← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الاستحقاق بالصفات إليه ولو كان معناه ما ذكره المحشي لعكس، لأنه جعل الاستحقاق بالذات راجعا إلى جميع الصفات، وتسميته ذاتيا بنوع تأوّل، وقد اهتدى إلى هذا بعض الفضلاء فقال في شرح كلامه هذا إشارة إلى دفع سؤال مقدر، وهو أن العبادة هي الحمد فإذا كان استحقاقه إياها منحصراً في التمييز بتلك الصفات كما يدلّ عليه قول المصنف لا تحق العبادة إلا به لم يثبت الاستحقاق الدّاتي بالنسبة إليها انتهى، وتحقيق هذا المقام مما أفاضه وليّ الفيض عليّ وقد غفل عنه كثير منهم وأشار بقوله أخبر إلى خبريتها ولم يجعلها إنشاء، وان صح ولا بتقدير قول لما سيأتي، وأشار بقوله! حقيق إلى أن اللام للاستحقاق، وتحقيق هذا المقام في سورة الفاتحة، وقيل إنما جعلها خبرية لتكون حجة لأنّ الإنشاء لا يكون حجة إلا بملاحظة الإخبار فالحجة إنما هو الإخبار فلذلك قال: ليكون حجة، ولم يقل ليظهر كونها حجة، وأمّا كونها أصلا فمعارض! بكونها علما في الإنشاء إذ لا يمكن الحمد إلا بصيغة الأخبار، وما قيل في وجهه ليصح عطف، ثم الذين كفروا عليه فيه أنه يجوز عطفها على خلق السماوات أو جعلها الإنشاء الاستبعاد والتعجب، أتول إن اتصافه بكونه حقيقا بالحمد ثابت في نفس الأمر، ومدلول هذه الجملة مطابق له والسورة أنزلت لبيان التوحيد ورح الكفرة، والأعلام بمضمونها على وجه الخبرية يناسب المقام وجعلها لإنشاء الثناء لا يناسبه، وأمّا قوله ليكون حجة فمتعلق بقوله نبه لأن الحجة في النعم الجسام التي لا يوجدها غيره، وأمّا الإخبار باستحقاق الحمد فالحجة فيه تحتاج إلى تكلف بعيد، فان قلت كيف تكرن إنشائية ولها خارج تطابقه، قلت تجعل لمجرّد الثناء كما في رب إني وضعتها أنثى للتحسر، ولذا قال بعضهم حمل الكلام على ظاهره من الإخبار مع احتمال الإنشاء بأن يكون المراد به ثناء أثنى الله به على نفسه كما قال الإمام لأن الإخبار أدل على الاستحقاق من إنشاء فرد منه ومن لم يفهمه اعترض عليه بأن كون لمقصود ثناء الله على نفسه لا يوجب كون الجملة إنشائية البتة، وأجاب بما لا طائل تحته، وفي التعبير بالتنبيه إشارة إلى أنه في غاية الظهور، وقيل إنما جعلها خبرية لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام عن معناه الوضعيّ من غير ضرورة. قوله: (ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون) عين تعلق الباء بيعدلون، وكون يعدلون من العدل دون العدول، ولم يقل على الذين يعدلون ليعمّ كلامه الاحتمالين لاقتضاء سياق كلامه ذلك هنا ألا ترى إلى تعريف المسند في قوله المستحق بلام التعريف الدالّ على التخصيص فتأثل. قوله:) وجمع السماوات دون الأرضر الخ (في المثل السائر من محسنات الكلام المؤاخاة بين الألفاظ فإذا جمع أحد المتقابلين ينبغي أن يجمع الآخر، ولذا عيب على أبي نواس قوله: ومالك فاعلمن فيها مقام إذا اص! لت آجالاً ورز! ا وقيل: كان ينبغي أن يقول وأرزاقا وكنت أرى أن هذا الضرب من الكلام واجب حتى مز بي في القرآن ما يخالفه كقوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٨] وقوله: ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠٨] انتهى والزمخشريّ أشار في مواضع من الكشاف إلى أنه هو الأصل وأنه لا يعدل عنه إلا لنكتة وتبعه المصنف. قوله:) وهي مثلهن) إشارة إلى قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ٦٢] قال المصنف في تفسيرها أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض والظاهر منه التعدد الحقيقيّ، وقيل المراد الأقاليم السبعة. قوله: (لآن طبقاتها مختلفة بالذات الخ) وقال المصنف ﵀ في سورة البقرة: جمع السموات، وأفرد الأرضى لأنها طبقات متفاضلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين، ومراده واحد فيهما إلا أنه أجمل هنا فعمم في الاختلاف لما يشمل اختلافهما ذاتا، وحقيقة وقيل عليه إنه لا يوافق مذهب أهل السنة فإن الأجسام متساوية عندهم، وبه استدل على جواز قبول السماوات الخرق والالتئام وامكان المعراج، ولا مجال لإرادة الاختلاف الشخصيّ لأن الأرض أيضاً كذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ١١٢ وقد جاء في الأحاديث النبوة أنه ﷺ قال: " هل تدرون ما هذه قالوا: هذه أرض، هل تدرون ما تحتهأ قالوا: الله ورسوله أعلم قال أرضر أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عدّ سبع

стр. 1087

ّأرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام " أخرجه الترمذفي وأبو الشيخ عن أبي هريرة ﵁ ورذ بأنه لا يلزم من كون المصنف ﵀ من الأشاعرة القائلين بتركب الأجسام من الجواهر الفردة المتماثلة أن يقول بعدم اختلاف الأجسام بالحقيقة لعدم المحيص لمن قال: بتجانس الجواهر الإفراد عن جعل الإعراض داخلة في حقيقة الجسم فتكون حينئذ جواهر مع جملة من الإعراض منضمة إلى تلك الجواهر والا كانت الأجسام كلها متماثلة في الحقيقة وإنه ضرورفي البطلان كذا في شرح المواقف، وقيل عليه أنه لا يخفى أنه يلزمهم القول بعدم الفرق بين الجواهر والإعراض في التجدد والبقاء ضرورة استلزام تجدد الجزء بتجدد الكل لكن المشهور من مذهبهم القول ببقاء الأجسام، وعدم بقاء الإعراض! فلزمهم القول بعدم اختلاف الأجسام فلا محيص إلا بأن يقال لعل المصنف ﵀ لم يقل بتجدد الإعراض، أو بتماثل الجواهر الإفراد لعدم تمام دليل شيء فيهما، وهو غير وارد لأنّ عدم الفرق ظاهر المنع لأنه فرق بين تجدد الشيء بتجدد جزء منه وبين تجدده بجميع أجزائه وقولهم ببقاء الأجسام لا ينافيه لاحتمال أن يراد بالجسم ثمة ما يقابل الإعراض! لا ما تركب منهما أو المراد بها أعظم أركانه وأقواها نعم كون لدليل غير تامّ مسلم فتأمل. قوله: (متفاوتة الآثار والحركات (قيل هو إشارة إلى ما قيل أنّ السماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر وهو يخل بمصالح هذا العالم، وأمّا الأرض فهي قابلة والقابل الواحد كاف في القبول، وحاصله أنّ اختلاف الآثار دل على تعدد السماء دلالة عقلية، والأرض وان كانت متعددة لكن لا دليل عليه من جهة العقل فلذلك جمعها دون الأرض وأمّا دلالة اختلاف الحركات إلى جوانب مختلفة على ذلك فظاهرة وهذا يقتضي أنه استدلال على ظهور تعددها دون تعدد الأرض، والظاهر أنه ليس مراده بل المراد بعدما أثبت تعددهما بالنص بين أنه جمع أحدهما دون الآخر لهذه النكتة، وحينئذ فلا يرد أنه مبنيّ على أصول فلسفية لا ينبغي التفسير بها لأنه ليس بتفسير بل نكتة على أصول أهل المعقول بعدما بينها بوجه آخر، وقد فسر قوله متفاوتة الخ بمعرفة المواقيت، واضاءة النيران مما نطق به القرآن ودل عليه الأحاديث والآثار مما هو معلوم من الشرع تال تعالى: ﴿) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس، الآية: ٤٠] وقد فسر بكل من الكواكب وهو محسوس أيضا فيهما وفي الخنس ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [سورة التكوير، الآية: ١٦] لكن كلامه في سورة البقرة لا يناسبه. قوله: (وقدّمها لشرفها وعلو مكانها) أي لتقدمها بالشرف لأنها محل الملائكة المقرّبين، وقبلة الدعاء ونحو ذلك والأرض وان كانت دار التكليف ومحل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليس ذلك إلا للتبليغ لأنها ليست بدار قرار وقال النيسابوري: قال بعضهم السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وما وقع فيها معصية ولهذا هبط آدم ﵊ من الجنة، وقالت: اللهم لا تسكن في جواري من عصاك ولذا وقع ذكرها مقدّماً في الأكثر والسماوات مؤثرة والأرض متأثرة والمؤثر أشرف، وقال آخرون بل الأرض! أفضل لأنه تعالى وصف بقاعاً منها بالبركة كقوله: مباركا للعالمين، وردّ بأنه يدل على شرفها لا أشرفيتها، وهذا خلاف كاللفظي لا طائل تحته، وعلو مكانها ظاهر لأنها علوية والأرض! سفلية، ويحتمل العطف فيه أن يكون تفسيراً للشرف وتعليلاً له والمغايرة بأن يراد أنها بمنزلة العلة الفاعلة لأنّ الأرض! مستفيضة منها كما مرّ، قيل: من فسر المكان بالمرتبة ثم علل بكونها من الأرض بمنزلة العلة الفاعلة من القابل لم يصب في المعلل وأخطأ في التعليل، أما الأوّل فلكونه أعاده، وأما الثاني فلكون ما ذكره وجهاً للتقديم كما مر لا لعلو المرتبة كما زعم وهو تعصب منه لأنه على هذا يكون عطفاً تفسيرياً، ولا ضرر فيه وتفسير وجه التقديم وجه للتقديم فما المانع منه. قوله: (وتقدّم وجودها) هذا بناء على مختاره في البقرة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآية: ٢٩] وان كان يعارضه ظاهر قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] وكذا آية السجدة حتى تحير فيه كثير والمصنف رحمه الله تعالى جمع بينهما بأن، ثم ليست للتراخي في الوجود بل لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق

стр. 1088

السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البلد، الآية: ١٧] أو هي لترتيب الأخبار، ولا بد لهذا من تتمة من الوجه الأوّل، وفي الكشاف لا تناقض فيه لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماوات فأما دحوها وبسطها فمتأخر وعن الحسن البصري خلق الله الأرض! في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان وذلك قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣٠] وهو الالتزاق انتهى واعترض عليه الإمام بأنّ الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن دحوها فإذا كان الدحو متأخراً عن خلق السماء كان خلق الأرض! أيضا كذلك وأجيب بالمنع لجواز أن يخلق الجسم صغيراً مندمج الأجزاء، ثم يبسط على مقدار ما يراد، وقال القاضي كغيره لا يندفع التناقض على تقدير كون، ثم للتراخي في الوقت في البقرة إلا أن يقدر لنصب الأرض! فعل آخر دل عليه أأنتم أشدّ خلقا مثل تعرف الأرض، وتدبر أمرها بعد ذلك وليستأنف بقوله دحاها لكنه خلاف الظاهر، ويمكن أن يدفع التناقض بأن معنى خلق قدر وأراد وقصد فلا تناقض، وأورد عليه أنّ قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] بيان نعمة أخرى مترتبة على نعمة سابقة، وهو خلقهم أحياء قادرين وهذه النعمة الأخرى إيجاد ما يتوقف عليه البقاء، ويتم المعاس، ولا يحسن عدّ القصد والتقدير نعمة أخرى، وفيه تأمّل وقد مر تفصيله في سورة البقرة. قوله: (والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد الخ) جعل الزمخشري هذا الفرق بين الخلق، والجعل مطلقاً سواء تعدى لواحد أو لاثنين، والمصنف خالفه وخصه بالجعل المتعدي لواحد والتضمين في كلامه ليس هو المصطلح بأن يضمن فعل النقل ونحوه كما توهمه بعضهم، ورذه صاحب الكشف وفسره بكونه محصلاً من آخر كأنه كان في ضمنه، وقيل الجعل يدل على شيئين أحدهما في ضمن الآخر بأن يكون تابعا له، وقيل بأن يكون السابق يتضمن اللاحق بالقوّة لا الفعل فمعنى الجعل إخراج المعنى من القوّة إلى الفعل، وقيل هو جعل شيء في ضمن شيء بأن يحصل منه أو يصير إياه أو ينقل منه، أو إليه وبالجملة فيه اعتبار شيئين وارتباط بينهما، وفي الخلق معنى الإيجاد بقدر وتسوية، وقيل عليه إنّ التضمين بالمعنى المذكور لا يناسب الصور الثلاث الأول إلا بتكلف بعيد لا حاجة إليه والأولى أنّ جعل أعم من خلق لأنه لا يقال فيما ليس بمخلوق والخلق لا يقال فيما ليس بموجود ونحوه في الكشف، وفيه تأئل. وأعلم أنّ التضمين لغة جعل شيء في ضمن شيء كالظرف والمظروف أو جعله ضامنا له وملتزما له، وهو قريب من الأوّل واقتصر المصنف ﵀ على أحد قسمي الجعل فإن أراد أنه هو الواقع في النظم والمحتاج إلى الفرق وأن جرى في غيره فهو ظاهر، وإن أراد ما في الكشاف وأن الفرق لا يتأتى في المتعدي لمفعولين، أو لا يطرد فيه فعليه منع ظاهر قيلي ومن تعرّض لتصيير شيء شيئا وجعله من التضمين في بيان مراد المصنف ﵀ فقد ضل سواء الطريق، ولك أن تجيب عنه بأنه الإنشاء فيه معنى التصيير في الجملة وكذا النقل فيه معنى ذلك أيضا وفي الكشف تحقيقه أن الجعل بمعنى النقل من الصيرورة، إلا أنه من صار إليه لا من صار كذا، انتهى وهما متقاربان نهايته أنه تسامح في الإتيان متعديا خصوصا إن قلنا بالاحتمال الأوّل في كلام المصنف والأمر فيه سهل وفي الكشف الفرق بين الخلق والجعل أنّ التضمين واجب في الثاني، وتضمين النقل مخصوص به والإنشاء مشترك والتصيير في نحو خلقناكم أزواجا محتمل. قوله: (تنبيهاً على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية الخ) من الثنوية من ذهب إلى أنّ فاعل الخير النور وفاعل الشر الظلمة وهما في معتقدهما جسمان قديمان سميعان بصيران وسموهما بذلك على طريق النقل، وأورد على هذا أمور، الأوّل أنهما حينئذ ليسا بالمعنى الحقيقي المتعارف فمدعاهم الفاسد يبطل بمجرّد هذا، الثاني أنّ الرد يحصل بكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل، ولو أتى بالخلق بدله حصل المقصود، الثالث أنّ الجعل المتعدي لواحد لا يقتضي كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [سورة النمل، الآية: ٨٠] ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٠] إلى غير ذلك من الآيات والشواهد اللهم إلا أن يقال الجعل بمعنى الصنع والعمل، فإذا تعلق بالأجسام كان باعتبار ما فيها من الصنعة، والعمل فمتعلقه في الحقيقة ما لا يقوم بنفسه وإنّ المتعارف

стр. 1089

فيهما ما يتبادر منهما وادعاء معنى آخر لا دليل عليه، ولذا جعله تنبيها لا دليلا فتأمل. قوله: (وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها الخ) في نسخة وأفرد النور للقصد إلى الجنس يعني به ما قال الزمخشري إنه أفرد النور للقصد إلى الجنس كقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [سورة الحاقة، الآية: ١٧] أو لأن الظلمات كثيرة لأنه ما من جنس من أجناس الاجرام إلا وله ظل وظله هو الظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد، وهو النار وضمير لها في كلام المصنف أمّا للظلمات فيكون معنى كونها حاصلة لها أنها منشؤها أو لأسباب وهي كثاقة الأجسام وهذا أقرب وأورد عليه عود السؤال، وهو أنه لم أريد بالنور الجنس وبالظلمات أفرادها لا جنسها، وأنّ الظلمات كما تعددت فالأنوار أيضا تتعدد بحسب مباديها من الكواكب والنيرين والنار كما قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧] إن النور ضوء النار وضوء كل نير وأجيب بأنه فعل ذلك ليحسن التقابل مع قوله خلق السماوات والأرض ولا يخفى أنه لا دلالة لكلام المصنف على هذا، وهذا جواب آخر مستقل وبأن مرجع كل نير إلى النار على ما قيل أنّ الكواكب أجرام نورية نارية، والشهب منفصلة من نور الكواكب فالمصنف رحمه الله تعالى لما رأى تقارب الجوابين جعلهما شيئا واحداً. قوله: (أو لآن المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى الخ) في تأخيره إشارة إلى ترجيح الأوّل تبعا للإمام ﵀ فإنه قال إنه أولى لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ولأنّ الظلمات والنور إذا قرنا بالسماوات والأرض لم يفهم منهما إلا الأمر أن المحسوسان، وتعقب بأن المعنى أنه لما خلق السماوات والأرض! فقد نصب الأدلة على معرفته وتوحيده، ثم بين طرق الضلال وطريق الهدى بإنزال الشرائع والكتب السماوية ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ فناسب المقام، ثم الاستبعادية إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الدليل اختيار الباطل على أنه كلما ذكر الظلمات والنور في الكتاب الكريم أراد الضلال والهدى كقوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٧] إلى غير ذلك، ولا يخفى أنّ قصاراه صحة ما ذكره لا أرجحيته والآية المذكورة لا ترد على الإمام بل تؤيد كلامه، ويدل على أنّ الهدى واحد والضلال متعدد قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٣ ا] والدين الحق مجموع أمور يتحقق الضلال بمخالفة كل واحد منها وقيل: المراد به العقائد الحقة لا الفروع. قوله: (وتقديمها لتقدّم الإعدام على الملكات الخ) إذا تقابل شيئان أحدهما وجودقي فقط فإن اعتبر التقابل بالنسبة إلى موضوع قابل للأمر الوجودي إمّا بحسب شخصه أو بحسب نوعه، أو بحسب جنسه القريب أو البعيد فهما العدم، والملكة الحقيقيان، أو بحسب الوقت الذي يمكن حصوله فيه فهما العدم والملكة المشهوران، وإن لم يعتبر فيهما ذلك فهما السلب والإيجاب فالعدم المشهور في العمي والبصر هو ارتقاع الشيء الوجودي كالقدرة على الأبصار مع ما ينشاً من المادّة المهيأة لقبوله في الوقت الذي من شأنها ذلك فيه كما حقق في حكمة العين وشرحها فإذا تحققت أن كل قابل لأمر وجودي في ابتداء قابليته واستعداده متصف بذلك العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل تبين أن كل ملكة مسبوقة بعدمها لأنها وجود تلك الصفة بالقوّة، وهو متقدم على وجودها بالفعل، وقال: خاتمة المحققين: لا بد في تقابل العدم، والملكة أن يؤخذ في مفهوم العدمي كون المحل قابلا للوجودفي ولا يكفي نسبة العدمي إلى المحل القابل للوجودي من غير أن يعتبر في مفهوم العدمي كون المحل قابلا له، ولذا صرحوا بأنّ تقابل العدم والوجود تقابل السلب والإيجاب قال في الشفاء: العمى هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوّة وهذا لا بد منه في معناه المشهور انتهى فقول الفاضل المحشي فيه إن الجزئية غير مقيدة والكلية ممنوعة لتأخر الاعدام الطارئة عنها غير سديد، ثم قال: فإن قلت أراد كل ملكة يتقدمها العدم دون العكس قلت إن أريد تقدم العدم السابق مطلقاً، ولو في وقت عدم الموضوع فليس ذلك بعدم ملكة لأنه عدمها عن الموضوع القابل بأن يتحقق الموضوع ولا تتحقق الملكة لا بأن لا يتحقق الموضوع كما لا يخفى وان أريد تقدمه في وفت وجود الموضوع، فذلك غير متصوّر فيما لا تنفك الملكة عنه لكونها من لوازمه انتهى، وهو

стр. 1090

غير وارد أمّا إن أريد الملكة الحقيقية فظاهر، وأما إن أريد المعنى المشهور فلأنه يكفي وجود مادّة تقبل تلك الصفة، والملازمة المذكورة توهم يضره ولا ينفعه، ثم قال فإن قلت لم لا يكفي في المطلوب تقدّم بعض الإعدام على ملكاتها قلت معارض بتقدم بعض الملكات على إعدامها لتوقف تصوّر الإعدام على تصوّر ملكاتها، ولوجوديتها انتهى والفرق بين لزوم تقدم الشيء بنفسه ولزوم تقدم تصوّره ظاهر ألا ترى أن المفرد مقدم على المركب في الوجود لتقذ م الجزء على الكل مع أن المركب مقدم عليه في التصوّر، ولذا قدم تعريفه على تعريفه في المطالع ولك أن تقول عدم الملكة عدم مخصوص، والعدم المطلق في ضمنه وهو متقدّم على الوجود في سائر المحدثات، ولذا قال الإمام: إنما قدم الظلمات على النور لأنّ عدم المحدثات متقدم على وجودها كما جاء في حديث رواه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: " إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رس عليهم من نوره " وفي أخرى: " ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل فلذلك جف القلم بما هو كائن ") ١ (، فعلى ما ذكره الإمام الظلمة في الحديث بمعنى العدم والنور بمعنى الوجود ولا يلائمه سياق الحديث، والظاهر ما قيل الظلمة عدم الهداية وظلمة الطبيعة والنور الهداية، والذي أرفعه فيه أنه اقتصر على رواية صدر الحديث، ثم إنه قيل الصواب أن يقال في وجه التقديم التقابل مع قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [سررة الأنعام، الآية: ٧٣] وكونها متقدمة في الخلق على النور على ما ورد في الأخبار الإلهية أنّ الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فخلق النيرات لا يوافق ما مرّ من معنى الحديث الذي نطقت به الرواية، وقد بقيت هنا كلمات تركناها لعدم جدواها قوله: (ومن زعم أنّ الظلمة عرض يضادّ النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أنّ عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل) يعني أن الجعل ليس بمعنى الخلق، والإيجاد بل تضمين شيء شيئا وتصييره قائما به قيام المظروف بالظرف أو الصفة بالموصوف والعدم من الثاني فصح تعلق الجعل به، وان لم يكن موجودأ عينياً لأنه ذكر في الطوالع أنّ العدم المتجدد يجوز أن يكون بفعل الفاعل كالوجود الحادث هذا تحقيق كلامه، ولا يرد عليه شيء أصلاً فإنّ العدم إمّا مطلق صرف أو مقيد ومضاف كعدم الحياة أو عدم تقابل الملكة وقد مرّ تحقيقه ثمت، وقال النحرير الظلمة عدم النور فإن أجرى هذا على إطلاقه كان بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب إلا أنّ الحكماء يقولون هو عدم النور عما من شأنه فبينهما تقابل العدم والملكة وعند بعض المتكلمين هو عرض ينافي النور فبينهما تقابل التضاد انتهى، وما نقله عن الحكماء ليس بمتفق عليه فإنّ منهم من ذهب إلى الأوّل، وهو مذهب الإشراقيين كما في حكمة الإشراق وفي شرحه للعلامة الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يستضيء على ما هو رأي المشائين أو عدم الضوء فحسب على ما هو رأي الأقدمين، وارتضاه بما هو مبسوط ثمت وقيل إذا كان الجعل بمعنى الخلق وليس الفرق بينهما إلا ما مرّ لا يصح تعلقه بالعدم إلا أن يعم الخلق غير الإيجاد، أو الإيجاد إيجاد الشيء ولو لغيره، فإن جعل أعم منه فإن كان الإثبات في نفس الأمر الذي هو أعم من الخارج واعدام الملكات ثابتة فيه، وأمّا العدم الصرف أمّا المطلق فلا تحقق له أصلا إلا إذا ثبت كونه ذاتيا للإعدام المضافة، وهو ممنوع لجواز كونه عرضا عامّاً لها ولا يلزم من ثبوت شيء ثبوت عرضه وأمّا المضاف، إلى غير الملكة فليس له ثبوت شبيه بالوجود الخارجي يرشدك إليه وضع الأسامي لإعدام الملكات كالظلمة والعمى دون غيرها انتهى وبما مر من تحقيق كلامه علمت أنه لا يرد عليه هذا والأحداث ليس بمعنى الإيجاد بل أعم منه والعدم مطلقا لا يصح إيجاده لأنه لا معنى للإيجاد إلا أحداث الوجود فلو أحدث فيه الوجود كان متصفاً به فيلزم اجتماع النقيضين نعم عدم الملكة عدم بالفعل ووجودب لقوّة كما مر نقله عن الشفاء مع أنهم صرحوا بأنّ العدم المطلق جزء من العدم المقيد، وقيل الجعل الإنشاء، وهو أعم من إيجاده بنفسه أو إيجاده في محل بأن جعل المحل متصفأ به، ولا يخفى أنّ الموجودات قد تتصف بالإعدام فتأمّل. قوله: (عطف على قوله الحمد لله الخ) في الكشاف عطفه إما على قوله الحمد لله على معنى أنّ الله حقيق بالحمد على ما خلق لأنه

стр. 1091

ما خلقه إلا نعمة ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته وأمّا غلى قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَات﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٧٣] على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه انتهى، وهذا من غوامض هذا الكتاب لأنّ هنا احتمالات أن يكون كفروا من الكفر أو الكفران، ويعدلون من العدل بمعنى التسوية أو العدول بمعنى الانصراف وبربهم إمّا متعلق بكفروا أو بيعدلون على كل تقدير فهذه الجملة إمّ معطوفة على جملة الحمد دلّه أو على الصلة وقد جوّز بعض هذه الاحتمالات تصريحا ونفى غيرها تلويحاً لأنه جعله على عطفه على جملة الحمد من العدول والجار متعلق بكفروا وكفروا من الكفر لا الكفران وعلى عطفه على الصلة فيعدلون من العدل، والجارّ متعلق به مقدم من تأخير إمّا لتعظيم اسمه الجليل أو لرعاية الفاصلة، وكفروا مسكوت عن تفسيره فيه إشارة إلى احتماله للوجهين، والذي اقتضى ذلك أن الأرجح الأبلغ العدول عنه إلى غيره إن لم يكن خطأ عند البلغاء فهو أخوه، وبيان ذلك أنه يصير المعنى على الوجهين هكذا الحمد والثناء مستحق للمنعم بهذه النعم الجسام على الخاص، والعام فكيف يتأتى من الكفرة والمشركين المستغرقين في بحار إحسانه العدول عنه، ولا يخفى استبعاد انصراف العبد عن سيده ووليّ نعمته إلى سواه بخلاف التسوية فإنّ المنعم قد يساويه غيره ممن يحسن إلى غيره، وهذا على الوجه الأوّل، وعلى الثاني معناه المعروف بالقدرة على إيجاد هذه المخلوقات العظام التي دخل فيها كل ما سواه كيف يتسنى لهؤلاء الكفرة، أو لهؤلاء الجاحدين للنعم أن يسووا به غيره ممن لا يقدر عليها، وهم في قبضة تصرفه بخلاف العدول عنه فإنه قد يتصوّر لجهلهم بحقه وما يليق بعظمته إذ العدول لا ينافي عدم المعرفة بخلاف التسوية فإنه لا يسوي بين شيئين لا يعرفهما بوجه ما ولما كان العدول في الأوّل مستلزما لكفران نعمه رتبه عليه وجعله تفسيرا له، وليس إشارة إلى أن كفروا من الكفران وبربهم بتقدير مضاف أي بنعم ربهم كما قيل، وأمّا عطفه على الصلة المسوقة لذكر المحمود عليه، وهذا ليس كذا! كما أورده في الانتصاف فرذ بأنه إشارة إلى مزيد كرمه وواسع حلمه حيث أنعم على المطيع والعاصي فكأنه قيل ما أكرمه وأحلمه كما قيل: إلهي لك الحمدالذي أنت أهله على نعم ماكنت قط لها أهلا أزيدك تقصيراً تزدني تفضلاً كأني بالتقصير أستوجب الفضلا كما سيأتي تحقيقه فما قيل إنه إشعار بأنّ الباء في الأوّل صلة كفروا ويعدلون من العدول، وفي الثاني يعدلون من العدل بمعنى التسوية وتقديم الصلة للاهتمام وتحقيق الاستبعاد وهذا تخصيص من غير مخصص لتأني التقديرين على كل من الوجهين، ووضع المظهر موضحع الضمير لبيان موقع الاستبعاد ولفظ الكتاب يوهم أنّ القرآن، ثم الذين كفروا به يعدلون وليس كذلك لا وجه له لما عرفت من وجه التخصيص وظهور المخصص وأمّا قوله به فليس غلطا في التلاوة كما توهم، وإنما هو تنبيه على أنّ الموضع موضع الإضمار وايضاج أن كفروا ليس من الكفران، ثم قال وفذا العطف على الصلة ليس على قصد أنه صلة برأسه ليتوجه الاعتراض بأنه لا معنى لقوله الحمد لله الذي كان منه تلك النعم العظام، ثم من الكفرة الكفران وإنما لم يحمل، ثم على التراخي مع استقامته لكون الاستبعاد أوفق بالمقام (وأورد عليه أبحاث (الأوّل إنه لا وجه لضم ما لا دخل له في استحقاق الحمد إلى ما له ذلك، ثم جعل المجموع صلة في مقام يقتضي كون الصلة محموداً عليه، والثاني أنّ مبني كلامه على أن المعتبر في هذا الوجه كون المذكور في حيز الصلة نعما والواقع منهم كفران، وهو مخالف للكتابين من وجهين أحدهما كون الخلق نعمة، وثانيهما كون يعدلون من العدول لا من العدل بمعنى التسوية، والجواب أما عن الأوّل فلما مرّ من أنه إذا أنعم عليه مع ذلك اقتضى علو شأنه وعموم إحسانه للمستحق وغيره وهو تعظيم منبئ عن كمال استحقاقه، ولذا قال بعض الفضلاء إنه حمد على كمال جوده حيث ينعم بمثل هذه النعم الجليلة على من لا يحمده ويشرك به، وقد يقال وقوعه موقع المحمود عليه باعتبار معنى التعظيم المستفاد من إنكار مضمونه فكأنه قيل الحمد لله الذي جل جنابه عن أن يعدل به شيء لكن المحمود عليه يجب أن يكون جميلا اختياريأ وما ذكر ليس كذلك

стр. 1092

فلا بد من الرجوع إلى التأويل وأمّا عن الثاني فلأنها نعم لا يقدر عليها سواه كما نبه عليه بقوله:) العظام) فتضمن ذلك عظيم قدرته التي لا يساويه فيها أحد وذكره الكفران بيان لحاصل المعنى، ومآله لا تفسير لقوله يعدلون حتى لا يناسب ما في الكتابين، ثم إنه قيل عليه أيضاً إن ما ينتظم في سلك الصلة المنبئة عن موجبات حمده تعالى حقه أن يكون له دخل في ذلك الأنباء في الجملة، ولا ريب في أن كفرهم بمعزل عنه واذعاء أنّ له دخلا فيه لدلالته على كمال الجود كأنه قيل الحمد لله الذي أنعم المثل هذه النعم العظام على من لا يحمده تعسف لا يساعده النظام، وتعكيس يأباه المقام. كيف لا وسياق النظم الكريم كما تفصح عنه الآيات الآتية لتوبيخ الكفرة ببيان غاية إساءتهم في حقه كما يقتضيه الادعاء المذكور وبهذا اتضح أنه. لا سبيل إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف عليه لما أنّ حق الصلة أن تكون غير مقصودة الإفادة، فما ظنك بما هو من روادفها، وقد عرفت أنّ المعطوف هو الذي سيق له الكلام قلت لا شك في أنه على هذا الوجه يراد الحمد دلّه الذي أنعم بهذه النعم الجسام على من لا يحمده، ولا تعسف فيه لبلاغته وادعاء العكس ممنوع فإنّ المقام مقام الحمد كما تفيده الجملة المصدر بها، وما بعده كلام آخر ولا يترك مقتضى مقام لأجل مقتضى مقام آخر إذ لكل مقام مقال وهذا على عادته في استسمان ذي ورم، ونفخه في غير ضرم، فإن قلت كيف يصح عطفه من جهة العربية والموصول لا يكون صلة كما صرح به الرضي في باب الأخبار بالذي قلت الذي وقع في الرضي، وقوعها صلة ابتداء لا بطريق التبعية فإنه يغتفر في التابع ما. لا يغتفر في غيره، ثم إنه قيل الصواب في الجواب أن عطفه عليه ليس بقصد أنه صلة برأسه ولا لأنه جزء الصلة بل على أنه من روادفها عطف عليها بيانا لما لهم مع ذلك الصنع البديع، ومن الفعل الشنيع والصنع الفظيع، ويمكن أن يؤوّل بأنّ المعنى الحمد دلّه المنعم المستبعد مع إنعامه الكفران فيجوز أن يكون جزء الصلة انتهى وهذا مآل ما ذكره النحرير عند التأمل مع أنّ قوله ويمكن الخ يرد عليه ما أورده ثانيا بعينه، وما قيل فيه نظر لأنه تكلف بعيد وتغيير للنظم لا يرتكب إلا لضرورة ولا ضرورة هنا، ولأن قوله من الكفران لا يناسب أن يذكر بعد الحمد إذ لا علاقة له معه من قلة التدبر، وإذا انتقش في صحيفة ذهنك ما قرّرناه انمحى كل ما أوردناه. قوله: (ما خلقه نعمة (يشير إلى أنّ الحمد هنا في مقابلة النعمة لأنّ ما في حيز الموصول محمود عليه فلا يرد عليه أن الحمد لا يلزم أن يكون في مقابلة نعمة. قوله: (ثم الذين كفروا الخ الما كان المقام مقام الحمد ناسب التشنيع عليهم بعدم العمل بمقتضاه فلا يرد عليه أنّ كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوس! ط أشد شناعة وأعظم جناية مع عدولهم عن حمده فجعل أهون الشرين عمدة في الكلام مقصوداً، بالإفادة واخراج أعظمهما مخرج القد المفروغ عنه مما لا عهدة له في الكلام السديد فكيف بالنظم التنزيلي. قوله: (ويكون بربهم تنبيهاً الخ) إشارة إلى النكتة في وضع الظاهر موضع المضمر، والرث في الأصل مصدر أو صفة بمعنى المربي المالك يختص به تعالى ولا يطلق على غيره إلا شذوذا أو مقيداً أو جمعا كما مر. قوله: (على معنى أنه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه الخ (هكذا في الكشاف، وهو بيان لما يقتضيه تباعد ما بين المتعاطفين وهو خلق هذه الأمور العظيمة التي لا يقدر عليها سواه وتسوية الكفرة به من لا يقدر على شيء، ولم يذكر أنّ خلق هذه من النعم لأنه لبيان المناسبة بين الجملتين مع قطع النظر عن ارتباطه بما قبله وكونه محمودا عليه أؤ اكتفى بالتنبيه عليه فيما مضى وكونه معلومأ مع وقوعه موقع المحمود عليه اقتصاراً على مقدار الكفاية وحذرا من شبه التكرار، فلا يرد عليه ما قيل أنه لم يعتبر في هذا الوجه كون خلق السماوات والأرض من النعم مع أنه أشار فيما سبق إلى اعتباره مطلقا بقوله ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام، والصواب اعتباره هاهنا أيضاً لاقتضائه الإظهار في مقام الإضمار لا سيما في هذا الوجه لعطفه على الصلة، وقال أبو حيان: لا يصح هذا التركيب لأنه ليس فيه رابط يربط الصلة بالموصول إلا إذا خرج على نحو قولهم أبو سعيد الذي رويت عن الخدري يريدون عنه فيكون الظاهر وقع موقع المضمر فكأنه قيل، ثم الذين كفروا به يعدلون، وهذا من الندور بحيث لا يقاس عليه ولا يحمل عليه كتاب الله تعالى

стр. 1093

مع إمكان حمله مع الوجه الصحيح الفصيح، ولك أن تقول لا يلزم من ضعفه في ربط الصلة ابتداء ضعفه فيما عطف عليها كما في رب شاة وسخلتها، وأمّا ما قيل على ما ذكرنا من الجواب الصواب لا يحتاج إلى الرابط فعجيب لأنه لم يقل أحد من النحاة إنّ المعطوف على الصلة، بثم يجوز خلوه عن الرابط وغاية ما ذكره أنه نكتة للربط بالاسم وهو ظاهر. قوله: (ما لا يقدر على شيء منه) قيل تبع فيه الكشاف، والظاهر حذف لفظ منه، ولم يقفوا على وجهه وهو في كلام الزمخشري ظاهر لأن المانع من التسوية عدم القدرة على شيء مما لا يقدر عليه غير الله لا عدم القدرة على الخلق مطلقاً إذ أفعال العباد مخلوقة لهم عند المعتزلة والمصنف ﵀ تبعه في ذلك ليكون نكتة على جميع المذاهب لا غفلة عن مراده. قوله: (ومعنى ثم استبعاد عدولهم الخ) قال ابن عطية ﵀، ثم دالة على قبح فعل الذين كفروا لأنّ المعنى أنّ خلقه السماوات قد تقرّر وآياته قد سطعت وأنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول أعطيتك وأحسنت إليك ثم تشتمني أو بعد وضوج ذلك كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو ولم يلزم التوبيخ كلزومه بثم، قال أبو حيان: هذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أنّ ثم للتوبيخ، والزمخشريّ من أنها للاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول ثم ولا أعلم أحداً من النحويين ذكر ذلك بل ثم هنا للمهلة في الزمان وهي عاطفة جملة اسمية على اسمية أخرى فأخبر تعالى بأنّ الحمد له ونبه على العلة المقتضية للحمد من جميع الناس، وهي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ثم أخبر أنّ الكافرين يعدلون فلا يحمدونه، وقيل الظاهر أنه لم يرد أنه موضوع للاستبعاد بل أراد أنه مستعمل فيه بطريق المجاز بمعونة المقام، وذلك لأنّ كل متباعد مستبعد ومتراخ عن خلافه فاندفع ما قال أبو حيان إنه لم يوضع لذلك بل هو مستفاد من سياق الكلام، وقد يجاب عنه بأنه أراد التراخي الرتبي وفيه أنّ مقتضى ذلك كون مدخوله أعلى مرتبة مما عطف به عليه وليس الأمر هنا كذلك أقول قوله متراخ ومتباعد في الجواب لا معنى له إلا أنّ بينهما بعد معنوقي وهو التراخي الرتبي بعينه فالجوأبان واحد، وما أورده وارد عليه، ثم ما أنكره من كون الأوّل أعلى رتبة لا وجه له، وقد صرّح ابن عطية ﵀ بخلافه فيما سمعت لأنّ الأعلى في مثاله المعطوف عليه ونبه عليه بعض شراح الكشاف في غير هذا المحل وإذا شبه البون المعنوي بالبعد الزماني وعد هذا علاقة فما الفرق بينهما ومراد الزمخشرقي التراخي الرتبي وقال النحرير ﵀ إنما لم يحمل ثم على التراخي مع استقامته لكون الاستبعاد أوفق بالمقام لأنّ التراخي الزماني معلوم فيه فلا فائدة في ذكره ومنه علمت أنّ الصواب أن يعذ كناية لا مجازاً لإمكان المعنى الحقيقي فيه وقوله استبعاد أن يعدلوا به ربما يشعر بأنه على الوجه الأوّل فقط ومراده جريانه فيهما لكته للاختصار اقتصر على أحدهما ليعلم الآخر بالمقايسة عليه، ثم قال: فإن قلت يرد على الفاضل وأبي حيان أن كفرهم وعدولهم لا يتراخى عن كونه حقيقياً بالحمد لاستمراره فإن جعل للتراخي في الأخبار كما يشعر به كلامه، ورد أنه لا تراخي بين الإخبارين كما في شرح التسهيل فلا بد من اعتبار التراخي الرتبي، والرجوع إلى ما قاله الزمخشريّ قلت كل ممتد يصح فيه التراخي باعتبار أوّله والفور باعتبار آخره كما حققه النحاة. قوله: (والباء على الآوّل الخ) قد مز اعتراض الفاضل المحقق بأن الفرق المذكور تخصيص من غير مخصص، وقد مرّ دفعه بنحو ما قاله بعض المتأخرين الفضلاء وجه التخصيص! رعاية المناسبة بين ما عطف، بثم الاستبعادية وبين ما عطف عليه فإنه إذا قيل، ثم الذين كفروا به يعرضون عن حمده فيكفرون نعمته فإنّ من استحق جميع المحامد من قبل العباد فالإعراض عن حمده في غاية الاستبعاد، ولا يناسب حينئذ أن يقال ثم الذين كفروا يسوّون به غيره إذ لم يسبق صريحا ما يفيد امتناع التسوية بينه وبين غيره حتى يفيد استبعاد التسوية وكذا إذا قيل إنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه فالمناسب في الاستبعاد أن يقال، ثم الذين كفروا يسوّون به غيره الذي لا يقدر على شيء منه، لا أن يقال ثم الذين كفروا به يعرضون عن حمده انتهى، ولا يخفى اتساق أنّ من استحق جميع المحامد لأنعامه بالنعم الجسام

стр. 1094

لا يناسبه أن تكفروا نعمته، ومن خلق هذه المخلوقات العظام لا يسوي به غيره كما قال تعالى: حكاية عن الكفار ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٩٧-٩٨] وأيد الاعتراض! الذي اعترض! به النحرير بأنه إذا قيل إنه تعالى مستحق للحمد على هذه النعم الجسام التي لا يقدر عليها أحد، ثم الذين كفروا يعدلون به غيره مما لم يكن منه مثل هذه فيجعلونها آلهة مثله ويثنون عليه بما أثنوا به عليه تعالى كان كلاما صحيحا منتظما، وكذا إذا قيل إنه تعالى خلق ما خلق نعمة لهم مما لا يقدر عليه أحد، ثم هم يعدلون عنه ولا يحمدونه مع أنه مقتضاه ذلك كان كلاما صحيحا منتظما هذا تقرير كلامه، على وفق مرامه، وقد خفي عليه وعلى من قلده ولا يخفى أنه تكلف وتخليط فإن العلامة راعى في وجه الاستبعاد أخذه من المتعاطفين، وهو أدخل في كل من الوجهين وغيره أخذه، مما بعده وما قبله، ولا يخلو من التعقيد لملاحظة قيود كثيرة والاحتياج إلى تقديرها وملاحظتها، ولدّا لم يعرج عليه أحد من شراح الكشاف، وأشار إلى الكشف إلى أن ما جنح إليه الزمخشري ظاهر من حاق النظم، ولولاه لما حسن موقع ثم وما ذكره تكلف يأباه جزالة النظم وسلاسة السبك والحق أحق أن يتبع، ومعنى تسويتهم له تعالى بها في اذعاء الألوهية والعبادة وبعضهم سلك في ردّه مسلكا آخر فقال أنه معطوف على الجملة السابقة الناطقة بما مرّ من موجبات اختصاصه تعالى بالحمد المستدعي لاقتصار العبادة كما حقق في سورة الفاتحة مسوق لإنكار ما عليه الكفرة، واستبعاده من مخالفتهم لمضمونها واجترائهم على ما يقضي ببطلانه بديهة العقل، والمعنى أنه تعالى يختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته وباعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه، ويعدلون به سبحانه أي يسوّون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد مع كون كل ما سواه مخلوقا له غير متصف بشيء من مبادي الحمد، وكلمة ثم لاستبعاد الشكر بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه لا سيما بعد بيانه بالايات التنزيلية، والموصول عبارة عن طائفة الكفار جرى مجرى الاسم لهم من غير أن يجعل كفرهم بما يجب أن يؤمن به كلاَ أو بعضاً عنواناً للموضوع، فإن ذلك مخل باستبعاد ما أسند إليهم صن الإشراك والباء متعلقه بيعدلون هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل، وهذا مبنيّ على أنّ الحمد له دلالة على العبادة كما مرّ أن الزمخشري جعل إياك نعبد بيانا لقوله الحمد دئه وقد أوّله الشراح ثمة وهو لم يرتضه هناك فكأنه نسي ما قدمت يداه دماذا لم يلاحظ فيه ما ذكر لا ينتظم كلامه بوجه من الوجوه وهو من الأوهام الخيالية. قوله:) وصلة يعدلون الخ (لم يقدر ليعدلون في هذا الوجه مفعولاً بخلافه في الوجه الثاني بناء على ما نقل عن الزمخشرقي من أنه قال إنما ترك ذكر المعدول عنه ليقع الإنكار على نفس الفعل الذي هو العدول وأنه مما لا ينبغي أن يخطر ببال، وينبغي أن يجعل الفعل هاهنا كأنه غير متعد فلا يضمر له مفعول البتة وإنما لم يجعل في الوجه الثاني كذلك لأنه لا يحسن إنكار العدل بخلاف إنكار العدول قيل وفيه نظر ظاهر ووجهه أن مجرّد العدول بدون اعتبار متعلقه غير منكر ألا ترى أن العدول عن الباطل لا ينكر فالظاهر أن تذكر هذه النكتة في الوجه الثاني وإن حذفه إنما هو لأجل الفاصلة. قلت هذا وان تراءى في بادئ النظر لكته عند التحقيق ليس بوارد لأنّ العدول وان كان له فردان أحدهما مذموم وهو العدول عن الحق إلى الباطل وممدوج وهو العدول عن الباطل إلى الحق لكن العدول الموصوف به الكفار لا يحتمل الثاني فلتعينه لا يحتاج إلى تقدير متعلق وتنزيله منزلة اللازم أبلغ عند التأمل، بخلاف التسوية فإنها من النسب التي لا تتصور بدون المتعلق فلذا قدره ومنه تعلم أنّ تنزيل الفعل منزلة اللازم لا يكون أو لا يحسن إلا فيما ليس من قبيل النسب فأعرفه وقوله يعدلون بربهم الأوثان الأولى التعميم وقد اعترف المصنف ﵀ بتضمن السورة الرذ على الثنوية، ئم إنّ حذف المفعول هنا ليقع الإنكار على نفس الفعل. قوله: (أي ابتدأ خلقكم الخ) إشارة إلى أنّ من ابتدائية، وقيل إنه يعني أنّ الخلق مجاز عن ابتدائه وأن كون الطين مبدأ لخلقهم باعتبار المادة الأولى فقوله، وإنّ آدم ﷺ الخ بالكسر

стр. 1095

عطف على أنه للتفسير والتخصيص بعد التعميم، ويحتمل أن يكونا وجهين الأوّل إشارة إلى ما ذكره الإمام من أنّ الإنسان مخلوق من النطفة والطصث وهما من الأغذية الحاصلة من التراب بالذات أو بالواسطة، والثاني ظاهر ففي الآية ثلاثة وجوه وعلى الثالث تحتمل من التبعيضية ويكون قوله ابتدأ بيانا للواسطة فقط، وهو خلاف الظاهر، وفي الآية التفات لأنّ الخطاب وان صح كونه عافآ لكنه خاص بالذين كفروا، كما يقتضيه ثم أنتم تمترون ونكتته أن دليل الأنفس أقرب إلى الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة والشكر عليه أوجب، وقد أشير في كل من الدليلين إلى المبدأ والمعاد وما بينهما. قوله:) ثم قضى الخ (قيل أي قدر وكتب فثم للترتيب في الذكر دون الزمان لتقدمه على الخلق، وما ذكره ظاهر إن أراد بالقضاء والقدر ما وقع في الأزل ولكن لا حاجة إليه ولذا قيل الظاهر أنه بالمعنى الحقيقيّ وهو الترتيب بأن يراد بالتقدير والكتابة ما تعلم به الملائكة وتكتبه كما وقع في حديث الصحيحين: " إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أرشين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً ويؤمر بأربع. كلمات ويقل له اكتب عمله ورزقه وشقئي أم سعيد " الحديث) ١ (ومن أراد بسط هذا المقام فلينظر شروحه، وقيل إن كان قضى بمعنى أظهر فثم للترتيب الزمانيّ على أصلها وإلا فهي للترتيب الذكري. قوله: (وأجل مسمى) في شرح الكشاف الأجل يقال بمعنى الوقت المعين لانقضاء شيء ولم يقع فيه مجازاً كالموت ولمجموع المدة كالعمر وعليه تدور وجوه التفسير فنزل كلامه على كل مناسبة وقوله يطلق لآخر المدة ضمنه معنى يستعمل وإلا فالأصل تعديه بعلى، والواو هنا إمّا للحال أو للعطف. قوله:) وقيل الآوّل الخ) حاصل ما ذكره أربعة أوجه صريحة وواحد ضمنا فهي خمسة أحدها أنّ الأجل الأوّل أجل الموت والثاني أجل القيامة ووجه تقييد الثاني بكونه عنده أنه من نفس المغيبات الخمس التي لا يعلمها إلا الله والأوّل أيضاً وان كان لا يعلمه إلا هو قبل وقوعه كما قال ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [سورة لقمان، الآية: ٣٤، لكنا نعلمه للذين شاهدنا موتهم وضبطا تواريخ ولادتهم ووفاتهم فنعلمه سواء أريد به آخر المدة أو جملتها متى كان وكم مدة كأن كذا قيل، وقيل: إنه يعلم بالسن وانقراض الإقران قربا وبعدا، وان لم يتعين حقيقة أو الملائكة أطلعهم الله عليه وفيه نظر والثاني أنّ الأول ما بين الخلق والموت، والثاني ما بين الموت والبعث، ووجه التقييد بعنده في الثاني يعلم مما مز، والثالث كون الأوّل النوم والثاني الموت ولا يخفى بعده لأنّ النوم وان كان أخا الموت لكن لم يعهد تسميته أجلاً وان سمي موتا، ووجه تقييد الثاني بالنسبة إلى الشخص نفسه، والرابع كون الأوّل أجل من مضى وهو معلوم بخلاف من بقي ومن يأتي ووجه التقييد ظاهر، والخامس أنّ لكل شخص أجلين أجلا تكتبه الكتبة وهو يقبل الزيادة والنقص وأجلاً مسمى عنده لا يقبل التغيير ولا يطلع عليه غيره وسيأتي تحقيقه. قوله: (والاستئناف الخ (جوّز بعضهم أن يكون الاستئناف بمعنى جعله مبتدأ غير معطوف على ما قبله وآخرون إنه بمعنى كونه واقعا في ابتداء الكلام غير مؤخر على ما هو المستفيض في كلامهم كما سيأتي، وردّ الأوّل بأنه يأباه قوله ولأن المقصود بيانه ولا وجه له لأنه لو عطف على ما قبله كان تابعا له، وهو ينافي كونه مقصوداً وهذا ظاهر غاية الظهور، ويؤيده أنّ الاستئناف بمعنى القطع شائع في كلامهم، وأمّا بمعنى التصدير فغير مشهور نعم هو على هذا الوجه يخلو عن الفائدة التي في كلام الكشاف، والظاهر عدم تركها، ومحصلها أنّ الظرف إنما يجب تقديمه إذا لم يكن ثمة مسوّغ آخر كالوصف هنا لكن النكرة الموصوفة بالمعروف فيها التأخير في استعمال البلغاء فيقولون عندي عبد كيس ولي ثوب جيد وفي ملكي كتاب نفيس لا يكادون يتركون تقديم خبره إلا لمقتف!! ، وهنا أوجب تقديم النكرة أنّ المعنى، وأفي أجل مسمى عنده ت! غيماً لشأن الساعة فلما- جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم، قال الطيبي: هذا بيان لمعنى التنكير والتهويل فيه لا أنّ الكلام متضمن لمعنى الاستفهام كما ظن، وقيل ظاهر عبارة الكتاب أن هذا التعظيم مستفاد من الاستفهام المعتبر في معنى هذه النكرة كأنه لغرابته، وعظيم رتبته مما يسئل ويستفهم عنه والاستفهام يقتضي صدر الكلام وبه! ذا يندفع ما يقال أنه يكفي في إيثار التقديم الترجيح وأيّ حاجة إلى اعتبار الوجوب والإيجاب كما في عبارة الكتاب ولا يحتاج إلى تأويله بأنّ الراجح واجب في حكم البلاغة، وكلام الزمخشريّ يخالف قول السكاكي أنّ النكرة الموصوفة يجب تأخرها فلا يتأتى الجواب عنه بأنّ عدم الوجوب باعتبار الصناعة النحوية وما ذكره الزمخشرفي باعتبار استعمال البلغاء، ثم إنّ معنى كلام المصنف ﵀ أنه قصد هنا التعظيم فقدّم للاهتمام بما قصد تعظيمه ولا ينافي كون التعظيم من التنكير أيضا فلا مخالفة بين كلامه وكلام الكشاف كما قيل وإنه أقرب منه لأنه لا يظهر دلالته على التعظيم إلا إذا لوحظ التنكير، وقال بعض الفضلاء فان قلت ليس قصد التعظيم للمبتدأ موجباً لتقديمه، ولهذا لم يعدّ في علم المعاني من الأحوال المقتضية له قلت قد أدرج المصنف الجواب عن هذا في أثناء تقريره بقوله إنّ المعنى وأيّ أجل مسمى عنده بمعنى أن أجلاً في معنى أفي أجل فكما أنّ أقي أجل واجب التقديم فكذا ما هو بمعناه، وأورد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٦٢] فإنّ المعنى على أفي كتاب ولا يخفى أنّ ما قصد تعظيمه أهثم عند المتكلم والأهمية من مقتضيات التقديم كما صرّح به في متون المعاني، ثم أنّ المرجح قد يعارضه مرجح آخر خلافه فيجري كل منهما على حسب مقتضى مقامه ولذا قالوا إنّ النكات لا تتزاحم وفي شرح الكشاف هنا مباحث أخر تركناها خوف الإطالة، واذ قد تبين أنّ مراد الزمخشري بيان محصل المعنى لا أنّ ثمة استفهام مقدر اندفع ما اعترض به عليه من أنه لا يجوز أن يكون التقدير أفي أجل مسمى عنده لأن أيّ حينئذ صفة لموصوف محذوف تقديره وأجل أفي أجل مسمى عنده، ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أيا ولا حذف موصوفها، وإبقاؤها فلو قلت مررت بأيّ رجل تريد برجل أفي رجل لم يجز! مع أنه ردّ بأنه سمع ذلك كقوله: إذا حارب الحجاج أيّ منافق علاه بعضب كلما هزيقطع فإنهم قالوا تقديره منافق أيّ منانجق. قوله: (مثبت معين لا يقبل التغيير الخ) يوهم باعتبار المقابلة أنّ الأوّل يقبل التغيير والتأثير في تغييره إما من الخلق بالقتل ونحوه وهو ليس مذهب أهل السنة كما بين في محله أو من الخالق وهو أيضاً مما اختلفوا فيه فقيل الأرزاق والآجال مقدرة لا تتغير عما علمه الله، وأتا ما ورد في الأحاديث من أنّ صلة الرحم تزيد في العمر ونحوه، فقد قيل فيه إنّ المراد الزيادة بالبركة والتوفيق للطاعة أو هو بالنسبة لما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ وبه فسر قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٣٩] وقيل المراد طوله ببقاء الذكر الجميل وهو ضعيف، وقال الماوردي وحمه الله قد تقرّر أنه تعالى عالم بالآجال والأرزاق وغيرها وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله موت زيد في زمن كذا استحال موته قبله أو بعده وعلى هذا حمل قوله تعالى ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده كذا في شرح مسلم وهو وجه من وجوه هذه الآية ومعنى عنده أنه مستقل بعلمه وفيه إشارة إلى أن علمه حضوريّ ليس كعلمنا، وقيل الأجلان واحد والتقدير، وهذا أجل مسمى فهو خبر مبتدأ محذوف وعنده خبر بعد خبر أو متعلق بمسمى. قوله: (ولأنّ المقصود بيانه الأن الآية سيقت لبيان البعث وهو الدال عليه في الوجوه الثلاثة الأول وأما في الأخير فلأنه حينئذ ظاهر في الدليل إلا نفسي وفي نسخة ولأنه المقصود بيانه بالذات. تنبيه: أعلم أنه قال في الكشاف فإن قلت الكلام السائر أن يقال عندي ثوب جيد ولي عبد كيس، وما أشبه ذلك، فما أوجب التقديم قلت أوجبه أنّ المعنى وأقي أجل مسمى عنده تعظيماً لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم، وقال النحرير: يعني أنه قدم لأنه قصد التعظيم فإنه مما يناسب الاهتمام التقديم، وظاهر عبارة الكتاب أن هذا التعظيم مستفاد من معنى الاستفهام المعتبر في مثل هذا المنكر كأنه لغرابته، وعظم رتبته مما يسأل عنه ويستفهم عن حاله، والاستفهام يقتضي صدر الكلام، وبهذا يندفع

стр. 1096

ما يقال إنه يكفي في إيثار التقديم الترجيح فأفي حاجة إلى اعتبار الوجوب والإيجاب كما في عبارته ولا يحتاج إلى تأويله بأنّ الراجح واجب في حكم البلاغة وقال بعض علماء العصر فيما قاله النحرير نظر لأنّ أيا هذه ليست للاستفهام إنما هي لمعنى آخره، وفي المغني إنها تكون شرطية ودالة على الكمال نعم يمكن

стр. 1097

أن يقال إنها منقولة من الاستفهام كما قاله الرضي: معتذراً عن ابن الحاجب لما لم يذكرها بأنها في الأصل استفهامية فمعنى رجل أفي رجل أنه عظيم يسأل عن حاله لأنه لا يعرفه كل أحد انتهى لكن لا شبهة في أن أياً هذه لا تقتضي الصدارة لانسلاخ الاستفهام عنها بالكلية، ولو اقتضت الصدارة لزم أن يقال برجل أقي رجل مررت، وهذا جليّ جداً وبهذا ظهر أنّ في توجيهه سهواً ظاهر اهـ، وإذا أحطت خبراً بما ذكرناه وبما قاله أبو حيان في الاعتراض على الزمخشري بأنه إذا كان التقدير وأفي أجل مسمى عنده كانت أيّ صفة لموصوف محذوف تقديره وأجل أفي أجل ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أيا ولا حذف موصوفها وابقاؤها ولو قلت مررت بأقي رجل تريد برجل أفي رجل لم يجز، وقال المعرب بعد هذا لا نسلم أن ما ذكره الزمخشري من التقدير يلزمه عليه حذف الموصوف بل هي مبتدأ كقولك أيّ رجل عندك وأيّ رجل زيد انتهى، وهذا ما قالوه بأسرهم من المتقدمين والمتأخرين (وأنا أقول أليس فيه ما طبق المفصل وأصاب المحز، فإذا نظرت بعين البصيرة عرفت أنّ العلامة يريد أنّ النكرة المخبر عنها بالظم ف يلزم تقدم ظرفها، وإنما تخلف هنا لأنها قصد بها التعظيم، وما قصد به ذلك حقيق بالتقديم والتعظيم من التنكير والتنوين لأنه في معنى أفي أجل ونظره به لأنه واضح كثير ولم يرد أنّ فيه لفظ أي مقدرا، وهو ظاهر لغير أكمه البصيرة، ويؤيده أن القاضي وغيره ذكروا التعظيم ولم يذكروا أياً والنحرير وغيره فهموا أن فيه أيا مقدرة فورد عليهم أمور ارتكبوا التكلف لدفعها، والعلامة إذا عرج إلى سماء المعاني لم يتوكا على عصى، وإذا حكم على المعاني لم تقرع له العصى، فإن قلت: إذا كان وجوب التقديم فيما وضع للاستفهام وجواز عدمه إذا انسلح عنه فالظاهر أنه فيما حمل عليه ليس كذلك لأن الأصل ليس كالنائب قلت هذا مما يتراءى في بادئ النظر، وعند التحقيق الظاهر خلافه لأنّ الأصل تكفيه أصالته شاهداً فلا يضرّ تخلفه أحيانا بخلاف الطارىء فإنه محتاج للبيان لتبادر الذهن إلى المعنى الأصلي فتأمله فإنه حقيق بذلك. قوله: (استبعاد الخ (إشارة إلى أنّ ثم هنا يجري فيها ما مرّ، وقوله: وخالق أصولهم يحتمل أن يريد بأصولهم آباءهم وجمعها لتعذدهم أو لتعدد فروعهم إن أريد ما ذكر في قوله: خلقكم من طين لا الآباء ولا العناصر أو موادهم إذ يؤخذ هذا من الأرض المرادة وما فيها. قوله: (وإبقائها ما يشاء كان أقدر الخ) ما يشاء إشارة إلى الآجال، وأقدر بمعنى أظهر قدرة وهو كقوله تعالى: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم، الآية: ٢٧] لأنّ من صنع شيئا وأوجد ماذته سهل عليه صنع مثله فيقاس عليه إعادته أو هو لزيادة استعداد القابل لما أفيض عليه من الصور أوّلاً والا فالقدرة القديمة بالنسبة إلى جميع مقدوراتها على السواء فمعنى التفضيل فيها ما ذكر إمّا على طريق التمثيل والقياس إلى القدرة الحادثة التي تتفاوت قدرتها أو بالقياس إلى القابل لا الفاعل بزيادة استعداده للقبول، وأمّا بالنسبة إلى الفاعل فالكل على السواء فهو إمّا كناية عن زيادة ذلك الاستعداد أو أفعل التفضيل من المبنى للمجهول مثل ما أشغله أي أكثر ما تتعلق به القدرة، وفي كلام المصنف ﵀ إشارة إلى أن متعلق الامتراء تقديره تمترون في البعث، لا في الله فإنه لا يناسب ما تقدم من التصريح بكفرهم، وأن المعاد بضم الأجزاء واعادتها لا بإيجاد بعد إعدام وتحقيقه في الأصول. قوله: (فالآية الأولى دليل التوحيد الخ) وجه دلالة الثانية ظاهر على تفسيره ووجه دلالة الأولى أنه إذا كان لا يليق الثناء والتعظيم بشيء سواه لأنه المنعم لا أحد غيره لزم أن لا معبود ولا إله سواه بالطريق الأولى، ولا حاجة إلى ملاحظة برهان التمانع وأن الآية إشارة إليه لأنها بالذات إنما تدل على وجود الصانع لا التوحيد وإنما أوقعه في هذا التكلف حمل الدليل على البرهان العقلي، أو مقدماته التي يتألف منها أشكاله والمصنف ﵀ قلما يستعمله بهذا المعنى كما يعلم من تتبع كلامه، ولذا قال بعض الفضلاء كونها دليل التوحيد ظاهر على أن يكون يعدلون من العدل وأئا كونه من العدول فباعتبار إجراء الخلق والجعل على الله وذكر بربهم، ولذا قال بعض المدتقين إنه ميل إلى ترجيح كون يعدلون من العدل، وقد أشار إليه في مفتتح كلامه أيضا بقوله ونبه على أنه المستحق إلى قوله: ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون لأنّ

стр. 1098

السورة مسوقة للردّ على أصناف المشركين، واعترض عليه بأنه غفلة عما زعم أنه تحقيق، وليس كما زعم والآية الثانية مستقلة في الدلالة على البعث إن فسرنا الأصول بالتفسير الأوّل، والا فهي غير مستقلة ومتعلق الامتراء عند المصنف ﵀ البعث كما مرّ، وفي الكشاف إنه استبعاد لأنّ يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم فيكون متعلقه وجوده تعالى وهو موجه بناء على أن الأجل المسمى بمعنى القيامة فإنها دالة على البعث، وجعل بعضهم دليل البعث من خلق السماوات والأرض على منوال قوله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآية: ٢٧] وهو خلاف الظاهر. قوله: (وأصله المري الخ) قال الراغب ﵀ المرية التردد في المتقابلين وطلب الإمارة مأخوذة من مري الضرع إذا مسحه للدرّ. ومنه أخذ المصنف ﵀ وقيل الامتراء بمعنى الجحد، وقيل الجدال، وعلى الوجه الأوّل وجه المناسبة أن الشك سبب لاستخراج العلم الذي هو كاللبن الخالص من فرث ودم. قوله: (الضمير دلّه (هذا قول الجمهور، وقال: أبو عليّ هو ضمير الشأن والله مبتدأ خبره ما بعده والجملة مفسرة لضمير الله وعلى هذا فإن تعلق الجارّ به فالحمل ظاهر الفائدة والا فهو على حد أنا أبو النجم وشعري شعري أي هو المعروف بالألوهية الأظهر من الخفي كما سيأتي تحقيقه. قوله: (متعلق باسم الله والمعنى الخ) في الكشاف متعلق بمعنى اسم الله كأنه فيل وهو المعبود فيها ومنه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٨٤] أو وهو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها أو وهو الذي يقال له الله فيها لا يشرك به في هذا الاسم غيره، وحاصله أنه لما توجه هنا أنّ الظرف لا يتعلق باسم الله لجموده، ولا بكائن لأنه يكون ظرفاً دلّه وهو منزه عن المكان والزمان أجاب عنه بأربعة أوجه، ولذا قال النحرير: لا خفاء في أنه لا يجوز تعلقه بلفظ الله لكونه اسماً لا صفة، وكذا في قوله في السماء إله وفي الأرض إله لأنّ إلها اسم وان كان بمعنى المعبود كالكتاب بمعنى المكتوب فهو متعلق بالمعنى الوصفيّ الذي تضمنه اسم الله كما في قولك، هو حاتم في طيىء على معنى الجواد، والمعنى الذي يعتبر هنا يجوز أن يكون هو المأخوذ من أصل اشتقاق الاسم أعني المعبود أو ما اشتهر به الاسم من الألوهية وصفات الكمال، ودل عليه هو الله مثل أنا أبو النجم وشعري شعري أي المعروف بذلك في السماوات والأرض، أو ما يدل عليه التركيب الحصر! من التوحد والتفرّد بالألوهية، أو ما تقرّر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه خاصة فهذه أربعة أوجه لا خفاء فيها وفي كيفيتها، وليس معناها أن يحمل لفظ الله على معناه اللغوي أو المعروف أو المتوحد بالإلهية أو يقدر القول انتهى، وفيه بحث لأنه لا وجه لجعله متعلقا بالجملة جميعها ولا نظير له، وان جعله متعلقأ بلفظ الجلالة فلا بد من أخذ ذلك المعنى منه فيلزمه الرجوع إلى ما قاله الشراح وسيأتي ما يصححه على بعد، والمصنف ﵀ لما اختار سابقاً أنه اسم للمعبود اختار هنا تعلقه بالاسم الكريم باعتبار أنه في المعنى المراد منه ملاحظ فيه معنى الصفة والجار والمجرور يكفي في تعلقه مثل ذلك فلا حاجة إلى اعتبار معنى آخر خارج عنه، ولم يقل المعبود ليصح الحصر المستفاد من تعريف الطرفين لأنه عبد غيره لكنه بغير حق، ولأن معناه بعد الغلبة المعبود بحق لا مطلق المعبود كما فصل في أوّل الكتاب، وإذا اتضح المراد سقط الإيراد، فلا وجه لما أورد عليه من أن الاستحقاق قائم به، وليس فيهما، فلو كان المعنى هو المعبود فيهما كما في الكشاف لصح لأن عبادته واقعة فيهما إذ المراد هو المعبود بحق فيهما ولا حاجة إلى أنه كني عن المعبودية بحق بام! تحقاق المعبودية وكذا الأوجه لقوله لو أريد هو المحمود فيهما لكان مناسباً لفاتحة السورة والحاصل أن كلامه مبنيّ على الأصح عنده من كونه وصفاً في الأصل بمعنى المعبود بحق أو المحير للعقول، وأمّا عند جعله اسماً مطلقا على المعبود كصاحب الكشاف فبأن ضمن اسمه معنى الوصف المذكور لكفاية رائحة الفعل فيه كان يلاحظ فيه بعض لوازمه، وما اشتهر به أو ما اعتبر عند وضعه للمعنى، الأوّل كقوله: أسد عليّ وفي الحروب نعامة والثاني نحو هو حاتم في بلده والثالث ما نحن فيه على ما ذهب إليه صاحب الكشاف، ثم إنه قيل لاختلاف مذهبهما في اسم الله اختلفت عبارتهما بزيادة لفظ المعنى وعدمها انتهى وفيه نظر. قوله: (لا غير) إشارة إلى الحصر المستفاد

стр. 1099

منه فقيل إنه مستفاد من تعريف المسند كما أشار إليه بقوله هو المستحق للعبادة بناء على كون أصله الإله وبذلك الحصر جوّز الزمخشريّ تعلق الجار بمعنى اسم الله على تقدير المتوحد بالألوهية في السماوات والأرض وجوّز كون يعلم سركم وجهركم بيانا وتقريراً معللاً بأنّ الذي اسنوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده، وهو ماخوذ من كلام الزجاج فإنه جعله ردّاً على المشركين حيث قال: المعنى هو المنفرد بالتدبير في السماوات والأرض خلافاً للمخذول القائل بأن المدبر فيهما غيره واليه أشار بقوله المتوحد بالألوهية فيهما، قال ابن الحاجب ﵀: وفائدة قوله أنا زيد الأخبار عما كان يجوز أنه متعدد بأنه واحد في الوجود وهذا إنما يكون إن كان المخاطب قد عرف مسميين أحدهما في ذهنه، والآخر في الوجود فيجوز أن يكونا متعدّدين فماذا أخبر المخبر بأحدهما عن الآخر كان فائدته أنهما في الوجود ذات واحدة فالإلهية بمعنى التدبير وهي المصحح للظرفية والتعلق به، وان توحده بذلك والحصر مستفاد من تعريف الطرفين سواء فيه الألف واللام وغيرهما كالعلمية كما يؤخذ من كلام الكشاف، وبه صرح ابن الحاجب وما وقع في بعض الكتب المعاني مما يقتضي أنّ التعريف المفيد للحصر إنما يكون بالألف واللام أو الموصولية يخالفه، ولكن الفضل للمتقدم والتوحد وإن استفيد من تعريف الطرفين، وهو يحصل بالمجموع لكنه نسبة بينهما يصح إسناده إلى الثاني لأنه متمم الفائدة فلذا صح تعلقه به باعتباره إذ لا وجه لتعلقه بالجملة فتأمل، فقول المحشي في وجه الحصر إنه بناء على كون أصله الإله غير مسلم، والذي غرّه ظاهر ما في كتب المعانيد، ولذا رد بعضهم تعلقه باعتبار معنى المتوحد فقال من غفل عن حصول معنى المتوحد من التركي! الحصري واعتبر معنى الحصر بعد التأويل بالمتوحد وقال إنما هو المتوحد في الإلهية لا غير لم يصب محزه، ثم إنه أورد على هذا الوجه أنّ التوحد بالألوهية أمر لا تعلق له بمكان من الأمكنة فلا معنى لجعله متعلقاً بمكان فضلاً عن جميع الأمكنة، واللازم من استواء السر والعلانية في علمه تعالى كون العالم هو الله تعالى لا وحدته نعم يلزم منه كونه هو الله دون غيره لكن أين هذا من التوحد الذي كلا منافيه، ويدفع بأن الألوهية تدبير الخلق كما عرفت وهو يتعلق بهما وبمن فيهما ومن تفرّد بتدبير جميع أمور أحد لزمه معرفة جميعها حتى يتم له تدبيرها فالجملة الثانية لازمة للأولى فلا وجه لما أورده فتدبر. قوله: (والجملة خبر ثان الخ) يعني على الوجهين ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ بمعنى هو يعلم سركم وجهركم كذا قدرو. كما هو دأبهم في الجملة المستأنفة فقيل هو مستدرك، وقيل قد جرت عادته في مثله أن يقدر مبتدأ، ولا يظهر له وجه يعتد به تلت ليس هو أبو عذرته فإنه قدره كذلك قدماء النحاة وفي دلائل الإعجاز إنه يقدر ذلك فيما إذا كان المستأنف فعلاَ فاعله ضمير مستتر فإنّ الظاهر ارتباط الكلام مما قبله لعود ضمير منه عليه فاذا قدّر ذلك ظهر انقطاعه عما قبله فسلك به مسلك النعت المقطوع رفعاً وان لم يكن ثمة ضرورة ملجئة إليه، وعلى الابتدائية هل هو استئناف بياني جواباً لسؤال مقدّر كأنه لما قيل هو المعبود والمعروف بالألوهية الخ قيل ما شأنه فقيل يعلم سركم الخ أو استئناف نحوي من غير تقدير سؤال، ورجحه الفاضل وغيره لأن تقدير السؤال تكلف. قوله: (ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما كقولك رميت الصيد قي الحرم إذا كنت خارجه والصيد فيه) وكتب الفاضل المدقق هنا نقلاً عن الإمام التمرتاشي في الإيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول، كما إذا قلت إن ضربت زيداً في الدار أو في المسجد فإن كانا معا فيه فالأمر ظاهر، وان كان الفاعل فيه دون المفعول أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وان كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه، فلذا قال: بعض الفقهاء لو قال إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه، وان قال إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه وهو محل الرمي الأول بمعنى إرسال السهم من القوس بنيته وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل، ولا يتوقف على وصوف فعل الفاعل فيعد من قبيل الأوّل والرمي الثاني إرسالط السهم، أو ما يضاهيه على وجه يصل

стр. 1100

إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه ولذلك يكون من القبيل الثاني، والإمام البزازي لعدم وقوفه على هذا الفرق الذي نبهوا عليه قال وفي كل فعل له أثر في المحلوف كالشتم والرمي يعتبر كون المحلوف عليه في المسجد لا الحالف والطحاوي جعل الرمي كالشتم وهذا في استعمال العرف، وأما في العربية فلم نر فيه تفصيلاً وكلامهم هنا يخالفه لأنّ العلم لا يظهر له أثر في المعلوم، ولذا قيل إنه لا يصح قياس النظم بالمثال لأنّ الرمي له أثر في المحل دون العلم، وقيل في وجهه إنّ العالم إذا لم يكن له مكان أصلا لم يصح نسبة علمه إليه بالحصول فيه لكن إذا كان علمه متعلقا بما فيه صار كأنّ العلم فيه فجاز جعله ظرفا له، وأمّا ما ذكره من المثال فوجهه أنّ الرمي شيء ممتد من انفصال ما به الرمي من السهم وغيره إلى آن الوصول إلى المرمى فبعض أجزاء ذلك الرمي الممتد لما وقع في الحرم جاز جعله ظرفاً له، ومن هذا ظهر صحة أن يقال رميت الصيد في الحل باعتبار ما وقع فيه من أجزاء ذلك الممتد، وأما إذا أريد بالرمي حدوثه، فالصحة منحصرة في هذا القول باعتبار جزئه الأوّل فقط فتأمل اهـ، وهو غير سديد إذ لا يوافق استعمال اللغة ولا العرف وما ذكره من كون الفاعل لا يحويه مكان لا يوافق ما مثل به المصنف ﵀ وما تكلفه له لا وجه له مع ما في تعبيره من الخلل، ولهذا المقام تحقيق لعل الله يمن به في محله. قوله: (أو ظرف مستقر وقع خبرا الخ) إمّا خبر بعد خبر إن كان الله خبراً دمان كان بدلاً فظاهر، وقوله: كأنه فيهما الخ قيل يعني أنّ الآية الكريمة من التشبيه البليغ كزيد أسد والمعنى الله كائن في السماوات والأرض بحذف حرف التشبيه للمبالغة، وقال النحرير معنى كونه فيهما أنه عالم بما فيهما على التشبيه والتمثيل يعني الاستعارة التمثيلية شبهت حالة علمه بهما بحالة كونه فيهما لا! العالم إذا كان في مكان كان عالما به وبما فيه بحيث لا يخفى عليه شيء منه وفيه بحث إذ لا يظهر وجه الشبه الجامع بينهما وقوله لأن العالم إذا كان في مكان لا يدل على ما اذعاه، ثم قال: ويجوز أن يكون كناية فيمن لم يشترط جواز المعنى الأصلي، ولا يستقيم هذا الكلام بدون هذا المجاز أو الكناية ورذ بأنه يستقيم إذا حمل على المبالغة كما مز انتهى، وما أورد على التمثيل ليس بوارد لأنه شبهت الحالة التي حصلت من إحاطة علم الله بهما وبما فيهما بحالة بصير تمكن في مكان فنظره وما فيه، والجامع بينهما حضور ذلك عنده، وجوز فيه أن يكون مجازا مرسلاً باستعماله في لازم معناه وهو ظاهر وأن يكون استعارة بالكناية بأن شبه بمن تمكن في مكان، وأثبت له ما هو من لوازمه وهو علمه به وبما قيه. قوله: (ويعلم سركم وجهركم بيآن وتقرير له الخ (يعني على كون الظرف خبرا، وهو كالقرينة له فلذا جعله بيانا لأنّ القرينة تبين المراد، ولما كان معنى كونه فيهما إحاطة علمه كان هذا تقريراً وتوكيدآ لدلالته عليه فلا وجه لما تيل الأولى أن يقول أو تقرير، وجوز الزمخشري كونه خبراً ثالثأ بناء على أنّ القرينة فيه عقلية، وهي أنّ كل أحد يعلم أنه تقدس وتعالى منزه عن المكان والزمان كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٤] إذ لم يردف بما يبينه فلا يرد أنه لو جعل خبراً انتفت القرينة. قوله: (وليس متعلق المصدر الخ (لأنّ معمول المصدر لا يتقدم عليه، والمراد بالمصدر السر والجهر فيكون من التنازع ويلزمه أيضا التنازع مع تقدم المعمول وفيه خلاف أيضا، وأمّا ما قاله ابن هشام ﵀ من أنه إنما يمتنع تقدمه إذا قدر بحرف مصدري وفعل وهذا ليس كذلك فليس مما منعوه فقد رذه الشارح بأنّ تقديره ما يسرون وما يجهرون، وفيه نظر، ومنهم من يجوز تقدم الظرف لكنه قيل إنّ المصدر هنا بمعنى المفعول فلا يؤول بالموصول الحرفي والفعل، وقيل عليه إن هذا وإن صح لفظاً لا يصح معنى لأنّ أحوال المخاطبين لا معنى لكونها في السماء، والقول بأنّ المعنى حينئذ يعلم نفوسكم المفارقة الكائنة في السماوات أو نفوسكم المقارنة لأبدانكم الكائنة في الأرض خروج عن الظاهر، وتعسف لا يخفى قلت وهو وارد على المصنف ﵀ أيضا لا من جهة أنه جعل المانع من جهة العربية فأشعر بصحته معنى بل على وجه تعلقه بالفعل، وجعل الظرفية باعتبار المفعول فإنه يقتضي أن سر المخاطبين في السماوات أيضا، ولذا تركه بعضهم اللهم إلا أن يقال إنه كناية عن إحاطة العلم بالخفيّ، والظاهر كقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣] ، ولذا قال

стр. 1101

بعض المتأخرين لعل جعل سرهم وجهرهم فيها لتوسيع الدائرة، وتصوير أنه لا يعزب عن علمه شيء في أي مكان كان لا لأنهما قد يكونان في السماوات أيضا، وأمّا تعميم الخطاب للملائكة فتعسف مع أن السياق يقتضي أنه على هذا لا يحتاج إلى التأويل كما في الخبرية، فهذا صلح عن غير تراض. قوله:) من خير أو شرّ الخ) رتب عليه قوله فيثيب الخ إشارة إلى أنّ علمه تعالى عبارة عن جزائه فتنمّ مغايرته لما قبله، وقوله ولعله أريد بالسر والجهر الخ، قال خاتمة المدققين فإن قلت هذا إنما يظهر إذا لم يتعلق في السماوات بيعلم، وأمّا إذا تعلق به فلا إذ لا تكون السماوات ظرفاً لأحوال أنفس المخاطبين قلت الآية الكريمة حينئذ من تغليب المخاطبين على الملائكة وفيه بعد لا يخفى، وقد فسر السر بالنفوس والجهر بالأبدان، ثم قيل على تقدير تعلق الظرف بالفعل المذكور يكون المعنى يعلم نفوسكم المفارتة في السموات، ونفوسكم المقارنة لأبدانكم في الأرض، وفيه بحث فإنّ الخطاب على هذا يكون للمؤمنين، وقد يكون فيما قبل للكافرين فتفوت المناسبة والارتباط، ثم كيف يفعل إذا تعلق الظرف بالمصدر مع أنّ أبدان المخاطبين ليست في السماوات ولعل الأولى والله أعلم أن يقال المراد بالسر ما كتم عنهم من عجائب الملك، وأسرار الملكوت مما لم يطلعوا عليه وبالجهر ما ظهر لهم من السموات، والأرض فإضافة السر والجهر إلى ضمير المخاطبين مجازية، وفيه نظر، ومراد المصنف ﵀ بيان المغايرة بين المتعاطفين أيضا كما أن منهم من دفعه باختصاص الأوّل بالأقوال وهذا بالأفعال، وقيل عليه أحوال الأنفس كيف تكون ظاهرة وأجيب بأنه باعتبار ما يدل! عليها من الجوارح كما تظهر آثار الغضب والفرح، وغيرها من الأحوال النفسية. قوله: (من الأولى مزيدة للاستغراق) قيل أي لتأكيده فإنّ النكرة في سياق النفي للاستغراق، ويحتمل عدمه احتمالاً مرجوحا كما في قولك ما رجل في الدار بل رجلان بجعل النفي عائداً إلى وصف الفردية خصوصأ، وأمّا إذا كان مع من الاستغراقية لفظا نحو ما من رجل في الدار أو تقديراً نحو لا رجل في الدار فهو نص في الاستغراق، ولا يحتمل عدمه لثونه لنفي الجنس بالكلية وهذا مخالف لما حققه ابن مالك في التسهيل من أنه إذا كانت النكرة بعدها لا تستعمل إلا في النفي العام كانت لتأكيد الاستغراق نحو ما في الدار من أحد وإذا كانت مما يجوز أن يراد بها الاستغراق ويجرز أن يراد بها نفي الوحدة أو نفي الكمال كانت من دالة على الاستغراق نحو ما جاءني من رجل فتأمل. قوله: (والثانية للتبعيض (وجعلها ابن الحاجب تبيينية فقال النحرير، ولا يستقيم إلا إذا كانت النكرة في النفي بمعنى جميع الإفراد لما صرحوا به من أنه لا بد من صحة حمل المبين على المبين، وما قاله من أنها لو كانت تبعيضية لما كانت الأولى استغراقية ممنوع لصحة قولنا ما يأتيهم بعض من الآيات من أفي بعض كان، ومبني كلامه على اعتبار التبيين والتبعيض بعد اعتبار النفي، وإفادة الشمول والإحاطة فيصح التبيين، ولا يصح التبعيض حينئذ لكن لا يخفى إمكان اعتباره بعد اعتبار التبعيض فتأمل انتهى، وفيه بحث فإنّ الشمول والإحاطة في أمثاله يكون على البدل لا الاجتماع حتى لا يصح التبعيض، وحاصله أن التناول لكل فرد الذي هو مدلول النكرة المنفية قد يستلزم الحكم على المجموع كما فيما نحن فيه فإنّ مآل المعنى إلى أنّ المجموع ليس إلا معرضا عنه لهم فبالنظر إليه جاز كون من بيانية، وتحقيقه أنّ هاهنا اعتبارين أحدهما أن يلاحظ أوّلاً معنى آية منكراً ويلاحظ تعلق من آيات ربهم به ثم يسلط النفي عليه فحينئذ تكون تبعيضية البتة وثانيهما أن يسلط النفي عليه أوّلاً ثم يلاحظ تعلق من آيات ربهم به فحينئذ يجوز أن تكون تبيينية نظراً إلى لازم الحكم هذا ما قيل في تصحيح كونها بيانية لكنه خلاف الظاهر، ومع هذا لا وجه لقوله لو كانت تبعيضية لما كانت الأولى استغراقية لكونه في حيز المنع لأن الاعتبار على الوجه الثاني، ثم النظر إلى لازم الحكم ليس بأمر واجب وأيضا الاستغراق هاهنا لآية متصفة بالإتيان فهي وان استغرقت بعض من جميع الآيات. قوله:) أي وما يظهر لهم دليل قط الخ) يريد أن الآية في الأصل العلامة وتستعمل بمعنى الدليل، والمعجزة والآية القرآنية، واستعمال قط مع المضارع ليس بجيد لأن قط ظرف مختص بالماضي إلا أن يريد بقوله ما يظهر

стр. 1102

ما ظهر ولا حاجة إلى مثله ولما كان الإتيان، والمجيء يوصف به الأجسام فسره بيظهر استعمالاً له في لازم معناه مجازاً لا كناية كما قيل، والوجوه مرتبة الأعم فالأعم ولا حاجة إلى تقييد كل بغير الذي بعده لتتغاير الوجوه كما قيل المراد بالدليل دليل الوحدانية، أو البعث فيقابل المعجزة. قوله:) تاركين للنظر فيه غير ملتفتين إليه) لما كان حقيقة الإعراض في العنق وصرف الوجه عن شيء من المحسوسات فسره هنا بمعنى ترك النظر في الدليل والاعتناء به مجازاً، ولما كان المشهور في هذا المجاز عدم الالتفات أردفه به وقيل فسر الإعراض عن الدليل بترك النظر فيه، ثم قيده بعدم الالتفات إليه إشارة إلى أنه لا قدج فيه للتقليد لأنّ المقلد بتقليده المجتهد ملتفت إلى دليله ولا يخفى بعده ونبوّ المقام عنه، وذكر الضمير نظرا إلى الدليل أو القرآن كما يدل عليه ما بعده. قوله:) وهو كاللازم لما قبله الخ) فيه وجهان أحدهما أن الفاء سببية ما بعدها مسبب عما قبلها كما اختاره في البحر، وقوله: كأنه قيل الخ بيان يحصل به المعنى، والثاني أن هنا شرطا مقدراً تقديره كما في الكشاف، وغيره إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بالحق لما جاءهم، والأوّل ظهر وكلام المصنف ﵀ مبنيّ عليه، وما قيل إن الفاء على هذا الوجه للسببية أفادت تسبب ما بعدها أعما قبلها فهي في المعنى جزائية لشرط مقدر تقديره لما كانوا معرضين كما ذكرد المصنف ﵀ خلط، وخبط لأنّ لما جوابها الماضي لا يقترن بالفاء على الصحيح الفصيح ألا ترى أن المصنف ﵀ أسقطها في بيان المعنى، والفاء الفصيحة لا تقدر جواب لما، ولم نسمع أحداً من النحوييون قدرها بذلك، وكيف يقدر للفاء ما يقتضي عدمها، بقي أنّ الزمخشريّ قال: إنه مردود على كلام محذوف أي متعلق به في معرض الجزاء، وهو يستعمل مردودا بمعنى الجزائية والتبعية كثيراً فقيل لأن الشرط سبب في الحقيقة للجزاء إذ المعنى إن كانوا معرضين عن الآيات فلا تعجب فقد كذبوا بما هو أعظم آية يعني القرآن، وهو أشد من الإعراض انتهى، فقدر الفصيحة محذوفة بناء على جواز حذفها كما أشار إليه الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى﴾ [سورة البفرة، الاية: ٧٣] إذ المعنى فضربوه فحيي فحذف ذلك لدلالة قوله كذلك يحيي الله الموتى، والعجب منه أنه تال: ثمة يعني حذف ضربوه المعطوف على قلنا شائع في الفاء الفصيحة، وهنا قد حذفت الفاء الفصيحة في فحيي مع المعطوف بها أيضا بدلالة قوله كذلك الخ انتهى، ورده بعض الفضلاء فقال: من زعم أن الفاء في فحيي فصيحة فقد غفل عن أنّ ذلك على تقدير أن تكون مذكورة وما تبلها محذوفا، وأما إذا حذفا معا وقدرا معاً كالذي نحن فيه فالفاء سببية محضة وليس بشيء لأنه متفق على صحة مثل هذا التقدير، وقد قدره هو هنا كذلك وصرج به الكرماني في مواضع من الحديث النبوي فإن كان محصل رذه أنها لا تسمى فصيحة فنزاع لفظيّ لأنها إذا حذفت لا تفصح عن محذوف فلا تسمى فصيحة، ومن سماها فصيحة أراد أنه لو صرح بها أفصحت عنه والأمر فيه سهل، وقد مز قي سورة البقرة تفصيله. قوله: (أو كالدليل عليه الخ) قيل هذا بناء على أنّ الفاء يكون ما قبلها مسببا عما بعدها، وعكسه وجعلها النحاة والأصوليون على هذا تعليلية نحو أكرم زيداً فإنه أبوك واعبد الله فإن العبادة حق، قال الرضي: وقد تكون فاء السببية بمعنى لام السببية وذلك إذا كان ما بعدها سببا لما تبلها نحو اخرج منها فإنك رجيم، ولم يذكر إنها تفيد الترتيب حينئذ ولما كانت الفاء للتعقيب والسبب متقدّم على المسبب لا متعقب إياه تكلف صاحب التوضيح لتوجيهه بأنّ ما بعد الفاء علة باعتبار معلول باعتبار، ودخول الفاء عليه باعتبار المعلولية لا باعتبار العلية، وردّ بأنها لا تتأتى في كل محل، وفي التلويح الأقرب ما ذكره القوم من أنها إنما تدخل على العلل باعتبار أنها تدوم فتتراخى عن ابتداء الحكم وفي قوله فتتراخى الخ تسمح إذ التراخي يناسب، ثم لا الفاء ومراده أنها تعقب آخره، وفي شرح المفتاح الشريفي فإن قلت كيف يتصوّر ترتب السبب على المسبب قلت من حيث إن ذكر المسبب يقتضي ذكر السبب انتهى، فقد علمت وجه الترتيب فيها على سائر الوجوه وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله ولذلك رتب عليه بالفاء لكن ظاهر كلام النحاة، وغيرهم أن هذه الفاء تختص بالوقوع بعد الأمر، والوجه الأوّل يجري على الوجوه الثلاثة في تفسير الآية لتغاير الأعراض!

стр. 1103

والتكذيب وعبارة المصنف عندي تحتمل وجها آخر، وهو أن يكون فاعل رتب لفظ فسوف يأتيهم بمعنى أنه لما كان أمراً عظيماً يدل على ما هو عبرة رتب عليه الوعيد المذكور فتأمل. قوله: (أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون (لم يذكر النبأ في التفسير لأن إضافته بيانية أي النبأ الذي استهزؤوا به، وهو إخباره عن الوعد والوعيد كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [سورة ص، الآية: ٨٨] أو لأنه جعل إتيان لنبأ كناية عن الظهور كقوله: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وعلى الأوّل الإتيان وحده مجاز عن الظهور كما مر ولا وجه لادّعاء أنّ الإنباء مقحم، وأنّ المعنى سيظهر لهم ما استهزؤوا به من الوعيد الواقع فيه أو من نبوّة محمد كي! ونحوه لأنه لا داعي لإقحامه. قوله: (والقرن الخ (اختلف في القرن هل هو زمان معين أو أهل زمان مخصوص، واختار بعضهم أنه حقيقة فيهما، وقد اختلف فيه السلف فقيل هو من الاقتران ومعناه الأمّة المقترنة في مدة من الزمان واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: من قرنت وقيل من قرن الجبل لارتفاع سنهم وقوله: أهل زمان بناء على ما مرّ لا على تقدير مضاف أو تجوّز، واختلف في تعيين الزمان فقيل مائة وعشرون سنة وقيل مائة وقيل ثمانون وقيل سبعون وقيل ستون وقيل ثلاثون وقيل عشرون وقيل المقدار الأوسط في أعمار أهل كل زمان، ولما كان على هذا لا ضابط له بضبطه قال الزجاج قيل معناه أهل عصر فيهم نبيّ أو فائق في العلم على ما جرت به عادة الله، ويحتمل أنه مائة لما ورد أنّ على رأس كل مائة مجدداً فلا يقال إنه تقييد بلا دليل، والرؤية هنا إمّا بصرية أو علمية وهذا أظهر لأنهم لم يعاينوا القرون الخالية، وكم استفهامية أو خبرية معلقة لما قبلها، وهي في محل نصب على أنها مفعول به لأهلكنا أو مصدر بمعنى إهلاك أو على الظرفية بمعنى أزمنة، ومن في من قرن بيانية أو تبعيضية أو مزيدة كما في إعراب أبي البقاء وغيره ٠ قوله: (مكناهم الخ) استئناف بيانيّ كأنه قيل ما كان حالهم، وقال أبو القاء: إنها في موضع جر صفة لقرن لأنّ الجمل بعد النكرات صفات لاحتياجها إلى التخصيص، وجمع الضمير باعتبار معناه، وقيل عليه أنت خبير بأنّ تنوينه التفخيمي مغن له عن استدعاء الصفة على أنّ ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونه، ومضمون ما عطف عليه من الجمل الأربع مفروغا عنه غير مقصود لسياق النظم مؤذ إلى اختلال النظم الكريم كيف لا، والمعنى حينئذ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين بكذا وكذا وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم وإنه بين الفساد انتهى وهذا غفلة منه أو تغافل عن تفسيرهم له بقولهم لم يغن ذلك عنهم شيئاً فالمراد به حقيقة الإهلاك، والا لزم التكرار وتفريع الشيء على نفسه وأما على هذا فلا يرد شيء مما ذكره أصلاً وما ذكره من أمر التنوين ليس بشيء. قوله: (جعلنا لهم فيها مكاناً) قال الزمخشريّ: معنى مكن له جعل له مكانا ومعنى مكنته في الأرض! أثبته فيها وقرّرته ولتقاربهما جمع بينهما في النظم هنا بمعنى أنهما وان تغايرا مدلولاً إلا أنهما اجتلبا للدلالة على السعة في الأموال والبسطة في الأجسام لأنّ التمكين فيها لا يكون إلا بذلك، وكذلك لا يجعل لهم مكاناً يتمكنون فيه كما أحبوا إلا بعدهما فاتحدا مقصوداً، وأمّا نكتة التخصيص فللإشارة إلى زيادة سعة من قبلهم وقوتهم لأنّ مكنه أبلغ من مكن له، والمصنف ﵀ أشار إليه بتفسير أحدهما بالآخر، وقد يقالى أنّ مراده أنهما بمعنى بناء على عدم الفرق المذكور، ففي التاج إنهما مثل نصحته ونصحت له، وقال أبو عليّ: اللام زائدة كما في ردف لكم وكلامه في سورة الكهف وكلام الراغب في مفرداته يؤيده والفرق بين التفسيرين أنّ الأول بمعنى ثبتناهم في الأرض بإطالة الأعمار في سعة ورفاهية، والثاني بأن جعلناهم متصرفين فيها ملكا وملكاً وهما متقاربان. قوله: (ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام) إشارة إلى ما مر من تفسير مكنا، وفي ما هذه وجوه لأنها إمّا موصولة صفة لمحذوف تقديره التمكين الذي لم نمكنه لكم والعائد محذوف أو نكرة أي تمكينا لم نمكنه وعليهما فهي مفعول مطلق، وقيل إنها مفعول به لأنّ مكنا بمعنى أعطينا وقيل هي مصدرية أي مذة عدم تمكينكم، وكلام المصنف ﵀ محتمل لغير الأخير وتفسيره بالجعل المذكور لبيان المقصود الذي جعل كناية عنه كما في الكشف، ولا حاجة إلى جعله تجريداً كما قيل وقوله: يا أهل مكة إشارة إلى أنّ الخطاب للكفرة وقيل إنه لجميع الناس وقيل للمؤمنين. قوله: (أو ما لم نعطكا

стр. 1104

من القوّة والسعة) إشارة إلى أنّ مكناهم كناية عن إعطاء ما تمكنوا به من أنواع التصرف فقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ بمعنى ما لم نعط فما مفعول به وإليه أشار في الكشاف حيث قال والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثمودا وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا فلم يهمل موقع ما كما ظنه النحرير والوجه الأوّل ناظر إلى أنّ مكنا بمعنى جعلنا لهم مكانا وهو كناية عن السعة وطول المقام والثاني ناظر إلى أنه بمعنى التقرير والتثبيت وهو كناية عن القوّة المذكورة ويصح أيضا جعله مفعولاً مطلقاً على أنه بيان لمحصل المعنى، ثم إذا كانت ما بمعنى تمكينا فالمراد التثنية نحو ضربته ضرب الأمير وأشار في الكشاف إلى أنه من التشبيه المقلوب وهو أبلغ لأنّ تمكن عاد ونحوهم أقوى فالظاهر جعله مشبهاً به، وما قيل في بيان كلام المصنف ﵀ هنا إنه من المكنة أي القدرة وما موصولة بحذف العائد وهي كالبدل من المكنة المدلول عليها بمكنا، وان جعلناه لمجرّد الإعطاء يكون مفعول أعطينا وما ذكر في الكشاف المعنى على عكسه، فإنّ المعنى أعطينا عاداً وغيرهم ما لم نعط أهل مكة انتهى يعلم ما فيه مما مر مع أنّ جعله من المكنة بضم فسكون بمعنى القدرة لا يصح لأنّ المكنة بهذا المعنى لا أصل لها في اللغة وان كانت شائعة في كلام العوام وجعل ما في تقريره صفة وقد صرّح أبو حيان بمنعه وأنه لا يوصف بغير الذي من الموصولات وقوله كالبدل لا يخفى ما فيه من الخلل، والعدد بالضم جمع عدة وهي السلاح ونحوه ولكم في النظم التفات ميز به بينهم وبين أهل مكة ليتضح مرجع الضميرين وهذه نكتة في الالتفات لم يعرّج عليها أهل المعاني وله وجه آخر وهو مواجهتهم بضعف حالهم تبكيتا لهم. قوله: (أي المطر أو السحاب الخ) السماء على هذين مجاز، وهو مشهور، وعلى الآخر حقيقة والتجوّز في إشاد الإرسال إلى السماء لأن المرسل ماء السحاب واليه أشار بقوله فإنّ مبدأ المطر منها، والمظلة بلفظ اسم الفاعل، والمدرار مفعال كمنحار صيغة مبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث ومغزارا من الغزارة وهي الكثرة. قوله: (فعاشوا في الخصب والريف) الخصب بالكسر كثرة الزروع والثمار ضد الجدب، والريف هنا سعة المأكل والمشرب والاً رض القريبة من الماء ولا ينبغي تفسيره هنا بأرض فيها خصب وزرع ولم يقل أجرينا الأنهار كما قال أرسلنا السماء للدلالة على كونها مسخرة مستمرّة الجريان لا لأنّ النهر لا يكون إلا جاريا فلا يفيد الكلام لأنّ النظم حينئذ ناظر إلى كونه من تحتهم ولو كان ما ذكره صحيحا لما ورد في النظم كقوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥] والظاهر أن جعلنا هنا بمعنى أنشأنا أوجدنا وهو مخصوص به تعالى فلذا غير الأسلوب وفاء فأهلكنا للتعقيب لا فصيحة لأنّ بذنوبهم لا يقتضي ما قدروه وهو فكفروا بل يأباه فتأمّل. توله: (وينشئ مكانهم آخرين الخ) يعني أنه تتميم لما قبله كما قال الزمخشري لأنه لا يتعاظمه أن يهلك قرنا ويخرب بلاده منهم فإنه قادر على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده كقوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [سورة الشمس، الآية: ٥ ا] وفيه إشارة إلى أنهم قلعوا من أصلهم، ولم يبق أحد من نسلهم لجعلهم آخرين، وكونهم من بعدهم. قوله: (مكتوباً في ورق) في نسخة في رق ويشير به إلى أنّ الكتاب بمعنى المكتوب والجارّ والمجرور صفة كتاب أو متعلق بنزلنا والقرطاس بكسر القاف، وضمها معرب مخصوص بالمكتوب، أو أعم منه ومن غيره. قوله: (فلا يمكنهم أن يقولوا إنما الخ) أي لا يحتمل أن يقولوا إذا ترك العناد والتعنت، واعترض با! اللمس هنا إنما يدفع احتمال كون المرئيّ مخيلاً، وأمّا نزوله من السماء فلا يثبت به، وأجيب بأنه إذا تأيد الإدراك البصري في النزول بالإدراك اللمسي في المنزل يجزم العقل بديهة بوقوع المبصر جزماً لا يحتمل النقيض، فلا يبقى بعده إلا مجرّد العناد مع أنّ حدوثه هناك من غير مباشرة أحد يكفي في الإعجاز كما لا يخفى. قوله: (وتقييده بالأيدي الخ) سواء كان اللمس مخصوصا باليد لقول الجوهري اللمس المس باليد أو أعم لقول الراغب في مفرداته المس إدراك بظاهر البشرة كاللمس، وهو ظاهر قول المصنف ﵀ في سورة الجن اللمس المس مستعار للطلب كالجس ووجه دفع التجوّز ظاهر كما في قولهم نظرت بعيني ويقولون بأفواههم وقيل في وجهه أن التنصيص على القيد المعتبر يفيد اعتباره فيكون تأكيداً للشيء لإعادة جزئه المقصود منه فكأنه إعادة له

стр. 1105

والتأكيد يعين الحقيقة كما ذكره أهل المعاني فما قيل إنه إنما قيد به لأنّ الإحساس باللصوق يكون بجميع الأعضاء ولليد خصوصية في الإحساس ليست لسائرها، وأما التجوّز باللمس عن الفحص فلا يندفع به إذ لا بعد في أن يكون ذلك لبيان مباشرتهم للفحص بأنفسهم بل يندفع لكون المعنى الحقيقي أنسب بالمقام انتهى غنيّ عن الجواب إذ لا قرينة تصرف عن المعنى الحقيقي بل قرينة التأكيد قائمة على خلافه، وكذا ما قيل إنّ فيه تجريداً حيث ذكر بأيديهم فمعنى قوله لدفع التجوّز لدفع فساد التجوّز، والا فقد وقع في التجوّز ومعنى سكرت الأبصار غمضت وأقفلت، وأمّا قول بعضهم تقييده بالأيدي لدفع التجوّز سواء كان اللمس أعم مما هو باليد كما هو المفهوم من الكتب الكلامية، أو كان المس باليد كما هو المتبادر من كتب اللغة فغفلة عما نقلناه عن الراغب، ولا يليق نقل اللغة من كتب الكلام. قوله: (إن هذا إلا سحر مبين) أي ظاهر كونه سحراً، وقيل المراد به تعنتا أنه ليس بمخيل وان كان السحر لا يكون إلا مخيلا وفيه نظر ووضمع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أنه قول نشأ من كفرهم أو لأنّ المراد به قوم معهودون. قوله: (هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي الخ) يعني لولا هنا للتحضيض والمقصود به التوبيخ على عدم الإتيان بملك يشاهد معه حتى تنتفي الشبهة بزعمهم أي هلا أنزل عليه ملك يكون معه يكلمنا أنه نبيّ فأوجز في العبارة تعويلا على انفهامه وليس معه تفسيراً لقوله عليه فلا يتوجه ما قيل إنه جعل على بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٧] أو جعل المعية منفهمة منه لأنّ النزول ليس في حال المقارنة إلا أن يحمل على الحال المقدرة والداعي إلى هذا أنّ النزول عليه ليس مطلوبا لذاته بل ليكون معه نذيراً. قوله: (جواب لقولهم الخ) يصح في الخلل الجرّ عطفاً على ما في قوله لما والرفع عطفا على المانع والمراد بالمانع اقتضاء هلاكهم وبالخلل زوال قاعدة التكليف كما سيأتي. قوله: (والمعنى أن الملك لو أنزل بحبث عاينوه الخ) في الكشاف هنا ثلاثة وجوه أمّا لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله ﷺ في صورته وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن ثم لا يؤمنون كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١١ ا] لم يكن بدّ من إهلاكهم كما أهلك أصحاب المائدة، وامّا لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة، فيجب إهلاكهم وأمّا لأنهم إذا شاهدوا ملكاً في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون انتهى، وظاهره اختيار الوجه الأوّل من هذه الوجوه الثلاثة بدليل قوله: فإن سنة الله قد جرت.. الخ ويحتمل الثاني أيضاً لجريان العادة بذلك في الذين احتضروا من الكفار كفرعون لعنه الله وقوله كما اقترحوه أي في صورته الأصلية قيل وأنت خبير بأنّ الوجه الثاني ينافي الوجه الأوّل لدلالة الأوّل على بقاء الاختيار وأنهم لا يؤمنون إذا عاينوا الملك، قد نزل على رسول الله ﷺ في صورته، والثاني على سلبه وزواله وأنّ الإيمان إيمان يأس، وفي الانتصاف الوجه أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم، بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجز إلا المعجز الخاص، فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم فلم ينجع فيهم كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المقتضى لعدم النظرة، وفي الكشف الاختيار تاعدة التكليف وهذه آية ملجئة قال تعالى ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ لما رأوا بأسنا فوجب إهلاكهم لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف وهو لا يبقى مع الإلجاء هذا تقريره على مذهبهم، وهو غير صاف عن الإشكال انتهى، وفيه إشارة إلى أنه ليس على قواعد السنة وكان وجه إشكاله أنه وقع في القرآن والواقع ما ينافيه كما مر في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٩] الآية وترك المصنف ﵀ الجواب الأخير وان كان منقولاً عن ابن عباس ﵄ لأنه لا يناسب قوله، ثم لا ينظرون فإنه يدل على إهلاكهم لا على هلاكهم برؤية الملك إلا بتكلف. قوله: (بعد نزوله طرفة عين) في الكشاف معنى، ثم بعد ما بين الأمر قضاء الأمر وعدم الإنظار جعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأنّ مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة، وقيل في لفظ ثم إشارة إلى أنّ لهم مهلة قدر أن يتأملوا فيما نزل فيؤمنوا بالاختيار، وفيه أن قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ عطف على قوله لقضى ولا يمهل

стр. 1106

للتأمّل بعد قضاء الأمر. قوله: (لجعلناه رجلاَ) فيه إشعار بأنّ الرسول لا يكون امرأة وهو متفق عليه وإنما اختلف في نبوّتها. قوله: (جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب الخ) في الكشاف ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا لأنهم تارة كانوا يقولون لولا أنزل على محمد ﷺ ملك وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة قال النحرير في شرحه يعني أنّ لهم اقتراحين أحدهما أن ينزل على محمد ﷺ ملك في صورته بحيث يعاينه القوم فأجيبوا بقوله ولو نزلنا ملكا لقضى الأمر، والآخر أن ينزل إلى القوم ويرسل إليهم كان الرسول البشر ملك فأجيبوا بقوله ولو جعلناه أي الرسول المنزل إلى القوم ملكاً لجعلناه في صورة رجل وضمير جعلناه للرسول المنزل إلى القوم لا لمطلق الرسول سواء كان إلى محمد ﷺ او إليهم لأنه ليس بلازم حي! حذ أن يجعل رجلاً إلا إذا خص بأن يعاينه القوم أيضا ليصح قوله لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم والمراد بالمطلوب مقترحهم الذي اقترحوه في الآية السابقة وهو أن يكون معه ملك أنزل عليه، ولذا قيل عن كونه جوابا ثانياً إنه يأباه جعلناه ملكاً فإنّ المناسب حينئذ أن يقال ولو أنزلنا ملكاً لجعلناه رجلا قيل ولا يخقى اندفاعه بقول المصنف ﵀ ولو جعلنا قريناً لك ملكاً وأيضاً لا فرق بين هذا وبين كونه جواباً لاقتراح آخر في كون المناسب ما ذكر لأنهم قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ولا يخفى أن الفرق مثل الصبح ظاهر، ولا يضره التعبير بالإنزال فيهما، وعلى قوله إن جعل الهاء للمطلوب إنّ المطلوب أيضا ملك إلا أن يقال لو جعلنا المطلوب ملكيته ملكاً وأنت خبير بأنّ المطلوب هو النازل المقارن للرسول دل عليه قوله والمعنى ولو جعلناه قريناً لك ملكا فلا غبار عليه، ثم إن لزوم جعل الملك النازل رجلا لجعله ملكا كما هو مفهوم الآية الثانية ينافي لزوم هلاكهم له كما هو مفهوم الآية الأولى لتوقف الثاني على عدم الأوّل لأنّ مبناه على نزوله في صورته لا في صورة رجل فالوجه أن لا تكون الآية جواباً آخر بل جوابا عن اقتراح آخر حتى لا يلزم المنافاة وإنما قيده بقوله: يعاينوه لأنه إذا لم يطلب المعاينة لم يلزم تمثله رجلاً لكن لا يخفى أن هذا القيد معتبر أيضاً في رجوع الضمير إلى الرسول فالأولى أن يؤخر عن قوله أو الرسول ملكا ليصرف إلى الوجهين معاً قلت هذا كلام مختل فإنه على تقدير كونه جوابا آخر يكون جوابا على طريق التنزل والمعنى لو أنزلناه كما اقترحوا لهلكوا ولو فرضنا عدم هلاكهم فلا بذ من تمثله بشراً لأنهم لا يطيقون رؤيته على صورته الحقيقية فيكون الإرسال لغواً لا فائدة فيه وإنما لم يدّكر المعاينة في الوجه الثاني لأنّ كونه رسولاً لهم يقتضي ملاقاته لهم ومشافهتهم بما أرسل به وهو ظاهر. قوله:) دحية) بكسر الدال ويجوز فتحها كما نقل عن الأصمعيّ وا! مشهور الأوّل وهو دحية بن خليفة الكلبيئ الصحابيّ ﵁ كان من أجمل الناس صورة، ولذا كان جبريلءش! هـ يتمثل في صورته أحيانا إذا جاء لرسول الله ﷺ كما رواه أصحاب السنن ومعنى دحية رئي! الجند. قوله:) وإئما رآهم كذلك الإفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ (يصح في من أن تكون تبيينية وتبعيضية لأنّ الإفراد بمعنى المنفردين من بينهم بخصائص ليست لغيرهم وهم بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو الأفراد الذين هم أنبياء لا كلهم لأن منهم من لم يشاهدهم علر صورتهم الحقيقية، وقيل فيه خفاء قال النيسابوري ﵀ أن نبينائلمجي! لما رأى جبريل علب الصلاة والسلام بصورته غشي عليه وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف لوط وابراهيم عليهم الصلاة والسلام وكالذين تسوّروا المحراب لكن هذ محتاج إلى نقل من الأحاديث الصحيحة وسيأتي أنه لم يره على صورته الحقيقية أحد غير النبي ﷺ مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وأشار المصنف ﵀ في سورة النجم إل! عدم تيقنه إذ حكاه وفي تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر أنه لم يرد في شيء من كتب الآثار وناهيك به حافظاً فلا يرد ما ذكر على المصنف فمن قال إنها بيانية لا تبعيضية لأن الظاهر أن لكل منهم قوّة قدسية فقد أخطأ من وجهين لأنّ المخصوص بالإفراد رؤية صورة الملك الحقيقية بالقوّة القدسية لا القوّة نفسها.

стр. 1107

قوله: (وللبسنا جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلاَ الخ) الداعي إلى هذا إعادة لام الجواب فإنها تقتضي استقلاله وأنه لا ملازمة بين إرسال الملك والتخليط فإنه ليس سببا له بل لعكسه ولا تكلف فيه كما أنه لا وجه لما قيل إنه لا حاجة إلى هذا التكلف لجواز عطف لازم الجواب عليه وجعل كل منهما جوابا نعم هو وجه آخر صحيح وقد يقال إنّ نكتة إعادة اللام أنّ لازم الشيء بمنزلته فكأنه جواب فاعرفه. قوله: (أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون ما هذا إلا بشر مثلكم) في الكشاف ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان هذا إنسان وليس بملك فإن قال لهم الدليل على أني ملك أني جئت بالقرآن المعجز وهو ناطق بأني ملك لا بشر كذبوه كما كذبوا محمداً ﷺ فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن فهو لبس الله عليهم ويجوز أن يراد وللبسنا عليهم حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة فذكر فيه وجهين مبني الأوّل على أن يلبسون استقباليّ تقديري موقت بحين جعل الرسول ملكآ والثاني حاليّ تحقيقيّ وهو ما هم عليه حين إرسال محمد-! ي! إليهم ولبسهم على الأوّل التكذيب وقولهم إنه بشر وليس بملك، وعلى الثاني تكذيب محمدءجب! ونسبة الآيات إلى السحر، وما مصدرية وتحتمل الموصولية هكذا قزره النحرير وكلام المصنف رحمه محتمل للمعنيين لكنه ترك قوله: فإذا فعلوا ذلك خذلوا الخ لأنه مبنيّ على الاعتزال وعدم نسبة خلق القبيح إليه تعالى هذا ما في بعض الحواشي وبحتملى أنه اختار الوجه الأوّل وإسناد اللبس إليه تعالى لأنه بخلقه أو للزومه لجعله رجلا ومعنى قول الشارح في حين الجعل أن المراد به مستقبل ممتد وقد يعتبر الواقع فيه كأنه في زمان واحد وقد عبر بهذه العبارة النحاة كابن هشام ومثله مما لا يرتاب فيه، فمن اعترض! عليه بأن الصواب أن الاستقبال التقديري الموقت بما بعد جعل الرسول ملكا لا بحينه وإلا لكان حالاً تقديريا، وأمّا أنّ النظر إلى زمان الجعل والحكم لا إلى زمان التكلم فليس بمطرد كما صرحوا به، فإن قلت كيف صح أنه استقبالي تقديري موقت بحين الجعل ولو للشرط في الماضي والجواب مترتب على الشرط فيكون بعده لا معه في حين واحد قلت ما ذكرته هو الأصل في استعمالها وقد استعملت للاستقبال أيضا، ووردت في كلام العرب كذلك كقوله: ولو أنّ ليلى الأخيلية سلمت ~ عليّ ودوني جندل وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ~ إليها صدى من جانب إلقبر صائح وأعلم أنّ بعض الفضلاء قال هنا أن المقرّر فيما بين القوم إن صدق العكس لازم لصدق الأصل فعلى ذلك التقدير يلزم من كذب اللازم كذب الملزوم فهاهنا عكس القضية الصادقة، وهي قولنا لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا غير صادق، لأن عكسها لو جعلناه رجلا لجعلناه ملكاً وليس كذلك لأنه تعالى قد جعله رجلا ولم يجعله ملكا فكيف يكون قضية العكس وهو كاذب، والأوّل صدق محض فإن قيل إنه اصطلاح طرأ ولا يجب موافقة قاعدتهم لقاعدة اللغة قيل إنه تقرّر أنّ تلك القاعدة غير مخالفة لقاعدة اللغة وأنها مما لا خلاف فيه. وأجيب بأنّ لو تستعمل في اللغة لمعنيين الأول: انتفاء الثاني لانتفاء الأوّل الثاني: أن الخبر الأوّل لازم الوجود في جميع الأزمنة إذا كان نقيض الشرط أليق باستلزام الجزاء فيلزم وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه كما في نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، وقد صرح المحققون بأن الآية سواء جعل ضمير جعلناه للمطلوب أو للرسول إمّا من قبيل الأوّل أي ولو جعلنا قرينا لك ملكا يعاينوه أو الرسول المرسل إليهم ملكا لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل، وما جعلنا ذلك الملك في صورة رجل لأنا لم نجعل القرين أو الرسول المرسل إليهم ملكا وأمّا من قبيل الثاني أي ولو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل فكيف إذا كان إنساناً وكل منهما لا يقبل العكس المذكور ولا ثالث فلا إشكال وليس محل البسط فيه، وإنما ذكرته لأنبهك فلا تكن من الغافلين. قوله:) تسلية لرسول الله ﷺ الخ (يصح في التسلية أن تكون بقوله ولقد استهزئ برسل من قبلك فقط، ويحتمل أنها به مع ما بعده لأنه

стр. 1108

متضمن أن من استهزأ بالرسل عوقب فكذا من استهزأ بك إن أصرّ على ذلك فلا تلتفت إلى من تكلف هنا ما لا حاجة إليه. قوله: (سخروا منهم) في القاموس هزأ منه وبه وسخر منه وبه، فهما متحدان معنى واستعمالاً فلا وجه لما قيل السخرية والاستهزاء بمعنى لكن الأوّل! قد يتعدى بمن والباء لكن في الدرّ المصون إنه لا يقال إلا استهزى به ولا يتعدى بمن، ثم قال الجارّ متعلق بسخروا والضمير راجع إلى الرسل وقيل إلى المستهزئين وقيل إلى أمم الرسل ومن للبيان، ويردّ الأول بأنه يؤول المعنى إلي فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين، ولا فائدة لهذه الحال لانفهامها من سخروا، والثاني بأنه يلزم إرجاعه إلى غير مذكور والجواب أنه مبنيّ على أنّ الاستهزاء والسخرية بمعنى وليس بلازم لأنّ من فسره بهذا يجوز أن يجعل الاستهزاء بمعنى طلب الهزء فيصح بيانه ولا يكون في النظم تكرار، قال الراغب ﵀: الاستهزاء ارتياد الهزء وان كان قد يعبر به عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتياداً للإجابة وان كانت قد نجري مجرى الإجابة انتهى، وأمّا رجوع الضمير إلى الأمم فقد ذكره الحوفي ورده أبو حيان بما ذكر وأجاب عنه في الدر المصون بأنه في قوّة المذكور. قوله: (فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به) فسر حاق بمعنى أحاط وفسره الفراء يعاد عليه وبال أمره، وقيل دار وقيل نزل ومعنإه يدور على الإحاطة والشمول ولا يستعمل إلا في الشر قالط: فأوطاً جرد الخيل عقر ديارهم وحاق بهم من باس ضربة حائق وقال! الراغب أصله حق فأبدل من أحد حر في التضعيف حرف علة كتطنب وتطنيب أو هو مثل ذمّة وذامة والمعروف في اللغة ما ذكره المصنف ﵀ قال الأزهريّ: جعل أبو إسحق صاق بمعنى أحاط وكان مادته من الحوق وهو ما استدار بالكمرة وخالفه بعض أهل اللغة فقال إنه يائيّ بدليل حاق يحيق. قوله: (حيث أهلكوا لآجله الخ) قيل إنه يعني إن حاق بهم كناية عن إهلاكهم فإسناده إلى ما أسند إليه مجاز عقليّ من قبيل أقدمني بلدك حق لي على فلان، ولقد أغرب من بين المراد بقوله تعالى: ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ فقال من العذاب الذي كان الرسول يخوّفهم نزوله فلا تجوّز في الإسناد ولا في المسند إليه فإنه لا دليل على أنّ المراد بالمستهز! به هو العذاب بل المرسل، وبعد تسليمه فقد اعترف بأنّ المراد بالحيق بهم الإهلاك ومعلوم من مذهب أهل الحق أنّ المهلك ليس إلا الله تعالى فإسناده إلى غيره لا يكون إلا مجازا (قلت) ما رذه واستغربه هو ما اختاره الإمام الواحدي واستهزاؤهم بالرسل مستلزم لاستهزائهم بما جاؤوا به وما توعدوا به ومثله لظهوره لا يحتاج إلى قرينة وما توعدوا به هو العذاب، وحيقه بهم لا شبهة في أنه حقيقة، وأمّا تفسيره بالإهلاك فليس تفسير الحاق بل بيان لمؤدي الكلام، ومجموع معناه فلا يرد ما ذكره عليهم. قوله: (أو فنزل بهم وبال استهزائهم) نزل تفسير لحاق وقوله: (وبال) إشارة إلى أنه على تقدير مضاف كوبال وعقوبة، وما مصدرية والضمير للرسول الذي في ضمن الرسل أو هي موصولة، أو هو من إطلاق السبب على المسبب لأنّ المحيط بهم هو العذاب، ونحوه لا المستهزأ لكنه وضحع موضعه مبالغة كما قاله الطيبي. قوله: (عاقبة المكذبين الخ) العاقبة مآل الشيء مصدر كالعافية وكيف خبر مقدم لكان أو حال وكان تامة، وقوله كيف أهلكهم يميل إليه، وكي تعتبروا علة للأمر بالنظر، وعذاب الاستئصال من إضافة العام للخاص والاستئصال قلع الشيء من أصله وإنما فسر به لأنّ الإهلاك بدون الاستصال لا يختص بالمكذبين هذا، وقد قيل إنما عبر عنهم بالمكذبين دون المستهزئين إشارة إلى أن مآل من كذب إذا كان كذلك فكيف الحال في مآل! من جمع بينه وبين الاستهزاء وأورد عليه أن تعريف المكذبين للعهد وهم الذين سخروا فيكونون جامعين بينهما وقد اعترف به هذا القائل أيضا مع أنّ الاسنهزاء بما جاؤوا به يستلزم تكذيبه فتأمّل. قوله: (والفرق بيتة وبين قوله قل سيروا في الأرض فانظروا الخ) في الكشاف فإن قلت أيّ فرق بين قوله فانظروا وبين قوله ثم انظروا قلت جعل النظر مسببا عن السير في قوله: فانظروا فكأنه قيل سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين وأما قوله: ﴿سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ﴾

стр. 1109

فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وايجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح قاله النحرير: يعني أنّ كليهما مطلوب لكن الأوّل للثاني وأمّا ثم انظروا فإنما لم يحمل على التراخي لأنّ واجب النظر آثار الهالكين حقه أن لا يتراخى عن السير، وقيل يجوز أن يكونا واجبين، وثم لتفاوت ما بينهما كما في توضأ ثم صل، وقال الراغب ﵀: قيل المراد بالسير المترتب عليه النظر إجالة الفكر ومراعاة أحواله كما روي في وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبدانهم في الأرض! سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة. (وأورد عليه أبحاث) الأوّل أنّ واجب النظر لما كان حقه أن لا يتراخى عن السير كان المناسب حينئذ ترك لفظ يوهم خلاف المقصود وايراد لفظ يفيده بلا إيهام فإنه مما يجب مراعاته كما تقرر في المعاني، والثاني أن السير من حيث هو سير مباح إلا أن يقيد بقيد يفيد وجوبه فإذا قرن بفاء السببية أمكن حمله على الواجب لأن السير للنظر واجب كالنظر كما أن السير للتجارة مباح كالتجارة ف! ذا قرن بثم فلا وجه لحمله على الواجب إذ ليس في اللفظ ما يشعر به وبين السير والوضوء فرق لا يخفى على من له ذوق، وفي كلام النحرير إشارة إلى ضعفه ثم قال: والتحقيق أنه تعالى قالط هنا ثم انظروا وفي النمل ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة النمل، الآية: ٦٩] وفي العنكبوت: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢٠] وفي الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [سورة الروم، الآية: ٤٢] فلا بد من بيان وجه تخصيص هذه الآية بثم ولعله أن الفاء تدلّ على أن السير يؤدّي إلى النظر، فيقع موقعه بخلاف ثم ولذا وقعت الفاء في الجزاء فهنا لم يجعل النظر واقعاً عقب السير متعلقاً وجوده بوجوده بل بعث على سير بعد سير لما تقدمه من بعثهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد وأن يستكثروا من ذلك ليروا الآثار في ديار بعد يار إذ قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦، الآية فقد دلّ الأوّل على أن الهالكين طوائف كثيرة، والثاني على أن المنشا بعدهم أيضاً كثيرون، ثم دعا إلى العلم بالسير في البلاد ومشاهدة آثار أهل الفساد مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من ملاصقة السير بخلاف المواضحع الأخر وهو كلام أكثره واه لكن تحريره وتهذيبه يحتاج إلى تطويل فتأمله، ثم إن أبا حيان ﵀ اعترض! على الزمخشري بأن ما ذكره متناقض لأنه جعل النظر مسبباً عن السير وهو سبب له، ثم جعل السير معلولاً له حيث قال كأنه قيل سيروا لأجل النظر وأجيب بأن النظر علة للسير باعتبار وجوده الذهني، ومعلول له باعتبار وجوده العيني كما في عامّة العلل الغائية فلا تناقض فإن السبب قد يكون مقدمة للمسبب غير مقصود في ذاته بل ليقع المسبب نحو سرت ففزت بلقائك وسافرت إلى مكة فحججت، وقد يوقع قصداً من غير نظر إلى المسبب نحو ضربته فبكى وزنى فرجم وقد سبقه إليه بعض المفسرين فقال: هو مسبب وسبب باعتبارين فالنظر سبب في السير بمعنى العلة الغائية فهو سبب ذهنيّ والسير سبب وجودي موصل إلى النظر. قوله: (ولا كذلك هاهنا ولذلك قيل معناه إباحة السير للتجارة الخ) أو رد عليه أنه يأباه سلامة الذوق لأنه إقحام أمر أجنبيّ كبيان إباحة السير للتجارة بين الأخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه وما يتصل به من الأمر بالاعتبار بآثارهم وهو مما يخل بالبلاغة إخلالاً ظاهر اهـ، وهذا هان تراءى في بادئ النظر لكنه غير وارد إذ هو غير أجنبيّ لأنّ المراد خذلانهم وتخليتهم وشأنهم من الإعراض عن الحق بالتشاغل بأمر دنياهم كقوله وليتمتعوا. قال العلامة: ثمة في تفسيره هو مجاز عن الخذلان والتخلية وأنّ ذلك الأمر متسخط إلى الغاية ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر وعندك أنّ ذلك الأمر خطأ وأنه يؤدّي إلى ضرر عظيم فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه فإذا لم تر منه إلا الأباء والتصميم حردت عليه وقلت أنت وشأنك وافعل ما شئت، فلا تريد بهذا حقيقة الأمر كيف والآمر بالشيء مريد له، وأنت شديد الكراهة متحسر ولكنك كأنك تقول له فإذ قد أبيت قبول النصيحة فأنت أهل ليقال لك إفعل ما شئت انتهى، ومنهم من ذهب إلى أن السير متحد فيهما، ولكنه أمر ممتد يعطف بالفاء تارة نظر الآخرة، وبثم نظراً لأوّله ولا فرق بينهما. قوله: (وهو سؤال تبكيت الخ) في الأساس بكته بالحجة غلبه وألزمه ما سكت به لعجزه عن الجواب عنه، والمقصود

стр. 1110

أنه تقريع لهم وتوبيخ. قوله: (ثقرير لهم) التقرير له معنيان الحمل على الإقرار والتثبيت بأن يجعله قاراً متمكنا ومنه تقرير المسألة وكلاهما مما نطقت به كتب اللغة كما ذكره الطيبي ﵀ ومعناه على الثاني أنه تقرير للجواب لأجلهم أي نيابة عنهم كما في الكشف، وعلى لأوّل إلجاء إلى الإقرار بأن الكل له، لأن هذا من الظهور بحيث لا يقدر على إنكاره أحد كما قاله النحرير، وأفاد الإمام أن أمر السائل بالجواب إنما يحسن في موضع يكون فيه الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ولا على دفعه دافع وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله وتنبيه الخ قيل وفيه إشارة إلى أنهم تثاقلوا في الجواب مع تعينه لكونهم محجوجين، يعني أنه سألهم وأجاب عنهم لتعين الجواب فإنه لا يمكن خلافه فهو بمعنى قوله. ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [سورة آلى عمران، الآية: ٦٤، وهو دقيق جداً. قوله: (كتب على نفسه الرحمة الخ) النفس هنا بمعنى الذات كما في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٢٨] وفي شرحي التلخيص والمفتاح في بحث المشاكلة أن منها قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٦ ا] وكذا قال المصنف في المائدة، وأورد عليه أن معنى النفس ذات الشيء مطلقا كما في الجوهري والكشاف ويؤيده هذه الآية فلا يحتاج إلى المشاكلة واعتبار المشاركة التقديرية غير ظاهر فلذا اختار قدس سره في وجه+ المشاكلة أنه لكونه عبر عن لا أعلم معلومك بلا أعلم ما في نفسك للمشاكلة لوقوع التعبير عن تعلم معلومي بتعلم ما في نفسي لكنه قدس سره قال في شرح الكشاف في وجه إطلاق النفس على القلب إن ذات الحيوان به تكون، وهذا التعليل كما قيل يشعر باختصاص النفس بذات الحيوان، وفيه نظر وتأمل. (قلت) التحقيق كما مر أن جعل العلم في النفس يقتضي إنه علم بارتسام صورة تنتقش في النفس، ومثله لا يوصف به الله تعالى فالمشاكلة ليست في لفظ النفس في الآية بل في ظرفية العلم لها فقول المصنف في المائدة الآية من المشاكلة، وقيل المراد بالنفس الذات ليس بظاهر إلا أن يقال النفس مشتركة بين معنيين أحدهما يطلق عليه تعالى، والآخر لا يطلق عليه وهي هنا بالمعنى الثاني بقرينة مقابلها فيحتاج إلى المشاكلة، وبهذا يصح أن يقال إنّ المشاكلة في النفس وبه يجمع بين التوجيهين ويتضح تلاقي الطريقين، ومن هذا ظهر أنه لا يتوجه ما قيل أما قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ فقد قيل إنه للمشاكلة وإن أريد به الذات، وليس بشيء لأنّ مبناه على أنه لولا قوله تعلم ما في نفسي لم يجز أن يقال، ولا أعلم ما في نفسك لعدم إذن الشرع في إطلاقه عليه تعالى ويبطله الآيتان ا! ، وأمّا ما مر من قول النحرير في وجه إطلاق النفس على القلب الخ. وما أورد عليه فغير وارد لأنه بيان لتجوّز آخر فيه وهو إطلاقه على القلب فتأمل. قوله: (التزمها تفضلاَ الخ) ردّ للوجوب عليه تعالى الذي هو مذهب الحكماء والمعتزلة، ولذا غير ما في الكشاف إلى ما ذكره وقوله: ومن ذلك الهداية الخ توجيه لارتباط الآية بما قبلها، وما بعدها ليأخذ الكلام بحجزه وهو ظاهر. قوله: (اسئشاف وقسم الخ) قيل هو استئناف نحوي لا بياني ومن حمله على الثاني وقال في بيانه كأنه قيل وماتلك الرحمة فقيل إنه تعالى. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وذلك لأنه لولا خوف الحساب والعذاب لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط أورد عليه أنه إنما يظهر ما ذكر هل لو كانوا معترفين بالبعث وليس كذلك، ثم إنّ قوله إنه تعالى ليجمعنكم ليس بصحيح، وصوابه يجمعكم لفقد شرط لحوق النون في كلامه انتهى، وهو ردّ لما وقع في اللباب، وهو في الحقيقة تكلف لا يتوجه فيه الجواب إلا باعتبار ما يلزم التخويف من الامتناع عن المناهي المستلزم للرحمة وكلام المصنف ﵀ لا يناسبه فلا ينزل عليه وأمّ المناقثة في العبارة فغير واردة لأنها المشاكلة ما وقع في النظم أو لحكايته، وقد وقع هذا التركيب في مواضع من القرآن وللنحاة فيه أقوال فذهب بعضهم إلى أنّ اللام بمعنى أن المصدرية وليست قسمية وهو بدل مما قبله بدل مفرد من مفرد، وردّه ابن عطية بأنه لا وجه لدخول النون حينئذ لأنه ليس من مواضعها واعتذر له أبو حيان بأنها دخلته لكونه على صورة القسم، وقيل إنها قسمية مستأنفة كما مز وقيل إنه اجواب لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لأنه يجري مجرى القسم وقوله: على إشراكهم واغفالهم النظر هو مأخوذ من مضمون الآيات السابقة. قوله: (مبعوثين إلى يوم القيامة الخ) أي

стр. 1111

هو متعلق بمبعوثين من بعث بمعنى أرسل لا بمعنى أهب فلا يحتاج تعديته بإلى إلى تضمين شيء آخر كالضم والانتهاء، ولا جعله حالاً إلى توجيه فإنّ من مات مرسل إلى يوم القيامة وفيه أنّ البعث يكون إلى المكان لا إلى الزمان إلا أن يراد بيوم القيامة واقعتها في موقعها كقولهم شهد يوم بدر أي واقعته، أو هو لغو متعلق بيجمع كما مرّ في سورة النساء. قال الزمخشريّ: فيها المراد جمع فيه معنى السوق والاضطرار كما تقول حشرت اليوم إلى موضع كذا فوصل الجمع بإلى إلى هذا المعنى كما قيل ليبعثنكم ويسوقنكم ويضطرنكم إلى يوم القيامة أي إلى حسابه، وبهذا اندفع ما مرّ من أنّ البعث يكون إلى المكان كما مرّ فتأمّل ٠ قوله: (وإلى بمعنى في) كما ذكر. النحاة واستشهدوا بقوله: فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطليّ به القارأجرب وتأوّله بعضهم بتضمين مضافا أو مبغضا أو مكرهاً، وقال ابن هشام: لو صح مجيء إلى بمعنى في لجاز زيد إلى الكوفة بمعنى في الكوفة ولا يرد إلا إذا قيل إنه قياسيّ مطرد وقيل إنها بمعنى اللام وقيل زائدة. قوله: (وقيل بدل من الرحمة بدل البعض) على أنه جملة لا مفرد كما مز، وقد ذكر النحاة أنّ الجملة تبدل من المفرد ولم يتعرّضوا الأنواع البدل فيه، والمراد أنّ القسم وجوابه بدل، فلا يرد عليه أنّ الجواب لا محل له من الإعراب، وإذا كان بدلاً يكون في محل نصب فيتنافيان، واستغنوا عن ذكر القسم بهذه الجملة، لأنها مذكورة في اللفظ كما يقولون جملة القسم والمراد القسم وجوابه فيستغنون بذكر أحدهما عن الآخر لا سيما إذا كان محذوفا كما في الدرّ المصون. قوله: (لا ريب) حال من اليوم أو صفة لمصدر أي جمعاً لا ريب فيه، ويحتمل أنّ الجملة تأكيد لما قبلها كما مرّ في ذلك الكتاب لا ريب فيه، ثم إعلم أنّ ظاهر قول المصنف ﵀ وانعامه ربما يفهم منه أنّ خطاب ليجمعنكم عام للمؤمنين والكافرين بعد كونه خاصا بالكافرين وربما يذهب إلى تخصيصه بما مرّ، وتفسير الأنعام بعدم استئصالهم، وتعجيل العذاب أو نعمة الإيجاد ونحوها وفيه بعد. قوله: (بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية الخ) هذا جواب عما يقال إنّ الخسران مترتب على عدم الإيمان وقد عكس في النظم فلما فسر الخسران بعدم الفطرة والعقل اندفع المحذور وظهر الترتب المذكور، وفي الكشاف فإن قلت كيف جعل عدم إيمانهم مسبباً عن خسرانهم، والأمر على العكس قلت معناه الدّين خسروا أنفسهم في علم الله لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون، قال النحرير: هذا يشعر بانّ الفاء تفيد السببية، وان لم تكن داخلة على الخبر عن الموصول مع الصلة، وقد سلم في الجواب السببية حيث اقتصر على تفسير الخسران بحيث يصح أن يجعل سابقاً على امتناعهم عن الإيمان، وسببا له وهو الخسران في علمه تعالى ولما كان هذا يكاد أن يخالف أصول المعتزلة حيث جعل العلم بأنهم لا يؤمنون سبباً لعدم الإيمان بحيث لا سبيل لهم إليه كما هو رأي أهل السنة أشار إلى دفعه بقوله: لاختيارهم الكفر ولو قال باختيارهم لكان أظهر في المقصود يعني أنّ علم الله تعالى بأنهم يتركون الإيمان، ويؤثرون الكفر صار سببا لامتناعهم عن الإيمان باختيارهم، وأمّا عند أهل السنة فقد صار ذلك سبباً لعدم إيمانهم بحيث لا سبيل إليه أصلاً، وبهذا يندفع ما قال الإمام الرازي: إنّ هذا يدلّ على أن سبق القضاء بالخذلان والخسران هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان، وذلك عين مذهب أهل السنة انتهى فقد علمت أنّ علم الله الأزلي بالأشياء قبل وقوعها كما هي يقتضي أن تقع على وفقه ولا تتخلف عنه، وبهذا الاعتبار صح أن يقال علم الله سبب أو علة لوقوعها فالاعتراض عليه بأنّ المعتزلة لا يجعلون علم الله تعالى سبباً للمعلوم أصلاً بل يقولون إنه تبع للمعلوم كما يعترف به الأشاعرة في إثبات صفة الإرادة فهذا التوجيه يخالف أصول المذهبين، والأولى أن يقال السبب هو اختيار الكفر لا العلم به وإنما أقحم العلم لتحقيق ذلك الاختيار، ويجوز أن تجعل الفاء لاستلزام الأوّل للثاني لا للسببية، وهذا الردّ بأنّ العلم تابع للمعلوم وهم، لأنّ معنى كونه تابعاً له أنّ خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بحقيقة ذلك لشيء، وهويته وهو لا ينافي كون المعلوم تابعا له في الوجود والتحقق

стр. 1112

وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في سورة يونس، والفطرة الخلقة وخلقة الإنسان على الفطرة والسداد، وخلافها الآفة وجعلها رأس المال استعارة لطيفة كقول عمارة: إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير واجب ثم إنه قيل إنّ كلام المصنف ﵀ يقتضي أنّ خسروا هنا من الخسران بمعنى عدم الربح، وهو لا يصح لأنه لازم بل المراد أنهم نقصوا أنفسهم بتضييع! الفطرة التي يتوصل بها إلى الكمال وليس كما قال لأنّ خسر متعد قال تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج، الآية: اا] والذي غرّه ظاهر كتب اللغة ولا عبرة به مع وروده في الكلام الفصيح، وتضييع الفطرة تركها واتباع الهوى، وقيل: إنّ السؤال يدفع من أصله بأنّ سبق القضاء بالخسران سبب لعدم الإيمان وفيه أنّ السبب حينئذ يكون القضاء به لا نفسه، والتأويل بأن السبب هو الخسران في علم الله لا يجدي فإنه إذا حقق السبب فهو العلم به، وفيه ما فيه. قوله: (وموضع الذين نصب على الذم أو رفع على الخبر) أي أذمّ أو أريد أو أعني، وقيل إنه بدل من ضمير ليجمعنكم بدل بعض من كل بتقدير ضمير، أو هو خبر مبتدأ على القطع عن البدلية أيضاً فإن قلت كيف ذكروا قطعه هنا والقطع في النعت والضمير لا ينعت قلت قال الرضي: استدل الأخفش بهذه الآية على الإبدال من الضمير، والباقون يقولون هو نعت مقطوع للذم إمّا مرفوع الموضع أو منصوبه ولا يلزم أن يكون كل نعت مقطوع يصح اتباعه نعتا، بل يكفي فيه معنى الوصف ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾ ، [سورة الهمزة، الآية: ١] انتهى فإن قلت: يكفي جعله خبر مبتدأ مقدر أو معمول فعل مقدر ولا حاجة إلى ارتكاب ما ذكر قلت كأن الذي دعاه إليه أنّ مجرّد التقدير لا يفيد المدح والذم إلا مع القطع. قوله: (وأنتم الذين الخ) قدر ضمير الخطاب ليرتبط بما قبله، وهو يقتضي أنّ الخطاب قبله للكفرة وسبق الكلام فيه. قيل كان الظاهر أنتم بلا واو، وكان أصله أنه ذكر عام النصب والرفع فسقط من القلم المعطوف عليه أي أذم وأنتم ونحوه ويحتمل أنه إشارة إلى أنّ الجملة على هذا التقدير معترضة أو حالية وقد صرح الطيبي ﵀ بأنها تذييل لما قبلها وفيه نظر. قوله: (والفاء للدلالة على أنّ الخ) المتبادر بناؤه على الوجه الأخير فعلى الأوّلين يجوز أن يكون لتعليل الخسران بعدم الإيمان، وأن يكون للتفريع فيفيد السببية على الوجوه كلها كما في الكشاف، وهذا دفع للسؤال الذي أورده الزمخشرقي بطريق آخر، وهو حمل الخسران واضاعة رأس المال على الجري على ما لا تقتضيه الفطرة كما مرّ تحقيقه ولم يعرّج عليه لمخالفته للأصلين بحسب الظاهر كما مر، وهذا صريح في أنّ سببيته إنما هي لأصل عدم إيمانهم وبحسب لقائه كان سببا لبقائه ولما كان الواقع هاهنا صيغة نفي الاستقبال في لا يؤمنون كان اللازم منه هو الثاني، ولذا قال: أدى بهم إلى الإصرار على الكفر فلا تنافي بين أوّل كلامه وآخره لأنّ المراد بعدم إيمانهم عدمه في المستقبل وهو عين الإصرار. قوله: (عطف على دلّه الخ) إمّا عطف مفردين على مفردين حذف أحدهما أو عطف جملة على جملة والمقصود دخوله تحت قل ليكون احتجاجا ثانيا على المشركين وقيل إنها مستأنفة وما موصولة لا غير. قوله: (من السكنى وتعديته بفي الخ) جعله من السكنى ليتناول الساكن والمتحرّك من غير تقدير يعني كما أنّ له ما في الأمكنة له ما في الأزمنة وتعديته مبتدأ وقوله بفي خبره ومنهم من جعل الخبر قوله كما الخ وجعل قوله بفي متعلقا بتعديته والمراد أنّ تعديته بفي على الأصل في الأمكنة المحدودة، ثم أجيز حذفها من نحو دخلت وسكنت، ونزلت حيث يقال دخلت الدار ونزلت الخان وسكنت الغرفة لكثرة الاستعمال وانتصاب ما بعدها على الظرفية، وقال الجرمي: إنه مفعول به، وردّ بأنها لازمة فإنّ غير الأمكنة بعد دخلت يلزمها في نحو دخلت في الأمر وفي مذهب أبي حنيفة وكثيراً ما يستعمل في مع الأمكنة أيضا نحو سكنتم في مساكن الذين وتجيء مصادرها على الفعول؟ كذا قال الرضي: وأورد عليه أنه يفهم منه لزوم في هذا المقام فإنّ الليل والنهار ليسا من الأمكنة، والجواب عنه أنّ مراده بقرينة المثال الظرف المجازي وأيضا السكنى

стр. 1113

حق استعمالها في المكان وهنا قيل إنه شبه الاستقرار بالزمان بالاستقرار في المكان فاستعمل استعماله فيه ولك أن تقول إنه مشاكلة تقديرية لأنّ معنى له ما في السماوات والأرض ما سكن فيهما واستقر فلذا عدى تعديته، وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله والمعنى ما اشتملا عليه من قال قوله: وتعديته بفي يشعر بأنه يجيء متعدياً بنفسه أيضاً بناه على أنّ خبر تعديته قوله كما الخ كما مرّ. قوله: (أو من السكون الخ) فهو من الاكتفاء بأحد الضدين كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨١] ولذا عطف المقدر بأو إشارة إلى التضاد وعدم الاتجماع ولو عطف بالواو صح، وإنما اكتفى بالسكون عن ضد. دون العكس لأنّ السكون أكثر وجودا، وردّ بأنه لا وجه للاكتفاء بالسكون عن التحرك في مقام البسط والتقرير، واظهار كمال الملك والتصرّف قيل وفي كلام المصنف ﵀ إشارة إلى دفعه، فإنّ السكون مع ضده كناية عن جميع التغيرات والتصرفات الواقعة في الليل والنهار، فناسب المقام ورذ بأنه لو سلمت الإشارة المذكورة لا يندفع بها قوله لا وجه للاكتفاء بالسكون عن التحرك في مقام البسط، وفيه نظر، ثم إنه قيل إنّ ما سكن يعم جميع المخلوقات إذ ليس شيء منها غير متصف بالسكون حتى المتحرك حال حركته على ما حقق في الكلام من أنّ تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلة السكنات المتخللة، وكثرتها وهذا كما قيل: إذاهبت رياحك فاغتنمها فإنّ لكل خافقة سكون قوله: (وهو السميع لكل مسموع الخ) التعميم من حذف المتعلق وكذا قوله: فلا يخفى عليه شيء وفيه إشارة إلى أنّ المسموع والمعلوم شامل لجميع الموجودات إذ لا يخرح عنهما شيء، وهو راجع إلى المعطوف والمعطوف عليه أي يعلم كل معلوم من الأجناس المختلفة في السماوات والأرض وش! مع هواجس كل ما يسكن في الملوين من الحيوان وغيره، وكلام الزمخشريّ ينبئ بأنه من تتمة قوله وله ما سكن وهذه الجملة يحتمل أنها من مقول القول ومن مقول الله وقوله: (ويجورّ أن يكون وعيدا الخ) هو على الأوّل بيان لإحاطة اطلاعه بعد بيان إحاطة قدرته، وعلى هذا وعيد لهم على أقوالهم وأفعالهم، ولذا خص السمع والعلم. قوله: (١ نكار لاتخاذ غير الله ولياً الخ) قال السيد: إنكار الشيء بمعنى كراهته والنفرة عن وقوعه في أحد الأزمنة، وادّعاء أنه مما لا ينبغي أن يقع يستلزم عدم توجه الذهن إليه المستدعي للجهل به المفضي إلى الاستفهام عنه، أو نقول الاستفهام عنه يستلزم الجهل به المستلزم لعدم توجه الذهن إليه المناسب للكراهة والنفرة عنه وادعاء أنه مما لا ينبغي أن يكون واقعا، وقس حال الإنكار بمعنى التكذيب عليه. قوله: (فلذلك قدّم وأولى الهمزة) في الكشاف أولى غير الله همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو أتخذ لأنّ الإنكار في اتخاذ غير الله وليا لا في اتخاذ الولي مطلقاً فكان أولى بالتقديم ونحوه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٤] ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [سررة يونس، الآية: ٥٩] يعني كما قال النحرير: أولي غير الله همزة الاستفهام وقدم المفعول للاختصاص على ما ذكر في مواضع من الكشاف وجعل قوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [سررة يونق، الآية: ٥٩] لإنكار أن يكون الله أذن لهم لا لنفس الإذن، فإنه قد كان من شياطينهم، وما ذكر في المفتاح من أنّ هذا للتقوّي دون الاختصاص لأنّ هذا الإذن منكر من أقي فاعل كان مبنيّ على أنه جعل الإنكار بمعنى لا ينبغي أن يقع والزمخشريّ جعله بمعنى لم يقع فصح الاختصاص انتهى. وفي الكشف إنه تمهيد لقوله: ﴿أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونس، الآية: ٥٩] لأنّ أم مقطعة والهمزة فيها للتقرير، وأما إذا جعلت متصلة وهو وجه أيضاً فليس مما نحن فيه، والمصنف ﵀ ترك التمثيل بهذه الآية إقا لأنه مع صاحب المفتاح أو لأنها ليست نصا في المطلوب، وأمّا كون ولي الهمزة مستلزما لتقديمه فلا ضير فيه كما توهم، ولا يصح في غير هنا الاستثناء لفظا لتقدمه على المستثنى منه ولتوجه الإنكار إلى اتخاذ أولياء ليس الله فيهم، وقيل لا خلاف بين الزمخشريّ والسكاكي وايراد ولدلّه أذن لكم﴾ هنا يوهم أنّ تقديم اسم الله هاهنا على الفعل كما في الموضعين، وليس بذلك إذ المراد أنّ إيلاء هذا الاسم حرف الإنكار وبناء الخبر عليه دون العكس، وأن يقال أإذن الله لكم لأنه الأصل في الاستفهام لا سيما، وقد عطف عليه أم على الله تفترون وهي فعلية

стр. 1114

آذن بتقوية حكم إنكار أنّ الله هو الآذن لا حصول الإذن مطلقاً. ألا ترى كيف استشهد به لقوله لأنّ الإنكار في اتخاذ غير الله وليا لا في اتخاذ الوليّ، وكيف يوهم تقديم المعمول والتركيب من باب تقوّي الحكم مثله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [سورة الزمر، الآية: ٢٣] وقد قال فيه المصنف وايقاع اسم الله مبتدأ، وبناء نزل عليه فيه تفخيم لا حسن الحديث، وتأكيد لاستناده إلى الله وأنّ مثله لا يجوز أن يصدر إلا منه، فظهر أنّ المراد بالتقديم في قوله: فكان أولى بالتقديم الاهتمام دون التخصيص، واليه ينظر قول المفتاح فلا يحملى قوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٥٩] على التقديم فليس المراد أنّ الإذن يكون من الله دون غيره، لكن أجمله على ابتداء أمر مراد منه تقوية حكم الإنكار، ويردّ هذا برمّته أنّ العلامة صرح بخلافه في مواضع من كثافه، وكذا نقله عنه هذا القائل أيضا في تفسير قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤] ، قد قال فيما كتبه هناك إنّ مثل ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٢٦] عنده يفيد الحصر، فكلامه متناقض ولم يعرّج عليه أحد من شراح الكشاف، ومقتضى كلام النحرير أنّ القول بالحصر وعدمه دائر على تفسير الإنكار مع أنّ السكاكي لا يقول بإفادة أمثاله الحصر بوجه من الوجوه فكيف يتأتى التوفيق به فتأمّل، وقد وفق بينهما في عروس الأفراج بوجه آخر لا يعوّل عليه. قوله: (والمراد بالولئ المعبود لأنه رذ لمن دعاه إلى الشك) أي المراد به هنا ذلك لأنّ تعريفه لا يعهد، وتيل إنّ! المشرك لم يخص عبادته بغير الله حتى يكون لرذه فالرد عليه " تخذ غير الله ولياً ويدفعه أنّ من أشرك بالله غيره لم يتخذ الله معبوداً لأنه لا يجتمع عبادته تعالى مع عبادة غيره كما قيل: إذا صافى صديقك من تعادي فقد عاداك وانفصل الكلام وقيل إنه لو فسر بالناصر لعلم أنه لا يتخذه معبوداً بالطريق البرهاني وقوله: رذ لمن دعاه إلى الشرك لأنه ذكر في سبب النزول أنهم قالوا له ﷺ : إن آباءك كانوا على ديننا، وإنما تركت ذلك للحاجة، فارجع عن هذا لنغنيك والكلام يحتمل أنه من الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر قصداً إلى إمحاص النصح ليكون أعون على القبول كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة ي! ، الآية: ٢٢] . قوله: (وجره على الصفة الخ (وقيل على البدلية، ورجحه أبو حيان بأنّ الفصل فيه أسهل، وجعله بمعنى الماضي لتكون إضافته حقيقية، فتوصف به المعرفة، وهو ماض سواء كان كلاما من الله ابتداء أو محكياً عن الرسولءلمجب! ، لأنّ المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم فمن قال: والدليل عليه كون النبيّ ﷺ مأمورا بهذا القول، ولا ينافيه كونه من الكلام القديم كما في قراءة فطر، ولو سلم فيجوز أن يكون من قبيل التعبير بالماضي عما سيوجد بناء على تحققه بالنظر إلى كونه قديما، وعلى حقيقته بالنظر إلى كونه من كلام الرسول ﷺ انتهى. فقد تعسف لأنّ اسم الفاعل حقيقة في الحال والاستقبال فتأويله بالماضي، ثم تأويل الماضي بالمستقبل تكلف لا داعي إليه والنصب على المدح أو على البدلية من وليا لا الصفة لأنه معرفة وعلى قراءة فطر فهو صفة فتأمّل. قوله: (يرزق ولا يررّق) يعني المراد بالطعم الرزق بمعناه اللغوي وهو كل ما ينتفع به بدليل وقوعه مقابلا له في قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٧، فعبر بالخاص عن العام مجازا لأنه أعظمه وأكثره لشدة الحاجة إليه واكتفى بذكره عن ذكره لأنه يعلم من نفي ذلك نفي ما سواه فهو حقيقة، وكلام المصنف ﵀ يحتملهما يعني أنه خص هذا بالذكر، أو خص بالتعبير به عن جميع المنافع دون اللباس، وغيره لشدة الحاجة كما خص الربا بالأكل والمقصود مطلق الانتفاع. قوله: (وقرئ ولا يطعم بفتح الياء) أي وبفتح العين، وهي عن أبي عمرو وجماعة بمعنى يكل والضمير لله، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الياء وكسر العين. وقوله: (والمعنى) يعني معنى القراءة بالعكس، وهي قراءة يعقوب ﵀، فإن قيل الكلام مع عبدة الأصنام والصنم لا يطعم كما أنه لا يطعم أجيب بأنه ورد على زعمهم في إطعام الأصنام وافرازهم لها حصة من الطعام، قيل: ولا مجال لأن يقال صح ذلك بالنظر إلى إطلاق غير الله تعالى فإن منه من يطعم

стр. 1115

كالمسيح من معبودات الكفرة فغلب لأن المسيح يطعم ألا ترى إلى إنزالط المائدة، فإن قيل المطعم حقيقة هو الله تعالى قلت بلى، ولكن النظر هنا ليس مقصوراً على الحقيقة ألا ترى إلى قوله ما هو نازل عن رتبة الحيوانية فإن إطعام الحيوانات بألبانها وبيوضها وصيودها المخلوقة لله تعالى، وهو يصح جوابا عن كلام الكشاف، وهذا ردّ على بعض أرباب الحواشي، إذ وجه كلام المصنف ﵀ بما وجه كلام الكشاف مع ما في كلام المصنف مما يأبا. وليس كذلك، لأنه يصح أن يكون مراده " تخذ من هو مرزوق غير رازق وليا والكلام، وان كان مع عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله وتغليب أولي العقول، لأنّ فيه إنكار أن تصلح الأصنام للألوهية بالطريق الأولى كما في الكشف فتقدير كلامه أنا لا أشرك به من يطعم ولا يطعم فكيف أشرك به من هو أحط مرتبة منه ولا مانع من حمله على الحقيقة بدليل تفسيره بيرزق فإنّ الله هو الرزاق، وقيل إنه كناية عن كونه مخلوقا غير خالق كقوله تعالى: ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٠، ثم إنه قد مرّ أن لا يطعم مجاز عن معنى لا ينفع، فلا يرد السؤال رأسا. قوله: (وبنائهما للفاعل) بالجرج عطف على فتح الياء أو عكس الأوّل ووجهت إمّا بأن أفعل بمعنى استفعل كما ذكره الأزهري ومعنى لا يستطعم لا يطلب طعاما ويأخذه من غيره، أو المعنى أنه يرزق من يشاء ويمنع من لا يشاء كقوله: (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) والضميران لله ورجوع الثاني لغير الله تكلف يحتاج إلى التقدير. قوله: (لآنّ النبئ ﷺ سابق أمّتة في الدين) أي في دينه لأنّ الشارع وكل نبيّ مأمور بما شرعه إلا ما كان من خصائصه وفيه إرشاد إلى أنّ كل آمر ينبغي أن يكون عاملاً بما أمر به لأنه مقتداهم كما قال تعالى حكاية عن موسى ﷺ : ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٤٣] وسيأتي تحقيقه في آخر هذه السورة وقيل إنه للتحريض كما يأمر الملك رعيته بأمر ثم يقول وأنا أوّل من يفعل ذلك ليحملهم على الامتثال وإلا فلم يصدر عنه ﷺ امتناع عن ذلك حتى يؤمر به. قوله: (وقيل لي ولا تكونن ويجورّ عطفه على قل الما لم يصح عطفه على أكون إذ لا وجه للالتفات، ولا معنى لقوله: أمرت أن تكونن أوّله بوجهين تقدير قيل لي وعطفه حينئذ على أمرت أي إني قيل لي: لا تكونن من المشركين بمعنى أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك قالوا: ومن الحكاية عاطفة للقول المقدر، وقيل: إنه معطوف على مقول قل على المعنى إذ هو في معنى قل إنى قيل لي كن أوّل مسلم ولا تكونن الخ قالوا ومن المحكيّ، والوجه الذي ذكره المصنف ﵀ وهو عطف النهي على قل فأمر حاشية الثهاب / ج ٤ / م ٤ بأن يقول كذا ونهى عن كذا وجه ثالث، ولبعضهم فيه خبط هنا نحن في غنى عن ذكره، وقيل على هذا الوجه إنّ سلاسة النظم تأبى عن فصل الخطابات التبليغية بعضها عن بعض بخطاب ليس منها، وقيل يجوز أن يعطف على أني أمرت داخلا في حيز قل، والخطاب لكل من المشركين، ولا يخفى تكلفه وتعسفه. قوله: (مبالنة أخرى في قطع أطماعهم الخ) المبالغة الأولى تفهم من جعله أوّل! مسلم، فكيف يرجى منه خلافه ووجه التعريض فيه إسناد ما هو معلوم الانتفاء بأن التي تفيد الشك تعريضا، وجيء بالماضي إبرازاً له في صورة الحاصل على سبيل الفرض تعريضاً بمن صدر عنهم ذلك كما إذا شتمك أحد فتقول لئن شتمني الأمير لأضربنه قال النحرير في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٥] ولا يخفى أنه لا معنى للتعريض بمن لم يصدر عنه الإشراك وان ذكر بالمضارع لا يفيد التعريض لكونه على أقله. وقوله: (لا معنى الخ) ردّ لتوهم أنّ التعريض نشأ من إسناد الفعل إلى من لم يصدر منه بل من يمتنع منه لا من صيغة الماضي، ووجهه أنه لا يتعارف التعريض بالنسبة إلى من لم يصدر عنه الفعل في الاستقبال فتأمّل. قوله: (والشرط معترض الخ) ما تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب معنى فهو دليل عليه وليس إياه خلافاً للكوفيين، والمبرد ولا يكون الشرط غير ماض! إلا في الشعر كما قرّره النحاة، ولم يخالف في لزوم مضيه إلا بعض الكوفيين، والتزم المضيّ طلباً للتشاكل لئلا يظهر فيه تأثير الأداة ثم إنّ النحاة صوّروه ومثلوه بما إذا تقدم الجزاء بجملته وبما إذا تقدم بعضه عليه كقوله: يثني عليك وأنت أهل ثنائه ولديه إن هو يستزدك مزيد

стр. 1116

كما في شرح التسهيل للمرادي وما نحن فيه من القبيل الثاني والصحيح عند النحاة أنه دليل الجواب والجواب محذوف وجوبا لوجود قائم مقامه كالاشتغالط بدليل عدم جزمه وتصديره بالفاء وافتراق معنييهما ففي التقدم بنى الكلام على الجزم، ثم طرأ التوقف وفي التأخر بنى الكلام من أوّله على التوقف فقوله جوابه محذوف جار على القول الأصح وتقديره أخف عذاب يوم عظيم، وقيل صرت مستحقا لعذاب ذلك اليوم، ثم إنه لما كان تعريضاً وكان المراد تخويفهم إذا صدر منهم ذلك لم يكن فيه دلالة على أنه يخاف هو مع أنه معصوم كما لا يتوهم مثله في قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٥] فلا يرد عليه ما قيل إنّ فيه بحثاً من وجوه، الأوّل إنّ الجواب هو أخاف قدم على الشرط، وهو إما جواب لفظاً ومعنى أو معنى فقط وعلى كل حالط فلا حاجة إلى التقدير للاستغناء عنه، الثاني أنه لا انتظام، لأن يقال إني أخاف إن عصيت صرت مستحقاً للعذاب عذاب يوم عظيم، ولو قدر الجزاء بعد مفعول أخاف صار كبيت الفرزدق، الثالث أن الآية دلت على أنّ النبيّ ﷺ يخاف على نفسه الكفر والمعصية، وليس كذلك لعصمته ثم أجيب بأنّ الخوف تعلق بالعصيان الممتنع الوقوع امتناعاً عاديا فلا يدل إلا على أنه يخاف لو صدر عنه الكفر والمعصية، وهذا لا يدل على حصول الخوف، وهذا الجواب لا يتمشى على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بل على ما قلنا لا يقال على تقدير العصيان والكفر يكون الجواب هو استحقاق العذاب لا الخوف لأنا نقول لا منافاة بينهما فالخوف إمّا على حقيقته أو كناية عن الاستحقاق، وقيل معنى أخاف خوفه على أمّته وأنت في غنى عن هذا كله بما مرّ تقريره ٠ قوله: (أي يصرف العذاب عته) فنائب الفاعل ضمير العذاب وضمير عته يعود على من، ويجوز عكسه ومن مبتدأ خبره الشرط أو الجواب أو هما على الخلاف، والجملة مستأنفة أو صفة عذاب ولظرف متعلق بالفعل أو قائم مقام فاعله وقوله والمفعول به محذوف وهو العذاب أو العائد، والمضاف الذي قدره هول أو عقاب ونحوه، أو اليوم عبارة عما يقع فيه كما مرّ في مالك يوم الدين، وتركه المصنف هنا، لأنه إذا جعل كناية عما يقع فيه احتاج إلى عناية تشصيصه بالهول، وعلى تجويز أن يكون يومئذ قائما مقام الفاعل فهل يحتاج إلى تقدير مضاف أم لا قيل لا بد منه لأنّ الظرف غير التامّ أي المقطوع عن الإضافة كقبل وبعد لا يقوم مقام الفاعل إلا بتقدير مضاف ويومئذ له حكمه، وفي الدرّ المصون إنه لا حاجة إليه، لأن التنوين لكونه عوضا يجعلى في قوّة المذكور خلافا للأخفش، وهذا مما يحفظ. قوله: (نجاه وأنعم عليه) إشارة إلى قول الزمخشريّ فقد ﵀ الرحمة العظمى وهي النجاة كقولك إن أطعمت زبدا من جوعه فقد أحسنت إليه تريد فقد أتممت الإحسان إليه أو فقد أدخله الجنة لأنّ من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب. قال النحرير: لما اتحد الشرط والجزاء احتيج إلى التاويل ليفيد فعلى الأوّل يكون من قبيل من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ألله ورسوله، ومن قبيل صرف المطلق إلى الكامل يعني إذا كان الجواب عين الشرط لفظاً ومعنى كما في الحديث أو معنى بحيث يكون لازما بيناً له أو مآل معناه مآله، وقيده الطيبي بما إذا كان الجزاء مطلقا فإنه يدل على عظم شأن الجزاء كقوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٨٥] أي فقد حصل له الفوز المطلق البليغ وكذا قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٢] أي الخزي العظيم، وعلى الثاني من ذكر الملزوم وارادة اللازم لأنّ إدخال الجنة من لوازم الرحمة إذ هي دار الثواب اللازم لترك العذاب، ونقض بأصحاب الأعراف قيل ولأجل هذا ترك المصنف تفسيره بالجنة، ولك أن تقول قوله وذلك الفوز الخ حال مقيدة لما قبله والفوز المبين إنما هو بدخول الجنة لقوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٨٥] . قوله:) ودّلك الفوز المبين أي الصرف أو الرحم الخ (يعني أنّ اسم الإشارة مراد به الصرف الذي في ضمن يصرف أو الرحمة، وذكر لتأويل المصدر بأن والفعل، والمصنف قدره الرحم لعدم احتياجه للتأويل، وهو بضم فسكون أو بضمتين كما في القاموس، وما قيل إنه نظير قوله ﷺ " أن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتربه فيعتقه " يعني بالشراء المذكور، وانّ

стр. 1117

اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب ولك أن تقول إنّ الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوّح إليه صيغة الماضي والمستقبل والترتيب باعتبار الإخبار فيها تكلف لأن السبب والمسبب لا بد من تغايرهما معنى، والحديث المذكور منهم من أخذه بظاهره، ومنهم من أوّله بأن المراد لا يجزيه أصلا وهو دقيق لأنه تعليق بالمحال! ، وأمّا كون الجواب ماضياً لفظاً ومعنى ففيه خلاف حتى منعه بعضهم في كان لعراقتها في المضيّ. قوله: (وأن يمسسك الله بضرّ) داخل في حيز قل والخطاب للرسول ع! ييه، أو عامّ لكل من يقف عليه، وهو كاللف والنشر فمس الضرّ ناظر إلى قوله إني أخاف وم! الخير إلى قوله من يصرف الخ وتقدم م! الضرّ على مس الخير لاتصاله بما قبله من الرهب الدال عليه إفي أخاف وقد مرّ الكلام في اللمس والمس هل بينهما فرق أم لا. قوله:) فلا قادر على كشفه) نفي القدرة أبلغ من نفيه لاستلزامه له، ولذا فسره به مع مناسبته لقوله فهو على كل شيء قدير، ولأن بعض الفرّ لا يكشف وقوله فكان قادراً على إدامته وحفظه في الكشاف فكان قادراً على إدامته أو إزالته وهو بيان لوجه ارتباط الجزاء بالشرط، وكلام المصنف قريب منه وتكلف بعضهم الفرق بينهما، وقيل إنّ الجواب محذوف، وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٧] تأكيد للجوابين لأنّ قدرته على كل شيء من الخير والشرّ تؤكد أنه كاشف الضر وحافظ النعم ومديمها، ومن قال إنه وهم فقد وهم إذ لا وجه لما ذكره. وقوله إذ لا تعلق له بالجواب الأوّل بل هو علة الجواب الثاني ظاهر البطلان إذ القدرة على كل شيء تؤكد كشف الضرّ وإنكاره مكابرة وقوله فلا يقدر غيره على دفعه قيل يشير إلى أنه الجواب وفيه نظر. قوله: (تصوير لقهره وعلوّه بالنلبة والقدرة (يعني أنه استعارة تمثيلية فلا يلزم الجهة، وقوله بالغلبة متعلق بعلوّه، ويحتمل أنّ الاستعارة في الظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس، وقيل إنه كناية عن القهر والعلوّ بالغلبة والقدرة وهما متعلقان بالقهر والعلوّ على طريق اللف والنشر والحاصل أنّ قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ عبارة عن كمال القدرة كما أنّ قوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ عبارة عن كمال العلم، وفوق منصوب على الظرفية معمول للقاهر أي المستعلي فوق عباده بالرتبة والمنزلة والشرف والعرب تستعمل فوق لعلوّ المنزلة وتفوقها، ومنه يد الله فوق أيديهم. قوله: (في امره وتدبيره) في المواقف الحكيم ذو الحكمة، وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي، وقيل الحكيم بمعنى المحكم من الأحكام وهو إتقان التدبير، واحسان التقدير، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بالثاني أنسب والقول بأنّ فوق زائدة مردود بأنّ الأسماء لا تزاد، والجواب بمعنى على لا يصحح زيادته كما توهم. قوله: (والشيء يقع على كل موجود الخ) عدل عن قول الزمخشريّ الشيء أعمّ العامّ لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيقع على القديم والجرم والعرض! والمحال والمستقيم، ولذلك صح أن يقال في الله شيء لا كالأشياء، وما ذكره من إطلاق الشيء على الله مذهب الجمهور واستدلوا بهذه الاية وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٨] حيث استثنى من كل شيء ذاته ولأنه أعمّ الألفاظ فيشمل الواجب والممكن، ونقل الإمام أن جهما أنكر صحة إطلاق شيء على الله محتجا بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٠] فقال لا يطلق عليه إلا ما يدل على صفة من صفات الكمال والشيء ليس كذلك وقد مرّ أنّ الشيء مختص! بالموجود وأنه في الأصل مصدر استعمل بمعنى شاء أو مشىء فإذا كان بمعنى شاء صح إطلاقه عليه تعالى كما فصلناه ثمة. فائدة: قول الزمخشريّ والمحال والمستقيم أصل معنى المحال لغة ما أحيل وردّ عن سننه فيكون بمعنى المعوج، ولذا قوبل بالمستقيم، ثم كني بهما عن الجائز والممتنع، وهذا هو استعمال العرب الفصيح وهي عبارة سيبويه، ومن لم يعرفه لعدم وقوفه على كلام العرب اعترض على المتبني قوله: كأنك مستقيم في محال وقال: كان الظاهر في معوج ولس كما قال. قوله: (أي الله كبر شهادة) فهو مبتدأ محذوف الخبر قيل وهو المطابق للسؤال وقد يجعل على العكس أي ذلك الشيء هو الله وليس بمطابق له لعدم صلاحية أكبر للابتداء لنكارته إلا إذا حمل على حذف موصوف له هو المبتدأ انتهى، وهذا خبط فإنه لم يقدر أكبر وإنما قدر ذلك الشيء وان كان عبارة عنه مع أنّ مذهب سيبويه رحمه

стр. 1118

الله إذا كان اسم استفهام أو أفعل تفضيل تقع مبتدأ يخبر عنه بمعرفة. قوله: (ويجورّ أن يكون الله شهيد هو الجواب الخ) قال الفاضل المحشي فيكون ذكره في موضع الجواب لتضمنه الجواب لا لأنه مقصود أصليّ وأنت خبير بأنّ الظاهر في الجواب أن يذكر أن الله شهيد له ليخرج الجواب عما وقع في سبب النزول من السؤال فاللائق بالمقام هو الإخبار بأنّ الله شهيد له لينتج من الشكل الثاني أنّ ا! بر شهادة شهيد له فلا عبرة بكتم اليهود والنصارى شهادتهم ثم تأتك المقدمتان مصرّحتان في الوجه الأوّل الدّي جعل الله فيه جوابأ للسؤال. وقوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ كلام مبتدأ، وقال الزمخشرقي الله شهيد بيني وبينكم هو الجواب لدلالته على أنّ الله تعالى إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له، وجعله شراحه من الأسلوب الحكيم لأنه عدل عن الجواب المتبادر إليه ليدل على أنّ أكبر شيء شهادة شهيد للرسول فإن الله أكبر شيء شهادة والله شهيد له فينتج اكبر شهادة شهيد له فلا عبرة بكتم من كتم، ووجه كونه من الأسلوب الحكيم أن السائل تلقى بغير ما يتبادر فكأنه غير ما يتطلب سواء أكان السائل النبيّ لمجيلى أو من ذكر في سبب النزول، والأوّل هو المراد لأنه لما أجاب عن سؤالهم التلقينيّ كان كأنهم أجابوه به وهذا من غريب أنواعه لأنه منتج للجواب المطلوب، ولم يذكروا مثله ولذا قال النحرير: إنه يشبه الأسلوب الحكيم ولعله مرادهم، وأمّا كونه جوابا للسؤال الواقع في سبب النزول وهو غير مذكور ففيه تأمّل لأنهم قالوا له جميه أرنا شاهداً من أهل الكتاب فعدل إلى ما ذكر فقد انكشفت لثام الأوهام فما قيل حاصله أنّ شاهدي هو الله، وقوله: لأنه الخ تصحيح لكون الكلام جوابآ لأقي شيء أكبر شهادة وفيه أنه ليس معنى قوله من هو من بين شهودي لأنّ المقام يأباه حتى يقال إذا كان الله الشهيد كان أكبر شيء شهادة بل معناه من أكبر شهادة لو شهد ليقولوا الله فيقول هو شاهدي وما ذكره الزمخشريّ أقرب إلى الصواب لأن الغرض من السؤال بأفي شيء أكبر شهادة أنّ شاهدي أكبر شهادة فقوله شهيد الخ تنصيص له والسؤال المذكور لا يحتاج إلى جواب لكونه معلوماً بينا عند الخصم أيضاً لحاصله أنّ الله الذي هو أكبر شهادة شهد بذلك فتأمّله، والمصنف قصد تطبيق الجواب على السؤال لكته غفل عما قلنا ثم إنّ هذا ليس من أسلوب الحكيم كما ظن أمّا بالنظر إلى أيّ شيء أكبر شهادة فلوحدة السائل ولا ينفعه كون الجواب من قبل المشركين وأمّا بالنظر إلى قولهم أرنا من يشهد لك فللموافقة بين السؤال والجواب فتأمّل (وهاهنا نكتة ينبغي التنبيه عليها) وهو أنّ المقابل للخير الشرّ وقد قابله بالضرّ وهو أخص منه وهذا من خفيّ الفصاحة كما قال ابن عطية للعدول عن تانون الصشعة وطرح رداء التكلف وهو أن يقرن بأخص من ضده ونحوه لكونه أوفق بالمعنى وألصق بالمقام كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [سورة طه، الآية: ١١٨] ، فجاء بالجوع مع العرى وبالظمأ مع الضحو وكان الظاهر خلافه ومنه قول امرئ القيس: كأني لم أركب جواد اللذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسأل الزق الرويّ ولم أقل لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال وإيضاحه أنه في الآية قرن الجوع الذي هو خلوّ الباطن بالعرى الذي هو خلوّ الظاهر والظمأ الذي فيه حرارة الباطن بالضحاء الذي فيه حرارة الظاهر كما قرن امرؤ القيس علوّه على الجواد بعلوّه على الكاعب لأنهما لذتان في استعلاء وبذل المال في شراء الراح ببذل الأنفس في الكفاح الرابح بسرور الطرب وسرور الظفر وكذا هنا آثر الضرّ لمناسبة ما قبله من الترهيب فإن انتقام العظيم عظيم، ثم لما ذكر الإحسان أتى بما يعمّ أنواعه، وفي شرح المتنبي للواحديّ تفصيل لهذا لكنها لما كانت فائدة جليلة تعرض لها المعرب هنا أحببنا أن لا يخلو هذا السفر عنها. قوله: (واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة (لأنه المناسب للمقام، وأمّا كون الخطاب للكفار وليس فيهم من يبشر فقد ردّ بأنه ليس بمتعين إذ يجوز عمومه، وأن يكون لأهل مكة مطلقا سواء مسلموهم وكافروهم مع أنه يجوز تبشيرهم إن آمنوا وعملوا الصالحات وهو غير

стр. 1119

وارد لأنّ القائل بناه على كون الخطاب لكفارهم ومثله يكفي نكتة للاقتصار على الإنذار، وفي الدرّ المصون إنه على حد قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨١] ويمكن حمل كلام المصنف ﵀ عليه ومحل من نصب على الضمير المنصوب أو رفع على الفاعل المستتر للفصل بالمفعول. قوله: (وسائر من بلغه من الأسود والآحمر) قال الحريريّ في الدرّة العرب تقول في الكناية عن العرب والعجم الأسود والأحمر لأنّ الغالب على ألوان العرب الأدمة والسمرة والغالب على ألوان العجم البياض والحمرة. قالوا: والمراد بالحمرة هنا البياض ومن قال الأسود والأبيض فقد خالف الاستعمال، ومراد المصنف ﵀ جميع الناس لأن العجم من عدا العرب وأمّا تخصيصط بفارس فعرف الاستعمال. توله: (او من الثقلين) يعني الإنس والجن سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض وحمولتها أو لغير ذلك كما سيأتي في محله وهذا بيان لمعنى النظم هنا لا ترديد في كون رسالته للثقلين لأنه أمر مقرّر. قوله: (وفيه دليل على أنّ أحكام القرآن تعم الموجودين الخ) أي في قوله ومن بلغ إذ المراد به من لم يكن في عصره منهم ومن غيرهم لعموم من غير الموجود فلا يرد أنه إذا احتمل اللفظ معاني كيف يبقى دليلا، وقيل دلالته مخصوصة ببعض الوجوه وهو شمول الخطاب الشرعيّ لغير الموجود بطريق التغليب أو القياس أو غير ذلك مما هو مبسوط في أصول الفقه، وكون من لم تبلغه غير مؤاخذ مبنيّ على مذهبه في القول بالمفهوم قيل ولا دلالة على ذلك بوجه من وجوه الدلالة لأنّ مفهومه انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وذلك ليس عين انتفاء المؤاخذة، وهو ظاهر ولا مستلزما له خصوصا عند القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين إلا أن يلاحظ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٥] الآية فلا يكون الدال عليه هذه الآية وفيه نظر ظاهر. قوله: (تقرير لهم مع إنكار واستبعاد) سبق أنّ التقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار، والإنكار يكون بمعنى التكذيب وأنه لم يفع وبمعنى أنه لا ينبغي وقوعه، والمراد هنا أنه تثبيت وتسجيل له وأنه مما لا يليق وفيه جمع بين معاني الاستفهام وهي معان مجازية لا يجمع بينها وان في ذلك التجوّز خفاء حتى قيل إنه لم يحم أحد حوله وأنه من أيّ أنواعه، وقد حققه السيد قدس سره في محله إلا أن يقال إنه يستعمل في أحد هذه المعاني وغيره مأخوذ من السياق فليتأمّل وجوز في هذه الجملة كونها مستأنفة واندراجها في المقول وأخرى صفة لآلهة قال أبو حيان ﵀: وصفة جمع ما لا يعقل كصفة الواحدة المؤنثة كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه، الآية: ٨ ا] ولله الأسماء الحسنى ولما كانت الآلهة حجارة وخشباً أجريت هذا المجرى تحقيراً لها وقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ أي بالذي تشهدون به أو شهادتكم بيان لمتعلقه المحذوف بقرينة الكلام. قوله: (بل أشهد أن لا إله إلا هو) الإضراب والشهادة مأخوذان من السياق أو أنه أمر بذكر. على وجه الشهادة فلا وجه لما قيل إنه لا معنى لاعتبار الشهادة فيه، وقيل إنه إذا كان في حيز إنما موصوف مؤخر فالمقصود قصره على تلك الصفة كما إذا قلت إنما زيد رجل عالم فماذا قصر على الوحدانية بمعنى التفرد في الألوهية أفاد ثنزهه عن الشريك وأنه لا إله إلا هو كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقيل عليه نفي الألوهية مستفاد من توصيف الإله بالواحد لا من كلمة القصة لأنها لا تفيد إلا قصره على الألوهية دون العكس وما كافة لا موصولة لمخالفته للظاهر والرسم، وما في تشركون موصولة عبارة عن الأصنام، وتحتمل المصدرية. قرله: (يعرفون رسول الله) التفات وكون حليته مذكورة في الكتب الإلهية مصرح به في القرآن في مواضع وأهل الكتاب ينكرونه عناداً ويؤولونه ويحرّفون بعضه، وهم الآن على ذلك من غير شبهة فلا وجه لما قيل إنه لا يخلو أن يكون ما يتعلق بتفاصيل حليته باقياً وقت نزول الآية أو لا بل محرّفا مغيراً، والأوّل باطل لأنّ إخفاء ما شاع في الآفاق محال وكذا الثاني لأنهم لم يكونوا حينئذ عارفين حليته كما يعرفون حلية أبنائهم فالوجه أن تحمل المعرفة على ما هو بالنظر والاستدلال. انتهى وتيل عليه إنّ الإخفاء مصرج به في القرآن كقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ ! سورة الأنعام، الآية: ٩١] واخفاؤها ليس باخفاء النصوص بل بفولهم إنه رجل آخر سيخرج وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا

стр. 1120

أَنفُسُهُمْ﴾ [سورة النمل، الآية: ٤ ا] وليس للإخفاء ذكر في كلام المصنف رحمه الله تعالى وهو كلام حسن. قوله: (لتضييعهم الخ (قد مرّ قريبا تفسيره واعرابه إلا أن الاتباع لا يتأتى هنا لأن المصنف رحمه الله تعالى فسره بأعم مما قبله فإن خص جاز، وتقديم به للحصر وإذا انحصر السبب في شيء لزم من فواته فواته. قوله: (ومن أظلم الخ) إنكار لاظلميتهم، وهو وان لم يدل على إنكار المساواة وضعا يدل عليه استعمالأ فإذا قلت لا أفضل في البلد من زيد معناه أنه أفضل من الكل بحسب العرف إذ يستفاد منه نفي المساواة، كذا في شرح المقاصد في بحث أفضلية الصحابة قال والسرّ فيه أنّ الغالب فيما بين شخصين الأفضلية والمفضولية لا التساوي فلذا دل على نفي الأفضلية لا المساواة انتهى. (قلت) بل هي وضعية لأنّ غير الأفضل إمّا مساو أو أنقص فاستعمل في أحد فرديه قال ابن الصائغ: في مسألة الكحل ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل وان كان نصا في نفي الزيادة وهي تصدق بالزيادة والنقصحان فالمراد الأخير، وهو من قصر الشيء على بعض أفراده كالدابة انتهى. وقيل الاستفهام هنا للاستعظام الادّعائي وهو لا ينافي الإنكار وبقوله الادعائيّ سقط أن قاتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أظلم فتأمّل. قوله: (وإنما ذكر أو وهم الخ) عدل عن قول الكشاف جمعوا بين أمرين متناقضين تكذبوا على الله بما لا حاجة عليه وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح لما في التناقض من الخفاء كما بينه شرحه، فالنكتة في العطف بأو عنده التنافي بينهما وعند المصنف كون أحدهما كافياً في المطلوب والظاهر أنّ هدّا لا ينافي كون أو بمعنى الواو لأنه نكتة للعدول عن الظاهر فتأمّل. قوله: (فضلاَ ممن لا أحد أظلم منه) يعني أن ذكر عدم فلاح الظالمين يدل على أنّ الأظلم المذكور قبله لا يفلح بالطريق الأولى مع أنه أكمل إفراده فيدخل فيه دخولاً أوليا، وفضلا معناه والبحث فيه معروف، ومن أراد تفصيله فلينظر شرح المفتاح وكلام الثريف في شرح ديباجة الكشاف. قوله: (منصوب بمضمر الخ) في إعرابه وجوه منها أنه منصوب بمضمر يقدر مؤخراً وتقديره كأن كيت وكيت فترك ليبقى على الإيهام الذي هو أدخل في التخويف والتهويل وجوّز نصب باذكر مقدّراً وغيره مما فصل في الدرّ المصون. قوله: (أين شركاؤهم الخ) الإضافة فيه لأدنى ملابسة كما أشار إليه بقوله: شركاء لله لأنه لا شركة بينهم وإنما سموهم شركاء فلهذه الملابسة أضيفوا إليهم، ولما كان قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سورة الصاقات، الآية: ٢٢] وغيره يقتضي حضووهم معهم في المحشر، وأبن يسئل بها عن غير الحاضر أجاب عنه بأنهم غيبوا عنهم حال السؤال اً وأنهم بمنزلة الغيب لعدم الفائدة أو هو بتقدير مضاف أي أين نفعهم وجدوأهم، وفي الكشاف إنما يقال لهم ذلك على جهة التوبيخ ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التؤبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فيروا مكان خزيهم وحسرتهم وهي ثلاثة وجوه، الأوّل أن يقال لهم ذلك على سبيل التوبيخ كقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٩٤، والثاني أنه قيل لهم وهم يشاهدونهم تعييرا كما تقول لمن جعل أحدا ظهيره يعينه في الشدائد إذا لم يعنه وقد وقع في ورطة بحضرته أين زيد فجعلته لعدم نفعه وإن كان حاضراً كالغائب، أو يقال حين يحال بينهم بعد ما شاهدوهم ليشاهدوا خيبتهم كما قيل: كما أبرقت قوماً عطاشاً غمامة فلمارأوها أقشعت وتجلت وهو في الثاني مجاز وفي غيره حقيقة وقيل إنّ قوله ويجوز وأن يحال وجهان في تقرير التوبيخ لا وجهان مقابلان للتوبيخ لتصير الأوجه ثلاثة أي إنما قيل للمشركين أين شركاؤكم للتوبيخ والتقريع ثم إمّا أن يكون هذا التوبيخ مع حضور الشركاء ومشاهدة المشركين إياهم، وأمّا أن يكون في غيبتهم وايراد هذين الاحتمالين لئلا يسبق الوهم إلى أنّ ذلك القول لا يصح إلا في غيبة الشركاء وإنما يكون كدّلك لو كان المقصود منه السؤال هذا محصل كلام الشراح، والكل متفقون على أنّ السؤال لم يقصد به ظاهره لكن اختلفوا في الوجوه هل هي ثلاثة للتغاير إلاعتباري بينها أو وجهان لبيان التوبيخ والخلاف

стр. 1121

في ذلك سهل، فأمّ ما قيل عليه من أنّ هذا السؤال المنبي عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها لقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سررة الصافات، الآية: ٢٢] الآية وغيرها إنما يقع بعدما جرى بينها وبينهم من التبرىء من الجانبين وقطع ما بينهم من الأسباب حسبما يحكيه قوله تعالى ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الخ ونحوه أمّا بعد حضورها حينئذ في الحقيقة وابعادها من ذلك الموقف وامّا بتنزيل عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها في الحقيقة إذ ليس السؤال عنها من حيث ذواتها بل من حيث هي شركاء كما يعرب عنه الوقف بالموصول، ولا ريب في أنّ عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو موصوف فهي من حيث هي شركاء غائبة لا محالة وان كانت حاضرة من حيث ذواتها أصناما كانت أو لا وامّا ما يقال من أنه يحال بينها وبينهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها فيروا خزيهم وحسرتهم فربما يشعر بعدم شعورهم بحقيقة الحال وعدم انقطاع حبال رجائهم عنها بعد، وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ، وإنما الذي يحصل في الحشر الانكشاف الجلي واليقين القوي المترتب على المحاضرة والمحاورة انتهى. فتخيل لا أصل له لأنّ التوبيخ مراد في الوجوه كلها ولا يتصوّر حينئذ التوبيخ إلا بعد تحقق خلافه مع أنّ كون هذا وقع بعد التبري في موقف آخر ليس في النظم ما يدل عليه، ومثله لا يجزم به من غير نقل لاحتمال أن يكون هدّا في موقف التبري والإشعار المذكور لا يتأتى مع أنه توبيخ وامّا العلاوة التي ذيل بها كلامه فواردة عليه أيضا مع أنها غير مسلمة لاًنّ عذاب البرزخ لا يقتضي أن لا يشفع لهم بعد ذلك فكم من معذب في قبره يشفع له. قوله: (ليفقدوها) قيل يرد عليه أنه حيمئذ ينكشف الحال عندهم ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم بل مضرة نلا احتمال للتفقد، وهذا غريب فإنّ نسخ الكشاف والقاضي متفقة على أنّ العبارة ليفقدوها من الفقدان، وهو متعلق بيحال بينهم وبين آلهتهم، فيظهر لهم لفقدانهم إياها في تلك الساعة خيبة ظنهم وخسرانهم في تجارتهم لا من التفقد ليرد عليه ذلك ولو سلم فيجوز أن يتفقدوها لغاية خيرتهم وفرط دهشتهم فإنّ الغريق يتشبث بكل حشيش لا يجديه نفعا أو المعنى ليتفقدوها بحمل السؤال على التفقد لإظهار خيبتهم وخسرانهم لا لأنهم يتفقدنها ليطلبوأ منها الشفاعة. قوله: (ويحتمل أن يشاهدوهم ولكن لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم) قيل هذا السؤال ظاهر في غيبة الشركاء، وقوله وما نرى معكم شفعاءكم الذين إلى قوله وضل عنكم ما كنتم تزعمون نص فيها فلا وجه لهذا الكلام، ويجوز أن يقال ذلك في موطن آخر، أو المعنى وما نرى معكم شفاعة شفعائكم ٠ قوله: (فكأنهم غيب عنهم) بضم الغين المعجمة ليتشديد الياء اً وبفتحها مع التخفيف جمع غائب كخادم وخدم وقوله تزعمونهم شركاء إشارة إلى أن المفعولين محدّوفان وتقديرهما كما ذكره والزعم يستعمل في الباطل والكذب. قال ابن عباس ﵄: كل زعم في القرآن فهو بمعنى الكذب وخص القرآن لأنه يطلق على مجرّد الذكر والقول ولكن يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله، فحذف المفعولان لانفهامهما من المقام. قوله: (أي كفرهم والمراد عاقبته الخ) أصل معنى الفتنة على ما حققه الراغب من الفتن وهو إدخال الذهب النار لتعلم جودته من رداءته ثم استعمل في معان كالعذاب والاختبار والبلية والمصيبة والكفر والإثم والضلال وليس شيئاً من ذلك عين قولهم المذكور واختار المصنف ﵀ أنّ المراد به الكفر لأنّ الفتنة ما تفتتن به ويعجبك وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به ويظنونه شيئا فلم تكن عاقبته إلا الخسران والتبري منه وليس هذا على تقدير مضاف بل جعل عاقبة الشيء عينه ادّعاء قال الزجاج: وتأويل الآية حسن لطيف لا يعرفه إلا من عرف معاني كلام العرب وتصرّفاتها، ومثلها أن ترى إنساناً يحب غاويا فإذا وقع في مهلكة تبرأ منه فيقال له ما كان محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وليس هذا من قبيل عتابك السيف ولا من تقدير المضاف وان صح فاحفظه فإنه من البدائع الروائع. قوله: (وقيل معذرتهم الخ) يعني الفتنة استعملت بمعنى العذر لأنها التخليص

стр. 1122

من الغش والعذر يخلص من الذنب فاستعيرت له أو المراد الجواب بما هو كذب لأنه سبب الفتنة فتجوّز بها إطلاقا للمسبب على البب أو هو استعارة لأنّ الجواب مختص! بهم أيضا فقوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا﴾ الخ على ظاهره وثم للتراخي في الرتبة لأنّ جوابهم هذا من أعظم التوبيخ السابق، وهذا هو الداعي إلى وضع الفتنة موضسع الجواب وعلى ما قبله قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كناية عن التبري وانتفاء التدين به وثم على ظاهره، والتفسيران الأخيران منقولان عن قتادة ومحمد بن كعب وتوجيههما بما مر وهو الذي ارتضاه الطيبي وهما متقاربان وقوله: ﴿أو لآنهم قصدوا﴾ الخ فيكون كالذي قبله معنى وتجوّزا، والتغاير اعتباري والحصر على الأوّل إضافي بالنسبة إلى جنس الأقوال أو ادّعائيئ وعلى الوجهين الأخيرين حقيقي. قوله: (وفت! هم بالرفع الخ) قرأ حمزة والكسائي يكن بالياء من تحت ونصب فتنتهم وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم تكن بالتاء من فوق ورفع فتنتهم والباقون بالتاء من فوق أيضاً ونصب فتنتهم، وما ذكره المصنف ﵀ هو طريق الثاطبي عن الداني، ومن لم يفهم كلامه قال إنه مخالف لحرز الأماني وفي طريق ابن الجزري في الطيبة قرئ يكن بالمثناة التحتية عن الكسائي وحمزة وشعبة بخلف عنه ويعقوب الحضرمي ونصب فتنتهم، والباقون بالفوقية وابن كثير وابن عامر وحفص بالرفع والباقون بالنصب ورفع فتنتهم ابن عامر وحفص وابن كثير، والباقون بالنصب ومن رفع أنث يكن هذا جميع ما قرئ به من الطريقين والخلاف بينهما في شعبة فلا يتوهم مخالفته وقراءة الأخوين أفصح وذلك أنّ فتنتهم خبر مقدم وأن قالوا اسم لأنه إذا اجتمع اسمان أحدهما أعرف جعل الأعرف اسما وغيره خبرا وان قالوا يشبه المضمر والمضمر أعرف المعارف، وفيه بحث ولم يؤنث الفعل لإسناده إلى مذكر، وأمّا قراءة ابن كثير ومن معه ففتنتهم اسمها ولذلك أنث الفعل لإسناده إلى مؤنث وأن قالوا خبرها وفيه إنك جعلت غير الأعرف اسماً والأعرف خبراً فليست في قوة الأولى وأما قراءة الباقين ففتنتهم خبر مقدم والا أن قالوا اسم مؤخر وسيأتي ما في إلحاق علامة التأنيث. قوله: (والنصب على أنّ الاسم أن قالوا والتأنيث للخبر كقولهم من كانت أفك) الذي حققه علماء العربية أن إلحاق علامة التأنيث الفعل إذا أسند إلى مذكر قد أخبر عنه بمؤنث ليس مذهبا للبصريين وهو ضرورة عندهم، والكوفيون يجيزون في سعة الكلام تأنيث اسم كان إذا كان مصدراً مذكرأ وكان الخبر مقدما كقوله: وقد خاب من كانت سريرته الغدر فلو قلت كانت شمسا وجهك أو كانت الغدر سريرتك لم يجز واستشهدوا عليه بهذه القراءة، وقال ابن مالك وهذا أولى من أن يقال أنث على معنى المقالة لأنه من قبيل جاءته كتابي وهو قليل خصوصاً وتأنيث المصدر إذا كان ملفوظا قد لا يراعى، وأمّ جعل المصنف له تبعا للزمخشري من قبيل من كانت أمّك فقد رد بأنه ليس مما نحن فيه لأنّ من لفظها مذكر ومعناها مؤنث، ويجوز فيها مراعاة اللفظ والمعنى فليس تأنيثه لأجل الخبر لكنه في الدرّ المصون نقله بعينه عن أبي عليّ، وقال إنّ للتأنيث علتين مراعاة الخبر ومراعاة المعنى والنكات لا تتزاحم، فلا مانع من اعتبار هذه مرّة وهذه أخرى مع أنه قيل إنه مناقثة في المثال وليست من دأب المحصلين. قوله: (يكذبون ويحلفون الخ) فهو كما قيل: ويكون أكذب ما يكون إذا حلف واختلف في جواز الكذب على أهل القيامة فمنعه أبو عليّ الجبائي والقاضي، وذهب الجمهور إلى جوازه مستدلين بهذه الآية ونحوها فإنهم في القيامة حلفوا على أنهم ما كانوأ مشركين وهو كذب، واحتج المنكرون بأنّ حقائق الأشياء تنكشف حينئذ فإذا اطلع أهلها على الحقائق وعلى أنها لا تخفى عليه تعالى وأنه لا منفعة لهم في ذلك استحال صدوره عنهم، وأجابوا عن الآية بأنّ المعنى ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا وذلك لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم موحدون متباعدون عن الشرك، ثم اعترضوا على أنفسهم بأنهم على هذا التقدير يكونون صادقين فيما أخبروا فلم قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٤] يعني في قولهم ما كنا مشركين وأجابوا بأنه ليس المراد به أنهم كذبوا في الآخرة بل المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا، وأورد حجتهم وأجاب بأنهم لما عاينوا هول القيامة دهشوا

стр. 1123

وحاروا فقالوا ذلك القول الكذب وان لم ينفعهم كما حكى الله عنهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٠٧ ا] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٨] وكذلك قالوا يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص، وأجاب عما أجابوا به عن الدليل بأنّ قولهم المراد ما كنا مشركين عند أنفسنا تمحل وتعسف لمخالفته الظاهر، وحمل قوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم على الكذب في الدنيا تحريف لكلام الله لأنّ ما قبله وما بعده ليس في أحوالها فتخلل أمر الدنيا تفكيك للنظم، ثم استدل بآية أخرى لا يتطرّق إليها التأوبل إلا بتكلف بعيد وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أسررة المجادلة، الآية: ٨ أ] الآية وفي الانتصاف في هذه الآية دليل بين على أنّ الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به كذب وان لم يعلم المخبر بمخالفة خبره لمخبره، ألا تراه جعل أخبارهم وتبريهم كذبا مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون أي سلبوا علمه حينئذ دهشاً وحيرة فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم. انتهى وفيه بحث، وقوله: (أيقنوا بالخلود) نظر فيه بأنه من أين يعلم أنهم موقنون بالخلود فليتأمّل. قوله: (تعسف يخل بالنظم) قال النحرير: التعسف الأخذ في غير الطريق لأنّ الآية لا تدل على هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه لأنها في شأن حشرهم وأمرهم في الآخرة لا في الدنيا بل تنبو عنه أشد نبوّ لأن أوّل الكلام ويوم نحشرهم وآخره وضل عنهم ما كانوا يفترون وذلك في أمر القيامة لا غير، وقوله يخل بالنظم لما فيه من صرف أوّل الآية إلى أحوال القيامة وآخرها إلى أحوال الدنيا ولك أن تدفع ذلك بأنّ المعنى انظر كيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا بما ضل عنهم في الآخرة ولم ينفعهم فيها فلا يكون أجنبياً فتامّل، وقال بعض أهل العصر أنّ قول المصنف رحمه إدلّه أنه لا يوافق قوله انظر الخ ممنوع فإنهم لجهلهم وسوء نظرهم اعتقدوا ذلك مع بطلانه فيقولون ما نعبدهم إلا ليقرّبونا. قوله: (من الشركاء) على أن تكون ما موصولة، وجوّز أن تكون مصدرية أي ضل افتراؤهم كقوله ضل سعيهم، وقرئ ربنا بالرفع خبر مبتدأ محذوف وهو توطئة لنفي إشراكهم وفائدته دفع توهم أن يكون نفي الإشراك بنفي الألوهية عنه تقدس وتعالى ولا برد عليه أنّ المناسب له تأخيره. قوله: (ومنهم من يستمع الخ (أفرد ضمير من وجمعه نظرا إلى لفظه ومعناه، والاستماع بمعنى الإصغاء لازم يعدي باللام والى كما صرّح به أهل اللغة وقيل إنه مضمن معنى الإصغاء ومفعوله مقدر وهو القرآن وقوله: والذي: قسم والمراد الله وضميرها عائد إلى الكعبة الحاضرة في الذهن، وقوله: مثل ما حدثتكم كان يحدّثهم باً خبار العجم كرستم واسقيديار وأكنة جمع كنان كغطاء وأغطية لفظاً ومعنى لأنّ فعالاً بفتح الفاء وكسرها يجمع في القلة على أفعلة كأحمرة وأقذلة، وفي الكثرة على فعل كحمر إلا أن يكون مضاعفاً أو معتل اللام فيلزم جمعه على أفعلة كأكنة وأخبية إلا نادراً، وفعل الكن ثلاثيئ ومزيد يقال كنه وأكنه وفرق بينهما الراغب فقال: أكننت يستعمل لما يستر في النفس، والثلاثيّ لغيره وبيته هو الكعبة المشرفة. قوله: (كراهة أن يفقهوه الخ (أي على تقدير مضاف ومنهم من قدر لا فبه وفي أمثاله وسيأتي في سورة الإسراء تجويز المصنف ﵀ أن يكون مفعولاً به لما دل عليه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي منعناهم أن يفقهوه أو لما دل عليه أكنة وحده من ذلك. قوله: (وقرا يمنع من استماعه) يمنع إلى آخره تفسير للوقر بالفتح قال الزجاج الوقر بالفتح ثقل في السمع، وبالكسر حمل البغل ونحوه وبه قرأ طلحة وهو استعارة كأنّ آذانهم وقرت وحملت من الصمم، وقد مرّ تحقيق التجوّز فيه في سورة البقرة في: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧] وأنه يحتمل الاستعارة التصمريحية، والمكنية والمشاكلة كما بسطناه ثمة ومعنى يمنع من استماعه أنه يمنع من استماعه على ما هو حقه فلا يخالف قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٥] ولذا قيل الأنسب لما تقدّمه أن يقول كراهة أن يسمعوه وقال المصنف ﵀ في الإسراء لما كان القرآن معجزاً من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وادراك اللفظ انتهى وأورد عليه أنهم ما عجزوا عن إدراك اللفظ المسموع على ما دل عليه ما مرّ في سبب النزول إنما عجزوا عن إدراك اللفظ المطبوع الشامل للخواص والمزايا وأجيب بأنّ

стр. 1124

مراده باللفظ هو اللفظ المعهود الموصوف بالإعجاز على ما ينادي عليه سياق كلامه لا نفس اللفظ مجرّدا فلا غبار عليه. قوله: (وأن يروا كل آية الخ) قيل لا بد من تخصيص الآية بغير الملجئ دفعاً للمخالفة بينه وبين قوله تعالى ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فتأمّل. قوله: (أي بلغ تكذيبهم الآيات الخ) هذا بيان لمحصل المعنى لأنّ مآل عدم الفهم والاستماع التكذيب ولأنّ المجادلة هي القول المذكور فلا يقال إنه يقتضي أن يجادلونك هو الجواب، وأنّ الأنسب جعله غاية لجعله تعالى على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا أي بلغ بهم ذلك المنع من فهم القرآن إلى أن قالوا إن هذا إلا أساطير الأوّلين، وحتى إذا وقع بعدها إذا يحتمل أن يكون بمعنى الفاء وأن يكون بمعنى إلى والتقدير فإذا جاؤو ٣ الخ، أو إلى أن جاؤوك، والمصنف ﵀ اختار الثاني والغاية معتبرة في الوجهين وقوله غاية التكذيب أي أنّ تكذيبهم بلغ النهاية بهذا لأنه الفرد الكامل منه فهو نحو مات الناس حتى الأنبياء فاندفع ما توهم من أنّ التكذيب لا ينتهي بمجادلتهم واتضحت الغاية ومن لم يقف على مراده قال كون حتى جارّة مشكل جدّاً لأنه يقتضي انتهاء تكذيبهم في هذا الوقت والمشهور في النسخ إلى أنهم جاؤو ٤ يجادلونك، ووقع في نسخة إن جاؤوك يجادلونك وقال المحشي عليها أنه بدل إذا بان للتنصيص على معنى الشرطية وحتى على الوجه الأوّل هي الابتدائية تقع بعدها جمل استئنافية لا محل لها من الإعراب سواء كانت اسمية أو فعلية وإذا منصوبة المحل على الظرفية بالشرط، أو الجواب على الخلاف في ذلك وشرطها جملة جاؤوك وجوابها يقول الخ ويجادلونك حال والمجادلة مطلق المنازعة والمخاصمة والقول المذكور فرد مخصوص منها فالكلام مفيد أبلغ إفادة كقولك إذا أهانك زيد شتمك فمن قال المجادلة لما كانت نفس قولهم إن هذا الخ كما يدل عليه جعله تفسيرا له كأن جعل يجادلونك حالاً ويقولون جوابا مفضيا إلى جعل الكلام لغواً إلا أن تؤوّل المجادلة بقصدها فقدوهم وأتى بما لا وجه له وتكلف ما لا حاجة إليه. قوله: (إلى أنهم جاؤوك كجادلونك الخ) قيل عليه إنّ النحاة قالوا الغاية فيما إذا كانت الجملة الشرطية من إذا وجوابها هي ما تسبب من الجواب مرتبا على فعل الشرط فكان الوجه أن يقول إلى أن يقولوا إن هذا إلا أساطير الأوّلين في وقت مجيئهم مجادلين فتأمّل، وهذا يقتضي أن يجادلونك هو الجواب فلا يناسب ما بعده. قوله: (خرافات) أصل الخرافة ما اخترف أي اقتطف من ثمار الشجر ثم جعل اسما لما يتلهى به من الحديث وما وقع في الحديث من قوله ﷺ : " خرافة حق فهو اسم رجل من عذرة استهوته الجق وكان يحدّث بما رأى فيهم فكذبوه وقالوا حديث خرافة فقال ﷺ ذلك يعني أن ما حدّث به حق ") ١ (وفي المستقصي أنّ رجلا من خزاعة استهوته الجن فرجع إلى قومه وكان يحدّثهم بالأباطيل فكانت العرب إذا سمعت ما لا أصل له قالت حديث خرافة ثم كثر حتى قيل للأباطيل خرافات ونقل في الكشف عن العلامة في حواشيه عن العرب الخرّافات بالتشديد ويجمع أيضاً على خراريف وذكر مثله في ربيع الأبرار ولم أر ذكر التشديد مصححا في غيره والمعروف فيه التخفيف وأنه لا تدخله الألف واللام، ووقع في الحديث كما رواه البزار عن عائشة ﵂ أنّ النبيّ ﷺ " حدّث ذات ليلة نساءه حديثاً فقالت امرأة منهن هذا حديث خرافة فقال ﷺ : أتدوون ما خرافة أن خرافة كان رجلأ من عذرة استهوته الجق فمكث فيهم دهرا ثم ردّوه إلى الإن! فكان يحدّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس حديث خرافة " (٢) وهو حديث مسند في بعض كتب الحديث. قوله: (ويجورّ أن تكون الجازة الخ) هذا قول الأخفش وتبعه ابن مالك ﵀ في التسهيل وقال أبو حيان أنه خطأ وعليه فإذا خارجة عن الظرفية كما صرّحوا به وعن الشرطية أيضاً فلا جواب لها، والذي في النسخ الصحيحة أن يجادلونك على هذا حال ويقول تفسير له ووقع في نسخة بدل قوله حال جواب وردّ بأنه ليس فيها حينئذ معنى الشرطية قطعا فكيف يكون لها جواب، ولذا جعله الزمخشري حالاً على هذا الوجه ثم إنه قال: إنه مطالب بالفرق بين الوجهين حيث خص الأوّل بكون

стр. 1125

الجواب يقولون والثاني بكونه يجادلونك وعلى ما صححناه لا يرد شيء من هذا ولا مخلص عنه إلا بأن يخرّح على قول الزجاج فيكون معنى كلامه ويجوز في حتى الابتدائية أن تكون الجارّة قال في المغني ولا محل للجملة الواقعة بعد حتى الابتدائية خلافا للزجاج وابن درستوبه زعما أنها في محل جرّ بحتى، ويرّده أنّ حروف الجرّ لا تعلق عن العمل وإنما تدخل على المفرد أو ما في تاويله، وأمّا ما قيل في توجيهه على النسخة المرجوحة من أنّ الواو في قوله ويجادلونك بمعنى أو عطفاً على قوله وهو يقول ومجيء الواو بمعنى أو كثير أو أنه على حذف مضاف أي حتى يوم إذا جاؤوك! ادلونك فلا يخفى بعده. قوله: (والأساطير الأباطيل) هذا معناه والمراد الأحاديث المسطورة، وأما لفظه فقيل لا مفرد له وقيل له مفرد، وجوّز فيه أن يكون أسطوراً وأسطيراً وأسطارا بكسر الهمزة مع الهاء وعدمها، وقيل إنه جمع جمع وقيل جمع جمع جمع وسطر مفرده بسكون الطاء وفتحها معروف في الكتابة وغيرها، وأسطورة بضم الهمزة كأحدوثه وأحاديث وأسطارة بكسرها وأسطارة بفتح الهمزة جمع سطر بفتحتين كسبب وأسباب. قوله: (ينهون عنه الخ) ضمير الجمع للمشركين والضمير المجرور أمّا للرسول ع! ي! ففيه التفات أو للقرآن لسبق ذكرهما ومعنى النهي عنه النهي عن اتباعه والإيمان به، أو ضمير الجمع لأبي طالب وأتباعه أو إضرابه ممن نهى عن أذيته منهم كما هو معروف في الأحاديث ولذا لم يقل المصنف ﵀ أبو طالب كما في الكشاف، أو له فقط وجمع استعظاما لفعله حتى كأته مما لا يستقل به واحد، وقيل إنه نزل منزلة أفعال متعدّدة فيكون كقوله قفا عند المازني ولا يخفى بعده، ورذ هذا الإمام بأنّ جميع الآيات المتقدمة في ذمّ فعلهم فلا يناسبه ذكر النهي عن أذيته وهو غير مذموم وفيه نظر، وقول المصنف كأبي طالب يشير إلى عدم اختصاصه به على القول بأنّ هذا سبب النزول فلا يشكل جمعه ويشهد له قصة جياد وليس المراد بالاستعظام في كلامهم التعظيم بل عده عظيماً كما في قوله إن الشرك لظلم عظيم، فما قيل إنّ جمع ضمير المفرد للتعظيم في غير نون المعظم نفسه لم يوجد في كلام من يوثق به وأيضاً من فعل النأي لا يليق تعظيمه للتوعد عليه، وما يعقبه من قوله: ﴿وإن يهلكوا إلا نفسهم﴾ لا يناسبه مع ما فيه غير وارد، ولذا قيل التعظيم يكون بمعنى التشريف للفاعل وهذا في الأكثر للفاعل المتكلم، وقد يكون في غيره كما ذكره المرزوقي ويكون للفعل نفسه فيعذ كثيراً وكثيراً، وهذا الفرق بين تعظيم الفاعل وتعظيم غيره أشار إليه النحرير هنا وهو فائدة جليلة، وفي ينهون وينأون تجنيس بديع، والنأي البعد وهو لازم يتعدى بعن وئقل عن الواحدي أنه سمع تعديه بنفسه عن المبرد وأنشد: أعاذل أن يصبح صديّ بقفرة بعيداً نآني زائري وقريني قوله: (وقفوا) وقف يكون لازما ومتعديا بمعنى الوقوف المعروف وبمعنى المعرفة فيهما أيضاً، فقوله يوقفون على النار حتى يعاينوها أو يطلعون عليها من الاطلاع إشارة إلى أن الإيقاف لينظروا ما يهولهم أو يرفعوا على جسرها وهو الصراط فينظرونها وهو المعنى الأوّل، وقوله أو يدخلونها إشارة إلى المعنى الثاني فقد احتوى كلامه على الوجوه الأربعة المذكورة في الكشاف، وجعل لو شرطية على أصلها وقيل إنها بمعنى أن وترى بصرية أو علمية وحذف الجواب لتذهب نفس السامع كل مذهب فيكون أدخل في التهويل أي لرأيت أمراً مهولاً، والخطاب للنبيّ ﷺ أو لكل واقف عليه وذكر الوقوف ليبين لزومه لأنه مصدر للازم إلا نادراً، ومصدر المتعدي الوقف وسمع فيه أوقف في لغة قليلة وقيل إنه بطريق القياس. قوله: (تمنياً للرجوع إلى الدنيا) إشارة إلى أن متعلق نردّ مقدر تقديره إلى الدنيا. قوله: (اس! شاف كلام منهم على وجه الخ) المراد بالإثبات الأخبار عنه، واثباته في الواقع وهو في مقابلة التمني الذي هو إنشاء، والمراد بالاستئناف والابتداء معناه المتبادر المعروف وهو قطع الكلام عما قبله بأن لا يعطف عليه فالواو كالزائدة أو قطعه عما في حيز التمني وعطفه على مجموع الكلام فإنهم قد يستعملونه بهذا المعنى كما ذكره صاحب المغني في حرف الفاء حتى أنهم سموا واو الحال واو
следующие страницы →