← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وفصله بين البدل والمبدل مع أنه قيل عليه إنّ صفة شيء كيف تكون تكرير الصفة شيء آخر معنى، ووجه كونه بدلاً أنّ قوله ولا رطب ولا يابس معطوفان على ورقة ليشاركاها في صفتها أعني لا يعلمها إلا هو فكأنه قيل ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها، ولا يخفى أنه تكلف لا حاجة إليه وأنّ ما أورده غير وارد لأنّ الورقة داخلة في الرطب واليابس فلا تغاير بحسب المعنى فصح ما ذكره وسيأتي له تفصيل في سورة يونس. قوله: (أو بدل الاشتمال) ولا يصح أن يكون بدل كل من كل لعدم اتحادهما وهو ظاهر، وأما ما قيل أنّ اللوح محل معلوماته فيؤول إليه فتكلف لا حاجة إليه مع صحة الاشتمال، وكذا ما قيل إنه حينئذ يصح أن يكون بدل كل من حيث إنّ كونها في اللوج كناية عن كونها معلومة له لأنه خلط بين التفسيرين بجعلهما واحداً والكلام ناطق بخلافه، وقال الزجاج: إنه تعالى أثبت المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال إلا في كتاب من قبل أن نبرأها وفائدة ذلك أمور أحدها اعتبار الملائكة موافقات المحدثات للمعلومات الإلهية، وثانيها تنبيه المكلفين على عدم إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب حيث ذكر أنّ الورثة والحبة في الكتاب، وثالثها عدم تغيير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب ولذا قال جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا الكتاب يسمى اللوج المحفوظ. قوله: (استعير التوفي الخ (أشار بذكر المصدر إلى أنّ الاستعارة تبعية وقوله في زوال الإحساس إشارة إلى وجه الشبه بينهما والظاهر أنّ أل فيه للعهد أي إحساس الحواس الظاهرة لأنه ذكر في سورة يوسف أن الحواس الباطنة تدرك في النوم، وقيل إنه بناء على ما اشت! هر من أنّ النوم ضد الإدراك، وجعل صاحب التلخيص وجه الشبه عدم ظهوو الفعل وقوله جرياً على المعتاد أي من الكسب في النهار وعدمه في الليل والا فقد يعكس. قوله: (يوقظكم الخ (يعني أنّ البعث بمعنى الإيقاظ ضمير فيه للنهار على ما ذهب إليه كثير من المفسرين والزمخشري لما رأى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ (دالاً على حال اليقظة وكسبهم فيها وكلمة ثم تقتضي تأخير البعث عنها عدل عنه فقال في تفسيره ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار ومن أجله كقولك فيم دعوتني فتقول في أمر كذا فجعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة عائدا على مضمون كونهم متوفين وكاسبين ومفى في هو حاصل معنى لام العلة والأجل المسمى هو الكون في القبور قال النحرير: ولا يخفى ما فيه من التكلف وأنه لا حاجة إليه لأنّ قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك الليل ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا التوفي وأنّ الإيقاظ متأخر عن التوفي وان قولنا يفعل ذلك التوفي لنقضي مدة الحياة المقدّرة كلام منتظم غاية الانتظام، ولا يخفى أنه تكلف بعيد وما قيل في وجه التراخي أنّ حقيقة الإنامة في الليل تتحقق في أوّله، والإيقاظ متراخ عنه وان لم يتراخ عن جملته ليس بسديد لأنه لا وجه حينئذ لتوسط قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ ومعنى جرحتم كسبتم مأخوذ من جوارج الطير. قوله: (ترشيحا للتوقي) قيل فعلى هذا يكون الترشيح مجازاً، وقد يقال إنه ليس بمجاز، ولا يخفى أنّ الترشيح له نوع خصوص بالمشبه والبعث مما لا خصوص له إذ يقال بعثه من نومه إذا أيقظه كما صرّح به في المطول ولك أن تتكلف بأنه كذلك في اللغة لكنه حقيقة شرعية في إحياء الموتى في الآخرة (قلت) كونه ترث! يحاً باعتبار ما ذكر.، وأنه المتبادر في عرف الشرع وان كان لغة أعنم وإذا أسند إليه تعالى لم بفهم منه إلا هذا أو الإيجاد وبعث هنا ليس مجازاً كما توهم بل حقيقة جعل ترشيحا لما مرّ ولا يشترط في الترشيح اختصاصه بالمشبه به، بل أن يكون أخص به بوجه كما قرّروه في قوله: له لبد أظفاره لم تقلم إذ جعلوا لم تقلم ترشيحا والبعث في الموت أقوى لأنّ عدم الإحساس فيه أقوى فإزالته أشد، وهو ظاهر وإن خالفه ما في المطوّل لأنه غير مسلم حتى جعله بعضهم قرينة في قوله من بعثنا من مرقدنا مع أنّ البعث حقيقة في الإيقاظ لكن المتبادر منه ما ذكروا لا لم يكن ترشيحا بل تجريدا، ولو سلم أنه مجاز فهو لا ينافي الترشيح، قال في الفرائد: الترشيح يجوز أن يكون باقياً على حقيقته تابعا للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتها وأن يكون مستعارا من ملائم المستعار لملائم المستعار له، فلا يتجه ما قيل فيه بخث لأنه لما كان

стр. 1157

البعث مجازاً عن الإيقاظ لم يكن من الترشيح في شيء، لأنّ الترشيح باق على حقيقته لا يعتبر فيه تشبيه ولا استعارة، والذي غرّه ظاهر كلامهم، وكذا ما قيل البعث الإثارة لا الإيقاظ غايته أنّ بعث النائم يكون! ايقاظه فلا ترشيح فيه ولو قلنا بعث النائم بايقاظه لا يكون ترشيحاً بل تجريداً. قوله: (ليبلغ المتيقظ الخ) الظاهر إنه علة غائية لما تقدم أعني، وهو الذي يتوفاكم الخ أي جعل هذا منتهى أعماركم، وقوله: أخر أجله إما تفسير للمراد من الأجل، أو إشارة إلى أنّ المراد به مجموع العمر لأنه يطلق عليهما كما مرّ. قوله: (ثم إليه مرجعكم) قال الثريف المرتضى: في الدرر والغرر فيما وقع في القرآن من ذكر الرجوع إلى الله نحو إليه ترجع الأمور كيف ترجع إليه وهي لم تخرج عن يده، وأجاب بأنه في دار التكليف قد يغير البعض فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى غيره فإذا انكشف الغطاء انقطعت حبال الآمال عن غيره فيرجع إليه، أو أنّ المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقي فرجع بمعنى صار تقول العرب: رجع عليّ من فلان مكروه بمعنى صار، ولم يكن سبق، فهو بمعنى المصير إليه كما تشهد به اللغة أو أنه في دار الدنيا ما يكون للعباد ظاهراً كالعبد لسيده، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة زال ذلك ورجع الأمر كله إلى الله ظاهر أو باطنا، قيل ولو حمله على البعث من القبور لكان أولى لأنّ انقضاء الأجل يتضمن الموت، والظاهر أنه تمثيل مثل قدم على ربه وقوله بالمجازاة هو إمّا مجاز فيها أو كناية ثم إنه يحتمل أن يكون ما في القبر أو ما بعده أو أعثم منهما، ولو فسر بالمحاسبة وعرض الصحف لكان أظهر. قوله: (وقيل الآية خطاب للكفرة الخ) هذا مختار الزمخشرقي لأنها مسوقة للتهديد كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم﴾ الخ ولأنّ حمل البعث على الإيقاظ تكرير مع ذكر كسب النهار ولأنّ ثم تدل على التراخي وهنا ليس كذلك وقد مرّ جوابه، وأما الجواب بأنّ واو ويعلم حالية وما عبارة عما كسب في النهار السابق كما يرشد إليه عدم إيراده بصيغة الاستقبال فلا دلالة فيه على أنّ الإيقاظ عن هذا التوفي وكلمة، ثم إنما تدل على تأخر الإيقاظ عن التوفي دون غيره، ولو سلم فإنما يدل على تأخره عن العلم دون الجرج ولا ضير فيه، ف! نه يعلم في الماضي أنهم يكسبون كما في الآتي، ثم إنّ المتبادر هو البعث عن التوفي المذكور لا عن غير المذكور فحمله عليه غير سديد لأنّ واو الحال لا تدخل على المضارع إلا شذوذاً أو ضرورة في المشهور، وقوله: في شأن الخ يشير إلى أنّ الضمير واقع اسم الإشارة، كما مرّ ومعنى في شأنه لأجل جزائه وحسابه وتشبيه نوم الليل بالموت لما فيه من ترك العبادة فتكون بيوتهم مقابرهم كما قيل: أيا نائم الليل هنئته فقبل الممات سكنت القبورا وقوله ليقضي الأجل الخ فالمراد بالأجل مدة موتهم أو غايتها، وقوله: سماه وضربه أي عينه والبعث علة لانقضاء تلك المدة، فإن قلت قد علل البعث بقوله فيه على هذا التوجيه فما وجه قوله ليقضي، قلت هو تعليل لتأخير البعث المستفاد من ثم، وفي الكشف وأما إن قضاء الأجل المسمى لا يصلح علة للبعث فليس بشيء بعدما فسره المصنف بقوله الأجل المضروب لبعثهم وجزائهم أي يبعثكم من القبور ليقضي أجل البعث والجزاء فيه، وهو متأخر عن البعث لا محالة ألا ترى إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة يونس، الآية: ٤] وقال العلامة في شرح الكشاف لا شك أنّ ظاهر الآية على العموم لكن قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ يدل على تهديد شديد لا يليق إلا بالمعاندين الجاحدين، ولهذا فسر التوفي وان كان مسندا إلى الله بانسداحهم كالجيف لأن المقصود بيان حالهم المذمومة في الليل كما أنّ قوله ما جرحتم الخ بيان حالهم المذمومة في النهار، ويتوفاكم أي يقبض أرواحكم عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [سررة الزمر، الآية: ٤٢] الآية، وفي أكثر التفاسير يبعثكم يوقظكم في النهار ليقضي أجل مسمى أي مدة الحياة ثم إليه مرجعكم بعد الممات، ثم ينبئكم بالمجازاة وإنما عدل عنه لأنّ قوله ويعلم ما جرحتم بالنهار دال على حال اليقظة وكسبهم فيها وكلمة، ثم تقتضي تأخر البعث عنها، فإن قلت البعث من القبور ليس علة لقضاء الأجل المسمى فنقول المراد بالأجل المسمى مدّة الكون في القبور لا مذة الحياة كما قالوا والبعث علة لانقضاء تلك المدّة. قوله: (من النوم الخ) فان قلت النوم ضروري فالنائم غير مكلف

стр. 1158

فكيف يحاسب عليه، قلت المراد أنه يحاسب على أسبابه ومقدماته فإنها اختيارية ألا ترى أنّ من نام في آخر الوقت حتى فاتته الصلاة يكون عاصيا بنومه. قوله: (وهو القاهر) قد مرّ تفسيره وفوق منصوب على الظرفية حال أو خبر بعد خبر، وذكر الإرسال بعده ليفيد أنّ إرساله ليس لاحتياجه بل لما ذكر من الحكم، وقوله: (تحفظ أعمالكم) تفسير للحفظة جمع حافظ ككتبة وكاتب، ويحتمل أنّ المراد بهم المعقبات التي تحفظه من بين يديه ومن خلفه، ويرسل مستأنف أو عطف على القاهر لأنه بمعنى الذي يقهر ولا يصح جعله حالاً لأن الواو الحالية لا تدخل على المضارع، وتقدير المبتدأ لا يخرجه عن الشذوذ على الصحيح وعليكم متعلق بيرسل أو بحفظة، والإشهاد جمع شهد كصحب وهو جمع شاهد، أو اسم جمع له لأن فاعلا لا يجمع على أفعال إلا نادراً، وقوله: يحتشم بمعنى يستحي، وضمير من خدمه إمّا إلى السيد أو إلى العبد، قيل والمبالغة في الثاني أكثر وخدم بفتحتين جمع خادم، وهو من نوادر الجموع، وقوله ملك الموت وأعوانه جمع عون وهو المعين والظهير، والظاهر منه أن قبض الأرواح بجملتها ليس موكولاً إلى ملك الموت بل له أعوان يقبضونها معه، وقيل إنّ المباشر ملك الموت ﵊ واسناد الفعل إلى المباشر والمعاون معاً مجاز كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلا، والقاتل واحد منهم وقد يسند إليه فقط، والى الله تعالى وتوله حتى أي بلغت غلبته إلى أنهم لا يتأتى لهم مخالفة رسله في قبض الأرواح، وليس متعلقا لإرسال الحفظة حتى يقال ليس غاية إرسال الحفظة وقت مجيء الموت إلى أحدهم. قوله: (والمعنى الخ) يعني معنى قراءة التخفيف والضمائر كلها للرسل، والإفراط مجاوزة الحد وهو يكون بالزيادة والنقصان والتفريط التقصير، ولذا فسره بالتواني والتأخير، وقيل إنه على القراءتين، وفيه لف ونشر مرتب إن كان ضمير لهم للناس وما عبارة عن آجالهم وغير مرتب إن كان الضمير للرسل وما عبارة عن الإكرام والإهانة، وفيه نظر. قوله:) ثم رذوا إلى الله الخ) قيل الضمير للكل المدلول عليه بأحد وهو السرّ في مجيئه بطريق الالتفات والإفراد أوّلاً والجمع آخرا الوقوع التوفي على الانفراد، والرذ على الاجتماع أي ردّوا بعد البعث، وقيل أيضا فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأنّ الرذ يناسبه اعتبار الغيبة، وان لم يكن حقيقة لأنهم ما خرجوا من قبضة حكمه طرفة عين، وقيل عليه ضمير ردّوا عبارة عن الأحد العامّ إذ المراد ليس فرداً واحداً إلا عن المخاطبين فالالتفات واحد، ثم إنّ الردّ إنما يقتضي غيبتهم وقت الردّ لا وقت الخطاب بأنكم تردّون فكأنه لم يسمع قوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٩٤] ولا يخفى أن الأحد وان كان يعمّ كما مرّ في سورة البقرة، لكنه لما أضيف إلى المخاطبين اقتضى ذلك التغاير بينهما والردّ لا يختص بل يعمّ الجميع فرجع إلى العباد فيكون فيه التفاتان بلا تكلف، وكون الرذ يقتضي الغيبة مما لا شبهة فيه لأنه لا يردّ إلا من ذهب وغاب فالمردود في أوّل تعلق الرذ به غائب، وبعده يصير حاضرا، فيجوز اعتبار كل من حاليه، واعتبار حالة البعد أنسب بالمقام فلا يرد ما ذكره وهو لا ينافي الخطاب في تردّون ولكل وجهة. وللناس فيما يعشقون مذاهب وقوله: (إلى حكمه وجزائه) وقيل إنه الرذ من البرزخ إلى موضع العرض والسؤال، وليس ببعيد من هذا. قوله: (العدل) الحق يطلق على الله إمّا مجازا وهو بمعنى العدل، أو مظهر الحق أو واجب الوجود، أو الصادق الوعد، ونصبه على المدج، أو على أنه صفة للمفعول المطلق أي الردّ الحق، فلا يكون حينئذ المراد به الله. قوله: (لا يشنله حساب عن حساب) هذا بناء على أنه يحاسبهم، وقيل إنه يأمر الملائكة بذلك فيحاسب كل إنسان ملك وإذا حاسبهم بنفسه في زمان قليل لزم أن لا يشغله حساب عن حساب فلا يرد ما قيل إن هذا المعنى لا يدل عليه قوله اسرع الحاسبين، وقوله مقدار حلب شاة عبارة عن تقليل زمانه وهو أنه عنده. قوله: (فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب) أي إنه يوم اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وقوله ذو كواكب كقوله: إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا بناء على أنّ الليل إذا لم يستتر بنور القمر ظهرت الكواكب صغارها وكبارها، وكلما اشتدت ظلمته اشتد ظهور الكواكب فيه، ومن الأمثال القديمة رأى الكواكب مظهراً أي أظلم يومه لاشتداد الأمر فيه كما قال الهذلي:

стр. 1159

إني أرى وأظن أنّ ستري وضح النهاروعالي النجم وقد تلطف بعض المتأخرين فيه إذ قال: قد أعرت الشباب غيري وما زال شباب الإنسان ثوبا معارا أطلع الشيب في عذارى نجوما فرأيت النجوم منه نهارا قوله: (أو من الخسف) معطوف على قوله من شداندهما قيل فهو على الأوّل استعارة للهول، وعلى هذا المراد حقيقة الظلمات يعني ليس المراد شذة الخسف والغرق حتى يدخل هذا الوجه في الأوّل فيكون أعئم منه بل المراد ظلمة البرّ بالخسف في الأرض، وظلمة البحر بالغرق فيه فتغايرا، ومنهم من جعله كناية عن الخسف والغرق فهو حقيقة أيضا. قوله: (معلنين ومسرين (يعني نصبها على الحال أو المصدرية، وقيل بنزع الخافض، والإعلان والإسرار ي! ضمل أن يراد بهما ما باللسان والقلب، وقراءة خفية بالكسر لأنها لغة فيه كالأسوة والأسوة. قوله: (على إرادة القول) أي تقديره والقول المقدر حال أو على إرادة معناه من تدعون بناء على مذهب الكوفيين في الحكاية بما يدلّ على معنى القول من غير تقدير، والصحيح الأوّل فيكون محل الجملة النصب، وقيل إنّ الجملة القسمية تفسير للذعاء فلا محل لها، وقرأ الكوفيون أنجانا بلفظ الغيبة مراعاة لقوله تدعونه والباقون أنجيتنا بالخطاب حكاية لخطابهم في حالة الدعاء. قوله: (غتم سواها (أمره بالجواب تنبيها على ظهوره كما مرّ أو إهانة لهم إذ لا يلتفتون لخطابه، والمصنف ﵀ نظر إلى الظاهر فخصه بقوله سواها لتقدم قوله منها فكل للتكثير حينئذ، ولا حاجة إليه بل يجوز أن تبقى على أصلها من التعميم والإحاطة وذكر التعميم بعد التحصيص كثير، ولا يعدّ تكرأراً، ثم إنّ المراد بالكرب ما يعم ما تقدم ولا محذور في التعميم بعد التخصيص أو أهوال القيامة، أو ما يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا تتناهى كالأمراض والأسقام، فما قيل إن هذا يدلّ على أنّ المراد بما تقدم كرب مخصوص كالخسف والغرق والا فشدائد البر والبحر تتناول جميع الشدائد والكرب فلا فائدة في التعميم، أو الأولى نعمة رفع وهذه نعمة دفع هانه من قبيل متقلداً سيفاً ورمحاً تكلف لا داعي له. قوله: (تعودون إلى الشرك الخ (لأنّ الخطاب للمشركين وشركهم مقدّم على ذلك، فالشرك المذكور بالمضارع، وثم شرك آخر عادوا إليه بعد النجاة كما يقتضيه السياق، وهذا يؤيد ما سلكه الزمخشرقي سابقا من تخصيص الخطاب بالكفرة ووضع تشركون موضع لا تشكرون ا) أي هو مقتضى الظاهر المناسب لقوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لأنّ إشراكهم تضمن عدم صحة عبادتهم وشكرهم، لأنه عبادة بل نفيها لعدم الاعتداد بها معه إذ التوحيد ملاك الأمر، وأساس العبادة فوضعه موضعه توبيخا لهم لعدم الوفاء بالعهد، ولم يذكر متعلقه لتنزيله منزلة اللازم تنبيهاً على استبعاد الشرك في نفسه. قوله: (قل هو القادر) في الكشاف هو الذي عرفتموه قادرا أو هو الكامل القدرة، ولشراحة فيه كلام فقيل مراده أنها للعهد أو للجنس، وأنّ الحصر فيه باعتبار الكمال أو لخصوص هذه الأشياء المذكورة في النظم، وإنما أوّله بذلك لأنّ في هذه الأمور شروراً وقبائح لا تسند إليه عند المعتزلة، وفيه تفصيل كفانا المصنف ﵀ مؤنته بتركه وقوله: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ المراد به جهة العلو وجهة السفل، فلا يتوهم أنّ الماء ليس تحت أرجلهم، والذي من فوقهم كأمطار حجارة من سجيل في قصة الفيل، وأرسال السماء في قصة نوح وإمطار الحجارة على قوم لوط ﵊. قوله: (أو يلبسكم) معنى يلبسكم يخلطكم فقيل: المراد اختلاط الناس في القتال بعضهم ببعض، وهو مراد المصنف ﵀، وقيل: المراد يخلط أمركم عليكم ففي الكلام مقدر وخلط أمرهم عليهم بجعلهم مختلفي الأهواء وشيعا جمع شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر، وهو حال وقيل إنه مصدر منصوب بيلبسكم من غير لفظه. قوله: (فينشب القتال بينكم الخ) أصل معنى النشوب التعلق وفي الحديث قد نشبوا في قتل عثمان ﵁ ١ (، أي وقعوا فيه ويكون نشب بمعنى لبث نحو لم ينشب أن مات أي لم يلبث وليس مراداً هناه قوله: (وكتيبة الخ (هو شعر للفرار السليّ وهو:

стр. 1160

وكتيبة لبستهابكتيبة حتى إذا التبست نفضت لهايدي فتركتهم نفض الرماح ظهورهم من بين منعقروآخرمسندي ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت دون رجالها لاتبعدي فلبستها بمعنى خلطتها فالتب! ست أي اختلطت، والمراد بقوله نفضت لها يدي أنه فرّ يقال نفضت يدي من فلان إذا وكلته لنفسه، ويقال في ضده قبضت كفي وجمعت عليه يدي، والمراد تبريه منهم وتركهم وشأنهم كقوله: ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٦ ا] يريد أنه مهياج للشر خبير بمداخله ومخارجه وفيه طرف من اللؤم والجبن، ولذا عيب عليه هذا المقال، والكتيبة بالتاء المثناة الجيش. قوله: (يقاتل بعضكم بعضاً) هذا التفسير مأثور، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ة سألت الله أن لا يبعث على أمّتي عذاباً من فوقها أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألتة أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل ﵊ أن فناء أمتي بالسيف " (١ (. فإن قلت كيف أجيبت الدعوتان وقد وقع الخسف وسيكون خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بالجزيرة. قلت الممنوع خسف مستأصل لهم، وأمّا عدم إجابته في بأسهم، فبذنوب منهم، ولأنهم بعد تبليغه ﷺ ، ونصيحته لهم لم يعملوا بقوله. قوله: (بالوعد والوعيد) فسره بعضهم بقوله يحوّلها من نوع إلى آخر من اً نواع الكلام تقريراً للمعنى وتقريبا إلى الفهم، والوعد والوعيد لا يناسب قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ وقيل الترغيب والترهيب ربما يحمل الإنسان على تأمّل يقوده إلى برهان، وهذا مصحح لا مرجح وقوله الواقع لا محالة الخ لف ونشر مرتب والصدق صدق إخباره وأحكامه. قوله: (بحفيظ وكل إلئ أمركم) أصل معنى التوكيل أن تعتمد على غيرك قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ والموكل على القوم هو الذي فوّض! أمرهم إليه فهم يعتمدون عليه، ويلزمه حفظهم فكونه بمعنى حفيظ ايشعمال له في لازم معناه قال الراغب ما أنت عليهم بوكيل أي بموكل عليهم وحافظ، ووكيل فعيل بمعنى مفعول في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ، أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك. قوله: (أما العذاب) فالنبا بمعنى المنبأ به أو بمعنى المصدر أي الأنباء، وقوله: وقت استقرار وفسره لأنه المناسب لما بعده وأمّا جعله مصدراً ميميا بمعنى الاستقرار فغير مناسب لكن قول المصنف ﵀ ووقوع إن عطف على استقرار على أنه بيان للاستقرار فظاهر، ويصح عطفه على وقت فيكون تجويزاً للمصدرية فيه لكنه خلاف الظاهر. قوله: (بالتكذيب الخ الما كانت قريش تفعل ذلك في أنديتها، ولذا أتى بإذا الدالة على التحقيق بخلاف النسيان وفسر الإعراض بعدم المجالسة، وإن احتمل غير ذلك لدلالة قوله: ولا تقعد عليه ثم إنه قد استدلّ بهذه الآية على أن إذا تفيد التكرار حيث حرم القعود مع الخائض كلما خاض وفيه نظر لأنّ العموم ليس من إذا بل من الصيغة لترتب حكم المشتق على مأخذ اشتقاقه وهو الخوض. قوله: (اعاد الضمير الخ) يعني إلى الآيات، والظاهر عوده إلى الخوض أو الطعن أو مجموع ما مضى، وأصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن للذمّ وتخاوضوا في الحديث وتفاوضوا بمعنى، وقوله بأن يشغلك بوسوسته هذا على سبيل الفرض إذ لم يقع، ولذا عبر باًن، وإمّا أن الشرطية زيدت بعدها ما واختلف في لزوم توكيد الفعل الواقع ما بعدها فالمشهور لزومه وقيل لا يلزم وعليه قوله في المقصورة: أما ترى رأسي حاكى لونه طرّة صبح تحت أذيال الدجا وقوله: بالتشديد يعني تشديد السين ونسي بمعنى أنسى، وقال ابن عطية ﵀: نسي أبلغ من أنسى. تنبيه: قال في كتاب الأحكام اختار الرافضة أنّ النبيئ غت! هـ منزه عن النسيان لقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [سورة الأعلى، الآية: ٦] وذهب غيرهم إلى جوازه انتهى (وعندي (أن يجمع بين القولين بأنه لا ينسى شيئاً من القرآن والوحي ويجوز في غير ذلك. قوله: (بعد أن تذكره) الذكرى مصدر، والمصدر يؤنث بالتاء كضربة وبالألف كبشرى والضمير راجع إلى النهي، وفي الكشاف وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قبح

стр. 1161

مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول وهو مبنيّ على الاعتزال مع تكلفه ولذا تركه المصنف ﵀، وقوله: (ظلموا الخ) المراد ظلم خاص والظلم وضع الشيء في غير موضعه. قوله:) مما يحاسبون عليه) الظاهر أنه تفسير لقوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ فيكون مصدراً بمعنى المفعول، ولا يصح أن يكون تفسير الشيء وأمّا جعل من ابتدائية بمعنى الأجل فمع كونه تكلفا الظاهر أن يقول إنها تعليلية لأنها ترد لذلك، كما ذكره النحاة وفسر على في على الذي يتقون باللزوم كما في قولهم عليّ ألف درهم، ولم يفسره بالمؤاخذة، كما في قوله: ﴿عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٦] قيل لأنه لا يناسب سبب النزول ولا وجه له لأنه لا يؤاخذ إلا بما يلزمه، ومآلهما بحسب المعنى واحد وقوله وغيره من القبائح عممه والزمخشري خصه بالخوض! لمناسبة المقام. قوله: (لأنّ من حسابهم يأباه الأنه يصير المعنى، ولكن ذكرى من حسابهم وليس بسديد، وقد تبع فيه الزمخشريّ واعترض عليه كثير من الشراح وغيرهم بأنه لا يلزم من العطف على مقيد بقيد اعتبار ذلك القيد في المعطوف، وظاهر كلام بعضهم هنا أنه مخصوص بالحالط والجار والمجرور هنا حال لأنه صفة للنكرة قدمت عليها، والحال قيد في عاملها فإذا كان من عطف المفردات، وعمل فيها العامل لزم تقيدها فإن قدر عامل آخر لم يكن من عطف المفردات وقيل نحن لا ندعي هذا بل نقول إنه إذا عطف مفرد على مفرد لا سيما بحرف الاستدراك فالقيود المعتبرة في المعطوف عليه السابقة في الذكر عليه معتبرة في المعطوف البتة بحكم الاستعمال تقول ما جاءني يوم الجمعة، أو في الدار أو راكبا أو من هؤلاء القوم رجل ولكن امرأة فيلزم مجيء المرأة في يوم الجمعة، أو في الدار أو بصفة الركوب، أو تكون من القوم البتة، ولم يجىء الاستعمال بخلافه ولا يفهم من الكلام سواه بخلاف ما جاءني رجل من العرب ولكن امرأة فإنه لا يبعد كون المرأة من غير العرب، قالوا والسرّ فيه أن تقدم القيود يدلّ على أنها أمر مسلم مفروغ منه وانها قيد للعامل منسحب على جميع معمولاته وأنّ هذه القاعدة مخصوصة بالمفرد لذلك وأمّا في الجمل فالقيد إذا جعل جزءا من المعطوف عليه وان سبق لم يشاركه فيه المعطوف، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أسورة يونس، الآية: ٤٩] كما في شرح المفتاح وهذا إذا لم تفهم القرينة خلافه كما في قولك جاءني من تميم رجل وامرأة من قريش، وتخصيص هذه القاعدة بتقدم القيد وادعاء اطرادها كما ذكره النحرير مما يقتضيه الذوق لكنا لم نر من التزمه غيره ومنهم من عممها كما قيل إنّ أهل اللسان والأصوليين يقولون إنّ العطف للتشريك في الظاهر فإذا كان في المعطوف عليه قيد فالظاهر تقييد المعطوف بذلك القيد إلا أن تجيء قرينة صارفة فيحال الأمر عليها فإذا قلت ضربت زيداً يوم الجمعة، وعمرأ فالظاهر اشتراك عمر ومع زيد في الضرب مقيداً بيوم الجمعة، فإن قلت وعمرأ يوم السبت لم يشاركه في قيده، والآية من القبيل الأوّل فالظاهر مشاركته في قيده ويكفي مثله للمنع وفيه بحث. قوله: (ولا على شيء لذلك الخ) مراده بقوله لا تزاد بعد الإثبات لا تقدر عاملة بعد الإثبات لأنها إذا عملت كانت في قوة المذكورة المزيدة، ولذا قيل الظاهر أن يقول لا تقدر عاملة بعد الإثبات ولا ينافيه ما مر من تجويز زيادتها في الإثبات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [سورة الأن! ام، الآية: ٤٢] كما أورده عليه بعضهم لا لأنه مشى على قول هنا وعلى آخر ثمة لأنها عكازة أعمى بل لأنّ خلاف الأخفش وغيره في غير الظروف، كقبل وبعد وأمّا دخول من زائدة على الظروف في الإثبات فذهب إلى جوازه كثير من النحاة وارتضوه كما في شرح التسهيل وهذا مما يغفل عنه كثير من الناس وقوله لمساءتهم مصدو إمّا مضاف للفاعل، والمفعول مقدّر أو مضاف للمفعول. قوله: (ويحتمل أن يكون الضمير للذين يتقون والمعنى الخ) أي ضمير لعلهم للمتفين أي يذكر المتقون المستهزئين ليثبت المتقون على تقواهم ولا يأثموا بترك ما وجب عليهم من النهي عن المنكر، وذكروا الثياب لأنّ أصل التقوى كان لهم قبله وقوله تنثلم أي تنقص، وأصل معناه الكسر وثقب الحائط، وقد ذكر العلماء أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع وإلا صبر هذا إذا لم يكن مقتدى به وإلا فلا يفعل لأنّ فيه شين الدين، وما روي عن أبي حنيفة من أنه ابتلى به كان قبل صيرورته إما ما مقتدى به لقوله: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦٨] .

стр. 1162

قوله: (لعباً ولهوا) قال السفاقسي هو مفعول ثان لاتخذوا وظاهر كلام ابن عطية والزمخشرفي أنه مفعول أوّل ودينهم ثان وفيه إخبار عن النكرة بالمعرفة وقال الرازي إنه مفعول لأجله أي اكتسبوا دينهم للهو واللعب فهو متعد لواحد. قوله: (أي بنوا أمر دينهم الخ الما أضاف الدين إليهم وليس لهم دين في الواقع أوّله في الكشاف بأوجه الأوّل أنهم اتخذوا الدين المفترض عليهم شيئا من جنس اللعب واللهو كعبادة الأصنام ونحوها، والدين المفترض الواجب عليهم وان كان في الواقع دين الإسلام لكن على هذا الوجه ليس المراد به هذا المفهوم بل مجرّد ما يصدق عليه مفهوم الدين الواجب الثاني أنهم اتخذوا ما يتبينون به، وينتحلونه بمنزله الدين لأهل الأديان شيئاً من اللعب واللهو، وحاصله أنهم اتخذوا اللعب واللهو دينا لهم كما صرح به الزمخشرفي، وليس من القلب في شيء ولا من جعل المبتدأ نكرة والخبر معرفة كما توهم، وفيه بحث الثالث أنهم اتخذوا دينهم الذي فرض عليهم وكلفوه أعني الإسلام لعبا ولهواً حيث سخروا به واستهزؤوا، فحاصل الأوّل اتخذوا الدين الواجب لعبا، والثاني جعلوا اللعب دينا واجبا، والثالث استهزؤو! بالدين الحق الذي يجب أن يعظم غاية التعظيم، ومعنى الإضافة في الأول والثالث ظاهر، وفي الثاني أنه عادة لهم، والوجه الرابع أنّ المراد بالدين العبد الذي يعاد إليه كل حين معهود بالوجه الذي شرعه الله كعيد المسلمين، أو بالوجه الذي اعتادوه من اللعب واللهو كأعياد الكفرة لأنّ أصل معنى الدين العادة والعيد معتاد في كل عام، ولبعده عن الظاهر أخر وترك المصنف ر-حه الله الثاني منها لما فيه من الخفاء ولأنه إن حمل على ظاهره من القلب فهو ضعيف والا فهو راجع إلى الوجه الآخر، والفرق بينهما سهل، وقوله زمان لهو الخ إشارة إلى أنه إذا كان بمعنى العيد وهو اسم زمان لأنه يوم مخصوص يقدر مضاف ليصح الحمل. قوله: (والمعنى أعرضر عنهم ولا تبال الخ (إشارة إلى أنّ الظاهر يقتضي الكف عنهم مع أنه مأمور بالتبليغ والقتال فأوّله بأنّ المراد لا تبال بهم وامض لما أمرت أو هو للتهديد، أو أن الآية نزلت قبل آية السيف التي في سورة براءة والأمر بالقتال فتكون منسوخة وعلى ما قبله فهي محكمة فذر بمعنى اترك فيه ثلاثة وجوه، واعلم أنهم اختلفوا في الوجوه المذكورة في الكشاف فقيل إنها أربعة وقيل ثلاثة، وقوله: اتخذوا ما هو لعب ولهو دينا لهم ليس من توجيه معنى الدين في شيء وهو الأوّل بعينه وإنما ذكره الزمخشري لبيان الوجهين من كونه مفعولأ أوّل أو ثانياً، والقلب الداعي له أن لا يثبت لهم دين فقول النحرير: إنه ليس من القلب إذ لا داعي له لا وجه له وفسره العلامة بقوله: ما هو لعب إشارة إلى تأويله بمعرفة المفهومة من ما الموصولة كما قيل، وفيه تأمّل. قوله:) وغرتهم الحياة الدنيا حتى أنكروا البعث) ففرّ من الغرور وهو معروف، وقيل: إنه من الغرّ وهو ملء الفم أي أشبعتهم لذاتها حتى نسوا الآخرة وعليه قوله: ولما التقينا بالعشية غرّني بمعروفه حتى خرجت أفوّق قوله: (وذكر به أي بالقرآن) جعل الضمير للقرآن كما في قوله فذكر بالقرآن من يخاف وعيد، والقرآن يفسر بعضه بعضا فلهذا اقتصر عليه، وقيل: إنه يعود على حسابهم، وقيل على الدين وقيل إنه ضمير يفسره ما بعده فيكون أن تبسل بدلاً منه واختاره أبو حيان. قوله: (مخاقة أن تسلم الخ) إشارة إلى أنه مفعول لأجله بتقدير مضاف أو أصله أن لا تبسل ومنهم من جعله مفعولاً به لذكر وتسلم من الأفعال ويجوز أن يكون من التفعيل وهما متقاربان وفسر تبسل بالإسلام إلى الهلاك أي وقوعه فيه وجعله كأنه رهن بيده، قال الراغب: تبسل هنا بمعنى تحرم الثواب والفرق بين الحرام والبسل أنّ الحرام عاتم لما منع منه بحكم أو قهر والبسل الممنوع بالقهر، وقوله تعالى: ﴿أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٧٠] أي حرموا الثواب، وفسر بالارتهان لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٣٨] ورهينة فعيلة بمعنى فاعل أي ثابتة مقيمة، وقيل بمعنى مفعول أي كل نفس مقامة في جزاء ما قدمت من عملها، ولما كان الرهن يتصوّر منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان انتهى، فمعنى قوله ثرهن أي تحيس في الهلاك بسبب سوء عملها وهو معنى

стр. 1163

إسلامه إليه، ولهذا جمع بينهما لأنه روي كل منهما عن السلف، وقال الزجاح: إنهما بمعنى واحد واليه أشار المصنف ﵀، فما قيل إنه من راهنه على كذا إذا خاطره فكان الهلاك يقول إن حصل منك سوء العمل، فالنفس لي تكلف نشا من قلة التدبر، وفريسة الأسد ما يفترسه ويصطاده، ولا تفلت أي تتخلص منه، والقرن بالكسر الكفوفي الشجاعة، والبسل بالسكون الحرام والإبسال التحريم قال: أجارتكم بسل علينا محرّم وجارتنا حل لكم وحليلها ويكون بسل جوابا بمعنى نعم وأجل واسم فعل بمعنى اكفف، وقوله أن تبسل نفس فسر هنا بالعموم أي كل نفس وهو نكرة في الإثبات كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [مورة التكوير، الآية: ٤ ا] إما لأنه قد يؤخذ عمومه من السياق واقا لأنه نفي معنى كما يفهم من كلام المصنف، فتأمّل. قوله: (ليس لها الخ) في هذه الجملة ثلاثة وجوه فقيل إنها مستأنفة للإخبار بذلك أو في محل رفع صفة نفس، أو في محل نصب على أنها حال من ضمير كسبت وضمير يدفع للوليّ والشفيع باعتبار أنه مذكور أو تأويله بذلك أو بكل واحد على البدل، ومعنى كونهما من دون الله سواء كانت من زائدة أو ابتدائية إنهما يحولان بينها وبينه بدفع عقابه، ولذا قيل إنّ فيه مضافاً مقدراً أي دون عذابه، واليه يشير كلام المصنف، فلا يرد أنه من أين يؤخذ العذاب من النظم. قوله:) وإن تفد كل فداء) الفداء بالكسر والمدّ، وإذا فتح قصر وكل منصوب على المصدرية لأنه بحسب ما يضاف إليه لا مفعول به، وقيل: هو بمعنى الكامل، كقولك هو رجل كل رجل أي كامل في الرجولية وتقديره عدلاً كل عدل وفيه أنّ كل بهذا المعنى تلزم التبعية، والإضافة إلى مثل المتبوع نعتا لا توكيداً، كما في التسهيل ولا يجوز حذف موصوفها، وقوله: (لا إلى ضميره) لأنّ العدل هنا مصدر لوقوعه مفعولاً مطلقا وليس هو بمأخوذ نعم يجوز أن يراد بضميره العدل بمعنى الفدية على الاستخدام فيصح الإسناد إليه كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لكن لا حاجة إليه مع صحة الإسناد إلى الجار والمجرور كسير من البلد وأخذ من المال وكذا كونه راجعاً إلى المعدول به المأخوذ من السياق، وكون يؤخذ بمعنى يقبل ونحوه. قوله: (أسلموا إلى العذاب الخ) فالمشار إليه بأولئك هم الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهواً لا الجنس المفهوم من قوله أن تبسل نفس مع قوله بما كانوا يكفرون لاحتياجه إلى تكلف وكون هذا مشروطا بعدم رجوعهم عما هم عليه معلوم بالأمخرورة ولا ينافيه مخافة أن تبسل الخ لأنه يخاف على كل أحد ويحرص على إنقاذه من كفره شفقة منه. قوله: (تثيد وتفصيل لذلك الخ) لأنّ المسلم إليه مجمل مفصل بهذا فيؤكده، وماء مغلي بصيغة المفعول تفسير للحميم ويتجرجر من الجرجرة بجيمين وراءين مهملتين بمعنى يتردّد ويضطرب فيها وأصل الجرجرة صوت يردّه البعير في حنجرته، وخص العذاب بالنار لأنه المتبادر منه فلا يرد أنه لا وجه له وفسر ندعو بنعبد، والنفع والضرّ بالقدرة عليهما لأنه الواقع ولأنّ نفيهما أبلغ. قوله: (ونردّ على أعقابنا) جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال رجع على عقبه إذا انثنى راجعاً كرجع على حافرته وانقلب على عقبيه قال تعالى: ﴿فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٦٦] ومعناه القهقرى وقيل إنه كناية عن الذهاب من غير رؤية موضع القدم وهو ذهاب بلا علم بخلاف الذهاب مع الإقبال، وخطاب قل وان كان للنبيّ! يلى لكن فاعل تدعو ونردّ عامّ له ولغيره، والمعنى أيليق بنا معاشر المسلمين ذلك فلا يرد أن ذلك لم يكن من النبيّ ﷺ حتى يتصوّر ردّه إليه لأنه لتغليب من أسلم من المؤمنين وليس مخصوصاً بالصدّيق أيضاً بسبب النزول، وقيل الردّ على الإعقاب بمعنى الرجوع إلى الضلال والجهل شركاً أو غيره. قوله: (من هوى يهوي هوياً إذا ذهب (هذا هو المعروف في اللغة وأمّا كونه من هوى بمعنى سقط يقال هوى يهوي هويا بفتح الهاء من أعلى إلى أسفل وبضمها لعكسه أو هما بمعنى، وأنه على تشبيه حال الضال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء﴾ [سورة الحج، الآية: ٣١] لأنه في غاية الاضطراب فلا يناسب قوله: ﴿فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٧١] مع أنه يتوقف على ورود الاستفعال منه ومردة جمع ما ردوا لمهامه جمع مهمه وهو الفلاة وترك قول الزمخشري كما تزعمه العرب لأنه مبنيّ على إنكار الجن، وهو مذصب باطل والتشبيه تمثيلي وقد رذا بعد الكاف

стр. 1164

ليكون تشبيه ردّ برذ وقوله متحيراً بيان لأنه حال وكذا في الأرض ويصح تعلقه باستهوته والمستهوي بصيغة المفعول. قوله: (ومحل الكاف النصب على الحال) قال في الفرائد حاصله حينئذ نرذ حال مشابهتنا كقولك جاء زيد راكباً أي في حال ركوبه، وليس الردّ في حال الشبه، وردّ بأنّ الحال مؤكدة كقوله: ﴿وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ فلا يلزم ذلك وفيه نظر، والتشبيه على الحالية تمثيليّ شبه حال من خلص من الشرك ثم عادله بحال من ذهبت به الغيلان في مهمه بعدما كان على الجادة، وعلى أن يكون مصدراً مركب عقلي. قوله: (أي يهدونه الخ) هو وما بعده وجه واحد وأوّل كلامه بيان لحاصل المعنى وقيل هما وجهان الأوّل بقاؤه على المصدرية، والثاني تأويل المصدر باسم المفعول وسوق الكلام يأباه. قوله: (يقولون له ائتنا) مرّ أنّ أمثاله يقدر فيه قول هو حال أو يحكي بالدعاء لأنه بمعنى القول على الخلاف بين البصريين والكوفيين فيه ولا ينافيه تعدية يدعون لإلى كما توهم، وقوله في محل آخر لا حاجة لتقدير القول بناء على أحد القولين فلا تناقض فيه كما قيل، وقوله هو الهدي وحده الحصر من تعريف الطرفين أو ضمير الفصل. قوله: (واللام لتعليل الخ) بذلك إشارة إلى قول أنّ الهدى الخ أي أمرنا أن نقول ذلك عن خلوص طوية لننقاد لأمره فاللام لام تعليل، وهذا معنى قول أبي حيان مفعول أمرنا الثاني محذوف تقديره أمرنا بالإخلاص لكي ننقاد ونستسلم لرب العالمين، وليس هذا ما وقع في الكشاف حتى يقال إنه مبني على الاعتزال من تساوي الأمر، والإرادة وأن المصنف ﵀ تابعه غفلة منه كما توهم وهذا غفلة عن مراده وعن إنّ ما أورده في الانتصاف ليس مسلما ولذا سم يعرّج عليه من الشراح غير الطيبي، والذي في الكشاف هي تعليل للأمر بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم، وفي الكشف قال جار الله إذا قلت أمرته ليقوم كان ظاهره أمراً مطلقاً خصصه التعليل ونحوه قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [سورة الحج، الآية: ٣٩] وقوله: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [سررة إبراهيم، الآية: ٣١] أي أذن في القتل وقل لهم صلوا) أقول) والتحقيق أنّ حقه أن يعدّى بالباء فلما عدل عن ذلك حمل على أنه لام التعليل، وتقديره أمرنا بأن نسليم للإسلام لا لغرض آخر فأفاد مبالغة في الطلب من وجهين انتهى، وهو محل تأمّل وقيل إن الإشارة للإسلام ولا غبار في تعليل الأمر بالإسلام بنفس الإسلام لأن مآله أنه طلب النفع، وهو تكلف لا حاجة إليه، وقيل اللام بمعنى الباء قال أبو حيان وهو غريب لا تعرفه النحاة، وأمّا زيادتها وتقدير أن بعدها فقول مرّ ما فيه، وقال الخليل وسيبويه: ومن تابعهما الفعل في هذا، وفي: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٦] يؤوّل بالمصدر وهو مبتدأ واللام وما بعد خبره أي أمرنا للإسلام، وعليه فلا مفعول للفعل كما في المغني فهو كتسمع بالمعيدي، ولا يخفى بعده وذهب الكسائيئ والفراء إلى أنّ اللام حرف مصدرقي بمعنى أن بعد أردت وأمرت خاصة، وردّه الزجاج وارتضاه صاحب الانتصاف ففي اللام هنا أربعة وجوه كونها زائدة وتعليلية للفعل أو للمصدر المسبوك منه أو بمعنى الباء أو أن المصدرية، فاختر لنفسك ما يحلو، وفي هذه المسألة كلام سيأتي تفصيله، والهدى بمعنى الاهتداء فسره بالإسلام، ولذا قابله بالضلال فليس الظاهر أن يقول الإضلال كما قيل. قوله: (عطف على لنسلم الخ (أي بناء على أنّ اللام تعليلية وهذا قبله حرف جرّ مقدر لاطراد حذفه والجار والمجرور معطوف على الجارّ والمجرور، وهو أيضا على مذهب سيبويه من تابعه من النحاة القائلين بدخول أن المصدرية على الأمر كما مرّ، أو فيه تسمح بناء على أنه معطوف على نسلم وأنه علة واللفظ مؤوّل والمراد ولتقيموا فاخرج على لفظ الأمر وفيه تأمّل، وأورد على هذا ابن عطية ﵀ إنّ في اللفظ ما يمنعه لأن نسلم معرب وأقيموا مبنيّ، والمبنيّ لا يعطف على المعرب لأنّ العطف يقتضي التشريك في العامل، ورد بأته ليس كما ذكر بل هو جائز كقام زيد، وهذا وكقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [سورة هود، الآية: ٩٨] إلى غير ذلك. قوله: (أو على موقعه) ! خ فيه الزمخشري إذ قال إنه عطف على موضعلنسلم كأنه قيل وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا إنه كثيرا ما يقع في هذا الموقع أن نسلم فعطف عليه وان أقيموا بهذا الاعتبار على التوهم كما في فأصدق واكن، وبه يشعر قول الزمخشريّ كأنه قيل وأمرنا أن نسلم وأن أقيموالكن لا يخفى أنّ أن في أن نسلم مصدرية ناصبة

стр. 1165

للمضارع وفي أن أقيموا مفسرة، وقيل لا حاجة إلى هذا الاعتبار بل المراد إنه عطف على مجموع اللام وما بعدها، ثم جوّز أن يكون عطفا على ما بعد اللام وأن مصدرية موصولة بالأمر بناء على جواز وصلها به وأمّا دفعه بأنّ العطف على توهم أن المفسرة، وأنه توهم إن مكانه أن أسلموا فبعيد، وقال أبو حيان ﵀: ظاهره أنّ لنسلم في موضمع المفعول الثاني لأمرنا وعطف عليه أن أقيموا فتكون اللام زائدة، وقد قدم أنها تعليلية فتناقض كلامه فتأمّل، ولما ذكر سبب النزول نشأ منه سؤال أشار إلى جوابه بقوله وعلى هذا كما بينه في الكشاف، وفي الدرّ المصون إنّ فيه وجوهاً فقيل معطوف على قوله إنّ هدى الله وقيل على قوله لنسلم، وقيل على ائتنا وهو بعيد، وقيل معطوف على مفعول الأمر المقدّر أي أمرنا بالإيمان واقامة الصلاة، وقيل هو محمول على المعنى وفيه كلام طويل فانظره. قوله: (قائماً بالحق) إشارة إلى أنّ الجار والمجرور في موقع الحال من الفاعل ومعنى الآية حينئذ كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ، [سورة ص، الآية: ٢٧] ويجوز أن يكون حالاً من المفعول أي ملتبسة بالحق. قوله: (جملة اسمية الخ) قال الطيبي: الواو ستئنافية، والجملة تذييل لقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ولهذا جعل اليوم بمعنى الحين ليعمّ الزمان فقوله مبتدأ، والحق صفته والمراد المعنى المصدري أي القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أعني يوم الخ، وإلى هذا يشير كلام المصنف ﵀، وتمثيله بالقتال إشارة للمصدرية، وقوله: وقوله الحق الخ إشارة إلى أنّ تقديم الخبر ليس للحصر، وقوله: نافذ هو معنى كن فيكون وكونه في جميع الكائنات مأخوذ من جملة الكلام والتذييل وقال النحرير: تقديم الخبر لكونه الشائع في الاستعمال مثل عنده علم الساعة لأنّ الحصر غير مناسب هنا وقول الزمخشري لا يكوّن شيئا من السماوات والأرض وسائر المكوّنات إلا عن حكمة، وصواب مستفاد من المقام، ولو جعل التقديم هنا للحصر لكان للحصر على عكس ما ذكر أي قضاؤه الحق لا يكون إلا يوم يقول وهو فاسد اهـ، وفيه أنّ المعروف الشائع تقدم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة أو نكرة موصوفة كما مز في أجل مسمى، أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد ومثاله غير مستقيم لأنه قصد فيه الحصر لأنّ علم الساعة عند الله لا عند غيره، وما قيل من أنه يشير إلى أنّ الط طف داخل في المعنى على المبتدأ وأنّ المقصود بكون قول الحق وقت إيجاد الأشياء نفاذه فيها وأنّ المراد السماوات والأرضى وما فيهما أو الكلام على الظاهر، والمقصود تعميم قوله الحق لجميع الكائنات لا محصل له وهو ناشئ من قلة التدبر. قوله: (وقيل يوم منصوب بالعطف على السماوات الخ (إذا عطف على السماوات فهو مفعول به، والمعنى أنه أوجد السماوات والأرض! وما فيهما وأوجد يوم الحشر والمعاد، وكذا إذا عطف على الهاء فهو مفعول به أيضا كما في قوله: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٨، وهو بتقدير مضاف أي هو له وعقابه وفزعه أو المراد باتقاء ذلك اليوم اتقاء ما فيه من ذلك، وأما القول بأنه معطوف على بالحق وهو ظرف لخلق فيتوقف على صحة عطف الظرف على الحال لأنّ الحال ظرف في المعنى وهو تكلف. قوله: أأو بمحذوف دل عليه بالحق (أي يقوم بالحق يوم الخ لأن معنى بالحق قائماً بالحق كما مرّ قال أبو حيان ﵀: وهو إعراب متكلف. قوله: (وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون الخ) يعني على الوجوه الثلاثة الأخيرة وقوله على معنى وحين يقول الخ تقرير للمعنى على تقدير أن يكون قوله الحق فاعل يكون على الوجوه الثلاثة، ويوم على الأوّل مفعول خلق، وعلى الثاني مفعول اتقوا، وعلى الثالث منصوب بفعل محذوف وقوله لقوله الحق إشارة إلى أنّ الكائن جميع المخلوقات واسناد الكون إلى الحق إسناد مجازي إلى السبب وقيل لما اقتضى كون قوله الحق فاعل يكون تعلق كن به قال لقوله الحق، وفسره بالقضاء ولا شك أنّ تكوين القضاء يوجب تكوين المقضيّ، وهو تحريف لكلامه والقضاء بالمعنى المصدري لا يتعلق به التكوين إلا مجازا فالوجه ما قدمناه وفي الكشف المراد بالقول ما يقع بالقول، وهو المقضي أي حين يقول لمقضيه كن فيكون المقضي، والوجه الأوّل اهـ فلا يرد عليه أنّ هذا التفسير لا يناسب أن يكون قوله فاعلا ليكون بل المناسب أن يقال وحين يقول كن فيكون أثر قوله الحق كما توهم وعلى كونه فاعلا فإن عطف على السماوات

стр. 1166

فالمراد بالتكوين الإيجاد واليه أشار بقوله حين يكون الخ وإن عطف على مفعول اتقوا أو تعلق بمقدر، فالمراد بالتكوين الإحياء للحشر لأنه الذي يتقي ويظهر بعده القيام بالحق، واليه أشار بقوله فيكون التكوين الخ، وفي قوله حشر الأموات تسمح لأنه ليس بتكوين وقوله كقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ﴾ [سورة غافر، الآية: ٦ ا] الخ يعني أنّ تحصيص الملك بذلك اليوم لتعظيمه لا لاختصاص ملكه به، وفيه كلام آخر سيأتي. قوله: (يوم ينفخ في الصور) أي استقرّ الملك يوم ينفخ، واليه أشار بقوله لمن الملك فلا يدعيه غيره، والصور قرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث لا جمع صورة كما قيل والصور وأحواله مفصلة في كتب السنة. قوله:) كالفذلكة للاية (لأنّ الحكيم جامع لجميع أفعاله المتقنة الجارية على وفق المصالح، والخبير جامع لعلم الغيب والشهادة ففيه لف ونشر مرتب قيل: والواو ليست للعطف بل هي استئنافية نحو: ﴿جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ، الآية: ١٧] وهو المسمى في المعاني بالتذييل، والمراد بالفذلكة إجمال ما فصل أوّلاً قال الواحدي ﵀ في شرح قول المتنبي: نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً وأتى فذالك إذ أتيت مؤخرا فذالك جمع فذلكة وهي جملة الحاسب لقوله فيها فذلك كذا انتهى، وهو من النحت المولد. قوله: (آزر الخ) إن كان علما لأبيه فهو عطف بيان أو بدل وقال الزجاج ﵀: ليس بين النسا بين اختلاف في أنّ اسم أبي إبراهيم ﷺ تارج بناء مثناة فوقية، وألف بعدها راء مهملة مفتوحة وحاء مهملة، والذي في القرآن يدل على أنه خلافه، فإما أن يكون لقبا غلب عليه أو كما قيل هو اسم عمه أو اسم جذه والعم والجذ يسميان أبا مجازا، والمصنف ﵀ أجاب بأجوبة وهي ظاهرة، وقيل آزر وصف معناه الشيخ بفارسية خوارزم، وقيل إنه المعوج بالسريانية وقيل معناه المخطئئ وعلى الوصفية لا يظهر لمنع صرفه وجه فقال المصنف ﵀: إنه حمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين، فإنه يغلب منع صرفه لأنه كثير في الإعلام الأعجمية، والأولى أن يقال إنه غلب عليه فألحق بالعلم والا فليس فيه علمية أصلاً لأنّ الوصف في العجمة لا يؤثر في منع الصرف ومن لم يتنبه لهذا قال: العلة لم تبلغ النصاب، وقوله: أو نعت الخ فمنع صرفه لوزن الفعل والوصفية، لأنه على وزن أفعل، والأزر القوّة والوزر الإثم، وقوله: (والآقرب الخ) يشير إلى أنه لا عبرة بما وقع في التواريخ مخالفا لظاهر الكتاب المجيد لأنها أكثرها نسي بالتقادم وخلطت فيه أهل الكتاب، وقوله: (بحذف المضاف) أي عابد آزر، وحذفه إما في كلامهم أو في النظم. قوله: (وقيل المراد الخ) فهو من جملة المقول، وليس هذا التفسير المصطلح عليه في باب الاشتغال لا لأنه بينه وليس عينه بل ما يناسبه وهو تعبد لأنه لا يشترط فيه أن يكون عينه نحو زيداً ضربت عبده إذ تقديره أهنت زيداً، ضربت عبده بل لأنّ ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملاً كما تقرّر عندهم. قوله: (تفسير أو تقرير) المراد بالتفسير تفسير آزر مراداً به الصنم وعامله المقدر لأن تقديره أتعبد آزر، وقوله أتتخذ أصناما تفسير له والمراد بالتقرير تقريرهم بسوء عقيدتهم ليلزمهم، ولذا فسره النحرير بالتحقيق والتثبيت لأنه واتع وقيل المراد تقرير الاستفهام الإنكاري لا القابل للإنكار، وفيه نظر. قوله: (ويدل عليه أنه قرئ أزارا (بهمزتين الأولى استفهامية مفتوحة، والثانية مفتوحة ومكسورة وهي إمّا أصلية إن كان اسم صنم أو أصلية بمعنى القوّة، أو مبدلة من الواو بمعنى الوزر والإثم، وعليه فعامله مقدر أي تعبد إزرأ إن كان اسم صنم وإن كان عربيا فهو مفعول له، أو حال أو مفعول ثاني لتتخذ أو منصوب بمقدر كما ذكره المعرب وغيره ومن قرأ بهذه أسقط همزة أتتخذ، فجعل هذه القراءة دليلاً على أنه اسم صنم لا يتجه وقوله: (وهو يدل على أنه علم (أي قراءة يعقوب آزر بالمد وضم الراء على أنه منادى تدل على العلمية لأن حذف حرف النداء من الصفات شاذ، فما قيل إن النداء يكون بالصقات نحو يا عالم، وأجيب عنه بأنّ كثرته في الأعلام تكفي للترجيح، وقيل عليه دعوى الكثرة محل نظر من سوء الفهم وقلة التدبر، وكذا ما قيل إنّ خطاب إبراهيم ﷺ لأبيه بما يشعر بتحقيره ينافي حسن الأدب لأنه ليس بأدون من قوله إني

стр. 1167

أراك وقومك في ضلال مبين وليس مقتضى المقام الأدب معه، وقوله ظاهر إشارة إلى أنه من أبان اللازم. قوله: (ومثل هذا التبصير الخ! إشارة إلى أنّ الإشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، والإشارة قد تكون إلى متأخر كما مرّ في قوله هذا فراق بيني وبينك، وزيادة كافة وعدمها سبق منا تحقيقه، قيل، ولك أن تجعل المشبه التبصير من حيث أنه واقع والمشبه به التبصير من حيث أنه مدلول اللفظ، ونظيره وصف النسبة بالمطابقة للواقع، وهي عين الواقع وليس أبا عذرته فإنه سبق ما هو قريب منه في كلام الطيبي ﵀ ويجوز أن يكون المشار إليه ما أنذر به أباه وضلل قومه من المعرفة والبصارة فيكون قوله فلما جن عليه الليل تفصيلا وبيانا لمعنى المثل، وأشار بقوله التبصير إلى أنّ رأى هنا بصرية لا علمية والزمخشرفي جعلها بصرية لكن ذكر أنها مستعارة للمعرفة، كما بينه شراحه، وكذا قال ابن عطية ﵀: وردّه أبو حيان بأنه يحتاج إلى نقل عن العرب إنّ رأى بمعنى عرف تتعدّى إلى مفعولين (قلت (إذا كانت بصرية استعيرت للمعرفة استعارة لغوية من إطلاق السبب على المسبب فلا يرد ما ذكره، وهذا ما جنح إليه الزمخشرقي، ولولا هذا لكان ادّعاء الاستعارة لغواً، وقوله وهو حكاية حال ماضية لما كان الظاهر أرينا جعله حكاية للحال الماضية استحضارا لصورته حتى كأنه حاضر شاهد. قوله:) تبصره دلائل الربويية) إن قرأناه فعلا من بصره يبصره فيكون ملكوت الذي هو نائب الفاعل بمعنى دلائل الربوبية أو بتقدير مضاف لكن هذه عبارة الكشاف بعينها، وقد ضبطها العلامة في شرحه على صيغة المصدر المنصوب وجعلها مفعولاً ثانيا مقدر التري، وهو يصح هنا وكأنه من طريق الرواية. قوله: (ربوييتهما وملكهما) الملكوت مصدر كالرغبوت والرحموت كما قاله ابن مالك وغيره من أهل اللغة وتاؤه زائدة للمبالغة، ولذا فسر بأعظم الملك،! وقوله ربوبيتهما إشارة إلى مصدريته، وقال الراغب: إنه يختص به تعالى وتفسيره الأوّل إشارة إلى معناه الحقيقي ورؤيتها إن كانت الرؤية بصرية رؤية آثارها، والثاني إشارة إلى معناه المجازي لأنّ ذلك هو المرئي، وقيل الأوّل ناظر إلى كون الرؤية رؤية البصيرة، والثاني إلى كونها رؤية البصر، وفيه نظر. قوله: (ليستدذ الخ (إشارة إلى ما مرّ في أمثاله من أنه إمّا معطوف على علة مقدّرة أي ليستدل وليكون أو علة لفعل مقدر أي وفعلنا ذلك الخ وقيل إنّ الواو زائدة وهو متعلق بما قبله، وهذه الوجوه جارية في كل ما جاء في القرآن من هذا فيل ينبغي أن يراد بملكوتهما بدائعهما وآياتهما لأنّ الاستدلال من غاية إراءتها لا من غاية إراءة نفس الربوبية، وقد مزت الإشارة إلى أنّ رؤية الربوبية برؤية دلائلها وآثارها، وقيل إنّ الاستدلال مع قطع النظر عن كونه سبباً للإيقان لا يكون علة للإراءة فكيف يعطف عليه بإعادة اللام وليس بشيء، وقوله وفعلنا تدره مقدما لأنّ العلة ليست منحصرة فيما ذكر، ومن قدره متأخرا رأى أنه المقصود الأصلي. قوله: (تفصيل وبيان لذلك) أي تفصيل للجملة المذكورة والترتيب ذكرى لتأخر التفصيل عن الإجمال في الذكر وليس في هذا دليل على أنه بالبصيرة أو البصر وقوله:) وقيل عطف الخ (قيل فائدته التنبيه على أنه ﷺ في معرفة ربه إلى مرتبة الإيقان بالاستدلال وإقامة البرهان بحيث قدر على إلزامهم، وان كان ذا نفس قدسية لا يحتاج في اعتقادها بالذات إلى وساوس الأدلة، وكونه عطفاً على قال إبراهيم تبع فيه الزمخشري وهو تسمح والأوّل على إذ قال كما صرّج به غيرهما وقوله: (فإنّ أباه الخ) بيان لوجه المناسبة والارتباط، وقيل إنهم كانوا يعبدون الكواكب فاتخذوا لكل كوكب صنما من المعادن المنسوبة إليه، كالذهب للشمس، والفضة للقمر ليتقرّبوا إليها، فالصنم كالقبلة لهم فانكر أوّلأ عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر، ثم أبطل منشأها وما نسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقها لذلك أيضاً. قوله: (وجق عليه الليل ستره بظلامه) هذه المادّة بمتصرّفاتها تدل على الستر قال الراغب: أصل الجن الستر عن الحاسة، يقال جنة الليل وأجنه وجن عليه فجنه ستره وأجته جعل له ما يستره وجن عليه ستره أيضأ، والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء كتؤدة نجم في السماء الثالثة وتسكين الهاء في غير ضرورة الشعر خطأ، كما في أدب الكاتب، وفيه نظر وان نظر وان اشتهر خلافه، والوضع سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها لكونها

стр. 1168

معلمة عند غيره لأجل إلزامه بها وهو مصطلح أهل الجدل، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله فإنّ الخ قيل هذا ناظر إلى الوجه الثاني في فلما جن عليه الليل، وقوله أو على وجه النظر إلى الوجه الأوّل وفيه نظر لأنه يمكن أن يجري على القول الأصح على الوجهين، لأنّ معنى، وكذلك الخ ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم والمراد هدايته لطريق الاستدلال مع الخصوم، وبه تحصل زيادة اليقين، وإفحام الخصوم كما قاله الطيبي ﵀. قوله: (وإنما قاله رّمان مراهقتة) يريد الردّ على أنه لا حاجة إلى النظر والاستدلال المؤيد لما عنده من الاعتقاد فإنه مقام النبوّة والأنفس القدسية أعلى من أن تتشبث بحال الاستدلال فقال إنه كان في مبادي السن قبل البعثة ولا يلزمه اختلاج شك مؤدّ إلى كفر لأنه لما آمن بالغيب أراد أن يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله إلهاً وكان ما يعبده قومه لكان إمّا كذا وامّا كذا، والفرق بينه وبين الأوّل إنه لإلزام الغير، وهذا الثلج الصدر ببرد اليقين، والوجه الأوّل لا لأنه دفع لما يقال إنّ قوله هذا ربي يكون حينئذ كفرا والأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عنه قبل البعثة، وبعدها بالاتفاق لأنّ كفر الصبيّ غير المراهب لا يعتذ به، وان صح إسلامه كما صرّح به الفقهاء، ولا يلزمه الكذب على الأوّل لأنه كلام لاستدراج الخصم على وجه الفرص وارخاء العنان ومثله لا يسمى كذباً، بل لما قال محي السنة لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو موحد عارف بالله بريء عن كل ما سواه وكيف يتوهم هذا على من طهره الله وعصمه، وآتاه رشده من قبل إلى أن جاء ربه بقلب سليم، وقال وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين أو تراه أرإه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكباً قال هذا ربي معتقداً له هذا لا يكون أبداً بل أراد أن يستدرج القوم بهذا القول، ويغرّفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه إذ كانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، وقال الإمام السبكي ﵀ في تفسير هذه الآية قد تكلم الناس فيها كثيراً، وفهمت منها أنّ ذلك تعليم منه سبحانه لإبراهيم ﷺ طريق الحجة على قومه فاراه ملكوت السماوات والأرض، وعلمه كيف يحاجهم ويقول لهم إذا حاجهم في مقام بعد مقام إلى أن يقطعهم بالحجة ولا يحتاج مع هذا إلى أن يقال ألف الاستفهام محذوفة ويؤخذ منه أنّ القول على سبيل التنزل، وليس اعترافا وتسليماً مطلقاً وقولنا على سبيل التنزل معناه أنّ الخصم ينطق به لينظر ما يترتب عليه، وهذا الذي فهمت أقرب ما قيل فيها ويرشد إليه صدر الآية وعجزها أي قوله وكذلك نرى إبراهيم الآية، وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٨٣] على قومه انتهى وهذا هو الحق فالنظم دال على خلاف الوجه الثاني. قوله: (فضلاَ عن عبادتهم) هذا إمّ إشارة إلى عدم العبادة بالبرهان أو إشارة إلى أنه كني بعدم المحبة عن عدم العبادة، لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى وهما متقاربان، والزمخشريّ قدر مضافا أي لا أحب عبادة الآفلين، والتعليل بقوله فإنّ الخ للازم المنطوق المراد منه فلا يرد عليه أنه لا يصح أن يكون تعليلاً لعدم المحبة بل لترك العبادة وقد بناه على عدم المحبة. قوله: (والاحتجاب بالاستار الخ الا يوصف الله بأنه محجوب، قال القاضي ﵀: في الشفاء ما في حديث الإسراء من ذكر الحجاب في حق المخلوق لا في حق الخالق فهم المحجوبون، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما يحيط بمقدّر محسوس، ولكنه حجب على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم للأجرام المحدودة، والله منزه عن ذلك، فهو تمثيل لمجرّد منعه الخلق عن رؤيته، أو هو في حق المخلوق، وقال الشريف قدس سره: في الدرر والغرر العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغير. إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب، ويقولون لما يستصعب طريقه بيني وبينك كذا حجبا وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك، فهو مجاز في المفرد عنده، وفي حكم ابن عطاء الله الحق ليس بمحجوب إنما يحجب عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، وهو القاهر فوق عباده فتدبره، وقيل: إنّ قوله يقتضي الإمكان والحدوث لف ونشر غير مرتب لأنّ الانتقال حركة، وهي حادثة فيلزم حدوث محلها، والاحتجاب اختفاء يستتبع إمكان

стр. 1169

موصوفه ومن هاهنا ظهر ضعف ما قيل إنّ الاستدلال بحدوث الجواهر دون إمكانها طريقة الخليلءجمف وهو منقول عن جملة أهل الكلام وهم يقولون إنه من صفات الإجرام المحدودة المتحيزة، وهو يستلزم الحدوث فلا يرد عليهم ما ذكره فتأمّل، وبزوغ القمر طلوعه منتشر الضوء، وأصله في بزوغ الناب لظهوره، وبزغ البيطار الداية أسال دمها فبزغ هو أي سال فشبه هذا به قاله الراغب ﵀. قوله: (فلما أفل) قيل كان غاب عن نظره ولم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع بل كان وراء الجبل ثم طلع منه، أو في جانب آخر لا يراه، والا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكواكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس، وقيل فيه بحث إذ يجوز أن يكون الجبل في طرف المغرب، والذي ألجأهم إلى هذا التعقيب بالفاء، ويمكن أن يكون تعقيبا عرفياً مثل تزوّج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام وليال بين ذلك سواء، كان استدلالاً أو وضعا، واستدراجا لا إنه مخصوص بالثاني كما توهم على أنا لا نسلم ما ذكره إذا كان كوكبا مخصوصاً وإنما يرد لو أريد جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمّل. قوله: (استعجز نفسه الخ) أي أظهر العجز صورة، وقوله إرشاد إشارة إلى أنّ هذا القول! يس بمرضي عنده، وهو الحق الحقيق بالقبول والنظم ناطق به كما بين في شروح الكشاف، لأنّ قوله لئن لم يهدتي ربي وقوله يا قوم إني بريء مما تشركون يدل على أنه كان مع قومه، وكان محاجا لهم مثافهة والمجموع دليل لمكان التعريض بدليل قوله كونن من القوم الضالين، ثم الجملة القسمية تدل على أنّ الكلام مع منكر مبالغ في الإنكار فلا يناسب فرض التردّد في نفسه على أنّ قوله ربي صريح في اعترافه بأنّ له ربا يعرفه ويعبده، وما قيل من أنه استعجز نفسه فاستعان بربه في درك الحق وقوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ إشارة إلى حصول اليقين من الدليل فخلاف الظاهر على أنّ حصول اليقين من الدليل لا ينافي محاجته مع قومه كما في الكشف فقد علمت أنّ في كلام المصنف ﵀ نبوة من الظاهر لكن ينبغي أن يقاد إليه بزمام العناية بما مرّ، وفي الانتصاف إنما عرّض! بضلالهم في أمر القمر لأنه قد أيس منهم في أمر الكواكب، ولو قال في الأوّل لما أصغوا ولما أنصفوا، ثم صرّح في الثالثة بالبراءة لما تبلج الحق وظهر غاية الظهور، وهم في ظلمات العمى والعناد. قوله: (له ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر الخ) قال بعض المتأخرين ما نصه بعدما حكى كلام المصنف والكشاف لا حاجة إلى هذا التكلف لأن الإشارة إنما هي إلى الجرم ولا تأنيث فيه وإنما التأنيث بحسب اللفظ وليس في ذلك المقام لفظ الشمس فإنه في الحكاية لا المحكي انتهى، وقد سبق إلى هذا أبو حيان ﵀ فقال يمكن أن يقال إنّ أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر، ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث والمذكر سواء عندهم فأشار في الآية إلى المؤنث بما يثار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم ﷺ وحين أخبر تعالى عنها بقوله: بازغة وأفلت أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية انتهى، وهذا إنما يظهر لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا عبر عنه بلغة العرب فكونه يعطي حكم كلام العجم فلا وجه له وان ظنوه شيئا، ثم إنّ النفس ألفت أخذ المعاني من الألفاظ حتى إذا تصوّرت شيئاً لاحظت ما يعبر به عنه في ذلك التخاطب وتخيلت أنها تناجي نفسها به كما قاله الرئي! في الشفاء، فإذا اشتهر التعبير عن شيء بلفظ مذكر أو مؤنث لوحظ فيه ذلك وإن لم يطلق عليه ذلك الاسم وقت التعبير والإشارة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [سورة ص، الآية: ٣٢] فحيث خولف ذلك المقتضى احتاج إلى عذر وتأويل كما حققه السيد قدس سرّه في ألم ذلك الكتاب وبعضهم ذكره هنا من عنده زاعماً أنه من نتائج أفكاره وأمّ كون لغته لا تأنيث فيها فلا وجه له لما علمت أن العبرة بالحكاية لا المحكي، ألا ترى إنه لو قال أحد الكواكب النهاري طلع فحكيته بمعناه وقلت الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير تأويل لما وقع في عبارته، وإذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما يراعي فيه الحكاية مع أنه مبنيّ على أنّ إسماعيل هو أوّل من تكلم بالعربية والصحيح خلافه. قوله: (وصيانة للرب عن شبهة التأنيث) قيل ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر أو لأنه لا يفرق في غير لغة العرب بين المذكر والمؤنث في الإشارة فأجرى الكلام على قاعدة تلك اللغة في مقام

стр. 1170

الحكاية، وعلى قاعدة العربية في مقام الإخبار، وأمّا ما قيل وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث فيرد عليه إنّ هذا في الرب الحقيقي مسلم، ورذ بأن مراد القائل ما ذكره هذا الفاضل بقوله ويحتمل الخ والحكم بالوجوب بالنظر إلى اقتضاء المقام فلا يرد عليه شيء، وأجيب أيضا بأنه على تقدير أن يكون مسترشدا ظاهر وعلى المسلك الآخر إظهاراً لصونه ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سبباً لعدم إصغائهم، وقوله: (من الإجرام الخ) إشارة إلى أنّ ما موصولة ويصح جعلها مصدرية، وقوله: (ومخصص الخ) أي يخصصها بصفاتها كالبزوغ والأفول. قوله: (لتعدّد دلالته الأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب ولكل منهما دلالة كما عرفت، والبزوغ وان كان انتقالاً مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في الاستدلال، وقيل عليه إنّ البزوغ أيضاً انتقال مع احتجاب إلا أنّ الاحتجاب في الأوّل لاحق وفي الثاني سابق، وإما إنّ جوابه يؤخذ مما بعده وهو رؤيتها في وسط السماء فلا يشاهد البزوغ حتى يستدل به فلا يخفى ما فيه، فليتأمّل. قوله: (وخاصموه في التوحيد (أي تارة بأدلة فاسدة واقفة في حضيض التقليد، وأخرى بالتخويف فأشار إلى جواب كل منهما وإليه شار المصنف ﵀ بقوله ولعله الخ فتدبر. قوله: (في وقت الخ) إشارة إلى ا! أن يشاء على معنى الظرف مستثنى من أعمّ الأوقات استثناء مفرّغا، وقال الزمخشريّ: إنّ الوقت محذوف فيه، وقال أبو البقاء: إنّ المصدر منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت وقد منع ذلك ابن الأنباري فقال: ما معنا. يجوز خروجنا صياح الديك، ولا يجوز خروجنا أن يصيح الديك على معنى وقت صياحه، وإنما يقع ظرفاً المصدر الصريح، وأجاز ذلك ابن جني من غير فرق بينهما كما في الملتقط وغيره والاستثناء متصل، ويجوز أن يكون منقطعا على معنى ولكن أخاف أن يشاء ربي خوفي ما أشركتم به، وشيئا مفعول به أو مفعول مطلق وأن يصيبني بيان له. قوله: (بتخفيف النون) واختلف في أيهما المحذوفة، فقيل نون الرفع وقيل نون الوقاية، والأوّل مذهب سيبويه، وهو أرجح لقلة التغيير بالحذف والكسر ولأنه عهد حذفها للجازم وهذه لغة غطفان وهي لغة فصيحة ولا يلتفت إلى قول مكيّ إنه ضعيف. قوله: (لأنها لا تضرّ بنفسها (قيد بنفسها لأنها تضرّ إن شاء الله مضرتها وقوله ولعله إنما أتى بلعل لأنه لم يسبق له ذكر، وإنما فهم من قوله أخاف، والتهديد يؤخذ من تعليقه شيئا بمشيئته تعالى. قوله: (كأنه علة الاستثناء) في الكشاف أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها كرجمه بالنجوم لأنه إذا أحيل شيء إلى علم الله أشعر بجواز وقوعه. قوله: (أفلا تتذكرون الخ) قد مرّ أنّ فيه وجهين تقدير معطوف عليه أي أتسمعون هذا فلا تتذكرون، أو تقديم الهمزة من تأخير لصدارتها أي بعدما أوضحته من الدلائل الظاهرة المقتضية لشرعة التذكر إشارة إلى أن ما صنعوه ناشئ عن الغفلة. قوله: (وكيف أخاف ما أشركتم) أي أشركتموه به فحذف اختصاراً لعلمه بالقرينة وذكره فيما بعده، ولأنّ المراد تخويفهم، وذكر المشرك به أدخل في ذلك، وأمّا ما قيل إنه ليعود إليه الضمير فيما لم ينزل به، فليس بشيء لأنه يكفي سبق ذكره في الجملة، والظاهر أن يقال في وجهه والنكتة فيه إنه لما قيل قبيل هذا رلا أخاف ما أشركتم به، كان هذا كالتكرار له فناسب الاختصار إنه ى! يب حدّفه إشارة إلى بعد وحدانيته عن الشريك، فلا ينبغي عنده نسبته إلى الله ولا ذكره معه، ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه عن ذلك صرّح به، وهذه نكتة بديعة فمن قال هنا لا بذ من بيان فائدة حذف بالله في الأوّل وإثباته في الثاني ولم أر أحداً تعرض له، فأقول لعل الوجه في ذلك إنّ مقصود إبراهيم ﷺ في الأوّل إنكار أن يخاف غير الله تعالى سواء كان مما يشركه الكفار أو لا، وبالجملة خصوصية الإشراك بالله تعالى مقصودة في هذا المقام، وأمّا قوله: (ما أشركتم ﴾ دون أن يقول بالله فلان الكلام فيما أشركوا وفي الثاني إنكار. عدم خوفهم من إشراكهم بالله فإنّ المنكر المستبعد عند العقل السليم هو الإشراك بالله تعالى لا مطلق الإشراك فلذا حذفه في الأوّل وأتى به في الثاني انتهى. فلا يخفى أنه تطويل من غير طائل مع أنّ ما أشركوا كيف يدل على ما سوى الله غير الشريك، وهو عجيب منه وأنت في غنى عنه مما

стр. 1171

أوضحناه لك. قوله: (وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف) أي يخاف بسبب عذابه وعقابه الخوف الشديد، وفي الكشاف وأنتم لا تخافون ما يتعلق به كل مخوف وقدر أنتم ليبين أنهم أحقاء بالخوف فبنى الكلام على تقوى الحكم فعلى هذا يصح أن يكون قول المصنف ﵀ وهو حقيق الخ بيانا لمآل الجملة وهو لا ينافي كون الجملة حالية وإن طعن فيه بأنّ المضارع المنفيّ لا يقرن بالواو كالمثبت لكنه غير مسلم ومنهم من جعله قيدا، وقال هذا القيد مع القيد السابق أعني قوله ولا يتعلق به ضرّ يومي إلى أنه جعل قوله ولا تخافون الخ عطفاً على جملة أخاف وان كان الزمخشري جعلها حالاً من فاعل أخاف أو مفعوله. قوله: (بالقادر الضاز النافع (وفي نسخة والقادر الضارّ، وهي ظاهرة لأنّ بين لا تضاف إلا لمتعدد وأمّا على هذه فقيل الباء بمعنى مع متعلق بمحذوف، وهو مع المجرور في محل نصب حال عن المقدور لا متعلق بالتسوية والا فلا يكون لبين معنى وهو تعسف. قوله: (بإشراكه) بيان لأنّ في الكلام مضافا مقدّرا وقيل إنه أرجع الضمير إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول فلا حاجة إلى العائد وهو مبنيّ على مذهب الأخفش في الاكتفاء في الربط برجوع العائد إلى ما يتلبس بصاحبه، كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٤] الآية لكنه لم يذكر مثله في ربط الصلة ولا بعد فيه، وقوله لم ينصب الخ فعدم التنزيل كناية عن ذلك، وقيل هو تعميم للدليل بحيث يشمل العقليّ والنقليّ، والسلطان الحجة فمعنا. على الثاني ظاهر وعلى الأوّل لأنه متضمن للحجج والبراهين. قوله: (احترازاً من تزكية نفسه) فأدرج نفسه فيمن زكاه إخفاء لتزكية نفسه لأنه أدعى لترك العناد إذ تزكية النفس، وان طابقت الواقع ربما دعت الخصم إلى اللجاج فلا يقال إنّ من ادّعى أنّ الحق معه لا يكون مزكياً لنفسه، وكيف لا والتزكية بالباطل كذب لا تزكية، ووجه أيضا بأنه للإشارة إلى أنّ أحقية إلا من لا تخصه بل تشمل كل موحد ترغيباً لهم في التوحيد. قوله: (استئناف منه) أي من إبراهيم ﷺ محكيا عنه، والظاهر أنه استئناف نحويّ لا بياني لأنه ما كان جواب مقدّر، وهذا جواب سؤال محقق، بقي هنا ا! ابن هشام ﵀ قال في المغني الاستئناف النحوقي ما كان في ابتداء الكلام، أو مقتطعا عما قبله، وهذا خارج عنهما لارتباط الجواب والسؤال فكيف يكون استئنافا نحوياً، والجواب عنه أنه في ابتداء كلام المجيب تحقيقاً أو تقديراً فيدخل فيما ذكره، أو المراد بكونه مقتطعا عما قبله أن لا يعطف عليه ولا يتعلق به من جهة الإعراب وان ارتبط بوجه آخر. قوله: (والمراد بالظليم هنا الشرك) فإن قلت لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٣] إن غير الشرك لا يكون ظلما قلت: التنوين في بظلم للتعظيم فكأنه قيل لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم ولما تبين أنّ الشرك ظلم عظيم علم أنّ المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك أو أنّ المتبادر من المطلق أكمل إفراده. قوله: (لما روي الخ) (١ (هذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد ابن حنبل والترمذي عن ابن مسعود ﵁ فقول النحرير: كما ستراه قريبا إن صح لا يليق به، وقوله: يصدق بتشديد الدال يصح قراءته مجهولاً ومعلوما. قوله: (وقيل المعصية الخ) هذا ما ارتضاه الزمخشري تبعا لجمهور المعتزلة لأنّ تفسير الظلم بالشرك يأباه ذكر اللبس أي الخلط إذ هو لا يجامعه، وإنما يجامع المعاصي قال النحرير: قد شاع استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنّ صاحب الكبيرة لا أمن له، ولا نجاة من العذاب حيث دلت بتقديم لهم على اختصاص الأمن بمن لم يخلط إيمانه بظلم أي بفسق، وأجيب بأنّ المراد بالظلم هنا الشرك الذي هو ظلم عظيم كامل، ويشبه أن يكون تنكير ظلم إشارة لهذا بدليل ما روي عن ابن مسعود ﵁ والزمخشرقي دفعه بأنّ لبس الإيمان بالشرك أي خلطه به مما لا يتصوّر لأنهما ضدان لا يجتمعان، والحديث إن صح خبر واحد في مقابلة الدليل القطعي فلا يعمل به، والقول بأنّ الفسق أيضا لا يجامع الإيمان عند المعتزلة لكونه اسما لفعل الطاعات، واجتناب المعاصي حتى إن الفاسق ليس بمؤمن كما أنه ليس بكافر مدفوع بأنه كثيراً ما يطلق على نفس التصديق بل لا يكاد يفهم منه بلفظ الفعل غير هذا حتى إنه يعطف عليه عمل الصالحات، وأجيب بأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق سواء كان باللسان، أو غيره فظاهر أنه

стр. 1172

يجامع الشرك، كالمنافق وكذا إن أريد تصديق القلب لجواز أن يصدّق بوجود الصانع دون وحدانيته كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٠٦ ا] وهو ما أشار إليه المصنف ﵀، ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرح عن الكفر فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما بحيث يصدق عليه أنه مؤمن، ومشرك بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوباً مضمحلا أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر مراراً، وبعد تسليم جميع ما ذكر فاختصاص إلا من بغير العصاة لا يوجب كون العاصة معذبين البتة بل خائفين ذلك متوقعين للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع وقيل فيه بحث لأنّ اللبس على هذا المعنى متحقق على تقدير الانتهاء إلى الإيمان بتأخره عنه فيلزم أن ينتفي إلا من حينئذ البتة ولأنّ المراد بالأمن نفيا واثباتاً التعذيب وعدمه، والا قالا من كفر كاليأس ويدفع بأنّ المراد باللبس بالكفر أن يكون الكفر متأخراً لأنه جعل كاللباس والغطاء وما قبله كالتوطثة والفراش، وكون الإيمان يجبّ ما قبله قرينة له كما هو معلوم من الدين بالضرورة، والمراد بالأمن الطرف الراجح الذي هو كالجزم كما أشار إليه وليس هو إلا من الذي يكفر به، وفي بعض الحواشي فإن قيل المؤمن الفاسق الذي مات على الفسق ليس له الأمن فما وجه حمل الظلم على الشرك مع أنه يقتضي أنّ من لم يشرك آمن، وإن كان فاسقا قيل على التقدير المذكور يكون المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب، ومن الاهتداء الاهتداء إلى طريق توجب إلا من الخلود فإذا كان المراد من الظلم المعصية، كان الأمن إلا من العذاب مطلقا فتأمّل. قوله: (١ ن جعل خبر تلك) وآتيناها خبر بعد خبر أو معترضة أو تفسيرية، وقيل يصح تعلقه بآتينا لتضمنه معنى الغلبة وجعله متعلقاً بمحذوف في هذا الوجه لئلا يلزم الفصل بين أجزاء البدل بأجنبي. قوله: (بالتنوين (قال أبو البقاء: يقرأ بالإضافة على أنه مفعول نرفع فرفع درجة الإنسان رفع له، ويقرأ بالتنوين فمن مفعول، ودرجات منصوب على الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات أو على المصدرية بتأويل رفعات أو هو تمييز، وأما كونه مفعولاً ومن بتقدير لمن فبعيد. قوله: (كلاَ منهما (لم يقل منهم لأنّ هداية إبراهيمءلمجييه معلومة مما سبق، لأنّ الغرض تعديد النعم على إبراهيمءلمجب! بشرف الأصول والفروع، والولد لا يعد نعمة ما لم يكن مهدياً، قيل وإنما ذكر نوحا لمجم! هـ لأنّ قومه عبدوا الأصنام فذكره ليكون له به أسوة وأمّا إنه لما ذكر أنعامه من جهة الفرع ثني بذكر النعمة من جهة الأصل فلا دلالة في النظم على علاقة الأبوّة، وقد قيل إنها معلومة بدليل آخر أو لشهرتها، ولك أن تقول أن من قبل دال عليه، فتدبر. قوله: (الضمير لإبراهيم ﵊ الخ) وهو من عطاياه التي امتن بها عليه على كلا الوجهين، لأنّ شرف الذزية وشرف الأقارب شرف لكنه على الأوّل أظهر، ويكون تطرية في مدح إبراهيم ﷺ بالعود إليه مرّة بعد أخرى، وقال محيي السنة ﵀: ومن ذرّيته أي ذرّية نوح ع! ي! هـ ولم يرد من ذرّية إبراهيم ﵊ لأنه ذكر في جملتهم يونس ﷺ وكان من الأسباط في زمن شعياء أرسله الله تعالى إلى أهل نينوى من الموصل وقال إنّ لوطاً ﷺ كان ابن أخي إبراهيم لمج! هـ ابن تارح آمن بإبراهجم ولشص معه مهاجرا إلى الشأم فأرسله الله إلى أهل سدوم، ومن قال الضمير لإبراهيم ﷺ يقدر ومن ذزية إبراهيم، وسليمان ﷺ هدينا لأنّ إبراهيم هو المقصود بالذكر، وذكر نوح لتعظيم إبراهيم ولذلك ختم بيونس ولوط وجعلهما معطوفين على نوحا هدينا من عطف الجملة على الجملة، وصاحب الكشف أخرج إلياس ﷺ ، وليس كذلك لما في جامع الأصول عن الكسائيّ إنهما من ذرّيته فبقي لوط خارجا ولما كان ابن أخيه آمن به وهاجر معه أمكن أن يجعل من ذزيته على سبيل التغليب كما ذكره الطيبي، وعليه ينزل كلام المصنف رحمه الله تعالى ٠ قوله: (عطف على نوحاً) وذكر إسماعيل وان كان من ذرّية إبراهيم لأنّ السكوت عن إدراجه في الذرّية لا يقتضي أنه ليس منهم، وأنما لم يعد في موهبته لأنّ هبة إسحق كانت في كبره وكبر زوجه فكانت في غاية الغرابة، وذكر يعقوب لأنّ إبقاء النبوّة بطنا بعد بطن

стр. 1173

غاية النعمة ولم يعطف كلاً هدينا لأنه مؤكد لكونه نعمة. قوله: (جزاء مثل ما جزينا (قيل عليه أنّ مجموع الأمور الثلاثة من رفع الدرجة، وكثرة الأولاد والنبوّة فيهم ليست موجودة في غير إبراهيم ﷺ ، والمراد بمماثلة جزائهم لجزائه مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان بالإحسان والمكافأة بين الأعمال، والا جزية من غير بخس لا المماثلة من كل وجه لأنّ اختصاص إبراهيمءكب! هـ بكثرة النبوّة في عقبة مشهور فلا يرد عليه ما توهم. قوله: (دليل على أنّ الذزية تتناول أولاد البنات) لأنّ انتساب عيسى ﷺ ليس إلا من جهة أمّه، وأورد عليه أنه ليس له أب يصرف إضافته إلى الأمّ إلى نفسه فلا يظهر قياس غيره عليه والمسألة مختلف فيها والقائل بها استدل بهذه الآية وآية المباهلة حيث دعا ﷺ الحسن والحسين ﵄ بعدما نزل ندع أبناءنا وأبناءكم إن لم نقل إنه من خصائصه ﷺ ، وقيل: إنّ هذا ليس بشيء لأن مقتضى كونه بلا أب أن لا يذكر في حيز الذرّية وفيه نظر، وقوله: (فيكون البيان) المراد به قوله ومن ذرّيته، ويكون توله وزكريا وما بعده معطوفا على مجموع الكلام السابق. قوله: (قيل هو ادرش! جدّ نوح) عليهما الصلاة والسلام، وعلى هذا لا يجوز إرجاع ضمير ومن ذرّيته إلى نوح-لمج! هـ، وقيل إلياس من ولد إسماعيل، وعن العينيّ أنه سبط يوشع بن نون. قوله: (الكاملين في الصلاح) جواب عما يقال الصلاح صفة محمودة في نفسها لكنها لا يوصف بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٠ قوله: (وقرأ حمزة والكسائي الليسع) بوزن الضيغم وهو آعجمي دخلت عليه الألف واللام على خلاف القياس وقارنت النقل فجعلت علامة للتعريب، كما قال التبريزي إن استعماله بدونها خطأ يغفل عنه الناس، ويكون تنظيره باليزيد في دخول اللام فيما لا تدخل قبل النقل فإن كان فعلا فشابه العجمي الفعل في عدم جواز دخول أل عليه، فليس يسع من قبيل يزيد فعلاً حتى يرد أنّ دخول اللام عليه مخصوص بالضرورة فلا يصح تخريج ما في القرآن عليه فإنّ التشبيه ليس من كل الوجوه، ووجه الشبه ما مرّ، وهو أعجمي قيل إنه معرّب يوشع. قوله: (رأيت الوليد بن اليزيد الخ) هو من قصيدة للرمّاح بن ميادة من قصيدة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أوّلها: ألا تسأل الربع الذي ليس ناطقاً واني على أن لا أنين لسائله كم العام منه أومتى عهد أهله وهل يرجعن لهو الشباب وعاطله هممت بقول صادق أن أقوله واني على رغم العداة لقائله رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديداً بأعباء الخلافة كأهله أضاء سراج الملك فوق جبينه غداة تناجي بالنجاح قوابله وهي قصيدة طويلة وقد قيل: إنّ اللام دخلته لمشاكلة الوليد وهي فيه للمح الأصل ورأيت إن كانت علمية فمباركا مفعول ثان، والا فهو حال وشديداً حال مترادفة أو متداخلة، وأعباء جمع عبء كثقل لفظا معنى وإضافته إلى الخلاف كأظفار المنية أو لجين الماء أو هو استعارة تصريحية لمهماتها، وما قيل إنه من قبيل لجين الماء وفيه استعارة تخييلية مجرّدة عن المكنية وهم، والكاهل ما بين الكتفين، ويونس بن متا بالمثناة كحتى ويقال: متتا بالفك اسم أبيه، وقيل: اسم أمّه وأنه لم يشتهر نبيّ باسم أمّه غير يونس وعيسى صلى الله عليهما وسلم وقد رسم بالألف. قوله: (وفيه دليل الخ) قيل ظاهره تفضيل كل منهم على من عداه وهو مشكل لأنه يلزم منه تفضيل الشيء على نفسه ولو أول بعالمي زمانه إنما يتم لو لم يجتمع في زمان نبيان وليس كذلك فإبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام اجتمعا فتوجيهه تحصيص العالمين بمن ليس نبياً واليه أشار بقوله بالنبوّة، وبقوله على من عداهم من الخلق ليلزم كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة على ما هو المشهور من الاستدلال عليه بهذه الآية، وفيه إنه لا يلزم فضل غير المذكورين من الأنبياء عليهم ولا فضلهم على رسلهم لأنّ المراد كما صرّح به تفضيلهم بالنبوّة فاويهم فيها، وأما التفضيل على الملائكة مطلقا فمن عموم العالمين فلا يرد ما ذكره. قوله: (عطف على كلا) الظاهر أنه أراد أنه عطف

стр. 1174

على كلا فضلنا وجوّز أن يريد بكلا أحدهما لا على التعيين، فقوله أو هدينا هؤلاء إشارة إلى أنه واقع موقع المفعول به لتأويله ببعض، وقوله: فإنّ الخ إشارة إلى وجه ذكر من التبعيضية في النظم، وقوله تكرير لبيان ما هدوا إليه أي لأجل بيانه لأنّ المهديّ إليه لم يتكرّر، والمكرّر الهداية، وقوله: ما دانوا به يعني أديانهم، ويصح أن يكون إشارة إلى الهدي إلى الطريق المستقيم. قوله: (دليل على أنه متفضل عليهم بالهداية) قيل فيه دليل على أنّ الهداية بمشيئته تعالى، وأما أنه متفضل بها فمبناه على عدم لزوم المشيئة لذاته وذلك غير ذلك، وردّ بأنه ظاهر من لفظ المشيئة فإنها مرادفة للإرادة ومن كلمة التبعيض، ولذا قال بعضهم لما جعل المشيئة علة الهداية صارت تفضلاً بلا شبهة فاندفع ما فيه وما أورد عليه. قوله: (مع فضلهم) قيل لو أخره بعد قوله: (لحبط عملهم) كان أولى وأمره سهل، وقوله: (بسقوط ثوابها) إشارة إلى أنّ سقوط الأعمال لا يتصوّر بعد الوقوع، وإنما الساقط جزاؤها، وقوله: (والرسالة أليس عطفاً تفسيريا بل المراد أنّ النبوّة وان كانت أعمّ فالمراد بها ما يشمل الرسالة لأنّ المذكورين رسل، وقد يقال إنما ذكر الأعمّ في النظم لأنّ بعض من دخل في عموم آبائهم وذرّياتهم ليسوا برسل فلا يرد عليه أنّ تفسير النبوّة بالرسالة غير ظاهر، وتفسير هؤلاء بقريش من قرينة خارجية مع دلالة إشارة والمقام. توله: (أي بمراعاتها) هذا تفسير لمحصل معنى التوكيل بها لأنّ معناه الحفظ، وما قيل المراد بتوكيلهم بها توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهد فمعنى المراعاة داخل في معنى التوكيل إن أراد أنه تفسير له بجزء معناه، فلا نسلمه لأنه وما ذكره من لوازمه ولو سلم فإنما تركه لتكرّره مع قوله ليسوا بها بكافرين وما توهم من أنه إشارة إلى تقدير مضاف، وأنّ فيه مبالغة لأنه يقتضي مراعاة المرإعاة تعسف لا وجه له. قوله. (وهم الأنبباء عليهم الصلاة والسلام المذكورون ومتابعوهم) رجحه الزمخشري بوجهين، الأوّل أنّ الآية التي بعده إشارة إلى الأنبياء المذكورين عليهم الصلاة والسلام فإن لم يكن الموكلون هيم لزم الفصل بالأجنبي الثاني أنه مرتب بالفاء على ما قبله فيقتضي ذلك، وقيل إنّ فيه بعداً فان الظاهر كون مصذق النبوّة ومنكرها مغايراً لمن أوتيها، ولدّلك رجح بعضهم غير هذا الأوّل وهو أن يراد كل مؤمن، وقوله وقيل الملائكة قال الإمام فيه بعد لأنّ القوم قلما يقع على غير بني آدم. قوله: (فاختص) أمر من الاختصاص أي اجعله منفرداً بذلك واجعل الاقتداء مقصوراً عليه وهو مستفاد من التقديم. قوله: (والمراد بهداهم الخ) فإن قيل الواجب في الاعتقاد وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل أو السمع، ولا يجوز لا سيما للنبي مج! يي! أن يقلد غيره فما معنى أمره بالاقتدأء بهداهم قلنا معناه الأخذ به لا من حيث إنه طريقهم بل من حيث إنه طريق العقل والشرع ففيه تعظيم لهم وتنبيه على أنّ طريقهم هي الحق الموافق للعقل والسمع كذا قال النحرير: وفيه إنّ اعتقاده حينئذ ليس لأجل اعتقادهم بل لأجل الدليل فلا معنى لأمره بالاقتداء في ذلك، وأيضا قيل عليه أنّ الأخدّ باصول الدين حاصل له قبل نزول هذه الآية فلا معنى للأمر يأخذ ما قد أخذ قبل إلا أن يحمل على الأمر بالثبات عليه، فتعين كما قاله بعض المحققين إنّ الاقتداء المأمور به ليس إلا في الأخلاق الفاضلة والصمفات الكاملة، وإذا أمر رسوله ىشيي! أن يقتدي بجميعهم في ذلك، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به ثبت أنه اجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال، وثبت بهذه الآية أنه أفضل الرسل كما قال الإمام ﵀: وهو استنباط حسن فثبت أنه أفضل من الجميع كما ثبت أنه أفضل من كل واحد منهم، ولما نقل عن ابن عبد السلام إنه لا يدلّ على تفضيله على الجميع شنع عليه علماء عصره، واعلم أنّ المأمور بالاقتداء فيه هو العقائد لا الفروع مطلقا فما قاله النحرير: وغيره لا وجه له. قوله: (فليس فيه دليل ﵊ متعبد بشرع من قبله) كما ذهب إليه كثير واستدلوا بهذه الآية وردّه المصنف كغيره بأنّ المراد بها العقائد الدينية مما لا يتبذل دون الفروع لأنها ليست مضافة إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعاً فيها لتناتض الأحكام وأيضاً لو تعبد بشريعة لنقل إلينا ولم ينقل وقد عرفت ما في هدّا الوجه الذي اختاره فتذكر. قوله: (والهاء في اقتده

стр. 1175

للوقف الخ) أي هاء السكت التي تزاد في الوقف ساكنة إجراء للوصل مجرى الوقف، وبعضهم يحرّكها تشبيهاً لها بهاء الضمير، والعرب كثيراً ما تعطي للشيء حكم ما يشبهه وتحمله عليه، وقد روي قول المتنبيّ: وأحرّ قلباه ممن قلبه شبم بضم الهاء وكسرها على أنها هاء السكت شبهت بهاء الضمير فحركت، والأحسن كما في الدرّ أن يجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبه الضمير لأنّ هاء الضمير لا تكسر بعد الألف فكيف بما يشبهها، وأمّا كونه اتبع فيه خط المصحف فمما لا ينبغي ذكره لأنه يقتضي أنّ القراءة بغير نقل تقليدا للخط فمن قاله فقدوهم، وقيل إنها ضمير المصدر أي اقتد الاقتداء، وهو أقرب لأنّ إجراء الوصف مجرى الوقف ضعيف حتى قيل إنه مخصوص بالضرورة، والمراد بقوله أشبعها أنه كسرها ووصلها بياء وهو قراءة كما في الدرّ المصون، وابن عامر كسرها من غير إشباع وهو الذي تسميه القراء اختلاساً. قوله: (جعلا من جهتكم) هذا القيد معلوم من قوله أسألكم لأن المسؤول منه يطلب شيء من جهتة بالضرورة، وقيل إنه ماخوذ من قوله في موضمع آخر إن أجرى إلا على الله، قيل والآية تدلّ على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام وللفقها فيه كلام لشهرته غنيّ عن البيان، والجعل بضمّ الجيم وسكون العين كالجعالة، والجعيلة ما يجعل للإنسان بفعله وهو أعمّ من الأجر والثواب كما قاله الراغب. توله: (وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه) قيل فيه اعترإف بعدم اختصاص الهدي المذكور بالأصول فلا وجه لنفي التمسك به قبيله) قلت) استفادة الاقتداء بهم في الأصول من الأمر الأوّل لا ينافي أن يؤمر بالاقتداء بهم في أمر آخر كالتبليغ وتلك آية هذه آية أخرى، ولا ينافيه تقدم المتعلق للحصر ثمة لأنه نفي لاتباع طريقة غيرهم في شيء أخر، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٣٥] لا ينافي تلك الآية وقد أمر فيها بالاقتداء بهم أيضا وهو معلوم من تحقيق المسألة والنظر فيما قاله أهل الأصول فيها فلا حاجة إلى ما قيل مخالفته لتخصيص الهدي بالأصول ظاهرة وأمّ لزوم جواز التمسك المذكور فلا لأنّ محل الخلاف هو أنه مأمور بالتعبد بشرع من قبله فيما لم يوجد في القرآن ما يدل على وجوبه أو حرمته أو إباحته فإذا وجد ذلك لا يكون محل الخلاف كيف وكثير من أحكام القرآن في الكتب المتقدمة، وقوله: إلا تذكيراً جعله نفس التذكير مبالغة، وذكرى مصدر كما مرّ ولا حاجة لتأويله بمذكر والمراد بالغرض غرض التبليغ والقرآن، ويصح تفسيره بالأجر أيضاً. قوله: (وما قدروا الله حتى قدره) فسره هنا بما عرفوه حق معرفته وفي الزمر بما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه لأنه في الأصل معرفة المقدار بالسبر ثم إستعمل في معرفة الشيء على أتمّ الوجوه حتى صار حقيقة فيه كما قالوا رحم الله من عرف قدره أي نفسه وحقيقته ومعرفة الله لما لم تكن إلا بصفاته فسر في كل محل بما يليق به فهنا لما كان في حق المشركين والكفار ناسب العظمة فدّكر في كل مقام ما يليق به، ولهذا فسر أيضا بما وصفوه حق وصفه لما عرفت. قوله: (في الرحمة والأنعام على العباد (لما جعل قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء سبباً لأنهم ما عرفوه حق معرفته فإمّا أن يكو! اعدم المعرفة في صفة أالمطف أو في صفة القهر فإن كان في اللطف فالسبب إنكار النبوّة لأنها من أجل رحمته بالعباد، وان كان في القهر فالسبب الجسارة على ذلك الإنكار والى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله حين أنكروا الخ. قوله: (والقائلون هم اليهود الني) اختلفوا في القائلين ما أنزل الله على بشر من شيء فذهب الجمهور إلى أنهم اليهود، واستدل عليه بقراءة الخطاب في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٩١ وتقرير الاستدلال أنّ قوله قل من أنزل الخ جواب لأولئك القائلين والتاء في تجعلونه خطاب لهم ولا شك في أنّ الجاعلين التوراة قراطي! هم اليهود فيكون القائلون تلك المقالة هم اليهود، فإن قلت اليهود يقولون التوراة كتاب الله أنزله على موسى ﷺ ، فكيف يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء أجيب بأنّ مرادهم الطعن في رسالته ﷺ مبالغة في ذلك الإنكار فقيل لهم على سبيل الإلزام قد أنزل الله التوراة على موسى ﷺ فلم لا يجوز إنزال القرآن على محمد ﷺ فكأنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه في صورة الممتنعات حتى بالغوا في إنكاره فألزموا بتجويزه

стр. 1176

ثم وصف كتاب موسى ﷺ قصداً إلى تجهيلهم وتوبيخهم بصفات ثلاث أحدها أنه نور وهدى للناس، وثانيها أنهم حرّفوه وتصرّفوا فيه بابداء بعض واخفاء كثير كصفته غ! يرو وآية الرجم، وثالثها إنهم علموا في ذلك الكتاب على لسان محمد ﷺ ما لم يعلموا ولا آباؤهم مما كانوا يختلفون فيه، وقراءة الغيبة على هذا التفات تبعيدا لهم بسبب ارتكابهم القبيح عن ساحة الخطاب، ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسن في قوله وعلمتم، وهذا من عيون اللطائف في الالتفات ويؤيد هذا الوجه ما روي في سبب النزول فقوله مبالغة الخ إشارة إلى أنهم عمموا الإنكار مع اعترافهم بالتوراة لذلك، وقوليما نقض كلامهم أي ردّه بإلزامهم كما عرفت وقراءة الجمهور بالجرّ عطف على نقض فإنها تدل على أن الخطاب لليهود، وقراءة الياء التفات نكتته ما ذكرنا مع مناسبته للغيبة في قالوا وقدروا. قوله: (بدليل الخ) هو دليل على كون الخطاب لليهود لكونهم الذين صدو منهم ذلك أو دليلى للمبالغة لأنهم لا ينكرون نزول التوراة فهو كما إذا قيل فلان يعرف الفقه فقلت منكراً لذلك هو لا يعرف شيئاً أصلا مع أنه لا بد لمعرفته لشيء مّا، وإنما ألزموا بالتوراة لاعترافهم بها فكلامهم مبالغة على طريق الكناية أو أنه كان لذهول من الغضب والتهوّر كما روي عن ابن الصيف. قوله: (وقراءة الجمهور) بالجر قيل الذين يجعلون التوراة كذلك هم أليهود لا قريش، وأمّ على قراءة الياء التحتية فيكون التفاتا جعلوا غيبا لثناعة ارتكاب ذلك الفعل وليس اعتراضاً بأنّ قراءة الياء لا تخرجه عن الاستدلال لأنّ ذلك الفعل، إنما صدر منهم وأنّ المصنف ﵀ أيضا قصد التعريض بالاعتراض على تخصيص الزمخشريّ الاستدلال بقراءة الخطاب كما قيل فإنّ مراد العلامة إنّ قراءة الخطاب، أظهر في ذلك لدلالتها بالمعنى والصيغة. قوله: (وتضمن (وفي نسخة وتضمين وهو معطوف على نقض، وهو دليل آخر لأنه لو كان جوابا لكفار قريش لم يكن ما ذكر من التوبيخ في موقعه لأنهم لا يوبخون بفعل غيرهم فهو دليل على أنه جواب، وخطاب لهم فيكون القول الأوّل منهم، ومن لم يتفطن لهذا قال إنه عطف على قراءة الجمهور لا على إنه دليل آخر أوله مدخل فيه وان أوهمه ظاهر العبارة، وكيف يعطف على الدليل ما ليس بدليل، وفي نسخة تضمن على المضيّ فلا يكون من الدليل ويكون كقوله في الكشاف وأدرج تحت الإلزام توبيخهم انتهى، وتوبيخهم مفعول تضمن وذمهم بصيغة المصدر معطوف عليه والمراد بالحمل الحفظ من غير عمل كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٥] الآية. قوله: (روي) هذا الحديث) ١ (أخرجه ابن جرير والطبرانيّ عن سعيد بن جبير، والصيف بالصاد المهملة كضد الشتاء، والحبر بكسر أوّله وفتحه العالم الفصيح وليس حينئذ من إسناد ما صدر من البعض، إلى الكل إذا أريد به إنكار بعثته ﷺ مبالغة ويكون منه إن أريد ظاهره، وليس إسناده إليهم لأنهم رضوا به لأنّ تمام الحديث يدلّ على خلافه كما سيأتي إذ لا يلزم ذلك في هذا الإسناد ولو سلم فجعله رئيسا لهم في حكم الرضا بما يقوله، ويفعله وحي! عذ فاللوم والتوبيخ لمالك حين جسر على مثله، وإن لم ينكر نزول التوراة في الحقيقة أو جعل عدم العمل والرضا بما فيها بمنزلة إنكارها، قيل وهذا الوجه لا يلائم لومهم وإلزامهم بإنزال التوراة على موسى عت! هـ لا سيما بعد أن قال هذا القائل، إنما صدر هذا عني من الغضب ثم إنّ النحرير جعل قوله روي الخ جواباً مستقلاً حيث قال إنّ هذا القول صدر مبالغة في إنكار إنزال القرآن على النبيّ ﷺ أو غضباً وذهولاً عن حقيقة الكلام كما أشار إليه بقوله وروي، الخ لكن الوجه هو الأوّل ولذا رتب عليه بحث الإلزام والتوبيخ حين عيروه انتهى. فلذا عطف في الكشاف بالواو، والعلامة في شرحه جعله مؤيداً للجواب الأوّل، ولم بجعله جوابا مستقلا وكان المصنف رحمه الله تعالى جنح إليه فترك العطف فلا يرد عليه ما قيل الظاهر أن يقول وروي بالواو لأنه بدونه يوهم كونه بيانا لكون القائلين هم اليهود لا وجها آخر، وليس كذلك لعدم دلالة هذه الرواية على أنّ الغرضى من هذا القول نفي إنزال القرآن، فتأمّل وقوله أنشدك الله قسم من نثده بمعنى سأله، وبغض الله للحبر السمين لأنه يدلّ على الحمق

стр. 1177

والجهل ولأنه من كثرة التنعم باكل والشرب في أكثر ولذا قيل ما أفلح سمين قط، وهو أغلبي، وتتمة الحديث: " فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود " فضحك القوم فغضب، ثم التفت إلى عمر ﵁ فقال ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له قومه ما هذا الذي بلغنا عنك قال: إنه أغضبني فنزعوه أي عزلوه عن كونه رئيساً عليهم وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. قوله: (وقيل هم المشركون الخ) وعليه قراءة الياء التحتية ظاهرة لقولهم: ﴿لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٧ ا] ولقولهم: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ إلا أنّ قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ لا يلائمه لأنه ليس من فعل المشركين فلذا جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهود به تعريضاً بهم بأنّ إنكارهم إنزال الله من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان وعدم الإسناد إلى برهان، وعلى قراءة الخطاب فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين وهو التفات عند الأدباء لكن الالتفات في القول المختار أبلغ وأحسن، وقيل: إنهم لما سمعوا كلام اليهود ورضموا به خوطبوا بما يخاطبون به وهو بعيد. قوله: (على لسان محمد ﷺ والخطاب لليهود كما صرحوا به واليه يشير قول المصنف ﵀ زيادة على ما في التوراة وقوله: (وقيل الخطاب الخ) فإن قيل إنه من جملة مقول قل من أنزل، وليس أجنبيا بينه وبين قل الله فأفي داع لتعيين إنه خطاب لليهود أو لقريش قيل هو لا يدخل معنى في حيز من أنزل الكتاب الخ إذ لا دخل له في الجواب، ولدّا قالوا إنه في موقع الحال أو عطف على مقول قل على إنه مقول آخر بالاستقلال وعلى تقدير كون الخطاب لقريش فهو خطاب لمن آمن منهم إذ التعليم إنما هو لهم لا للكفرة ولم يتعرّضوا لما فيه من القراءتين على الالتفات، ولا شبهة أن في قوله ما لم تعلموا إشارة إلى أنهم أهل علم بالكتاب فلذا لم يلتفتوا إلى كونه خطابا لقريش تنزيلاً لعلمهم الحاصل بالتعليم منزلة العدم لعدم العمل بموجبه توبيخا لهم كما قيل، وضعف كونه خطاباً لمؤمني قريش لعدم اقتضاء السياق والسباق له، وعلى هذا هو اعتراض للامتنان على النبيّ ﷺ ، وأتباعه لهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن كما في الكشف والذي اقتضى التخصيص أنّ التعليم فاعله إمّا الإحبار أو النبيّ ﷺ فعلى الأوّل الخطاب لليهود، وعلى الثاني للمؤمنين، وما قيل الظاهر أن يقال هم قريش حتى يندرح فيهم من آمن منهم ويكون أوّل الكلام خطاباً لبعضهم وآخره خطابا لبعضهم وهم مؤمنوهم وإذا كان الخطاب مع اليهود وخطاب تجعلونه لهم، فلا يظهر لخطاب من آمن من قريش بهذا الخطاب وجه إلا أن يقال الناس عامّ فيدخل فيهم قريش وعلمتم معطوف على تجعلونه والخطاب فيه للناس باعتبار اليهود، وفي علمتم لهم باعتبار مؤمني قريش تكلف لا حاجة إليه. قوله: (أي أنزله الخ (يعني هو إمّا فاعل فعل مقدر أو مبتدأ خبره جملة مقدرة، واختلف في الأرجح منهما فقيل تقدير الفعل ليطابق السؤال ويقل التقدير، لأنّ ما بعد أداة الاستفهام في من أنزل فعل، وقيل: الأرجح تقدير الله أنزله وهو المطابق لمن أنزل بتقدير الله أنزله أم غيره مع إفادته للتقوّى وقد مرّ الكلام فيه، وله تفصيل في كتب العربية والمعاني وقوله أمره بأن يجيب عنهم إشارة إلى نكتة تلقين السائل الجواب، وعدم نقل جوابهم إشارة إلى أنهم ينكرون الحق مكابرة منهم وقد مرّ تفصيله. قوله: (في أباطيلهم) قد مر أنّ الخوض هو المتكلم في الشيء وأنه مخصوص بالباطل في المشهور، وإليه أشار المصنف ﵀ وقوله: (فلا عليك) أصله، فلا بأس عليك واسم لا يحذف كثيراً، وقد سمع في هذا بخصوصه، ووجوه الإعراب فيه ظا+ص. وكونه حالاً من ضمير خوضهم لأنه مصدر مضاف لفاعله، وقوله: (أو من هم الثاني) وهو معطوف على هم الأوّل إشارة إلى أنه لا يصح حينئذ جعل الظرف متصلا بيلعبون على الحالية أو اللغوية لأنه يكون معمولاً له متأخراً عنه رتبة ومعنى مع أنه متقدم عليه رتبة أيضا لأنّ العامل في الحال عامل في صاحبها فيكون فيه دور وفساد في المعنى، وفي قوله والظرف متصل بالأوّل إيجاز لأنه أراد بالكلام الأوّل فيشمل كونه لغواً أو حالاً من هم ولذا لم يقل بهم الأوّل، ومن لم يتنبه له قال لا أرى وجها لعدم ذكره جواز كون الظرف حالاً من مفعول ذرهم مع أن المتبادر من عبارته. قوله: (مبارك كثير الفائدة والنفع) لاشتماله على منافع الدارين وعلوم

стр. 1178

الأوّلين والآخرين، قال الإمام: قد جرت سنة الله بأنّ الباحث عن القرآن والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وقد شوهد كذلك في كل عصر، وقوله يعني التوراة خصها لأنها أعظم كتاب نزل قبله، ولأنّ الخطاب مع اليهود أو الكتب التي قبله فهو أعمّ شامل لها ولغيرها ومعنى كونها بين يديه أنها متقدّمة عليه لأنّ كل ما كان بين اليدين فهو كذلك. قوله: (عطف على ما دل عليه مبارك الخ) في الكشاف معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب كأنه قيل أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار، وقال النحرير: لا حاجة إلى هذا التكلف لجواز أن يكون عطفاً على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار، ومثل هذا أعني عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير وقيل الداعي إلى هذا التكلف أنه رأى الصفات السابقة عراة عن حرف العطف ليتلاءم أطراف الكلام ولا ينفك النظام، فلما جيء به مقترناً بالعطف اقتض حسن التوجيه أن لا يحمل على الوصف بل على العطف على محذوف وله غير نظير في القرآن سيما في هذه السورة كما مرّ، وليس بشيء وإن ارتضاه بعضهم لأنه يقتضي أنّ الصفات إذا تعدّدت ولم يعطف أوّلها يمتنع العطف في آخرها أو يقبح، وليس كذلك بل الواقع المصرّح به خلافه كقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [سورة التحريم، الآية: ٥] فعطف قوله وأبكارا مع ترك العطف في الصفات السابقة لكنه لنكتة يمكن اعتبار ما يضاهيها هنا، مع أنّ ما ذكره لازم على الوجه الثاني وهو قوله أو علة لمحذوف الخ لأنّ جملة وأنزلناه لتنذر معطوفة على أنزلنا الواقع صفة فالظاهر أنّ الحامل على هذا أنّ اللفظ والمعنى يقتضيه أمّا المعنى فلأنّ الإنذار علة لإنزاله كما قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٩] ولو عطف لكان على أوّل الصفات على القول الأصح ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجارّ والمجرور على الجملة الفعلية لأنه نظير هذا رجل أقام عندي وليخدمني ولا يخفى قبحه، ومنه يعلم الحامل اللفظي، وليس تقديم الجارّ فيه للحصر لأنه فهم من الجملة السابقة علة أخرى ككثرة البركة بل للاهتمام لأنّ الإنذار مقتضى المقام أو الحصر إضافيّ، ويصح أن يقدّر لتبشر ولتنذر. قوله: (وإنما سميت الخ) وجه الأوّل أنهم يجتمعون عندها كتجمع الأولاد عند الأمّ المشفقة، ووجه قوله أعظم القرى شأنا أنّ غيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل ووجه قوله لأنّ الأرض! الخ، يعني أنها أخرجت من تحتها كما يخرج الأولاد من تحت الأمّ وأيضاً فالناس يرجعون إليها كما ترجع الأولاد إلى الأمّ، واليه أشار الزمخشريّ في شعر له رويناه في ديوانه من قوله: أنا جار بيت الله مكة مركزي ومضرب أوتادي ومعقد أطنابي فمن يلق في بعض القريات رحله فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي واليه أشار المصنف ﵀ بقوله قبلة أهل القرى ومحجهم، ومنتابي بمعنى مرجعي نوية بعد نوبة وإنما ذكرناه لأنّ شراحه لم يقفوا عليه وعلى المراد منه والقراءة بالياء التحتية على الإسناد المجازي لأنه منذر به. قوله: (أهل المشرق والمنرب) أوّله لعموم بعثته لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٢٨] واللفظ متحمل له وردّا على من تمسك بها لأنه مرسل للعرب خاصة ولا متمسك فيها لما سمعت على أنه خصهم لأنهم أحق بإنذاره كقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة العراء، الآية: ٢١٤] ولذا نزل كتاب كل رسول بلسان قومه مع أنه استدلال لإرساله للعرب وليس فيه حجة على نفي غيره. قوله: (والضمير يحتملهما) أي النبيّ والكتاب على البدل والصلاة المراد بها مطلق الطاعة مجازاً، أو اكتفى ببعضها لما ذكر وكلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر في الثاني، وعلم الإيمان بمعنى علامته ولذا أطلق الإيمان عليها مجازا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] أي صلاتكم. قوله: (ومن أظلم الخ) استفهام إنكاري معناه النفي والمراد أنه أظلم من جميع المخلوقات كما مرّ ومسيلمة بكسر اللام لأنّ ما بعد ياء التصغير يلزم كسره، والعامّة تغلط فتفتحها، وهو من بني حنيفة أهل اليمامة اذعى النبوّة في زمن النبيّ ﷺ ، وقتل في خلافة أبي بكر ﵁ والأسود العنسي، كك كاهنا باليمن من بني عنس بعين مهملة مفتوحة ونون ساكنة وسين مهملة

стр. 1179

ادّعى النبوّة، واستولى على اليمن، وأخرج بعض عمال رسول الله ﷺ منها فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي، وجاء خبر قتله قبيل موته ﷺ وقيل عقبه، وقوله: (اختلق) بالقاف بمعنى افترى، وعمرو بن لحيّ منقول من تصغير لحى، وهو الذي حرم البحائر وسيب السوائب في الجاهلية والزمخشري قصره على من ادّعى النبوّة والمصنف عمم وأو للتنويع لا للترديد، وعن النبيّ بوو: " رأبت فيما يرى النائم كأن في يديّ سوارين من ذهب فكسرا علئ، وأهماتي، فأوحى الله إلئ أنفخهما فنفختهما فطارا عني، فأؤلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الآسود العنسي " (١ (، كذا في الكشاف، قالوا والتأويل المذكور لأنّ السوار سيما الذهبي لا يناسب الرجال سيما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكونهما في يديه دليل على نزاع فيما يتقوّى به من أمر النبوّة ونفخهما إشارة إلى استحقار شأنهما وزوالهما بأدنى شيء وقد كنت تأوّلت هذه الرؤيا قبل الوقوف على هذا بأنّ الذهب النبوّة لأنه أشرف المعادن، وأنفعها لأنه خواتيم الله في أرضه التي بها التعامل، كما أنها أشرف صفات البشر الذين بهم تنتظم الأمور وكونها سوار إشارة إلى أنها بعده أو أنه يذهبها رجلان من أصحابه وهما الصذيق بأمره وخالد بن الوليد بمباشرته ﵄ والطيران بالنفخ زوالهما بدون مباشرته بنفسه بل بمقتض كلامه وشرعه، ثم وقفت على هذا وهو قريب مما قلته. قوله: (أو قال أوحى إلئ) فسره الزمخشري بمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمصنف ﵀ جعله عبد الفه بن أبي سرح كاتب الوحي لما كان هذا داخلاً في الافتراء على الله وجه العطف باو بأنّ المراد بالثاني هو القول ولو على سبيل الترديد فيه، وقال الإمام: إنه في الأوّل يدعي أنه أوحى الله إليه ولم ينكر نزول الوحي على النبيّ ﷺ وفي الثاني أثبت الوحي لنفسه، ونفاه عنه ﷺ ، فكان جمعاً بين أمرين عظيمين، وهو إثبات ما ليس بموجود، ونفي ما هو موجود فجعل الواو عاطفة وضمير إليه للنبيّ ﷺ ، وعلى توجيه غيره الواو للحال والضمير لمن وكون سبب النزول قصة ابن أبي سرح) ١ (ذكره ابن عطية في تفسيره، وقال ابن عرفة أنه غير صحيح ولم يبين وجهه. قوله: (كالذين قالوا الخ) فيكون دعوا. أنه سينزل بمعنى أنه قادر على ذلك والزمخشري حمل هذه الآية على ابن أبي سرح وساق حديثه هنا، ورجح بأنه ليس في حديثه أنه أوحى إليه بل ادّعى القدرة على ذلك لو روي أنّ هذه القصة كانت لابن أبي خطل، وكان يكتب للنبي ﷺ لكن ابن الجوزي قال: إنه موضوع، وحديث ابن أبي سرح أخرجه ابن جرير عن السدي بدون قصة فتبارك الله، وقال ابن سيد الناس: في سيرته إنّ عثمان ﵁ شفع له عند النبيّ ﷺ فقبله بعد تلوّم وحسن بعد ذلك إسلامه حتى لم ينقم عليه شيء ومات ساجدا وأكثر بلاد المغرب فتحت على يديه في زمن عثمان ﵁. قوله: (حذف مفعوله) ، ثم لما حذف أقيم الظاهر مقام المضمر إذ أصله ولو ترى الظالمين إذ هم وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرّد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر، وما قيل ظاهره إنّ المفعول المحذوف هو الظالمون ولكن المقصود أنه هيئة كونهم في غمرات الموت، حال كون الملائكة باسطي أيديهم وجواب الشرط المحذوف شاهد لما قلت، فهو تعسف لتفسيره الكلام بما لا يدل عليه نعم هو وجه آخر، وقيل المفعول إذ والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه وجواب الشرط مقدر أي لرأيت أمرا فظيعا هائلاً. قوله: (شدائده) يعني أصل معنى الغمرة المرّة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة واليه يشير قول المتنبي: وتسعدني في غمرة بعدغمرة سبوح لهامنها عليها شواهد فانظر موقع قوله سبوح هنا ومثله بسط اليد هنا على الوجه الأخير. قوله: (بقبض أرواحهم الخ) ، والمتقاضحي الغريم الذي يطلب قضاء حقه والملظ بالظاء المعجمة والطاء المهملة الملح الملازم، وقوله: كالمتقاضي صريح في أنه تشبيه لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح في استيفاء حقه، وفي الكشف أنه كناية عن ذلك ولا بسط ولا قول حقيقة وقيل الظاهر من كلام المصنف ﵀ أن يكون

стр. 1180

هذا القول حقيقة لا تمثيلا وتشبيها لفعل الملائكة عند قبض أرواحهم بفعل الغريم الملظ، كما ذهب إليه في الكشاف فحمل قوله كالمتقاضي على التنظير وأنّ هذا الفعل صادر منهم حقيقة كما يصدر من الغريم، وهو الذي ارتضاه في الانتصاف وبه نطقت الآثار فبسط اليد إئا حقيقة أو على سبيل التمثيل وإذا كان بسط اليد بالعذاب بنحو الضرب فهو حقيقة أو المراد زيادته كما في قوله بل يداه مبسوطتان. قوله: (يقولون لهم الخ) فأخرجوا في محل نصب مقول قول مقدر وهو كثير مطرد والقول المضمر في محل النصب على الحالية من الضمير في باسطو الأمر على الأوّل للعنف بهم، وعلى الثاني للتوبيخ والتعجيز، والأوّل ناظر إلى قبض أرواحهم والثاني إلى قوله بالعذاب، ولو عمم لقوله وخلصوها لكان له وجه، وليس تقدير القول منافيا للتمثيل لأنه على سبيل الفرض أيضا، والمراد باليوم مطلق الزمان لا المتعارف وهو إما حين الإماتة أو ما يشمله وما بعده. قوله: (وإضافتة إلى الهون الخ) الهون والهوان بمعنى كما في قول الخنساء: تهين النفوس وهون النفوس يوم الكريهة أبقى لها واضافة العذاب إما حقيقية لأنّ العذاب قد يكون للتاديب لا للهوان أو هو كرجل سوء كما في الكشاف لأنّ العذاب مضرّة مقرونة بالإهانة، كما إنّ الثواب منفعة مقرونة بالإكرام فالعذاب مشتمل على الهوان واضافته إليه ليفيد أنه متمكن فيه لأنّ الاختصاص الذي تفيده الإضافة اً قوى من اختصاص التوصيف، والعراقة بالعين المهملة الأصالة وأصلها ثبات العروق قيل، ولو ذكر ادّعاء الولد والشريك فيما مضى لكان أنسب، وتعدية القول بعلى لتضمنه الافتراء واليه أشار بقوله كاذبا، وجملة ولقد جئتمونا الخ مستأنفة من كلامه تعالى، ولا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٤، لأنه كناية عن الغضب وكونه من كلام ملائكة العذاب بعيد. قوله: (جمع فرد (على خلاف القياس، وفي الدر المصون فرد بفتح الراء، وقيل: بسكونها وفي نسخة فردان كسكران، وهو يقتضي أنه مفرد محقق لا مقدر، وفي الصحيح كأنه جمع فردان في التقدير إلا أن يكون تسمح في التعبير، وقال الراغب؟ هو جمع فريد كأسير وأسارى وكسالى بضم الكاف وفتحها جمع كسلان وفراد بالضم كرخال جمع رخل أنثى الضأن، وهو جمع نادر لم يات منه إلا كلمات مخصوصة كما مرّ، وقوله: فرداً كثلث يعني بضمتين مفرد بمعنى منفرد كعنق كما في القاموس، فكان الظاهر تكراره كما يقال فردأ فردا لكنه يؤوّل بما أوّل به قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ ، [سورة غافر، الآية: ٦٧] ووقع في نسخة فراد كثلاث المعدول عن فرد فرد وقيل إنه من تحريف النساخ لما قيل إنّ مجيء هذا الوزن المعدول مخصوص بالعدد بل ببعض كلماته، ولم نره في اللغة ولا في كلام من يوثق به. زقلت) في الدرّ المصون يقالط جاء القوم فراد غير منصرف كأيحاد ورباع في كونه صفة معدولة وبه قرئ، وقرئ منوّنا مصروفا أيضاً فلا عبرة بإنكاره وكون العدل مخصوصا بما ذكر غير مسلم وإنما هو شائع فيه وإلى هاتين القراءتين أشار المصنف ﵀ بقوله فرادا كرخال الخ فما ذكر من قلة الاطلاع، وفي تفسير الفراء فرادى جمع والعرب تقول قوم فرادى، وفراد غير منصرف شبهت بثلاث ورباع وفرادى واحده فرد وفريد وفرد وفردان ا!. وفردى كسكرى تأنيث فردان والتأنيث لجمع ذي الحال. قوله: (بدل) أي بدل كل من كل لأنّ المراد المشابهة في الانفراد المذكور والكاف حينئذ اسم بمعنى مثل أو فرد، وعلى الحالية فهي إما حال مترادفة أو متداخلة، وقوله عند من يجوز تعدد الحال أي من غير عطف وهو الصحيح، وقوله أو مشبهين هو على هذا حال أيضا وعطفه بأو لأنه قسيم لما قبله معنى لأنه على ما قبله شبيه في الانفراد وفي هذا باعتبار ابتداء الخلقة فلا وجه لما قيل الظاهر أن يقول أي مكان أو، وقوله: (مشبهين ابتداء خلقكم) كذا قدره أبو البقاء واعترض عليه المعرب بأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم فصوابه أن يقدر فيه مضاف أي مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم وفيه نظر، وحفاة جمع حاف وهو خلاف المنتعل، والغرل بغين معجمة وراء مهملة ولام الأقلف وصحفه بعضهم عزلاً بعين مهملة وزاي معجمة، وهو خطأ لأنّ هذا هو المروي المأثور في الحديث (١) ، والبهم جمع بهيم أو أبهم وأصله الخيل التي لا شية فيها واستعير للخالي عما يغير هيئته الأصلية، وقوله مجيئا المراد بالمجيء هنا الخلق والإعادة ولذا جعل

стр. 1181

كما خلقناكم صفة له، وقوله: فشغلتم إشارة إلى أنه متضمن للتوبيخ، والتخويل بالخاء المعجمة الأنعام وأصله ملك الخول وهم الخدم والنقير النقرة في ظهر النواة ويكنى به عن الشيء الحقير وقوله ما قدمتموه كناية عن كونهم لم يصرفوه إلى ما يفيد في الآخرة وكان الظاهر في العبارة أن يقول ما قدّمتم منه شيئا فكأنه جعل شيئا بدلاً من ضمير المفعول تنصيصا على العموم ولا يضرّ توسط منه لأنه ليس بأجنبيّ. توله: (في ربوبيتكم الخ) يعني أنّ فيكم متعلق بشركاء على حذف مضاف، وهو الربوبية واستحقاق العبادة عطف تفسيري له وقدره الزمخشريّ، في استبعادكم لأنهم حينئذ دعوها آلهة وعبدوها فقد جعلوا لله شركاء فيهم وقيل استعبده جعله عبدا فقوله في استعبادكم أي استعباد الإله إياكم، ولو قال في عبادتكم لكان أصوب لأنهم عبدوها فقد جعلوها شركاء في عبادتهم لا استعبادهم وردّ بأنه لم يجعل ال! ضاف المقدر عبادتكم لأنّ جعلهم شركاء في العبادة، كان على الحقيقة لا الزعم دمانما الزعم كونهم شركاء في اتخاذهم عبيدا ولك أن تجيب عنه بأنّ معنى جعلهم شركاء في العبادة العبادة الحقة المستحقة، وهي ليست على الحقيقة وإليه يشير كلام المصنف ﵀. قوله: (أي تقطع وصلكم الخ) هذا على قراءة الرفع وقد قرئ بهما يعني أنه من الأضداد أي الألفاظ المشتركة بين ضدين كالقرء للحيض، والطهر فيكون مصدرا لا ظرفا، وقيل إنه على هذا مصدر بمعنى البينونة والفصل وتحقيقه أنه قد يقال بيني وبينك شركة في كذا كما يقال بيني وبينك فراق والشركة من قبيل الوصلة فاستعمل لذلك بمعنى الوصل وتد اقتدى في ذلك بالإمام وتحقيقه أنّ بعضهم كابن عطية طعن في هذا بأنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل، وإنما انتزع من هدّه الآية فقيل عليه إنه فهم أنه معنى حقيقي لها، وهو مجاز كما قاله الفارسي لأنها تستعمل بين الشيئين المتلابسين في نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصارت لذلك بمعنى الوصلة، ولو قيل بأنه حقيقة لم يبعد فإنّ أبا عمرو وأبا عبيد وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سنداً فيه فكونه منتزعا من هذه الآية غير مسلم، وقيل هو ظرف أسند إليه الفعل على الاتساع هذا توجيه لقراءة الرفع فهو على هذا لازم الظرفية لكنه توس! ع فيه كما يتوسع بجعله مفعولاً، وفيه نظر، وقيل إنه منصرف غير لازم للظرفية وعليه الزمخشريّ في سورة العنكبوت، وقوله: (والمعنى الخ) يعني أنه وان أسند إليه لفظا لكن المعنى على الظرفية إذ التقدير وقع التقطع بينكم في قراءة النصب. قوله: (وحفص عن عاصم بالنصب) فالوجوه السابقة على قراءة الرفع وأوّله المصنف ﵀ بما ذكره وقيل إنه الفاعل وبقي على حاله منصوباً حملا له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وقيل إنه بنى لإضافته إلى مبنيّ كما مز في مثل ما أنكم تنطقون، وقوله: (إنها شفعاؤكم (قيل المناسب للمقام إنها شركاء دته في الربوبية ألا ترى إلى قوله ﴿لَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ (فلت) ما ذكره المصنف ﵀ هو المناسب لقوله تعالى: ﴿مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ﴾ . قوله: (على إضمار الفاعل لدلالة الخ) أي تقع الأمر أو الاشتراك بينكم أو وصلكم، وقيل إنّ الفاعل ضمير المصدر ولا يخفى إباء العبارة عنه إذ قوله لدلالة ما قبله لا يناسبه ولو كان كذلك لقال لدلالة الفعل عليه، وقال أبو حيان أنه ليس بصحيح لأنّ شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام القائم أو هو أي القيام، وفيه أنه سمع من العرب بدا بداء وقد قدروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٣٥] بدا البداء فليتأمّل، ثم إنه إذا كان الضمير للمصدر فالمعنى على تأويل التقطع كما مرّ لئلا يصير التقدير تقطع التقطيع، وإذا تقطع التقطيع حصل الوصل وهو ضد المقصود. قوله: (أو أقيم مقامه موصوفه الخ) فما موصوفة لا موصولة ولو سلم جواز حذف الموصول وابقاء صلته، وهو مذهب الكوفيين كما نقله المعرب لأنها إذا كانت ظرفاً غير متصرّف يلزم حذف الفاعل من غير بدل يحل محله وجوازه في مثله غير مسلم، وقد أشار أبو حيان رحمه الله تعالى إلى منعه ولم يذكر فيه خلافا قال: والذي يظهر لي أنه من باًب التنازع سلط على ما كنتم تزعمون تقع وضل فاعمل الثاني، وهو ضل وأضمر في تقطع ضميرها وهي الأصنام فالمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا

стр. 1182

عنكم كما قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٦ أ] أي لم يبق إيصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء فعبدتموهم وهذا إعراب حسن لم يتنبه له أحد. قوله: (بالنبات والشجر (لف ون! ئمر مرتب لأنها تتشقق ويخرج م! نها شيء ينمو والحب معروف، رالنوى ما في جوف التمر، ثم إنّ قوله الشقاق الخ مروي عن مجاهد ﵀ وضعف بأنه لا دلالة له على كمال القدرة مع أنّ الشقاق داء يكون في الدواب، وأما استعماله بمعنى الشق فلم يذكره أهل اللغة إلا أنه وقع في شرح التسهيل صيغة فعال يكون للادواء كالزكام والأصوات كالصراخ قال ابن عصفور: وهو مقيس فيهما وفيما تفرق أجزاؤه كالرفات والحطام فيمكن أن يخرج هذا عليه لدلالته على التفرّق. قوله: (ليطابق ما قبله) قيل مشابهة إخراج الحي من الميت للأنبات تكفي للمطابقة وهذا غفلة عن كونه بيانا لما قبله ولذلك ترك العطف فلا بذ من تعميمه ليصلح لذلك، وقوله: (ذلك) إشارة إلى غير النامي. قوله: (حملاَ على فالق الحب الخ) أي عطفا عليه لا على يخرج الحيّ لأنه بيان لفالق الحب والنوى وهذا لا يصلح للبيان وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه كقوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [سورة الملك، الآية: ١٩] والإمام وصاحب الانتصاف جعلاه معطوفاً على يخرج الحيّ من الميت، وفيه من البديع التبديل كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [سورة الحج، الآية: ٦١] وإنما عدل إلى صيغة المضارع في يخرج ليدل على تصويره وتمثيله واستحضاره، واشتماله على زيادة فيه لا يضرّ ذلك بكونه بياناً، كما أن مخرج الميت من الحيّ بيان مع شموله للحيوان والنبات وله وجه وحجته إنه ورد في آيات أخر معطوفا عليه هكذا يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي فيبعد قطعها عن نظائرها وإنما عدل إلى المضارع لتصويره واستحضاره لكونه أوّل في الوجود وأعظم في القدرة. قوله: (الذي يحق له العبادة) فسره به ليرتب عليه قوله فأنى تؤفكون ترتباً ظاهر إلا أنه حمله على مفهومه الأصلي دون ذات الواجب تصحيحا للحمل على ما قيل. قوله: (شاق عمود الصبح الخ) عمود الصبح ضوؤه المشبه به وهذا جواب عما يقال ما معنى فلق الصبح، والظلمة هي التي تفلق عنه كما قال تفرّي ليل عن بياض نهار، وحاصله أنّ الصبح صبحان صادق وكاذب تعقبه ظلمة فإن أريد الأوّل فالمراد فالقه عن بياض النهار أو في الكلام مضاف مقدر أي فالق ظلمة الإصباح وان أريد الثاني فالمراد فالقه عن ظلمة آخر الليل التي تعقبه وشاقه منه كما قال الشاعر: فانشق عنه عمود الفجر حافله والإصباح مصدر سمي به الصبح قال امرؤ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح منك بامثل وفتح الهمزة على أنه جمع صبح كقفل وأقفال ويقال مساء وامساء أيضاً قال تناسخ الإصباح والإمساء والغبش بغين معجمة وباء موحدة وشين معجمة ظلمة آخر الليل. قوله: (سكنا) في الكشاف السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا واسنرواحا إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها مؤنسة والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه ويقال للدار سكن أيضا كما قال الراغب فهو يطلق على الزمان والمكان ومن فيه قال: يابارقاذكرالحشى سكنه م! ض لتابالعقيق من سكنه فيجوز أن يراد جعل الليل مسكوناً فيه، وقوله التعب بكر العين كحذر صفة مشبهة من التعب، وقوله اطمأن إليه بمعنى سكن إليه، ولذا عذى بإلى كما في الأساس، وقوله: أو يسكن فيه الخلق أي يقروا ويهدؤوا من السكون. قوله: (ونصبه بفعل دلّ عليه جاعل لا به (لأنه يشترط في عمل اسم الفاعل كونه بمعنى الحال أو الاستقبال والكسائيّ وبعض الكوفيين أجازوا عمله بمعنى الماضي مطلقا حملا له على الفعلى الماضي الذي تضمن معناه واستدلوا بهذه الآية ونحوها، وبعضهم جوّزا عما له بمعنى الماضي إذا دخلت عليه الألف واللام، وبعضهم جوّز أعماله في الثاني إذا أضيف إلى الأوّل لشبهه بالمعرف باللام إذا أضيف وهذه مذاهب للنحاة قال السيرافي: الأجود هنا أن يقال إنما نصب اسم الفاعل المفعول الثاني ضرورة حيث لم يمكن إضافته إليه وقد أضيف إلى الأوّل فاكتفى في الأعمال بما في اسم الفاعل من معنى الفعل الماضي

стр. 1183

ولا يجوز الاعمال بدون هذه الضرورة، ولما لم يوجد عاملا في المفعول الأوّل مع كثرة وروده في الكلام قال أبو عليّ: إنه منصوب بفعل دل عليه اسم الفاعل فنحو معطي زيد درهما كأنه لما قيل زيد قيل ما أعطي فقال: درهماً أي أعطاه درهما كقوله: ليبك يزيد ضارع لخصومة فيسلم من الضرورة المذكورة، وردّه الأندلسيّ بأنه لا يستقيم ذلك في نحو ظانّ زيد أمس قائما إذ لا يقال هذا ظانّ زيد أمس ظنه قائما للزوم حذف أحد مفعولي ظانّ، وهو لا يجوز، وأجيب بأنّ للفارسي أن يرتكب جوازه للقرينة وان كان قليلا في أفعال القلوب، وضعف مختار السيرافي بقولهم هذا ضارب زيد أء. س وعمرا إذ لا اضطرار هنا إلى نصب عمراً لأنّ حمل التابع على إعراب المتبوع الظاهر أولي- ولا استدلال للكسائيّ في قوله تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ الْوَصِيدِ﴾ [سورة الكهف، الآية: ١٨] لأنه حكاية للحال كما قرّره الرضي وغيره، وقيل عليه من لم يجوّز أعماله بمعنى الماضي كيف يسلم صحة الأمثلة المذكورة حتى يستدل بها على جواز أعماله فلا حاجة إلى أن يقال إعماله ضروريّ في تلك الأمثلة، ولا أن يقال انتصابه فيها بفعل مدلول عليه بها حتى يرد عليه عدم استقامته في المثال الأخير، وان جاز الاعتذار عنه، وكيف يسلم كون انتصاب سكنا بجاعل حتى يستدلّ به عليه بل يجعله بفعل دلّ عليه جاعل كما ذكره المصنف ﵀. (قلت) القائل بجواز أعماله بمعنى الماضي تمسك بما ذكر، وقال: إنّ التقدير واذعاء حكاية الحال خلاف الأصل ومثله يكفي في الأدلة النحوية، فكيف ينكر عليه، وقوله: (وبدل عليه) أي على كونه بمعنى الماضي وإنما حمله على المعنى ليتناسبا. قوله: (أو به) أي باسيم الفاعل المذكور ولا بفعل مقدّر وهذا مختار الزمخشري، واعترض عليه بأنه ذكر أن جاعلا دال على جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة ومع ذلك جعله عاملا في المضاف إليه ناصبا حيث جوّز عطف والشمس والقمر في قراءة النصب على محل الليل، وهو صريح في أنّ اسم الفاعل إذا أريد به الاستمرار كان عاملاَ فتكون إضافته غير حقيقية، وقد ذكر أنها حقيقية في مالك يوم الدين فبين كلاميه تناف وأجيب بأنّ الزمان المستمرّ يشتمل على الماضي والحال والاستقبال، فإن نظر إلى المضيّ لم يعمل وكانت إضافته حقيقية وإن لم ينظر إليه كان عاملاً واضافته غير حقيقية وكل واحد من الاعتبارين متعين باقتضاء المقام وقرائن الأحوال، وأجيب أيضاً بأنه لا منافاة بين أن يكون المستمرّ عاملا واضافته حقيقية لأنه لما استمرّ احتوى على الماضي وغيره فروعي الجهتان معاً فجعلت الإضافة حقيقية نظرا إلى الجهة الأولى واسم الفاعل عاملا نظرا إلى الثانية، وليس بشيء لأنّ مداركون إضافته حقيقية أو لفظية على العمل وعدمه، ويمكن أن يقال الاستمرار في مالك يوم الدين ثبوتي وفي جاعل الليل تجذديّ ومتعاقب إفراده واضافته لفظية لورود المضارع بمعناه دون الأوّل كما قرّره الشريف قدس سرّه، وقد مرّ فيه فوائد ومباحث في سورة الفاتحة، ولك أن تؤيد هذا الأخير بل تذعي تعينه بأن ملك يوم الدين لم يقع فكيف يقال إنه مستمرّ إلا بمعنى أنه ثابت بقطع النظر عن معنى التجدد كما في الصفة المشبهة والا كان الاستمرار فيه غير حقيقيّ وهو محتاج إلى التكلف، فتأمّل فإن قلت إنه ذكر في المفصل أنّ الصفة تدل على معنى ثابت واسم الفاعل والمفعول يجريان مجراها في ذلك فيقال ضامر البطن وحاملة الوشاج ومعمور الدار ومؤدب الخدام، وقد ذكره غيره من النحاة، فإن أريد الاستمرار الثبوتي يكون صفة مشبهة واشترط لعمله ما يشترط لها، فلا يصح الحمل عليه هنا، ولذا قال أبو حيان: إذا كان بمعنى الاستمرار لا يعمل عمل اسم الفاعل، وليس لمجروره محل كما صرّحوا به، قلت هو لا يجري مجراها إلا إذا اشتهر بذلك وشاع استعماله لذلك حتى يلحق بالصفة المشبهة، وهذا ليس كذلك ولم يتعرّضوا هنا لحكاية الحال لأنّ كون الليل محل الهدّ وليس مما يستغرب، والحكاية تختص به ويصح أن يكون جعل بمعنى أحدث المتعدي لواحد وسكنا حال. قوله: (ويشهد له الخ) لأنّ العطف متعين فيكون في وجه النصب كذلك، وليس المراد أنها تدل على تعلقهما من حيث المعنى بالليل والنهار كما قيل، وقوله: (بجعل مقدّرا (وهو الناصب لسكنا أو آخر والأوّل أولى. قوله: (أي مجعولان حسباناً (أو محسوبان حسباناً، ثم إن المصنف ﵀ فسر الحسبان في سورة

стр. 1184

الرحمن بحساب معلوم مقدّر في بروجهما ومنازلهما ويتسق بذلك أمور السفليات ويختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب. قوله: (مصدو حسب بالفتح) ، هكذا قال الزمخشري: أيضا فإن أراد أنه لا يكون إلا كذلك ورد عليه الحرمان فإنه مصدر حرمه كضربه وعلمه وان أراد أنه الأصل المقيس المسموع وما سواه ورد على خلاف القياس اتجه، وحسب هنا بمعنى زعم وظت وخمن والتسيير مصدر سيره. ثوله: (الذي قهرهما) المراد بقهرهما كونهما مسخرين لا يتيسر لهما إلا ما أريد بهما وبهذا التفسير يظهر تناسب المبدأ والختام فلا يتوهم أنه كان الظاهر تقدير الحكيم العليم، وفسره في غير هذه السورة بالغالب بقدرته على كل مقدور، والأنفع من التداوير جمع تدوير تفعيل من الإدارة وليس بمعنى ذلك التدوير الذي اصطلح عليه أهل الهيئة وهو فلك صغير خارج المركز لأنه ليس للشمس فلك تدوير إلا أن يريد به مطلق الخارج المركب وليس بمعنى الاستدارة لأنه لا يناسب هنا، وهدّا إجمال لما سيأتي في سورة يس من أنّ مخالفة حركاتها المقدرة لها تخل بتكوّن النبات وتعيش الحيوان، واعلم أنه قال في البحر الكبير أن السنة الشرعية قمرية لا شمسية، والشمسية مما حدث في دواوين الخراج، فإن قلت فلم أضاف الله الحساب إليهما قلت لأنّ بطلوع الشمس ومغيبها يعرف عدد الأيام التي تتركب منها الشهور والسنون فمن هنا دخلت انتهى. قوله: (في ظلمات الخ) المراد بالنجوم ما عدا النيرين لأنها التي بها الاهتداء ولأن النجم يخص بما عداهما، واليه أشار بقوله: (في ظلمات الليل) لأنهما لا ظلمة مع! مما ويجوز أن يدخلا فيها فيكون بيانا لفائدتهما العامّة بعدما بين فائدتهما الخاصة. قوله: (وإضافتها إليهما للملابسة (الإضافة تكون لأدنى ملابسة مجازا، وهل هو مجاز لغوي أو حكمي عقليّ اضطرب فيه كلام أهل المعاني، فقال النحرير: في شرح المفتاح في تحقيق قوله تعالى: ﴿ابْلَعِي مَاءكِ﴾ [سررة هود، الآية: ٤٤] إضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك بناء على أنّ مدلول الإضافة في مثله الاختصاص الملكي فيكون استعارة تصريحية أصلية جارية في التركيب الإضافي الموضوع للاختصاص الملكي في مثل هذا، وإن اعتبر اللام وبنى الاتصال والاختصاص عليها فالاستعارة تبعية، وقال: في إضافة كوكب الخرقاء حقيقة الإضافة اللامية ألاختصاص الكامل، فالإضافة لأدنى ملابسة تكون مجازاً حكمياً، وقال الشريف قدس سرّه: راذاً عليه الهيئة التركيبية في الإضافة اللامية موضوعة للاختصاص الكامل المصحح، لأن يخبر عن المضاف بأنه للمضاف إليه، فإذا استعملت لأدنى ملابسة تكون مجازاً لغويا لا حكميا كما توهم لأنّ المجاز في الحكم إنما يكون بصرف النسبة عن محلها الأصلي إلى محل آخر لأجل ملابسة بين المحلين، وفيه كلام ليس هذا محله، وقوله مشتبهات الخ فهي استعارة تصريحية تحقيقية وعلى الأوّل المجاز في الإضافة، ولكم إجمال لأنه يدل على انتفاعهم بها مطلقا، وقوله فإنهم المنتفعون به أي بالتفصيل بيان لوجه التخصيص مع أن فائدة التفصيل عامّة. قوله: (فلكم استقرار الخ (جوّز في مستقرّ ومستوح أن يكونا مصدرين ميميين وأن يكونا اسمي مكان والاستقرار إمّا في الأصلاب أو فوق الأرض لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٦] أو في الأرحام لقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة الحج، الآية: هـ، والاستيداع في الأرحام، فجعل الصلب مستقز النطفة والرحم مستودعها لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر، وفي الرحم من قبل الأب فأشبهت الوديعة كان الرجل أودعها ما كان عنده أو في الأصلاب أو تحت الأرض أو فوقها فإنها عليها أو وضعت فيها لتخرج منها مرّة أخرى كقوله: وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بذ يوئم أن ترذ الودائع وجوّز أن يكون المستقز كناية عن الذكر والمستوح كناية عن الأنثى، وقوله لأن الاستقرار منا الخ وجه كون الأوّل معلوما بأنه صادر منا والثاني مجهولاً بأن الله أودعهم وهو ظاهر. قوله: (ذكر مع ذكر النجوم الخ (بناء على أن الفقه شدة الفهم والفطنة، ومن قال إنه الفهم مطلقاً وليس بأبلغ من العلم قال إنه تفنن حذرا من صورة التكرير، وقال في الانتصاف الفقه أنزل من العلم، وإذا قيل فلان لا يفقه كان أذمّ من

стр. 1185

لا يعلم ولما كان علم الإنسان بنفسه أقرب إليه من علم العلويات نفي عنه الفقه دون العلم، وهذا عكس ما ذكره المصنف ﵀ تبعا للكشاف. قوله: (من السحاب) يعني المراد بالسماء لأنها كل ما علا، أو هو مجاز أو بتقذير مضاف كجانب أو أنه ينزل من السماء حقيقة إلى السحاب، ومنه إلى الأرض وتلوين الخطاب هنا الالتفات من الغيب إلى التكلم وعبر به إشارة إلى نكتته العامّة، والخاصة إنه لما ذكر فيحا مضى ما ينبهك على أنه الخالق اقتضى ذلك التوجه إليه حتى يخاطب. قوله: (نبت كل صنف) أي النبات بمعنى النابت وشيء ليس بعاتم بل المراد به الصنف من النبات إذ لا معنى لإضافة النبات إلى شيء ليس منه وقوله المفتنة بالفاء والتاء والنون افتعال من الفتن، وفي نسخة مفتنة بنونين أي على فنون وأنواع وقال ابن الجوزي: تقول لذي الفنون من العلوم مفتن، وقد افتن في الأمر أخذ من كل فن والعامّة تقول متفنن والمتفنن هو الضعيف وقد تفنن ضعف أخذ من الفنن، وهو مالان من الغصون. قوله:) من النبات أو الماء (المراد بالنبات أصوله والخضر شعبه وأوراقه وجملة تخرج صفة خضرا أو مستأنفة ومتراكبا معناه بعضه فوق بعض، وقد أخرج تعالى من الماء الحلو الأبيض في رأي العين أصنافا من النبات والثمار مختلفة الطعوم والألوان واليه نظر القائل يصف المطر: يمدعلى الآفاق بيض خيوطه فينسج منهاللثرى حلة خضرا فلله درّ التنزيل كم حوى معنى بديعا لو مرّ على خاطر الشعر قطع نفسه تقطيعاً، وقوله أخضر وخضر كأعور وعور إشارة إلى اختصاصه بالألوان والعيوب وما ألحق بهما. قوله: (جمع قنو (وهو ومثناه سواء لا يفرق بينهما إلا الإعراب، ولم يأت مفرد يستوي مثناه وجمعه إلا ثلاثة أسماء صنو وصنوان وقنو وقنوان ورئد ورئدان بمعنى مثل قاله ابن خالويه، وحكى سيبويه شقد وشقدان وحش وحشان للبستان نقله في المزهر. قيل وجعل من النخل الخ مبتدأ وخبراً ليس كما ينبغي لأن المقصود تعديد آيات قدرة الله ولا يستقاد ذلك إلا بنسبة جعل القنوان إليه تعالى، وهذا التركيب لا يدل عليه وسيأتي جوابه في قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ ومن طلعها على البدلية بدل بعض من كل وقوله فعلان بالفتح ليس من أبنية الجمع بل من أبنية المفردات كقبان وهو شرط اسم الجمع كما قرّره النحاة، وقوله: قريبة الخ لما كانت النخل شاهقة أشار إلى تأويله وهو حقيقة فيهما لكنه اقتصر في الوجه الثاني على البعض لما ذكره ويحتمل أن المراد سهولة الوصول إلى ثمارها بالهز والسقوط مجازاً. قوله: الدلالتها الخ) الزمخشري جعلهما وجهين أي إما أن يقدر على طريق الاكتفاء كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨١] أو لا يقدر اقتصاراً على ما هو أوفر نعمة وكلام المصنف ﵀ يحتمله ويحتمل أنه جعلهما وجهاً واحداً وهو أقرب وأوجه. قوله: (عطف على نبات) النبات على ما قاله الراغب النابتات الخارجة من الأرض سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن كالنجم لكنه اختص في المتعارف بما لا ساق له بل اختص عند العامّة بما تأكله الحيوانات، وعليه قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ [سررة النبأ، الآية: ١٥] وجعله الواحدي على خضرا، وقال الطيبي: الأظهر أن يكون عطفا على حباً لأنّ قوله نبات كل شيء مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي كأنه قال: فأخرجنا بالنامي نبات كل شيء ينبت كل صنف من أصناف النامي، والنامي الحب والنوى وشبههما وقوله فأخرجنا منه خضراً الخ تفصيل لذلك النبات أي أخرجنا منه خضرا بسبب الماء فيكون بدلاً من فأخرجنا الأوّل بدل اشتمال ومن هاهنا يقع التفضيل فبعض يخرج منه السنابل ذات حبوب متكاثرة، وبعض يخرج منه ذات فنوان دانية، وبعض آخر جنات معروشات الخ وهذا مبنيّ على أن المراد بالنبات المعنى العاتم، وحينئذ لا يحسن عطفه عليه لأنه داخل فيه فالوجه ما ذكرنا فإن أريد ما لا ساق له تعين عطفه عليه لأنه داخل فيه وتعين أن يقدر لقوله من النخل فعل آخر وهو الذي اختاره المصنف ﵀، وما قيل إنه لم يجعله معطوفا على خضراً لا! الأشجار ليست كالخضراوات في الخروج من النبات لأن الخارج أولاً يكبر، ويصير شجر إلا أنه يخرج نبات، ثم يخرج منه شيء يصير شجرأ ولأن كثرة صنوف المسببات واقتنانها مع وحدة

стр. 1186

السبب وهو الماء أدخل في مقام بيان كمال القدرة والحكمة لكن هذين الوجهين على تقدير إوجاع الضمير قي منه إلى النبات، وأما إذا رجع! ! ى الماء كما جوّز فلا يتمشيان ليس بشيء لأنه ناشئ من الغفلة عن معنى ا! نبات لأنّ الشجر وأغصانه من النبات على الأوّل، ولأنه يفيد وحدة السببية لأنه تفصيل للمسبب سواء رجع الضمير إلى الماء أو إلى النبات، وهذا كله من قلة التدبر وقوله لكم إشارة إلى خبر مقدر وهو ظاهر. قوله: (ولا يجوز عطفه على قنوان (لما جوّز الزمخشرقي فيه وجهين هذا وما قبله رذ عليه المصنف ﵀ بما ذكره لأنه يؤول إلى أن يكون المعنى ومن النخيل جنات من أعناب وفساده ظاهر إلا أن يتكلف له ما لا حاجة إليه كما قال النحرير: وقد يجاب عنه بأنّ من أعناب صفة جنات وهي لما كانت معروشة تحت أشجار النخل جاز وصفها بكونها مخرجة من النخيل مجاز الكون هيئتها مدركة من خلالها كما يدرك القنوان، وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز أو بأن المراد أنه من عطف الجملة أي ومخرجة وحاصلة من الخضر، أو الكرم جنات من أعناب ففي قوله عطف على قنوان تجوّز لا حاجة إليه على هذا التقدير لجواز أن يعتبر جنات من أعناب عطفاً على قنوان وذلك المحذوف أعني من الخضر أو من الكرم عطفا على من النخل أي من نبات أعناب، يفي أنه على حذف المضاف لأنّ البستان لا يكون من العنب نفسه بل من النبات والأشجار انتهى، وقد يجاب عن الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من لا يقول به بأن الكلام على تقدير المضاف أي يخرج من أرض النخيل أو رياضها ونحوه، فلا يلزم ما ذكر، وقيل جنات مبتدأ ومن أعناب خبره ولا يلزم الابتداء بالنكرة من غير تخصيص لأن العطف على المخصص يكفي في التخصيص ذكره ابن مالك واستشهد عليه بقوله: عندي اصطباروشكوى عند قاتلتي فهل بأعجب من هذا امرؤسمعا وأورد على الوجه الأوّل أيضا أنه لا دلالة فيه على أنّ الأعناب والجنات من آثار القدرة ولا خفاء في أنه لا يختص بالوجه الأوّل ولا بالجنات والأعناب بل يجري في النخيل والقنوان، ويندفع باً نه مفوض إلى شهادة الذوق ودلالة المقام كما قرّره النحرير رذا على العلامة، ولك أن تقول أنّ قوله تعالى: ﴿نَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٧٩] إشارة إلى ذلك لأن معناه آيات دالة على أنه لا يقدر عليه غير الله تعالى وقوله نصب على الاختصاص أي بأخص ونحوه مقدرأ وقوله: (لعزة الخ (بيان لنكتة وجه تغيير الأسلوب لأنه اتفق على قراءة النصب وكان الظاهر الجرّ فعدل عنه لذلك وغير المصنف ﵀ ما في الكشاف فبدأ بقراءة النصب المتفق عليها، وأخر قراءة الأعمش المروية عن عاصم فإنها شاذة والجمهور على كسر تاء جنات عطفا على نبات كل شيء وجملة من النخل معترضة أو هو عطف على خضرا، وفي الرفع وجوه أحدها أنه مبتدأ خبره مقدر مقدما أو مؤخرا وثم وجنات أو ومن الكرم جنات، وهو أحسن بمقابلة من النخل أو ولهم أو ولكم جنات ومنهم من قدره وجنات من أعناب أخرجناها لكم، وهو معطوف على قنوان قال الزمخشرفي: من غير ملاحظة قيد من النخل، والمعنى جنات من أعناب وضعف بما ذكره المصنف وتوجيهه ما تقدم. قوله: (حال من الرمان الخ) منهم من جعله حالاً من الثاني لقربه وقدر مثله في الأوّل ومنهم من جعله حالاً من الأوّل لسبقه وتدر في الثاني ولا بد من تقدير والا كان المعنى جميعه متشابه، وجميعه غير متشابه وهو غير صحيح كما أشار إليه النحرير وقوله أو من الجميع أي بعض ذلك يعني الضمير راجع إلى الأمرين واقعا موقع اسم الإشارة وفي الكلام مضاف مقدر وهو بعض ومنهم من قال في تفسيره. إنه حال منهما بتأويل كل واحد أو الجميع، فإن قلت يأبى عن التأويل بكل واحد قوله بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه وأيضاً المتشابه يسند إلى المتعدد وكل واحد غير متعذد قلت المراد كل نوع، والنوع متعدد يحتمل التبعيض والمضاف محذوف اهـ وعذه بعض الناس سهواً لأنه ليس المراد تأويله بجميع بدليل تفسيره وليس بشيء لأنه لا فرق بين تأويل الضمير الراجع إليهما بذلك وتأويله نفسه بجميع فتأمّله وأشار بقوله متشابه الخ إلى ما في الكشاف إنّ افتعل وتفاعل هنا بمعنى كاستوى وتساوى وقوله:) في الهيئة، والقدر الخ) إشارة إلى ما وقع فيه

стр. 1187

التشابه وعدمه ويحتمل أنه لف ونشر فالهيئة ما به التشابه وغيره ما به عدمه. قوله: (أي ثمر كل واحد من ذلك (إشارة إلى أن الضمير راجع إلى جميع ما تقدم بتأويله باسم الإشارة، وأئا رجوعه إلى كل واحد منهما على سبيل البدل فبعيد لا نظير له في عدم تعيين مرجع الضمير، وذلك إما إشارة إلى الرنان والزيتون فيكون استخداما على إرجاعه إليه باعتبار الشجر، وقد سبق ذكره بمعنى الثمر أو إلى جميع ما تقدم ليشمل النخل وغيره مما يثمر فتأمّل. قوله: (إذا أخرج ثمره الخ) يشير إلى أنّ التقييد بقوله إذا أثمر للإشعار بأنه حينئذ ضعيف غير منتفع به فيقابل حال الينع، ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة، وعلى هذا لا يتم ما نقل عن الزمخشري في حواشيه أنه قال: فإن قلت هلا قيل إلى غض ثمره وينعه قلت في هذا الأسلوب فائدة، وهي أنّ الينع وقع معطوفا على الثمر على سنن الاختصار على طريقة جبريل وميكائيل للدلالة على أنّ الينع أولى من الغض فلذا لم يقل إلى غض ثمره وينعه، كذا في شروح الكشاف، وفي الكشف إنّ قوله كيف يخرجه ضئيلا يأبى هذه الحاشية ويجعلهما متقابلين، نعم لو قيل فيه استحضار للحال الأولى واراءة التباين بين الحالين بخلافه لو قيل غض الثمر وينعه ففيه تقابل محض لكان حسنا (أقول) قد وقع مثل هذا في سورة يوسف في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٤] فقال ثمة أخرهما ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص بيانا لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك واعترض عليه صاحب التقريب بأنّ أحد عشر كوكبا لا يتناول الشمس والقمر بخلاف الملائكة فإنها تتناول جبريل وميكائيل، وأجاب عنه بأن التناول غير لازم لأنّ إفادة المبالغة هنالك من حيث إنّ ظاهر العطف المغايرة فكان فيه تنبيه على أنهما من جنس وهاهنا أيضا كان يمكنه أن يقول ثلاثة عشر كوكباً فلما عطف دل على فرط اختصاص واهتمام بشأنهما لزيادة الفائدة والتشبيه باعتبار التأخير، واخراجهما من جن! الكواكب وجعلهما متغايرين بالعطف انتهى وهذا بعينه جار هنا لأنه لم يقتصر على ثمره وزاد الظرف فاقتضى ذلك تعينه فكيف غفلوا عنه مع التصريح به فيما سيأتي، وضئيل بمعنى صغير ضعيف وهو في وقت الإخراج كذلك. قوله: (وإلى حال نضجه) وفي نسخة وألى حال نضيجه بوزن فعيل قيل يشير إلى أنّ الينع إمّا مصدر أو صفة ويانعه بالجز عطف على الضنم، وقيل الأوّل إشارة إلى تقدير الوقت ليناسب إذا أثمروا الثاني إشارة إلى عدم لزومه، ولا يخفى أنه تأويل يحتاج إلى تأويل، لأنّ الزمان لا ينظر والحال ليس بمعنى الزمان بل بمعنى الصفة. قوله: (ولا يعوقه الخ الأنه لو كان له ضد، أو نذ لخالفه في بعض ما يريد هالا لم يكن ضدّاً ولا ندا فيلزم تخلف ما ذكر كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] . قوله: (أي الملاءلكة الخ) كلا الأمرين موجب للشريك أما الأوّل فظاهر وأما الثاني فلأنّ الولد كفؤ الوالد فيشاركه في صفات الألوهية، وتسمية الملائكة جنا استعارة وقد سبق في سورة البقرة عن المصنف ﵀ ما يقتضي أنّ الجن تشمل الملائكة حقيقة، وتوله: تحقيراً لشأنهم يعني عبدوا ما هو، كالجن في كونه مخلوقاً مستتراً عن الأعين، والمراد التحقير من حيث قام الشركة لا ازدراؤهم في أنفسهم. قوله: (او الشياطين الخ) فهو استعارة في جعلهم شركاء وعلى الوجه الذي بعده مجاز عقليّ. قوله: (والشيطان خالق الشرّ) وجمعه حينئذ لأنه مع أتباعه كأنهم معبودون كما قاله الإمام: قيل ولذلك غير قول الزمخشريّ إبليس إلى قوله والشيطان ليشمل أتباعه. قوله:) ومفعولاً جعلوا لله شركاء الخ) في الكشاف فائدة التقديم استعظام أن يتخذ دئه شريك من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو غير ذلك، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء، وفي الكشف إنه على الوجهين يعني جعل لله مستقرّا وغيره، وما ذكره في الإيضاح من رذ قول من جعل تقديم لله على تقدير الاستقرار للاهتمام معللا بأنّ الإنكار ناشئ من الجعل المتعلق بالمفعولين على السواء فلا فرق بين المتلوّ وعكسه مدفوع بأنّ ذلك لا ينافي كون مصب الإنكار أحد الجزأين، وملاحظة أصلهما، ولهذا جعل في المفتاح قوله لله شركاء تمهيداً لهذا، ثم إنه ناقض نفسه في ذلك حيث سلم أنّ تقديم شركاء على الجن على

стр. 1188

تقدير أن يكونا مفعولين لذلك (قلت) محصل ما في الإيضاح أن الفعل المتعذي إلى مفعولين لا اعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر فإذا قدّم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية، وقد أجابوا عنه بأنّ الاشتراك بين الشيئين في مطلق العناية والاهتمام لا ينافي كون أحدهما أهمّ من الآخر بسبب خارج ككون الله نصب عين المؤمن هنا مع أنه يناقض ما ذكره فيما مرّ من أنّ تقديم شركاء على الجن على القول بأنهما مفعولاً جعلوا لاستعظام أن يتخذ شريك من كان ملكا أو جنيا أو غيرهما، ويناقض أيضا ما ذكره في بحث تقديم بعض معمولات الفعل على بعض كتقديم المفعول الأوّل على الثاني في باب أعطيت وقد دفع التناقض المذكور بأن إنكار التعليل بالعلة الحاصلة على تقدير خاص لا ينافي صحة التعليل بعلة أخرى على تقدير آخر، ثم إنه رذ جعلها على الوجهين بأنه على الثاني فقط، وعلى تقدير الظرف لغواً سواء تعلقا بشركاء أو بجعلوا، وذلك لأن حق الظرف اللغو أن يتأخر عن المفعول، وأما على تقدير اللغوية وجعل لله شركاء مفعولي جعلوا فيكون تقديم الخبر الظرف على المبتدأ النكرة جاريا على الأصل غير معلل بالاهتمام والاستعظام، وأشار في شرح المفتاح الشريفي إلى أنّ تقديمه لأنه محز الإنكار ولأن المفعول الأوّل منكر يستحق التأخر فلا تنافي بين التنكير واعتبار التقديم لنكتة أخرى، ثم قال: إن السكاكيّ لم يرض! بما في الكشاف لأنّ المقصود الذي سيق له الكلام إنكار اتخاذ الشريك لله مطلقا جنيا كان أو غيره، واستفادة هذا المعنى من تقديم دلّه على الجن لا يخلو من ضعف لأنّ التقديم إنما يدل بحسب المقام على أنّ المقدم أدخل في الإنكار لا على أنّ المؤخر لا دخل له في الإنكار أصلا، ولا يخفى أنّ المقدم مصب الإنكار ومحزه كما قرّروه في أنه يجب أن يلي همزة الإنكار ليفيد ذلك فإذا قلت أفلسا أعطيته كان الإنكار لخسة الفلس لا للعطاء، وهذا مثله على أنا نقول هو بخصوصه لا دخل له في الإنكار بل باعتبار كونه شريكاً ثم إنّ السكاكي جعل سبب التقديم كون المقدم في نفسه نصب العين، وكون كل واحد من مفعولي جعل حاضراً في الذهن وقت الإنكار لا يقتضي كون كل واحد منهما في نفسه نصب العين باعتبار أمر آخر مقتض لتقديمه، والسكاكي قد صرّح بهذا القيد أعني في نفسه، والمعترض! غفل عنه وعن فائدته. قوله:) والجن بدل من شركاء (قيل الأولى أن ينصب بمحذوف جوابا عن سؤال، كأنه قيل من جعلوه شركاء فقيل الجن، وذلك لأنه لو كان بدلاً لكان التقدير وجعلوا لله الجن، وليس له كبير معنى، وأجيب بأنّ المبدل منه! يس في حكم الساقط بالكلية. قوله: (وقد علموا أن الله خالقهم (اختار كون الضمير راجعا إلى الجاعلين لئلا يلزم تشتت الضمائر لو ارجع إلى الجن، وان رجح بأن جعل المخلوق كالخالق أفحش من جعل من لا يخلق كمن يخلق، وبأن كونهم مخلوقين معلوم من قوله: ﴿وَالَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٩٨] وقدر قد لتصحيح لفظ الحال وعلموا لمعناه لأنه المقارن لجعلهم ولأنه المقتضى للإنكار فتأمل، وقوله: (دون الجن) نفي الخالقية عنهم على الثاني ظاهر، لأنّ الخالق لا يكون مخلوقا، وعلى الأوّل معلوم من إنكار تشريكهم المارّ، وقيل: إنّ الشيء الواحد لا يكون مخلوقا لخالقين، فقوله: وخلقهم في قوّة أن يقال دون الجن، ولا يضره جواز الاجتماع في الخلق بطريق الاشتراك لأنّ المراد بالخلق في قوله وخلقهم ما هو بالاستقلال ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقوله: (أي وجعلوا الخ) إشارة إلى أنّ هذا على تقدير أن لله شركاء مفعولاً جعل وهو ظاهر، وقيل إنه على هذا يكون جعل متعذياً إلى مفعول واحد وإنه كان عليه أن يذكره وليس بشيء، وقوله: أي زوروا في الكشاف والمزوّر محرّف مغير للحق إلى الباطل. قوله: (بنير علم) ذنم لهم بأنهم يقولون بمجرّد الرأي والهوى، وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جزم به وقام عليه الدليل، وقيل هو كناية عن نفي ما قالوا فإن ما لا أصل له لا يكون معلوما ولا يقام عليه دليل ولا حاجة إليه لأنّ نفيه معلوم من جعله اختلاقا وافتراء ومن قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وقوله: فقالت اليهود فيكون المراد بالبنين ما فوق الواحد أو أنّ من يجوّز الواحد يجوّز الجمع، وأفرد قوله شريكا أو ولداً لأنّ نفي الواحد يدلّ على نفي الجنس، ولأنه أليق بالتنزيه. قوله: (ثبت

стр. 1189

الغدر) الثبت بسكون الباء بمعنى ثابت، والغدر بفتحتين وغين معجمة ودال، وراء مهملتين المكان ذو الحجارة والشقوق، قال: في العين رجل ثبت الغدر إذا كان ثبتاً في قتال أو كلام وفي المجمل يقال للرجل والفرس ثبت في موضع الزلل، والإضافة فيه على معنى في ولما كان تعالى منزهاً عن المكان والحلول أوّله بقوله عديم النظير فيهما، ومعناه أنّ إبداعه لهما لا نظير له لأنهما أعظم المخلوقات الظاهرة فلا يرد عليه أنه لا يلزم من نفي النظير فيهما نفيه مطلقاً، ولا حاجة إلى تكلف أنه خارج مخرج الردّ على المشركين بحسب زعمهم أنه لا موجود خارج عنهما، وقوله: (وخبره أني الخ) وهو استفهام إنكاري في معنى الإخبار فلا حاجة إلى تقدير القول فيه. قوله: (اي من أين الخ) أني لها استعمالات أحدها بمعنى كيف الثاني بمعنى من أين وهي عبارة سيبويه، والفرق بين أين ومن أين أنّ أين سؤال عن مكان الشيء، ومن أين عن المكان الذي برز منه ووقع في عبارات بعضهم أنها بمعنى أين وهو تسمح كما في عروس الأفراج، وفي الكشف إنها بمعنى أين ومن مقدرة قبلها كما تقدر في الظروف وفيه نظر لأنه لو كان كذلك لجاز ظهورها، فيقال من أني ولم يسمع. قوله:) وقرئ بالياء للفصل (هي قراءة إبراهيم النخهص قال ابن جني تؤنث الأفعال لتأنيث فاعلها لأنهما يجريان مجرى كلمة واحدة لعدم استغناء كل عن صاحبه فإذا فصل جاز تذكيره وهو في باب كل أسهل لأنك! وحذفتها استقل ما بعدها وهو كلام حسن، وعلى الوجهين الأخيرين الجملة خبر، واعترض على الوجه الأخير بأنه إذا كان العمدة في المفسر مؤنثا فالمقدر ضمير القصة لا ضمير الشأن، وليس بوارد لعدم لزومه وإن ظنه كثير لازماً وقد نبه على خطئه في شرح التسهيل. قوله:) وإنما لم يقل به (أي لم يقل عليم به لتقدّم كل شيء لأنّ الأوّل مخصوص بغير ذاته وصفاته، والثاني عامّ لعلمه بهما وبغيرهما، وهذا لا يخالف ما ذكره في سورة البقرة. قوله: (١ لأوّل الخ (قزره في الكشاف هكذا إنه مبتدع السماوات والأرض وهي أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف بالولادة لأنّ الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون والدا، وهذا عندي أحسن من تقرير المصنف ﵀ لما فيه من الخلل لأنّ كون السماوات من جنس ما يوصف بالولادة لا يقتضي تصوّره في نوعها أو إفرادها لأن التوالد لا يكون فيما لا روج له فكيف يقال إن تبرّأها عن ذلك لاستمرارها، وطول مدتها والولد إنما يطلب للبقاء ببقاء النوع، وهي غير محتاجة إلى ذلك فالله جل وعلا أولى به وكأن القاضي غرّه قوله لا يستقيم الخ وظنه صفة أجسام، وليس كذلك بل ضمير أنه للشأن ومبتدع مبتدأ، ولا يستقيم الخ خبره فاعرفه فإن من لم يهتد له قال تقرير المصنف ﵀: أولى لكونه بطريق برهانيّ من تقرير الزمخشرفي، وقوله المعقول بمعنى المتصوّر في العقول فلا حاجة إلى أنه بناء على الأكثر وإنه لا حاجة إلى الكلية لأنّ الكلام في ولد الوالد وهو يستدعي الزوجة، وقرّره بوجه آخر في البقرة وهو أن الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال ماذته منه وهو تعالى مبتدع الأشياء كلها فاعل على الإطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والداً انتهى، وهي متقاربة المعاني، والفرق بينهما يعلم مما بعدهما إنه قال هناك: ﴿اقَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧ ا] وهنا أني يكون له ولد فتدبر. قوله:) الثالث أنّ الولد الخ) الدليل الأوّل من قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١٧] والثاني من قوله ولم تكن له صاحبة والثالث من قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والزمخشريّ قرّره هكذا إنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان غنيا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج قال النحرير: الظاهر أنّ العلم بكل شيء وجه مستقل فتكون الوجوه أربعة إلا أنه أدرجه وجعله مع خلق كل شيء وجها واحداً لأنّ المعنى إنما يتحقق بالإيجاد الاختياري، وذلك بالعلم ولأنه ربما يناقثى في لزوم كون الولد كالوالد في العلم بكل شيء، وقيل: إن المصنف ﵀ جعلهما وجهاً واحداً لمدارهما على معنى واحد وهو الكفاءة وان هذه المناقشة ترذ على الزمخشري لا على المصنف لتقييده العلم بقوله لذاته، وفيه أنه لا يجدي نفعأ لأنّ المساواة في العلم ذاتيا أو غيره لا تلزم في الكفاءة، ولذا قيل في كلام المصنف مناقشة ظاهرة لأن التفاوت في العلم بل في سائر الكمالات لا ينافي الكفاءة فكثيراً ما يلد العالم النحرير والمؤمن ضده، وهذه أدلة إقناعية لا تليق

стр. 1190

المناقشة في مقدماتها. قوله: (إشارة إلى الموصوف الخ الأن اسم الإشارة كإعادة الموصوف بصفاته المذكورة كما مرّ تحقيقه، وقوله: ويجوز الخ يعني يجوز أن يكون الله بدلاً من اسم الإشارة وربكم صفته وما بعده خبر، ولا يجوز في الله أن يكون صفة فإن أراد مع ما بعده لا يصح أيضا لأنه جملة والجمل لا يوصف بها إلا النكرات أو المعرّف بأل الجنسية، وهذا ليس كذلك وكذا خالق كل شيء يصح أن يكون بدلاً من الضمير وذكر فيما سبق للاستدلال على نفي الولد وهنا لإثبات استحقاق العبادة فلا تكرار، واليه يشير كلام المصنف رحمه الله تعالى وقد غفل عنه بعضهم مع ظهوره وأفاد بعص المتأخرين هنا إنه قيل هنا ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وفي سورة المؤمن: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [سررة غافر، الآية: ٦٢] فإن قيل لم قدم هاهنا قوله: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ على قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وعكس في سورة المؤمن قلنا لأنّ هذه الآية جاءت بعد قوله: ﴿جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء﴾ الخ فلما قال: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أتى بعده بما يدفع الشركة فقال: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ثم قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهناك جاء بعد قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر، الآية: ٥٧] فكان الكلام على تثبيت خلق الناس وتقريره لا على نفي الشريك عته كما كان في الآية الأولى فكان تقديم خالق كل شيء هناك أولى، وقيل معناه يجوز أن يكون البعض بدلاً من اسم الإشارة لأنّ العلم أخص من اسم الإشارة عند الجمهور فلا يجوز أن يكون صفة له لأن الموصوف لا بد أن يكون أخص أو مساوياً كما حقق في النحو، وأما كونه صفة فقيل إنه على مذهب ابن السرّاج فإنه ذهب إلى أن أعرف المعارف اسم الإشارة ثم المضمر ثم العلم ثم ذو اللام، ويحتمل أن يكون الله صفة ذلكم على ما مرّ من أنه صفة، وقد مز ما فيه. قوله: (حكم مسبب عن مضمونها الخ) قيل العبادة المأمور بها هي نهاية الخضوع وهي لا تتأتى مع الشريك فلذا استغنى عن أن يقال فلا تعبدوا إلا إياه وذكره غيره من المحشين، وقال إنه من سوانح الوقت وهذا يقدج فيما ذكروه من أنّ تقديم المفعول في إياك نعبد يعتمد الاختصاص إذ على هذا يفهم من مجرّد العبادة ولا حاجة فيه إلى تقديم المفعول، ويرذه أن مفهوم العبادة لا يقتضي الاختصاص! إلا من الدليل الخارجيّ على أن إفادة الحصر بوجهين لا مانع منه كما في لله الحمد فإن التقديم ولام الاختصاص يدلان عليه، وكذا التقديم مع التصريح بأداته كما صرّحوا به. قوله: (فكلوها إليه الخ) الأمر بإيكالهم إليه لازم لمفهوم هذه لأنه إذا تولى جميع الأمور لزم أن لا يوكل إلى غيره ممن لا يتولاها، والتوسل بالعبادة مأخوذ من جعل وهو على كل شيء وكيل حالاً وقيدا للعبادة كما يشهد له الذوق، فما قيل إنه يريد أن فائدة الإخبار بكونه على كل شيء وكيل ذاك لا أنه يفهم ذلك من الوكيل ناشئ من عدم التحقيق، وكذا تفريعه على الرقيب بالمجازاة إشارة إلى أنه كناية عن المجازاة ثم لما وصفه بأنه رقيب عليهم عقبه بقوله لا تدركه الأبصار إشارة إلى أنّ مراقبته ليست كمراقبة غيره، لأن المراقبة تستلزم النظر إليه بحسب الظاهر المتوهم. قوله: (وهي حاسة النظر) المراد بالحاسة القوّة ولذا أنث وتأنيث هي مراعاة للخبر. قوله: (واستدل به المعتزلة الخ) فسر بعضهم الإحاطة بإدراك ذاته وجميع صفاته وفسرها بعضهم بإدراكه بالكنه، وأورد عليه أنه كما لا يدرك كنهه بالبصر لا يدرك بالعقل أيضا فالتخصيص بالأبصار يقتضي تفاوتا بينها وبين العقول مع أنّ الأبصار لا تدرك كنه غيره أيضا وبأنّ التخصيص خلاف الظاهر، ومقتضى المدح الامتناع والأقرب شيء يمكن أن يبصر ولا يبصر لمانع فالحق في الجواب كما دلت عليه الأحاديث أنه لا يرى بأعمال الحاسة إنما يرى بقوّة يخلقها بمحض قدرته في العبد ثم إنهم تمسكوا بالآية تارة على الامتناع، لأنّ ما يمدح بعدمه يكون وجوده نقصاً يجب تنزيه الله عنه وتارة على عدم الوقوع، والمصنف ﵀ اقتصر على إيراد الأوّل وأجاب بما يبطل عدم الوقوع لأنه يلزم منه إبطال الامتناع، وقوله ليس الإدراك مطلق الرؤية بل على وجه الإحاطة كما أشار إليه أوّلاً، وتوله: (ولا النفي في الآية عامّاً (لأنّ القضية مطلقة لم تقيد بكلية ولا دوام، ولما كان عموم الأوقات وعموم الأحوال متلازمين لم نجعلهما جوابين. قوله:) فإنه في قوّة قولنا لا كل بصر الخ (يعني الألف واللام للاستغراق

стр. 1191

والنفي لسلب العموم واحتمال الثاني لا يضرنا لأنه يكفي الاحتمال الأوّل في إبطال الاستدلال، ثم تنزل عن منع الكلية فقال مع أن النفي لا يوجب الامتناع، وقيل عليه لا يخفى إنّ حديث التمذج يدفعه (قلت أليس هذا بمسلم عندنا، وكيف يتمذح بنفي ما أثبته الكتاب والسنة بل إنما ذكر للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر كما أشار إليه الطيبي، وقد روي في تفسير الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة. قوله: (يحيط علمه بها) قيل الأنسب بالمقام إنه علم بطريق الرؤية، ويجوز تعميمه أيضأ. قوله: (فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار (فهذه الجملة سيقت لوصفه تعالى بما تضمن تعليل قوله وهو يدرك الأبصار فقط على هذا الوجه، ثم إنّ المراد بالإبصار هنا النور الذي يدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم العين فإنه يرى، أو يقال المراد أنّ كل عين لا ترى نفسها ووقع في نسخة بدل كالإبصار بالإبصار على صيغة المصدر. توله: (ويجوز أن يكون من باب اللف الخ) فإنّ اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالفتح والخبير يناسب كونه مدركا بالكسر، وبقوله فيكون اللطيف مستعاراً من مقابل الكثيف فشبه به الخفيّ من الإدراك اندفع ما قيل إنّ المناسب لعدم الإدراك اللطيف المشتق من اللطافة وهو ليس بمراد هنا، وأما اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة فلا يظهر له مناسبة هنا، وفي شرح الأسماء الحسنى لمحمد البهائيّ اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والآخرة، وان تعذوا نعمة الله لا تحصوها، والله لطيف بعباده يرزق من يشاء، هيأ مصالح الناس من حيث لا يشعرون وأخفى لهم لطفه من حيث لا يعلمون، وقيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف، ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكنافة، وهو وان كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم، لأن الجسمية يلزمها الكنافة وإنما لطافتها بالإضافة فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن إدراك البصائر فضلاً عن الإبصار ويعز عن شعور الإسرار فضلا عن الأفكار، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والإشكال، فانّ كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق، بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف بالنسبة إليه بالكنافة انتهى. وهذا يقتضي أنه حقيقة فيه تعالى فتأمّله، والخبير للمبالغة فيه يكون علة، والمقام وان اقتضى ترك العطف لكن المقصود به إثبات هذه الأوصاف والتعليل الذي أشار إليه المصنف ﵀ ضمنيّ، وقوله لما لا يدرك بالحاسة أي ليس شأنه ذلك فلا يقال إذا كان اللطيف بمعنى ما لا تدركه الأبصار كيف يعلل الشيء بنفسه فلا يرد هذا كما توهم، وقوله: ولا ينطبع فيها أي لا ينطبع ويرتسم مثاله فيها وإلا فالشيء نفسه لا ينطبع ففيه تسمح، وهذا أحد المذاهب في كيفية الرؤية وتحقيقه في كتب الحكمة والكلام، وقوله: (وهي للنفس الخ) المعروف إنها للقلب كالبصر للعين، وقوله: (تجلى) بمعنى تظهر وتكشف، وقوله: (الدلالة) فجمعه باعتبار أنواعه وقيل المراد آيات القرآن. قوله: (فلنفسه أبصر) قدره غيره فلنفسه الإبصار، وقدّره أبو حيان فيهما بقوله فالإبصار لنفسه أي نفعه وثمرته، ومن عمى فعليها أي فالعمى عليها أي فجدوى العمى عائد على نفسه، والإبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال، قال: وهذا الذي قدرناه من المصدر وهو الإبصار والعمى أولى لوجهين أحدهما أنّ المحذوف يكون مفرداً لا جملة ويكون الجارّ والمجرور عمدة لا فضلة، وفي تقدير غيره المحذوف جملة والجارّ والمجرور فضلة ولأنه لو كان المقدر فعلا لم تدخله الفاء سواء أكانت شرطية أو موصولة مشبهة بالشرط لأنّ الفعل الماضي إذا لم يكن دعاء ولا جامداً، ووقع جواب شرط أو خبر مبتدأ مشبه باسم الشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط، ولا في خبر المبتدأ لو قلت من جاءني فأكرمته لم يجز بخلاف تقديرنا، وهو غير وارد، لأنه ليس كالمثال الذي ذكره بل مثاله من جاءني، فلا كرامة جاء إذ تقدم فيه الجارّ والمجرور لإفادة الحصر والجاز والمجرور إذا تقدم على الماضي جاز اقترانه بالفاء، بل قيل: إنها لازمة له كما صرّح به النحرير، والمعرب السفاقسي، ففي هذه المسالة ثلاثة مذاهب المنع، وهو مختار أبي حيان والجواز

стр. 1192

واللزوم وهو مختار غيره، وفي الدرّ المصون أنّ هذا التقدير سبق الزمخشري إليه غيره من السلف كالكلبي وقوله: فعليها وباله لم يقدر فعليها عمى كما قدره الزمخشري لأنّ عمى لم يعهد تعديه بعلى بخلاف ما قدّره فإنه لا يحتاج إلى تكلف تأويل، وقيل إنه قدّر في إحداهما الفعل وفي الأخرى الاسم إشارة إلى جواز كل من المسلكين، والمراد بالعمى والبصر الهدى والضلال كما أشار إليه المصنف ﵀، ومن هذا عرفت أنّ الظرف المقدر متعلقه فعلاً يقع جواب الشرط مع الفاء أو بدونها كما يؤخذ من كلام الزجاج، وقد ردّه في المغني وليس بصواب كما ستراه. قوله: (والله هو الحفيظ (الحصر مستفاد من تقديم المسند إليه على ما عرف من مذهب الزمخشري من عدم اشتراط الخير الفعلي، وقوله وهذا الخ يعني قد جاءكم بصائر إلى هنا كما صرّح به في الكشاف لا قوله: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ فقط كما قيل وعلى هذا فقل مقدرة كما صرّح به شراح الكشاف، وأمّا ما قيل الورود على لسانه لا يقتضي هذا التقدير، فإنّ منشئ القصيدة على لسان غيره لا يضمر القول فتخيل فاسد، وإنما نظيره ما إذا وصف متكلم نفسه، ثم ذكر ما لا يصح إسناده إليه فإنه لا بد من تقدير الحكاية والا فسد كلامه، واختل نظامه، وقوله مثل ذلك قد مز شرحه. قوله:) وليقولوا الخ) قدر صرفنا ماضياً والزمخشرفي قدره مضارعا متأخرا قيل لقصد التخصيص، وفيه نظر واللام لام العاقبة وهي مجاز منقول من التعليل ولذا عطف عليه الغرض وجوّز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره لأنّ نزول الآيات لا ضلال الأشقياء وهداية السعداء، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦] وبجوز أن يكون التقدير لينكروا وليقولوا الخ، وقيل هذه اللام للأمر ويؤيده إنه قرئ بسكونها كأنه قيل، وكذلك نصرّف الآيات وليقولوا هم ما يقولون، فإنهم لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم، وفي الدرّ المصون فيه نظر لأنّ المعنى على ما قالوه وأيضا فإنّ قوله ولنبينه نص في أنّ اللام لام كي، وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة فلا دليل فيها لاحت! مال إنها خففت لإجرائها مجرى كبد، وكونها معترضة ولنبينه متعلق بمقدر معطوف على ما قبله وان صححه لا يخرجه عن كونه خلاف الظاهر، وعبارة الزمخشرفي هنا، وليقولوا جوابه محذوف تقديره وليقولوا درست نصرّفها، ومراده بالجواب المتعلق، وهو اصطلاج منه وقع في مواضمع من كتابه قال المعرب سماه جوابا لأنه يقع جوابا للسائل الذي يقول أين متعلق هذا الجارّ، فلا يرد عليه ما قاله أبو حيان، ولكونه خلاف الظاهر عدل عنه المصنف ﵀. قوله: (درست من الدروس الخ) فيه قرا آت ثلاث متواترة وما عداها شاذة فقرأ ابن عامر درست كضربت، وابن كثير وأبو عمرو دارست كقاتلت، والباقون درست أنت كضربت، ومعنى الأولى قدمت وتكرّرت على الإسماع كقوله: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٥] ومعنى الثانية دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية، كقوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠٣] الآية ومعنى الثا اصة حفظت، واتقنت بالدرس أخبار من مضى كقوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: هـ، وقرئ في الشواذ درست ماضياً مجهولاً، وفسرت بتليت وعفيت أي الآيات، واعترض! على الثاني بأنّ درس بمعنى انمحى لازم لم يعرف متعديا في اللغة والاستعمال، ورذ بأنه ورد متعديا قال الزبيدي درس الشيء يدرس دروسا عفا ودرسته الريح، وقال النحرير: جاء درس لازما ومتعدياً لمعنيين وقرئ دزست مشددا معلوما وتشديده للتكثير أو للتعدية والتقدير درست غيرك الكتب، وقرئ مشدداً مجهولاً، وقرئ دورست على مجهول فاعل، ودارست بالتأنيث والضمير للآيات أو للجماعة، وقرئ درست بضم الراء والإسناد للآيات مبالغة في محره أو تلاوته لأنّ فعل المضموم للطبائع والغرائز، وقرأ أبيّ ﵁ درس وفاعله ضمير النبيّ ع! ي! أو الكتاب إن كان بمعنى انمحى ودرسن بنون الإناث مخففا ومشدداً، وقرئ دارسات بمعنى قديمات أو بمعنى ذات درس أو دروس كعيشة راضية وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي دارسات، وقراءة المفاعلة إمّا على أنه بمعنى أصل الفعل، أو تأويله بما مرّ تحققه في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٩] . قوله: (اللام على أصله (قال الشريف قدس سرّه: أفعاله تعالى

стр. 1193

يتفرّع عليها حكم ومصالح متقنة هي ثمراتها وان لم تكن عللا غائية لها حيث لولاها لم يقدم الفاعل عليها ومن أهل السنة من وافق المعتزلة في التعليل، والغرض الراجع منفعته إلى العباد، وادّعى أنه مذهب الفقهاء والمحدثين، إذا عرفت هذا فاعلم أن حقيقة التعليل عند أهل السنة بيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل، وأما تفسيره بالباعث الذي لولاه لم يقدم الفاعل على الفعل أو عدم اشتراط ذلك فهو من تحقيقات المتكلمين لا تعلق له باللغة، وأما عند أهل اللغة فهو حقيقة في ذلك مطلقا، والفرق بينها وبين لام العاقبة أنّ لام العاقبة ما تدخل على ما يترتب على الفعل، ويى! مصلحة، وهل يشترط فيها أن يظنه المتكلم غير مترتب أم لا حتى يكون في كلامه تعالى من غير حكاية أم لا فيه خلاف تقدم شرحه فما قيل أنّ اللامات الداخلة على فوائد أفعاله المسماة بالحكم والمصالح استعارات تبعية فلا تكون اللام فيها على أصلها إلا على رأي من يجوّز أن تكون أفعاله معللة بالاغراض، ولا يقول به المصنف ﵀ مردود بما سمعت آنفا، وقوله باعتبار المعنى يعني التأويل بالكتاب أو القرآن، والمراد بالمصدر التبيين أو التصريف كما قيل فهو مفعول مطلق على الأوّل، وقوله: (فإنهم المنتفعون به (بيان لوجه تخصيصهم بذلك لجعل ما سواهم كالعدم، وجعل الجملة المعترضة بين المعطوف والمعطوف عليه تفيد تقوية الكلام صرّح به الزمخشري في مواضع من كتابه فلا عبرة بمن أنكره، وقوله أكد به إيجاب الاتباع لأنّ من هذا وصفه يجب اتباعه. قوله: (أو حال مؤكدة) فسم ابن مالك في التسهيل الحال المؤكدة إلى مؤكدة لعاملها نحو ولي مدبرا ولا تعثوا في الأرض مفسدين، ومؤكدة لغيره في بيان فخر أو يقين أو تعظيم ونحوه ويجب أن يتقدّم عليها جملة اسمية، ويحذف عاملها وجوبا فمن قال وكونها واقعة بعد الجملة الاسمية شرط لوجوب حذف عاملها لا لصحتها لقوله: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٠] فقد خلط بين معنيي الحال وقسميها ومعنى لا تحتفل لا تعتد وتبال وقوله ولا تلتفت تفسير له، وأوّله بهذا لأنه لا بد له من التبليغ والقتال إلا أن يكون قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بالآية السيف في سورة براءة فيكون حينئذ على عمومه، وقوله وهو دليل الخ ردّ على المعتزلة كما مرّ، والزمخشرفي فسره بمشيئة إكراه وفسر لأنّ عندهم مشيئة الاختيار حاصلة البتة قال النحرير: وهذه عكازته في دفع مذهب أهل السنة من أنّ الله تعالى لم يثأ إيمان الكافر ولا طاعة العاصي تمسكا بأمثال هذه الآيات. قوله: (أي ولا تذكروا آلهتهم الخ) هذا إمّا لأنّ الذين يدعون عبارة عن الآلهة والعائد مقدر، والتعبير بالذين على زعمهم أنهم من أولى العلم أو بناء على أنّ سب آلهتهم سبّ لهم كما يقال ضرب الدابة صفع لراكبها، أو على تغليب العقلاء منهم كالمسيح ﷺ وعزير، ثم إنه في الكشاف ذكر في سبب النزول وجهين (١ (الأوّل إنهم قالوا عند نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٩٨] لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك، والثاني إن المسلمين كانوا يسبون آلهتهم فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله تعالى، وأورد على الأوّل أن وصف اكهتهم بأنها حصب جهنم وبأنها لا تضرّ ولا تنفع سبّ لها فكيف نهى عنه بقوله: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ﴾ الخ. وأجيب بأنهم إذا قصدوا بالتلاوة سبهم وغيظهم يستقيم النهي عنها، ولا بدع فيه كما ينهى عن التلاوة في المواضمع المكروهة، أو معناه لا يقع السب منكم بناء على ما ورد في الآية فيصير سبباً لسبهم، وقيل السب ذكر المساوي لمجرّد التحقير والإهانة، وذلك إنما ورد للاستدلال على عدم صلوحها للألوهية والمعبودية ومثله لا يسمى سبا، وفيه نظر وقيل عليه إنّ سبب النزول على إحدى الروايتين وصفه لها بأنها حصب جهنم فكيف لا يكون ذلك سبا فالجواب أن يقال النهي عن السب في الحقيقة إنما هو عن إظهاره، فإنه المؤذي إلى سب الله فتأمّل. قوله: (أو لنهجونّ إلهك) فإن قيل إنهم كانوا يقرّون بالله وعظمته وإنّ آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء عنده فكيف يسبونه، قلنا لا يفعلون ذلك صريحاً بل يفضي كلامهم إلى ذلك كشتمهم له ولمن يأمره بذلك مثلا، وقد فسر بغير علم بهذا، وهو حسن جذا أو أنّ الغيظ والغضب ربما حملهم على سب الله صريحا ألا ترى المسلم قد تحمله شدّة غضبه على التكلم بالكفر وعدوا كضربا وعدوا كعتوّاً وعداء كعزاء، وعدواناً كسبحان مصدر

стр. 1194

عدا عليه بمعنى تعدى وتجاوز وهو مفعول مطلق لتسبوا من معناه لأنّ ال! سب عدوان أو مفعول له أو حال مؤكدة مثل بغير علم، وقرأ ابن كثير في رواية عنه عذوا بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو على أنه حال. قوله: (وفيه دليل الخ) يعني إذا أذت إلى معصية راجحة على معصية ترك الطاعة وكانت سببا لها بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها وكثيرا ما يشتبهان، ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء، وخالفه الحسن للفرق بينهما كما في الكشاف، وقد علم مما مرّ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أسورة الأنعام، الآية: ٦٨] ما هو الصحيح عند فقهائنا، كما أفاده شيخنا المقدسي في الرمز من أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع والا صبر، وهذا إذا لم يكن مقتدى به والا فلا يقعد لأنّ فيه شين الدين، وما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه ابتلى به كان قبل صيرورته إماما يقتدى به، وقال الإمام أبو منصور كيف نهانا الله عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قتلونا وقتل المؤمن بغير حق منكر وكذا أمر النبيّ لمجز بالتبليغ والتلاوة عليهم وان كان يكذبونه وأجاب بأنّ سب الآلهة مباج غير مفروض! ، وقتالهم فرض وكذا التبليغ وما كان مباحاً نهى عما يتولد منه ويحدث وما كان فرضا لا ينهي عما يتولد منه، وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمن قطع يد قاطع قصاصاً فمات منه فانه يضمن الدية لأنّ استيفاء حقه مباج، فأخذ بالمتولد منه، والإمام إذا قطع يد السارق فمات لا يضمن، لأنه فرض! عليه فلم يؤخذ بالمتولد منه انتهى، ومنه تعلم أنّ قوله الطاعة ليس على إطلاقه. قوله:) من الخير والشر الخ) وقوله في الكشاف مثل ذلك التزيين زينا لكل أمّة من أمم الكفار سوء عملهم أي خليناهم، وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، أو زيناه في زعمهم، وقولهم إنّ الله تعالى أمرنا بهذا وزينه لنا، يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى زين للكافرين الكفر وعملهم القبيح، وتزيين القبيح قبيح، والله متعال عنه على أصول المعتزلة، فلذا أوّل الآية بوجوده رجح منها الوص! الثاني لمناسبته لوصف ايمفرة قبله، والمصنف رحمه الله تعالى ذكر وجها آخر وترك ما ذكره لعدم الحاجة إليه عندنا ولم يجعل التشبيه فيه من قبيل ضربته كذلك لخفائه قيل: ولأنه يأباه قوله لكل أثة، وفيه نظر والمشبه بالنصب عطف على اسم أن ويجوز رفعه. قوله:) مصدر في موقع الحال) أو حال مؤوّل باسم الفاعل أو منصوب بنزع الخافض أي أقسموا بجهد أيمانهم أي أوكدها، وقد مرّ الكلام عليه في المائدة والتحكم إظهار الحكومة وتكلفها باقتراج الآيات. قوله: الئن جاءتهم آية الخ (كإنزال الملائكة وغير ذلك، وفيه إشارة إلى أن ما جاءهم ليس بآية عندهم كما يدلّ عليه، وقوله:) واستحقار (فلا حاجة إلى التقييد بقوله من مقترحاتهم إلا أن يكون لبيان الواقع. قوله:) وليس شيء منها بقدرتي الخ) في الكشاف إنما الآيات عند الله وهو قادر عليها، ولكنه لا ينزلها إلا على موجب الحكمة أو إنما الآيات عند الله لا عندي فكيف أجيبكم إليها وآتيكم بها، والمصنف ﵀ أشار إلى أن العندية بمعنى كونها مقدورة له تعالى، والمقصود من الحصر نفي القدرة عن نفسه ليبين أنه لا يمكنه أن يجيبهم بها، وزاد الزمخشري وجهاً آخر، وهو أن المراد أنّ الآيات منحصرة في المقدورية لا تتعداها إلى النزول بغير حكمة قيل: ولم يلتفت إليه المصنف لما قال النحرير إق فائدة الحصر يعني فكيف أجيبكم الخ لا تظهر على هذا الوجه ويمكن أن تظهر بأنه لا حكمة فيما يطلبونه فلا يمكن أن يجيبهم به، ويمكن أن يقال إن المصنف رأى تقارب الوجهين فجعلهما وجها واحداً وقد جنح إلى هذا من قال العندية من حيث القدرة، ومن حيثية الإتيان بالمشيئة إن اقتضته الحكمة، وقوله:) أنّ الآية المقترحة) إشارة إلى أنّ الضمير راجع للآية لا للآيات لأن عدم إيمانهم عند مجيء ما اتترحوه أبلغ في توبيخهم قيل ولو جعل الضمير للآيات لكان فيه مزيد مبالغة في بعدهم عن الإيمان وبلوغهم في العناد غاية الإمكان، ولا يخفى ما فيه إلا أن يلاحظ أنه باعتبار شمولها للمقترحة وغيرها فتأفل. قوله:) وما يدريكم (استفهام إنكار وهو في المعنى نفي وفي بعض الحواشي، ما استفهامية لا نافية والا يبقى

стр. 1195

الفعل بلا فاعل، وفي الدر المصون قيل فاعله ضمير الله أي وما يشعركم الله إنها إذا جاءت الآيات المقترحة لا يؤمنون وهو تكلف بعيد، وقال السفاقسي: إنه كير مستقيم لأن الله أعلمهم بأنهم لا يؤمنون، إلا أن تجعل لا زائدة. قوله: (أنكر السبب مبالغة في نفي المسبب الخ (إشارة إلى جواب ما يقال إنك إذا قيل لك أكرم زيداً يكافئك قلت في إنكاره ما أدراك أني إذا أكرمته يكافئني فإن قيل لا تكرمه، فإنه لا يكافئك قلت في إنكاره ما أدراك إنه لا يكافئني تريد وأنا أعلم منه المكافأة فمقتضى حسن ظن المؤمنين بهؤلاء المعاندين أن يقال وما يدريكم إنها إذا جاءت يؤمنون غائبات لا بعكس المعنى إلى أن المعلوم لك الثبوت وأنت تنكر على من نفى كذا قرّره شراح الكشاف، فلذا حمله بعضهم على زيادة لا، وبعضهم على ا! أن بمعنى لعل وبعضهم على أنها جواب قسم بناء على أن أنّ في جواب القسم يجوز فتحها، والزمخشري وتبعه المصنف أبقى الكلام على ظاهره فقيل في المثال المذكور إنك إذا علمت أنه لا يكافئ وأشير عليك بإكرامه لظن المشير المكافأة فلك حينئذ معه حالتان، حالة أن تنكر عليه اذعاء العلم بما تعلم خلافه، وحالة أن تعذره لعدم علمه بما أحطت به ففي الحالة الأولى تقول ما يدريك أنه يكافئ، وفي الثانية تقول ما يدريك أنه لا يكافئ أي من أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم المكافأة، وكذلك الآية لإقامة عذر المؤمنين كما يدل عليه ما بعده، وايضاحه كما قيل إنه استفهام في معنى النفي، والإخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم والمعنى إنّ الآيات عند الله ينزلها بحسب المصالح وقد علم إنهم لا يؤمنون ولا ينجع ذلك فيهم وأنتم لا تدرون ما في الواقع من علمه تعالى فلذا توقعتم إيمانهم، والاستفهام الإنكاري له معنيان فالإنكار، إن كان بمعنى لم يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون وبمعنى لا يقال لا يؤمنون والمراد الثاني بدليل ما بعده، وفي الكشف إنه في الثاني منكر عليهم الاقتراح وهو القول من كير علم وبمعنى ما لا يعرت حقيقته، وهو أبلغ وإن كان الثاني أوضح وأقرب ومنه يعلم أنه يجوز أن يكون الإنكار بمعنى لم أيضا فقوله أنكر السبب أي الإشعار مبالغة في نفي المسبب أي الشعور، وليس معناه أنه أنكر الدراية بهذا العلم وأريد إنكاره إظهار الحرص أي أنتم لا تدرون كما قيل فالمعنى لا تدرون أنهم يؤمنون، وفي نفي المسبب بهذا الطريق مبالغة ليست في نفيها بدونها لأنّ في الكناية إثبات الشيء ببينة وفيه تعريض بأن الله عالم بعدم إيمانهم على تقدير مجيء الآية المقترحة لهم، وتنبيه على أنه تعالى لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون فعدم الإنزال لعدم الإيمان. قوله: (أن بمعنى لعل) هذا قول الخليل ﵀، ويؤيده أن يشعركم ويدريكم بمعنى، وكثيرا ما تأتي لعل بعد فعل الدراية نحو وما يدريك لعله يزكي، وأن في مصحف أبيّ ﵁ وما أدراك لعلها، وقوله كأنه قال وما يشعركم ما يكون منهم إشارة إلى أن مفعوله محذوف على هذين الوجهين وهو يتعدى إلى مفعولين. قوله: (ثم أخبرهم الخ) ظاهره أنه إخبار ابتدائيّ وجعله ابن الحاجب جواب سؤال، وفي الكشف كأنه قيل لم وبخوا فقيل لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، ولك أن تبنيه على قوله وما يشعركم فإنه أبرز في معرض المحتمل كأنه سأل عنه سؤال شاك ثم علل بقوله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون جزما بالطرف المخالف، وبياناً لكون الاستفهام غير جار على الحقيقة، وفيه إنكار لتصديق المؤمنين على وجه يتضمن إنكار صدق المشركين في المقسم عليه وهذا نوع من السحر البياني لطيف المسلك، وعلى كونه خطاباً للمؤمنين لا يكون داخلا في حيز قل إلا بأن يقدر قل للكافرين إنما الآيات عند الله وللمؤمنين وما يدريكم، وهو تكلف لا داعي إليه، وعلى كونه خطابأ للمشركين يدخل تحته ويكون فيه التفات. قوله: (وقرئ وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم الخ (في الكشاف أي يحلفون بأنهم يؤمنون عند مجيئها وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينثذ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات مطبوعا عليها فلا يؤمنوا بها اهـ، والضمير للكفار كما يدل عليه قوله على حلفهم أي إنكار لما حلفوا عليه والقراءة حينئذ إمّا بالفتح أو بالكسر، ويجري فيه ما مز فنزل عليه كلام الشيخين، وتقدم أنّ يشعركم وينصركم ونحوه قرئ بضم خالص وسكون واختلاس. تنبيه: قراءة كسر إنّ وجهها الخليل وغيره بأنها استئناف إخبار بعدم إيمان طبع على قلبه، وضعف الفتح بأنه يصير عذراً
следующие страницы →