Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
والنفي لسلب العموم واحتمال الثاني لا يضرنا لأنه يكفي الاحتمال الأوّل في إبطال الاستدلال، ثم تنزل عن منع الكلية فقال مع أن النفي لا يوجب الامتناع، وقيل عليه لا يخفى إنّ حديث التمذج يدفعه (قلت أليس هذا بمسلم عندنا، وكيف يتمذح بنفي ما أثبته الكتاب والسنة بل إنما ذكر للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر كما أشار إليه الطيبي، وقد روي في تفسير الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة.
قوله: (يحيط علمه بها) قيل الأنسب بالمقام إنه علم بطريق الرؤية، ويجوز تعميمه أيضأ. قوله: (فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار (فهذه الجملة سيقت لوصفه تعالى بما تضمن تعليل قوله وهو يدرك الأبصار فقط على هذا الوجه، ثم إنّ المراد بالإبصار هنا النور الذي يدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم العين فإنه يرى، أو يقال المراد أنّ كل عين لا ترى نفسها ووقع في نسخة بدل كالإبصار بالإبصار على صيغة المصدر. توله: (ويجوز أن يكون من باب اللف الخ) فإنّ اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالفتح والخبير يناسب كونه مدركا بالكسر، وبقوله فيكون اللطيف مستعاراً من مقابل الكثيف فشبه به الخفيّ من الإدراك اندفع ما قيل إنّ المناسب لعدم الإدراك اللطيف المشتق من اللطافة وهو ليس بمراد هنا، وأما اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة فلا يظهر له مناسبة هنا، وفي شرح الأسماء الحسنى لمحمد البهائيّ اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والآخرة، وان تعذوا نعمة الله لا تحصوها، والله لطيف بعباده يرزق من يشاء، هيأ مصالح الناس من حيث لا يشعرون وأخفى لهم لطفه من حيث لا يعلمون، وقيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف، ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكنافة، وهو وان كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم، لأن الجسمية يلزمها الكنافة وإنما لطافتها بالإضافة فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن إدراك البصائر فضلاً عن الإبصار ويعز عن شعور الإسرار فضلا عن الأفكار، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والإشكال، فانّ كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق، بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف بالنسبة إليه بالكنافة انتهى.
وهذا يقتضي أنه حقيقة فيه تعالى فتأمّله، والخبير للمبالغة فيه يكون علة، والمقام وان اقتضى ترك العطف لكن المقصود به إثبات هذه الأوصاف والتعليل الذي أشار إليه المصنف
﵀ ضمنيّ، وقوله لما لا يدرك بالحاسة أي ليس شأنه ذلك فلا يقال إذا كان اللطيف بمعنى ما لا تدركه الأبصار كيف يعلل الشيء بنفسه فلا يرد هذا كما توهم، وقوله: ولا ينطبع فيها أي لا ينطبع ويرتسم مثاله فيها وإلا فالشيء نفسه لا ينطبع ففيه تسمح، وهذا أحد المذاهب في كيفية الرؤية وتحقيقه في كتب الحكمة والكلام، وقوله: (وهي للنفس الخ) المعروف إنها للقلب كالبصر للعين، وقوله: (تجلى) بمعنى تظهر وتكشف، وقوله: (الدلالة) فجمعه باعتبار أنواعه وقيل المراد آيات القرآن. قوله: (فلنفسه أبصر) قدره غيره فلنفسه الإبصار، وقدّره أبو حيان فيهما بقوله فالإبصار لنفسه أي نفعه وثمرته، ومن عمى فعليها أي فالعمى عليها أي فجدوى العمى عائد على نفسه، والإبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال، قال: وهذا الذي قدرناه من المصدر وهو الإبصار والعمى أولى لوجهين أحدهما أنّ المحذوف يكون مفرداً لا جملة ويكون الجارّ والمجرور عمدة لا فضلة، وفي تقدير غيره المحذوف جملة والجارّ والمجرور فضلة ولأنه لو كان المقدر فعلا لم تدخله الفاء سواء أكانت شرطية أو موصولة مشبهة بالشرط لأنّ الفعل الماضي إذا لم يكن دعاء ولا جامداً، ووقع جواب شرط أو خبر مبتدأ مشبه باسم الشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط، ولا في خبر المبتدأ لو قلت من جاءني فأكرمته لم يجز بخلاف تقديرنا، وهو غير وارد، لأنه ليس كالمثال الذي ذكره بل مثاله من جاءني، فلا كرامة جاء إذ تقدم فيه الجارّ والمجرور لإفادة الحصر والجاز والمجرور إذا تقدم على الماضي جاز اقترانه بالفاء، بل قيل: إنها لازمة له كما صرّح به النحرير، والمعرب السفاقسي، ففي هذه المسالة ثلاثة مذاهب المنع، وهو مختار أبي حيان والجواز
стр. 1192
واللزوم وهو مختار غيره، وفي الدرّ المصون أنّ هذا التقدير سبق الزمخشري إليه غيره من السلف كالكلبي وقوله: فعليها وباله لم يقدر فعليها عمى كما قدره الزمخشري لأنّ عمى لم يعهد تعديه بعلى بخلاف ما قدّره فإنه لا يحتاج إلى تكلف تأويل، وقيل إنه قدّر في إحداهما الفعل وفي الأخرى الاسم إشارة إلى جواز كل من المسلكين، والمراد بالعمى والبصر الهدى والضلال كما أشار إليه المصنف ﵀، ومن هذا عرفت أنّ الظرف المقدر متعلقه فعلاً يقع جواب الشرط مع الفاء أو بدونها كما يؤخذ من كلام الزجاج، وقد ردّه في المغني وليس بصواب كما ستراه. قوله: (والله هو الحفيظ (الحصر مستفاد من تقديم المسند إليه على ما عرف من مذهب الزمخشري من عدم اشتراط الخير الفعلي، وقوله وهذا الخ يعني قد جاءكم بصائر إلى
هنا كما صرّح به في الكشاف لا قوله: ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ فقط كما قيل وعلى هذا فقل مقدرة كما صرّح به شراح الكشاف، وأمّا ما قيل الورود على لسانه لا يقتضي هذا التقدير، فإنّ منشئ القصيدة على لسان غيره لا يضمر القول فتخيل فاسد، وإنما نظيره ما إذا وصف متكلم نفسه، ثم ذكر ما لا يصح إسناده إليه فإنه لا بد من تقدير الحكاية والا فسد كلامه، واختل نظامه، وقوله مثل ذلك قد مز شرحه. قوله:) وليقولوا الخ) قدر صرفنا ماضياً والزمخشرفي قدره مضارعا متأخرا قيل لقصد التخصيص، وفيه نظر واللام لام العاقبة وهي مجاز منقول من التعليل ولذا عطف عليه الغرض وجوّز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره لأنّ نزول الآيات لا ضلال الأشقياء وهداية السعداء، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦] وبجوز أن يكون التقدير لينكروا وليقولوا الخ، وقيل هذه اللام للأمر ويؤيده إنه قرئ بسكونها كأنه قيل، وكذلك نصرّف الآيات وليقولوا هم ما يقولون، فإنهم لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم، وفي الدرّ المصون فيه نظر لأنّ المعنى على ما قالوه وأيضا فإنّ قوله ولنبينه نص في أنّ اللام لام كي، وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة فلا دليل فيها لاحت! مال إنها خففت لإجرائها مجرى كبد، وكونها معترضة ولنبينه متعلق بمقدر معطوف على ما قبله وان صححه لا يخرجه عن كونه خلاف الظاهر، وعبارة الزمخشرفي هنا، وليقولوا جوابه محذوف تقديره وليقولوا درست نصرّفها، ومراده بالجواب المتعلق، وهو اصطلاج منه وقع في مواضمع من كتابه قال المعرب سماه جوابا لأنه يقع جوابا للسائل الذي يقول أين متعلق هذا الجارّ، فلا يرد عليه ما قاله أبو حيان، ولكونه خلاف الظاهر عدل عنه المصنف ﵀. قوله: (درست من الدروس الخ) فيه قرا آت ثلاث متواترة وما عداها شاذة فقرأ ابن عامر درست كضربت، وابن كثير وأبو عمرو دارست كقاتلت، والباقون درست أنت كضربت، ومعنى الأولى قدمت وتكرّرت على الإسماع كقوله: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٥] ومعنى الثانية دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية، كقوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠٣] الآية ومعنى الثا اصة حفظت، واتقنت بالدرس أخبار من مضى كقوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: هـ، وقرئ في الشواذ درست ماضياً مجهولاً، وفسرت بتليت
وعفيت أي الآيات، واعترض! على الثاني بأنّ درس بمعنى انمحى لازم لم يعرف متعديا في اللغة والاستعمال، ورذ بأنه ورد متعديا قال الزبيدي درس الشيء يدرس دروسا عفا ودرسته الريح، وقال النحرير: جاء درس لازما ومتعدياً لمعنيين وقرئ دزست مشددا معلوما وتشديده للتكثير أو للتعدية والتقدير درست غيرك الكتب، وقرئ مشدداً مجهولاً، وقرئ دورست على مجهول فاعل، ودارست بالتأنيث والضمير للآيات أو للجماعة، وقرئ درست بضم الراء والإسناد للآيات مبالغة في محره أو تلاوته لأنّ فعل المضموم للطبائع والغرائز، وقرأ أبيّ ﵁ درس وفاعله ضمير النبيّ ع! ي! أو الكتاب إن كان بمعنى انمحى ودرسن بنون الإناث مخففا ومشدداً، وقرئ دارسات بمعنى قديمات أو بمعنى ذات درس أو دروس كعيشة راضية وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي دارسات، وقراءة المفاعلة إمّا على أنه بمعنى أصل الفعل، أو تأويله بما مرّ تحققه في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٩] . قوله: (اللام على أصله (قال الشريف قدس سرّه: أفعاله تعالى
стр. 1193
يتفرّع عليها حكم ومصالح متقنة هي ثمراتها وان لم تكن عللا غائية لها حيث لولاها لم يقدم الفاعل عليها ومن أهل السنة من وافق المعتزلة في التعليل، والغرض الراجع منفعته إلى العباد، وادّعى أنه مذهب الفقهاء والمحدثين، إذا عرفت هذا فاعلم أن حقيقة التعليل عند أهل السنة بيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل، وأما تفسيره بالباعث الذي لولاه لم يقدم الفاعل على الفعل أو عدم اشتراط ذلك فهو من تحقيقات المتكلمين لا تعلق له باللغة، وأما عند أهل اللغة فهو حقيقة في ذلك مطلقا، والفرق بينها وبين لام العاقبة أنّ لام العاقبة ما تدخل على ما يترتب على الفعل، ويى! مصلحة، وهل يشترط فيها أن يظنه المتكلم غير مترتب أم لا حتى يكون في كلامه تعالى من غير حكاية أم لا فيه خلاف تقدم شرحه فما قيل أنّ اللامات الداخلة على فوائد أفعاله المسماة بالحكم والمصالح استعارات تبعية فلا تكون اللام فيها على أصلها إلا على رأي من يجوّز أن تكون أفعاله معللة بالاغراض، ولا يقول به المصنف ﵀ مردود بما سمعت آنفا، وقوله باعتبار المعنى يعني التأويل بالكتاب أو القرآن، والمراد بالمصدر التبيين أو التصريف كما قيل فهو مفعول مطلق على الأوّل، وقوله: (فإنهم المنتفعون به (بيان لوجه تخصيصهم بذلك لجعل ما سواهم كالعدم، وجعل الجملة المعترضة بين المعطوف والمعطوف عليه تفيد تقوية الكلام صرّح به الزمخشري في مواضع من كتابه فلا عبرة بمن أنكره، وقوله أكد به إيجاب الاتباع لأنّ من هذا وصفه يجب اتباعه. قوله: (أو حال مؤكدة) فسم ابن مالك في التسهيل الحال المؤكدة
إلى مؤكدة لعاملها نحو ولي مدبرا ولا تعثوا في الأرض مفسدين، ومؤكدة لغيره في بيان فخر أو يقين أو تعظيم ونحوه ويجب أن يتقدّم عليها جملة اسمية، ويحذف عاملها وجوبا فمن قال وكونها واقعة بعد الجملة الاسمية شرط لوجوب حذف عاملها لا لصحتها لقوله: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٠] فقد خلط بين معنيي الحال وقسميها ومعنى لا تحتفل لا تعتد وتبال وقوله ولا تلتفت تفسير له، وأوّله بهذا لأنه لا بد له من التبليغ والقتال إلا أن يكون قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بالآية السيف في سورة براءة فيكون حينئذ على عمومه، وقوله وهو دليل الخ ردّ على المعتزلة كما مرّ، والزمخشرفي فسره بمشيئة إكراه وفسر لأنّ عندهم مشيئة الاختيار حاصلة البتة قال النحرير: وهذه عكازته في دفع مذهب أهل السنة من أنّ الله تعالى لم يثأ إيمان الكافر ولا طاعة العاصي تمسكا بأمثال هذه الآيات. قوله: (أي ولا تذكروا آلهتهم الخ) هذا إمّا لأنّ الذين يدعون عبارة عن الآلهة والعائد مقدر، والتعبير بالذين على زعمهم أنهم من أولى العلم أو بناء على أنّ سب آلهتهم سبّ لهم كما يقال ضرب الدابة صفع لراكبها، أو على تغليب العقلاء منهم كالمسيح ﷺ وعزير، ثم إنه في الكشاف ذكر في سبب النزول وجهين (١ (الأوّل إنهم قالوا عند نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٩٨] لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك، والثاني إن المسلمين كانوا يسبون آلهتهم فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله تعالى، وأورد على الأوّل أن وصف اكهتهم بأنها حصب جهنم وبأنها لا تضرّ ولا تنفع سبّ لها فكيف نهى عنه بقوله: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ﴾ الخ.
وأجيب بأنهم إذا قصدوا بالتلاوة سبهم وغيظهم يستقيم النهي عنها، ولا بدع فيه كما
ينهى عن التلاوة في المواضمع المكروهة، أو معناه لا يقع السب منكم بناء على ما ورد في الآية فيصير سبباً لسبهم، وقيل السب ذكر المساوي لمجرّد التحقير والإهانة، وذلك إنما ورد للاستدلال على عدم صلوحها للألوهية والمعبودية ومثله لا يسمى سبا، وفيه نظر وقيل عليه إنّ
سبب النزول على إحدى الروايتين وصفه لها بأنها حصب جهنم فكيف لا يكون ذلك سبا فالجواب أن يقال النهي عن السب في الحقيقة إنما هو عن إظهاره، فإنه المؤذي إلى سب الله فتأمّل. قوله: (أو لنهجونّ إلهك) فإن قيل إنهم كانوا يقرّون بالله وعظمته وإنّ آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء عنده فكيف يسبونه، قلنا لا يفعلون ذلك صريحاً بل يفضي كلامهم إلى ذلك كشتمهم له ولمن يأمره بذلك مثلا، وقد فسر بغير علم بهذا، وهو حسن جذا أو أنّ الغيظ والغضب ربما حملهم على سب الله صريحا ألا ترى المسلم قد تحمله شدّة غضبه على التكلم بالكفر وعدوا كضربا وعدوا كعتوّاً وعداء كعزاء، وعدواناً كسبحان مصدر
стр. 1194
عدا عليه بمعنى تعدى وتجاوز وهو مفعول مطلق لتسبوا من معناه لأنّ ال! سب عدوان أو مفعول له أو حال مؤكدة مثل بغير علم، وقرأ ابن كثير في رواية عنه عذوا بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو على أنه حال. قوله: (وفيه دليل الخ) يعني إذا أذت إلى معصية راجحة على معصية ترك الطاعة وكانت سببا لها بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها وكثيرا ما يشتبهان، ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء، وخالفه الحسن للفرق بينهما كما في الكشاف، وقد علم مما مرّ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أسورة الأنعام، الآية: ٦٨] ما هو الصحيح عند فقهائنا، كما أفاده شيخنا المقدسي في الرمز من أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع والا صبر، وهذا إذا لم يكن مقتدى به والا فلا يقعد لأنّ فيه شين الدين، وما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه ابتلى به كان قبل صيرورته إماما يقتدى به، وقال الإمام أبو منصور كيف نهانا الله عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قتلونا وقتل المؤمن بغير حق منكر وكذا أمر النبيّ لمجز بالتبليغ والتلاوة عليهم وان كان يكذبونه وأجاب بأنّ سب الآلهة مباج غير مفروض! ، وقتالهم فرض وكذا التبليغ وما كان مباحاً نهى عما يتولد منه ويحدث وما كان فرضا لا ينهي عما يتولد منه، وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمن قطع يد قاطع قصاصاً فمات منه فانه يضمن الدية لأنّ استيفاء حقه مباج، فأخذ بالمتولد منه، والإمام إذا قطع يد السارق فمات لا يضمن، لأنه فرض! عليه فلم يؤخذ بالمتولد منه انتهى، ومنه تعلم أنّ قوله الطاعة ليس على إطلاقه. قوله:) من الخير والشر الخ) وقوله في الكشاف مثل ذلك التزيين زينا لكل أمّة من أمم الكفار سوء عملهم أي خليناهم، وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، أو زيناه في زعمهم، وقولهم إنّ الله تعالى أمرنا بهذا وزينه لنا، يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى
زين للكافرين الكفر وعملهم القبيح، وتزيين القبيح قبيح، والله متعال عنه على أصول المعتزلة، فلذا أوّل الآية بوجوده رجح منها الوص! الثاني لمناسبته لوصف ايمفرة قبله، والمصنف رحمه الله تعالى ذكر وجها آخر وترك ما ذكره لعدم الحاجة إليه عندنا ولم يجعل التشبيه فيه من قبيل ضربته كذلك لخفائه قيل: ولأنه يأباه قوله لكل أثة، وفيه نظر والمشبه بالنصب عطف على اسم أن ويجوز رفعه. قوله:) مصدر في موقع الحال) أو حال مؤوّل باسم الفاعل أو منصوب بنزع الخافض أي أقسموا بجهد أيمانهم أي أوكدها، وقد مرّ الكلام عليه في المائدة والتحكم إظهار الحكومة وتكلفها باقتراج الآيات. قوله: الئن جاءتهم آية الخ (كإنزال الملائكة وغير ذلك، وفيه إشارة إلى أن ما جاءهم ليس بآية عندهم كما يدلّ عليه، وقوله:) واستحقار (فلا حاجة إلى التقييد بقوله من مقترحاتهم إلا أن يكون لبيان الواقع. قوله:) وليس شيء منها بقدرتي الخ) في الكشاف إنما الآيات عند الله وهو قادر عليها، ولكنه لا ينزلها إلا على موجب الحكمة أو إنما الآيات عند الله لا عندي فكيف أجيبكم إليها وآتيكم بها، والمصنف ﵀ أشار إلى أن العندية بمعنى كونها مقدورة له تعالى، والمقصود من الحصر نفي القدرة عن نفسه ليبين أنه لا يمكنه أن يجيبهم بها، وزاد الزمخشري وجهاً آخر، وهو أن المراد أنّ الآيات منحصرة في المقدورية لا تتعداها إلى النزول بغير حكمة قيل: ولم يلتفت إليه المصنف لما قال النحرير إق فائدة الحصر يعني فكيف أجيبكم الخ لا تظهر على هذا الوجه ويمكن أن تظهر بأنه لا حكمة فيما يطلبونه فلا يمكن أن يجيبهم به، ويمكن أن يقال إن المصنف رأى تقارب الوجهين فجعلهما وجها واحداً وقد جنح إلى هذا من قال العندية من حيث القدرة، ومن حيثية الإتيان بالمشيئة إن اقتضته الحكمة، وقوله:) أنّ الآية المقترحة) إشارة إلى أنّ الضمير راجع للآية لا للآيات لأن عدم إيمانهم عند مجيء ما اتترحوه أبلغ في توبيخهم قيل ولو جعل الضمير للآيات لكان فيه مزيد مبالغة في بعدهم عن الإيمان وبلوغهم في العناد غاية الإمكان، ولا يخفى ما فيه إلا أن يلاحظ أنه باعتبار شمولها للمقترحة وغيرها فتأفل. قوله:) وما يدريكم (استفهام إنكار وهو في المعنى نفي وفي بعض الحواشي، ما استفهامية لا نافية والا يبقى
стр. 1195
الفعل بلا فاعل، وفي الدر المصون قيل فاعله ضمير الله أي وما يشعركم الله إنها إذا جاءت الآيات المقترحة لا يؤمنون وهو تكلف بعيد، وقال السفاقسي: إنه كير مستقيم لأن الله أعلمهم بأنهم لا يؤمنون،
إلا أن تجعل لا زائدة. قوله: (أنكر السبب مبالغة في نفي المسبب الخ (إشارة إلى جواب ما يقال إنك إذا قيل لك أكرم زيداً يكافئك قلت في إنكاره ما أدراك أني إذا أكرمته يكافئني فإن قيل لا تكرمه، فإنه لا يكافئك قلت في إنكاره ما أدراك إنه لا يكافئني تريد وأنا أعلم منه المكافأة فمقتضى حسن ظن المؤمنين بهؤلاء المعاندين أن يقال وما يدريكم إنها إذا جاءت يؤمنون غائبات لا بعكس المعنى إلى أن المعلوم لك الثبوت وأنت تنكر على من نفى كذا قرّره شراح الكشاف، فلذا حمله بعضهم على زيادة لا، وبعضهم على ا! أن بمعنى لعل وبعضهم على أنها جواب قسم بناء على أن أنّ في جواب القسم يجوز فتحها، والزمخشري وتبعه المصنف أبقى الكلام على ظاهره فقيل في المثال المذكور إنك إذا علمت أنه لا يكافئ وأشير عليك بإكرامه لظن المشير المكافأة فلك حينئذ معه حالتان، حالة أن تنكر عليه اذعاء العلم بما تعلم خلافه، وحالة أن تعذره لعدم علمه بما أحطت به ففي الحالة الأولى تقول ما يدريك أنه يكافئ، وفي الثانية تقول ما يدريك أنه لا يكافئ أي من أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم المكافأة، وكذلك الآية لإقامة عذر المؤمنين كما يدل عليه ما بعده، وايضاحه كما قيل إنه استفهام في معنى النفي، والإخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم والمعنى إنّ الآيات عند الله ينزلها بحسب المصالح وقد علم إنهم لا يؤمنون ولا ينجع ذلك فيهم وأنتم لا تدرون ما في الواقع من علمه تعالى فلذا توقعتم إيمانهم، والاستفهام الإنكاري له معنيان فالإنكار، إن كان بمعنى لم يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون وبمعنى لا يقال لا يؤمنون والمراد الثاني بدليل ما بعده، وفي الكشف إنه في الثاني منكر عليهم الاقتراح وهو القول من كير علم وبمعنى ما لا يعرت حقيقته، وهو أبلغ وإن كان الثاني أوضح وأقرب ومنه يعلم أنه يجوز أن يكون الإنكار بمعنى لم أيضا فقوله أنكر السبب أي الإشعار مبالغة في نفي المسبب أي الشعور، وليس معناه أنه أنكر الدراية بهذا العلم وأريد إنكاره إظهار الحرص أي أنتم لا تدرون كما قيل فالمعنى لا تدرون أنهم يؤمنون، وفي نفي المسبب بهذا الطريق مبالغة ليست في نفيها بدونها لأنّ في الكناية إثبات الشيء ببينة وفيه تعريض بأن الله عالم بعدم إيمانهم على تقدير مجيء الآية المقترحة لهم، وتنبيه على أنه تعالى لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون فعدم الإنزال لعدم الإيمان. قوله: (أن بمعنى لعل) هذا قول الخليل ﵀، ويؤيده أن يشعركم ويدريكم بمعنى، وكثيرا ما تأتي لعل بعد فعل الدراية نحو وما يدريك لعله يزكي، وأن في مصحف أبيّ ﵁ وما أدراك لعلها، وقوله كأنه قال وما يشعركم ما يكون منهم إشارة إلى أن مفعوله محذوف على هذين الوجهين وهو يتعدى إلى مفعولين. قوله: (ثم أخبرهم الخ) ظاهره أنه إخبار ابتدائيّ وجعله ابن
الحاجب جواب سؤال، وفي الكشف كأنه قيل لم وبخوا فقيل لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، ولك أن تبنيه على قوله وما يشعركم فإنه أبرز في معرض المحتمل كأنه سأل عنه سؤال شاك ثم علل بقوله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون جزما بالطرف المخالف، وبياناً لكون الاستفهام غير جار على الحقيقة، وفيه إنكار لتصديق المؤمنين على وجه يتضمن إنكار صدق المشركين في المقسم عليه وهذا نوع من السحر البياني لطيف المسلك، وعلى كونه خطاباً للمؤمنين لا يكون داخلا في حيز قل إلا بأن يقدر قل للكافرين إنما الآيات عند الله وللمؤمنين وما يدريكم، وهو تكلف لا داعي إليه، وعلى كونه خطابأ للمشركين يدخل تحته ويكون فيه التفات. قوله: (وقرئ وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم الخ (في الكشاف أي يحلفون بأنهم يؤمنون عند مجيئها وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينثذ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات مطبوعا عليها فلا يؤمنوا بها اهـ، والضمير للكفار كما يدل عليه قوله على حلفهم أي إنكار لما حلفوا عليه والقراءة حينئذ إمّا بالفتح أو بالكسر، ويجري فيه ما مز فنزل عليه كلام الشيخين، وتقدم أنّ يشعركم وينصركم ونحوه قرئ بضم خالص وسكون واختلاس.
تنبيه: قراءة كسر إنّ وجهها الخليل وغيره بأنها استئناف إخبار بعدم إيمان طبع على قلبه، وضعف الفتح بأنه يصير عذراً
стр. 1196
لهم وليى مقصود الآية، وقال الزمخشرقي على الكسر ثمّ الكلام عند يشعركم ثم أخبرهم بعلته، ووجه الفتح بستة أوجه فصلها صاحب الدرّ المصون. قوله: (فلا يؤمنون) إشارة إلى أنه ليس المراد بتقليب الإبصار حقيقته، وقوله: (بما أنزل من الآيات (إشارة إلى أنّ الضمير راجع إلى الآيات بتأويله بما أنزل وقولهه هداية المؤمنين يعني الدلالة الموصلة، وقيل إنه لله والرسول أو القرآن أو التقليب وهو بعيد. قوله: (وحثرنا عليهم كل شيء قبلا (معنى حشرنا سقنا ما اقترحوه من هذه الأشياء، وقوله: (فقالوا الخ) بيان لقوله ولو أننا أنزلنا، وقوله: (فآتوا بآبائنا) بيان لقوله وكلمهم الموتى وفسره بالنظم القرآنيّ، وقوله: (أو تأتي) بيان لقوله وحشرنا عليهم كل شيء والتعبير بكل تنزيلاً لأعظم الشيء منزلة كله أو مبالغة،
وكون قبلاً الجمع حالاً من كل لأنه يجوز مراعاة معناه ولفظه كما نص عليه النحاة واستشهدوا بقوله:
جادت عليه كل عين ثزة فتركن كل حديقة كالدرهم
إذ قال تركن دون تركت فلا حاجة إلى ما قيل إنه باعتبار لازمه وهو الكل المجموعيّ،
وهو معنى قوله وإنما جاز ذلك لعمومه مع الإشارة إلى مصحح الحال من النكرة مع تأخرها، وفي قبلا قرا آت كسر القاف وفتح الباء وضمهما، وقرئ في الشواذ بضم فسكون وغير ذلك فقبلا بكسر وفتح بمعنى مقابلة ومشاهدة وهو حال كما قاله الفراء والزجاج وعليه أكثر أهل اللغة وهو مصدر وعن المبرد أنه بمعنى جهة وناحية فانتصابه على الظرفية كقولهم لي قبل فلان كذا، وأما المضموم فقيل جمع قبيل بمعنى كفيل، ومنه القبالة لكتاب العهد والصك أو قبيل بمعنى جماعة والمعنى عليه حشرنا عليهم كل شيء فوجا فوجا وجماعة جماعة ويكون بمعنى الأوّل أيضا أي معاينة ومقابلة، كقوله: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢٦] . قوله: (ما كانوا ليؤمنوا) جواب لو وهواداً كان منفيا لا تدخله اللام ولذا اعترض على الحوفي ﵀ في قوله إنّ اللام فيه مقدرة أي لما، وقوله: لما سبق عليهم القضاء بالكفر بتشديد الميم وتخفيفها، وقيل عليه إنّ فيه تعليل الحوادث بالتقدير الأزلي، ولا يخفى فساده بل لبطلان استعدادهم وتبدل فطرتهم القابلة بسوء اختيارهم وتبعه من قال: في تفسيره أي ما صح واستقام لهم الإيمان لتماديهم في العصيان وغلوّهم وتمردهم في الطغيان وأما سبق القضاء عليهم بالكفر فمن الأحكام المترتبة على ذلك حسبما ينبئ عنه قوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٠ ا] وليس بشيء لأن ما ذكره على مذهب الأشعري القائل بأنه لا تأثير لاختيار العبد وان قارن الفعل عنده، ولا يلزم الجبر كما يتوهم على ما حققه أهل الأصول ولا خفاء في كون القضاء الأزليّ سببا لوقوع الحوادث ولا فساد فيه، وأما سوء اختيار العبد فحسبب للقضاء الأزلي، وتحقيقه كما قيل إن سوء الاختيار، وان كان كافيا في عدم وقوع الإيمان لكنه لا قطع فيه لجواز أن يحسن الاختيار بصرفه إلى الإيمان بدل صرفه إلى الكفر فكان سوء اختياره فيما لا يزال مسببا للقضاء بكفره في الأزل فبعد القضاء به يكون الواقع منه الكفر حتما، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٣] . قوله: (استثناء من أعتم الآحوال الخ) وجوّز أن يكون من أعمّ الأزمان والظاهر الأوّل فإن لوحظ أن جميع أحوالهم شاملة لحال تعلق المشيئة بهم فهو متصل وان لم يلاحظ أنّ حال المشيئة
ليس من أحوالهم كان منقطعاً أي لكن إن شاء الله آمنوا واستبعده أبو حيان ولام فيه المصنف ﵀، وقوله:) حجة واضحة على الصعتزلة (قال أهل السنة لما ذكر الله تعالى إنهم لا يؤمنون إلا إن شاء الله إيمانهم فلما لم يؤمنوا دل على أنه تعالى ما شاء إيمانهم بل كفرهم، وأجابوا عنه بأن المراد مشيئة قسر وإكراه وعدم إيمانهم يستلزم عدم المشيئة القسرية وهو لا يستلزم عدم المشيئة مطلقاً فتأمّل. قوله: (ولذلك أسند الجهل إلى كثرهم الخ (أي لكونه جهلا مخصوصا بالمقسم عليه أسند إلى الأكثر مع أنّ مطلق الجهل يعئم جميع الكفار وكذا الكلام في تقييد جهل المسلمين بيمينهم، وليس الظاهر الخطاب حينئذ كما قيل، وقوله: ولكن كثر المسلمين ليس الوجهان مبنيين على اختلاف القراءتين لئلا يلزم ترجيح القراءة الشاذة على المشهورة بل على تقدم ذكر المقترحين المقسمين والمسلمين المتمنين لحصول ما اقترحوا وأن قوله وما يشعركم إنكار على المسلمين بوجه يتضمن الإنكار على المقسمين. فوله: (وهو دليل الخ) رذ على الزمخشريّ حيث فسره بقوله: كما
стр. 1197
خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأعدائهم أوّله بذلك لأن عداوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصية فلا تكون بخلق الله وجعله عنده، ولما كان خلاف الظاهر جعله المصنف ﵀ دليلاً على خلافه وهو الظاهر. قوله: (ولكل متعلق به (أي بعدوا أو جعل حالاً من عدؤاً تدم لنكارته أو مفعول ثان على البدلية على ما تقدم في إعراب ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٠٠ ا] فتذكره ويصح جعله متعذيا لواحد وعلى كونه متعلقأ بعدوا يكون ثقديمه للاهتمام، ويجوز نصب شياطين بفعل مقدر وقوله يوسوس الخ تفسير للوحي هنا لأنه الشيء الخفي والوسوسة كذلك وقوله من زخرفه أي مأخوذ منه وأصل معنى الزخرف الذهب، ولما كان حسناً في الأعين قيل لكل زينة زخرفة، وتد يخص بالباطل فيقال شيء مزخرف ونحوه مموّه لأنه من الماء وهو الذهب المذاب وأصله موه، وقوله مفعول له أو مصدر في موقع الحال بتأويل غارين، وفسره الزمخشري بقو! هـ خدعا وأخذاً على غرّة أي غفلة، وقال الراغب: غرّه غروراً كأنما طواه على غرّة بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وهو طية الأوّل.
قوله: (ولو شاء ربك إيمانهم الخ) قدره بعضهم ولو شاء ربك أن لا يفعلوا معاداة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وايحاء الزخارف على أنّ الضمير لما ذكر بناء على المشهور ومن تقدير مفعول المشيئة ما دلّ عليه جواب لو بعده ولذا قيل في تفسيره ولو شاء ربك عدم الأمور المذكورة لا إيمانهم كما قيل فإنّ القاعدة المستمرّة إنّ مفعول المشيئة عند وقوعها شرطا يكون مضمون الجزاء، وهو ما فعلوه كما تقرّر في كتب المعاني.
(قلت) هنا ذكر فعل المشيئة سابقا فالظاهر أنه يجوز مراعاة كل منهما بحسب ما يقتضيه الحال، وهنا كذلك لأنّ المشيئة تعلقت بالإيمان في قوله: قبيله إلا أن يشاء الله والمذكور في المعاني ما لم يتكرّر فيه فعل المشيئة ولم يكن قرينة غير الجواب فاعرفه، فإنه بديع، وقيل إن جعل العدم متعلق المشيئة لا يخلو عن تكلف، فلذا جعل المفعول هنا لازمه بناء على أنه يكفي في العدمي عدم المشيئة دون مثيئة العدم كما مرّ فتأمّل، وقوله ما فعلوا ذلك يريد أنّ الضمير راجع إلى جميع ما تقدم بتأويله كما مرّوا إنما لم يرجعه إلى كل واحد على البدل لاحتياجه إلى تأويل فيما هو مؤنث كالعداوة، ثم إنه قال هنا ولو شاء ربك ما فعلوه، وفيما بعده ولو شاء الله ما فعلوه، فغاير بين الاسمين في المحلين فذكر النكتة فيه بعضهم بأنّ ما قبله من عداوتهم له كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي لو شاء منعهم عنها فلا يصلون إلى المضرة يقتضي ذكره بهذا العنوان إشارة إلى أنه مربيك في كنف حمايته، وإنما لم يفعل ذلك لأمر اقتضته حكمته وأمّا في الآية الأخرى فذكر قبله إشراكهم فناسب ذكره بعنوان الألوهية التي تقتضي الإشراك. قوله: (وهو أيضاً دليل على المعتزلة الخ) قيل أي دليل عليهم في شيئين كقوله: ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١١١] ومن قدر مفعول المشيئة عدم فعل المعاداة والإيحاء، ثم قال في الآية دلالة على أن الشرور صدورها عنه بمشيئته فقد سها حيث غفل عن أنّ عدم تعلق المشيئة بعدم فعل لا يستلزم تعلقها بذلك الفعل، وفيه أنه في مثيئة العبد ظاهر، وأما في مشيئة الله على رأي أهل السنة القائلين بأنه لا يكون إلا ما يريد، فإذا عدم تعلقها بعدم شيء لزم التعلق بوجوده إذ لا واسطة بينهما فليتأمّل، وكفرهم تفسير لافترائهم وجعل ما مصدرية، ويصح أن تكون موصولة والواو بمعنى مع أو عاطفة، وذرهم أمر له بعدم المبالاة أو هو قبل النسخ كما مرّ. قوله: (وليكون ذلك جعلنا الخ) فحذف المعلل وأقيمت علته مقامه، وإنما قدره مؤخرا للاهتمام بالعلة لا للحصر. قوله: (والمعتزلة لما اضطروا الخ) يعني أن القبائح عندهم لا ينسب إليه تعالى خلقها، فلا تعلل بها أفعاله فلذلك
أوّلوها بما ذكر، والا فيجوز أن تكون حكماً ومقاصد له تعالى، وقيل: اللام للتعليل أو للعاقبة على الاختلاف في كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض، وردّ بأنه لا يخفى أنّ اللامات الداخلة على ثمرات أفعاله سبحانه عند من لم يجعل أفعاله تعالى معللة بالأغراض استعارة تبعية تشبيها للغاية بالعلة الغائية، وليس شيء منها للعاقبة كما مرّ فجعل الاختلاف في كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض أم لا مداراً للاختلاف
стр. 1198
في كون اللام في لتصغي للتعليل أو العاقبة خطأ يعني ليس مداره ذلك بل أن الشرور هل تنسب إليه فيعلل بها أفعاله أم لا، وقوله إنه استعارة ليس بشيء أيضا لأنه يسمى لغة علة وغرضاً وتفسير الغرض بما ذكر إنما هو اصطلاج للمتكلمين وأهل المعقول، كما مرّ تحقيقه وعلى القول بأنه عطف على غروراً وهو مفعول له ذكرت اللام لأنه غير مصدر صريح فلا ينصب على المفعولية لعدم استكمال الشروط، وهو حينئذ متعلق بيوحي. قوله: (أو لام القسم كسرت) قال الرضي: لا يجوز عند البصريين في جواب القسم الاكتفاء بلام الجواب عن نون التوكيد إلا في الضرورة، والكوفيون أجازوه في السعة وبعض العرب بكسر لام جواب القسم الداخلة على الفعل المضارع كقوله:
إذا قال قدني قال بالله حلفة لتغني عني ذا إنائك أجمعا
وبعضهم يجعل هذه اللام لام كي والجاز والمجرور جواب القسم، واعترض عليه ابن
هشام في المغني بأنه مفرد لا يصلح أن يكون جوابا للقسم، ويردّه أنه يقدر متعلقه فعلا، وقد مرّ في تفسير قوله: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [سررة الأنعام، الآية: ١٥٤] جواز كونه جواب الشرط، وفي الحديث: " من ترك كلا فإلئ ومن ترك مالاً فلورثتة ") ١ (وهل تلزم الفاء أم لا مرّ تحقيقه، وقال المعرب: إنها على هذا القول واقعة موقع الجواب لدلالتها عليه وليست جوابا وإنما هي الذي أقسم لأجله وقد دل على المقسم عليه فوضع موضعه، وقول المصنف كسرت لما لم يؤكد كذا قاله النحاة في وجهه: قال المعرب: ويدلّ على فساده أنّ النون قد حذفت ولام الجواب باقية على فتحها كقوله:
لئن تك قد ضاقت عليّ بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي أوسع
فقوله ليعلم جواب القسم الموطأ له باللام وهي مع ذلك مفتوحة مع حذف نون التوكيد فتأمّل. قوله: (أو لام الأمر وضعفه أظهر) أي من ضعف القسمية، وفي نسخة ظاهر لعدم حذف حرف العلة من آخره ويؤيده أنه قرئ بحذفها، وقرئ بتسكين اللام وحرف العلة قد يثبت في مثله كما خرج عليه قراءة أرسله معنا غداً نرتعي ونلعب وإنه من يتقي ويصبر فليكن هذا مثله والأمر
حينئذ للتهديد أو للتخلية. قوله: (والصنو الميل) ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [سورة التحريم، الآية: ٤] وفي الحيث فأصغى لها الإناء وعين صغواء وصغياء بمعنى مائلة ويقال صغوت وصغيت صغواً وصغيا فهو مما جاء واويا وبائيا، ومضارعه يصغي ويصغو ومصدره صغيا بالفتح والكسر، وزاد الفراء صغياً وصغوّاً بالياء والواو مشددتين ويقال أصغى مثله فيصح في قول المصنف ﵀ الصغو تشديد الواو وتخفيفها. قوله: (والضمير لما له الضمير في فعلوه (يعني ضمير إليه ولذا جوّز عوده إلى الوحي وإلى الزخرف والى القول والى الغرور وإلى العداوة لأنها بمعنى التعادي كذا قال المعرب. قوله:) وليكتسبوا) الاقتراف في اللغة الاكتساب وأكثر ما يقال في الشر والذنب، ولذا قيل: الاعتراف يزيل الاقتراف، وقد يرد في الخير كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [سورة الشورى، الآية: ٢٣] ، وأصله قشر لحاء الشجر وجلدة الجرج وما يؤخذ منه قرف ومنه القرفة لنوع من العقاقير، وما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف وجوّز فيها المصدرية والظاهر الأوّل واليه يشير قوله من الآثام. قوله:) وغير مفعول (قدم وولى الهمزة لما تقدم في قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤، وليس للتخصيص إلا أن يراد أنه لتخصيص الإنكار لا لإنكار التخصيص، وقيل في تقديمه إيماء إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضا بكونه حكماً وكذا الفاء لسببية الإنكار لا لإنكار السببية، وحكماً حينئذ إمّا حال من غير الله وهو ظاهر أو تمييز أو مفعول له وعلى العكس قدم لأنه مصب الإنكار، وكون الحكم أبلغ من الحاكم لأنه صفة مشبهة تفيد ثبوت معناها ولذا لا يوصف به إلا العادل أو من تكرّر منه الحكم. قوله:) القرآن المعجز (يحتمل التوراة أيضأ لما بين فيها من نبوّته لمجي! وصفاته. قوله: (وفيه تنبيه على أن القرآن الخ (لأنّ المعنى لا أبتشي حكمأ يخر الله بعد إنزال القرآن متضمنا للأحكام فاصلا بين الحق والباطل، واعترض عليه بأن كونه مغنيا بتقريره وتفصيله ظاهر، وامّا أن يكون لإعجازه دخل في ذلك فلا.
وأجيب بأنه لا يكون إلزاماً إلا بالعلم بكون المنزل من عند الله، وهو يتوقف على الإعجاز بحيث يستغنى عن آية أخرى دالة على صدق دعواه على أنه من
стр. 1199
عند الله وفي دلالة النظم عليه خفاء إلا أن يقال جعل الجملة الاسمية حالية دالة على تقرره وثبوته في نفسه أو أن يجعل الكتاب بمعنى المعهود إعجازه، وهذا من عدم تدبر الآية إذ المعنى لا أبتغي حكماً في
شأني وشأن غيري إلا الله الذي نزل الكتاب لذلك وإنما يحكم له بصدق مدعاه بالإعجاز فإنهم لما طعنوا في نبوّته، وأقسموا أنهم إن جاءتهم آية آمنوا بين الله أنهم مطبوع على قلوبهم وأمره بأن يوبخهم وينكر عليهم بقوله أفغير الله الخ أي " عدل عن الطريق المستقيم فأخص غيره بالحكم، وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز الذي أفحكم وألزمكم الحجة يكفي به حاكماً بيني وببنكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات من التوحيد والعدل والنبوّة والإخبار إلى غير ذلك مما هو كالعقد المفصل الذي أعجزكم عن آخركم فأجابهم بالقول بالموجب لأنهم طعنوا في معجزاته فبكتهم على أحسن وجه، وضم إليه علم أهل الكتاب فقوله ينفي التخليط والالتباس مأخوذ من كونه مفصلا وكونه معجزاً مأخوذ من كونه مغنيا عما عداه في شأنه وشأن غيره كما مز. قوله:) بعلم أهل الكتاب) جارّ ومجرور متعلق بتأييد، وبه متعلق بعلم أي بحقيته، ولتصديقه علة العلم ووجه التأييد ظاهر، والفرق بين أنزل ونزل مرّ تحقيقه وأن الأؤل دفعيّ والثاني تدريجيّ وهو أكثري والقراءة بهما هنا تدل على قطع النظر عن الفرق وليس إشارة إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى سماء الدنيا، ثم إنزاله إلى الأرض لأنّ إنزاله دفعة إلى السماء لا يعلمه أهل الكتاب. قوله:) في أنهم يعلمون ذلك الخ (لما كان النبيّ مجشحيه لا يمتري في حقيته أجابوا عما اقتضاه ظاهر النظم بأربعة أوجه، الأوّل هذا وهو أنّ المراد امتراؤه في علم أهل الكتاب بذلك، ولعله قبل إعلام الله له إذ بعده لا امتراء فيه أيضا ولو قدم قوله بجحود أكثرهم كما في الكشاف ليبين سبب امترائه في علمهم لكان أولى، وقوله: من باب التهييج جواب ثان أي ليس المراد حقيقته بل تهييجه وتحريضه على ذلك، وتوله: (أو خطاب الرسول ﷺ الخ) جواب آخر أي أن الخطاب لأمته على طريق التعريض، وقوله: (وقيل الخطاب لكل أحد) جواب رابع والمراد كل أحد ممن يتصوّر منه الامتراء لما تقرّر أن أصل الخطاب أن يكون مع معين وقد يكون لغيره كما في قوله ولو ترى إذ المجرمون فلا يرد ما قيل: إن جعل الخطاب لعموم الناس يحتاج إلى جعل العموم لما سواه أو جعل خطابه للتهييج، فيلزم الجمع بين الحاقيقة والمجاز إلا أن يجعل النهي كناية عن أنه لا ينبغي لأحد أن يمتري فيه، واليه يشير قوله: (فلا ينبغي الخ) مع أنّ الظاهر أنه جمع بين مجازين لا بين مجاز
وحقيقة. قوله:) بلغت الخ أليس المراد أنه عرض لها التمام بعد ضده بل المراد إنها بدئت كذلك، واستمرّت عليه، والفعل تد يرد لمثله نحو: ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٩٦] فليس من يدع التفاسير كما توهم، ثم لما كان التمام يعقبه النقص غالبا كما قيل:
إذا تم أمر بدا نقصه تيقن زوالاً إذا تيل تم
ذكر قوله لا مبدل لكلماته احتراساً وبياناً لأن تمامها ليس كتمام غيرها، وقوله في الأخبار والمواعيد بناء على أنّ الوعد خبر كما مز، وقيل إنه إنشاء وصدقها عدم الخلف فيها فالظاهر العطف بأو والنصب على الوجوه من ربك أو الكلمة. قوله: (لا أحد يبدل شيئاً منها الخ (المراد أنه لا أصدق منها فتبدل به ونفى الأصدقية يدل على نفي المساواة، كما يقال ليس في البلد أعلم من فلان كما مز تفصيله فلا يقال إنه لا ينافي جواز التبديل بما هو مثله، وقيل: الباء هنا ليست في موقعها لأنّ معنى بدله بخوفه أمنا أزال خوفه إلى الأمن وليس بوارد لأنه يقتضي أنّ الباء لا تدخل على المأخوذ وقد صرّحوا بخلافه، وفي الكشف أنه إذا قيل تبذل الكفر بالإيمان أريد أتخذ الكفر بدله فالمطلوب المأخوذ هو ما عدّى إليه الفعل بلا واسطة، وإذا قيل بدله به أريد غيره به فالحاصل ما أفضى إليه الفعل بالباء، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا أحد يبدل شيئا بما هو أصدق انتهى، فقد فرق بين بدل وتبذل وما ذكره ناشئ من عدم الفرق، وقوله: (أصدق (إن قيل الصدق لا يقبل الزيادة والنقص لأنه إن طابق الواقع فصدق والا فكذب، قيل المراد أبين وأظهر صدقا، وفي الحديث أصدق الحديث الخ قال الكرماني جعل الحديث كمتكلم فوصف به كما يقال زيد
стр. 1200
أصدق من غيره والمتكلم يقبل الزيادة والنقص في ذلك وقيد التحريف بالشيوع لأن غيره لا ضير فيه. قوله: (على أنّ المراد بها القرآن) أي بالكلمات في هذا الوجه وفي الذي بعده وأما الأوّل فعام لسائر الكتب والأحاديث القدسية، وقوله: (بعدهما (قيد للنبيّ غ! ت والكتاب، فلا حاجة إلى أن يراد لا نبيّ بعد نبينا ﷺ ، والمراد أنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا ينسخ شريعته شريعة ولا كتابة كتاب آخر ينزل فلا يدل على أنّ القرآن لا ينسخ بالحديث، ولا ينافي هذا نزول عيسى عشييه لأنه يعمل بعد النزول بشريعة نبينا لمجي! ، وقوله: (ما تكلم به) فهو على هذا عامّ وعلى أن المراد به القرآن خاص قيل والكلمة تطلق على الكلام إذا كان مقصودا مضبوطا نحو كلمة زهير رضي المه عنه
لقصيدته هكذا قيدوه هنا، وأطلق النحاة فيه وقوله فلا يهملهم إشارة إلى أنّ العلم والسمع عبارة عن المجازاة كما مرّ غير مرّة. قوله: (يريد الكفار الخ) فهو عامّ والخطاب له ولأئته ىلمجرو فيشمل الفرق الضالة وغيرهم وان أريد بالأرض! مكة فلأنّ أكثر أهلها كانوا حينئذ كفاراً. قوله: (وهو ظنهم الخ) إشارة إلى أنّ اتباع الظن مطلقا ليس بمذموم كما في العمل بالظن في التحري والاجتهاد ونحوه، وقوله: (يطلق على ما يقابل العلم (أي الجهل لأنّ العلم، كما يقابل الظن والشك يقابل الجهل، فالمراد به حينئذ الاعتقاد، ويقابله الباطل ولو جزما وهو على الأوّل حقيقة فلا فرق بينه وبين تفسيره بالآراء الفاسدة والأهواء الباطلة كما قيل. قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ إن فيه وفيما قبله نافية والخرص الحزر والتخمين وقد يعبر به عن الكذب والافتراء وأصله القول بالظن وقول ما لا يستيقن ويتحقق قاله الأزهرفي، ومنه خرص النخل خرصاً وهي خرص المفتوح مصدر والمكسور بمعنى مفعول كالنقض والنقض والذبح والذبح. قوله: (فإن أفعل لا ينصب الظاهر الخ (أي على الصحيح وبعض الكوفيين يجوّزه، وقوله في مثل ذلك أي مما أريد به التفضيل أما إذا جرد لمعنى اسم الفاعل فمنهم من جوّز نصبه كما صرّح به في التسهيل وحينثذ يؤتى بمفعوله مجرورا بالباء أو اللام كقول المصنف رحمه الله تعالى بالفريقين فإذا لم ينصبه قدر له فعل يدل عليه أفعل كما قاله الفارسي وخرج عليه قوله:
أكر وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القوانسا
لأنه ضعيف لا يعمل عمل فعله، والفعل المقدر هنا يعلم، وقيل معنى في مثل ذلك مثل
هذا الكلام وإنه ذكر في علم النحو إن اسم التفضيل لا يعمل في المظهر إلا إذا كان لشيء وهو في المعنى لمتعلق ذلك الشيء المفضلى باعتبار الأوّل على نفسه باعتبار غيره منفيا مثل ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد لأنه بمعنى حسن، وهو يريد مسألة الكحل وفي تلك المسألة لا ينصب الظاهر بل يرفعه والكلام ثمة في عمل الرفع لا في عمل النصب فهذا، وهم ويبعد أن يريد بمثل ذلك المفعول به احترازاً عن الحال والمفعول فيه والتمييز فإنها شنصبها أعلم،
وقوله: (معلق عنها الفعل المقدّر) التعليق إبطال العمل لفظا لا محلاً والإلغاء إبطاله لفظأ ومحلاً كما يعلم من كتب النحو. قوله: (فتكون من منصوية الخ) يعني بالفعل وهو يعلم، وفاعله ضمير ألله كما أشار إليه المصنف وحمه الله وهذا على قرأءة يضل بضم الياء، وأما على القراءة الأولى فلا تصح الإضافة وجوّز أن تكون استفهامية معلقا عنها الفعل أيضاً وإذا جرّت بالإضافة فالمعنى أعلم المضلين، وكذا على الثاني أعلم المضلين أي من يجد الضلال من أضللته وجدته ضالاً، ومجرورة بالنصب عطف على منصوبة قيل فيكون لقوله: أي يضله الله مدخل في هذا الإعراب كما في إعراب النصب كما يدل عليه الفاء التفريعية في قوله فتكون وأنت خبير بعدم استقامته أما إذا كان المضلين اسم فاعل فظاهر لأن من حينئذ يكون عبارة عن الضالين، أي على أن الفاعل ضميره تعالى وأما إذا كان اسم مفعول مع أنه غير شائع في الاستعمال فلأنّ المضاف ليس من جنس المضاف إليه ولا مجال لكون الإضافة للتخصيص، فأما أن يقال التفريع على هذه القراءة ولا مدخل للتفسير فيه لكنه خلاف الظاهر أو يقال توله مجرورة مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة عطف على التفريع والمفرع عليه ولو صرّج به وغير عبارته لكان أوضح.
(قلت) ضمير يضل
стр. 1201
في الإضافة عائد على من وتركه لظهوره فادّعاء عدم الظهور فيه مكابرة، وعلى هذه القراءة كان الظاهر أن يقال بالمهديين، وكان وجه العدول عنه الإشارة إلى أن الهداية صفة سابقة ثابتة لهم في أنفسهم كأنها غير محتاجة إلى جعل لقوله: كل مولود يولد على الفطرة بخلاف الضلال فإنه أمر طارئ أوجده فيهم فمن قال: يرد عليه إنّ سياق الكلام لبيان الضالّ لا المضل ويدذ عليه قوله وهو أعلم بالمهتدين فليس من المهتدين لهذه النكتة، وكيف يصح ما ذكره بعد القراءة بها. قوله: (والتفضيل الخ) يعني زيادته إمّا في المعلومات أو في وجوه العلم أو باعتبار الكيفية وهي لزوم علمه أو كونه ذاتيا. قوله: (مسبب عن إنكار الخ) لأنه أنكر اتباع المضلين ومن جملة ما هم عليه الذبائح للأصنام وغيرها، وتحريمهم الحلال كالصوائب والبحائر وتحليل الحرام كالميتة وما ذبح لغير الله. قوله: (لا مما ذكر عليه اسم غيره) قيل الحصر مستفاد من عدم اتباع المضلين ومن التقييد بالشرط المذكور، وقيل من سبب النزول وانّ نزاع القوم إنما هو في الميتة دون ما ذكر عليه اسم الله فلو لم يكن المراد إباحة ما ذكر اسم الله عليه فقط لكان الكلام متعرضا لما لا يحتاج إليه ساكتا عما يحتاج إليه، وقيل عليه لا حاجة إلى هذا والنفي المذكور مستفاد من صريح النظم وهو قوله ولا تأكلوا مما لم الخ فإنه
وقوله وذروا الخ معطوفان على قوله فكلوا، وقوله وما لكم من تتمة المعطوف عليه يشير إلى أنّ التسبب باعتبار المعطوف ولا دخل فيه للمعطوف عليه، وفائدته الرذ على من تحرّج من المسلمين في أكل الذبيحة وان ذكر عليها اسم الله كما صرح به في قوله: وما لكم أن لا تثلوا الخ تقريعا لهم على ذلك، ويردّه أنهم جعلوا هذا النفي مأخوذاً من المعطوف عليه فقط مستفاداً من قبل ذكر المعطوف فلا بد من ملاحظة ما ذكره النحرير كغيره. قوله: (حتف أنفه (أي من غير ذبح ونحوه قال الجوهري: ولم يسمع له فعل، وحكى ابن القوطية في أفعاله له فعلاً وهو حتفه الله يحتفه من باب ضربه إذا أماته قيل أوّل من تكلم حتف أنفه النبيّ لمجور فهي لغة إسلامية وليس كذلك فإنهم تكلموا بها في الجاهلية قال السموأل:
وماماًت مناسيدحتف أنفه ولاضل مناحيث مات قتيل
وخص الأنف لأنهم أرادوا أنّ روحه تخرج من أنفه بتتابع أنفاسه فتخيلوا خروج روج المريض من أنفه والجريح من جراحته. قوله: (إن كنتم بآياته مؤمنين) أي إن صرتم عالمين حقائق الأمور بسبب إيمانكم بالله وهذا من جملة ذلك فألزموه وقيل إن كنتم متيقنين بالإيمان، وعلى يقين منه فإنّ التصديق يختلف ظنا وتقليدا وتحقيقاً. قوله: (وأيّ غرضى لكم الخ) اختلف في سبب نزول الآية فقال علم الهدى سببه أن المسلمين كانوا يتحرّجون من أكل الطيبات تقشفا وتزهداً، ويؤيده قوله مالكم الخ، ثم إنه قيل إنه يجوز اكل مما ذكر اسم الله عليه وغيره معا، وليست من التبعيضية لإخراجه بل لإخراج ما لم يؤكل منه كالروث والدم، وهو خارج بالحصر السابق كما نطق به كلامه، وقوله: في أن إشارة إلى تقدير في قبل المصدر المؤوّل وليس حالاً كما أعربه بعضهم لأنّ المصدر المؤوّل من أن والفعل لا يقع حالاً كما صرح به سيبويه لأنه معرفة ولأنه مصدر بعلامة الاستقبال المنافية للحالية، وان أيده وقوع الحال بعده كثيراً نحو ما لهم عن التذكرة معرضين إلا أن يؤوّل بنكرة أو يقدر مضاف، وقوله بقوله: حرمت عليكم الميتة تبع فيه الزمخشري، وقد ردّه الإمام وغيره بأنّ الصواب بقوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٤٥ ا] الآية فبقي ما عدا ذلك على الحل لا بقوله حرّصت الخ لاً نها مدنية، وأما التاخر في التلاوة فلا يوجب التأخر في النزول وقيل: التفصيل بوحي غير متلو كما أشير إليه في قوله قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرما الآية وفصل وحرم قرئ كلى منهما معلوما ومجهولاً. قوله: " لا ما اضطررتم إليه) ظاهر تقرير الزمخشري أنّ ما موصولة فلا
يستقيم غير جعل الاستثناء منقطعاً، قيل ولك أن تجعله استثناء من ضمير حرم، وما مصدرية في معنى المدّة أي الأشياء التي حرّمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها، وفيه أنه لا يصح حينئذ الاستثناء من الضمير بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر ومن في مما حرم تبعيضية وضمير إنه راجع لما. قوله: (وقيل الزنا في الحوانيت
стр. 1202
واتخاذ الأخدان) جمع خدن وهو الصاحب، وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب لزنا وغيره من الشهوات النفسانية فيقال خدن المرأة وخدينها وهذا لف ونشر مرتب للظاهر والباطن، وكانوا في الجاهلية يستحلون زنا السرّ، وأفاد الطيبي أنه على هذا الوجه مقصود العطف مسبب عن عدم الاتباع وعلى الأوّل معترض للتاً كيد، وهو الوجه، ولذا أخره المصنف رحمه الله تعالى.
قوله: (ظاهر في تحريم الخ) أي من الحيوان وذهب عطاء وطاوس إلى أنّ متروك التسمية حيواناً أو غيره حرام لظاهر الآية ولكن سبب النزول يؤيد خلافه كما احتج عليه من عداه. قوله: (وقال مالك (الذي في شروح الهداية عنه أنه تال: بالحرمة مطلقا، وفي الانتصاف وصاحبه من أئمة المالكية أنّ مذهب مالك يوافق مذهب أبي حنيفة وأما هذا فرواية شاذة عن أشهب فعنة في ذلك روايتان أشهرهما موافقة أبي حنيفة ﵀. قوله: (ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه) ذكر الضمير لتأويله بالمذبوج وهذا الحديث رواه أبو داود في المراسيل ولفظهإ ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر ") ١ (. قوله: (وفرق أبو حتيفة ﵀ الخ) قال النحرير: أما الناسي فلأنّ تسمية الله في قلب كل مؤمن على ما روي أنه ىلمجي! سئل عن متروك التسمية ناسيا فقال: " كلوه فإنّ تسمية الله في قلب كل مسلم " و! م يلحق به
العامد إما لامتناع تخصيص الكتاب بالقياس وان كان منصوص العلة وأمّا لأنه ترك التسمية عمداً فكأنه نفى ما في قلبه واعترض بأن تخصيص العامّ الذي خص منها البعض جائز بالقياس المنصوص العلة وفاقا وبأنا لا نسلم أنّ التارك- عمدا بمنزلة النافي لما في قلبه بل ربما يكون لوثوقه بذلك وعدم افتقاره إلى الذكر فذهبوا إلى أنّ الناسي خارج بقوله وإنه لفسق إذ الضمير عائد إلى عدم ذكر التسمية لكونه أقرب المذكورات، ومعلوم أنّ الترك نسيانا ليس بفسق لعدم تكليف الناسي والمؤاخذة عليه فتعين العمد، وقد عرفت ما فيه، وفي هذا المقام تحقيقات من أرادها فعليه بشروح الكشاف. توله: (وأوّله) وفي نسخة وأوّلوه وظاهر النسخة الأولى إنه تأويل أبي حنيفة ﵀ والذي في الكشاف إنه تأويل الشافعي ﵀ وهو الظاهر، واعترض بأنه عند أبي حنيفة أن متروك التسمية عمداً حرام أيضا، فالواجب أن يقول وبالمتروك التسمية عمدا فتأويله عند أبي حنيفة بالميتة لا غير يجعل المتروك التسمية عمدا داخلاً في الميتة دون المتروك نسياناً، ولك أن تحمل كلام المصنف ﵀ على أنه تأويل لمذهبه أو من طرف أبي حنيفة ﵀ لمن استدل عليه بالآية بإخراجه منها هاثبات مدعاه بالحديث، والظاهر أن أو في كلامه للترديد أي منهم من أوّله بهذا، ومنهم من أوّله بذاك بدليل قوله فإنّ الفسق الخ وقوله وهو يؤيد التأويل بالميتة فإنه يدل على أنه تأويل على حدة، وقيل إنها للتنويع وهو تأويل واحد. قوله: (وإنه لفسق الخ) هذا ملخص ما ذكره الإمام استدلالاً للشافعي ﵀ بأنّ النهي مقيد بقوله وإنه لفسق لأن الواو للحال لقبح عطف الخبر على الإنشاء والمعنى لا تأكلوه حال كونه فسقا ثم إنّ الفسق مجمل يفسره قوله: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣] فيكون النهي مخصوصاً بما أهل لغير الله به فيبقى ما عداه حلالاً إما بالمفهوم أو بعموم دليل الحل أو بحكم الأصل واعترض! عليه بأنه يقتضي أن لا يتناول النهي أكل الميتة مع أنه سبب النزول وبأنّ التأكيد بأنّ واللام ينفي كون الجملة حالية لأنه إنما يحسن فيص قصد الإعلام بتحققه البتة، والردّ على منكر تحقيقا أو تقديراً على ما بين في المعاني والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير كأنه قيل لا تأكلوا منه إن كان فسقا فلا يحسن وإنه لفسق بل وهو فسق وأجيب عن الأوّل بأنه دخل بقوله وإنه لفسق ما أهل به لغير الله، وبقوله وإنّ الشياطين الخ الميتة فيتحقق قول الشافعي إنّ هذا النهي مخصوص بما ذبح على النصب أو مات حتف أنفه، وعن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق هاهنا الإهلال لغير الله كان التأكيد مناسباً كأنه قيل لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق والمشركون ينكرونه وفيه أنه وقع في بعض كتب المعاني في قوله:
إنّ بني عمك فيهم رماج
أنّ الجملة المصدرة بأن لا تقع حالاً لأنها حرف لا يكاد يرتبط ما صدر به بما قبله إلا أن كلامهم هنا لا يوافقه، ولم ينكروا على الرازي إعرابها حالية، وقد قال الفاضل اليمني في قوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٦ ا]
стр. 1203
لا امتناع في تصدير الجملة الحالية بأنّ والنحرير أشار إلى تفصيل فيه وهو من الفوائد البديعة. قوله: (والضمير لما الخ) أئا بتقدير مضاف أي أكله أو جعله عين الفسق مبالغة، ولم يجعل الضمير للمصدر المأخوذ من مضمون لم يذكر اسم الله عليه أي إن ترك ذكر اسم الله عليه فسق لأن كون ذلك فسقا لا سيما على وجه التحقيق، والتأكيد خلاف الظاهر، ولذا لم يذهبوا إليه ولأنّ ما لم يذكر اسم الله عليه شامل للميتة مع القطع بأنّ ترك التسمية عليها ليس بفسق كذا قيل، وقيل عليه إنّ الضمير يرجع إلى ما باعتبار أحد متناوليه والمعنى لا تأكلوا الميتة وما أهل لغير الله به، فإنّ عدم التسمية على الثاني فسق دمانّ الكفار يجادلونكم في أكل الأوّل، وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾ من جملة الدليل دال على أحد شطري المدعي وهو مع تكلفه ليس مطابقا لكلام المعترض فإنه على تقديره رجوعه إلى المصدر لا إلى ما وهذا من جملة أوهامه، والمراد بما قتله الله الميتة. قوله: (وإنما حسن حذف الفاء الخ) تبع فيه أبا البقاء ﵀، وقيل عليه إنّ هذا لم يوجد في كتب العربية بل اتفقوا على أنّ ترك الفاء في الجملة الاسمية لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وكأنه قاسه على جواز عدم جزم المضارع في الجزاء إذا كان الشرط ماضيا فالتوجيه في تركها ما ذكر الرضي وأبو حيان، والمعرب إنه على تقدير القسم وحذف لام التوطئة فلذلك أجيب القسم والأصل والتقدير ولئن أطعتموهم والله أنكم لمشركون وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده وأتا ما ادّعاه من أنّ حذف الفاء مخصوص بالضرورة فليس كما قال فإنّ المبرد أجازه في الاختبار كما ذكره المرادي في شرح التسهيل، وقول ابن مالك: توضيحه ما زعمه النحويون من أنه مخصوص بالضرورة ليس بصحيح بل يكثر في الشعر، يقل في غيره كما في الحديث: " إنك إن تاع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة " (١ (فمن خص الحذف بالشعر فقد حاد عن التحقيق، وضيق حيث لا تضييق انتهى، فيه نظر لأن الكلام في حذفها وحدها إمّا تبعية للجملة أو بعض أجزائها فليس محل الخلاف كما في الحديث فرث أمر يغتفر تبعاً ولا يغتفر استقلالاً. قوله: (مثل به من هداه الله الخ) قيل هما
تمثيلان لا استعارتان كما مرّ في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩ ا] وردّ بأنّ الظاهر أنّ من كان ميتا ومن مثله في الظلمات من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحاً يحاولا دلالة بحيث ينافي الاستعارة والاستعارة الأولى بجملتها مشبه والثانية مشبه به، وهذا كما تقرل: في الاستعارة الإفرادية أيكون الأسد كالثعلب أي الشجاع كالجبان.
(قلت) وهذا من بديع المعاني الذي ينبغي أن يتنبه له ويحفظ فإنهم ذكروا أن التشبيه
ينافي الاستعارة بل شرطوا فيها أن لا تشمّ رائحته، والمراد إن التشبيه الواقع في تلك الاستعارة أو في شيء منها مناف لها وأمّا تشبيه المعنى المستعار بعد تقرّر التجوّز فيه بمعنى آخر حقيقي أو مجازي كما هنا فلا ينافيها، كما صرّح به المحققون من شراح الكشاف، وقد أومأ إليه الشريف أيضا في سورة البقرة في قوله:
كان أذني قلبه خطلاً وان
فتدبره بأذن واعية، وقوله ميتاً على الأصل يعني بالتشديد، وقوله: (صفته (بيان لأنّ
المثل هنا بمعنى الصفة كما في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ اسورة الأنعام، الآية: ٢٢ ا] الآية لكنه يختص بالصفة الغريبة كما مز تحقيقه في أوّل سورة البقرة. قوله: (وهو مبتدأ خبره الخ) في الكشاف كمن صفته هذه وهي قوله: إ في الظلمات ليس بخارج (منها بمعنى هو في الظلمات ليس بخارج منها كقوله مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار أي صفتها هذه، وهي قوله فيها أنهار يعني أن جملة هو في الظلمات ليس بخارج منها وقعت خبر المبتدأ الذي هو مثله على سبيل الحكاية، بمعنى إذا وصف يقال له ذلك، وجملة مثله مع خبره صلة الموصول ففي الظلمات خبر هو مقدراً، ولا يصح أن يكون خبر مثله لأن في الظلمات ليس ظرفاً للمثل وضمير هو وضمير ليس راجعان لمن إذا عرفت هذا فقد قيل إن في كلام المصنف رحمه الله تعالى اختلالاً إلا أن يتكلف ويفسر قوله، وهو مبتدأ بمعنى لفظ هو مبتدأ حتى قيل إن في النسخة تحريفاً من الناسخ ولعل لفظه خبره هو في الظلمات (قلت أليس الأمر كما زعم فإن ما ذكره المصنف ﵀ صزج به المعربون كالسمين وأبي البقاء فإنه قال في الظلمات خبر مثله ولم يقدر هو مبتدأ وهو لا يلزمه أن يكون في
стр. 1204
الظلمات ظرفاً للمثل لأنّ المراد أنّ مثله هو كونه في الظلمات والمقصود الحكاية وليس تقدير الزمخشري هو إلا لأجل التوضيح لذلك وليس بضروري، فإن المثل بمعنى الصفة وهي مبهمة، وقوله في الظلمات الخ مبين لتلك الصفة ولش! الضمير الذي فيه يرجع للمثل حتى يلزم ما توهمه لأنّ الخبر عين
المبتدأ فلا يحتاج إلى عائد كما إنه لو قدر هو كذلك فتأمّله فإنه حقيق بالتأمّل، ومن فسر كلام المصنف بما في الكشاف وشروحه فقط خبط هنا إلا أنّ ما قاله الزمخشري أحسن لأنّ خبر مثله لا يكون إلا جملة تامّة والظرف بغير فاعل ظاهر لا يؤدّي مؤدّاه كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٣٥] فاعرفه، وقوله للفصل ولأنه لا يخبر عن المبتدأ إلا بعد ذكر ما هو من تتمته مع أنّ المعنى ليس عليه فالمراد بقوله صفته صفته الغريبة العجيبة فإنّ المثل مخصوص به وتركه اعتماداً على ما تقدم في سورة البقرة فلا يرد عليه ذلك كما قيل، وقوله للفصل أي بالخبر ولضعفها من المضاف إليه لا لعدم مساعدة المعنى كما قيل. توله: (كما زين الخ) قيل هذا بعيد والظاهر أن يجعل المشار إليه إيحاء الشياطين، وكأنه إنما قدّره بقرينة سبب النزول فالمراد بالمؤمنين حمزة وعمر وعمار ﵃ والكافرين أبو جهل فإنّ الأوّلين زين لهم إسلامهم وهو زين له عمله. قوله: (أي كما جعلنا في مكة كابر مجرميها الخ) قال الطيبي: هذا مشعر بأنّ قوله أو منك ان ميتا الآية متصل بقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢١] لأنّ الضمير المرفوع للمسلمين والمنصوب للمشركين وهم الذين قيل فيهم: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٦ ا] وهم الذين قالوا للمسلمين: إنكم تزعمون إنكم تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم والجملة الشرطية أي وان أطعتموهم إنكم الخ متضمنة لإنكار عظيم وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢٢] الخ أمّا حال مقرّرة للإنكار إذ الموحد والمشرك لا يستويان فتأمله. قوله: (ومفعولاه أكابر مجرميها على تقديم المفعول الثاني الخ (إذا كان جعل بمعنى صير تعدّى لمفعولين واختلف في تعيينهما فقيل في كل قرية مفعول ثان مقدم وأكابر مجرميها بالإضافة هو الأوّل، وقيل أكابر مفعول أوّل ومجرميها بدل منه فاله أبو البقاء، وقيل أكابر مفعول ثان قدم ومجرميها مفعول أوّل لأنه معرفة فتعين إنه هو المبتدأ بحسب الأصل والتقدير جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر فيتعلق الجارّ والمجرور بالفعل، ولما كان في كل عصر مجرم كان معلوما، وإنما المطلوب كونه من الرؤساء، واعترض على هذا أبو حيان بأنه خطأ وذهول عن فاعدة نحوية وهي إن أفعل التفضيل إذا كان بمن ملفوظا بها أو مقدرة أو مضافا إلى نكرة كان مفرداً مذكرا دائما سواء كان لمفرد مذكر أو لغيره، فإن طابق ما هو له تأنيثا وجمعا وتثنية لزمه أحد أمرين إما الألف واللام أو الإضافة إلى معرفة فالقول بأنّ مجرميها بدل من أكابر أو مفعول خطأ لالتزامه أن يبقى مجموعا وهو غير معرف بأل ولا مضاف لمعرفة وذلك لا يجوز، قال: وقد تنبه لهذا الكرماني إذ قال: إضافة أكابر إلى مجرميها
لأنّ أفعل لا يجمع إلا مع الألف واللام أو الإضمافة ولو قال إلى معرفة لكان أولى، وهو غير وارد لأنّ أكابر وأصاغر أجرى مجرى الأسماء لكونه بمعنى الرؤساء والسفلة، وما ذكره إنما هو إذا بقي على معناه الأصلي، ويؤيده قول ابن عطية ﵀ إنه يقال: أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة كما قال:
إنّ الأحامرة الثلاث تولعت
وانّ ردّه أبو حيان بأنه لم يعلم أحد من أهل اللغة والنحو أجاز في جمع أفضل أفاضلة
وفيه نظر، وأمّا الجواب بأنه على حذف المضاف المعرفة للعلم به أي أكابر الناس، أو أكابر أهل القرية فلا يخفى ضعفه. قوله: (ويجوز أن يكون مضاقاً إليه إن فسر الجعل بالتمكين الخ) كون الجعل بمعنى التمكين أي الاستقرار في المكان إنما هو إذا تعدى لمفعول واحد وكأن هذا إنما جاء من تعلق في كل قرية به وقد قدم إنه إذا تعدى لواحد يكون بمعنى خلق، وبه صرّج النحاة، ولما كان غير مناسب هنا فسره بما ذكر وهو راجع لمعنى التصيير، وقيل إنه عطف على قوله مجرميها بدل ولا يلزم أن يكون بمعنى التمكين بل يجوز كونه بمعنى التصيير والظرف مستقرّ أي صيرنا أكابر مجرميها موجودين في كل قرية، وعلى تفسيره بالتمكين فالتمكين حيحئذ من المكان وان جعل من المكنة لا يصح إلا بجعل ليمكروا مفعولاً ثانياً، أي مكنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها أي جعلناهم متمكنين للمكر
стр. 1205
فيها، فمن قال: لا يحتاج إلى هذا إلا على تقدير كون ليمكروا مفعولاً ثانيا فقدسها وان كان كلاما مستأنفا يرد عليه إنّ كونه مضافا إليه لا يتوقف على هذا التفسير، وغاية ما يمكن في توجيه كلام المصنف إنه عطف على قوله مفعولاه أكابر مجرميها ردّاً لقول الإمام أنه لا تجوز الإضافة لأنّ المعنى لا يتم إذ يحتاج إلى مفعول ثان للجعل، وعلى هذا التفسير يتم المعنى فتجوز الإضافة، وفي قوله أو في كل قرية إشارة إلى رد آخر وهو مبني على تمام الكلام عند قوله مجرميها، وكون اللام للمصلحة وظاهر كلام الزمخشري أن جعلنا بمعنى صيرنا والظرف لغو وأكابر أوّل المفعولين مضاف لمجرميها وليمكروا الثاني كما ذكره النحرير، قيل عليه لا تخصيص للإضافة بهذا المعنى، بل يصح مع جعل الجعل بمعنى التصيير والمفعول الثاني لا يتعين أن يكون مجرميها كما مرّ، ويحتمل أن يكون المفعول الثاني ليمكروا فيها وهو مقتضى سوق الكشاف كما ذكره النحرير وفيه أنّ اللام سواء كانت للغرض أو للعاقبة متعلقة بالجعل لا محالة (قلت) يعني إنه على الإضافة لا يصح جعل ليمكروا مفعولاً ثانياً لأنّ المعنى يأباه، ولا في كل قرية لأنّ جعل مجرمي القرية في القرية
لغو من الكلام لا يفيد، وجعل أصل الكلام أكابر المجرمين فأضيف إلى ضمير القرية لزيادة الربط تكلف مستغنى عنه، فتعين أن يكون متعديا لواحد بمعنى مكناهم لأن معنى جعل زيد في البيت إسكانه وتمكينه فيه وكأنه معنى مجازي، وقى عليه جعل جعل بمعنى خلق ومنه يعلم ما وقع في بعض الحواشي، وقوله إذا أضيف يعني لمعرفة وهو الواقع وترك التصريح به لأنه معلوم، وقال النحرير: قيل في كل قرية أكابر مفعولاً جعلنا ومجرميها بدل أو مضاف إليه بدليل قراءة أكبر مجرميها، وقيل أكابر مجرميها مفعولاه بتقديم الثاني وفي كل قرية لغو، والذي يقتضيه النظر الصائب، والتأمّل الصادق إنّ في كك قرية لغو وأكابر أوّل وليمكروا ثان انتهى. قوله: (زاحمنا بني عبد مناف) يعني نافسناهم في الشرف، وقوله: (كفرسي رهان) هو مثل يضرب للتساوي ولما كان فرسا الرهان لا يلزمهما التساوي إذ قد يسبق أحدهما فسره في النهاية بقوله سابقان إلى غاية، وقال غيره المراد التشبيه باعتبار ابتداء الجري والخروج للرهان لا باعتبار النهاية. قوله: (استئناف للرذ عليهم الخ) أي جواب سؤال نشا من قولهم لن نؤمن الخ أي فما كان جواب الباري تعالى لهم قوله: وإنما هي بفضائل الخ في المواقف لا يشترط في الإرسال استعداد ذاني بل الله يختصبرحمته من يشاء، والله أعلم حيث يجعل رسالاته فقيل عليه دلالة الآية على الاستعداد أظهر لما روي عن أبي جهل ولما ذكره المصنف ﵀، وهذا لا يستلزم الإيجاب الذي يقوله الفلاسفة لأنه إن شاء أعطى النبوّة وان شاء أمسك وأن استعد المحل.
(قلت (مراد صاحب المواقف أيضا بالاستعداد الذاتي الموجب لأنّ عادته تعالى أن يبعث
من كل قوم أشرفهم وأطهرهم جبلة فلا يرد عليه ما ذكر، ثم إنّ قوله أعلم بالمكان يريد أنّ حيث خرجت عن الظرفية بناء على القول بتصرفها، ولا عبرة بمن أنكره فهي مفعول به وناصبه فعل مقدر أي يعلم وترك التنبيه عليه اعتمادا على ما سبق فلا يرد عليه أنه يقتضي نصب أفعل التفضيل للمفعول به كما توهم وفي كتاب الشعر لأبي عليّ رحمه الله تعالى الجملة بعد حيث إذا وقعت مفعولاً به صفة، والمعنى حيث يجعله أي يجعل فيه قيل، وعبارة المصنف ﵀ تدلّ عليه، ويحتمل الإضمافة أيضا، وقال الرضي: والأولى أنه مضاف ولا مانع من إضافته وهو اسم إلى الجملة وفيه بحث، وقال ابن الصائغ: ولا يصح في حيث هنا الجرّ بالإضافة لأن أفعل بعض ما يضاف له ولا نصبه بأفعل نصب الظرف لأنّ علمه تعالى غير مقيد بالظرف، وردّ بأنه يجعل تقيده به مجازيا باعتبار ما تعلق به، وهو أولى من إخراجه عن الظرفية فإنه ممتنع أو
نادر، فإن قلت ذكر المفسرون والمتكلمون أنّ الآية ردّ على الفلاسفة والمتكلمين وهؤلاء إنما ذكروا النبوّة والمذكور في الآية الرسالة، فلا دليل فيها، قلت: إثبات الأخص أعني الرسالة يلزم منه إثبات الأعمّ أعني النبوّة الذي نازع فيه الفريقان، وهذا مع ظهوره لم يتعرّضوا له لأنهم إنما ينكرون الرسالة لأنها هي التي تضرهم أو لأنه يلزم من إنكار الأعمّ، وانتفائه انتفاء الأخص. قوله: (دّل وحقارة الخ) كونه بعد الكبر مستفاد من قوله سيصيب ومن وصفهم بأكابر قبله، وهو أشنع فلذا قيده به، وقوله: (يوم القيامة) تفسير
стр. 1206
للعندية كما يقتضيه المقام، وقد يفسر بعلمه وقدرته فإن لكل مقام مقالاً. قوله: (وقيل تقديره من عند الله) قال الفراء: إنه اختار هذا أكثر المفسرين ولا يجوز في العربية أن تقول جئت عند زبد وأنت تريد من عند زيد انتهى، والى ضعفه أشار المصنف ﵀ بتمريضه وتأخيره، وقوله بسبب مكرهم إشارة إلى أنّ الباء للسببية وما بعده إلى أنها للمقابلة كما في بعثه بكذا، وفسر الهداية بالتعريف لأنّ تعريف الطريق دلالة. قوله: (فيتسع له ويفسح فيه) وفي نسخة وينفسح وهو بمعنى يتسع أيضاً وأصل معنى الشرح الشق والفتح وهو يقتضي السعة والفسح فإنه إذا شرح جسم انبسط وظهر ما تحته ولذا قابله بالضيق هنا والواسع يقبل ما يدخله بسهولة فلذا جعل عبارة عن كونه قابلا للحق مفرغا عن غيره إذ لو اشتغل به لم يكن متسعاً، وهذا على طريق التمثيل والتجوّز، فقوله كناية أراد به معناها اللغوي وهو إنه عبارة عن ذلك والا فهو بناء على من لا يشترط فيه إمكان المعنى الحقيقي. قوله: (وإليه أشار عليه أفضل الصلاة والسلام الخ) هذا الحديث (١ (ساقه أكثر المفسرين هنا وقد أخرجه الفريابي وابن جرير والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود ﵁ يعني أنّ النبئ ﷺ سئل عن معنى شرح الصدر في هذه الآية فذكره والإنابة
إلى دار الخلود بمعنى الميل إلى ما يقرب من الجنة والتجافي البعد عن الدنيا، وقوله بحيث ينبو أي يمتنع عن قبول الحق، وهو بيان لأنه ضد شرح الصدر، وقوله:) وصفا بالمصدر (أي للمبالغة وكذا ضيقا في أحد وجوهه وأصل معناه شدة الضيق، فإن الحرجة غيضة أشجارها ملتفة بحيث يصعب دخولها. قوله:) كأنما يصعد الخ) فسره ابن عباس ﵄ بقوله، فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد في قلبه حتى يدخله وبه يتضح معنى التشبيه والامتناع فيه عادي، وقوله: (بمن يزاول الخ) تفسير لصيغة التفعل إشارة إلى أنه للمزاولة والتكلف، وقوله وقيل معناه محصل الأوّل محاولة ما لا يقدر عليه ومعنى هذا تباعده عن الحق ونبوّة عنه، وأصل يصعد ويصاعد يتصعد ويتصاً عد فأدغمت التاء في الصاد من الصعود وهذه الجملة مستأنفة، وؤاء. جوّز فيها الحالية أيضا. قوله: (كذلك) يجوز فيه التشبيه كما ذكره المصنف وأن يكون إشارة إلى الجعل المذكور بعده كما مرّ خقيقه، وقوله العذاب أو الخذلان فوصف الخذلان ومغ التوفيق بنقيض ما يوصف به التوفيق من أنه طيب، أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب، وقوله للتعليل لأنّ سبب خذلانهم وعذابهم عدم إيمانهم. قوله: (الطريق الذي ارتصاه الخ) يعني إضافة صراط إلى الرب إن كانت للتشريف فالمراد به الطريق المرضي وهو يناسب الإشارة إلى بيان القرآن أو الإسلام ومستقيماً بمعنى لا عوج فيه حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبا مثل هذا أبوك عطوفا، وان جعلت بمعنى الطريق الذي أوجده على مقتضى الحكمة شمل الهداية والإضلال لأنهما طريقان للفلاح والخسران وهو يناسب جعل الإشارة إلى ما سبق ومستقيما حال مؤسسة إن أخذ على ظاهره، والعامل اسم الإشارة أو ها التي للتنبيه وان فسر
بما ذكره المصنف فمؤكدة، وعاملها مقدر كما أشار إليه بتمثيله بقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩١] والمراد بالعوج في قوله لا عوج العوج المعنوي، وقوله مطرد إشارة إلى أنّ الاستقامة بمعنى الاطراد والدوام ولا وجه لما قيل إن كل حال مؤكدة يحتمل أن تكون مقيدة بهذا الاعتبار ولم يقل به أحد والعامل في الحال على كل حال معنى الإشارة أو التنبيه، وقوله دار الله إشارة إلى أنّ السلام اسمه تعالى أضيف إليه للتشريف، أو بمعنى السلامة من المكاره أو دار تحيتهم به فيكون السلام بمعنى التسليم لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [سورة يونى، الآية: ٠ ا] . قوله: (في ضمانه الخ) أي معنى العندية أنه تكفل بها تفضلاً بمقتضى وعده فلا يرد عليه إنه تبع الزمخشري فيه وهو على مذهبه في الوجوب على الله، أو إنها مدخرة لهم لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٧] وفسر بأنهم في منزلة وضيافته وكرامته ويحتمل أن يكون قوله عند الله فيما سبق من قوله: ﴿صَغَارٌ عِندَ اللهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٤ ا] بهذا المعنى على سبيل التهكم. قوله: (بسبب أعمالهم الخ) يعني الوليّ إن كان بمعنى الموالي أي المحب أو الناصر فالباء للسببية وان كان بمعنى المتولي فهي
стр. 1207
للملابسة بتقدير مضاف أي يتولاهم ملتبسا بجزاء أعمالهم أي يعد لهم الثواب، ويوم نحشرهم منصوب على الظرفية، والعامل فيه اذكر مقدّراً أو نقول أو كان ما لا يذكر لشناعته كما ارتضاه الزمخشري وقوله من إغوائهم يعني أنه بتقدير مضاف إذ لا معنى لاستكبارهم بحسب الظاهر أو هو عبارة عن جعلهم أتباعاً. قوله: (بأن دلوهم على الشهوات الخ) هذا محصل ما في الكشاف، ومعنى يعوذون أنّ الرجل منهم كان إذا نزل وادياً وخاف قال: أعوذ برب هذا الوادي يعني كبير جنه، ومعنى إجارتهم إنقاذهم كما ينقذ الجار جاره وأصل معناه المنع كما قال:
هم المانعون الجار حتى كأنهم لجارهم فوق السماكين منزل
وقوله: (وهو اعتراف الخ) يعني قوله: (ربنا استمتع) إلى هنا وإنما جعله للتحسر لعدم
فائدة الخبر ولازمها وهو ظاهر. قوله: (منزلكم الخ) يعني منوي إما اسم مكان أو مصدر فإذا كان مصدرأ فالحال من الضمير ظاهرة لأنه عامل فيه لأنه مضاف إلى فاعله، والحال لا يكون من المضاف إليه إلا إذا كان المضاف عاملاً أو جزأه أو كجزئه، وأما إذا كان اسم مكان فلا يكون عاملاً فلذا قدر العامل أي يبوّؤن فيها خالدين، وأما قول أبي البقاء، وتبعه المصنف ﵀ إنّ العامل معنى الإضافة فقد رذوه بأنّ النسبة الإضافية لا تعمل ولا يصح أن تنصب الحال وسيأتي تفصيله. قوله: (١ لا الآوقات الخ الما كان الخطاب للكفرة، وهم لا يخرجون من النار لأنّ ما قبله بيان حالهم فيبعد جعله شاملا للعصاة ليصح الاستثناء باعتباره مع أن استعمال ما للعقلاء قليل وجهوه، بأن المراد النقل من النار إلى الزمهرير أو المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله وهو مما لا يكون مع إبراز في صورة الخروج، وأطماعهم في ذلك تهكماً وتشديدا للأمر عليهم وما مصدرية وقتية ولخفاء هذا الوجه تركه المصنف رحمه الله تعالى، أو أن المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول ورذ الأوّل بأنّ فيه صرف النار من معناها العلمي، وهو دار العذاب إلى اللغوي، وأجيب عنه بأنه لا بأس بالصرف إذا ادعت إليه ضرورة، وقيل عليه إنّ المعترض لا يسلم الضرورة لا مكان غير ذلك التأويل مع أنّ قوله مثواكم يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر وردّ الأخير أبو حيان بأنه في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المخرج والمخرج منه، فإن قلت قام القوم إلا زيدا فمعناه إلا زيدا ما قام ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدا ما يقوم في المستقبل، وكذلك سأضرب القوم إلا زيدا معناه إلا زيداً فإني لا أضربه في المستقبل ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدا فإني ما ضمربته قبل إلا إذا كان استثناء منقطعاً، فإنه يسوغ كقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦] فإنهم ذاقوها ولك أن تقول أنّ القائل به يلتزم انقطاعه كما في الآية التي ذكرها ولا محذور فيه مع ورود مثله في القرآن وفيه نظر، وقيل إنه غفلة عن تأويل الخلود بالأبد والأبد لا يقتضي الدخول، وفي الآية تأويلات أخر منها ما نقل عن ابن عباس ﵄ أنه تعالى استثنى قوما قد سبق علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبيّ-لمج! ، وهذا مبني على أنّ الاستثناء ليس من المحكيّ، وإنّ ما بمعنى من، ومنها أنهم يفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم إستهزاء بهم وهو معنى قوله:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [سورة المطففين، الآية: ٣٤] قال الشريف: علم الهدى المرتضى في الدرر فإن قيل أفي فائدة في هذا الفعل وما وجه الحكمة فيه قلنا وجه الحكمة فيه ظاهر لأنّ ذلك أغلظ على نفوسهم وأعظم في مكروههم، وهو ضرب من العقاب الذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة لأنّ من طمع في النجاة والإخلاص من المكروه واشتد حرصه
على ذلك ثم حيل بينه وبين الفرج وردّ إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه، ومنها ما قال الزجاج: إن المعنى إلا ما شاء من زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى منه على هذا التأويل، قال في الانتصاف: ونحن نبينه فنقول العذاب على درجات متفاوتة فكان المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية وتنتهي إلى أقصى النهاية حتى تكاد لبلوغها الغاية ومباينتها الأنوأع العذاب في الشدة تعد خارجة عنه ليست من جنسه، والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد كما يعبر عن كثرة
стр. 1208
الفعل برب وقد الموضوعتين لضده من القلة وهو معتاد في لغة العرب وقد حام أبو الطيب حوله فقال:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلاً للمنتهى ومن السروربكاء
فكأنّ هؤلاء إذا نقلوا إلى غاية العذاب ونهاية الشذة قد وصلوا إلى الحذ الذي يكاد أن
يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى يسوغ معاملته في التعبير معاملة المغاير له وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط، وفي تفسير ابن عباس ﵄ ما يؤيده وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا في تفسير قوله إلا ما شاء ربك. قوله: (وقيل إلا ما شاء الله قبل الدخول) فيه تأمّل إذ لو أراد جعل قوله خالدين فيها أبداً في جميع الأوقات لا يخفى ما فيه، وان أراد تقدير أبداً بعد الخلود ففيه إنّ الخلود بعد الدخول فلا يتناول ما بعده ما قبل الدخول، وجعل التأبيد للدخول الضمني المفهوم من الخلود تعسف وكذا تعليقه بقوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢٨] تعسف ظاهر فلذلك قال قيل. قوله: (نكل بعضهم إلى بعض الخ) قال النحرير: هو على الأخير من الموالاة والمقارنة يوم القيامة ولا قبح فيه فلذا لم يؤوّله الزمخشري بناء على مذهبه وعلى الأوّل بمعنى تجعل الظلمة بعضهم، واليا على بعض متصرفاً فيه في الدنيا وهو غير قبيح عندنا من حيث صدوره عنه تعالى وعندهم قبيح، فلذا أوّلوه بتخليتهم وشأنهم حتى تصير الظلمة ولاة وعلى هذا التوجيه ما قال الإمام: إنّ هذا يدلّ على أنّ الرعية إذا كانوا ظالمين فالئه تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم، وفي الحديث: " كما تكونوا يولي عليكم)) ١ (وهذا رذ على الشارح العلامة إذ ردّ كلام الإمام، وقوله: (أو نجعل
الخ (فهو خاص مؤوّل بالإغواء، وقوله كما كانوا في الدنيا إشارة إلى معنى التشبيه في هذا الوجه، وأما على الأوّل فيجوز أن يكون تشبيها وأن يكون من قبيل ضربته كذلك كما مرّ. قوله:) الرسل من الإنس خاصة الما كان المشهور أنه ليس من الجن رسل وأنبياء قدر الفراء هنا مضافا أي من أحدكم أو أنه من إضافة ما للبعض إلى للكل كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح كما سيأتي تحقيقه أو أن الرسل أعمّ من المرسل من الله أو من رسل الله لأنّ الجن لم يرسل إليهم، وفي بعض التفاسير إنه قام الإجماع عليه وزعم قوم أنّ الله تعالى أرسل للجن رسولاً منهم يسمى يوسف، وهو لا يضرّ الإجماع لأنه خلاف لا اختلاف، والفرق بينهما معلوم، وقوله لما جمعوا الخ ظاهره أنه لا بدّ في مثله من الجمع في صيغة واحدة، وقال الزجاج: هو جار في كل ما اتفق في أصل كما اتفق الجن والإنس في التمييز والتكليف، وقوله: رسل الرسل يعني الذين بعثهم رسلنا ليبلغوهم عنهم واليهم متعلق برسل. قوله: (ذم لهم على سوء الخ) يشير إلى ما في الكشاف من أن الشهادة الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون وكيف يعترفون، والثانية ذمّ لهم وتخطئة فلا تكرار فيها والمخدج بالدال المهملة بمعنى الناقص، وتحذيرا مفعول له. قوله: (ذلك الخ) جوّز فيه أن يكون مرفوعا خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره مقدر أي كما ذكر أو خبره إن لم يكن ربك الخ أو منصوبا بفعل مقدر كخذ ونحوه والمشار إليه إتيان الرسل، أو ما قص من أمرهم أو السؤال المفهوم من قوله ألم يأتكم كما ذكره المعرب واللام مقدرة قبل أن وإليه يشير قوله تعليل، وقوله: ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ إشارة إلى التجوّز في النسبة أو تقدير المضاف ولا يأباه قوله وأهلها غافلون لأنّ أصله وهم غافلون فلما حذف المضاف أقيم الظاهر مقام ضميره، وقوله: أو لأنّ الشأن إشارة إلى أنّ اسمها حينئذ ضمير شان مقدر، وقوله ملتبسين الخ إشارة
إلى أنّ الباء للملايسة وأنه حال من المضاف المعلوم ولو قدر ملتبسة على أنه حال من القرى صح. قوله: (أو ظالماً) إشارة إلى وجه آخر على أنه حال من ربك أي ملتبساً بظلم أي ظالماً، والظلم عند عدم إرسال الرسل بناء على أنه من شأنه ذلك أو بناء على القبح، والحسن العقليين ونحن نثبته ولكن لا نجعله مناط الحكم كما قالت المعتزلة، قيل ولا يخفى أنّ قوله: وهم غافلون على هذا التقدير كالمستدرك لأنّ الظلم إنما يكون على تقدير غفلتهم، وأورد عليه أنّ الحصر ممنوع إذ قد يتصوّر الظلم مع عدم الغفلة حال التيقظ ومقارنة الانقياد، وان كان المراد به هاهنا هو الإهلاك حال الغفلة فقوله وهم غافلون تعيين للمراد فلا يتوهم الاستدراك وفيه بحث، وقوله: (بدل من ذلك) أي من لفظ ذلك عطف على قوله تعليل لأنه لا يقدر اللام فيه.
стр. 1209
قوله: (مر، لب) فسره به ليتناول الدركات حقيقة أو تغليباً فإنه عامّ لجميع المكلفين، وقوله من أعمالهم الخ فمن على الأوّل ابتدائية، وعلى الثاني بيانية بتقدير مضاف وعلى الثالث تعليلية. قوله: (على تنليب الخطاب الخ) ويجوز أن يكون التفاتاً قيل إنما خصه بقراءة الخطاب إذ لا استتباع فيمن قرأ بالياء لصحة الأخبار عن الغائبين بيعلمون من غير ارتكاب تغليب بخلاف الأخبار عن المفرد الحاضر يتعلمون فإنه لا يصح بدون التغليب، ومن توهم أنّ القيد المذكور لأنه على قراءة الغيبة لا يحمل على تغليب غير. ﷺ إذ لم يعهد في كلامهم تغليب الغائب وان كثر على المخاطب ولا يغلب أحدهما على المتكلم فقد وهم حيث زعم أنه لولا عدم العهد بتغليب الغائب على المتكلم لكان الكلام المذكور مظنة التغليب، وقد عرفت أنه ليس كذلك لصحة الكلام بدون التغليب، اهـ قلت لا كلام في صحة الكلام بدون التغليب وإنما الكلام فيما لو أريد شمول يعلمون للمخاطب بأن أريد جميع الخلق، فما المانع من التغليب على المخاطب إلا أنه لم يعهد مثله فالواهم هو لا من وهمه. قوله: (أيها العصاة) خصهم لأنّ التخويف يناسبهم ومنهم من قدره أيها الناس وله وجه. قوله: (أي قرناً بعد قرن الخ) في الكشاف من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح عليه الصلاة
والسلام، وإنما فسره بذلك لأنّ آخرين يدل على التغاير في الصفة ومثل لهم بذلك لتحقق قدرته، وقوله لا محالة أخذه من التأكيد بأن واللام، ولكنه استدراك من أن يشأ. قوله: (على غاية تمكنكم) يعني المكانة إما مصدر بمعنى التمكن أو ظرف بمعنى المكان كالمقام والمقامة وهو مجاز عن الحال كما أشار إليه الزمخشري، ويقال على مكانتك أي أثبت على حالك ولا تنحرف فهو اسم فعل بمعنى الأمر. قوله:) كان المهدّد الخ (قال النحرير: يريد أنّ الأمر للتهديد وهو من قبيل الاستعارة تشبيها لذلك المعنى بالمعنى المأمور به الواجب الذي لا بدّ أن يكون ممن ضربت عليه الشقوة. قوله: (العاقبة الحسنى) يريد أنه أطلق العاقبة والدار والمراد بالدار الدنيا وبالعاقبة العاقبة الحسنى أي عاقبة الخير لأنها الأصل، فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة وقنطرة المجاز إليها وأراد من عباده أعمال الخير لينالوا حسن الخاتمة، وأما عاقبة الشرّ فلا اعتداد بها لأنها من نتائج الفجار كما سيأتي في سورة القصص، وقوله فمحلها الرفع أي على الابتداء والجملة خبرها ومجموعهما سادّ مسد مفعولي العلم وتركه لظهوره وقوله خبرية أي موصولة وهي مفعول علم بمعنى عرف الذي يتعدى إلى واحد، وقوله مجمعا عليه على صيغة الفاعل أي عازماً مصمماً كقوله: ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٧١] وقوله لا يتأتى منه إلا الشر إشارة إلى وجه الشبه والعلاقة. قوله: (وفيه مع الإنذار الخ) الإنذار يؤخذ من قوله فسوف تعلمون لأنه للتهديد، وحسن الأدب حيث لم يقل العاقبة لنا وفوّض الأمر إلى الله وهذا من الكلام المنصف كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ووجه كون الظلم أعمّ ظاهر، وكونه أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر. قوله: (روي
أنهم كأنوا يعينون الخ) أصلا النظم وجعلوا لله الخ ولشركائهم فطوى ذكر الشركاء لأنه أمر محقق عندهم وأشار إلى تقدديره بالتصريح به بعد ذلك والزعم مثلث كالوذ. قوله: (ساء ما يحكمون) ساء يجري مجرى بئس في جميع أحكامها فما فاعل موصولة أو موصوفة وحكمهم المخصوص بالذمّ كما أشار- إلى تقديره، ويكرن ضد سرّ متعديا لواحد ويصح أن يراد هنا والتقدير ساءهم حكمهم وملا مصدرية وأخطأ ابن عطية ﵀ في منعه الأوّل لأنّ المفسر يضمر مع أنه يجوز بلا خلاث، ثم إق فاعل ساء يجب أن يكون معرّفاً باللام، أو مضافاً في الأشهر فالوجه الثاني أولى خلافا لمن عكسه. فوله:) بالوأد (هو قتل البنات الصغار، وكانت العرب في الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهن أحياء، ويقال إنهم كانوا في ذلك فريقين، أحدهما يقول إنّ الملائكة بنات الله قألحقوا البنات بالئه نهو أحق بهم، والآخر أنهم كانوا يقتلونهن خشية الإنفاق، وقيل إنهم كانوا ينذرون إن بلغ بنره عثرة نحر واحداً منهم، قيل إنما قيل لها موءودة لأنها ثقلت بالتراب الض ي طرح عليها حتى ماتت وليس بمستقيم لأن فعل الموءودة وأد وفعل الثقل آد قال تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] فهذا ناشئ من عدم الفرق بين المادتين، وقد وقع هذا الخطأ لبعض أهل
стр. 1210
اللغة ونبه عليه الشريف المرتضى في أماليه واذعاء القلب لا داعي إليه، هـ كانوا يذبحون أولادهم ويقسمون بذلك، وينذرونه كما فعله عبد المطلب في قصته المشهورة واليها أشار النبيّ بمخ! بقوله: " أنا ابن الذبيحين!) ١ (وهو معنى قوله: (ونحرهم لآلهتهم) . قوله: (شركاؤهم الخ (السدنة بالسين المهملة جمع سادن وهو خادم الصنم وجعل الجن شركاء لا! اعتهم لهم كما يطاع الشريك دلّه، وكذا السدنة أو لأنهم شركاء
في أموالهم، ومعنى تزيينه تحسينه لهم وحثهم عليه. قوله: (وهو ضعيف في العربية الخ) تبع فيه الزمخشري وهو من سقطاته وسوء أدبه على الله الذي يخشى منه الكفر كما قاله في الانتصاف والقرا آت السبعة لا بذ فيها من نقل صحيح أو متواثر فيما عدا الأداء على المشهور، وأفي مسلم يقدم على أن يقرأ كلام الله برأيه ويتبع وسم المصحف من غير سماع خصوصا هؤلاء الأئمة الأعلام الواقفين على دقائق الكلام، وهو يظن أن القرآن يقرأ بالرأي كما ذهب إليه بعض الجهلة مع أنه ليس بصحيح لأنهم فرقوا بين المضاف الذي يعمل وغيره فإن الثاني يفصل فيه بالظرت والأوّل إذا كان مصدراً ونحوه يفصل بمعموله مطلقاً لأن إضافته في نية الانفصال، ومعموله مؤخر رتبة ففصله كلا فصل فلذا ساغ فيه، ولم يخص بالشعر كغيره كما صرّج به ابن مالك، وخطأ الزمخشري لعدم فرقه بينهما وظنه أنه ضرورة مطلقا، وأما ادعاء حذف المضاف إليه من الأوّل والمضاف من الثاني كما ذهب إليه السكاكيّ فتكلف نحن في غنى عنه، وكلام الله أحق أن تجري عليه القواعد، وترجع إليه لا أن يرجع إلى كيره، والعجب ممن أثبت تلك القواعد برواية واحد عن جاهليّ من العرب فإذا جاء إلى النظم توقف في الإثبات به، ولابن القاصح في كتاب الطرق هنا كلام نفيس، وهو أنه ذكر أن حمزة ﵀ رأى رب العزة مزتين قال يا حمزة اقرأ كلامي فقرأ فقال! له: على من قرأت، قال: على فلان، قال: صدق هو كلامي إلى أن قال قرأ جبريل ﵊ قال: صدق قرأ كلامي فلما انتهى إلى الله، قال له: من قرأ سكت تأذبا قال له: قل أنت وقص القصة، قال: ومنها علم أن من كذب أحداً من القرّاء فقد كذب الله فنعوذ بالله ونسأله أن ينفعنا بكلامه، وببركة نقلته ونحن بحمد الله لا نشك في ذلك وقد شاهدناه رأى العين. قوله: (فزججتها الخ) بنصب القلوص وجز أبي والزج والدفع والمزجة بكسر الميم رمح قصير، وأبو مزادة كنية رجل والقلوص الفتية من النوق وضمير زججتها للكتيبة، وروي زج القلوص بالجرّ والتقدير قلوص أبي مزادة، فحذف من الثاني وعليه فلا شاهد، وهذا البيت لا يعرف قائله قيل ليس في هذا الشعر ضرورة لاستقامة الوزن والقافية بالإضافة إلى القلوص ورفع أبي مزادة وليس بشيء لأنّ المختار عندهم في تعريف الضرورة، أنها ما وقع في الشعر لا ما يكون عنه فدوحة والا فما من ضرورة إلا، ويمكن تغييرها مع بقاء الوزن إلا نادراً، وقوله: بإضمار فعل دلّ عليه زين فهو على حذ قوله: ليبك يزيد ضارع لخصومة وهو مشهور. قوله: (وليخلطوا مليهم الخ (لما كان المشركون لا دين لهم أوّل قوله دينهم في الكشاف بثلاثة أوجه، ففال ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل-ستن حتى زلوا عته إلى الشرك، وقيل دينهم الذي وجب أن يكونوا مليه، وقيل معناه وليوقعوهم في دين ملتبس، وقوله ما وجب عليهم الخ معناه ما كان يجب
عليهم التدين به مما يوافق شريعة من الشرائع، لا ما أحدثوه من عند أنفسهم وقيل المراد به دين الإسلام، وتزيين القتل وان كان قبل البعثة لكنه فعل يبقى عليه نسلهم وقيل المراد بالدين في الوجهين دين إسماعيل ﵊ باعتبار الحال الأوّل والحال الثاني، وكل هذا مستغنى عنه، وقوله واللام للتعليل الخ، لأنّ مقصود الشياطين من إغوائهم ليس إلا ذلك وأما السدنة فليس محط نظرهم ذلك لكنه عاقبته. قوله:) ما فعلوه الخ (المراد بقوله أو الفريقان أن الضمير راجع لجميع هؤلاء، والضمير المفرد لفعل القبيلين بتاً ويله باسم الإشارة وقد تقدم وجهه، ومن غفل عنه قال: لا حاجة إليه، ولم يذكر الإرداء والتلبيس لأنه نتيجة ذلك، وقوله افتراءهم الخ يعني ما مصدرية أو موصولة وهو ظاهر. قوله: (إشارة إلى ما جعل لآلهتهم (السابق وما بينهما كالاعتراض نإن قلت كيف يعطف عليه قوله وأنعام حرّمت ظهورها، قلت أدخلت فيها لأنّ السوائب بزعمهم تعتق وتعفى لأجل الآلهة
стр. 1211
أو أنها خبر مبتدأ مقدر وقوله يستوي الخ بيان لوصف الأنعام، وكونه مضيقا باعتبار أنه مغ منها وبزعمهم من الحكاية وكذا افتراء على الله، وقوله لا يذكرون اسم الله عليها فهو كناية، وترأ الجمهور حجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم، وروي بضم الحاء وسكون الجيم، وقرئ أيضا بفتح الحاء وسكون الجيم وبضم الحاء والجيم معا ومادّته تدلّ على المنع والحصر، وهو في الأصل مصدر مذكر ويفرد مطلقا وجوّز في المضموم الحاء والجيم أن يكون مصدرا كالحلم وأن يكون جمعا كسقف ورهن. قوله: (نصب على المصمر الخ (إنما نصبه قالوا لأنّ تعلق عليه وبزعمهم به صيره بمعنى افتروا كما أشار إليه بقوله لأنّ الخ وأما جعله الجارّ متعلقا بقالوا مع بعده فقيل في وجهه إنّ المصدر إذا وقع مفعولاً مطلقا لا يعمل لعدم تقديره، بأن والفعلى، وفيه نظر لأنّ تأويله بذلك ليس بلازم لتعلق الجارّ به كما
صرّحوأ بنظيره في تقدمه، فإن قلت استشهادهم للفصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله فزججتها الخ ينافيه لأن زج مفعول مطلق لزججتها وقد نصب القلوص قلت قد أجاب عنه الرضي بأنّ المصدر العامل ليس مفعولاً مطلفا في الحقيقة بل المفعول المطلق محذوف تقديره زجا مثل زج القلوص، وقوله بمحذوف تقديره كائنا وعلى جعله مفعولاً له أي قالوا: ما تقدم لأجل الافتراء على الباري تعالى وهو بعيد معنى، وقوله أو بدله يشير إلى أن الباء للمقابلة والعوضية كما في اشتريت بكذا. قوله: (وتأنيث الخالصة للمعنى (ثم راعى لفظها، وقال العراقي في الإنصاف ليس في القرآن آية حمل فيها أوّلاً على المعنى، ثم على اللفظ ئانيا غير هذه لا آية يعني إذا لم تكن خالصة مصدواً، ورد بأنّ له نظائر في كلام العرب كثيرة وفي القرآن في مواضع كآية: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٨] إذ أنث ضمير كل مراعاة للمعنى ثم ذكر حملآ على لفظها وآيات أخر وهي ثلاثة أخر كما في الدرّ المصون فانظره، ثم إنه غير مسلم هاهنا، فإنه حمل على اللفظ أوّلاً لأنّ صلة ما جارّ ومجرور تقدير متعلقه استقز لا استقرّت فقد روعي اللفظ فيه أوّلاً كذا قيل ولا وجه له لأنّ المتعلق والضمير المستتر فيه لا يعلم تذكيره وتأنيثه حتى يكون مراعاة لأحد الجانبين، وراوية بمعنى راو أي كثير الرواية وقيده بقوله رواية الشعر لئلا يتوهم أنه بمعنى المزادة والتاء فيه للمبالغة، وقوله:) أو هو مصدر) ذكره الفرّاء لكن مجيء المصدر بوزن فاعل وفاعلة قليل وهو حينئذ إمّا للمبالغة، أو بتقدير ذو وهذا مستفيض في لسان العرب تقول فلان خالصشي أي ذو خلوصي قال الشاعر:
كنت أميني وكنت خالصتي وليس كل امرئ بمؤتمن
قوله: (أو حال من الضمير الذي في الظرف الخ (في الكشاف ويجوز أن تكون التاء للمبالغة مثلها في راوية الشعر، وأن تكون مصدراً وقع موقع الخالص كالعاقبة أي ذو خالصة، ويدل عليه قراءة من قرأ خالصة بالنصب على أنّ قوله لذكورنا هو الخبر وخالصة مصدر مؤكد ولا يجوز أن يكون حالاً متقدمة لأنّ المجرور لا يتقدم عليه حاله فقيل وجه دلالة النصب على كون خالصة بمعنى المصدر أنها لو كانت بمعنى اسم الفاعل لكانت حالاً من ذكورنا فيلزم تقدم الحال على المجرور، أو من الضمير في الظرف الواقع خبراً فيلزم تقدمه على العامل المعنوي وهو الجارّ والمجرور، ويمكن أن يتكلف في تطبيق عبارته على الأمرين وأما جعلها حالاً من الظرف الواقع صلة فلا معنى له عند التأمّل الصادق، فإن أريد أنها في حال الخلوص من البطون والخروج عنها تكون للذكور فهو معنى كونه حالاً من ضمير الخبر لا الصلة، وقيل فيه حث فان الملازمة المستفادة من قوله لو كانت الخ ممنوعة لم لا يجوز أن تكون خالصة اسم
فاعل وخبراً لما والتأنيث باعتبار كون ما بمعنى الأجنة كما اختاره المصنف ﵀ أو تكون حالأ من هذه الأنعام بأن يكون المعنى س أفي بطون هذه الأنعام دو! ، سائرها لذكورنا، وأما قوله ويمكن أن يتكلف الخ ففيه تسامح لأن عبارته نص في الأمر الأوّل وإنما يحتاج إلى التكلف في تطبيقها على الأمر الثاني بأن يقال المراد بالمجرور الجاز والمجرور، واقتصر عليه لظهور انتفاء الفصل) قلت (هذا ليس بشيء لأنه يريد أن يجعل معنى قوله حالاً من المجرور بمعنى أنه شامل للحال من المجرور من الضمير المستتر في الجار والمجرور، ولا شبهة في أنّ أخذهما
стр. 1212
معاً من هذا التعبير تكلف فهو لم يفهم مراده، قال: وأمّا قوله فلا معنى له فوجهه أنّ تقييد كون الشيء في البطن وحصوله فيه بالخلوص مما لا يفيد أصلاً، اهـ ورذ بأنه كقراءة الإضافة بمعنى جيدة وهو الخارج حيا فما ذكره ليس نتيجة التأمل الصادق، وهذا بعينه كلام القطب في شرحه وقد اعترض عليه بأنه لا يصح لأنّ اعتبار كونه حياً أو ميتا في حال استقراره في البطون لا وجه له ولك أن تقول تقديره ما كان في بطون هذه الأنعام أو تجعلها حالأ مقدرة، وكل هذا تعسف وضيق عطف، وتد أشار المصنف رحمه الله تعالى إلى دفعه لأن المراد بخالصة ما ولد حيا بقرينة مقابلته بأن يكن ميتة وليس خالصة بمعنى صرفا وصافية بل بمعنى سالمة كما يقولون خلصت من الشذة ونحوه إذا سلمت منها وهذا مما لا غبار عليه. قوله: (لأنها لا تتقدّم الخ (فيه لف ونشر، والعامل المعنوي الجارّ والمجرور وأسم الإشارة وها التي للتنبيه سميت بذلك، وان كانت لفظاً لأنها عملت بما تضمنته من معنى الفعل والتغليب ظاهر إلا أنه لا يحتاج إليه إذا نصب ميتة لرجوع الضمير إلى ما. قوله: (وقرئ خالص الخ (تفصيل القرا آت ونسبتها مفصل في فنه لكن الزمخشري قال: وقرأ أهل مكة وان تكن ميتة بالتأنيث والرفع وفي الدرّ المصون إنها قراءة ابن عامر ﵀ فإن عنى بأهل مكة ابن كثير وما أظنه عناه فليس كذلك وإن عنى غيره فصحيح ويجورّ أن ابن كثير روى عنه ذلك لكنه لم يشتهر انتهى، وبعض الناس تبجج بتخطئته هنا، وافتخر افتخار الخصي فلذا نقلناه. قوله: (من توله وتصف السنتهم الكذب) وهذا من بليغ الكلام وبديعه فإنهم يقولون وصف كلامه الكذب إذا كذب وعينه تصف السحر أي ساحرة وقده يصف الرشاقة بمعنى رشيق مبالغة حتى كان من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له قال المعرّي:
سرى برق المعرة بعدوهن فبات برامة يصف الكلالا
وقوله جزاء إشارة إلى أنه واقع موقع مصدر سنجزيهم بتقدير مضاف. قوله: (لخفة
عقلهم الخ) تفسير للسفه فكان الظاهر تقديمه كما في بعض النسخ وأشار باللام إلى أنه مفعول له وجوّز فيه الحالية والمصدرية وجهلهم تفسير لقوله بغير علم، وعطفه عليه، وان كان حالأ أو صفة إشارة إلى أنّ له مدخلا في التعليل فتأمّل وقوله وما كانوا مهتدين بعد قوله قد ضلوا للمبالغة في نفي الهداية عنهم لأنّ صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال بعد إن لم يكن فلذا أردف بهذه الحال لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض. قوله: (معروشات الخ) التعريش رفعه على العريش، وهو معروف وقيل المعروش الكرم، وغيره ما ينبطح على الأرض كالبطيخ والبراري جمع برية معروف. قوله: (والضمير الخ) ذكروا فيه وجوها أن يرجع إلى أحدهما على التعيين ويعلم الاخر بالمقايسة إليه، أو إلى ءلل واحد على البدل أو إلى الجميع والضمير بمعنى اسم الإشارة كما مرّ، وأورد عليه أبو حيان افى الضمير لا يجوز إفراده مع العطف بالواو زاد وجهاً آخر وهو إنّ في الكلام مضافا مقدراً والضمير راجع إليه أي ثمر جنات، وهذه الوجوه تجري في ضمير ثمره كما أشار إليه المصنف ﵀، وقوله في الهيئة والكيفية متعلق بقوله مختلفاً. قوله: (وإن لم يدرك) أي ينضج ويتم! ني فائدة التقييد به إباحة ا! ل قبله، وعلى الثاني لا حاجة إلى هذا القيد ويينع بياءين من كاب علم وضرب والياء الثانية ثابتة على كل تقدير. قوله: (والأمر بإيتائها يوم الحصاد الخ) ! ي إذا أربد به الزكاة، وأما على الوجه الأوّل فهو باق على ظاهره، وأما إذا أريد الزكاة! الحصاد وقت الوجوب في الذمّة لا وجوب الأداء فأشار المصنف ﵀ بأنه للمبالغة في
الأمر بالمبادرة إليه حتى كأنه مؤدّي قبل وقته، والأمر لما دل على الحدث بماذته والوجوب بهيئته صح أن يقيد باعتبار كل منهما، قيل ولو تعلق بالحق لم يحتج إلى تأويل مصدر حصد الحصد، وعدل إلى الحصاد بفتح الحاء وكسرها وبهما قرئ لما أريد دلالته على حصد خاص إذا انتهى، وجاء زمانه كما صرّج به سيبويه ﵀، والمراد بالتنقية تخليصه من القشر ونحوه، وما ذكره المصنف ﵀ مبني على الفرق بين نفس الوجوب ووجوب الأداء وهو خلاف المشهور عند الشافعية. قوله:) في التمدّق) قال النحرير: لو علقه
стр. 1213
بالأكل والصدقة بقرينة الإطلاق لكان أقرب، وأفا إذا أريد بالحق الزكاة المفروضة فهي مقدرة لا تحتمل الإسراف من حيث هي زكاة لأن ما زاد لا يسمى زكاة فلا وجه لما قيل إن التقدير لا ينافي الإسراف إذ يحتمل أن يزيد على المقدار المعين على وجه التنفل. قوله:) عطف على جنات الخ) والجهة الجامعة إباحة الانتفاع بهما، وقوله وما يفرس للذبح أي يبسط فعلى الوجهين الأوّلين الفرس بمعنى المفروش، وعلى الثالث الكلام على التشبيه. قوله: (كلوا مما أحل لكم منه) إشارة إلى أنّ الرزق شامل للحلال والحرام، فإن كنت من تبعيضية فهو ظاهر، وان كانت ابتدائية فكذلك لأنه ليس فيه ما يدلّ على تناول جميعه، والمعتزلة خصوه بالحلال، واستدلوا بهذه الآية بجعلها إحدى مقدمتي شكل منطقي أجزاؤه سهلة الحصول، وتقديره الحرام ليس بمأكول شرعا وهو ظاهر، والرزق ما يؤكل شرعا لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [سورة الأنعام الآية: ١٤٢] فالحرام ليس برزق، وهذا إنما يفيد لو صدق كل رزق مأكول شرعا والآية لا تدل عليه فلذا لم يلتفت المصنف ﵀ إلى دليلهم، وفسر خطوات الشيطان بالتحليل والتحريم لاقتضاء المقام له وقوله ظاهر العداوة إشارة إلى أنه من أبان اللازم. قوله: (بدل من حمولة وفرشاً الخ (في الدرّ المصون حمولة وفرشا منصوبان عطفا على جنات والحمولة ما أطاق الحمل من الإبل والفرش صغارها وقال الزجاج ﵀: أجمع أهل اللغة على أنّ الفرس صغار الإبل، قال أبو زيد: يحتمل أنه سمي بالمصدر لأنه في الأصل مصدر، وهو مشترك بين معان منها ما تقدم ومتاع البيت والفضاء الواسع، واتساع خف البعير قليلا والأرض الملساء، وقيل ما يحمل عليه من الدواب والفرس ما اتخذ من صوفه ووبره ليفرش اهـ فقول المصنف ﵀ إنه بدل على أحد التفاسير للحمولة والفرس، بحيث يشمل الأزواج الثمانية
فإن خصت بالإبل فالبدل مشكل أما إذا فسرت الحمولة بكبارها كالإبل والبقر والغنم والفرش بصغارها فهو ظاهر. قوله:) أو مفعول كلوا (يعني كلوا الذي قبله وتقديره كلوا لحم ثمانية أزواج ولا تتبعوا جملة معترضة وقول أبي البقاء ﵀: ولا تسرفوا معترضة سهو. قوله: (أو فعل دل عليه الخ) وهو مجرور معطوف على كلوا والفعل الدال عليه إمّا كلوا أو خلق أو أنشأ أو نحوه، وإذا كان حالاً فتقديره مختلفة وإنما أوّل به ليكون بياناً للهيئة وعند من اشترط في الحال أن يكون مشتقاً أو مؤوّلاً فهو ظاهر وصاحب الحال الأنعام، عاملها متعلق الجاز والمجرور قوله:) والزوج الخ) إشارة إلى أنّ الزوج يطلق على كل واحد من القرينين ويدلّ عليه قوله ثمانية أزواج إذ لولاه كانت أربعة، ولذا قال والمراد الأوّل ويطلق على مجموعهما كما! له الراغب: وسمع من العرب وهذا مما أخطأ فيه الحريري في درّته. قوله: (وهو بدل من لمائية) قال النحرير: الظاهر أنّ من الضأن بدل من الأنعام واثنين من حمولة وفرشاً أو من ثمانية ازواج إن جوّزنا أن يكون للبدل بدل او أعرب مفعولاً والبدل اثنين، ومن الضأن حال من! رة قدمت عليها وهو بدل بعض من كل أو مع ما عطف عليه بدل كل من كل أو من الضأن يدل كما مرّ، واثنان إذا رفع مبتدأ خبره الجارّ والمجرور، والجملة بيانية لا محل لها من الاعراب، وضثين فعيل كعبيد جمع أو اسم جمع ومعزى اسم جمع معز أيضا، وقوله: أنثييهما إ! ارة إلى أنّ الألف واللام للعهد أو بدل من الإضافة، وأما مركبة من أم وما الموصولة. قوله: (والمعنى إنكار أن الله حرّم (لما كان المنكر هو التحريم، والجاري في الاستعمال إنّ ما أنكر يلي الهمزة قالوا إنه عدل عنه لأنّ هذا أبلغ فيه وبيانه ما قال السكاكي ﵀ إن إثبات
التحريم يستلزم إثبات محله لا محالة فإذا انتفى محله، وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على وجه برهاني كأنه وضع موضع من سلم أنّ ذلك قد كان ثم طالبه ببيان محله كي يتبين كذبه، ويفتضح عند المخالفة ومنه تعلم أنّ المطلوب بلى الهمزة، وقد يعدل عنه لنكتة وبه يجمع بين كلامهم فتأمّله. قوله: (إذ أنتم لا تؤمنون) يعني أنهم ذهبوا إلى أنّ الله حرّم هذا والعلم بذلك إما بأن بعث الله رسولاً أخبرهم به، وإما بأن شاهدو! الله تعالى وسمعوا كلامه في التحريم، والأوّل مناف لما هم عليه لأنهم ما كانوا يؤمنون برسول فتعين المشاهدة والسماع وهو محال فقد تهكم الله بهم بذلك، ثم بين ظلمهم بقوله فمن أظلم الخ، ثم أعلمهم بقوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ﴾ الخ
стр. 1214
أن التحريم والتحليل بالوحي لا بالتشهي والهوى. قوله: (والمراد الخ) اقتصر في الكشاف على الأثر الثاني، لأنّ عمرو بن لحيئ هو الذي بحر البحائر، وسيب السوائب فهو الذي تعمد الكذب، وأما من تابعه من كبرائهم فيحتمل إنه أخطا في تقليده فلا يكون متعمدا للكذب فلا ينبغي التفسير به، ولذا قال في تفسيره بعض المتأخرين افترى كذباً، كاذبا لا مخطئا في ظنه فإنّ فيه مندوحة عن الكذب فليس فيهن خطأ ومخالفة للجمهور في الكذب ولا مخالفة لما قاله الزمخشرقي: إلا في جعله كذبا حالاً بمعنى كاذباً، وان جوّز فيه أن يكون مصدرأ من غير لفظ الفعل، فمن قالط إنه أخطأ في الإعراب وغفل عن قيد التعمد في معنى الافتراء لم يفهم كلامه. قوله: (ليضل الناس بغير علم (أي عمل عمل القاصد إضلالهم من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلال وإن لم يقصد الإضلال ولذلك قال بغير علم كذا قيل يعني إنّ اللام للعاقبة، ويؤيده قوله بغير علم إن كان حالاً من فاعل يضل ولا يضره احتمال كونه حالاً من الناس وان صح، لأنّ الأوّل أظهر وأبلغ في الذتم لكون المقتدى به جاهلاً فكيف المقتدي، ومن غفل عنه خطأه فيه. قوله: (لا يهدي القوم الظالمين) أي إلى طريق الحق وقيل إلى دار الثواب لاستحقاقهم العقاب، ولا يعد فيه كما توهم وإذا لم يهتد الظالم فالأظلم أولى بعدم الهداية. قوله: (قل لا أجد فيما أوحى إلئ محرّماً الخ) كني بعدم الوجدان عن عدم الوجود ومبني هذه الكناية على أنّ طريق التحريم التنصيص منه تعالى وتفسيره بمطلق الوحي أستظهروه ولذا قال: أوحى ولم يقل انزل، وقوله: (وفيه تنبيه الخ (قد مرّ ما يشير إليه وأيضا أن الآية لو لم تدل على الحصر، وقد وردت للردّ على المشركين في تحريم ما لم. يحرّمه الله يعني لم يوح إليّ تحريم ما حرّمتموه وإنما الموحي تحريم ما ذكر، ولو لم يكن ذلك مقصودا لم تفذ ما ذكر، وقوله لا بالهوى إشارة إلى أنّ القصر إضافيّ فلا ينافي الاجتهاد، وفسر المحرّم بالطعام لدلالة ما بعده عليه.
قوله: (١ لا أن يكون ميتة الخ) فسر الزمخشري محرّماً بطعاماً محرّما من المطاعم التي حرّمتموها، وإنما قيده بذلك لدفع توهم ما يرد من أنّ في النظم حصر المحرّمات فيما ذكر، ولا شك أنّ لنا محرّمات غيرها فلذا جعل الاستثناء منقطعاً أي لا أجد ما حرّمتموه لكن أجد الأربعة محرّمة، وهذا لا دلالة فيه على الحصر إذ الاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر وهذا مما ينبغي التنبيه له والمصنف لم يقيده بما ذكر لأنّ الأصل الاتصال وعدم التقييد، وأشار إلى دفع ذلك بقوله فيما سيأتي والآية محكمة الخ قيل وحينئذ يكون الاستثناء من أعتم الأوقات أو أعنم الأحوال مفرّغاً بمعنى لا أجد شيئاً من المطاعم المحرّمات في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة فاني أجد حينئذ محرّما، فالمصدر للزمان أو الهيئة وفيه أنه لا يناسب قول المصنف ﵀ إلا وجود الخ فانه ناطق بخلافه إلا بتكلف، مع أن المصدر المؤوّل من أن، والفعل لا ينصب على الظرفية عند الجمهور، ولا يقع حالاً لأنه مجرفة. قوله: (لى عطف على أن الخ (أي على قراءة الرفع كما يدلّ عليه قوله إلا وجود ميتة فإنه على قراءة النصب يكون التقدير على وجوده ميتة، وعطفه حيمئذ على ميتة أقرب لفظاً ومعنى، وإنما بين هذه القراءة رذاً على أبي البقاء حيث قال وقرئ برفع ميتة على أن تكون تاقة، وهو ضعيف لأن المعطوف منصوب فلا حاجة إلى ما قيل إنه جعله كذلك لاطراده على القراءتين. قوله: (أي إلا وجود ميتة) الظاهر أنه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ميتة موجودة فإن يكون في النظم بمعنى اسم الفاعل كذا أفاده خاتمة المدققين فلا يريد ما قال النحرير: إنّ في جعل الاستثناء متصلا تكلفاً في اللفظ أي إلا الموصوف بأن يكون أحد الأربعة على أنه بدل من محرّما والجواب عن صحة الحصر أنه قد ورد حصر المحزمات في الأربعة لقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الخ فناسب أن تحمل هذه الآية على ذلك، ويدفع الأشكال بأنّ المعنى لا أجد عند تبليغ هذه الآية سواها، أو هي مخصصة بالخبر وليس نسخاً اهـ وفيه نظر، والمراد بالميتة ما لم يذبح ذبحا شرعيا فيتناول المنخنقة ونحوها. قوله: (لا كالكبد والطحال (إشارة إلى أنهما دمان متجمدان كما ذكره الأطباء، وجاء في الحديث: " أحلث لنا ميتنان السمك والجراد، ودمان الكبد والطحال ") ١ (وما
عداهما من الدماء حرام مطلقا كما ذهب إليه
стр. 1215
الشافعيّ ﵀ ولو ما قل، وتلطخ به القدر واللحم، وتوصيف طاعم بيطعمه كقوله طائر يطير قطعا للمجاز ولا دلالة فيه على أنّ جلد الميتة قبل الدباغ يحرم لأنه يشوى ويؤكل وإذا دبغ لا يقبل ا! ل كما قيل. قوله: (فإنّ الخنزير) قيل الظاهر أنه راجع إلى اللحم لأنه المحدث عنه، وقال ابن حزم: هو عائد على خنزير لقربه وذكر اللحم فيه لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى وبين وجه الحرمة بأنه خبيث في نفسه، ومخبث بأكله الخبائث كالعذرة وهو معنى قوله مخبث، ويحتمل أنه تأكيد كليل أليل وقوله: عطف على لحم خنزير هو على قول. قوله: (ويجوز أن يكون فسقا الخ) تال أبو حيان: هذا إعراب متكلف جدا والنظم عليه خارج عن الفصاحة وغير جائز على قراءة رفع ميتة لأنّ ضمير به ليس له ما يعود إليه ولا يجوز أن يتكلف له موصوف محذوف يعود عليه الضمير أي شيء أهل لغير الله به لأنّ حذف الموصوف والصفة جملة لا يجوز إلا إذا كان بعض مجرور بمن أو في قبله نحو منا ظعن، وفينا أقام أي فريق ظعن وفريق أقام فإن لم يكن كذلك اختص بالضرورة لكن هذا غير متفق عليه عند النحاة، فإنّ منهم من أجازه مطلقاً فلعل المصنف ﵀ يرى رأيه، وأما منعه من حيث رفع الميتة فغير مسلم لأنه يعود على ما كان عائدا عليه في النصب إذ لا مانع منه. قوله: (والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في يكون) خطأه بعضهم فيه بأنّ الجار والمجرور قائم مقام الفاعل فليس فيه ضمير، والصواب ما في الكشاف إنّ ضمير به يرجع إلى ما يرجع إليه المستتر في يكون، والقول بأن فيه ضميرا وان أهل بمعنى ذبح منفردا به لغير الله تكلف وتعسف وأصل الإهلال رفع الصوت والمراد هنا ما ذكر عليه غير اسم الله، واضطر افتعال من الضرورة وعاد بمعنى متجاوز. قوله: (لا يؤاخذه (لما كان كونه غفورأ رحيما أمراً ثابتا متقدما على الاضطرار تأوّله بأنه وقع جزاء باعتبار لازم معناه ولا حاجة إلى تقدير جزاء يكون هذا تعليلا له، ومعنى عدم المؤاخذة به الإباحة لأنه لو يكن مباحا وقعت المؤاخذة به فلا يرد ما قيل ظاهره ترك المؤاخذة على أكل الحرام بناء على المغفرة والرحمة من الله والاضطرار من العبد، وقوله في الآية الأخرى: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١١٩] بعد ذكر المحرّمات ظاهرة
الإباحة. قوله: (والآية محكمة) الشافعي لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة مطلقا وقد نقض مذهبه بهذه الآية فأجاب بأنّ الآية دالة على التوقيت بقرينة أوحى بعني إلى الآن لم أجد ذلك فلا ينافي ما حرّم بعدها أو هي عامّة واثبات محرّم آخر تخصحيص لا نسخ عندهم، وقوله ولا على حل الأشياء الخ يعني أنها لا تدلّ على ذلك بل الدال عليه استصحاب الأصل إذ الأصل الحل عنده فالاستثناء في كلامه منقطع. قوله: (كل ما له أصبع) ظاهره إنّ أحد فلقتي خف البعير تسمى إصبعا والظاهر أنه ليى حقيقيا وإنما جعل المسبب تعميم التحريم لأنّ بعضه كان حراماً، والثروب جمع ثرب بالثاء المثلثة والراء المهملة والموحدة هو شحم رقيق على الأمعاء والكرش، والكلى بضم الكاف جمع كلية معروف. قوله:) والإضانة لزيادة الربط) يعني بعد قوله من البقر والغنم لا يحتاج إلى إضافة الشحوم إليهما بل يكفي أن يقال الشحوم لكنه قد يضاف لزيادة الربط، والتأكيد كما يقال أخذت من زيد ماله وهو متعارف وهذا إن تعلق من البقر بحرّمنا بعده، وأما من جعله معطوفا على كل ذي ظفر فيؤوّله بعض ويجعل حرّمنا عليهم شحومهما تبيينا للمحرّم فيهما فالإضافة للربط المحتاج إليه لكنه خلاف الظاهر، وما قيل إنه غير صحيح لأنه استدراك لدخول الغنم والبقر تحت ذوات الظفر أي لكن ما حرّمنا منهما إلا شحومهما فغير مسلم عند من أعرب هذا الإعراب فتأمّل. قوله:) ١ لا ما حملت ظهورهما الخ (قال أبو حنيفة ﵀ لو حلف لا يأكل شحما يحنث بشحم البطن فقط، وقالا يحنث بشحم الظهر أيضاً لأنه شحم وفيه خاصية الذوب بالنار ولهذا استثنى في الآية وله أنه لحم حقيقة لأنه ينشأ من الدم ويستعمل كاللحم في اتخاذ الطعام والقلايا وبؤكل كاللحم ولا يفعل ذلك بالشحم، ولهذا يحنث بأكله لو حلف لا يأكل لحما وبائعه يسمى لحاماً لا شحاماً فالاستثناء في الآية منقطع بدليل استثناء الحوايا، وتأويله بما حمله الحوايا من شحم خلاف الظاهر. قوله: (أو ما اشتمل على الإمعاء الخ (قال النحرير: يفهم منه أنّ الحوايا عطف على
стр. 1216
ظهورهما أي ما حملت الحوايا لكن الأنسب عطفها على ما حملت بتقديره مضاف أي شحوم الحوايا وقوله: (مما اشتمل) بيان لذلك، ويحتمل عندي أن يكون ما اشتمل تفسيراً للحوايا لأنه من حواه بمعنى اشتمل عليه فيطلق على الشحم الملتف على الأمعاء، وان كان المشهور أنها نفس الأمعاء، وهو على هذا معطوف على المستثنى داخل في حكمه يعني حزمنا جميع شحومهما إلا هذه الثلاثة فكان المناسب هو الواو دون أو لأنّ المخرج جميعها لا أحدها، وأجيب بأنّ الاستثناء من الإثبات نفي وأوفى النفي تفيد العموم لكونه بمنزلة النكرة في سياق النفي فيصير المعنى لم
يحرّم واحد منهما على التعيين وذلك ينفي المجموع ضرورة، وفيه أن الاستثناء إنما يقتضي نفي الحكم عن المستثنى بمنزلة قولك انتفى التحريم عن هذا أو ذاك، فالوجه أن يقال أو في العطف على المستثنى من قبيل جالس الحسن أو ابن سيرين، كما ذكره في العطف على المستثنى منه يعني أنها الإفادة التساوي في الحكم فيحرم الكلم وسيأتي البحث فيه. قوله: (جمع حاوية أو حاوياء الخ) إختلف أهل اللغة في معناها فمنهم من فسره بما مرّ، وقيل: هي المباعر وقيل: المصارين والإمعاء، وقيل: كل ما يحويه البطن فاجتمع واستدار، وقيل: هي الدوارة التي في بطن الشاة ثم اختلف في مفردها فقيل حاوية بوزن فاعلة، وقيل: تحوية كظريفة وقيل: حاوياء بالمد كقاصعاء، وجوّز الفارسي أن يكون جمعا لكل واحد من هذه الثلاثة، وقد سمع في مفردها ذلك فحاوية وحوايا كزاوية وزوايا ووزن جمعه فواعل والأصل حواوي فقلبت الواو التي هي عين الكلمة همزة، لأنها ثاني حرفي لين اكتنفاء مذة فواعل، ثم قلبت الهمزة المكسورة ياء لثقلها، ثم فتحت لثقل الكسرة على الياء فقلبت الياء الأخيرة ألفاً لتحرّكها بعد فتحة فصارت حوايا أو قلبت الواو همزة مفتوحة، ثم الياء الأخيرة ألفا ثم الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين كما فعل بخطايا، وكذلك إن قلنا إنّ مفردها حاوياء وزن الجمع فواعل كقاصعاء وقواصع واعلاله كالذي قبله، فإن كان مفردها حوية فوزنه فعائل كظريفة وظرائف، وأصله حوائي فقلبت الهمزة ياء مفتوحة والياء التي هي لام ألفا فصار حوايا فاللفظ متحد والعمل مختلف، وما وقع في القاموس والصحاح هنا غير محرر، وعلى ما ذكرناه ينزل كلام المصنف ﵀. قوله: (وقيل هو عطف على شحومهما) هذا على على مقدر أي وهو معطوف على ما قبله، وقيل الخ أو على معنى ما قبله فعلى الأوّل يكون معطوفاً على المستثنى يعني حرّمنا شحومهما إلا هذه الثلاثة، وعلى هذا هو معطوف على غير المستثنى فتكون محرّمة، قيل: ولقائل أن يقول إمّا أن يحرّم عليهم ما اشتمل على الأمعاء فعلى تقدير عطف الحوايا على ظهورهما يلزم أن تكون حلالآ أو لا يحرّم فعلى تقدير عطفه على شحومهما، يلزم أن يكون حراما هذا خلف وأيضا يمنعه قوله أو ما اختلط فإنه معطوف على المستثنى بلا شبهة وليس بشيء لأن هذين القولين منقولان عن السلف، وأكثرهم ذهب إلى الأوّل ومن ذهب إلى الثاني، قال بتحريمه: وتحريم ما اختلط ومن ذهب إلى الأوّل خالفه فيه فلا وجه لما ذكره. قوله: (وأو بمعنى الواو) هذا إمّا على الوجهين كما نقلناه عن النحرير أو على الأخير كما ذهب إليه العلامة، وكلام المصنف يحتملهما وقال النحرير: أو هاهنا مثلها في جالس الحسن أو ابن سيرين أي لإفادة التساوي في الحكم فيحرم الكل، وقيل هي للتفصيل وهو قريب منه، وقد يحمل على ظاهره ويقال معناه حرّمنا عليهم شحومهما أو حرّمنا عليهيم الحوايا أو حرّمنا عليهم ما اختلط بعظم فيجوز له ترك أكل أيها كان وأكل الآخرين، ورذ بأن الظاهر إن مثل هذا وإن كان جائزا فليس من الشرع أن يحرّم أو يحلل واحد مبهم من أمور معينة، وإنما ذلك في الواجب فقط وقيل فيه بحث لأنه المعلوم من شرعنا لا من شرع اليهود، وهذا كله ليس بشيء
فإنّ الحرام المخير والمباح المخير صرح به الفقهاء وأهل الأصول قاطبة، والعجب من النحرير كيف ينكره مع اشتهاده، قال السبكي ﵀: في الأشياء مسألة يجوز أن يحزم واحد من أشياء مبهمة خلافاً للمعتزلة ونقل المسألة عن القرافي وأطال في تقريرها، ثم قال: ويفرض ذلك في مضطر وجد سمكاً ولبناً فإن جمع بينهما فعلاً وتركا كان آثماً، ومثل له بمثال آخر فإن أردته فراجعه، وقد ذكره ابن الهمام في تحريره أيضا، ثم إنكاره الإباحة أغرب فإنك إذا قلت لأحد انكح هنداً أو زينب وهما أختان فقد أبحت له واحدة
стр. 1217
مبهمة شرعا وهذا مما لا شبهة فيه، وقد قيل أيضاً إنه مثال للتحريم المبهم، ثم إني تأمّلت ما ذكر. السعد من إنكاره الحرام المخير مع أنه مصرّج به في كتب الأصول كما رأيت فتعجبت منه لجلالة قدره، ثم رأيت في شرح التمهيد أنّ العلامة قال: في شرح أصول ابن الحاجب إن ما ذكره الأصوليون فيه نظر ولم يبين وجهه وقال: كان وجهه إنه لا يتعين ترك أحدهما إذ له ترك الجميع، وكلا منا فيما يحرم لذاته لا لعارض! فالإشكال باق، وكلمة أو في النهي نحو لا تطع منهم آثماً أو كفوراً للنهي عن واحد لا بعينه، والنهي عن الجمع من دليل آخر اهـ (أقول) فهاهنا أمور في المخير فعلهما وتركهما، وفعل أحدهما وترك الآخر في الإثبات والنفي فهذه ست وجوه، ثم لنا أيضا وجوب وحرمة وتخيير واباحة والكلام في الأمرين فالوجوب المخير إنما يتحقق إذا وجب أحدهما وامتنع ئركهما وفعلهما كالكفارة، فإنه إذا فعلها كان الآخر تطوّعا لا كفارة وإنما الكلام في المحزم كنكاح إحدى الأختين ونحوه مما ذكروه فإن كان هذا مراد النحرير كان له وجه فأمعن النظر
قوله: (هو شحم الإلية (ومنهم من فسره بالمخ لكن قال السرخسي: في الإيمان إنه لا
كول أحد لمخ العظم شحم، وأما قولهم إن الآية نوع ثالث لا يستعمل استعمال اللحوم والشحوم فقال ابن الهمام فيه نظر والعصعص بالإهمال كقنفد وعليط وزرنب منبت الذنب. رله:) ذلك التحريم أو الجزاء) جزى يتعذى بالباء وبنفسه كما ذكره الراغب وغيره، وفي ذلك هنا وجوه ككونه خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره ما بعده والعائد محذوف، وكونه شصوبا على المصدر وهو ظاهر كلام الشيخين هنا لكن ابن مالك قال: لا يشار إلى المصدر إلا إذا أتغ به نحو قمت ذلك القيام ولو قلت ذلك فقط لم يجز لكن أبو حيان رذه وقال: إنه ول ئز أيضاً ونقله عن النحاة مع شواهده وكلام ابن مالك في كتبه متناقض فيه والحق جوازه فما! ل إنهما مفعولان منصوبان بنزع الخافض فيه ما فيه وقيل إنه مفعول به مقدم، وكلام المصنف حتمله. قوله: (أو الوعد والوعيد) هو مستفاد من السياق أو التحريم لتضمنه عقاب اله هـ تكب ل وثواب المجتنب، ومعنى الصدق فيه قد تقدم تفصيله وهو رذ على من جوّز خلف الوعيد
كما بين في الكلام، وفيه نظر وقوله: واسعة على المطيعين التخصيص يؤخذ من مقابلته بلزوم عذاب المجرمين ولازب ولازم بمعنى ووقوع ما أخبر ألله به من المغيبات من وجو. الإعجاز لكلامه وليس الإعجاز به فقط كما في قول ضعيف. قوله:) أي لو شاء خلاف ذلك الخ) رذ على الزمششريّ حيث قال: سيقول الذين أشركوا أخبار بما سوف يقولونه ولما قالوه قال:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [سورة النحل، الآية: ٣٥] ، يعنون بكفرهم وتمرّدهم أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله بمشيئة الله تعالى وإرادته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك كمذهب المجبرة بعينه، قال النحرير: نعم هو كمذهبهم في كون كل كائن بمشيئة الله لكن الكفرة يحتجون بذلك على حقية الإشراك وتحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من القبائح، وكونها ليست بمعص! لكونها موافقة للمشيئة التي تساوي معنى الأمر على ما هو مذهب القدرية من عدم التفرقة بين المأمور والمراد وأن كل ما هو مرادا لله فهو ليس بمعصية منهيّ عنها، والمجبرة وان اعتقدوا أن الكل بمشيئة الله لكنهم يعتقدون أنّ الشرك وجميع القبائح معصية، ومخالفة الأمر يلحقها العذاب بحكم الوعيد ويعفو عن بعضها بحكم الوعد فهم في ذلك يصدقون الله فيما دل عليه العقل والشرع من امتناع أن يكون أكثر ما يجري في ملكه على خلاف ما يشاء، والكفرة يكذبونه في لحوق الوعيد على ما هو بمشيئته تعالى إلى أن قال وحاصل ما قال الإمام هو أن في كلام المشركين مقدمتين إحداهما أنّ الكفر بمشيئة الله تعالى، والثانية أنه يلزم منه اندفاع دعوة النبيّ! يو، وما ورد من الذمّ والتوبيخ إنما هو على الثانية إذ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد فله أن يشاء من الكافر الكفر ويأمره بالإيمان ويعذبه على خلافه، ويبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى دار السلام وان كان لا يهدي إلا من يشاء. قوله: (لا الاعتذار الخ (قيل عليه أنت خبير بأنه إذا أريد الاعتذار لا ينهض ذتهم دليلأ لهم أيضا لإثبات الكسب والاختيار، فإن قيل المراد ذثهم على ما ذكروا من مقدمتهم قلنا كلامه إنما يدل على أنّ الذتم بالاعتذإر فتأمّله قلت هو لا يضرّ المصنف رحمه الله تعالى لأن المعتزلة لما جعلوه اعتذارأ، واستدلوا به
стр. 1218
أبطله من أصله ولا يضرّ دفعه بوجه آخر فذمّهم عند المصنف لدعوى الرضا لا لدعوى المشيئة. قوله:) ويؤيد ذلك الخ (وجه التأييد أنه لا تكذيب للرسول ﷺ في دعوى أنه لو شاء الله مشيئة إلجاء، وقسر عدم الشرك ما أشركفا لأنّ الرسول
ﷺ لا يدعي-ءفه و! ! اا! كل يب في أنّ الرسول لمجي! هـ يمنع كون ذلك مرضيا له تعالى فتكون دعواهم أنّ أفعالهم بمشيئة مرضية قيل، ولعله قال: يؤيد دون يدل! لأنّ في الاعتذار تكذيباً أيضا فتأمّل، وقوله: (عطف الخ) بيان لوجه عطف الظاهر على الضمير المرفوع المتصل بدون تأكيد لأنه يكفي أفي فاصل فيه وتد فصل بلا والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئاً، واستدلوا بهذه الآية ونحوها وهم أجابوا بما مرّ، وفيه نظر لأنّ الفصل ينبغي أن يتقدم حرف العطف ليدفع الهجنة، والمصنف ﵀ تبع في هذا بعض النحاة بناء على أنه يكفي الفصل بين المعطوف، وإن لم يفصل حرف العطف وقد توقف فيه أبو عليّ ﵀ فتأمّل وفسر العلم بمعلوم خاص بسبب اقتضاء المقام وأوّل الإخراج بالإظهار لاختصاصه بالمحسوس. قوله: (وفيه دليل الخ) أي اتباع الظن لمجرّد التشهي والهوى لأنه ذمّهم به وهو ظن مخصوص فاسد من بعض الظن، ولذا قيل لا حاجة إلى قوله ولعل ذلك الخ، والبالغة القوية ومنه أيمان بالغة أي مؤكدة، وقوله بلغ بها صاحبها فهي كعيشة راضية في الوجهين، والحج بمعنى القصد أو النلبة. قوله: (من الحج) المشهور أنها بمعنى الغلبة وقوله كأنها تقصد الخ فهي من إسناد الشيء لسببه. قوله: (وفعل يؤنث ويجمع) ترك التثنية لعلمها بالقياس أو أراد بالجمع ما فوق الواحد فيشملها، وهذا بناء على ما اشتهر من أنّ اتصال هذه العلامات من خصائص الأفعال، واذعى أبو عليّ الفارسي أنّ ليس حرف، واتصلت به الضمائر في لست ولستما ولستم لشبهه، لفعل لكونه على ثلاثة أحرف، وبمعنى ما كان كما لحق الضمير هاني وهاتيا وهاتوا مع كونه اسم فعل لقوّة مناسبته للأفعال فعلى هذا القول يكون اسم فعل مطلقاً كما في شرح التسهيل، رمليه الرضي فإنه قال وبنو تميم يصرفونه فيذكرونه ويؤنثونه ويجمعونه نظراً إلى أصله ومن لم مف على الخلاف في هذه المسألة نقل كلام الرضي معترضا به على المصنف رحه ٤ الله. رله: (وأصله الخ) حذف الألف لأنّ أصله المم فاللام ساكنة بحسب الأصل، وأما استبعاد
المصنف رحه الله فدفع بما نقله الرضي عن الكوفيين من أنّ أصل هل أمّ هلا أمّ وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع، فغير إلى هل لتخفيف التركيب، ونقلت ضمت الهمزة إلى اللام وحذفت كما هو القياس في نحو قد أفلح إلا أنه ألزم هذا التخفيف هنا لثقل التركيب. قوله:) ويكون متعذّيا) بمعنى احضروأت، ولازما بمعنى أقبل كقوله هلمّ إلينا، واعترض عليه بأنه فسرها في سورة الأحزاب بقرب نفسك إلينا، فجعله متعديا وقدر مفعوله فبين كلاميه تناف، وهو مع كونه مناقشة في المثال ليس بوارد لأنه بنى كلامه هنا على الظاهر المتبادر، وأبدى ثمة احتمالاً من عنده مع أنه قيل إنه تحقيق لمعنى اللزوم وإلا قال قربوا غيركم فتأفله. قوله: (يعني قدوتهم فيه الخ) أي المراد بالشهداء كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم، والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم فلذا فرّع عليه قوله فإن شهدوا، وقوله ولذلك قيد الشهداء بالإضافة أي قال شهداءكم ولم يقل: شهداء لأنّ المراد بالشهداء الشهداء المعروفون بالباطل فلذا إضافة للدلالة على ذلك وفرّع عليه ما بعده وعبر عنهم بالموصول لما مرّ من أنّ الصلة يجب أن تكون معلومة، وعلم من كلامه هنا أن الصفة لا يجب فيها أن تكون معلومة، بل أن تكون ثابتة للموصوف فقط فلا حاجة إلى التوفيق بينهما، كما وقع لكثير فتكلفوا ما تكلفوا والا لم يكن فرق بين الذين يشهدون وشهداء يشهدون. قوله: (فلا تصدقهم الخ (فلا تشهد استعارة تبعية وقيل: مجاز مرسل من ذكر اللازم وارادة الملزوم لأنّ الشهادة من لوازم التسليم، وقيل كناية وقيل: مشاكلة وزاد قوله وبين لهم فساده لأنّ السكوت قد يشعر بالرضا. قوله: (للدلالة الخ (كذا في الكشاف وقد قيل عليه إنه لا دلالة للإضافة على الحصر، وغاية التوب أنّ اتباع الهوى مطلقا ممنوع، فلما أضافه إليهم في مقام المنع عن اتباع الهوى علم أنّ صاحب الهوى ليس إلا مكذب الآيات ولا يخفى ما فيه، وقيل وجهه إن الاتباع منحصر في الهوى
стр. 1219
والحجة وانّ متبع أحدهما لا يكون متبعا للآخر للمنافاة بينهما وضمير بها للأيات، وقوله فاتسع فيه يعني استعمل المقيد في المطلق مجازا وهو ظاهر، وقوله الخبرية هو مقابل الاستفهامية فهي موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف حينئذ. قوله: (وأصله أن يقوله من كان في علو) ي! ضمل أنه هنا
على الأصل تعريضا لهم بأنهم في حضيض الجهل ولو سمعوا ما يقول ترقوا إلى ذروة العلم وقمة العز. قوله: (لأنه بمعنى أقل الما كان أتل بمعنى أقل صح أن يعمل في الجملة بناء على المذهب الكوفي من أنه يحكي الجمل بكل ما تضمن معنى القول، وغيرهم يقدّر فيه قائلاً ونحوه فمن اعترض بأن الناصب للجملة إنما هو الماذة المخصوصة لا ما يكون من أقسامها فإن التلاوة والأمر والنهي تنصب المفرد مع كونها من باب القول لم يصب واسم الاستفهام معمول حرّم تقدّم عليه لا أتل لئلا تبطل صدارته والمعنى أقل لكم وأبين جواب هذا الاستفهام. قوله: (أي لا تشركوا الخ) أي أنّ إن هنا تفسيرية لا مصدرية فلذا عبر بأي التفسيرية لاستيفاء شرطها وهو تقدّم ما فيه معنى القول دون حروفه. قال النحرير: نظم الكلام لا يخلو عن خفاء لأنّ إن إمّا مصدرية أو مفسرة فمان جعلت مصدرية كانت بيانا للمحرّم بدلاً من ما أو عائده المحذوف، وظاهر أنّ المحرّم هو الإشراك لا نفيه وان الأوامر بعده معطوفة على لا تشركوا فيه عطف الطلبي على الخبري، وجعل الواجب المأمور به محرّماً فاحتيج إلى تكلف كجعل لا مزيدة وعطف الأوامر على المحرّمات باعتبار حرمة أضدادها، وتضمين الخبر معنى الطلب وأما جعل لا ناهية وصلة لأن المصدرية كما جوزه سيبويه ﵀ إذ عمل الجازم في الفعل وألناصب في لا مع الفعل، فلا سبيل إليه هنا لأن زيادة لا الناهية لم يقلى به أحد ولم يرد، فإن جعلت مفسرة ولا ناهية والنواهي بيان لتلاوة المحرّمات أشكل عطف، وانّ هذا صراطي مستقيماً الخ على أن لا تشركوا مع أنه لا معنى لعطفه على أن المفسرة مع الفعل وعطف الأوامر المذكورة على النواهي، فإنها لا تصلح بياناً لتلاوة المحرّمات بل الواجبات، والزمخشري اختار كونها مفسرة، وعطف الأوامر لأنها معنى نواه ة ولا سبيل حينئذ لجعل إق مصدرية لما مرّ وأجاب عن الإشكال الأوّل بأنّ هذا صراطي تعليل للاتباع متعلق باتبعوه على حذف اللام وجاز عود ضمير اتبعوه إلى الصراط لتقدمه في اللفظ، فإن قيل فعلى هذا يكون اتبعوه عطفا على لا تشركوا ويصير التقدير وفاتبعوا صراطي لأنه مستقيم، وفيه جمع بين حرفي عطف أعني الواو والفاء وليس بمستقيم، وان جعلنا الواو استئنافية اعتراضية قلنا ورود الواو مع الفاء عند تقديم المعمول فصلاً بينهما شائع في الكلام مثل: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٣، و ﴿أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن، الآية: ١١٨ فإن أثبت الجمع البتة ومنعت زيادة الفاء فاجعل المعمول متعلقاً بمحذوف والمذكور بالفاء عطفاً عليه مثل عظم فكبروا دعوا الله فلا تدعوا مع الله وآثروه فاتبعوه، وعن الإشكال الثاني بان عطف الأوامر على النواهي الوأقعة بعد أن المفسرة لتلاوة المحرّمات مع القطع بأن المأمور به لا يكون محرّما دل على أن التحريم راجع إلى أضدادها بمعنى أن الأوامر قصد لوازمها حتى كأنه قيل لا تسبوأ الوالدين ولا تبخسوا الكيل والميزان ولا تتركوا العدل ولا تنكثوا العهد، ومثله وان
لم يجز بحسب الأصل ربما يجوز بطريق العطف انئهى، واختار أبو حيان ﵀ إن في الكلام مقدّرا وأصله اتل ما حرّم وما أوجب والتفسير لهما، وقال: إنه أقرب مما ذكروه. قوله: (تعليق الفعل المفسر بما حرّم) أي جعله عاملاً فيه وهو معنى التعليق إذا تعدى بالباء لا بعن والمراد بالفعل المفسر بفتح السين اتل لا بكسرها كما توهم ومن فسر تعليق المفسر بجعله تفسيراً لما حرّم فقد وهم، وقوله: (إلى أضدادها) مرّ تفسيره. قوله: (ومن جعل أن ناصبه الخ) فهو اسم فعل بمعنى الزموا وما قيل إن انتصاب أن لا تشركوا بعليكم يأباه عطف الأوامر، إلا أن تجعل لا ناهية وأن المصدرية موصولة بالأوامر والنواهي على ما جوّزه الزمخشري نقلاً عن سيبويه، تكلف! لا حاجة إليه لجواز العطف على العامل أعني عليكم لأنه بمعنى الزموا. قوله: (أو بالبدل من ما أو من عائده المحذوف) قيل لا يجوز أن يكون بدلاً من المحذوف والمبدل منه في حكم التنحية، والسقوط بواسطة كونه غير مقصود
стр. 1220
بالنسبة فلو حذف لفظاً أيضا لم يبق له اعتبار اً صلاً، والعجب من النحرير إنه جوّز ذلك هنا وقد أشار في المطول إلى ما حققناه في حواشيه وهو تحيل لا وجه له وقد مرّ ما فيه، وقيل إن جعلت إن مصدرية فلا إمّا زائدة أو ناهية أو نافية وكلها باطلة لعطف الأوامر فلو كانت زائدة لكان المأمور به محرّما لأن التقدير حينئذ حرّم أن تشركوا وأن تحسنوا وعلى النهي يجتمع ناصب وجازم على فعل واحد وهو غير جائز وعلى النفي يلزم عطف الطلب على الخبر إلا أن يقال الخبر متضمن للطلب إذ هو في معنى النهي، ورد بأن المعاني الواجبة تجعل محرّمة باعتبار أضدادها كما مرّ وأما جعل لا ناهية وان جوّز اجتماع الناصب والجازم فلا سبيل إليه كما مرّ، وتضمن الخبر معنى الطلب تكلف، وقيل الإنشاء هنا مؤوّل بمفرد فيجوز أن يعطف على الخبر المؤوّل به، وقيل إنه على هذا الأوامر معطوفة على تعالوا لا على لا تشركوا حتى يلزم ما ذكر وعلى تقدير اللام فالجواب عن عطف الأوامر ما مرّ، وقوله: (أو المحرّم أن تشركوا) إشارة إلى زيادة لا في هذا الوجه وقوله يحتمل المصدر فيكون معناه إشراكا ما وعلى المفعولية شريكا ما. قوله: (وضعه موضع النهي الخ) جعله كناية عن ذلك لتتناسب المعطوفات، ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ولأنّ الإحسان إذا لم تترك معه الإساءة لا يعتد به كما قال أبو الطيب:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ~ فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقيا
وإن قال في مقام آخر:
أنا لفي زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحسان واجمال
قوله: (ومن خشيتة الخ) إشارة إلى أنّ الآية شاملة لقتل الأولاد للفقر الحاصل بالفعل أو لخشية الفقر في المستقبل، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وقيل: إن الخطاب في كل آية لصنف منهم، وليس خطابا واحدا فالمخاطب بقوله: ﴿مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ من ابتلى بالفقر وبقوله: (خثية إملاق) من لا فقر له ولكنه يخشى الفقر ولهذا قدم رزقهم هنا فقيل: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وقدّم رزق أولادهم في مقام الخشية فقيل: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ وهو كلام حسن. قوله: (أو الزنا) فجمع الفواحش للمبالغة أو باعتبار تعدد من يصدر منه ورجح بعضهم هذا التفسير، وقوله كالقود مما أجازه الشرع كدفع الصائل وغيره. قوله:) فإنّ كمال العقل هو الرشدا لما كان أصل العقل ثابتا لهم أوّله بما ذكر وهو ظاهر، وقال: هنا تعقلون وفيما بعده تذكرون مع التفنن بالتعبير بالأمر والنهي لأنّ المنهيات كالشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس كانت العرب لا تستنكف منها، وأما إحسان الوالدين وايفاء الكيل وصدق القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه فلذا أمروا بالثبات عليه وتذكره فتدبره. قوله: (حتى يصير بالغاً الخ) يعني المراد به هنا البلوغ لا أن يبلغ ثلاثة وثلاثين أو أربعين فإنه وان كان معنى له لكنه ليس بمراد هنا بل في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ١٥] سنة، وهو من الشدة أي القوّة أو الارتفاع من شذ النهار إذا ارتفع، واختلف فيه على خمسة أقوال فقيل هو جمع لا واحد له، وهو قول الفراء وقيل: هو مفرد وأفعل ورد مفرداً نادراً كآنك، وقيل هو جمع شدة كنعمة وأنعم وقدّر فيه زيادة الهاء لكثرة جمع فعل على أفعل كقدح وأقدح، وقال ابن الأنباري: إنه جمع شد بضم الشين كود، وأودّ وقيل جمع شد بفتحها وهو هنا غاية من حيث المعنى لا من حيث التركيب اللفظي، ومعناه احفظوا على اليتيم ماله إلى بلوغ أشذه فادفعوه إليه قاله أبو حيان ﵀: وآنك بالمذ وضمم النون إلا سرب ولم يأت في المفردات على هذا الوزن
غيرهما كما في القاموس وتوله: (ما يسعها) إشارة إلى أنّ فعلا بمعنى فاعل، وقوله وذكره لما كان فيه حرج مع كثرة وقوعه رخص فيما خرج عن طاقتهم ويحتمل رجوعه إلى ما تقدم أي جميع ما كلفناكم ممكن ونحن لا نكلف ما لا يطاق، وقوله: (يعني ما عهد الخ) يحتمل أيضاً أنّ المراد ما عاهدتم الله عليه من إيمانكم ونذركم، وتخفيف تذكرون بحذف إحدى التاءين. قوله: (الإشارة فيه الخ (أي باعتبار أكثره وقيل المشار إليه من قوله: (تعالوا إلى هنا) وقيل المشار إليه شرعه ﷺ ويلائمه قوله ولا تتبعوا السبل، وإذا كان تعليلا مقدما فيه جمع حرفي عطف وقد مرّ توجيهه. قوله:) فتفرقكم الخ (إشارة إلى أن الباء للتعدية وأصل تتفزق وهو منصوب
стр. 1221
في جواب للنهي. قوله:) وصاكم به) قيل لما كان في الوصية معنى الاهتمام والمحافظة زيادة على معنى الطلب استعيرت للأمر المؤكد والموصى به نفس ما ذكر لا حفظه لما عرفت إن معنى الحفظ ينتظم معنى الوصية، وقيل عليه إن الوصية قد تكون بالإتلاف كبذل المال وذبح القرابين والإعتاق فتأقلى. قوله: (عطف على وصاكم (فيه تسمح أي على جملة ذلكم وصاكم وفيه إشارة إلى أنّ الاسمية التي خبرها فعليه في معنى الفعلية فلذا حسن عطف الفعلية عليها. قوله: (وثم للتراخي في الإخبار الخ (الترتيب الإخباري في نحو بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب ذكره الفراء، وقال ابن عصفور أنه ليس بشيء لأنّ ثم تقتضي تأخير الثاني عن الأوّل بمهلة ولا مهلة بين الإخبارين يعني أنه لا بذ من الرجوع إلى أنها انسلخ عنها معنى الترتيب أو أنه ترتيب رتبي كما يشير إليه قوله أعجب في المثال، وقول المصنف هنا أعظم وعلى هذا فهي لفصل الخطاب الثاني عن الأوّل، وفصل ا! خطاب هو التفاوت الرتبي بعينه فمن قال: لا يبعد أن تكون ثم للإشارة إلى الانتقال من كلام إلى آخر فتكون بمنزلة فصل الخطاب، وكنا كثيرا نسمعه من أهل التدويون فوجدنا أصله هنا والتراخي في الإخبار إنما يكون
لو كان ثم آتينا متراخيا في الإنزال لم يأت بشيء من عنده مع أنّ الألفاظ المنقضية تنزل منزلة البعيد كما مرّ في ذلك الكتاب فلا حاجة إلى أنّ التراخي في الإخبار باعتبار توسط جملة لعلكم تتقون بينهما، وأما الترتيب الرتبي فأن يكون الثاني أعظم من الأوّل لأنّ التوراة المشتملة على الأحكام والمنافع الجمة أعظم من هذه الوصية المشهورة على الألسنة فاندفع إنّ إنزال التوراة تقدّم على هذه الوصية القرآنية، وقوله قديماً وحديثا إشارة إلى عدم الترتيب الزماني وان صح التراخي باعتبار ابتدائها كما في سائر الأمور الممتدّة فلا يرد أنّ إنزال التوراة أعلى حالاً من الوصية الواقعة هنا، وفي الكشاف هذه التوصية قديمة لم تزل توصاها كل أمّة على لسان نبيهم. (قبل فيه بحث) لأنّ المراد بالموصى بها إما مطلق بني آدم وخطاب وصاكم لهم أو الكفار المعاصرون له ﷺ والخطاب لهم لا سبيل إلى الأوّل لأنّ الخطاب السابق واللاحق للمعاصرين كما لا يخفى، ولا إلى الثاني لأنّ الوجه المذكور لصحة عطف الإيتاء على التوصية بثم لا يكون حينئذ مستقيما لأنّ الإيتاء حينئذ قبل التوصية بدهر طويل، فظهر أن حمل، ثم على التراخي الزماني بعيد ولعل المصنف تركه لهذا، وليس بشيء مع التأمّل الصادق. قوله: (للكرامة والنعمة) قيل إشارة إلى أنه في موقع المفعول له وجاز حذف اللام لكونه في معنى إتماما ويحتمل أنه مصدر لقوله آتينا من معناه لأنّ إيتاء الكتاب إتمام للنعمة كأنه قيل أتممنا النعمة إتماما فتمام بمعنى إتمام كنبات في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الآية: ١٧، وقوله للكرامة مفعوله أو أصله إيتاء تمام أو هو حال كما سيأتي. قوله: (على من أحسن القيام الخ) هذا محصل ما في الكشاف بلا فرق قال النحرير يريد اًنّ الذي أحسن إقا للجنس أو للعهد والمعهود أما موسى عخي! ففاعل أحسن ضمير موسى ﷺ ومفعوله محذوف يعود إلى الموصول، وتماما على هذا حال من الكتاب وأما على قراءة أحسن بالرقع فخبر مبتدأ محذوف والذي وصف للدين أو للوجه الذي يكون عليه الكتب وتماماً على الوجهين حال من الكتاب، وعلى الذي في الوجه الأوّل متعلق به، وهو بمعناه المصدري وفي الثاني مستقز حال بعد حال وتماماً بمعنى تافا أي حال كون الكتاب تامّاً كائنا على أحسن ما يكون والأحسنية بالنسبة إلى غير دين الإسلام، وغير ما عليه القرآن لقوله بعده وهذا كتاب الخ وقوله أي زيادة بيان لحاصل المعنى وليس لتضمين الزيادة حتى يتعذى بعلى لأنّ الإتمام يتعذى بها أيضاً نحو وأتممت عليكم. قوله: (ونصبهما يحتمل العلة والحال والمصدر (قيل قوله للكرامة يأبى
المصدرية وفيه نظر ثم إنه فسر قوله تفصيلاً بتفصيل ما يحتاج إليه في الدين فقيل إن فيه دلالة على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى ﷺ وقد ورد مثله في صفة القرآن كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿تَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة يوسف، الآية: ١١ ا] فلو صح ما ذكره لم يكن في شريعتنا اجتهاد أيضا، وقوله: (لعل بني إسرائيل الم يجوّز عوده على الذي بناء على الجنسية لأنه لا يناسب بربهم يؤمنون. قوله: (كراهة أن تقولوا الخ الما كان هذا بحسب الظاهر لا يصلح
стр. 1222
للعلية لأنزلنا المذكور أوّلوه بتقدير المضاف أو حذف لا كما عرفت في أمثاله كذا قيل، وقيل فيه إنّ العامل فيه أنزلنا مقدراً مدلولأ عليه بنفس أنزلناه ولا جائز أن يعمل فيه أنزلناه الملفوظ به لئلا يلزم الفصل بين العامل، ومعموله بأجنبي وذلك إنّ مبارك إمّا صفة وإما خبر وهو أجنبي على كل من التقديرين والذي منعه هو قول الكسائيّ ﵀ وقيل لا حاجة إلى التقدير بأن تجعل اللام لام العاقبة وأما كون القول في المستقبل علة لإنزاله باعثا عليه فلا يغني عما ذكر فتأمّل. قوله: (ولعل الاختصاص الخ الا شبهة في أن الزبور معروف مشهورا إلا أنه لا أحكام فيه فأل في الكتاب للعهد ومنه يعلم إنه لا كتاب للمجوس.
قوله: (وإنه) كذا قدره الزمخشري، وليس مراده تقدير معمول للمخففة كما صرّج به السفاقسي بل لما بين إنّ أصلها الثقيلة أتى معها بالضمير لأنها لا تكون إلا عاملة فلا يتوهم إنه ذهب إلى أعمال الخفيفة، وكذا من قدرها بانا كنا فلا يرد قول أبي حيان ﵀ إنّ المخففة من الثقيلة إذا لزمت اللام في أحد جزأيها ووليها الناسخ فهي مهملة لا تعمل في ظاهر ولا مضمر ثابت ولا محذوف، فهذا مخالف الكلام النحاة وكذا تبعه في المغني والدرّ المصون، ولا حاجة إلى الاعتذار بأنّ الزمخشري لا يسلم ذلك، وقال ابن الحاجب في أماليه إنما لم نحكم بتقدير ضمير الشأن في المخففة المكسورة لما ثبت إعمالها في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة هود، الآية: ١١ ا] فإن قيل فليقدر إذا لم تعمل في نحو إن زيد قائم قيل إنه لو قدّر لوجب امتناع العمل لتعذر أن يكون لها اسمان وتد جاز العمل
بإجماع البصريين، وهذا إنما يتم لو قيل بتقديره دائماً ولو ظهر عملها ولا داعي إليه فليقدر إذا لم يظهر عملها، وقوله لا ندري ما هي لأنا أميون أو لأنها ليست بلغتنا، والثقابة بمثلثة وقاف وموحدة النفوذ والحدة، ويروى بالفاء بدل الموحدة من قولهم غلام ثقف لقف أي ذو فطنة وذكاء، والتلقف التلقي بسرعة وقوله حجة واضحة تعرفونها لظهورها وكونها بلسانكم، وقوله بعد أن الخ تقسيم لهم فان منهم العارف ومنهم المتمكن من المعرفة. قوله: (أعرض أو صد (يعني هو إما لازم بمعنى أعرض أو متعد بمعنى صدّه عن الأمر منعه وصد وان ورد لازماً لكن أكثر فيه التعدي، ولذا لم يقيده بمفعول لشهرته، وقوله فضل ناظر إلى التفسير الأوّل وأضل إلى الثاني ووقع في نسخة أو بدل الواو فيهما وهي للتقسم كالكلمة اسم أو فعل أو حرف فهما بمعنى ولا اعترإض عليه كما توهم. قوله: (أي ما ي! ظرون الخ) قيل جعل الاستفهام للإنكار وأنكر الرضي كون هل للاستفهام الإنكاري فالأظهر إنه تقريري (قلت) الرضي بعد ما ذكر إنها لا تكون للإنكار قال: إنها تكون للتقرير في الإثبات كقوله هل ثوّب الكفار أي لم يثوّبوا وافادتها فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها إلا وهو مراد المصنف ﵀ إلا أنه لما اقتضى وقوعه أشار بقوله شبهوا بالمنتظرين إلى أنه فرضي وهو دقيق فالانتظار استعارة وليس على كل أحد أن يقلد الرضي، وقد صرّج في المغني بأنّ هل تكون للإنكار. قوله: (أي أمره بالعذاب الخ) وتفسير. بكل الآيات ليقابله بعضها قيل، ولو حمل على حقيقته لابتنائه على اعتقاد الكفرة، كقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ﴾ اسورة البقرة، الآية: ٢١٥] لم يبعد والحق أنه بعيد بل باطل لأنّ في قوله إنا منتظرون تقريراً وتجويزاً كما أفاده بعض الفضلاء. قوله: (وعن حذيفة الخ) (١) إنما هو معروف من حديث حذيفة بن أسد كما في صحيح مسلم، كذا قاله العراقي، وجزيرة العرب بلادهم وهي كما قال أبو عبيد: صقع من الأرض ما بين خرق أبي موسى الأشعري ﵁ إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض، قال الأزهري: سميت جزيرة لأنّ بحر فارس وبحر
السودان أحاط بجانبينا وأحاط بجانب الشمال دجلة والفرات وسياتي تفسير الدخان والنار المذكورة بأن تطرد الناس إلى محشرهم وقيل غير ذلك. قوله: (يوم يأتي بعض آيات ربك الخ) قال خاتمة المفسرين وتبعه غيره يعني الآية المذكورة في صحيح مسلم عنه ﷺ : " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً لىلمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في للمانها خبرا طلوع الشمس من منربها والدجال ودابة الآرض ") ١) وفي الصحيحين: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها
стр. 1223
الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفساً لىلمانها " (٢ (ثم قرأ الآية فبعد هذا التعيين منه ﷺ للمراد من الآية في القرآن كيف تفسر بغير ما عينه كيف، ونزول عيسى ﷺ الدعوة الخلق إلى دين الحق بعد خروج الدجال له، قيل فيجوز أن يكون عدم القبول ممن عاين الخروج لا من كل أحد مطلقا كما قالوا نظيره في طلوع الشمس من مغربها (أقول) هذا مسبوق إليه وسيأتي تفصيله وقال القاضي عياض ﵀ الحكمة في هذا إنه أوّل ابتداء قيام الساعة يتغير العالم العلوي، فإذا شوهد حصل العلم الضروري بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهذا معنى قول المصنف ﵀ كالمحتضر إذا صار الأمر عيانا وليس المراد تفسير بعض الآيات بما يشاهده المحتضر من الملائكة فهو تنظير وتمثيل له، ويحتمل أن يريد التعميم لما يشمل المذكور وغيره ففيه إشارة خفية إلى تفسير بعض الآيات الثاني بما يصير به الأمر عيانا وذلك إنما يكون بطلوع الشمس من مغربها كمشاهدة ملائكة الموت وفسره فيما مضى بالإشراط مطلقا، وقولهم المعرفة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى ليس على إطلاقه بل إذا كان الظاهر الإضمار وعدل عنه إلى الإظهار قد يقتضي ذلك تغايرهما كما في شرح التلخيص، وعدل عن تفسير الزمخشري هنا له بالإشراط لمخالفته الأحاديث الصحيحة وما عليه لمحققون، وكذا ما قيل لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض، فقد قال ابن حجر رحمه الله تعالى: إنّ فيه نظرا لأن خروج عيسى ﷺ بعد خروج الدجال، وهو يقبل الإيمان إلا أن يقال إنها كلها في يوم واحد ونصوص الأحاديث ناطقة بخلافه ومن غفل عن إنّ هذا الحديث معارض! لما هو أصح منه تثبث به هنا فالحق إنه يجب أن يكون المراد ببعض الآيات التي لا ينفع الإيمان بعدها طلوع الشمس من مغربها كما هو الموافق للأحاديث الواردة في عدم قبول التوبة، فقول
المصنف رحمه الله تعالى يعني إشراط الساعة تفسير للآيات أو نقول المراد ببعض الآيات في قوله يوم يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها لا مطلق الإشراط، وفي الزواجر مقتضى الأحاديث إنه لا يقبل بعد ذلك أبداً لكن الظاهر قبول ما وقع بعد ذلك من غير تقصير كمن جن، وأفاق بعد ذلك أو أسلم بتبعية أبويه وسيأتي ما يؤيده.
تنبيه: روى العراقي في شرح التقريب لفظ حديث صحيح اتفق عليه الشيخ، وبعض أصحاب السنن لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك معنى قول الله لا ينفع نفسا إيمانها وهو يدل على أنّ عدم قبول الإيمان والتوبة مخصوص بطلوع الشمس من مغربها ويخالفه ما في مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عته مرفوعا: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساًللمانها طلوع الشمس من منربها والدجال ودابة الأرض " (٩ (، وفي رواية: " إحدى ثلاث " وفي بعضها: " يأجوج ومأجوج " وهذا يعارض الأحاديث الأولى المعينة لطلوع الشمس من مغربها وهي الصحيحة رواية ودراية وعليها المفسرون والمحذثون قال وفي ثبوت ذلك بخروج الدجال إشكال فإنّ نزول عيسى ﷺ بعده وفي زمنه خير كنير دنيوي، وأخروي والظاهر قبول التوبة وهو المصرح به قال ابن عطية ﵀: ويؤيده منع الغرغرة من القبول وإذا أخبر النبيّ جم! رو بتخصيص مانع القبول بالطلوع في الحديث الصحيح لم يجز العدول عنه وتعين إنه معنى الآية فلا ينفع إيمان كافر ولا توبة عاص فيبقى كل أحد على الحال التي هو عليها وسببه إنه إذا شوهد تغير العالم العلوي يحصل الإيمان الضروري وهم مكلفون بالإيمان بالغيب، وقال البلقيني ﵀: إنه إذا تراخى الحال بعد طلوعها وطال العهد حتى نسي قبل الإيمان والتوبة لزوال الآية الملجئة، وقال العراقي وحمه الله: فيه نظر لأن الظاهر إنه لا يطول العهد حتى ينسى ولا دليل له فيما اذعاه اهـ (أقول) ما اعترض به على البلقيني غير متجه لما رواه القرطبي رحمه الله تعالى في تذكرته عن ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ : " إن الناس يبقون بعد طلوع الشمس من منربها مائة وعشرين سنة " (٢ (ونقله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري وقال إنه نص في ردّ ما قالوه، وفي سوق العروس لابن الجوزي أن الشمس تطلع من مغربها ثلاثة أيام بلياليها ثم
стр. 1224
يقال لها ارجعي من مطلعك فتلخص من هذا إنّ الآية المانعة من قبول الإيمان والتوبة إنما هي طلوع الشمس من مغربها، وهو الصحيح عند المفسرين والمحذثين والأحاديث الأخر غير منافية لها أمّا من جعلها عدة آيات فهي آخرها المتحقق بها ذلك، وأما كونها إحدى آيات فهي محمولة على المعينة في الحديث لأنها أعظمها وإنما أخفاها الله كما أخفى علم الساعة حثا لهم على تقديم التوبة كما أخفى ساعة الإجابة وليلة القدر، وأما كون التوبة تقيل
بعدها إذا تراخى العهد فهو حق كما قبل إيمان أبوى النبيّ ﷺ بعد الغرغرة، ومشاهدة أهوال البرزخ وإن توقف فيه بعض مشايخنا وإنما ذكرنا هذا مع طوله لأنه من أنفس الذخائر التي يجب حفظها في كنوز الدفاتر. قوله: (والإيمان برهانئ) أي عيني ليعمّ التقليد وقرينة المجاز مقابلته بالعياني، وعبر عنه بالبرهاني لأنّ حقه أن يكون كذلك واعلم أنّ الآيات المذكورة منها ما هو موجود كالدجال والدابة والخسف والنار، ومنها ما هو ممكن غير خارق للعادة فعلم وجه اختصاصها بطلوع الشمس من مغربها فاعرفه. قوله: (وقرئ تنفع بالتاء الخ) قال اً هل العربية المضاف يكتسب من المضاف إليه أمورا منها التذكير والتأنيث لكن في المغني شرط هذه المسألة صلاحية المضاف للاستغناء عنه، ومن تمت ردّ ابن مالك ﵀ في التوضيح قول أبي الفتح بن جني في توجيه قراءة أبي العالية لا تنفع نفسا إيمانها بتأنيث الفعل إنه من باب قطعت بعض أصابعه لأنّ المضاف لو سقط هنا لقيل نفسا لا تنفع بتقديم المفعول ليرجع إليه الضمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعلية، ويلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره نحو زيداً ظلم تريد أنه ظلم نفسه وذلك لا يجوز اهـ.
(أقول) هذا عجيب منه فإنه أخذ الضاز من كلامه وترك النافع منه فإنه قال بعد هذا وقد
يصحح قول ابن جني بأن يجعل لسريان التأنيث من المضاف إليه إلى المضاف سبب آخر وهو كون المضاف شبيهاً بما يستغنى عنه، فالإيمان وان لم يستغن عنه في لا ينفع نفسا إيمانها يستغنى عنه في سرتني إيمان الجارية فيسري التأنيث إليه لوجود الشبه كما يسري إليه بصحة الاسنغناء عنه، ويؤيده قول ابن عباس ﵄: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فسرى تأنيث البطون والقلوب إلى الشحم والفقه مع أنهما لا يستغنى عنهما بما أضيف إليهما لكنهما شبيهان بما يستغنى عنه في نحوأعجبتني شحم بطون الغنم، ونفعت الرجال فقه قلوبهم وقد يكون تأنيث كثيرة وقليلة بتأويل كتاويل الشحم بالشحوم والفقه بالفهوم، اهـ فالمراد بالاستغناء الاستغناء حقيقة أو حكما مع أنه على تقدير السقوط لا يلزم إجراء أحكام السقوط بالفعل، كما مرّ في أنّ المبدل منه قد يكون ضميرا رابطا وأمّا قول النحرير: إنهم عنوا بالبعض ما يكون أعمّ من أجزاء الذات وصفاتها القائمة بها، فكأنه عنى هذا وإلا فلا يخفى ما فيه وقال أبو حيان: إنه أنث بتأويل الإيمان بالعقيدة والمعرفة مثل جاءته كتابي فاحتقرها على معنى الصحيفة وتبعه من قال: أريد بالإيمان المعرفة، ويرشدك إليه قراءة لا تنفع بالتاء وبكسب الخير الإذعان والقبول، ونحن معاشر أهل السنة نقول بموجبه من أنّ الإيمان النافع مجموع الأمرين فلا حجة فيه للمخالف لأنّ مبناه على حمل الإيمان على المعنى الاصطلاحي المخترع بعد نزول القرآن، وتخصيص الخير بما يكون بالجوارح، وكل منهما
خلاف الأصل، وفيه نظر. قوله: (وهو دليل الخ) قالت المعتزلة: الآية دالة على عدم الفرق بين النفس الكافرة إذا آمنت عند ظهور أشراط الساعة، وبين النفس التي آمنت من قبلها، ولم تكسب خيرا يعني إنّ مجزد الإيمان بدون العمل لا ينفع والاعتراض بأنّ أحد الأمرين في سياق النفي يفيد العموم كالنكرة على ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٤] فعدم النفع يكون للنفس التي لم يكن منها الإيمان ولا كسب الخير مدفوع بأنه لا يستقيم هنا لأنه إذا انتفى الإيمان انتفى كسب الخير في الإيمان، والحاصل أنّ أو إذا وردت في النفي فهو لنفي أحد الأمرين فإن اعتبر عطف أحد الأمرين على الاخر ثم سلط النفي عليه يفيد شمول العدم عند الإطلاق إلا إذا قامت قرينة حالية اً ومقالية على أنه لا يقاع أحد المعينين فحينئذ يفيد الشمول كما في هذه الآية لأنّ اشتراط أحد الأمرين
стр. 1225
إنما يحسن إذا تحقق كل منهما بدون الآخر، ولأنه إذا انتفى الإيمان انتفى كسب الخير في الإيمان بالضرورة فيكون ذكره لغواً من الكلام، أو يؤوّل بأنّ المراد أنهما معا شرطان في النفع والعدول إلى هذه العبارة لتفيد المبالغة في أنهما سيان وإنما يستحسن إذا كان الأوّل أعرف بالشرطية كالإيمان والكسب في هذه الآية ومنه علم الجواب عن الأؤل، وقد أجيب عن اللغوية بأنه لما كان النفع مشروطا بأحد الأمرين سبق الإيمان أو الكسب المذكور، وان كان تحقق أحدهما مستلزما للآخر ظهر وجه عدم الإيمان لنفس خلت عنهما ولا يضر بالمقصود كون الخلوّ عن سبق الإيمان مستلزما للخلوّ عن الكسب لأن غرضنا بيان عدم نفع إيمان نفس خلت عنهما وهذا حق بسبب اشتراط النفع بأحدهما فلا يضرّنا كون الخلو عن واحد مستلزماً للخلو عن الآخر، ولا حاجة إلى ما تكلف في الاشتراط بأحد الأمرين من أنه يجب اعتبار العمل الصالح سابقاً بأن يقال النافع هو العمل الصالح في الإيمان فإن لم يوجد فالإيمان ولا يجوز أن يقال النافع هو الإيمان فإن لم يوجد فالعمل الصالح في الإيمان لأنّ الإيمان إذا انتفى انتقى العمل الصالح عنه بالضرورة وقال بعض المحققين لا يخفى إنّ استدلال المعتزلة لا يخلو عن قوّة، وقد أجاب عنه أهل السنة تارة بأنّ المراد بالخير الإخلاص وبالإيمان ظاهره من القول والعمل وفيه بعد، وتارة بأنّ الآية من اللف التقديري أي لا ينفع نفساً إيمانها وكسبها الخير في الإيمان فتتوافق الآيات والأحاديث الشاهدة بأنّ مجرّد الإيمان نافع ويلائم مقصود الآية وهو تحسير الذين أخلفوا ما وعدوا من الرسوخ في الهداية عند إنزال الكتاب حيث كذبوا وصدفوا عنه وفيه إنه ذكر في الخلاصة وغيرها إن توبة اليأس مقبولة وان لم يكن إيمانه مفبولاً، لكن وقع في جامع المضمرات خلافه.
(قلت) هو الصحيح الوارد في الأحاديث الصحيحة كما مرّ ثم قال والأظهر في الجواب
أن يقال المراد بالنفع كما له أي الوصول إلى رفيع الدرجات والخلاص عن الدركات بالكلية، ويرد على المعتزلة أنّ الخير نكرة في سياق النفي فيعمّ ويلزم أن يكون نفع الإيمان لمجرّد الخير
ولو واحداً وليس كذلك فإنّ جميع الأعمال الصالحة داخلة في الخير عندهم وهو لا يرد على المصنف ﵀ لأنه ناقل لكلامهم. قوله: (وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم) أي لتخصيصه بالذكر ولتقديمه فعدم اعتبار الإيمان المجرّد عن العمل مخصوص بمن أدرك ذلك اليوم بغير عمل فلا تثبت الآية مدعاكم وهو جواب جدلي لا يخفى ضعفه وإلا فالإيمان المتقدّم على ذلك نافع مطلقأ عندنا، وقوله حمل الترديد الخ محصله كما مرّ عموم النفي لا نفي العموم. نوله: (والعطف على لم يكن الخ) وأو على هذا بمعنى الواو، وإذا لم ينفع الإيمان الحادث من غير تقدّم مع كسب الخير فعدم نفعه بدونه بطريق الأولى واليه أشار بقوله وإن كسبت فيه خيرا كذا قيل فعليه إن بكسر الهمزة وصلية وقيل إنها بالفتح مصدرية والأوّل أولى. قوله:) فآمنوا ببعض وكفروا ببعض) قيل هذا لا يلائم قوله وكانوا شيعا إلا أن يجعل صفة أخرى، ووصف الأمم السالفة بأنها في الهاوية إلا فرقة يعني قبل نسخ دينهم، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذقي وصححه وابن ماجه وابن حبان وصححه الحاكم عن أبي هريرة ﵁ (١ (. قوله: (من السؤال الخ) منهم حال لأنه صفة نكرة قدمت عليها، وفسره بليس عليك شيء من السؤال الخ أو من عقابهم أو أنه بريء منهم أو أمره بتركهم، وكله ظاهر.
قوله: (أي عشر حسنات أمثالها) ولما كان المثل مذكراً كان الظاهر عشرة فأجيب بأنّ المعدود محذوف أقيمت صفته مقامه وقيل إنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وقوله أقل ما وعد الخ مرّ تحقيقه في سورة البقرة، وقوله من الله لا بطريق الوجوب عليه تعالى فهو قيد لأصل الإثابة وزيادتها وقضية للعدل تعليل للجزاء، وكونه بالمثال ولو زيد أيضاً لم يخرج عن العدل على مذهبنا. قوله: (بنقص! الثواب ورّيادة العقاب) أي ليس نقص الثواب، وزيادة العقاب ظلما لأنّ له تعالى أن يعذب المطيع ويعفو عن المسيء إذ لا إيجاب عندنا فليس هذا مذهب المعتزلة، وقيل الظلم بمعناه اللغوي وفيه نظر. قوله: (بدل الخ (ما ذكره في إعرابه ظاهر، والمضمر إما هداني أو نحوه كأعطاني وعرّفني لأنّ الهداية تستلزم المعرفة. قوله: (وهو أبلع من المستقيم الخ) في نسخة من القائم، والزنة الهيئة
стр. 1226
والصيغة مجموع المادّة والهيئة، وكونه أبلغ لدلالته على الثبوت دون الحدوث، وأبلغية المستقيم باعتبار زيادة الحروف، وفيه ما مرّ الكلام فيه في الرحمن الرحيم، وقيل لأنّ السين للطلب فيفيد طلب القيام واقتضاءه والقيم الثابت المقوّم لأمر المعاس والمعاد والظاهر أنّ المستقيم هنا من استقام الأمر بمعنى ثبت والا فلو اختلف معناهما لا يتأتى ما ذكره المصنف، وقوله: (فاعل لإعلال فعله (وهو قام كما في نحو عياذ فقيم مصدر كالصغر والكبر، وفعله قام يقوم فأعلوه لإعلال فعله ولولا ذلك لصح كعوض، وحول لأنهم لم يجروه يعني لم يقع على بناء يشبه بناء الفعل حتى يعل بالحمل عليه لأنّ أصل الإعلال للأفعال ويعل من الأسماء ما شابهها وزنا لكنه مصدر تبع فعله في الإعلال كما هو القياس كما فصل في المفصل وشروحه وجعلت الملة عطف بيان لتوضيحه، وهذا بناء على جواز تخالفهما تعريفا وتنكيراً كما في المغني أو منصوب بتقدير أعني. قوله: (حتيفاً حأل) قال النحرير: حنيفا حال من المضاف إليه للإطباق على جواز كذلك إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه أو بمنزلة الجزء حيث يصح قيامه مقامه نحو اتبعوا إبراهيم إذا اتبعوا ملته ورأيت هنداً إذا رأيت وجهها بخلاف رأيت غلام هند قائمة، واختلفوا في عامل مثل هذه الحال فقيل معنى الإضافة
لما فيه من معنى الفعل المشعر به حرف الجز كأنه قيل ملة نسبت لإبراهيم حنيفاً والصحيح إنّ عاملها عامل المضاف لما بينهما من الاتحاد بالوجه المذكور وأمّا مثل أعجبني ضرب زيد راكبا فلا كلام في جوازه وكون عامله هو المضاف نفسه اهـ، وأورد عليه أنه إذا كان العامل معنى الإضافة بتلك الطريق فلا معنى لتخصيص، ذلك بما إذا كان المضاف جزءا أو كجزء، فيلزم تجويزها من كل مضاف إليه، وهو باطل ولك أن تقول النسبة خصوصا غير التامّة عامل ضعيف فلما كانت نسبة الجزء، وشبهه أقوى من غيرها خصت بالعمل فهذا قياس مع الفارق، ومثله يكفي في العلل النحوية. قوله: (وما أنا عليه الخ) يريد أنّ المحعى والممات، أريد بهما مجازاً ما يقارنهما ويكون معهما من الإيمان والعمل الصالح لأنه المناسب لوصفه بالخلوص لله. قوله: (وقرأ نافع الخ) وفيها الجمع بين ساكنين، ولذا طعن بعضهم إنه رجع عن هذه القراءة حتى قال أبو شامة ﵀ لا يحل نقلها عنه، وفي رواية إنه كسر الياء كقراءة حمزة وصرّج بالكسر وستأتي، وقرأ الجحدري محي بقلب الألف ياء وهي لغة هذيل.
(أقول) ما قاله أبو شامة مردود فإنّ هذه القراءة ثابتة عنه، وقوله في التيسير الياء موقوفة ولم
يقل ساكنة إشارة إلى توجيه هذه القراءة بأنه نوى فيها الوقف فلذا جاز فيها التقاء الساكنين وبها قرأ مشايخنا. قوله: (خالصة) يحتمل أنه بيان لمتعلق خاص أو لمعنى اللام أو لحاصل الكلام لأنّ لله ولوجه إلله يدلّ على ذلك، وقوله: (لا أشرك فيه غيرا) بيان له بحسب المقام، وقوله وبذلك القول فيكون أمره بقل المذكور لا بقول آخر وعلى الثاني يحتمل إنه أمر آخر. وقوله: لآن إسلام كل نبي متقدّم على إسلام أمّته واليه الإشارة بقوله في الحديث: " أوّل ما خلق الله نوري " (١) . قوله: (فأشركه في عبادته الخ) قيل تقديم غير الله لا يصح أن يكون للاختصاص لأنه حينئذ ليس إشراكا للغير بل توحيد، فنبه بقوله فأشركه على أنّ التقديم ليس للاختصاص بل لأنّ الإنكار ليس في بغية الرب بل في بغية الغير، ولا يبعد أن يقال ذكر في رذ دعوته إلى الغير رذ
الاختصاص تنبيهاً على أنّ إشراك الغير ينافي بغية الله إذ لا بغية له إلا بتوحيده ثم إنّ نفي البغية والطلب أيضاً أبلغ في نفي العبادة، وقال العلامة: أغير الله أبغي ربا جواب لأن التقديم فيه لحصر إنكار الربوبية في غير الله وكل حصر فيه جوأب عما أخطأ فيه السامع، ولهذا قال ولا تكسب كل نفس إلا عليها الخ جواب وفي الكشف الاختصاص نشأ من التقديم أو من أداة الحصر، وهو يقتضي سوق الكلام مع منكر وهو دقيق يحتاج إلى تأنل. قوله: (فلا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه) جعله من حملة الجواب عن دعائهم إلى عبادة ا-لهتهم يعني لو أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه لم أكن معذوراً بأنكم سبقتموني إليه، وقد فعلته متابعة لكم ومطاوعة فلا يفيدني ذلك شيئا ولا ينجيني من الله لأنّ كسب كل أحد وعمله عائد إليه، ولا يرد أنّ الكسب وان قارن على بمعنى المنفقة لمقابلته لقوله ولا تزو الخ إذ هو للمضرة فالمعنى ولا تكسب كل نفس منفعة إلا أن تكون تلك المنفعة
стр. 1227
محمولة عليها لا على غيرها فالمنفعة التي تزعمونها في اتخاذ غير الله إلها لا تنفعني كما توهم، وغير المصنف جعله جوابا لقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢ ا] لأنّ ما كسبته كل نفس من الخطايا محمول عليها لا على غيرها وقوله ولا تزر وازرة تأكيد له لكن المصنف ﵀ رأى التأسيس أولى ففسره به. قوله: (على أنّ الخطاب للمؤمنين) أو لأمّة الدعوة، وقوله: (لأنّ ما هو آت قريب) بيان لأنه أريد به عقاب الآخرة ولو أريد به عقاب الدنيا لم يحتج إليه أي الموعود سريع الوصول، فإنّ سرعة العقاب تستدعي سرعة إنجاز الوعد. قوله: (وصف العقاب الخ) يعني جعل الخبر في الأولى سريع الذي هو صفة العقاب ولم يجعل العقاب نفسه صفة له بأن يقول إنّ ربك معاقب، كما قال: غفور رحيم دمان كان حمل صفة العقاب حملاً له في المعنى ومعنى كونه غفوراً بالذات أنّ مغفرته ورحمته لا تتوقف على شيء كما في الحديث القدسي: " سبقت رحمتي غضبي " (١ (وعقابه لا
يكون إلا بعد ما صدر من العبد ذنب يستحق به ذلك، وهو معنى كونه بالعرض. قوله: (عن رسول الله ﷺ أنزلت علئ سورة الأنعام جملة واحدة الخ) (١) قال ابن حجر ﵀: هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية، وفي رجاله ضعف، وقال غيره: إنه موضوع وسئلى عنه النوويّ رحمه الله تعالى فقال أنه لم يثبت، وأما قوله فمن قرأ الخ فمن الحديث الموضوع الذي أسندو. إلى أبيّ بن كعب في فضائل السورة كما غللرخاتمة الحفاظ السيوقي ﵀ وزجل بالزاي المعجمة والجيم واللام بمعنى صوت بالتسبيح والتحميد لأنّ السورة أنزلت لبيان التوحيد مفصلا لكن قوله في الحديث جملة واحدة ينافيه قوله في أوّل السورة إنها مكية غير ست آيات أو ثلاث آيات من قوله، قل تعالوا الخ وما سيجيء من قوله في آخر سورة براءة ما نزل القرآن عليّ إلا آية آية وحرفاً حرفا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، ولا يقال لعل سورة الأنعام لم تنزل إلا بعد ما قال ذلك الحديث لأنا نقول سورة براءة مدنية وسورة الأنعام مكية وكونها نزلت مرّتين بالمدينة ومكة دفعة وتدريجا خلاف الظاهر، وكذا الجمع بين الحديثين بتقييد كل منهما بقيد حتى لا ينافي الآخر اللهمّ كما يسرت لنا إتمام التشرّف بسورة الأنعام يسر لنا الإتمام وأجر ما عوّدتنا من بدائع الأنعام، في مطلع كل ابتداء ومقطع كل اختتام، وأهدمنا لنبيك محمد جمتن أفضل صلاة وسلام، ومثل ذلك لا له وصحبه الكرام على مدى الليالي والأيام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
سورة الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية الخ) قال الداني ﵀ في كتاب البيان لعدد آي القرآن قال مجاهد وقتادة
هي مكية إلا قوله، واسألهم عن القرية الآية فإنها نزلت بالمدينة وكلماتها ثلاثة آلاف وثلثمائة وخمس وعشرون كلمة وحروفها أربعة عشر ألفاً وثلثمائة وعشرة أحرف وهي مائتان وخمس آيات في البصريّ، والشاميّ وست في المدنيّ والكوفيّ. قوله: (المص سبق الكلام في مثله) وبيان ما فيه وبيان إعرابه وعدمه فلا حاجة إلى إعادته هنا، وقوله في إعراب كتاب خبر مبتدأ محذوف الخ مبني الأوّل على المختار من كون ألفاظ التهجمي على نمط التعديد فإذا كان المص اسم السورة فظاهر أنه المبتدأ ثم ضمير هو عائد إلى المؤلف من الحروف أو إلى السورة باعتبار حضورها في العلم، والتذكير باعتبار الخبر ولو جعل المقدر اسم إشارة موافقا لقوله الم ذلك الكتاب لم يبعد وكان ميله إلى الثاني ولذا حمل الكتاب على السورة والا فالكلام على أسلوب قوله تعالى ذلك الكتاب وقد حمله على الكتاب الصالح للهداية والإنذار والتذكير مع أنّ مثل هذه الكلمات لو جعل للبعض الذي هو السورة كان أبلغ فكأنه بنى التفرقة على التعريف والتنكير، وإنما لم يجعل كتاب أنزل مبتدأ أو خبراً على معنى كتاب وأي كتاب لكونه خلاف الأصل وشيوع حذف المبتدأ كذا أفاده النحرير: وكلام المصنف ﵀ موافق للزمخشريّ في بعض ما ذكره. قوله: (أنزل إليك صفتة) فإن كان القرآن عبارة عن القدر المشترك بين الكل والجزء فالتوصيف بالماضي ظاهر، وان كان
стр. 1228
المجموع فلتحققه جعل كالماضي، وإذا أريد السورة فالكتاب إن أطلق على البعض، كما في قولهم ثبت بالكتاب فواضح والا فهو مبالغة لحمل الكل عليه بادعاء أنه لاستجماعه كمالاته كأنه هو. قوله: (أي شك فإن الشاك حرج الصدر الخ) في الكشاف سمي الشك حرجاً لأنّ الشاك ضيق الصدر حرجه كما أنّ المتيقن منشرح الصدر منفسحه، قال ابن المنير ﵀ يشهد له قوله: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٧] وقال النحرير الظاهر أنه مجاز علاقته اللزوم والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضيق من الكتاب وان جوّزتها فهو كناية (قلت) في الأساس ضاق المكان وتضايق ومن المجاز وقع في مضيق من أمره، وضاق عليه صدره فلا وجه للتردّد في كونه
مجازاً لكته شاع في ذلك، وصار حقيقة عرفية فيه، وحينئذ فمان نظر إلى المتبادر كان مجازاً لأنّ الكتاب لا يحصل منه في نفسه ضيق صدر وان قطع النظر عن ذلك ولوحظ أنه يضيق الصدر منه باعتبار عوراضه كان كناية عن الثك، وليس المراد أنه ممن يصدر الشك منه كما سيأتي تحقيقه في تقرير النهي. قوله: (أو ضيق قلب من تبلينه (فضيق الصدر على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدّر كخوف عدم القبول والتكذيب كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [سورة هود، الآية: ٢ ا] قيل منع في الكشف كون الحرج كناية عن الخوف لأنّ ضيق الصدر من الأذى مستفاد من الخوف لا أنّ الخوف من الأذى، كأنه يريد تسليم صحة الحقيقة ومغ صحة الكناية لاستدعاء المعنى كون الخوف من الأذى، وليس فليس ولك أن تمنع فساده فإنه قد يوقع الخوف على سبب المكروه لا عليه كما تقول أخاف من مجيئي إليك لمن أوعدك بالضرب فإن أوّلته بما اً ناله من قبل المجيء، أو مما يفضي إليه فكذا في الآية إذ التأويل ليس أولى من التأويل، ثم على تقدير كون الحرج حقيقة كما في الوجه الثاني تكون الجملة كناية عن عدم المبالاة لإعداء كما في الكشاف وكلام المصنف ﵀ خليّ عنه فتأمّله. قوله: (وتوجيه النهي إليه للمبالغة) قيل توجيه النهي عن الشيء، وهو مما يوهم إمكان صدور المنهيّ عنه من المنهي إمّا للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره-جير سبب لاتصافه به، والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني ونفي له عن أصله بالمرّة، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٢] وليس هذا من قبيل لا أرينك هاهنا فإنّ النهي هناك وارد على المسبب مراد به النهي عن السبب فالمآل نهيه عما يورث الحرج، اهـ وما ذكره المصنف ﵀ إشارة إلى ما في الكشاف وتقريره، كما قيل إنّ قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ نهي للحرج عن الكون في الصدر والحرج مما لا ينهي، فأجاب بأنّ المراد نهي المخاطب عن التعرّض للحرج بطريق الكنابة كما في قوله لا أرينك هاهنا، فإنه نهي المتكلم عن رؤية المخاطب والمراد نهي المخاطب أي لا تكونن هاهنا فإنّ رؤيتي إياك مستلزمة لكونك هاهنا فعدم كونك هاهنا مستلزم لعدم رؤيتي إياك فأطلق اللازم وهو عدم الرؤية وأراد الملزوم، وهو عدم الكون هاهنا فكذا في الآية عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرّضا للحرج، فإطلاق نهي الحرج على نهيه عنه كناية ومثله في الأمر وليجدوا فيكم غلظة ظاهره أمر المشركين، والمعنى على أنه أمر المؤمنين بأن يغلظوا على المشركيت ففي قوله فلا يكن في صدرك حرج كناية مترتبة على كناية، وقيل عليه الظاهر أنه مجاز لا كناية لأنّ الكناية لا تنافي الحقيقة، وهو الفارق بينها وبين المجاز وهنا يمتنع إرادة حقيقة نهي الإنسان نفسه نعم يجوز جعل كون الحرج في الصدر كناية عن كونه حرج الصدر فلك أن تعتبره كذلك، ثم تسلط النهي عليه فيحتمل أنهم أرادوا ذلك وسموا النهي أيضاً كناية تبعاً.
(أقول) استعمال الملزوم، وإرادة اللازم والتصرف هنا لا يخلو إمّا أن يكون في النهي،
أو المنهي أو المنهى عته، وليس المراد الأوّل لأنّ النهي باق بحاله لم يتجوّز فيه، ولم يكن به عن شيء إذ معنى لا أرينك لا تحضر ومعنى الآية لا تحم حول حمى الحرج وكذا المنهي، وهو المخاطب والحرج لم يقصد به شيء آخر يتعلق به النهي فتعين أنّ المراد المنهيّ عنه، وهو رؤيته له إذ كني بها عن حضوره لاستلزام أحدهما للأخر وكذا كونه حرجا كني به عن تعاطي ما يؤدّي إليه، والمعنى الحقيقي هنا تجوز إرادته قبل دخول النهي قطعاً
стр. 1229
إذ لو قيل أنت حرج أو لا أراك صح بل هو مراد فلذا ذهب عامّة الشراح، وغيرهم إلى أنه كناية نعم بعد دخول النهي لا يصح إرادته فلذا جوّز فيه النحرير: أن يكون مجازا لأن النهي سواء كان طلب الترك، أو الكف لم يقصد من الإنسان لنفسه ولا من الحرج لأنه لا يعقل حتى ينهي فالمعترض أوّلاً إن أراد الفرق بين ما نحن فيه والمثال باعتبار أنّ المراد في أحدهما النهي عن السبب، والمراد المسبب، وفي الآخر بالعكس فلا ضير فيه، ولذا عبر العلامة باللزوم دون السببية وان أراد أنه ليس من الكناية أصلا فباطل وكذا إنكار الآخر للكناية لما عرفت نعم قوله وسموا النهي أيضا كناية تبعا أجاد فيه لكونه قرب من المراد مرّة وبعد عنه أخرى، ومثله: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٠٢] كما مر فتدبر وفي الكشاف أنه ﷺ كان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم يعني أنّ الحرج في هذا الوجه، وان كان على حقيقته، فالجملة مجاز أو كناية عن عدم المبالاة بالإعداء فتوهم بعضهم أنها فائدة أهملها المصنف ﵀ وليس كما توهموا، فإنّ قوله مخافة أن تكذب فيه صريح في عدم المبالاة بهم. قوله: (والفاء تحتمل العطف والجواب الخ) في العطف قيل إنه معطوف على مقدر أي بلغه (فلا يكن في صدرك) الخ وقيل إنه معطوف على ما قبله بتأويل الخبر بالإنشاء، أو عكسه أي تحقق إنزاله من الله إليك أو لا ينبغي لك الحرج والفراء قال: إنّ الفاء اعتراضية لا عاطفة ولا يختص كونها للجواب بتعلق لتنذر بأنزل كما يوهمه قوله إذا أنزل إليك لتنذر* قوله: (متعلق بأنزل الخ) ذكر في متعلق اللام وجوها أحدها تعلقه بأنزل، وهو قول الفراء قال اللام في لتنذر منظوم مع قوله أنزل على التقديم، والتأخير على تقدير كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في الخ قال المعرب: فجملة النهي معترضة بين العلة، ومعلولها وهو الذي عناه الفراء بقوله على التقديم والتأخير، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنّ المتقدمين يجعلون الاعتراض على التقديم والتأخير لتخلله بين كلام واحد وليس مرادهم أنّ في الكلام قلبا كما سنبينه في أوّل الكهف، والثاني أنها متعلقة بمتعلق الخبر أي لا يكن الحرج مستقرّاً في صدرك لأجل الإنذار كذا قاله ابن الأنباري، الثالث أنها متعلقة بالكون وهو مسلك غير ابن الأنباري، وقول الزمخشري: إنه متعلق بالنهي قيل ظاهره أنه متعلق بفعل النهي وهو الكون بناء على جواز تعلق الجارّ بكان وهو الصحيح ويحتمل أنه يريد بما تضمنه معنى النهي كما قيل، وقال النحرير: إنه
معمول للطلب أو المطلوب أعني انتفاء الحرج وهذا أظهر لا للمنهى عنه أي الفعل الداخل عليه النهي لفساد المعنى، وقيل عليه إنه متعاق بأنزل أو بلا يكن على الثاني لكونه علة للمطلوب لا للطلب لأنه بدون الامتثال لا يوجب التمكن من الإنذار ولا للمنهتي، لفساد المعنى قيل، ويجوز ذلك على معنى أنّ الحرج للإنذار والضيق له لا ينبغي أن يكون ولا يخفى أنّ كلمة منه تخدشه وفيه تأمّل، ثم وجه توسيط المفرّع بين العلة والمعلل إذا تعلق بأنزل أما على أوّل تفسيري الحرج فظاهر لترتبه على نفس الإنزال لا على الإنزال للإنذار، وأما على ثانيهما فهو الاهتمام به مع ما فيه من الإشارة إلى كفاية واحد من الإنزال والإنذار في نفي الحرج أما كفاية الثاني فظاهرة وأما كفاية الأوّل فلأنّ كون الكتاب المؤلف من جنس هذه الحروف البالغ إلى غاية الكمال منزلاً عليه خاصة من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقتضي كونه رحيب الصدر غير مبال بالباطل وأهله. قوله: الأنه إذا أيقن الخ) إشارة إلى الوجهين السابقين في قوله فلا يكون في صدرك حرج على الترتيب والزمخشري عكسه إشارة إلى أنّ الثاني أظهر وأولى. قوله: (يحتمل النصب الخ) عن الزمخشرفي أنه قال: لم أجعله معطوفا على محل لتنذر لأنّ المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحدا حتى يجوز حذف اللام منه، وفيه كلام لا حاجة إليه هنا، وقوله على محل تنذر لأنه مصدر تأويلاً وفي نسخة لتنذر، والصحيح الأولى لما في هذه من المسامحة، وقوله: (أو خبر المحذوف) أي هو ذكرى والمعنى على الأوّل أنه جامع بين الوصفين وعلى هذا أنه موصوف بكل منهما استقلالاً. قوله: (يعم القرآن والسنة الخ) فليس ما أنزل من وضع الظاهر موضع المضمر ولذا جمع الضمير، وفي جعل الوحي مطلقاً منزلاً من الله تجوّز حينئذ بأن يراد به مطلق الوحي كما يشير إليه ما بعده، وقوله وما ينطق عن الهوى بناء
стр. 1230
على عمومه المتبادر فلا ينافيه أنه فسره في سورة النجم بقوله ما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى المقتضى لتخصيصه بغير السنة. قوله: (ولا تتبعوا من دونه أولياء) أي لا تتخذوا ولياً غيره فيضلكم وإذا جعل الضمير لما أنزل قدر ومن أولياء لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم، فقوله من دونه متعلق بالفعل تبله والمعنى لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان، أو بمحذوف لأنه حال فالضمير في من دونه يحتمل أن يعود على ربكم، وهو تفسير المصنف ﵀ الأوّل، وأن يعود على ما الموصولة أو الكتاب، والمعنى لا تعدلوا عنه إلى الكتب المنسوخة، وجوّز كون الضمير للمصمدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعا من
دون اتباع ما أنزل إليكم، وقرأ مجاهد تبتغوا بالغين المعجمة من الابتغاء، وقوله: وقرئ أي اعتراض أو استئناف. قوله: (أي تذكرا قليلأ أو زماناً قليلاَ الخ) يعني هو نعت مصدر محذوف أقيم مقامه، أو نعت زمان محذوف كذلك، ونصبه بالفعل بعده وما مزيدة للتوكيد، وأجيز أن يكون نعت مصدر لتتبعوا قيل ويضعفه أنه لا معنى حينئذ لقوله تدّكرون، وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضرّ لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني، وجوّز في ما أن تكون موصولة ومصدرية، فيكون المصدر أو الموصول مبتدأ، وزمانا قليلا خبره، وتد قيل إنها نافية وهو بعيد، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ولأنه يصير المعنى ما تذكرون قليلاً، ولا طائل فيه وقيل إنه مردود با! الكوفيين جوّزوا العمل، والمعنى ما تذكرون قليلاً فكيف تذكرون الكثير، وفيه نظر. قوله: (حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره) هذا جار على الوجهين في مرجع ضمير من دونه، ولا اختصاص له بالأخير كما يتخايل من قوله دين الله فإنّ الأوّل تمهيد لذلك ولذا أردفه المصنف رحمه الله تعالى بقوله وتتبعون غيره إشارة إلى عدم اختصاصه بأحدهما، وتتبعون بالعين المهملة والإعجام خلاف الظاهر وإن صح. قوله:) وما مزيدة لتثيد القلة الأنها تفيد القلة في نحو أكلت أكلاً ما فهي هنا قلة على قلة. قوله: (وإن جعلت مصدرية الخ) لأنّ معمول المصدر لا يتقدمه فيكون له إعراب آخر كما مرّ، وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تكون مصدرية لأنّ قليلاً لا يبقى له ناصب وردّه يعلم مما مز، وكلام المصنف ﵀ محتمل لما قاله أبو البقاء، ولا يجوز أن تكون ما المصدرية أو الموصولة فاعل قليلا كما جوز في ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ١٧] لأنّ قليلاَ لا ينصبه تتبعوا وجعله حالاً من فاعله لا طائل تحت معناه. قوله: (بحذف التاء الخ) المذكور في كتب القرا آت إنّ حمزة الكسائيّ، وحفصاً قرؤوا تذكرون بتاء واحدة وذال مخففة وقرأ ابن عامر يتذكرون بياء تحتية، ومثناة فوقية وذال مخففة وفي طريق شاذة للأخفش عن ابن عامر بتاءين فوقيتين، والباقون بتاء فوقية وذال مشدّدة، وهذا هو الصحيح الذي به يقرأ وهذا هو الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى فقوله وقرأ حمزة والكسائيّ، وحفص عن عاصم تذكرون بحذف التاء أي الأولى وابقاء تاء مثناة فوقية وذال مفتوحة مخففة، وقوله وابن عامر يتذكرون أي بمثناة تحتية مفتوحة ومثناة فوقية مفتوحة، وذال معجمة مفتوحة مخففة، والباقون بتاء الخطاب وتشديد الذال، وقوله: (على أن الخطاب بعد مع النبئ ﷺ بعد مبنيّ على الضم أي في جميع ما تقدم قبله في قوله: (لتنذر) وفي محل المقدر قبل قوله اتبعوا ومن لم يفهم كلام المصنف ﵀ خطأه في قوله بعد وخطأ. غيره من أرباب الحواشي لعدم اتقانه للفن فلا حاجة إلى ذكره. قوله: (وكثيرا من القرى) إشارة إلى أنّ كم خبرية للتكثبر ومن بعدها زائدة، وأما في قوله من القرى
فهي بيانية ومحل كم رفع على الابتداء والجملة بعدها خبر أو نصب على الاشتغال. قوله: (أردنا إهلاك أهلها الخ (لما كانت الفاء للتعقيب والهلاك بعد مجيء البأس بحسب الظاهر أولوا النظم بوجوه أحدها أن أهلكنا مجاز بمعنى أردنا إهلاكها كما في: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] الثاني أن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب أو المراد حكمنا بإهلاكها وقيل الفاء تفسيرية نحو توضا فغسل وجهه الخ، وقيل للترتيب الذكري، وقيل إنه من القلب، وقيل الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجيء بأسنا واشتهر، وقدر المصنف رحمه الله تعالى هنا مضافاً مع أنّ القرية تتصف بالهلاك، وهو الخراب وجوّز حمله على الاستخدام
следующие страницы →