، ونطمع، ولا إنكار، ولا استبعاد للطمع بدون عدم للإيمان، وعبارة المصنف ﵀
تعالى نائية عنه فانها توجيه للعمل لا لصحة المعنى، وما ذكره لازم أيضاً لأنه إنما ينكر الحال الثانية بعد إنكار الأولى لأنها لازمة بل هي معتبرة من إجزاء الجملة الأولى كما مر، وقيل إنّ في صحة قولنا ما لنا، ونحن نفعل كذا بالواو الحالية نظراً بالنظر إلى الاستعمال، وأنّ الحالين على الأوّل لا متداخلتين، ولا مترادفتين لعدم صحة ذكر الثانية بدون الأولى، وعدم كونها حالاً عما هي حال عنه، ولتسم هاتين حالين متلاصقتين فالحالان المتعاقبتان ثلاثة أقسام اهـ يعني أنّ الحال الواقعة بعد ما لنا، وما بالنا لا يصح اقترانها بالواو لأنها لازمة، والإنكار منصب عليها، وبها تمام الفائدة كما ذكره النحاة، وعليه قوله:
مابال عينك منها الماءينسكب
وقد ذكر مثل هذا في سورة آل عمران حيث اعترض على قول الكشاف ما باله وهو آمن،
وهذا من فوائده التي تفرّد بها لكنها كلمة حق أريد بها باطل لأنه مسلم في الحال الأولى المتوقف عليها تمام الكلام، وأما إذا جاء بعدها حال أخرى فضلة فالسماع فيها خلاف ما ذكره والدراية تقتضيه كقول جرير:
ما بال وجهك بعد الحلم والدين وقد علاك مثيب حين لا حين
وكقول الآخر وقد أنشده ابن الأعرابي:
وقائلة ما باله لا يزورها وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل
وقد مر لنا كلام فيه في سورة آل عمران، وأما ما ذكره في تثليث الحال فقد علمت رده،
وكذا قوله ليست حالاً عما هي حال عنه لا وجه له. قوله: (اي عن اعتقاد من قولك الخ) في الكشاف بما تكلموا به عن اعتقاد، واخلاص من قولك هذا قول فلان أي اعتقاده، وما يذهب إليه، وقال النحرير: أوّل كلامه يشعر بأنّ القول حقيقة لكنه مقيد بأن يكون عن اعتقاد واخلاص، وآخره يشعر بأنه مجاز عن المذهب، والرأي والاعتقاد وبالجملة فالقصد إلى أنّ الإثابة ليست بمجرّد القول وأجيب بأن مراده أنه حقيقة لأنه الأصل وأنّ القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به المقارن للاعتقاد كما إذا قيل هذا قول فلان لأنّ القول إنما يصدر عن صاحبه لإفادة الاعتقاد، وعبارته أحسن، ولذا عدل عنها. قوله: (أحسنوا النظر والعمل الخ) الأول مخصوص، والثاني عام أو الأول نظر إلى إفادة الحدوث، وتقدير معمول والثاني إلى إلحاقه بالأسماء، وعدم تقدير متعلق، والآيات الأربع هي من قوله، وإذا سمعوا إلى هنا، وقوله: (روي أنها نزلت الخ) هو حديث أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والواحدي من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث
ابن هثام، وعروة بن الزبير ﵁ مرسلاً فلا وجه لقول العراقي في التخريج أنه لم يقف عليه، وانكاره له، وكذا ما بعده أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير. قوله: (عطف التكذيب بآيات الله الخ) المراد بالمصدقين من سبق ذكرهم لأنه تعالى أثابهم بما قالوه، وهو الصدق النافع فذكر هؤلاء بعدهم ليتم الوعد، والوعيد:
وبضدّها تتبين الأشياء
قوله: (أي ما طاب ولذ منه الخ الذا عطف تفسير لأنّ الطيب يستعمل في القرآن بمعنى الحلال، وبمعنى اللذيذ فأشار إلى أن المراد الثاني بقوله ما أحل الله، وتضمن ما قبله لما ذكر يفهم من مدحهم بأنهم رهبان، وجعل الحلال حراما لأنهم لا يقربون النساء، ولا يأكلون اللحوم، ويجعلونها محرمة عليهم ولا ينافيه أنه مدحهم بذلك لأنه كان في دينهم ممدوحا ورب ممدوح بالنسبة إلى قوم مذموم بالنسبة إلى آخرين فلا يرد عليه شيء كما توهم وجعل الاعتداء عبارة عن تحريم الحلال فيكون تأكيدا لقوله: ﴿لا تحرموا﴾ الخ، وفي التوجيه الثاني عن تحليل الحرام بعد النهي عن تحريم الحلال فهو تأسيس، وسيأتي جعله بمعنى النهي عن الإسراف في الحلال
стр. 1052
وقال النحرير إنه أشار في الكشاف إلى أربعة معان للاعتداء تجاورّ حد الشرع أو حد الاعتدال في الإنفاق أو الظلم على الإطلاق أو مقيداً بتحريم الطيبات. قوله: (ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا الخ) فالمعنى لا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام، وتحرموا ما أحل من قوله لا تحرموا طيبات الخ. وتحليل ما حرم الخ مستفاد من لا تعتدوا على هذا التفسير،
والمراد بتحليله تعاطيه أو اعتقاد حله وفيه تأمل. قوله: (داعبة إلى القصد) أي الاعتدال، وعدم الإسراف إشارة إلى درج المعنى الآخر في النظم. قوله: (روي أنّ رسول الله ﷺ الخ) هذا الحديث رواه ابن جرير والواحدي في أسباب النزول عن مجاهد وعكرمة والسدي، وله شاهد في الصحيحين من حديث وقع بمعناه ورقوا بمعنى رقت قلوبهم من خشية الله وهو ضد القسوة، وعثمان بن مظعون بظاء معجمة، وعين مهملة صحابيّ يكنى أبا السائب جمحيّ أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة، وقيل بعد اثنين، وعشرين شهراً منها، ودفن بالبقيع ﵁، وفي كلام بعضهم، والذي رواه المحدثون أنّ عثمان بن مظعون، وعليآ وأبا ذر ﵃ هموا بأن يختصوا ويقتتلوا فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك ونزل فيهم الآية الآتية: ﴿ليس على الذين آمنوا﴾ والذي ذكره منتزع من عدة أحاديث، وأصله في الصحيحين، والودك بفتح الواو، والدال المهملة، والكاف الشحم والمسوح جمع مسح، وهو اللباس أي الغليظ من الملابس، والسياحة في الأرض عدم التوطن، والقرار والمدّ أكبر جمع ذكر على خلاف القياس للفرق بينه، وبين جمع الذكر ضد الأنثى، وقيل لا واحد له كعباديد وتتمة الحديث بمعنى ما ورد فيه لا رهبانية في الدين. قوله: (كلوا ما حل لكم وطاب الخ) إشارة إلى أنه إذا كان مفعولآيكون صفة للمأكول كما هو الشائع فيه فهو بمعنى ما حل لا
بالمعنى المصدري وقوله تقدمت عليه لأنه نكرة إشارة إلى أنه كان صفة، وصفة النكرة، إذا تقدمت صارت حالاً فلا يرد عليه أنه نكرة موصوفة يصح مجيء الحال منها، ولا يلزم تقدمه كما قيل، وقوله، ويجوز أن تكون مفعولاً أي صفة مفعول قائمة مقامه أي شيئاً مما رزقكم، ويحتمل أنه نفسه مفعول بتأويل بعض، وهو تكلف أو صفة مصدر أي أكلاً، والآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال، والحرام إذ جعله تأكيداً خلاف الظاهر، وهو رد على المعتزلة وقوله: (وعلى الوجوه الخ) رد لما يوهمه كلام الكشاف من اختصاصه ببعضها. قوله: (هو ما يبدو من المرء بلا قصد الخ) أي ما يسبق إليه لسانه من غير نية اليمين هذا عند الشافعيّ ﵁، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لغو اليمين أن يحلف على أمر مضى يظنه كذلك فإن علمه على خلافه فهي غموس والأدلة على المذهبين مبسوطة في الفروع والأصول، وقيل على تعلق في أيمانكم بيؤاخذكم ففي للسببية كقوله إنّ امرأة دخلت النار في هرة، وقوله: أو حال منه أي من اللغو معطوف على صلة. قوله: (بما وثقتم الإيمان عليه الخ) يقتضي أنّ ما موصولة لتقدير العائد، وجعلها في الكشاف مصدرية قيل وهو أحسن لوقوعها في مقابلة اللغو، ولعدم الاحتياج إلى التقدير. قوله: (والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم الخ) المراد بالمؤاخذة المؤاخذة في الدنيا، وهي الإثم، والكفارة لأنّ فيها عقوبة لا في الآخرة حتى يرد أنّ المؤاخذة ليست في وقت الحنث فالوجيه هو الثاني، وتعقيد الإيمان شامل للغموس عند الشافعية، وفيه كفارة عندهم، وأما عندنا فلا كفارة، ولا حنث فيقدر إذا حنثتم فكأنّ التقديرين إشارة إلى المذهبين، وقراءة التخفيف ظاهرة، وقراءة عاقد فاعل فيها لأصل الفعل وكذا قراءة التشديد لأنّ القراآت يفسر بعضها بعضا أو المبالغة فيها باعتبار أنها باللسان، والقلب لا أنه للتكرار- اللساني كما توهم. قوله: (فكفارة نكثه أي الفعلة التي تذهب إثمه الخ) منهم من جعل هذا الضمير عائداً على الحنث المفهوم من السياق، ومنهم من جعله عائداً على ما الموصولة بتقدير مضاف أي نكثه، ومنهم من جعله عائداً على العقد الذي في ضمن الفعل بتقدير مضاف، وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى أنه قصد الثاني، ويحتمل غيره أيضا، وأما عوده على الإيمان لأنه
مفرد كالأنعام
стр. 1053
أو مؤول بمفرد فلا حاجة إليه، وما بني عليه سيأتي ما فيه، والفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل، وفسره به توجيها للتأنيث، وإشارة إلى أنه بالمعنى المصدري لقوله إطعام، وتذهب من الإذهاب، وقوله وتستره إشارة إلى أنّ معنى التكفير لغة الستر، والمراد به المحو لأنّ الممحوّ لا يرى كالمستور. قوله: (واستدلّ بظاهوه على جواز التكفير بالمال الخ) قيده بالمال ليخرج التكفير بالصوم فإنه لا يكون إلا بعد الحنث عندهم لأنه عند العجز عن غيره، والعجز لا يتحقق بدون حنث، وقيد بعض الشافعية جواز تقديم المال بما إذا لم يكن الحنث معصية، وأطلقه بعضهم، وهو الصحيح، وعليه المصنف رحمه الله تعالى، وقاسوه على تقديم الزكاة على الحول ووجه الاستدلال بظاهر الآية أنه جعل الكفارة عقب اليمين من غير ذكر الحنث وقال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [سورة المائدة، الآية: ٨٩] ونحن نقول إنّ الآية تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث، وهي غير واجبة قبل الحنث فثبت أنّ المراد بما عقدتم الإيمان وحنثتم فيها، وقد اتفقوا على أن معنى قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أخر﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٤ ا] فأفطر فعدة من أيام أخر فكذا هذا، وقوله على جواز التكفير إشارة إلى أنّ ما قدره أولاً من قوله إذا حنثتم قيد للوجوب، وكذا قوله كفارة نكثه فلا يقال إنه إذا كان التقدير ما ذكر كيف تكون الآية دليلا لهم فتأمّل. قوله. القوله ﷺ من حلف على يمين الخ) هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقيل عليه أن دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ ممنوعة، وبعد التسليم الواقع في حيز الفاء مجموع التكفير والإتيان، ولا دلالة على الترتيب بينهما ألا ترى أن قوله: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٩] الاية لا يقتضي تقديم السعي على ترك البيع بالاتفاق، وأيضا فقد روي هذا الحديث فليكفر عن يمينه، ثم ليأت بالذي هو خير وروي رواية أخرى: " فليأت الذي هو خير ثم ليكفر " ورجحنا هذه بالشهرة، وجعلنا كلمة، ثم في الأخرى بمعنى الواو، وفيه بحث لأن إثبات الشهرة لا يسمع بغير نقل، وهم يجمعون بين الروايتين بأنّ إحداهما لبيان الوجوب، والأخرى لبيان الجواز، وأيضأ تقديمها تارة، وتأخيرها أخرى يدلّ على أنهما سيان. قوله: (من أقصده في النوع أو القدر الخ) اقصد أفعل تفضيل من القصد وهو الاعتدال، وقوله، ونصف صاع عند الحنفية أي
من البرّ وصاع من الشعير، وقوله ومحله النصب أي ومحل الجار والمجرور، وهو من أوسط، وإطعام مصدر ينصب مفعولين الأوّل منهما ما أضيف إليه وهو عشرة، والثاني محذوف أقيمت صفته مقامه أي طعاماً أو قوتا أو هو مرفوع على أنه بدل من إطعام أو خبر مبتدأ محذوف أي طعامهم من أوسط، وقيل على البدلية إنّ أقسام البدل لا تتصوّو هنا، وأجيب بأنه بدلط كل من كل بتقدير موصوف أي إطعام من أوسطه نحو أعجبني قرى الأضياف قراهم من أحسن ما وجد. قوله: (وأهلون كأرضون الخ) أرضون بسكون الراء هنا، ويجوز فتحها يعني جمع مذكر سالم على خلاف القياس لأن قياس مفرده أن يكون علما أو صفة وهذا اسم جامد كأرض! ، والذي سوّغه أنه استعمل كثيراً بمعنى مستحق فأشبه الصفة. قوله: (وقرئ أهاليكم الخ (هذه قراءة جعفر الصادق، وكان القياس فتح الياء لخفة الفتحة لكنه شبه الياء بالألف فقدر إعرابها، ولم يمثله كما في الكشاف بمعدي كرب لأنه نقل بالتركيب فخفف إلا أن يقال إن صيغته ثقيلة فأشبهت المركب، وهو إما جهح أهل على خلاف القياس كليال في جمع ليلة، وقال ابن جني واحدهما ليلاة وأهلاة قالوا، وهو يحتمل لئن يكون مراده أنّ له مفرداً مقدّرا هو هذا ويحتمل أنه سماع من العرب فيه، ومن قال إنه اسم جمع أراد به الجمع على خلاف القياس كما سيأتي. قوله: (عطف على إطعام أو من اوسط إن جعل بدلاً الغ) قيل وجهه أن يكون من أوسط بدلاً من الإطعام، والبدل هو المقصود، ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحي فكأنه قيل فكفارته من أوسط ما تطعمون، وإعترض بأنّ العطف على البدل في موقع البدل ضرورة، وابدال كسوة منه لا يكون إلا غلطا، وهو لا يقع في التنزيل، وأجيب بالمنع بل قد ورد على ما سبق من أنه قد يعطف على البدل؟ ويكون المقصود الانتساب إلى ما انتسب إليه المبدل منه بجعله في حكم المنحي، وقد يجاب
стр. 1054
بأنه على طريقة:
علفتها تينا وماء باردا
والتقدير إطعام من أوسط ما تطعمون أو إلباس من كسوتهم وردّ بأنه حيئذ يكون عطفا
على المبدل منه لا البدل مع ما فيه من تغيير الكلام، والجواب أنّ المراد أنه بالنظر إلى ظاهر اللفظ عطف على البدل فإن قيل هنا وجه آخر، وهو عطفه على إطعام وجعل من أوسط صفة إطعام على ما هو الظاهر أو صفة مصدر محذوف أي إطعاما من أوسط أو مفعولاً به أي طعاماً من أوسط فما الباعث على هذا الوجه المتعسف أجيب بأنه اختار ذلك لتكون الكفارة فيما
يتعلق بالمساكين متلائمة إذ الكسوة اسم للثوب فيناسب أن يعتبر في جانب الإطعام المطعوم بخلاف الإعتاق فإنه جن! واحد فليكن باسم المعنى، وهو التحرير، ومن حاول رد الكل إلى نهج واحد ذهب إلى أنّ التقدير إطعام أو إلباس كسوة.
(أقول) ما ذكره مناف لما قرّره الأئمة وسلموه، ومثله لا يسمع، ثم إنه كيف يكون بدل
غلط، وهو يتوقف على كون الأوّل غير مراد معناه قطعاً، وهذا لا يصملح هنا لأنّ كلاً منهما مقصود، وكيف يعطف بدل غلط على غيره، ثم إنه كيف يتأتى ما ذكره من التناسب، وهو على البدلية صفة إطعام مقدّر فلا يخفى ما في كلامه من الاختلال فلا يعطف عليه إلا إذا قطع عما قبله وكان خبر مبتدأ محذوف، والمناسبة المذكورة لا يتكلف لأجلها مثل هذه التكلفات فلا وجه للتقليد فتأمّل، وأما بدل الاشتمال الذي ادعاه بعضهم فمما لا شبهة في عدم صحته. قوله: (وهو ثوب ينطي العورة الخ) تفسير للكسوة تبع فيه الزمخشريّ، وأورد عليه أنه مخالف لمذهبه فانها عندهم ما يسمى كسوة قميص أو إزار أو منديل أو مقنعة، والقدوة بالضم، والكسر من يقتدى به، والاقتداء نفسه كالكسوة فمانها مصدر واسم المكسوّ أيضا فالمناسبة بينها، وبين الإطعام حاصلة من غير التكلف السابق، وقوله: (جامع قميص الخ) كلامه ظاهر في أنّ كل واحد منها كاف وهو يخالف قول الكشاف، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إزار أو قميص! أو رداء أو كساء، وعن مجاهد ثوب جامع، وهو ما يستر البدن على ما هو المتعارف، وجامع منون ما بعده بدل منه أو مضاف، والأوّل أولى. قوله: (أو كسوتهم) بكاف الجر الداخلة على أسوة بضم الهمزة وكرها أيضاً، وهي كما قال الراغب الحال التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنا، وان قيحاً، وهو من الأسى وهو الحزن، وهو الإزالة نحو كربت النخل أزلت كربه وهذا أسوة هذا أي مثله فالكاف على هذه القراءة زائدة، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى كمثل ما تطعمون، وهذه قراءة سعيد بن جبير، وابن السميفع وهي شاذة، وهمزته بدل من واو لأنه من المؤاساة واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى، وقوله والكاف في محل الرفع الخ ظاهر كلامه أنه خبر مبتدأ محذوف، ويحتمل أنه بيان للمعنى، ولذا قيل إنه ليس بمستقيم والأولى طعام كاسوتهم على الوصف فهو عطف أيضاً على من أوسط، وعلى هذه القراءة يكون التخيير بين الإطعام التحرير فقط وتكون الكسوة ثابتة بالسنة، وقيل إنها لنفي الكسوة، وفيه نظر، وقال السفاقسي قدر أبو البقاء أي مثل أسبوة أهليكم في الكسوة فلا تكون الآية عارية من الكسوة، وفيه نظر لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه، وجوّز فيها النصب أيضا
على أحد الوجوه في إعراب من أوسط وجعله معطوفاً عليه، وشرط الشافعيّ رضي الله تعالى عنه في المعتق الإيمان، ودليله، والجواب عنه مفصل في محله. قوله: (ومعنى أو إيجاب إحدى الخصال الثلاث الخ) اختيار للمذهب المختار في الواجب المخير، وهو أنّ الواجب أحد الأمور لا على التعيين لا ما نسب إلى بعض المعتزلة أنّ الواجب الجمع، ويسقط بواحد وبعضهم الواجب معين عند الله وهو ما يفعله المكلف فيختلف بالنسبة إلى المكلفين وبعضهم أن الواجب واحد معين لا يختلف لكن يسقط به، وبالآخر وتفاوتها فدراً وتوابأ لا ينافي التخيير المفوض! تفاوته إلى الهمم، وقصد زيادة الثواب فإنّ الكسوة أعظم من الإطعام، والتحرير أعظم منها.
(وهاهنا بحث) وهو أنّ أو لأحد الشيئين أو الأشياء، وإنما تفيد التخيير بعد الطلب فقوله: كفارته إطعام خبر لفظاً طلب معنى لأنّ المقصود منه إيجاب ذلك، وحينئذ كيف تكون الفاء لتعقيبه إذ لو كان كذلك لاقتضى وجوبه قبل الحنث، ولا قائل به فإن قيل يقدر له تيد كما مرّ، لم يبق له دلالة على ما ذكروه فتأمّل، وقوله: واحدا
стр. 1055
منها لما مز من أنّ أو للتخيير. قوله: (والشواذ ليست بحجة عندنا الخ) تال في الأحكام قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومجاهد، وإبراهيم وتتادة هن متتابعات لا يجزي فيها التفريق فثبت التتابع بقول هؤلاء، ولم يثبت بالتلاوة لجواز أن تكون التلاوة منسوخة والحكم ثابتاً، وهو قول أصحابنا، وقالوا أيضا إنّ قراءته كروايته، وهي مشهورة فيزاد بها على القطعي فما ذكروه غير مسلم عندنا وقوله وحنثتم مرّ تفصيله. قوله: (بأن تضنوا بها ولا تبذلوها الخ) أصل معنى الضنة البخل، والمراد عدم البذل وللسلف في الحفظ هنا تفاسير فقال قوم معناه احفظوا أنفسكم عن الحنث فيها، وإن لم يكن الحنث معصية وقال آخرون معناه أقلوا من الإيمان لقوله تعالى، ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ ، وعليه قول الشاعر:
قليل الألاياحافظ ليمينه إذا بدرت منه الألية برّت
وقال توم راعوها لكي تودّوا الكفارة إذا حنثتم فيها لأنّ حفظ الشيء رعايته قالوا وهذا هو الصحيح أتا الأوّل فلا معنى له لأنه غير منهي عن الحنث إذا لم يكن الفعل معصية وقد قال ﷺ : " فليأت الذي هو خير وليكفر " كما مرّ وقال تعالى: ﴿قد فرض! الله لكم تحلة
أيمانكم﴾ إسورة التحريم، الآية: ٢] فثبت أنه غير منهيّ عن الحنث إذا لم يكن معصية فلا يجوز أن يكون احفظوا أيمانكم نهيا عن الحنث، وأما القول بأنه نهى عن الحلف فساقط واه لأنه كيف يكون الأمر بحفظ اليمين نهياً عن اليمين، وهل هو إلا كقولك احفظ المال بمعنى لا تكسبه، وأما البيت فلا شاهد فيه لأن معنى حافظ ليمينه إنه مراع لها بأداء الكفارة، ولو كان معناه ما ذكر لكان مكرّرا مع ما قبله، والى هذه الأقوال أشار المصنف رحمه الله تعالى، وفي الكشاف معنى آخر وهو أنّ المراد احفظوها، ولا تنسوا كيف حلفتم بها. قوله: (أي مثل ذلك البيان) يعني أنه إشارة إلى مصدر الفعل المذكور، وقد مرّ تحقيقه في البقرة في قوله: ﴿وكلك جعلناكم أمّة وسطا﴾ [سررة البقرة، الآية: ١٤٣] فتذكره، وقوله نعمة التعليم قدره مفعولاً بقرينة ما قبله، وقوله: أو نعمه جمع نعمة منصوب عطفا عليه فهو عام، والواجب شكرها مبينة لنعمه. قوله: (فإنّ مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج متة) في الكشاف لعلكم تشكرون نعمته فيما يعلمكم، ويسهل عليكم المخرج منه فقيل المجرور عائد على الحنث، وقيل المخرج منه فيما يعلمكم أي من التكليف، ولولا العائد لكان الأحسن أن تجعل ما مصدرية، وقيل إنه للشكر، وقوله: فإن الخ دليل على صحة إرادة نعمه الواجب شكرها يعني بمثل هذا التبيين يسهل الخروج من الشكر لأن شكر نعمة العمل مما يعرف من كلامه فتأمّل. قوله: (قدر تعاف عنه العقول الخ) قيل الرجز والرجس بمعنى، وهو الشيء القدر، وقيل ما تستقذره العقول، وقال الزجاج: إنه كل ما استقذر من عمل قبيح وأصل معناه الصوت الشديد، ولذا يقال للغمام رجاس لرعده، ولما كان فيه الإخبار عن متعدد بمفرد فإما أن يكون خبرآ عن الأوّل، وخبر الأخيرين مقدر أي رجس، وفسق وكفر، ونحوه أو في الكلام مضاف إلى هذه الأشياء والخبر له أي إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها أو لا حاجة إلى تقدير لأنه يجوز الأخبار عن هذه الأشياء بأنها رجس كما قيل إنما المشركون نجس لأنه مصدر يستوي فيه القليل، والكثير، وهذا أحسن. قوله: الأنه مسبب عن تسوبله وتزيينه (يعني جعله عملا للشيطان مع أنها أعيان بعلاقة أن عمل الشيطان أي تزيينه سبب لها أو من للابتداء أي ناشئ من عمله، وإذا قدر التعاطي فقيل لا حاجة إلى التأويل، وفيه نظر. قوله.) الضمير للرج! أو لما ذكر الخ (رجوعه إلى الرج! لا يقتضي الأمر باجتناب الخمر فقط بل كان رجس، وعوده على جميع ما مرّ بتأويل ما ذكر أو
على التعاطي المقدر، وجوّز عوده إلى الشيطان، وهو قريب، وقوله: لكي تفلحوا مرّ تحقيقه في أوّل البقرة فتذكره. قوله: (كد تحريم الخمر والميسر الخ) وجه التأكيد المذكور ظاهر لأنهم كانوا متردّدين في التحريم بعد نزول آية البقرة ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه اللهم بين لنا فيها بيانا شافيا فلما نزلت هذه، وسمع فهل أنتم منتهون قال انتهينا يا رب وبحت بموحدة مفتوحة، وحاء مهملة ساكنة، وتاء مثناة بمعنى خالص! أي لا خير فيه أصلا أو الغالب عليه عدم الخير، والأمر بالاجتناب عن عينهما أي لا عن شربها، وفعله باعتبار الظاهر واحد
стр. 1056
الوجوه، والا فإذا رجع الضمير إلى التعاطي لا يكون كذلك. قوله: (وجعله سبباً يرجى منه الفلاح) ضمير جعله للاجتناب والسببية من لعل لأنها بمعنى ير ووجه المبالغة فيه باعتبار ظاهر الترجي وافادته أنه ذنب عظيم بعد ارتكابه لا يقطع بالفلاح بمجرّد الإقلاع عنه بل يرجى له ذلك. قوله: (وإنما خصهما لإعادة الذكر) أي الخمر والميسر هما المقصودان لأنهما هما اللذان صدرا منهم كما قال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٩] الآية، وقوله ﷺ : " شارب الخمر كعابد الوثن " حديث رواه الترمذي بلفظ مد من الخمر وحمل على المستحل، ولا حاجة إليه، وهذا دليل على بعض المدعي أو جعل الأزلام بمنزلة الوثن، وهو بعيد وقيل إنهما لم يخصا بالذكر لأنّ معنى يصدكم عن ذكر الله بعبادة غيره، وهي الأنصاب وعن الصلاة بالاشتغال بالأزلام وهو تقدير من غير دليل، والشرارة بكسر الشين المعجمة الشر. قوله: (وخصر الصلاة من الذكر بالإفراد الخ (لأن ما يصد عن ذكره يصدّ عنها لأنّ الذكر من أركانها فأفردت بالذكر تعظيما لها كما في ذكر الخاص بعد العام. قوله: (والإشعار بأنّ الصادّ عنها كالصاذ عن الإيمان الخ) كأن وجهه أنّ الأوّل بيان لتعظيمها في ذاتها،
وهذا بيان لأنه غاية مراد الشيطان من شرب الخمر، ومنتهى آماله ذلك فيها، ولا أحب إلى الشيطان من إيقاعها في الكفر فلولا أن تركها يؤذي إليه لما كانت محط نظره، ولذلك سميت عماد الدين في الحديث لأن الخباء لا يقوم بلا عماد، والفارق بين الإيمان، والكفر الصلاة لأن التصديق القلبي لا يطلع عليه، وهذه أعظم شعائر المشاهدة في كل وقت ولذا طلبت فيها الجماعة ليشاهدوا الإيمان، ويشهدوا به فافهمه فإنه خفي على من قال إنه لا إشعار في النظم بما ذكر، وصدها عن الصلاة لأنها تشغلهم عنها، ولأنّ السكران لا يقرب الصلاة. قوله: (أعاد الحث على الانتهاء الخ الأنه فهم أولاً من قوله تعالى: ﴿فاجتنبوه﴾ مع ما معه من تأكيدات التحريم، وقوله: إيذانا بأن الأمر الخ. أي الشأن والحال أو الأمر الطلبي باجتنبوه بلغ غاية الظهور حتى لا حاجة إلى أمرهم به لظهور أدلته القاطعة للأعذار فلذا عبر بالاستفهام الإنكاري مع الجملة الاسمية، والفاء المعقبة الدالة على أنها قد ثبتت الصوارف عنها، وتبينت وجوه الفساد فيها حتى أن العاقل إذا خلي، ونفسه بعد ذلك لا ينبغي أن يتوقف في الانتهاء، وقوله: أو مخالفتهما أعم من التفسير الأوّل فيكون مؤكدأ لقوله: ﴿أطيعوا الله﴾ وعلى الأوّل مؤسس، ولذا قدمه وقوله وإنما ضررتم به أنفسكم إشارة إلى أنّ قوله: ﴿فاعلموا﴾ الخ جواب باعتبار لازمه المكنى به عنه. قوله:) إذا ما اتقوا الخ (تعليق نفي الجناح بهذه الأحوال ليس على سبيل اشتراطها فإن عدم الجناج في تناول المباح الذي لم يحرم لا يشترط بشرط بل على سبيل المدج، والثناء، والدلالة على أنهم بهذه الصفة، وسبب النزول ليس وجهاً آخر في معنى الآية، ودفع ما فيها من التكرار بل إشارة إلى أنّ الآية نزلت في المؤمنين عاقة، ويدخل فيهم هذه الطائفة أو في هذه الطائفة لكن الحكم عام، وقوله: اتقوا المحرم الخ إشارة إلى دفع التكرار في الآية، وسيأتي تفصيله. قوله: (روي أنه لما نزل الخ (أخرجه أحمد في مسنده عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه، وهو في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه. قوله:) ويحتمل أن يكون هذا التكرير الخ (قال الطيبي رحمه الله تعالى: المعنى أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات، وتحريم الطيبات، وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص واليقين، ومعارج القدس، والكمال، وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به وعلى الأعمال الصالحة لتحصيل الاستقامة التامّة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى مرتبة المشاهدة، ومعارج أن تعبد الله كأنك تراه، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾ الخ وبه ينتهي للزلفى عند الله، ومحبته والله يحب المحسنين، وفي هذا النظم نتيجة من قوله! ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما بيد الله أوثق منك بما في يديك، وهذا دفع للتكرير، وأنه ليس لمجرّد التأكيد لأنه يجوز فيه العطف بثم كما صرح به ابن مالك في قوله تعالى:
﴿كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون﴾ [سورة التكاثر، الآية: ٣] بل به باعتبار تغاير ما علق به مرّة بعد أخرى، والمصنف رحمه الله
стр. 1057
أشار أولاً إلى تغايرها بأنّ المراد بالأوّل اتقاء ما حرّم عليهم أولاً مع الثبات على الإيمان، والأعمال الصالحة إذ لا ينفع الاتقاء بدون ذلك، والثاني اتقاء ما حزم عليهم بعد ذلك من الخمر ونحوه، والإيمان التصديق بتحريم ذلك، والثالث الثبات على اتقاء جميع ذلك من السابق، والحادث مع تحري الأعمال الجميلة فالمراد بالأوتات الثلاثة زمان التحريم الأوّل الماضي، وزمان التحريم الثاني الذي هو بمنزلة الحال، وزمان الثبات على جميع ذلك في المستقبل. قوله:) أو باعتبار الحالات الئلاث) باًن يتقي الله، ويؤمن به في السرّ ويجتنب ما يضرّ نفسه من عمل، واعتقاد ويتقي الله ويؤمن به علانية، ويجتنب ما يضرّ الناس، ويتقي الله، ويؤمن به بينه وبين الله بحيث يرفع الوسايط، وينتهي إلى أقصى مراتب التقوى في الدرجة السالفة القابلة للقوى النفسانية ولما في هذه الحالة من الزلفى منه تعالى ذكر الإحسان فيها لأن الإحسان كما فسره النبيّ ﷺ في حديث البخاري: االإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ". قوله:) أو باعتبار المراتب الثلاث (أي مراتب التقوى الثلاث التي مرّ تفصيلها، ومن قال المراد به مبدأ السلوك أو مبدأ العمر فقد غفل عن مراده أو تغاير التقوى
باعتبار تغاير المتقي منه، وهو العقاب، والوقوع في حمى المحرمات، والتدنس بدنس الطبيعة والهيولى، وقوله فلا يؤاخذهم بشيء لأنه لازم المحبة فهو كناية كما في قوله: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٨] وكان الظاهر، والله يحب هؤلاء فوضع المحسنين موضعه إشارة إلى أنهم متصفون بذلك. قوله: (نزلت في عام الحديبية) مرّ أنّ الحديبية بالتخفيف، وأنّ منهم من شددها، وهي اسم مكان معروف، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل. قوله: (والتحقير في بشيء للتنبيه الخ (تدحض من أدحض أي أزل، وهو كناية عن إزالة الثبات، والتصبر، والتحقير، والتقليل من شيء وتنكيره قيل عليه إن هذه الصيغة بعينها وردت في الأموال، والأنفس من الفتن العظام كقوله تعالى: ﴿بشيء من الخوف والجوع ونقص من الآموال والأنفس والثمرات﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٥٥] وهو إشارة إلى ما يقع به الابتلاء من هذه الأمور فهو بعض من كل بالإضافة إلى مقدوره تعالى فإنه قادر على ابتلائهم بأعظم مما ذكر ليبعثهم بذلك على الصبر، ويدل على ذلك أنه سبق الوعد به قبل حلوله لتوطين النفوس فإنّ المفاجأة بالشدائد شديدة الألم، وإذا فكر العاقل وجد ما صرف عنه من البلايا أكثر مما وقع فيه بأضعاف لا تقف عنده غايته فسبحان اللطيف بعباده.
(أقول) ما ذكره العلامة بعينه أشار إليه الشيخ في دلائل الإعجاز لأن شيء إنما يذكر لقصد التعميم نحو وان من شيء إلا يسبح بحمده، أو الإبهام، وعدم التعيين أو التحقير لادعاء أنه لحقارته لا يعرف، ولذا عيب على المتنبي قوله:
لو الفلك الدوّارأبغضت سعيه هموّقه شيء عن ا! ل وران
مع استحسانها في قول أبي حية النمري:
إذاماتقاضى المرءيوم وليلة تقاضاه شيء لايمل التقاضيا
وهنا لو قيل ليبلونكم بصيد تتم المعنى فإقحامها لا بد له من نكتة وهي ما ذكر، وأما ما
أورده من الآية الأخرى فشاهد له لا عليه لأنه المقصود فيه أيضا التحقير بالنسبة إلى ما دفعه الله عنهم كما صرّح به المعترض مع أنه لا يتم الاعتراض به إلا إذا كان ونقص معطوف على مجرور من، ولو عطف على بشيء لكان مثل هذه الآية بلا فرق، والعجب أنه مع ظهوره أورده الطيبي ﵀ ولم يتنبه له. قوله: (ليتميز الخائف من عقابه الخ) هذا بيان محصل المعنى، ووجه التجوّز فيه ما سياتي من أنّ العلم مستعمل في لازم معناه، وهو وقوع المعلوم، وظهوره لأنّ علمه تعالى لا يتخلف عنه أو أنّ المراد من العلم المتعلق بالمعلوم، وضمير هو للعقاب أي والعقاب لم يقع بل منتظر على صيغة المفعول إن وقع منه إثم، وقوله لضعف قلبه أراد به قلة يقيته وألا فضعف القلب بالمعنى المعروف لا يناسب عدم الخوف فقوله ة وقلة إيمانه تفسير له، ومن موصولة، ويجوز أن تكون استفهامية أي جواب من يخافه، وبهذا علم ضعف ما قيل لفظ الله فاعل يعلم فلا يصح أن يكون معنى ما ذكر والا لاختل نظام الكلام، إلا أن يكون المراد من مجموع يعلم الله الخ
стр. 1058
ذلك، وقوله: بعد ذلك الابتلاء أي بعد إلابتلاء السابق، وما علم من حاله، وقيل المراد قدرة المحرم عليه فيما يستقبل فإن الابتلاء بغشيان الصيود قد مضى، وقوله: من لا يملك جأشه بالهمزة، وأصل معناه الصدر كما في الأساس ويطلق على القلب، وملك الجأس ضبطه بمعنى الصبر والتحمل، ويقال: ربط لذلك الأمر جأشا وهو رابط، وفي ضده واهي الجأس ومعناه ما ذكر وفسر العذاب الأليم بالوعيد لأنه ليس واقعاً البتة، ولا في حين الاعتداء والتقصير في أمر تسهل رعايته فوق التقصير فيما تصعب رعايته فلذا توعد عليه، وهذا يشبه حيتان أهل السبت، ولحوق الوعيد لا يحقق لحوق العذاب فما قيل إنه مناسب لمذهب المعتزلة باطل. قوله: (جمع حرام) بمعنى محرم، وان كان في الحل ومن كان في الحرم، وان كان حلالاً وهما سيان في النهي عن قتل الصيد، ورداح المرأة الئقيلة الردف والكثيبة العظيمة، وجمعه ردح بضمتين، وذكر القتل لما ذكر والذكاة بالذال المعجمة النحر والذبح. قوله: (وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه الخ) هذا مذهب الشافعي ﵀ من أنّ ما لا يؤكل من الصيد فلا جزاء على المحرم فيه، ومذهبنا كما في كتاب الأحكام إنه عام في جميع صيد البرّ إلا ما خصه الحديث الآتي ولا يقاس غير الخمس عليها، والمراد بها كل ما ابتدأ الإنسان بالأذى كالسبع والذئب بالإجملا فخص به ما خرج عنه فإن لم يبتدئه بالأذى فعليه
الجزاء، ولما لم يكن للخمس علة مذكورة لم يجز القياس عليها، وكونه غير ماكول اللحم لم تقم الدلالة عليه من فحوى الكلام، ولا ذكر لعلته فيه، ومن أصحابنا من يابى القياس في مثله لحصره بالعدد وكونه غير مأكول نفي، والنفي لا يكون علة. قوله: (خمس يقتلن الخ) رواه الشيخان ورواية " الحية " في مسلم وقوله: (مع ما فيه الخ) أي بالقياس عليه، وهو مذهبه، وقوله: هل يلغي أي يبطل حكمه، ولذا عبر بالقتل وهو الأصح من مذهب الثافعي أيضا. قوله: (ذاكرا لإحراد ٤ عالماً بأنه حرام عليه الخ) وليس ذكر العمد للتقييد عند الجمهور بل إما لأنه المورد أو لأنه الأصل والخطأ ملحق به للتغليظ، والإشعار بأنه يستوي فيه العمد والخطأ، ووجه الدلالة أنه لا وبال ولا انتقام في الخطأ وهذا معنى قول المصنف رحمه أدلّه بل لقوله: (ومن عاد) الخ وقوله: (والخطأ ملحق به) فيه نظر فإنّ القياس لا يجري في الكفارات عندنا فالظاهر قول الزهري ﵀: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ وذهب سعيد بن جبير إلى أنه لا شيء في الخطأ عملا بظاهر الآية. قوله: (فطعنه أبو اليسر ﵁ الخ) قالوا إنما هو أبو قتادة ﵁ كما في الصحيحين من روايته، وهو الذي فعل ذلك وقد تبع المصنف فيه الكشاف وقال الطيبي أنه ليس في شيء من الأصول يعني أصولي كتب الحديث وأورد على قوله: (إذ روي اليئ) أنه يدل على أنّ قتلهم كان عن قصد، ولا يدل على أنه عن علم بأنه حرام لأنّ الحديث دل على أنّ حرمة الصيد المحرم علم بعد نزول الآية فلا يدل على أنّ قتلهم عن تعمد بما فسره به، وفيه نظر لأنه صرّج في الكشاف بأنه كان محرّما في الجاهلية أيضاً نكان معلوما، والمعلوم من الآية كونه قد شرعنا به، واعلم أنه عدل عن قول الكشاف في التعريف أن يقتله، وهو ذاكر لإحرامه أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله لأنه
ليس بمانع لأنه إذا رمى غير صيد أصاب صيدا، وهو ذاكر لإحرامه ينبغي أن يكون عمداً وليس به، وقد تكلف له ودفع آخرا بأن أو بمعنى الواو فلذا غيره المصنف ﵀. نوله: (برفع الجزاء والمثل قراءة الكوفيين الخ) الفاء إما جزائية أو زائدة في خبر الموصول قرأ أهل الكوفة فجزاء مثل بتنوين جزاء، ورفعه وفع مثل وباقي السبعة برفعه مضافا إلى مثل، ومحمد بن مقاتل بتنوين جزاء ونصبه ونصب مثل والسلمي برفع جزاء منوّنا ونصب مثل وقرأ عبد الله فجزاؤه برفع جزاء مضافاً لضمير، ورفع مثل فأما قراءة الكوفيين فواضحة لأن جزاء مبتدأ ومثل صفته والخبر محذوف أي فعليه جزاء مماثل لما قتله، وجوّز أبو البقاء مثل البدلية، والزجاج أن يكون جزاء مبتدأ ومثل خبر. إذ التقدير جزاء ذلك الفعل، أو المقتول مماثل لما قتله. قوله: (وعليه لا يتعلق الجار بجزاء) وأيضاً المصدر يعمل بمشابهة الفعل وبوصفه بعد الشبه، وأما كون المصدر بمعنى المجزى به فهو في حكم الصفة، فرد بأنه تفسير معنى لا تأويل إعراب فإنه جعل عين الجزاء مبالغة، والمقصود أنه مجزى به وفيه نظر، وإذا لم يتعلق
стр. 1059
به كان صفة له أخرى لوقوعه بعد النكرة، وأورد على ما ذكر أنه إنما يمتنع عمله في المفعول به، ويجوز في الجار والمجرور لأنه يكفيه رائحة الفعل كما صرّحوا به. قوله: (وقرأ الباقون على إضافة المصدر الخ) ولما قيل على هذه القراءة أنّ الجزاء للمقتول لا لمثله أوّلوها بوجهين أن يكون مثل مقحماً كما في قولهم مثلك لا يقول كذا على أنه كناية، أو المراد أن يجزي أي يعطي المثل جزاء له، وهذا أظهر وأقوى وفي كلام المصنف ﵀ إنّ الإضافة إذا كانت للمفعول تعين المعنى الثاني فلا يلائمه الجواب الأوّل، وقيل إنه يفوت عليه أيضاً اشتراط المماثلة بين الجزاء، والمقتول فالأولى جعل الإضافة بيانية أي جزاء هو مثل ما قتلى فتتفق القراءتان معنى، وليس بوارد لأنّ جزاءه المحكوم به ما يقاومه ويعادله وهو يقتضي المماثلة خصوصاً على مذهب أبي حنيفة ﵀ فتأمل. قوله: (وهذه المماثلة باعتبار الخلقة الخ) هذا هو المروي عن ابن عباس ﵄ ففي الظبية شاة وفي النعامة بعير، وهو قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وما لا نظير له فيه القيمة كالعصفور، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف المثل
هو القيمة يشتري بها هديا إن شاء وان شاء اشترى طعاما وأعطى كل مسكين نصف صاع، وان شاء صام عن كل نصف صاع يوماً وأيدوه بأنه قد ثبت المثل بمعنى القيمة في قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكا فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [سورة اد ب! قرة، الآية: ٩٤ ا] فإنّ المراد قيمة المغصوب بالاتفاق فوجب الحمل عليه، وهو عامل لما لا نظير له وفيه القيمة عندهم فيلزم عليهم استعمال المثل في معنييه ولا حاجة إليه، فإن قيل المثل اسم للنظير، وليس باسم للقيمة وإنما أوجبوا القيمة فيما لا نظير له بالإجماع لا من الآية قيل إنّ الله تعالى قد سمى القيمة مثلاَ في قوله: ﴿فمن اعتدى عليكم﴾ الخ، ويدل على أنها مراده أن جماعة من الصحابة ﵃ روي عنهم في الحمامة شاة ولا تشابه بين الحمامة، والشاة فعلمنا أنهم أوجبوها على وجه القيمة فإن قيل إنما يسوغ حمله على القيمة لو لم يفسر، وقد فسر بقوله: من النعم فلا مساغ للتأويل قيل: إنما يكون تفسراً لو اقتصر عليه وأما إذا وصف به ما لا يحتمل التفسير من الصيام والطعام فلا فهو تفصيل للحكم كقوله: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [سورة المائدة، الآية: ٨٩، الآية، وقوله: يهدي أي يذبح الهدي وفي نسخة يفدي، وقوله: وان لم تبلغ يخير أي إن زاد على نصف الصاع ما لم يبلغه يتصدق به أو يصوم له يوما. قوله: (واللفظ للأوّل أوفق الأن الظاهر من مثل ما قتل من النعم المماثلة في الخلقة والهيئة وهديا بالغ الكعبة يستدعيه، وأجيب بأنّ قوله يحكم به ذوا عدل يدل على أنّ المعتبر القيمة، ورد بأنّ القيمة كما تحتاج إلى نظر واجتهاد كذا مماثلة الخلقة لكن التقويم أحوج إلى ذلك فيعلم بالطريق الأولى، وقد مرّ أن المثل معروف في القيمة، وانّ ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ أشمل وغير محتاج إلى التكلف كما أشار إليه الزمخشري. قوله: (صفة جزاء الخ) أو حال من الضمير المستتر في خبره المقدر وهو عليه وقوله: وكما أنّ التقويم الخ) إشارة إلى جواب ما قيل من طرف أبي حنيفة إنّ التحكيم إنما يحتاج إليه في بيان القيمة، وقد مرّ الكلام فيه. قوله: (وقرئ ذو عدل على إرادة الجنس الخ) في الكشاف وقرأ محمد بن جعفر ذو عدل منكم أراد يحكم به من يعدل منكم، ولم يرد الوحدة فقيل: يعني لم يقصد أن العدل الواحد يكفي في الحكم بل قصد جنس العدل فإن من يكفي للاثنين كما يكفي للواحد لكن لا دلالة على التعيين، وهذا بعينه كلام الزجاج كما نقله الطيبي ﵀ ومراده أن ذو يستعمل استعمال من للتقليل، والتكثير وليس المراد بها الوحدة بل التعدّد وأقله اثنان فما قيل عليه ليس في الآية لفظة صالحة لقصد التعدد صلاحية من لذلك، لا شبهة في عدم وروده عليه ومن فسر. بالإمام
فتوحيده فيها على أصله من غير تأويل هو ما في الكشاف، وهو بعينه كلام ابن جني. قوله:
(هدياً حال من الهاء في به أو من جزاء الخ) كونه من جزاء لأنه خبر عنده أو قدروا جبة جزاء وأما الزمخشري فلما قدر فعليه جزاء، وجعله حالاً لزمه أم! الحال من المبتدأ واعمال الظرف من غير اعتماد وكلاهما خلاف المنصور عند النحاة، وقيل فيه نظر لجوأز أن يعتبر الظرف معتمداً على المبتدأ يعني من قتله على القول بأنه خبر للشرط أو للموصول فكأنهم بنوا ذلك على اًنّ الواقع موقع الجزاء لو كان ظرفا
стр. 1060
والمرفوع فاعلاَ لم تجز الفاء كما في المضارع المثبت أو الماضي بدون قد إلا بتقدير المبتدأ كما ذكر في قوله: ﴿فينتقم الله منه﴾ [سورة المائدة، الآية: ٩٥] فيكون التقدير هاهنا فهو عليه جزاء فيكون الظرف معتمداً على المبتدأ المحذوف، وفيه نظر، وقيل إنه إذا كان حالاً من جزاء فهو فاعل لفعل تقديره فيجب جزاء الخ، وإذا كان حالاً من ضمير به فهي حال مقدرة كما قاله الفارسي، ثم إنه أورد على النحرير أنّ الاعتماد على المحذوف ممنوع ولذا لا يعمل اسم الفاعل بدون لى* عتماد مع أنه لا بد له من موصوف محذوف، وليس بشيء لأنه فرق بين المبتدأ المقدر والموصوف المفروض فإنّ الأوّل في حكم الموجود بخلاف الثاني.
قوله: (وإن نوّن لتخصيصه بالصفة الخ الأنه نكرة لا تجيء الحال منها إلا إذا تخصصت
أو تقدمت، وفي حال الإضافة حال ظاهرة واعتبار المحل لأنه مضاف إلى المفعول كما مرّ واضافة الصفة لفظية فلذا وصف به النكرة والخلاف في المسالة المذكورة مبسوط في الفروع. قوله: (عطف على جزاء إن رفعتة الخ) وعلى قراءة النصب كما تقدم فهو خبر مبتدأ محذوف أي الواجب عليه كفارة، ويجوز أن يقدر فعليه أن يجزي جزاء أو كفارة فيعطف كفارة على أن يجزي فهو مبتدأ تقدم عليه خبره، وأو فيه للتخيير قال الطيبي: وليس من باب جالس الحسن أو ابن سيرين بل من باب قولك جالس السلطان أو الوزير أو العامي، ونقل عن الشافعي ﵀ قول ضعيف إنه على الترتيب، ومنه تعلم أن التخيير على قسمين ما يكون المخير متساويا وما يكون المخير فيه تفاوت وبون بعيد، وقوله: عطف بيان مبني على مذهب الفارسي من أنه لا يختص بالمعارف، ومن قال: باختصاصه جعله بدلاً أو خبر مبتدأ محذوف. قوله: (بالإضافة للتبيين الخ) فالكفارة بمعنى المكفر به، وهي عامة تشمل الطعام، وغيره وكذا الطعام يكون كفارة وغيرها فبينهما عموم، وخصوص من وجه كخاتم حديد وما قيل إنّ الطعام ليس جنسا للكفارة فالإضافة لأدنى ملابسة لا بيانية ليس بشيء يعتد به. قوله: (والمعنى عند الشافعي
رحمه الله تعالى أو أن يكفر بإطعام مساكين الخ) فعنده يقوّم الهدي لأنه الواجب أوّلاً وعندنا يقوّم الصيد، وظاهر كلامه أنّ الكفارة والطعام بالمعنى المصدري، ولو أبقى على ظاهره لصح وله أن يتصدّق بما يبلغ المدّ عند الثافعي أيضاً. قوله: (أو ما ساواه من الصوم الخ) قال الراغب: العدل والعدل متقاربان لكنه بالفتح فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام وبالكسر ما يدرك بالحواس، كالعديل فالعدل بالفتح هو التقسيط على سواء على هذا روي بالعدل قامت السموات تنبيهاً على أنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على خلاف مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظماً، وهذا معنى دقيق بالتأمل فيه حقيق. قوله: (متعلق بمحذوف أي فعليه الجزاء أو الطعام الخ) أي متعلق بالاستقرار الذي تعلق به عليه المقدر وعدل عن قول الزمخشري إنه متعلق بجزاء، وان كان بناء على إعرابه، وهو لم يذكره لأنه إنما يتأتى إذا أضيف إلى مثل لأنه عطف عليه كفارة، ولا يعطف على المصدر قبل تمامه، ولا إذا نون ووصف لأن المصدر الموصوف بصفة متقدّمة لا يعمل، وفيه وجو. أخر كتعلقه بطعام أو بفعل مقدّر وهو جوزي. قوله: (ثقل فعله وسوء عاقبتة الخ) يثير إلى أنّ أصل معنى الوبال النقل ومنه الوابل للمطر الكثير والوبيل للطعام الثقيل الذي لا يسرع هضمه والمرعى الوخيم وضمير أمره على الوجه الأوّل لمن قتل الصيد، وعلى الثاني لله ولذا وصفه بالثدّة لأنه مخالفة لأمر القويّ الشديد البطش وأشار إلى أنه في الوجه الثاني مضاف مقدّر رأي وبال مخالفة أمر الله لأنّ أمر الله لا وبال فيه وإنما الوبال في مخالفته. قوله: (من قتل الصيد محرماً في الجاهلية الخ) وهو ذنب عظيم لأنهم كانوا على شريعة إسماعيل ﷺ ، والصيد محرّم فيها أيضاً كما ذكره الزمخشريّ فلا يرد عليه أنه لا ذنب في الجاهلية، أو قبل التحريم لأنه لا ذنب بدون التحريم، ولا تحريم في الجاهلية فكيف يتحقق العفو، وقيل المراد بالعفو أن لا إثم فيه. قوله: (١ لى مثل ذلك الخ) إنما ذكر المثل لأن العود إلى ذلك الفعل بعينه وقد وقع، وانقضى لا يتصور، وأما تقدير الميتدأ في فهو ينتقم فليصح دخول الفاء لأنّ الجزاء إذا وقع مضارعاً مثبتاً لم تدخله ما لم يقدر المبتدأ وكذا المنفي بلا فما قيل إنّ المضارع يجوز بدون
стр. 1061
الفاء فلا يكون للفاء فائدة فإذا جعلت اسمية ظهرت الفائدة مبني على القول بأنّ فيه وجهين، وهو أحد قول
النحويين في هذه المسألة لكن المشهور خلافه. قوله: (وليس فيه ما يمنع الكفارة عن العائد الخ) روي عن ابن عباس ﵄ والحسين وشريح أنه إن عاد عمدا لم يحكم عليه بكفارة حتى كانوا يسألون المستفتي هل أصبت شيئاً قبله قال نعم لم يحكم عليه، وإن قال لا حكم عليه والجمهور على خلافه وهو الصحيح لأنّ وعيد العائد لا ينافي وجوب الجزاء عليه، وإنما لم يصرح به لعلمه فيما مض مع أنّ الآية يحتمل أنّ معناها من عاد بعد التحريم إلى ما كإن قبله، والانتقام يحتمل أن يكون في الدنيا بالكفارة لكنه خلاف الظاهر، وكذا كون المراد ينتقم منه إذا لم يكفر. قوله: (ما صيد منه مما لا يعيش إلا في الماء الخ) يعني الصيد مصدر بمعنى المفعول، وطعامه ليس مصدرا بمعنى أكله وعطفه عليه من قبيل أعجبني زيد وكرمه بل هو بمعنى المطعوم، وضمير طعامه للصيد فمعنى إحلال الصيد الانتفاع به، وإحلال مطعومه إحلال أكله على حذف مضاف، وهو من عطف الخاص على العام عنده، وعند ابن أبي ليلى الصيد والطعام على معناهما، ولذا قدر المضاف في صيد البحر فقال صيد حيوان البحر بأن تطعموه، وضمير طعامه لحيوان البحر، وقوله: مما لا يعيش إلا في الماء مطلقا هو مذهب الشافعيّ ﵁، وخرح عنه الضفاع ونحوه. قوله: (لقوله ﵊ في البحر الخ) أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة رضمي الله عنه وصححوه " والحل ميتته " بكسر الحاء، وفتح الميم بلا واو عإطفة خبر بعد خبر، وما ذكر! من قولي أبي حنيفة ﵀ مفصل في الفقه. قوله: (ما قذفه أو نضب عنه الخ) أي ما ألقاه البحر أو بقي بعد ذهاب الماء عنه والتقييد ماخوذ من مقابلته بالصيد لأنّ ما لم يصد منه يكون كذلك، ونضب بنون، وضاد معجمة، وباء موحدة من النضوب، وهو دهاب الماء فالطعام بمعنى المطعوم كما مر ومن فسره با! ل جعل الضمير للصيد بمعنى المصيد أو بمعنى المصدر والضمير راجع إليه بمعنى المصيد. قوله: (تمتيعاً لكم نصب على الغرض) بالغين والضاد المعجمتين أي هو مفعول لأجله، وفسره بتمتيعاً لا تمتيعا ليتحد فاعلاهما على ما عرف في النحو وفي الكشاف بعد ما ذكر هذا، وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحق ويعقوب﴾ نافلة في باب
الحال لأنّ قوله متاعا لكم مفعول له مختص بالطعام كما أنّ نافلة حال مختصة بيعقوب فخصص المفعول له يكون الفعل مسنداً لقوله طعامه، وليس علة لحل الصيد، دهانما هو علة لحل الطعام فقط، وإنما حمله عليه مذهبه، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى من أنّ صيد البحر ينقسم إلى ما يؤكل، والى ما لا يؤكل وإنّ طعامه هو المأكول منه كنافلة، وهي ولد الولد حال مختصة بيعقوب لأنّ إسحز ولده لصحلبه فكذا متاعا إلا أنه أورد عليه أنه يؤدي إلى أنّ الفعل الواحد المسند إلى فاعلين متعاطفين يكون المفعول له المذكور بعدهما لأحدهما دون الآخر كقام زبد، وعمرو إجلالاً لك على أنّ الإجلال مختص بقيام أحدهما وفيه البأس، وأما الحال في الآية المذكورة فليست نظيره لهذا لأن فيه قرينة عقلية ظاهرة، وعلى غير مذهبه فلا يختص المفعول له بأحدهما، وهو ظاهر جليّ فلذا تركه المصنف رحمه الله تعالى فما قيل إن المصنف ﵀ أشار بإطلاق الغرض، وعدم تخصيصه بما في الكشاف إلى ما فيه صرف العبارة عن ظاهرها بلا ضرورة من عدم تدبر مراده، والسيارة مؤنث سيار باعتبار الجماعة يقال رجل سائر وسيار وسيارة باعتبار الجماعة قاله الراغب: والمراد المسافرون، وإنما جعله قديداً بناء على الأغلب. قوله: (ما صيد فيه أو الصيد فيه الخ) يعني الصيد بمعنى المصيد، والمعنى مصيد البر، وهو خلاف البحر محرّم على المحرم، وهو يقتضي حرمت عليه مطلقا سواء اصطاده هو أو غيره، والإضافة لامية أو هو بالمعنى المصمدري، والإضافة لامية أو بمعنى في فيقتضي تحريم صيد المحرم نفسه لا صيد الحلال له، والمراد صيده حقيقة أو حكماً بأن أمره به أو أعانه عليه أو دله عليه، وإليه أشار بقوله مدخل والجمهور على هذا، وهو مذهبنا للحديث الذي ذكره، وهو حديث أخرجه أحمد والحاكم، وصححوه عن جابر ﵁ قيل ولا دلالة له على الأوّل على حرمة مصيد الحلال مطلقاً بل حرمة مصيده في أوقات المحرم إن كان قوله
стр. 1062
ما دمتم قيد الصيد وعلى حرمة مصيده مطلقاً في أوقات كونه محرماً إن كان قيداً للتحريم، وأما قول الزمخشريّ لا دلالة له على تحريم صيدي الحلال لأنّ المفهوم المتبادر من حرم عليكم الصيد صيدكم فدفع بأنّ دلالة الآية عليه مدفوعة بأن السنة بينت المراد منه فلا عمل بدلالته، وفيه نظر لأنّ تحريم صيد البر للحلال معلوم أنه ليس عليه شيء فيه، وهذه قرينة ظاهرة على أنّ المراد ذلك فتدبر، وما دمتم قرئ بضم الدال من دام يدوم، وما
مصدرية ظرفية وقرى دمتم بكسرها كخفتم من دام يدام لغة فيها، وحرم بضمتين جمع حرام بمعنى محرم، وقرأ ابن عباس ﵄ حرم بفتحتين أي ذوي حرم بمعنى إحرام أو مبالغة فالحرم اسم المكان، والإحرام أيضاً. قوله: (سمي البيت كعبة لتكعبه) التكعب التربيع، ومنه تكعب الحسان، وقد يقال للارتفاع، ولهذا سميت الكعبة كعبة لكونها مربعة أو مرتفعة، ومنه كعب الرجل. قوله: (عطف بيان على جهة الماخ أو المفعول الثاني) أي أو هو المفعول الثاني لأنّ جعل بمعنى صيرينصب مفعولين لا بمعنى خلق أو حكم، وبين كما قيل لأنه خلاف الظاهر دمانما قال على جهة المدح لأنّ البيت الحرام عرف بالتعظيم عندهم فصار في معنى المعظم أو لأنه وصف بالحرام المشعر بحرمته وعظمته فذكر البيت كالتوطئة له، وهذا مع ظهوره خفي على من قال شرط عطف البيان الجمود، والجامد لا يشعر بمدح إنما يشعر به المشتق، وهو جمود منه. قوله: (انتعاشاً لهم الخ) أصل معنى الانتعاش الارتفاع والتحرك، ويقال نعشه إذا رفعه من عثار أو جبره في زلة، وأفتقار فمعنى سبب انتعاشهم أنه سبب إصلاح أمورهم، وجبرها ديناً ودنيا كما بينه المصنف رحمه الله تعالى لأنه كان مأمنا لهم، وملجأ ومجمعاً لتجارتهم، والعمار جمع عامر، وهو من يأتي بالعمرة ومنه تعلم أنّ التجارة في الحج ليست مكروهة. قوله: (وقرأ ابن عامر قيماً على انه مصدر الخ (يعني أنه مصدر كشبع، وكان القياس أن لا تقلب واوه ياء كعوض وعوج لكنها لما قلبت في فعله ألفا تبعه المصدر في إعلال عينه. قوله: (ونصبه على المصدر أو الحال) أي يقوم قيماً أو قائماً، وذلك على تقدير كون البيت الحرام مفعولاً ثانيا، ويحتمل البدلية. قوله: (الشهر الذي يؤدي فيه الحج الخ) فالتعريف للعهد بدليل قرنائه جمع قرين وهو ما قرن به من الهدي والقلائد وعلى الثاني المراد به الجنس الشامل لكل واحد منها لانتفاء دليل العهدية. قوله:) ذلك إشارة إلى الجعل أو إلى ما ذكر الخ) في إعراب ذلك وجوه.
أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف أي الحكم الذي قررناه ذلك أو مبتدأ خبره محذوف أي
ذلك الحكم هو الحق أو مفعول فعل مقدر أي شرع ذلك لتعلموا الخ فاللام متعلقة به، وهو أقربها وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إليه، والإشارة إلى الجعل المذكور أو إلى جميع ما ذكر. قوله: (فإنه شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها الخ) بيان لكيفية تعليل
قوله: (لتعلموا الخ القوله ذلك وأتى بالعام ليندرج تحته هذا العلم الخاص، ويمكن أن يكون المعنى إنما جعلنا الكعبة انتعاشا لهم في أمر دينهم ودنياهم أو ذكرنا حفظ حرمة الإحرام بمنع الصيد ليعلموا أنا نعلم مصالح دنياهم، ودينهم فيستدلوا بهذا العلم الخاص على أنه لا يعزب عن علمه تعالى مثقال ذرة في السموات والأرض، ويعلموا أنه تعالى عالم بما وراء ذلك كله. كذا في شرح الطيبي رحمه الله تعالى فما قيل لم نر ما يبين أنّ العلم بما ذكر دليل على أنه تعالى يعلم كل شيء وكلام المصنف رحمه الله تعالى لا يفي بالمقصود والذي سنح لي أنه تعالى لما كان مجردا بالذات، وبالفعل عن المادة، وعن التعلق بها كان النسبة إلى جميع الجزئيات بالنسبة إليه على السوية فإذا علم أنه تحقق عنده بعض الجزئيات كأحوال الكعبة علم أنه عالم بكلها إذ هي مستوية بالنسبة إليه تعالى، وكونه عالما ببعض دون آخر ترجيح بلا مرجح قصور وتكلف. قوله: (تعميم بعض تخصيص الخ) لأنّ الأوّل خاص بالموجودات غيره تعالى وهذا شامل له وللمعدومات، وقدم الخاص لأنه كالدليل على ما بعده، ووجه المبالغة من تعميم كل وصيغة عليم، وقوله: لمن هتك محارمه، وفي نسخة انتهك محارمه، وهتك المحارم رفع سترها، واتيانها، وانتهاك المحارم قريب منه، ولمن أقلع وفي نسخة انقلع بمعنى رجع، وقوله: تشديد في إيجاب القيام بما أمر أمر مبني
стр. 1063
للفاعل أي شدد عليهم في إيجاب امتثال ما أمر به لأنّ معناه أن ما أمر به، وهو الرسول الكريم ﷺ لم يقصر به فما وجه تقصيركم، ولم يأل جهدا في تبليغكم فأقي عذر لكم في الترك. قوله:) حكم عام في نفي المساواة عند الله) فإنه في أكثر أحسن كل شيء أقله، وهو ظاهر:
والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عني
والخطاب عام لكل ناظر بعين الاعتبار فإنه الصالح للخطاب، وفيه إشارة إلى غلبة أهل الإسلام، وان قلوا كما أنّ التوبة الواحدة تمحوا الألوف من الذنوب، وآثروا بالمد من الإيثار
أي قدموه على غيره واجعلوا له أثرة على غيره، وقوله: (راجين الخ) تقدم الكلام فيه، وأنّ الرجاء بالنسبة إلى المخاطبين لا بالنسبة إليه تعالى وحجاج جمع حاج أو حجيج وقد تقدم الكلام على هذه القصة وأنّ المسلمين أرادوا أن يوقعوا بحجاج اليمامة وكان معهم تجارة عظيمة فنهى الله عن المشركين القاصدين لحرم الله، وسمي ما معهم خبيثا، واليمامة بلاد وهي في الأصل اسم امرأة سميت بها. قوله: (الشرطية وما عطف عليها الخ) يعني ليس السؤال عنه مطلقاً منهياً عنه بل منه ما هو لازم كالسؤال عما لا يعلم من أمر دينه: " وطلب العلم فريضة " كما في الحديث بل السؤال عما لا حاجة إليه مما بين إذ ربما تجر كثرة السؤال إلى ما يورث الغم فليس النهي عن السؤال مطلقا بل عن أشياء إن تبدلهم تسؤهم، وهي التكاليف الصعبة. قوله: (وهما كمقدمتين الخ) قال الطيبي بعدما ذكرء
قلت: هذا النوع عند علماء البيان يسمى بالكناية الإيمائية فيفيد القطع بامتناع السؤال
وليس يوجد في الآية، وتقرير الزمخشريّ أقرب لما يفهم من دليل الخطاب، والتقييد بالوصف أن هناك سؤالاً لا يعمهم وهو ما لا يتعلق بالتكاليف الشاقة، والأمور التي إن ظهرت أوقعتهم في الحرج، والضيق وهذا أحسن لولا أنّ قوله أن تبدلكم يقتضي أن يخص السؤال بما في إخفائه مصالح للعباد، وفي إبدائه فساد فإن مقابل الإبداء الإخفاء، ويعضده ما روى البخاري، ومسلم في سبب نزولها عن أنس ﵁ قال خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قد فقال: " وتعلمون ما أعلم لضحكتم فليلاَ، ولبكيتم كثيرا) وفيه فقال رجل: قن أبي فقال. " فلان " فنزلت وفيه تأمل، وقوله: في زمان نزول الوحي تفسير لقوله حين ينزل القرآن. قوله: (وأشياء اسم جمع كطرفاء غير أنه الخ) في أشياء مذاهب خمسة:
أولها: وهو مذهب الجمهور، وهو أقربها، واليه ذهب الخليل، وسيبويه والمازني،
وكثر البصريين أنها اسم جمع لا جمع كطرفاء، وأصلها شيآء بهمزتين بينهما ألف ووزنها فعلاء فقدمت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة على الفاء لاستثقال همزتين بينهما ألف قبلهما حرف علة وهي الياء فوزنها حينئذ لفعاء والقلب كثير في كلامهم فلا يضر الاعتراض بأنه خلاف الأصل لأنه أهون الشرين، وحسنه يعلم مما يخالفه، ومنع الصرف لألف التأنيث.
الثاني: مذهب الفراء أنها جمع شيء بياء مشددة، وهمزة بوزن هين، ولين خفف كما
قالوا في ميت ميت، وجمع بعد تخفيفه على أشيآء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء بزنة أفعلاء فاجتمع همزتان إحداهما لام، والأخرى للتأنيث فخففوه بقلب الهمزة الأولى ياء ثم حذفوا الياء الأولى التي هي عين الكلمة فصار وزنه أفلاء، وقيل في تصمريف هذا المذهب أنّ أصله أشيآء فحذفت الهمزة التي هي لام الكلمة لأنّ الثقل حصل بها فوزنها أفعاء، وعليهما مغ الصرف لهمزة التأنيث.
الثالث: مذهب الأخفش أن أشياء جمع شيء بوزن فلس، وفعلا يجمع على أفعلاء فجمع على أشيآء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء ثم عمل فيه ما مر، ومنهم من عزا هذا المذهب للأخفش، وهو أمر سهل. ورده الزجاج بأن فعلاً لا يجمع على أفعلاء، وناظر المازني الأخفش في هذه المسألة فقال كيف تصغر أشياء قال: أقول أشيآ فقال المازوني: لو كانت أفعلاء لردت في التصغير إلى واحدها فقيل ش! آت، وإجماع البصرين أنّ تصغير أصدقاء إن كان لمؤنث صديقات، وان كان لمذكر صديقون فانقطع الأخفش، وتحقيقه أنّ المكسر إذا أصغر فإمّا أن يكون جمع قلة فيصغر على لفظه، وان كان جمع كثرة لا يصغر على لفظه فإن ورد منه شيء كان شاذاً بل يردّ إلى واحده فإن كان من غير العقلاء صغر، وجمع بالألف، والتاء، وان كان من العقلاء جمع بالواو، والنون
стр. 1064
فيقال في تصغير رجال رجيلون واسم الجمع يصغر على لفظه كقويم، ورهيط، وقال مكي رحمه الله تعالى يلزمهم أن يصغروا أشياء على شويآت أو على شييآت، ولم يقله أحد، وفي الدر المصون شويآت ليس بجيد فإنه ليس موضمع قلب ألياء واواً ألا ترى أنك تصغر بيتا على بييت لا بويت إلا أن الكوفيين يجيزون ذلك فيمكن أن يرى رأيهم قال أبو علي ﵀ ولم يأت الأخفش عما مر بجوإب مقنع، والجواب عنه أن أفعلاء هنا جاز تصغيرها على لفظها، وان لم يجز في غيرها لأنها قد صارت بمنزلة أفعال فقامت مقامها بدلالة استجازتهم إضافة العدد إليها كما يضاف إلى أفعال وذكروا العدد المضاف إليها لذلك فقالوا ثلاثة أشياء فأقاموها مقام أفعال فلم يمنعوا تصغيرها على لفظها فلا تدافع بين التكثير والتقليل انتهى وهذا دليل من قال إنّ وزنها أفعال.
الرابع: قول الكسائيّ إنها جمع شيء على أفعال كضيف، وأضياف، وأورد عليه منع الصرف من غير علة، ويلزمه صرف أبناء، وأسماء، وقد استشعر الكسائيّ هذا الاعتراض وأشار
إلى دفعه بأنه على أفعال، ولكن كثرت في الكلام فأشبهت فعلاً فلم يصرف كما لم يصرف حمراء وقد جمعوها على أشاوى كما جمعوا عذراء على عذارى، وأشياوات كحمراء، وحمراوات فعاملوا أشياء وإن كانت على أفعال معاملة حمراء، وعذراء في جمعي التكسير والتصحيح ورد بأن الكثرة تقتضي تخفيفه وصرفه، وأيده بعضهم باًن العرب قد اعتبروا في باب ما لا ينصرف الشبه اللفظي كما مر في سراويل فيمن منعه مع أنه اسم أعجمي لشبه مصابيح وأجروا ألف الإلحاق مجرى ألف التاً نيث المقصورة، ولكن مع العلمية فاعتبروا مجرد الصورة، وله نظائر كثيرة.
الخامس: أنّ وزنها أفعلاء جمع شيء مزنة فعيل كنصيب، وانصباء وصديق، وأصدقاء حذفت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة، وفتحت الياء تسلم الألف فصارت أشياء بزنة أفعاء، وجعل مكي تصريفه كمذهب الأخفش إذ أبدل الهمزة ياء، ثم حذف إحدى الياءين، وحسن حذفها من الجمع حذفها من المفرد لكثرة الاستعمال، وعدم صرفه لهمزة التأنيث الممدودة، وهو حسن لولا أن التصغير يرد عليه كما ورد على الأخفش مع إيرادات أخر، وقيل في تصريفه حذفت الهمزة، وفعل به ما فعل ووزنه أفياء، وفي القول قبله أفلاء وقوله افياء غلط، والصواب أفعاء، وكأنها من الناسخ والحاصل أنها هل هي اسم جمع، وأصل وزنها فعلاء أو جمع على أفعلاء، ووزنه بعد الحذف أفعاء أو أفلاء أو أفياء أو أصلها! فعال قالوا، والأظهر مذهب سيبويه لقولهم في جمعها أشاوى فجمعوه على صحراء، وصحارى وكان القياس أشايا بالياء لظهورها في أشياء لكنهم أبدلوها واو شذوذاً كما قالوا جبيت الخراج جباوة فأشاوى عند سيبويه لفاعا، وعند أبي الحسن أفاعل لما جمع أفعلاء حذف الألف، والهمزة التي بعدها للتأنيث للتكسير كما حذفوهما من القاصعاء فقالوا قواصع فصار أشاوى، وقوله: كطرفاء هو اسم جمع لطرفة وهي شجر الأثل، وقد علمت من هذا التفصيل معنى كلام المصنف ﵀ وماله وعليه، ولنا في ذلك قديماً:
أشياءلفعاءفي وزن وقدقلبوا لامالهاوهي قبل القلب شيآء
وقيل أفعال لم تصرف بلا سبب منهم وهذا الوجه الرذ إيماء
أوأشيآء وحذف اللام من ثقل وشيء أصل شيء وهي آراء
وأصل أسماء أسما وكمثل كسا فاصرفه حتما ولا تغررك أسماء
واحفظ وق!! للذي ينسى العلاسفها خفضت شياءوغابت عنك أشياء
قوله:) صفة أخرى (أي لأشياء والرابط ضمير عنها، والجملة خبرية، والمعنى لا تسألوا عن
أشياء لم يكلفكم الله بها كما في سبب النزول المذكور. قوله:) روي أنه لما نزلت الخ (بهذا يعلم
ارتبا! الآية بما قبلها، وهذا الحديث أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة ﵁ لكن فيه أن القائل عكاشة بن محصن ﵁، ولذا شك الراوي فيه كما أشار إليه في الكشاف، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل: أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ : " لو قلت نعم لوجبت
стр. 1065
ولما استطعتم " ثم قال: " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء ناتوا منه أستطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " قال ابن الهمام ﵀: الرجل المبهم هو الأقرع ابن حابس كما في مسند أحمد، والدارقطني، ومستدرك الحاكم في حديث صحيح رووه على شرط الشيخين فقد علمت الأصح في اسمه، وكون الواقعة تعددت احتمال بعيد وقوله: لوجبت أي مسألتكم، وهي الحج في كل عام. قوله: (أو استئناف الخ) ، والضمير في عنها على هذا يعود إلى المسألة المدلول عليها بلا
تسألوا وإليه أشار المصنف، ويجوز أن تعود إلى أشياء أيضا كأنه قيل فما حالتنا في مساً لتنا هذه فقال عفا الله الخ. قوله: (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخ) هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الفريابي في تفسيره، وأخرج مسلم وغيره أنهم سألوا رسول الله ﷺ حتى أحفوه في المسألة فصعد ذات يوم المنبر، وقال: " لا تسالوتي عن شيء إلا بينته لكم " فلما سمعوا ذلك أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر قال أنس ﵁ فجعلت أنظر يمينا وشمالاً فإذا كل رجل لات رأسه في ثوبه يبكي فأنشأ رج! ، كان إذا لاحى يدعي إلى غير أبيه فقال يا رسول الله من أبي قال: " أبوك حذافة " ثم أنشأ عمر ﵁ فقال: رضينا بالثه ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيا نعوذ بالله من الفتن، ثم قال رسول الله ﷺ : " ما رأيت في الخير والث! ر كاليوم قط إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتها دون الحائط " وروى أحمد أن حذافة رضي الله تعالى عنه رجع إلى أف فقال ويحك ما الذي حملك على الذي صنعت قالت:
كنا أهل جاهلية وأهل أعمال قبيحة ويفرط بزنة يقعد بمعنى يسبق وما لا يعنيهم بفتح الياء بمعنى لا يهمهم وسؤال الرجال بقوله: أين أنا أي أين مآل أمري ومرجعي، وإلا فهو منافق متهكم، وقوله: يدعي بسكون الدال من الدعوة بالكسر. قوله: (الضمير للمسألة الخ) قال أبو حيان: لا يتجه هذا الأعلى حذف مضاف كما صرحوا به أي سأل أمثالها، وأمّا ما قيل إنه عائد على أشياء، وأنه غير متجه لفظا، ومعنى أمّا لفظاً فلأنه يتعدى بعن، وأمّا معنى فلان المسؤول عنه مختلف فإنّ سؤالهم غير سؤال من قبلهم. فغير وارد لأنه بتقدير مثل كما مر، وإذا رجع إلى المسألة يكون الضمير في موقع المصدر لا المفعول به بالواسطة حتى يلزم التعدية بعن فيحمل على الحذف، والإيصال، ولا بدون الواسطة كما في سألته درهما بمعنى طلبته منه لأنهم لم يسألوا تلك الأشياء بل سألوأ عنها، وعن حالها. قوله: (ولشر صفة لقوم فإنّ ظرف الزمان الخ) هذا هو المشهور بين النحاة، ولكن التحقيق إنه لا يكون خبراً عن اسم عين، ولا حالاً ولا صفة، ولا صلة إذا عدمت الفائدة فإن حصلت جاز كما إذا أشبهت العين المعنى في تجددها في كل وقت دون وقت نحو الليلة الهلال أو قدر قبله اسم معنى نحو اليوم خمر أي شرب خمر بخلاف زيد يوم السبت، ولذا قال في الألفية:
ولا يكون اسم زمان خبرا عن جثة وان يفد فأخبرا
وما نحن فيه مفيد لأن القوم لا يعلم هل هم ممن مضى أم لا وقد مرّ في قوله: ﴿الذين
من قبلكم﴾ أنه أعرب صلة والصلة كالصفة، وقال أبو حيان ﵀ هذا المنع إنما هو في الزمان المجرّد عن الوصف أما إذا تضمن وصفا فيجوز كقبل وبعد فإنهما وصفان في الأصل فإذا قلت جاء زيد تبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل زمان مجيئه أي متقدم عليه، ولذا وقع صلة للموصول، ولو لم يلحظ فيه الوصف، وكان ظرف زمان مجرّدا لم يجز أن يقع صلة ولا صفة قال تعالى: ﴿والذين من قبلكم﴾ ولا يجوز والذين اليوم وهذا تحقيق بديع غفلوا عنه، ومنه تعلم ما في كلام المصنف رحمه الله تعالى وأما كون الصفة الجار والمجرور الذي هو ظرف لا الظرف نفسه فوهم لأن دخول الجار عليه إذا كان من أوفى لا يخرجه عن كونه فيالحقيقة هو الخبر أو نحوه فتأمّله. قوله: (اي بسببها حيث لم يأتمروا الخ الما لم يكن كفرهم بنفس المسألة بل بالمسؤول عنه أجابوا بأنه على حذف مضاف أي بجواب المسألة أو الباء للسببية دون الصلة، وقوله: لم يأتمروا بما سالوا أي لم يمتثلوا ما أجيبوا به، ويفعلوه. قوله: (رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية الخ) نتجت الناقة مبني للمجهول مسند إلى المفعول الأوّل أي وضعت حملها، ونتاجها
стр. 1066
ومعنى البحيرة ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من البحر، وهو
الشق لثق أذنها فهي نعيلة بمعنى مفعولة والتاء للنقل إلى الاسمية أو لحذف الموصوف، وما ذكر. المصنف رحمه الله تعالى هو المروي عن ابن عباس ﵄ إلا أنه ليس فيه قيد أن آخرها ذكر، وعن قتادة ﵁ أنها إذا أنتجت خمسة أبطن نظر في الخامس فإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه، وان كان أنثى شقوا أذنها وتركوها ترعى ولا يستعملها أحد في حلب وركوب وغيره، وقيل البحيرة الأنثى التي تكون خامس بطن، وكانوا لا يحلون لحمها ولبنها للنساء فإن ماتت حلت لهن، وقيل البحيرة بنت السائبة وستأتي وكانت تهمل أيضاً وهذا قول مجاهد وجبير، وقيل: هي التي منع لبنها للطواغيت فلا تحلب وهو قول سعيد بن المسيب، وقيل: هي التي تترك في المرعى بلا راع وقيل التي ولدت خمس إناث فشقوا أذنها وتركوها هملاً، وقيل: هي التي ولدت خمساً أو سبعا وقيل عشرة أبطن فتترك هملا، وإذا ماتت حل لحمها للرجال دون النساء قاله الراغب وغيره وقيل هو السقب الذي إذا ولد شقوا أذنه وقالوا اللهم إن عاش فعبى وان مات فذكى فإذا مات أكلوه وجمع بين الأقوال بأن العرب كانت تختلف أفعالهم فيها. قوله: (وكان الرجل منهم يقول إذا شفيت الخ) هذا تفسير السائبة، وهي فاعلة من سيبته فهو سائب وهي سائبة أو بمعنى مفعول كعيشة راضية أي ذات رضا وكانوا إذا قدموا من سفر أو أصابتهم نعمة نذروا ذلك، وقيل: هي الناقة تنتج عشرة أبطن إناث فتهمل ولا يشرب لبنها إلا لضيف أو ولد وقيل ما ترك لآلهتهم، وقيل: ما ترك ليحج عليه وقيل هي العبد يعتق على أن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث. قوله: (وإذا ولدت الشاة الخ (هذه هي الوصيلة وهي فعيلة بمعنى فاعلة لما سيأتي، واختلف فيها هل هي من جنس الغنم أو الإبل فقال الفرّاء: هي الثاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين فإذا ولدت في آخرها عناقاً وجديا قيل: وصلت أخاها فجرت مجرى السابة، وقال الزجاج: هي الشاة إذا ولدت ذكراً كان لآلهتهم وان ولدت أنثى كانت لهم، وعن ابن عباس ﵄: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن فإن كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فتأكلها الرجال والنساء، وكذا إن كانت ذكراً وان كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فتترك معه ولا ينتفع بها إلا الرجال دون النساء فإن ماتت اشتركوا فيها، وقال ابن قتيبة ﵀: إن كان السابع ذكرأ ذبح وأكلوا منه دون النساء، وقالوا: ﴿خالصة لذكورنا محرمة على أزواجنا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٣٩] وان كان أنثى تركت في الغنم وان كان ذكرا وأنثى فكقول ابن عباس ﵄ وقيل هي الشاة تنتج عشر أناث متواليات في خمسة أبطن فما ولدت بعده للذكور دون الإناث فإذا ولدت ذكرأ وأنثى معا قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوه لمكانها، وقيل: هي الشاة تنتج خمسة أبطن أو ثلاثة
فإن كان جديا ذبحوه وان كان أنثى أبقوها وان كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها هذا عند من خصها بالغنم، ومن قال: إنها من الإبل قال: هي الناقة تبكر فتلد أنثى، ثم تثنى بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم، ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر. قوله: (وإذا نتجت الخ) هذا معنى الحامي، واختل فيه أيضاً فقيل هو الفحل يولد لولده فيقولون قد حمى ظهره فيهمل ولا يطرد عن ماء ومرعى وقيل: هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون حمى ظهر، ويهملونه كذلك وعن الشافعيّ ﵁ أنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين وقيل هو الفحل ينتج له سبع أناث متواليات فيحمي ظهره، وقد عرفت أنّ منشأ الاختلاف مذاهب العرب فيها. قوله: (ومعنى ما جعل ما شرع ووضع الخ) كونه بمعنى ما شرع ذكره الزمخشري، والراغب وابن عطية لأنها هنا ليست بمعنى خلق ولا صير، وقيل: إنّ أحداً من أهل اللغة لم يذكر من معانيها شرع، وجعلها هنا للتصير والمفعول الثاني محذوف أي جعل البحرة مشروعه، وليس كما قال فإن الراغب ﵀: نقله عن أهل اللغة كما علمت وهو ثقة. قوله: (وفيه أنّ منهم من يعرف الخ الأنه قال أكثرهم، وهو ظاهر وقوله أو الآمر بالمد أي لا يعرفون إنّ الله هو الآمر المحلل والمحرّم، ولكنهم يقلدون ويصح قصره فتأمل. قوله: (الواو للحال والهمزة الخ) قال أبو البقاء: وجواب لو محذوف أي أولوا كانوا لا يعلمون يتبعونهم وذهب
стр. 1067
الراغب إلى أنّ الواو للعطف هنا، والهمزة للتعجيب من جهلهم أي يكفيهم ذلك، وان كان آباؤهم لا يعلمون فيفعلون ما يقتضيه علمهم، ولا يهتدون بمن له علم قيل: جعلوا الواو في مثله للحال وليس ما دخلته الواو حالاً من جهة المعنى بل ما دخلته لو أي، ولو كان الحال أنّ آباءهم لا يعلمون وفيه نظر ومن الغريب أنّ بعض المفسرين سمى هذه الهمزة همزة التوقف، وهي تسمية غريبة كما في الدار المصون وفي كون الجملة الاستفهامية الانشائية حالاً تأمل يحتاج إلى نظر دقنق، وقوله: فلا يكفي التقليد أي التقليد من غير أن يعلم
أنّ من قلده له حجة صحيحة على ما قلده فيه حتى قالوا إن للمقلد دليلاً اجماليا، وهو دليل من قلده وأوّل من فعل هذا عمرو بن لحيّ بن جمعة بن خندف. قوله: (أي احفظوها والزموا صلاحها الخ) يعني اسم فعل أمر نقل أمر نقل إلى ذلك مجموع الجار والمجرور لا الجار وحده كما قيل وهو متعد، وقد يكون لازما بمعنى تمسك كما في قوله ﷺ : " عليك بذات الدين " وعلى قراءة الرفع فهو مبتدأ أو خبر أي لازمة عليكم أنفسكم، أو حفظ أنفسكم لازم عليكم بتقدير مضاف في المبتدأ، وهي قراءة شاذة لنافع وكون أسماء الأفعال موضوعة للألفاظ أو للمعاني محقق في النحو، وقول المصنف ﵀ أسماً لالزموا ظاهر في الأوّل. قوله: (لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين ومن الاهتداء الخ) أي ضلال غيركم لا يضركم إذا كنتم على الهدأية، ولما توهم من ظاهر الآية الرخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأذن في ذلك ينافي الأمر به أشاروا إلى الجواب عنه بوجوه.
الأوّل: أنه للمنع عن هلاك النفس حسرة وأسفا على ما فيه الكفرة والفسقة من الضلال. والثاني: أنه تسلية لمن يأمر وينهى ولا يقبل منه عند غلبة الفسق وبعد عهد الوحي.
والثالث: أنه للرخصة في تركهما إذا كان فيهما مفسدة فوقهما.
والرابع: أنه للأمر بالثبات على الإيمان من غير مبالاة بنسبة الآباء إلى السفه حيث كانوا
على الكفر والضلال وأبناؤهم على الإيمان والهدى، والخامس أن الاهتداء لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي المذكور لأنّ تركه مع القدرة عليه ضلال، وجميع الوجوه تؤخذ من كلام المصنف ﵀ فالأوّل من قوله لما كان المؤمنون يتحسرون الخ، والثاني يؤخذ من قوله حسب طاقته لأنه يثير إلى أنّ ما لا يطاق معفو عنه ومن عدم الطاقة كثرة الفسقة، وكذا الثالث والرابع من قوله وقيل كان الرجل الخ والخامس: وهو مما زاده على الكشاف من قوله ومن الاهتداء الخ فلم يترك شيئا من الكشاف كما قيل. وقوله: (من رأى منكا) الحديث الخ أخرجه مسلم عن أبي سعيد ﵁. قوله: (ولا يضركم يحتمل الرفع على أنه مستأنف الخ) أي هو إما مرفوع مستأنف لا تعلق به بالأمر، أو هو جواب للأمر والمعنى إن لزمتم أنفسكم لا
يضركم والضمة على الأول رفع وعلى هذا حرك لالتقاء الساكنين بالضم إتباعا لما قبله، وكذا على تقدير كونه نهيا وليس المراد في النهي نهي من ضل عن الضرر بل المعنى نهي المخاطبين عما يؤدي إلى الضرر من جهة من ضل كناية على طريقة قوله لا أرينك ههنا، وقراءة الفتح لتحريكه بالفتح تخفيفا لالتقاء الساكنين، وضاره يضيره ويضوره بمعنى ضره كذمّه وذامه. قوله: (وتنبيه على أنّ أحدا الخ الأنه يدل على أنباء كل شخص بعمله دون عمل غيره والمقصود من الأنباء المؤاخذة به. قوله: (أي فيما أمرتم شهادة بينكم) اعلم أنهم قالوا: ليس في القرآن آية أعظم إشكالاً حكما واعرابا وتفسيرا من هذه الآية والتي بعدها حتى صنفوا فيها تصانيف مفردة قالوا: ومع ذلك لم يخرح أحد من عهدتها، والشهادة لها معان منها الإحضار كقوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢] ومنها القضاء نحو شهد الله أي قضى، ومنها أقرّ ومنها حكم ومنها حلف ومنها علم ومنها وصى كما في هذه الآية، وفيها قراآت متعدّدة فقرأها الجمهور برفع شهادة على أنها مبتدأ واثنان خبرها وجعلوها على حذف مضاف من الأول أي ذوا شهادة بينكم اثنان من الناس أو شهادة بينكم شهادة اثنين ليتصادق المبتدأ والخبر، ومنهم من جعل الشهادة بمعنى الشهود كرجل عدل أو الخبر محذوف، واثنان مرفوع بالمصدر الذي هو شهادة والتقدير فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، وهو قول الزجاج: وتبعه الزمخشريّ وإذا ظرف لشهادة أي ليشهد وقت حضور الموت أي أسبابه، وحين
стр. 1068
الوصية إما بدل من إذا أو نفس الموت أي وقوع الموت أي أسبابه حين الوصية أو منصوب بحضر أو شهادة مبتدأ خبره إذا حضر أي وقوع الشهادة في وقت حضور الموت حين الوصية على الوجوه السابقة ولا يجوز فيه أن يكون ظرفا للشهادة لئلا يخبر عن الموصول قبل تمام صلته كما مر أو خبره حين الوصية وإذا منصوب بالشهادة، ولا يجوز نصبه بالوصية، وان كان المعنى عليه لأنّ معمول المصدر لا يتقدمه على الصحيح، وأيضا يلزم تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وهو لا يجوز غير غير كقوله:
على الثاني لعبدي غير مكفور
لأنها بمنزلة لا واثنان على هذين الوجهين الأخيرين إما فاعل يشهد مقدرا أو خبر الشاهدان مقدراً أو شهادة مبتدأ أو اثنان فاعله سد مسد الخبر، وهو مذهب الفراء إلا أنه جعل المصدر بمعنى الأمر أي ليشهد فجعله من نيابة المصدر عن فعل الطلب، وهو ضعيف عند غيره لأنّ الاكتفاء بالفاعل مخصوص بالوصف المعتمد، وإذا وحين عليه منصوبان على الظرفية كما مر فهذه خمسة أوجه، وأما قراءة من نصبها فذهب ابن جني إلى أنها منصوبة بفعل مضمر اثنان فاعله أي ليقم شهادة بينكم اثنان، وتبعه الزمخشريّ، وأورد عليه أنّ حذف الفعل، وابقاء فاعله لم تجزه النحاة إلا إذا تقدم ما هو من جنس لفظه كقوله:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
أو وقع في الجواب، وهذا ليس كذلك، وما ذكره من الاشتراط غير مسلم بل هو مسلم
بل هو شرط أكثرية أو الشهادة مصدر ناب مناب فعله، وقدير ليشهد أمراً دون أشهد لرفعه الظاهر أو يقدر يشهد خبرا وبينكم في قراءة من نون شهادة منصوب على الظرفية ومن جره اتسع فيه لأنه متصرف، ولذا قرىء بقطع بينكم بالرفع، وقال الماتريدي والرازي إنّ الأصل ما بينكم، وهو كناية عن التنازع والتخاصم، وحذف ما جائز كقوله وإذا رأيت ثمّ أي ما ثم وأورد عليه أنّ ما الموصولة لا يجوز حذفها، ومنهم من جوّزه، وإنما بسطنا القول فيه لأنه من المهمات فقول المصنف ﵀ أي فيما أمر تم إشارة إلى أنّ شهادة مبتدأ خبره هذا المقدر، وهو أحد الوجوه السابقة، وجعل المراد من الشهادة الاشهاد في الوصية لأنها اللازمة لمن حضره الموت لا الشهادة نفسها لأنها على من أشهده. وقوله:) وقرىء شهادة الخ) أي على أنها مفعول ليقم بلام الأمر من أقامها إذا أدّاها على وجهها وبينكم منصوب على الظرفية، وأوّل حضور الموت بمشارفته لأنه لا وصية إذا حضر بالفعل، وإنما هي قبل ذلك، وإذا متعلقة بالشهادة، وهو أحد الوجوه فيها، وحين بدل منه، وقوله مما ينبغي غير قول الزمخشريّ دليل على وجوب الوصية لأنهم قالوا المراد بالوجوب الندب المؤكد طلبه الشبيه بالواجب، وفي تقدير ليقم ما مرّ من حذف الفعل، وابقاء فاعله فتذكره. قوله: (اثنان فاعل شهادة ويجوز أن يكون خبرها على حذف المضاف) قيل عليه إنه صرح بأن الشهادة بمعنى الاشهاد الذي هو فعل الموصي المختصر فلا يصح أن يكون اثنان فاعلاً لها بل لا بد أن يكون مفعولاً منصوبأ، والزمخشريّ لم يجعل الشهادة بمعنى الاشهاد بل حملها على معناها المتبادر منها، واثنان فاعل أي فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان فلا يرد شيء (قلت) اضافته إلى الظرف ناطقة بأن الشهادة واقعة بينهم، وبمحضر منهم، وكذا تعلق حين الوصية بها فالمعنى شهادتهما بما أوصى به
بحضرتهما، وهي تستلزم الاشهاد، وإليه مآل المعنى كما إذا قلت شهد الزيدان بما أسمعهما عمرو من كلامه، وبهذا الاعتبار كان مأمورا لأنّ المخبر عنه في الحقيقة الوصية المشهد عليها، وهي فعله، ونظيره، وإن لم يكن مما نحن فيه ﴿فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضا! إحداهما فتذكر احداهما الآخرى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢] لأنّ المعلل به التذكير، والمعنى أن تذكر احداهما الأخرى إذا ضلت كما نبه على سره في كتب التفسير والعربية فليست الشهادة بمعنى الاشهاد مجازا حتى يرد ما ذكره المعترض، وتبعه كثير منهم، ولذا قال المراد، ولم يقل ومعناها أو هي مجاز عنه ونحو ذلك، وقد أشار إلى ذلك الزمخشريّ حيث قال بعد قوله في تفسير ﴿شهادة بينكم﴾ [سورة المائدة، الآية: ٠٦ ا] فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان يعني فاستشهدوا فلا فرق بين كلاميهما كما توهمه المعترض، وأما ما قيل إن الشهادة بمعنى الأشهاد الذي هو مصدر المجهول، واثنان قائم مقام فاعله، والنائب عن الفاعل يطلق عليه فاعل كثيرا عندهم فمع كون الكلام مناد على خلافه
стр. 1069
يقتضي الإتيان لمصدر الفعل المجهول بنائب فاعل، وهو اسم ظاهر مرفوع، وهذا وأن جوّزه البصريون كما في شرح التسهيل للمرادي في باب المصدر فقد منعه الكوفيون، وقالوا إنه هو الصحيح لأنّ حذف فاعل المصدر سائغ شائع فلا يحتاج إلى ما يسد مسد فاعله كفاعل الفعل الصريح، وحذف المضاف إما من المبتدأ أو الخبر كما مرّ، ووقع في النسخ هنا اختلاف ففي نسخة الأشهاد في الوصية، وفي أخرى بالوصية، وفي أخرى أو الوصية فيكون المراد بالشهادة الوصية، وسيأتي ما يتعلق به، والأخيرة ليست معتمدة، ولا تناسب الكلام فتأمّل. قوله: (من أقاربكم أو من المسلمين وهما صفتان الخ) التفسيران مبنيان على ما سيأتي. قوله: (ومن فسر الغير بأهل الذفة) بناء على أنّ منكم معناه من المسلمين، وفي كونه منسوخا، واجماعاً نظر أما الأوّل فلأنه قد سبق من المصنف رحمه الله تعالى في آية الوضوء أن القول بالنسخ في هذه السورة ضعيف لقوله ﷺ المائدة آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرّموا حرامها، وأما الثاني فلأنّ ابن حنبل رضي الله تعالى عنه أجاز شهادة الكافر على المسلم في الوصية، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى أجازها في بعض الصور المذكورة في الفقه فتأمل. قوله: (أي سافرتم فيها) لأنّ ضرب في الأرض! معناه سافر كما بين في كتب اللغة، وقوله أي قاربتم الأجل إشارة إلى أنه من مجاز المشارفة لأنّ الوصية قبل إصابته. قوله: (تقفونهما الخ) وقف يكون لازما ومتعديا قال الراغب: يقال وقفت القوم أقفهم وقفا، ووقفواهم وقوفا، وتصبرونهما من الصبر بالصاد المهملة بمعنى الحبس قال في
النهاية في الحديث: " من حلف على يمين صبر " أي ألزم بها، وحبس عليها، وكانت لازمة له من جهة الحكم. قوله: (صفة لآخران الخ) على الوصفية جملة الشرط معترضة فلا يضر الفصل بها، واختلف في الشرط هل هو قيد في أصل الشهادة أو قيد في آخران من غيركم فقط بمعنى أنه لا يجوز العدول في الشهادة على الوصية إلى أهل الذمة إلا بشرط الضرب في الأرض، وهو السفر فإن قيل هو شرط في اصل الشهادة فتقدير الجواب إن ضربتم في الأرض! فليشهد اثنان منكم أو من غيركم وان كان شرطا في العدول إلى آخرين من غير الملة فالتقدير فأشهدوا آخرين من غيركم أو فالشاهدان آخران من غيركم فقد ظهر أن الدالّ على جواب الشرط أما مجموع قوله اثنان ذوا عدل الخ، وأما آخران من غيركم فقص، وجملة أصابتكم معطوفة على الشرط، والى الثاني ذهب المصنف لظهوره. قوله: (صلاة العصر الخ (فالتعريف للعهد أو للجنس، وتصادم ملائكة الليل الخ لأنه يوكل بالمرء من يحفظه، ويكتب أعماله في النهار، وآخروه في الليل، وملائكة النهار يصعدون بعد العصر، وملائكة الليل تهبط بعده أيضا فيتلاقون حي! سذ فالتصادم مجاز عن التلافي، وهذا ورد مصرّحاً به في الحديث، واجتماع طائفتي الملائكة فيه تكثير للشهود منهم على صدقه، وكذبه فيكون أقوى من غيره، وأخوف. قوله: (إن ارتاب الوارث منكم الخ) قدر المض، ف أي ارتاب وارثكم لأنّ المخاطب الموصون والمرتاب الموصى له وجعله وارثا لأنه الأغلب، والمذكور في سبب النزول، والا فقد يكون الموصى له غير الوارث، ولو قدّر الموصي كان أسلم، وليس المراد بالوصية هنا الوصية التي لا تكون للوارث، وهو ظاهر، وقيل نزل ارتياب الموصى له منزلة ارتياب الموصي. قوله:) وإن ارتبتم اعتراض الخ (في الكشاف إن ارتبتم في شأنهما، واتهمتموهما فحلفوهما فالشرط مع جوابه المحذوف معترض لا الشرط وحده قيل قدر جواب الشرط ليكون الاعتراض هو الجملة الشرطية، ولو كان هو الشرط فقد لكان الجزاء مضمون القسم فلم يحسن توسيطه بين القسم، والجواب بل التقديم عليه أو التأخير، والمصنف رحمه الله تعالى لا بد له من ذلك أيضاً لأنه لا يخلو أن يكون للشرط جواب أو لا فإن لم يكن له جواب تكون أن وصلية، وهي مع أنّ الواو
لازمة لها ليس المعنى عليها، ولو قدر فإمّا مقدماً أو مؤخراً، وكلاهما ينافيان الاعتراض إلا أن يريد أنها مستغنية عن الجواب لسد ما أكدته مسدّه، وفي قوله اختصاص القسم بحال الارتياب، وقوله بعد ذلك وجوابه أيضاً محذوف ما يشعر بموافقة الكشاف فتأمّل فما تيل إنه رأى اعتراض! الشرط، ومنع عدم
стр. 1070
حسن التوسط المذكور وهم من قلة التدبر، وليس هذا من توالي القسم، والشرط المعهود لأنه إذا اتحد جوابهما، وهنا ليس كذلك، وقوله لا نحلف بالله كاذبا أي حلفاً كاذباً فلا ركاكة فيه، ثم إنهم قالوا لا نشتري لا يصلح جوابا للشرط، ولا دليلاً له، ولا مانع منه لأنه في معنى إن ارتبتم فلا ينبغي ذلك لأنا لسنا ممن يشتري ذلك بثمن قليل، وجوّز في ضمير به أن يرجع للقسم، وللشهادة لأنها قول أو لله قالوا، والتقدير بيمين الله، وأشار بقوله تستبدل إلى أن نشتري بمعنى نستبدل ليصح نصبه ثمنا، وقيل تقديره ذا ثمن، والأوّل أولى. قوله: (ولو كان المقسم له قريباً الخ) أشار إلى تقدير الجواب، والى أنها ليست وصلية
لأنّ المعنى ليس على ذلك، وهو ظاهر، وقوله: الشهادة التي أمرنا بإتامتها إشارة إلى أنّ الإضافة، والاختصاص فيها بالله لأنه أمر بها أو أنها لأدنى ملابسة. قوله: (وعن الشعبي أنه وقف على شهادة) أي بالهاء ثم ابتدا آلله بالمد، والجرّ وليس هذأ من حذف حرف الجرّ وابقاء عمله شذوذاً لأنه إذا كان بغير عوض، وفي الجلا أ، الكريمة ت حويض همزة الاستفهام عن واو القسم، وحينثذ إما أن تمد للفصل بين الهمزتين فيقال آالله أوف سهل الثانية، ويقال أيضاً ها الله وهل الجر بحرف القسم أو بالعوض قولان وإذا قيل الله بدود دلى كما رواه سيبويه أيضا فهل حذف من غير عوض فتكون على خلاف القياس أو الهمزة المذكورة همزة الاستفهام، وهي همزة قطع عوّضت عن حرفه، ولكنها لم تمد اختار الئاني في الدرّ المصون، وهو أولى من دعوى الشذوذ، وضمير بغيره في كلام المصنف رحمه الله تعالى إن كان للتعويض فهو القول الأوّل، وهو الظاهر، وان كان للمد احتمل الثاني، وقوله: إن كتمنا تفسير لإذا لا تقدير، وقراءة لملائمين بينها المصنف رحمه الله تعالى، وسيأتي تحقيقها في عاد الأولى. قوله: (فإن عثر فإن اطلع (لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع عثاره فيعرف نعته ورد العثور بمعنى الاطلاع، والعرفان، وقال الغوري: عثرت إذا اطلعت على ما كان خفياً، وهو مجاز بحسب الأصل، وقال الليث إنّ مصدر هذا العثور ومصدر العثار العثرة وقال الراغب: مصدرهما واحد، وما قاله الراغب: هو الظاهر لأنّ اختلاف المصدر ينافي المجاز فتأمّل. قوله: (أي نعلاَ ما أوجب
إثماً الخ) فعلا بضمير التثنية، وقوله: فآخران في إعرابه وجوه قيل إنه خبر مبتدأ محذوف أي فالشاهدان آخران، والفاء جزائية، وجملة يقومان صفة آخران، وهو مرفوع بفعل مقدر أي فليشهد آخران، ومرّ ما فيه أو هو خبر مقدم موصوف، والأوليان مبتدأ مؤخر، أو هو مبتدأ أخبره من الذين أو هو مبتدأ، وخبره يقومان، وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى، والزمخشري، ولا يضرّ تنكيره وفيه أعاريب أخر هذه أحسنها، ومعنى كونهما شاهدين سيأتي في بيان معنى الآية. قوله: (من الذين جنى عليهم الخ) يشير إلى أن استحقاق الإثم عليهم كناية عن هذا المعنى، وذلك لأنّ معنى أ! تحق الشيء لاق به أن ينسب إليه فالجاني للإثم المرتكب له يليق أن ينسب إليه الإثم فاستحق الإثم بمعنى ارتكبه، وجناه فالذين استحق عليهم الإثم أي جنى عليهم، وارتكب الذنب بالقياس إليهم ففيه تضمين، وضمير استحق عائد إلى الإثم أو الإيصاء أو الوصية أو هو مسند للجارّ، والمجرور، وإنما استحق الإثم لأنّ أخذ ما يحصل بأخذه إثم يسمى إثما كما يسمى ما يؤخذ بغير حق مظلمة، ولذلك يسمى المأخوذ باسم المصدر، وعلى بمنزلتها في استحق على زيد مال بالسهمان أي وجب أو بمعنى في أو من أي استحق فيهم أو منهم قيل، والحق أنه مسند للإثم مشاكلة، والتضمين لقوله، ومعناه من الذين جنى عليهم، وذلك لابتناء قوله فإن عثر على قوله أنا إذا لمن الآثمين لأن المعنى إن كنا كثمنا الحق كنا من الجانين، ثم إن اطلع على أنهما خانا وجنيا على المشهود له واستحقا إثما بذلك فآخران يقومان مقامهما بالشهادة فكنى عن قوله خانا، وجنيا بقوله: استحقا إثما ليشاكل الكلام السابق، وهو إنا إذا لمن الآثمين، ولذا قال واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين، ثم عبر عن المشهود عليهم بقوله استحق عليهم الإثم ليشاكل التعبير عن الجانبين بأنهما استحقا الإثم، وفيه تأمل، وقوله: وهو أي الفاعل والأوليان أفعل تفضيل، ولذا فسره بالأحقان، وفي الكشاف معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجرّدهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين.
стр. 1071
قوله: (وهو خبر محذوف الخ) أي على قراءة المجهول لأنّ الكلام فيها، والقراءة الأخرى وقعت فيما بين الكلام عليها، وتفصيل هذا لأنه من أهم المهمات، ومن تعلق هذه الآية أنه قرى اشحق مجهولاً، ومعلوما في السبعة، والأوّلين جمع أوّل جمع مذكر سالم، وقرأ الحسن الأوّلان تثنية أوّل، وابن سيرين الأوليين بياءين تثنية أولى منصوبا وقرئ الأولين بسكون الواو، وفتح اللام جمع أولى كالأعلين فقراءة الجمهور رفع الأوليان على أنه مبتدأ خبره آخران أي الأوليان بأمر الميت آخران كما مرّ أو خبر مبتدأ مقدر أيهما الأوليان كأنه قيل من الآخران فقيل هما الأوليان أو هو بدل من آخران أو عطف بيان، وهذا يلزمه عدم اتفاق البيان، والمبين في التعريف، والتنكير مع أنهم شرطوه فيه حتى من جوّز تنكيره لكن بعضهم لم يشترطه، وقد نص عليه الزمخشري في آل عمران أو هو بدل من فاعل
يقومان أو صفة آخران لكن فيه وصف النكرة بالمعرفة، والأخفش أجازه هنا لأنه بالوصف قرب من المعرفة، وقال أبو حيان أنه هدم للقاعدة المؤسسة لكن المتقدمين ارتكبوه في مواضع كما في مررت بالرجل خير منك في أحد الأوجه قاله في الدرّ المصون، وهذا عكس، ولقد أمر على اللئيم يسبني فإنه يؤوّل فيه المعرفة بالنكرة، وهذا أوّل فيه النكرة بالمعرفة إذ جعلت في حكمها للوصف، ويمكن أن يكون منه بأن جعل الأوليان لعدم تعينهما كالنكرة أو هو نائب فاعل استحق لكن على هذا لا بد له من تأويل إما بتقدير مضاف أي إثم الأوليين وقدّره الزمخشري انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال، وهذا إعراب أبي عليّ الفارسي رحمه إلله تعالى، وتقدير الزمخشري أولى من تقدير الإئم لأنه لا يصح إلا بتأويل بعيد، وعلى غير هذا مرفوعه ضمير يعود على ما تقدم لفظاً أو سياقاً، وهو الإثم أو الإيصاء أو الوصية لتأويلها بما ذكر أو المال، وفي على في عليهم أوجه فقيل هي على أصلها كما مرّ أو بمعنى من أوفى، وأما قرإءة حفص بالبناء للفاعل فالأوليان فاعله، ومفعوله محذوف قدره بعضهم وصيتهما، وقدره الزمخشري أن يجرّد وهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين، وقدره ابن عطية مالهم، وتركتهم، وقراءة الأوّلين جمع أوّل المقابل للآخر فهو مجرور صفة الذين أو بدل منه أو من ضمير عليهم أو منصوب على المدح، ومعنى الأوّلية التقدّم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها، وأعرف كما مرّ، وقيل إنهم أوّلون في الذكر لدخولهم في يا أيها الذين آمنوا، وقرأ الحسن الأوّلان بالرفع على ما وجهناه به، والأوليين مثنى نصبه على المدح، وأما قراءة الأولين كالأعلين فشاذة لم تعز لأحد، وهو جمع أولى، واعرابه كالأوّلين والأوّليين، وقد مرّ الوجوه فيها وقوله:) وقرأ حمزة الخ) الأوّلين جمع أوّل منصوب، وقوله وقرى الأوّلين يعني تثنية أوّل، وبقية كلامه ظاهرة وقوله: بدل منهما تبع فيه الزمخشري، وقال النحرير: الضمير راجع إلى لفظ آخران فحقه أن يكون مفردا لأنّ لفظ المثنى كآخرين لفظ واحد، وقوله: أو خبر آخران فيه الأخبار عن النكرة بالمعرفة، وهو مما اتفق على منعه في مثله، وقوله: أو من الضمير في يقومان، وكون المبدل منه في حكم الطرح ليس من كل الوجوه حتى يلزم خلوّ الصفة عن الضمير على أنه لو طرح وقام هذا مقامه كان من وضع الظاهر موضع المضمر فيكون رابطاً.
واعلم إن استحق هنا فسر بطلب الحق وبحق، وغلب. قوله: (فيقسمان الخ) معطوف
على يقومان، والسببية فيها ظاهرة، ولشهادتنا جواب القسم، وفسر أحق بأصدق، والاعتداء بتجاوز الحق، والظلم بارتكاب الباطل بتنزيله منزلة اللازم أو بتقدير مفعول أي أنفسهم، وقيل
الفرق بينهما بالعموم والخصوص. قوله: (ومعنى الآينبن إنّ المحتضر اذا أراد الوصية الخ) اعلم إنهم اختلفوا في معنى الشهادة في هذه الآية فقال قوم هي الشهادة على الوصية في السفر، وأجازوأ شهادة الذمي على المسلم في هذه الصورة وبه حكم بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإليه ذهب ابن حتبل، والآية ليست بمنسوخة عندهم لحديث المائدة.
وقال آخرون الشهادة هنا بمعنى الحضور من شهدت كذا شهوداً وشهادة إذا حضرته،
وقيل هي أيمان الوصي إذا ارتاب الورثة فلا نسخ عليهما أيضاً، والأخير قول مجاهد وبعض الصحابة، واليمين قد تسمى شهادة وبها فسر قوله تعالى: ﴿فشهاثه أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [سورة النور، الآية: ٦] لكنه
стр. 1072
بعيد لأنّ الشهادة إذا أطلقت فهي المتعارفة، وقوله: ولا نكتم شهادة الله صريح فيه فإنّ الإيمان لا تكتم وتأويل من غيركم بغير أقربائكم قال الجصاص لا وجه له لأنّ الخطاب توجه أوّلاً إلى أهل الإيمان فالمغايرة تعتبر فيه، ولم يجر للقراية ذكر ويدل عليه الحديث الآتي في سبب النزول، ثم إنّ الشهادة إذا حملت على الوصية هل تعم كل وصية أو تخص بما وقع في الحديث اختلف فيه، وهل هي منسوخة أو باق حكمها فقيل نسخت بقوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ فإنه آخر ما نزل، وقيل إنّ في هذه السورة ثماني عشرة فريضة لم ينسخ منها شيء.
واعلم أنّ الشهادة كيف تتصوّر هاهنا وشهادتهما إما على الميت، ولا وجه لها بعد موته، وانتقال الحق إلى الورثة، وحضورهم أو على الوارث المخاصم فكيف يشهد الخصم على خصمه فهذا يقتضي بالضرورة تأويل الشهادة فالظاهر أن تحمل في قوله شهادة بينكم على الحضور أو الإحضار أي إذا حضر الموت لمسافر فليحضر من يوصي إليه بإيصال ماله لوارثه مسملاَ فإن لم يجد فكافر، والاحتياط أن يكونا اثنين فإذا جاءا بما عندهما، وحصل ريبة في كتم بعضه فليحلفا لأنهما مودعان مصدّقان بيمينهما فإن وجد ما خانا فيه، وادّعيا أنهما تملكاه منه بشراء، ونحوه، ولا بينة لهما على ذلك يحلف المدعى عليه على عدم العلم بما ادعياه، وإنه ملك لمورثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه، والشهادة الثانية بمعنى العلم المشاهد، أو ما هو بمنزلته لأنّ الشهادة المعاينة فالتجوّز بها عن العلم صحيح قريب، والشهادة الثالثة إما بهذا المعنى أو بمعنى اليمين كما مرّ فلا نسخ في هذه الآية على هذا، ولا إشكال، ولله الحمد مما أفاضه الله عليّ ببركة كلامه.
وما ذكر كله تكلف لم يصف من الكدر لذوق ذائق، وسبب النزول، وفعل الرسول مبين
لما ذكرنا عودا على بدء، وقول المصنف من ذوي نسبه أو دينه إشارة إلى الوجهين السابقين، وقوله يوصي إشارة إلى حمل الشهادة على الوصية، والتغليظ بالزمان، والمكان مذهب الشافعي، وهو عندنا لا يلزم بل يجوز للحاكم فعله.
وقوله: قإنه لا يحلف الشاهد هو المشهور، وقيل إنه إن لم يجد من يزكيه يجوز تحليفه احتياطا كما وقع في بعض كتب الفتاوى الحنفية، وقوله: ورد اليمين هو مذهب الشافعي أيضا، وعندنا لا تردّ اليمين، وليس في الآية دليل عليه لما ذكرناه، وقوله: أو لتغير الدعوى أي انقلابها بأنّ المدعى عليه صار مدعيا للملك، والوارث مدعى عليه فلذا لزمته اليمين لا للرد كما مرّ، وهو الصحيح، وقوله: (إذ روي الخ) استدل بسبب النزول على ما ذكره آخرا، وهو الصحيح. قوله: (روي أنّ تميماً الخ) أخرجه البخاري وأبو داود، والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسند صحيح عن تميم الداري في هذه الآية قال يرى الناس منها غيري، وغير عدي بن بدّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فأتيا الشأم لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بزيل بن أبي مريم بتجارة، وص مه جام من فضة يريد به الملك وهو أعظم تجارته فمرضى فاوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترث لورثته قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ففقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأدّيت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أنّ عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل ديته فحلف فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآية فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدفي بن بداء كذا
قال الترمذي: فيا لجامع، ثم قال هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير سمعت محمد بن إسماعيل يقول محمد بن السائب يكنى أبا النضر ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانى رضي الله تعالى عنها، وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه حدّثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا يحيى بن آدم عن أبي زائدة عن محمد
стр. 1073
بن أبي القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعديّ بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركتة فقدوا جاما من فضة محوّصا بالذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجد الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم، ومن عديّ فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأنّ الجام لصاحبهم قال: وفيهم نزلت الآية وهذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة، ومحمد بن القاسم كوفي قيل إنه صالح الحديث اهـ، وفي نور النبراس تميم الداري المذكور في هذه القصة نصراني من أهل دارين قاله مقاتل، وقيل هو تميم المعروف الداري منسوب إلى الدار، وهو بطن من لخم اهـ وبزيل بباء موحدة مضمومة وزاي معجمة مولى العاص بن وائل صاحب الجام، واختلف في ضبطه كما في كتاب المشتبه وبداء بياء موحدة، ودال مهملة مشددة ومد كشداد، ويقصر، وفي تفسير ابن مقاتل بنداء بنون قبل الدال، وهو غريب، وقال ابن حجر أنه اختلف في إسلامه، والمشهور إنه لم يسلم فقوله هنا، وبديل أي بدال مهملة هو ما في بعض النسخ، وفي الإصابة أنه بزيل، وقيل بريل براء مهملة بدل الدال، وبريل بن أبي مريم، وقيل ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاصي، ولا خلاف في أنه مسلم مهاجري اهـ فقول النحرير: قيل الصواب براء مفتوحة بعد الباء المضمومة عندي لا يخفى ما فيه، وقوله: دوّن أي كتب، وقوله: السهميان إشارة إلى أنهما وارثان له لأنه من بني سهم، وتخصيص العدد يعني باثنين من الورثة، وقوله: فأتاهم جعل الاثنين جمعاً تسمحا. قوله: (أي الحكم الذي تقدّم أو تحليف الخ) أي المشار إليه الحكم السابق تفصيله في هذه القضية أو تحليف الشاهدين، وقيل المشار إليه الحبس بعد الصلاة، وأدنى معنى أقرب، والى مقدّرة قبل أن المصدرية، والوجه بمعنى الذات، والحقيقة أي أقرب إلى الإتيان بها على
حقيقتها من غير تغيير لها، والى هذا أشار بقوله على نحو ما حملوها الخ. وعلى وجهها حال من الشهادة، والتقدير ذلك الحكم الذي ذكرناه أقرب ان يأتوا بالشهادة على وجهها مما كنتم تفعلونه، وأقرب إلى خوف الفضيحة فيمتنعوا من ذلك فعلى هذا أو يخافوا عطف على أن يأتوا على حد قوله:
علفتها تبنا وماء باردا
قوله: (واتقوا الله واسمعوا ما توصون به الخ) توصون مخفف أو مشدّد واتقوا قيل إنه معطوف على مقدّر أي احفظوا أحكام الله وأتقوا الخ وحمل السمع على القبول، والإجابة لما أوصوا به لأنه أفيد وأنسب، ولو عمم لصح وقوله: (فإن لم تتقوا الخ) حمله على ما ذكر لاً نه تذييل لتلك القصة فلا بد لشموله لمن هي فيهم، وقوله: فقوله تفريع على تقدير متعلق الهداية طريق الجنة لأنها تتضح في ذلك اليوم ويحتمل عوده إلى ما قبله كله أي الاهتداء إلى الحجة أو طريق الجنة كائن يوم يجمع الخ. قوله: (بدل من مفعول واتقوا الخ) وهو الله فيكون مفعولاً به أيضا، وقيل إنه على هذا لا بدّ من تقدير مضاف أي اتقوا عذاب الله لاشتمال اليوم على العذاب لا على الله لتنزهه عن الزمان، والمكان وردّ بأنّ بينهما ملابسة بغير الكلية، والبعضية بطريق اشتمال المبدل منه على البدل لا كاشتمال الظرف على المظروف بل بمعنى أنه ينتقل الذهن إليه في الجملة، ويقتضيه بوجه إجمالي مثلاً إذا قيل اتقوا الله يتبادر إلى الذهن أنه من أي أمر من أموره، وأيّ يوم من أيام أفعاله يجب الاتقاء يوم جمعه للرسل أم غير ذلك.
(وفيه بحث الأنه اشترط فيه أن لا تكون ظرفية، وهذا ظرف زمان لو أبدل منه لا، وهم ذلك، وفي الدرّ المصون، والاشتمال لا يوصف به الله، وفيه نظر فتامّل، وعلى نصبه باذكر فهو مفعول به أيضاً. قوله: (أيّ إجابة أجبتم الخ) أي ماذا يتعلق بقوله: أجبتم على أنه مفعول مطلق له لكونه بمعنى أفي إجابة وماذا كله استفهام، وهذا الوجه أرجح الوجوه، ولذا قدمه وتقدير بماذا أجبتم على أن يكون السؤال عن الجواب لا الإجابة، والتقدير بأي شيء أجبتم فحذف حرف الجرّ، وانتصب ضعيف لأن حذف حرف الجرّ وانتصاب مجروره لا يجورّ إلا في الضرورة كقوله.
تمرّون الديار ولم تعوجوا
وكذا تقديره مجرورا والمقصود وأن كان واحدا في المآل لكن الاعتبار والتعبير مختلف،
وأمّا تقدير ماذا أجبتم به كما قيل على
стр. 1074
أنّ ما مبتدأ، أو ذا بمعنى الذي خبره وأجبتم صلته، والعائد محذوف أي به كما قاله العوفي ففيه أنه لا يجوز حذف العائد المجرور إلا إذا جر الموصول بمثل ذلك الحرف الجار واتحد متعلقاً هما كما تقرّر في النحو. قوله: (وهذا السؤال لتوييخ قومهم الخ الما كان على كل من السؤال، والجواب إشكال أمّا السؤال فلأنه تعالى علام الغيوب فما معنى سؤاله أجابوا بأنه لقصد التوبيخ للقوم كما يقع صريح الاستفهام لذلك، وتحقيق كونه مجازاً أو كناية، ومن أيّ الأنواع في شرح المفتاح، وأما الجواب فلأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد نفوا العلم عن أنفسهم مع علمهم بما أجيبوا به فيلزم الكذب عليهم فاجابوا عنه بوجو..
الآوّل: إنه ليس لنفي العلم بل كناية عن إظهار التشكي، والالتجاء إلى الله بتفويض الأمر
كله إليه.
الثاني: أنه على حقيقته لكن على خصوص في الزمان، وهو أوّل الأمر لذهولهم من الخوف، ثم يجيبون في ثاني الحال، وبعد رجوع العقل إليهم، وهو في حال شهادتهم على الأمم فلا يكون قولهم لا علم لنا منافيا لما أثبت الله تعالى لهم من الشهادة على أممهم. الثالث: إنه إشارة إلى أنّ علمهم في جنب علم الله بمنزلة العدم مع تفويض الأمر إليه
تعالى.
الرابع: أنه ليس لنفي العلم بجوابهم عند التبليغ، ومدة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل كان منهم في عاقبة الأمر، وآخره الذي به الاعتبار، واعترض على هذا بأنهم يرون آثار سوء الخاتمة عليهم فلا يصح نفي العلم بحالهم، وبما كان منهم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يقال هذا إنما يدل على سوء الخاتمة، وظهور الشقاوة في العاقبة لا على حقيقة الجواب بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلعلهم أجابوا إجابة قبول، ثم غلبت عليهم الشقوة لأنا نقول معلوم أنه ليس المراد بماذا أجبتم نفس الجواب الذي يقولونه أو الإجابة التي تحدث منهم بل ما كانوا عليه في أمر الشريعة من الامتثال، والانقياد، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي أو عكس ذلك فإن قيل قول عيسى ﵊ فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم الخ. يدل على عدم علمه بحالهم بعده قيل هو إثبات لقبائحهم على الوجه الأبلغ واعتذار بأنه لم يكن له المنع بعد التوفي واظهار أنه لا ذنب له في ذلك، ولا تقصير فلا يدل على نفي العلم بحالهم بعده بل على نفي القدرة على التعيين فقول المصنف لتوبيخ دفع لما يرد
على السؤال، وقوله: لا علم لنا بما كنت تعلمه دفع لما يرد على الجواب بأنه ليس المقصود نفي علمهم بما سئلوا عنه بل نفي العلم بجميع ما علمه تعالى من الظواهر، والبواطن، وأشار بقوله وفيه الخ، إلى جواب آخر كما مرّ، وقوله: إلى جنب علمك أي بالقياس، وبالنسبة إليه، ولا يخفى أنّ هذا ما-له إلى ما ذكره أوّلاً فكيف ضعفه ومرضه، وما قيل إنّ ظاهر هذا المعنى لا يناسب جواب السؤال المذكوو فإن حمل على أنّ المراد لا علم لنا إلى جنب علمك فيما قاله القوم فهو راجع إلى ما ذكره المصنفا ﵀ لا يخفى ما فيه وقوله: (أو لا علا لنا بما أحدثوا بعدنا الخ) جواب آخر، وقد مرّ ماله، وعليه. قوله: (وقرئ علام بالنصب الخ) إذا تم الكلام عند قوله إنك أنت يكون على طريقة قوله أنا أبو النجم، وشعري شعري أي أنت المعروف بنهاية الكمال، واحاطة العلم حتى إن ما ذكرنا يدل على ذاتك مغن عن صفاتك، وبه يفيد الحمل، ويتم المعنى، وإليه أشار المصنف بقوله أي أنك الموصوف الخ. وقوله: منصوب على الاختصاص عنى به النصب على المدح الاختصاص الذي ذكره النحوبون فإنّ له شروطا ليست مستوفاة هنا، وترك قول الزمخشري أنه صفة لاسم أن لأنّ الضمائر لا توصف على الصحيح، ولذا أوّلوه بأنّ مراده بالوصف البدل، وهو يطلقه عليه كثيراً، وفيه كلام كثير كفانا المصنف مؤنته بتركه، وأما قراءة الغيوب بالكسر فإنه سمع في كل جمع على وزن فعول بالضم كبيوت كسر أوّله لئلا يتوالى ضمتان وواو، وهو مفصل في كتب النحو. قوله: (وهو على طريقة ونادى أصحاب الجنة الخ) يعني كلمة إذ وقال الماضي عبر بهما عما في المستقبل مجازاً لتحققه، وهذا البدل لتفسير المبدل منه، وايضاح لأن الجواب جواب توبيخ الكفر وردّ لا قبول، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: (والمعنى أثه الخ) يعني اذكر إنعامي عليك، وعلى والدتك حين جعلك قومك لزينة، وإذا بدتك تعليل أو توقيت، وبروح القدس أي التطهير من هذه الوصمة بما آتيتك من المعجزات ففيه مزيد توبيخ لهم بما
стр. 1075
فعلوه مع ظهور المعجزاى المكذبة لهم.
قوله: (وقرىء آي! دتك) بالمدّ قال الزمخشريّ: وزنه افعل، وقال ابن عطية فاعل، وأمّا
أيد بالتشديد فوزنه فعل لا غير على الصحيح، ولا يحتاج في ثبوت هذه اللغة إلى سماع
المضارع نعم يحتاج إليه في كون وزنه أفعل أو فاعل كما قيل لأنه اكتفى بمضارع الآخر، ويكفي لثبوته القراءة به ومعناهما واحد، وقيل معناه بالمدّ القوّة، وبالتشديد النصر، وهما متقاربان لأنّ النصر قوّة. قوله: (بجبريل ﵊ الخ) تقدّم الكلام عليه في البقرة، وأطلاقه على كلامه المذكور وهو ما أتي به من التوحيد، والشريعة على طريق التشبيه، وإضافته إلى القدس بمعنى التطهير المعنوي اختصاصية، وقوله ويؤيده أي يؤيد أنّ المراد بروح القدس الكلام قوله تكلم بعده لأنه كالبيان له. قوله: (والمعنى تكلمهم في الطفولة والكهولة الخ) أي قوله في المهد كناية عن كونه طفلاً صغيرا، وهي أبلغ من التصريح، وأولى لأنّ الصغير يسمى طفلاَ إلى أن يبلغ الحلم فلذا عدل عنه، وقوله على سواء هو إشارة إلى دفع أنّ التكلم في الكهولة معهود من كل أحد فما معنى ذكره مع التكلم في الطفولة الذي هو من الآيات بأنّ القصد إلى عدم تفاوت الكلام في الحالين لا إلى أن كلاً منهما آية.
وقال الإمام: إنّ الثاني أيضاً معجزة مستقلة لأنّ المراد تكلم الناس في الطفولة وفي الكهولة حين تنزل من السماء لأنه حين رفع لم يكن كهلاً، وهذا مبني على تفسير الكهل فإن عيسى عليه الصلاة، والسلام رفع ابن ثلاث وثلاثين، وقيل ابن أربع وثلاثين، ودلالته على التسوية عقلية لأن ذكر تكلم الكهولة ليس لأنه آية بل ليجعلهما على حد سواء، وهو ظاهر فما قيل لا دلالة على التسوية، والأولى أن يجعل وكهلا تشبيها أي تكلمهم كائنا في المهد وكائنا كالكهل في التكلم، وحينئذ ينهدم الاستدلال به على أنه سينزل ليس بشيء لأنّ ما ذكره يفيد التسوية أيضاً وكون التشبيه يؤخذ من العطف لا وجه له وتقدير الكاف تكلف، وفي كلام المصنف ﵀ نظر بعد ما سمعت كلام الإمام في وجه الاستدلال به لأنه لا يجعله مذكور للتسوية بل لإثبات كلامه لهم في الكهولة، وهو إنما يكون بعد النزول على ما مرّ في معناها وأمّا إذا قصد التسوية فلا يقتضي ثبوت الكهولة إذ معناه تكلمهم طفلا كما تكلمهم لو كنت
كهلاَ. قوله: (سبق تفسيره الخ) وسبق الكلام عليه لكنه كرر باذني ها أربع مرّات وثمة مرّتين قالوا لأنه هنا للامتنان وهناك للاخبار فناسب تكواره هنا، وأنّ له زيادة تأييد بكؤنه مأذونا- من الله فيما فعله، والجمع في الطائر المراد به أنه اسم جمع كباقر لجماعة البقر، وسامر للقوم يسمرون، ونحوه، وإلا ففاعل ليس من أبنية الجمع، وقد صرّحوا به في النحو، وليس المراد أنه! مفرد أريد به مجازاً معنى الحمع ومعنى الآية علمتك الكتابة من غير معلم، والحكمة بحيث غلبت حكماء زمانك مع مهارتهم، وزدت عليهم بايجادك ذا اروح، ولم ينقادوا لك، وإنما قال باذني لأنّ تصوير الحيوان وجعله ذا روح لا يجوز ولا يليق به بغير اذن، رقؤله ما هذا إشارة إلى أنّ أن فيه نافية، وجعل الإشارة إلى عيسى ﷺ للأخبار عنه بساحر، وأما جعل الإشارة إليه في القراءة الأولى، وجعل السحر بمعنى الساحر فلا حاجة إليه. قوله: (أي أمرتهم على ألسنة رسلي) إنما فسرءـ بهذ لأنّ الوحي مخصوص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم ليسوا كذلك فجعل أمرهم وحيا لكونه بواسطة الوحي إلى رسلهم قال الزجاج: الوحي في كلام العرب ورد بمعنى الأمر كقوله:
الحمد دلّه النني استقلت
باذنه السماء واطمأنت
أوحى لها القرار فاستقرت
أي أمرها أن تقرّ فامتثلت فما قيك الأظهر أنّ المرد بالإيحاء إلهامهم الإيمان لا وجه له،
وانما قال برسلي، ولم يقل برسولي ليطابق ما بعده لأنّ / المراد بالرسل الوسل الذين في زمن عيسى ﷺ أو من تقدمه لأنهم يجب الإيمان بهم، وبما جاؤوا به ما لم ينسخ، كأنه إشارة إلى أنّ الشريعة لموسى ىلجب! ر كما مرّ فافهم فسقط ما قيل الظاهر على لسان رسولي بدليك قوله، واشهد بأننا مسلمون، وكون أن مصدرية أو مفسرة! ، ودخولها على الأمر مرّ تحممه، وفسر مسلمون
стр. 1076
بمخلصون أو منقادون لأنه بهذا المعنى يطلق على من قبلنا، وفي العرف يختص بنا، وهو معنى آخر. وقوله: (فيكون تنبيهاً الخ) أي على جعله متعلقا بقالوا والمعية تفهم من كونهما في زمان واحد، وهو ظاهر. قوله: (لم يكق بعد عن تحقيق واستحكام معرف الخ) بعد سقط من نسخة إلى الآن أي حين تكلمهم بهذا لم يكن ما قالوه عن لحقيق منهم، ولا عن
معرفة بالله، وقدرته لأنهم لو حققوه، وعرفوه لم يقولوا هل يستطيع، ويقدر إذ لا يليق مثله بالمؤمن بالله، وتبع فيه الزمخشري في الجري على ظاهر الكلام من كون الحواريين شاكين في قدرة الله وفي صدق عيسى ﷺ كاذبين في دعوى الإيمان والاخلاص، وذهب محيي السنة وغيره إلى أنهم كانوا مؤمنين، وسؤالهم للاطمئنان، والتثبت كما قال الخليل ﷺ ﴿أرتي كيف تحيي الموتى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦٠، وهل يستطيع سؤال عن الفعل دون القدر تعبيرا عن الفعل بلازمه أو عن المسبب بسببه، ومعنى إن كنتم مؤمنين إن كنتم كاملين في الإيمان، والاخلاص ومعنى، ونعلم أن قد صدفتنا علم مشاهدة، وعيان بعلم ما علمناه علم إيمان، وايقان بدليل إنّ المؤمنين أمروا بالتشبيه بالحواريين، وأجيب بأنّ الحواريين فرقتان مؤمنون هم خالص عيسى ﵊ والمأمور بالتشبه بهم، وكافرون وهم أصحاب المائدة، وسؤال عيسى ﷺ لنزول المائدة وإنزالها ليلزمهم الحجة وقال ابن عطية وغيره من المفسرين إنّ القول بكونهم غيره مؤمنين خارق للإجماع ولا نعلم خلافاً في إيمانهم، وأوّلوا الآية، وأجابوا عنها بما مرّ ونحوه، وقالوا صفة الحوارفي تنافي عدم إيمانهم، وهو الحق، وادّعاء أنهم فرقتان يحتاج إلى نقل، ولك أن تقول أنّ المصنف ﵀ لم يذهب إلى ما ذهب إليه الكشاف، وأنّ مراده أن إخلاصهم الذي ادّعو. لم يكن محكما محققاً تحقيقاً لا تعتوره الأوهام، والوساوس الذي لا تضرّ المؤمن، ولا توقعه في مزلة الكفر فطلبوا إزالة ذلك طلب من يتثبت لانكارهم له، واستعظامه عندهم لا لشك منهم، ولكن خافوا أن يوقعهم الشيطان به في حبائله، وهذا تصرّف منه أخف من نسب الشك إليهم، ومخالفة ظاهر النظم كما يدل عليه ما سيأتي، وهذا هو النظر السديد عندي فتأمله. قوله: (وقيل هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة) فكأنهم قالوا هل إرادة الله، وحكمته تعلقت بذلك أولاً لاً نه لا يقع شيء بدون تعلقهما به قبل، وقوله: ﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ [سورة المائدة، الآية: ٥٧] لا يلائمه لأن السؤال عن مثله مما هو من علوم الغيب لا قصور فيه، وقد عرفت أنّ الجمهور أولوه كما مرّه قوله: (وقيل المعنى هل يطيع ربك الخ) فيستطيع بمعنى يطيع، ويطيع بمعنى يجيب مجازاً لأنّ المجيب مطيع، وذكر أبو شامة أنّ النبيّ ﷺ عاد أبا طالب في مرض فقال له يا ابن أخي اح ربك أن يعافيني فقال: " اللهمّ اشف عمي) فقام كأنما نشط من عقال فقال يا ابن أخي إنّ ربك الذي تعبده ليطيعك فقال: " يا عم وأنت لو أطعته لكان يطيعك " أي يجيبك لمقصودك،
وحسنه في الحديث المشاكل فقد عرفت أنّ العرب استعملته بهذا المعنى، وفي الانتصاف قيل معنى يستطيع يفعل كما تقول للقادر على القيام هل تستطيع أن تقوم، ونقل هذا عن الحسن فعلى هذا يقون إيمانهم سالما عن الشك في القدرة والتعبير عن الفعل بالاستطاعة من التعبير عن المسبب بالسبب إذ هي من أسباب الإيجاد على عكس ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] وهذا التأويل الحسنيّ يعضد تأويل أبي حنيفة ﵀ حيث جعل الطول المانع عن نكاح الأمة، وجود الحرة في العصمة، وعدمه أن لا يملك عصمة الحرّة، وان كان قادراً على ذلك فيباح له حينئذ الأمة، وحمل قوله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ على معنى، ومن لم يملك منكم، وحمل النكاح على الوطء فجعل استطاعة الملك بمعنى الملك حتى أنّ القادر غير المالك عادم الطول عنده فينكح الأمة، وكنت أستبعده حتى وقفت على تفسير الحسن هذا، وكانت عائشة ﵂ تقول الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك فنزهتهم عن أن ينسب إليهم مثل هذه المقالة الشيعة. قوله: (وقرأ الكسائي تستطيع ربك أي سؤال ربك) أي قرأها بالتاء خطابا بالعيسى ﷺ ، وربك منصوب على المفعولية، وبقراءته كانت تقرأ عائثة، ومعاذ وعليّ وابن عباس
стр. 1077
في جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وعلى هدّه القراءة فالأكثر أنّ فيها مضافاً مقدراً، وقيل لا حاجة إلى تقدير، والمعنى هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك، وهذا منقول عن الفارسيّ وفيه نظر وفي قوله هل تسأله ذلك إشارة إلى أنّ استطاعة السؤال هنا عبارة عن السؤال كما مرّ تحقيقه لأنّ قوله من غير صارف يأباه فتأمل. قوله: (والمائد الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد الماء الخ) الخوان بضم الخاء، وكسرها، وفيه لغبة اخوان بهمزة مكسورة، وهو معرّب وقيل إنه عربيّ مأخوذ من تخوّنه أي نقص حقه لأنه يؤكل عليه فينقص، وهو بمعنى المائدة، وهي فاعلة من ماد يميد إذا تحرك أو من ماده بمعنى أعطاه فهي إما فاعلة بمعنى مفعول كعيشة راضية أو بجعلها للتمكن مما عليها كأنها بنفسها معطية كقولهم للشجرة المثمرة مطعمة، وتفسير المائدة بالخوان تفسير بالأعمّ لأنه لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه طعام، والا فهو خوان كما لا يقال للقدح كأس إلا وفيه خمر، وله نظائر كثيرة ذكرها أهل اللغة. قوله: (بكمال قدرته وصحة نبوتي الا فرق بينهما في ابتغائهما، وإنما الفرق في تقدير متعلق الإيمان هل هو القدرة والنبوة
أو عدم تقديره، والمراد صادقين في الإيمان مطلقاً. قوله: (تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال الخ) هذا! لا ينافي ما سبق من كونهم لم تكن معرفتهم مستحكمة لأنهم ليسوا معاندين ولا جازمين بخلافه فلهم أن يعتذروا عن طلبه بأنّ،: مرادنا أن نتيقن، ويزول وهمنا، وعلى التأويلات السابقة لا اشكال فيه فما قيل إنه رد لما في الكشاف من كونهم شاكين، ويدل عليه. قوله: (لما رأى أنّ لهم غرضاً صحيحاً الخ الا يرد عليه أنه كيف يتمشى مع تصريحه أولاً بما ذكره الكشاف، وتقديمه على سائر الأقوال، ولهذا اكترض عليه بأنه غير منايسب لصدر كلامه، ولذا قال بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال ليكون عين اليقين، ولا بعد في مثله من بعض الحواريين إذ قد يكون منهم من قرب عهده ثم تمحض بذلك خلوصه، ؤكلامه لا يخلو من اغلاق وادماج، وقوله عليها من الشاهدين مثل قوله: وكانوا فيه من الزاهدين. وقوله: (إذا استشهدتنا) يشعر بأنّ على صلة الشاهدين لكن فيه تقديم ما في حيز الصلة، وحرف الجر وكلاهما ممنوع فلا بد من تعلقه بمحذوف يفسره من الشاهديبن إن جوّزنا تفسير ما لا يعمل للعامل، وقد جوّز تقدمه بعض النحاة مطلقاً وبعضهم في الظرف، وجوّز أن يكون حالاً من اسم كان أي عاكفين عليها على ما مرّ في قوله تعالى ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة﴾ ، والوجه الثاني لا اشعار فيه به، وقوله بكمالها إشارة إلى أنّ عندهم دليلاَ لكنه غير تام، وهذ يؤيد ما اخترنا في تفسير كلامه. قوله: (اللهم ربنا الخ) قالوا ربنا نداء ثان لا بدل ولا صفة لأنّ لفظ اللهم لا يتبع، وفيه خلاف لبعض النحاة ومن السماء إما صفة مائدة أو متعلق بالفعل. قوله: (أي يكون يوم نزولها عيدا الخ الما كان العيد اسماً للزمان في المتعارف لم يصح الاخبار عن المائدة به فقدر نزولها يوم عيد ليصح الحمل فإن قلنا إنّ معناه السرور لا يحتاج إلى التأويل، ولكن يكون جعلها نفسها سرورا مبالغة مجازاً في الاسناد، والعيد العائد مشتق من العود لعوده في كل عام بالفرح والسرور، وكل ما عاد عليك في وقت فهو عيد قال الأعشى:
فوا كبدي من لا عج الحب والهوى إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها
وهو واوي لكنهم قالوا في جمعه أعياد، وكان القياس أعواداً ففعلوا ذلك فرقا بين جمع
عيد وعود، وقد فصلنا الكلام فيه في شرح درة الغواص، ومنهم من أعرب لنا خبرا وجعل عيداً حالاً. قوله: (بدل من لنا باعادة العامل الخ) ظاهره أنّ المبدل منه الضمير، ولكن أعيد
الجار لأنّ البدل في قوة تكرار العامل وهو تحكم لأنّ الظاهر أنّ الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور ثم إنّ ضمير الغائب يبدل منه وأمّا ضمير الحاضر، وهو المتكلم، والمخاطب فأجازه بعضهم مطلقاً، وهو ظاهر كلام المصنف، ومنعه قوم وفصل بعضهم فقال إن أفاد تأكيد أو إحاطة وشمولاً كما هنا جاز والا امتنع. قوله: (وقيل يثل منها أوّلنا وآخرنا) الآكل مأخوذ من المائدة، وقوله نريد أن نأكل منها، وكونها لأوّلهم، وآخرهم بأن يأكلوا منها جميعا من غير نقص، ولا تفاوت بين الأوّل، والآخر فيكون كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [سورة مريم، الآية: ٦٢]
стр. 1078
والظاهر على هذا أن يكون لنا خبراً أي تكون قوتاً لنا أو نافعة لنا أوّلنا وآخرنا، وإنما ضعفه لأنّ الظاهر منه عموم كل بني إسرائيل بذلك والواقع خلافه فتأمل، وقراءة أولانا وأخرانا تأنيث الأوّل والآخر باعتبار الأمّة أو الطائفة، وهي قراءة زيد وابن محيصن والجحدري، وهي شاذة، وما قيل من أنّ المراد الدار الآخرة لا يصح والجملة صفة عيداً. قوله:) وارزقنا المائدة الخ الو عمم لكان أولى، وعلى هذا فالمراد بالمائدة ما عليها لأنها كما تطلق على الخوان تطلق على ما عليه. قوله: (أي تعذيباً (يعني أنه اسم مصدر بمعنى التعذيب كالمتاع بمعنى التمتيع أو اسم جعل بمعنى المصدر كالنبات بمعنى الانبات فيكون مفعولأ به مبالغة فينتصب به على التشبيه بالمفعول وفي التوسع يتعدّى الفعل إلى مفعول آخر بنفسه من غير تقدير حرف، والمنصوب على التشبيه بالمفعول ثلاثة المصدر، والظرف، ومعمول الصفة المشبهة، وليس هو الحذف والايصال، ولذا قال أبو البقاء فيه وجهان النصب على السعة أو الحذف، والإيصال، والأوّل أقيس لأنّ حذف الجار لا يطرد في غير أنّ، وأن عند عدم اللبس، وقيل المراد بالسعة الحذف، والايصال أي أعذب بعذاب، والعذاب ما يعذب به وربما يؤيده ما بعد.. قوله: (الضمير للمصدر الخ) قيل عذاباً مفعول مطلق إذ لو جعل اسماً لما يعذب به لقيل بعذاب لأنّ التعذيب لا يتعذى إلى مفعولين، والحذف، والإيصال خلاف الظاهر فلا يرجع إليه مع ظهور المصدرية فعلى هذا يكون ضمير لا أعذبه في موقع المفعول المطلق كما في ظننته زيداً قائما، ويقوم مقام العائد إلى الموصوف فإنّ قوله لا أعذبه صفة عذابأ، ويجوز أن يجعل من قبيل ضربته ضرب زيد أي عذابا لا أعذب تعذيباً مثله فيكون مع كونه في موقع المفعول المطلق عائداً إلى الموصوف.
(اقول) هدّا مأخوذ من كلام أبي البقاء، وحاصله أنّ الصفة لا بد لها من عائد، وهذا
الضمير إذا كان مفعولاً مطلقا يكون عائداً على المصدر المفهوم من الفعل كما في ظننته زيدا قائماً إذ لا مرجع له غيره وحينئذ تخلو الصفة من العائد فأجاب عنه بجوابين الأوّل أنه مصدر واقع بعد النفي فيعم ويشمل العذاب المتقدم ويحصل الربط بالعموم، وأورد عليه أنّ الربط بالعموم إنما ذكره النحويون في الجملة الواقعة خبرا نحو زيد نعم الرجل فلا يقاس عليه الصفة فإن قدر مثل يكون الضمير راجعاً على العذاب المتقدم والربط به، وقيل الضمير راجع إلى من بتقدير مضافين أي لا أعذب مثل عذابه، ولا بد من هذا التقدير ليصح المعنى. قوله: (من عالمي زمانهم أو العالمين مطلقاً الخ) السفرة بالضم الطعام بوضع للمسافر ثم شاع فيما يوضع فيه، والمثلة بالضم المراد بها هنا العقوبة، وأصلها عقوبة فيها قطع الأنف، والاً طراف للتكيل وهي المنهي عنها، وقال الطيبي المثلة العقوية الغريبة كالمسخ. قوله: (بلا فلوس) جمع فلس، وهو ما على جلد السمك من القشور، وهو على طريق التشبيه، وليس بمعنى اللمع الفضي كما قيل، والكراث بضم الكاف وتشديد الراء ورائحته كرائحة البصل تنفر منها الملائكة، وأهل الزهد والجبن معروف، وهم بضم الجيم والباء، وتشديد النون في اللغة الفصحى، وفيه لغة أخرى تسكين الباء وتخفيف النون كضد البخل، ولذا قال الشاعر:
وقالوا تدرع للشجاعة والوغى فقلت دعوني آكل الخبز بالجبن
وإنما جعلت هذه معها لأنها مشهية، والعسل دافع لضرر السمك، والقديد اللحم اليابس، وقوله أحيي بفتح الياء الأولى، وسكون الثانية أمر أي كوني حية ذات ووح، وقوله اضطربت أي تحركت بحلول الروح فيها، وغبا أي يوما بعد يوم ليكون أشهى وأحب، وفاء الفيء أي فيء الزوال وفاء ماض أي وجد ظله، وقوله استعفوا أي طلبوا العفو، وفي نسخة
استغفروا، وقوله فلم تنزل الصحيح رواية خلافه، وهذا مرويّ عن الحسن. قوله: (وعن بعض الصوفية الخ) أن قال إن المقصود من الآية هذا فلا وجه له وان
стр. 1079
أراد أنه من البطون القرآنية فنعم، وتنزيل النظم عليه ظاهر. قوله: (توبيخ الكفرة وتبكيتهم الخ (يعني أنّ الاستفهام ليس حقيقياً، ولكن لا لتوبيخ عيسى ﷺ بل لتوبيخ المتخذين، ولما كان هذا القول وقع من رؤسائهم في الضلال كان مقرّراً كالاتخاذ، وإنما المستفهم عنه صورة ممن صدر فلذا قدم المسند إليه لأنّ المستفهم عنه يلي الهمزة إلا لنكتة على المشهور عند أهل النحو والمعاني، ولام للناس للتبليغ، واتخذ بمعنى صير يتعدّى لاثنين، وقد يتعدى لواحد فالهين حال، ومن دون إما متعلق به أو بمحذوف صفة الهين وقيل التقديم لتقوية التوبيخ، وقوله وأمي دون مريم توبيخ على توبيخ أي مع أنك بشر تلد، وتولد قبل هذا، وقيل الاستفهام لاستنطاقه ليفتضحوا، وهذا ليس غير التوبيخ كما توهم. قوله: (ومعنى دون إما المغايرة الغ (لما كان معنى اتخذت فلانا صديقاً من دوني أنه استبدله به لا أنه جعله صديقاً معه، وهم لم يقولوا بذلك بل ثلثوا أوّلها بأن من أشرك مع الله غيره فقد نفاه معنى لأنه وحده لا شريك له منزه عن ذلك فاقراره بالله كلا اقرار فيكون من دون الله مجازاً عن مع الله أو المراد بمن دون التوسط بينهم وبين الله كما تقول اتخذ شفيعاً من دون السلطان أي بينك، وبينه فيكون الدون إشارة لقصور مرتبتهما عن مرتبته لأنهم قالوا هو كالشمس، وهذا كشعاعها، وهذا في الآخرة، ولذا ضعف ما قيل إنّ
أوّل من صلى المغرب عيسى ﷺ شكر ألله حين خاطبه بقوله " نت قلت الخ، وكان ذلك بعد الغروب فالأولى لنفي الألوهية عن نفسه، والثانية لنفيها عن أمّه، والثالثة لاثباتها لله. قوله: (أي أنزهك تنزيها من أن يكون لك شريك الخ) إشارة إلى أنّ اتخاذهما إلهين تشريك لهما معك في الألوهية لا إفرادهما بذلك إذ لا شبهة في ألوهيتك، وأنت منزه عن الشركة فضلا عن أن يتخذ إلهان دونك على ما يشعر به ظاهر العبارة قيل: ويجوز أن يكون إشارة إلى أنّ من دون الله في موتع الصفة، والمعنى الهين سوى الله فيكون المجموع ثلاثة، وهذا إثبات للشريك فنزهه عنه، ومنه يعلم توجيه آخر لقوله من دون الله غير التوجيهين السابقين اللذين ذكرهما الراغب، وتبعه المصنف ﵀، وقوله أنزهك تنزيها إشارة إلى أنه منصوب على المصدرية كما مرّ تفصيله في سورة البقرة، وقوله من أن يكون لك شريك بيان لمتعلق المنزه عته، وقدره ابن عطية من أن يقال هذا، وينطق به قيل وهو أنسب بقوله ما يكون لي أن أقول الخ. قوله:) ما ينبني لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله) إشارة إلى أن ما يكون بمعنى ما ينبغي، ولا يليق، وهو أبلغ من لم أقله وقوله لا يحق لي إشارة إلى أنّ لي متعلقة بحق مقدمة عليه، وبحق خبر ليس، وليس بمتعين لاحتمال لي أن يكون للتبيين فيتعلق بمحذوف كما في سقيا لك، وقد أعربه المعربون كذلك فلا حاجة إلى تكلف وجه آخر، ولا يرد عليه ما قيل إنه يقتضي تعلق لي بحق وتقديم صلة المجرور على الجار ممتنع فلا بد من تقدير متعلق يفسره الظاهر، وأما القول بأنّ الباء زائدة فلا يفيد إذ لا فرق في المنع بين الزائد، وغيره إلا أن يذهب إلى القول بالجواز كما ذهب إليه بعض النحاة. قوله: (إن كنت قلتة) المعنى على المضي هنا، وأن تقلب الماضي مستقبلاً فلذا قيل معناه إن صح قوله ودعو أي ذلك فقد تبين عملك به، وأجاب عنه ابن يعيش بجوابين الأوّل عن المبرد أنّ كان قوية الدلالة على المضيّ فلا تقدران على تحويلها إلى الاستقبال الثاني عن ابن السراج أن التقديران أقل كنت قلته قال: وكذ ما كان من أمثاله، وفي تذكرة ابن هشام ﵀ أنّ هذين الجوابين ضعيفان.
قوله: (تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم الخ) قال الزجاج: النفس في كلامهم لمعنيين بمعنى الروج، وبمعنى الذات وحقيقة الشيء، وليس مراده الحصر فيهما لأنّ لها معاني أخر، وإذا كانت بمعنى الذات فقد ورد إطلاقها على الله من غير مشاكلة كقوله: ﴿وكتب على نفسه الرحمة﴾ وغيره وأمّا بالمعنى الأوّل فلا تطلق عليه تعالى إلا مشاكلة، وهنا إن كان المراد الذات على كل حال فيهما فليست المشاكلة في إطلاقها بل في لفظ في حيث جعلت علم عيسى ﷺ ، في ذاته بمعنى في ذهنه، وعقله كقولك كان كذا في نفسي، وعلم الله لا يرتسم في عقل، ودهن ولا يتوقف على آلة، ولذا قال الطيبي ﵀ لا بد من المشاكلة، وان أريد الحقيقة
والذات من حيث إدخال في الظرفية لأنّ المراد به من جانب العبد ما في الضمير، والقلب، وقال الراغب:
стр. 1080
يجوز أن يكون القصد إلى نفي النفس عنه فكأنه قال تعلم ما في نفسي، ولا نفس لك فأعلم ما فيها كقوله:
ولا ترى الضت بها ينجحر
ولذا قال في الكشاف في نفسي في قلبي، والمعنى تعلم معلومي، ولا أعلم معلومك،
ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة، وهو من فصيح الكلام، وفي الدر المصون أنه تفسير ابن عباس ﵄ فما قيل في شرحه المعنى لا أعلم ما في ذاتك فعبر عن الذات بالنفس لقوله: ﴿ثعلم ما في نفسي﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٦ ا] وأنت خبير بأن لا أعلم ما في ذاتك، وحقيقتك ليس بكلام مرضيّ بل المراد أنه عبر عن لا أعلم معلومك بلا أعلم ما في نفسك لوقوع التعبير عن تعلم معلومي بتعلم ما في نفسي لا يخفى ما فيه من الخلل بعد ما عرفت ما حققناه، واذأ علمت أن للنفس معنيين يطلق أحدهما على إلله من غير مشاكلة، وهو الحقيقة والذات، والثاني متوقف عليها علمت ما في كتب الأصول من الخبط كما في العضد، وشروحه. قوله: (كما تعلم ما أعلته (يعني علمهما على حد سواء عنده أو المراد أنه يعلم بالطريق الأولى، وقوله: في نفسك للمشاكلة جار على ما حققناه لأنه لم يقل إطلاق النفس مشاكلة لكن قوله، وقيل المراد بالنفس الذات صحيح لأنه يقتضي أنه عليه لا يحتاج إلى المشاكلة، وهو كذلك لما عرفت أن علمه ليس بانتقاس في ذأته لا لما قيل إنّ ما في ذاتك لا يخرجه عن المشاكلة إذ لا تطلق النفس بمعنى الذات عليه تعالى إلا مشاكلة كما في شرح المقاصد الشريفي فإنه ليس كذلك، وادعاء أنّ ما وقع في الآيات مشاكلة تقديرية من سقط المتاع. قوله: (تقر-لر للجملتين باعتبار منطوقه ومفهومه الإفادته الحصر بضمير الفصل إن قلنا لا يشترط فيه تعريف الطرفين أو أفعل التفضيل أو تعريف الطرفين المفيد لإثبات علم الغيب له تعالى، ونفيه عمن سواه فالإثبات تقرير لتعلم ما في نفسي لأنّ ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، والنفي تقرير للا أعلم ما في نفسك لأنه غيب، وغيرك لا يعلم الغيب، وهذا معنى قوله باعتبار منطوقه ومفهومه، وما قيل عليه من أنّ المفيد للحصر ضمير الفصل فيكون نفي العلم عن الغير أيضاً منطوقا إلا أن يريد نفي العلم عن نفسه، وهو مفهوم لكن لا يلايمه قوله: تصريح بنفي المستفهم عنه ليس بوارد لأن الصحيح أنّ مدلول الكلام الحصري الإثبات على الانفراد، ويلزمه النفي، وفرق بين الحصر بما والا، وإنما وبين غيرهما، ولذا لا يصحح العطف بلا النافية بعدهما دون غيرهما فهو مفهوم ولا منطوق فتأمّل. قوله: (تصريح بنفي المستفهم عنه الخ) وهو قوله للناس لأنّ المعنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به لا هذا، وما يدل
عليه قوله سبحانك الخ. قوله: (عطف بيان للضمير في به أو بدل الخ) قدم عطف البيان لسلامته عن الأشكال، وجوّز كونه بدل كل من كل رداً على الزمخشريّ لأنّ المبدل منه في حكم النسخ، والطرح فيلزم خلوا لصلة من العائد بطرحه وبين وجهه بأنه ليس كذلك مطلقا وقوله: مطلقاً يحتمل في كل حكم لأنه قد يعتبر طرحه في بعض الأحكام كما إذا وقع مبتدأ فإن الخبر للبدل في نحو زيد عيته حسنة، ولا يقال حسن فلولا اعتبار طرحه لزم أن يخبر عنه، ويحتمل أنه ليس كل بدل كذلك بلهو مخصوص ببدل الغلط فإنه يعتبر طرحه كما في شرح المفصل، ثم إنه اعترض على الزمخشريّ بتناقض كلامه فإنه صرح في المفصل بأنه ليس في حكم الطرح وأعرب الأوليان بدلاً من ضمير يقومان قبيل هذا مع أنّ الضمير عائد من الصفة إلى الموصوف، والجواب عنه، وإن شنع عليه شراح الكشاف أنّ هذا مذهب لبعض النحاة، ونقله الإسفندياري في شرح المفصل عن ابن السراج.
وقال في الدر المصون: إنّ الذاهبين إليه نصوا على أنه لا يجوز جاء الذي مررت به أبي
عبد الذ بجرّ أبي عبد الذ بدلاً من الهاء، وعللوه بأنه يلزم بقاء الموصوف بلا عائد، وأما كون المبدل منه، وهو الاسم الظاهر يصلح للربط فإنه عين المبتدأ ففيه خلاف لهم، وهذا دأب الزمخشريّ كما يعلم من تتغ كتابه وصرح به في الكشف في مواضع أنه يمشي على مذهب في آية ثم يذكر مذهبا آخر يخالفه في أخرى استيفاء للمذاهب، ومن لا يعرف مغزى كلامه يظنه تناقضاً منه، ولا يرد عليه ما قيل إنّ في المعنى أنّ عطف البيان في الجوامد بمنزلة النعت في المشتقات فكما أنّ الضمير لا ينعت لا يعطف عليه عطف بيان فإنّ كثيراً من النحاة جوّزوه، وليس متفقاً عليه، وقد أشار شراح المغني إلى رده، وجعله خبر مضمر أي، وهو أن اعبدوا
стр. 1081
الخ أو منصوبا بأعني مقدّراً ظاهر غني عن البيان. قوله: (ولا يجورّ إبداله من ما أمرتني به فإن المصدر لا يكون مفعول القول الخ) أي لا يجوز إبداله من ما الموصولة التي هي بدل من مفعول القول لأنّ مفعوله إمّا جملة محكية أو ما يؤدي مؤداها كقلت قصيدة أو ما أريد به لفظه حكاية، وليس هذا واحداً منها وقيل عليه العبادة، وان لم تقل فالأمر بها يقال لأنّ أن الموصولة مع فعل الأمر لا تقدر بالعبادة، ولكن بالأمر بها فكأنه قيل ما قلت لهم إلا الأمر بعبادة الله والأمر مقول بل قول على أنّ جعل العبادة مقولة ليس ببعيد على طريقة ثم يعودون لما قالوا أي للوطء الذي قالوا قولاً يتعلق به، ومثله كثير في القرآن، وفي الفرائد معناه ما قلت لهم إلا عبادته أي الزموا عبادته، وهو المراد مما أمرتني، والجملة بدل من ما لأنها في حكم المفرد وكله تعسف. قوله: (ولا ان تكون أن مفسرة لأنّ الأمو الخ) إشارة إلى أنّ ما مر على تقدير
المصدرية ورده بوجهين أحدهما أنّ الأمر المسند إلى الله لا يصح تفسيره باعبدوا الله ربي وربكم بل باعبدوني أو اعبدوا الله، ونحوه ورد بأنه يجوز أن يكون حكاية بالمعنى، وأن يكون ربي وربكم من كلام عيسى ﷺ كما مر في قوله: ﴿إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم﴾ رسول الله فليس من الحكاية بل إدماج أو على إضمار أعني، ونحوه وهذا لا ينافي التفسير كما قيل، وإن كان خروجا عن مقتضى الظاهر وفي أمالي ابن الحاجب إذا حكى حاك كلاما فله أن يصف المخبر عنه بما ليس في كلام المحكي عته، وقال الدماميني ﵀ ولا يمتنع أن يكون الله قال لعيسى قل لهم اعبدوا الله ربي، وربكم فحكاه كما أمره به ولا إشكال، والوجه الثاني أنّ القول لا يفسر بل يحكي به ما بعده من الجمل، ونحوها، وهو ظاهري لأنه إن أريد به أنه لا يقترن بحرف التفسير المقول المحكي فمسلم لأنّ مقول القول في محل نصب على المفعولية والجملة المفسرة لا محل لها كما ذكره أبو حيان هنا لكن المقول هنا محذوف، وهو المحكي، وهذا تفسير له أي ما قلت لهم مقولاً، وفي الانتصاف أجاز بعضهم وقوع أن المفسرة بعد لفظ القول، ولم يقتصر بها على ما هو في معناه. قوله: (إلا أن يؤوّل القول بالآمر الخ) نقل عن الزمخشريّ في حواشيه كان الأصل ما أمرتهم إلا ما أمرتني به فوضع القول موضمع الأمر جريا على طريق الأدب الحسن لئلابجعل نفسه، وربه معا آمرين، ودل على الأصل بإقحام أن المفسرة قيل ولابتناء جعل القول في معنى الأمر على هذه القرينة، والنكتة لم يكن لك أن تجعل كل قول في معنى فعل فيه معنى القول فتجعل أن مفسرة له.
(قلت) هذا ردّ لقول الانتصاف إنّ هذا التأويل لتقع أن المفسرة بعد فعل في معنى القول،
وليس قولاً صريحا، وحمل القول على الأمر مما يصحح المذهب الآخر في إجازة وقوعها بعد القول مطلقاً فإنه لولا ما بين القول، والأمر من التناسب المعنوي لما جاز إطلاق أحدهما، وارادة الآخر، والعجب أنّ الأمر قسم من القول، وما بينهما إلا عموم، وخصوص، وليس في هذا التأويل الذي سلكه إلا كلفة لا طائل وراءها ولو كانت العوب تأبى وقوع المفسرة بعد القول لما أوقعتها بعد فعل ليس بقول، ثم عبرت عن ذلك الفعل بالقول لأنّ ذلك كالعود إلى ما وقع الفرأر منه، وهم بعداء من ذلك انتهى، وقال ابن هشام فإن قيل لعل الامتناع من إجازته لأنه أمر لا يتعدى بنفسه إلى المأمور به إلا قليلا يعني كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
فكذا ما أوّل به قلنا هذا لازم له على توجيه التفسيرية، وهو ليس بشيء لأنه لا يلزم من
تأويل شيء بشيء أن يتعدى تعديته كما صرحوا به لأنّ التعدية تنظر إلى اللفعل، ثم إنه قيل في جعل أن مفسرة لفعل الأمر المذكور صلته مثل أمرته بهذا أن قم نظر أما في طريق القياس فلأن أحدهما مغن عن الآخر، وأما في الاستعمال فلأنه لم يوجد، وفي ادعاء القياس نظر لأنّ الأوّل
لإبهامه لا يغني عن الثاني، والثاني لا يغني عن الأوّل وللتفسير بعد الإبهام شأن ظاهر. قوله: (رقيباً عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك الخ) إشارة إلى أنّ الشهيد، والرقيب هنا بمعنى، ولكن تفنن في العبارة ليميز بين الشهيدين، والرقيبين لأنّ كونه ﷺ رقيباً ليس كالرقيب الذي يمنع، ويلزم بل كالشاهد على المشهود عليه، ومنعه بمجرّد القول، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع إلزام بالأدلة، والبينات
стр. 1082
فإن قلت قوله: ﴿فلما توفيتني﴾ الخ بعد قوله: ﴿وكنت عليهم شهيدا﴾ الخ من قبيل ما مر في قوله قالوا لا علم لنا أي لا علم لنا بما كان منهم بعدنا إذالحكم للخاتمة، وقد رد هنا بأنه كيف يخفى عليه أمرهم، وقد رآهم سود الوجوه كما مر قلت: ليس هذا منه لأنه ﷺ في صدد التنصل، والتبري عما نسب إليه واثباته لهم فأين هذا من ذاك فإن قيل إنه تعالى قبل توفيه هو المانع بالإرشاد لإرسال الرسل والبينات كما أنه كذلك بعد توفيه فلا تقابل بين قوله كنت أنت الرقيب، وقوله: كنت عليهم شهيداً على هذا التفسير فينبغي تفسيره بأني ما دمت فيهم كنت شاهدا لأحوالهم فيمكن لي بيانها، وبعد التوفي لا أعلم حالهم، ولا يمكنني بيانها قلت منعه من غير واسطة بل بالقول، والزجر، ومنع الله ليس كذلك فالتقابل واضح وتخصيصه بعد توفيه بالفعل بلا رسولط، والا فهو الهادي قبله، وبعده وهو ظاهر مما مر، وقوله: بالرفع إلى السماء إشارة إلى ما سبق من أنه لم يصلب، ولم يمت فلذا فسر التوفي برفعه، وأخذه من الأرض! كما يقال توفيت المال إذا قبضته. قوله: (ولا اعتراض على المالك الخ) وأما العباد فقد يعترض عليهم إذا فعلوا بمماليكهم ما لا يجوّزه الشرع لأنهم لا ملك لهم على الإطلاق، وقوله وفيه تنبيه لم يجعله معنى النظم لأنه ليس من منطوقه بل فيه إشارة إليه. قو! ٤:) فلا هجز ولا استقباح الخ) وقع لبعض الطاعنين في القرآن من الملاحدة أن المناسب ما وقع في مصحف ابن مسعود ﵁ بدل العزيز الحكيم العزيز الغفور لأنه مقتضى قوله، وأن تغفر لهم كما نقله ابن الأنباري رحمه الله تعالى، وأجاب عنه لسوء فهمه ظن تعلقه بالشرط الثاني فقط لكونه جوابه، وليس كما توهم بفكره الفاسد بل هو متعلق بهما، ومن له الفعلى،
والترك عزيز حكيم فهذا أنسب، وأدق وأليق بالمقام، وما في كلام المصنف رحمه الله تعالى يمكن إرجاعه إلى هذا أو هو متعلق بالثاني، وأنه احتراس لأنّ ترك عقاب الجاني قد يكون لعجزينا في القدرة أو لإهمال ينافي الحكمة فبين أن ثوابه وعقابه مع القدرة التامة، والحكمة البالغة، وليس كما قيل:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
وقوله: لا عجز ولا اشقباح فإن كونه عزيزا غالبا ينفي العجز، وكونه حكيما ينفي استقباح فعله، ولذا قيل ليس قوله: إن تغفر لهم تعريضا بسؤاله العفو عنهم، وإنما هو لإظهار قدرطه على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولذا قال إنك أنت العزيز الحكيم تنبيها على أنه لا امتناع لأحد عن عزته فلا اعتراض! في حكمه وحكمته، ولم يقل الغفور الرحيم، وإن اقتضاهما الظاهر كما قال:
أذنبت ذنباعظيما وأنت للعفو أهل
فإن غفرت ففضل وان جزيت فعدل
قوله: (فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم الخ) في الكشاف ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه
بني الكلام على أن غفرت فقال إن عذبتهم عدلت لأنهم أحقاء بالعذاب، وان غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأنّ المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول بل متى كان المجرم أعظم جرفاً كان العفو عنه أحسن يعني أنّ المغفرة، وان كانت قطعية الانتفاء بحسب الوجود لكنها لما كانت بحسب العقل تحتمل الوقوع واللاوقوع استعمل فيها كلمة إن فسقط ما يتوهم أن تعذيبهم مع أنه قطعيّ الوجود كيف استعمل فيه إن وأنما كان العفو أحسن لأنه أدخل في الكرم، وهذا لا ينافي كون العقوبة أحسن في حكم الشرع من جهات أخر، وعدم وقوع العفو بحكم النص، والإجماع، وفي كتب الكلام أنّ غفران الشرك جائز عقلاً عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لاًنّ العقاب حق الله على المذنب، وليس في إسقاطه مضرة فما ذكره في الانتصاف من أنّ هذا لا يوافق كلام أهل السنة، ولا المعتزلة ليس على ما ينيغي، وأما استعماله في الممتنع لذاته لنكتة أخرى فلا ينافي هذا، وبهذا التقرير علمت ما عني المصنف رحمه الله تعالى، وأنه ليس مخالفاً للكشاف كما توهم. قوله: (على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف الخ) قراءة الجمهور بالرفع ظاهرة على الابتداء، والخبرية، وفراءة النصب خرجت على وجوه منها أنه ظرف
стр. 1083
لقال، وهذا مبتدأ خبره محذوف أي كلام عيسى مج! في يوم ينفع
الصادقين أو هذا جزاء الصادقين، ونحوه أو هذا حق تصديقا لعيسى ﷺ وتكذيباً لأمته، والظرف خبره أي هذا الذي قاله عيسى ﷺ واقع ينفع الخ أو هذا مفعول به للقول لأنه بمعنى الكلام القصص أو مفعول مطلق لأنه بمعنى القول. قوله: (وليس بصحيح لأن المضاف إليه معرب) قال الكوفيون: الظرف مبني على الفتح إذا أضيف إلى جملة فعلية، وأن كانت معربة، واستدلوا بهذه القراءة وغيرها، وأما البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صدرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض كقوله:
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وخرجوا هذه القراءة على ما ذكره، ونحوه فادعاء عدم صحته على مذهبهم، وألحق بالماضي الفعل المنفي بلا كما ذكره النحرير: وتفصيله في النحو. قوله: (والمراد بالصدق الصدق في الدنيا فإن النافع ما كان حال التكليف) ، والعمل لا ينفع في الدار الاخرة مطلقا وهو إشارة إلى ما قالوه من أنّ الكفار لا يكذبون في الآخرة، ولذا قالوا وكنا نكذب بيوم الدين، وأورد عليه أنه ليس بمطابق لما ورد فيه لأنه شهادة بصدق عيسى ﷺ فيما قاله جواباً عن قوله: (أأنت قلت للناس الخ) فالأخبار بأن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في الاخرة لا يلائم ذلك، وأجيب بأنّ المراد الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم إلى آخرتهم كما هنا فالنفع، والمجازاة تكون باعتبار تحققه في الدنيا، والمطابقة لما نحن فيه باعتبار تقرره، ووقوع بعض جزئياته في الآخرة، والمستمرّ هو الأمر الكلي الذي هو الاتصاف بالصدق، ولا يلزم من هذا أن يكون للصدق الأخروي مدخل في الجزاء ليعود المحذور ولا يحتاج إلى جعل الصدق الأخروي شرطا في نفع الصدق الدنيوي، والمجازاة عليه وقوله بيان للنفع يعني قوله لهم جنات إلى هنا تفسير للنفع، ولذا لم يعطف عليه. قوله: (تنبيه على كذب الخ) وجه التنبيه من تقديم الظرف لأنه المالك لا غيره فلا شريك له قيل، ويعلم منه تنزهه تعالى عن المكان. قوله: (وإنما لم يقل ومن فيهن الخ) لأنّ المعروف تغليب العقلاء لشرفهم على غيرهم، والوجه الأول مبني على اختصاصها بذوي العقول ف! طلاقها على ما يشملهم، ويجانسهم لنكتة، وهي الإشارة إلى قصور الجميع عن الربوبية لتجانسهم، والله لا يجانسه، ولا يثاكله شيء، وأنهم بمنزلة الجمادات في جنب عظمته، وكبرائه، والثاني إشارة إلى أنّ ما عامة للعقلاء، وغيرهم فاستعملت للعموم من غير تغليب لأنها لا تختص! بغير ذوي العقول بل تتناول الأجناس كلها
عقلاء، وغيرهم فكانت أولى بالعموم لمناسبتها لمقام إظهار العظمة، والكبرياء فما في ملكوته وتحت قدرته لا يصلح شيء منها للألوهية سواء فيه عيسى ﷺ وأمه وغيرهما، والحديث الذي ذكره موضوع كما ذكره ابن الجوزي من حديث أبيّ ﵁ المشهور. تمت سورة المائدة اللهم لا تحرمنا ببركتها من موائد كرمك، ولا تقطع عنا عوائد نعمك وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام في كل مبدأ وختام آمين.
تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع أوله سورة الأنعام
стр. 1084
هو بعض حديث أبي بن كعب في فضائل الفرآن سورة سورة، وهو موضوع كما قال الأئمة الحفاظ ابن الجوزي وابن حجر والذهبي وغيرهم، وتقدم الكلام عليه في آخر سورة آل عمران.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأنعام
قطب هذه السورة يدور على إثبات الصانع، ودلائل التوحيد قال أبو إسحق الإسفرايني ﵀ في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد، ولما كانت نعمه تعالى مما تفوت الحصر إلا أنها ترجع إجمالاً إلى إيجاد وابقاء في النشأة الأولى، وإيجاد وابقاء في النشأة الآخرة، ولما أشير في الفاتحة إلى الجميع ابتدئت بالتحميد لأنها ديباجة نعمه المذكورة في كتابه المجيد ثم أشير في الأنعام إلى* الإيجاد الأوّل وفي الكهف إلى الإبقاء الأوّل وفي سبأ إلى الإيجاد الثاني، وفي فاطر إلى الإبقاء الثاني فلهذا ابتدئت هذه السور الخمس بالتحميد فقال جل ثناؤه: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ . قوله: (غير ست الخ) وقيل غير اثنتين نزلتا في رجل من اليهود قال ما أنزل الله على بشر من شيء الخ. قوله: (أخبر بأنه حقيق بالحمد الخ) يشير به إلى إنها جملة خبرية وقد جوّز في هذه الجملة أن تكون خبرية وإنشائية، وذهب بعضهم إلى تعين الخبرية فيها، وبعضهم إلى تعين الإنشائية قال ابن الهمام في شرح البديع هي إخبار صيغة إنشاء معنى كصيغ العقود وبالغ بعضهم في إنكار كونها إنشائية لما يلزم عليه من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود ويبطل من وجهين أحدهما أنّ الحامد ثابت قطعاً بل الحمادون، والآخر أنه لا يصاغ للمخبر عن غيره لغة من متعلق أخباره، اسم قطعا، فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم فلو كان الحمد إخباراً محضاً لم يقل لقائل الحمد حامد وهما باطلان فيبطل ملزومهما، واللازم مما ذكره انتفاء وصف الواصف المعين لا الاتصاف، وهذا لانّ الحمد إظهار الصفات الكمالية الثابتة لا ثبوتها نعم يتراءى كون كل مخبر منشئاً حيث كان واصفا للواقع ومظهرأ له، وهو توهم وأن الحامد مأخوذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه ابتداء التعظيم، وهذا ليس ماهية الخبر فاختلفت
الحقيقتان، وظهر أنّ الغفلة عن اعتبار هذا القيد جزء ماهية الحمد هو
стр. 1085
منشأ الغلط إذ بالغفلة عنه ظن أنه إخبار لوجود خارج يطابقه وهو الاتصاف، ولا خارج للإنشاء، وأنت تعلم أن هذا خارج عن المفهوم، وهو الوصف الجميل وتمامه، وهو المركب منه ومن كونه على وجه ابتداء التعظيم لا خارج له بل هو ابتداء معنى لفظه علة له انتهى قلت إن نظرت بدقيق النظر إلى ما قال فهذا كلام لا يخلو من اختلال فإنه لا يلزم في كل إنشاء صحة اشتقاق اسم فاعل صفة للمتكلم به منه بل إنما يكون إذا كان إنشاء لحال من أحواله كما فيما نحن فيه، ولا فرق فيه بينه وبين الخبر في ذلك، فكما يصح أن يقال حامد يقال لمن ضربت ضارب فإن لم يكونا كذلك لم يصح فيهما، وكما لا يقال لمن قال زيد قائم إنه قائم لا يقال لمن قال: اضحرب إنه ضارب وهذا لا يختص بالأمر، ألا ترى أنّ قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ [البقرة، الآية: ٢٣٣] أنها خبرية لفظا وانشائية معنى لأنها لأمرهم بالإرضاع ولا يطلق عليه تعالى مرضحع، كذا نحو قاتله الله جملة إنشائية معنى خبرية لفظاً، ولا يقال لقائلها قاتل، وهذا تخيل فاسد والذي غرّه صيغ العقود، وقد علمت وجهه فيها وأنها لا تختص بها وما نحن فيه من قبيلها، فتأمّل منصفاً. قوله: (ونبه على أنه المستحق له الخ) يعني أنه أخبر أوّلاً أنه حقيق بالحمد باعتبار ذاته تعالى، ولذا لم يقل للمنعم ونحوه، ثم نبه على استحقاقه باعتبار الأنعام تنبيها على تحقق الاستحقاقين، وأعلم أن الحمد لغة الثناء بالجميل الاختياري تعظيما، وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم فقد تضمن محموداً به ومحمودأ عليه، إن قلنا إنه مغاير للمحمود به، ومعتبر فيه كما يعلم تحقيقه من شرح المطالع وحواشيه، وأمّا المستحق للحمد فهو المحموإ، ولا يشترط فيه ذلك بل لا يصح، قال الفاضل الليثي المراد بالاستحقاق الذاتي استحقاقه تعالى الحمد بجميع صفاته وأفعاله كما أشار إليه الشريف في شرح الكشاف حيث قال: لما كانت صفاته عين ذاته أو مستندة إليها. وكانت أفعاله متفرّعة على صفاته كان استحقاقه العبادة لصفاته، وأفعاله راجعا إلى الاستحقاق الذاتي، أقول هذا مردود من وجهين، الأوّل أن المحمود لا يشترط فيه أن يكون اختياريا كما مرّ فحينئذ التعظيم، وهو الحمد العرفي الذي الحمد اللغويّ نوع منه، وأقصاه العبادة يضاف إلى الذات من غير تأويل بل هو الطرف الأعلى كما صرّج به في الإشارات في مقامات العارفين، وقال الرازي في شرحه: أعلم أنهم في ذلك ثلاث طبقات. فالأولى: في الكمال والشرف الذين يعبدونه لذاته لا لشيء آخر، والثانية: وهي التي تلي الأولى في الكمال الذين يعبدونه لصفة من صفاته، وهي كونه مستحقا للعبادة، والثالثة: وهي آخر درجات المحققين الذين يعبدونه لتستكمل نفوسهم بالانتساب إليه انتهى، والعجب كيف خفي مثله على هؤلاء الفحول، فإن قلت كيف يتصوّر تعظيم الذات من حيث هي قلت لو وقع ذلك ابتداء قبل التعقل بوجوه الكمال كان كذلك أما بعد معرفة المحمود بسمات الجمال، وتصوّره بأقصى صفات الكمال فلا بدع في أن يتوجه إلى تمجيده وتحميده
مرّة أخرى بقطع النظر عما سوى الذات بعد الصعود بدرجات المشاهدات، وإذا قال أهل الظاهر:
صفاته لم تزده معرفة لكننا لذة ذكرناها
فما بالك بهؤلاء وهم القوم كل القوم، الثاني أن ما استند إليه من كلام السيد السند غير
مفيد لمدعاه بل شاهد عليه لأن صاحب الكشاف قال: لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات اا! ظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء، وغاية الخضوع وألاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته تخص بالعبادة، والاستعانة لا نعبد غيرك، ولا نستعينه ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التمييز الذي لا تحق العبادة إلا به، فقال الشريف: في أثناء تحقيقه ولما كانت صفاته إمّا عين ذاته أو مستندة إليها وحدها، وكانت متفرّعة عن صفاته الذاتية كان استحقاقه العبادة بصفاته وأفعاله راجعاً إلى الاستحقاق الذاني، أقول يريد قدس سرّه أنه لما تحصل من ضمير الحطاب الدال على تلك الصفات، ومن تقديمه الدال على الحصر أن استحقاق العبادة ليس إلا لذلك، والحال أنّ الاستحقاق الذاتي مقرّر بل هو المطلوب الأعلى فلا يصح الحصر، أجاب بأنه لا ينافيه إلا إذا كان مغايراً له رأسا، وأمّا إذا كان عينه أو راجعاً إليه فلا، فلذا جعل الاستحقاق الذاتي أصلاً وأرجع
стр. 1086
الاستحقاق بالصفات إليه ولو كان معناه ما ذكره المحشي لعكس، لأنه جعل الاستحقاق بالذات راجعا إلى جميع الصفات، وتسميته ذاتيا بنوع تأوّل، وقد اهتدى إلى هذا بعض الفضلاء فقال في شرح كلامه هذا إشارة إلى دفع سؤال مقدر، وهو أن العبادة هي الحمد فإذا كان استحقاقه إياها منحصراً في التمييز بتلك الصفات كما يدلّ عليه قول المصنف لا تحق العبادة إلا به لم يثبت الاستحقاق الدّاتي بالنسبة إليها انتهى، وتحقيق هذا المقام مما أفاضه وليّ الفيض عليّ وقد غفل عنه كثير منهم وأشار بقوله أخبر إلى خبريتها ولم يجعلها إنشاء، وان صح ولا بتقدير قول لما سيأتي، وأشار بقوله! حقيق إلى أن اللام للاستحقاق، وتحقيق هذا المقام في سورة الفاتحة، وقيل إنما جعلها خبرية لتكون حجة لأنّ الإنشاء لا يكون حجة إلا بملاحظة الإخبار فالحجة إنما هو الإخبار فلذلك قال: ليكون حجة، ولم يقل ليظهر كونها حجة، وأمّا كونها أصلا فمعارض! بكونها علما في الإنشاء إذ لا يمكن الحمد إلا بصيغة الأخبار، وما قيل في وجهه ليصح عطف، ثم الذين كفروا عليه فيه أنه يجوز عطفها على خلق السماوات أو جعلها الإنشاء الاستبعاد والتعجب، أتول إن اتصافه بكونه حقيقا بالحمد ثابت في نفس الأمر، ومدلول هذه الجملة مطابق له والسورة أنزلت لبيان التوحيد ورح الكفرة، والأعلام بمضمونها على وجه الخبرية يناسب المقام وجعلها لإنشاء الثناء لا يناسبه، وأمّا قوله ليكون حجة فمتعلق بقوله نبه لأن الحجة في النعم الجسام التي لا يوجدها غيره، وأمّا الإخبار باستحقاق الحمد فالحجة فيه تحتاج إلى تكلف بعيد، فان قلت كيف تكرن إنشائية ولها خارج
تطابقه، قلت تجعل لمجرّد الثناء كما في رب إني وضعتها أنثى للتحسر، ولذا قال بعضهم حمل الكلام على ظاهره من الإخبار مع احتمال الإنشاء بأن يكون المراد به ثناء أثنى الله به على نفسه كما قال الإمام لأن الإخبار أدل على الاستحقاق من إنشاء فرد منه ومن لم يفهمه اعترض عليه بأن كون لمقصود ثناء الله على نفسه لا يوجب كون الجملة إنشائية البتة، وأجاب بما لا طائل تحته، وفي التعبير بالتنبيه إشارة إلى أنه في غاية الظهور، وقيل إنما جعلها خبرية لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام عن معناه الوضعيّ من غير ضرورة. قوله: (ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون) عين تعلق الباء بيعدلون، وكون يعدلون من العدل دون العدول، ولم يقل على الذين يعدلون ليعمّ كلامه الاحتمالين لاقتضاء سياق كلامه ذلك هنا ألا ترى إلى تعريف المسند في قوله المستحق بلام التعريف الدالّ على التخصيص فتأثل. قوله:) وجمع السماوات دون الأرضر الخ (في المثل السائر من محسنات الكلام المؤاخاة بين الألفاظ فإذا جمع أحد المتقابلين ينبغي أن يجمع الآخر، ولذا عيب على أبي نواس قوله:
ومالك فاعلمن فيها مقام إذا اص! لت آجالاً ورز! ا
وقيل: كان ينبغي أن يقول وأرزاقا وكنت أرى أن هذا الضرب من الكلام واجب حتى مز
بي في القرآن ما يخالفه كقوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٨] وقوله: ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠٨] انتهى والزمخشريّ أشار في مواضع من الكشاف إلى أنه هو الأصل وأنه لا يعدل عنه إلا لنكتة وتبعه المصنف. قوله:) وهي مثلهن) إشارة إلى قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ٦٢] قال المصنف في تفسيرها أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض والظاهر منه التعدد الحقيقيّ، وقيل المراد الأقاليم السبعة. قوله: (لآن طبقاتها مختلفة بالذات الخ) وقال المصنف ﵀ في سورة البقرة: جمع السموات، وأفرد الأرضى لأنها طبقات متفاضلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين، ومراده واحد فيهما إلا أنه أجمل هنا فعمم في الاختلاف لما يشمل اختلافهما ذاتا، وحقيقة وقيل عليه إنه لا يوافق مذهب أهل السنة فإن الأجسام متساوية عندهم، وبه استدل على جواز قبول السماوات الخرق والالتئام وامكان المعراج، ولا مجال لإرادة الاختلاف الشخصيّ لأن الأرض أيضاً كذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ١١٢ وقد جاء في الأحاديث النبوة أنه ﷺ قال: " هل تدرون ما هذه قالوا: هذه أرض، هل تدرون ما تحتهأ قالوا: الله ورسوله أعلم قال أرضر أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عدّ سبع
стр. 1087
ّأرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام " أخرجه الترمذفي وأبو الشيخ عن أبي هريرة ﵁ ورذ بأنه لا يلزم من كون
المصنف ﵀ من الأشاعرة القائلين بتركب الأجسام من الجواهر الفردة المتماثلة أن يقول بعدم اختلاف الأجسام بالحقيقة لعدم المحيص لمن قال: بتجانس الجواهر الإفراد عن جعل الإعراض داخلة في حقيقة الجسم فتكون حينئذ جواهر مع جملة من الإعراض منضمة إلى تلك الجواهر والا كانت الأجسام كلها متماثلة في الحقيقة وإنه ضرورفي البطلان كذا في شرح المواقف، وقيل عليه أنه لا يخفى أنه يلزمهم القول بعدم الفرق بين الجواهر والإعراض في التجدد والبقاء ضرورة استلزام تجدد الجزء بتجدد الكل لكن المشهور من مذهبهم القول ببقاء الأجسام، وعدم بقاء الإعراض! فلزمهم القول بعدم اختلاف الأجسام فلا محيص إلا بأن يقال لعل المصنف ﵀ لم يقل بتجدد الإعراض، أو بتماثل الجواهر الإفراد لعدم تمام دليل شيء فيهما، وهو غير وارد لأنّ عدم الفرق ظاهر المنع لأنه فرق بين تجدد الشيء بتجدد جزء منه وبين تجدده بجميع أجزائه وقولهم ببقاء الأجسام لا ينافيه لاحتمال أن يراد بالجسم ثمة ما يقابل الإعراض! لا ما تركب منهما أو المراد بها أعظم أركانه وأقواها نعم كون لدليل غير تامّ مسلم فتأمل. قوله: (متفاوتة الآثار والحركات (قيل هو إشارة إلى ما قيل أنّ السماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر وهو يخل بمصالح هذا العالم، وأمّا الأرض فهي قابلة والقابل الواحد كاف في القبول، وحاصله أنّ اختلاف الآثار دل على تعدد السماء دلالة عقلية، والأرض وان كانت متعددة لكن لا دليل عليه من جهة العقل فلذلك جمعها دون الأرض وأمّا دلالة اختلاف الحركات إلى جوانب مختلفة على ذلك فظاهرة وهذا يقتضي أنه استدلال على ظهور تعددها دون تعدد الأرض، والظاهر أنه ليس مراده بل المراد بعدما أثبت تعددهما بالنص بين أنه جمع أحدهما دون الآخر لهذه النكتة، وحينئذ فلا يرد أنه مبنيّ على أصول فلسفية لا ينبغي التفسير بها لأنه ليس بتفسير بل نكتة على أصول أهل المعقول بعدما بينها بوجه آخر، وقد فسر قوله متفاوتة الخ بمعرفة المواقيت، واضاءة النيران مما نطق به القرآن ودل عليه الأحاديث والآثار مما هو معلوم من الشرع تال تعالى: ﴿) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس، الآية: ٤٠] وقد فسر بكل من الكواكب وهو محسوس أيضا فيهما وفي الخنس ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [سورة التكوير، الآية: ١٦] لكن كلامه في سورة البقرة لا يناسبه. قوله: (وقدّمها لشرفها وعلو مكانها) أي لتقدمها بالشرف لأنها محل الملائكة المقرّبين، وقبلة الدعاء ونحو ذلك والأرض وان كانت دار التكليف ومحل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليس ذلك إلا للتبليغ لأنها ليست بدار قرار وقال النيسابوري: قال
بعضهم السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وما وقع فيها معصية ولهذا هبط آدم ﵊ من الجنة، وقالت: اللهم لا تسكن في جواري من عصاك ولذا وقع ذكرها مقدّماً في الأكثر والسماوات مؤثرة والأرض متأثرة والمؤثر أشرف، وقال آخرون بل الأرض! أفضل لأنه تعالى وصف بقاعاً منها بالبركة كقوله: مباركا للعالمين، وردّ بأنه يدل على شرفها لا أشرفيتها، وهذا خلاف كاللفظي لا طائل تحته، وعلو مكانها ظاهر لأنها علوية والأرض! سفلية، ويحتمل العطف فيه أن يكون تفسيراً للشرف وتعليلاً له والمغايرة بأن يراد أنها بمنزلة العلة الفاعلة لأنّ الأرض! مستفيضة منها كما مرّ، قيل: من فسر المكان بالمرتبة ثم علل بكونها من الأرض بمنزلة العلة الفاعلة من القابل لم يصب في المعلل وأخطأ في التعليل، أما الأوّل فلكونه أعاده، وأما الثاني فلكون ما ذكره وجهاً للتقديم كما مر لا لعلو المرتبة كما زعم وهو تعصب منه لأنه على هذا يكون عطفاً تفسيرياً، ولا ضرر فيه وتفسير وجه التقديم وجه للتقديم فما المانع منه. قوله: (وتقدّم وجودها) هذا بناء على مختاره في البقرة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآية: ٢٩] وان كان يعارضه ظاهر قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] وكذا آية السجدة حتى تحير فيه كثير والمصنف رحمه الله تعالى جمع بينهما بأن، ثم ليست للتراخي في الوجود بل لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق
стр. 1088
السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البلد، الآية: ١٧] أو هي لترتيب الأخبار، ولا بد لهذا من تتمة من الوجه الأوّل، وفي الكشاف لا تناقض فيه لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماوات فأما دحوها وبسطها فمتأخر وعن الحسن البصري خلق الله الأرض! في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان وذلك قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣٠] وهو الالتزاق انتهى واعترض عليه الإمام بأنّ الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن دحوها فإذا كان الدحو متأخراً عن خلق السماء كان خلق الأرض! أيضا كذلك وأجيب بالمنع لجواز أن يخلق الجسم صغيراً مندمج الأجزاء، ثم يبسط على مقدار ما يراد، وقال القاضي كغيره لا يندفع التناقض على تقدير كون، ثم للتراخي في الوقت في البقرة إلا أن يقدر لنصب الأرض! فعل آخر دل عليه أأنتم أشدّ خلقا مثل تعرف الأرض، وتدبر أمرها بعد ذلك وليستأنف بقوله دحاها لكنه خلاف الظاهر، ويمكن أن يدفع التناقض بأن معنى خلق قدر وأراد وقصد فلا تناقض، وأورد عليه أنّ قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] بيان نعمة أخرى مترتبة على نعمة سابقة، وهو خلقهم أحياء قادرين وهذه النعمة الأخرى إيجاد ما يتوقف عليه البقاء، ويتم المعاس، ولا يحسن عدّ القصد والتقدير نعمة أخرى، وفيه تأمّل وقد مر تفصيله في سورة البقرة. قوله: (والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد الخ) جعل الزمخشري هذا الفرق بين الخلق، والجعل مطلقاً
سواء تعدى لواحد أو لاثنين، والمصنف خالفه وخصه بالجعل المتعدي لواحد والتضمين في كلامه ليس هو المصطلح بأن يضمن فعل النقل ونحوه كما توهمه بعضهم، ورذه صاحب الكشف وفسره بكونه محصلاً من آخر كأنه كان في ضمنه، وقيل الجعل يدل على شيئين أحدهما في ضمن الآخر بأن يكون تابعا له، وقيل بأن يكون السابق يتضمن اللاحق بالقوّة لا الفعل فمعنى الجعل إخراج المعنى من القوّة إلى الفعل، وقيل هو جعل شيء في ضمن شيء بأن يحصل منه أو يصير إياه أو ينقل منه، أو إليه وبالجملة فيه اعتبار شيئين وارتباط بينهما، وفي الخلق معنى الإيجاد بقدر وتسوية، وقيل عليه إنّ التضمين بالمعنى المذكور لا يناسب الصور الثلاث الأول إلا بتكلف بعيد لا حاجة إليه والأولى أنّ جعل أعم من خلق لأنه لا يقال فيما ليس بمخلوق والخلق لا يقال فيما ليس بموجود ونحوه في الكشف، وفيه تأئل.
وأعلم أنّ التضمين لغة جعل شيء في ضمن شيء كالظرف والمظروف أو جعله ضامنا له وملتزما له، وهو قريب من الأوّل واقتصر المصنف ﵀ على أحد قسمي الجعل فإن أراد أنه هو الواقع في النظم والمحتاج إلى الفرق وأن جرى في غيره فهو ظاهر، وإن أراد ما في الكشاف وأن الفرق لا يتأتى في المتعدي لمفعولين، أو لا يطرد فيه فعليه منع ظاهر قيلي ومن تعرّض لتصيير شيء شيئا وجعله من التضمين في بيان مراد المصنف ﵀ فقد ضل سواء الطريق، ولك أن تجيب عنه بأنه الإنشاء فيه معنى التصيير في الجملة وكذا النقل فيه معنى ذلك أيضا وفي الكشف تحقيقه أن الجعل بمعنى النقل من الصيرورة، إلا أنه من صار إليه لا من صار كذا، انتهى وهما متقاربان نهايته أنه تسامح في الإتيان متعديا خصوصا إن قلنا بالاحتمال الأوّل في كلام المصنف والأمر فيه سهل وفي الكشف الفرق بين الخلق والجعل أنّ التضمين واجب في الثاني، وتضمين النقل مخصوص به والإنشاء مشترك والتصيير في نحو خلقناكم أزواجا محتمل. قوله: (تنبيهاً على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية الخ) من الثنوية من ذهب إلى أنّ فاعل الخير النور وفاعل الشر الظلمة وهما في معتقدهما جسمان قديمان سميعان بصيران وسموهما بذلك على طريق النقل، وأورد على هذا أمور، الأوّل أنهما حينئذ ليسا بالمعنى الحقيقي المتعارف فمدعاهم الفاسد يبطل بمجرّد هذا، الثاني أنّ الرد يحصل بكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل، ولو أتى بالخلق بدله حصل المقصود، الثالث أنّ الجعل المتعدي لواحد لا يقتضي كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [سورة النمل، الآية: ٨٠] ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٠] إلى غير ذلك من الآيات والشواهد اللهم إلا أن يقال الجعل بمعنى الصنع
والعمل، فإذا تعلق بالأجسام كان باعتبار ما فيها من الصنعة، والعمل فمتعلقه في الحقيقة ما لا يقوم بنفسه وإنّ المتعارف
стр. 1089
فيهما ما يتبادر منهما وادعاء معنى آخر لا دليل عليه، ولذا جعله تنبيها لا دليلا فتأمل.
قوله: (وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها الخ) في نسخة وأفرد النور للقصد إلى الجنس يعني به ما قال الزمخشري إنه أفرد النور للقصد إلى الجنس كقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [سورة الحاقة، الآية: ١٧] أو لأن الظلمات كثيرة لأنه ما من جنس من أجناس الاجرام إلا وله ظل وظله هو الظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد، وهو النار وضمير لها في كلام المصنف أمّا للظلمات فيكون معنى كونها حاصلة لها أنها منشؤها أو لأسباب وهي كثاقة الأجسام وهذا أقرب وأورد عليه عود السؤال، وهو أنه لم أريد بالنور الجنس وبالظلمات أفرادها لا جنسها، وأنّ الظلمات كما تعددت فالأنوار أيضا تتعدد بحسب مباديها من الكواكب والنيرين والنار كما قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧] إن النور ضوء النار وضوء كل نير وأجيب بأنه فعل ذلك ليحسن التقابل مع قوله خلق السماوات والأرض ولا يخفى أنه لا دلالة لكلام المصنف على هذا، وهذا جواب آخر مستقل وبأن مرجع كل نير إلى النار على ما قيل أنّ الكواكب أجرام نورية نارية، والشهب منفصلة من نور الكواكب فالمصنف رحمه الله تعالى لما رأى تقارب الجوابين جعلهما شيئا واحداً. قوله: (أو لآن المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى الخ) في تأخيره إشارة إلى ترجيح الأوّل تبعا للإمام ﵀ فإنه قال إنه أولى لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ولأنّ الظلمات والنور إذا قرنا بالسماوات والأرض لم يفهم منهما إلا الأمر أن المحسوسان، وتعقب بأن المعنى أنه لما خلق السماوات والأرض! فقد نصب الأدلة على معرفته وتوحيده، ثم بين طرق الضلال وطريق الهدى بإنزال الشرائع والكتب السماوية ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ فناسب المقام، ثم الاستبعادية إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الدليل اختيار الباطل على أنه كلما ذكر الظلمات والنور في الكتاب الكريم أراد الضلال والهدى كقوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٧] إلى غير ذلك، ولا يخفى أنّ قصاراه صحة ما ذكره لا أرجحيته والآية المذكورة لا ترد على الإمام بل تؤيد كلامه، ويدل على أنّ الهدى واحد والضلال متعدد قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٣ ا] والدين الحق مجموع أمور يتحقق الضلال بمخالفة كل واحد منها وقيل: المراد به العقائد الحقة لا الفروع. قوله: (وتقديمها لتقدّم الإعدام على الملكات الخ) إذا تقابل شيئان أحدهما وجودقي فقط فإن اعتبر التقابل بالنسبة إلى موضوع قابل للأمر الوجودي إمّا بحسب شخصه أو بحسب نوعه، أو بحسب جنسه القريب أو البعيد فهما العدم، والملكة الحقيقيان، أو بحسب الوقت الذي يمكن
حصوله فيه فهما العدم والملكة المشهوران، وإن لم يعتبر فيهما ذلك فهما السلب والإيجاب فالعدم المشهور في العمي والبصر هو ارتقاع الشيء الوجودي كالقدرة على الأبصار مع ما ينشاً من المادّة المهيأة لقبوله في الوقت الذي من شأنها ذلك فيه كما حقق في حكمة العين وشرحها فإذا تحققت أن كل قابل لأمر وجودي في ابتداء قابليته واستعداده متصف بذلك العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل تبين أن كل ملكة مسبوقة بعدمها لأنها وجود تلك الصفة بالقوّة، وهو متقدم على وجودها بالفعل، وقال: خاتمة المحققين: لا بد في تقابل العدم، والملكة أن يؤخذ في مفهوم العدمي كون المحل قابلا للوجودفي ولا يكفي نسبة العدمي إلى المحل القابل للوجودي من غير أن يعتبر في مفهوم العدمي كون المحل قابلا له، ولذا صرحوا بأنّ تقابل العدم والوجود تقابل السلب والإيجاب قال في الشفاء: العمى هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوّة وهذا لا بد منه في معناه المشهور انتهى فقول الفاضل المحشي فيه إن الجزئية غير مقيدة والكلية ممنوعة لتأخر الاعدام الطارئة عنها غير سديد، ثم قال: فإن قلت أراد كل ملكة يتقدمها العدم دون العكس قلت إن أريد تقدم العدم السابق مطلقاً، ولو في وقت عدم الموضوع فليس ذلك بعدم ملكة لأنه عدمها عن الموضوع القابل بأن يتحقق الموضوع ولا تتحقق الملكة لا بأن لا يتحقق الموضوع كما لا يخفى وان أريد تقدمه في وفت وجود الموضوع، فذلك غير متصوّر فيما لا تنفك الملكة عنه لكونها من لوازمه انتهى، وهو
стр. 1090
غير وارد أمّا إن أريد الملكة الحقيقية فظاهر، وأما إن أريد المعنى المشهور فلأنه يكفي وجود مادّة تقبل تلك الصفة، والملازمة المذكورة توهم يضره ولا ينفعه، ثم قال فإن قلت لم لا يكفي في المطلوب تقدّم بعض الإعدام على ملكاتها قلت معارض بتقدم بعض الملكات على إعدامها لتوقف تصوّر الإعدام على تصوّر ملكاتها، ولوجوديتها انتهى والفرق بين لزوم تقدم الشيء بنفسه ولزوم تقدم تصوّره ظاهر ألا ترى أن المفرد مقدم على المركب في الوجود لتقذ م الجزء على الكل مع أن المركب مقدم عليه في التصوّر، ولذا قدم تعريفه على تعريفه في المطالع ولك أن تقول عدم الملكة عدم مخصوص، والعدم المطلق في ضمنه وهو متقدّم على الوجود في سائر المحدثات، ولذا قال الإمام: إنما قدم الظلمات على النور لأنّ عدم المحدثات متقدم على وجودها كما جاء في حديث رواه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: " إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رس عليهم من نوره " وفي أخرى: " ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل فلذلك جف القلم بما هو كائن ") ١ (، فعلى ما ذكره الإمام الظلمة
في الحديث بمعنى العدم والنور بمعنى الوجود ولا يلائمه سياق الحديث، والظاهر ما قيل الظلمة عدم الهداية وظلمة الطبيعة والنور الهداية، والذي أرفعه فيه أنه اقتصر على رواية صدر الحديث، ثم إنه قيل الصواب أن يقال في وجه التقديم التقابل مع قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [سررة الأنعام، الآية: ٧٣] وكونها متقدمة في الخلق على النور على ما ورد في الأخبار الإلهية أنّ الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فخلق النيرات لا يوافق ما مرّ من معنى الحديث الذي نطقت به الرواية، وقد بقيت هنا كلمات تركناها لعدم جدواها قوله: (ومن زعم أنّ الظلمة عرض يضادّ النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أنّ عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل) يعني أن الجعل ليس بمعنى الخلق، والإيجاد بل تضمين شيء شيئا وتصييره قائما به قيام المظروف بالظرف أو الصفة بالموصوف والعدم من الثاني فصح تعلق الجعل به، وان لم يكن موجودأ عينياً لأنه ذكر في الطوالع أنّ العدم المتجدد يجوز أن يكون بفعل الفاعل كالوجود الحادث هذا تحقيق كلامه، ولا يرد عليه شيء أصلاً فإنّ العدم إمّا مطلق صرف أو مقيد ومضاف كعدم الحياة أو عدم تقابل الملكة وقد مرّ تحقيقه ثمت، وقال النحرير الظلمة عدم النور فإن أجرى هذا على إطلاقه كان بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب إلا أنّ الحكماء يقولون هو عدم النور عما من شأنه فبينهما تقابل العدم والملكة وعند بعض المتكلمين هو عرض ينافي النور فبينهما تقابل التضاد انتهى، وما نقله عن الحكماء ليس بمتفق عليه فإنّ منهم من ذهب إلى الأوّل، وهو مذهب الإشراقيين كما في حكمة الإشراق وفي شرحه للعلامة الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يستضيء على ما هو رأي المشائين أو عدم الضوء فحسب على ما هو رأي الأقدمين، وارتضاه بما هو مبسوط ثمت وقيل إذا كان الجعل بمعنى الخلق وليس الفرق بينهما إلا ما مرّ لا يصح تعلقه بالعدم إلا أن يعم الخلق غير الإيجاد، أو الإيجاد إيجاد الشيء ولو لغيره، فإن جعل أعم منه فإن كان الإثبات في نفس الأمر الذي هو أعم من الخارج واعدام الملكات ثابتة فيه، وأمّا العدم الصرف أمّا المطلق فلا تحقق له أصلا إلا إذا ثبت كونه ذاتيا للإعدام المضافة، وهو ممنوع لجواز كونه عرضا عامّاً لها ولا يلزم من ثبوت شيء ثبوت عرضه وأمّا المضاف، إلى غير الملكة فليس له ثبوت شبيه بالوجود الخارجي يرشدك إليه وضع الأسامي لإعدام الملكات كالظلمة والعمى دون غيرها انتهى وبما مر من تحقيق كلامه علمت أنه لا يرد عليه هذا والأحداث ليس بمعنى الإيجاد بل أعم منه والعدم مطلقا لا يصح إيجاده لأنه لا معنى للإيجاد إلا أحداث الوجود فلو أحدث فيه الوجود كان متصفاً به فيلزم اجتماع النقيضين نعم عدم الملكة عدم بالفعل ووجودب لقوّة كما مر نقله عن الشفاء مع أنهم صرحوا بأنّ العدم المطلق جزء من العدم المقيد، وقيل الجعل الإنشاء، وهو أعم من إيجاده بنفسه أو إيجاده في محل بأن جعل المحل متصفأ به، ولا يخفى أنّ الموجودات
قد تتصف بالإعدام فتأمّل. قوله: (عطف على قوله الحمد لله الخ) في الكشاف عطفه إما على قوله الحمد لله على معنى أنّ الله حقيق بالحمد على ما خلق لأنه
следующие страницы →