Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
في ذلك سهل، فأمّ ما قيل عليه من أنّ هذا السؤال المنبي عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها لقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سررة الصافات، الآية: ٢٢] الآية وغيرها إنما يقع بعدما جرى بينها وبينهم من التبرىء من الجانبين وقطع ما بينهم من الأسباب حسبما يحكيه قوله تعالى ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الخ ونحوه أمّا بعد حضورها حينئذ في الحقيقة وابعادها من ذلك الموقف وامّا بتنزيل عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها في الحقيقة إذ ليس السؤال عنها من حيث ذواتها بل من حيث هي شركاء كما يعرب عنه الوقف بالموصول، ولا ريب في أنّ عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو موصوف فهي من حيث هي شركاء غائبة لا محالة وان كانت حاضرة من حيث ذواتها أصناما كانت أو لا وامّا ما يقال من أنه يحال بينها وبينهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها فيروا خزيهم وحسرتهم فربما يشعر بعدم شعورهم بحقيقة الحال وعدم انقطاع حبال رجائهم عنها بعد، وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ، وإنما الذي يحصل في الحشر الانكشاف الجلي واليقين القوي المترتب على المحاضرة والمحاورة انتهى. فتخيل لا أصل له لأنّ التوبيخ مراد في الوجوه كلها ولا يتصوّر حينئذ التوبيخ إلا بعد تحقق خلافه مع أنّ كون هذا وقع بعد التبري في موقف آخر ليس في النظم ما يدل
عليه، ومثله لا يجزم به من غير نقل لاحتمال أن يكون هدّا في موقف التبري والإشعار المذكور لا يتأتى مع أنه توبيخ وامّا العلاوة التي ذيل بها كلامه فواردة عليه أيضا مع أنها غير مسلمة لاًنّ عذاب البرزخ لا يقتضي أن لا يشفع لهم بعد ذلك فكم من معذب في قبره يشفع له.
قوله: (ليفقدوها) قيل يرد عليه أنه حيمئذ ينكشف الحال عندهم ويعلمون أنه لا منفعة لهم
في آلهتهم بل مضرة نلا احتمال للتفقد، وهذا غريب فإنّ نسخ الكشاف والقاضي متفقة على أنّ العبارة ليفقدوها من الفقدان، وهو متعلق بيحال بينهم وبين آلهتهم، فيظهر لهم لفقدانهم إياها في تلك الساعة خيبة ظنهم وخسرانهم في تجارتهم لا من التفقد ليرد عليه ذلك ولو سلم فيجوز أن يتفقدوها لغاية خيرتهم وفرط دهشتهم فإنّ الغريق يتشبث بكل حشيش لا يجديه نفعا أو المعنى ليتفقدوها بحمل السؤال على التفقد لإظهار خيبتهم وخسرانهم لا لأنهم يتفقدنها ليطلبوأ منها الشفاعة. قوله: (ويحتمل أن يشاهدوهم ولكن لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم) قيل هذا السؤال ظاهر في غيبة الشركاء، وقوله وما نرى معكم شفعاءكم الذين إلى قوله وضل عنكم ما كنتم تزعمون نص فيها فلا وجه لهذا الكلام، ويجوز أن يقال ذلك في موطن آخر، أو المعنى وما نرى معكم شفاعة شفعائكم ٠ قوله: (فكأنهم غيب عنهم) بضم الغين المعجمة ليتشديد الياء اً وبفتحها مع التخفيف جمع غائب كخادم وخدم وقوله تزعمونهم شركاء إشارة إلى أن المفعولين محدّوفان وتقديرهما كما ذكره والزعم يستعمل في الباطل والكذب. قال ابن عباس ﵄: كل زعم في القرآن فهو بمعنى الكذب وخص القرآن لأنه يطلق على مجرّد الذكر والقول ولكن يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله، فحذف المفعولان لانفهامهما من المقام. قوله: (أي كفرهم والمراد عاقبته الخ) أصل معنى الفتنة على ما حققه الراغب من الفتن وهو إدخال الذهب النار لتعلم جودته من رداءته ثم استعمل في معان كالعذاب والاختبار والبلية والمصيبة والكفر والإثم والضلال وليس شيئاً من ذلك عين قولهم المذكور واختار المصنف ﵀ أنّ المراد به الكفر لأنّ الفتنة ما تفتتن به ويعجبك وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به ويظنونه شيئا فلم تكن عاقبته إلا الخسران والتبري منه وليس هذا على تقدير مضاف بل جعل عاقبة الشيء عينه ادّعاء قال الزجاج: وتأويل الآية حسن لطيف لا يعرفه إلا من عرف معاني كلام العرب وتصرّفاتها، ومثلها أن ترى إنساناً يحب غاويا فإذا وقع في مهلكة تبرأ منه فيقال له ما كان محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وليس هذا من قبيل عتابك السيف ولا من تقدير المضاف وان صح فاحفظه فإنه من البدائع الروائع. قوله: (وقيل معذرتهم الخ) يعني الفتنة استعملت بمعنى العذر لأنها التخليص
стр. 1122
من الغش والعذر يخلص من الذنب فاستعيرت له أو المراد الجواب بما هو
كذب لأنه سبب الفتنة فتجوّز بها إطلاقا للمسبب على البب أو هو استعارة لأنّ الجواب مختص! بهم أيضا فقوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا﴾ الخ على ظاهره وثم للتراخي في الرتبة لأنّ جوابهم هذا من أعظم التوبيخ السابق، وهذا هو الداعي إلى وضع الفتنة موضسع الجواب وعلى ما قبله قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كناية عن التبري وانتفاء التدين به وثم على ظاهره، والتفسيران الأخيران منقولان عن قتادة ومحمد بن كعب وتوجيههما بما مر وهو الذي ارتضاه الطيبي وهما متقاربان وقوله: ﴿أو لآنهم قصدوا﴾ الخ فيكون كالذي قبله معنى وتجوّزا، والتغاير اعتباري والحصر على الأوّل إضافي بالنسبة إلى جنس الأقوال أو ادّعائيئ وعلى الوجهين الأخيرين حقيقي. قوله: (وفت! هم بالرفع الخ) قرأ حمزة والكسائي يكن بالياء من تحت ونصب فتنتهم وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم تكن بالتاء من فوق ورفع فتنتهم والباقون بالتاء من فوق أيضاً ونصب فتنتهم، وما ذكره المصنف ﵀ هو طريق الثاطبي عن الداني، ومن لم يفهم كلامه قال إنه مخالف لحرز الأماني وفي طريق ابن الجزري في الطيبة قرئ يكن بالمثناة التحتية عن الكسائي وحمزة وشعبة بخلف عنه ويعقوب الحضرمي ونصب فتنتهم، والباقون بالفوقية وابن كثير وابن عامر وحفص بالرفع والباقون بالنصب ورفع فتنتهم ابن عامر وحفص وابن كثير، والباقون بالنصب ومن رفع أنث يكن هذا جميع ما قرئ به من الطريقين والخلاف بينهما في شعبة فلا يتوهم مخالفته وقراءة الأخوين أفصح وذلك أنّ فتنتهم خبر مقدم وأن قالوا اسم لأنه إذا اجتمع اسمان أحدهما أعرف جعل الأعرف اسما وغيره خبرا وان قالوا يشبه المضمر والمضمر أعرف المعارف، وفيه بحث ولم يؤنث الفعل لإسناده إلى مذكر، وأمّا قراءة ابن كثير ومن معه ففتنتهم اسمها ولذلك أنث الفعل لإسناده إلى مؤنث وأن قالوا خبرها وفيه إنك جعلت غير الأعرف اسماً والأعرف خبراً فليست في قوة الأولى وأما قراءة الباقين ففتنتهم خبر مقدم والا أن قالوا اسم مؤخر وسيأتي ما في إلحاق علامة التأنيث. قوله: (والنصب على أنّ الاسم أن قالوا والتأنيث للخبر كقولهم من كانت أفك) الذي حققه علماء العربية أن إلحاق علامة التأنيث الفعل إذا أسند إلى مذكر قد أخبر عنه بمؤنث ليس مذهبا للبصريين وهو ضرورة عندهم، والكوفيون يجيزون في سعة الكلام تأنيث اسم كان إذا كان مصدراً مذكرأ وكان الخبر مقدما كقوله:
وقد خاب من كانت سريرته الغدر
فلو قلت كانت شمسا وجهك أو كانت الغدر سريرتك لم يجز واستشهدوا عليه بهذه القراءة، وقال ابن مالك وهذا أولى من أن يقال أنث على معنى المقالة لأنه من قبيل جاءته كتابي وهو قليل خصوصاً وتأنيث المصدر إذا كان ملفوظا قد لا يراعى، وأمّ جعل المصنف له
تبعا للزمخشري من قبيل من كانت أمّك فقد رد بأنه ليس مما نحن فيه لأنّ من لفظها مذكر ومعناها مؤنث، ويجوز فيها مراعاة اللفظ والمعنى فليس تأنيثه لأجل الخبر لكنه في الدرّ المصون نقله بعينه عن أبي عليّ، وقال إنّ للتأنيث علتين مراعاة الخبر ومراعاة المعنى والنكات لا تتزاحم، فلا مانع من اعتبار هذه مرّة وهذه أخرى مع أنه قيل إنه مناقثة في المثال وليست من دأب المحصلين. قوله: (يكذبون ويحلفون الخ) فهو كما قيل:
ويكون أكذب ما يكون إذا حلف
واختلف في جواز الكذب على أهل القيامة فمنعه أبو عليّ الجبائي والقاضي، وذهب الجمهور إلى جوازه مستدلين بهذه الآية ونحوها فإنهم في القيامة حلفوا على أنهم ما كانوأ مشركين وهو كذب، واحتج المنكرون بأنّ حقائق الأشياء تنكشف حينئذ فإذا اطلع أهلها على الحقائق وعلى أنها لا تخفى عليه تعالى وأنه لا منفعة لهم في ذلك استحال صدوره عنهم، وأجابوا عن الآية بأنّ المعنى ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا وذلك لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم موحدون متباعدون عن الشرك، ثم اعترضوا على أنفسهم بأنهم على هذا التقدير يكونون صادقين فيما أخبروا فلم قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٤] يعني في قولهم ما كنا مشركين وأجابوا بأنه ليس المراد به أنهم كذبوا في الآخرة بل المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا، وأورد حجتهم وأجاب بأنهم لما عاينوا هول القيامة دهشوا
стр. 1123
وحاروا فقالوا ذلك القول الكذب وان لم ينفعهم كما حكى الله عنهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٠٧ ا] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٨] وكذلك قالوا يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص، وأجاب عما أجابوا به عن الدليل بأنّ قولهم المراد ما كنا مشركين عند أنفسنا تمحل وتعسف لمخالفته الظاهر، وحمل قوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم على الكذب في الدنيا تحريف لكلام الله لأنّ ما قبله وما بعده ليس في أحوالها فتخلل أمر الدنيا تفكيك للنظم، ثم استدل بآية أخرى لا يتطرّق إليها التأوبل إلا بتكلف بعيد وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أسررة المجادلة، الآية: ٨ أ] الآية وفي الانتصاف في هذه الآية دليل بين على أنّ الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به كذب وان لم يعلم المخبر بمخالفة خبره لمخبره، ألا تراه جعل أخبارهم وتبريهم كذبا مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون أي سلبوا علمه حينئذ دهشاً وحيرة فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم. انتهى وفيه بحث، وقوله: (أيقنوا بالخلود) نظر فيه بأنه من أين يعلم أنهم موقنون بالخلود فليتأمّل. قوله: (تعسف يخل بالنظم) قال النحرير: التعسف الأخذ في غير الطريق لأنّ الآية لا تدل على
هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه لأنها في شأن حشرهم وأمرهم في الآخرة لا في الدنيا بل تنبو عنه أشد نبوّ لأن أوّل الكلام ويوم نحشرهم وآخره وضل عنهم ما كانوا يفترون وذلك في أمر القيامة لا غير، وقوله يخل بالنظم لما فيه من صرف أوّل الآية إلى أحوال القيامة وآخرها إلى أحوال الدنيا ولك أن تدفع ذلك بأنّ المعنى انظر كيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا بما ضل عنهم في الآخرة ولم ينفعهم فيها فلا يكون أجنبياً فتامّل، وقال بعض أهل العصر أنّ قول المصنف رحمه إدلّه أنه لا يوافق قوله انظر الخ ممنوع فإنهم لجهلهم وسوء نظرهم اعتقدوا ذلك مع بطلانه فيقولون ما نعبدهم إلا ليقرّبونا. قوله: (من الشركاء) على أن تكون ما موصولة، وجوّز أن تكون مصدرية أي ضل افتراؤهم كقوله ضل سعيهم، وقرئ ربنا بالرفع خبر مبتدأ محذوف وهو توطئة لنفي إشراكهم وفائدته دفع توهم أن يكون نفي الإشراك بنفي الألوهية عنه تقدس وتعالى ولا برد عليه أنّ المناسب له تأخيره. قوله: (ومنهم من يستمع الخ (أفرد ضمير من وجمعه نظرا إلى لفظه ومعناه، والاستماع بمعنى الإصغاء لازم يعدي باللام والى كما صرّح به أهل اللغة وقيل إنه مضمن معنى الإصغاء ومفعوله مقدر وهو القرآن وقوله: والذي: قسم والمراد الله وضميرها عائد إلى الكعبة الحاضرة في الذهن، وقوله: مثل ما حدثتكم كان يحدّثهم باً خبار العجم كرستم واسقيديار وأكنة جمع كنان كغطاء وأغطية لفظاً ومعنى لأنّ فعالاً بفتح الفاء وكسرها يجمع في القلة على أفعلة كأحمرة وأقذلة، وفي الكثرة على فعل كحمر إلا أن يكون مضاعفاً أو معتل اللام فيلزم جمعه على أفعلة كأكنة وأخبية إلا نادراً، وفعل الكن ثلاثيئ ومزيد يقال كنه وأكنه وفرق بينهما الراغب فقال: أكننت يستعمل لما يستر في النفس، والثلاثيّ لغيره وبيته هو الكعبة المشرفة. قوله: (كراهة أن يفقهوه الخ (أي على تقدير مضاف ومنهم من قدر لا فبه وفي أمثاله وسيأتي في سورة الإسراء تجويز المصنف ﵀ أن يكون مفعولاً به لما دل عليه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي منعناهم أن يفقهوه أو لما دل عليه أكنة وحده من ذلك. قوله: (وقرا يمنع من استماعه) يمنع إلى آخره تفسير للوقر بالفتح
قال الزجاج الوقر بالفتح ثقل في السمع، وبالكسر حمل البغل ونحوه وبه قرأ طلحة وهو استعارة كأنّ آذانهم وقرت وحملت من الصمم، وقد مرّ تحقيق التجوّز فيه في سورة البقرة في: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧] وأنه يحتمل الاستعارة التصمريحية، والمكنية والمشاكلة كما بسطناه ثمة ومعنى يمنع من استماعه أنه يمنع من استماعه على ما هو حقه فلا يخالف قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٥] ولذا قيل الأنسب لما تقدّمه أن يقول كراهة أن يسمعوه وقال المصنف ﵀ في الإسراء لما كان القرآن معجزاً من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وادراك اللفظ انتهى وأورد عليه أنهم ما عجزوا عن إدراك اللفظ المسموع على ما دل عليه ما مرّ في سبب النزول إنما عجزوا عن إدراك اللفظ المطبوع الشامل للخواص والمزايا وأجيب بأنّ
стр. 1124
مراده باللفظ هو اللفظ المعهود الموصوف بالإعجاز على ما ينادي عليه سياق كلامه لا نفس اللفظ مجرّدا فلا غبار عليه. قوله: (وأن يروا كل آية الخ) قيل لا بد من تخصيص الآية بغير الملجئ دفعاً للمخالفة بينه وبين قوله تعالى ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فتأمّل. قوله: (أي بلغ تكذيبهم الآيات الخ) هذا بيان لمحصل المعنى لأنّ مآل عدم الفهم والاستماع التكذيب ولأنّ المجادلة هي القول المذكور فلا يقال إنه يقتضي أن يجادلونك هو الجواب، وأنّ الأنسب جعله غاية لجعله تعالى على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا أي بلغ بهم ذلك المنع من فهم القرآن إلى أن قالوا إن هذا إلا أساطير الأوّلين، وحتى إذا وقع بعدها إذا يحتمل أن يكون بمعنى الفاء وأن يكون بمعنى إلى والتقدير فإذا جاؤو ٣ الخ، أو إلى أن جاؤوك، والمصنف ﵀ اختار الثاني والغاية معتبرة في الوجهين وقوله غاية التكذيب أي أنّ تكذيبهم بلغ النهاية بهذا لأنه الفرد الكامل منه فهو نحو مات الناس حتى الأنبياء فاندفع ما توهم من أنّ التكذيب لا ينتهي بمجادلتهم واتضحت الغاية ومن لم يقف على مراده قال كون حتى جارّة مشكل جدّاً لأنه يقتضي انتهاء تكذيبهم في هذا الوقت والمشهور في النسخ إلى أنهم جاؤو ٤ يجادلونك، ووقع في نسخة إن جاؤوك يجادلونك وقال المحشي عليها أنه بدل إذا بان للتنصيص على معنى الشرطية وحتى على الوجه الأوّل هي الابتدائية تقع بعدها جمل استئنافية لا محل لها من الإعراب سواء كانت اسمية أو فعلية وإذا منصوبة المحل على الظرفية بالشرط، أو الجواب على الخلاف في ذلك وشرطها جملة جاؤوك وجوابها يقول الخ ويجادلونك حال والمجادلة مطلق المنازعة والمخاصمة والقول المذكور فرد مخصوص منها فالكلام مفيد أبلغ إفادة كقولك إذا أهانك زيد شتمك فمن قال المجادلة لما كانت نفس قولهم إن هذا الخ كما يدل عليه جعله تفسيرا له كأن جعل يجادلونك حالاً ويقولون جوابا مفضيا إلى جعل الكلام لغواً إلا أن تؤوّل المجادلة بقصدها فقدوهم وأتى بما لا وجه له وتكلف ما لا حاجة إليه. قوله: (إلى أنهم
جاؤوك كجادلونك الخ) قيل عليه إنّ النحاة قالوا الغاية فيما إذا كانت الجملة الشرطية من إذا وجوابها هي ما تسبب من الجواب مرتبا على فعل الشرط فكان الوجه أن يقول إلى أن يقولوا إن هذا إلا أساطير الأوّلين في وقت مجيئهم مجادلين فتأمّل، وهذا يقتضي أن يجادلونك هو الجواب فلا يناسب ما بعده. قوله: (خرافات) أصل الخرافة ما اخترف أي اقتطف من ثمار الشجر ثم جعل اسما لما يتلهى به من الحديث وما وقع في الحديث من قوله ﷺ : " خرافة حق فهو اسم رجل من عذرة استهوته الجق وكان يحدّث بما رأى فيهم فكذبوه وقالوا حديث خرافة فقال ﷺ ذلك يعني أن ما حدّث به حق ") ١ (وفي المستقصي أنّ رجلا من خزاعة استهوته الجن فرجع إلى قومه وكان يحدّثهم بالأباطيل فكانت العرب إذا سمعت ما لا أصل له قالت حديث خرافة ثم كثر حتى قيل للأباطيل خرافات ونقل في الكشف عن العلامة في حواشيه عن العرب الخرّافات بالتشديد ويجمع أيضاً على خراريف وذكر مثله في ربيع الأبرار ولم أر ذكر التشديد مصححا في غيره والمعروف فيه التخفيف وأنه لا تدخله الألف واللام، ووقع في الحديث كما رواه البزار عن عائشة ﵂ أنّ النبيّ ﷺ " حدّث ذات ليلة نساءه حديثاً فقالت امرأة منهن هذا حديث خرافة فقال ﷺ : أتدوون ما خرافة أن خرافة كان رجلأ من عذرة استهوته الجق فمكث فيهم دهرا ثم ردّوه إلى الإن! فكان يحدّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس حديث خرافة " (٢) وهو حديث مسند في بعض كتب الحديث. قوله: (ويجورّ أن تكون الجازة الخ) هذا قول الأخفش وتبعه ابن مالك ﵀ في التسهيل وقال أبو حيان أنه خطأ وعليه فإذا خارجة عن الظرفية كما صرّحوا به وعن الشرطية أيضاً فلا جواب لها، والذي في النسخ الصحيحة أن يجادلونك على هذا حال ويقول تفسير له ووقع في نسخة بدل قوله حال
جواب وردّ بأنه ليس فيها حينئذ معنى الشرطية قطعا فكيف يكون لها جواب، ولذا جعله الزمخشري حالاً على هذا الوجه ثم إنه قال: إنه مطالب بالفرق بين الوجهين حيث خص الأوّل بكون
стр. 1125
الجواب يقولون والثاني بكونه يجادلونك وعلى ما صححناه لا يرد شيء من هذا ولا مخلص عنه إلا بأن يخرّح على قول الزجاج فيكون معنى كلامه ويجوز في حتى الابتدائية أن تكون الجارّة قال في المغني ولا محل للجملة الواقعة بعد حتى الابتدائية خلافا للزجاج وابن درستوبه زعما أنها في محل جرّ بحتى، ويرّده أنّ حروف الجرّ لا تعلق عن العمل وإنما تدخل على المفرد أو ما في تاويله، وأمّا ما قيل في توجيهه على النسخة المرجوحة من أنّ الواو في قوله ويجادلونك بمعنى أو عطفاً على قوله وهو يقول ومجيء الواو بمعنى أو كثير أو أنه على حذف مضاف أي حتى يوم إذا جاؤوك! ادلونك فلا يخفى بعده. قوله: (والأساطير الأباطيل) هذا معناه والمراد الأحاديث المسطورة، وأما لفظه فقيل لا مفرد له وقيل له مفرد، وجوّز فيه أن يكون أسطوراً وأسطيراً وأسطارا بكسر الهمزة مع الهاء وعدمها، وقيل إنه جمع جمع وقيل جمع جمع جمع وسطر مفرده بسكون الطاء وفتحها معروف في الكتابة وغيرها، وأسطورة بضم الهمزة كأحدوثه وأحاديث وأسطارة بكسرها وأسطارة بفتح الهمزة جمع سطر بفتحتين كسبب وأسباب. قوله: (ينهون عنه الخ) ضمير الجمع للمشركين والضمير المجرور أمّا للرسول ع! ي! ففيه التفات أو للقرآن لسبق ذكرهما ومعنى النهي عنه النهي عن اتباعه والإيمان به، أو ضمير الجمع لأبي طالب وأتباعه أو إضرابه ممن نهى عن أذيته منهم كما هو معروف في الأحاديث ولذا لم يقل المصنف ﵀ أبو طالب كما في الكشاف، أو له فقط وجمع استعظاما لفعله حتى كأته مما لا يستقل به واحد، وقيل إنه نزل منزلة أفعال متعدّدة فيكون كقوله قفا عند المازني ولا يخفى بعده، ورذ هذا الإمام بأنّ جميع الآيات المتقدمة في ذمّ فعلهم فلا يناسبه ذكر النهي عن أذيته وهو غير مذموم وفيه نظر، وقول المصنف كأبي طالب يشير إلى عدم اختصاصه به على القول بأنّ هذا سبب النزول فلا يشكل جمعه ويشهد له قصة جياد وليس المراد بالاستعظام في كلامهم التعظيم بل عده عظيماً كما في قوله إن الشرك لظلم عظيم، فما قيل إنّ جمع ضمير المفرد للتعظيم في غير نون المعظم نفسه لم يوجد في كلام من يوثق به وأيضاً من فعل النأي لا يليق تعظيمه للتوعد عليه، وما يعقبه من قوله: ﴿وإن يهلكوا إلا نفسهم﴾ لا يناسبه مع ما فيه غير وارد، ولذا قيل التعظيم يكون بمعنى التشريف للفاعل وهذا في الأكثر للفاعل المتكلم، وقد يكون في غيره كما ذكره المرزوقي ويكون للفعل نفسه فيعذ كثيراً وكثيراً، وهذا الفرق بين تعظيم الفاعل وتعظيم غيره أشار إليه النحرير هنا وهو فائدة جليلة، وفي ينهون وينأون تجنيس بديع، والنأي البعد وهو لازم يتعدى بعن وئقل عن الواحدي أنه سمع تعديه بنفسه عن المبرد وأنشد:
أعاذل أن يصبح صديّ بقفرة بعيداً نآني زائري وقريني
قوله: (وقفوا) وقف يكون لازما ومتعديا بمعنى الوقوف المعروف وبمعنى المعرفة فيهما أيضاً، فقوله يوقفون على النار حتى يعاينوها أو يطلعون عليها من الاطلاع إشارة إلى أن الإيقاف لينظروا ما يهولهم أو يرفعوا على جسرها وهو الصراط فينظرونها وهو المعنى الأوّل، وقوله أو يدخلونها إشارة إلى المعنى الثاني فقد احتوى كلامه على الوجوه الأربعة المذكورة في الكشاف، وجعل لو شرطية على أصلها وقيل إنها بمعنى أن وترى بصرية أو علمية وحذف الجواب لتذهب نفس السامع كل مذهب فيكون أدخل في التهويل أي لرأيت أمراً مهولاً، والخطاب للنبيّ ﷺ أو لكل واقف عليه وذكر الوقوف ليبين لزومه لأنه مصدر للازم إلا نادراً، ومصدر المتعدي الوقف وسمع فيه أوقف في لغة قليلة وقيل إنه بطريق القياس. قوله: (تمنياً للرجوع إلى الدنيا) إشارة إلى أن متعلق نردّ مقدر تقديره إلى الدنيا. قوله: (اس! شاف كلام منهم على وجه الخ) المراد بالإثبات الأخبار عنه، واثباته في الواقع وهو في مقابلة التمني الذي هو إنشاء، والمراد بالاستئناف والابتداء معناه المتبادر المعروف وهو قطع الكلام عما قبله بأن لا يعطف عليه فالواو كالزائدة أو قطعه عما في حيز التمني وعطفه على مجموع الكلام فإنهم قد يستعملونه بهذا المعنى كما ذكره صاحب المغني في حرف الفاء حتى أنهم سموا واو الحال واو
стр. 1126
الابتداء فمن حمله على الأوّل قال في تفسير كلام المصنف ﵀ أي ابتداء كلام ليس عطفاً على ما قبله على وجه الأخبار، والى الثاني مال النحرير فقال معنى كونه استئناف كلام أن يكون معطوفا على التمني عطف أخبار على إنثاء، وهو جائز عند اقتضاء المقام، وأورد عليه أنّ عطف الأخبار على الإنشاء وعكسه لم يجوّزه في شرحه على التلخيص وأن اعتبار المقام إنما يكون بعد صحة أصل الكلام والحق أنّ هذا العطف إنما يصح فيما له محل من الإعراب وليس معنى الاستئناف ما ذكره، ويدفعه ما مرّ وأنّ من النحاة من جوّز. مطلقا ونقحهأ أبو حيان عن سيبويه.
قوله: (كقولهم دعني ولا أعود) يعني أنه خبر مستأنف وهو كلام يقوله من أذنب لمن يؤدّبه على ما صدر منه وفي شرح المفصل أنه رفع لتعذر النصب والجزم على العطف أمّا النصب فيفسد المعنى إذ المعنى حينئذ ليجتمع تركك لي وتركي لما نهيت عنه وقد علم أنّ
طلب هذا المتأذب لترك المؤدّب إياه إنما هو في الحال بقرينة ما عراه من ألمه وقصد المؤدّب الترك لما نهى عنه في المستقبل ولا يستقيم الجزم أما بالعطف على دعني فظاهر لأنه لا يعطف معرب على مبني ولا محل له فيعطف عليه، وأما جعله نهيا معطوفا على الأمر فإنه لا يلزم من النهي تحقق الامتناع ألا ترى إلى تناقض أنا لا أفعل كذا في كل وقت ثم أفعله وعدم تناقض أنا أنهي نفسي عن كذا في كل وقت ثم أفعله. قوله: (أو عطف على نرذ أو حال الخ (فالمعنى على تمني مجموع الأمرين الردّ وعدم التكذيب أي التصديق الحاصل بعد الردّ إلى الدنيا لأنّ الرذ ليس مقصودا لذاته هنا وكونه متمني ظاهر لعدم حصوله حال التمني وان كان التمني منصبا على الإيمان والتصديق فتمنيه لأن الحاصل الآن لا ينفعهم لأنهم ليسوا في دار تكليف فتمنوا إيمانأ ينفعهم وهو إنما يكون بعد الرذ المحال والمتوقف على المحال محال وفي قوله في حكم المتمني إشارة إلى هذا، فاندفع ما في هذا المقام من الأوهام، وقوله راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد سيأتي تحقيقه قريبا. قوله: (ونصبهما حمزة ويعقوب الخ) أي نصب نكذب ونكون كذا في الكشاف وردّه أبو حيان وغيره بأن نصب الفعل بعد الواو ليس على الجوابية لأنّ الواو لا تقع في جواب الشرط فلا ينعقد مما قبلها وما بعدها شرط وجواب وإنما هي واو مع تعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها وهي عاطفة يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة وهي المعية وتمييزها عن الفاء صحة حلول مع محلها أو الحال كما أنّ الفاء المنصوب ما بعدها تقدر بالشرط وشبهة من قال إنها جواب نصب ما بعدها كما ينصب ما بعد الفاء وتميزها منها أن الفاء إذا حذفت انجزم الفعل بالشرط الذي تضمن الكلام معناه، وأجيب عنه بأن الزجاج سبق الزمخشري إلى هذه العبارة وكفى به قدوة وإذا اتضح المراد سقط الإيراد إذ مراده أنها واقعة في موقع بنصب فيه الجواب واليه أشار المصنف ﵀ بقوله إجراء لها مجرى الفاء وترك تقديره بأن رددنا كما في الكشاف مع أن ابن الأنباري ﵀ قال: إن الواو مبدلة من الفاء وأنها جوابية حقيقة ثم أنه قيل ما ذكره الزمخشري من معنى الجزائية أي إن رددنا لم نكذب فيه نظر فإن كان وجه النظر ما ذكرنا فقد مرّ جوابه وان كان وجهه ما نقل عنه أن ردّهم لا يكون سببا لعدم تكذيبهم فقد قيل عليه إنّ السببية يكفي كونها في زعمهم ليصح النصب على الجزائية، وردّ أنّ مجرّد الرذ لا يصلح لذلك فلا بد من العناية بأن يراد الردّ الكائن بعدما ألجأهم إلى ذلك إذ قد انكشفت لهم حقائق الأشياء، وقوله إجراء لها مجرى الفاء وجهه كما في شرح الرضي تشابههما في العطف وصرف ما بعدهما عن مقتضى الظاهر وقد مرّ تحقيقه والقراءة بالرفع إمّا على العطف أو الحالية أو الاستئناف والجملة معترضة ونصب الثاني على الجوابية بالنظر إلى المجموع، أو إلى الثاني وعدم التكذيب بالآيات مغاير للإيمان والتصديق
فلم يتحدا وقرئ شاذاً بعكس قراءة ابن عامر. قوله: (١ لإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني الخ) يعني بل للإضراب عن تمنيهم الباطل الناشئ من إبداء ما يفضحهم وهو إن رددنا لم نكذب أي ليس ذلك عن عزم صحيح بل هو من إبداء ما افتضحوا به أي ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا، وفي الكشاف بل بدا لهم ما كانوا يخفون من الناس من قبائحهم وفضائحهبم
стр. 1127
في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجراً إلا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا وقيل إنه في المنافقين وإنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرّونه، وقيل هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوّة رسول الله ﷺ ولو ردّوا إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمعاصي فهذه ثلاثة وجوه، الأوّل إنه في المشركين وإنه أظهر الله قبائحهم من غير الشرك أو الشرك الذي أنكروه في موقف آخر فتمنوا ضجرا ما تمنوا إلا عزما وقدمه لأنه الظاهر إذ ما قبله متعلق بهم فانهم في بعض المواقف جحدوا الشرك وقالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ففضحهم الله، والثاني أنه في المنافقين لأنهم الذين كانوا يخفون الكفر ولكنه لا يناسب ما قبله، والثالث أنه في أهل الكتاب مطلقاً أو علمائهم والذي أخفوه نبوّة خاتم الرسل ﷺ ، وقيل المراد بدا لهم وبال ما كانوا يخفون ولا يرد أنّ المناسب خفاؤه لا إخفاؤه لأنّ الإخفاء يستلزم الخفاء مع ما فيه من توبيخهم بقبيح وصفهم، وقدم المصنف ﵀ كونه في المنافقين لملاءمته لظاهر الآية ولو أخره لكان أولى وترك الثالث لأنه ليس في السياق والسباق ما يدل عليه. قوله: (لا عزما الخ) أي ليس عزما معتذاً به لعلم الله بتخلفه لو عادوا كما يدل عليه قوله ولو ردّوا الخ ولا ينافيه تصميمهم عليه عند شدة الأهوال وقيل عزماً صحيحاً بإرادة نفس الطاعة والإيمان من حيث هو فإنه كان لخوف العقاب لا لذاته وفيه نظر، وقوله: فتمنوا ذلك بناء على أنّ ما سبق داخل في حيز التمني ظاهر وأما على الوجه الأخير ففيه تأمّل ثم إن هذا هل يدل على جواز الكذب يوم القيامة أم لا فيه كلام في شروح الكشاف وقد مرّ تفصيله. قوله: (بعد الوقوف والظهورا لسبق قضاء الله بذلك فانهم لخبث طينتهم ونجاسة حليتهم يذهلون عما رأوه فلا يرد أنّ العاقل لا يرتاب فيما شاهده حتى يعود إلى موجب العذاب الأليم، وأمّا أن المراد أنهم لو ردّوا إلى حالهم الأولى من عدم العلم والمشاهدة على أنه من إعادة المعدوم فلا يناسب مقام ذمّهم بغلوّهم في الكفر والإصرار وكونه جوابا لما مرّ من تمنيهم. قوله: (من الكفر والمعاصي) إشارة إلى ما مرّ في نصب ونكون وحده من أنّ عدم تكذيبهم بآيات الله تصديقهم بها وهو عين كونهم مؤمنين فكيف يقع جوابا له وقد دفع بأنا لا نسلم أنّ المراد به ذلك وليس عدم التكذيب بها عين التصديق ولا مستلزما له كمن
نشأ في شاهق جبل فإنه ليس بمكذب ولا مصدق لعدم بلوغها إياه ولو سلم فالمراد بقوله ونكون من المؤمنين من الكاملين في الإيمان وعدم استلزام انتفاء التكذيب لهذا الإيمان بين ويومئ إلى هذا قول المصنف ﵀ من الكفر والمعاصي فافهم. قوله: (فيما وعدوا من أنفسهم (إشارة إلى دفع ما قيل التمني إنشاء والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب فكيف قيل لانهم لكاذبون فأجاب الزمخشرقي عنه بأنه بعض العدة فدخله ذلك باعتبار ما تضمنه كما تقول ليت لي مالاً فالأحسن إليك فلو رزق مالاً ولم يحسن إليه قيل إنه كذب عليه وصح أن يوصف بأنه كاذب، وقيل إنه ليس تكذيباً للتمني بل ابتداء أخبار منه تعالى بأنّ ديدنهم وهجيراهم الكذب، وأمّا قول الربعي أنّ التمني يحتمل الصدق والكذب محتجاً بقوله:
مني أن يكن حقاً يكن أحسن المنى والاف! ل! ا! از! أر! را
لأنّ الحق بمعنى الصدق وهو ضدّ الباطل والكذب فلا يخفى ما فيه مع أنه لو سلم فهو مجاز أيضا والمصنف ﵀ اقتصر على أنّ الكذب عائد إليه باعتبار ما تضمنه من الخبر لظهوره إذ كل إنشاء يتضمن خبرا وهو المراد، وأمّا أن الوعد والوعيد هل هما من قبيل الخبر او من قبيل الإنشاء كما حقق في الأصول فإن كان مذهب المصنف ﵀ الأوّل فكلامه هنا وفيما سبق ظاهر، وإن كان عنده إنشاء كما ذهب إليه الأكثرون فاستدلوا بأنه يتمدح بخلف الرعيد كما قال الشاعر:
واني وان أوعدت " ووعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
ولو كان خبراً لكان حنفه كذبا لا يتمدح به فمراده ما مز أو المراد بالكذب عدم الوفاء به
لا عدم مطابقته للواتع كما ذكره الراغب وأوّله به بعضهم هنا وفي قوله لما نهوا عنه إشارة أيضا إلى أن دأبهم العناد
стр. 1128
واللجاج حتى لو نهوا عن الحق فعلوه. قوله: (عطف على لعادوا) قيل عليه انه استئناف أو عطف على أنهم لكاذبون لا على عادوا ولا على نهوا إذ حينئذ حق قوله وانهم لكاذبون أن يؤخر عن المعطوف أو يقدّم على المعطوف عليه وأشار إلى جوابه من تال وتوسط فرله وانهم لكاذبون لأنه اعتراض مسوق لتقرير ما أفادته الشرطية من كذبهم المخصوص، ولو أخر لأوهم أنّ المراد تكذيبهم في إنكارهم البعث والمعنى لو ردّوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا نمه، ولقالوا الخ، وقريب منه ما قيل فائدة التوسط المبادرة إلى تكذيبهم في وعدهم عقيب قوله ا! ادوا لما نهوا عنه مسوقا لرذ وعدهم، وقوله أو على أنهم لكاذبون أو على خبران وكذبهم حيمئذ غير مختص بما وعدوا أو خاص به وإذا عطف على نهوا فالعائد محذوف أي لما قالو.. موله: (الضمير للحياة الخ) أي للحياة المذكورة بعده، وهو كثير في كلامهم كقول المتنبي:
هو الجد حتى يفصل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
وقول المعرّي:
هو الهجر حتى ما يلمّ خيال
قال ابن مالك ﵀: الضمير يعود على متأخر لفظاً ورتبة في مواضع منها ضمير الشأن ويسمى ضمير المجهول والقصحة ومنها الضمير المرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما والضمير المجرور برب العائد على تمييزه والمرفوع بأوّل المتنازعين على مذهب البصريين والضمير المجعول خبره مفسرأ له، كما هنا والضمير الذي أبدل منه مفسره نحو ضمربتهم قومك وفي هذا الأخير خلاف منهم من منعه ومنهم من أجازه وعليه أبو حيان في سورة البقرة واعترض على الزمخشري في تجويزه في غير هذه المواضع كما أجاز في قوله تعالى في الأحقاف: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٢٤] كون الضمير راجعاً إلى عارضاً وهو حال أو تمييز وفي قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] عودهن إلى سبع إلا أن يكون مراده أن سبع سموات بدل لكنه يصير النظم غير مرتبط، وخالف هذا في شرحه على التسهيل، فقد عرفت وجه عود الضمير هنا على متأخر وأنه مختار النحاة وأمّا كونه ضمير شأن، فلا يتأتى على مذهب الجمهور لأنهم اشترطوا في خبره أن يكون جملة وخالفهم الكوفيون فيه كما في التسهيل قيل ويحتمل أنه عبارة عما في الذهن وهو الحياة والمعنى أن الحياة إلا حياتنا الدنيا وقيل هو ضمير القصة، ورذ بأنه لا يفسر بمفرد فإن قلت الكوفيون يجوّزون تفسيره بالمفرد فليكن هذا على مذهبهم قلت إن كان مذهبهم ذلك مطلقاً صح ما ذكرت وإن قيد المفرد بكونه عاملا عمل الفعل كاسم الفاعل ونحوه نحو أنه قائم زيد لأنه يسد مسذ الجملة لما فيه من الإسناد كما في الدر المصون فلا يصح لأنه مثل هو زيد، وقد قال إنه لا يجيزه أحد من النحاة وفيه نظر وما ذكره من الاحتمال بعيد جداً أو المراد ليس في الأذهان إلا هذه الحياة المشاهدة كقولهم: ﴿مَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٩] . قوله:) مجاز عن الحبس! الما كان معنى الاستعلاء هنا غير متصوّر احتاج النظم إلى تقدير أو تجوّزوا لتجوّز إمّا في المفرد أو في الجملة على أنه استعارة تمثيلية وهو الأرجح عندهم وكلام المصنف ﵀ يحتملهما ولم يجعلوه كناية لأن المشهور-فيها اشتراط إمكان الحقيقة، وهي غير ممكنة هنا وبهذا بطل ما قال بعض الظاهرية من أن أهل القيامة يقفون بالقرب من الله تعالى في موقف الحساب. قوله: (وقيل معناه وقفوا على قضاء ربهم الخ) فهو من الوقوف بمعنى الاطلاع، وفيه مضاف مقدر وهو متعذ بعلى أيضاً فلا حاجة إلى التضمين وجعله من القلب كما توهم وقوله:) أو عرّفوه) من التفعيل بتشديد الراء والضمير لله ولا يلزم من حق التعريف حق المعرفة فلا يقال كيف هذا، وقد قيل ما عرفناك حق معرفتك وهو ظاهر وجوّز عود الضمير على القضاء أو الجزاء، فلا
إشكال وهو أيضاً من الوقوف بمعنى الاطلاع لكنه لازم كما قيل وهذا متعد فتأمّل، وما قيل إنه بمعنى عرفوه بصفات لم يعرفوها بلا تقدير لا يناسب المقام. قوله: (والإشارة إلى البعث وما يتبعه (فالإشارة إلى جميع ما ذكر لا العقاب وحده ولا دلالة في قوله فذوقوا على ذلك كما قيل وقوله: كأنه جواب قائل الخ إشارة إلى أنه استئناف بياني وجوّز فيه أن يكون حالاً. قوله: (بسبب كفرهم أو ببدله) إشارة إلى أن ما مصدرية ويجوز فيها أن تكون موصولة بتقدير العائد لكن ما ذهب إليه المصنف ﵀ أولى لعدم الاحتياج إلى التقدير سببية أو للتعويض كالدأخلة على الأثمان نحو اشتريت بكذا وكافأت إحسانه بضعفه على
стр. 1129
إنه استعارة تبعية وبعضهم جعل الباء للمقابلة وكلام المصنف ﵀ يأباه لتغاير المقابلة، والبدلية كما في المغني لكنه قيل المقابلة أوفق بمذهب أهل السنة. قوله: (ولقاء الله البعث الخ (يعني أنه استعارة تمثيلية كما قال المصنف ﵀ في سورة العنكبوت إنه تمثيل لحاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد، وقد اطلع السيد على أحواله فإما أن يلقاه ببشر لما يرضى من أفعاله أو بسخط لما يسخط منها وفسره في العتكبوت بالجنة ومرّض ما هنا لأنه هنا مع منكري البعث وهناك عامّ، قيل روي عن عليّ ﵁ وكرّم وجهه أنه نظم أبياتا على وفق هذه الآية وفي معناها وهي:
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا يحشر الأموات قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر أوصح قولي فالخسارعليكما
(قلت) لا أدري من أيهما أعجب الرواية أم الدراية فإنّ هذا الشعر لأبي العلاء المعري في ديوانه وهو:
قال المنجم والطبيب كلاهما ~ لا تبعث الأموات قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر ~ أو صح قولي فالخسار عليكما
أضحى التقى والشرّ يصطرعان في ~ الدنيا فأيهما أبرّ لديكما
طهرت ثوبي للصلاة وقبله ~ جسدي فأين الطهر من جسديكما
وذكرت ربي في ضميري مؤنساً ~ خلدي بذاك فاوحشا خلديكما
وبكرت في البردين أبغي رحمة ~ منه ولا تريان في برديكما
إن لم تعد بيدي منافع بالذي ~ آتي فهل من عائد بيديكما
برد التقيّ وأن تهلهل نسجه ~ خير يعلم الله من برديكما
قال ابن السيد في شرحه: هذا منظوم مما روي عن عليّ رضي الله عته أنه قال لبعض من تشكك في البعث والآخرة إن كان الأمر كما تقول من أنه لا قيامة فقد تخلصنا جميعاً وان لم يكن الأمر كما تقول فقد تخلصنا، وهلكت فذكروا أنه ألزمه فرجع عن اعتقاده، وهذأ الكلام وان خرج مخرج الشك فإنما هو تقرير للمخاطب على خطابه وفلة أخذه بالنظر والاحتياط لنفسه مع أنّ المناظر على ثقة من أمره، وهو نوع من أنواع الجدل، وقوله إليكما كلمة يراد بها الرح والزجر ومعناها كفا عما تقولان وحقيقته قولكما مصروف لكما لا حاجة لي به انتهى ومن له معرفة بقرض! الشعر يعلم أنه شعر مولد.
تنبيه: هذا النوع يسمى استدراجاً قال في المثل السائر الاستدراج نوع من البلاغة استخرجته من كتاب الله تعالى وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال يستدرج الخصم حتى ينقاد ويذعن وهو قريب من المغالطة وليس منها كقوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [صورة غافر، الآية: ٢٨] ألا ترى لطف احتجاجه على طريقة التقسيم بقوله إن يك كاذبا فكذبه عائد عليه، وأن يصدق يصبكم بعض ما وعدكم به ففيه من الإنصاف والأدب ما لا يخفى فإنه نبي صادق فلا بد أن يصيبهم كل ما وعد به لا بعضه لكنه أتى بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم لما فيه من الملاطفة في النصح بكلام منصف غير مشتط مشدّد أراهم إنه لم يعطه حقه ولم يتعصب له ويحامي عنه حتى لا ينفروا عنه ولذا قدم قوله كاذباً ثم ختم بقوله إنّ الله لا يهدي الخ يعني أنه نبيّ على الهدى ولو لم يكن كذلك ما آتاه الله النبوّة وعضده، وفيه من خداع الخصم واستدراجه ما لا يخفى انتهى. قوله: (لأن خسرانهم لا غاية له الخ) حمله الطيبي على أنه غاية للخسران على حد قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٨] أي إنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة إلى يوم الدين فإذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى اللعن معه أي خسر المكذبون إلى قيام الساعة بأنواع من المحن والبلاء، فإذا قامت الساعة يقعون فيما ينسون معه هذا الخسران وذلك هو الخسران المبين، وفي الكشف ردّاً عليه لم يجعل من باب وانّ عليك لعنتي لأنّ الخسران الأشذ بعد قولهم ذلك حين استقرارهم في دار العذاب فلا وجه لجعله غاية
стр. 1130
الخسران مبالغة وليس بوارد لأنّ جعله غاية للخسران المتعارف بقرينة المقام يفيد أن ما وقع بعده أشدّ وأفظع منه حتى كأنه جنس آخر، وهو يلاقي ما ذكره ولا ينافيه، وقد غفل عن هذا من تابعه وما ذكره الطيبي وجه بديع فتأمّله. قوله: (بغتة) في نصبه وجوه منها أنه حال بمعنى مبغوتين وقيل إنه منصوب على أنه مفعول مطلق من معناه كرجع القهقرى، وقيل بفعل مقدر من غير لفظه أي أتتهم بغتة، وقيل من لفظه والبغتة والفجأة مجيء شيء سرعة لم يكن منتظرا والساعة غلبت على يوم القيامة كالنجم للثريا، وسميت ساعة لقلتها بالنسبة لما بعدها من الخلود أو لسرعة الحساب فيها على الباري. قوله تعالى: ﴿*******فهذا أوانك﴾ تعالى بفتح اللام
وسكون الياء كما مرّ قال سيبويه: كأنه يقول أيتها الحسرة هذا أوانك، وقال أبو البقاء: معناه يا حسرة احضري هذا أوانك وهو مجاز معناه تنبيه أنفسهم لتذكر أسباب الحسرة لأنّ الحسرة لا تطلب ولا يتأتى إقبالها وإنما المعنى على المبالغة في ذلك حتى كأنهم ذهلوا فنادوها كقوله: ﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾ قيل والمقصود التنبيه على خطأ المنادي حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء قال الطيبي: وهذا أقرب من قول الزمخشري لسلامته عن السؤال ولأنّ قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ مقارن لهذا التحسر وهو لا يناسب إلا الحشر ويعني بالسؤال قوله فإن قلت أما يتحسرون عند موتهم، قلت لما كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة ومقدّماتها جعل من جنس الساعة وسمي باسمها ولذلك قال رسول الله-يخي! : " من مات فقد قامت قيامته " (١) أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة ووجهه أنه جعل الغاية تذكر التحسر لا نفسه فلم يرد السؤال عليه رأسا ومن لم يتنبه لمراده ظن أنه أهمل ما ذكره الزمخشري وضمه إليه. قوله: (قصرنا الخ (ما مصدرية والتفريط التقصير فيما قدر على فعله وقال أبو عبيد: معناه التضييع وقال ابن بحر معناه السبق ومنه الفارط للسابق فالمفرط سبقه غيره للفعل فالتضعيف فيه للسلب. قوله: (في الحياة الدنيا الخ) الضمير راجع إلى الحياة المعلوم من السياق وقوله أضمرت، وان لم يجر ذكرها أورد عليه أنّ عدم الذكر في كلامهم مثترك بينها وبين الساعة وعدمه في كلامه تعالى ممنوع فيهما لما سبق آنفاً وذكر جواب العلامة في شرح الكشاف وهو أنّ القائلين هذا القول هم الناهون عن اتباعه ﷺ وهم كفار قريش، أو غيرهم فالحياة الدنيا مذكورة في قصة عن قوم آخرين وقد انتقل منها إلى قصة أخرى فلا يجوز عود الضمير منها إلى ما فرغ عنه بخلاف الساعة ولا يرد عليه كما توهم أنّ قول المصنف بعيد هذا وهو جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ينافيه لأنه لا مانع من ذكر مقالتين ثم التصريح بجواب إحداهما ألا تراه أظهر في الجواب، ولم يضمر لكونه كلاماً آخر نعم يرد عليه أنه إذا حكى كلامان لا مانع من أن يضمر في الآخر ما يعود إلى ما ذكر في الأوّل لأنهما باعتبار الحكاية كلام واحد، كما إذا قلت قال زيد أكرمت عمرا وقال بكر إنه أهانه ومثله كثير لا شبهة في صحته، ولك أن تقول! إن المراد إنها نكتة لا يلزم اطرادها فإن اعتبر المحكي أظهر وان اعتبرت الحكاية أضمر لا إنه يتعين الأوّل، وان كان قول الشارح لا يجوز يقتضي خلافه. قوله: (تمثيل الخ) الآصار جمع أصر كحمل لفظاً ومعنى والوزر أصل معناه الثقل أيضا ثم قيل
للذنوب أوزار وجعلها محمولة على الظهر استعارة تمثيلية وعلى الظهر بناء على المعتاد الأغلب كما في كسبت اً يديكم إذ الكسب في أكثر بالأيدي وقيل حملها على الظهر حقيقة وانها تحسم لما روي في الحديث هنا: " إنه ليس من ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح عليه ثياب دنسة فإذا ر! قال له: ما أقبح وجهك فيقول: كذا كان عملك قبيحا فيكون معه قي قبره فإذا بعث قال له: إني كنت في الدنيا أحملك باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، فيركب ظهره ويسوقه إلى النار " (١ (الحديث ولعل هذا تمثيل أيضا وقريب منه ما قيل، من قال بالميزان واعتقد وزن الأعمال لا يقول إنه تمثيل. قوله: (ألا ساء ما يزرون) ساء يحتمل هنا وجوها ثلاثة أحدها أن تكون المتعدية المتصرفة ووزنها فعل بفتح العين والمعنى ألا ساءهم ما يزرون وما موصولة أو مصدرية أو نكرة موصوفة فاعل له، الثاني أنها حوّلت إلى فعل بضم العين وأشربت معنى التعجب والمعنى ما أسوأ
стр. 1131
الذي يزرونه، أو ما أسوأ وزرهم على اهـ مالي ما، والئالث أنها حوّلت أيضا للمبالغة في الذمّ فتساوي بئس في المعنى والأحكام، والكلام في ما كما في قوله بئس ما اشتروا والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه فيما قبله لا يشترط فيه ما يشترط في فاعل بض من الأحكام ولا هو جملة منعقدة من مبتدأ وخبر وإنما هو فعل وفاعل، والفرق بين هذين الوجهين والأوّل إنه متعدّ في الأوّل قاصر في هذين وإنه فيه خبر وفيهما إنثاء، واقتصر المصنف على أحدهما وقدر المخصوص بالمدح وذكر المولى ابن كمال اثنين منها فتوهم بعضهم أنه لم يفرق بينهما وهو الواهم لأنه قال المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً يزرون وزرهم أو الذي يزرونه، وجاء على وزن فعل متعدياً فتقديره ساءهم انتهى. قوله: (وما أعمالها إلا لعب ولهو الخ) أي ليست الأعمال المختصة بها إلا كاللعب واللهو في عدم النفع والثبات فخرج ما فيها من الأعمال الصالحة كالعبادة وما كان لضرورة المعاش، والكلام من التشبيه البليغ ولو لم يقدر مضاف وجعلت الدنيا نفسها لهواً ولعبا مبالغة صح بقي هنا نكتة وهو أنه جمع اللهو واللعب في آيات فتارة قدم اللعب كما هنا وتارة قدم اللهو كما في العنكبوت فهل لهذا التفنن نكتة خاصة أم لا فأبدى بعضهم لذلك نكتة وزعم أنها من نتاتج أفكاره، وليس كما قال فإنها مذكورة في درة التأويل وهو أبو عذرته في هذا الفن، ومحصل ما ذكراه أنّ الفرق بين اللهو واللعب مع اشتراكهما في أنهما الاشتغال بما لا يعني العاقل وبهمه من هوى أو طرب سواء كان حراما أم لا أنّ اللهو أعم من اللعب فكل لعب لهو ولا عكس فاستماع الملاهي لهو وليس بلعب، وقد فرقوا بينهما بأنّ اللعب ما قصد به تعجيل المسرة والاسترواح به واللهو كل ما شغل من هوى وطرب، وان لم يقصد به ذلك كما نقل عن أهل اللغة قالوا واللهو إذا أطلق فهو اجتلاب المسرة بالنساء كما قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسياسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
وقال قتادة اللهو في لغة اليمن المرأة، وقيل اللعب طلب المسرة والفرج بما لا يحسن أن يطلب به، واللهو صرف الهمّ بما لا يصلح أن يصرف به وقيل إن كان شغل أقبل عليه لزم الإعراض! عن كل ما سواه لأن من لا يشغله شأن عن شأن هو الله فإذأ أقبل على الباطل لزم الإعراض! عن الحق فالإقبال على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو، وقيل العاقل المشتغل بشيء لا بد له من ترجيحه وتقديمه على غيره فإن قدمه من غير ترك للآخر فلعب وإن تركه ونسبه به فلهو فهذه وجوه أربعة في الفرق بينهما ما إذا عرفت هذا فهذا الكلام لما كان رذأ على الكفرة في إنكار الآخرة وحصر الحياة في الحياة الدنيا فهؤلاء طاعة داعي الجهل ليس لهم وفي اعتقادهم إلا ما عجل من المسرة بزخرف الدنيا الفانية قدم اللعب الدال على ذلك وتفم باللهو أو لما طلبوا الفرح بها وكان مطمح نظرهم وصرف الهم لازم وتابع له أو لما أقبلوا على الباطل في أكثر أقوالهم وأفعالهم قدم ما يدذ عليه، وعلى الأخير الاستغراق إنما يكون بعد التقديم فروعي فيه الترتيب الخارجي، وأفا في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة بالقياس إلى الآخرة وتحقيرها بالنسبة إليها، ولذا ذكر اسم الإشارة المشعر بالتحقير وعقبت بقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٦٤] والاشتغال باللهو مما يقصر به الزمان، وهو أدخل من اللعب فيه وأيام السرور فصار كما قال:
وليلة إحدى الليالي الزهر لم تك غير شفق وفجر
وينزل هذا على الوجوه في الفرق كما مر، وان أردت التفصيل فطالع درّة التنزيل.
قوله: (وخلوص منافعها) أي عن المضارّ والآلام وقوله تنبيه على أنّ الخ لما خص أعمال الآخرة بالمتقين وهي في مقابلة أعمال الدنيا التي هي لعب ولهو علم أن ما ليس من أعمال المتقين ليس من أعمال الآخرة بل من أعمال الدنيا وأعمال الدنيا لعب ولهو فما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو كذا أفاده النحرير ولزم منه بيان أنّ اللهو واللعب ما خالف أفعال المتقين، وترك بيانه لظهوره وعدم الاعتناء به فلا وجه لما قيل لو جعل المنبه
стр. 1132
عليه عكس هذا أنّ اللهو واللعب ما ليس من أفعال المتقين كان أظهر. وقوله: (وقرأ ابن عامر ولدار الآخرة) بإضافة الموصوف للصفة ومن لم يجوّزه تأوّله بتقدير ولدار النشأة الاخرة ونحوه أو أجرى الصفة مجرى الاسم كما سيأتي تحقيقه في سورة يوسف. قوله: (أفلا يعقلون أيّ الأمرين خير) ضمير الجمع قال الواحدقي للمتقين وهو معنى قول المصنف
﵀ خطاب المخاطبين لأنهم المخاطبون في الحقيقة والاستفهام حينئذ ليس للإنكار بل للتنبيه والحث على التأمّل، وقيل إنّ معنى قوله على خطاب المخاطبين به أي الذين وجه الكلام إليهم وهم الذين قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا فالاستفهام للتقرير والتحقيق أو الإنكار وفيه التفات ويشمل غيرهم بعموم الخطاب والتغليب كما هو معروف، وقيل على قوله وهو جواب الخ إنهم ينكرون الآخرة وهذا يدل على ترجيحها ولا وجه لأن ترجيحها يرذ ما ادّعوه على أبلغ وجه كما لا يخفى واعلم أن اللهو له معنيان أحدهما الهزل والثاني صرف النفس عن أمر إلى غير. ومادتهما واحدة وهو واوفي، وقال المهدوي الأوّل لامه: واو، والثاني ياء بدليل قولهم لهيان في الثاني وردّه أبو حيان بأنّ اللام في التثنية تقلب ياء ألا ترى قولهم شجيان في شجى، وهو واوي من الشجو (أقول) ما قاله غير مسلم لأنّ الراغب إمام أهل اللغة قال: يقال لهوت ولهيت، وقال في الدرّ المصون كلام الراغب هو الذي غرّ المهدويّ، وهو غريب منه فلا تكن من الغافلين. قوله: (معنى قد زيادة الفعل وكثرته) وكثرة العلم بكثرة المعلوم فإن في ليحزنك ويقولون دلالة على الاستمرار التجدّدي والأصل الأغلب في قد أن تستعمل للتقليل، وفهمه ابن مالك من قول سيبويه وتكون قد بمنزلة ربما قال الهذليئ:
قد أترك القرن مصفرّآ أنامله كأن أثوابه محت بفرصاد
كأنه قال: ربما هذا نص كلامه.! قال ابن مالك: إطلاقه إنها بمنزلة ربما يوجب التسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضيئ، وهو الصحيح، واعترض عليه أبو حيان بأنّ سيبويه ﵀ لم يبين الجهة التي فيها قد بمنزلة ربما فلا يدل ذلك على التسوية وان كلامه يدل على التكثير لا التقليل لأنّ الإنسان لا يفخر بشيء يقع منه على سبيل القلة والندرة وإنما يفخر بما يقع منه على سبيل الكثرة فتكون قد بمنزلة ربما في التكثير انتهى. فأفاد أن قد في البيت للتكثير وأن كلام سيبويه ﵀ دالّ على التكثير كما فهمه عنه الزمخشري وغيره لا كما فهمه ابن مالك ومن تبعه (قلت (فقد علمت اختلافهم في مراد سيبويه ﵀ وفي قد في البيت وأنه محتمل للوجهين، والحق ما فهمه ابن مالك من أن مراده التقليل وانّ الشعر دليل عليه، فإن الفخر يقع بترك الشجاع قرنه وقد صبغت أثوابه بدمائه في بعض الأحيان وقول أبي حيان ﵀ إنّ الإنسان لا يفخر إلا بما يصدر منه كثيراً غير مسلم، لأنّ ذلك فيما يكثر وقوعه، وأمّا ما يندر يفتخر بوقوعه نادراً لأن قرن الشجاع لو غلبه كثيرآ لم يكن قرنا له، لأن القرن المقاوم المساوي المعارض فلفظ القرن يقتضي بحسب دقيق االنظر أنه لا يغلبه إلا قليلاً والا لم يكن قرناً، ويتناقض أوّل الكلام وآخره ونحوه قول بعض النحاة في الردّ على من اسنشهد لتقليل قد يقولهم قد يجود البخيل ويصدق الكذوب بأن قد فيه للتحقيق لا للتقليل
والتقليل يستفاد من مجموع الكلام لا من قد فإنه إن لم يحمل على أنّ صدور ذلك لو كان كثيراً فسد المعنى وناقض آخر الكلام أوّله وقيل إنها هنا للتحقيق، وقيل إنها للتقليل أي ما هم فيه أقل معلوماته، وإذا استعملت للتكثير فهل هو بطريق الوضع أو استعارة أحد الضدين للآخر قولان. قوله: (ولكنه قد يهلك المال نائله) هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها حصن ابن حذيفة بن بدر الفزاري أوّلها:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرّى أفراس الصبا ورواحله
وهي من جيد شعره ومنها:
فمن مثل حصن في الحروب ومثله لإنكارضيم أولخصم يجادله
أخوثقة لايهلك الخمرماله ولكنه قديهلك المال نائله
стр. 1133
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولولم يكن في كفه غيرنفسه لجادبهافليتق الله سائله
قيل إنه يريد أنه جواد لا يسرف ولما كان السكر مظنة الإسراف خصه بالنفي، وقوله أخو
ثقة ظاهر في هذا المعنى وان خفي على من قال إنّ جوده ذاتيّ لا يحدث بالسكر، ثم لما كان الوصف بإفراط التوقي عن الإسراف المفهوم من ملازمة الثقة مظنة التفريط في الجود تداركه بقوله ولكنه الخ أي مال ذلك الممدوح يذهبه نائله أي عطاؤه يعني ما فيه من كمال الحزم وفرط الاحتياط قد يقتضي غلبة الجود على من طبعه عدم الإسرأف فعلى هذا قد على معناها الأصليّ، غير مستعارة لضدها كما في الكشاف وغيره.
(قلت) هذا تكلف يذهب رونق الشعر وماء الفصاحة والحق ما ذكره في الكشاف، وليس
معنى قوله أخو ثقة ما ذكره بل معناه إنه يثق به من يرجوه في الشدائد ويقصده في المضايق لأنه لا يخيب راجيا كما فسره به أئمة الأدب وشراح الحماسة فلا دلالة له على عدم الإسراف أصلاً ألا ترى قوله في قصيدة أخرى:
واذا سكرت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
واذا صحوت فما أقصرعن ندا وكما علمت شمائلي وتكرمي
قوله: (وقرئ الخ) هي قراءة نافع ﵀ وكلامه ﵀ لا يوهم أنها شاذة كما
توهم. قوله: (فإنهم لا يكذبونك في الحقيقة (لما كان ظاهر النظم كالمتناقض لأنّ جحود آيات الله المنزلة على النبيّ ﷺ المصدقة له تكذيب له فيما يدعيه من الشرائع وجهه في الكشاف بثلاثة أوجه الأوّل أنّ المراد بنفي تكذيبه استعظام تكذيبه، وأنه مما لا ينبغي أن يقع وجعله
تكذيبا لله تسلية لرسوله ﷺ ، الثاني أن المراد نفي التكذيب القلبي واثبات اللساني، الثالث أنهم ليس قصدهم تكذيبك لأنك عندهم موسوم بالصدق وإنما يقصدون تكذيبي والجحود بآياني، وهذا الوجه حكاه الكساتي وردّه الشريف المرتضى بأنه لا يجوز أن يصذقو. في نفسه، ويكذبوا ما أتى به لأنّ من المعلوم أنه ع! ييلى كان يشهد بصحة ما أتى به وصدقه وأنه الدين القيم والحق الذي لا يجوز العدول عنه فكيف يجوز أن يكون صداقا في خبره ويكون الذي أتى به فاسداً بل إن كان صادقاً فالذي أتى به صحيح وإن كان الذي أتى به فاسداً فلا بد أن يكون كاذبا فيه، وهذا تأويل من لم يحقق المعاني وسيأتي ما يؤخذ منه جوابه فتدبر وقيل إنهم لا يكذبونك فيما وافق كتبهم وان كذبوك في غيره وقيل جميعهم لا يكذبونك وان كذبك بعضهم وهم الظالمون المذكورون في هذه الآية فلا يكون من وضع الظاهر موضع المضمر وقيل لا يكذبونك كذبا ضارّاً لك وقال الطيبيّ الوجه هو الأوّل لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٤] فإنه تسلية له ﷺ فلا يناسب الوجهين الأخيرين، وفيه نظر وقوله في الحقيقة في شرح الهداية هذه العبارة تستعمل عند المحصلين فيما إذا دلّ لفظ بظاهره على معنى إذا نظر إليه يؤول إلى معنى آخر، والمراد بقوله في الحقيقة أن تكذيبهم إنما هو لي فهو كما في الوجه الثالث ويكون ما روي مؤيداً له لا وجها آخر وان كان معناه لا يعتقدون كذبك في الباطن فهو جواب آخر وكلامه محتمل لهما كما سيأتي بل ربما ينزل على الوجوه كلها ويكون هذا من إيجازه البديع كما هو عادته، وقوله: (روي الخ) تأييد لما في ضمنه فإن حمل على ظاهره يكون اقتصر على أحد الأجوبة لأنّ بعضها الأخر غير مرضيّ له أو غير مغاير له من كل الوجوه ففيه ردّ على الكشاف وسلوك طريق آخر وهو الظاهر فكلامه محتمل لوجوه من التخريج فتدبر، والفاء للتعليل فإنّ قوله قد نعلم الخ بمعنى لا تحزن كما يقال في مقام المنع والزجر نعلم ما تفعل، ووجه التعليل في تسليته له ﷺ بأن التكذيب في الحقيقة لي وأنا الحليم الصبور فتخلق بأخلاقي، ويحتمل أن يكون المعنى إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لي فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهمّ وأعظم. قوله: (يجحدون بآيات الله ويكذبونها) وفي نسخة يكذبونه والجحد كالجحود نفي ما في القلب ثباته أو إثبات ما في القلب نفيه، وقيل: الجحد إنكار المعرفة، فليس مرادفا
стр. 1134
للنفي من كل وجه وقدر التضمين بالعطف، وهو أحد طرقه كما قدروه في الرفث إلى نسائكم بالرفث والإفضاء وليس طريقة منحصرة في الحالية، كما يتوهم وقد مرّ تحقيقه لكنه كان الأظهر أن يقول ويكذبون بها كما في بعض النسخ، ألا ترى إلى قوله والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب ولذا قيل حق التعبير ولكنهم يجحدون آياتنا مكذبين بها لتعدي الجحد بنفسه، وحص ن المضمر حالاً صلته الباء وليس متعينا كما عرفت، وقيل عليه أيضاً أن الجحد يتعدى بنفسه وبالباء كالتكذيب وهو ظاهر كلام الجوهري، والراغب فإنه قال يقال جحده حقه
وبحقه، وكذب وأكذب معنى عند الجمهور وقال الكساتي: العرب تقول كذبته بالتشديد إذا نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دونه، ويقولون أيضا أكذبته إذا وجدته كاذبا كأحمدته إذا وجدته محمودا، وإليه أشار المصنف ﵀ وقوله: (روي أنّ أبا جهل الخ) هذا الحديث (١ (أخرجه الترمذي والحاكم عن عليّ كرم الله وجهه وصححاه، وهذا إشارة إلى وجه آخر كما في الكشاف وهو الذي حمل الكسائيّ على تفسيره السابق وقيل ليس هذا إشارة إلى وجه وذاك إلى آخر كما يوهمه النظر في الكشاف والا فالوجه إيراده بالواو، وحاصل المعنى أنهم لا يكذبونك في نفس الأمر لأنهم يقولون إنك صادق ولكن يتوهمون أنه اعترى عقلك نوع خلل فخيل إليك أنك نبي وليس الأمر بذاك وما جئت به ليس بحق، أو مراده كما قال الطيبيّ ﵀: إنك لا تكذب لأنك الصادق الأمين ولكن ما جئت به سحر، ومنه علم جواب ما مرّ عن علم الهدي المرتضى. قوله: (للدّلالة الخ (الظاهر أنّ مراده أنّ الظلم إمّا مطلق فيفيد أنّ الظلم دأبهم وديدنهم وأنه علة الجحود لأنّ التعليق بالمشتق يفيد علية المأخذ كما يفهم من قولك الجواد يقري الضيف أنّ سبب قراه الجود، وان أريد ظلمهم المخصوص فهو غير الجحود وواقع به نحو ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فيكون المبتدأ مشيراً إلى وجه بناء الخبر كقوله:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول
وقيل إنه يشير إلى أن اللام إمّا موصولة واسم الفاعل بمعنى الحدوث فيفيد الكلام سببية الجحد للظلم أو حرف تعريف واسم الفاعل بمعنى الثبوت فيفيد سببية الظلم للجعد انتهى وفيه نظر. قوله: (وفيه دليل الخ) كما صزح به في الآية الأخرى وهي وأن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فما هنا كقول السيد لغلامه إذا أهين أنهم لم يهينوك وإنما أهانوني، وهذا يبين معنى قوله في الحقيقة السابق وليس وجها آخر كما توهم، وقيل المراد بقوله: لا يكذبونك في السر وقوله على تكذيبهم وايذائهم إشارة إلى أن ما مصدرية وأو ذوا عطف على كذبت أو كذبوا أو على صبروا، والإيذاء بصيغة الأفعال بمعنى الأذى أثبته الراغب وصاحب المصباح المنير،
وقوله في القاموس: أذاه أذى ولا تقل إيذاء خطأ والذي غرّه ترك الجوهريّ وغيره له وهو وسائر أهل اللغة لا يذكرون المصادر القياسية لعدم الاحتياج إلى ذكرها وقوله: (بوعد) كان الظاهر أن يقول بدله إلى وعد. قوله: (ولقد جاءك من نبأ المرسلين أي من قصصهم) القصص هنا كالنبأ لفظاً ومعنى ويصح أن يكون جمعا وفاعل جاء قال الفارسيّ هو نبأ ومن زائدة وهو على مذصب الأخفش المجوّز لزيادة من في الإثبات وقبل المعرفة وأيضا ليس المعنى على العموم بل المراد بعض نبئهم لقوله تعالى: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [سورة غافر، الآية: ٧٨] ، والصحيح أنّ فاعله ضمير مستتر تقديره هو أي النبأ أو البيان لا أنّ الفاعل محذوف وهذا صفته أي نبأ من نبأ المرسلين لأنّ الفاعل لا يجوز حذفه هنا ورجح أبو حيان عوده على ما دلّ عليه الكلام السابق من تكذيب الرسل وإيذائهم وضرّهم وهو بعض أنبائهم ومن نبا حال من الضمير المستتر، والزمخشري فسره بقوله بعض أنبائهم وهو تفسير معنى لا إعراب وقيل إعراب لأنّ الحرف عنده يكون مسنداً إليه إذا أوّل باسم كما جعل من مبتدأ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾ [سورة البقرة: الآية: ٨] وقد مرّ تحقيقه وقوله فتأسق من الأسوة أي اقتد بهم، وفسر الكلمة بالوعد وهو ظاهر وكابدوا بالموحدة بمعنى قاسوا. قوله: (وإن كان كبر) هذا شرط جوابه الفاء الداخلة على الشرط الثاني وجواب الثاني محذوف تقديره فافعل وجعل الشرط الثاني وجوابه جواباً للاوّل
стр. 1135
كما أوضحه المصنف ﵀ قال النحرير: وإنما أتى بلفظ كان ليبقى الشرط على المضيّ ولا ينقلب مستقبلاً لأنّ كان لقوّة دلالته على المضيّ لا تقبله إن للاستقبال بخلاف سائر الأفعال وهو مذهب المبزد والنحاة تؤوّله بتبين وظهر ونحوه. قوله: (فإن استطعت أن تبتغي نفقاً الخ) النفق السرب النافذ في الأرض وأصل معناه حجر اليربوع ومنه النافقاء لأحد منافذه ومنه أخذ النفاق، وقوله: (فتطلع لهم آية) وقد يجعل نفس النفوذ في الأرض والصعود إلى السماء آية ولم يرتضه المصنف ﵀ هذا وقد ردّه أبو حيان ﵀ بأنه لا يظهر من دلالة اللفظ إذ لو كان كذلك لكان التركيب فتأتيهم بذلك آية وأيضاً فأي آية في دخول سرب في الأرض! أمّا الرقيّ إلى السماء فيكون آية. قوله: (صفة لسلما الخ) فسر هذا وما بعده بأنّ المراد في شأنها وأمرها، وقيل لا يصح أن يكون من قبيل رميت الصيد في الحرم إذا كان خارجا عن الحرم كما توهمه النحرير والموهم وأهم لأنه لا معنى لسكون السلم في شأن السماء والنفق في شأن الأرض! بل المراد الظرفية الحقيقية،
وقوله لو قدر إشارة إلى أنّ أن بمعنى لو ليؤذن بأنّ فيه تعليق إسلام قومه بالمحال وأن الشرط لم يخرج عن المضيّ كما مرّ. قوله: (وجواب الشرط الثاني محذوف تقديره فافعل) قيل من الجائز أن يعبر عن هذا المحذوف تارة بالخبر وتارة أخرى بالإنشاء وفيه وجوه ثلاثة، أحدها أنّ المقدر أتيت بصيغة الخبر وينبئ عنه قوله لأتى بها لأنه جعل إن بمعنى لو ليؤذن بأن فيه تعليق إسلامهم بالمحال أي بلغت من حرصك على إيمانهم بحيث لو قدرت أن تأني بالمحال أتيت به والمراد المبالغة فيه، وئانيها تقدير فافعل أمراً وفيه نوع توبيخ وحاصله بيان حرصه على تأتي مطلوبهم واقتراحهم على أبلغ وجه لأنه إذا وبخه على طلب ما اقترحوه تعريضا كان توبيخهم أجدر وأنسب بقوله فلا تكونن من الجاهلين لصراحته في التعريض، وثالثها لفعلت على أنّ نفس ابتغاء النفق والسلم آية. قوله: (ولو شاء الله لجمعهم الخ) يشير إلى تفسير الآية على مذهب أهل السنة القائلين بعدم جواز تخلف الإرادة الإلهية عن المراد ومفعول شاء محذوف وهو جمعهم على الهدى والآية دليل ظاهر لهم والمعتزلة أوّلوها بأنّ المراد منها لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة فالذي لم يتخلف هنا المشيئة القسرية لا مطلق المشيئة وهذا مراد من حمل المشيئة على مشيئة القسر خلافا لمن ظن مغايرتهما. قوله: (من الجاهلين بالحر ع على ما لا يكون) قيل لما أعلم الله نبيه ﷺ أنه لا يتعلق بمايمانهم مشيئة نهاه عن كونه معدوداً من زمرة الجاهلين بالحرص عليه ولا شك في وقوع الحرص منه لمج! قبل هذا فليس النهي من قبيل ولا تطع الكافرين وهو ردّ لما في شرح الكشاف، وليس بصواب فإنّ الزمخشري فسره بالذين يجهلون ذلك ويرومون خلافه فقيد الجهل بهذا الحكم وهو أنه لا يجمعهم على الهدى على مثل هذه الحالة كما أنّ قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤٨] ، لا يدل على أنه ﵊ أطاعهم وقبل دينهم والمقصود لا ينبغي أن يكبر عليك إعراضهم والأقرب حالك من حال الجاهلين والمصنف ﵀ سلك مسلكا آخر لم يحتج فيه إلى هذا وقد بين الفرق بين مسلكيهما في بعض الحواشي فلا معنى لخلط أحدهما بالآخر، ثم إنه لم يقل لا تكن جاهلاً بل من قوم ينسبون إلى الجهل تعظيماً لنبيه جم! هـ بأن لم يسند الجهل إليه للمبالغة في نفيه عنه وفي كلامهم إشارة إليه. قوله: (بالحرص الخ) عدل عن قول الزمخشري
الذين يجهلون ذلك أي يجهلون أن لا يفعل ذلك لخروجه عن الحكمة فإنه رمز إلى مذهبه. قوله: (إنما يجيب الخ) احتج ابن قتيبة في أدب الكاذب بقول الغنوي:
وداع دعايا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
على أنه يقال استجبتك بمعنى استجبت لك، ولذأ قال يعقوب يمكن أن يريد فلم يجبه،
ويدل عليه أنه قال مجيب ولم يقل مستجيب، فيكون أجرى استفعل مجرى أفعل كما قالوا استخلصه بمعنى أخلصه واستوقد بمعنى أوقد ومنهم من فرق بينهما بأنّ استجاب يدل على قبول ما طلب منه وأجاب أعثم من ذلك. قوله: (بفهم وتأمّل) فالمراد بالسماع فرده الكامل وهو سماع فهم وتأمّل بجعل ما عداه كلا سماع وتوله:
стр. 1136
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٦] في الكشاف هو مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ثم إليه يرجعون للجزاء، فكان قادراً على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، وقيل معناه وهؤلاء الموتى يعني الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون وأمّا قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم، وهما وجهان: الأوّل أنّ المعنى حال قدرته خاصة على إلجائهم إلى الاستجابة كحال قدرته خاصة على بعث الموتى من القبور لكن على هذا ليس لقوله: ثم إليه يرجعون كبير دخل في التمثيل إلا أن يراد أنه إشارة إلى ما ترتب على الاستجابة من الآثار في الدنيا والآخرة، والثاني الموتى فيه مجاز عن الكفرة تشبيها لكفرهم وجهلهم بالموت فيكون استعارة تبعية كما قيل:
لايعجبن الجهول بزته فذاك ميت ثيابه كفن
وعلى الأوّل فالمفردات على حقائقها، وكلام المصنف محتمل فيحتمل أنه يريد الأوّل ويكون قوله فيعلمهم مرتب عليه بناء على أنه عند الآية الملجئة لا ينفع الإيمان كما مرّ، ويحتمل الثاني أيضا أي الكفرة يعلمهم حيث لا ينفعهم الإيمان، وقوله كالموتى ظاهر فيه، وذلك إمّا عند الموت أو عند الحشر وخص العلم الثاني لأنه أقوى ولأنه الدّي يترتب عليه الجزاء ا! بر من الخلود في العذاب الأليم فلا يرد عليه ما قيل أنّ إعلام الله إياهم ليس بعد البعث بل حين الموت، وقيل المعنى، وهؤلاء الكفرة يبعثهم الله في شركهم حتى يؤمنوا بك عند حضور الموت في حال الإلجاء ذكره القرطبي نقلا عن الحسن ﵀ فقوله فيعلمهم الخ تفسير والفاء تدخل على المفسر لأنه بعد المفسر في الذكر والرتبة ولا يخفى أنّ البعث على هذا بمعناه اللغوي وليس في كلام المصنف ﵀ إشارة إليه فحمل كلامه عليه تكلف بعيد، وقيل بعثهم هدايتهم إلى الإيمان وفيه رمز إلى أنّ هدايتهم كبعث الموتى فلا يقدر عليه إلا الله ففيه إقناط للرسول ﷺ عن إيمانهم، وقوله: للجزاء إشارة إلى انّ الإرجاع عبارة عن الجزاء. قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قيل مع كثرة ما أنزل عليه من الآيات لعدم اعتدادهم
بها عناداً كأنه لم ينزل عليه شيء أو آية مما اقترحوه، وهو رذ لمن أخذه مقابلا لها فلا يلزم أن يكون مساويا لها حتى تصح المقابلة. قوله: (آية مما اقترحوه الخ) دفع لما يشعر به من عدم تنزيل آية وتسليم ذلك اذعاء أنه مقدور له لكن لم يقع لعدم المشيئة بناء على الصارف، ووجه الدفع أن ما ذكروا عناد، أو المذكور في الجواب محمول على الآية الملجئة أو المعقبة للعذاب، ولا يخفى أنّ الجواب حينئذ لا يكون مطابقاً للسؤال إلا أن يحمل على الأسلوب الحكيم، وقيل عليه عدم اعتدادهم بالمنزلة استدعاء للملجئة ومن لوازم جحد الملجئة الهلاك على عادته تعالى فالمطابقة ظاهرة وبهذا ظهر أن قوله أو آية إن جحدوها هلكوا ليس وجها مغايرا لما قبله، ولا يخفى أنه غير وارد، أما الأوّل فلأنه لا يلزم من عدم الاعتداد عنادأ وتعنتا طلب الملجئ إذ يجوز أن يكون لطلب غير الحاصل مما لا يلجئ لجاجا وعنادأ فالجواب بالملجئ حيحئذ يكودط من الأسلوب الحكيم، أو يكون جواباً بما يستلزم مطلوبهم بطريق أقوى، وهو أبلغ نعم ما ذكره له وجه وأما ما ذكره من عدم التغاير فينافيه العطف بأوفى كلام المصنف فالظاهر أنّ الآية الأولى ما يكون مهلكا بنفسه إن ليم يؤمنوا كالجبل المرفوع عليهم والثانية ما لم يمكن جحده وإن لم يكن مهلكاً بنفسه، وقوله أن الله بفتح الهمزة وفيه إشارة إلى مفعول علم المقدر واستجلاب البلاء شامل للتأويلين في الآية، وقوله والمعنى واحد لأنه لم ينظر هنا إلى التدريج وعدمه فلا ينافي أنه فرق بينهما في غير هذا المقام. قوله: (تدب على وجهها (بالدال المهملة إشارة إلى أنّ المراد به معناها اللغوي لا العرفي وخرج بقوله على وجهها ما يدب في جوفها ولو أبقى على عمومه كان أولى. قوله: (يطير بجناحيه) هو تصوير لتلك الهيئة الغريبة الدالة على القوّة الباهرة والمقام مقام بيان كمال قدرته، وتوله: بالرفع والعموم يستفاد حينئذ من الوصف فقط، وقوله في الهواء ممدود ومن ظنه مقصوراً فقدوهم. قوله: (وصف به الخ) للقوم كلام في أنّ هذا من قبيل الصفة أو التأكيد أو عطف البيان قال النحرير: والأوّل هو الوجه ولا ينافيه كونه يفيد التأكيد كما في قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥١]
стр. 1137
ونفخة واحدة وأمس الدابر وغيره وليس بين النحاة وأهل المعاني خلاف فيه كما قاله الطيبي، وقوله في التقريب أنهما صفتان دلالتهما على التخصيص أولى من التعميم ليس بشيء لأنّ التوكيد لا ينافي كونهما صفتين كما ذكرنا مع أنّ التعميم نوع من التخصيص كما صرّح به الطيبي وهو منزع حسن. قوله: (قطعاً لمجاز السرعة ونحوها) اختار بعض
المتأخرين أنّ وجه ذكره تصوير تلك الهيئة الغريبة الدالة على كمال القوّة والقدرة قال وقيل إنه لقطع مجاز السرعة، وقيل للتعميم ويرد عليهما إنه لو قيل ولا طائر في السماء لكان أخصر، وفي إفادة ذينك الأمرين من أظهر مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينتين بذكر جهة العلوّ في إحداهما وجهة السفل في الأخرى، ورذ بأنه لو قيل في السماء يطير بجناحيه لم يشمل أكثر الطيور لعدم استقرارها في السماء، ثم إنّ قصد التصوير لا ينافي قطع المجاز والتعميم إذ لا مانع من إرادتها جميعا، وقطع مجاز الى ش عة لأنّ الطير أن يستعمل بمعنى السرعة كثيراً كما أنّ الطائر يستعمل مجازاً للعمل والنصيب كقوله طائره في عنقه فلما أكد ارتفع احتمال المجاز، وأما احتمال التجوّز وأنّ هذا ترشيح للمجاز فبعيد لا يلتفت إليه بدون قرينة ولم يذكر هذا في مقابله للإشارة إليه بقوله تدب الخ ولأنه يعلم بالعناية إليه ولأنّ التأكيد في هذا أظهر لكونه من لفظه مع ما ضم إليه من قوله بجناحيه، ولما كان المقصود من ذكرهما الدلالة على قدرته ببيان ما يعرفونه، ويشاهدونه من هذين الجنسين وشمول قدرته لهما وعلمه كان غيرهما غير مقصود بالبيان، ومن لم ينتبه لهذا ذكر هنا خرافات كاعتراضه بأنّ أمثال حيتان البحر خارجة عنهما وأجاب بإدخالها تارة في القسم الأوّل، لأنها تدب في الماء ودفعه بأن وصفه في الأرض ينافيه ورذه بأنّ المراد بها جهة السفل، ومقابل السماء وأخرى بإدخالها في الثاني لأنها تسبح في الماء كالسبح في الهواء وردّه بأنّ قوله يطير بجناحيه يدفعه وهذا كله مما ينزه عنه ساحة التنزيل ويبرأ منه لسان القلم لكنه ربما رآه خالي الذهن فظته شيئاً ومنهم من أورد العنكبوت، وأجاب عنه بما هو أوهى من بيوته. قوله: (أمثالكم) فإن قلت كيف يصح القصد إلى العموم الذي يفيده الوصف مع وجوب خروج المشبه به عنه قلت القصد أوّلاً إلى العامّ والمشبه به في حكم المستثنى بقرينة التشبيه كأنه قيل ما من واحد من إفراد هذين الجنسين بعمومها سواكم إلا أمم أمثالكم، ولك أن تدعي دخوله بوجه يظهر بالتأمّل، وقوله: (محفوظة الخ) يستفاد من التشبيه وقوله والمقصود الخ لأنه دال على ضبط أحوال المخلوقات وعدم إهمال شيء منها وهو يقتضي شمول القدرة وسعة العلم كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [سورة هود، الآية: ٦، وقال الإمام المقصود أنّ عناية الله لما كانت حاصلة لهذه الحيوانات فلو كان إظهار آية ملجئة مصلحة ما مغ عن إظهارها وهذا معنى قول المصنف كالدليل الخ، وقيل إنها دليل على أنه قادر على البعث والحشر والأوّل أنسب، وفي رسالة المعاد لأبي عليّ قال المعترفون بالشريعة من أهل التناسخ إنه تعالى قال وما من دابة الآية وهذا هو الحكم الجزم بأنّ الحيوانات الغير الناطقة أمثالنا وليسوا أمثالنا بالفعل بل بالقوّة فجوّزوا حلول النفس الإنسانية في غيره وهو مذهب فاسد ودليل كاسد. قوله:) وجمع
الأمم للحمل على المعنى) أي معنى الجمعية المستفاد من العموم، وذصب السكاير إلى أنّ الوصف المذكور دال على أنه أريد بهما الجنس دون الإفراد، ولذلك قال إنّ القصد من لفظ دابة ولفظ طائر إنما هو إلى الجنسين تقريراً له على معناه الأصلي وتجريداً عما عرض له في الاستعمال باعتبار التنوين والتنكير وإذا كان القصد منهما إلى الجنسين، فلا إشكال في الأخبار عنهما بقوله إلا أمم أمثالكم، كأنه قيل وما من جنس من هذين الجنسين إلا أمم ولا شك أنّ الجنس مفهوم واحد فلا يتصوّر حينئذ كون الوصف مفيد الزيادة التعميم، وفي الكشاف المقصود بهذين الوصفين زيادة التعميم والإحاطة كأنه قيل وما من دابة قط في جميع الأرضين السبع وما من طائر قط في جوّ السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم قال الشريف قدس سرّه: توجيهه أنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم لكن جاز أن يراد بها دواب أرض واحدة أو طيور جوّ واحد فيكون استغراقاً عرفيا فلما ذكر
стр. 1138
وصفان نسبتهما إلى دواب أفي أرض وطيور أي جوّ على السواء اتضح أنّ الاستغراق حقيقي يتناول دواب جميع الأرضين وطيور جميع الآفاق فظهر أنّ الوصفين يفيدان زيادة التعميم والإحاطة لكن يرد عليه أن النكرة المفردة في سياق النفي تدل على كل فرد فرد فلا يصح الإخبار عنها بقوله أمم وكدّا لا يصح ذلك الأخبار، وان أريد بتلك النكرة النوع لأنّ كل نوع أمّة لا أمم وجوابه أنّ النكرة هاهنا محمولة على المجموع من حيث هو بقرينة الخبر، والى السؤال والجواب أشار في الكشاف وعليه المصنف أيضاً وبهذا التقرير تبين أنّ كلام الشيخين ليس بمتحد كما ذهب إليه كثير من شراح الكشاف وذهب فرقة منهم كالنحرير وصاحب الكشف إلى اتحادهما وأيده الفاضل الحفيد فقال وأنت خبير بأنّ زيادة من الاستغراقية لتأكيد العموم فيما يدخل عليه والإحاطة بأفراده نصا بحيث لا يحتمل غير ذلك عند أهل العربية جميعاً مع أنّ سوق الآية لبيان شمول قدرته لكل فرد للدابة والطائر كشمولها لإفراد الإنسان بلا تفاوت فمن حمل الوصف على بيان الجنس لم يرد الجنس مع عدم الصلوح للفردية بل قصد أنّ خصوص فرد أو نوع غير مقصود بل المقصود الجنس في جميع الإفراد إذ الوصف لا يختص بفرد أو نوع فالاستغراق حقيقيّ لا عرفيّ فبالضرورة مآل التوجيهين واحد بالإنصاف انتهى. وهو حق لا مرية فيه إلا مكابرة، ثم إنه بقي في كلام الشريف نظر من وجوه، الأوّل إنه ذكر أثي المراد من الجنس الماهية وإنه أمر واحد ثم ذكر إنه لا إشكالى في جمعية الخبر وهذان معنيان متنافيان مع أنّ دخول من يمنع من إرادة الماهية ولما استشعر هذا قال من متعلقه بالجنسية لا بكل واحد واحد وهو تكلف، الثاني أنه أورد على الزمخشري أنّ النكرة المفردة في سياق النفي تدلّ على كل فرد فرد وسلمه وهو وارد على السكاكي أيضا فكيف يخصه بمذهب الزمخشري، الثالث إنه قال إنّ النكرة هنا محمولة على المجموع من حيث هو، فإن أراد أنه لازم له فهو صحيح على المسلكين والا فكلام الزمخشري ناطق بخلافه، وهذا تحقيق المقام بما لا مزيد عليه وقد اغترّ بعضهم بكلام الشريف هنا فوقع فيما
وقع، وفي البحر الكبير أنّ هذا يقتضي أنه يجوز أن يقال لا رجل قائمون والقياس لا يأباه إلا أنه لم يرد إلا مع الفصل بينهما وهو كلام حسن. قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ التفريط التقصير وأصله أن يتعدّى بفي وقد ضمن هنا معنى أغفلنا وتركنا فمن شيء في موضع المفعول به ومن زائدة والمعنى ما تركنا في الكتاب شيئاً يحتاج إليه من دلائل الألوهية والتكاليف ويبعد جعل من تبعيضية والتقدير ما فرّطنا في الكتاب بعض شيء وان جوّزه بعضهم، هذا ما ارتضاه أبو حيان والزمخشرفي وعدل عنه المصنف ﵀ لأنه لا يتعذى فجعل التقدير تفريطا فحذف المصدر وأقيم شيئا مقامه وتغ فيه أبا البقاء ﵀ إذا اختار هذا وقال أنّ المعنى عليه لا على غيره فلا يبقى في الآية حجة لمن ظن أنّ الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء، ونظيره لا يضرّكم كيدهم شيئا أي ضيرا، وأورد عليه في الملتقط أنه ليس كما ذكر لأنه إذا تسلط النفي على المصدر كان منفياً على جهة العموم ويلزمه نفي أنواع المصدر ونفي جميع أفراده وليس بشيء لأنه يريد أنّ المعنى حينئذ أن جميع أنواع التفريط منفية عن القرآن وهو مما لا شبهة فيه ولا يلزمه أن يذكر فيه كل شيء كما لزم على الوجه الآخر حتى يحتاج إلى التأويل فقول المصنف ﵀ من أمر الدين الخ إشارة إلى التأويل لا حاجة إليه مع اختيار هذا الوجه كما إن نفي تعديه لا يضرّ من قال إنه مفعول به على التضمين كما مرّ، وأمّا ما قيل إن فرط يتعذى بنفسه لما وقع في القاموس فرط الشيء وفرط فيه تفريطا ضيعه وقدّم العجز فيه وقصر فلا نسلم أنه يتعدى بنفسه وتفرد صاحب القاموس بأمر لا يسمع في مقابلة الزمخشري وغيره مع أنه يحتمل أنّ تعديته المذكورة فيه ليست وضعية بل مجازية أو بطريق التضمين المذكور، وقرئ " فرطنا! بالتخفيف وهو والمشدد بمعنى واحد، وقال أبو العباس: معنى فرطنا المخفف أخرنا كما قالوا فرط الله عنك المرض أي أزاله، وقوله:) أمر حيوان أو جماد (دخل فيه النبات لأنه جماد وإدخاله في الحيوان لنموه تعسف على أن مثله يراد به التعميم كثيراً، وقوله: (أو القرآن) قيل هو لا يلائم ما قبله وما بعده ويدفع بأنّ المعنى لم نترك شيئاً من الحجج وغيرها إلا ذكرناه فكيف
стр. 1139
يحتاج إلى آية أخرى مما اقترحوه ويكذب بآياتنا فالكلام بعضه آخذ بحجز بعض بلا شبهة. قوله: (مفصلاَ أو مجملاَ) يشير إلى أنّ ما ثبت بالأدلة الثلاثة ثابت بالقرآن لإشارته بنحو قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٢] إلى القياس وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أسورة الحشر، الآية: ٧] إلى السنة بل قيل إنه بهذه الطريقة يمكن استنباط جميع الأشياء منه كما سأل بعض الملحدين بعضهم عن طبخ الحلوى أين ذكر في القرآن فقال في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٧] وقوله: وقد عدى بفي يعني فلا ينصب مفعولاً به، وليس مراده أنه كيف يتعلق به المجرور بها وبحرف
بمعناها مرّة أخرى لأنه لا يدلّ عليه الكلام حتى يصحح بأنه من قبيل أكلت من بستانك من العنب كما توهم. قوله:) ثم إلى ربهم يحشرون يعني الأمم كلها) إن كان المراد بالأمم ما ذكر في النظم وهم من سوى الناس لجعلها أمثالاً لهم المستلزم للمغايرة، كما مرّت الإشارة إليه فضمير العقلاء لإجرائهم مجراهم في الحساب والحشر ولا يلزم تعميم الدابة وإلا لزم جعلهم مثالاً لأنفسهم، وان رجع إلى ذلك باعتبار إطلاقه صح، ويكون الجمع للتغليب، ويكون قوله كما روي الخ بياناً لإنصاف غير الناس بعضهم من بعض فإنه المحتاج للبيان، وما قيل بعد تعميم ضمير يحشرون المقصود إن من يضبط أحوال الدواب وأعمالها فينصف بعضها كما روي إنه يأخذ للجماء من القرناء (١ (ويجازيها كيف يهملكم سدى يريد به مآل الآية ومحصلها فلا يرد عليه أنّ أوّل كلامه يناقض آخره فتأمّل، وهو حديث صحيح رواه الشيخان. قوله:) فينصف بعضها من بعض) ترك قول الزمخشري فيعوّضها وينصف بعضها من بعض لابتنائه على مذهبه من أنّ التعويض لا يختص بالمكلفين والمختص الثواب، وهو منفعة مستحقة دائمة على وجه التعظيم والعوض منفعة مستحقة غير دائمة ولا مقترنة بالتعظيم فالحديث عنده استشهاد للتعويض والاتصاف جميعا، وبعضهم جعله للإنصاف فقط، وقوله: (للجماء الخ) الجماء التي لا قرن لها في رأسها ضد القرناء، وهو إشارة إلى حديث مسلم لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، قال ابن المنير ﵀: وليس هذا جزاء تكليف، ومن ذهب إلى أنّ البهائم والهوام مكلفة لها رسل من جنسها فهو من الملاحدة الذين لا يعوّل عليهم كالجاحظ، وقوله: (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) يعني أنّ قوله إلى ربهم يحشرون مجموعة مستعار على سبيل التمثيا! للموت كما ورد في الحديث: " من مات فقد تامت قيامته ") ٢ (فلا يرد عليه أنّ الحشر بعث من مكان إلى آخر، وتعديته بإلى تنصيص على أنه لم يرد به الموت مع أن في الموت أيضا نقلاً من الدنيا إلى الآخرة. قوله: (لا يسمعون (إشارة إلى أنه تشبيه بليغ على القول الأصح في أمثاله ووجه الشبه عدم الانتفاع بما يقال. قوله: (خبر ثالث الخ) قيل الظاهر أنه واقع موقع عمى أي لا يرون آيات الله وكون في الظلمات حالاً أبلغ من كونه خبراً ثالثاً فإنه يفيد أن صممهم وبكمهم مقيد بحال كونهم في ظلمات الكفر حتى لو
أخرجوا منها لسمعوا ونطقوا ولا يحتاج إلى بيان وجه ترك العطف فيه دون أخويه، وتدّر خابطون ولم يقدر متعلقه عاما لأنّ المراد من الخبط التعسف في السير كخبط عشواء، وهو أنسب وأبلغ لأنّ السائر في الظلمة ربما اهتدى بصوت فإذا كانوا كلهم صما وبكما لم يكن اهتداء أصلاً، وذكر في جمع الظلمات وجهين أحدهما أنه باعتبار ملل الكفر وأنواعه، والثاني أنّ المراد ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد في الباطل، وأعلم أنّ للعلماء في إعادة الحيوانات ومحاسبتها قولين أشار إليهما المصنف ﵀ فقيل إنه على ظاهره فيخلق فيهم عقولاً ويحاسبهم وينصف بعضهم من بعض ثم يعيدهم ترابا، وقيل: إنه تمثيل لعموم عدله ولا إعادة ولا حساب كما في سراج الملوك. قوله: (من يشا الله يضلله) هو دليل لأهل السنة على أنّ الكفر وغيره بإرادته تعالى، وأن الإرادة لا تتخلف عن المراد وقدمه لأنّ هذا محل الخلاف بيننا وبينهم ولو أخره لكان له وجه، وقوله: بأن يرشده إلى الهدى بيان لوجه التقابل بينه وبين قوله يضلله، ثم لم يكتف به، وقيده بقوله يحمله عليه لأنّ الإرشاد إلى الهدى عامّ للكل ولما كانت الآية دليلاً ظاهراً لأهل السنة أوّلها في الكشف بقوله يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف، ومن يثأ يجعله على صراط مستقيم أي يلطف به لأنّ اللطف يجدي عليه، وقوله من يشأ الله إضحلاله يشير إلى مفعوله
стр. 1140
المقدّر ومن مبتدأ خبره ما بعده، وأن من ليس مفعولاً مقدما ليسا لفساد المعنى كما أوضحه في الدرّ المصون وفيه إعراب آخر وهو أنه منصوب بفعل مقدّر بعده يفسره ما بعده أي من يشق يثأ إضلاله. قوله: (ومن يثأ يجعله على صراط مستقيم بأن يرشده الخ) قيل كان الظاهر ومن يشأ يهده وإنما عدل عنه لأنّ هداية الله وهي إرشاده إلى الهدى غير مختصة ببعض دون بعض وقال إنه ردّ على المصنف في تفسيره بقوله يرشده إلى الهدى ورذ بأنّ مراد المصنف بالإرشاد إرشاد مقارن للرشاد بدليل قوله ويحمله فإنه عطف تفسيره بقوله يرشده كما مرّ. قوله: (أرأيتكم الخ) تحقيق هذا التركيب وهو مشهور في التنزيل وكلام العرب أنّ الأخفش قال إنّ العرب أخرجته عن معناه بالكلية فقالوا أرأيتك وأريتك بحذف الهمزة الثانية إذا كانت بمعنى أخبر وإذا كانت بمعنى أبصر لم تحذف همزتها وشذت أيضاً فألزمتها الخطاب على هذا المعنى فلا تقول أبدا أراني زيد عمراً ما صنع وتقول هذا على معنى أعلم، وشذت أيضا فأخرجتها عن موضوعها بالكلية لمعنى أمّا بدليل دخول الفاء بعدها كقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٦٣] الاية فما دخلت الفاء إلا وقد خرجت لمعنى أمّا والمعنى أمّا إذ أوينا إلى الصخرة فالأمر كذا وكذا وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى أخبرني كما قدمنا، وإذا كانت بمعنى أخبرني لا بد بعدها من اسم المستخبر عنه وتلزم الجملة بعد الاستفهام وقد تخرج لهذا المعنى وبعدها الشرط وظرف الزمان قاله أبو حيان
والزمخشري يخالف في بعض ما ذكر، وقال الكرمانيّ: إنّ فيه تجوّزين إطلاق الرؤية وارادة الإخإر لأنّ الرؤية سببه، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب وقال سيبويه أرأيتك زيداً أبو من هو دخلها معنى أخبرني وأخبرني لا يعلق ولا يلغى، والجملة الاستفهامية بعد الاسم في موضع المفعول الثاني، وليس أرأيتك معلقا عنها واعترض على قوله لا يعلق بأنه سمع تعليقه في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ في آيات كثيرة مثلها تدلّ على التعليق ويخالف ما قاله، ولا يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية جواب الشرط لأنه يلزمها الفاء، وقال ابن عصفور ﵀: إنّ المفعول حذف فيها اختصاراً والرؤية فيه علمية عند كثير وعليه المصنف ﵀ خلافاً للرضمي إذ جعلها بصرية تبعاً لغيره والزمخشري كغيره جوّزهما فجعلها تارة بصرية وتارة علمية فهي منقولة من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه فيل " بصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها ولا تستعمل إلا في حال عجيبة، وقال الرضي: جملة الاستفهام مستأنفة لا محل لها بيان لحال المستخبر عنه كأنه قال المخاطب لما قال أرأيت زيداً عن أيّ شيء من حاله تسأل فقال ما صنع فهو بمعنى قولك أخبرني عما صنع وإنما قال ذلك لأنها عنده متعدية لواحد لأنها بصرية أو قلبية بمعنى عرف الذي يتعدّى لوأحد. قوله: (استفهام تعجيب) هذا لا ينافي كونها بمعنى أخبرني لما قيل إنه بالنظر إلى أصل الكلام والا فهو مجاز عن معنى أخبرني منقول من أرأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل " بصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا تستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشيء، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سبباً للإخبار عنه أو الإبصار به طريقا إلى إحاطته علما والى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، وعلى التقديرين فيه تجوّزان وشبه الاستعارة التبعية، وينبغي أن يسمى مثله مجازاً مرسلاً تبعيا ومن هاهنا ظهر مسألة لم تذكر في علم البيان فلا مخالفة بين كلام المصنف، وكلام الزمخشري كما تيل وأمّا قوله إنّ هذه المسألة مما لا يعرفه أهل المعاني فغريب منه لأنها مذكورة في شرح التلخيص للنحرير، وما قيل إنها للاسنخبار عن الشيء لعجيب فلما كانت للاستخبار كانت دالة على الاستفهام تعسف. قوله: (والكاف حرف خطاب كد به الضمير الخ) في عبارته تسمحات لأنّ مراده بالكاف لفعل كم لا الكاف وحدها والميم من تتمة ما قبلها، وقوله للتأكيد مع قوله أكد به لغو والظاهر جيء به للتأكيد وكونه خبراً بعد خبر وكون المراد أنه للتأكيد أبداً لا لغرض آخر خلاف الظاهر وكذا قوله لا محل له مع قوله حرف زائد وصرّح بالحرفية للإشارة إلى ما في قول الزمخشري إنه ضمير والفراء عكس هذا فقال الكاف ضمير مفعول
стр. 1141
والتاء حرف خطاب والكلام عليه مبسوط في المطولات. قوله: (لعدّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل) بناء على أنها علمية وأق جملة الاسنفهام في
محل نصب على المفعولية لا مستأنفة ولا هو متعد لواحد بمعنى أبصر أو عرف كما مز، وقوله: وللزم الخ يعني أن يجمع المفعول لأن الضميرين معمولان لعلم فيلزم مطابقتهما لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر. قوله:) بل الفعل معلق أو المفعول محذوف الأنها علمية عند المصنف، والتعليق إبطال العمل لفظا لا محلاً بأن يدخل الجملة ما يمنع من العمل في لفظها وليس محلاً يحل فيه جملة كما بين في النحو، والمفعول الثاني في باب علم يكون جملة لأنه خبر في الأصل فاذا قدر المفعول الأوّل لم يكن تعليقاً، وإذا لم يقدر كان تعليقا لأنّ الجملة الاستفهامية ساذة مسدّ مفعولية كما مرّ نقله عن ابن عصفور، فمن قال ليس هذا تعليقاً نحويا فقد وهم، وقوله تنفعكم الخ تقديره أتنفعكم فقدر أداة الاستفهام لأنّ كثرته بعدها قرينة عليه.
قوله: (ويدل عليه) أي على تقدير الهول لأنّ الدعاء لا يكون من نفس! الساعة التي لا يمكن دفعها بل من أهوالها وقال أبو البقاء مفعول أرأيتكم محذوف تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام بدليل قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ . قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ في الكشاف تخصون ا-لهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ أم تدعون الله دونها والمصنف ﵀ ترك بيان التخصيص هنا فقيل لأنه لإنكار دعوة غير الله لا لإنكار تخصيص الدعوة بغيره تعالى فتقديمه لأنّ الإنكار متعلق به وفيه نظر يعلم مما ستسمعه، وقوله: أن الأصنام بفتح الهمزة أي في أنّ الخ وقوله وجوابه محذوف وأمّا جواب الشرط الأوّل فقال الرضيّ إنه الجملة المتضمنة للاستفهام وردّه الدماميني في شرح التسهيل بأنّ الجملة الاستفهامية لا تقع جوابا للشرط بدون فاء، بل الاستفهامية مستأنفة وجواب الشرط محذوف مدلول عليه بأرأيت، وفيه بحث ذكرناه في حواشي الرضي. قوله: (بل تخصونه بالدعاء الخ (هذا وان أغنى عن قوله وتقديم المفعول الخ لكنه صرّج به لأنه يحتمل أنّ ألتقديم لرعاية الفواصل والتخصيص يستفاد من قوله: ﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقوله إلى كشفه بيان لمحصل المعنى لأنه إنما يدعي لكشفه أو إلى تقدير مضاف والعائد إلى ما محذوف، وقوله: كما حكي الخ إشارة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٦٧] فليس قوله بل إياه تدعون
على الفرض كما يتوهم. قوله: (إن شاء أن يتفضل الخ) اعلم أنّ الزمخشريّ جوّز في متعلق الاستخبار أن يكون تقديره من تدعون وأن يتعلق بقوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ وأورد عليه أنّ قوله فيكشف ما تدعون مع قوله أو أتتكم الساعة يأباه فإن قوارع الساعة لا تنكشف عن المشركين، وأجيب بأنه تد اشترط في الكشف المشيئة بقوله إن شاء إيذاناً بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة إلا أنه لا يفعل لوجه أرجح من الحكمة وهو مبني على أصول المعتزلة، وفي البحر الكبير الأحسن عندي أنّ هول القيامة يكشف أيضا ككرب الموقف إذا طال موقفه كما ورد في حديث الشفاعة الحظمى في الفصل بين الخلائق إلا أنّ الزمخشري لم يذكره لأنّ المعتزلة قائلون بنفي الشافعة وقد غفل عن هذا من اتبعه، وخص السؤال بالثاني لأنه غير وارد على الأوّل على ما ذكره الطيبي وصاحب التقريب لأنه إن علق أرأيتكم بمن تدعون المقدر على أنه مفعول فالمعنى أخبروني من تدعون إن أتاكم العذاب أو أتتكم الساعة فيتم الكلام عنده، ثم إنه استأنف مقرّرا لذلك المعنى سائلاً عن الدافع في الدنيا وما شوهد منهم في الشدائد من دعائه تبكيتا لهم بقوله أغير الله تدعون أي أتخصون آلهتكم بالدعوة لا بل أنتم عادتكم أن تخضون الله بالدعاء عند الكرب، والشدائد فيكشف ما تدعون إليه وان علقه بالاستفهام في قوله أغير الله تدعون يكون هو الدال على الجزاء، والمعنى أخبروني إن أتتكم الساعة أدعوتم غير الله أم دعوتموه فيكشف ما تدعون إليه ودخلت الهمزة لمزيد التقرير وحينئذ يلزم كشف قوارع الساعة، وهي لا تكشف عن الكفار بخلاف الوجه الأوّل لأنّ قوله أغير الله تدعون منقطع عنه كما سبق فلا يتعلق كشف الضرّ بالقيامة، وقد ذكر العلامة وصاحب الكشف نحوأ من هذا، وأورد عليه أنّ فيه نظر الظهور أنّ المعنى على هذا التقدير أيضا أتدعون غير الله عند إتيان العذاب
стр. 1142
أو الساعة ويتوجه السؤال غاية الأمر أنه على الأوّل أظهر وليس كذلك لأنه إذا كان كلاما منقطعا لا يلزم أن يقدر ما ذكر بل ما يمكن كشفه بقرينة قوله: فيكشف فلا يرد ما ذكره، ثم إنّ المصنف ﵀ جرى على احتمال عدم التقدير وأنه يتعلق بالآخرة وأشار إلى جوابه قال العلامة في شرح الكشاف وفي هذا الجواب ضعف لأنّ قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، الآية. ٤٨] ليس معناه أنه لا يغفر إن لم يشأ حتى إن شاء غفر والا لم يكن بين الشرك وغيره فرق ويمكن أن يفرق بأن المغفرة في غير الشرك مشروطة بمشيئة محققة لأنها صلة في قوله لمن يشاء اهـ أي وهذا مشروط بمشيئة بخلاف لك لاقتضاء الحكمة له، ولقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨] وبديتم الجواب فتأمّل. قيل ولو جعل مفعول المشيئة نفس الكشف كما هو المعروف في أمثاله ثم قيده بالتفضل كان أولى، وفيه نظر. قوله:) وتنسون الخ) بين أوّلاً أنه مجاز عن الترك، وثانيا أنه لشدة الهول ينسونهم فيكون حقيقة ولا يلزم أن ينسى الله لأنّ المعتاد فيها أن يلهج بذكره وينسى ما سواه ومن في من قبلك زائدة بناء على جواز زيادتها في الإثبات المصنف لم يرتضه في غير هذا الموضع، وقيل بمعنى في وقيل
ابتدائية ورجحه بعض النحاة. قوله: (لما ركز في النقول الخ) أي لأجل ذكر الله أو دعائه المركوز في العقول أو لمركوزية الله تعالى في العقول على هذه الصفة أو لمركوزية ذكره بناء على هذا، وعلى هذين فما مصدرية، وقوله: على أنه القادر الظاهر من أنه القادر. قوله: (فكفروا وكذبوا) فالفاء فصيحة والزمخشري قدّر كذبوا فقط وهو أولى، وقوله: صيغتا تأنيث لا مذكر لهما أي لا مذكر لهما على أفعل كأحمر وحمراء كما هو القياس فإنه لم يقل أضرّ وأبأس صفة بل للتفضيل فإنّ البأس والضرّ مصدران وقوله يتذللون تفسير له لأنه من الضراعة وهي التذلل وعند المصائر يخشع المرء ويلين قلبه. قوله: (معناه نفي تضرّعهم) ذهب الهروي إلى أن لولا تكون نافية حقيقة بمنزلة لم وجعل منه فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها الأقوم يونس والجمهور حملوه على التوبيخ والتنديم، وهو بعيد الترك وعدم الوقوع ولذا ظهر الاستدراك والعطف بلكن فيفيد إنهم لا عذر لهم فيه واليه أشار المصنف بقوله مع قيام ما يدعوهم وليست لولا هنا تحضيضية، كما توهم لأنها تختص بالمضارع وهو معنى آخر غير التوبيخ كما في المغني. قيل ولو قال وعدم المانع لكان أولى لأنّ مجرّد وجود الداعي بدون عدم المانع غير كاف لاستحقاق التوبيخ. قوله: (أي لم يتضرّعوا ولكن الخ) قيل لأنه لما كان التضرّع ناشئاً من لين القلب كان نفيه نفيه، وقيل كان الظاهر أن يقال لكن يجب عليهم التضرّع فعدل إلى ما ذكر لأنّ قساوة القلب التي هي المانع تشعر بأنّ عليهم ما ذكر فكأنه قيل لكن يجب التضرّع، وقيل إنما حمل على قصد النفي دون التنديم ليحسن الاستدراك، وهذا معنى قوله استدراك على المعنى وقوله ولم يتعظوا بيان للمراد من النسيان هنا. قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فإن قلت قد أسند الله هنا التزيين إلى الشيطان وأسنده إلى نفسه في قوله وكذلك زينا لكل أمّة عملهم، فهل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما قلت وقع التزيين في النظم في مواضع كثيرة، فتارة أسنده إلى الشيطان كالآية الأولى وتارة إلى نفسه كالثانية وتارة إلى البشر كقوله: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٣٧] في قراءة، وتارة مجهولاً غير مذكور فاعله كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة يون! ، الآية: ١٢] لأنّ التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة أحدها إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر كقوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا﴾ [سورة الصافات، الآية: ٦] والثاني جعله مزينا من غير إيجاد كتزيين الماشطة العروس، والثالث جعله محبوبا للنفس مشتهى للطبع وان لم يكن في نفسه كذلك فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى الله كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة النمل، الآية: ٤] قال المصنف في تفسيرها زينا لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلناها مشتهاة بالطبع محبوبة للنفس يعني والله هو الفاعل لهذا حقيقة لإيجاده له، ولغة ونحوأ لاتصافه بخلقه وإن كان بمجرّد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه كالوسوسة والإغواء كما أفصح عنه تعالى: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٣٩] فهذا لا يسند إلى الله حقيقة وإنما يسند إلى الشيطان أو البشر كما مرّ، وقد أشار إليه المصنف ﵀ في تفسير قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
стр. 1143
فقال بأن وسوس لهم، وإذا لم يذكر فاعله يقدر في كل مكان ما يليق به، والذي تسكب فيه العبرات تحقيق تلك المقامات. قال الراغب في مفرداته زينه إذا أظهر حسنه إمّا بالفعل أو بالقول وقد نسب الله تعالى تزيين الأشياء في مواضع إلى نفسه وفي مواضع إلى الشيطان وفي مواضع ذكره غير مسمى فاعله وتزيين الله الأشياء قد يكون بإبداعها مزينة وايجادها كذلك وتزيين غيره للشيء تزويقه بفعلهم أو بقولهم وهو أن يمدحوه، ويذكروه بما يعرف منه انتهى. وقال صاحب الانتصاف في سورة آل عمران التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إلى الله تعالى حقيقة لأنه لا خالق كل شيء من جوهر ومن عرض قائم به كالحب وغيره محمود في الشرع المتصف به أولاً، ويطلق التزيين ويراد به الحض على تعاطي الشهوات والأمر به، وهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى الله تعالى منه إلا الحض على بعض الشهوات المحضوض عليها شرعاً كالنكاح الموافق للسنة وما يجري مجراه وأمّا الشهوات المحظورة فتزيينها بهذا المعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها انتهى. إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المصنف ﵀ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٢] حسنها في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها والمزين على الحقيقة هو الله إذ ما من شيء إلا وهو فاعله ويدل عليه قراءة زين على البناء للفاعل وكل من الشيطان والقوّة الحيوانية، وما خلق الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض يعني أنه إذا كان بمعنى الإيجاد أسند إلى الله حقيقة، وإلى غيره مجازا كما مرّ تحقيقه رواية ودراية، فما قيل عليه من أنّ التزيين هو التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل ولهذا جاء في أوصاف الدنيا وأوصاف الآخرة والمزين في الحقيقة هو الشيطان فإنه حسن الدنيا في أعينهم وحببها إليهم وقراءة زين على البناء للفاعل على الإسناد المجازيّ فإنه تعالى أمهل المزين فجعل إمهاله تزييناً أو زينها حتى استحسنوها وأحبوها ومن قال المزين الخ أخطأ في المدعي وما أصاب في الدليل أمّا الأوّل فلأنّ التزيين صفة تقوم بالشيطان والفاعل الحقيقي لصفة ما تقوم به تلك الصفة وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلال، وأما الثاني فلأنّ مبناه عدم الفرق بين الفاعل النحوي الذي كلامنا فيه والفاعل الكلامي الذي هو بمعزل عن هذا المقام (قلت)
المخطىء مخطئ من وجوه أحدها أنّ قوله المدرك بالحس ليس بصواب لأن تزيين الأعمال ليس مما يدرك بالحس فلا وجه لتخصيصه به، الثاني أنّ قوله والمزين في الحقيقة هو الشيطان إن أراد بالتزيين جعله مشتهى بالطبع وخلق ذلك فيه فباطل وان أراد الوسوسة ونحوها فالقاضي لا ينكره، ألا تراه قال في قوله تعالى: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الفتح، الآية: ١٢] الفاعل هو الله أو الشيطان، وكذلك قوله التزيين صفة تقوم بالشيطان فإنه يقال له أيّ معانيه أردت الثالث أنّ ما ذكره من عدم الفرق من بعض الظن وكيف يخفى على مثله وهو مقرر في الأصلين وإنما قصد الردّ على الزمخشري حيث فسره بما زعمه هذا القائل بناء على مذهبه في خلق العباد أفعالهم لا كما توهمه فقد فرّ من المطر ووقف تحت الميزاب، والحمد لله ملهم الصواب. قوله: (فلما نسوا ما ذكروا الخ (قيل هذه الآية الكريمة تؤيد مذهب من ذهب إلى أن لما ظرف بمعنى حين وليس فيه معنى الشرط إذ لا يظهر وجه سببية النسيان لفتح أبواب الخير،
стр. 1144
وحديث الاستدراج لا يدفعه لأنه يفيد الصحة اجتماع الفتح مع النسيان لا سببيته له فلا بذ من قبل الجمهور من الجواب انتهى. (قلت اللنحويين في لما مذهبان الأوّل أنها حرف وجود لوجود أو وجوب لوجوب، والثاني أنها ظرف بمعنى حين، وقال ابن مالك: بمعنى إذ وهو حسن لاختصاصها بالماضي والإضافة إلى الجمل، وردّ ابن خروف الظرفية بنحو لما أكرمتني أمى أكرمتك اليوم لأنها لو قدرت ظرفا كان عاملها الجواب والواقع في اليوم لا يكون في الأمس، وأوّله القائلون به بنحو لما ثبت إكرامك كما أوّل إن كنت قلت غير المبرد، وعلى كلا القولين ففيها معنى الشرطية وإنما الخلاف في حرفيتها واسميتها فلا بد من تأويل الآية بأنّ النسيان سبب للاستدراج المتوتف على فتح أبواب الخير وسببيته شيء لآخر تستلزم سببيته لما يتوقف عليه فاندفع الاعتراضى أو الجواب ما ذكر باعتبار ماله ومحصله وهو ألزمناهم الحجة ونحوه كما أشار إليه المصنف وتسببه عنه ظاهراً وإنه مسبب عنه باعتبار غايته وهو أخذهم بغتة، وقوله كل شيء المراد به التكثير لا التعميم والإحاطة وهو مستعمل بهذا المعنى كما مرّ وقوله ولم يتعظوا إشارة إلى أنّ النسيان مجاز عت الترك وعدم العمل والاتعاظ كما مرّ نحوه. قوله:) مراوحة عليهم الخ (بالراء والحاء المهملتين أي مناوبة من قولهم راوج بين العملين إذا عمل هذا مرّة وذاك أخرى كأنه يروج إلى أحدهما بعد الآخر أو يستريح إليه كما يفعل الأب المشفق بابنه في الملاينة والمخاشنة ليصلح حاله فعلى الوجه الأوّل هذا للتأديب وعلى الثاني للاستدراج، قال النحرير: والوجه هو الثاني، والأوّل مبنيّ على الاعتزال فتأمّل، وقوله:) أو مكراً بهم) أي استدراجا قال الراغب مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أغراض! الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله. قوله:
(لما روي الخ) قال السيوطي: لم أقف عليه مرفوعاً إنما هو من تول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بزيادة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا لكن روى أحمد والطبرانيئ والبيهقيّ في شعب الإيمان من حديث عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا: " إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما هو استدراج " (١ (ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية والتي بعدها، وقوله: (ورت الكعبة) قسم يعني أنه لما سمع قوله تعالى فتحنا عليهم الخ أقسم إنما هو للمكر والاستدراج بهم مؤيد للتفسير الثاني. قوله: (وقرا ابن عامر الخ) قرأها الجمهور هنا مخففة وابن عامر مثقلة للتكثير، وقرأ ابن عامر أيضا في الأعراف لفتحنا، وفي القمر ففتحنا بالتشديد، وكذا قرئ فتحت يأجوج ومأجوج والخلاف أيضاً في فتحت أبوابها في الزمر في الموضعين وفتحت السماء في النبأ، فإنّ الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها ولم يخففها إلا الكوفيون فقد جرى على نمط واحد في هذا الفعل، والباقون شدّدوا في المواضع الثلاثة المشار إليها وخففوا في الباقي جمعاً بين اللغتين هذا تحقيق النقل فيه وفي كلام المصنف ﵀ إجمال تفصيله هذا. قوله: (أعجبوا) مبنيّ للفاعل من قولهم أعجبني هذا الشيء وأعجبت به وهو شيء يعجب إذا كان حسناً جدا كذا في تهذيب الأزهريّ أو مبنيّ للمفعول من قولهم أعجب إذا زهى وتكبر، وقوله: (والقيام بحق (أي حق المنعم وهو الشكر وقوله: (ولم يزيدوا على البطر) أي غاية الفرج والنشاط المفرطين وزاد الواو على عبارة الكشاف لما فيه من إيهام إنه جواب. قوله: (فإذا هم مبلسون الخ (إذا هي الفجائية وفيها ثلاثة مذاهب مذهب سيبويه رحمه الله تعالى إنها ظرف مكان ومذهب جماعة منهم الرياشي إنها ظرف زمان ومذهب الكوفيين إنها حرف فعلى تقدير كونها ظرف زمان أو مكان الناصب لها خبر المبتدأ أي أبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها، والإبلاس له ثلاثة معان في اللغة جاء بمعنى الحزن والحسرة واليأس وهي معان متغايرة، وقال الراغب والإبلاس الحزن المعترض من شذة اليأس، ولما كان المبلس كثيراً ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته، وأيس وشس بمعنى، واليأس معروف. قوله: (بحيث لم يبق الخ (إشارة إلى أنه كناية عن الاستئصال لأنّ ذهاب آخر الشيء يستلزم ذهاب ما قبله وهو من دبره إذا تبعه فكان في دبره أي خلفه فالدابر ما
يكون بعد الآخر ويطلق عليه تجوّزاً، وقال أبو عبيد: دابر القوم آخرهم وقال الأصمعي: الدابر الأصل ومنه قطع الله دابره أي أصله. قوله: (نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها) قال في الكشاف: فيه إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة فهو عنده إخبار بمعنى الأمر تعليما للعباد قيل ويحتمل أنه تعالى حمد نفسه على هذه النعمة الجليلة وجعل المصنف ﵀ الحمد على هلاك الظلمة، وبين أنه نعمة باعتبار ما ذكره، وفي الانتصاف ونظير الأوّل قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [سورة الشعراء، ١ لآية: ١٧٣] قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى فيمن وقف هاهنا وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين، ومنهم من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانيته تعالى وأنه ﷻ خير مما يشركون، فعلى الأوّل يكون
стр. 1145
الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة وهو مستعمل فيهما شرعا ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتماً إذ لا يقتضي السياق غيره. انتهى، وقوله: أصمكم وأعماكم يعني أخذهما مجاز عما ذكر لأنه لازم له وفيه دليل على بقاء العرض زمانين لأنّ الأخذ لا يكون إلا للموجود وهو كلام حسن. قوله: (أي بذاك) إشارة إلى ما مرّ تحقيقه في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٨] من أنّ اسم الإشارة المفرد يعبر به عن أشياء عدّة وأن الضمير قد يجري مجراه لكنه في اسم الإشارة أشهر وأكثر في الاستعمال فلذا تأوّل الضمير به ولذا قال رؤبة في تفسير قوله:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلدتوليع البهق
أردت كان ذاك ففسر الضمير الراجع إلى ما تقدم باسم الإشارة قال الزمخشري: والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليس على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذا جاء الذي بمعنى الجمع ومن غفل عن هذا قال إنّ هذا التأويل يجري في الضمير من غير حاجة إلى تأويل باسم الإشارة، وفي مجالس! النحاس إنه قيل لرؤبة ألا تقول كأنها فتحمله على الخطوط أو كأنهما فتحمله على السواد والبلق فغضب وقال كان ذاك بها توليع البهق فذهب إلى المعنى والموضع انتهى، ويحتمل إنه يريد أنه أفرد مراعاة للخبر لأنّ التوليع اجتماع لونين ولفظه مفرد ومعناه مثنى فتامّل، وأما قول بعضهم فإن قيل ما وجه اعتبار اسم الإشارة واقامة الضمير مقامه قلت للأشعار بأنّ الأمور المذكورة أمور ظاهرة فيكون الاحتجاح بها آكد فنا شيء من قلة التدبر. قوله: (أو بما أخذ وختم) يعني ضمير به راجع إلى المأخوذ والمختوم عليه الذي في ضمن ما مرّ لأنه بمعنى المسلوب منكم كما نقل عن الزجاج، وليس في الكلام ما
الموصولة لا ملفوظة ولا مقدرة حتى يقال في تفسيره إنّ الضمير على ظاهره لأن ما وان كان متعدّد المعنى مفرد اللفظ كما توهم وأمّا الوجه الثالث فظاهر وأما جعله راجعا إلى السمع وجعل ما بعده داخلاً معه في القصد فبعيد. قوله: (انظر كيف نصرّف الآيات الخ) انظر يفيد التعجب أيضاً مثل أرأيت وتصريف الآيات تكريرها على أنحاء مختلفة كتصريف الرياج، ثم إنّ المراد إمّا مطلق الدلائل أو الدلائل القرآنية مطلقا أو ما ذكر من أوّل السورة إلى هنا أو ما ذكر قبل هذا ذهب إلى كل بعض من أرباب الحواشي فلذا قيل هي المقدمات العقلية الدالة على وجود الصانع وتوحيده المشار إليها بقوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ﴾ الآية وأمّا الترغيب فبقوله فيكشف ما تدعون إليه، وأمّا الترهيب فبقوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٦] الخ وبمكن أن يؤخذ في ضمن قوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ﴾ فيكونان مذكورين في ضمن المقدمات العقلية وأمّا التنبيه والتذكير فبقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ﴾ [سورة النحل، الآية: ٦٣] الخ وقيل غير ذلك، وقوله بعد تصريف الآيات وظهورها تقرير لكون ثم للاستبعاد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٥٧] وأنّ تعريف الآيات للعهد كما مرّ. قوله: (من غير مقدمة) أي إمارة متقدمة يعني بغتة من حيث الظاهر لا يقابل جهرة لأنّ مقابل الجهرة الخفية لكن لما كان معنى بغتة وقوع الأمر من غير شعور، فكأنها في معنى خفية حسن أن يقابل بها كما في شروح الكشاف وليس المراد أنه مجاز أو استعارة بل إنه لما قرب أحدهما من الآخر صح مقابلته به ومثله كثير كما وقع في الحديث " بشروا ولا تنفروا " (١ (ومقابل التبشير الإنذار لا التنفير فمن قال إنّ البغتة استعارة للخفية بقرينة مقابلة الجهرة وانها مكنية من غير تخييلية بل بقرينة المقابلة المذكورة، وهذه الاستعارة لم يذكرها أهل المعاني تعسف بما لا حاجة إليه، ولا يخفى ما فيه وأنه يلزمه أن يصح بل يحسن النور خير من الجهل على أنّ الجهل استعارة للظلمة بقرينة مقابلته بالنور، ومثله يمجه الذوق السليم، وفي بعض التفاسير لما كانت البغتة هجوم الأمر من غير ظهور إمارة وشعور به تضمنت معنى الخفية فصح مقابلتها بالجهرة، وبدأ بها لأنها أرح من الجهرة وإنما لم يقل خفية لأنّ الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى وهو بيان لنكتة ترك المقابلة، وليس المراد بقوله تضمنت معنى الخفية إلا أنها مثلها في
عدم الشعور أي تضمنت ما في الخفية من ذلك المعنى ولو لم يرده لتناقض أوّل كلامه وآخره فمن اعترض عليه بأنّ البغتة ليست هنا
стр. 1146
من قبيل الخفية حقيقة لأن الإتيان وان كان بغتة على سبيل الجهر لا على سبيل الخفية كما توهمه ابن كمال لم يقف على مراده.
قوله: (وقرئ بنتة أو جهرة) يعني بفتح الغين والهاء على أنهما مصدران كالغلبة، وقال
ابن جني في المحتسب قرأ سهيل بن شعيب السهمي جهرة وزهرة في كل موضع محرّكا، ومذهب أصحابنا في كل حرف حلق ساكن بعد فتح أنه لا يحرّك الأعلى أنه لغة فيه كالنهر والنهر والشعر والشعر والحلب والحلب والطرد والطرد ومذهب الكوفيين أنه يجوز تحريك الثاني لكونه حرفا حلقيا قياسا مطردأ كالبحر والبحر، وما أرى الحق إلا معهم، وكذا سمعت من عامّة عقيل وسمعت الشجري يقول أنا محموم بفتح الحاء وليس في كلام العرب مفعول بفتح الفاء وقالوا اللحم يريدون اللحم، وسمعته يقول تغدوا بمعنى تغدوا وليس في الكلام تفعل بفتح الفاء، وقالوا سار نحوه بفتح الحاء ولو كانت الحركة أصلية ما صحت اللام أصلا اهـ وهي فائدة ينبغي حفظها ومنه تعلم حال بغتة وقرئ بالواو العاطفة. قوله: (ما يهلك الخ) يشير إلى أنّ الاستفهام في معنى النفي ولذا صح وقوع الاستثناء المفرغ بعده لأنّ الأصل فيه النفي وليس المراد أنّ هل نافية حقيقة لأنّ أرأيت بعده الاستفهام في الجملة، وقوله: هلاك سخط وتعذيب توجيه للحصر بتقييد الهلاك بما يتبادر منه والا فقد يهلك غيرهم لكنه رحمه منه ليجازيهم على ما ابتلاهم به بالثواب الجزيل. قوله: (ولذلك الخ) أي لكون المراد بالاستفهام النفي أو لأنّ المراد هلاك سخط وتعذيب صح الاستثناء المفيد للحصر لأنّ غير الظالمين يهلك كما مرّ قيل والمسألة نحوية لأنه في الاستثناء المفرّغ يقدر العموم بما يقدر في الإثبات بالنفي وفيما لم يقدر يجوز بالإثبات نحو قرأت إلا يوم الجمعة إذ يصح قرأت كل يوم إلا يوم الجمعة، وهاهنا يصح هلاك الظالمين إلا أنّ المعنى هاهنا على النفي لا إنه لولاه لم يصح الاستثناء المفرغ، وهذا منه بناء على تعين الاحتمال الثاني عنده. قوله: (١ لا مبشرين ومنذرين الخ (التخصيص لأنّ الجنة أعظم ما يبشر به، فلذا يتبادر من الإطلاق كما في العشرة المبشرة والنار أعظم ما ينذر به فلا يقال الأولى التعميم، وهما حالان مفيدان للتعليل أي لأجل التبشير والإنذار وأشار إليه المصنف بقوله ليقترج والاقتراج طلبهم الآيات والتلهي السخرية يقال تلهى به إذا سخر وتلعب وهذا إشارة إلى ارتباط هذه الآية بقوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٥٠] وقوله ما يجب إصلاحه أي الإتيان به على وفق الشريعة أي
إصلاحه على الوجه المشروع في إخلاص العبادة وعدم الشركة فعلى متعلقة بإصلاح. قوله: (جعل العذاب ماساً) يعني نسبة المس إليه وجعله فاعلا له يشعر بقصد الملاقاة من جانبه وفعله وان لم يتعين ذلك، فما أورد عليه من أنّ المس ليس من خواص الإحياء حتى يلزم ما ذكر وإنما هو تلاقي الجسمين من غير حائل بينهما يمكن دفعه بالعناية فعلى ما ذكره المصنف فيه استعارة تبعية وجوّزها الطيبي، وفي الكشاف جعل العذاب ماساً كأنه حيّ يفعل بهم ما يريد، وفي البحر أنّ المماسة تشعر بالاختيار والعرض لا اختيار له ومراد العلامة أنه وصف العذاب فيه بوصف المعذب مبالغة كشعر شاعر وهو مبنيّ على قاعدة الاعتزال وعند أهل السنة لا مانع من أن يخلق الله فيها حياة واحساسا وقوله: (واستغنى) يعني حيث لم يقل العذاب الأليم أو العظيم ونحوه لأنّ تعريف العهد يفيد ما ذكر. قوله: (بسبب خروجهم الخ) إشارة إلى أنّ ما مصدرية وأصل معنى الفسق لغة الخروجي قال فسق الرطب إذا خرج عن قشره، ويقال لمن خرج عن حظيرة الشرع مطلقا بكفر أو غيره وأكثر ما يقال لمن خرج عن التزام بعض الأحكام لكنه غير مناسب هنا، ولذا فسره بمعنى يشمل الكفر لأنّ تعذيب الكافر بغير الكفر من ذنوبه وان صح لكن لا ينبغي أن يقال عذب الله الكافر بترك الصلاة مثلاً. قوله: (مقدوراته الخ) يعني الخزائن جمع خزينة أو خزانة وهي ما يحفظ فيه الأشياء النفيسة إما مجاز عن المقدورات أو هو بتقدير مضاف أي خزائن رزقه، وظاهر قول الزمخشري خزائن الله هي قسمه بين الخلق وأرزاقه أنّ الخزائن يحتمل أنه مضاف لمقدر، ويحتمل إنه مجاز عن المرزوقات من إطلاق المحل على الحال أو اللازم على الملزوم وكلام المصنف يحتمله وقيل إنّ التجوّز أولى لأنه لا بذ على التقدير من التجوّز أيضا فتأمّل. قوله: (ما لم يوح إلئ ولم ينصب عليه دليل (ما إما بدل من الغيب، أو عطف بيان مفسر له فإنه
стр. 1147
الذي لا يطلع عليه وفي قوله لم ينصب الخ إشارة إلى جواز اجتهاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما في كلام المصنف ﵀ موصولة وجوّز جعلها مصدرية زمانية فالغيب عام مقيد بمدة عدم الإيحاء ونصب الدليل. قوله: (وهو من جملة المقول) هنا قولان ومقولان أي قل وأقول وكلام المصنف محتمل فيحتمل أنه أراد أنه من جملة مقول قل كما قيل إنه من مقول قل لا أقول ولذا احتيج إلى إعادة أقول في قوله: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فإنه على تقدير العطف على عندي خزائن الله لا حاجة إلى إعادته وإنما لم يكتف فيه بنفي القول للفرق بينه وبين قرينيه، وهو إنّ مفهومي عندي خزائن الله واني ملك معلومان عند الناس فلا حاجة إلى نفيهما إنما الحاجة إلى نفي ادعائهما تبرأ عن دعوى الباطل بخلاف مفهوم لا أعلم الغيب فإنه كان مجهولاً لا عندهم بل كان الظاهر من حاله عدم الاطلاع
عندهم على الغيب، ولذا نسبوه إلى الكهانة فالحاجة هنا إلى نفيه، ثم إنّ هذا النفي تضمن الجواب عن قولهم إن كنت رسولاً فأخبرنا بما يقع في المستقبل لنستعدّ له، ونفي دعوى الملكية تضمن جواب ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق اوو، ويحتمل أنه مقول أقول لأقل، ولذا قيل لو قال المصنف ﵀ من جملة ما لا يقولى كان أوضح وكلمة لا حينئذ في لا أعلم مذكرة للنفي لا نافية ولم يجعل من مقول قل لأنّ المقصود نفي دعوى علم الغيب ودعوى مالكية خزائن الله ليكونا شاهدين على نفي دعوى الألوهية، وبهذا اندفع ما قيل على هذا الوجه من أنه يؤدّي إلى أنه يصير التقدير، ولا أقول لكم لا أعلم الغيب وهو غير صحيح ف! نه لا وجه لعدم صحته ولله درّ المصنف حيث أتى بما يشملهما على الحصر، ولا يخلو من مخالفة للظاهر في الجملة، وعند التأمّل لكل وجهة ولذا قال النحرير: إنه من جملة القول في الواقع ومحمول على هذا المعنى البتة لأنه لا فائدة في الإخبار بأني لا أعلم الغيب، وإنما الفائدة في الإخبار بأني لا أقول ذلك ليكون نصا لادّعاء الأمرين اللذين هما من خواص الإلهية ليكون المعنى إني لا أذعي الإلهية ولا الملكية ويكون تكرير لا أقول إشارة إلى هذا المعنى وكان المصنف ﵀ أجمل في قوله المقول لجوازهما عنده وزعم السفاقسي أن كلام الزمخشريّ محتمل لهما أيضا فتأمّل. قوله: (من جنس الملانكة) قيل هو إشارة إلى ما ذكره أبو عليّ الجبائيّ من أنّ هذه الآية تدل على أفضلية الملائكة لأن المعنى لا أدّعي منزلة أقوى من منزلتي وقال القاضي عبد الجبار: إن كان الغرض! من النفي التواضع فالأقرب لزوم الأفضلية، وان كان نفي القدرة على أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة فلا وهو الأليق بالمقام، ولو سلم فتكفي الأفضلية بزعم المخاطبين، وعليه يتنزل كلام المصنف ويخرج عما في الكشاف من النزغة الاعتزالية قيل، وهو على الأوّل حقيقة وعلى الثاني مجاز مرسل عن القادر على أفعالهم أو تشبيه بليغ، وفيه نظر لأنّ المقصود نفي الملكية لا نفي شبهها فتأمّله. قوله: (تبرّأ عن دعوى الإلهية والملكية (وفي نسخة الألوهية جعل مجموع قوله: ﴿عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عبارة عن نفي الألوهية لأنّ قسمة الأرزاق بين العباد ومعرفة علم الغيب مخصوصان به تعالى ولذا كرّر في الملكية لفظ ولا أقول وتيل على الزمخشري إذ ذكر هذا بعينه إنه يهدم قاعدة استدلاله في قوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٢] ، على تفضيل الملك على البشر لأنّ الترقي لا يكون من الأعلى إلى الأدنى يعني من الألوهية إلى الملكية، ولا هدم لها مع إعادة لا أقول الذي جعله أمراً مستقلا كالإضراب، إذ المعنى لا أذعي الألوهية بل ولا الملكية ولذا كرّر لا أقول، وقيل مقام نفي الاستنكاف ينتفي فيه أن يكون المتأخر أعلى لئلا يلغو ذكره في مقام نفي الادعاء بالعكس فإن من لا يتجاسر على دعوى الملكية أولى أن لا يتجاسر على دعوى الإلهية الأشذ استبعاداً وأورد على هذا أنّ المراد لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه وليس المراد التبري عن دعوى الإلهية، والا لقيل لا أقول لكم إني إله كما قيل ولا أقول لكم إني ملك وأيضا في الكناية عن
الألوهية بعندي خزائن الله ما لا يخفى من البشاعة بل هو جواب عن اقتراحهم عليه ﷺ أن يوسع عليهم خيرات الدنيا، وقيل في دفعه وجه التبري أنّ قوله تعالى لا أقول في قوّة قول الرسول لا أقول لعدم توقفه في الامتثال وليس
стр. 1148
إضافة الخزائن إلى الله تعالى منافيا لهذه الكناية لأنّ دعوى الإلهية ليس دعوى أن يكون هو الله بل شريكا له في الإلهية، وفيه نظر لأنّ إضافة الخزائن إليه تعالى اختصاصية فتنافي الشركة إلا أن يكون المعنى خزائن مثل خزائن الله أو تنسب إليه، فتأمّل. قوله: (رذا لاستبعادهم الخ) يعني أنه بعد نفي الإلهية والملكية ألزمهم بالحجة العقلية على ما ادّعاه لأنّ حاصله أني عبد ممتثل أمر مولاه ويتبع ما أوحاه وأي عقل ينكر مثله كما يشير إليه قوله أفلا تتفكرون أي في أنّ اتباع ذلك لا محيص عنه ولذا قال اتبع ما يوحى إليّ، ولم يقل إني نبيّ، أو رسول تواضعاً منه ﷺ والجاما لهم بالحجة وليس في كلامه نفي لتفضيل الملك بوجه من الوجوه كما قيل، ودفعه ما قدمناه وحاصل الردّ أنّ هذه دعواي وليست مما يستبعد إنما المستبعد إدعاء الإلوهية أو الملكية ولست أدّعيهما على أنّ مجرّد نفي هاتين لا يستلزم نفي الاستبعاد لجواز أن يذعي أمراً آخر مستبعداً. قوله: (للضال الخ) ذكر فيه ثلاثة وجوه مبناها على أنه تذييل لما مضى من أوّل السورة إلى هنا أو لقوله إن اتبع الخ أو لقوله لا أقول الخ والأوّل هو الوجه عندهم، ثم الثاني، وقوله: في تفسير قوله أفلا تتفكرون فتهتدوا الخ لف ونشر ناظر إلى هذه التفاسير على الترتيب فقوله تهتدوا راجع إلى الأوّل، وقوله: أو فتميزوا إلى الثاني، وقوله: أو فتعلموا إلى الثالث، والأفعال في عبارته منصوبة في جواب الاستفهام وقيل إنه غير مرتب وهو تكلف، وقابل المستحيل بالمستقيم كما قابله سيبويه بالمحال وكذا قال المتنبي:
كأنك مستقيم في محال
وهو استعمال العرب لأنّ أصل المحال من أحاله عن وجهه، وصرفه وهو في المحسوسات عين الاعوجاج ومن لم يعرفه اعترض عليه بأنّ الظاهر أن يقول:
كأنك مستقيم في اعوجاج
فالمستقيم هنا بمعنى الممكن، وفي بعض النسخ فتميزوا على أنه من تتمة تهتدوا وقوله:
أو فتعلموا ناظر إلى الأخيرين، وفي نسخة فتعلمون والأولى أولى. قوله: (كالألوهية والملكية (فإن قيل دعوى الملكية من الممكنات أي من دعوى الأمور الممكنة لأنّ الجواهر متماثلة يجوز أن يقوم بكلها ما يقوم ببعضها ولهذا ما قيل لآدم جمم ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين أقدم على اكل طمعا في الملكية مع أن النبيّ لا يطمع في
المحال، قلت أجاب عته شراح الكشاف بأنّ المقدمات على تقدير تمامها، إنما تفيد إمكان أن يصير البشر ملكا وأما أن يكون ملكا فلا لتمايزهما بالعوارض المتنافية بلا خلاف، وهذا كما قالوا إنّ كلا من العناصر يجوز أن يصير الآخر لا أن يكون، وعلى هذا ينبغي أن يحمل طمع آدم ﵊ لو سلم كونه نبيا عند اكل، أو أنه لم يطمع في الملكية بل في الخلود، وقوله: (وجزمهم على فساد مدعاه) ضمنه معنى الحرص فلذا عداه بعلى فإن قلت: لم قال خزائن الله ولم يقل: لا أقدر على ما يقدر عليه الله قلت لأنه أبلغ لدلالته على إنه لقوّة قدرته كأنّ مقدوراته مخزونة حاضرة عنده. قوله: (المفرّطون) بتشديد الراء قيده به لأنه المناسب للإنذار ولقوله: لعلهم فخص بالذكر هؤلاء لأنهم الذين ينفعهم الإنذار ويقودهم إلى التقوى وليس المراد الحصر حتى يرد أنّ إنذاره لغيرهم لازم أيضا وقوله أو متردداً عطف على مقرّاً لأنه كافر أيضا وقوله: فإنّ الإنذار الخ بيان لوجه التخصيص، وينجع مضارع نجع كنفع لفظاً ومعنى، وأصله من نجع الدواء في المريض إذا أثر في برئه، والمراد بالفارغين منكر والحشر لأنّ أذهانهم خلت عن اعتقاده أو لأنهم فرغوا عن تداركه، وقوله لكي يتقوا بيان لمحصل المعنى لا إن لعل بمعنى كي، فإن المصنف لم يرتضه في كتابه هذا، وقد مرّ تفصيله وتحقيقه، وقوله في موضمع الحال لأن مجرّد الحشر لا يخاف ما لم يكن على هذه الحال، وفي الكشاف هنا كلام طواه المصنف لابتنائه على الاعتزال. قوله: (أمره بإكرام المتقين الخ (لأنّ النهي عن الشيء أمر بضده فالنهي عن طردهم كالأمر بتقريرهم وقوله: ترضية يقال رضاه بالتشديد كما يقال أرضاه، وقوله: هؤلاء الأعبد جمع عبد وقالوه تحقيرا لهم لأنهم موال مسهم الولاء والرق وليس تشبيها بالعبيد في الخرقة والحرفة كما قيل، أما عمار بن ياسر المذحجي ﵁ فولاؤه مشهور، وأما صهيب بن سنان ﵁ ويعرف بالرومي فهو نمريّ من العرب لكن أسره الروم وهو
стр. 1149
صغير فنشأ عندهم ثم قدمت به مكة فاشتراه عبدلذ بن جدعان وأعتقه، وخباب عدة من الصحابة منهم من مسه الرق ورق سلمان ﵁ مشهور وتفصيله في الاستيعاب، وفي كلام المصنف ﵀ خلط بين حديثين، وقد وقع مثله في الكشاف، وهذا الحديث) ١ (يروى من طرق عدة كما في تخريج أحاديث الكشاف وليس هو قول عمر في بعض طرقه فلا معنى لإنكاره بناء على أنه لا يليق بمقام النبوّة طرد المؤمنين لأجل غيرهم ظنا إنه ينافي في عصمته لأنّ الطرد لم يقع منه والذي همّ به أن يجعل لهم وقتا خاصا ولهؤلاء وقتاً خاصا ليتألف أولئك فيقودهم، إلى الإيمان والصحابة ﵃ يعلمون ما قصد فلا يحصل لهم إهانة وانكسار قلب منه ﷺ . قوله: (والمراد بذكر الغداة والعشئ الدوام الخ) كما يقال فعله صباحا ومساء لما يداوم عليه، وقيل الغداة والعشيّ عبارة عن صلاتي الصبح والعصر لأن الزمان كثيراً ما يذكر، ويراد به ما يقع فيه كما يقال صلى الصبح ويراد بالصبح صلاته وكذا المغرب كما يعكس فيراد بالصلاة زمانها نحو قربت الصلاة أي وقتها، وقد يراد بها مكانها نحو: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٣] أي المساجد والدعاء على هذا مراد به حقيقته، أو المراد الدعاء الواقع في الصلاة فلا حاجة إلى ما قيل إنه مسامحة أو المراد الصبح والعصر وذكر الصلاة لبيان الدعاء وقد فسر الدعاء هنا بالصلوات الخمس وبالذكر وقراءة القرآن. قوله: (وقرأ ابن عامر يالغدوة) وكذا قرأه في سورة الكهف أبضا وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي وغيرهم، وغدوة وان كان المعروف فيها أنها علم جنس ممنوع من الصرف ولا تدخله الألف واللام، ولا تصح إضافته فلا تقول غدوة يوم الخميس كما قاله الفراء لكنه سمع اسم جنس أيضا منكراً مصروفا فتدخله اللام، وقد نقله سيبويه في كتابه عن الخليل، وذكره جمّ غفير من أهل اللغة والنحو فلا عبرة بقول أبي عبيد إنّ من قرأ بالواو وأخطأ وأنه اتبع رسم الخط لأنّ الغداة تكتب بالواو كالصلاة والزكاة وهو علم جنس لا تدخله الألف واللام والمخطئ مخطئ لما مرّ، وقد ذكر المبرد عن العرب تنكير غدوة وصرفه وادخال الألف واللام عليه إذا لم يرد غدوة يوم بعينه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وكفى بوقوعه في القراءة المتواترة حجة فلا حاجة إلى ما قيل إنه علم لكنه نكر لأن تنكير علم الجنس لم يعهد ولا أنه معرفة ودخلته اللام لمشاكلة العشيّ كما في قوله:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا
إذ قال اليزيد لمجاورة الوليد ومنه تعلم أنّ المشاكلة قد تكون حقيقة. قوله: (يدعون ربهم مخلصين الخ) إشارة إلى أنّ المراد بالوجه الذات كما في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٨] على أحد التفاسير فيه وأنّ معنى إرادة الذات الإخلاص لها لأنه ذكر في الإشارات أنّ من الناس من أحال كون الله مراداً لذاته وقال إنّ الإرادة صفة لا تتعلق إلا بالممكنات لأنها تقتضي ترجيح أحد طرفي المراد على الآخر وذلك لا يعقل إلا في الممكنات، وقوله عليه أي الدعاء بالإخلاص. قوله: (ما عليك من حسابهم الخ) جوّز في ما هذه أن تكون تميمية وحجازية وفي شيء أن يكون فاعل الظرف المعتمد على النفي أعني عليك، ومن حسابهم وصف له قدم فصار حالاً ومن مزيدة للاستغراق لكن تشبيه الزمخشري بقوله إن حسابهم إلا على ربي الدال على الحصر بصريح النفي والإثبات يشعر بكون شيء مبتدأ، والظرف خبر فدم للحصر، وقوله: ليس عليك حساب إيمانهم يشير إلى تقدير مضاف أو إلى أنه المراد من النظم، أو أنّ الإضافة إليهم للملابسة المذكورة وأنّ حساب الإيمان إمّا بحسب المقدار أو بحسب الإخلاص، والضمير على هذا للمؤمنين كما يعلم من مقابله، ويجوز أن يكون الضمير للمشركين وضمير تطردهم للمؤمنين وضمير سؤالهم وايمانهم راجع إلى من، ولما مشددة حينئذ أو مخففة وما مصدرية. قوله: (فإن كان لهم باطن غير مرضئ الخ) قال أبو حيان كيف يفرض هذا وقد أخبر الله بإخلاصهم في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ واخباره هو الصدق الذي لا شك فيه وليس بشيء مع قوله كما ذكره المشركون. قوله: (فحسابهم الخ) هذا بعينه ما ارتضاه الزمخشريّ وأن الجملتين في معنى جملة واحدة تؤدّي مؤذي ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأنه لا بذ منهما والا فالأولى تكفي للجواب وفي قوله كما أنّ إشارة إلى أنّ الثانية مسلمة ظاهرة حتى إنها تدل على الأولى لجعلها مقيسا عليها ولم يجعل المعنى أنّ حسابهم
стр. 1150
ليس عليك بل علينا ليكون كقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١٣ ا] لأنّ المقصود دفع قدح المشركين في فقراء المؤمنين وهو بمجرد إن
حسابهم إلا على الله لا عليك ولا دخل للثانية فيه وجعلها للتأكيد ينافي العطف كما ذكره العلامة في شرح الكشاف وأما وجه أخذ إن. حسابهم عليهم من النظم، فهو إنه كان أصله عليك حسابهم على أنه تصر قلب فإذا نفي ذلك لزم ثبوت عكسه، ولا حاجة إلى اعتبار النفي أولاً ثم اعتبار الحصر ليفيد حصر انتفاء حسابهم على النبيّ ﷺ فيلزم كون حسابهم على أنفسهم لا على النبيئ ﷺ ، وتفسير حساب الرزق بالفقر لأنه الذي يتوهم مضرته وقد روي أنهم قالوا له يتبعونك لأنهم لا يجدون ما بنفقون وقوله: ولا هم بحسابك أي ولا يؤاخذون أو هو معطوف على الضمير المستتر للفصل، واعلم أنه قدم خطابه ﷺ في الموضعين تشريفا له والا كان الظاهر وما عليهم من حسابك من شيء بتقديم على ومجرورها كما في الأوّل وفي النظم ردّ العجز على الصدر كما في قوله عادات السادات، سادات العادات. قوله: (على وجه التسبب وفيه نظر) في قوله فتطردهم وجهان أحدهما أنه منصوب على جواب النفي بأحد معنيين فقط، وهو انتفاء الطرد لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم لأنه ينتفي المسبب بانتفاء سببه، وتوضيحه أن قولك ما تأتينا فتحدثنا بنصب فتحدثنا يحتمل معنيين انتفاء الإتيان وانتفاء التحديث كأنه قيل ما يكون منك إتيان فكيف يقع منك حديث وهذا المعنى هو المقصود هنا أي ما يكون منك مؤاخذة كل واحد بحسابه فكيف يقع منك طرد، وانتفاء التحديث وثبوت الإتيان كأنه قيل ما تأتينا محدثا بل غير محدّث، وهو لا يصح هنا وهم وان أطلقوا قولهم منصوب على الجواب فمرادهم هذا، وجوّز في الدرّ المصون أن يكون منصوبا جوابا للنهي، وأما قوله فتكون ففيم نصبه وجهان أن يكون منصوبا في جواب النهي أعني لا تطرد وأن يكون معطوفا على فتطردهم وجعله المعرلث أظهر من الأوّل ولما لم يصلح في المعنى جواباً للنفي إلا إذا قصد تسببه على الطرد قال الط! بي: وجه النظر الذي ذكره المصنف ﵀ إنّ قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ الخ حينئذ مؤذن بأنّ عدم الظلم لعدم تفويض الحساب إليه فيفهم منه أنه لو كان حسابهم عليه وطردهم لكان ظالماً وليس كذلك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأجاب عنه بأنّ المراد به المبالغة في معنى الطرد يعني لو قدر تفويض الحساب إليك ليصح منك طردهم لم يصح أيضا فكيف والحساب ليس إليك فهو كقول عمر ﵁ نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، وقيل بل وجه النظر أنّ الإشراك في النصب بالعطف يقتضي الإشراك في سبب النصب وهو توقف الثاني على الأوّل بحيث يلزم من انتفاء الأوّل انتفاؤه واً نه منتف كونه من الظالمين سواء لوحظ ابتداء أو بعد ترتبه على الطرد، وأما جعله مترتبا على نفس الطرد بلا اعتبار كونه مترتبا على المنفي ومنتفياً بانتفائه فيفوت وجود سببية النصب، وفي البحر هما منصوبان تقدمهما نهي ونفيان وكل منهما أهل أن يجاب به ولا يكون جواب واحد لمتناقضين فتطردهم جواب للنفي وتكون جواب النهي ولا يمكن عكسه لئلا يكون الجواب والمجاب واحداً ولا يستقيم أن يقول لا تطردهم فتطردهم، ويمكن أن يكون فتطردهم جوابا للنهي كما مرّ ويكون فتكون عطفا على الجواب فالجائز وجهان خاصة أحبهما الأوّل لا الثاني إذ كلاهما لا يناسب أن يجاب لأنه بصير معناه ما عليك كل منهم فتطردهم فيناسب وان أجيب بالثاني صار
المعنى مالك كل عليهم فتطردهم فمفهومه إن كانوا يحملون عنك كان طردك إياهم حسناً وهو خلف لا يجوز حمل القرآن عليه وهو وان خرج عن مختار البصريين لأعمال الثاني لا يضرّ لأنّ شرطه عندهم أن يكون المعنى مستقيما فيهما فان لم يستقم أعمل الأوّل اتفاقا كما في قوله، ولم أطلب قليل من المال انتهى. قوله: (ومثل ذلك الفتن الخ) يعني مثل ما فتنا الكفار بحسب غناهم وفقر المؤمنين حتى أهانوهم لاختلافهم في الأسباب الدنيوية فتناهم بحسب سبق المؤمنين إلى الإيمان وتخلفهم عنه حتى حسدوهم وقالوا ما قالوا لاختلاف أديانهم فشبه فتنا بفتن والزمخشري جعل ذلك إشارة إلى هذا الفتن المذكور وعبر عنه بذلك إيذانا بتفخيمه، ولدّا قال: ومثل ذلك الفتن العظيم
стр. 1151
كقولك ضربت زيداً ذلك الضرب ولا يلزم منه تشبيه الشيء بنفسه لأنّ المثل ليس بمراد، وإنما جيء به مبالغة كما يقال ذلك كذلك، كذا قرّره العلامة يعني أن التشبيه كما يجعل كناية عن الاستمرار لأنّ ماله أمثال يستمرّ نوعه بتجذد أمثاله كما أشار إليه شراح الحماسة في قوله: هكذايذهب الزمان ويفنى الى حلم فيه ويدرس الأثر
والاستمرار يقتضي التحقق والتقرر ويستلزمه، فجعل في أمثال هذا بواسطة الإشارة إلى البعيد عبارة عن تحقق أمر عظيم، وكونه عظيمأ مستفاد من لفظ ذلك المشار به إلى هذا الفتن القريب المذكور، وليست الكاف فيه زائدة، ومن قال الكاف فيه مقحمة أراد أنّ التشبيه غير مقصود فيه بل المراد لازمه الكنائيئ أو المجازي، وصاحب الكشاف لما في هذا الوجه من البلاغة والدقة اختاره وفيما ورد فيه كذلك وبعضهم لما رأى غموضه وتوهم فيه تشبيه الشيء بنفسه أوّله وتكلف لوجه التشبيه والمغايرة، وقال الطيبي: في شرح قوله وكذلك زينا في هذه السورة لما قال الزمخشري ومثل ذلك التزيين البليغ هذا على أن يكون المشار إليه ما في الذهن، وسيجيء بيانه في قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٧٨] والمبالغة إنما يفيدها الإبهام الذهني والتفسير بقوله زبن، وهو ما يعلمه كل أحد من المزين من هو انتهى. فعلى هذا المشبه به الأمر المقرّر في العقول والمشبه ما دلّ عليه الكلام من الأمر الخارجيّ، وهو تخريج لطيف إلا أنه يخالف ما نقل صاحب الكشف في سورة الدخان عن العلامة الزمخشري أنه قال: المعنى فيه أنه لم يستوف الوصف وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف فكأنه قال الأمر نحو ذلك وما أشبهه.
(أتول) أراد أنّ الكاف مقحم للمبالغة وقد سلف إشارة إلى ذلك وأنّ هذا الإقحام مطرد
في عرفي العرب والعجم انتهى. فهو من باب الكناية وهو وجه بديع، وهذا مما من الله به علينا فاحفظه، فانك لا تجده في غير كتابنا هذا. قوله: (فتنا أي ابتلينا) إشارة إلى ما قدمنا من أنّ أصل معنى الفتن تصفية الذصب ونحوه ثم استعمل في الابتلاء والاختبار. قوله: (أي أهؤلاء من أنعم الله اليم) هذا بيان لمحصل المعنى وإنما أتى بمن الموصولة إشارة إلى أنّ إنثارهم إنما هو
لوصفهم بذلك وجعله سمة لهم لعدم اعترافهم بذلك واعتقادهم أنهم ليس عليهم آثار النعمة وهذا نحو ما تزره الخطيب في قوله:
إن الذين ترونهم إخوانكم يشفى غليل صدورهم إن تصرعوا
وليس مراده بيان التقدير والإعراب ليتقدم الخبر على المبتدأ فيفيد الحصر حتى يرد عليه أنّ المعنى على إنكار أن يكونوا مختصين بإصابة الحق دونهم كما قرّره، وإذا كان المعنى على ما ذكره يكون هناك من أنعم الله عليهم من بينهم يعرفونهم بكونهم كذلك، ولكن ينكر المتكلم أن يكونوا هؤلاء الفقراء وهو غير المعنى المراد، وانّ معنى الحصر مستفاد من قوله بيننا فإنه في موضع الحال من الضمير المجرور أي منفردين من بيننا، ولم يدر أن ما توهمه غير صحيح لفظا لأنّ المبتدأ والخبر إذا تعرّفا لم يجز تقديم الخبر فيه للبس مع ما في حذف الموصول وإبقاء صلته من ااضعف وان جوّزه بعض النجاة كما في الدرّ المصون، لكني أظن أنّ هذا التكلف لم يخطر ببال المصنف ﵀. قوله: (واللام للعاقبة الخ) قيل إنّ ما يترتب على فعل الفاعل من حيث ترتبه عليه فائدة ومن حيث وقوعه في طرفه غاية، ومن حيث كونه باعثا عليه غرض بالنسبة إلى الفاعل وعلة غائية بالنسبة إلى الفعل، ولأفعاله تعالى فوائد وغايات لأنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض لما برهن عليه في الكلام، ثم إنه قد تشبه الغاية بالعلة الغائية من حيث إنها عاتبة له فتستعمل فيها اللام التعليلية على نهج الاستعارة التبعية، كاللام الداخلة على ثمرات أفعاله المسماة بالحكم، وليست هذه لام العاقبة عند الزمخشريّ ومن تابعه، وفي شرح المقاصد أنّ لام العاقبة إنما تكون فيما لا يكون للفاعل شعور بالترتب وقت الفعل أو قبله فيفعل لغرض، ولا يحصل له ذلك بل ضده فيجعل كأنه فعل الفعل لذلك الغرض الفاسد تنبيها على خطئه، ولا يتصوّر هذا في كلام علام الغيوب بالنظر إلى أفعاله، وان وقع فيه
стр. 1152
بالنظر إلى فعا! غيره كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [سورة القصص، الآية: ٨] إذ ترتب فوائد أفعاله تعالى عليها تنبيه على العلم التانم فبينهما مباينة ولم يعتبر ابن هثام وغيره فيها هذا القيد وجعلها لا ما تدل على الصيرورة والمآل مطلقاً فيجوز أن تقع في كلامه تعالى وعليه المصنف، والفرق بين لام العاقبة وهذه في كلامه تعالى من حيث إن ترتب الفائدة في الأولى لمجرّد الإفضاء لا السببية والاقتضاء بخلاف الثانية، ولهذا كانت لام عاقبة إن لم يرد الخذلان على طريقة المصنف ﵀، وسيأتي الكلام عليه قريبا وهذا مما من الله به وينبغي للطالب حفظه. قوله: (أو للتعليل على أنّ فتنا متضمن معنى خذلنا) الخذلان تركه على ما هو فيه من الغواية من غير إرشاد واغاثة فالفتن متضمن معنى الخذلان لأنه سبب لافتتانهم وهو سبب لذلك القول أو هو من إطلاق المسبب على السبب واللام في هذا للتعليل لأنه سبب مقتض له، وان لم يكن باعثا عليه وعلى ما قبله كان ابتلاء بعضهم ببعض لما مرّ مؤدّيا إلى
الحسد المؤذي إلى ذلك القول فاللام لام العاقبة والثاني هو المذكور في الكشاف بناء على مذهبه من أنّ الفتن أمر قبيح لا يسند إلى الله، فإن كان هذا نقلاً لكلامه وأخره إشارة إلى أنه ليس مذهبنا المرضيّ عنده فظاهر، وان كان بياناً لمعنى يحتمله النظم فالخذلان لا ينافي كون ذلك بإيجاده فكلام الزمخشريّ إشارة إلى نفيه وكلام المصنف وحمه الله ساكت عنه، وأورد هنا بعضهم سؤالاً، وهو فإن قيل التعليل هنا ليس بمعناه الحقيقي لأنّ أفعله تعالى منزهة عن العلل والأغراض فيكون مجازا عن مجرّد الترتب وهو في الحقيقة معنى لام العاقبة فلا وجه للترديد، وقيل هما مختلفان بالاعتبار فإن اعتبر تشبيه الترتيب بالتعليل كانت لام تعليل وان لم يعتبر كانت لام عاقبة وفيه إنّ العاقبة أيضاً استعارة فلا يتم هذا الفرق إلا على القول بأنه معنى حقيقيّ، وعلى خلافه يحتاج إلى فرق آخر فليتأمّل. قوله: (بمن يقع منه الإيمان والشكر الخ) الباء الأولى زائدة والثانية متعلقة بأعلم وفي الدرّ المصون العلم يتعدّى بالباء لتضمن معنى الإحاطة وهو كثير في كلام الناس نحو علم بكذا وله علم به وذكر الإيمان لأنّ الشكر على النعم الممنون بها عليهم وهي تفضيلهم في الدين، وذكره الخذلان على الوجه الثاني أو عليهما لأنه لارّم له، وتد أشرنا إلى ما فيه قريبا. قوله: (وصفهم بالإيمان بالقرآن الخ) الآيات تطلق على آيات القرآن وعلى الحجج وكل منهما صحيح هنا كما أشار إليه المصنف ﵀ لكن كان الظاهر أو مكان الواو ولذا قيل المراد بالحجج هنا الحجج القرآنية، ثم إنه جوّز في الباء هنا أن تكون صلة الإيمان وأن تكون سببية أي يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به بسبب نزول الآيات، وقوله: بعدما وصفهم بالمواظبة الخ إشارة إلى ما مرّ في تفسير الغداة والعشيّ، أمّا على الوجه الأوّل فظاهر، وأما على الثاني فلأن من واظب على هذين الوقتين مع كثرة تشاغل الناس عنهما لزمه المواظبة على غيرهما، وقوله بأن يبدأ بالتسليم أي وان كان في محل لا ابتداء به فيه إكراماً لهم بخصوصهم كما روي عن عكرمة والا فالسلام منه ليس مخصوصاً بهؤلاء. قوله: (ويبثرهم بسعة رحمة الله الخ) تفسير لقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ والسعة مأخوذة من شمولها لمن أذنب في قوله إنه من عمل الخ، ولم يعطف على ما قبله لأنّ جملة السلام دعائية إنشاثية والذانا تعليل لقوله وصفهم الخ وفضيلتي العلم والعمل من قوله يدعون ويؤمنون، وقوله: (من الله بالسلامة) مبنيّ على الوجه الثاني في سلام، وقوله: (وقيل الخ) وجه آخر في المراد بالذين وهو حديث مرسل رواه الفريابي وغيره، وفاعل نزلت ضمير يعود
على هذه الآية وفي هذه الآية دليل على إطلاق النفس على الله من غير مشاكلة كما تقدم. توله: (اسمئناف الفا نحويّ أو بيانيّ، كأنه قيل وما هي وفي قراءة الفتح وجوه منها ما ذكره، وقيل إنه على تقدير اللام وقيل إنه مفعول كتب والرحمة مفعول له وقوله كعمر إشارة إلى ما روي سابقاً وأشار بمعنى رأى ذلك رأياً وروي أنه ﵁ بكى عند نزولها وقال معتذراً ما أردت إلا خيرالم ا (. توله: (في موضع الحال الخ (الجهل له معنيان كما في الكشاف عدم العلم بالشيء أو بعاقبتة والمخاطرة من غير نظر إلى العواقب كما في قوله:
ونجهل فوق جهل الجاهلينا
ولذا تمتدح به العرب فعلى الأوّل المراد بها الهالة بمضارّ ما يفعله، وعلى الثاني السفه
من غير تقديره فعول وقوله وأصلح آي في توبته بان أتى
стр. 1153
بشروطها ولذا ذكر العزم على عدم العود مع أنه لا بد منه في التوبة، قيل وهذه الآية سيما على الوجه الثاني تقوّي مذهب المعتزلة حيث ذكر في مقام بيان سعة الرحمة أنّ عمل السوء إذا قارن الجهل ئم حصلت التوبة والإصلاح فإنه يغفر ولذا قيل: إنها نزلت! في عمر ﵁ لما قال لرسول الله! ت: " لو أجبتهم لما قالوا لعل الله يأتي بهم " قاله حين لم يعلم المضرّة وتاب وأصلح وأورد عليه أنه تقرّر في الأصول أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول الآية في حق عمر ﵁ لا يدفع الإشكال (قلت) يريد أنّ اللفظ ليس عامّا وخطاب منكم لمن كان في تلك المشاورة والعامل لذلك منهم عمر ﵁ فلا إشكال، وفسر ضمير بعده بالعمل أو السوء ولو فسره بالجهالة الملتبسة بالسوء كان أظهر، وقوله: ملتبساً بفعل الجهالة إشارة إلى أنه حال مؤكدة حينئذ. قوله: (فتحه من فتح الأوّل غير نافع الخ) ذكر فيها وجوه منها ما ذكره المصنف، ومنها أنها منصوبة بفعل مقدر أي فليعلم أنه، وقيل إنها تكرير للأولى للتأكيد وطول العهد، والجواب محذوف وهو بعيد، وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح الثانية، وهي قراءة الأعرج والزهراوي وأبي عمر والداني ولم يطلع على ذلك أبو شامة ﵀ فقال: إنه محتمل إعرابي وان لم يقرأ به وليس كما قال. قوله: (وكذلك نفصل) قد مرّ الكلام على ذلك وقوله
في صفة المطيعين والمجرمين خالف فيه ما في الكشاف حيث قصره على الثاني لظاهر قوله سبيل المجرمين، والمصنف ﵀ رأى الاقتصار عليهم لأنّ بيان أحوالهم أهنم هنا لما فيها من المفاسد التي يجب التنبيه عليها أو اكتفاء بذكر أحد الفريقين واستبان كتبين يكون لازما ومتعدياً، وقد دل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٩] على أهل الطبع وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥١] على أهل إمارة القبول وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ على المطيعين أو المفرطين قال النحرير: قوله فصلنا ذلك إشارة إلى تقدير متعلق لام لتستبين وقدره ماضيا نظراً إلى ما اقتضاه المعنى، وذكر تفصيل الآيات بلفظ المضارع لقصد الاستمرار وتناول الماضي والآتي، ومبناه على كونه من قبيل ضربت كذلك وهو على التشبيه ظاهر أيضا، وتذكير السبيل وتأنيثه لغتان مشهورتان وقوله بما نصب الخ راجع لصرفت، وأنزل راجع لزجرت على اللف والنشر المرتب، ولتستبين معطوف على مقدر هاليه أشار المصنف ﵀ بقوله ليظهر الحق الخ. قوله: (عن عبادة ما تعبدون) تفسير لقوله إن أعبد فتدعودط إما بمعنى تعبدون لتضمن العبادة للدعاء أو بمعنى تسمونها آلهة، وقوله: تأكيد لقطع أطماعهم جعله تأكيداً لأنه يفهم من نهيه عما هم عليه المذكور قبله مع استمرار المضارع المنفي هنا والموجب للنهي كون ما هم عليه هوى باطل واستجهالهم من اتباع الهوى وترك الهدى، أو من قوله نهيت لأنّ من لم تنهه الأدلة فهو جاهل واليه جنح الزمخشري. قوله: (وتنبيه لمن تحرّى الحق الخ) قيل إنه ميل منه إلى مذهب الأشعري وغيره من أنّ إيمان المقلد غير صحيح في حق الآخرة كما تقرّر في الأصول، ولك أن تفول مراده بمن تحر ٣، الحق من يقدر على الاستدلال، والمراد بقوله ولا يقلد التقليد الصرف كما يفعله الكفرة وأهل الاهواء. قوله: (أي في شيء من الهدى) قيل هو من المهتدين أبلغ من هو مهتد
فنفيه بالعكس فهو هنا لتأكيد الخفي لا لنفي التأكيد، واليه أشار المصنف بقوله في شيء من الهدي وهو معنى دقيق، وهو ردّ لما قيل إنّ في هذا التفسير نظراً لأنّ هذا الأسلوب في الإثبات يوجب أن يكون المدخول ليس ممن له حظ قليل في ذلك الوصف بل له حظوظ وافرة، وفي السلب يوجب أن يكون المدخول له حظ ما فيه وفي الكشاف في قوله تعالى: ﴿لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١٦٨] قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عاليم لأنك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم معروفا بمساهمته لهم وعراقته في وصفه وأجيب بأن إفادة معنى الاستغراق في نفي الهدي ليست من هذا القبيل بل جواب لما دل عليه قل لا أتبع أهواءكم على سبيل التعريض كأنه قيل إن اتبعت أهواءكم ضللت وكنت منكم وممن انغمس وتوغل في الضلال ولا أكون من الهدى في شيء مثلكم، وهو يدل على أنه من زمرة المهتدين المساهمين فيه، وهو وأن كان له وجه لكن الأوّل أولى، وهذه الفائدة قد ذكرها ابن جني ﵀ في الخصائص وقد بسطنا الكلام فيها في غير هذا
стр. 1154
المحل وقيل إنه يريد أنّ نفي كونه من المهتدين يستلزم نفي كونه في شيء من الهدى لأنّ الشخص بأدنى شيء يعدّ منهم، وقوله: وفيه تعريض بأنهم كذلك فهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٥] كما تقرّر في المعاني. قوله: (والبينة الدلالة الواضحة الخ) هكذا فسرها الراغب على أنها من بان يبين بمعنى ظهر، ولذا قيل فالوضوح ليس مأخوذاً من التنكير كما قيل وقوله التي تفضل الخ إشارة إلى أنها من البينونة بمعنى الانفصال والمعنى الأصلي ملاحظ فيها وان صارت بمعنى الدليل، ولما قال في الكشاف بعد تفسيرها بما ذكر يقال أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عندك بدليل علم أنّ قيد الوضوح ليس في مفهومها فلذا قيل إنه مأخوذ من التنكير وبان بمعنى ظهر وبمعنى انفصل معنى آخر فلا ينبغي خلطهما، وقيل المراد القرآن فعطف الوحي عليه من عطف العامّ على الخاص والبينة ما به التبيين أو المبينة، وقوله من معرفته إشارة إلى تقدير مضاف في أحد الوجهين. قوله: (على بينة من ربر) إن قيل معناه على حجة من جهة ربي فعلى هذا من ربي صفة لبينة على معنى كائنة من ربي صادرة عنه، وضمير به للبينة لأنها بمعنى البيان والمثبت كما قاله الزجاج لا لربي إذ الفرق للتفرقة، والتفصيل بينه وبينهم، وذلك إني صدقت بالبينة وأنتم كذبتم بها بخلاف ما إذا قيل وأنتم كذبتم بربي وأمّا على الوجه الآخر فالمعنى من معرفة ربي فيعود الضمير على ربي لأنّ المعنى أني صدقت به وأنتم كذبتم به وعليه فالخبر مقدر يتعلق به على بينة ومن ربي أي على بينة لأجل معرفة ربي،
ويجوز أن بكون من ربي صفة بينة أيضاً ومن اتصالية أي بينة متصلة بمعرفة ربي أنا عليها كما في شروح الكشاف فنزل عليه كلام المصنف ﵀، وقوله باعتبار المعنى إشارة إلى تأويل البينة بما مرّ. قوله: (في تعجيل العذاب وتأخيره) قيل هو أولى من تخصيص الزمخشريّ بالتأخير ثم إنه قد سلك مسلك المصنف في تفسير يقضي وكأنه لم يقف على مراده من أنّ المقصود من قوله: إن الحكم إلا لقه التأسف على وقوع خلاف مطلوبه كما يشهد به موارد استعماله، وهو على التأخير فقط ثم أردفه بالقضاء بالحق فيهما تكميلا للخاص لإردافه بأمر عام كقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الملك، الآية: ا] وهو أولى مما ذكره المصنف فلله درّ العلامة ما أدق نظره. قوله: (أي القضاء الحق الما كان القضاء يتعدّى بالباء لا بنفسه قالوا: إنّ الحق منصوب على المصدرية لأنه صفة صدر مصدر محذوف قامت مقامه أو يقضي ضمن معنى ينفذ أو هو متعدّ من قضى الدرع إذا صنعها كقوله: وعليهمامسرودتان قضاهما داود
فهو استعارة وقوله فيما يقضي ظرف ليقضي على المعنيين، وقوله: وأصل الحكم المنع
من حكمة لجام الفرس وقوله: من قص الأثر أي بالصاد المهملة المشدّدة قيل وهذه قراءة لا تناسب ما بعده فإنّ قوله خير الفاصلين يقتضي ذكر القضاء قبله والا لقيل خير القاصين وردّ بأنه قرئ بذلك فكأنّ هذه القراءة لم تبلغه وبأنّ القصص بمعنى القول وهو يوصف بالفصل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [سورة الطارق، الآية: ١٣] ، وغيره فيناسبه مع أنّ معنى يقصه أنه بينه بياناً شافياً وهو عين القضاء، وقضى الأمر بمعنى قطع، وقطع الأمر بينه وبينهم كناية عن إهلاكهم. وقوله: (يؤخذ الخ) أي يهلك ويؤخر هلاكه وفسر عنده بما هو في قدرته لأنه يشترط فيها الحضور بالفعل ولذا قد يراد بها العلم أيضا وجعله في المعنى استدراكا لأنّ مآله لو قدرت أهلكتكم، ولكن الله أعلم بمن يهلك من غيره وله حكمه في عدم التمكن منه. قوله:) خزائنه جمع مفتح بفتح الميم الخ) هو بالفتح المخزن والخزانة والكنز لأنه مما يفتح فكأنه محل الفتح، والمفتاح والمفتح بكسر ميمي ما آلة الفتح وسمة في العنق والفخذ قيل والأنسب جعله بمعنى الكنز على أنّ مفاتح الغيب من قبيل لجين الماء، وأخر الزمخشري تفسيره بالخزائن لعدم
تبادره من لفظ المفاتح، وعليه فهو استعارة مكنية وتخييلية شبه الغيب بأمور تحفظ وتصان، وأثبت لها المخازن تخييلاً، والمقصود أنّ علمها مخصوص به لأنه يلزم من علم المخازن علم ما حفظ فيها، ولذا لم يعطف عليه جملة لا يعلمها إلا هو لاتحادهما معنى فهي مؤكدة، وقال الإمام المراد على هذا التفسير أنه القادر على جميع الممكنات كما في قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٢١] ، والخزائن والمخازن متقاربان بأن معنى لكن الأولى لغة القرآن الفصيحة فلذا فسر النظم بها ثم أشار بعد إلى أنهما بمعنى فلا يقال لو قال مخازنه لكان أنسب
стр. 1155
بما بعده والأمر فيه هين. قوله: (مستعار الخ) يعني أنها مكنية وتخييلية إذ شبه الغيب بالأشياء المستوثق منها بالأقفال وإثبات المفاتيح تخييل كإظفار المنية، وأمّا جعلها تمثيلية فبعيد، وكذا جعل المفاتح بمعنى لعلم وجعله قرينة المكنية بناء على أنه لا يلزم أن يكون حقيقة كما تقرّر في ينقضون عهد الله أو هو استعارة مصرحة والإضافة إلى الغيب قرينتها، وهذا أسلم من التكلف، وجوّز فيه أن يكون مجازاً مرسلا فإنّ كونه مفاتح الغيب مستلزم للتوصل إليه، وتأييد قراءة مفاتيح ظاهر، ولذا قيل إنّ مفاتح جمع مفتاح كما قيل في جمع محراب محارب وجوّز الواحدي في مفتح بفتح الميم أن يكون مصدرا بمعنى الفتح. قوله: (والمعنى أنه المتوصل الخ) الظاهر أنه تفسير للوجه الثاني وينتقل منه إلى معنى الأوّل كما خصه به الزمخشرفي وجعله تفسيراً لهما ينبو عنه اللفظ، وقوله إنه المتوصل الحصر من تقديم الخبر، والمراد بالتوصل إحاطة العلم والإحاطة تؤخذ من لام الاستغراق، ووجه اختصاصها به تعالى أنه لا يعلمها كما هي ابتداء إلا هو، وقيل المراد بالغيب المغيبات الخمس، وفي الانتصاف لا يجوز إطلاق المتوصل على الله إذ لم يرد إذن به مع إيهامه بتجدد الوصول، وما في صيغة التوصل من الإشعار بأنه وصل بعد تباعد عن نيله ولا يدفعه ما قيل إنه يراد به الاستمرار التجددي ولذا أشار النحرير إلى أنه مرتضى عنده وهو غير وارد على المصنف ﵀ لأنه وصف به العلم ولم يطلقه على الله. قوله: (فيعلم أوقاتها) فيه إشارة إلى ربطها بما قبلها وهو ظاهر وقوله وفيه دليل الخ أورد عليه أنّ علمه تعالى ليس بزمانيّ فلا قبلية ولا بعدية بينه وبين الأشياء الواقعة في الأزمنة وأجيب بأنه عند من جوّز كون علمه زمانيا لا إشكال فيه ومن منعه وهو الصحيح تأوّل القبلية والبعدية بأنها بالنظر إلى وجود المعلوم دون العلم أو بالنظر إلى تعلقه الحادث، وقيل لا شك في تقدم ذاته تعالى وعلمه على المصنوعات غايته أن ذلك التقدم ليس بزمانيّ بل بنوع من التقدم كتقدّم أجزاء الزمان بعضها على بعض كما حقق في محله يعني
أنّ قبل هنا مجاز عن مطلق التقدم، وهو وجه حسن. قوله: (عطف للأخبار الخ) أي هو معطوف على قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الخ لأنّ قوله لا يعلمها إلا هو كالتأكيد لها فلا يصح عطفه عليه لأنه لا يصلح للتأكيد ولو كان علمه لها على وجه التفصيل والاختصاص لأنّ علم الغيب والشهادة متغايران، فلا يؤكد أحدهما الآخر، نعم من لم يجعلها مؤكدة يجوزه فيكونان مستأنفتين لتفصيل علمه وشموله ولا تعلق له بما قبله، ويصح أنّ المجموع مؤكد لاشتماله على مضمون ما قبله لأنه ليس توكيداً اصطلاحياً، وجعل المعرب الجملة الأولى حالاً فلا مانع من العطف عنده والمصنف ﵀ لم يتعرّض! لذلك فكلامه يحتملهما. قوله: (ألا يعلمها) حال من ورقة وجاءت الحال من النكرة لاعتمادها على النفي والتقدير ما تسقط من ورقة إلا عالماً بها لصحة التفريغ في الحال أو نعت لها بناء على جوازه فيه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٤] ومن في من ورقة زائدة في الفاعل وما بعده معطوف عليه، وقرئ بالرفع عطفاً على المحل وسيأتي وقوله مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات ردّ على الفلاسفة في قولهم إنه لا يعلمها وهو قول باطل، إلا أنّ المحقق الطوسي أنكره وقال إنهم لم يفهموا كلامهم، وله فيه رسالة جليلة. قوله: (بدل من الاستثناء الأوّل بدل الكل الخ) قال أبو البقاء ﵀: إلا في كتاب إلا هو في كتاب مبين، ولا يجوز أن يكون استثناء يعمل فيه يعلمها لأنه يصير المعنى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلا في كتاب فينقلب المعنى من الإثبات إلى النفي فإذا يكون الاستثناء الثاني بدلاً من الأوّل أي ولا تسقط من ورقة ولا حبة ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وما يعلمها إلا هو، وهذا معنى قوله في الكشاف إنه كالتكرير وقيل أي من جهة المعنى على ما بين وأما من جهة اللفظ فهو صفة للمذكورات كما أنه لا يعلمها إلا هو صفة لورقة، وأمّا ما يقال إنه تأكيد للاستثناء الأوّل أو بدل وإنه ليس استثناء من لا يعلمها اللزوم كونه نفياً من الإثبات لكون لا يعلمها إلا هو إثباتاً من المنفي فمما لا ينبغي أن يصفي إليه المحصل، ا! فهو اسنثناء من أعمّ الأوصاف والمعنى ما تسقط من ورقة بوصف إلا بأنه يعلمها وكذا حال إلا في كتاب والحصر إضافيّ بالنسبة إلى غير العلم، والذي جنح إليه إنه إن دخل في حيز العطف لم تصح البدلية والا فلا لتخلل العطف
стр. 1156
وفصله بين البدل والمبدل مع أنه قيل عليه إنّ صفة شيء كيف تكون تكرير الصفة شيء آخر معنى، ووجه كونه بدلاً أنّ قوله ولا رطب ولا يابس معطوفان على ورقة ليشاركاها في صفتها أعني لا يعلمها إلا هو فكأنه قيل ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها، ولا يخفى أنه تكلف لا
حاجة إليه وأنّ ما أورده غير وارد لأنّ الورقة داخلة في الرطب واليابس فلا تغاير بحسب المعنى فصح ما ذكره وسيأتي له تفصيل في سورة يونس.
قوله: (أو بدل الاشتمال) ولا يصح أن يكون بدل كل من كل لعدم اتحادهما وهو ظاهر، وأما ما قيل أنّ اللوح محل معلوماته فيؤول إليه فتكلف لا حاجة إليه مع صحة الاشتمال، وكذا ما قيل إنه حينئذ يصح أن يكون بدل كل من حيث إنّ كونها في اللوج كناية عن كونها معلومة له لأنه خلط بين التفسيرين بجعلهما واحداً والكلام ناطق بخلافه، وقال الزجاج: إنه تعالى أثبت المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال إلا في كتاب من قبل أن نبرأها وفائدة ذلك أمور أحدها اعتبار الملائكة موافقات المحدثات للمعلومات الإلهية، وثانيها تنبيه المكلفين على عدم إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب حيث ذكر أنّ الورثة والحبة في الكتاب، وثالثها عدم تغيير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب ولذا قال جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا الكتاب يسمى اللوج المحفوظ. قوله: (استعير التوفي الخ (أشار بذكر المصدر إلى أنّ الاستعارة تبعية وقوله في زوال الإحساس إشارة إلى وجه الشبه بينهما والظاهر أنّ أل فيه للعهد أي إحساس الحواس الظاهرة لأنه ذكر في سورة يوسف أن الحواس الباطنة تدرك في النوم، وقيل إنه بناء على ما اشت! هر من أنّ النوم ضد الإدراك، وجعل صاحب التلخيص وجه الشبه عدم ظهوو الفعل وقوله جرياً على المعتاد أي من الكسب في النهار وعدمه في الليل والا فقد يعكس. قوله: (يوقظكم الخ (يعني أنّ البعث بمعنى الإيقاظ ضمير فيه للنهار على ما ذهب إليه كثير من المفسرين والزمخشري لما رأى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ (دالاً على حال اليقظة وكسبهم فيها وكلمة ثم تقتضي تأخير البعث عنها عدل عنه فقال في تفسيره ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار ومن أجله كقولك فيم دعوتني فتقول في أمر كذا فجعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة عائدا على مضمون كونهم متوفين وكاسبين ومفى في هو حاصل معنى لام العلة والأجل المسمى هو الكون في القبور قال النحرير: ولا يخفى ما فيه من التكلف وأنه لا حاجة إليه لأنّ قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك الليل ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا التوفي وأنّ الإيقاظ متأخر عن التوفي وان قولنا يفعل ذلك التوفي لنقضي مدة الحياة المقدّرة كلام منتظم غاية الانتظام، ولا يخفى أنه تكلف بعيد وما قيل في وجه التراخي أنّ
حقيقة الإنامة في الليل تتحقق في أوّله، والإيقاظ متراخ عنه وان لم يتراخ عن جملته ليس بسديد لأنه لا وجه حينئذ لتوسط قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ ومعنى جرحتم كسبتم مأخوذ من جوارج الطير. قوله: (ترشيحا للتوقي) قيل فعلى هذا يكون الترشيح مجازاً، وقد يقال إنه ليس بمجاز، ولا يخفى أنّ الترشيح له نوع خصوص بالمشبه والبعث مما لا خصوص له إذ يقال بعثه من نومه إذا أيقظه كما صرّح به في المطول ولك أن تتكلف بأنه كذلك في اللغة لكنه حقيقة شرعية في إحياء الموتى في الآخرة (قلت) كونه ترث! يحاً باعتبار ما ذكر.، وأنه المتبادر في عرف الشرع وان كان لغة أعنم وإذا أسند إليه تعالى لم بفهم منه إلا هذا أو الإيجاد وبعث هنا ليس مجازاً كما توهم بل حقيقة جعل ترشيحا لما مرّ ولا يشترط في الترشيح اختصاصه بالمشبه به، بل أن يكون أخص به بوجه كما قرّروه في قوله:
له لبد أظفاره لم تقلم
إذ جعلوا لم تقلم ترشيحا والبعث في الموت أقوى لأنّ عدم الإحساس فيه أقوى فإزالته
أشد، وهو ظاهر وإن خالفه ما في المطوّل لأنه غير مسلم حتى جعله بعضهم قرينة في قوله من بعثنا من مرقدنا مع أنّ البعث حقيقة في الإيقاظ لكن المتبادر منه ما ذكروا لا لم يكن ترشيحا بل تجريدا، ولو سلم أنه مجاز فهو لا ينافي الترشيح، قال في الفرائد: الترشيح يجوز أن يكون باقياً على حقيقته تابعا للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتها وأن يكون مستعارا من ملائم المستعار لملائم المستعار له، فلا يتجه ما قيل فيه بخث لأنه لما كان
стр. 1157
البعث مجازاً عن الإيقاظ لم يكن من الترشيح في شيء، لأنّ الترشيح باق على حقيقته لا يعتبر فيه تشبيه ولا استعارة، والذي غرّه ظاهر كلامهم، وكذا ما قيل البعث الإثارة لا الإيقاظ غايته أنّ بعث النائم يكون! ايقاظه فلا ترشيح فيه ولو قلنا بعث النائم بايقاظه لا يكون ترشيحاً بل تجريداً. قوله: (ليبلغ المتيقظ الخ) الظاهر إنه علة غائية لما تقدم أعني، وهو الذي يتوفاكم الخ أي جعل هذا منتهى أعماركم، وقوله: أخر أجله إما تفسير للمراد من الأجل، أو إشارة إلى أنّ المراد به مجموع العمر لأنه يطلق عليهما كما مرّ. قوله: (ثم إليه مرجعكم) قال الثريف المرتضى: في الدرر والغرر فيما وقع في القرآن من ذكر الرجوع إلى الله نحو إليه ترجع الأمور كيف ترجع إليه وهي لم تخرج عن يده، وأجاب بأنه في دار التكليف قد يغير البعض فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى غيره فإذا انكشف الغطاء انقطعت حبال الآمال عن غيره فيرجع إليه، أو أنّ المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقي فرجع بمعنى صار تقول العرب: رجع عليّ من فلان مكروه بمعنى صار، ولم يكن سبق، فهو بمعنى المصير إليه كما تشهد به اللغة أو أنه في دار الدنيا ما يكون للعباد ظاهراً كالعبد لسيده، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة زال ذلك ورجع الأمر كله إلى الله ظاهر أو باطنا، قيل ولو حمله على البعث من القبور لكان أولى لأنّ انقضاء الأجل يتضمن
الموت، والظاهر أنه تمثيل مثل قدم على ربه وقوله بالمجازاة هو إمّا مجاز فيها أو كناية ثم إنه يحتمل أن يكون ما في القبر أو ما بعده أو أعثم منهما، ولو فسر بالمحاسبة وعرض الصحف لكان أظهر. قوله: (وقيل الآية خطاب للكفرة الخ) هذا مختار الزمخشرقي لأنها مسوقة للتهديد كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم﴾ الخ ولأنّ حمل البعث على الإيقاظ تكرير مع ذكر كسب النهار ولأنّ ثم تدل على التراخي وهنا ليس كذلك وقد مرّ جوابه، وأما الجواب بأنّ واو ويعلم حالية وما عبارة عما كسب في النهار السابق كما يرشد إليه عدم إيراده بصيغة الاستقبال فلا دلالة فيه على أنّ الإيقاظ عن هذا التوفي وكلمة، ثم إنما تدل على تأخر الإيقاظ عن التوفي دون غيره، ولو سلم فإنما يدل على تأخره عن العلم دون الجرج ولا ضير فيه، ف! نه يعلم في الماضي أنهم يكسبون كما في الآتي، ثم إنّ المتبادر هو البعث عن التوفي المذكور لا عن غير المذكور فحمله عليه غير سديد لأنّ واو الحال لا تدخل على المضارع إلا شذوذاً أو ضرورة في المشهور، وقوله: في شأن الخ يشير إلى أنّ الضمير واقع اسم الإشارة، كما مرّ ومعنى في شأنه لأجل جزائه وحسابه وتشبيه نوم الليل بالموت لما فيه من ترك العبادة فتكون بيوتهم مقابرهم كما قيل: أيا نائم الليل هنئته فقبل الممات سكنت القبورا
وقوله ليقضي الأجل الخ فالمراد بالأجل مدة موتهم أو غايتها، وقوله: سماه وضربه أي
عينه والبعث علة لانقضاء تلك المدة، فإن قلت قد علل البعث بقوله فيه على هذا التوجيه فما وجه قوله ليقضي، قلت هو تعليل لتأخير البعث المستفاد من ثم، وفي الكشف وأما إن قضاء الأجل المسمى لا يصلح علة للبعث فليس بشيء بعدما فسره المصنف بقوله الأجل المضروب لبعثهم وجزائهم أي يبعثكم من القبور ليقضي أجل البعث والجزاء فيه، وهو متأخر عن البعث لا محالة ألا ترى إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة يونس، الآية: ٤] وقال العلامة في شرح الكشاف لا شك أنّ ظاهر الآية على العموم لكن قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ يدل على تهديد شديد لا يليق إلا بالمعاندين الجاحدين، ولهذا فسر التوفي وان كان مسندا إلى الله بانسداحهم كالجيف لأن المقصود بيان حالهم المذمومة في الليل كما أنّ قوله ما جرحتم الخ بيان حالهم المذمومة في النهار، ويتوفاكم أي يقبض أرواحكم عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [سررة الزمر، الآية: ٤٢] الآية، وفي أكثر التفاسير يبعثكم يوقظكم في النهار ليقضي أجل مسمى أي مدة الحياة ثم إليه مرجعكم بعد الممات، ثم ينبئكم بالمجازاة وإنما عدل عنه لأنّ قوله ويعلم ما جرحتم بالنهار دال على حال اليقظة وكسبهم فيها وكلمة، ثم تقتضي تأخر البعث عنها، فإن قلت البعث من القبور ليس علة لقضاء الأجل المسمى فنقول المراد بالأجل المسمى مدّة الكون
في القبور لا مذة الحياة كما قالوا والبعث علة لانقضاء تلك المدّة. قوله: (من النوم الخ) فان قلت النوم ضروري فالنائم غير مكلف
стр. 1158
فكيف يحاسب عليه، قلت المراد أنه يحاسب على أسبابه ومقدماته فإنها اختيارية ألا ترى أنّ من نام في آخر الوقت حتى فاتته الصلاة يكون عاصيا بنومه. قوله: (وهو القاهر) قد مرّ تفسيره وفوق منصوب على الظرفية حال أو خبر بعد خبر، وذكر الإرسال بعده ليفيد أنّ إرساله ليس لاحتياجه بل لما ذكر من الحكم، وقوله: (تحفظ أعمالكم) تفسير للحفظة جمع حافظ ككتبة وكاتب، ويحتمل أنّ المراد بهم المعقبات التي تحفظه من بين يديه ومن خلفه، ويرسل مستأنف أو عطف على القاهر لأنه بمعنى الذي يقهر ولا يصح جعله حالاً لأن الواو الحالية لا تدخل على المضارع، وتقدير المبتدأ لا يخرجه عن الشذوذ على الصحيح وعليكم متعلق بيرسل أو بحفظة، والإشهاد جمع شهد كصحب وهو جمع شاهد، أو اسم جمع له لأن فاعلا لا يجمع على أفعال إلا نادراً، وقوله: يحتشم بمعنى يستحي، وضمير من خدمه إمّا إلى السيد أو إلى العبد، قيل والمبالغة في الثاني أكثر وخدم بفتحتين جمع خادم، وهو من نوادر الجموع، وقوله ملك الموت وأعوانه جمع عون وهو المعين والظهير، والظاهر منه أن قبض الأرواح بجملتها ليس موكولاً إلى ملك الموت بل له أعوان يقبضونها معه، وقيل إنّ المباشر ملك الموت ﵊ واسناد الفعل إلى المباشر والمعاون معاً مجاز كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلا، والقاتل واحد منهم وقد يسند إليه فقط، والى الله تعالى وتوله حتى أي بلغت غلبته إلى أنهم لا يتأتى لهم مخالفة رسله في قبض الأرواح، وليس متعلقا لإرسال الحفظة حتى يقال ليس غاية إرسال الحفظة وقت مجيء الموت إلى أحدهم. قوله: (والمعنى الخ) يعني معنى قراءة التخفيف والضمائر كلها للرسل، والإفراط مجاوزة الحد وهو يكون بالزيادة والنقصان والتفريط التقصير، ولذا فسره بالتواني والتأخير، وقيل إنه على القراءتين، وفيه لف ونشر مرتب إن كان ضمير لهم للناس وما عبارة عن آجالهم وغير مرتب إن كان الضمير للرسل وما عبارة عن الإكرام والإهانة، وفيه نظر. قوله:) ثم رذوا إلى الله الخ) قيل الضمير للكل المدلول عليه بأحد وهو السرّ في مجيئه بطريق الالتفات والإفراد
أوّلاً والجمع آخرا الوقوع التوفي على الانفراد، والرذ على الاجتماع أي ردّوا بعد البعث، وقيل أيضا فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأنّ الرذ يناسبه اعتبار الغيبة، وان لم يكن حقيقة لأنهم ما خرجوا من قبضة حكمه طرفة عين، وقيل عليه ضمير ردّوا عبارة عن الأحد العامّ إذ المراد ليس فرداً واحداً إلا عن المخاطبين فالالتفات واحد، ثم إنّ الردّ إنما يقتضي غيبتهم وقت الردّ لا وقت الخطاب بأنكم تردّون فكأنه لم يسمع قوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٩٤] ولا يخفى أن الأحد وان كان يعمّ كما مرّ في سورة البقرة، لكنه لما أضيف إلى المخاطبين اقتضى ذلك التغاير بينهما والردّ لا يختص بل يعمّ الجميع فرجع إلى العباد فيكون فيه التفاتان بلا تكلف، وكون الرذ يقتضي الغيبة مما لا شبهة فيه لأنه لا يردّ إلا من ذهب وغاب فالمردود في أوّل تعلق الرذ به غائب، وبعده يصير حاضرا، فيجوز اعتبار كل من حاليه، واعتبار حالة البعد أنسب بالمقام فلا يرد ما ذكره وهو لا ينافي الخطاب في تردّون ولكل وجهة.
وللناس فيما يعشقون مذاهب
وقوله: (إلى حكمه وجزائه) وقيل إنه الرذ من البرزخ إلى موضع العرض والسؤال، وليس ببعيد من هذا. قوله: (العدل) الحق يطلق على الله إمّا مجازا وهو بمعنى العدل، أو مظهر الحق أو واجب الوجود، أو الصادق الوعد، ونصبه على المدج، أو على أنه صفة للمفعول المطلق أي الردّ الحق، فلا يكون حينئذ المراد به الله. قوله: (لا يشنله حساب عن حساب) هذا بناء على أنه يحاسبهم، وقيل إنه يأمر الملائكة بذلك فيحاسب كل إنسان ملك وإذا حاسبهم بنفسه في زمان قليل لزم أن لا يشغله حساب عن حساب فلا يرد ما قيل إن هذا المعنى لا يدل عليه قوله اسرع الحاسبين، وقوله مقدار حلب شاة عبارة عن تقليل زمانه وهو أنه عنده. قوله: (فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب) أي إنه يوم اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وقوله ذو كواكب كقوله:
إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا
بناء على أنّ الليل إذا لم يستتر بنور القمر ظهرت الكواكب صغارها وكبارها، وكلما اشتدت ظلمته اشتد ظهور الكواكب فيه، ومن الأمثال القديمة رأى الكواكب مظهراً أي أظلم يومه لاشتداد الأمر فيه كما قال الهذلي:
стр. 1159
إني أرى وأظن أنّ ستري وضح النهاروعالي النجم
وقد تلطف بعض المتأخرين فيه إذ قال:
قد أعرت الشباب غيري وما زال شباب الإنسان ثوبا معارا
أطلع الشيب في عذارى نجوما فرأيت النجوم منه نهارا
قوله: (أو من الخسف) معطوف على قوله من شداندهما قيل فهو على الأوّل استعارة للهول، وعلى هذا المراد حقيقة الظلمات يعني ليس المراد شذة الخسف والغرق حتى يدخل هذا الوجه في الأوّل فيكون أعئم منه بل المراد ظلمة البرّ بالخسف في الأرض، وظلمة البحر بالغرق فيه فتغايرا، ومنهم من جعله كناية عن الخسف والغرق فهو حقيقة أيضا. قوله: (معلنين ومسرين (يعني نصبها على الحال أو المصدرية، وقيل بنزع الخافض، والإعلان والإسرار ي! ضمل أن يراد بهما ما باللسان والقلب، وقراءة خفية بالكسر لأنها لغة فيه كالأسوة والأسوة. قوله: (على إرادة القول) أي تقديره والقول المقدر حال أو على إرادة معناه من تدعون بناء على مذهب الكوفيين في الحكاية بما يدلّ على معنى القول من غير تقدير، والصحيح الأوّل فيكون محل الجملة النصب، وقيل إنّ الجملة القسمية تفسير للذعاء فلا محل لها، وقرأ الكوفيون أنجانا بلفظ الغيبة مراعاة لقوله تدعونه والباقون أنجيتنا بالخطاب حكاية لخطابهم في حالة الدعاء. قوله: (غتم سواها (أمره بالجواب تنبيها على ظهوره كما مرّ أو إهانة لهم إذ لا يلتفتون لخطابه، والمصنف ﵀ نظر إلى الظاهر فخصه بقوله سواها لتقدم قوله منها فكل للتكثير حينئذ، ولا حاجة إليه بل يجوز أن تبقى على أصلها من التعميم والإحاطة وذكر التعميم بعد التحصيص كثير، ولا يعدّ تكرأراً، ثم إنّ المراد بالكرب ما يعم ما تقدم ولا محذور في التعميم بعد التخصيص أو أهوال القيامة، أو ما يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا تتناهى كالأمراض والأسقام، فما قيل إن هذا يدلّ على أنّ المراد بما تقدم كرب مخصوص كالخسف والغرق والا فشدائد البر والبحر تتناول جميع الشدائد والكرب فلا فائدة في التعميم، أو الأولى نعمة رفع وهذه نعمة دفع هانه من قبيل متقلداً سيفاً ورمحاً تكلف لا داعي له. قوله: (تعودون إلى الشرك الخ (لأنّ الخطاب للمشركين وشركهم مقدّم على ذلك، فالشرك المذكور بالمضارع، وثم شرك آخر عادوا إليه بعد النجاة كما يقتضيه السياق، وهذا يؤيد ما سلكه الزمخشرقي سابقا من تخصيص الخطاب بالكفرة ووضع تشركون موضع لا تشكرون ا) أي هو مقتضى الظاهر المناسب لقوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لأنّ إشراكهم تضمن عدم صحة
عبادتهم وشكرهم، لأنه عبادة بل نفيها لعدم الاعتداد بها معه إذ التوحيد ملاك الأمر، وأساس العبادة فوضعه موضعه توبيخا لهم لعدم الوفاء بالعهد، ولم يذكر متعلقه لتنزيله منزلة اللازم تنبيهاً على استبعاد الشرك في نفسه. قوله: (قل هو القادر) في الكشاف هو الذي عرفتموه قادرا أو هو الكامل القدرة، ولشراحة فيه كلام فقيل مراده أنها للعهد أو للجنس، وأنّ الحصر فيه باعتبار الكمال أو لخصوص هذه الأشياء المذكورة في النظم، وإنما أوّله بذلك لأنّ في هذه الأمور شروراً وقبائح لا تسند إليه عند المعتزلة، وفيه تفصيل كفانا المصنف ﵀ مؤنته بتركه وقوله: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ المراد به جهة العلو وجهة السفل، فلا يتوهم أنّ الماء ليس تحت أرجلهم، والذي من فوقهم كأمطار حجارة من سجيل في قصة الفيل، وأرسال السماء في قصة نوح وإمطار الحجارة على قوم لوط ﵊. قوله: (أو يلبسكم) معنى يلبسكم يخلطكم فقيل: المراد اختلاط الناس في القتال بعضهم ببعض، وهو مراد المصنف ﵀، وقيل: المراد يخلط أمركم عليكم ففي الكلام مقدر وخلط أمرهم عليهم بجعلهم مختلفي الأهواء وشيعا جمع شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر، وهو حال وقيل إنه مصدر منصوب بيلبسكم من غير لفظه. قوله: (فينشب القتال بينكم الخ) أصل معنى النشوب التعلق وفي الحديث قد نشبوا في قتل عثمان ﵁ ١ (، أي وقعوا فيه ويكون نشب بمعنى لبث نحو لم ينشب أن مات أي لم يلبث وليس مراداً هناه قوله: (وكتيبة الخ (هو شعر للفرار السليّ وهو:
стр. 1160
وكتيبة لبستهابكتيبة حتى إذا التبست نفضت لهايدي
فتركتهم نفض الرماح ظهورهم من بين منعقروآخرمسندي
ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت دون رجالها لاتبعدي
فلبستها بمعنى خلطتها فالتب! ست أي اختلطت، والمراد بقوله نفضت لها يدي أنه فرّ يقال نفضت يدي من فلان إذا وكلته لنفسه، ويقال في ضده قبضت كفي وجمعت عليه يدي، والمراد تبريه منهم وتركهم وشأنهم كقوله: ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٦ ا] يريد أنه مهياج للشر خبير بمداخله ومخارجه وفيه طرف من اللؤم والجبن، ولذا
عيب عليه هذا المقال، والكتيبة بالتاء المثناة الجيش. قوله: (يقاتل بعضكم بعضاً) هذا التفسير مأثور، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ة سألت الله أن لا يبعث على أمّتي عذاباً من فوقها أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألتة أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل ﵊ أن فناء أمتي بالسيف " (١ (. فإن قلت كيف أجيبت الدعوتان وقد وقع الخسف وسيكون خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بالجزيرة. قلت الممنوع خسف مستأصل لهم، وأمّا عدم إجابته في بأسهم، فبذنوب منهم، ولأنهم بعد تبليغه ﷺ ، ونصيحته لهم لم يعملوا بقوله. قوله: (بالوعد والوعيد) فسره بعضهم بقوله يحوّلها من نوع إلى آخر من اً نواع الكلام تقريراً للمعنى وتقريبا إلى الفهم، والوعد والوعيد لا يناسب قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ وقيل الترغيب والترهيب ربما يحمل الإنسان على تأمّل يقوده إلى برهان، وهذا مصحح لا مرجح وقوله الواقع لا محالة الخ لف ونشر مرتب والصدق صدق إخباره وأحكامه. قوله: (بحفيظ وكل إلئ أمركم) أصل معنى التوكيل أن تعتمد على غيرك قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ والموكل على القوم هو الذي فوّض! أمرهم إليه فهم يعتمدون عليه، ويلزمه حفظهم فكونه بمعنى حفيظ ايشعمال له في لازم معناه قال الراغب ما أنت عليهم بوكيل أي بموكل عليهم وحافظ، ووكيل فعيل بمعنى مفعول في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ، أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك. قوله: (أما العذاب) فالنبا بمعنى المنبأ به أو بمعنى المصدر أي الأنباء، وقوله: وقت استقرار وفسره لأنه المناسب لما بعده وأمّا جعله مصدراً ميميا بمعنى الاستقرار فغير مناسب لكن قول المصنف ﵀ ووقوع إن عطف على استقرار على أنه بيان للاستقرار فظاهر، ويصح عطفه على وقت فيكون تجويزاً للمصدرية فيه لكنه خلاف الظاهر. قوله: (بالتكذيب الخ الما كانت قريش تفعل ذلك في أنديتها، ولذا أتى بإذا الدالة على التحقيق
بخلاف النسيان وفسر الإعراض بعدم المجالسة، وإن احتمل غير ذلك لدلالة قوله: ولا تقعد عليه ثم إنه قد استدلّ بهذه الآية على أن إذا تفيد التكرار حيث حرم القعود مع الخائض كلما خاض وفيه نظر لأنّ العموم ليس من إذا بل من الصيغة لترتب حكم المشتق على مأخذ اشتقاقه وهو الخوض. قوله: (اعاد الضمير الخ) يعني إلى الآيات، والظاهر عوده إلى الخوض أو الطعن أو مجموع ما مضى، وأصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن للذمّ وتخاوضوا في الحديث وتفاوضوا بمعنى، وقوله بأن يشغلك بوسوسته هذا على سبيل الفرض إذ لم يقع، ولذا عبر باًن، وإمّا أن الشرطية زيدت بعدها ما واختلف في لزوم توكيد الفعل الواقع ما بعدها فالمشهور لزومه وقيل لا يلزم وعليه قوله في المقصورة:
أما ترى رأسي حاكى لونه طرّة صبح تحت أذيال الدجا
وقوله: بالتشديد يعني تشديد السين ونسي بمعنى أنسى، وقال ابن عطية ﵀: نسي
أبلغ من أنسى.
تنبيه: قال في كتاب الأحكام اختار الرافضة أنّ النبيئ غت! هـ منزه عن النسيان لقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [سورة الأعلى، الآية: ٦] وذهب غيرهم إلى جوازه انتهى (وعندي (أن يجمع بين القولين بأنه لا ينسى شيئاً من القرآن والوحي ويجوز في غير ذلك. قوله: (بعد أن تذكره) الذكرى مصدر، والمصدر يؤنث بالتاء كضربة وبالألف كبشرى والضمير راجع إلى النهي، وفي الكشاف وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قبح
следующие страницы →