Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
والصيغة مجموع المادّة والهيئة، وكونه أبلغ لدلالته على الثبوت دون الحدوث، وأبلغية المستقيم باعتبار زيادة الحروف، وفيه ما مرّ الكلام فيه في الرحمن الرحيم، وقيل لأنّ السين للطلب فيفيد طلب القيام واقتضاءه والقيم الثابت المقوّم لأمر المعاس والمعاد والظاهر أنّ المستقيم هنا من استقام الأمر بمعنى ثبت والا فلو اختلف معناهما لا يتأتى ما ذكره المصنف، وقوله: (فاعل لإعلال فعله (وهو قام كما في نحو عياذ فقيم مصدر كالصغر والكبر، وفعله قام يقوم فأعلوه لإعلال فعله ولولا ذلك لصح كعوض، وحول لأنهم لم يجروه يعني لم يقع على بناء يشبه بناء الفعل حتى يعل بالحمل عليه لأنّ أصل الإعلال للأفعال ويعل من الأسماء ما شابهها وزنا لكنه مصدر تبع فعله في الإعلال كما هو القياس كما فصل في المفصل وشروحه وجعلت الملة عطف بيان لتوضيحه، وهذا بناء على جواز تخالفهما تعريفا وتنكيراً كما في المغني أو منصوب بتقدير أعني. قوله: (حتيفاً حأل) قال النحرير: حنيفا حال من المضاف إليه للإطباق على جواز كذلك إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه أو بمنزلة الجزء حيث يصح قيامه مقامه نحو اتبعوا إبراهيم إذا اتبعوا ملته ورأيت هنداً إذا رأيت وجهها بخلاف رأيت غلام هند قائمة، واختلفوا في عامل مثل هذه الحال فقيل معنى الإضافة
لما فيه من معنى الفعل المشعر به حرف الجز كأنه قيل ملة نسبت لإبراهيم حنيفاً والصحيح إنّ عاملها عامل المضاف لما بينهما من الاتحاد بالوجه المذكور وأمّا مثل أعجبني ضرب زيد راكبا فلا كلام في جوازه وكون عامله هو المضاف نفسه اهـ، وأورد عليه أنه إذا كان العامل معنى الإضافة بتلك الطريق فلا معنى لتخصيص، ذلك بما إذا كان المضاف جزءا أو كجزء، فيلزم تجويزها من كل مضاف إليه، وهو باطل ولك أن تقول النسبة خصوصا غير التامّة عامل ضعيف فلما كانت نسبة الجزء، وشبهه أقوى من غيرها خصت بالعمل فهذا قياس مع الفارق، ومثله يكفي في العلل النحوية. قوله: (وما أنا عليه الخ) يريد أنّ المحعى والممات، أريد بهما مجازاً ما يقارنهما ويكون معهما من الإيمان والعمل الصالح لأنه المناسب لوصفه بالخلوص لله. قوله: (وقرأ نافع الخ) وفيها الجمع بين ساكنين، ولذا طعن بعضهم إنه رجع عن هذه القراءة حتى قال أبو شامة ﵀ لا يحل نقلها عنه، وفي رواية إنه كسر الياء كقراءة حمزة وصرّج بالكسر وستأتي، وقرأ الجحدري محي بقلب الألف ياء وهي لغة هذيل.
(أقول) ما قاله أبو شامة مردود فإنّ هذه القراءة ثابتة عنه، وقوله في التيسير الياء موقوفة ولم
يقل ساكنة إشارة إلى توجيه هذه القراءة بأنه نوى فيها الوقف فلذا جاز فيها التقاء الساكنين وبها قرأ مشايخنا. قوله: (خالصة) يحتمل أنه بيان لمتعلق خاص أو لمعنى اللام أو لحاصل الكلام لأنّ لله ولوجه إلله يدلّ على ذلك، وقوله: (لا أشرك فيه غيرا) بيان له بحسب المقام، وقوله وبذلك القول فيكون أمره بقل المذكور لا بقول آخر وعلى الثاني يحتمل إنه أمر آخر. وقوله: لآن إسلام كل نبي متقدّم على إسلام أمّته واليه الإشارة بقوله في الحديث: " أوّل ما خلق الله نوري " (١) . قوله: (فأشركه في عبادته الخ) قيل تقديم غير الله لا يصح أن يكون للاختصاص لأنه حينئذ ليس إشراكا للغير بل توحيد، فنبه بقوله فأشركه على أنّ التقديم ليس للاختصاص بل لأنّ الإنكار ليس في بغية الرب بل في بغية الغير، ولا يبعد أن يقال ذكر في رذ دعوته إلى الغير رذ
الاختصاص تنبيهاً على أنّ إشراك الغير ينافي بغية الله إذ لا بغية له إلا بتوحيده ثم إنّ نفي البغية والطلب أيضاً أبلغ في نفي العبادة، وقال العلامة: أغير الله أبغي ربا جواب لأن التقديم فيه لحصر إنكار الربوبية في غير الله وكل حصر فيه جوأب عما أخطأ فيه السامع، ولهذا قال ولا تكسب كل نفس إلا عليها الخ جواب وفي الكشف الاختصاص نشأ من التقديم أو من أداة الحصر، وهو يقتضي سوق الكلام مع منكر وهو دقيق يحتاج إلى تأنل. قوله: (فلا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه) جعله من حملة الجواب عن دعائهم إلى عبادة ا-لهتهم يعني لو أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه لم أكن معذوراً بأنكم سبقتموني إليه، وقد فعلته متابعة لكم ومطاوعة فلا يفيدني ذلك شيئا ولا ينجيني من الله لأنّ كسب كل أحد وعمله عائد إليه، ولا يرد أنّ الكسب وان قارن على بمعنى المنفقة لمقابلته لقوله ولا تزو الخ إذ هو للمضرة فالمعنى ولا تكسب كل نفس منفعة إلا أن تكون تلك المنفعة
стр. 1227
محمولة عليها لا على غيرها فالمنفعة التي تزعمونها في اتخاذ غير الله إلها لا تنفعني كما توهم، وغير المصنف جعله جوابا لقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢ ا] لأنّ ما كسبته كل نفس من الخطايا محمول عليها لا على غيرها وقوله ولا تزر وازرة تأكيد له لكن المصنف ﵀ رأى التأسيس أولى ففسره به. قوله: (على أنّ الخطاب للمؤمنين) أو لأمّة الدعوة، وقوله: (لأنّ ما هو آت قريب) بيان لأنه أريد به عقاب الآخرة ولو أريد به عقاب الدنيا لم يحتج إليه أي الموعود سريع الوصول، فإنّ سرعة العقاب تستدعي سرعة إنجاز الوعد. قوله: (وصف العقاب الخ) يعني جعل الخبر في الأولى سريع الذي هو صفة العقاب ولم يجعل العقاب نفسه صفة له بأن يقول إنّ ربك معاقب، كما قال: غفور رحيم دمان كان حمل صفة العقاب حملاً له في المعنى ومعنى كونه غفوراً بالذات أنّ مغفرته ورحمته لا تتوقف على شيء كما في الحديث القدسي: " سبقت رحمتي غضبي " (١ (وعقابه لا
يكون إلا بعد ما صدر من العبد ذنب يستحق به ذلك، وهو معنى كونه بالعرض. قوله: (عن رسول الله ﷺ أنزلت علئ سورة الأنعام جملة واحدة الخ) (١) قال ابن حجر ﵀: هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية، وفي رجاله ضعف، وقال غيره: إنه موضوع وسئلى عنه النوويّ رحمه الله تعالى فقال أنه لم يثبت، وأما قوله فمن قرأ الخ فمن الحديث الموضوع الذي أسندو. إلى أبيّ بن كعب في فضائل السورة كما غللرخاتمة الحفاظ السيوقي ﵀ وزجل بالزاي المعجمة والجيم واللام بمعنى صوت بالتسبيح والتحميد لأنّ السورة أنزلت لبيان التوحيد مفصلا لكن قوله في الحديث جملة واحدة ينافيه قوله في أوّل السورة إنها مكية غير ست آيات أو ثلاث آيات من قوله، قل تعالوا الخ وما سيجيء من قوله في آخر سورة براءة ما نزل القرآن عليّ إلا آية آية وحرفاً حرفا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، ولا يقال لعل سورة الأنعام لم تنزل إلا بعد ما قال ذلك الحديث لأنا نقول سورة براءة مدنية وسورة الأنعام مكية وكونها نزلت مرّتين بالمدينة ومكة دفعة وتدريجا خلاف الظاهر، وكذا الجمع بين الحديثين بتقييد كل منهما بقيد حتى لا ينافي الآخر اللهمّ كما يسرت لنا إتمام التشرّف بسورة الأنعام يسر لنا الإتمام وأجر ما عوّدتنا من بدائع الأنعام، في مطلع كل ابتداء ومقطع كل اختتام، وأهدمنا لنبيك محمد جمتن أفضل صلاة وسلام، ومثل ذلك لا له وصحبه الكرام على مدى الليالي والأيام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
سورة الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية الخ) قال الداني ﵀ في كتاب البيان لعدد آي القرآن قال مجاهد وقتادة
هي مكية إلا قوله، واسألهم عن القرية الآية فإنها نزلت بالمدينة وكلماتها ثلاثة آلاف وثلثمائة وخمس وعشرون كلمة وحروفها أربعة عشر ألفاً وثلثمائة وعشرة أحرف وهي مائتان وخمس آيات في البصريّ، والشاميّ وست في المدنيّ والكوفيّ. قوله: (المص سبق الكلام في مثله) وبيان ما فيه وبيان إعرابه وعدمه فلا حاجة إلى إعادته هنا، وقوله في إعراب كتاب خبر مبتدأ محذوف الخ مبني الأوّل على المختار من كون ألفاظ التهجمي على نمط التعديد فإذا كان المص اسم السورة فظاهر أنه المبتدأ ثم ضمير هو عائد إلى المؤلف من الحروف أو إلى السورة باعتبار حضورها في العلم، والتذكير باعتبار الخبر ولو جعل المقدر اسم إشارة موافقا لقوله الم ذلك الكتاب لم يبعد وكان ميله إلى الثاني ولذا حمل الكتاب على السورة والا فالكلام على أسلوب قوله تعالى ذلك الكتاب وقد حمله على الكتاب الصالح للهداية والإنذار والتذكير مع أنّ مثل هذه الكلمات لو جعل للبعض الذي هو السورة كان أبلغ فكأنه بنى التفرقة على التعريف والتنكير، وإنما لم يجعل كتاب أنزل مبتدأ أو خبراً على معنى كتاب وأي كتاب لكونه خلاف الأصل وشيوع حذف المبتدأ كذا أفاده النحرير: وكلام المصنف ﵀ موافق للزمخشريّ في بعض ما ذكره. قوله: (أنزل إليك صفتة) فإن كان القرآن عبارة عن القدر المشترك بين الكل والجزء فالتوصيف بالماضي ظاهر، وان كان
стр. 1228
المجموع فلتحققه جعل كالماضي، وإذا أريد السورة فالكتاب إن أطلق على البعض، كما في قولهم ثبت بالكتاب فواضح والا فهو مبالغة لحمل الكل عليه بادعاء أنه لاستجماعه كمالاته كأنه هو. قوله: (أي شك فإن الشاك حرج الصدر الخ) في الكشاف سمي الشك حرجاً لأنّ الشاك ضيق الصدر حرجه كما أنّ المتيقن منشرح الصدر منفسحه، قال ابن المنير ﵀ يشهد له قوله: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٧] وقال النحرير الظاهر أنه مجاز علاقته اللزوم والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضيق من الكتاب وان جوّزتها فهو كناية (قلت) في الأساس ضاق المكان وتضايق ومن المجاز وقع في مضيق من أمره، وضاق عليه صدره فلا وجه للتردّد في كونه
مجازاً لكته شاع في ذلك، وصار حقيقة عرفية فيه، وحينئذ فمان نظر إلى المتبادر كان مجازاً لأنّ الكتاب لا يحصل منه في نفسه ضيق صدر وان قطع النظر عن ذلك ولوحظ أنه يضيق الصدر منه باعتبار عوراضه كان كناية عن الثك، وليس المراد أنه ممن يصدر الشك منه كما سيأتي تحقيقه في تقرير النهي. قوله: (أو ضيق قلب من تبلينه (فضيق الصدر على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدّر كخوف عدم القبول والتكذيب كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [سورة هود، الآية: ٢ ا] قيل منع في الكشف كون الحرج كناية عن الخوف لأنّ ضيق الصدر من الأذى مستفاد من الخوف لا أنّ الخوف من الأذى، كأنه يريد تسليم صحة الحقيقة ومغ صحة الكناية لاستدعاء المعنى كون الخوف من الأذى، وليس فليس ولك أن تمنع فساده فإنه قد يوقع الخوف على سبب المكروه لا عليه كما تقول أخاف من مجيئي إليك لمن أوعدك بالضرب فإن أوّلته بما اً ناله من قبل المجيء، أو مما يفضي إليه فكذا في الآية إذ التأويل ليس أولى من التأويل، ثم على تقدير كون الحرج حقيقة كما في الوجه الثاني تكون الجملة كناية عن عدم المبالاة لإعداء كما في الكشاف وكلام المصنف ﵀ خليّ عنه فتأمّله. قوله: (وتوجيه النهي إليه للمبالغة) قيل توجيه النهي عن الشيء، وهو مما يوهم إمكان صدور المنهيّ عنه من المنهي إمّا للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره-جير سبب لاتصافه به، والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني ونفي له عن أصله بالمرّة، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٢] وليس هذا من قبيل لا أرينك هاهنا فإنّ النهي هناك وارد على المسبب مراد به النهي عن السبب فالمآل نهيه عما يورث الحرج، اهـ وما ذكره المصنف ﵀ إشارة إلى ما في الكشاف وتقريره، كما قيل إنّ قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ نهي للحرج عن الكون في الصدر والحرج مما لا ينهي، فأجاب بأنّ المراد نهي المخاطب عن التعرّض للحرج بطريق الكنابة كما في قوله لا أرينك هاهنا، فإنه نهي المتكلم عن رؤية المخاطب والمراد نهي المخاطب أي لا تكونن هاهنا فإنّ رؤيتي إياك مستلزمة لكونك هاهنا فعدم كونك هاهنا مستلزم لعدم رؤيتي إياك فأطلق اللازم وهو عدم الرؤية وأراد الملزوم، وهو عدم الكون هاهنا فكذا في الآية عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرّضا للحرج، فإطلاق نهي الحرج على نهيه عنه كناية ومثله في الأمر وليجدوا فيكم غلظة ظاهره أمر المشركين، والمعنى على أنه أمر المؤمنين بأن يغلظوا على المشركيت ففي قوله فلا يكن في صدرك حرج كناية مترتبة على كناية، وقيل عليه الظاهر أنه مجاز لا كناية لأنّ الكناية لا تنافي الحقيقة، وهو الفارق بينها وبين المجاز وهنا يمتنع إرادة حقيقة نهي الإنسان نفسه نعم يجوز جعل كون الحرج في الصدر كناية عن كونه حرج الصدر فلك أن تعتبره كذلك، ثم تسلط النهي عليه فيحتمل أنهم أرادوا ذلك وسموا النهي أيضاً كناية تبعاً.
(أقول) استعمال الملزوم، وإرادة اللازم والتصرف هنا لا يخلو إمّا أن يكون في النهي،
أو المنهي أو المنهى عته، وليس المراد الأوّل لأنّ النهي باق بحاله لم يتجوّز فيه، ولم يكن به عن شيء إذ معنى لا أرينك لا تحضر ومعنى الآية لا تحم حول حمى الحرج وكذا المنهي، وهو المخاطب والحرج لم يقصد به شيء آخر يتعلق به النهي فتعين أنّ المراد المنهيّ عنه، وهو رؤيته له إذ كني بها عن حضوره لاستلزام أحدهما للأخر وكذا كونه حرجا كني به عن تعاطي ما يؤدّي إليه، والمعنى الحقيقي هنا تجوز إرادته قبل دخول النهي قطعاً
стр. 1229
إذ لو قيل أنت حرج أو لا أراك صح بل هو مراد فلذا ذهب عامّة الشراح، وغيرهم إلى أنه كناية نعم بعد دخول النهي لا يصح إرادته فلذا جوّز فيه النحرير: أن يكون مجازا لأن النهي سواء كان طلب الترك، أو الكف لم يقصد من الإنسان لنفسه ولا من الحرج لأنه لا يعقل حتى ينهي فالمعترض أوّلاً إن أراد الفرق بين ما نحن فيه والمثال باعتبار أنّ المراد في أحدهما النهي عن السبب، والمراد المسبب، وفي الآخر بالعكس فلا ضير فيه، ولذا عبر العلامة باللزوم دون السببية وان أراد أنه ليس من الكناية أصلا فباطل وكذا إنكار الآخر للكناية لما عرفت نعم قوله وسموا النهي أيضا كناية تبعا أجاد فيه لكونه قرب من المراد مرّة وبعد عنه أخرى، ومثله: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٠٢] كما مر فتدبر وفي الكشاف أنه ﷺ كان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم يعني أنّ الحرج في هذا الوجه، وان كان على حقيقته، فالجملة مجاز أو كناية عن عدم المبالاة بالإعداء فتوهم بعضهم أنها فائدة أهملها المصنف ﵀ وليس كما توهموا، فإنّ قوله مخافة أن تكذب فيه صريح في عدم المبالاة بهم. قوله: (والفاء تحتمل العطف والجواب الخ) في العطف قيل إنه معطوف على مقدر أي بلغه (فلا يكن في صدرك) الخ وقيل إنه معطوف على ما قبله بتأويل الخبر بالإنشاء، أو عكسه أي تحقق إنزاله من الله إليك أو لا ينبغي لك الحرج والفراء قال: إنّ الفاء اعتراضية لا عاطفة ولا يختص كونها للجواب بتعلق لتنذر بأنزل كما يوهمه قوله إذا أنزل إليك لتنذر* قوله: (متعلق بأنزل الخ) ذكر في متعلق اللام وجوها أحدها تعلقه بأنزل، وهو قول الفراء قال اللام في لتنذر منظوم مع قوله أنزل على التقديم، والتأخير على تقدير كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في الخ قال المعرب: فجملة النهي معترضة بين العلة، ومعلولها وهو الذي عناه الفراء بقوله على التقديم والتأخير، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنّ المتقدمين يجعلون الاعتراض على التقديم والتأخير لتخلله بين كلام واحد وليس مرادهم أنّ في الكلام قلبا كما سنبينه في أوّل الكهف، والثاني أنها متعلقة بمتعلق الخبر أي لا يكن الحرج مستقرّاً في صدرك لأجل الإنذار كذا قاله ابن الأنباري، الثالث أنها متعلقة بالكون وهو مسلك غير ابن الأنباري، وقول الزمخشري: إنه متعلق بالنهي قيل ظاهره أنه متعلق بفعل النهي وهو الكون بناء على جواز تعلق الجارّ بكان وهو الصحيح ويحتمل أنه يريد بما تضمنه معنى النهي كما قيل، وقال النحرير: إنه
معمول للطلب أو المطلوب أعني انتفاء الحرج وهذا أظهر لا للمنهى عنه أي الفعل الداخل عليه النهي لفساد المعنى، وقيل عليه إنه متعاق بأنزل أو بلا يكن على الثاني لكونه علة للمطلوب لا للطلب لأنه بدون الامتثال لا يوجب التمكن من الإنذار ولا للمنهتي، لفساد المعنى قيل، ويجوز ذلك على معنى أنّ الحرج للإنذار والضيق له لا ينبغي أن يكون ولا يخفى أنّ كلمة منه تخدشه وفيه تأمّل، ثم وجه توسيط المفرّع بين العلة والمعلل إذا تعلق بأنزل أما على أوّل تفسيري الحرج فظاهر لترتبه على نفس الإنزال لا على الإنزال للإنذار، وأما على ثانيهما فهو الاهتمام به مع ما فيه من الإشارة إلى كفاية واحد من الإنزال والإنذار في نفي الحرج أما كفاية الثاني فظاهرة وأما كفاية الأوّل فلأنّ كون الكتاب المؤلف من جنس هذه الحروف البالغ إلى غاية الكمال منزلاً عليه خاصة من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقتضي كونه رحيب الصدر غير مبال بالباطل وأهله. قوله: الأنه إذا أيقن الخ) إشارة إلى الوجهين السابقين في قوله فلا يكون في صدرك حرج على الترتيب والزمخشري عكسه إشارة إلى أنّ الثاني أظهر وأولى. قوله: (يحتمل النصب الخ) عن الزمخشرفي أنه قال: لم أجعله معطوفا على محل لتنذر لأنّ المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحدا حتى يجوز حذف اللام منه، وفيه كلام لا حاجة إليه هنا، وقوله على محل تنذر لأنه مصدر تأويلاً وفي نسخة لتنذر، والصحيح الأولى لما في هذه من المسامحة، وقوله: (أو خبر المحذوف) أي هو ذكرى والمعنى على الأوّل أنه جامع بين الوصفين وعلى هذا أنه موصوف بكل منهما استقلالاً. قوله: (يعم القرآن والسنة الخ) فليس ما أنزل من وضع الظاهر موضع المضمر ولذا جمع الضمير، وفي جعل الوحي مطلقاً منزلاً من الله تجوّز حينئذ بأن يراد به مطلق الوحي كما يشير إليه ما بعده، وقوله وما ينطق عن الهوى بناء
стр. 1230
على عمومه المتبادر فلا ينافيه أنه فسره في سورة النجم بقوله ما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى المقتضى لتخصيصه بغير السنة. قوله: (ولا تتبعوا من دونه أولياء) أي لا تتخذوا ولياً غيره فيضلكم وإذا جعل الضمير لما أنزل قدر ومن أولياء لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم، فقوله من دونه متعلق بالفعل تبله والمعنى لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان، أو بمحذوف لأنه حال فالضمير في من دونه يحتمل أن يعود على ربكم، وهو تفسير المصنف ﵀ الأوّل، وأن يعود على ما الموصولة أو الكتاب، والمعنى لا تعدلوا عنه إلى الكتب المنسوخة، وجوّز كون الضمير للمصمدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعا من
دون اتباع ما أنزل إليكم، وقرأ مجاهد تبتغوا بالغين المعجمة من الابتغاء، وقوله: وقرئ أي اعتراض أو استئناف. قوله: (أي تذكرا قليلأ أو زماناً قليلاَ الخ) يعني هو نعت مصدر محذوف أقيم مقامه، أو نعت زمان محذوف كذلك، ونصبه بالفعل بعده وما مزيدة للتوكيد، وأجيز أن يكون نعت مصدر لتتبعوا قيل ويضعفه أنه لا معنى حينئذ لقوله تدّكرون، وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضرّ لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني، وجوّز في ما أن تكون موصولة ومصدرية، فيكون المصدر أو الموصول مبتدأ، وزمانا قليلا خبره، وتد قيل إنها نافية وهو بعيد، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ولأنه يصير المعنى ما تذكرون قليلاً، ولا طائل فيه وقيل إنه مردود با! الكوفيين جوّزوا العمل، والمعنى ما تذكرون قليلاً فكيف تذكرون الكثير، وفيه نظر. قوله: (حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره) هذا جار على الوجهين في مرجع ضمير من دونه، ولا اختصاص له بالأخير كما يتخايل من قوله دين الله فإنّ الأوّل تمهيد لذلك ولذا أردفه المصنف رحمه الله تعالى بقوله وتتبعون غيره إشارة إلى عدم اختصاصه بأحدهما، وتتبعون بالعين المهملة والإعجام خلاف الظاهر وإن صح. قوله:) وما مزيدة لتثيد القلة الأنها تفيد القلة في نحو أكلت أكلاً ما فهي هنا قلة على قلة. قوله: (وإن جعلت مصدرية الخ) لأنّ معمول المصدر لا يتقدمه فيكون له إعراب آخر كما مرّ، وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تكون مصدرية لأنّ قليلاً لا يبقى له ناصب وردّه يعلم مما مز، وكلام المصنف ﵀ محتمل لما قاله أبو البقاء، ولا يجوز أن تكون ما المصدرية أو الموصولة فاعل قليلا كما جوز في ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ١٧] لأنّ قليلاَ لا ينصبه تتبعوا وجعله حالاً من فاعله لا طائل تحت معناه. قوله: (بحذف التاء الخ) المذكور في كتب القرا آت إنّ حمزة الكسائيّ، وحفصاً قرؤوا تذكرون بتاء واحدة وذال مخففة وقرأ ابن عامر يتذكرون بياء تحتية، ومثناة فوقية وذال مخففة وفي طريق شاذة للأخفش عن ابن عامر بتاءين فوقيتين، والباقون بتاء فوقية وذال مشدّدة، وهذا هو الصحيح الذي به يقرأ وهذا هو الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى فقوله وقرأ حمزة والكسائيّ، وحفص عن عاصم تذكرون بحذف التاء أي الأولى وابقاء تاء مثناة فوقية وذال مفتوحة مخففة، وقوله وابن عامر يتذكرون أي بمثناة تحتية مفتوحة ومثناة فوقية مفتوحة، وذال معجمة مفتوحة مخففة، والباقون بتاء الخطاب وتشديد الذال، وقوله: (على أن الخطاب بعد مع النبئ ﷺ بعد مبنيّ على الضم أي في جميع ما تقدم قبله في قوله: (لتنذر) وفي محل المقدر قبل قوله اتبعوا ومن لم يفهم كلام المصنف ﵀ خطأه في قوله بعد وخطأ. غيره من أرباب الحواشي لعدم اتقانه للفن فلا حاجة إلى ذكره. قوله: (وكثيرا من القرى) إشارة إلى أنّ كم خبرية للتكثبر ومن بعدها زائدة، وأما في قوله من القرى
فهي بيانية ومحل كم رفع على الابتداء والجملة بعدها خبر أو نصب على الاشتغال. قوله: (أردنا إهلاك أهلها الخ (لما كانت الفاء للتعقيب والهلاك بعد مجيء البأس بحسب الظاهر أولوا النظم بوجوه أحدها أن أهلكنا مجاز بمعنى أردنا إهلاكها كما في: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] الثاني أن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب أو المراد حكمنا بإهلاكها وقيل الفاء تفسيرية نحو توضا فغسل وجهه الخ، وقيل للترتيب الذكري، وقيل إنه من القلب، وقيل الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجيء بأسنا واشتهر، وقدر المصنف رحمه الله تعالى هنا مضافاً مع أنّ القرية تتصف بالهلاك، وهو الخراب وجوّز حمله على الاستخدام
стр. 1231
لأنّ القرية تطلق على أهلها مجازاً، وما ذكره المصنف ﵀ يرد عليه ما قاله بعض المدققين في تفسيره حيث قال فيه إشكال أصولي وهو أنّ الإرادة إن كانت باعتبار تعلقها التنجيزي فمجيء البأس مقارن لها لا متعقب لها وبعدها، وان لم يرد ذلك فهي قديمة فإن كان البأس يعقبها لزم قدم العالم فإن تأخر عنها لزم أن يعطف بثم، فإن قلت الإرادة القديمة مستمرّة إلى حين مجيء البأس فعدم مجيء البأس عقب آخر مدتها قلت لو قلت قام زيد فأكرمته لم يلزم أن يكون الإكرام بعد كمال القيام بل قد يكون قبل كماله، وأجاب ابن عصفور بأنّ المراد أهلكناها إهلاكا من غير استئصال فجاءهم إهلاك استئصال، وقال ابنه شام أجيب أيضاً بأنها للترتيب الذكري، وقال ابن عطية: معناه أهلكناها بخذلان أهلها وهو اعتزاليئ فالصواب أن يقال معناه خلقنا في أهلها الفسق والمخالفة ؤجاءها بأسنا، فإن قلت في الآية تقديم وتأخير أي أهلكناها أو هم قائلون فجاءها بأسنا فالإهلاك في الدنيا، ومجيء البأس في الآخرة فيشمل عذاب الدارين، قلت يأباه قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٠] فإنه يدلّ على أنه في الدنيا اهـ (وأنا أ! دول) دفع هدّا الإشكال على طرف التمام فالمراد تعلقه التنجيزي قبل وقوعه أي قصدنا إهلاكها فافهم. قوله: (بياناً (هو في الأصل مصدر بات يبيت بيتا وبيتة وبياتاً وبيتوتة، قال الليث: البيتوتة الدخول في الليل ونصبه على الحال بتأويله ببائتين وجوّز أن يكون على الظرفية، لأنه فسر بليلاً والأوّل هو الظاهر، ولذا اقتصروا عليه. قوله: (أو هم قائلون) أو للتنويع أي أتاهم تارة ليلاً كقوم لوط ﵊، وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب-ك! ، والقيلولة من قال يقيل فهو قائل وهي الراحة والدعة وسط النهار، وان لم يكن معها نوم وقال الليث هي نومة نصف النهار واستدل للأوّل بقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٢٤] والجنة لا نوم فيها ودفع بأنه مجاز والأمر فيه سهل. قوله: (وإنما حذفت واو الحال استثقالاً (كذا في الكشاف واعترض عليه باًن الضمير يكفي في الربط وإنما يحتاج إلى الواو عند عدمه كما اشتهر في النحو، وهو قد جوّز في قوله تعالى ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٦] الحالية بدون واو فكيف يكون ممتنعا، أو غير فصيح وقد نص الزجاج وأبو
حيان على خلافه مع أنه لو سلم هدّا فإنه في ابتداء الحال، وأما الحال المعطوفة فلا تقترن بواو الحال، واذعاء حذفها صريح في أنه لا بذ منها حتى تكون مقدرة إذا لم يلفظ بها فلا تكون نسبا منسياً لكنه مذهب بعضهم، وهل هو مطلق أو فيه تفصيل سنقصه عليك قريبا مع ماله وعليه. قوله: (فإنها واو عطف استعيرت للوصل) تبع فيه السكافي ومن نحا نحوه وقد ردّه أبو حيان وصاحب الانتصاف بما لا وجه له فذهب إلى أنها موضوعة لربط الحال ابتداء وليست منقولة من العطف والأمر فيه سهل. قوله: (لا اكتفاء بالضمير فإنه غير فصيح) هذا مذهب الزمخشرقي، وقد تبع فيه الفراء وابن الأنباري، وظاهرة أنه كذلك مطلقا قال في البديع الاسمبة الحالية لا تخلو من أن تكون من سببيّ ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببية لزمها العائد والواو تقول جاءني زيد وأبوه منطلق، وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ قالوا كلمته فوه إلى فيّ، وان كانت أجنبية لزمتها الواو ونابت عن العائد وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو، وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضميرقال:
ثم انتصبنا جبال الصفد معرضة عن اليسار وعن إيماننا جدد
فجبال الصفد معرضة حال اهـ، وقد عرفت أنه مذهب النحاة من غير تفصيل فيه وقد صرّح
به الثيخ عبد القاهر أيضأ لكنه جعله على قسمين ما تلزمه الواو ومطلقأ وهو ما إذا صدر بضمير ذي الحال نحو جاء زيد وهو يسرع لأنّ إعادة ضميره تقتضي إن الجملة مستأنفة لئلا تلغو الإعادة فاذا لم يقصد الاستئناف فلا بد من الواو، وما عداه يلزمه الواو في الفصيح إلا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل فإنه حننئذ قد تترك الواو جوازا، ولم يجعله فصيحا فلا معارضة بين أوّل كلامه وآخره كما توهم، وأما قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٦] فقيل الأظهر فيه أنه استئناف لا سيما إذا أريد معاداة بني آدم بعضهم لبعض، وهو الراجح عند الزمخشرقي وأما إرادة معاداة آدم حواء مع إبليس، والحية وجعل الجملة حالية بتأويل متعادين فابداه على سبيل
стр. 1232
الاحتمال كما هو دأبه لا أنه مختاره، وتأويل الجملة بالمفرد يصار إليه إذا انتزع المفرد من جملة أجزائها لا من الخبر كمتعادين هنا، ولى " من غيره والا فما من حال إلا وهي في معنى مفرد، وما قيل: من أنّ الضابط نيه أنه إذا كان المبتدأ ضمير ذي الحال تجب الواو والا فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة سواء كان مبتدأ نحو فوه إلى فيّ وبعضكم لبعض عدوّ أو خبراً نحوه:
وجدته حاضراه الجود والكرم
فلا يحكم بضعفه لكون الرابط في أوّل الجملة، والا فضعيف قليل كقوله:
نصف النهار الماء غامره
في رواية فكلام مخالف للمذهبين، والذي غرّه فيه ظاهر كلام الشيخ وفيه نظر (بقي هنا
أمران) يجب التنبيه لهما الأوّل أنهم أطلقوا الحكم هنا، وقد قال ابن مالك في شرح الألفية إن
كانت الجملة الاسمية مؤكدة لزم الضمير، وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه، وذلك الكتاب لا ريب فيه وتبعه ابن هشام، ونقله الطيبي هنا عن السكاكي فلا يعدل عنه إلا لنكتة الثاني أنّ ظاهر كلامهم هنا أنّ الواو الحالية يصح أن تقع بعد العاطف نحو سبح الله وأنت راكع أو وأنت ساجد بل يلزم ذلك لكنها تحذف للتخفيف، ولئلا يجتمع عاطفان صورة وبه صرّح الفراء كما نقله المعرب وارتضاه صاحب الانتصاف وقد منع ذلك أبو حيان ولم يحك فيه خلافا فقال نص النحويون على أنّ الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتغ دخول واو الحال عليها للمشابهة اللفظية، وهو من الفوأئد البديعة فاحفظه. قوله: (وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم الخ) حيث عبر في الأولى بالمصدر وجعلها عين البيات مبالغة، وفي الثانية بالجملة الاسمية المفيدة للثبوت مع تقديم المسند إليه المفيد للتقوّى قيل، والمبالغة ظاهرة لا تحتاج إلى البيان، وإنما المحتاج إليه كونها في غفلتهم وأمنهم من العذاب فاستدل عليه بقوله، ولذلك خص الوقتين اللذين فيهما كمال الغفلة عن العذاب ثم عطف عليه قوله ولأنهما وقت دعة واستراحة يعني أنّ تخصيصهما لأجل الغفلة وكونهما وقت الاستراحة، ثم قال: فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع، وأراد أن تخصيص الوقتين المعلل بما ذكر معلل بذلك هذا هو التحقيق، ومن قال: إنما المبالغة في التعبير لا اختصاص له بالوقتين لم يحم حول المراد اهـ ولا يخفى أنّ البيتوتة والقيلولة تقتضي الغفلة والأمن إذ لولاهما لم يبيتوا ولم يقيلوا فالمبالغة فيهما مبالغة في مقتضاهما، فلأجل ذلك خص الوقتان بذلك ومحصله ذمّهم بالغفلة عما هم بصدده فلذا قالوا وباتوا ولم يحذروا غضب الله والنكتة الأخرى أنه تعالى أنزل العذاب عليهم في هذين الوقتين، لأنه أشد وأنكى فخص مجازاتهم بهما لتكميل استحقاقهم لها فيهما، والدعة بفتح الدال والتخفيف الخفض والاستراحة، وإنما خولف بين العبارتين وبنيت الحال الثانية على تقوّي الحكم، والدلالة على قوّة أمرهم فيما أسند إليهم لأنّ القيلولة أظهر في إرادة الدعة، وخفض العيش فإنها من دأب المترفين، والتنعمين دون من اعتاد الكدج، والتعب وفيه إشارة إلى أنهم كانوا أرباب أشر وبطر. قوله: (أي دعاؤهم الخ) الدعوى المعروف فيها أنها بمعنى الادّعاء وتكون بمعنى المدّعي أيضاً وقد وردت بمعنى الدعاء والاستغاثة قال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ١٠] وحكى الخليل عن العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أي في صالح دعائهم، والى المعنيين أشار المصنف أي لم يكن عاقبة دعائهم واستغاثتهم أو ما ادّعوه إلا هذا الاعتراف وجعله عين ذلك مبالغة على حد قوله:
تحية بينهم ضرب وجيع
وجوّزوا فيه أن يكون دعواهم اسم كان وأن قالوا خبرها، والعكس والثاني أولى لأنه أعرف ولأنه المصرّح به في غير هذه الآية، وأورد عليه أنّ الاسم والخبر إذا كانا معرفتين واعرابهما مقدّر لا يجوز تقديم أحدهما على الآخر فيتعين الأوّل وقد أجيب عنه بأنه عند عدم القرينة والقرينة هنا كون الثاني أعرف وترك التأنيث وأيضاً هذا إذا لم يكن حصر فإن كان يلاحظ ما يقتضيه فتأمّل. قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الخ قال الطيبي ﵀: هذا السؤال واقع في الحشر وقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ وارد في الدنيا لتعقبه لقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤] الخ فالفاء في فلنسألن فصحيحة كأنه قيل فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا في الدنيا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فقطعنا دابرهم، ثم لنحشرنهم فلنسألنهم، وفي الكشف لعل الأوجه أن يجعل فلنسألن متعلقا بقوله اتبعوا ولا تتبعوا، وقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ﴾ معترض حثا
стр. 1233
على الاعتبار بحال السابقين ليستمروا في الاتباع، وقوله عن قبول الرسالة الخ أي لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة القصص، الآية: ٦٥] وأيضا سؤال المرسل والمرسل إليه قرينة على ذلك. قوله: (والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة الخ) ولما ذكر السؤال هنا ونفي في آية أخرى جمع بينهما بأنّ المثبت سؤال التوبيخ والمنفي سؤال الاستعلام أو أن هذا في موقف وذاك في آخر، وقال الإمام ﵀: إنهم لا يسألون عن الأعمال أي ما فعلتم، ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال والصوارف التي صرفتهم عنها أي لم كان كذا، قيل ولا حاجة إلى التوفيق فإن المنفي هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال، وردّ بأنّ عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب، وأفي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه فالحاجة باقية، وفيه نظر. قوله: (على الرسل حين يقولون الخ) أي في جواب قولهم ماذا أجبتم كما مرّ في سورة المائدة تفصيله، ثم لما وكلوا الأمر علمه قص عليهم ما أحبوا أو جميع أحوالهم، وقوله عالمين بظواهرهم، وبواطنهم مستفاد من ترك المفعول، والباء للملابسة والجارّ والمجرور حال من فاعل نقص وقوله أو بمعلومنا فالباء متعلقة بنقص وما كنا غائبين حال أو استئناف لتأكيد ما قبله، وهو عبارة عن الإحاطة التاقة بأحوالهم وأفعالهم. قوله: (والورّن أي القضاء الخ الما كانت الأعمال أعراضاً لا يوزن وقد ورد ذكر وزنها في القرآن والأحاديث اختلفوأ فيه فمنهم من أوّل الوزن بأنه بمعنى القضاء،
والحكم العدل أو مقابلتها بجزائها من قولهم وازنة إذا عاد له، وهو إما كناية أو استعارة بتشبيه ذلك بالوزن المتصف بالخفة، والثقل بمعنى الكثرة والقلة والمشهور من مذهب أهل السنة أنه حقيقة بمعناه المعروف، ثم قيل توزن صحف الأعمال، وقيل أصحابنا فيخف بعضهم ويثقل آخر باعتبار عمله، وقيل إنّ الأعمال تجسم وتوزن. قوله: (إظهارا للمعدلة وقطعاً للمعذرة) بيان لحكمة الوزن وجواب عما يقال إنه لا حاجة إليه والأوّل بالنظر إلى الخلائق المطلعين على ذلك، والثاني بالنسبة إلى صاحب العمل فقط، وهذه حكم لا يلزم الاطلاع على حقيقتها حتى يقال إن انكشفت الأحوال يومئذ فلا حاجة للوزن، ويكفي قول الله أو الملائكة هذا غلبت حسناته، ونحوه والا فلا فائدة فيه مع أنّ الفائدة أن يسرّ المؤمن المتقي، ويغتم خلافه كما في السؤال وشهادة الجوارح. قوله: (أنّ الرجل يؤتى به الخ) (١) هذا الحديث أخرجه الترمذيّ وابن ماجه وابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بنحوه، والسجل الكتاب، وقيل إنه معرّب وأصل معناه الكاتب، وسجل عليه بكذا شهره، ورسمه قاله الزمخشريّ: في شرح مقاماته، ومذ البصر وقع في هذا الحديث، وفي صحيح مسلم ٩ نظرت إلى مد بصري " (٢ (، قال النووي: في شرحه كذا هو في جميع النسخ وهو صحيح ومعناه منتهى بصري وأنكره بعض أهل اللغة، وقال الصواب مدى بصري وليس بمنكر بل هما لغتان والمدى أشهر اهـ وقوله: (بطاقة) بكسر الباء رقعة صغيرة وتطلق على حمام تعلق في جناحه وليست مولدة كما قيل فإنها وردت في هذا الحديث، وغيره وفي فقه اللغة أنها معرّبة من الرومية وفي المحكم البطاقة الرقعة الصغيرة تكون في الثوب وفيها رقم ثمنه حكاه شمر وقال لأنها بطاقة من الثوب قيل، وهو خطأ لأنه يقتضي أنّ الباء حرف جرّ والصحيح ما تقدم كما حكاه الهروي. قوله: (قيها كلمتا الشهادة الخ) قال القرطبي في تذكرته في هذا الحديث: " فيخرج له بطاقة فيها
أشهد أن لا إله إلا الله " وليست هذه شهادة التوحيد لأنّ الميزان يوضع في كفته شيء وفي الأخرى ضده فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في أخرى ومن المستحيل أن يؤتى لعبد واحد بكفر وايمان معا فلذا استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد إيمانه فيكون تلفظه بشهادة أن لا إله إلا الله حسنة توضحع في ميزانه كسائر حسناته قاله الترمذفي: ويدلّ عليه قوله: أن لك عندي حسنة دون أن يقول إيمانا، وقد سئل النبيّ ىلمجحر عن لا إله إلا الله أهي من الحسنات فقال: " من أعظم الحسنات ") ١ (ويجوز أن يكون المراد هذه الكلمة إذا كانت آخر كلامه في الدنيا، اهـ ويؤيده حديث البخارفي ٩ كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان وهما كلمتا الشهادة " (٢ (ولك أن تقول المراد بها كلمة التوحيد فتأمّل، والكفة بفتح فتشديد كل مستدير وبه سميت كفة
стр. 1234
الميزان المعروفة، وقوله: (لما روي الخ)) ٣ (أخرجه البخارفي ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قوله: (يومئذ خبر الميتدأ الخ) أي الوزن مبتدأ والظرف خبره أي الوزن كائن يوم إذ تسئل الرسل والمرسل إليهم فحذف الجملة وعوّض عنها التنوين، وهذا مذهب الجمهور، والحق نعت للوزن قيل ولم يلتفت إلى كونه خبراً ويومئذ متعلق بالوزن لأنّ المعنى يكون حينئذ الوزن في ذلك اليوم هو الحق لا غيره أو لا الباطل، والأوّل غير صحيح، والثاني غير مراد بل المعنى الإخبار بأنّ الوزن الحق وتمييز الأعمال يقع في ذلك اليوم لا في أيام الدنيا ألا ترى قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٤٧] والفصل بين الصفة والموصوف بالخبر كثير لا سيما إذا كان ظرفاً، وأما كونه بدلاً من الضمير المستتر في الظرف كما ذكره مكيّ، وتبعه صاحب اللباب فقالوا إنه غريب بعيد (قلت) ما جعله مانعا موجود في جعله خبر مبتدأ محذوف لأنه ضمير الوزن، ومعناه الوزن الحق لا غيره أو لا الباطل فكيف يعد مانعا إلا أن يلتزم ذلك ويقال إنّ هذا الوجه غير مقبول لكنه ذكره بيانا لوجوه الإعراب التي ذكرها المفسرون فتأمّل، والسوقي عطف تفسيريّ للعدل. قوله:) حسناته أو ما يوزن به الخ الما كان الظاهر أنّ الميزان مطلقا واحداً وميزان كل شخص واحد وان جاز أن يكون لكل عمل ميزان وقد جمع في النظم فأمّا أن يراد الحسنات الموزونات على أنها جمع موزون واضافته للعهد لترتب الفلاح عليه فجمعه ظاهر وإما أن يراد الميزان وجمعها باعتبار
تعدّد أوزانها وموزوناتها وفي الكلام مضاف مقدّر أي كفة موازينه، وقوله وجمعه بصيغة المصدر أو الماضي أي جعله جمعا، وقوله فهو جمع موزون الخ لف ونشر مرتب للتفسيرين وهذا الوزن للمسلمين عند الأكثر، وأما الكفار فتحبط أعمالهم على أحد الوجهين في تفسير توله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ١٠٥] وقيل إنها توزن أيضا وان لم تكن راجحة ليخفف بها لهم العذاب عنهم، وهو ظاهر النظم وكلام المصنف ﵀ هنا لذكر الفطرة وهي الإسلام والتصديق والتكذيب المتبادر منه الإيمان والكفر وان أمكن التعميم لما يشمله الإسلام من الأعمال الصالحة وجعل عدم العمل تكذيباً فتأمّله، وبقي من تساوت حسناته وسيئاته مسكوتا عنه، وهم أهل الأعراف على قول وقد يدرج في القسم الأوّل لقوله: ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٥٢ ا] وعسى من الله تحقيق ما صرّحوا به.
وأعلم أنّ الحافظ له تأليف مستقل في الميزان قال فيه إنهم اختلفوا في تعدد الميزان، وعدمه والصحيح الثاني والوزن بعد الحساب، وأعمال الكفرة يخفف بها عذابهم كما ورد في حق أبي طالب وهو الصحيح كما قاله القرطبي، وقال السخاوي: المعتمد أنه مخصوص بأبي طالب والمعتمد ما قاله القرطبيّ، فلا وجه للتردد فيه. قوله:) بتضييع الفطرة السليمة الخ) قيل المراد بها فطرة الإسلام لقوله في الحديث: " ما من مولود يولد على الفطرة الخ ") ١ (ويحتمل أن المراد الخير الذي هو أصل الجبلة فما بعده تفسير له فتأمل. قوله: (فيكذبون بدل التصديق) ما مصدرية والباء جوّز فيها التعلق بخسروا وبيظلمون، وقدم عليه للفاصلة وعدى الظلم بالباء لتضمنه معنى التكذيب نحو كذبوا بآياتنا أو الجحد نحو جحدوا بها، وكلام المصنف يحتملهما فالفاء إما تفسيرية أو تعقيبية فمن قال إنه غفل عن معنى التضمين لم يصب وكذا من عين إرادته. قوله: (مكناكم من سكناها الخ (مكنا إن كان على ظاهره وحقيقته فمعناه جعلنا لكم فيها مكانا، وسكنى وقراراً واليه أشار المصنف ﵀ بقوله من سكناها، ويجوز أن يكنى به عن أقدرناكم على التصرف فيها بالملك أو الزراعة، وأسباب التعيش ولما كانت الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة أدرج المصنف ﵀ الثاني في الأوّل وصاحب الكشاف جعلهما وجهين متغايرين، ولما كانت الحقيقة أولى وأنسب بهذا المقام، وما عطف عليه قدمها فتدبر. قوله:
(أسباباً تعيشون بها الخ) معايش جمع معيشة ووزنها مفعلة، وهي اسم لما يعاش به أي يحيي فهي في الأصل مصدر عاس يعيش عيشاً وعيشة ومعاشاً ومعيشا ومعيشة، والجمهور على التصريح بالياء فيها، وروي عن نافع " معائش " بالهمزة فقال النحويون: إنه غلط لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة، كصحيفة وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش حتى قال أبو عثمان: إنّ نافعاً ﵀ لم يكن يدري العربية
стр. 1235
وردّ هذا بأنّ العرب قد تشبه الأصلي بالزائد لكونه على صورته، وقد سمع عنهم هذا في مصايب ومناير ومعايش، فالمغلط هو الغالط والقراءة وان كانت شاذة غير متواترة مأخوذة عن الفصحاء الثقات، وأما قول سيبويه ﵀ إنها غلط فإنه عنى أنها خارجة عن الجادة والقياس، وهو كثيراً ما يستعمل الغلط في كتابه بهذا المعنى وإلى ما ذكر أشار المصنف ﵀، وقليلا ما تشكرون تقدم الكلام فيه، وصنعت بمعنى أحسنت من الصنيعة وكأنه قال: فيما صنعت ولم يقل ما صنعت إشارة إلى تعذر الشكر لإفراد نعمه. قوله: (أي خلقنا أب كم آدم طيناً الخ الما كان أمر الملائكة بالسجود مقدما على خلقنا، وتصويرنا وقد عطف عليه بثم اقتضى تأويله فأوّلوه بوجوه، منها أنّ المراد خلق آدم ﵊ وتصويره ولكنه لما كان مبدأ لنا جعل خلقه خلقا لنا ونزل منزلته فالتجوّز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم كجميع الخلق لتفرعهم عنه، أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرّع عنه وتسبب وليس هذا من تقدير المضاف الذي ذهب إليه بعضهم لأنّ قوله نزل خلقه الخ يأباه، وذهب الإمام ﵀ إلى أن خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم ﷺ وتصويره، قيل وكلام المصنف ﵀ يحتمله وليس بظاهر. قوله: (أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم) بأن خلقنا آدم ثم صوّرناه فالتجوّز في الفعل فالمراد بخلق الجنس ابتداء خلقه وابتداء خلق كل جنس بإيجاد أوّل أفراده، وهو آدم-سح! الذي هو أصل البشر، فهو كقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [سورة السجدة، الآية: ٧] وعلى هذين الوجهين يظهر العطف بثم والترتيب ثم أشار إلى جواب آخر استضعفه، وهو أنّ ثم لترتيب الأخبار لا الترتيب الزمانيّ حتى يحتاج إلى توجيه والمعنى خلقناكم يا بني آدم مضغا كير مصوّرة ثم صوّرناكم، ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ، وقيل إنه للتراخي في الرتبة لأنّ كون أبينا مسجودا للملائكة أرفع درجة من خلقنا ثم تصويرنا. قوله: (ثم قلنا للملافكة اسجدوا لآدم) قيل الظاهر أن يقول ثم أمرن الملائكة بالسجود لآدم ﷺ ، وإنما عدل عته لأنّ الأمر بالسجدة كان قبل خلق آدم على ما نطق به قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٢] والواقع بعد تصويره إنما هو قوله تعالى اسجدوا لآدم لتعيين وقت السجدة المأمور بها قبل هذا يعني أنه أمرهم أوّلاً أمراً معلقاً ثم أمرهم ثانياً أمرا منجزا مطابقا للأمر السابق فلذا جعله حكاية له فما قيل إنه يقتضي أنّ هذا ليس أمرا بالسجود وهو مما لا يتفوّه به عاقل ليس بشيء ينظر فيه. قوله: (لم يكن من الساجدين ممن سجد لآدم) ﵊ فيه إشارة إلى أنّ أل موصولة واسم الفاعل بمعنى الماضي وأنّ المنفيّ سجوده لآدم لا لله، وفائدة هذه الجملة التكميل ودفع احتمال أن يكون معنى إلا إبليس لم يبادر إلى السجود كما بادرت الملائكة فيحتمل أنه سجد بعد ذلك فأتى بهذه الجملة للاحتراس مع المبالغة والإشارة إلى أنه لو صدر منه ذلك لم يعد سجود العدم انقياده باطناً وامتثاله حقيقة. قوله: (ولا صلة الخ) أي زائدة فإنه يعبر عن الزائد في القرآن بالصلة تأدّبا لأنّ المنع إنما هو عن السجود لا عن تركه قال النحرير: هي مزيدة إلا إذا حمل ما منعك على ما حملك وما دعاك على ما قرره صاحب المفتاح، ثم لا بد في إفادة لا تأكيد معنى الفعل وتحقيقه من بيان، ولم أرهم حاموا حوله اهـ وما أشار إليه حقيق بالبيان فإنّ لا النافية كيف تؤكد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه، والذي ظهر لي أنها لا تؤكده مطلقا بل إذا صحب نفيا مقدّماً أو مؤخرا صريحا أو غير صريح كما في غير المغصوب عليهم ولا الضالين وكما هنا فإنها تؤكد تعلق المنع به واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: الموبخ عليه ترك السجود فتأقل. قوله: (وقيل الممنوع عن الشيء مضطرّ إلى خلافه فكأنه الخ) هذا عطف على ما قبله بحسب المعنى إذ مآله أنها زائدة أو غير زائدة بأن يكون المنع مجازا عن الإلجاء والاضطرار فمعناه ما اضطرّك إلى أن لا تسجد وهذا قريب من تول السكاكي
أنه بمعنى الحامل والداعي لكنه أبلغ منه، ويحتمل التضمين أيضا وقال الراغب: المنع ضد العطية وقد يقال: في الحماية فقوله ما منعك أن لا تسجد معناه ما حماك عن عدم السجود. فوله: (دليل على أنّ مطلق الآمر للوجوب والفورا لأنّ ترتب اللوم والتوبيخ على مخالفته يقتضي الوجوب، وجعله في وقت الأمر الدال
стр. 1236
عليه إذ يدلّ على الفور دلالة ظاهرة كما بين في الأصول، وقد أجابوا عنه بأنه ليس من صيغة الأمر بل من قوله فقعوا له ساجدين إلا أنّ بعضهم قد مغ دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ، وهذا المنع يتجه على قول المصنف، ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم الخ، والا فظاهر. يخالف قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ليتأمل وردّ بأنّ الاستدلال بترتب اللوم على مخالفة الأمر المطلق حيث قال إذ أمرتك ولم يقل إذ قيل: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وليس القول بالفور مذهب الشافعية كما ذكره المصنف ﵀ في منهاجه والكلام على هذه المسألة
مبسوط في الأصول. قوله: (جواب من حيث المعنى) لأنّ الظاهر فيه منعني كذا وكذا وهذا إنما هو جواب عن أيكما خير فهو من الأسلوب الأحمق كما مرّ في قصة نمروذ، وقوله كأنه قال الخ بيان لتضمنه الجواب بقياس استدلاليّ، وهو أني مخلوق من عنصر علوي نير فأصلي أشرف وأنا كذلك والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه فالدلالة على التكبر ظاهرة، وكذا على القول بالحسن العقلي الذي أخذه من شرف العنصر وضده من ضده، وقد بين المصنف ﵀ غلطه بأنّ الشيء كما يشرف بمادّته يشرف بفاعله وغايته وصورته، وهي في آدم مجقي! دونه كما بينه لكن قوله بغير واسطة أي واسطة توالد وتناسل يقتضي أنّ إبليس كذلك ولم ينقل، وقوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ لا دخل له في الصورة فكأنه ذكره توطئة لقوله: (لذلك الخ) . قوله: (والآية دليل الكون والفساد) الكون الخروج من العدم إلى الوجود والفساد عكسه، وهذا بحكم اللزوم لا أنها تدلّ على المصطلح بين أهل الفلسفة إذ لا دلالة عليه كما لا يخفى، ثم إنّ دلالتها على الكون ظاهرة لخلق آدم وابليس، وايجادهما وأما على لفساد فتوقف فيه بعضهم والظاهر أنه باعتبار الطين والنار فإنهما استحالاً عما كانا عليه من الطينية والنارية لما تركبت منهما الأجساد وهو ظاهر أيضاً لا داعي للتوقف فيه، والملاك بفتح الميم وكسرها قوامه الذي يملك به، وقوله أجسام كائنة أي حادثة لا أرواح قديمة وكون الأجسام من العناصر الأربعة أمر مقرّر في الحكمة فإضافته إلى أحدها باعتبار أغلبيته وهو ظاهر. قوله: (من السماء أو الجنة) فيه اختلاف بين المفسرين واقتصر المصمنف ﵀ على هذين القولين لاشتهارهما، وقيل: الجنة روضحة بعدن، وقيل: إنه أخرح من الأرض إلى الجزائر وأمر أن لا يدخلها إلا-ضفية، وقيل إنه بذلت صورته البهية بأخرى، وقوله: (التكبر لا يليق بأهل الجنة) فكما يمنع من القرار
فيها يمنع من دخولها بعد ذلك وقوله: (من تواضع لله الخ) الحديث) ١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب ﵄، وقوله: فإنها مرجعه مرجع منها ولو ثني كان أظهر. قوله: (أمهلني إلى يوم القيامة) قال في الحجر: أراد أن يجد فسحة في الإغواء ونجاة من الموت إذ لا موت بعد وقت البعث فاجابه إلى الأوّل دون الثاني، يعني قوله إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم النفخة الأولى الذي ينقطع بها التكليف ثم مراده يتوقف على أمرين عدم الإماتة وتاخير العذاب، ولذا قيل كان الظاهر ولا تعجل عقوبتي بالواو فتأمّل. قوله: (يقتضي الإجاية إلى ما سأله الخ) في البزازية عن الإمام البرسنفيني لا يجوز أن يقال دعاء الكافر مستجاب لأنه لا يعرف الله ليدعوه، وقال الدبوسي يجوز ذلك لقوله ﷺ : " دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كانرا " (٢ (وقيل أراد كفران النعمة لا كفران الدين، والفتوى على أنّ دعاء الكافر قد يستجاب استدراجا كما هنا إذ أستجيب بعض دعائه لأكله لأنه تمنى عدم الموت إذ لا موت بعد البعث اهـ، وأما احتمال أن يكون إخبارا عن كونه من المنظرين في قضاء الله من غير ترتب على دعائه، فخلاف المتبادر من النظم فإنه يدل على أنّ الغاية ما طلبه وحده فقوله: يوم يبعثون ويوم الوقت المعلوم واحد لكن في سورة ص ما يخالفه وجوّز في الحجر كون المراد بيوم الوقت المعلوم يوم يبعثون لا يوم النفخة الأولى لكنه قال: ولا يلزم أن لا يموت فلعله يموت أوّل اليوم ويبعث مع الخلق في تضاعيفه لأنّ كل شيء هالك إلا وجهه، وقوله أو وقت يعلم الله انتهاء أجله فيه أراد أنه معلوم لله وقد أخفى عنا، قيل لكن يجب أن يكون قبل انقطاع
أيام التكليف فيكون قبل النفخة الثانية، وقوله: لكنه محمول الخ على الاحتمال الأوّل، وأما إن كان مراد.
стр. 1237
تأخير العقوبة فالظاهر أنه أجيب لذلك. قوله: (وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته) ضمير إليه أمّا لما سأله أو ليوم الوقت المعلوم، وهو دفع لما يخطر بالبال من أنه أجابه لسؤاله مع ما فيه من إفساد خلقه، وقد تبع فيه الزمخشرفي وهو كما قال النحرير: كغيره مبنيّ على تعليل أفعاله بالإغراض وعدم إسناد القبائح والشرور إليه مع أنه ليس بشيء لأنّ حقيقة الابتلاء في حقه تعالى محال ومجازه وهو أن في الإنظار منه ابتلاء امتحانا لا يدفع السؤال ولأنّ ما في متابعته من ألم العقاب أضعاف ما في مخالفته من عظيم الثواب، بل لو لم يكن له الأنظار والتمكين لم يكن من العباد إلا الطاعات وترك المعاصي فلم يكن إلا الثواب كما للملائكة والأولى أن لا يخوض العبد في أمثال هذه الأسرار، ويفوّض حقيقتها إلى الحكيم المختار.
(أقول) الظاهر أنّ الابتلاء هنا بمعنى جعلهم ذابلية ومشقة فليست حقيقته محالاً عليه
تعالى إذ ليس المراد الاختيار وكون أفعاله تعالى فيها حكم ومصالح مما لا ينكر، فالظاهر عدم وروده على المصنف رحمه الله تعالى، وان ورد على الكشاف فلا تكن من الغافلين. قوله: (أي بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم الخ (بعدية الإمهال مأخوذة من الفاء والاجتهاد من قوله لأقعدنّ لهم الخ كما سيأتي، وقوله:) بسبب إغوائك) إشارة إلى أنّ الباء للسببية وما مصدرية، ولما أسند الإغواء وهو إيقاع ألغيّ أي الاعتقاد الباطل في القلب إلى الله والمعتزلة لا تجوّز إسناد القبائح إليه تعالى أوّلوه فتارة قالوا إنه قول الشيطان فليس بحجة، وتارة بأن الإغواء بمعنى النسبة إلى الغيّ كأكفره إذا نسبه إلى الكفر، أو المراد التسبب في الغيّ بما أمره به من السجود فهذه التأويلات المذكورة مذهبهم كما صرّح به في محل آخر، فكان ينبغي أن لا يتبعهم هنا ويفسره بخلق الغيّ فيه أو يذكره أيضاً ليكون على لمذاهب، وقد قيل في دفعه إنه فهم هذا من السياق لأنّ المذكور هو الأمر بما يفضي إليه أو يجعل الإغواء بمعنى الترغيب لما فيه من الغواية، والأمر هو لا يجوز من الله كما هو مراد اللعين من قوله لأغوينهم. قوله: (تسمية) المراد به الوصف والنسبة كما مر، وقوله أو حملاً أي خلق فيه من الأشياء ما حمله عليه أو تكليفا بما غويت وهو الأمر بالسجود فمعنى الإغواء إحداث سبب الغيّ وايقاعه فالتجوّز في المسند لا في الإسناد. قوله: (متعلقة بفعل القسم (أي بسبب إغوائك أقسم بك أو بعزتك لأقعدنّ الخ، فإن كان هو قسما أوّل بتكليفك إياي حتى يكون القسم به صفة من صفات الأفعال، وهو مما يقسم به في العرف وان لم تجر الفقهاء عليه أحكام اليمين فيكون القسم تكرّر منه فتارة أقسم بهذا وتارة بالعزة، وصدر لام القسم منعها عن عمل ما بعدها فيما قبلها
لأنها لها الصدر على الصحيح، وأما جعل ما استفهامية لم تحذف ألفها وتعلق الباء بأغويتني فلا يخفى ضعفه وان قيل به. قوله: (ترصدا بهم) الظاهر أنه أراد أنه كناية عن ترصده لهم، ويحتمل التمثيل أيضا، ولما كان الصراط ظرف مكان مختص ومثله لا ينتصب على الظرفية إلا في شذوذ ذهب بعضهم إلى أنه مفعول به بتضمين أقعدن معنى ألزمن وآخرون على أنه على نزع الخافض، وهو على أو منصوب على الظرفية شذوذا كما في الشعر المذكور وهو من قصيدة لساعدة بن جؤبة أوّلها:
هجرت غضوب وحبّ من تتجنب وعدت عواد دون وليك تشعب
شإب الغراب ولا فؤادك تارك ذكر الغضوب ولا عتابك يعتب
ومنها في وصف رمح:
لدق بهزالكص يعسل متنه فيه كماعسل الطريق الثعلب
ومعنى لدن لين والعسلان الاهتزاز والاضطراب وبه يوصف مثى الذئب والثعلب، إذا أسرع، وض! مير فيه للكف أو للهز، وأعلم أنّ المشهور أنّ الطريق ظرف محدود لا ينصب على الظرفية، وذهب بعض شرّاح الكتاب إلى أنه غير محدود ينصب قياساً وقال: إنه مراد سيبويه ﵀ وقد يجمع بينهما بأنه بحسب وضعه عاثم معناه كل أرض تطرق أي يمشي عليها ثم خص بما يسلكه الناس من ممرّ السابلة دون الجبال والوهاد. قوله: (أي من جميع الجهات الأربع مثل قصده الخ) يعني هذه استعارة تمثيلية شبه حال وسوستة لبني آدم بقدر الإمكان بحال إتيان العدّ ولمن يعاديه من أقي جهة أمكنته، ولذا لم يذكر الفرق
стр. 1238
والتحت إذ لا إتيان منهما، فقوله من جميع الجهات أي جميع الجهات التي يؤتى منها، كما صرّح به بقوله من أي وجه يمكنه فلا ينافي قوله ولذلك لم يقل الخ والتسويل تحسين الشيء وتزيينه للإنسان ليفعله، وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ ترشيح لهذه الاستعارة. قوله: (وقيل لم يقل من فوقهم الخ) عطف على قوله ولذلك لم يقل الخ فإن كان مبنيا على التمثيل أيضاً فالفرق بينهما أنّ ترك هاتين الجهتين على الأوّل لعدمهما في الممثل به وعلى الثاني لعدمهما في الممثل، وان كان مبناه على أنه لا تمثيل قيل، وهو الأظهر فالفرق واضح فلا يرد أنه إذا بنى الكلام على التمثيل لا
حاجة إلى الاعتذار عن تركهما. قوله: (وعن ابن عباس ﵄ من بين أيديهم من قبل الآخرة) هكذا أخرجه ابن أبي حاتم فعلى هذا ليس الكلام كله تمثيلا واحداً بل مجازات أو استعارات أو كنايات فما بين أيديهم الآخرة لأنها مستقبلة آتية، وما هو كذلك كأنه بين اليدين، ومن فسره بالدنيا فلأنها حاضرة مشاهدة وما خلفهم الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة ومن فسره بالآخرة فلأنها مغيبة عنهم وتفسير الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيئات لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة الشمال كما قال:
أبيني أفي يمني يديك جعلتني فافرج أم صيرتني في شمالك
قوله: (ويحتمل أن يقال من بين أيديهم الخ) فيكون المراد بما بين أيديهم ما يعلمونه لأنّ
ما هو كذلك محسوس مشاهد، وضحدّه ما كان خلفاً وما كان بجانب اليمين والشمال يسهل أخذه وتناوله فلذا عبر به عما ذكر، وقال بعض حكماء الإسلام إنه إشارة إلى القوى الأربع فما بين أيديهم وما خلفهم إشارة إلى القوّة المودعة في مقدّم الدماغ والمودعة في مؤخره وما بين أيديهم إشارة إلى الشهوة المودعة في الكبد وهو في اليمين وما خلفهم إلى الغضب في القلب وهو في اليسار. قوله: (وإنما عدّى الفعل إلى الآوّلين بحرف الابتداء لخ) هذا ما حققه الزمخشرقي وهو من أسرار العربية لأنّ اختلاف حروف التعدية مع المفعول به، وفيه لقصد معان لاحظوها ينبغي التيقظ لها فإنه كما قال: لغة تؤخذ ولا تقاس وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط فلما سمعناهم يقولون جلس عن يميته وعلى يمينه وعن شماله وعلى شماله قلنا معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى عن يميته أنه جل! بى متجافياً عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونحوه من المفعول به نحو رميت عن القوس وعلى لقوس ومن القوس لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضحع على كبدها للرمي، ويبتدأ الرمي منها وكذلك قالوا جلس بين يديه وخلفه يعني في لأنهما ظرفان للفعل ومن بين يديه ومن خلفه لأنّ الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول جثتة من الليل تريد بعض الليل، ولا مخالفة بينهما إلا في جعل من ابتدائية، والزمخشريّ جعلها تبعيضية وأشار إلى أنّ فيها معنى الابتداء أيضا وقيل خص اليمين والشمال بعن كا! ثمة
ملكين يقتضيان التجاوز عن ذلك. قوله: (مطيعين الخ الشمول الشكر لأعمال الجوارح، ووجد إن كان معنى صادف نصف مفعولاً واحداً وبمعنى علم بنصب مفعولين فإن نصب مفعولين فشاكرين هو الثاني والا فهو حال والجملة مستانفة أو معطوفة على المقسم عليه، وقوله قال ذلك ظناً أي قال ذلك لما رآه من الإمارات على طريق الظن، وقوله لقوله باللام دليل لا تشبيه، وفي نسخة كقوله بالكاف، ومبدأ الشرّ القوّة الشهوية والغضبية، ومبدأ الخير ألعقل، وقوله سمعه من الملائكة فيكون علماً لا ظنا وهذا إشارة إلى تأثير إغوائه في غير القليل الذين قال الله فيهم: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
﴾ [سورة سبأ، الآية: ٢٠] ولم يفرّعه لأنه بمقتضى الجبلة لا بمجرّد إغوائه. قوله: (مذؤما مذموماً من ذأمه الخ) مذؤما حال وكذا مدحورا أو هو صفة، وفسر مذؤما بمعنى مذموما وفسره الليث بمحقراً، وفي فعله لغتان ذأمه يذأمه بالهمزة كرامه يرأمه وذامه يذيمه بالألف كباعه يبيعه ومصدر المهموز أم كرأس ومصدر المعتل ذام كقال وبهما روي المثل إن تعدم الحسناء ذاماً، والذأم العيب وقال ابن قتيبة: الذم والقراءة المشهورة مذؤماً بالهمز كمسؤلاً من ذأمه، وقرئ مذوما بذال مضمومة وواو ساكنة وهي تحتمل أن تكون مخففة
стр. 1239
من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، وأن تكون من المعتل وكان قياسه مذيم كبيع إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حذ قولهم مكول في مكيل مع أنه من الكيل، والدحر الطرد وضمير منها للسماء كما في قوله: ﴿اهْبِطْ مِنْهَا﴾ [سررة الأعراف، الآية: ١٣، وقيل هو للجنة وهو الأصح عند الأكثر. قوله: (اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه الخ (في الكشاف واللام في لمن تبعك موطثة للقسم ولأملأنّ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط منكم بمعنى منك ومنهم فغلب ضمير المخاطب كما في توله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٣٨] وروي عصمة عن عاصم ﵀ لمن تبعك بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد، وهو قوله لأملأن جهنم منكم أجمعين على أنّ لأملأنّ في محل الابتداء ولمن تبعك خبره اهـ وفي الدرّ المصون في من وجهان أظهرهما أنها دخل عليها لام موطئة وتسمى موذنة جواب قسم محذوف، ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ولأملأنّ جواب قسم ساد مسد جواب الشرط الثاني أنّ اللام لام ابتداء ومن موصولة صلتها تبعك في محل رفع بالابتداء خبرها لأملأنّ وقرئ شاذاً عن عاصم لمن بكسر اللام على أنها متعلقة بقوله لأملأنّ ورد بأنّ لام القسم
لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، والثاني أنها متعلقة بالذأم والدحر على التنازع واعمال الثاني أي اخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك، الثالث أنّ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف يقدر مؤخراً أي لمن تبعك هذا الوعيد الدال عليه قوله: لأملأنّ الخ لأنّ القسم وجوابه وعيد، وهو مراد الزمخشريّ بقوله على أنّ لأملأن في محل الابتداء ولمن تبعك خبره فقول أبي حيان ﵀: إن أراد ظاهره فهو خطأ لأن قوله لأملأنّ جملة جواب قسم محذوف فمن حيث كونها جملة لا يجوز أن تكون مبتدأ ومن حيث كونها جواب قسم يمتنع أيضا لأنها لا موضمع لها ومن حيث كونها مبتدأ لها موضع ويمتنع في شيء واحد أن يكون له موضع، ولا موضع له وهو محال، وهذا بعد قول الزمخشري إنّ معناه لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو لأملأنّ كيف يتردّد بعد هذا مع تصريحه بمراده وتأويله، وأمّا قوله على أنّ لأملأنّ في محل الابتداء فإنما قاله لأنه دال على الوعيد الذي هو في محل ابتداء فنسب إلى الدال ما نسب للمدلول معنى، وقول الشيخ ومن حيث كونها جواب قسم الخ تحامل عليه لأنه لا يريد جملة الجواب فقط البتة إنما أراد الجملة القسمية برمّتها وإنما استغنى بذكرها عن ذكر قسمها لأنها ملفوظ بها وقد تقدم ما يشبه هذا، وقوله ويمتنع في شيء واحد أن يكون له موضعولا موضع له جوابه ظاهر (أقول (ذهب إلى أنه محكيّ هنا ورد بأن الحكاية تقتضي تقدم الوعيد، وليس كذلك ولا يخفى ما في هذا كله من التعسف من غير داع له فتدبر. قوله: (أي وقلنا يا آدم (لم يعطفه على ما بعد قال: أي قال يا إبليس أخرج، ويا آدم اسكن لأنّ ذلك في مقام الاستئناف والجزاء لما حلف عليه إبليس من القعود على الصراط الخ، وهذا من تتمة الامتنان على بني آدم والكرامة لأبيهم وإنما لم يجعل عطفا على ما بعد قلنا لأنه يؤول إلى قلنا للملائكة يا آدم فقدر قلنا لتكون الجملة عطفاً على قلنا للملائكة، وهذا هو الذي يقتضيه انتظام السياق كما قرّره النحرير، وما قيل إن الترتيب يقتضي عطفه على ما بعد قال فإنّ هذا الأمر لهما ليس إلا بعد الأمر له بالخروج جزاء لما حلف عليه بعد المقابلة أي قال له اخرج غضبا عليه، ولذلك أسكن تكريما له على تلوين الخطاب مع ما فيه من القرب فخلاف الظاهر، وان كان له وجه والكلام في أسكن أنت وعطفه مرّ تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (وهو الآصل لتصغيره على ذيا (يعني أصله ذي والهاء عوض عن الياء المحذوفة لا هاء سكت بدليل تصغيره فإنه يدل على ذلك، قال ابن جني ﵀: يدل على أنّ الأصل هو الياء قولهم في المذكر ذا والألف بدل من الياء إذ الأصل ذيّ بالتشديد بدليل تحقيره على ذيا، وإنما يحقر الثلاثي دون الثنائي كما ومن فحذفت إحدى الياءين تخفيفا ثم أبدلت الأخرى ألفا كراهة أن يشبه آخره آخر كي. ثوله: (فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم
الخ) يعني كان بمعنى صار وأل موصولة ومفعول ظالمين مقدر وهو أنفسهم لأنهما بالأكل إنما ظلما أنفسهما، ومن الظالمين أبلغ من ظالمين كما مرّ، والجزم والنصب بعطفه على تقرباً وجعله جواب النهي ظاهر. قوله: (أي فعل الوسوسة لأجلهما الخ) فالفرق بين وسوس له، ووسوس إليه أن وسوس
стр. 1240
له بمعنى لأجله فاللام ليست صلة، وقال الجوهرفي: إنها لة بمعنى إلى ومعناه ألقى إليه الوسوسة والوسوسة الصوت الخفيّ المكرّر، ولذا قيل الصوت الحلي وسوسة أيضا كما قال:
قالوا كلامك وسواس هذيت به وقد يقال لصوت الحلي وسواس
وفعللة تكثر في الأصوات كهينمة وهمهمة للصوت الخفيّ، وخشخشة للصوت الحاصل
من تحريك سلاح ونحوه، ووسوس لازم ويقال رجل موسوس بكسر الواو ولا تفتح كما قاله ابن الأعرابي: وقال غيره يقال موسوس له وموسوس إليه فيكون موسوس بالفتح على الحذف والإيصال، والوسوسة أيضا حديث النفس، وقال الأزهريّ: وسوس ووزوز بمعنى. قوله: (واللام للعاقبة أو للغرض الخ) من ذصب إلى أنها للعاقبة لأنه لم يعلم صدوره منهما ومن ذهب إلى أنها للتعليل لأنه الأصل فيها ويجوز قصد ذلك بناء على حدسه أو علمه بطريق من الطرق كما سبق في قوله: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٧] وقوله ولذلك أي لكون كشف الفرج بسوء صاحبه سمته العرب. سوأة، وقوله وفيه دليل الخ وجه الدلالة أنّ ذلك قصد به الإساءة إليهما فلولا أنه كدّلك لم تكن إساءة وليس هذا مبنياً على الحسن والقبح العقليين الذي هو مذهب المعتزلة ولذلك لما ذكره الزمخشرفي ميلاً لمذهبه قال النحرير ﵀: إن أراد أنّ القبح يكون مذموماً في حكم الله سواء ورد به الشرع أولاً فلا دلالة للنظم عليه أو بمعنى كراهة الطبع، وعدم ملاءمة العقول السليمة فلا نزاع ولا خلاف في أنّ مثله لا يتوقف على الشرع. قوله: (وكانا لا يريانها الخ) بيان لكونها مغطاة عنهما وجمع العورات على حد صغت قلوبكما. قوله: (وإنما لم تقلب الواو المضمومة الخ) ووري بواوين ماضي واري
المجهول كضارب وضورب أبدلت ألفه واواً قالوا والأولى فاء الكلمة والثانية زائدة وقرئ أورى بالهمزة لأنّ القاعدة إذا اجتمع واوان في أول كلمة فإن تحركت الثانية أو كان لها نظير متحرّك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً مثال الأوّل أو يصل وأواصل في تصغير واصل وتكسيره، ومثال الثاني أولى أصله وولى فأبدلت لما تحركت الثانية في الجمع وهو أول فإن لم تتحرّك بالفعل أو القوّة جاز الإبدال كما هنا، كذا قرّره النحاة فلا وجه لتردّد النحرير فيه: ومعنى المواراة الستر، وقرئ سوأتهما بالإفراد والهمز على الأصل وبإبدال الهمزة واواً وإدغامها، وقرئ بالجمع على الأصل وبطرح حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها وبقلبها واواً وادغامها، وهي إمّا من وضع الجمع موضع التثنية أو لإدخال الدبر في السوأة وقوله وبقلبها أي قرئ بقلب الهمزة واوا وادغامها فيصير اللفظ سوّآتهما بتشديد الواو فليس في كلامه خلل كما توهم. قوله: (١! راهة أن تكونا) يعني أنه استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة كما عرف في أمثاله، وأمّا عدم التقدير على أنه سبب بعيد فخلاف الظاهر المشهور. قوله: (الذين لا يموتون أو يخلدون الخ) أي المراد من الخلود عدم الموت اصلا أو الخلود العارض بعد الموت بدخول الجنة، واستدل بهذه الآية على فضل الملائكة على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفي الكشاف على البشر ووجهه أنه لما قال: أن تصير ملكا أو تكون في مرتبة الملك كما لا قرّر ذلك ولم ينكر عليه وأبضاً ارتكب آدم ﵊ المنهي عنه طمعا في ذلك، فلولا أنه أفضل لم يرتكبه فليس الاسندلال بمجرّد قول إبليس وإنما قال الزمخشريّ على البشر لأنه لم يكن نبياً في الجنة والمصنف رحمه الله تعالى نظر إلى ما يؤول إليه. قوله: (وجوابه الخ) هو ظاهر لأنه قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل فلا ي! ل على التفضيل من كل الوجوه، وأيضا إن رغبتهما كانت في الخلود فقط وقيل على قوله إنّ الحقائق لا تنقلب إنه لا مانع منه عند الأشاعرة لتجانس الأجسام فإما أن يكون هذا مختاره أو إلزاما لهم على مذهبهم فتأمّل. قوله: (وأخرجه على رنة المفاعلة الخ الما كان القسم من جانب واحد، والمفاعلة تقتضي صدوره من الجانبين قيل إنه بمعنى أقسم وإنما عبر بالمفاعلة للمبالغة لأنّ من يباري أحداً في فعل يجد فيه فاستعمل في لازمه، أو أنه وقع من الجانبين ولكنه اختلف متعلقه فهو أقسم على النصح وهما على القبول، وفي الانتصاف في إنما يتم لو لم يذكر المقسم عليه، وهو النصيحة أمّا إذا ذكر فلا يتم إلا إذا سمي
стр. 1241
قبول النصح نصحاً لمقابلته له كما قيل في وواعدنا موسى أو أنه تجوز المفاعلة، وان لم يتحد المتعلق لكن كونه
حقيقة بعيد. قوله: (وقيل أقسماً الخ) قيل فيكون فيه لف لأنّ آدم وحواء لا يقسمان بلفظ التكلم بل بلفظ الخطاب، وقيل إنه إلى التغليب أقرب، وقيل إنه لا حاجة إليه بأن يكون المعنى حلفا عليه بأن يقول لهما إني لكما لمن الناصحين. قوله: (فنزلهما الخ) أي أنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبه المعصية بسبب تغريرهما بقسمه من دلي الدلو في البئر، وعن الأزهريّ أنّ معناه أطمعهما وأصله من تدلية العطشان شيئا من البئر فلا يجد فيها ما يشفي غليله وقيل من الدلّ وهو الجراءة أي فجرّأهما كما قال:
أظن الحلم دلّ عليّ قومي وقد! جيل الرجل الحليم
فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء. قوله:) بما غرّهما به من القسم الخ (يعني الباء للمصاحبة أو الملابسة وهو حال من الفاعل أو المفعول ولا حاجة إلى جعل الغرور مجازا عن القسم لأنه سبب له كما قيل. قوله: (فلما وجدا طعمهما آخذين في ا! ل الخ الما كان الذوق وجود الطعم بالفم وقد يعبر به عن ا! ل اليسير فسره بهذا لأنه وقع في آية أخرى مصرحاً بالأكل فيها، والتهافت التساقط ويخص بما يكره، والسنبلة من الحنطة معروفة، وقوله: (ظفرا) أي شيئا كالظفر ساتراً لبدنهما. قوله:) أخذا يرقعان الخ (إشارة إلى أنّ طفق من أفعال الشروع الدالة على الأخذ في الفعل، ولذا لا تدخل أن على خبرها وهي بكسر الفاء في الأفصح وقد تفتح واً صل معنى الخصف الخرز في طاقات النعال، ونحوها بإلصاق بعضها ببعض فالمراد يلصقان بها، ولهذه القصة عنى العباس ﵁ الجنة في قوله يمدح النبيّ يرو:
من قبلهاطبت في الظلال وفي مستوح حيث يخصف الورق
والمعنى يخصفان على سوآتهما، أو على بدنهما لما تقرّر في العربية أنه لا يتعدى فعل الظاهر أو المضمر إلى ضميره بواسطة أو بدونها فأما أن يكون في الكلام مضاف مقدر أو يكون ضمير عليهما عائدا على السوأتين كما قاله أبو حيان. قوله: (وقرئ يخصفان من أخصف أي
يخصفان أنفسهما) قال الجاربردي لما نقل خصف إلى أخصف للتعدية ضمن الفعل معنى التصيير فصار الفاعل في المعنى مفعولاً لتصيير فاعلاً لأصل الفعل فيكون التقدير يخصفان أنفسهما عليهما من ورق الجنة فحذف مفعول التصيير ومن للتبعيض اهـ وقد جوز فيه أن يكون خصف وأخصف بمعنى، ويخصفان من خصف المشدد بفتح الخاء على الأصل، وقد ضمت اتباعا للياء وهي قراءة عسرة النطق، ويخصفان بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد من الافتعال وأصله يختصفان سكنت التاء وأدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين ونظيره يهدي، ويخصمون وفتح الخاء يعقوب ﵀. قوله: (عتاب على مخالفة النهي) هو من قوله ألم أنهكما وتوبيخ على الاغترار بقول العدوّ من توله وأقل لكما إنّ الشيطان الخ وقوله: (وفيه دليل على أنّ مطلق النهي للتحريم) أي النهي إذا ورد مطلقا من غير تقييد بتحريم صريحا أو تلويحا يدل على ذلك كقوله أنهكما هنا إذ لم يقل نهي تحريم، والدليل على إرادة التحريم منه اللوم الشديد عليه وندمهما واستغفارهما من ذلك فلذلك استدل به على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحيح خلافه، وقد أجاب المصنف ﵀ عنه في البقرة بأنه للتنزبه وأنّ ندمهما واستغفارهما لترك الأولى فكيف ذكر هنا أنه دليل على التحريم مع احتمال التنزيه، والجواب عنه أنه لم يقل النهي للتحريم بل مطلق النهي وهو ما لم يكن معه قرينة حالية أو مقالية تدل على خلافه، ولذا قيل إنّ قوله وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين مقارن للنهي فليس مطلقا. قوله: (وإن لم تففر لنا الآية) هذا شرط حذف جوابه لدلالة جواب القسم المقدر عليه فإن قبل حرف الشرط لام توطئة مقدرة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٧٣] ويدل على ذلك ورود لام التوطئة قبل أداة الشرط في كلامهم كذا قاله المعرب ومنه يعلم أنّ قول المصنفين في تراكيبهم والا لكان كذا كلام صحيح لأنّ لام التوطئة يطرد حذفها فلا عبرة بما قيل إنه خطأ فتأمل. قوله: (دليل على أن الصغائر الخ) قيل عليه إنه يحتمل أن يكون قول آدم ﷺ مبنياً على ظن أنّ ما فعله كبيرة كما يوهمه ظاهر المؤاخذة فلا دلالة فيه على ما ذكر.
(قلت) الفرق بيته وبين ما ذكره
стр. 1242
المصنف ﵀ يسير فهو كالصيد من المقلي فتدبر. قوله: (الخطاب لآدم وحواء وفوّيتهما الخ) هذا على عادته كصاحب الكشاف إنه إذا كان في
النظم تفاسير أو احتمالات ذكر بعضها في موضع، وبعضها في آخر مع التنبيه على المختار وتركه فلا يرد عليه إنه قال في سورة البقرة إن الخطاب لآدم وحواء لقوله فاهبطا، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر فكأنهم هم، ولك أن تقول هو عين ما ذكر لأنّ ذريتهم لم تكن موجودة حال الخطاب فتامّل، وقوله: (وكرّر الخ) يعني إبليس أخرج أولاً وأمره هنا ثانيا إشارة إلى عدم انفكاكه عن جنسهما في الدنيا، وقد قيل إنه أخرج منها ثانيا بعدما كان يدخلها للوسوسة أو من السماء، وقوله: (أو اخبر الخ (حاصله أنّ الأمر وقع مفرقا وهذا نقل له بالمعنى واجمال له. توله: (في موقع الحال أي متعادين) قد مرّ تفصيله في قوله أو هم قائلون، وقد قيل عليه إنه ينافي ما سبق من قوله وأما جاءني زيد هو فارس فخبيث لا يقال هنا أوّل الجملة بمفرد حيث قال: أي متعادين كما أن قولهم كلمته فوه إلى فيّ في معنى مشافها، فلا يحتاج إلى الواو، لأنا نقول لو صح هذا التأويل لجرى في جميع الجمل الاسمية فيقال هم قائلون في تقدير قائلين، وهو فارس في تقدير فارسا فالوجه أن يحمل قوله بعضكم لبعض عدوّ على الاستئناف كأنهم لما أمروا بالهبوط سألوا كيف يكون حالنا فأجيبوا بأنّ بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين، ورد كما مرّ تحقيقه بأنه إشارةءلى تنزيل الجملة الاسمية الحالية منزلة المفرد ليحسن ترك الواو وفسر المعاداة على وجه لا يوهم معاداة آدم ﵊ لحواء، وبالعكس وليس كقولك جاءني زيد وهو فارس في معنى جاءني فارسأ لما أشار إليه الثيخ عبد القاهر من الفرق بين جاء زيد كذلك، وجاء وهو كذلك بأنّ لهذا نوع ابتداء واستئناف (قلت) هو كما قال: وقد فصله السبكيّ في أشباهه، وقال: إنّ المفرد يقتضي تجذد المقارنة والجملة لا تقتضي ذلك فكأنه استئناف لبيان ما هو عليه من الحال فلو قال لله عليّ أن أعتكف وأنا صائم أو صائما وفي نذره في الأولى بالاعتكاف في رمضان بخلاف الثاني وقد ذكره النحرير: هنا بطريق البحث وهو مما صرّح به غيره ولشيخ مشايخنا ابن قاسم فيه بحث، وقوله استقرار الخ أي هو مصدر ميمي أو اسم مكان كما مرّ. قوله: (إلى تقضي آجالكم) وفي البقرة تفسيره بالقيامة أيضا لأنه متعلق بما تعلق به الظرف الواقع خبرا فإن نظر إلى كونه مستقرا كانت الغاية القيامة وان نظر إلى التمتع أو المجموع كانت الموت، ويجوز اعتبار كل منهما على كلا الوجهين وقد مرّ تحقيقه هناك. قوله: (وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان ومنها تخرجون) بفتح التاء وضم الراء هنا وفي الزخرف قرئت في مواضع مبنية للفاعل، وفي أخرى للمفعول وتفصيله في كتب القراآت، وفي الدر المصون فائدة هنا في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢٣] إنه حذف حرف النداء لتعظيم المنادى وتنزيهه قال مكيّ:
كثر نداء الرب بحذف يا منه في القرآن وعلة ذلك أنّ في حذف يا من نداء الرب معنى التعظيم والتنزبه، وذلك أنّ النداء فيه طرف من معنى الأمر لأنك إذا قلت يا زيد فمعناه تعال فحذفت لتزول صورة الأمر وهذه نكتة جليلة. قوله: (أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية الخ) قال ابن فارس في فقه اللغة الضاحي معناه خلقنا لأنّ الأنعام لا تقوم إلا بالنبات، والنبات لا يقوم إلا بالماء والله تعالى ينزل الماء من السماء، ومثله: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢٦] وهو تعالى إنما أنزل الماء لكن اللباس من القطن، وهو لا يكون إلا بالماء ا! وهذا التفسير منقول عن الحسن ﵀ وما ذكره هنا هو حاصل ما قال في سورة الزمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦] وقضى أو قسم لكم فإنّ قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح المحفوظ أو أحدث لكم بأسباب نازلة منها كأشعة الكواكب والأمطار اهـ، والتجوز الظاهر أنه في المسند، ويحتمل أن يكون في اللباس أو الإسناد ويواري ترشيح في بعضها وقوله التي قصد الشيطان الخ يريد أن إبداء سوآتهما موجب لإبداء سوآتنا فهو كالقاصد لذلك ولو لم يخلق الله اللباس لتحقق ما أراده، وقوله: (روي أنّ العرب الخ) أخرجه المحدثون وهو في صجح مسلم عن ابن عباس ﵄، وقيل إنهم كانوا يفعلونه تفاؤلاً
стр. 1243
بالتعرّي عن الذنوب والآثام، وفي السير أنهم كانوا يلبسون ثياب قريش فمن لم يجدها طاف عريانا. قوله: (ولباساً تتجملون به الخ) فعطفه إمّا من عطف الصفات فوصف اللباس بثيئين مواراة السوأة والزينة فالريش بمعنى الزينة لأنه زينة الطير فاستعير منه ويحتمل أنه من عطف الشيء على غيره أي أنزلنا لباسين لباص مواراة ولباس زينة فيكون مما حذف فيه الموصوف أي لباساً ريشاً أي ذا ريش والريش مشترك بين الاسم والمصدر، وقرئ رياشا وهو مصدر كاللباس أو جمع رائش. قوله:) خثية الله الخ) ففي الوجهين الأوّلين مجازاً ومشاكلة وفي الأخير حقيقة. قوله: (ورفعه بالابتداء وخبره ذلك خير) أي الجملة خبره والرابط اسم الإشارة لأنه يكون رابطا كالضمير أو خير خبر، وذلك صفة لباس
التقوى كما قاله الزمخشري: وقد سبقه إليه الزجاج وابن الأنباري وغيره، واعترض عليه الحوفي بأن الأسماء المبهمة أعرف من المعرف باللام ومما أضيف إليه، والنعت لا بد أن يساوي المنعوت في رتبة التعريف أو يكون أقل منه ولا يجوز أن يكون أعرف منه كما صرّح به النحاة، فلذا قيل إنه بدل أو بيان لا نعت، وأجاب عنه المعرب بأنه غير متفق عليه فإنّ تعريف اسم الإشارة لكونه بالإشارة الحسية الخارجية عن الوضع قيل إنه أنقص من ذي اللام، والمصنف ﵀ أشار إلى جواب وهو أنه بمعنى المعرف باللام فيكون في مرتبته، وقد قيل إنّ ال موصولة فتتساوى رتبتهما وفيه نظر، وقد قيل إنّ ذلك لا محل له من الإعراب وهو فصل كالضمير، وهو غريب قيل لم يسبق إليه وقد سبقه له أبو عليّ في الحجة والإشارة بالبعيد للتعظيم بتنزيل البعد الرتبي منزلة الحسيّ، ثم إن كانت الإشارة للباس المواري فلباس التقوى حقيقة والإضافة لأدنى ملابسة وإن كانت للباس التقوى فهو استعارة مكنية وتخييلية بأن يتوهم للتقوى حالة شبيهة باللباس تشتمل على جميع بدنه بحسب الورع والخشية من الله اشتمال اللباس على اللابس ليست حال خارجية بل صورة وهمية كما في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أسورة النحل، الآية: ١١٢] قاله العلامة: أو من قبيل لجين الماء وعلى قراءة النصب يكون اللباس المنزل ثلاثة أو يفسر لباس التقوى بلباس الحرب فقط أو يجعل الإنزال مشاكلة فتأمّل. قوله: (أي إنزال اللباس) المتقدم كله أو الأخير لقربه وقوله فيعرفون عطف على يذكرون ويتعظون عطف عليه ويتورّعون مفرّع على يتعظون أو فيعرفون تفريع على يذكرون مشاراً إلى يرفعه فقوله فيتورّعون تفريع على يتعظون في مقابلة فيعرفون نعمته فتأئل، وقوله الدالة على فضله ورحمته إشارة إلى أنّ الآيات هنا بمعنى الأدلة. قوله: (لا يمحننكم) تقدم أنّ الفتنة معناها التخليص من الغش وأنها تطلق على الابتلاء والإضلال، وهو المراد وهذا نهي للشيطان في الصورة والمراد نهي المخاطبين عن متابعته وفعل ما يقود إلى فتنته كما تقدم تحقيقه في قوله: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢] والقراءة المشهورة بفتح حرف المضارعة وقرئ بضمها من أفتنة حمله على الفتنة وقرئ بغير توكيد أيضا. قوله: (كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها الخ) يعني أنّ قوله كما أخرج وضعموضع كما فتن وضعاً للسبب موضحع المسبب أي أوقعهما في المحن والبلاء بسبب الإخراج ويجوز أن يكون التقدير لا يفتننكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم ولا منافاة بين كون الهبوط عقاباً على تلك الزلة وكونه لجعله خليفة لأنّ من العقاب ما يترتب عليه
الأنعام فتأمّل. قوله: (حال من أبويكم أو من فاعل أخرج الاشتماله على ضميريهما وكل منهما صحيح معنى والصناعة مساعدة عليه ولفظ المضارع قالوا إنه لحكاية الحال الماضية لأنها قد تقضت وانقطعت، وردّ بأنه ليس على حكاية الحال الماضية على ما توهم وان كان الأمر كذلك يعني أنه يقارن الإخراج في البقاء، وهو كاف في مقارنة الحال لعاملها وليس بوارد لأن النزع السلب وهو ماض بالنسبة إلى الإخراج وإنما الباقي عريهما والإسناد إليه مجازي لكونه سببا في ذلك إذ لم ينزعه عنهما وهو ظاهر، وقوله: (تعليل للنهي) كما هو معروف في الجملة المصدرة بأنّ في أمثاله، وتأكيد للتحذير لأنّ العدوّ إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف. قوله: (ورؤيتهم إيانا الخ) ردّ على الزمخشري وغيره من المعتزلة المنكرين لرؤية الجن لرقة أجسامهم ولطافتها
стр. 1244
لمان كانوا يروننا لكثافة أجسامنا، وقد ثبتت رؤيتهم بالأحاديث الصحيحة المشهورة وهي لا تعارض نص القرآن هنا كما قالوا لأنّ المنفيّ فيه رؤيتهم إذا لم يتمثلوا لنا كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو تأكيد للضمير المستتر، وقبيله في قراءة الرفع معطوف عليه لا على البارز لأنه لا يصح للتأكيد، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ولا حاجة إلى القول بأنه عطف على محل اسم أنّ، وعلى قراءة النصب فهو عطف على اسم إن والضمير لا يلبس لا للشأن كما في الكشاف لأنه لا يصح العطف عليه ولا يتبع بتابع، أو الواو واو مع، والقبيل الجماعة، فإن كانوا من أب واحد فهم قبيلة، ومن لابتداء الغاية وحيث ظرف لمكان انتفاء الرؤية وجملة لا ترونهم في محل جرّ بالإضافة، ونقل عن أبي إسحاق أنّ حيث موصولة وما بعدها صلة لها ورده أبو عليّ الفارسيّ بأنه لم يقل به أحد غيره إلا أن يريد أنه كالموصول والصلة وهذه القضية عامّة مطلقة لا دائمة فلا تدل على ما ذكره المعتزلة. قوله: (بما أوجدنا بينهم الخ) أي الموالاة عبارة عما يتسبب عن هذا إذ لا موالاة بينهم حقيقة، وقوله مقصود القصة أي السابقة على هذه فهي جملة مستأنفة ويجوز أن يقصد بها التعليل أيضا والفذلكة الإجمال كما مرّ. قوله: (اعتذروا واحتجوا الخ) أعرض عن الأوّل لأنه غنيّ عن الرذ والمراد أعرض! عن التصريح بردّه، والا فقوله إنّ الله لا يأمر بالفحشاء متضمن لرذه لأنه إذا أمر بمحاسن الأفعال فكيف يترك أمره لمجرّد اتباع الآباء فيما هو قبيح عقلا فلا ينافي هذا قوله فيما سيأتي وعلى الوجهين يمتنع التقليد، وقال الإمام ة لم يذكر جوابا عن حجتهم الأولى لأنها
إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرّر في المعقول إنه طريقة فاسدة لأنّ التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التقليد حقا لزم القول بحقية الأديان المتناقضة فلما كان فساده ظاهراً لم يذكره الله. قوله: (لأنّ عادته جرت الخ) أي عادة الله جرت على الأمر بمحاسنها وهو اللاق بالحكمة المقتضية أن لا يتخلف فلا يتوهم أنه لا يستلزم نفي أمره بالفحشاء حتى يتم الاستدلال فالأولى أن يقول وعادته جرت الخ، وقوله: (ولا دلالة الخ) يعني لا دلالة على القبح العقلي بالمعنى المتنازع فيه، وهو كون الشيء متعلق الذمّ قبل ورود النهي عنه بل بمعنى نفرة الطبع السليم ولا نزاع فيه كما حقق في الأصول، وقوله والله أمرنا بها أي أمر آباءنا ففيه مضاف مقدر فلا يقال الظاهر أمرهم بها والعدول عن الظاهر إشارة إلى ادّعاء أنّ أمر آبائهم أمر لهم. قوله: (وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل الخ) أي على تقدير كونه جوابا أو جوابين أما على الأوّل فلأنهم قلدوهم فيما أمر الله بخلافه وكذا على الثاني، فلا دلالة في الآية على المنع من التقليد مطلقا، ولا على عدم صحة إيمان انمقلد. قوله: (إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى) لأنّ الافتراء تعمد الكذب فإذا أنكر القول من غير علم فإنكار ما علم خلافه يثبت بالطريق الأولى والإنكار إمّا بمعنى إنه لا ينبغي ذلك أو لم يكن والأوّل ظاهر والظاهر المراد منه النهي عنه، ولا دليل في الآية لمن نفى القياس بناء على أنّ ما يثبت به مظنون لا معلوم، لأنه مخصوص من عمومها بإجماع الصحابة، ومن يعتد به أو بدليل آخر، وقيل المراد بالعلم ما يشمل الظن وتفصيله في الأصول. قوله: (بالعدل الخ) تفسير للقسط ومنه القسطاس للميزان، وقوله: وتوجهوا إلى عبادته أي إقامة الوجه كناية عن التوجه إليه دون غيره. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ فيه وجهان فقيل إنه معطوف على الأمر الذي ينحل إليه المصدر مع إن أي بأن اقسطوا، والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر كما نقله المعرب، وقول الزمشخريّ: وقل أقيموا وجوهكم أي اقصدوا عبادته يحتمل أنّ قل مقدر غير الملفوظ به فيكون أقيموا مقولاً له، وأن يكون معطوفا على أمر ربي المقول لقل الملفوظ بها، وقال النحرير: قدره لأنه لو عطف على أمر ربي لكان ظاهره عطف الإنشاء على الخبر وان كان
على سبيل الحكاية وتأويل مثله شائع، ولو لم يقدّر لا وهم أنّ مقول قل هو مجموع أمر ربي وأقيموا وفيه نظر، ويجوز أن يكون معطوفا على محذوف تقديره قل اقبلوا وأقيموا، وتال الجرجاني: الأمر معطوف على الخبر، لأنّ المقصود لفظه، أو لأنه إنشاء معنى. قوله: (في وقت كل سجود أو مكانه الخ) يعني أنّ مسجداً هنا يحتمل أن يكون مكانا أو زمانا
стр. 1245
وكان من حق مسجد فتح العين لضمها في المضارع، وله أخوات في الشذوذ مذكورة في التصريف ويحتمل أنه إشارة إلى أنه مصدر ميمي، والوقت مقدر أو اسم مكان كني به عن الصلاة واليه الإشارة بقوله وهو الصلاة، وقيل: إنه إشارة إلى أنّ عند بمعنى في والمسجد اسم زمان أو مكان بالمعنى اللغوي وهو أي السجود على الوجهين مجاز عن الصلاة لا إلى أنه مصدر ميمي والوقت مقدر قبله كما توهم. قوله: (أو في أيّ مسجد حضرتكم الصلاة الخ) عطف على قوله في كل وقت سجود والمسجد بالمعنى المصطلح، ففيه ثلاثة وجوه ويكون الأمر للوجوب على الأوّلين وللندب على الثالث وهو لا يناسب المقام، وقوله واعبدوه إشارة إلى أنّ الدعاء بمعنى العبادة لتضمنها له، والدين بمعناه اللغوي وهو الطاعة، وقوله فإنّ إليه مصيركم أي رجوعكم مأخوذ من قوله تعودون بعده وبيان لارتباطه به وأنه مذكور للتعليل. قوله: (كما أنشثم ابتداء تعودون بإعادته الخ) إنما قال تعودون ولم يقل نعيدكم إشارة إلى أنّ الإعادة دون البدء من غير مادّة ولذا فسر بدأكم بأنشأكم حتى كأنه عاد بنفسه بحيث لو تصوّر الاستغناء عن الفاعل لكان في الإعادة دون البدء فهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم، الآية: ٢٧] سواء كانت الإعادة الإيجاد بعد الإعدام بالكلية أو بجمع متفرّق الأجزاء، وقول المصنف باعادته بيان للواقع ورتب المجازاة عليه إشارة إلى أنه المقصود من ذلك ليرتبط بما قبله وما بعده. قوله: (وإنما شبه الإعادة بالإبداء الخ) وجه التقرير والتحقيق ما مر من أنّ الإعادة بالنسبة إلى المخلوقين أسهل من الإبداء فذكر على المتعارف، وغر لا بغين معجمة وراء مهملة تقدم معناه. قوله: (وقيل كما بدكم مؤمناً وكافرا) هذا مروي عن ابن عباس ﵄ فيكون كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ ويكون ما بعده تفسيراً وتفصيلا له، قيل وهو أنسب بالسياق لأنهم أمرهم بالإخلاص وأشار إلى أنه لا يتيسر له ذلك إلا من قدر له السعادة فإنه قضى بالسعادة والشقاوة، وتوله مؤمناً وكافراً فيه تسمح أي فريقاً مؤمنا وفريقاً كافراً والمعنى خلقكم منقسمين إلى ذلك. قوله: (بمقتضى القضاء السابق الخ (أي بينت الهداية
والضلالة بمقتضى القضاء الأزلي، وهو عندنا إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على ها هي عليه فيما لا يزال، وعند الفلاسفة علمه بما ينبغي أن تكون عليه الأشياء وعدل عن تفسير الزمخشريّ فإنهم ينكرون القضاء في أفعال العباد الاختياربة ويثبتون علمه بها وتحقيقه في أصول الدين. قوله: (وانتصابه بفعل يفسره ما بعده) أي انتصاب فريقا الثاني وانتصاب الأوّل بهدي وقدّم عليه للتخصيص فالمناسب تقدير العامل في الثاني مؤخرا أيضاً والجملتان حال بتقدير قد أو مستأنفة، ويجوز نصبهما على الحال من ضمير تعودون والجملتان بعدهما صفتان لهما ويؤيده قراءة أبيّ ﵁ تعودون فريقين فريقاً هدي وفريقا الخ والمنصوب بدل أو منصوب بأعني مقدراً. قوله: (أي وخذل) تبع فيه الزمخشريّ وقد قيل عليه لا ضرورة في تفسير الهداية بالتوفيق للإيمان، وأما جعل المضمر المفسر خذل دون أضل مع أنه الظاهر الملائم لهدي وحقت عليهم الضلالة فاعتزال، ولك أن تقول أنّ المصنف ﵀ لم يرد ما قصده الزمخشريّ فإن التوفيق للإيمان هداية ومن أضله الله فهو مخذوف والخذلان ترك النصر فلما اتخذوا الشياطين أولياء يستندون إليهم وكلهم الله إليهم ولم ينصرهم، وإنما فسره به لدلالة ما بعده عليه فتأمّله. قوله: (تعليل لخذلانهم) إشارة إلى ما حققناه، ويؤيده أنه قرئ إنهم بالفتح وهي نص في التعليل فلذا اختاره المصنف ﵀، وقوله: (أو تحقيق لضلالهم (أي تأكيد له لأنّ الخذلان يستلزم الضلالة والجملة مستأنفة ولم يسند الإضلال إليه تعالى وان كان هو الفاعل له تعليماً للأدب. قوله: (يدل على أنّ الكاقر المخطئ الخ) وجه الدلالة أنه ذكر أوّلاً من وإلى الشياطين عادلاً عن الله وهم المعاندون ثم ذمّ من ظن منهم أنّ ما هو عليه حق وهدى، وهو المخطئ، فلا يرد عليه أنّ من حسب أنه مهتد كيف يكون معاندا فيتكلف جوابه، وقيل إن من حقت عليه الضلالة في مقابلة من هداه الله وهو شامل للمعاند والمخطئ فقوله ويحسبون الخ من قبيل بنو فلان قتلوا قتيلاً. قوله: (وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر) قيل
стр. 1246
إنّ معناه أنّ من فرق بين الكافر المخطئ والمعاند في استحقاق الذمّ بقول المراد بالضمير في أنهم اتخذوا الكافر المقصر في النظر وهم الذين حق عليهم الضلالة وأما الذين اجتهدوا وبذلوا الوسع فمعذورون كما هو مذهب البعض، وقيل إنه يعني أنه يحمل قوله ويحسبون على المقصر في النظر تقليدا صرفا غير مبالغ في النظر فإنّ خلافه ليس إلا المجتهد المبالغ فيه، وفيه إن الاختلاف إنما هو في خلوده في النار، وفي استلزام الذمّ المذكور إياه فليحرّر. قوله: (ثيابكم لمواراة عورتكم) وفي نسخة عوراتكم بالجمع يعني المراد بالزينة ما يستر العورة لأنه
اللازم المأمور به، ولذا قال ومن السنة بيانا لوجه تفسيره به دون لباس التجمل المتبادر منه لأنّ المستفاد من خذوا هو وجوب الأخذ ولباس التجمل مسنون، ولا يصح أن يكون مراده أن هذا الأمر يحتمل الندب لأنّ قوله وفيه دليل الخ ينافيه، وقيل إنّ الآية لما دلت على وجوب أخذ الزينة بستر العورة في الصلاة فهم منها في الجملة حسن التزين بلبس ما فيه حسن وجمال فيها ولهذا قال: ومن السنة الخ وهذا يؤخذ من تعبيره بالزينة، وقوله: عند كل مسجد لا يأتي على الحمل على وجوب المواراة عند الطواف لأنه مخصوص بالمسجد الحرام حتى يحمل عمومه على كل بقعة منه كما قيل وقوله روي الخ بيان لوجه ذكر الأكل والشرب هنا، وقوله بتحريم الحلال هو المناسب لسبب النزول المذكور فالإسراف تجاوز عن الحد مطلقا سواء كان في فعل أو ترك والشره بالراء المهملة الحرص. قوله: (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخ (حديث صحيح أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وقوله كل ما شئت والبس ما شئت أي مما هو حلال وهذا لا ينافي ما ذكره الثعالبي وغيره من الأدباء إنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ويلبس ما يشتهيه الناس كما قيل:
نصيحة نصب قالت بها ا! ياس
كل ما اوثم! تهيت والبسن ها تثتهيه ا! اس
فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس وهذا الإباحة كل ما اعتادوه، والمخيلة الكبر وما دوامية زمانية، وأخطأتك من قولهم أخطأ فلان كذا إذا عدمه، وفي الأساس من المجاز لن يخطئك ما كتب لك، وأخطأ المطر الأرض لم يصبها وتخطأت النبل تجاوزته. قوله: (قد جمع الله الطب في نصف آية الخ) في الكشاف يحكي أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعليّ بن الحسين بن واقد ﵃ ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه قال وما هي قال
قوله تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ فقال النصراني ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب فقال قد جمع رسولنا ﷺ في ألفاظ يسيرة قال وما هي قال قوله ﷺ : " المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأعط كل بدن ما عوّدته " فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا وترك المصنف ﵀ تمام القصة لأنّ في ثبوت هذا الحديث كلاما للمحدّثين وفي شعب الإيمان للبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم " وقد شرحه الطيبي فإن أردته فراجعه وفسر المحبة بالارتضاء لما مرّ وقوله من النبات الخ عمم في تفسيره لأنّ تخصيصه يغني عنه ما مرّ والمستلذات تفسير للطيبات وفسرت بالحلال أيضا، وقوله من المآكل والمشارب تفسير للرزق وكون الأصل في الأشياء الحل أو الحرمة مما اختلف فيه في أصول الفقه ووجه الدلالة ظاهر وقوله للإنكار أي لإنكار تحريمها على وجه بليغ لأنّ إنكار الفاعل يوجب إنكار الفعل لعدمه بدونه. قوله: (والكفرة و! ! شاركوهم الخ) بيان لوجه الاختصاص المستفاد من اللام مع أنها أحلت للكفرة أيضاً كما يدل عليه خالصة يوم القيامة فإنه يشعر بالمشاركة في الدنيا، وقيل إنه متعلق بآمنوا فلا يحتاج إلى توجيه. قوله: (وانتصابها على الحال الخ) هو حال من الضمير المستتر في الجارّ والمجرور والعامل فيه متعلقه، وعلى قراءة الرفع هو خبر بعد خبر أو هو الخبر وللذين متعلق به قدم لتأكيد الخلوص، والاختصاص وقوله كتفصيلنا الخ ويجوز أن يكون على حدّ قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أسورة البفرة، الآية: ١٤٣] كما مرّ تحقيقه. قوله:
стр. 1247
(ما تزايد قبحه الخ) يعني الفحش زيادة القبح وما يتعلق بالفروج هو الزنا أو يعمّ الملامسة والمعانقة، وقوله: جهرها وسرّها روي عن ابن عباس ﵄ أنهم كانوا يكرهون الزنا علانية ويفعلونه سرّاً فنهاهم الله مطلقاً، وقال الضحاك: ما ظهر الخمر وما بطن الزنا، وقيل الفواحش الكبائر مطلقاً. قوله: (وما يوجب الإثم تعميم بعد تخصيص وقيل شرب الخمر) أصل معنى الإثم الذم فأطلق على ما يوجبه من مطلق الذنب وذكره للتعميم بعد التخصيص بما مرّ من معنى الفواحش، وقيل إن الإثم هو الخمر قال الثاعر:
نهانا ريسول الله أن نقر الزنا وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا
وهو منقول عن ابن عباس رضمي الله عنهما والحسن البصري، وذكره أهل اللغة
كالأصمعي وغيره قال! الحسن: ويصدّقه قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٩] وقال ابن الأنباري: لم تسم العرب الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام والشعر المذكور موضوع، وردّ بأنه مجاز لأنها سببه، وقال أبو حيان ﵀: إنّ هذا لتفسير غير صحيح هنا أيضا لأن السورة مكية، ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد وقد سبقه إلى هذا غيره وأيضا الحصر حيحئذ يحتاج إلى التأويل. قوله: (الظلم أو الكبر) أفرده بالذكر للمبالغة بناء على التعميم فيما قبله أو دخوله في الفواحش لأن تخصيصه بالذكر يقتضي أنه تميز من بينها حتى عد نوعا مستقلاً. قوله: (متعلق بالبني مؤكد له الأن البغي لا يكون إلا بغير حق أو حال مؤكدة لأن الحال يتعلق معناها بصاحبها لأنها صفة معنى وقوله معنى راجع إلى قوله مؤكد، ويصح صرفه لما قبله من التعلق والتأكيد. قوله: (تهكم بالمشركين الخ الأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره، قيل في الانتصاف قياسه أن يكون كقوله:
على لا حب لا يهتدي بمناره
(قلت) هذا هو الحق لأن المعنى حرّم ربي أن يشركوا به شركاء لا ثبوت لها وما أنزل الله لإشراكها سلطاناً فبالغ في نفي الشريك بنفي لازمه لينتفي ملزومه بالطريق البرهاني، اهـ ورد بأنّ التهكم إنما جاء من حيث إنه يوهم أنه لو كان عليه سلطان لم يكن محرّما دلالة على تقليدهم في الغي والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معا على الوجه الأبلغ على أسلوب ولا ترى الضب بها ينحجر.
كما صرّحوا به في تفسير قوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٥١ ا] ومنه يظهر أن لا منع من الجمع يعني بين التهكم والأسلوب المذكور كما توهمه ذلك القائل ومنه تعلم أن الكلام التهكمي لا يلزم أن يكون من استعارة التضادّ كما توهم، وفي قوله وتنبيه نظر. قوله: (بالإلحاد في صفاته) أي العدول عما وصف به من الوحدة إلى غيره من اتخاذ الشريك كما يدل عليه ما قبله. قوله: (مدّة أو وقت لنزول العذاب الخ) أي الأجل المدة المعينة للشيء كالدين والموت وآخر تلك المدة وقد اشتهر في المدة المضروبة لحياة الإنسان والمراد هنا مدة أمهلوها لنزول العذاب أو وقت نزوله المعين له، كما نقل عن الحسن وابن عباس ﵄ ومقاتل، وذهب بعضهم إلى أنه وقت الموت والتقدير ولكل أحد من أمّة وعلى الأول لا حاجة إلى تقدير فيه لأن المراد لكل أمة زمان معين
لإهلاكهم وانقراضهم فإنه ليس المراد بالأجل فيه العمر والا لقال لكل واحد بل أجل عذاب الاستثصال فإنه تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين إذا جاء ذلك الوقت نزل بهم العذاب، ولذلك تال إنه وعيد لأهل مكة، وقال ابن جني: قراءة الجمع على الظاهر لأن لكل إنسان أجلاً وأما إفراده فلقصد الجنسية والجنس من قبيل المصدر وأيضا حسن الإفراد لإضافته إلى الجماعة ومعلوم أنّ لكل إنسان أجلاً، وقوله انقرضت مدّتهم أي انقطعت وتمت مدة إمهالهم بمجيء آخرها فمجيء الأجل مجاز عن تمامه وهو على تفسيره بالمدة أو جاء بمعنى حان أي قرب وجاء حينه والأجل وقت نزول العذاب على التف ير الثاني ولإضافة في قوله وقتهم لأدنى ملابسة. قوله: (أي لا يتأخرون ولا يتقدّمون أقصر وقت الخ (لما كان الظاهر عطف لا يستقدمون على لا يستأخرون كما أعربه الحوفي وغيره أورد عليه أنه فاسد لأنّ إذا إنما يترتب عليها الأمور المستقبلة له الماضية والاستقدام حينئذ بالنسبة إلى محل الأجل متقدم عليه فكيف يترتب عليه ما تقدمه ويصير من باب الإخبار بالضروري الذي لا فائدة فيه كقولك إذا قمت فيما يأتي لم يتقدم قيامك
стр. 1248
فيما مضى، وأجاب عنه الواحدي بأنه على المقاربة والعرب تقول جاء الثتاء إذ قرب فالمعنى أنها إذا أقربت لا تتقدم على وقتها المعين ولا تتأخر عته إلا أنه ليس تحته طائل وقيل إن جملة ولا يستقدمون مستأنفة، وقيل إنها معطوفة على الشرط وجوابه أو على القيد والمقيد، وقيل إنّ المقصود المبالغة في انتفاء التأخير يعني أنّ التأخير مساو للتقديم في الاستحالة ولذا نظمه معه في سلك أو أن مجموع لا يستأخرون ولا يستقدمون كناية عن أنهم لا يستطيعون تغييره، ويؤخذ من قوله لشدة الهول أنهم لذهولهم لم يفرقوا بين طلب المحال وغيره، فهو عبارة عن ذهولهم عن الطلب مطلقا وهو جواب آخر مع الإشارة إلى أن الاستفعال بمعنى التفعل أو على ظاهره ونفي طلبه أبلغ من نفيه، وقال النحرير: في شرح المفتاح القيد إذا جعل جزءاً من المعطوف عليه لم يشاركه المعطوف فيه كما هنا فإنّ الظرف مخصوص بالمعطوف عليه إذ لا معنى لقولهم: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ا! وقد ذكروا أنه إذا عطف شيء على شيء وسبقه قيد يشارك المعطوف المعطوف عليه في ذلك القيد لا محالة وأما إذا عطف على ما لحقه قيد فالشركة محتملة فالعطف على المقيد له اعتبار أن أحدهما أن يكون القيد سابقا في الاعتبار والعطف لاحقا في الاعتبار، والثاني أن يكون العطف سابقا والقيد لاحقا فعلى الأوّل لا يلزم اشتراك المعطوفين في القيد المذكور إذ القيد جزء من أجزاء المعطوف عليه وعلى الثاني يجب الاشتراك إذ هو حكم من أحكام الأوّل يجب فيه الاشتراك وقوله أقصر وقت إشارة إلى أنّ الساعة ليست عبارة عن التحديد حتى يجوز أن يتأخروا أقل منها بل عبارة عن أقل مدة مطلقا وتد وقع هذا التركيب في مواضع ودخلت الفاء فيه على إذا إلا في سورة يونس والموضع موضع الفاء فليتأمل. قوله: (ذكره بحرف الشك الخ)
إرسال الرسل لهداية البشر واقع وليس بواجب عندنا، وقالت الفلاسفة إنه واجب على الله لأنه يجب عليه تعالى أن يفعل الأصلح، وهم يسمون أهل التعليم، والمراد ببني آدم جميع الأمم وهو حكاية لما وقع مع كل قوم وليس المراد بالرسل نبينا ﷺ وببني آدم أمته كما قيل فإنه خلاف الظاهر. قوله: (وضمت إليها ما الخ) ما مزيدة للتأكيد وقيل إنها تفيد العموم أيضا فمعنى أما تفعلن إن اتفق منك فعل بوجه من الوجوه، وإذا زيدت إلى أنّ الشرطية فهل يلزم تأكيد الفعل بعدها أولاً فيه خلاف فقال الزجاج: والمبرد وتبعهما الزمخشري إنها لازمة لا تحذف إلا ضرورة ورد بكثرة سماع خلافه كقوله:
فأمّا تريني ولي لمة فإنّ الحوادث أودى بها
ولذا لم يصرح المصنف رحمه الله تعالى به، فقيل لزوم التأكيد لئلا تنحط رتبة فعل الشرط عن حرفه، ثم إنه قيل إنّ المذكور في النحو أن نون التوكيد لا تدخل الفعل المستقبل المحض إلا بعد أن يدخل على أول الفعل ما يدل على التأكيد كلام القسم نحو والله لأضربن أو ما المزيدة نحو أما تفعلن ليكون ذلك توطئة لدخول اكأكيد فعلى هذا يكون أمر الاستتباع عكس ما قاله المصنف رحمه الله تعالى، وليس كما قال فإنها تدخل في النهي والتخضيض والعرض والتمني، وقوله: (فمن اتقى) جوايه ومن إما شرطية أو موصولة وإلى الثاني ذهب المصنف ﵀ لعطف الموصول عليه، وأشار بقوله اتقي التكذيب إلى تقدير المفعول، وتقدير منكم ليرتبط الجواب بالشرط معنى. قوله: (وإدخال الفاء في الخبر الآول الخ) في نسخة الجزاء بدل الخبر، فمن أما موصولة وبؤيده عدم الفاء فيما بعده أو شرطية والاسمية بعدها معطوفة على الشرطية الجوابية، والمعنى لا خوف عليهم من العقاب، ولا هم يحزنون لفوات الثواب ولا ينافيه أهوال القيامة، ووجه المبالغة في الوعد لعدم تخلفه جعله مسببا عن التقوى، والعمل الصالح المشعر بأنه لا ينفك عنه إذ المعلول لا يتخلف عن العلة غالبا بخلاف الوعيد فإنه يجوز تخلفه، ومن في فمن أظلم للاستفهام الإنكاري والتقول تعمد الكذب مطلقا. قوله:) مما كتب لهم من الأرزاق والآجال الخ) أي من ظلمهم وافترائهم وتكذيبهم لا يحرمون ما قدر لهم من الرزق والعمر إلى انقضاء آجالهم، وقوله مما كتب أي قدروا الكتاب بمعنى المكتوب فليس فيه مجاز فإن كان الكتاب بمعنى المكتوب فنه وهو اللوح
стр. 1249
المحفوظ ففيه مجاز عقلي أو لغوي،
ومن لابتداء الغاية وجوز فيها التبيين والتبعيض، وقوله: يتوفون أرواحهم لأن التوفي تناول الشيء وقبضه وافياً والتوفي يضاف إلى الله كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [سورة الزمر، الآية: ٤٢] ويضاف إلى الملائكة، وهو المراد بالرسل عليهم الصلاة والسلام. قوله: (وحتى غاية لنيلهم الخ) أي غاية للنيل وحرف ابتداء أي غير جارّة بل داخلة على الجملة كما في قوله:
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
وقيل إنها جارة وقيل لا دلالة لها على الغاية والصحيح ما قدمناه وتفصيله في الدر المصون. قوله: (وما صلت بأين الخ) أي رسمت في المصحف العثماني، وهي اسم موصولة لا صلة زائدة حتى تتصل به في الخط لكنه على خلاف القياس، وفي قوله الفصل وموصولة لطف لصنعة الطباق البديعية ومعنى تدعون تستغيثون بهم في المهمات. قوله: (غابوا عنا) جواب بحسب المعنى إذ مآله لا ندري أين هم أو هو ليس بجواب إذ السؤال غير حقيقي بل للتوبيخ فلا جواب وما ذكر إنما هو للتحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران. قوله: (وشهدوا على أنفسهم الخ) شهدوا يحتمل أن يكون معطوفا على قالوا فيكون من جملة جواب السؤال، ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله تعالى بإقرارهم على أنفسهم بالكفر كذا في البحر، وأورد عليه أنه إذا عطف على قالوا لا يكون جوابا إذ لو كان جوابا لكان من مقولهم ولو عطف على المقول كان تقديره قالوا شهدنا على أنفسنا إلا أن يكون ذكراً له بمعناه فتأمل ولا تعارض بين هذا، وبين قوله والله ربنا ما كنا مشركين لأنه من طوائف مختلفة أو في مواقف وأوقات مختلفة أو أنه لحيرتهم كما مز في الأنعام، وأوّل الشهادة بالاعتراف لأنها إما للغير أو على الغير لكنها التلفظ بما يتحققه الشاهد فتجوز به عن ذلك وليس في النظم ما يدل على أنّ اعترافهم بلفظ الشهادة، وقوله ضالين تفسير له بحسب المعنى لأنّ الكافر ضال مع مناسبته لقوله ضلوا عنا. قوله: (أي قال الله تعالى لهم الخ) التفسير الأوّل بناء على جواز أنه تعالى يكلمهم بغير واسطة والثاني على خلافه. قوله: (أي كائنين في جملة أمم مصاحبين دهم (قيل لو قال حال أو مصاحبين كان أولى لأنّ في للظرفية، وتجيء بمعنى مع نحو فادخلي في
عبادي فلا وجه للجمع وليس بشيء لأنه إشارة إلى أنّ الطرفية مجازية معناها المصاحبة ولذا جمع في الكشاف بينهما فهو بيان لمحصل المعنى، وقوله كائنين إشارة إلى أنه حال لئلا يتعلق حرفا جر بمعنى بمتعلق واحد حتى يحمل الثاني على البدلية أو أنه صفة أمم، وقوله من النوعين يدل على أنّ الجن يثابون ويعاقبون لأنهم مكلفون كالإنس. قوله: (التي ضلت بالاقتداء بها) أي كلما دخلت أمة تابعة أو متبوعة لعنت التابعة المتبوعة التي أضلتها، والمتبوعة التابعة التي زادت في ضلالها على ما أشار إليه في الكشاف في تفسير قوله لكل ضعف فلا يلزم التسلسل كما توهم. قوله: (ادّاركوا فيها جميعاً أي تداركوا) غاية لما قبله أي يدخلون فوجا فوجا عنا بعضهم بعضاً إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار، وقول المصنف ﵀ تداركوا تفسير له ببيان أصله إذ أصله تداركوا فأدغمت التاء في الدال بعد قلبها دالاً وتسكينها ثم إجتلبت همزة الوصل، وقوله تلاحقوا بيان لمعناه أي لحق بعضهم بعضاً وأدركه وعن أبي عمرو ﵀ أنه قرأ ادّراكوا بقطع ألف الوصل قال ابن جني: وهو مشكل لأنه إنما يجيء شاذاً في ضرورة الشعر في الاسم أيضا لكنه وقف مثل وقفة المستذكر ثم ابتدأ فقطع وهو تنبيه حسن. قوله: (أخراهم دخولاً أو منزلة) قال المعرب؟ أخرى وأولى يحتمل أن يكونا فعلى أنثى أفعل التفضيل والمعنى أخراهم منزلة وهم الأتباع والسفلة لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء وهو الوجه الثاني في كلام المصنف ﵀ الذي بينه بقوله منزلة، ويحتمل أن يكونا أنثى آخر بكسر الخاء بمعنى آخر المقابل للأوّل وليس للمفاضلة والفرق بينه وبين ذاك أن الثاني يدل على الانتهاء دون الأوّل ولا يجوز فيه أن يكون بمعنى غير والي الوجه الثاني أشار المصنف ﵀ بقوله دخو لاً قيل والثاني أرجح لأنّ تقدم أحد الفريقين على الآخر في الدخول يحتاج إلى إثبات (قلت) هو مرويّ عن مقاتل ﵀ وكفى به سنداً. قوله: (أي لأجل أولاهم) أي اللام للتعليل لا للتبليغ كما في قولك قلت لزيد افعل كذا لأنّ خطابهم مع الله تعالى لا معهم
стр. 1250
قال الزجاج ﵀ المعنى وقالت أخراهم يا ربنا هؤلاء أضلونا لأجل أولاهم وأما لام أولاهم لأخراهم فيجوز فيها أن تكون للتبليغ لأن خطابهم معهم بدليل قوله: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٣٩] قاله المعرب. قوله: (سنوا فا الضلال فاقتدينا بهم) فسره بأنهم سنوا لهم الضلال ليشمل الجميع لأنّ حقيقة الإضلال الدعوة إلى الضلال وهو يقتضي ملاقاتهم لهم وليس بلازم ومن فسره بدعونا إلى الضلال وأمرونا به أراد هذا أيضاً لأن من سن سنة سيئة فقد دعا إليها وأمر بها في التقديو، وكذا قوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣٣] وقيل إنه قول البعض وله
وجه. قوله: (مضاعفاً لآنهم ضلوا وأضلوا) قال أبو عبيد الضعف مثل الشيء مرّة واحدة وقال الأزهري: ما قاله هو ما تستعمله الناس في مجاز كلامهم، وقال الشافعي ﵁ قريبا منه فيما لو أوصى بضعف ما لولده والوصايا جارية على عرف الاستعمال، وأما كلام الله تعالى فيرذ إلى كلام العرب، والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد ولا يقتصر على مثلين بل هو غير محصور، ولذا فسروه هنا بمضاعف وقد مرّ له تفصيل وضعفا صفة لعذابا، ويجوز أن يكون بدلاً منه ومن النار صفة العذاب أو الضعف. قوله:) أما القادة فبكفرهم الخ) القادة جمع قائد أي الرئيس المتبوع وهو في الجمع كسادة وفيه كلام في النحو، وقوله بكفرهم وتقليدهم في الكشاف لأنّ كلا من القادة والأتباع كانوا ضالين مضلين، أما الأوّل فظاهر، وأما الثاني فلأنّ القادة زادوا باتباعهم لهم طغيانا وثباتا على الضلال وقوّة على الإضلال كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [سورة الجن، الآية: ٦] قيل ولا يخفى عدم اطراده فإن اتباع كثير من الأتباع غير معلوم للقادة إلا أن يقال إنه مخصوص ببعضهم ولذا قيل الأحسن أن يقال إنّ ضعف الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولى الرؤساء والمتبوعين لينالوا عرض! الدنيا اتباعا للهوى ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣٢] وفيه نظر وكلام المصنف ﵀ يحتمل أن يكون التقليد في الهوى ضلالاً آخر يستحقون به المضاعفة فلا يرد عليه ما ذكر. قوله: (ما لكم أو ما لكل فريق وقرأ عاصم ﵀ بالياء على الانفصال) الظاهر أنّ المراد من الانفصال انفصال هذا الكلام عما قبله بأن يكون تذييلا لم يقصد به إدارجه في الجواب حتى يكون خطابا لهم وقيل معناه انفصال القادة من الاتباع بخلاف قراءة التاء فإنها للفريقين بتغليب المخاطبين الذين هم الاتباع على الغيب الذين هم القادة إذ على قراءة عاصم لا يمكن القول بالتغليب إذ لا يغلب الغائب على المخاطب، وفيه أنّ قول المصنف لا يعلمون مالكم إشارة إلى أنّ الخطاب للاتباع من غير تغليب، وقوله أو ما لكل فريق إشارة إلى التغليب فتأمل قيل لكن، ولا تعلمون من جملة مقول القول، ولكل ضعف يلقى إلى الاتباع لأنه جواب قولهم فآتهم الخ فإذا قرىء لا تعلمون بالخطاب يكون موجها إليهم، وإذا قرئ بالغيبة يكون منفصلاً غير ملقى إليهم وهذا ما أشرنا إليه أوّلاً وتضعيف العذاب للضلال والإضلال فلا يكون زيادة على ما استحقوه حتى يكون ظلما مع أنه لا يسئل عما يفعل. قوله: (عطفوا كلامهم على جواب الله الخ) المراد بالعطف في كلامه العطف الواقع بالفاء في قوله فما كان الخ، ولذا قال شراح الكشاف: إنّ معناه ترتيبه عليه لا العطف الاصطلاحي فقوله ورتبوه تفسير له لأنه جواب
شرط مقدّر لأنهم رتبوا كلامهم على كلام الله تعالى على وجه التسبب لأن إخبار الله تعالى بقوله لكل ضعف سبب لعلمهم بالمساواة حملهم على أن يقولوا وإذا كان كذلك فقد ثبت أنه لا فضل لكم علينا في استحقاق الضعف وقيل إنها عاطفة على مقدّر أي دعوتم الله فسوّى بيننا وبينكم فما كان الخ وفيه تأمّل. قوله:) من قول القادة أو من قول الفريقين) كذا في أكثر النسخ وفي بعضها، أو من قول الله للفريقين وهي أظهر من الأولى لأنه إذا قالته الأولى للأخرى على سبيل التشفي يكون من مقول، القول الأخير وهو تثف بأنّ دعاءهم عاد عليهم ضررة، ولم يختص بمن دعوا عليه وإذا كان من كلام الله تعالى لهما يكون توبيخا وأما إذا كان من مقول الفريقين فيحتاج إلى تقدير أي قالت كل فرقة للأخرى ذوقوأ الخ والباء
стр. 1251
سببية، وما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وأشار بقوله عن الإبمان بها إلى أنّ الاستكئار عنها الإباء عن الإيمان بها مجازاً. قوله: (لا دعيتهم وأعمالهم الخ) كون السماء لها أبواب وانها تفتح للدعاء الصالح وللأعمال الصاعدة وللأرواح، وارد في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فلا حاجة إلى تأويل وفسر فتح أبوابها بإنزال البركة والأمطار والرحمة عليهم أيضا والتضعيف لتكثير المفعول لا الفعل لعدم مناسبة المقام، واسناد الفتح إلى الآيات مجاز لأنها سبب ذلك. قوله: (أي حتى يدخل ما هو مثل في عظم الخ) سمّ الخياط ثقب الإبرة لأن السم بتثليث السين الثقب الصغير مطلقاً، وقيل أصله ما كان في عضو كأنف وأذن، والخياط فعال ما يخاط به كالمخيط بكسر الميم وفتحها وهذا دفع لما قيل إنه لا يناسب الجمل خرق الإبرة، فلذا فسر بالحبل العظيم لمناسبته للمقام يعني أنّ الجمل يضرب به المثل في عظم الجسم قديما كما قال:
جسم الجمال وأحلام العصافير
وخرق الإبرة يضرب به المثل أيضا في الضيق فيكون قد علق دخولهم الجنة على دخول
أعظم الأجرام في أضيق المنافذ كقوله:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي
وهو معروف في كلام العرب، ولذلك قال الشاعر:
ولوأنّ ما بي من جوى وصبابة على جمل لم يدخل الناركافر
وقوله وقرئ الجمل الخ أي بضم الجيم وفتح الميم المشددة، وبفتحها مخففة كنغر بضم
النون وفتح الغين المعجمة والراء المهملة وهو نوع من كبار العصافير أحمر المنقار، والنصب بضم النون والصاد والقنب بكر القاف وضمها وتشديد النون المفتوحة والباء الموحدة نوع من غليظ الكتان تتخذ منه الحبال، وحبل السفينة يكون منه ومن الليف، وقوله: (وستم) معطوف على الجمل أي وقرئ سم وكذا قوله وفي سم المخيط معطوف عليه وهو بكسر الميم وفتحها كما ذكره المعرب، وهي قراءة شاذة وقوله وهو الحبل تفسير للغات الخمسة. قوله: (ومثل ذلك الجزاء الفظيع الخ) إشارة إلى أنّ الجار والمجرور نعت مصدر محذوف والفظيع الثنغ وهو الخلود في النار كما يفسره ما بعده، وتفسير الكواشي للاربعة الأخيرة بالبعير ليس بشيء كما قاله بعض الفضلاء وجملة لهم الخ إمّا مستأنفة أو حالية ومهاد كفراش لفظا ومعنى فاعل الظرف أو مبتدأ ومن جهنم حال من مهاد لتقدّمه. قوله: (غواش الخ) جمع غاشية وهي ما يغشى به ومنه غاشية السرج المعروفة، وللنحاة في مثله خلاف فقيل هو غير منصرف لأنه على صيغة منتهى المجموع والتنوين عوض! عن الحرف المحذوف أو حركته والكسرة ليست للإعراب، وهذا لا يختص بصيغة الجمع بل يجري في كل منقوص غير منصرف كيعيل تصغيريعلى، وبعض العرب يعربه بالحركات الظاهرة على ما قبل الياء لجعلها محذوف نسيا منسيا، ولذا قرئ غواس برفع الشين وله الجوار المنشآت بضم الراء. قوله: (عبر عنهم بالمجرمين تارة الخ) يعني ذكر الخاص الذي هو الظلم بعد ذكر الجرم العام، وذكر معه التعذيب بالنار الذي هو أشد من الحرمان من الجنة لما ذكر ووضع الظالمين موضع ضمير المجرمين، وهما بمعنى للتنبيه على جمع الصفتين، وقد قيل بتغايرهما أيضا. قوله:) على عادته الخ (يشفع بمعنى يقرنه به ويجعله به شفعا، ولا نكلف معترضة وهو الظاهر وقيل إنها خبر بتقدير العائد أي منهم
وقوله في اكتساب النعيم النعيم مأخوذ من الجنة، لأن لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، والاكتساب إشارة إلى أنّ العمل الصالح سبب في الجملة، وإن لم يكن بطريق الإيجاب، والدليل على أنّ اكتسابه بذاك أنه رتب الحكم على الموصول والصلة سيما مع توسط اسم الإشارة، وإذا علم أن مبني التكليف على الوسع زادت الرغبة في ذلك الاكتساب لحصوله بما فيه يسر لا عسر لكنه نبه على أنه مع يسره لا يحصل إلا بالهداية والتوفيق وقوله: (يسهل) إشارة إلى ما قاله الإمام ونقله عن معاذ بن جبل ﵁ من أنّ الوسع ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمرّ فإن أقص الطاعة يسمى جهدا لا وسعا وغلط من ظن أنّ الوسع بذل المجهود. قوله: (نخرج من قلوبهم أسباب الغل أو نطهرها منه الخ) وفي نسخة ونطهرها بالواو وهي النسخة التي صححها بعض أرباب الحواشي لأنّ المراد
стр. 1252
منه ما يحصل لأهل الجنة من تصفية الطباع عن كدورات الدنيا ونزع الأحقاد الكامنة فيها، وقيل المراد بتطهير قلوبهم حفظها من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب بحيث لا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب الرفيعة لإزالة الشهوات، وقد جوّزه في الحجر ولك أن تحمله عليه فتأمل.
قوله:) وعن علئ كرم الله وجهه أتي الخ) هذا يدلّ على أنه كان ذلك بمقتضى الطباع البشرية فيهم لكته نزع بتوفيق الله، وقيل الأولى أن يراد عدم اتصافهم بذلك من أوّل الأمر، وما وقع إنما كان عن اجتهاد لإعلاء كلمة الله وخص هؤلاء لما جرى في خلافة عثمان ﵁ بينهما ومحاربة طلحة والزبير ﵄ في وقعة الجمل، وهذا حديث أخرجه ابن سعد والطبرفي من رواية معمر عن قتادة كلاهما عن عليّ رضي الله عته بسند منقطع وأخرجه ابن أبي شيبة عن ربعيّ بسند متصل كما قاله ابن حجر ﵀. قوله: (لما جزاؤه هذا الخ (ليس تقدير إعراب بل بيان لحاصل المعنى، وان كان قوله في الكشاف لموجب هذا يحتملهما والمراد أن في الكلام تجوزا عقليا أو لغويا بجعل الهداية لما أدى إليها هداية له. قوله: (واللام لتوكيد النفي الخ) هذه هي اللام التي تسمى لام الجحود وتزاد بعد كان المنفية للتأكيد، وتفصيلها مذكور في النحو، ولم يجعل الجواب ما قبله لامتناع تقدمه على الصحيح، والواو حالية أو استئنافية، وعلى قراءة إسقاط الواو فالجملة بيانية، وهو ظاهر. قوله:) يقولون ذلك اغتباطاً وتبجحا الخ) أي من قوله الحمد لله إلى هنا فلا يرد عليه ما قيل إنه لا يلائم قوله
فاهتدينا بإرشادهم فإنّ المقصود بالجملة القسمية على هذا بيان صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في وعدهم بالجنة لا تعليل الاهتداء فتأمل، والاغتباط بالغين المعجمة السرور وأن يصير الشخص بحال يغتبط فيها كما في تاج المصادر والتبجح بتقديم الجيم على الحاء المهملة الفرج فليس قولهم ذلك إلا لإظهار ما ذكر لا للتعبد والتقرب لأنّ الجنة ليست دار تكليف وعبادة كما قيل. قوله: " ذا رأوها من بعيد أو بعد الخ) يعني الإشارة بتلك الموضوعة للإشارة إلى البعيد لها قبل دخولها والنداء للإعلام بأنها موروثة لهم وبعد الدخرل المشار إليه كونها موروثة لهم وتلكم توطئة لذلك والا فلا حاجة إلى الإشارة إلى مكان حل فيه أحد كما أنه لا حاجة إلى كون التقدير تلكم الجنة التي وعدتم بها في الدنيا هي هذه فيكون المشار إليه غائباً بعيدا فتلكم خبر مبتدأ محذوف أي هذه تلكم الجنة الموعودة لكم قبل، أو تلكم مبتدأ حذف خبره أي تلكم الجنة التي أخبرتم عنها أو وعدتم بها في الدنيا هي هذه، وقوله والمنادى مبتدأ خبره أورثتموها، وقوله: (بالذات) أي ما نودي به وتصد إعلامه كونها موروثة وان كان بحسب الظاهر تلكم الجنة. قوله:) أي أعطيتموها بسبب أعمالكم الخ) يعني أنّ الميراث مجاز عن الإعطاء وتجوّز به عته إشارة إلى أنّ السبب فيه ليس موجباً وان كان سببا بحسب الظاهر كما أن الإرث ملك بدون كسب وإن كان النسب مثلا سببا له، فلا يرد على قوله بسبب أعمالكم إنه يعارض! قوله: " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " إ أ (إذ المراد بسبب عمله السبب التام، فلا يحتاج إلى الجواب عنه ولا أن يقال الباء للعوض لا للسبب وفيه تفصيل لعل التوبة تفضي إليه، وهذا تنجيز للوعد بإثابة المطيع لا بالاستحقاق والاستيجاب بل هو بمحض فضله تعالى كالإرث. قوله: (وأن في المواقع الخمسة هي المخففة الخ (هي أن تلكم وأن وجدنا وأن لعنة الله وأن سلام عليكم، وأن أفيضوا وإذا كانت مخففة فحرف الجر مقدر أي بأن واسمها ضمير شأن مقدر أي بأنه تلكم كذا قدره الزمخشري، وفيه إشارة كما صرحوا به إلى أن ضمير الشأن لا يجب أن يؤنث إذا كان المسند إليه في الجملة المفسرة مؤنثاً وبه صرح ابن الحاجب وابن مالك فهو أمر استحسانيّ، فلا عبرة بما وقع في التلخيص مما يخالفه وقوله لأنّ المناداة الخ يؤخذ منه شرط، أن المفسرة وهي سبق ما فيه معنى القول دون حروفه. قوله: (إنما قالوه تبجحاً
بحالهم وشماتة الخ) التبجح الافتخار والشماتة الفرج بمصيبة العدوّ والتحسير الإيقاع في الحسرة والندم، ويصح إعجامه أي نسبتهم إلى الخسار. قوله: (د إنما لم يقل ما وعدكم الخ) في الكشاف حذف ذلك تخفيفاً لدلالة وعدنا عليه، ولقائل أن يقال أطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب
стр. 1253
والعقاب وسائر أحوال القيامة لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع، ولأن الموعود كله مما ساءهم وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم فأطلق لذلك يعني لم يذكر مفعولاه لأنّ المراد مطلق الموعود به سواء كان لهم أو لغيرهم فليس القصد إلى تخصيص موعود ولا موعود به ولو قيل كذلك لتقيد بما وعدوا به فلا يرد عليه ما قيل إنه لو ذكر المفعول على حسب ذكره في الأوّل فقيل فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا لكان الفعل مطلقا أيضا باعتبار الموعود به لأنه لم يذكر فيتناول كل موعود به من البعث والحساب والعقاب التي هي أنواع من جملتها التحسر على نعيم أهل الجنة فليس ذلك خاصاً بحذف المفعول الواقع على الموعودين فالوجه أن حذفه تخفيفا وايجازا واستغناء عنه بالأول ولا ما قيل إن الجواب لا يطابق سؤاله لأن المدعي حذف المفعول الأول وهو ضمير المخاطبين والجواب وقع بالمفعول الثاني الذي هو الحساب والعقاب وسائر الأحوال فهو إنما يناسب لو سئل عن حذف المفعول الثاني لا الأول. قوله: (لأنّ ما ساءهم من الموعود الخ (قيل لا خفاء في كون أصحاب الجنة مصدقين بالكل والكل مما يسرّهم فكان ينبغي أن يطلق وعدهم أيضاً فلا بد من حمله على الاكتفاء بالسابق لا على الإطلاق. قوله: (وهما لنتان (ولا عبرة بمن أنكر الكسر مع القراءة به واثبات أهل اللغة له، وصاحب الصور إسرافيل ﵊ وقوله بين الفريقين لا بين القائلين نعم كما قيل، ولا يرد أن الظاهر أن يقال بينهما لأنه غير متعين والكسر على إرادة القول مذهب البصريين بالتضمين أو التقدير، وعلى الحكاية بإذن لأنه في معنى القول فيجري مجراه مذهب الكوفيين، والتأذين المراد به النداء وهو إعلام بلعنة الله لهم أو ابتداء لعن. قوله: (صفة للظالمين مقرّرة (فلا يوقف بينهما وعلى القطع يصح الوقف، وإنما كانت صفة مقرّرة لأنّ الصدّ عن سبيل الله بمعنى الإعراض عنه لا منع الغير، وطلب ميلة لازم لكل ظالم شتكون الصفة مقرّرة مؤكدة بخلاف الصد بمعنى منع الغير، ولذا قيل صده عن كذا صرفه، ومنعه عنه
أي يمنعون الناس عن دين الله بالنهي عنه وادخال الشبه في دلائله ويبغونها عوجا أي يطلبون لها تأويلا وامالة إلى الباطل وصد عنه صدوداً أعرض! أي يصدون بأنفسهم عن دين الله ويعرضون عنه ويبغونها عوجا يطلبون إعوجاجها ويذئونها فلا يؤمنون بها، فعلى الأوّل يكون العوج بمعنى التعويج والإمالة، وعلى الثاني يكون على أصله وهو الميل والأوّل مختار النسفي، والثاني مختار القرطبي وهو الأظهر واليه ذهب المصنف رحمه الله تعالى فافهمه والفرق بين العوج والعوج يأتي تحقيقه في سورة الكهف وما لأهل اللغة فيه من الكلام ووجه الفرق بينهما. قوله: (أي بين الفريقين الخ (لأنّ الآية الأخرى تفسرها ولكنه لا يتعين وأثراهما سموم النار وروج الجنة. قوله: (أعراف الحجاب) أي أعاليه المراد شرا فإنه تشبيهاً لها بعرف الدابة والديك وهو معروف. وفي التفسير الآخر معناه أعلى موضع منه لأنه أشرف وأعرف مما انخفض منه وظاهر كلامه أنه حقيقة في هذا الوجه. قوله: (وهو السور الخ (للمفسرين في أصحاب الأعراف أقوال منها ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى وأشهرها الأوّل وقيل: هم أصحاب الفترة الذين لم يبذلوا دينهم، وقيل: أطفال المشركين. وفي النسخ هنا اختلاف ففي بعضها بأو في الجميع، وفي بعضها بالواو فيها وفي بعضها بأو في بعضها، والواو في بعض، وخيار المؤمنين وعلماؤهم بالرفع والجر. وقوله يرون في صورة الرجال لتوجيه إطلاق الرجال على الملائكة، وهم لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة. قوله: (بعلامتهم التي أعلمهم الله بها) أي جعلهم معلمين بها من العلامة. ويصح أن يكون من العلم والسيما العلامة من سام أو وسم فيعرفون أن من فيه سمة كذا من أهل الجنة، وغيره من أهل النار، والظاهر أنّ هذا قبل دخولهم الجنة أو النار إذ لا حاجة بعده للعلامة. وأما النداء والصرف فبعده، لكن ظاهر كلام المصنف فيما سيجيء أنّ الكل بعده، وأنّ قوله كبياض الوجه إشارة إلى قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ . قوله: (وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو تعليم الملالكة) أي أن كذا علامة الجنة، وكذا علامة النار، كما مرّ قيل وفي الحصر نظر وباء بسيماهم للملابسة. قوله: (أي إذا نظروا
الخ) بيان الحاصل المعنى لا أن في
стр. 1254
الكلام شرطاً مقدراً وفي الدرّ المصون أنه إشارة إلى أنه جزاء شرط محذوف، والداعي له مراعاة قوله وإذا صرفت أبصارهم. قوله: (حال من الواو) وفي الكشاف استئناف أو صفة رجال وضعف بالفصل. وقوله: (على الوجه الأوّل) أي في تفسير رجال الأعراف بمن حبس بين الجنة والنار. وأما على بقية الوجوه فهو حال من أصحاب الجنة لأنه لا يناسب قوله لم يدخلوها وهم يطمعون إلا أنه قيل إن يطمعون بمعنى يعلمون ويتيقنون وهو بهذا المعنى منقول عن أهل اللغة، وبه فسر قوله والذي أطمع أن يغفر لي أي أعلم أو يحرصون. وأمّا جملة وهم يطمعون فحال من واو لم يدخلوها بعد تسليط النفي أي كانوأ طامعين حال دخولهم الجنة لا قبله، فتأمل وتلقاء في الأصل مصدر وليس في المصادر تفعال بكسر التاء غير تلقاء وتبيان، ثم أستعمل ظرف مكان بمعنى جهة اللقاء والمقابلة فنصب على الظرفية. وفي قوله صرفت إشارة إلى أنهم لم يلتفتوا إلى جهة النار إلا مجبورين على ذلك لا باختيارهم، لأنّ مكان الشرّ محذور، ولذا استعاذوا منه وقوله من رؤساء الكفرة كأبي جهل بيان لقوله رجالاً. وما في ما أغنى استفهامية للتقريع والتوبيخ ويجوز أن تكون نافية، والجمع بمعنى الكثرة استعمال له في كماله، وعلى الثاني هو مصدر مفعوله مقدر وهو أنسب لعدم تكريره مع ما بعده. وما في ما كنتم مصدربة لعطفه على المصدر. قوله: (من تتمة قولهم الخ) فهو في محل نصب مفعول القول أيضا أي قالوا ما أغنى وقالوا أهؤلاء الخ. وجوّز فيه أن يكون جملة مستقلة غير داخلة في حيز القول، والمشار إليه على الأوّل هم أهل الجنة. والقائلون هم أهل الأعراف والمقول لهم أهل النار، والمعنى قال أهل الأعراف لأهل النار أهؤلاء الذين في الجنة اليوم هم الذين كنتم تحلفون أنهم لا يدخلونها وادخلوا الجنة بمعنى قالوا لهم أو قيل لهم ادخلوا الجنة وعلى الاستئناف اختلف في المشار إليه فقيل هم أهل الأعراف، والقائل ملك مأمور بذلك، والمقول له أهل النار وقيل المشار إليه أهل الجنة والقائل الملائكة والمقول له أهل النار، وقيل المشار إليهم هم أهل الأعراف وهم القائلون أيضا والمقول لهم الكفار وادخلوا الجنة من قول أهل الأعراف أيضا أي يرجعون فيخاطب بعضهم بعضا ولا ينالهم الخ جواب القسم. قوله: (أي فالتفتوا إلى أصحاب الجنة الخ (أي ومعنى ادخلوا دوموا فيها غير خائفين ولا محزونين، وقوله وهو أوفق للوجوه إلا خيرة هي تفسير
رجال بقوم علت درجاتهم الخ. لا بالمحبوسين في الأعراف لأنّ المناسب إدخالهم أنفسهم الجنة لا أمرهم غيرهم بالدخول فيها، وقيل موافقته للأول بتأويل ادخلوا نجدوموا على الدخول، ويحتمل أن يكون كونهم على الأعراف قبل دخول بعض أهل الجنة الجنة، وفيه تأمّل. وقوله: (بعد) متعلق بقيل، وقوله: (وقالوا لهم ما قالوا) أي من الاستعاذة والسلام. قوله: (وقيل لما عيروا الخ) عطف بحسب المعنى على قوله من تتمة قولهم، أي لما عير أصحاب الأعراف أصحاب النار أقسم أصحاب النار أنّ أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فقال الله تعالى أو بعض الملائكة خطابا لأهل النار أهؤلاء الذين أقسمتم بالله مشيرا إلى أصحاب الأعراف، ثم وجه الله تعالى خطابه إلى أصحاب الأعراف فقال ادخلوا الخ. فيكون هؤلاء متأنفا لا من تتمة قولهم للرجال وهو على الوجه الأوّل في تفسير رجال ولذا قابله به. قوله: (وقرئ ادخلوا ودخلوا) أي بالمزيد المجهول أو المجرّد المعلوم وحينئذ كان الظاهر لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فلذا قدر أنه مقول قول محذوف هو حال ليتجه الخطاب ويرتبط الكلام، وقرئ ادخلوا بامر المزيد للملائكة أيضا. قوله: (أي صبوه) فإن أصل معنى الفيض صبّ المائعات وقوله وهو دليل الخ أي لظاهر النظم ولفظ على وليس دليلاً قطعيا حتى يبحث فيه، وقوله من سائر الأشربة كاللبن فسره به ليتعلق به الإفاضة من غير تأوبل فإن فسر بالطعام يقدر للثاني عامل أو يؤول الأوّل بما يعمهما كألقوا أو يضمن ما يعمل في الثاني أو يجعل من المشاكلة كما عرف في العربية، وقوله: (علفتنا تبناً وماء باردا) تمامه:
حتى شتت همالة عيناها
قوله: (منعهما عنهم منع المحرم عن المكلف) يعني أنّ التحريم بمعنى المنع كما في
قوله:
حرام على عينيّ أن يطعما الكرى
لأنّ الدار ليست بدار تكليف فهو استعارة
стр. 1255
كما صرح به المصنف رحمه الله تعالى، ولو
جعل من قبيل المشعر جاز، ولكن الأوّل أبلغ والتصدية التصفيق كما مرّ والفرق بين اللهو واللعب مر تفصيله في الأنعام، فإن أردت فانظره. قوله: (نفعل بهم فعل الناسين) يعني أنه تمثيل فشبه معاملته تعالى مع هؤلاء بالمعاملة مع من لا يعتد به ويلتفت إليه، فينسى لأنّ النسيان لا يجوز على الله تعالى والنسيان يستعمل بمعنى الترك كثيراً في لسان العرب ويصح هنا أيضاً فيكون استعارة تحقيقية أو مجازاً مرسلاً، وكذا نسيانهم لقاء الله أيضا، لأنهم لم يكونوا ذاكري الله حتى ينسوه، فشبه عدم إخطارهم لقاء الله والقيامة ببالهم وقلة مبالاتهم بحال من عرف شيئاً ثم نسيه، وليست الكاف للتشبيه بل للتعليل، ولا مانع من التشبيه أيضا إلا قوله ما كانوا بآياتنا الخ. وقوله من العقائد الخ، أدرج القصص في المواعظ لأنّ السعيد من اتعظ بغيره. قوله: (عالمين بوجه تفصيله الخ) إشارة إلى انّ على علم وتنكيره للتعظيم حال من الفاعل وأنه يقتضي أنّ ما فعله محكما متقنا كما يفعل العالم بما يفعله، وحينئذ يقتضي أنه تعالى يعلم بصفة زائدة على الذات وهي صفة العلم لا عين ذاته كما يقوله الفلاسفة ومن ضاهاهم في ذلك، أو حال من المفعول. وقوله:) وقرئ فضلناه (أي بالضاد المعجمة وهي قراءة ابن محيصن، وقوله: (في هذه القراءة عالمين (إشارة إلى أنه حال من الفاعل على هذه القراءة لأنه أنسب وان جاز أن يكون حالأ من المفعول أيضا وفيه نظر فلعله اكتفى بأحد الوجهين ليعلم الآخر بالمقايسة، فتدبر. قوله: (حال من الهاء) وجوّز فيه أن يكون مفعولاً لأجله، وجوّز فيه أن يكون حالاً من الكتاب لتخصيصه بالوصف، وقرئ بالجرّ على البدلية من علم والرفع على إضمار المبتدأ. قوله: (يممظرون الخ (يعني النظر هنا بمعنى الانتظار لا بمعنى الرؤية، وقوله ما يؤول إليه أمره إشارة إلى أنّ التأويل بمعنى العاقبة وما يقع في الخارج، وهو أصل معناه ويطلق على التفسير أيضاً، والمعنى أنهم قبل وقوع ما هو محقق كالمنتظرين له لأنّ كل آت قريب فهم على شرف ملاقات ما وعدوا به فلا يقال كيف ينتظرونه مع جحدهم فإنهم وان جحدو. إلا أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم من حيث أنّ تلك الأحوال تأتيهم لا محالة، وما يقال إق
فيهم أقواما يشكون ويتوقعون، قيل يأباه تخصيص التبين بالصدق إلا أن يقال أنّ الذي تبين لهم ذلك وقوله: (تركوه ترك الناسي) إشارلاة إلى ما مرّ تحقيقه. قوله:) أي قد تبين أنهم الخ) فسره به لاً نه يترتب عليه طلب الشفاعة ولأنه هو الواقع فيه، وتوله أو هل نردّ إشارة إلى أنه معطوف على الجملة الاسمية، أو الظرفية ومن مزيدة في المبتدأ أو في الفاعل بالظرف وقراءة النصب عطف على يشفعوا المنصوب في جواب الاستفهام أو أنّ أو بمعنى إلى أن أو حتى أنّ على ما اختاره الزمخشريّ. وقوله فعلى الأوّل أي قراءة الرفع لعطفه على ما قبله المسؤول أحد الأمرين الشفاعة أو الردّ إلى الدنيا ودار التكليف ليتلافوا ما فات، وعلى الثاني أي النصب بأن يكون لهم شفعاء في الخلاص مما هم فيه، أما بالشفاعة في العفو عنهم، أو الرد فالشفاعة لأحد الأمرين إن كانت أو عاطفة لاً لأمر واحد إذا كانت بمعنى إلى إذ معناه يشفعون إلى الردّ وبهذا اندفع ما قيل إنّ المقابلة بين الشفاعة بغير الردّ وبين الردّ غير ظاهرة لأنه أثر الشفاعة ونتيجتها، فالوجه أن تكون الشفاعة حينئذ كناية عن المغفرة، والمعنى فتغفر بالشفاعة أو تردّ. قوله: (جواب الاستفهام الثاني الخ) الثاني صفة جواب أو الاستفهام أي في أحد الوجوه وهو رفع نردّ بالعطف فإنه في حكم استفهام ثان أو نصبه بالعطف على تردّ مسبب عنه وأما قراءة الرفع فعلى لوجوه كلها، وضل بمعنى غاب وفقد، والمراد هنا أنه بطل ولم يفدهم شيئا. قوله: (أي قي ستة أوقات) اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى ما ذكر، دمان أريد المتعارف فاليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسماوات فيقدّر فيه مضاف، أي مقدار ستة أيام، وقوله دليل للاختيار ظاهر لأنه لو كان بالإيجاب لصدر دفعة واحدة، وقيل لأنّ عدوله إلى التدريج مع القدرة على خلافه يقتضي ذلك، وقيل إنّ في دلالته عليه خفاء، وأما كون الفعل موجبا مشروطا مما يوجد وقتاً فوقتا فقيل مآله إلى التسلسل أو ثبوت الاختيار، واعتبار النظار بناء غلى تقدم خلق الملائكة عليها، أو المراد أصحاب النظر والبصيرة من العقلاء
стр. 1256
المعترفين بالشرع إذا سمعوه. قوله: (استوى أمره أو استولى الخ) في الكلام الاستواء من الصفات
المختلف فيها فقيل المراد استوى أمره فالإسناد مجازيّ أو فيه تقدير، ولا يضرّ حذف الفاعل إذا قام ما أضيف إليه مقامه، وقيل الاستواء بمعنى الاستيلاء كما في قوله:
قد استوى بشر على العراق
فعلى الأوّل ليس من صفاته تعالى، وعلى الثاني يرجع إلى صفة القدرة، وفي أحد قولي الأشعريّ إنه صفة مستقلة غير الثمانية، واليه أشار المصنف ﵀، وقيل بالتوقف فيه وأنه ليس كاستواء الأجسام وحمله المجسم على ظاهره. قوله: (والعرش الخ (أي هو فلك الأفلاك، أما حقيقة لأنه بمعنى المرتفع أو استعارة من عرس الملك وهو سريره، ومنه رفع أبويه على العرس، أو بمعنى الملك بضم الميم وسكون اللام ومنه ثل عرشه إذا انتقض ملكه واختل. قوله: (ولم يذكر عكسه للعلم به الخ) أشار بقوله يغطيه أي يغطي الله النهار بالليل، إلى أنّ الفاعل هو الله وإسناده إلى الليل مجاز ولما كان المغطي يجتمع مع المغطي وجوداً ولا يتصوّر هنا قال المصنف ﵀ في سورة الرعد يلبسه مكانه فيصير الجوّ مظلماً بعدما كان مضيئاً يعني المغطى حقيقة هو المكان، وأسند إليه للملابسة بينهما، وجوّز جعل الليل والنهار مغشي على الاستعارة بأن يجعل غشيان مكان النهار واظلامه بمنزلة غشيانه للنهار نفسه، فكأنه لف عليه لف الغشاء أو شبه تغيب كل منهما بطريانه عليه بستر اللباس للابسه، وكون الجوّ مكانهما بمعنى مكان ضيائهما وظلمتهما والا فليس للزمان مكان فتدبر. قوله:) أو لآنّ اللفظ يحتملهما الخ) يعني معنى ما ذكره أوّلاً من تغطية النهار بالليل وعكسه تغطية الليل بالنهار، فيكون موافقا للقراءة المشهورة. وقال ألنحرير: إنه يعني أن يغشى الليل النهار محتمل لمعنى جعل الليل لاحقا بالنهار، بأن يحمل على تقديم المفعول الثاني وهو الليل ولمعنى جعل النهار لاحقا بالليل بأن يكون المفعول الثاني هو النهار، إلا أنه قيل ولا يراد منه إلا أحد المعنيين على التعيين فوجب المصير إلى الجواب الأوّل، واحتمال أنّ في أحد المعنيين إشارة إلى الآخر لا يخفى بعده، ورذه أبو حيان بأنه لا يجوز أن يكون الليل مفعولاً ثانيا من حيث المعنى لأنّ المنصوبين إذا تعدى إليهما فعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى يلزم أن يكون هو الأوّل منهما، كما لزم ذلك في ملكت زيدا عمراً، ورتبة التقديم هي الموضحة لأنه الفاعل معنى، كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى بخلاف أعطيت زيداً درهما فإن تعين المفعول الأوّل لا يتوقف على التقديم، وفي القاعدة المذكورة كلام سيأتي في سورة مريم. وعندي أن مراده أنّ الليل والنهار بمعنى كل ليل ونهار وهو بتعاقب الأمثال مستمرّ الاستبدال فيدذ على تغيير كل
منهما بالآخر من غير تكلف ومخالفة لقواعد العربية فتدبره فإنه دقيق، وبالتأمّل حقيق، وقوله: (ولذلك قرئ الخ (فإنّ هذه القراءة تدلّ على العكس، وسيأتي لهذا تحقيق في سورة الرعد وي! إن شاء الله تعالى. قوله: (يعقبه سريعاً كالطالب الخ (أي الليل لأنه المحدّث عنه، والحث الإعجال والسرعة في الحمل على فعل الشيء كالحض، يقال حثثته فهو حثيث ومحثوث. قوله: (بقضائه وتصريفه) تفسير للأمر، وفي الكشاف بمشيئته وتصريفه وسماه أمرا على التشبيه، أي على سبيل الاستعارة إذ جعل هذه الأشياء لكونها تابعة لتدبيره وتصريفه كما يشاء، كأنهن مأمورات منقادة لأمره، ويصح حمله على ظاهره كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس، الآية: ٨٢] على تفسير أي هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات البديعة مذللة منقادة لإرادته، وقوله وقرأ ابن عامر ﵀ كلها لو قال وقرأها كلها كان أحسن، وفي القراءة الأولى جوّز تقدير جعل ونصبها به، ومسخرات مفعول ثان. قوله:) فإنه الموجد والمتصرف (إشارة إلى الحصر المستفاد من تقديم الظرف، وفيه لف ونثر مرتب، فالموجد للخلق والمتصرت للأمر، والفاء للتفريع أو التفسير. قوله: (تبارك الله (قال الإمام ﵀ البركة لها تفسيران أحدهما البقاء والثبات، والثاني كثرة الآثار الفاضلة، فإن حملته على الأوّل فالثابت الدائم هو الله، وإن حملته على الثاني فكل الخيرات والكمالات من الله، فلهذا لا يليق هذا الثناء إلا بحضرته، وقوله:) بالوحدانية (قيل أخذه مما قبله، لأنه لما اختص الخلق والتصرف به تعالى لزم انحصار الألوهية والربوبية
стр. 1257
فيه، ولا حاجة إليه فإته مصرج به في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] الخ وهذا ختام ملاحظ فيه مطلعه، فلله دز المصنف رحمه الله تعالى في دقة نظره.
قوله:) وتحقيق الآية الخ (قال الإمام ﵀ شرح خلق السماوات بقوله فقضاهن سبع سموات في يومين، ثم قال وأوحى في كل سماء أمرها، فدل على أنه خص كل فلك بلطيفة نورانية من عالم الأمر، فكذلك قال في هذه الآية بعد خلق السماوات والأرض! والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، فهو دالّ على أنّ كل واحد من الشمس والقمر والنجوم مخصوص بشيء روحاني من عالم الأمر، ثم قال: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ إشارة إلى أنّ كل ما سوى الله
إما من عالم الخلق، والملك وهو عالم الأجسام والجسمانيات، أو من عالم الأمر والملكوت، وهو كل ما كان مجرّدا عن الحجمية والمقدار إلى آخر ما فصله، فقوله المستحق للربوبية واحد مأخوذ من قوله إنّ ربكم وما وصف به، وقوله: (لأنه الذي الخ) إشارة إلى أن الصفات أجريت للتعليل، وقوله: (فإنه خلق العالم) الخ بيان لدليل الانحصار، وقوله: (فأباع الآفلاك (إشارة إلى تقدم خلق السماء على الأرض كما مرّ، وقوله:) جسما تابلاَ للصور (هو الهيولي وسماها جسماً لأنها مادّته، وقوله: (ثم قسمها (إشارة إلى العناصر الأربعة وما يتكوّن منها ويتولد منها وهي المواليد الثلاثة، أي الحيوان والنبات والمعدن، وقوله: (لقوله الخ (استدل به على أن الأربعة الأيام مع اليومين الأوّلين، وقوله: (ثم لتا تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره) فيكون قوله ثم استوى على العرس استعارة تمثيلية. قوله: (أي ذوي تضرّع الخ (فهو حال من الفاعل بتقدير مضاف، ويجوز نصبهما على المصدرية أيضا، وقوله نبه به الخ، إشارة إلى أن معنى التجاوز في الدعاء طلب ما لا يليق به، فإنه تعذ عن حدّه المناسب له، وقوله وقيل هو الصياح في الدعاء والإسهاب الخ، الإسهاب معناه الإفراط في التطويل، وفي رفع الصوت بالدعاء اختلاف، منهم من كرهه مطلقا، ومنهم من قبله مطلقاً، ومنهم من فصل فقال: عند خوف الرياء الإخفاء أفضل فإن لم يخفه فالإظهار أفضل، وفي الانتصاف حسبك في
تعين الأسرار في الدعاء اقترانه بالتضرّع في الآية فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء، وانّ دعاء لا تضرع ولا خشوع فيه لقليل الجدوى، وكذا ما لا يصحبه الوقار، وكثيرأ ما نرى الناس يعتمدون الصياح في الدعاء، خصوصا في الجوامع، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء وفي المسجد، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع الخفض، وهي شبيهة بالرقة الحاصلة للنساء والأطفال، خارجة عن السنة، وسمة السلف الواردة في الآثار، والتضرّع بمعنى التذلل من الضراعة، وحمل التضرّع والخفية هنا على معنيين متقاربين، وهما التذلل مع الإخفاء، وفسرهما في الأنعام بمعلنين ومسرين، فجعل التضرّع مقابلا للخفية، قيل لأنّ المراد هناك حكاية دعائهم لا الأمر به. قوله: (وعن النبئ يكتيرو الخ)) ١ (رواه أبو داود وأحمد في مسنده. قوله: (ولا تفسدوا في الأرض) قال أبو حيان ﵀: هذا نهي عن وقوع الفساد في الأرض، وادخال ماهيته في الوجود بجميع أنواعه من إفساد النفوس والأموا أط والأنساب والعقول والأديان، ومعنى بعد إصلاحها بعد أن أصلح الله خلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين، اهـ وهو معنى كلام المصنف. قوله: (ذوي خوف من الرذ لقصور أعمالكم الخ) أي هما حالان بمعنى خائفين وطامعين، ويجوز أن يكونا مفعولين لأجلهما، وسيأتي تفصيله في قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [سورة الرعد، الآية: ١٢] وقوله ترجيح للطمع الخ لأنّ المؤمن بين الرجاء والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته وسبقها غلب الرجاء عليه، وما يتوسل به إلى الإجابة هو الإحسان في القول والعمل، وهو يؤخذ من التعليق بالمشتق كما مرّ. قوله:) وتذكير قريب الخ) توجيه لتذكيره مع أنه خبر عن مؤنث، ولهم في تأويله وجوه تبلغ خمسة عشر وجها، منها ما ذكره المصنف انّ الرحمة بمعنى الرحم بضم الراء وسكون الحاء وضمهما بمعنى الرحمة، قال
تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٨١] وفي نسخة بمعنى الترحم كما ذكره غيره أيضا، أو الخبر محذوف وهذا صفته أي أمر قريب، أو حمل فعيل بمعنى فاعل كما هنا على فعيل بمعنى مفعول الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث عند أمن اللبس، وقال الكرماني أنه بمعنى مفعول أي مقربة وضعف بأنه لا ينقاس خصوصا من غير الثلاثي، أو هو محمول على فعيل الوارد
стр. 1258
في المصادر، فإنه للمذكر والمؤنث أيضا كالنقيض بالنون والقاف والضاد المعجمة، وهو صوت الرحل ونحوه، وقيل إنه للفرق بين قريب في يالنسب وغيره، وهو قول الفراء فإنه قال فلانة قريبة مني لا غير، وفي المكان وغيره يجوز الوجهان، وقال الزجاج: إنه خطأ، وقيل إنّ فعيلا للنسب كلابن وتامر وهو ضعيف، وتفصيله في الأشبا. والنظائر النحوية، وقراءة الريح على الوحدة مع جمع نشراً لأنه اسم جنس صادق على الكثير فهو في المعنى جمع. قوله: (جمع نشور بمعنى ناشر الخ) أي نشرا بضم النون والشين جمع نشور بفتح النون، بمعنى ناشر وفعول بمعنى فاعل، بطرد جمعه عليه كصبور وصبر، ولم يقل إنه جمع ناشز كبازل وبزل، لأنّ جمع فاعل على فعل شاذ، وناشر اختلف في معناه هنا، فقيل هو على النسبط، إما على أنّ النشر ضد الطي، واما على أنّ النشر بمعنى الإحياء لأنّ الريح توصف بالموت والحياة كقوله:
إني لأرجوأن تموت الريح فأقعد اليوم وأستريح
كما يصفها المتأخرون بالعلة والمرض، ولقد تلطف القائل في شدة الحرّ:
أظن نسيم الروض! مات لأنه له زمن في الروض! وهو عليل
وقيل هو فاعل من نشر مطاوع أنشر الله الميت فنشر وهو ناشر كقوله:
حتى يقول الناس ممارأوا ياهـ اللميت ا! اشر
وقيل ناشر بمعنى منشر أي محعى، وقيل فعول هنا بمعنى مفعول كرسول ورسل، إلا أنه
نادر مفرده وجمعه، وقراءة ابن عامر بضم النون وسكون الشين بعدما كانث مضمومة للتخفيف المطرد في فعل بضمتين. قوله:) بفتح النون) أي وسكون الشين مصدر بمعنى ناشرات، وفي الكشاف بمعنى منتشرات، لما مرّ من معاني نشر أو نصبه على الحالية، أو هو مفعول مطلق لأرسل من معناه، كجلس قعوداً ورجع القهقرى. قوله:) وعاصم بشرا الخ (أي بضم الموحدة وسكون الشين، وأصلها الضم جمع بشير كنذير ونذر ثم خفف بالتسكين، وهي بمعنى يرسل
الرياج مبشرات لينشرها بالمطر، وقد روي بضمهما أيضا وهي مروية عن عاصم ﵀ وقوله مصدر بشره أي بالتخفيف، بمعنى بشره المشدد، وباشرات بمعنى مبشرات، وقوله وبشري أي وقرئ بشري كرجعي وهو مصدر أيضا من البشارة، وقوله قدّام رحمته تقدم تحقيقه وفسر الرحمة بالمطر، كما أثبته بعض أهل اللغة، ولا يلتفت إلى قول ابن هشام في بعض رسائله إنه لم يثبت مجيء الرحمة بمعنى المطر، وقوله: (تدزه) بالدال المهملة أي تنزل مطره من الدر بمعنى اللبن مجازاً. قوله:) حملت واشتقاقه من القلة) وفي نسخة حملته وحقيقة أقله جعله قليلاً أو وجده قليلا، والمراد به ظنه قليلاً كأكذبه إذا جعله كاذباً في زعمه، ثم استعمل بمعنى حمله لأنّ الحامل يستقل ما يحمله، ومنه القلة والمقل بمعنى الحامل، وقوله يستقله أي يعده قليلا، وحتى غاية لقوله: يرسل والسحاب اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع، وأهل اللغة تسمية جمعاً فلذا روعي فيه الوجهين في وصفه وضميره. قوله: (لآجله أو لأحيائه أو لسقيه الخ) قال أبو حيان ﵀ اللام في لبلد لام التبليغ، كما في قلت لك، وفرق بين قولك سقت لك مالاً وسقت لأجلك مالاً فإنّ الأؤل معناه أوصلته لك أو أبلغتكه، والثاني لا يلزم منه وصوله إليه وقوله: (لإحيائه) الخ اللام فيهما أيضاً للتعليل، وميت قرئ مشدداً ومخففا كما ذكره المصنف. قوله:) بالبلد أو بالسحاب الخ (أي يجوز في الضميرين المذكورين أن يعودا على كل مما ذكر قبلهما صريحا أو ضمنا، وجعله الباء للإلصاق لأنّ الإنزال ليس في البلد بل المنزل، ولذا جوّز فيه الظرفية كما في رميت الصيد بالحرم، والسببية شاملة للسبب القريب والبعيد، وعود الضمير على الماء لقربه، ولا يضره تفكيك الضمائر لأنه مع القرينة حسن. قوله: (من كل أنواعها الما كان الاستغراق غير مراد ولا واقع، وكان المراد التكثير، وقيل أنّ الاستغراق عرفي. قوله: (١ لإشارة فيه إلى إخراج الثمرات) قيل فيه إشارة إلى طريقتي القائلين بالمعاد الجسماني في إيجاد البدن ثم إحيائه بعد انعدامه، أو ضم بعض أجزائه إلى بعضها
стр. 1259
على النمط السابق بعد تفرقها ثم
إحيائه، ففيه رذ على منكريه، والأوّل أظهر لأنّ المتبادر من الآية كون التشبيه بين الإخراجين من كتم العدم، والثاني يحتاج إلى تمحل تقدير الأحياء واعتبار جمع الأجزاء مع أنه غير معتبر في جانب المشبه به، قلت قوله بردّ النفوس إلى موادّ أبدانها بعد جمعها يأبى حمله على الأوّل، وهو المذهب الحق الذي اختاره المصنف فتأمّل، تطريتها من المنقوص بمعنى تجديدها، وموادّ بالتشديد جمع ماذة وقوله: (فتعلمون) بيان للمقصود من تذكر ذلك وتدبره بمقتضى المقام، وقوله: (بالقوى) أي بسبب القوى أو بإظهار آثار القوى فلا يرد عليه أنّ القوى موجودة وان لم تتعلق النفس بها، فالوجه أن يقال بعد جمع أبدانها وتهيئتها لتعلق النفس وصلوحها للقوى والحواس فتدبر. قوله: (١ لأرض الكريمة التربة (إشارة إلى أنّ البلد بمعنى الأرض! مطلقاً كما في قوله:
وبلدة مثل ظهر الترس موحشة للجن بالليل في حافاتها زجل
وأمّا استعمالها بمعنى القرية فعرف طار، والكريمة التربة تفسير للطيب، وكرمها كونها
منبتة لاسباخا. قوله: (بمشيئته وتيسيره) هذا معنى إذن الله كما مرّ. قوله: (عبر به عن كثرة النبات وحسنه الخ) أي المراد من كونه طيبا أن يكون حسنا وافياً لكونه واقعاً في مقابلة نكدا، فالمطابقة معنوية، وفي صحاح الجوهري نكدت الركية قل ماؤها، ورجل نكد عسر، وقيل: إنّ في الكلام حالاً محذوفة، أي يخرج واقياً حسنا بقرينة مقابله، والغرارة بفتح الغين والزاي المعجمتين والراء المهملة الكثرة، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء المهملة أرض ذات حجارة سود، والسبخة بكسر الباء أرض ذات ملح معروف. قوله: (قليلأ عديم النفع الخ) تفسير نكد بالكسر، لأنه يقال عطاء نكد أي قليل لا خير فيه، وكذا رجل نكد قال:
فأعط ما أعطيته طيبا لاخيرفي المنكودوالناكد
لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تافها نكدا
ونصبه على الحال أو صفة مصدر محذوف أو معطوف على الطيب فيكون البلد عاماً، ويخرج أصله يخرج نباته كما قدره المصنف رحمه الله تعالى، أو التقدير وبنات الذي خبث الخ وقال الطيبي: والذي خبث إشارة إلى أنّ أصل الأرض! أن تكون طيبة منبتة، وخلافه طار لعارض! ، كما أنه مثال للإنسان الذي الأصل فيه أن يكون على الفطرة، وقوله: (ونكدا) على المصدر أي قرئ نكداً بفتحتين على زنة المصدر، والنصب أيضا على أنه مصدر أي خروجاً
نكداً كما ذكره المعرب، وقيل أراد به تصحيح اللفظ لا أنه منصوب على المصدر، فإنه حال بحذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه، وتوله: (يخرجه البلدا لم يجعل الضمير لله لتكلفه، ونردّدها ونكرّرها تفسير لنصرف، لأنّ التصريف تبديل حال بحال، ومنه تصريف الرياح. قوله: (لقوم يشكرون نعمة الله الخ) أو مثل ما مرّ في القرآن من تفصيله وتبيينه نفصل ونكرر سائر آياته لمن شكر نعمة الله التي من جملتها هذا التفصيل، وشكرها بالتفكر فيها والاعتبار بها وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون به وإن عم، وإنما فسر الشكر بما ذكر لأنه المناسب لما قبله، ولو أبقى على ظاهره لكان أظهر. قوله: (والآية مثل لمن تدبر الآيات الخ) أي قوله: (والبلد الطيب) الخ استطراد واقع على أثر ذكر المطر الذي هو توطئة لقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى﴾ الخ أي هو تمثيل وتقريره أنا بينا تلك الآيات الدالة على القدرة والعلم لعلكم تتفكرون فيها، فتعلمون أنكم إلينا ترجعون، لكن لا تنجع تلك الآيات إلا فيمن شرح الله صدره، فيخرج نبات فكره طيباً، ومن جعل صدره ضيقا لا يخرج نبات فكره إلا حبينا، فلا يرفع لها رأساً، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون، وهذا كما في حديث الصحيحين أنه ﷺ قال: " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء قأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجاذب أمسكت الماء، فنقع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان) ١ (لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به فعلم وعلم
стр. 1260
ومثل من لم يرفع لذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت له ") ٢ (. وقوله: (لم يرفع رأساً (استعارة لعدم الانتفاع والقبول، والظاهر أنه كناية، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى هذا الحديث. قوله:) جواب قسم محذوف الخ (أي هو جواب قسم محذوف تقديره والله لقد أرسلنا، وفي الكشاف فإن قلت ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد، وقل عنهم نحو قوله:
حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموافما إن من حديث ولا صالي
قلت: إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق، إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي
هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم، وتبعه المصنف ﵀ لكن غيره من النحاة قالوا إذا كان جواب القسم ماضيأ مثبتاً متصرفاً
فإما أن يكون قريبا من الحال فيؤتى بقد، وإلا أتيت باللام وحدها، فجؤزوا الوجهين باعتبارين، وقال هنا: لقد بدون عاطف، وفي هود والمؤمنين بعاطف قال الكرماني لتقدم ذكره صريحاً في هود وفي المؤمنين ضمناً في قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٢٢] لأنه أوّل من صنعها بخلاف ما هنا. قوله: (لأنها مظنة التوقع (هو معنى كلا االكشاف الذي قررناه، ولا فرق بينهما كما توهم، وفي شرح التسهيل بسط لهذه المسألة والاعتراض بقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ وهم لأنّ الكلام في الماضي، والمراد بالتوقع توقع الأعلام به لأنه ماض. قوله: (ونوح ابن لملك الخ (لملك بفتحتين ولأمك كهاجر أبو نوج ﵊، ومتوشلح بوزن المفعول في المشهور، وقيل هو بفتح الميم وضم المثناة الفوقية المشددة وسكون الواو وشين معجمة ولام مفتوحة ثم خاء معجمة. قوله: (أوّل نبتي الخ) اعترض عليه بأنه يقتضي أنه أوّل الرسل، وقد كان قبله شيث وإدرش! عليهما الصلاة والسلام، وهو من خواص نبينا محمد! ت، وأجيب عنه بأنّ عموم الرسالة للثقلين، وبقاء دعوته إلى يوم القيامة، وأيضا إنه بعد الطوفان لم يكن في الأرض غير قومه، وتفصيله في شرح البخارقي لابن حجر. قوله: (أي اعبدوه وحده) فسره به لدلالة ما بعده عليه لأنّ الإله المعبود، ولأنهم معترفون بعبادته، وهي مع التشريك كلا عبادة، وغيره قرئ بالحركات الثلاث، بالنصب على الاستثناء، والجر على النعت أو البدل من إله، والرفع باعتبار محله. قوله:) إن لم تؤمنوا (كان الظاهر إن لم تعبدوا، لكن لما كانت عبادته تستلزم الإيمان به قدر ذلك، وكون المراد باليوم يوم الطوفان لأنه أعلم بوقوعه إن لم يؤمنوا. قوله: (أي الإشراف الخ) الرواء بضم الراء المهملة والمذ حسن المنظر، وملء العيون مجاز عن زيادة حسنهم في النظر، وقيل لأنهم ملوّن قادرون على ما يراد منهم من كفاية الأمور، أو يملؤون المجال! باتباعهم. توله:) أي شيء من الضلال بالغ في النفي الخ) في الكشاف الضلالة أخص من الضلال، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال ليس بي شيء من الضلال، كما لو قيل لك ألك تمر فقلت ما لي تمرة، وفي المثل السائر الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يفوق بينها وبين واحدها بتاء
التأنيث متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ، كما في هذه الآية، وليس الضلالة مصدرا كالضلال بل هي عبارة عن المزة الواحدة، فإذا نفى نوح ﵊ عن نفسه المرة الواحدة من الضلال فقد نفى ما فوق ذلك، وقد اشتهر الاعتراض على ذلك بوجوه منها ما قيل إنه غير مستقيم لأنّ نفي الأخص أعم من نفي الأعم، فلا يستلزمه ضرورة، أنّ الأعم لا يستلزم الأخص بخلاف العكس، ألا تراك إذا قلت هذا ليس بإنسان لم يلزم أن لا يكون حيوانا، ولو قلت هذا حيوان لا يستلزم أن يكون إنسانا، فنفي الأعم كما ترى أبلغ من نفي الأخص، وأيضاً جعل التاء للوحدة كتاء تمرة، وقد قال في المجمل الضلال والضلالة بمعنى واحد، وأيضاً لو قيل ما عندي تمرة بمعنى تمرة واحدة، وعندي تمر كثير صح، كما لو أظهر ذلك فقال ليس عندي تمرة واحدة بل تمرات حتى لا يعد مثله تناقضا، فقول نوج ﷺ : ﴿لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ﴾ ليس نفياً لضلالات مختلفة الأنواع، وردّ بأنهما وأن جاآ في اللغة بمعنى واحد كالملال والملالة إلا أن مقابلة الضلال بالضلالة ونفيها عند قصد المبالغة في الهداية، يدل أن المراد به المرة، والتاء للوحدة فيكون بعضاً من جنس الضلال وفرداً واحدا منه، ويؤول
стр. 1261
معناه إلى أقل ما يطلق عليه اسم الضلال، وهذا معنى كونه أخص! ، ولا يبعد تفسيره بالأقل فردا وظاهر، أنّ نفيه أبلغ من نفي الجنس المحتمل للكثرة، أو الانصراف إلى الكمال، كما يحتمل نفس الماهية، ولا كذلك احتمال رجوع النفي في المرة إلى الوحدة، بمعنى ليس بي ضلالة بل ضلالات، كما في جاءني رجل بل رجلان لأنه مضمحل، في هذا المقام لا مجال للوهم فيه فسقط ما أورد على ذلك برمته، وأغنى عما وقع هنا للشراح من القيل والقال، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله شيء من الضلال فتدبر، وقوله بالغ في النفي حيث نفى عن نفسه ملابسة ضلالة واحدة، وبالغوا في الإثبات حيث أكدوا كلامهم بأنّ واللام، وجعلوا الضلال ظرفا له، وقوله وعرض لهم به لأنّ تقديم المقيد لاختصاص النفي به يقتضي أنه ثابت لهم، وهو المراد بالتعريض لأنه من عرض الكلام ومفهومه. قوله: (استدراك باعتبار ما يلزمه الخ) في الكشاف فإن قلت كيف وقع قوله ولكني رسول استدراكاً للانتفاء عن الضلالة، قلت كونه رسولاً من الله مبلغا رسالاته ناصحا في معنى كونه على الصراط المستقيم فصح لذلك أن يكون استدراكا للانتفاء عن الضلالة، فقيل عليه معنى الاستدراك أن يقع للمخاطب في الجملة السابقة وهم فيتدارك ذلك الوهم بإزالته، فلما نفى الضلالة عن نفسه فربما يتوهم المخاطب انتفاء الرسالة أيضاً كما انتفى الضلالة فاستدركه بلكن، كما في قولك زيد ليس بفقيه، لكنه طبيب، وأما جوابه بأن إثبات الرسالة في معنى الاهتداء واثبات الاهتداء استدراك لنفي الضلالة ففيه بعد، لأنه لما نفى الضلالة لم يذهب وهم واهم إلى نفي الاهتداء أيضاً حتى يحتاج إلى تداركه، ويمكن أن يقال إذا لم يسلك طريقا فلا
اهتداء ولا ضلال، وقال النحرير: متعقبا له إن كان القصد إلى مجرّد كون لكن يتوسط بين كلامين متغايرين نفيا واثباتاً فوجه السؤال والجواب ظاهر، وأمّ إذا أريد بالاستدراك رفع التوهم الناشئ من الكلام السابق على ما هو المشهور، وعلى ما قاله المصنف رحمه الله تعالى معنى الاستدراك أنّ الجملة التي يسوقها أولأ يقع فيها وهم للمخاطب فيتدارك ذلك الوهم بإزالته، كقولك زيد ليس بفقيه ولكته طبيب، ففي الكلام إشكال لأن نفي الضلالة ليس مما يقع فيه نفي كونه رسولأ، وعلى صراط مستقيم، وما في الكتاب غير واف بحله بل ترك ما ذكره من التأويل أولى، إذ يمكن أن يقال ربما يتوهم المخاطب عند نفي الضلالة انتفاء الرسالة أيضاً، لكن توهم انتفاء الهداية مما لا وجه له إذ من البعيد أن يقال نفي الضلالة، ربما يوهم نفي سلوك الطريق المستقيم، وحيث لا سلوك لا هداية، كما لا ضلالة والظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى لم يقصد سوى أنه عند نفي أحد المتقابلين قد سبق الوهم إلى انتفاء المقابل الآخر، لا إلى انتفاء الأمور التي لا تعلق لها به، فأول ما وقع في معرض الاستدراك بما يقابل الضلال مثلا يقال زيد ليس بقائم لكنه قاعد، ولا يقال لكنه شارب إلا بعد التأويل بأن الشارب يكون قاعدآ، وقد قيل: إنّ القوم لما أثبتوا له الضلالة أرادوا به ترك دين الآباء ودعوى الرسالة، فهو حين نفي الضلالة توهم منه أنه على دين آبائه، وترك دعوى الرسالة، فوقع الأخبار بأنه رسول، وثابت على الصراط المستقيم أستدراكا لذلك، ولا خفاء في أن هذا ليس كلام الكتاب، اهـ وما ذكره تحقيق بديع لكن المذكور في العربية كما نقله صاحب المغني أنّ للنحاة في الاستدراك ولزومه لها قولين: فقيل الاستدراك أن تنسب لما بعدها حكما مخالفاً لما قبلها سواء تغايرا إثباتا ونفياً أولاً، وقيل هو رفع ما يتوهم ثبوته، وهو التحقيق كما يشهد به من تتبع موارد الاستعمال، وما ذكره أوّلاً مخالف للقولين إلا أن يرجع إليه بضرب من التأويل، وقال بعض المتأخرين من علماء الروم: النظر الصائب في الاستدراك هنا أن يكون مثل قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
الخ وقوله:
سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
أي ليس بي ضلالة وعيب، لكني رسول من رب العالمين فليتأفل، ومحصل كلام المصنف رحمه الله تعالى أنها واقعة بين متغايرين بحسب التأويل، وهي تفيد التأكيد في مثله، كما صرح به النحاة فلا يرد السؤال الذي أورده بعضهم هنا، وهو فإن قيل لا فائدة في الاستدراك لأنّ نفي الضلالة يستلزم الهدي، قلنا المراد من الهدي الهداية الكاملة، ونفي الضلالة لا يستلزمها. قوله: (صفات لرسول أو استئناف) قيل إذا كانت الجملة صفات جاز فيها التكلم لأنها خبر
стр. 1262
المتكلم كقوله:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
والقياس سمته لكنه حمل على المعنى لا من اللبس، وهو مع ذلك قبيح حتى قال المازنيّ رحمه الله تعالى لولا شهرته لرددته، فينبغي الحمل على الاستثناء إذ لا وجه للحمل على الضعيف مع وجود القوي، قلت لا وجه لهذا لأنّ ما ذكره المازني في صلة الموصول لا في وصف النكرة فإنه وارد في القرآن مثل: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أسورة النمل، الآية: ٥٥] مصرج بحسنه في كتب النحو والمعاني، مع أنّ ما ذكره المازني وتبعه ابن جني حتى استرذل قول المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
ردّه النحاة وقال في الانتصاف أنه حسن في الاستعمال، وهذا إذا لم يكن الضمير مؤخراً
نحو الذي قرى الضيوف أنا أو كان للتشبيه نحو أنا في الشجاعة الذي قتل مرحبا، وقوله بالتخفيف أي تسكين الباء وتخفيف اللام لا تشديدها، وقوله: (على الوجهين) أي ألاستئناف والوصفية، فهي فيهما بيان للرسول بأنه الذي يبلغ عن الله الخ. قوله: (وجمع الرسالات الخ) أي رسالة كل نبيّ واحدة وهي مصدر الأصل فيه أن لا يجمع، فجمع هنا لاختلاف أوقاتها فكل وقت له إرسال، أو تنوّع معاني ما أرسل به، أو أنه أريد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقوله: (للدلالة على إمحاض النصح) بناء على أنّ اللام فيه للاختصاص لا زائدة للدلالة على أنّ الغرضى ليس غير النصح، وليس النصح لغيرهم كما قيل، والمراد بكون النصح ليس لغيرهم أن نفعه يعود عليهم لا عليه كقوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾ وهذا هو المستفاد من اللام بواسطة الاختصاص، وأمّا كونه لا غرض له غير النصح في تبليغه، فإمّا من ذكر النصح بعده أو لأن معناه كما قال الراغب: يتضمن الخلوص عما يخالفه من قولهم عسل ناصح أي خالص، فلا يرد على الأوّل أن دلالة اللام عليه غير ظاهرة، وعلى الثاني أنه لا وجه للحصر فيهم لا سيما ودعوة نوح ﵊ عامة لمن في عصره، فتدبر ووجه التقرير لأنّ سعة علمه تقتضي تصديقه فيما أخبرهم به. قوله: (من قدرته الخ) فمن بيانية لما مقدمة عليه وفيه مضاف فقدر، وعلى الوجه الثاني من ابتدائية ولا تقدير فيه،
والاستفهام للإنكار بمعنى لم كان ذلك ولا داعي له، والكلام في تقدير المعطوف وعدمه معلوم مما مر، وتفصيله في أول المغني وان جاءكم بتقدير من لتعديته بها، وفسر الذكر بما أرسل به كما قيل للقرآن ذكراً وبالمواعظة لأنها تذكير وقدراسان في قوله على رجل المتعلق بجاء لأنه لا يقال جاء عليه بل جاء على يده أو على لسانه، يعني بواسطته وقيل على بمعنى مع فلا حاجة إلى التقدير، وقيل تعلق به لأنّ معناه أنزل أو لأنه ضمن معناه، وقوله من جملنكم أو من جنسكم إشارة إلى أنّ من تبعيضية أو بيانية. وقوله: (نإنهم الخ) على الوجهين بيان للتعجب من كونه جاء على لسان رجل، وليس مخصوصا بالثاني كما توهم، وقوله من إرسال البشر أي من دعواه، وعاقبة الكفر والمعاصي العذاب والعقاب، وضمير منهما للكفر والمعاصي. قوله: (بسبب لإنذار الخ) أراد أنه سبب في نفسه لا أنّ الكلام دال عليه، وكذا فيما بعده فلا يرد الاعتراض عليه بأنه لم يعتبر السببية، والا لقيل فتنقوا مع أنه تابعه قيما بعده فورد عليه ما ورد فتأمّل. وقوله وفائدة حرف الترجي الخ وقيل هو جار على عبادة العظماء في وعدهم بلعل. قوله تعالى ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ الخ الفاء للسببية باعتبار الإعراق لا فصيحة، وفي الشعراء ثم أغرقنا لأنّ الإنجاء ثمة من قصدهم له كما ذكره هناك وقوله وهم من آمن به خصه بالبشر لمقابلته بإغراق المكذبين وإن كان معه بعض الحيوإنات وقوله: (وكانوا أربعين) الخ أي الناجون فلا يخالفه ما هو في هود من أن من آمن به تسعة وسبعون. قوله: (متعلق بمعه الخ) أي يجوز أن يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة، كما يجوز أن يكون صلة ومعه متعلق به، أو متعلق بأنجينا وفي ظرفية أو سببية أو حال من الموصول متعلق بمقدر أي كائنين فيها، أو حال من الضمير المستتر في الظرف، والفرق بينه وبين الأول لفظا أن له متعلقا مقدراً على هذا، ومعنى التصريح بالغية هذا بعد ما كانت ضمنا وفيه نظر. وقوله عمي القلوب بضم العين وسكون الميم جمع أعمى، وبفتح العين وكسر الميم على أنه مفرد أو جمع سقطت نونه للإضافة. قوله: (والأوّل أبلغ الخ) فرق بين عم وعامى بأن عم صفة مشبهة تدل على الثبوت كفرح بخلاف عام فهو أبلغ، وقيل عم لعمي البصيرة، وعام لأعمى البصر
стр. 1263
وقيل هما سواء فيهما. قوله: (عطف على نوحاً إلى
قومه) أي عطف المجموع على المجموع وغير الأسلوب لأجل ضمير أخاهم، إذ لو أتى به على سنن الأول عاد الضمير إلى متأخر لفظ، ورتبة وهوداً عطف بيان أو بدل وعاد اسم أبيهم سميت به القبيلة أو الحيّ، فيجوز صرفه وعدمه كثمود كما ذكره سيبويه وأمّا هودءلمج! ر فاشتهر أنه عربي، وظاهر كلام سيبويه ﵀ أنه أعجمي ويشهد له ما قيل إنّ أول العرب بعرب، ومعنى أخاهم إنه منهم نسبا وهو قول للنسابين، ومن لا يقول به يقول إن المراد صاحبهم وواحد في جملتهم، كما تقول يا أخا العرب، وبين حكمة كون النبيّ ﷺ يبعث من قومه لأنهم أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله. قوله: (استأنف به ولم يعطف الخ) أي لم يعطف هذا ولا قال الآتي في جوابهم لجعله جواب سؤال مقدر، بخلاف ما مرّ في قصة نوج ﷺ ، فغاير بينهما تفنناً كما ذكره الزمخشريّ. وقيل عليه إنه غير كاف في الفرق فإنّ الرسالة كما هي مظنة السؤال هنا، كذلك هي مظنة السؤال ثمة فالأولى أن يقال كان نوح يك! يرو مواظبا على دعوتهم غير مؤخر لجواب شبههم لحظة واحدة، وأما هود ﷺ فما كان مبالغا إلى هذا الحد فلذا جاء التعقيب في كلام نوح ﵇، وقيل إنه يصلح عذر الترك الفاء لا لترك الوصل والكلام فيه، وقيل إنّ تتمة هذا الجواب أنّ قصة نوج ﵇ ابتداء كلام فليست مظنة سؤال بخلاف قصة هود ﷺ فإنها معطوفة على قصة نوح ﵇، فكانت مظنة أن يقال أقال هود مثل ما قال نوج أم لا، وقيل عليه إنه تغيير للتقرير بتقرير آخر وليس بشيء. قوله: (وكأن قومه كانوا أقرب من قوم نوح ﵇ ولذلك قال الخ) أي كانوا أقرب إلى قبول الحق واجابة الدعوة من قوم نوج ﷺ ، ولذلك أطلق الملأ المعاندين من قوم نوح وقيده هنا بمن كفر منهم، وفيه إشارة إلى وجه قوله هنا أفلا تتقون، وقوله هناك: ﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٩] فإنه أشدّ من التخويف وقيل في وجهه إنها أوّل وقعة عظيمة بخلاف هذه فتدبر. قوله: (إذ كان من إشرافهم من آمن الخ) فلم يكن من أشراف قوم نوح ﵊ مؤمن، فعلى هذا ما ورد في سورة المؤمنين: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٢٤] الخ في وصف نوج يكتنرو محمول على أنه هناك للذمّ لا للتمييز وإنما لم يذمّ هاهنا للإشارة إلى التفرقة بين قوم نوج
وقوم هود عليهما الصلاة والسلام ولو حمل الوصف على الذمّ هنا، وفرق بأنّ مقتضى المقام ذمّ قوم هود لشدة عنادهم لقولهم إنا لنراك في سفاهة مع كونه معروفا بينهم بالحلم والرشد، وذم قوم نوح في سورة المؤمنين لعنادهم بقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٢٤-٢٥] لما فيه من فرط العناد، ثم إنه قيل إنّ الظاهر أن ما نقل هنا عن قوم نوج ﷺ مقالتهم في مجلس أو مقالة بعضهم، وما نقل في سورة المؤمنين مقالتهم في مجلس آخر، أو مقالة بعض آخر، فروعي في المقامين مقتضى كل من المقالتين، ثم إن شذة عناد من عاند من قوم هود ﷺ لا تنافي قرب جملتهم من جملة قوم نوج، حيث آمن بعض أشرافهم دون أشراف قوم نوجء! ر، فإن قلت قوله إذ كان من أشراف قومه من آمن يقتضي أنّ قوم نوج ﵊ ليسوا كذلك، وهو ينافي قوله في تفسير قوله والذين آمنوا معه أنه آمن معه أربعون رجلاً وأربعون امرأة، وقوله تعالى: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة هود، الآية: ٣٦] قلت هؤلاء لم يكونوا من السادات كما هو المعتاد في اتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وفيل إنه وقت مخاطبة نوح جمز لقومه لم يكونوا آمنوا، بخلاف قوم هود، ومثله يحتاج إلى النقل. قوله: (متمكناً في خفة عقل راسخا فيها (حيث لم يقل سفيها، وجعله متمكنا فيها تمكن الظرف في المظروف، ففيه استعارة تبعية مع أن واللام المؤكدة لذلك، وقوله حيث فارقت الخ تعليل لذلك. وقوله ولكني رسول مرّ تحقيق الكلام فيه. قوله: (وفي إجابة الآنبياء عليهم الصلاة والسلام الكفرة الخ (توصيفه الكلمات بالحماقة مبالغة، والمعنى الأحمق قائلها فهو مجاز، وقوله عن مقابلتهم أي
стр. 1264
بالتسفه والتكذيب وهضم النفس من قوله على رجل منكم، وقوله تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين النصح والأمانة، فليس من حقه أن يتهم بالكذب ونحوه، وذكر هذا في الكشاف، ثم قال وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه، وفي الكشف الفرق بين الوجهين بحسب تقدير المتعلق للنصح والأمانة وجعلهما من قبيل المهجور ذكر متعلقه، والثاني يفيد أنه أوحدي فيه موجد للحقيقتين كأنه صناعته، فلذلك قال عرفت فيما بينكم، وقال الطيبي وحمه الله إنه على الأوّل اعتراض، وعلى الثاني حال، كما مرّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٥١] وهذا كله من العدول عن الفعلية إلى الاسمية المفيدة للتحقق
والثبوت، ووقع في نسخة هنا وقرأ أبو عمرو أبلغكم بالتخفيف يعني من الأفعال والباقون بالتشديد في الموضعين، وفي الأحقاف والتضعيف والهمزة للتعدية. قوله: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء) إذ ظرف منصوب بآلاء المحذوف هنا بقرينة ما بعده لتضمته معنى الفعل، والذي اختاره الزمخشريّ أنه مفعول اذكروا، أي اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسام، كما مرج تفصيله في البقرة، وهو أقرب مما مرّ لكنه مبنيّ على الاتساع في الظرف، أو أنه غير لازم للظرفية، والمشهور في النحو أنّ إذ وإذا لازمان للظرفية، وفي الخلق يحتمل أنه بمعنى المخلوقين، أي زداكم في الناس على أمثالكم بسطة أي قوّة، وزيادة جسم لأنه روي أن أقصرهم كان ستين ذراعا، وعالج موضع مشهور بكثرة الرمل، وعمان بالضم والتخفيف بلد ينسب إليه البحر، ووقع في نسخة شجر بشين معجمة وحاء مهملة، وهو ساحل له ينسب إليه العنبر، وعلى أن المراد الملك الإسناد إليهم مجاز لكونه من بعضهم، وقوله خوفهم من عقاب الله هو من قوله تتقون كما فسره والنعم ظاهرة. قوله: (آلاء الله (هي نعمه جمع إلي بكسر الهمزة وسكون اللام، كحمل وأحمال، أو إلى بضم فسكون كقفل وأقفال، أو إلى بكسر ففتح مقصوراً كعنب وأعناب، أو بفتحتين مقصوراً كقفا وأقفاء، وبهما ينشد قول الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحمي ولا يخون إلى
وقوله تعميم الخ أي مطلق آلاء الله لا قوله زادكم كما توهم. قوله: (لكي يفضي الخ (
لما كان الفلاج لا يترتب على مجرّد ذكر النعم جعل ذكرها عبارة عما يلزمها من شكرها الذي من جملته عمل الأركان، ولطاعة فالشكر عرفيّ وهو كناية. قوله:) استبعدوا اختصاص الخ) الاستبعاد مستفاد من الاستفهام وسوق الكلام والانهماك الإكثار والتقيد بالشيء، وألفوه من الألف والمحبة، وفي نسخة ألفوه بسكون اللام أي وجدوه. قوله:) ومعنى المجيء الخ (لما كان بين أظهرهم وفيهم أوّل بأنه كان في مكان معتزلاً عنهم للعبادة أو لئلا يرى سوء صنيعهم، فجاءهم حقيقة لينذرهم، أو أن المراد به أجئتنا ونزلت علينا من السماء، تهكما بناء على زعمهم أنّ المرسل من الله لا يكون إلا ملكأ، أو مجاز عن القصد إلى شيء، والشروع فيه فإنّ
جاء وقام وقعد وذهب تستعمله العرب كذلك تصويراً للحال، فتقول قعد يفعل كذا وقام يشتمني، وذهب يسبني قال:
فاليوم إذ قمت تهجوني وتشتمني
كما فصله المرزوقي في شرح الحماسة. قوله: (قد وجب أو حق أو نزل الخ) يعني استعمال وقع المخصوص بنزول الأجسام في الرجس، والغضب مجاز عن الوجوب بمعنى اللزوم من إطلاق السبب على المسبب، كما أنّ الوجوب الشرعي كان بمعنى الوقوع فتجوّز به عما ذكر، ويجوز أن يكون استعارة تبعية شبه تعلق ذلك بهم بنزول جسم من علو، وهو المراد بقوله نزل عليكم كذا قيل والظاهر أنه يريد أنّ وقع بمعنى قضى وقدر، لأنّ المقدرات تضاف إلى السماء، وما قيل إنّ التجوّز في كلمة على لأنّ العذاب لقوّة الثبوت كأنه استعلاء، أو لأنّ أكثر العذاب ينزل من صوب السماء، فضمن معنى النزول فلا وجه له، وقوله: (على أنّ المتوقع (وجه للتعبير بالمضيّ عما سيقع ولا يخفى لطف، كالواقع هنا لقوله في النظم وقع، فالتجوّز إما في المادة أو الهيئة، والارتجاس والارتجاز بمعنى حتى قيل أنّ أحدهما مبدل من الآخر، وأصل معنا. الاضطراب، ثم شاع في العذاب لاضطراب من حل به، وفسر الغضب بالغضب الإلهي وارادة الانتقام كما مرّ تحقيقه في الفاتحة لئلا يتكرّر مع ذكر العذاب قبله. قوله:
стр. 1265
(في أشياء سميتموها آلهة الخ) جعل الأسماء عبارة عن الأصنام الباطلة، كما يقال لما لا يليق ما هو إلا مجرّد اسم، فالمعنى أتجادلونني في مسميات لها أسماء لا تليق بها، فتوجه الدمّ للتسمية الخالية عن المعنى، والضمير حينئذ راجع لأسماء وهي المفعول الأوّل للتسمية، والثاني آلهة ولو عكس لزم الاستخدام، وقوله ما نزل الله بها من سلطان أي حجة ودليل تهكم كما مرّ في قوله: ﴿أَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ فهو تعليق بالمحال، واليه يثير قوله
أنها لو اسنحقت أي استحقت العبادة، وكون الاسم غير المسمى أو عينه تقدّم الكلام عليه في أوّل الكتاب، واللغات هل لي توقيفية أم لا، واضعها الله أو العرب، والكلام فيه والاستدلال مفصل في أصول الفقه، ووجه ضعفها يعلم من تقرير كلام المصنف ﵀؟ كما بيناه لك فلا نطيل بغير طائل، وقوله لما وضح ما مصدرية وهو تعليل لنزول العذاب، ونزول العذاب مفعول انتظروا وهو بيان! موقع الفاء في النظم، وقوله في الدين إشارة إلى أن المعية مجاز عن المتابعة. قوله: (أي استأصلناهم (يعني أن قطع الدابر كناية عن الاستئصال إلى إهلاك الجميع لأنّ المعتاد في الآفة إذا أصابت الآخر أن تمرّ على غيره، والشيء إذا امتد أصله أخذ برمته، والدابر بمعنى الآخر. قوله: (تعريض بمن آمن منهم الخ) قال الطيبي ﵀ يعني إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين وعلم أنّ سبب النجاة هو الإيمان لا غير تزيد رغبته فيه ويعظم قدره عنده. قوله: (روي أنهم كانوا يعبدون الآصنام الخ (إمساك القطر عدم المطر، وجهدهم البلاء، بمعنى شق عليهم، وأذاهم من الجهد، وقيل بفتح القاف وسكون الياء علم ومعنا. السيد الذي يسمع قوله وأصله قبول فأعل إعلال ميت وأطلق على كل ملك من حمير
وكونهم أخوال معاوية بن بكر لأنّ أمّه من قبيلتهم كما ذكره البغويّ، والفينة الجارية مطلقاً ويراد بها المغنية، وهو المراد هنا وكان اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة، فقيل لهما جرادتان على التغليب، وقوله أهمه ذلك أي أورثه غما واستحياه أي من ضيوفه لئلا يظنوا أنه ملهم، فذكر ذلك للجاريتين فقالا له: قل شعرا يذكرهما بما قدما له لنغنيهم به فيفطنوا لذلك من غير علم بأنه منك فقال ذلك: وويحك ترحم وهينم أمر من الهينمة وهي الصوت الخفيّ، والمراد اح، وقد امسوا بنقل حركة الهمزة للدال الساكنة وما يبينون الكلاما أي ضعفوا ومرضوا من القحط وقال من قال مرثد لأنه كان مؤمنا يكتم إيمانه، وقوله ما كنت تسقيهم ما موصولة وكونها نافية بعيد، وقوله فأنشأ الله أي خلق وأظهر، وقوله ناداه مناد من السماء الخ. قيل كان كذلك يفعل الله بمن دعاه إذ ذاك وسود السحاب أغزر ماء كما هو معروف، وقوله: (وادي المنيث) بوزن الفاعل من الغيث اسم واد لهم مشهور عندهم وريح عقيم لا مطر معها وهذا لمعاوية وبعده:
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما
والقصة طويلة مذكورة في السير، وعاد المذكورة عاد الأولى ونسلهم عاد الآخرة. قوله:
(سموا باسم أبيهم ا! بر الخ) يعني أنّ القبيلة سميت باسم الجد، كما يقال تميم أو سميت بمنقول من ثمد الماء إذا قل وبعد التسمية به ورد فيه الصرف وعدمه، أما الثاني فلأنه اسم القبيلة ففيه العلمية والتأنيث، وأتا الأوّل فلأنه اسم للحيّ أو لأنه لما كان اسمها الجد أو القليل من الماء كان مصروفا لأنه علم مذكر أو اسم جنس، فبعد النقل حكى أصله، والحجر بكسر الحاء اسم أرض معروف، وفي قوله ابن ثمود بيان لأنّ الأخوة نسبية. قوله: امعجزة ظاهرة الدلالة) بيان لوجه إطلاقها عليها ومن ربكم متعلق بجاءتكم أو صفة بينة ومن لابتداء الغاية أو للتبعيض، إن قدر من بينات ربكم وليس بلازم على تقدير الوصفية ما قيل. قوله: (استئناف لبيانها الخ (أي لبيان البينة والمعجزة، أي استئناف نحويّ، وجوّز أن يكون استثنافا بيانيا جوابا لسؤال مقدر، تقديره أين هي ما لا هي حتى ينافي القصة وأنهم سألوها، ويقال أن الظاهر حينئذ أن يقال هي ناقة الله، وجوّز في هذه الجملة أن تكون بدلاً من بينة بدل جملة من مفرد للتفسير. قوله: (وآية نصب على الحال الخ) وهي حال مؤكدة وكون العامل فيها معنى الإشارة لأنه فعل معنى أي أشير، ولذا سماه النحاة العامل المعنوي، وتحقيقه مرّت الإشارة إليه، وقوله
ولكم
следующие страницы →