Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
معناه إلى أقل ما يطلق عليه اسم الضلال، وهذا معنى كونه أخص! ، ولا يبعد تفسيره بالأقل فردا وظاهر، أنّ نفيه أبلغ من نفي الجنس المحتمل للكثرة، أو الانصراف إلى الكمال، كما يحتمل نفس الماهية، ولا كذلك احتمال رجوع النفي في المرة إلى الوحدة، بمعنى ليس بي ضلالة بل ضلالات، كما في جاءني رجل بل رجلان لأنه مضمحل، في هذا المقام لا مجال للوهم فيه فسقط ما أورد على ذلك برمته، وأغنى عما وقع هنا للشراح من القيل والقال، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله شيء من الضلال فتدبر، وقوله بالغ في النفي حيث نفى عن نفسه ملابسة ضلالة واحدة، وبالغوا في الإثبات حيث أكدوا كلامهم بأنّ واللام، وجعلوا الضلال ظرفا له، وقوله وعرض لهم به لأنّ تقديم المقيد لاختصاص النفي به يقتضي أنه ثابت لهم، وهو المراد بالتعريض لأنه من عرض الكلام ومفهومه. قوله: (استدراك باعتبار ما يلزمه الخ) في الكشاف فإن قلت كيف وقع قوله ولكني رسول استدراكاً للانتفاء عن الضلالة، قلت كونه رسولاً من الله مبلغا رسالاته ناصحا في معنى كونه على الصراط المستقيم فصح لذلك أن يكون استدراكا للانتفاء عن الضلالة، فقيل عليه معنى الاستدراك أن يقع للمخاطب في الجملة السابقة وهم فيتدارك ذلك الوهم بإزالته، فلما نفى الضلالة عن نفسه فربما يتوهم المخاطب انتفاء الرسالة أيضاً كما انتفى الضلالة فاستدركه بلكن، كما في قولك زيد ليس بفقيه، لكنه طبيب، وأما جوابه بأن إثبات الرسالة في معنى الاهتداء واثبات الاهتداء استدراك لنفي الضلالة ففيه بعد، لأنه لما نفى الضلالة لم يذهب وهم واهم إلى نفي الاهتداء أيضاً حتى يحتاج إلى تداركه، ويمكن أن يقال إذا لم يسلك طريقا فلا
اهتداء ولا ضلال، وقال النحرير: متعقبا له إن كان القصد إلى مجرّد كون لكن يتوسط بين كلامين متغايرين نفيا واثباتاً فوجه السؤال والجواب ظاهر، وأمّ إذا أريد بالاستدراك رفع التوهم الناشئ من الكلام السابق على ما هو المشهور، وعلى ما قاله المصنف رحمه الله تعالى معنى الاستدراك أنّ الجملة التي يسوقها أولأ يقع فيها وهم للمخاطب فيتدارك ذلك الوهم بإزالته، كقولك زيد ليس بفقيه ولكته طبيب، ففي الكلام إشكال لأن نفي الضلالة ليس مما يقع فيه نفي كونه رسولأ، وعلى صراط مستقيم، وما في الكتاب غير واف بحله بل ترك ما ذكره من التأويل أولى، إذ يمكن أن يقال ربما يتوهم المخاطب عند نفي الضلالة انتفاء الرسالة أيضاً، لكن توهم انتفاء الهداية مما لا وجه له إذ من البعيد أن يقال نفي الضلالة، ربما يوهم نفي سلوك الطريق المستقيم، وحيث لا سلوك لا هداية، كما لا ضلالة والظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى لم يقصد سوى أنه عند نفي أحد المتقابلين قد سبق الوهم إلى انتفاء المقابل الآخر، لا إلى انتفاء الأمور التي لا تعلق لها به، فأول ما وقع في معرض الاستدراك بما يقابل الضلال مثلا يقال زيد ليس بقائم لكنه قاعد، ولا يقال لكنه شارب إلا بعد التأويل بأن الشارب يكون قاعدآ، وقد قيل: إنّ القوم لما أثبتوا له الضلالة أرادوا به ترك دين الآباء ودعوى الرسالة، فهو حين نفي الضلالة توهم منه أنه على دين آبائه، وترك دعوى الرسالة، فوقع الأخبار بأنه رسول، وثابت على الصراط المستقيم أستدراكا لذلك، ولا خفاء في أن هذا ليس كلام الكتاب، اهـ وما ذكره تحقيق بديع لكن المذكور في العربية كما نقله صاحب المغني أنّ للنحاة في الاستدراك ولزومه لها قولين: فقيل الاستدراك أن تنسب لما بعدها حكما مخالفاً لما قبلها سواء تغايرا إثباتا ونفياً أولاً، وقيل هو رفع ما يتوهم ثبوته، وهو التحقيق كما يشهد به من تتبع موارد الاستعمال، وما ذكره أوّلاً مخالف للقولين إلا أن يرجع إليه بضرب من التأويل، وقال بعض المتأخرين من علماء الروم: النظر الصائب في الاستدراك هنا أن يكون مثل قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
الخ وقوله:
سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
أي ليس بي ضلالة وعيب، لكني رسول من رب العالمين فليتأفل، ومحصل كلام المصنف رحمه الله تعالى أنها واقعة بين متغايرين بحسب التأويل، وهي تفيد التأكيد في مثله، كما صرح به النحاة فلا يرد السؤال الذي أورده بعضهم هنا، وهو فإن قيل لا فائدة في الاستدراك لأنّ نفي الضلالة يستلزم الهدي، قلنا المراد من الهدي الهداية الكاملة، ونفي الضلالة لا يستلزمها. قوله: (صفات لرسول أو استئناف) قيل إذا كانت الجملة صفات جاز فيها التكلم لأنها خبر
стр. 1262
المتكلم كقوله:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
والقياس سمته لكنه حمل على المعنى لا من اللبس، وهو مع ذلك قبيح حتى قال المازنيّ رحمه الله تعالى لولا شهرته لرددته، فينبغي الحمل على الاستثناء إذ لا وجه للحمل على الضعيف مع وجود القوي، قلت لا وجه لهذا لأنّ ما ذكره المازني في صلة الموصول لا في وصف النكرة فإنه وارد في القرآن مثل: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أسورة النمل، الآية: ٥٥] مصرج بحسنه في كتب النحو والمعاني، مع أنّ ما ذكره المازني وتبعه ابن جني حتى استرذل قول المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
ردّه النحاة وقال في الانتصاف أنه حسن في الاستعمال، وهذا إذا لم يكن الضمير مؤخراً
نحو الذي قرى الضيوف أنا أو كان للتشبيه نحو أنا في الشجاعة الذي قتل مرحبا، وقوله بالتخفيف أي تسكين الباء وتخفيف اللام لا تشديدها، وقوله: (على الوجهين) أي ألاستئناف والوصفية، فهي فيهما بيان للرسول بأنه الذي يبلغ عن الله الخ. قوله: (وجمع الرسالات الخ) أي رسالة كل نبيّ واحدة وهي مصدر الأصل فيه أن لا يجمع، فجمع هنا لاختلاف أوقاتها فكل وقت له إرسال، أو تنوّع معاني ما أرسل به، أو أنه أريد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقوله: (للدلالة على إمحاض النصح) بناء على أنّ اللام فيه للاختصاص لا زائدة للدلالة على أنّ الغرضى ليس غير النصح، وليس النصح لغيرهم كما قيل، والمراد بكون النصح ليس لغيرهم أن نفعه يعود عليهم لا عليه كقوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾ وهذا هو المستفاد من اللام بواسطة الاختصاص، وأمّا كونه لا غرض له غير النصح في تبليغه، فإمّا من ذكر النصح بعده أو لأن معناه كما قال الراغب: يتضمن الخلوص عما يخالفه من قولهم عسل ناصح أي خالص، فلا يرد على الأوّل أن دلالة اللام عليه غير ظاهرة، وعلى الثاني أنه لا وجه للحصر فيهم لا سيما ودعوة نوح ﵊ عامة لمن في عصره، فتدبر ووجه التقرير لأنّ سعة علمه تقتضي تصديقه فيما أخبرهم به. قوله: (من قدرته الخ) فمن بيانية لما مقدمة عليه وفيه مضاف فقدر، وعلى الوجه الثاني من ابتدائية ولا تقدير فيه،
والاستفهام للإنكار بمعنى لم كان ذلك ولا داعي له، والكلام في تقدير المعطوف وعدمه معلوم مما مر، وتفصيله في أول المغني وان جاءكم بتقدير من لتعديته بها، وفسر الذكر بما أرسل به كما قيل للقرآن ذكراً وبالمواعظة لأنها تذكير وقدراسان في قوله على رجل المتعلق بجاء لأنه لا يقال جاء عليه بل جاء على يده أو على لسانه، يعني بواسطته وقيل على بمعنى مع فلا حاجة إلى التقدير، وقيل تعلق به لأنّ معناه أنزل أو لأنه ضمن معناه، وقوله من جملنكم أو من جنسكم إشارة إلى أنّ من تبعيضية أو بيانية. وقوله: (نإنهم الخ) على الوجهين بيان للتعجب من كونه جاء على لسان رجل، وليس مخصوصا بالثاني كما توهم، وقوله من إرسال البشر أي من دعواه، وعاقبة الكفر والمعاصي العذاب والعقاب، وضمير منهما للكفر والمعاصي. قوله: (بسبب لإنذار الخ) أراد أنه سبب في نفسه لا أنّ الكلام دال عليه، وكذا فيما بعده فلا يرد الاعتراض عليه بأنه لم يعتبر السببية، والا لقيل فتنقوا مع أنه تابعه قيما بعده فورد عليه ما ورد فتأمّل. وقوله وفائدة حرف الترجي الخ وقيل هو جار على عبادة العظماء في وعدهم بلعل. قوله تعالى ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ الخ الفاء للسببية باعتبار الإعراق لا فصيحة، وفي الشعراء ثم أغرقنا لأنّ الإنجاء ثمة من قصدهم له كما ذكره هناك وقوله وهم من آمن به خصه بالبشر لمقابلته بإغراق المكذبين وإن كان معه بعض الحيوإنات وقوله: (وكانوا أربعين) الخ أي الناجون فلا يخالفه ما هو في هود من أن من آمن به تسعة وسبعون. قوله: (متعلق بمعه الخ) أي يجوز أن يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة، كما يجوز أن يكون صلة ومعه متعلق به، أو متعلق بأنجينا وفي ظرفية أو سببية أو حال من الموصول متعلق بمقدر أي كائنين فيها، أو حال من الضمير المستتر في الظرف، والفرق بينه وبين الأول لفظا أن له متعلقا مقدراً على هذا، ومعنى التصريح بالغية هذا بعد ما كانت ضمنا وفيه نظر. وقوله عمي القلوب بضم العين وسكون الميم جمع أعمى، وبفتح العين وكسر الميم على أنه مفرد أو جمع سقطت نونه للإضافة. قوله: (والأوّل أبلغ الخ) فرق بين عم وعامى بأن عم صفة مشبهة تدل على الثبوت كفرح بخلاف عام فهو أبلغ، وقيل عم لعمي البصيرة، وعام لأعمى البصر
стр. 1263
وقيل هما سواء فيهما. قوله: (عطف على نوحاً إلى
قومه) أي عطف المجموع على المجموع وغير الأسلوب لأجل ضمير أخاهم، إذ لو أتى به على سنن الأول عاد الضمير إلى متأخر لفظ، ورتبة وهوداً عطف بيان أو بدل وعاد اسم أبيهم سميت به القبيلة أو الحيّ، فيجوز صرفه وعدمه كثمود كما ذكره سيبويه وأمّا هودءلمج! ر فاشتهر أنه عربي، وظاهر كلام سيبويه ﵀ أنه أعجمي ويشهد له ما قيل إنّ أول العرب بعرب، ومعنى أخاهم إنه منهم نسبا وهو قول للنسابين، ومن لا يقول به يقول إن المراد صاحبهم وواحد في جملتهم، كما تقول يا أخا العرب، وبين حكمة كون النبيّ ﷺ يبعث من قومه لأنهم أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله. قوله: (استأنف به ولم يعطف الخ) أي لم يعطف هذا ولا قال الآتي في جوابهم لجعله جواب سؤال مقدر، بخلاف ما مرّ في قصة نوج ﷺ ، فغاير بينهما تفنناً كما ذكره الزمخشريّ. وقيل عليه إنه غير كاف في الفرق فإنّ الرسالة كما هي مظنة السؤال هنا، كذلك هي مظنة السؤال ثمة فالأولى أن يقال كان نوح يك! يرو مواظبا على دعوتهم غير مؤخر لجواب شبههم لحظة واحدة، وأما هود ﷺ فما كان مبالغا إلى هذا الحد فلذا جاء التعقيب في كلام نوح ﵇، وقيل إنه يصلح عذر الترك الفاء لا لترك الوصل والكلام فيه، وقيل إنّ تتمة هذا الجواب أنّ قصة نوج ﵇ ابتداء كلام فليست مظنة سؤال بخلاف قصة هود ﷺ فإنها معطوفة على قصة نوح ﵇، فكانت مظنة أن يقال أقال هود مثل ما قال نوج أم لا، وقيل عليه إنه تغيير للتقرير بتقرير آخر وليس بشيء. قوله: (وكأن قومه كانوا أقرب من قوم نوح ﵇ ولذلك قال الخ) أي كانوا أقرب إلى قبول الحق واجابة الدعوة من قوم نوج ﷺ ، ولذلك أطلق الملأ المعاندين من قوم نوح وقيده هنا بمن كفر منهم، وفيه إشارة إلى وجه قوله هنا أفلا تتقون، وقوله هناك: ﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٩] فإنه أشدّ من التخويف وقيل في وجهه إنها أوّل وقعة عظيمة بخلاف هذه فتدبر. قوله: (إذ كان من إشرافهم من آمن الخ) فلم يكن من أشراف قوم نوح ﵊ مؤمن، فعلى هذا ما ورد في سورة المؤمنين: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٢٤] الخ في وصف نوج يكتنرو محمول على أنه هناك للذمّ لا للتمييز وإنما لم يذمّ هاهنا للإشارة إلى التفرقة بين قوم نوج
وقوم هود عليهما الصلاة والسلام ولو حمل الوصف على الذمّ هنا، وفرق بأنّ مقتضى المقام ذمّ قوم هود لشدة عنادهم لقولهم إنا لنراك في سفاهة مع كونه معروفا بينهم بالحلم والرشد، وذم قوم نوح في سورة المؤمنين لعنادهم بقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٢٤-٢٥] لما فيه من فرط العناد، ثم إنه قيل إنّ الظاهر أن ما نقل هنا عن قوم نوج ﷺ مقالتهم في مجلس أو مقالة بعضهم، وما نقل في سورة المؤمنين مقالتهم في مجلس آخر، أو مقالة بعض آخر، فروعي في المقامين مقتضى كل من المقالتين، ثم إن شذة عناد من عاند من قوم هود ﷺ لا تنافي قرب جملتهم من جملة قوم نوج، حيث آمن بعض أشرافهم دون أشراف قوم نوجء! ر، فإن قلت قوله إذ كان من أشراف قومه من آمن يقتضي أنّ قوم نوج ﵊ ليسوا كذلك، وهو ينافي قوله في تفسير قوله والذين آمنوا معه أنه آمن معه أربعون رجلاً وأربعون امرأة، وقوله تعالى: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة هود، الآية: ٣٦] قلت هؤلاء لم يكونوا من السادات كما هو المعتاد في اتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وفيل إنه وقت مخاطبة نوح جمز لقومه لم يكونوا آمنوا، بخلاف قوم هود، ومثله يحتاج إلى النقل. قوله: (متمكناً في خفة عقل راسخا فيها (حيث لم يقل سفيها، وجعله متمكنا فيها تمكن الظرف في المظروف، ففيه استعارة تبعية مع أن واللام المؤكدة لذلك، وقوله حيث فارقت الخ تعليل لذلك. وقوله ولكني رسول مرّ تحقيق الكلام فيه. قوله: (وفي إجابة الآنبياء عليهم الصلاة والسلام الكفرة الخ (توصيفه الكلمات بالحماقة مبالغة، والمعنى الأحمق قائلها فهو مجاز، وقوله عن مقابلتهم أي
стр. 1264
بالتسفه والتكذيب وهضم النفس من قوله على رجل منكم، وقوله تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين النصح والأمانة، فليس من حقه أن يتهم بالكذب ونحوه، وذكر هذا في الكشاف، ثم قال وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه، وفي الكشف الفرق بين الوجهين بحسب تقدير المتعلق للنصح والأمانة وجعلهما من قبيل المهجور ذكر متعلقه، والثاني يفيد أنه أوحدي فيه موجد للحقيقتين كأنه صناعته، فلذلك قال عرفت فيما بينكم، وقال الطيبي وحمه الله إنه على الأوّل اعتراض، وعلى الثاني حال، كما مرّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٥١] وهذا كله من العدول عن الفعلية إلى الاسمية المفيدة للتحقق
والثبوت، ووقع في نسخة هنا وقرأ أبو عمرو أبلغكم بالتخفيف يعني من الأفعال والباقون بالتشديد في الموضعين، وفي الأحقاف والتضعيف والهمزة للتعدية. قوله: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء) إذ ظرف منصوب بآلاء المحذوف هنا بقرينة ما بعده لتضمته معنى الفعل، والذي اختاره الزمخشريّ أنه مفعول اذكروا، أي اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسام، كما مرج تفصيله في البقرة، وهو أقرب مما مرّ لكنه مبنيّ على الاتساع في الظرف، أو أنه غير لازم للظرفية، والمشهور في النحو أنّ إذ وإذا لازمان للظرفية، وفي الخلق يحتمل أنه بمعنى المخلوقين، أي زداكم في الناس على أمثالكم بسطة أي قوّة، وزيادة جسم لأنه روي أن أقصرهم كان ستين ذراعا، وعالج موضع مشهور بكثرة الرمل، وعمان بالضم والتخفيف بلد ينسب إليه البحر، ووقع في نسخة شجر بشين معجمة وحاء مهملة، وهو ساحل له ينسب إليه العنبر، وعلى أن المراد الملك الإسناد إليهم مجاز لكونه من بعضهم، وقوله خوفهم من عقاب الله هو من قوله تتقون كما فسره والنعم ظاهرة. قوله: (آلاء الله (هي نعمه جمع إلي بكسر الهمزة وسكون اللام، كحمل وأحمال، أو إلى بضم فسكون كقفل وأقفال، أو إلى بكسر ففتح مقصوراً كعنب وأعناب، أو بفتحتين مقصوراً كقفا وأقفاء، وبهما ينشد قول الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحمي ولا يخون إلى
وقوله تعميم الخ أي مطلق آلاء الله لا قوله زادكم كما توهم. قوله: (لكي يفضي الخ (
لما كان الفلاج لا يترتب على مجرّد ذكر النعم جعل ذكرها عبارة عما يلزمها من شكرها الذي من جملته عمل الأركان، ولطاعة فالشكر عرفيّ وهو كناية. قوله:) استبعدوا اختصاص الخ) الاستبعاد مستفاد من الاستفهام وسوق الكلام والانهماك الإكثار والتقيد بالشيء، وألفوه من الألف والمحبة، وفي نسخة ألفوه بسكون اللام أي وجدوه. قوله:) ومعنى المجيء الخ (لما كان بين أظهرهم وفيهم أوّل بأنه كان في مكان معتزلاً عنهم للعبادة أو لئلا يرى سوء صنيعهم، فجاءهم حقيقة لينذرهم، أو أن المراد به أجئتنا ونزلت علينا من السماء، تهكما بناء على زعمهم أنّ المرسل من الله لا يكون إلا ملكأ، أو مجاز عن القصد إلى شيء، والشروع فيه فإنّ
جاء وقام وقعد وذهب تستعمله العرب كذلك تصويراً للحال، فتقول قعد يفعل كذا وقام يشتمني، وذهب يسبني قال:
فاليوم إذ قمت تهجوني وتشتمني
كما فصله المرزوقي في شرح الحماسة. قوله: (قد وجب أو حق أو نزل الخ) يعني استعمال وقع المخصوص بنزول الأجسام في الرجس، والغضب مجاز عن الوجوب بمعنى اللزوم من إطلاق السبب على المسبب، كما أنّ الوجوب الشرعي كان بمعنى الوقوع فتجوّز به عما ذكر، ويجوز أن يكون استعارة تبعية شبه تعلق ذلك بهم بنزول جسم من علو، وهو المراد بقوله نزل عليكم كذا قيل والظاهر أنه يريد أنّ وقع بمعنى قضى وقدر، لأنّ المقدرات تضاف إلى السماء، وما قيل إنّ التجوّز في كلمة على لأنّ العذاب لقوّة الثبوت كأنه استعلاء، أو لأنّ أكثر العذاب ينزل من صوب السماء، فضمن معنى النزول فلا وجه له، وقوله: (على أنّ المتوقع (وجه للتعبير بالمضيّ عما سيقع ولا يخفى لطف، كالواقع هنا لقوله في النظم وقع، فالتجوّز إما في المادة أو الهيئة، والارتجاس والارتجاز بمعنى حتى قيل أنّ أحدهما مبدل من الآخر، وأصل معنا. الاضطراب، ثم شاع في العذاب لاضطراب من حل به، وفسر الغضب بالغضب الإلهي وارادة الانتقام كما مرّ تحقيقه في الفاتحة لئلا يتكرّر مع ذكر العذاب قبله. قوله:
стр. 1265
(في أشياء سميتموها آلهة الخ) جعل الأسماء عبارة عن الأصنام الباطلة، كما يقال لما لا يليق ما هو إلا مجرّد اسم، فالمعنى أتجادلونني في مسميات لها أسماء لا تليق بها، فتوجه الدمّ للتسمية الخالية عن المعنى، والضمير حينئذ راجع لأسماء وهي المفعول الأوّل للتسمية، والثاني آلهة ولو عكس لزم الاستخدام، وقوله ما نزل الله بها من سلطان أي حجة ودليل تهكم كما مرّ في قوله: ﴿أَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ فهو تعليق بالمحال، واليه يثير قوله
أنها لو اسنحقت أي استحقت العبادة، وكون الاسم غير المسمى أو عينه تقدّم الكلام عليه في أوّل الكتاب، واللغات هل لي توقيفية أم لا، واضعها الله أو العرب، والكلام فيه والاستدلال مفصل في أصول الفقه، ووجه ضعفها يعلم من تقرير كلام المصنف ﵀؟ كما بيناه لك فلا نطيل بغير طائل، وقوله لما وضح ما مصدرية وهو تعليل لنزول العذاب، ونزول العذاب مفعول انتظروا وهو بيان! موقع الفاء في النظم، وقوله في الدين إشارة إلى أن المعية مجاز عن المتابعة. قوله: (أي استأصلناهم (يعني أن قطع الدابر كناية عن الاستئصال إلى إهلاك الجميع لأنّ المعتاد في الآفة إذا أصابت الآخر أن تمرّ على غيره، والشيء إذا امتد أصله أخذ برمته، والدابر بمعنى الآخر. قوله: (تعريض بمن آمن منهم الخ) قال الطيبي ﵀ يعني إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين وعلم أنّ سبب النجاة هو الإيمان لا غير تزيد رغبته فيه ويعظم قدره عنده. قوله: (روي أنهم كانوا يعبدون الآصنام الخ (إمساك القطر عدم المطر، وجهدهم البلاء، بمعنى شق عليهم، وأذاهم من الجهد، وقيل بفتح القاف وسكون الياء علم ومعنا. السيد الذي يسمع قوله وأصله قبول فأعل إعلال ميت وأطلق على كل ملك من حمير
وكونهم أخوال معاوية بن بكر لأنّ أمّه من قبيلتهم كما ذكره البغويّ، والفينة الجارية مطلقاً ويراد بها المغنية، وهو المراد هنا وكان اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة، فقيل لهما جرادتان على التغليب، وقوله أهمه ذلك أي أورثه غما واستحياه أي من ضيوفه لئلا يظنوا أنه ملهم، فذكر ذلك للجاريتين فقالا له: قل شعرا يذكرهما بما قدما له لنغنيهم به فيفطنوا لذلك من غير علم بأنه منك فقال ذلك: وويحك ترحم وهينم أمر من الهينمة وهي الصوت الخفيّ، والمراد اح، وقد امسوا بنقل حركة الهمزة للدال الساكنة وما يبينون الكلاما أي ضعفوا ومرضوا من القحط وقال من قال مرثد لأنه كان مؤمنا يكتم إيمانه، وقوله ما كنت تسقيهم ما موصولة وكونها نافية بعيد، وقوله فأنشأ الله أي خلق وأظهر، وقوله ناداه مناد من السماء الخ. قيل كان كذلك يفعل الله بمن دعاه إذ ذاك وسود السحاب أغزر ماء كما هو معروف، وقوله: (وادي المنيث) بوزن الفاعل من الغيث اسم واد لهم مشهور عندهم وريح عقيم لا مطر معها وهذا لمعاوية وبعده:
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما
والقصة طويلة مذكورة في السير، وعاد المذكورة عاد الأولى ونسلهم عاد الآخرة. قوله:
(سموا باسم أبيهم ا! بر الخ) يعني أنّ القبيلة سميت باسم الجد، كما يقال تميم أو سميت بمنقول من ثمد الماء إذا قل وبعد التسمية به ورد فيه الصرف وعدمه، أما الثاني فلأنه اسم القبيلة ففيه العلمية والتأنيث، وأتا الأوّل فلأنه اسم للحيّ أو لأنه لما كان اسمها الجد أو القليل من الماء كان مصروفا لأنه علم مذكر أو اسم جنس، فبعد النقل حكى أصله، والحجر بكسر الحاء اسم أرض معروف، وفي قوله ابن ثمود بيان لأنّ الأخوة نسبية. قوله: امعجزة ظاهرة الدلالة) بيان لوجه إطلاقها عليها ومن ربكم متعلق بجاءتكم أو صفة بينة ومن لابتداء الغاية أو للتبعيض، إن قدر من بينات ربكم وليس بلازم على تقدير الوصفية ما قيل. قوله: (استئناف لبيانها الخ (أي لبيان البينة والمعجزة، أي استئناف نحويّ، وجوّز أن يكون استثنافا بيانيا جوابا لسؤال مقدر، تقديره أين هي ما لا هي حتى ينافي القصة وأنهم سألوها، ويقال أن الظاهر حينئذ أن يقال هي ناقة الله، وجوّز في هذه الجملة أن تكون بدلاً من بينة بدل جملة من مفرد للتفسير. قوله: (وآية نصب على الحال الخ) وهي حال مؤكدة وكون العامل فيها معنى الإشارة لأنه فعل معنى أي أشير، ولذا سماه النحاة العامل المعنوي، وتحقيقه مرّت الإشارة إليه، وقوله
ولكم
стр. 1266
بيان كما في سقيا له فيتعلق بمقدر لا غير، وإذا كان لكم خبرا فآية حال من الضمير المستتر فيه والعامل هو أو متعلقة كما تقرّر في النحو، وإضافتها إلى الله حقيقة وهي تفيد التعظيم إذ ليس كل إضافة تشريفية لأدنى ملابسة كما ذكره العلامة، أو لأنها ليست بواسطة إنتاج ولذلك كانت آية كما أن خلقها ليس تدريجياً كذلك. وقوله: (العشب) بيان لمفعوله المقدر لأنه معلوم وتأكل بالجزم جواب الأمر، وقرئ بالرفع فالجملة حالية، وفي أرض الله يجوز تعلقه بتأكل والأمر فهو من التنازع. قوله: (نهي عن المس الذي هو مقدّمة الإصابة الخ) فهو كقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٢ ا] إذ المعنى لا تجعلوا الأذى ما سالها، ولا يلزم من المجاورة والمس التأثير، ألا ترى أنه لا يلزم من مس السكين الجرح والقطع، وبلزم من عدم المس عدمه بالطريق الأولى، فلا وجه لما قيل إنّ عليه منعا ظاهراً، فإنّ المنهي عنه ليس مطلق المس بل هو المقيد بمقارنة السو، كالنهي في قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٣] إلا أن يجعل بسوء حالاً من الفاعل، والمعنى ولا تمسوها مع قصد السوء بها فضلاً عن الإصابة. قوله: (جواب للنهي (أي منصوب في جوابه والمعنى لا تجمعوا بين المس وأخذ العذاب إياكم، وأخذ العذاب وان لم يكن من صنيعهم لكنهم تعاطوا أسبابه، وقوله من بعد عاد لم يقل خلفاء عاد مع أنه أخصر إشارة إلى أنّ بينهما زمانا طويلاً، وبوّأكم بمعنى أنزلكم، والمباءة المنزل. قوله: (أي تبنون في سهولها الخ) فمن بمعنى في كما في قوله تعالى: ﴿نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٩] والسهل خلاف الحزن، وهو موضع الحجارة والجبال، أو من ابتدائية أو تبعيضية أي تعملون القصور من مادّ مأخوذة من السهل وهي الطين واللبن بكسر الباء الموحدة الطوب الذي لم يحرق، والآجرّ بالمد وتشديد الراء ما أحرق منه. قوله: (وتنحتون الجبال بيوتا الخ) النحت معروف في كل صلب ومضارعه مكسور الحاء، وقرأ الحسن بالفتح لحرف الحلق، وقرئ تنحاتون بالإشباع كينباع، وبيوتا حال مقدّرة لأنها حال النحت لم تكن بيوتا كخطت الثوب جبة والحالية باعتبار أنها بمعنى مسكونة أن قيل بالاشتقاق فيها وتقديره من الجبال ونصبه بنزع الخافض يرجحه أنه وقع في آية أخرى كذلك، ولا يعينه كما توهم، وإذا ضمن نحت معنى
اتخذ نصب مفعولين، وعنا بمعنى أفسد فمفسدين حال مؤكدة كولوا مدبرين، واستضعفوهم واستذلوهم بمعنى عدوهم ضعفاء وأذلاء. قوله: (بدل من الذين الخ) ما ذكره هو الظاهر وأن قيل إنّ كون الضمير لقومه لا يوجب ذلك البتة، إذ لا يخفى احتمال أن يكون بدل بعض، وعلى كونه بدل بعض يكون المستضعفون قسمين مؤمنين وكافرين، وعلى كونه بدل كل يكون الاستضعاف مقصوراً على المؤمنين ويكون الذين استضعفوا قسماً واحداً، ومن آمن تفسير للمستضعفين من قومه، وجعل الاستفهام للاستهزاء لأنهم يعلمون بأنهم عالمون بذلك، ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى الظاهر بل عدلوا عنه كما سترى. قوله:) عدلوا به عن الجواب الخ (أي هذا من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل والمخاطب بخلاف ما يترقب تنبيهاً له على أنه هو الذي ينبغي أن يسأل عنه، فهنا كأنهم قالوا لا ينبغي أن يسأل عن إرساله فإنه ظاهر لا يسأل عنه عاقل بل يسأل عمن اتبعه، وفاز بالاقتداء به ولذلك قال على المقابلة الخ أي مقتضى الظاهر سلوك طريق المجاراة، وسوق الكلام على وفق اعتقادهم والا ففي قولهم: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ تسليم للرسالة فكيف يكون أصل كلامهم، ولذا قال في الانتصاف إنهم لم يقولوه حذراً مما في ظاهره من إثبات رسالته وهم يجحدونها، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٢٧] وليس هذا موضع التهكم فإن الغرض إخبار كل من الفريقين عن حاله فلذا قال هنا كافرون والمقابلة بالعدول عن الظاهر كما عدلوا لأنهم جعلوا الإرسال مسلما فتركوه كما عدلوا عن قولهم نعم لأنّ إرساله لا شك فيه. قوله: (أسند إلى جميعهم فعل بعضهم للملابسة الخ (يعني الإسناد مجازي لملابسة الكل لذلك الفعل لكونه بين أظهرهم، وهم متفقون على الضلال والكفر أو لرضاهم أو لأمرهم لقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ ! سورة القمر، الآية: ٢٩] وليس المراد أنّ العقر مجاز لغوي عن الرضا بالنسبة إلى غير فاعله لتكلفه، وقيل لأنه لا يلزم أن لا يذكر العقر بالفعل وهو المقصود وفيه نظر. قوله: (واستكبروا عن امتثاله الخ
стр. 1267
(اختار أحد وجهين في الكشاف لأنه جوّز في الأمر أن يكون واحد الأمور أو الأوامر، والمصنف
﵀ اقتصر على الثاني لأنه إذا كان واحد الأوامر فعتوا إمّا مضمن لمعنى التولي فالمعنى تولوا واستكبروا عن امتثال أمره عاتين، أو مضمن معنى الإصدار أي صدر عتوّهم عن أمر ربهم، وبسببه فلولا ذلك الأمر وهو قوله ذروها الخ. ما ترتب العتوّ وان كان الثاني فالمعنى تولوا واستكبروا عن شأن الله أي دينه وهو بعيد، والداعي إلى التأويل بتولوا أو صدر أنّ عتا لا يتعدى بعن فتعديته به لتضمينه ذلك، كما في قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ والمصنف ﵀ ذهب إلى تضمينه استكبر لأنه ثبت عنده تعديته بعن، وقوله: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أمر للاستعجال لأنهم يعتقدون أنه لا يتأتى ذلك ولذا قالوا إن كتت من المرسلين.
قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الخ وقع في نسخة تفسير هذه الآية مقدماً وفي بعضها مؤخراً، والأمر فيه سهل وطعن بعض الملاحدة بأن هذه القصة ذكر فيها هنا أخذتهم الرجفة، وفي موضع آخر الصحيحة، وفي آخر بالطاغية، والقصة واحدة، ظن أنّ بين ذلك منافاة، وليس كما زعم فإن الصيحة العظيمة الخارقة للعادة حصل منها الرجفة لقلوبهم، وأما الإهلاك بذلك فسببه طغيانهم، وهو معنى قوله بالطاغية والى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله فأتتهم صيحة الخ، وفسر جاثمين في نسخة بخامدين ميتين لأنّ الجثوم معناه اللصوق بالأرض، وقوله فتقطعت قلوبهم تفسير للرجفة بأنها خفقان القلب واضطرابه حتى ينقطع، وفسرها بعضهم بالزلزلة، وجعل الصيحة من السماء، ويخالفه ما سيأتي في هود والحجر من أنها كان من تحتهم. قوله: (روي أنهم بعد عاد الخ) عمروا بتخفيف الميم من العمارة، ولا يجوز تشديدها إلا إذا كانت
من العمر، وخلفوهم بتخفيف فتح اللام أي صاروا خلفا عنهم، وعمروا مجهول مشدد الميم من العمر، ولا تفي بها إلا بينة أي فيهدم قبل أن يموت أحدهم ما بناه، والخصب بكسر الخاء كثرة النبات والثمار، وسعة أي سعة رزق، وقوله: اخرج معنا إلى عيدنا أي مصلى عيدنا، وقوله: (منفردة) أي منفصلة عن الجبل،) ومخترجة) بضم الميم وخاء معجمة ساكنة، وفتح التاء والراء والجيم أخرجت على خلقة الجمل، وقيل تشاكل البخت (وجوفاء) عظيمة البطن ووبراء كثيرة الوبر، ولتؤمنُنَّ بضم النون الأولى لأنه للجمع وتمخضت بالمعجمة أي تحرّكت، وتمخض النتوج أي كحركة الحامل بولدها، وعشراء كعلماء التي أتى عليها عشرة أشهر بعد طروق الفحل، ونتجت مبني للمفعول وأصله أن يتعدى لمفعولين، تقول نتجت الناقة فصيلا إذا ولدت نتاجا فإذا بني للمجهول يقام المفعول الأوّل، أو الثاني مقام الفاعل، وكون ولدها مثلها معجزة أيضا، وقوله غبا أي يوما بعد يوم، وتتفحج بفاء ثم حاء مهملة مشددة ثم جيم أي تفرج ما بين رجليها للحلب، وهرب الدوالت فزعاً من عظمها، وزينت أي ذكرته وحسنته هاتان المرأتان، والسقب ولد الناقة الذكر، والرغاء صوت ذوات الخف، وأنفجت بتشديد الجيم بعد الفاء أي انشقت، فقال أي صالح ﷺ تصبح أي تدخل قي الصباج أو تصير، وفلسطين بالفاء مدينة بأرض! الشأم، وتحنطوا من الحنوط وهو ما يطيب به الميت، والصبر بكسر الباء صمغ مرّ، وإنما تحنطوا به لئلا تأكلهم الهوامّ والسباع، والإنطاع جمع تطع بكسر النون وفتح الطاء وقد تسكن أديم معروف. قوله:) ظاهره أنّ توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين) أي ميتين وإنما قال ظاهره لأنه يجوز عطفه على قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [سررة الأعراف، الآية: ٧٨] فيكون لخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك لا بع! هـ، وعلى المتبادر فالخطاب إما كخطاب النبيّ لمجب! لقتلى المشركين حين ألقوا في قليب بدر أي بئره فوقف عليهم ونادى: " يا فلان يا قلان بأسمائهم إنا وجدنا ") ١ (الخ كما رواه البخاري وغيره بناء على أن الله يرذ أرواحهم إليهم فيسمعون مقاله، ويكون مما خص به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو أنه
ذكره للتحسر والتحزن كما تخاطب الديار والأطلال، وقوله: أي وأرسلنا لوطا أي هو منصوب بأرسلنا المقدم لا بآخر مقدر. قوله: (وقت قوله لهم أو واذكر الخ) على الأوّل هو متعلق بأرسلنا، ولذا قيل عليه أنّ الإرسال قبل وقت القول لا فيه، ودفع بأنه يعتبر الظرف ممتداً كما يقال زيد في أرض الروم فهو ظرف غير حقيقي يكفي وقوع المظروف في بعض أجزائه، وقوله أو واذكر لوط فيكون من عطف القصة
стр. 1268
على القصة، واذ بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية أو المعنى اذكر وقت إذ قال لقومه، وقيل العامل فيه على تقدير اذكر مقدر تقديره، واذكر رسالة لوط إذ قال فإذ منصوب برسالة قاله أبو البقاء ﵀. قوله: (توييخ وتقريع الخ) معنى قوله المتمادية في القبح أي التي بلغت أقصى القبح، وغايته يعني إنها أقبح الأفعال، قال في الأساس فلان لا يماديه أحد لا يجاريه إلى مدى. قوله: (ما فعلها قبلكم أحد الخ) فسره به لأنّ عدم السبق في فعل معناه ذلك، وإن كان يحتمل مساواة الغير فيها وقوله قط إشارة إلى استغراق النفي في الماضي الذي أفاده النظم، وكون اختراع السوء وسن السيئة أسوأ ظاهر إذ لا مجال للاعتذار عنه، وإن كان قبيحا كما هو عادتهم بقولهم إنا وجدنا فتأمل، وقوله والباء للتعدية في الكشاف، والباء للتعدية من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله، ومنه قوله ﷺ : " سبقك بها عكاشة " (١) قال أبو حيان ﵀ التعدية هاهنا قلقة جدا لأنّ الباء المعدية في الفعل المتعدي لواحد تجعل المفعول الأوّل يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء كالهمزة، فإذا قلت صكت الحجر بالحجر كان معناه أصككت الحجر الحجر أي جعلت الحجر يصك الحجر، وكذلك دفعت زيدأ بعمرو عن خالد معناه أدفعت زيداً عمراً، عن خالد أي جعلت زيدا يدفع عمرا عن خالد فللمفعول الأوّل تاً ثير في الثاني، ولا يصح هذا المعنى هنا إذا لا يصح أسبقت زيد الكرة أي جعلت زيداً يسبق الكرة إلا بتكلف، وهو أن تجعل ضربك الكرة أوّل ضربة قد سبقها وتقدمها في الزمان فلم يجتمعا، فالظاهر أنّ الباء للمصاحبة أي ما سبقكم أحد مصاحبا، وملتبسا بها، وليس بشيء بل المعنى على التعدية، ومعنى سبقته بالكرة أسبقت كرتي كرته لأنّ السبق بينهما لا بين الشخصين أو الضربين وكذا في الآية، ومثله يفهم من غير تكلف، ولذا قيل في معناه سبقت ضربه الكرة بضربي الكرة أي حعلت ضربي الكرة سابقا على
ضربه الكرة، وهذا معنى قوله إذا ضربتها فتدبر وقوله ومن الأولى لتأكيد النفي أي زائدة له. قوله: (والجملة استئناف) أي استثناف نحوقي أو بيانيّ كما في الكشاف كأنه قيل له لم لا نأتيها فقال ما سبقتكم بها أحد فلا تفعلوا ما لم تسبقوا إليه من المنكرات لأنه أشد، ولا يتوهم أن سبب إنكار الفاحشة كونها مخترعة، ولولاه لما أنكر إذ لا مجال له بعد كونها فاحشة، ولم يجعل من قبيل:
ولقد أمرّ على اللنيم يسبني
لتعين الفاحشة لكنه جوّز فيها الحالية من الفاعل أو المفعول. قوله:) بيان لقوله أتأتون الفاحشة الخ) ظاهره اختصاص البيان بقراءته بالاستفهام وقد صرّج المعرب بخلافه ولا مانع منه، وكونه أبلغ لما سيأتي في وجه التقييد، ولتأكيده بأن واللام والإتيان هنا بمعنى الجماع، ومن دون النساء حال من الرجال أي تأتونهم منفردين عن النساء وصفة شهوة وتعلقه به بعيد، والاستئناف هنا يحتمل النحوي والبياني أيضا. قوله:) وشهوة مفعول له) أي لأجل الاشتهاء لا غير ومشتهين، أو هو مصدر ناصبه تأتون لأنه بمعنى تشتهون. قوله:) وفي التقييد بها) أي على الوجهين لا على أحدهما كما توهم لأنّ الجماع لما لم ينفك عن الشهوة كان التقييد بها دليلا على قصدها دون غيرها فتأمّل. قوله: (إضراب عن الإنكار الخ) أي إضراب انتقالي إلى ما أدى إلى ذلك أو إلى بيان استجماعهم للعيوب كلها، والإضراب إمّا عما ذكر قبله أو عن غير مذكور وهو ما توهموه عذرهم فيه. قوله:) أي ما جاؤوا بما يكون جواباً الخ (أشار إلى أن النظم من قبيل:
تحية بينهم ضرب وجيع ولاعيب فيهم غيرأنّ سيوفهم
والقصد منه إلى نفي الجواب على أبلغ وجه فلا يقال التفير لا يوافق المفسر لأنه أثبت الجواب وقد نفاه. قوله: (والاستهزاء بهم) في الكشاف إنه سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش
وافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد. قوله: (من أمن به الخ) أي ليس المراد بالأهل الأقارب بل من اتبعه من المؤمنين كما صرح به في رواية أخرى، وقوله وأهلة وفي نسخة واغلة اسم امرأته، وقوله: (فإنها الخ) تعليل لعدم نجاتها. قوله: (من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا الخ) هذا إحدى الروايتين لأنه روي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت أحد منهم إلا هي فالتفتت فأصابها
стр. 1269
الحجر وهلكت، وروي أنه خلفها مع قومها وسيأتي تفصيله، وللغابر معنيان كما ذكره أهل اللغة المقيم وعليه قول الهذلي:
فغبرت بعدهم بعيش ناصب
أي أقمت ويكون بمعنى الماضي والذأهب، وعليه قول الأعشى:
في أمّة في الزمن الغابر
فهو مشترك ويكون بمعنى الهالك أيضا، وعلى الوجه الأوّل إنها كانت مع القوم الغابرين
فلا تغليب، أو كانت بعضا منهم فيكون تغليباً، كما في قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ أسورة التحريم، الآية: ١٢] كما مرّ. قوله: (أي نوعاً من المطر عجيباً الخ (أي التنكير للتعظيم والنوعية فلا منافاة بينهما، وسجيل معرّب معناه طين متحجر وفي الكشاف في الفرق بين مطر وأمطر مطرتهم أصابتهم بالمطر كغاثتهم وأمطرت عليهم كذا بمعنى أرسلته عليهم إرسال المطر، فأمطر علينا حجارة من السماء وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل، ومعنى وأمطرنا عليهم مطراً وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيباً يعني الحجارة ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [سورة النمل، الآية: ٥٨] وفي الانتصاف مقصوده الردّ على من يقول مطرت السماء في الخير وأمطرت في الشر، ويتوهم أنها تفرقة وضعية فبين أن معنى أمطرت أرسلت شيئا على نحو المطر، وان لم يكن إياه حتى لو أرسل الله من السماء أنواعاً من الخيرات والأرزاق، مثلاً كالمن والسلوى، جاز أن يقال فيه أمطرت السماء خيرات أي أرسلتها إرسال المطر، فليس للشر خصوصية في هذه الصيغة الرباعية، ولكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئاً سوى المطر، وكان عذاباً فظن أنّ الواقع اتفاقا مقصود في الواقع فنبه المصنف ﵀ على تحقيق الأمر فيه وأحسن وأجمل، ومنه يعلم أنّ ما نقل عن أبي عبيد وغيره من أن أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة مؤوّل وأن ردّ بقوله عارض ممطرنا فإنه عنى به الرحمة، وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى أنّ مطرا مفعول مطلق، وقيل أمطرنا هنا ضمن معنى أرسلنا، ولذا عدى بعلى ومطراً مفعول به، وقيل
الممطور كبريت ونار وسيأتي فيه أقوال أخر. قوله: (روي الخ) الأردن بضم الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الدال المهملة وتشديد النون قال بعض الفصلاء وقوله في القاموس، وتشديد الدال سهو منه (وسدوم) بفتح السين والدال مهملة ومعجمة كما ذكره الأزهري وغيره قرية قوم لوط سميت باسم رجل، وفي المثل أجور من قاضي سدوم، وخسف مبنيّ للمجهول، وقوله وقي الخ مرضه لأن ظاهر النظم يخالفه. قوله: (وأرسلنا الخ) إشارة إلى عطفه كما مرّ، وشعيب مفعول أرسلنا وهم أولاد مدين جملة معترضة، وهذا بناء على أنّ مدين علم لابن إبراهيم، ومنع صرفه للعلمية والعجمة، ثم سميت به القبيلة، وقيل هو عربيّ اسم بلد، ومنع صرفه للعلمية والتأنيث فلا بد من تقدير مضاف حينئذ، أي أهل مدين أو المجاز، وهو على هذا شاذ إذ القياس إعلاله كمقام فشد كمريم ومكوزة، وليس بشاذ عند المبرد قيل وهو الحق لجريانه على الفعل، وشعيب تصغير شعب أو شعب، قيل والصواب أنه وضع مرتجلا هكذا وليس مصغرا لأنّ أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز تصغيرها، وفيه نظر لأن الممنوع التصغير بعد الوضع لا المقارن له كما هنا. قوله: (وكان يقال له خطيب الآنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ (أخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله لمجي! إذا ذكر شعيبا يقول: " ذاك خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لحسن مراجعته قومه " (١ (والمراجعة مفاعلة من الرجوع وهي مجاز عن المحاورة، يقال راجعه القول وإنما عتى النبيّ كي! ما ذكر في هذه السورة ما يعلم بالتأمّل فيه. قوله:) يريد المعجزة الخ (أي المراد بالبينة ذلك لأنه لا بذ لكل نبيئ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من معجزة، قال بعضهم قال الزجاج: لم يكن لشعيب ﵊ معجزة، وهو غلط لأنه قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ﴾ [سورة الأعرأف، الآية: ٨٥] فجاء بالفاء بعد مجيء البينة، ولو اذعى مدع النبوّة بغير آية لم تقبل منه، لكن الله لم يذكرها، فلا يدل على عدمها يعني أنّ الفاء سببية فالمعنى قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوّني أوجبت عليكم الإيمان بها، والأخذ بما
أمرتكم به فأوفوا فلا وجه لما قيل أنّ البينة نفس شعيب ﵊. قوله: (وما روي من محاربة عصا موسى ﵊ الخ) مبتدأ خبره قوله فمتأخر الخ. وهو ردّ لقول الزمخشري ومن معجزات شعيب ﵊ ما روي من محاربة عصا موسى ﵊ للتنين الخ. فلا يجوز أن يراد هنا لأنه
стр. 1270
متأخر عن المقاولة، فلا يصح تفريع الإيفاء عليه ولأنه يحتمل أنه كرامة لموسى ﵊ أو إرهاص لنبوّته، وقيل إنه متعين وإن أدركه موسى لعدم مقارنة التحدي. قال الإمام ﵀ كلام الكشات مبني على أصل مختلف فيه لأنّ عندنا إنه إرهاص، وهو أن يظهر الله على يد من سيصير نبينا خوارق للعادة، وعند المعتزلة هو غير جائز. قال الطيبيب ﵀ وفيه نظر لأنه قال في آل عمران في تكليم الملائكة عليهم الصلاة والسلام لمريم إنه معجزة لزكريا ﵊، أو إرهاص لنبوّة عيسى ﵊. قوله: (وولادة الغنم التي دفعها) أي سلمها شعيب لموسى عليهما الصحلاة والسلام ليسقيها، والدرع بضم الدال المهملة وسكون الراء والعين المهملتين جمع أدرع أو درعاء وهي ما اسوذ رأسه وابيض سائره من الغنم والخيل، وقوله: (وكانت الموعودة له) أي وعده أنّ ما كان منها فهو له. قوله: (أي آ! ة الكيل على الإضمار (أي تقدير المضاف أو الكيل بمعنى ما يكال به مجارّاً كالعيش بمعنى ما يعاش به وإنما دعاه لهذا عطف الميزان عليه، وهو شائع في الآلة دون المصدر، ولذا قال لقوله وقوله: (كما قال في سورة هود) تأييد لأنّ الكيل بمعنى المكيال لأنه قال فيها المكيال والميزان، أو يؤول الثاني بتقدير مضاف هو مصدر معطوف على مثله، أو يجعل الميزان مصدرا ميه ياً بمعنى الوزن كالميعاد بمعنى الوعد وان كان قليلا. قوله: (ولا تنقصموهم حقوقهم الخ (البخس بمعنى النقص وكون الشيء عامّا واضح فعبر بما يفيد العموم لأجل أن ينبهوا على تجاوزهم عن شعيب ﵊، أو لينبهنا الله على ما كانوا عليه من ذلك، والأمر فيه سهل، فما قيل حق الكلام فإنهم يبخسون الجليل الخ لأنّ المقام للتعليل دون التنبيه، وغاية توجيهه أن مبنى المفاعيل لأجلها على اللام فتجعل اللام المقدرة فيها للعاقبة الخ. ما أطال به من غير طائل لا
داعي له ثم أنّ النهي عن النقص يوجب الأمر بالإيفاء، فقيل في فائدة التصريح بالمنهي عنه بيان لقبحه، وقيل غير ذلك مما يعين تفسيره على وجه أعم منه فتدبر، والمكس كان دراهم تؤخذ ممن يبيع في السوق في الجاهلية، فيصبح أن يراد بالبخس كلا من المعنيين والحيف الجور. قوله: (بعدما أصلح أمرها الخ) أي هو على حذف المضاف وهو الأمر أو الأهل أو إضافة المصدر إلى الفاعل على الإسناد المجازي إلى المكان، وقوله أو أصلحوا فيها بيان لحقيقة ذلك الإسناد وملابسته في الوجه الثاني تبل ذكره، ويصح أن يكون مراده أنه إضافة إلى المفعول، والتجوز في النسبة الإيقاعية لأنّ إصلاح ما في الأرض إصلاح لها، والتمثيل لمطلق التجوّز في الإسناد فإن قلت ما المانع من حمله على الحقيقة لأنّ الإصلاح يتعلق بالأرض نفسها كتعميرها واصلاح طرقها وجسورها إلى غير ذلك، قلت قوله: ﴿لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ يأباه، ولذا صح جعل الإضافة على معنى في لكنه لا يصح تفسير كلام الشيخين به كما وهم فيه بعض شراح الكشاف. توله: (إشارة إلى العمل بما أمرهم به الخ (في الكشاف إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض، أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه، أي هو إشارة إلى المذكور وإن تعدد أو إلى العمل بما ذكر، وهو واحد فهما وجهان لإفراد اسم الإشارة وتذكيره، فما قيل إنه لم يذكر الثاني لاتحادهما معنى وكون هذا أخص! غفلة عن مراده، والعمل بما نهى عنه الانتهاء عنه وتركه. قوله: (ومعنى الخيرية أمّا الزيادة مطلقا الخ) لأنّ المتبادر منه التفضيل، وقيل خير هنا ليس على بابه من التفضيل بل بمعنى نافع، وفي الكشاف يعني الخيرية في الإنسانية وحسن الأحدوثة، وما تطلبونه من التكسب والتربح لأنّ الناس أرغب في متجارتكم إذا عرفوا منكم الإماتة والسوية إن كنتم مؤمنين مصدقين لي في قولي ذلكم خير لكم، اهـ فحمل الإيمان على معناه اللغوي وهو التصديق بما ذكره لا على مقابل الكفر، ولذا خص الخيرية بأمر الدنيا، لكنه جوّز في هو حمله على معناه المعهود وتبعه المصنف رحمه الله تعالى قال: لأنهم وان سلموا بالامتثال عن تبعة البخس والتطفيف في الدنيا إلا أن استتباع الثواب مع النجاة مثروط بالإيمان به، فإن حمل قول المصنف ﵀ هنا مطلقاً على ذلك، فالأمر ظاهر وان كان معناه في الدنيا والآخرة بناء على أن الكفار يعذبون على المعاصي كما يعذبون على الكفر فتركها خير لهم أيضا، قيل والمراد الثاني لأنه
стр. 1271
فسر الفساد بالكفر، وليس لتعليق تركه على الإيمان معنى ويطلب الغرق في تجويزهما هناك لا هنا ثم إنّ تعليق الخير على تصديقه بتأويل العلم بالخيرية، والا فهو خير مطلقا إذ حينئذث شوقف تحقيق الخيرية في الإنسانية على تصديقهم، وليس كذلك، ولذا قيل ليس شرطا للخبرية بل
لفعلهم كأنه قيل فأتوا به إن كنتم صادقين كذا قال الرازي ويرذه كلام الكشاف، وقال الخيالي الأظهر أنّ ذلكم خير لكم معترضة والشرط متعلق بما سبق من الأوامر والنواهي، وفيه نظر قال الطيبي ﵀ ومثل هذا الشرط إنما يجاء به في آخر الكلام للتوكيد فعلم منه أنّ شعيبا ﵊ كان مشهوراً عندهم بالصدق والأمانة، كما كان رسول الله ﷺ عند قومه يدعى بالأمين (قلت) الفرق أنه ذكر عقيبه قوله: ﴿أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء﴾ [سورة هود، الآية: ٨٧] وهو يقتضي أنه أراد بالإيمان مقابل الكفر وتفسيره به له حسن ثمة إذ به يتخلص عن التكرار فتأمّل. والأحدوثة هنا الذكر الجميل، وقد ورد ذلك في كلام العرب وان قال الرضي إنها تختص بما لا يحسن كما بيناه في حواشيه. قوله: (بكل طريق من طرق الدين كالشيطان الخ) يعني أن القعود على الصراط تمثيل كما مز فيما حكى من قول الشيطان لأقعدن لهم صراطك المستقيم، إذ مثل إغواؤهم عن دين الحق بكل ما يمكن من الحيل بمن يريد أن يقطع الطريق على السابلة فيكمن لهم من حيث لا يدرون، وهذا نحوه في التمثيل فلذا قال كالشيطان. وقوله وصراط الحق توجيه للكلية، والمعارف جمع معرفة والمراد بها معرفة الله وصفاته. قوله: (وقيل كانوا يجلسون على المراصد الخ (معطوف على ما قبله بحسب المعنى، وعلى هذا لا يكون الكلام تمثيلا، ولا يكون سبيل الله من وضع الظاهر موضع المضمر، ويكون ضمير به لله وهل يكون توعدون، وما عطف عليه حالاً فقيل لا بل استئنافاً والأظهر الحالية، وقوله: (ويوعدون من آمن به) تقدير للمفعول المحذوف لا دلالة على أعمال الفعل الأوّل، والا كان المختار تصدونهم. قوله: (وقيل كانوا يقطعون الطريق الخ (ضعفه وأخره لعدم ملاءمة توعدون وتصدون له إذ لا يظهر تقييد قطع الطريق به، وترك كونهم عشارين المذكور في الكشاف لتكرّره مع قوله ولا تبخسوا على تفسيره. قوله: (يعني الذي قعدوا عليه الخ) إن كان على القول الأوّل فالقعود استعارة، قيل ويجوز أن يكون على الثاني فيراد بسبيل الله الدين الحق، ولا يكون من وضع الظاهر موضع المضمر. قوله: (أو الإيمان بالله) بالنصب عطف على الدّي قعدوا، وقوله: على الأوّل أي تفسير كل صراط بطرق الذين بخلاف الوجهين الآخرين. قوله: (أي بالله اللعلم به أو لكل صراط على تفسيره الأوّل، أو بسبيل الله لأنّ السبيل يذكر ويؤنث، قيل تركه المصنف ﵀ مع أنه أقرب لفظا، ومعنى
ليصح الكلام أيضا على تفسير سبيل الله بالإيمان بالله، وفيه نظر. قوله: (ومن مفعول تصذّون على أعمال الآقرب الخ) يعني أنه لو كان كذلك لكان من التنازع واعمال الأوّل فيلزم إظهار ضمير الثاني عند الجمهور إذ لا يجوز حذفه عندهم إلا في ضرورة الشعر، وهذا ردّ على الزمخشريّ، لكن مرّ أنّ مراده بيان محصل المعنى لا إعمال الأوّل، والحذف من الثاني حتى يرد عليه ما ذكر، أو يجعل تصدون بمعنى تعرضون لازما فلا يكون مما نحن فيه. قوله: (وتطلبون لسبيل الله عوجاً الخ) إشارة إلى أنه على الحذف والإيصال والعوج الذي طلبوه شبههم أو وصفهم لها بما ينقصها وألا فلا عوج فيها ولذا جوّز فيه التهكم في الكشاف، وعلى التفسير الأخير عوجها عدم أمنها، والعدد بالفتح معروف، وبالضم جمع عذة وهو ما يعدّ للنوائب من مال وسلاح وغيره، وقيل إن قليلا بمعنى مقلين أي فقراء، وإذ مفعول اذكروا أو ظرف لمقدّر كالحادث أو النعم، وقوله:) في النسل أو المال الف ونشر مر تب للعدد والعدد، وفي نسخة والمال والأولى أولى. قوله: (بين الفريقين الخ) أي الضمير للفريقين تغليبا ولذا أضيف إليه بين فلا حاجة إلى تقدير وبينكم، وخطاب اصبروا للمؤمنين، ويجوز أن يكون للفريقين أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، والكفار على ما يسوءهم من إيمانهم أو للكافرين أي تربصوا لتروا حكم الله بيننا وبينكم، وكلام المصنف ﵀ محتمل لذلك. قوله: (وهو خير الحاكمين إذ لا معقب لحكمه ولا
стр. 1272
حيف فيه (سيأتي الكلام على هذا التفضيل في أحسن الخالقين، ولا معقب لحكمه أي لا أحد يتعقبه ويبحث عن فعله من قولهم عقب الحاكم على حكم من قبله إذا تتبعه، وكونه كذلك يقتضي سداده، وخيرية الحكم إنما هي باعتباره فلا وجه لما قيل إنه يقتضي قوّته لا خيريته، وهو غنيّ عن الرذ وان ظنه شيئا.
قوله: (أي ليكونن أحد الأمرين) بيان لمعنى أو وما قيل إنه جواب أن يقال كيف يصح وقوع لتعودنّ جواباً للقسم، والعود ليس فعل المقسم يعني أنّ جواب أحد الأمرين وهو في وسعه يقتضي أنّ القسم لا يكون على فعل الغير، ولم يقل أحد به فإنه يقال والله ليضربن زيد من غير
نكير. قوله: (وشعيب ﵊ لم يكن في ملتهم قط) دفع لما يقال أنّ العود الرجوع إلى ما كان عليه قبل، وشعيب عتئ نبيّ معصوم عن الدّنوب فضلاً عن الكفر، فأشار المصنف رحمه ألله إلى أنه من باب التغليب فغلبوا عليه، والعائد منهم دونه كما غلب هو عليهم في الخطاب ففي الآية تغليبان أو تعود بمعنى تصير يعمل عمل كان كما أثبته بعض النحاة واللغويين، وسيأتي أنّ المصنف ﵀ جوّزه في سورة إبراهيم، وحينئذ فلا تغليب إلا أنه قيل إنه لا يلائم قوله بعد إذ نجانا الله منها إلا أن يقال بالتغليب فيه، أو يقال التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ [سورة الأعرأف، الآية: ٨٣] وأمثاله أو أنّ هذأ القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم، أو هو صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وايهاما لأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب ﵊ على طريق المشاكلة، وقيل إنه جار على نهج قوله: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٧] والإخراج يستدعي دخولاً سابقا فيما وقع الإخراج منه، ونحن نعلم أنّ المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر، ولا كان فيها وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد ميسراً لكل واحد منها متمكناً منه، لو أراده عبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله عنه إلى الإيمان اختياراً بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له ولطفاً به، والعكس في حق الكافر وقد مضى تطبيق هذا النظر عند قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦] وهو من المجاز المعبر فيه عن المسبب بالسبب، وفائدة اختياره في هذا الموضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله على عباده، وهاهنا احتمال وهو أنّ الظاهر أنّ العود المقابل للخروج إلى ما خرج منه وهو القرية، والجار والمجرور حال أي ليكن+ منكم الخروج من قريتنا، أو العود إليها كائنين في ملتنا، فلا تغليب وعدى عاد بفي كان الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم. قوله: (أي كيف نعود الخ) في الكشاف الهمزة للاستفهام والواو والحال تقديره أتعيدوننا في ملتكم حال كراهتنا، قيل ليست هذه واو الحال بل واو العطف عطفت هذه الحال على حال مقدرة كقوله عتئ: " ردّوا السائل ولو بظلف محرق ") ١ (إذ ليس
المعنى رذوه حال الصدقة بظلف محرق بل معناه رذوه مصحوبا بالصدقة ولو مصحوباً بظلف محرق.) قلت) وقد تقدّمت هذه المسألة وإنه يصح أن تسمى واو الحال وواو العطف، ولولا خشية التكرار لذكرته. وقال أبو البقاء ﵀: لو هنا بمعنى إن لأنها للمستقبل، وفسر الهمزة بكيف لأنها أظهر في التعجب وأنسب بالمقام، وخصه بالوجه الأوّل لأنّ التعجب يناسب العود دون الإعادة، وجعل الواو للحال لأنه المعروف في أمثاله وخصه بالعود دون الإخراج لدلالة قوله إن عدنا عليه، وان فسره في التيسير بقوله أتخرجوننا من قريتنا من غير ذنب ونحن كارهون لمفارقة الأوطان، وقد وجه بأنّ العود مفروغ منه لا يتصوّر من عاقل فلا يكون إلا الإخراج فتأمّل. قوله: (شرط جوابه محذوف دليله قد افترينا الخ) في الكشاف أنه إخبار مقيد بالشرط وفيه وجهان أحدهما أن يكون كلاما مستأنفا فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام لأنّ المرتد أبلغ في الافترأء الخ والثاني أن يكون قسما على تقدير حذف اللام بمعنى والله لقد افترينا على الله كذبا. قال النحرير: كأنّ أصل السؤال والجواب تمهيد لما يبنى عليه من
стр. 1273
الوجهين، والا فظاهر أنه إخبار مقيد بالشرط، فإن قيل فهلا حمل الكلام على ظاهره قلنا لا لأن إن لا تقلب الماضي المصدر بقد، ولا المقدم على الشرط، فكيف إذا اجتمع الأمران فظاهر أن الافتراء الماضي لا تعلق له بالعود، ولا سبيل إلى الحمل على إن عدنا ظهر أنا قد أفترينا البتة لإيهامه أن المانع ظهور الافتراء لا هو نفسه، لأن المقيد بالعود هو الافتراء نفسه لا ظهوره، وكذا قيل وفيه نظر لوروده على الوجه الثاني، أعني جعل قد افترينا جواب القسم بحذف اللام فإنه مقيد بالشرط، ولاندفاعه بجعل الماضي بمعنى المستقبل، تنزيلا له منزلة الواقع، ومقرّبا إلى الحال حتى كأنه قيل تد افترينا الآن أن هممنا بالعود كما ذكره أبو البقاء ﵀. وبالجملة فاستقامة ظاهر الكلام على تقدير القسم وعدمها بدونه محل نظر وردّ، بأن حاصل سؤال الزمخشري كما قرّر في الكشف أن الظاهر في مثله أن لا يتعلق بالشرط نفس الجزاء، بل ظهوره والعلم به، على عكس ما قرّره النحرير، كما في نحو إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، ونحو: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٤٠] وهاهنا المقصود تقييد نفس ألافتراء بالعود، ولفظ قد وصيغة المضيّ يمنعانه، وحاصل الجواب أنه أخرج لا على مقتضى الظاهر إذ المعنى على تقيد الافتراء كما آثره القاضي وأبو البقاء رحمهما الله، ولفظة قد مع صيغة الماضي تدل على التأكيد فيستاد منها نفي التعجب، أو كونه جواب قسم بقرينة المقام، وهذا مما لا غبار عليه، وقوله نزعم أن لله تعالى نداً بيان لمعنى الافتراء. قوله: (وقيل إنه جواب قسم الخ)
فحذف القسم ولام الجواب مقدرة فيه أيضأ، وجوّز في البحر تبعاً لابن عطية ﵀ أن يكون الفعل المذكور قسما، كما يقال برئت من الله إن فعلت كذا قال الشاعر:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشن على ابن هند غارة لم يخل يوماً من نهاب نفوس
قوله: (وما يصح لنا الخ) كان تامة بمعنى وجد، وصح بمعنى وجد أيضاً، ولا يكون في استعمال العرب بمعنى لا يصح ولا يقع وتارة بمعنى لا ينبغي ولا يليق كما صرحوا به. قوله: (خذلاننا وارتدادنا الخ) في الكشاف معنى قوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ﴾ إلا أن يشاء خذلاننا ومنعنا الألطاف لعلمه أنها لا تنفع فينا، وتكون عبثأ، والعبث قبيح لا يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل وقلوبهم كيف تتقلب، وكيف تقسو بعد الرقة وتمرض بعد الصحة وترجع إلى الكفر بعد الإيمان، وقد ردّ عليه المصنف ﵀ بزيادة الارتداد، وجعله مراد الله ووجهه. كما قال بعض المدققين إنّ معنى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ إنه يعلم كل حكمة ومصبحة ومشيئته على موجب الحكمة، فلو تحقق مشيئته للعود والارتداد لم يكن خاليا من الحكمة فلا يستبعد وهذا معنى لطيف فلا وجه لأن يقال لو أريد إلا أن يشاء الله عودنا لما كان لذكر سعة العلم بعده كبير معنى بل كان المناسب ذكر شمول الإرادة، وأنّ الحوادث كلها بمشيئة الله كما قرّره النحرير. قوله: (وقيل أراد به حسم طمعهم الخ) الحسم القطع، وهذا رد على الزمخشرفي فيما تبع فيه الزجاج، بأنّ المراد من ﴿إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ﴾ التأبيد لأنه تعالى لا يشاء الكفر نحو حتى يبيض القار ويشيب الغراب، وهو مخالف للنصوص القرآنية والعقلية، من أن جميع الكائنات تابعة لمشيئة الله وقوعا وعدما، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يلائمه أيضا قوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وما قيل إن مآل الكلام إلى شرطية وصدقها لا يقتضي تحقق طرفها ولا إمكانه، ولم يتحقق هنا، والقصر في الآية في شعيب ع! هـ والمؤمنين فجاز أن يكون كفر غيرهم بدون مشيئة كلام واه فإنه لا معنى للتعليق بالمشيئة، إلا أن وقوعه وعدمه منوط بإرادة الله تعالى، سواء وقع أو لا، ولذا لما لم ير الزمخشرفي منه محيصاً تعلق تارة بقوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وأخرى بجعله من التعليق بالمحال. قوله: (أي أحاط علمه بكل شيء الخ) فيقع ذلك بإرادته الجارية على وفق علمه بما فيه من الحكمة والمصلحة من الرذة والثبات على الإيمان، فلا دليل فيه على أنّ المعنى إلا أن يشاء الله خذلاننا، ومنع الألطاف عنا كما قاله الزمخشريّ بناء على مذهبه. قوله: (احكم بيننا
الخ) يعني الفتح بمعنى الحكم، وهي
стр. 1274
لغة لحمير، أو لمراد والفتاحة بالضم عندهم الحكومة، وبيننا منصوب على الظرفية أو هو مجاز بمعنى أظهر وبين، ومنه فتح المشكل لبيانه وحله تشبيهاً له بفتح الباب وازالة الأغلاق حتى يوصل إلى ما خلفها، قيل فبيننا مفعول به بتقدير ما بيننا على هذا الوجه، وقوله: (على المعنيين) أي خير الحاكمين أو خير المظهرين. قوله: (لاستبدالكم الخ) فهو استعارة وفيما بعده حقيقة، وقوله سادّ مسدّ جواب الشرط والقسم أي جواب للقسم بدليلى عدم اقترانه بالفاء ومغن عن جواب الشرط، فكأنه جواب لإفادته معناه وسده مسده لا إنه جواب لهما معا فإنه مع مخالفته القواعد النحوية يلزم فيه أن يكون جملة واحدة لها محل من الإعراب، ولا محل لها وأن جاز باعتبارين كما تقدم. قوله له: (الرجفة الزلزلة وفي سورة الحجر الخ) هذا توفيق بينهما كما مرّ أو أنّ شعيباً ﵊ بعث إلى أمتين، فالقصة غير واحدة إلا أنه سهو قاله المحشي لأنه في سورة هود لا الحجر والذي ذكر فيه الصيحة في الحجر قوم صالح.
فائدة: إذا حرف جواب وجزاء وقد وقع لبعضهم هنا أنها إذا الظرفية الاستقبالية وا! الجملة المضاف إليها حذفت وعوّض عنها التنوين، كما في إذ ورذه أبو حيان ﵀ بأنه لم يقله أحد من النحاة ولم نره في غير هذه الآية، وقال المعرب: إنه يجوز في إنا إذا الظالمون، وقد سبقه إليه القرافي ﵀، وخرّج عليه قوله عشي! في بغ الرطب بالتمر: " فلا إذا ") ١ (أي إذا ج! قال وقد تعجبت منه لما رأيته ثم وقفت على ما هنا. قوله:) كأن لم يننوا فيها) أي استؤصلوا كأن لم يقيموا وغنى بالمكان يغني أقام به دهراً طويلاً وقيده بعضهم بالإقامة في عيش رغد وقال ابن الأنباري كغيره أنه من الغنى ضد الفقر كما في قوله:
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى فكلا سقاناه بكأسهما الدهر
فالمعنى كان لم يعيشوا فيها مستغنين ورذ الراغب رحمة الله غنى بمعنى أقام إلى هذا
المعنى فقال غنى في المكان طال مقامه فيه مستغنياً به عن غيره، واستؤصلوا بمعنى أهلكوا بيان لحاصل المعنى. قوله: (لا الذين صدّقوه واتبعوه الخ) رذ عليهم ما زعموه في الآية السابقة من أنّ من تبع شعيبا ﵊ خاسر، والحصر مستفاد من تعريف الطرفين مع ضمير الفصل، وأن القصر للقلب ولما لم يلزم من عدم الخسران الربح زاد قوله: (فإنهم الرابحون (إشارة إلى المراد، وترك القصر في الجملة الأولى المذكورة في الكشاف لابتنانه على أنّ نحو الله يستهزئ بهم يفيده، والمصنف رحمه الله تعالى لا يقول به، أو على أنّ بناء الخبر على الموصول يفيد علية الصلة، وينتفي الحكم بانتفائها وهو غير تام لما يأتي، وقال النحرير إنّ في هذا الابتداء معنى الاختصاص على رأيه في مثل ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [سررة الرعد، الآية: ٢٦] من غير فرق بين المضمر والمظهر المنكر والمعرّف الموصول وغيره وهنا وإن توسط بين المبتدأ والخبر لفظ كان المخففة فالخبر بعد فعل المبتدأ، وقد يقال مراده بهذا الابتداء كون المبتدأ موصولاً فإنه يشعر بعلية الصلة فينتفي الحكم عند انتفائها وهو معنى الاختصاص، وقيل عليه إن أراد أن رأيه في مثل هذا التركيب أنه للتخصيص البتة فليس كذلك، وقد صرح هو أيضا في المطوّل بأن صاحب الكشاف يوافق الشيخ عبد القاهر في كون تقديم المسند إليه إذا لم يل حرف النفي مفيداً للتقوّى تارة وللتخصيص أخرى، وان أراد أنه يجوز أن يفيد التخصيص فلا بد من بيان قرينة في هذا المقام تدل على إرادة التخصيص والظاهر الثاني، والقرينة أنه لما ذكر هلاك الكافرين الذين نصحوا المؤمنين بعد سبق ذكرهما جميعاً ولم يذكر هلاك المؤمنين، ثم ابتدأ وصرج بهلاك المكذبين صار ذلك قرينة على الاختصاص، واليه أشار بقوله أوّلاً إنّ في هذا الابتداء معنى الاختصاص وثانيا لأنّ الذين اتبعوا شعيباً ﵊ قد أنجاهم الله، وأمّا ما أورد على قوله، وقد يقال الخ من أنّ انتفاء العلة المعينة لا يستلزم انتفاء المعلول لجواز أن يتحقق بعلة أخرى، إلا أن يقال لما استفيد علية الصلة للحكم، فينتفي إذا انتفت في المقام الخطابي إلى أن يقام دليل على وجود علة أخرى فغفلة عما حققه قبيله في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨١] من أنّ الظاهر من تعليل الفعل ببعض الأغراض! والدواعي أنه نفي لما سواه لا سيما إذا كان ذلك مما لا يكون الفعل بدونه في الجملة فذكره لا يكون
стр. 1275
لإثباته بل لنفي غيره ومثل العلة في هذا السبب ومنه تعلم وجه إفادة الحصر في قوله فيما نقضهم ميثاقهم وأنه لا غبار عليه، وان غفلوا عنه ثمة فاحفظه فإنه من النفائس المذخرة. قوله: (وللتنبيه على هذا والمبالنة فيه كرّر الموصول واستأنف الخ (في الكشاف وفي هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير مبالغة في ردج مقال الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم، فقوله: على هذا الخ أي لأنّ القصد
الرد عليهم في أنّ من اتبع شعيبا ﵊ خاسر بأن الخاسر إنما هو هم لأنّ لهم الخسران الديني والدنيوي على أبلغ وجه كرّر الموصول من غير عطف لأنه بين أوّلاً هلاكهم حتى كأنهم لم ينزلوا قط في ديارهم، وأنهم خسروا خسرانا عظيما وسفه رأيهم بأن الخسران في تكذيبه لا في اتباعه كما زعموا، واستهزأ بأن ما جعلوه نصيحة صار فضيحة أثرها في الدنيا كالعقبى، ومن عادة العرب الاستئناف من غير عطف في الذم والتوبيخ فيقولون أخوك الذي نهب مالنا أخوك الذي هتك سترنا فتأمل. قوله: (ثم أنكر على نفسه الخ (أي جرّد من نفسه شخصاً وأنكر عليه حزنه على قوم لا يستحقونه كما فعل امرؤ القيس في قوله:
تطاول ليلك بالإثمد ونام الخليّ ولم ترقد
وكان من حق الظاهر وكيف يشتد حزنك لقوله: (ثنم أنكر على نفسه الكنه التفت وقال:
كيف يشتد حزني، وإذا كان مع غيره فلا يكون من التجريد كذا قال الطيبي ﵀ (قلت (الظاهر أنه ليس من الالتفانت ولا التجريد في شيء فإنّ قوله قال يقتضي صيغة التكلم وصيغة التكلم تنافي التجريد فما ذكره لا وجه له وإنما هو نوع من البديع يسمى الرجوع لأنه إذا كان قوله قد أبلغتكم تأسفا ينافي ما بعده فكأنه بدا له ورجع عن التأسف منكرا لفعله الأوّل ومثله كثير في الإشعار والنكتة فيه الإشعار بالتوله والذهول لشذة الحيرة لعظم الأمر، بحيث لا يفرق بين ما هو كالمتناقض من الكلام وغيره وقد صرح به أصحاب البديع، والحاصل أنّ فيه وجهين فالوجه الأوّل أنه حزن واشتد حزنه على حال القوم، ثم أنكر ذلك على نفسه، والثاني أنه لا حزن عليهم لأنهم لم يقبلوا النصيحة فليسوا أحقاء بالحزن، وقراءة إيسي بكسر الهمزة وقلب الألف ياء على لغة من يكسر حرف المضارعة، وامالة الألف الثانية وفي قوله: بإمالتين تغليب وتسمح وإلا فالأوّل كسر وقلب صريح، وقوله: (فلم تصدقوا) روي بالتاء والياء.
تنبيه: في تاريخ ابن كثير رحمه الله تعالى أنّ شعيباً ﵊ نبيّ أهل مدين ومدين قبيلة من العرب سميت بهم المدينة، وشعيب ﵊ ابن يشجر بن لاوى ابن يعقوب، وقيل غير ذلك في نسبه وقيل إنّ شعيبا وبلعم آمنا بإبراهيم ﵊ وفي الاستيعاب أنّ شعيبا صهر موسى عليهما الصلاة والسلام من قبيلة من العرب تسمى عنزة، وعنزة ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وبينه وبين من تقدم دهر طويل فهم غير أهل مدين، وشعيب اثنان اهـ. قوله: (بالبؤس والضر) أي الفقر والمرض لتفسير. الحسنة يالسعة
والسلامة، وبه فسو ابن عباس رضي أدلّه عنهحا وإلا أخذنا اسنثناء هفرّغ وأخذنا في محل لى الحال، وتقديره وما أ! سلنا إلا آخذين والفعل الماض! ي يقع ب! عد إلا بأحد شرطين إما عل كما هنا وإما مح قد نحو ما! يد إلا قد قام ولا يجولى ما زيد إلا ضحرب، والنبيّ والرسول سيأتي أنّ الزمخشريّ فرق بينهحا بأنّ النبي من أوح! إليه والوسول من أوحى إليه وأمر بالتبليخ، وبأنّ الرسول من جمح إلى المعجزة كتابا منزلاً عليه، والنبيّ غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنحا أمر بمتابعة من ق! بله وأورد عليه! لادة عدد الرسل على حدد الكتب فلذا قال في السمقاصد الرسول من له كتاب أو نسخ لبعضى أحكام الشريعة السابقة، وقال القاضي: من له شريعة مجددة، وأورد عليه! أنّ القاضمي رحمه أدلّه ذكر في قوله تعإل! ف! إسحعيل: ﴿لى الحال، وتقديره وما أ! سلنا إلا آخذين والفعل الماض! ي يقع ب! عد إلا بأحد شرطين إما عل كما هنا وإما مح قد نحو ما! يد إلا قد قام ولا يجولى ما زيد إلا ضحرب، والنبيّ والرسول سيأتي أنّ الزمخشريّ فرق بينهحا بأنّ النبي من أوح! إليه والوسول من أوحى إليه وأمر بالتبليخ، وبأنّ الرسول من جمح إلى المعجزة كتابا منزلاً عليه، والنبيّ غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنحا أمر بمتابعة من ق! بله وأورد عليه! لادة عدد الرسل على حدد الكتب فلذا قال في السمقاصد الرسول من له كتاب أو نسخ لبعضى أحكام الشريعة السابقة، وقال القاضي: من له شريعة مجددة، وأورد عليه! أنّ القاضمي رحمه أدلّه ذكر في قوله تعإل! ف! إسحعيل: ﴿وكان رسولاً نجيآ﴾ [سورة مريم، الآية: ٥١] انه يدل على أنّ الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإذ أولاد إبراه! يم ﷺ كانوا على شريعته فيبطل تعريفاً هما فالحق أذ لا يعتبر التعريفط الأوّل بل يدفح السؤالى بأنّ حديث عدد الكتب والرسل من الآحاد
стр. 1276
الغير المفيدة في الاعتقاديات على أن حصر الرسل عليهم الصلاة والح! علام يخالف ظاهر قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [سورة الأعرأف، الآية: ٧٨] وفيه نظر لأنّ عدم ذكر فصعصحهم لا ينافي عددهم إجمالاً وسيأتي الكلام فيه مفصلاً ثحة لكن الفاضحل الخيالى ذكره هنا فتبعناه. قوله: (حس! شضرعوأ هشذللوأ) هشوبوا عن ذنوبهم، وقال الشريف في تفسير قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إنّ لعل عند الحعتؤلة مجار عن الإرادة، ولحا لم يصحح عند الأشاعرة لاستلزامه وقوع الحواد ولا التعليل عند من يغفي تعليل أفعاله بالاغراض مطلقاً وإن جوره بعض أهل السنة ف! الإغرأض! الرإجعة للعبد وجحب! أذ يجعلى مجازاً عن الطلب الذي لا يستلؤم حصحول المطلوب، أو عن توتب النجاة على ما هي ثحرة له كما فسو هنا بحتى فإن أفعاله تعال! يتفرع عليها حكم ومصحالح متقنة هي ثمراتها وإن لا تكن عللاَ غائية لها بحيث لولاها لم يقدر الفاعل عليها كحا حقق ف! موضعه، وقال: ف! حاشية العضد وأما الغر ضفهو ما لأجله إقدام الفاعلى على الفعل، ويس! حى علة غائية له ولا توجد في أفعاله تعال! وإن جص! افوائدها، وما قيل من إنّ المقصود يسحى! ضحاً إذا لم يمكن لفإحل خصعيله إلا بذلك الفعل فاصطلاح جديد لم يعرف له مستند لا عقلاً ولا نقلا فأورد عليه أنّ بين كلاميه مدافعة ظاهوة لأنه اعتبر في العللى ا! خائية كونها بحيث لولاها لم يقدلى الفاعل عليها، وقد وافقهم في شوح المواقف في اعتبار هذا القيد فيها حيث استدل على نفي وجوب التعليل في أفعاله تعال! بأنه فاعل لجميح الأفعال أبتداء فلا يكون شيء من الكائنات إلا فعلا له لا غوض! اً لفعل آخعر لا يحصحل إلا به فيصلح غرض! اً لذلك الفعل فكيف أنكر على ذلك القائل، وجعله اصطلاحا جديدا، وقد قدّمنا تفص! يل هذا في أوّل سورة البقرة. قوله: (أي
أعيد! ناصاً بدل مما كانوا فيه الخ) قيل في مكاذ وجهان اظهرهحا أنه مفعول به لا ظرف والحعنى بدّلنا مكاذ الحال السسيئة الحال الحسنة فالحسنة هـ! الحأخوذة الحاصلة في مكان السيئة
المتروكة، وهو الذي تصحبه الباء في نحو بدلت ذيدا بعحرو فزيداً مأخوذ وعمرو متووك كحا مرّ والثاني إنه منصوب عل! الظرفسية إلا أنه مردود لأنه لا بذ له من مفعولين، أحدهما على إسقاط الباء وف! كلام المصعنف لى حمه الله ما يدفعه فإنه جعل بدل متضمناً معنى أعطى الناصب لمفعولين احدهحا ض! حيرهم والثاني الحسنة، وتلك الحسنة في مكان السيئة وكونها في مكانها كناية عن كونها بدلاً عنها ولا محذور فيه كما توهم، وقوله: (ابتلاء! اً) بالأمرين أي هعاهله معها كحعاملة الحختبر بالإساءة والإحسان. قوله: (يسقالط عفا النبمات إذا كثر وهف إعفاء اللحى) ال! لحى جحح لحية، هدجور في لام اللحى الضم والكسر كما في كتاب العين، وهو إشارة إلى ما وقح في حديث السنن: " أحفوا الشوا! ب وأعفوا اللحى " (١) والإحفاء الاستقصاء والنهك فححله أكثر على القص بدليل التصريح به في روأية وبعضهم على الحلق وهو لى واية عن أب! حنيفة رححه الله تعالى أي قللوا شعر الشوارب وكثروا شعر اللحى بتركه على حاله. قوله: (كفرانأ لنععة إدفه الخ) معنى قوله يعاقب يجعل كلاَ منهما عقب الآخر ويداولها فيتعاوران، وفي ال! كشاف ف! قفسير مثلى هذه الآية فتحنا ع! ليهم أبواب كل شيء من الصحة والحعة وصنوف النعمة ليزاوج عليهم بعن توبتي الضرّاء والسرّاء كحا يفعل الوالد المشفق بولده، ويخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلباً لص! لاحه فقيل عليه إنه قححل الاعتزال، وتنكب عن ظاهر الحقال، ولا ينبغي أن يخفى على أحد أنّ هذا استدراج واستهلاك عند غاية الفرج والسرور وأنفتاج أبوأب الأماني والمطالب جسميعا ليكوذ الأخذ والهلاك أشدّ وأفظع وليس من قبيل ال! تنقيف والتأديب، والبلاء بالحسنات والسيئات، وف! الكشف قيل الظاهر أنه استدراج لا تنقيف وتأديب كحا في ال! كشاف.
(أقول) أما إنه تسعالى يفعل ذلك بعباده ملاطفة فغير منكر! قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٦٨] وأما سياق هذه الآية فلا ينافي ما ذكره لأنّ الملاطفة بعينها تصحير استدراجاً فيحا بعد، وأما الأثر الحروي: " إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه ما يحب فإنحا هو استدراج " (٣) وتلا الآية فلا يرد ها ذكره لأنه ﷺ أخذه من قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية:،،] وقد سبق الى الملاطفة تصحير استدراجا، وقيل على كلى
من الثلاثة أشكال أما كلام الكشاف فلأنّ
стр. 1277
الآية السابقة في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢،] كهذه الآية في السباق والسيإق
والأسلوب لا مغايرة بينهحا إلا في لفظة: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ أسو! ة الأنعام، الآية:، ٤] وهي لا توجب كبير فرق بينهما فكيف جعلها ملاطفة، ومزاوجة في السابقة وأستدراجا ف! هذه، والدليل على جعلها أسندراجا هنا قوله فيما بعد ومكر الله اسنعارة لأخذه العبد من حيعث لا يشعر ولاستدراجه فعلى العاقلى أن يكون في خوفه من هكر الله الخ مح ترتب أفأمنوا مكر الله على القصة المذكورة، وأما كلام النحرير فلأنّ صإحب الكشاف لو كان ممن يزعم أنّ الاستدراج منا! لحذهب الاعتزال فكيف فسر مكر الله بالاستدراح فيعا بعد، وأما كلام الكشف فلأنّ المقصحود من الاستدراج كون الهلاك أفظح والأخذ أشذ ومن الحلاطفة الإصلاح والتأديب، وإذ كان التعذي! ب بعدها أفظع لكن فرق بين مجرّد ترتب الشيء على الشيء، وبين كونه مقصحودا منه سيحا عند من يقول! بالغر ضفي أفعاله تعالى والاستدراج هو الثاني فتأمّلى.
فوله: (ظخذظ! بش! تة) عطيف على مجحوع عفواً، وقالوا أو على قالوا لأنه العسبب عنه وقوله: لا يشعروذ بنزول العذأب قيل المراد بعدم الشعولى عدم تصعديقهم بإخبار الرسل به لا خلوّ أذهانهم عنه، ولا عن وقته لقوله تعال! : ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [سو! ة الأنعام، الآية: ١٣١] وفيه نظر لأنّ هذه حالط مؤكدة لمعنى البغتة كعا قاله فمعناه أنهم غير هنتظوين لوقتها فليس له! م شعور به. قوله: (يضي القرى ألمحدلول ع! ايها الخ) فاللام للعهد الذكري، والقوية وإن كانت مفردة لكنها ف! سياق النفي فتساوي القرى وإذا أهلد مكة وما حولها فهي للعهد الخارجي، وجوّز في الكشاف أن تكودط للجنس فقال في الكشف فعليه يتناول قوى ألى سل إليها نبيّ وأخذ أهلها وغيرها، وقيل عليه كيف يتنإول قرى لم يرسل إليها نبيّ وآخو الآية: ﴿وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وإلى أدة وقع التكذلمجط والأخذ فيحا بينهم بعيدة فإلظاهر أنه يتناول جنس القرى المرسلى إلى أهلها من الحذكورة وغيرها، ولحا كانت إلى ادة مكة غير ظاهرة من السياق أخره المصحنف رححه الله تعالى وهرض! هـ ووجهه أنه تعالى لحا أخبر عن القوى الهعالكة بتكذيب الرسل وأنهم لو آمنوا سلحوا وغنموأ انتقل إلى إنذا! أهلى مكة مما وقح بإلأمم والقرى السالفة. قوله: (لوسعنا عليهم أ! ير هس! رظ هـ الخ) يعني فتحن! استعإرة تبعية، وفي ذكر الأبواب في الكشاف إشعالى بأنها تحثيلعة جمث اعتبر في فتح الأبوأب الأحوالى، وقد يقإل لا حاجة إليه لأنه شبه تيمنمير البوكات عليهم بفتح الأبوأب في س! هولة التناول وجإء اعتبار الاستغلاق من ضوورة الفتح، وقوله: من كلى جانب يعني أنّ ذكر السماء والأرض
لضعميم الجهات لا لتبيين ما فيه من البركات كحا هو! أي من فسرها بالمطر والغبات والبركات عامّة، في هذا دون الآخر وهو الفرق بينهحا، هلجور أن يكون الفتح مجازاً مرسلا في لارمه
وهو التيسير قيل وفي الآية إشكال وهو أنه يفهم بح! سا الظاهر منها أنه يفتح عليهم بركات من الصعحاء والأرض! إن آمنوا وفي الأنعام: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام، الآية: ٤٤] ويدل على أنه ف! تح عليها بركات من السماء والأرض وهو معنى قوله أبواب كل شيء لأنّ الحراد منهما الخصب والرفاء والصعح! ة والعافية لمقابلة ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء﴾ [سو! ة الأنعام، الآية: ٤٢] وحملى فتح البركات على إدامته أو ديادته عدول على الظاهر غعر ملائاً لتفسيره بتيسعر البركات ولا بالحطر والنبات، وأجيب عنه بأنه ينبغي أذ يراد بالبوكات غير الحسنة وما يربى عليها أو يراد آمنوا من أوّل الأمو فنجوا من البأساء والضرّاء كحا هو الظاهر، والحراد في سو! ة الأنعام بالفتح ما أهلد بالحسنة هاهنا فلا يتوهم الإشكال وفيه بحث فتدبر. قوله: (ظخذن! ا!) الظاهر أنّ هذا الأخذ والسابق في ﴿أخذناهم وهم لا يشعرون﴾ واحد وححل أحدهما على الأخذ الأخروي والآخر على الدنيوي بعيد. قوله: (عطف عل! قوله ظخذظ! الخ) وفي الكشاف ف! بياذ عطف هذه بالفاء والأخرى بالواو المعطوف عليه قوله. ﴿فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ إلى ﴿يكسبون﴾ [سورة الأعراف، ١ لآية: ٩٦] وقع اعترأض! أبين الحعطوف والمعطوف عليه وإنحا عطف بالفاء لأنّ المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبسعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيانا وآمنوا أن يأتيهاً بأسن! ض! حى، ثم قال: إنه! جح فعطف بالفاء قوله: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ﴾ [سووة الأعراف، الآية: ٩٩] لأنه
стр. 1278
تكرير لقوله أفأمن أهل القرى يري! د أنّ القص! د إلى إنكار أن يقح بعد أخذ قوم شعيب عليه الص! لاة والسلام أمن أهل القرى أن يجيئهم البأس بياتا ويجينهم البأس ض! حى من غير اعتبا! ترتيب بينهحا فبالضرورة ك! اذ عطف الجحلة الأولى بالفاء والثانية بالواو ودخلت الهحزة لإفادة إنكالى أن يقع بعد ذلك الأخذ هذاذ الأمران ومع وضحوح معنى الكلام، وصويح لفظه سبق إلى بعض الأوهام، أنّ الحواد أنّ إلا من الأوّل عقحط أخذ الأوّلين بخلاف الثاني فإنّ إنعكإره مع إنكار الأوّل لا بعده، فإن قيل: هلا جعل المعطوف عليه ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وهو أقرب، قلنا: لأنّ مساق ولو أنّ أهل القرى إلى قوله يكسبون مساق التكرار والتأكيد بخلاف ما قبله، فإنه لبيان حال القرى وقصحة هلاكها قصمدا فالعطف عليه أنس! ب وإن كان هذا أقوب وهذا على تقدير أن يراد بالقرى القرى الحدلول عليها بفا سبق وأما إذا أديد بها مكة وما حولها فوجهه ظاهر لأنّ منشأ الإنكالى الأما السالفة لا ما أصاب أهل مكة ومن حولها من القحط وض! يق الحال. قوله: (وها بي! نهحا أعتوأغم! الخ) في الكشف وأهل القرى هن! أهل مكة وما حواليها محن بعث إليه نبينا مححد ﷺ ، وأما وجه وقوع الاعتراض فبين لأنه يؤكد ما ذكره من أن الأخذ بغتة يترتب على أضحداد
الإيمان والتقوى، ولو عكس لانعك! س الأمو، ومنه يظهر أنّ جعل اللام للجنس هغالك أولى ليؤكد الحعطوف عليه ويشحلهما شمولاً سوأء. قوله: (لى المحنى أبحد ذلك أهن أمل القرى) إشارة إلى أنّ الفاء للتعقيب وأنّ الإنكعار منصبّ عليه أي كيف يعقمب ما رأوه الأمن من عذاب الله، وهذا مح ظهوره خفي حلى من فال: كأنه لم يجعل الفاء للتعقيب لأنّ الأهنين الحنكرين لم يكونا عقيب هلاك القوم ولا للسببية، ثاً أطال في تقريوه من غير طائلى، وجعل يقدم رجلاً هلؤخر أخرى، وقد تركناه لع! دم جدوأه. قوله: (تج! ييتاً أو وقت ب! يان الخ) أي هو مصد! يات أو بيت ونصعبه على الطرفية بتقدير هضاف أي وقت أو هفعول مطلق ليأتيهم من غير لفظه أي تبييتاً أو حال من الفاحل بمعنى مبيتاً بالكسر أو من المفعول بحعنى مبيتين بالفتح، وجوّز في غير هذا المحل أذ يكوذ من المفعول بحعنى بائنين أي داخلين ف! الليلى، وف! الدرّ المص! وذ فيه وجوه أحده! أنه منصوب على الحال، وهو في الأصل مصدلى، وجوّر أذ،؟ ! يكعوذ مفعولاً له، وقول الواحدي بياتاً ظاهره أنه ظرف إلا أذ يكوذ تفسيراً للحعنى وإذا جعل وهم نائحون حالاً من الضمير المستتر ف! بياتاً فلقأهلله بإلص! فة كحا مرّ وهو حال متداخلة حينئذ، وفوله على التوديد أي توديد بين أذ يأتيهأ في هذا الوقت أو ف! هذا الوتعتا أي هو لأحد الشيئين. قوله: (ضحوة النهار) أصل هعنى الضحى أرتفإع الشمس أو شروق! ها وقت ارتفاع! هـ! كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [سو! ة الضحى، الآية: ا] ثم استعحل للوقت الواقح فيه ذلك هلكون منصحرفاً إذ لم يرد به وقت من ي! وم بعينه وغير منص! رف إن أهلد به ض! حوة يوم معين فيلزم النصب على الظوفية وهو مقص! و! فإذ فتح مد والضحى يذكر هلؤنث، وفوله: يلهون إشادة إلى أنّ اللعب مجار عن الليهو والغفلة أو إلاشتغال بما لا نفح فيه على التشبيه. قوله: (تحوير قول! أظهن أهل القرى الخ) وفي نسخة تقريو أي تكرير لما سبق على طريقة الجحح بعد التقسيم قص! داً إلى! لإدة التحذير والإنذار، ولهذا لم يجعل ضححيرا فأمنوا لجحيح أهل القرى الهالكة المشإلى إليهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٩٦] والبافية المبعوث إليهم نبينا ﷺ المشار إليهم بقوله أفأمن أهل القرى ولو جعل لذلك لجار إلا أنه لما جعل تهديدا للحوجودين كاذ الأنسب التخص! يص كذا في شروح الكشاف وقعل عليه كعف يصعح جعله تكريرا للحجحوع والحال أنّ إنكا! الأمنين ليعقبهح! مشاهدة هلا! الأوّلين كما قرّره وإنكار أمن القوى السابقة ليس كذلك إذ لا معنى لإنكار الأمن من الهالكين وتقدير معطوف عليه آخر هرتعبا عليه
أمن الجميح تعسف ظاهر فتدبر. قوله: (ومكر أدلّه اسضعمارة لاشدراج إب الخ) فشبه استد! اج الله للعاصي حتى يهلكه في غفلته بالعكو والخداع، فلذا صح إطلاقه عليه تعال! من غيو مشاكلة لكن يناقض هذأ قول المصحنف ر حمه أدلّه في تفسيو قوله تعإلى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ﴾ [سورة آل عحرأن، الآية: ٥٤] أنه لا يجور إطلاق ال! عكو على ألله إلا بطريق المشاكلة فتأمّل، ثم إنّ توتب هذا الكلام أعني فوله أفأمنوا الخ على قصة أهل
стр. 1279
القرى يدلّ على أنّ تبديل السيئة بالحسنة مغكر واستدرأج، وقد مرّ مثل هذا النظم في الأنعام فجعله في الكشإف ملاطفة ومزاوجة ورجحه المصحنف رححه الله أيضأ حيعسا قدمه هـ! ناك فهو تحكم بحت كما قرّ! هـ الأستاذ و! ذه النحرير المدقق بأنه يحكن أن يقال بعد تمسليم أن ليس الحواد الإشالى ة في المقامين إل! التوجيهين فقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ﴾ يرجح الححلى على الملاطفة فتتئم وجوه الإرشاد والححل على ترك الكفر حتى يكوذ الكفر حينئذ أ! يد في القبح والشناعة حيث قطع دابرهم لأجله وححد عليه.
تنبيه: الأمن من مكر الئه كبيرة عند الشافعية وهو الاسنرسال في الحعاصي اتكالاً على
عفو الله كما في جحح الجوأمع، وقال الحنفية: إنه كفر كاليأس لقوله تعال! : ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سو! ة يوسف، الآية: ٨٧] ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ واستدلّ الشافعية بحديث ابن مسعود ﵁ من الكبائر إلا من مكر ألله وما ورد من أنه كفر مححول على التغليظ، وفيه تفصيل ليس هذ امحله فقول المصحنف رححه الله الذين خسروا بالكفر إشا! ة لهذا فتأمّله. قوله: (أي يخلفون من خلا! م الخ) أي الإرث هنا مجا! عحا ذكر وهو ظاهر وجعله يهد بمعنى يبين وإذ كاذ هدى يتعدى بسنفسه، وباللام وبإلى لأنّ ذلك في الحفعول الثاني لا في الأوّل كحا هنا فهذا استعحال آخو، وقيل لك أن تحمل اللام على ا! زيافى ة كح! في ردف لكم، والحراد بالذي! ن أهل مكة ومن حولها كحا نقلى عن أبن عباس! ضعي ألله عنهح!. قوله: (لأفه بععن! يبين الضا بطريق المجار أو ال! تضحين وقوله: (هلوثون دي! ما! هم) يقتضي أنّ الأوّل على ظاهره ولو كان عطف بأو فتأمّل، وقوله أن الشأذ إشارة إلى أنّ أن مخففة من الثقيلة واسحها ض! حير شأدن هقد! ، وخبره جملة لو نشاء، وفي اللباب تخصيص هذا بكونه مفعولاً كحا في قراءة النون وجعلها مصددىلة والفعل بعد لو في تأثلل المصدر كحا في قراءة ألياًء، وفيه نظر لاً نه يحتاج إلى إثبات دخول المصددية على لو الشرطية مح أنّ أن المفتوحة مصددرية أيضا فتأمّل، وقوله: (بجزاء ذنوبهم) يعني أنه على تقدير مضاف أو تضمين
أصبنا معنى أهلكنا فلا حاجة إلى التقدير، وقوله وهو فاعل يهد يعني المصدر المؤوّل فاعله، وجوّز أيضاً أن يكون الفاعل ضمير الله، ويؤيده قراءة النون وأن يكون ضميراً عائدأ على ما يفهم مما قبله أي أو لم يهد ما جرى للأمم السابقة. قوله: (ومن قرأه بالنون جعله مفعولاً) هي قراءة مجاهد قال النحرير: الظاهر أنّ اعتبار قضمين معنى نبين إنما هو على قراءة النون حيث ذكر المفعول الثاني، وأما على قراءة الياء فهو من قبيل التنزيل منزلة اللازم ولا حاجة إلى تقدير المفعول الثاني أي أو لم يبين لهم هذا الشأن الطريق المستقيم، أو مآلهم وعاقبة أمرهم، واعترض عليه بأنّ التنزيل منزلة اللازم يكون بالنسبة إلى أحد المفعولين مع ذكر المفعول الآخر كما يكون بالنسبة إلى المفعولين والصريح كغير الصريح كما صرّح به الشريف في قوله تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [سورة العلق، الآية: ا] فالقراءتان متساويتان في اعتبار التضمين والتنزيل دمان صرّح الزمخشرفي بلفظ أو لم نبين في قراءة النون دون الياء وعكس القاضي فقيل يمكن أن يقال قصد التعلق إلى المفعول دليل ظاهر على القصد إلى المفعول لا سيما عند ذكر ما يصلح أن يكون مفعولاً أوّل أعني للذين يرثون وجعل اللام للتعليل وصف ظاهر بخلاف قراءة الياء إذ لا قصد حينئذ إلى التعلق بشيء أصلاً، والحق أنّ التضمين أولى من التنزيل لأنّ لام للذين إن حمل على التعدية فلا تنزيل، وان حمل على التعليل ففيه نوع تعسف كما لا يخفى اهـ وفيه بحث إذ الظاهر أنّ الاعتراض! وارد إذ على التنزيل وألاقتصار على المفعول الأوّل لا بذ من ذلك إذ هدى لا يتعذى إلى المفعول الأوّل باللام كما ذكره النحرير وغيره إلا أن يجعل قاصراً على المفعولين أي أو لم تكن منا هداية للوارثين فتأمّل ولبعض الناس هنا كلام غير مهذب. قوله:) عطف على ما دلّ عليه أو لم يهد الخ (هذا يحتمل أن يكون تقديراً للمعطوف عليه بدلالة ما قبله وهو الظاهر، ويحتمل أن يريد أنه معطوف على جمله، أو لم يهد لأنها وان كانت إنشائية فالمقصود منها الإخبار بغفلتهم فلا يرد عليهم ما قيل إنه إضمار من غير حاجة، وترك المصنف ﵀ عطفه على يرثون الذي جوّزه في الكشاف لما قيل عليه إنه صلة، والمعطوف على الصلة صلة ففيه الفصل بين أبعاض الصلة
стр. 1280
بأجنبيّ وهو أن لو نشاء سواء كان فاعلا أو مفعولاً. قوله: (أو منقطع عنه بمعنى ونحن نطبع) فهي جملة مستأنفة كما يشهد له تقدير المبتدا لأنهم التزموه في الاستئناف دران خفى وجهه كما مرّ في سورة آل عمران ويحتمل أن تكون معترضة تذييلية أيضا، أي ونحن من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلب من لم نرد منه الإيمان حتى لا يتعظ بأحوال من قبله ولا يلتفت إلى الأدلة، وليس معناه إنه معطوف على جملة أو لم نهد كما يوهم. قوله: (ولا يجورّ عطفه على أصبناهم الخ) قوله لأنه في سياقة جواب لو تعليل لجعله بمعنى الماضي لأنّ المعطوف على الجواب له حكم الجواب، وهي تختص بالماضي وقوله لإفضائه الخ تعليل لقوله لا يجوز، وقد تبع المصنف رحمه الله تعالى
هذا الزمخشريّ، وقد قيل عليه إنه يجوز عطفه عليه ولا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع ولا بد، فهم وان كانوا كفاراً ومقترفين للذنوب ليس الطبع من لوازمهم إذ الطبع هو التمادي على الكفر، والإصرار عليه حتى يكون مأيوسا من قبوله للحق ولا يلزم أن يكون كل كافر بهذه المثابة بل إنّ الكافر يهدد لتماديه على كفره بأن يطبع على قلبه فلا يؤمن أبداً وهو مقتضى العطف على أصبناهم فيكون في الآية قد هذد بأمرين إصابته بذنبه والطبع على تلبه والثاني أشدّ من الأوّل، وهو نوع من الإصابة بالذنب والعقوبة أنكى فهو كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٥ ا] وإنما الزمخشريّ فرّ من دخوله تحت المشيئة على مذهبه لأنه قبيح والله تعالى متعال عنه فلا ينبغي للمصنف رحمه الله تعالى أن يتابعه عليه والحق أنّ منعه له ليس بناء على أنه لا يوافق رأيهم فقط بل لأنّ النظم لا يقتضيه، وهو الذي جنح إليه المصنف رحمه الله تعالى لأنه يستلزم انتفاء كونهم مطبوعا على قلوبهم لمستفيده كلمة لو من انتفاء جملتيها واللازم باطل لقوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي يصرّون على عدم القبول وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة يون! ، الآية: ٧٤] العامّ لأهل القرى الوارثين والموروثين وقوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ لدلالته على أنّ حالتهم منافية للإيمان وأنه لا يجيء منهم البتة، وبهذا يندفع الاعتراض، وهذا هو الحق الحقيق بالقبول كما ارتضاه المحققون من شراح الكشاف إلا أنه أورد على قولهم اللازم باطل لقوله فهم لا يسمعون إنّ الطبع إذا دخل في حكم المشيئة كان عدم السماع كذلك، وبكون المعنى لو شئنا لاستمرّ منهم عدم السماع، وهو لا ينافي عدم السماع بالفعل، وقيل إنه يمكن أن يقال دخول نفي السماع في حيز لو يقتضي تأويل الاسمية بالماضوية فلا ينافي اعتبار استمرار غير حاصل، ورذ قوله أنّ نطبع على قلوب الكافرين عامّ بأنهم أهل القرى وهي موروثة لا وارثة كما صرّح به فلا وجه للاستدلال به وفيه تأمّل وذهب ابن الأنباري ﵀ إلى أنّ لو بمعنى أن وأصبنا بمعنى نصيب. قوله: (سماع تفهم واعتبار) هذا مما يقتضيه تفريعه على الطبع، وأمّا تفسير. بلا يجيبون كما في سمع الله لمن حمده فغير مناسب. قوله: (حال إن جعل القرى خبرا وتكون إفادته بالتقييد الخ) قيل لاخفاء أن الكلام فيما إذا أريد الجنس لا تلك القرى المعلوم حالها وقصتها أو تلك القرى الكاملة في شأنها مثل ذلك الكتاب، فإنّ ذلك بمنزلة الموصوف واعترض! بأنّ الحال راجع إلى تقييد المبتدأ لأنّ العامل فيه ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، ولو سلم فالسؤال إنما يندفع على تمدير كون نقص حالاً لا خبراً بعد خبر، والقول بأنّ حصول الفائدة بانضمام الخبر الثاني الذي هو بمنزلة الخبر على طريقة هذا حلو حامض ظاهر، والسؤال إنما هو على تقدير الحالية فإنّ الحال فضلة ربما يتوهم عدم حصول الفائدة بها ليس بشيء لظهور أنّ هذا ليس من قبيل حلو حامض
بمعنى من بل كل من الخبرين مستقل اص.
(قلت) وكذلك ما قيل في الجواب عنه بأنه لما اشترك الخبران في ذات المبتدأ كفى إفادة أحدهما مما لا وجه له، وقد سبق النحرير إلى ما ذكر صاحب الكشف، والجواب أنا نسلم أن العامل فيه ما في المبتدأ من معنى الفعل، وإنه قيد له لكنه في المعنى وصف لذي الحال فيصير الخبر كالموصوف المقصود منه صفته كما في أنت رجل كريم هو في غاية الظهور، والسؤال مندفع على تقدير كونه حالاً بما ذكر، وعلى تقدير كونه خبراً بعد خبر بأنّ التعريف لا يكون للجنس بل للعهد أو للدلالة على كمالها في جنسها حتى كأنها هو، وترك التنبيه عليه لظهوره وكم له أمثال في كلامهم، واليه أشار المدقق
стр. 1281
في الكشف بقوله المعنى على التقديرين مختلف لأنه إذا جعل حالأ يكون المقصود تقييده بالحال كما ذكره الزجاج في هذا زيد قائماً إذا جعل قيدا للخبر إذ الكلام إنما يكون مع من يعلم إنه زيد والا جاء الإحالة لأنه زيد قائما كان أولاً وأما إذا جعل خبراً بعد خبر فتلك القرى على أسلوب ذلك الكتاب على أحد الوجوه ونقص خبر ثان تفخيم على تفخيم حيث نبه على أنّ لها قصصاً وأحوالاً أخر مطوية، وهذا معلوم للشارح في كتابه فكثيراً ما يرسل الأوجه ويفرّع على واحد، ثم إنه علم منه أن الخبر يشترط فيه الإفادة بالذات أو بواسطة قيد له كصفة وحال وقد قال ابن هشام إنّ هذا يشكل على أبي عليّ رحمه الله تعالى في مسألة حكاها عن الأخفش وهي إنه امتنع من إجازة أحق الناس بمال أبيه ابنه لأنه ليس في الخبر إلا ما في المبتدأ، ثم قال فإن قلت أحق الناس بمال أبيه ابنه البارّ به أو النافع له أو نحوه كانت المسألة بحالها في الفساد لأنّ الخبر نفسه غير مفيد ولا ينفعه مجيء الصفة بعده لأنّ وضع الخبر على تناول الفائدة منه لا من غيره، وردّه بأنه إذا جاز للحال أن تحصل الفائدة المقصودة نحو فما لهم عن التذكرة معرضين إذ السؤال إنما هو في المعنى عن الحال فجوازه في الصفة أجدر فتأمّل، يعني أنّ قوله يعني قرى الأمم المارّ ذكرهم ظاهر في جعل اللام للعهد فلا حاجة إلى التقييد بالحال إلا أن يجعل ذلك بياناً للمشار إليه لا تفسيراً للقرى كما قيل. قوله: (بما كذبوه من فبل الرسل الخ) يعني ما موصولة وقدر عائدها كذبوه لا كذبوا به لأنه لا يجوز حذفه لاختلاف المتعلق كما ذكره المعرب، وفسره في يونس بقوله بسبب تعوّدهم تكذيب الحق، وتمرّنهم عليه قبل بعثة الرسل أي أنهم كانوا قبل البعثة جاهلية مكذبين للحق فلم تقدهم البعثة فالباء سببية، وقال الزجاح فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية تلك
المعجزات بما كذبوا قبل رؤيتها يعني أوّل ما جاؤهم فاجؤوهم بالتكذيب فاتوا بالمعجزات فأصرّوا على التكذيب وهو معنى قول المصنف ﵀ مدة عمرهم الخ، وقال الطيبي ﵀ أعلم أنه تعالى جعل عدم إيمانهم بسبب تكذيبهم المقيد بقوله من قبل فالفعل المضارع وهو قوله ليؤمنوا إمّا على ظاهره فيكون المعنى ما كانوا ليؤمنوا الآن أي عند مجيء الرسل لما سبق منهم التكذيب قبل مجيئهم، واما أن يحمل على الاستمرار فالمعنى أنهم لم يؤمنوا قط، واستمرّ تكذيبهم لما حصل منهم التكذيب حين مجيء الرسل، ولما اشتمل الفعل على معنى الاستمرار في الحالات المتعاقبة صح أن يقال بما كذبوا به أوّلاً والوجه الأوّل مناسب لأصول المعتزلة يعني إنما لم يؤمنوا بالرسل بما خالفوا قبل مجيئهم عقلهم الهادي فلما أبطلوا استعدادهم لم ينفعهم مجيء الرسل، والثاني موافق لمذهب أهل السنة لأنّ العقل غير مستقل فلا بد معه من انضمام الرسل والبعثة فهؤلاء لما كذبوا الرسل والآيات، ولم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة لم يؤمنوا إلى آخر عمرهم، وهذا أنسب من الأوّل بقوله كذلك يطبع الله يوضع المظهر موضع المضمر وعن مجاهد ﵀ إنه كقوله. ـ تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٨] فالمعنى ما كانوا لو أهلكناهم، ثم أحييناهم ليؤمنوا ففيه إيجاز لكن لخفائه تركه المصنف ﵀ وفيها وجوه أخر وقوله واللام لتأكيد النفي يعني أنها لام الجحود، وقد مرّ شرحها. قوله: (والدلالة على أنهم ما صلحوا الخ) بيان للتأكيد الذي تفيده لام الجحود ويعطيه التركيب، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ﴾ بيان لعدم صلاحهم للإيمان ويصح فيه التشبيه والتعظيم للطبع كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣ ا] وقوله فلا تلين شكيمتهم أي لا ينقادون للحق وأصل معنى الشكيمة حديدة اللجام التي في فم الفرس. قوله: (كثر الناس والآية اعتراض الخ) يعني وما وجدنا إلى فاسقين اعتراض! إن كان الضمير للناس لأنه لا اختصاص له بما قبله لكن لعمومه يؤكده، ومرجع الضمير معلوم لشهرته فإن كان للأمم المذكورين يكون من تتمة الكلام السابق فهو تعميم لا اعتراض كذا قرره شراح الكشاف فلا معنى لما قيل كيف يكون اعتراضا مع شموله للأمم، ومن في من عهد زائدة، ووجد هذه متعدية لواحد وجوّز فيها أن تكون علمية و! ثرهم متعلق به أو حال. قوله: (وفاء عهد الخ) يعني أنه على تقدير مضاف لأنّ عهدهم وجد على الوجهين والعهد أما ما عهده الله إليهم ببعثة الرسل ونحوها، أو في عالم الذرّ أو ما عاهدوا الله عليه في نزول الشدة بهم، والحجج
стр. 1282
الدلائل الدالة على الله، وفسره ابن مسعود ﵁ بالإيمان كما في قوله: ﴿اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [سورة مريم، الآية: ٧٨] وقيل العهد بمعنى البقاء.
قوله: (علمناهم الخ) يعني إن وجد هنا بمعنى علم فهي من الأفعال النواسخ الناصبة للمبتدأ والخبر لدخول أن المخففة عليها، وهي لا تدخل إلا على المبتدأ أو على الأفعال الناسخة عند الجمهور خلافا للأخفش ﵀ فإنه جوّز دخولها على غيرها، وهذه اللام هي اللام الفارقة بين المخففة وغيرها، وأن هذه بعد التخفيف ملغاة لا عمل لها على المشهور كما تقدم تفصيله، وقوله: ذا الحفاظ أي صاحب الحفاظ، وهو المحافظة والمراقبة، ويقال إنه لذو حفاظ ومحافظة إذا كان له أنفة وقوله الضمير للرسل أي في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٠٣] ، أو للأمم المدخول عليه بتلك القرى، والأوّل أولى. قوله: (بأن كفروا بها مكان الإيمان الخ) الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو متعد بنفسه لا بالباء فلذا وجه تعديه هنا بوجوه منها أنه لما كان الكفر والظلم من واد واحد عدّى تعديته أو هو بمعنى الكفر مجازا أو تضمينا أو هو مضمن معنى التكذيب أو الباء سببية، ومفعوله محذوف أي ظلموا أنفسهم أو الناس بسببها، وكلام المصنف ﵀ ظاهر في التضمين أي كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه يعني إنما أوتي موسى الآيات والمعجزات لتكون موجبة للإيمان بما جاء به فعكسوا حيث كفروا فوضعوا الشيء في غير موضمعه، ويحتمل أن يريد التجوّز. قوله:) وفرعون لقب لمن ملك مصر الخ) يعني إنه علم شخص، ثم صار لقبا لكل من ملك مصر ككسرى لمن ملك فارس والنجاشي لمن ملك الحبشة وقيصر لمن ملك الروم، وقيل هي أعلام أيضا لأنها لا تنصرف وليست من علما الجنس لجمعها على فراعنة وقياصرة وعلم الجنس لا يجمع، فلا بد من القول بوضع خاص لكل من يطلق عليه وليس بشيء لأنّ الذي غرّه قول الرضي إنّ علم الجنس لا يجمع لأنه كالنكرة شامل للقليل والكثير لوضعه للماهية، فلا حاجة لجمعه وقد صرح النحاة بخلافه وممن ذكر جمعه السهيليّ ﵀ في الروض! الأنف فكأنّ مراد الرضي أنه لا يطرد جمعه، وما ذكره تعسف نحن في غنى عنه، وقوله وكان اسمه الخ المذكور في التواريخ أنّ أحدهما اسم فرعون موسى والآخر اسم فرعون يوسف. قوله: (لعله جواب لتكذيبه إياه الخ) في هذه الآية قراآت عليّ بجر على لياء المتكلم، وهي قراءة نافع
﵀ والقراءة المشهورة على أن لا أقول بجر على لأن المصدرية، وصلتها وهي مشكلة لأنّ الظاهر أنّ عدم ترك قوله للحق حقيق عليه لا أنه حقيق على عدم ترك قوله للحق لأنّ حقيق بمعنى جدير ويتعدى بالباء، وبمعنى واجب ولازم ويتعدى بعلى، وهو المراد هنا فلذا ذهب المفسرون في تأويلها إلى وجوه ستة ستراها، وجعل المصنف ﵀ قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ [صورة يونس، الآية: ٨٤] جوابا لفرعون إذ كذبه المدلول عليه بما قبله. قوله: (وكأنّ أصله الخ) بناه على القراءة المشهورة واستغنى بشهرتها عن التصريح بها هذا هو الوجه الأول وهو أن في الكلام قلباً وهو على قسمين أن يكون بقلب المعنى والألفاظ بتقديمها وتأخيرها نحو خرق الثوب المسمار أو بقلب المعنى فقط كما هنا فإنّ ياء المتكلم لا وجود لها حتى تؤخر وتزال عن مكانها، وفيه بعد اشتراط أمن اللبس ثلاثة مذاهب مشهورة القبول مطلقا، والمنع مطلقا والتفصيل بين ما تضمن اعتباراً لطيفا وغيره، فيقبل الأول دون الثاني، ولذا ضعفوه هنا، والإغراق وجه آخر لا يدعى أنه المحسن هنا فتأقل، والظاهر أنّ الإسناد والإغراق حقيقة باعتبار أصله والا لم يكن قلبا، وفي الانتصاف أطلق عليه أنه مجاز فإن أراد ظاهره كان مشكلا فتدبر. قوله: (وتشقى الرماج الخ) هو من شعر لخراش بن زهير وقبله:
كذبتم وبيت الله حتى تعالجوا قوادم حرب لا تلين ولا تمرى
وتلحق خيل لا هوادة بينها وتشقى الرماج بالضياطرة الحمر
وتمرى من أمرت الناقة درّ لبنها وهو استعارة هنا، والهوادة الصلح والميل ورجل ضيطر وضيطار كبيطار ضخم لا غناء عنده، فلذا يطلق على الخدم والسفلة، وهو المراد هنا وهاء ضياطرة عوض عن المد كبياطرة إذ القياس فيه ضحياطير أو هي لتأنيث الجمع، والحمر جمع أحمر كناية عندهم عن العجم لغلبة
стр. 1283
الحمرة على ألوانهم، فلذا يستعملونه في الذم، وأصله تشقى الضياطرة بالرماح إلا أنّ الثاعر جعل الرماح شقيت بهم لتكسرها من كثرة الطعن فيهم كما قال أبو الطيب:
طوال الردينيات يقصفها دمي وبيض السريجيات يقطعها لحمي
وأفصح عن هذا المعنى في قوله:
والسيف يشقى كماتشقى الضلوع به وللسيوف كعا للناس آجال
قوله: (أو لأنّ ما لزمك فقد لزمته) عطف على ما قبله بحسب المعنى لأنّ المعنى وإنما
قال حقيق علي أن لا أقول لأنّ أصله ولأنّ الخ، وهذا هو الجواب الثاني أي كما أن قول الحق
لازم له فهو لازم لقو الحق أيضاً، واعترض! عليه بأنّ اللزوم قد يكون من أحد الطرفين دون الآخر كما هنا، فليس كل ما لزمك لزمته، وأجيب عنه بأنه إشارة إلى أنه من الكناية الإيمائية كقوله البحتري:
أو مارأيت الجود ألقى رحله في آل! ة ثم لم يتحوّل
وقول ابن هانئ:
فما جازه جود ولا حل دونه ولكن يسير الجود حيث يسير
يعني بلغت الملازمة بين الجود والممدوج بحيث وجب وحق على الجود أن لا يفارق ساحته فيسير حيث سار وهو المراد، وقيل عليه بل معناه أنّ بين الواجب ومن يجب عليه ملازمة فعبر عن لزومه للواجب بوجوبه على الواجب كما استفيد من العكس، وليس من الكناية الإيمائية في شيء بل هو تجوّز فيه مبالغة حسنة. قوله: (أو للأكراق في الوصف بالصدق الخ) الإغراق المبالغة من قولهم أغرق الرامي في النزع وهو نوع في البديع معروف فقد جعل قول الحق بمنزلة رجل يجب عليه شيء، ثم جعل نفسه أي قابليته لقول الحق وقيامه به بمنزلة الواجب على قول الحق فيكون استعارة مكنية وتخييلية، فالمكنية في قول الحق إذ شبه برجل، والتخييلية في حقيق أي بالغ في وصف نفسه بالصدق فيقول أنا واجب على الحق أن يسعى في أن أكون أنا قائله فكيف يتصوّر مني الكذب، جعل الحق كأنه عاقل يجب عليه أن يجتهد في أن يكون هو القائم به، وقيل عليه هذا إنما يتم لو كان اللفظ هو حقيق على قول الحق، وليس كذلك بل على قولي الحق، وجعل قوله الحق يجب عليه أن يسعى في أن يكون هو قائله ليس له كبير معنى، وهذا مما ذكره النحرير، ولم يجب عنه وأجاب عنه بعض المتأخرين بما لا حاصل له وهو ظاهر الورود، ويمكن دفعه بأن مبناه على أنّ المصدر المؤوّل معرفة لا بد من إضافته إلى ما كان مرفوعأ له، وليس بمسلم فإنه قد يقطع النظر عن ذلك، وصرّح بعض النحاة بأنه قد يكون نكرة كقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى﴾ [سورة يونس، الآية: ٣٧] أي افتراء وهنا قطع النظر فيه عن الفاعل إذ المعنى حقيق عليّ قول الحق وهو محصل مجموع الكلام فلا إشكالط فيه، وما ذكره يليق بالتدقيقات الرياضية لا التراكيب العربية فتدبر. وقوله: إلا بمثلي في أكثر النسخ وهو ظاهر، وفي بعضها بمثله على عدم الحكاية وهي بمعنى الأولى والنسخة الأولى أصح. قوله: (أو ضمن حقيق معنى حريص الخ (هذا هو الجواب الرابع وهو ظاهر، وعلى جعل على بمعنى الباء كما تكون الباء أيضا بمعنى على فحقيق بمعنى جدير، وبقي جواب سادس ذكره ابن مقسم، وقال: إنه أولى وقد أهملوه وهو أنه متعلق برسول إن قلنا
بجواز أعمال الصهفة إذا وصفت، فإن لم نقل به وهو المشهور فهو متعلق بفعل يدلّ عليه، أي أرسلت على أن لا أقول إلا الحق، وقراءة حقيق أن لا أقول بتقدير الجارّ وهو على أو الباء أو يقدر علي بياء مشدّدة، وتفسيره ما مر في القرا آت المشهورة. قوله: (فخلهم الخ (الظاهر أنه معنى حقيقيّ للإرسال قال الراغب: الإرسال يقال في الإنسان وفي الأشياء المحبوبة والمكروهة، وقد يكون ذلك بالتسخير كإرسال الرياج والمطر، وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع نحو: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة مريم، الآية: ٨٣] ويقابله الإمساك فأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى أنّ المراد به الأخير، وما قيل إنه استعارة من إرسال الطير من القفص تمثيلية أو تبعية لا أصل له، وهذا إشارة إلى ما في الكشاف من أنّ يوسف ﵊ لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون على نسلهم واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى ع! ، وكان بين
стр. 1284
اليوم الذي دخل فيه يوسف ﵊ مصر، واليوم الذي دخل فيه موسى-شي! أربعمائة عام. قوله: (فأحضرهما عندي ليثبت بها صدقك الما كان ظاهر الكلام طلب حصول الشيء على تقدير الحصول أشار إلى بيان المغايرة بين الشرط والجزاء، وكون جواب الشرط الثاني ما يدل عليه الشرط المتقدم وجوابه أمر آخر، وقوله: ليثبت بها صدقك إشارة إلى أنّ الشرط الثاني مقدم في الاعتبار على قاعدة تكرّر الشرطين فتدبر. قوله: (ظاهر أمره) تفسير لمبين، وقوله: صارت ثعبانا
إشارة إلى أنه صيرورة حقيقية لا تخييلية، وأشعر بمعنى كثير الشعر، وفي نسخة أشعرانيا وهو بمعناه، وفاغراً بالفاء والغين المعجمة والراء المهملة بمعنى فاتح، وسور القصر بمعنى أعلى حائطه، وأحدث أي استطلقت بطنه في مكانه لخوفه، وقوله فمات أي للخوف، ووطء بعضهم بعضاً. وقوله: أنشدك بالذي الخ، أي
أقسم عليك به. قوله:) من جيبه أو من تحت إبطه الخ (لقوله: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أسورة النمل، الآية: ١٢] وقوله: ﴿اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [سورة طه، الآية: ٢٢، والجمع بينهما ممكن في زمان واحد. وقوله: (بياضاً خارجاً عن العادة (لأنه روي أنه أضاء له ما بين السماء والأرض وقوله: أو للنظار أي لأجلهم. وقوله: (لا أنها كانت بيضاء في جبلتها (أي أصل خلقتها لأنه كان آدم شديد الأدمة وهي السمرة، وأصله " دم بهمزتين أفعل، وكونه كذلك مروفي في الحديث الصحيح. قوله: (قيل قاله هو وأشراف قومه الخ) يعني أنه وقع في سورة الشعراء قال! : ﴿لِلْمَلَإِ﴾ وهنا قال: ﴿الْمَلإِ﴾ والقصة واحدة فكيف يختلف القائل في الموضحعين. وفي الكشاف قاله: هو، وقالوه: هم فحكى قوله ثمة وقولهم هنا أو قاله: ابتداء فتلقنه منه الملأ فقالوه لأعقابهم، أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ، كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي فيكلم به من يليه من الخاصة، ثم تبلغه الخاصة العامة، والدليل عليه أنهم أجابوه بقولهم:) أرجئه وأخاه (فأشار إلى ترجيح أنّ الملأ قالوه عن فرعون بطريق التبليغ إلى القوم، بأنّ القوم أجابوا فرعون وخاطبوه بقولهم:) أرجئه وأخاه) فلو لم يكن الكلام تبليغا من فرعون إليهم لما كان لهذا الجواب والخطاب وجه إذ لا يناسب قول الملأ ابتداء إلا أن يقدر في الكلام، إذ المناسب حينئذ ارجعوا وأرسلوا، ولا يناسب النقل بطريق الحكاية لأنه حينئذ لا تكون مشاورة، فلا يتجه جوابهم أصلاً أو أن الجواب وهو أرجئه الخ في الشعراء من كلام الملا لفرعون، وهنا من كلام سائر القوم فلا منافاة بينهما لتطابق الجوابين، ثم اختلفوا في قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فقيل إنه من تتمة كلام الملا وهو الظاهر، وقيل كلام الملا تنم عند قوله: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ﴾ ثم قال فرعون مجيبا لهم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ قالوا: ﴿أَرْجِهْ﴾ وحينئذ يحتمل أن يكون كلام الملا مع فرعون، وخطاب الجمع في يخرجكم لتفخيمه أو لما جرت به العادة، وأن يكون مع قوم فرعون والمشاورة منه قيل: وإنما التزموا هذا التعسف ليطابق ما في الشعراء في قوله: ﴿مَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فإنه من كلام فرعون. وقوله: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ كلام الملا لفرعون لكن ما اندفعت المخالفة بالمرّة لأنّ قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم﴾ كلام فرعون للملا، وفي هذه السورة على ما وجهوه كلام الملا لفرعون، ولعلهم يحيلونه على أنه قال لهم مرّة، وقالوا له أخرى. قوله: (تشيرون في أن نفعل) يعني أنه من الأمر بمعنى المشاورة وهو المروقي عن ابن عباس ﵄ يقال: أمرته فأمرني أي شاورته فاشار عليّ برأي، وليس هو الأمر المعهود وان قيل به. وأمّا قوله في العصا هنا: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ وفي محل آخر ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [سورة النمل، الآية: ١٠، فلا معارضة
بينهما كما سيأتي ﴿حَاشِرِينَ﴾ جمع حاشر وهو من يجمعهم. وقوله: كأنه الخ من تتمة التوفيق كما مرّ. قوله:) والإرجاء التأخير الخ) هذا هو الأصح لغة لا أنه بمعنى الحبس، وقيل لأنه لم يثبت منه الحبس، وقيل: الأمر به لا يوجب وقوعه، وقيل: إنه لم يكن قادرا على حبسه بعد ما هاله منه، وقوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٢٩] في الشعراء كان قبل هذا وقال أبو منصور: الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر وهو الهئم بقتله فقالوا أخره ليتبين حاله للناس. قوله: (وأصله أرجئه الخ) يعني بالهمز وفيه هنا وفي الشعراء ست قرا آت متواترة لا التفات لمن أنكر بعضها، كما ستراه ثلاث مع الهمزة أرجثه وبهمزة ساكنة وهاء متصلة بواو الأشباع، وأرجئه
стр. 1285
بضم دون واو، وأرجئه بهمزة ساكنة وهاء مكسورة من غير صلة، وثلاث بدونها أرجه بسكون الياء والهاء وصلا ووقفا، وأرجهي بهاء مكسورة بعدها ياء، وأرجه بهاء مكسورة بدون ياء فضم الهاء وكسرها، والهمز وعدمه لغتان مشهورتان وهل هما مادّتان، أو الياء بدل من الهمزة كتوضأت وتوضيت قولان، وقد طعن في قراءة ابن ذكوان ﵀ فقال أبو عليّ الفارسي ضم الهاء مع الهمزة لا يجوز غيره، وكسرها غلط لأنّ الهاء لا تكسر إلا بعد ياء ساكنة أو كسرة. وقال الحوفي: ليست بجيدة، وأجيب عنه بوجهين أحدهما أنّ الهمزة ساكنة والحرف الساكن حاجز غير حصين، فكان الهاء وليت الجيم المكسورة فلذا كسرت، والثاني أنّ الهمزة عرضة للتغيير كثيرا بالحذف وابدالها ياء إذا سكنت بعد كسرة، فكأنها وليت ياء ساكنة فلذا كسرت وهو الذي اختاره المصنف ﵀. وأورد عليه أبو شامة ﵀ أنّ الهمزة تعد حاجزاً، وأنّ الهمزة لو كانت ياء كان المختار الضم نظرا لأصلها وليس بشيء، لأنها كما قال المعرب: لغة ثابتة عن العرب. وقوله: جه وأي لفظ جه بكسر الهاء غير مشبعة مع واو العطف كابل بكسرتين فيجوز تسكينه للتخفيف، والمنفصل والمتصل المراد به ما كان من الكلمة وغيره لا في الخط، كما قيل وقوله: فلا يرتضيه النحاة الأولى تركه. وسحار صيغة مبالغة وهي تناسب عليم، فلذا اتفق عليها في الشعراء. قوله: (بعدما أرسل الشرط في طلبهم) الشرط بشين معجمة مضمومة وراء مهملة مفتوحة، وطاء مهملة أعوان الولاة لأنهم يجعل لهم علامة، وفي القاموس الشرط بضم وسكون ما اشترطت يقال:
خذ شرطتك وواحده الشرط كصرد، وهم أوّل كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت، وطائفة من أعوان الولاة معروفة، وهو شرطيّ كتركيّ وجهنيّ. وفيه أنه قال في الأساس الصواب في الشرطيّ سكون الراء نسبة للشرطة، والتحريك خطأ لأنه نسب إلى الشرط الذي هو جمع فتأمّل. قوله: (استأنف به الخ) أي استئنافاً بيانيا ولذا لم يعطف، وقيل: إنه حال من فاعل جاء وهذا أولى منه. وقراءة أنّ إمّا على الأخبار، وامّ على حذف همزة الاستفهام لتتوافق القراءتان، ولأنّ الظاهر عدم جزمهم به، ولذا رجحه الواحديّ ﵀ بناء على اطراد حذفها. وقوله: وايجاب الأجر تفسير للأخبار أي ليس المراد بالأخبار ظاهرة إذ لا وجه له فيحمل على إيجابه عليه واشتراطه، كأنهم قالوا يشرط أن تجعل لنا أجراً، وما قيل: إنه لا طلاوة له لا طلاوة له، وقوله: (والتنكير للتعظيم) مثل له في الكشاف بأنّ له لا بلا فقال النحرير: مثل لتنكير التعظيم بتنكير التكثير للقرب بينهما. قوله: (وإنكم لمن المقرّبين عطف الخ) في الكشاف هو معطوف على محذوف سد مسده حرف الإيجاب، كأنه قال: إيجاباً لقولهم إنّ لنا لأجراً نعم إنّ لكم لأجراً هانكم لمن المقرّبين أراد أني لا أقتصر بكم على الثواب وحده، وأنّ لكم مع الثواب ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتعظيم، لأنّ المثاب إنما يتهنأ بما يصل إليه ويغتبط به إذا نال معه الكرامة والرفعة، وروي أنه قال لهم: تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج.
) قلت) هذا هو عطف التلقين، وقد عرف من هذا تحقيقه بأنه عطف على مقدّر هو عين الكلام السابق قبله، فمن قال إنه عطف عليه أراد هذا لأنه لما كان عينه جعل هو المعطوف عليه، ومن إعادته على وجه القبول أفاد تحقيق ما قبله، وتقريره للقطع به فماعادته بحرف الجواب أفصح وأوضح فاحفظه، فإنهم لم ينبهوا عليه هنا وبه يجمع بين الأقوال السابقة في سورة البقرة. وقوله: التحريضهم (يعني بالزيادة المذكورة. توله: (خيروا موسى ﵊ مراعاة للأب) قال المشايخ: ولمراعاتهم للأدب رزقوا السعادة الأبدية وأن نلقي وأن نكون جوّز فيه النصب بتقدير اختر ونحوه، والرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر أو خبر مبتدأ محذوف وهو ظاهر أي أمرك الإلقاء، واظهار الجلادة إذ لم يبالوا بتقدمه وتأخره، وقد قيل إنه مخالف لقولهم قبله إن كنا الخ فإمّا أن تكون حالهم تغيرت، أو وقت المبارزة محل إظهاو القوّة. قوله: (فنبهوا عليها بتنيير النظم الخ) تغيير النظم إذ لم يقولوا وأمّا أن نلقي والظاهر أنه وقع في المحكيّ كذلك بما يرادفه
فلا يرد عليه شيء ووجه كونه أبلغ تكرير الإسناد، وتعريف الخبر بالجرّ عطف على ما هو أبلغ، وقيل إنه تفسير له وقيل إنه
стр. 1286
معطوف على تغيير النظم والأوّل أولى وقوله: أو تأكيد ضميرهم المتصل يعني المستتر في يكون لأنه في حكمه بل أشد، وهو معطوف على توسيط الفصل والاعتراض بأنّ الجمع بين الفصل والتأكيد لا يمكن لأنّ لأحدهما محلاً من الإعراب دون الآخر وهم ظاهر، فإن قلت ما الفرق بين أن يكون الضمير مؤكدا وبين أن يكون فصلاً، قلت قال الطيبي ﵀: التكرير يرفع التجوّز عن المسند إليه فيلزم التخصيص من تعريف الخبر أي نحن نفعل الإلقاء البتة لا غيرنا والفصل لتخصيص الإلقاء بهم لأنه لتخصيص المسند بالمسند إليه فيعرى عن التوكيد، وقال الفاضل اليمني: قد ذكر علماء المعاني أنّ ضمير الفصل يفيد التخصيص وكذا تعريف الخبر فعلى هذا إذا أجتمعا هل يكونان جميعا مفيدين للتخصيص كما تفيد أن، واللام التأكيد إذا اجتمعتا أو يكون حاصلا بأحدهما فقط فإن جعلناه بتعريف الخبر يكون إنما جيء به للفرق بين الخبر والنعت اهـ، وله تفصيل ليس هذا محله. قوله: (كرماً وتسامحاً أو ازدراء الخ) التسامح تفاعل من السماحة، وهي قرينة من الكرم أو المراد به عدم المبالاة فيقرب من الازدراء وهو إفتعال من الزراية وهي التحقير، وهو جوأب عما يقال إنّ إلقاءهم الحبال والعصيّ معارضة للمعجزة بالسحر وهي كفر، والأمر بالكفر كفر فكيف أمرهم به، والجواب أنّ السحرة إنما جاؤوا لإلقاء الحبال والعصيّ، وقد علم موسى-لج! هـ أنهم لا بد، وأن يفعلوا ذلك وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير كما صرّج به في الآية الأخرى أوّل من ألقى فجوّز لهم التقديم لا لإباحة فعلهم بل لتحقيرهم، وقلة مبالاته بهم وللوثوق بالتأييد الإلهيّ وأنه لن يغلب سحر معجزة فقط، وهذا لا دلالة له على الرضا بتلك المعارضة، وأيضا أذن لهم ليبطل سخرهم فهو إبطال للكفر بالآخرة وتحقيق لمعجزته، وقوله ووثوقاً على شأنه ضمن الوثوق معنى الاعتماد فلذا عدّاه بعلى والا فهو يتعدى بالباء. قوله: (بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه) فسره بذلك لقوله: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [سورة طه، الآية: ٦٦] وقد روي أنهم لو نوها وجعلوا فيها زئبقا فلما أثر تسخين الشمس فيها تحرّكت والتوى بعضها ببعض فتخيل الناس ذلك وليس في هذا إبطالاً للسحر مع أنه ثابت بالنصوص لكن المعتزلة تنكره كما تنكر الجن فالأولى تركه كما قيل بل لأن القرآن ناطق بخلافه إذ جعله كيداً وتخيلا، ولذا لم يلتفتوا لاعتراضه هنا. قوله: (وأرهبوهم إرهاباً شديداً الخ) يعني أنّ الاسترهاب بمعنى الإرهاب البليغ فالطلب مجاز في المبالغة والزيادة لأنّ المطلوب من شانه أن يهتم به ويبالغ فيه، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله كأنهم الخ فلا يرد عليه، ما قيل إنه بمعنى الأفعال ل! للطلب كما قال الزمخشريّ: لعدم ظهوره هنا إذ لا يلزم منه حصول
المستدعي والمطلوب. قوله: (عظيم في فنه الخ) يعني أنّ عظمته بالنسبة لغيره من السحر، ولما هو في زعمهم، وأن ألق أن فيه تفسيرية لتقدّم ما فيه معنى لقول دون حروفه أو مصدرية فهي مفعول الإيحاء وقوله فألقاها الخ يشير إلى أن الفاء المذكورة والمحذوفة فصيحة وقد مرّ ما فيه. قوله: (ما يزؤرونه من الإفك الخ) الإفك بفتح الهمزة مصدر أفكه بمعنى قلبه، وهو أصل معناه وإطلاقه على الكذب لكونه مقلوباً عن وجهه لكنه اشتهر فيه حتى صار حقيقة، وقد فسره به ابن عبامى ﵄ هنا أيضا، وما موصولة وهو معلوم من تقديره العائد أو مصدرية، والإفك بمعنى المأفوك لأنه المتلقف وترأ حفص تلقف بالتخفيف وغيره تلقف بالتشديد وحذف إحدى التاءين وتلقف بمعنى تأخذ وتبتلع. قوله: (فثبت لظهور أمره) يعني استعير الوقوع للثبوت والحصول أو للثبات والدوام لأنه في مقابلة بطل فان الباطل زائل، وفائدة الاستعاوة الدلالة على التأثير لأنّ الواقع يستعمل في الأجسام وهو كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ١١٨ إذ استعير القذف لا يراد الحق على الباطل والدمغ لإذهاب الباطل ومن فسر الواقع بالتأثير أراد هذا، وقال الفراء: معناه تبين الحق من السحر. قوله: (أي صاروا أذلاء مبهوتين الخ) أي الانقلاب مجاز عن الصيرورة لظهور المناسبة بينهما أو بمعنى الرجوع فصاغرين حال، وقوله والضمير الخ أي الضمير واجع لفرعون وقومه والسحرة على الاحتمال الأوّل، وعلى الاحتمال الثاني لفرعون
стр. 1287
وقومه لا عليهما لأنّ السحرة لا ذلة لهم إلا أن يحمل على الخوف من فرعون، أو على ما قبل الإيمان وظاهر النظم يخالفه، فإن قلت قوله مبهوتين من أين أخذه قلت أخذه من قوله انقلبوا لما اختير على قلبوا فتأمّل.
قوله: (جعلهم ملقين على وجوههم الخ) يعني كان الظاهر خرّوا ساجدين إذ لا إلقاء هنا
لكنه تجوّز به عنه لأنّ ظهور الحق ألجأهم إلى ذلك واضطرّهم إليه حتى كان آخر دفعهم فألقاهم فهو استعارة وبهرهم بمعنى غلبهم أو أنّ الله ألقاهم بمالهامهم لذلك فالملقي هو الله لينعكس أمر فرعون، أو المراد أسرعوا كالذي يلقيه غيره، والاستعارة تبعية أو هو تمثيل، ويصح أن يكون مشاكلة لما معه من إلقاء كما ذكره في الشعراء. قوله: (أبدلوا الثاني من الأوّل الخ (أي أبدلوا لفظ رب الثاني المضاف لهما لدفع هذا التوهم، ولم يقتصروا على موسىءك! إذ ربما يبقى للتوهم رائحة لأنه كان ربي موسى ﵊ في صغره ولذا قدم في محل آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سناً منه، وقدم موسى لشرفه أو للفاصلة، وما وقع في شرح المفتاح للسعد من أنه قدم موسى ﵊ لأنه كان أكبر سنا منه إمّا سهو أو رواية غير مشهورة، وأمّا كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم فلا يضرّ كما توهم وروي أنهم لما قالوا آمنا برلت العالمين قال أنا رلث العالمين فقالوا: رذا عليه رلت موسى وهرون. قوله: (بالله أو بموسى (أمّا الأوّل فلقوله رلت العالمين، وأمّا الثاني فلقوله في آية أخرى آمنتم له فإنّ الضمير لموسىءكي! لقوله إنه لكبيركم الخ. قوله: (١ لاستفهام فيه للإنكار الخ) قرأ القرّاء آمنتم بحرف الاستفهام إلا حفصا فإنه قرأها على الأخبار وفيها أيضاً معنى التوبيخ كما في الاستفهام لأنّ الخبر إذا لم يقصد به فائدته ولا لازمها تولد منه بحسب المقام ما يناسبه، وهنا لما خاطبهم بما فعلوه مخبراً لهم بذلك أفاد التوبيخ والتقريع، ويجوز أن يقدر في الهمزة بناء على جوازه والاستفهام للإنكار بمعنى أنه لا ينبغي ذلك وفي القراءة هنا وجوه مبسوطة في محلها. قوله: (إن هذا الصنيع لحيلة الخ (قاله تمويهاً على القبط يريهم أنهم ما غلبوا ولا انقطعت حجتهم، وكذا قوله قبل أن آذن لكم، وقوله في مصر أي التعريف عهدقي، والميعاد أي ميعاد اجتماعهم، وعاقبة ما فعلتم مفعول تعلمون المقدر وقوله تعالى قبل أن آذن لكم لا يقتضي وقوع الإذن فإذا قلت جاء زيد قبل عمرو ولا يدل على مجيء عمرو كما ذكره بعض المفسرين إلا أنه لا بد من جعله مقدرا، وتقديره بمنزلة وقوعه وقد وقع في مواضع من القرآن وهو شائع في الاستعمال، وقوله من كل شق طرفاً أي من كل جانب عوضا مغايرا للآخر كاليد من أحدهما والرجل من الآخر، ومن خلاف حال أي مختلفة، وقيل من تعليلية متعلقة بالفعل أي لأجل خلافكم وهو بعيد. قوله:
(فشرعه الله للقطاع) جمع قاطع وهو من يقطع الطريق لعظم جرمهم وقوله: (ولذلك سماه) أي سمى قطع الطريق محاربة الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٣] الآية والمعنى يحاربون أولياء الله أو عباده لأنّ أحداً لا يحارب الله إلا أنّ المسافر في أمان الله وحفظه فالمتعرّض له كأنه يحارب الله، وقوله على التعاقب هو مذهبه وإلا فقد يجمع بين بعضها وبعض كما يعلم من كتب الفقه فتدبر. قوله: (بالموت لا محالة الخ (قد جاءت هذه القصة مفصلة في الشعراء مجملة هنا فحملت هذه على تلك إذ قال فيها: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٥١] عللوا عدم المبالاة الذي يعطيه لا ضير بالانقلاب إلى الله والطمع في الثواب فلذا فسرت بوجوه، الأوّل إنا لا نبالي بالموت الذي نلاقي به رحمة الله ونخلص منك والضمير للسحرة فقط، والثاني إنا ننقلب إلى الله فيثيبنا على ما عذبتنا به وما فعلت بنا نافع لنا لتكفيره الخطايا ونيل الثواب العظيم والضمير لهم أيضا والثالث، إنا جميعا ننقلب إلى الله فيحكم بيننا وينتقم لنا منك ويثيبنا على ما قاسيناه والضمير لهم وفرعون، والرابع إنا ولا بذ ميتون فلا ضير فيما تتوعدنا به والأجل محتوم لا يتأخر عن وقته ومن لم يمت بالسيف مات بغيره والضمير فيه يحتمل السحرة والجميع والمصنف ﵀ جعله ثلاثة لأن الأخير والأوّل في المعنى واحد، وقوله: (شغفا (بغين معجمة وفاء أي محبة، وضمنه معنى الحرص فعداه
стр. 1288
بعلى. قوله: (وما تئكر منا الخ (أي نقم بمعنى عاب وأنكر، وأن آمنا مفعول به وما أنكرته وعبته هو أعظم محاسننا فهو على حدّ قوله:
ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم تعاب بنسيان الأحبة والوطن
كما أشار إليه المصنف ﵀ فإن كان نقم بمعنى عذب من النقمة فإن آمنا مفعول له وقوله فزعوا إلى الله أي التجؤوا وتضرعوا من فزع إليه إذا التجأ إليه ليزيل فزعه وخوفه وأصل معنى الفزع الخوف وتفصيله في كامل المبرد. قوله:) أفض علينا صبراً يغمرنا الخ (فأفرغ استعارة تبعية تصريحية وصبراً قرينتها أي هب لنا صبراً تاما كثيراً، وعلى الثاني صبراً أصلية مكنية وأفرغ تخييلية وقيل الأول أيضا كذلك إلا أنّ الجامع الغمر، وهاهنا التطهير. قوله: (ثابتين على الإسلام) فسره به لسبق إسلامهم وسجودهم. قوله: (بتغيير الناس عليك الخ) أي
المراد بالإفساد ما يشمل الديني والدنيوي، ويفسدوا حذف مفعوله للتعميم، أو نزل منزلة اللازم أو يقدر يفسدوا الناس بدعوتهم إلى دينهم. قوله: (عطف على يفسدوا الخ) فيه قرا آت فقراءة العامّة بياء الغيبة ونصب الراء أمّا عطف على يفسدوا أو منصوب في جواب الاستفهام كما ينصب بعد الفاء، والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى ﵇ وقومه مفسدين وبين تركهم إياك وعبادة آلهتك أي لا يمكن وقوع ذلك. قوله: (كقول الحطيئة (هو شاعر أموي معروف وهو من قصيدة أوّلها:
ألا قالت إمامة قد تحزي فقلت أمام قدغلب العزاء
ومنها:
ألا أبلغ بني عوف بن كعب فهل قوم هلى خلق سواء
ألم أك نائما فتوعدوني فجاءني المواعد والرجاء
ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودّة والإخاء
والشاهد فيه على هذه القراءة وكونها شائعة سائغة في كلام العرب. قوله: (وقرئ بالرفع
الخ) قرأ بها الحسن وغيره، وهو إمّا عطف على مقدر أو استئناف أو حال بحذف المبتدأ أي وهو يذرك لأنّ الجملة المضارعية لا تقترن بالواو في الفصيح، وهي على الأوّل معترضة مقزرة لما سبق، وعلى الثاني مقرّرة لجهة الإنكار. قوله: (وقرئ بالسكون الخ) أي بالجزم وهو عطف على التوهم أي توهم جزم يفسدوا في جواب الاستفهام كقوله فأصدق وأكن لتوهم جزم أصدق في جواب التحضيض، وقال ابن جني ﵀: بل تركت الضمة للتخفيف كقراءة أبي عمرو يأمركم بإسكان الراء استثقالاً للضمة عند توالي الحركات، وقيل: إنّ المصنف ﵀ عبر بالسكون دون الجزم إيماء إلى هذا. توله: (كأنه قيل تفسدوا الخ) أي عطف على المعنى، ويقال له في غير القرآن عطف التوهم لأن جواب الاستفهام يجزم بدون الفاء فقدر عدمها هنا كذلك وعطف عليه يذرك بالجزم كما عطف أكن المجزوم على أصدق المنصوب بتنزيله منزلة المجزوم، وقيل إنه معطوف على محل الفاء وما بعدها كما في ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ ويذرهم بالجزم وقد ردّه في المغني. قوله: (معبودا! لك الخ) تفسير للقراءة المشهورة إذ الآلهة
جمع إله بمعنى معبود، وقوله تيل الخ توجيه لجمع الآلهة وإضافتها إليه مع أن المشهور أنه كان يدعي الألوهية ويعبد ولا يعبد فأمّا لأنه كان يعبد الكواكب فهي آلهة وكان يعتقد أنها المرتبة للعالم السفلي مطلقا وهو رلث النوع الإنساني أو أنه اتخذ أصناما تعبد لتقربهم إليه كما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وهذا كما قالت الجاهلية: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٣] . توله: (وقرئ إلا هتك (كعبادتك لفظا ومعنى فهو مصدر، وقيل إنها اسم للشمس وكان يعبدها ونقل ابن الأنباري عن ابن عباس ﵄ أنه كان ينكر قراءة العامة بالجمع ويقرؤ إلاهتك بالمصدر بمعنى عبادتك ويقول إنّ فرعون كان يعبد ولا يعبد، ألا ترى قوله ما علصت لكم من إله غيري، وقيل إنه كان دهريا منكراً للصانع. قوله: (كما كنا نفعل الخ الما كان ذلك وقع منهم قبل ذلك فسره بذلك ليكون المعنى إنا مستمرون على القهر والغلبة دفعا لوهم القبط لما قيل في شأن المولود وهو موسى غ! ي!
стр. 1289
كما هو مشهور من قصته، والاستحياء مرّ تفسيره في البقرة، وقوله غالبون الخ إشارة إلى أن الفوقية مجاز عن الغلبة كما مرّ تحقيقه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٨] . قوله: الما سمعوا قول فرعون الخ (يعني أنه من الأسلوب الحكيم أي ليس كما قال فرعون إنا فوقهم قاهرون فإن القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله ولمن وعده الله توريثه الأرض وأنا ذلك الموعود الذي وعدكم الله النصرة به وقهر الاعداء وتوريث أرضهم. قوله: (والتثبت في الأمر) مجرور معطوف على الاستعانة أي هذه الجملة تسلية لهم بالكناية عن أن ملك القبط سينقل إليهم وتقرير للأمر بالاستعانة به تعالى، والتثبت من الصبر والأمر الأوّل المصطلح عليه، والثاني واحد الأمور وإذا كانت اللام في الأرض للعهد فالمراد مصر، وما يملكه القبط، وقوله بإعادته قيل جعل وعده بمنزلة فعله لكونه جبارا. قوله: (تصريحاً بما كنى عنه أوّلاً الخ (يشير إلى أن في إلنظم كنايتين
وتصريحاً الأولى إنّ الأرض لله يورثها من يشاء لأنه كناية عن أن سيورثكم أرضهم ولذا قالوا إنه أطماع لهم وهو معنى الإرث، والثانية أنّ العاقبة للمتقين لأنه تقرير لما وعدهم وأنّ العاقبة المحمودة والنصرة لهم لأنهم المتقون والتصريح في قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ لأنّ عسى في مثله قطع في إنجاز الموعود والفوز بالمطلوب أو عبر بها لعدم الجزم كما ذكره المصنف ﵀ أو تأدّبا وإن كان بوحي واعلام من الله وقد تجعل الكنايتان واحدة، وقوله: ﴿فَيَنظُرَ﴾ أي يرى أو يعلم وفيه إشارة إلى ما وقع منهم بعد ذلك. قوله: (بالجدوب لقلة الأمطار الخ) السنة بمعنى العام وغلبت حتى صارت كالعلم الزمان القحط ولامها واو أو هاء يقال اسنى القوم إذ البثوا سنة وأسنتوا إذا أصابهم الجدب فقلبت لأمه تاء للفرق بينهما، قال المازنيّ ﵀: وهو شاذ لا يقاس عليه، وقال الفراء: توهموا أنّ الهاء أصلية إذ وجدوها ثابتة فقلبوها تاء. قوله: (غلبت) أي صارت كالعلم بالغلبة فإذا أطلقت تبادر منها ذلك حتى يجعلونها تاربخا فيقولون فمن سنة كذا للجدب العامّ المشهور بينهم، وقوله لكثرة العاهات أي عاهات الثمار. قوله: (لكي يتنبهوا على أنّ ذلك بشؤم كفرهم الخ) يعني التذكر إما بمعنى الاتعاظ لأنهم إذا تنبهوا لما نزل بهم بسبب عصيانهم اتعظوا بذلك أو بمعنى الذكر أي يذكرون الله فيتضرعون له، ويلجؤون إليه رغبة فيما عنده، وقوله يتنبهوا أو ترق بيان لسبب كل من المعنيين المأخوذ مما قبله، ومن المقام فلا يرد عليه ما قيل أن ترق قلوبهم عطف على كي يتنبهوا فكل منهما حال كونه معينا بشيء تعليل للتذكر المفسر بالتفكر، فإن قلت لم لا يحمل كلامه على كون الاتعاظ تفسيراً للتذكر وذكر التنبيه لتوقف الاتعاظ عليه، قلت لأنه حينئذ إما أن يعطف أو ترق على يتنبهوا أو على يتعظوا فعلى الأوّل يلزم أن يفسر التذكر بالفزع وعلى الثاني يلزم أن يفسر بالرقة وليس كذلك، وقس عليه حال كون التنبيه تفسيراً للتذكر والاتعاظ تقريباً وبالجملة كلامه لا يخلو عن تشويش فلو قال لكي يتنبهوا أنّ ذلك بسوء كفرهم الخ أو يتعظوا فترق قلوبهم فيفزعوا الخ حتى يكون إشارة إلى معنيي التذكر كان أولى اهـ. قوله: (من الخصبط والسعة (تيل إنه تمثير فلا ينافي أنها للجنس وفيه نظر. قوله: (لآجلنا ونحن مستحقوها) أي اللام لام الأجل ومعنى كونها
لأجلهم أنهم أهل لها مستحقون بيمن الذات لأنواع الحسنات حتى أنها إذا لم تصبهم كان ذلك بشؤم غيرهم وبه يأخدّ الكلام بعضه بحجز بعض ويلتئم أشد التثام، وقيل نحن مستحقوها بيان لوجه كون الحسنة لأجلهم ولو قال أو نحن الخ إشارة إلى معنى آخر للام كان أولى، وفي الكشاف أي هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها والتخصيص فيه من التقديم ويحتمل أيضا أنه بيان لمعنى اللام، ونحن مستحقوها بيان لوجه الاختصاص، وقيل دلت اللام على الاستحقاق والاختصاص مستفاد من تقديم الخبر. قوله: (يتشاءموا يهم الخ) سموا التشاؤم تطيرا وأصله ما ذكره الأزهري ﵀ أنّ العرب كانوا إذا خرجوا لقصد وطار طائر ذات اليسار تشاءموا به وكذا بنعيق الغربان ونحوه فسمي الشؤم طيرا وطائرا والتشاؤم تطيرا والطائر يطلق على الحظ، والنصيب سواء أكان خيراً أو شرا وقد يخص بالتشاؤم والإغراق المبالغة وتذلل العرائك أي تسهل وتلين الطبائع وترققها يقال فلان لين العريكة أي سلس الخلق منكسر النخوة
стр. 1290
وقوله وتزيل التماسك تفاعل من الإمساك والمراد أنها تدفع التصلب والصبر، وقوله سيما بدون لا قيل إنه غير عربيّ ولا مقدرة معه وقد تقدم ما فيه مراراً وعتوّاً بمعنى استكبارا. قوله:) وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقبق الخ (قال في الكشاف: فإن قلت كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة وان تصبهم سيئة بأن وتنكير السيئة قلت لأنّ جنس الحسنة، وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه وأمّا السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها، واختلف شراحه في مراده بالجنس فقيل إنه أراد العهد الذهني، وهو الحسنة التي في ضمن فرد من أفراد الخصب والرفاهية وغيرها وهو المراد بقوله وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه ولما ورد أنه كالنكرة فلا فرق بينه وبين سيئة حينئذ قال: والتعيين بحسب الذهن والشيوع بحسب الوجود فيفيد تعريفه الاعتناء بشأن الحقيقة إمّا لعظمها أو لأنّ الحاجة ماسة إليها أو لأنّ أسباب نشأتها متاخرة فهي لذلك بمنزلة الحاضر بخلاف النكرة فإنها غير ملتفت إليها، وقيل المراد العهد الخارجي التقديري ولذا فسر الحسنة بالخصب والرخاء بدليل ذكره في مقابلة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ﴾ [سورة الأعرأف، الآية: ١٣٠] وقوله لأنّ جنس الحسنة الخ أي جنس الخصب والرخاء وفيه مبالغة لأنه لكثرة الوتوع، كالجنس كله واجب الوقوع، ولذا لا يزال يتكاثر حتى يستغرق الجنس، ومقابلته بقوله: وأما السيئة الخ دليل على إرادة ذلك فلا تخالف بين كلاميه، ولم يرد بالجنس العهد الذهني، وهذا مراد صاحب المفتاح به ويندفع ما توهمه صاحب الإيضاج فافهمه فإنه من المضايق، وفي هذا المقام كلام لأهل المعاني من أراده فعليه بشروح المفتاح. قوله: (لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها باللذات) بدلالة تعريف الجنس
الدال على الكثرة، وتعلق الإرادة بها بالذات لأنّ العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة، وعموم النعمة قبل حصول الأعمال والنقمة إنما استحقوها بأعمالهم بعد ذلك، ألا ترى رزق الطيور ونحوها بدون عمل، فقوله بالذات في مقابلة بالتبع لما عملوه كما يفصح عنه ما عقبه به في تفسير الطائر. قوله: (أي سبب خيرهم وشرّهم الخ) كذا في الكشاف وقد قيل عليه إنه فسره تارة بسبب الخير والشر، وأخرى بسبب الشؤم، والتطير التثاؤم عند جميع المفسرين والطير الشئم لا سببه فلا وجه لتفسيره به، وقد مر عن الأزهري ﵀ وأهل اللغة ما يخالفه، وليس بوارد لأنّ الداعي لتفسيرهم هدّا قوله عند الله لأن الذي عنده تعالى تقدير ذلك وليس ما ذكره الأزهري بمتفق عليه فقد قيل: إنّ أصل التطير تفريق المال وتطييره بين القوم فيطير لكل أحد نصيبه من خير أو شر ثم غلب في الشرّ قال:
يطير غداً يد الإشراك شفعا ووتص اً والزعامة للغلام
فمعنى طائرهم حظهم وما طار إليهم من القضاء والقدر بسبب شؤمهم عند الله وما نزل
بهم، فقوله أو سبب شؤمهم نظرا إلى الغلبة، وما يسوءهم ما أصابهم من بلاء الدنيا. قوله: (وهو اسم الجمع وقيل هو جمع) القول الأوّل هو الصحيح لأنه على أوزان المفردات والثاني قول الأخفش وقد ردّه الزمخشري ٠ قوله: (أصلها ما الشرطية الخ (اختلف في مهما هل هي بسيطة، أو مركبة من ما وأبدلت الألف هاء أو من مه اسم فعل للكف باقية على معناها أو مجردة عنه أقوال للنحاة أسلمها البساطة، وهي اسم شرط لا حرف على الصحيح، وتكون مبتدأ وخبرها الشرط أو الجزاء أو هما على الخلاف وتكون مفعولاً به لا ظرفا خلافاً لبعضهم، وقد شذد الإنكار عليه في الكشاف وخالفه ابن مالك فيه، وقال: إنه مسموع عن العرب، ولها استعمال آخر فتكون اسم استفهام كقوله:
مهما لي الليل مهما ليه
وقوله: (يصوّت به) أي اسم فعل، وهو يطلق عليه اسم صوت والكاف بتشديد الفاء
أي طالب الكف، وقوله: (وما الجزائية) أي الشرطية لأنهم يسمون الشرط جزاء. قوله: (ومحلها الرفع على الابتداء أو النصب الخ) وتقدّم الكلام على أنها قد تكون ظرفية في كلام
العرب كقوله:
وانك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
ويوافقه استعمال المنطقيين لها بمعنى كلما وجعلها سور الكلية فإنها تفيد التعميم كما صرحوا به وليس
стр. 1291
من مخترعاتهم كما توهم، وقوله أيما شيء تحضرنا يشير إلى أنه من الإضمار على شريطة التفسير والمضمر موافق له معنى كما في زيد أمررت به وقدره مؤخراً لأنّ اسم الشرط له صدر الكلام وتأتنا عطف بيان وتفسير له حينئذ ولذا جزم، وقوله والضمير في به وبها الخ يعني راجع لمهما باعتبار لفظه، ولها باعتبار معناه لا لآية لأنها مسوقة للبيان، فالأولى رجوع الضمير على المفسر المقصود بالذات وفي المغني الأولى عوده إلى آية والأولى ما مرّ نعم تبيينه به يحسن رعاية معناه كما قاله الطيبي رحمه الله تعالى ولا مانع منه كما قيل، وهي لا تفيد التكم ار دائما كما قاله الإمام في كلما تزوّجتك فأنت طالق وقد تفيده كما في هذه قاله بعضهم، وقوله والضمير في به وبها لمهما قيل في نسخة لما وهو تصحيف وليس كذلك فتأمّل، وقوله وإنما سموها آية الخ جواب سؤال وهو إنهم ينكرون كونها آية وتسميتها سحرا ينافي كونها آية أيضاً. قوله: (ما طاف بهم وغشي أماكنهم الخ) يعني هو فعلان اسم جنس من الطواف، وقيل إنه في الأصل مصدر كنقصان وهو اسم لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم كالماء الكثير، والقتل الذريع والموت الجارف قاله أبو إسحق: وقد روي عن النبيّ ﷺ تفسيره بالموت لكنه اشتهر في طوفان الماء وهو معروف، وقيل: هو اسم جنس واحده طوفانة والموتان بضم الميم، وقد تفتح موت في الماشية وأمّا الموتان بفتحان فخلاف الحيوان، ولذا حرك حملاَ عليه والطاعون معروف ويقابل ما قبله لخصوصه بالإنسان، وتفسيره بالجدري لأنه كان عاما فيهم. قوله: (والجراد والقمل) الجراد معروف واحده جرادة سمي به لجرده ما على الأرض والقمل بضم القاف وتشديد الميم واختلف فيه أهل اللغة على أقوال، منها ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى والقردان بكسر القاف وسكون الراء المهملة جمع القراد المعروف وتفسيره بصغار الجراد وهي تسمى دبي، ولا تسمى جراد إلا بعد نبات أجنحتها فلا يتكرر مع الجراد كما قيل، وقيل: هي صغار الذر، وقيل هو بمعنى القمل بفتح فسكون كما قرئ به أيضا. قوله:) روي أنهم مطروا ثمانية أيام الخ) قاموا فيه أي في الماء لأنّ من جلس غرق
والتراقي جمع ترقوة أعلى الصدر أي واصلا إلى تراقيهم، وقوله مشتبكة بمعنى مختطة، وركد بمعنى دام والكلأ مهموز النبات، وقوله فأشار بعصاه وقيل جاءت ريح فألقتها في البحر، وقوله القمل الخ هو بتفسيره الآخر، وبه علم الجواب عن التكرار السابق، وقوله: (يثب) بالمثلثة والموحدة من الوثوب وهو معروف والرعاف بالضم سيلان الدم من الأنف وهو مرض! قد يهلك. قوله: (نصب على الحال الخ) أي من تلك الأشياء المتقدمة ومعنى مفصلات مميز بعضها عن بعض مفصلة بالزمان ليعلم هل يستمرّوا على عهدهم أم لا أو مبين أنها آيات إلاهية لا سحر كما يزعمون، وقوله: على مهل بفتحتين أي بغير عجلة، وعصى موسى ﵊ هي عصى آدم ﵊ أتاه بها ملك كما في الدر المنثور. قوله: (يعني العذاب المفصل (ولما لا تنافي التفصيل والتكرير فلا يرد أنه كان المناسب على هذا كلما، وقوله أو الطاعون أرسله الله عليهم بعد ذلك يعني لا السابق المفسر بالطوفان، والرجز بالكسر والضم لغة فيه بمعنى العذاب وقد ورد إطلاقه على الطاعون في الحديث الصحيح، وهو الطاعون بقية وجزءاً وعذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل كما في الترمذي وغيره، وتد
فسره به هنا سعيد بن جبيررضي الله عنه فلا وجه لما قيل إنه لم يجر له ذكر فالحمل على العذاب المفصل أولى لأنّ التفسير بالمأثور أولى. قوله: (بعهده عندك) وهو النبوّة فما مصدرية وسميت النبوّة عهداً لأنّ الله عهد إكرام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بها، وعهدوا إليه تحمل أعبائها أو لأن لها حقوقا تحفظ كما تحفظ العهود أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور من الله. قوله: (أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به الخ) فهي موصولة وان تدعوه بدل من ضمير عهده أو بتقدير اللام، وقوله وهو صلة أي الجار والمجرور، والباء إمّا للإلصاق أو للسببية أو للقسم الاستعطافي أو الحقيقي. قوله: (أو متعلق بفعل محذوف الخ) فيه تأمل لأنّ الباء في القسم للسؤال مثل بحياتك أجرني، وعلى هذا فلا تتعلق لفظاً بقوله أسعفنا بل هو جواب القسم السؤالي فتتعلق به معنى، ولا شك أنّ قوله يصلح جواباً لذلك القسم فأي حاجة إلى اعتبار الحذف، ولو تعلق لفظاً فليتعلق باح أيضا كذا قيل فلو ترك لفظ حق الظاهر في القسم سلم مما ذكر فتدبر، وقوله أو قسم أي حقيقي لا استعطافي وقوله: (أي أقسمنا) الخ تفسير للوجه الأخير واللام موطئة للقسم المذكور أو المقدر. قوله: (إلى حد من الزمان هم بالغوه الخ الما كان كشفنا بمعنى أنجيناهم
стр. 1292
منه صح تعلق الغاية به للاستمرار فيه بغير تكلف، والمراد بالأجل الحد الذي ضرب له فيحصل العذاب أو الهلاك بالغرق أو المراد بالأجل معناه المشهور أو أجل عينوه لإيمانهم أي عينا لعذابهم زماناً لا بد أن يبلغوه وهم وتت الغرق أو الموت وإن أمهلناهم وكشفنا عنهم العذاب إلى عين ذلك الأجل بسبب الدعاء وقوله فلما كشفنا فاجؤوا النكث كذا في الكشاف فقال العلامة: فجواب لما في الحقيقة هذا الفعل المقدر وكلا الاسمين أعني لما وإذا معمول له لما ظرفه وإذا مفعول به وقال النحرير: إنه محافظة على ما ذهبوا إليه من أن ما يلي كلمة لما من الفعلين يجب أن يكون ماضياً لفظا أو معنى إلا أن مقتضى ما ذكروا من أن إذ وإذا المفاجأة في موقع المفعول به للفعل المتضمنين هما إياه أن يكون التقدير فاجؤوا زمان النكث أو مكانه وهذا كله يقتضي أنّ لما لا تجاب بإذا المفاجأة الداخلة على الاسمية وقد صرحوا بخلافه فالظاهر أنّ مرادهم بيان إنها فجائية وقعت جواب لما من غير حاجة إلى ما ذكروه من التكلف فتدبر، والنكث النقض وأصله نكث الوصف المغزول ليغزله ثانياً فاستعير
لنقض العهد بعد إبرامه وهي استعارة فصيحة كما شبه بعكسه، وقوله من غير توقف تأمل وبيان للمراد بالمفاجأة هنا.
قوله: (فأردنا الانتقام الما كان الانتقام عين الإغراق أو له به ليتفرع عليه أو الفاء مفسرة
له عند من أثبتها. قوله: (في اليم أي في البحر) اختلف فيه فقيل هو عربيّ، وقيل معرب وهل هو مطلق البحر أو لجته أوالذي لا يدرك قعره، وأمّا القول بأنه اسم البحر الذي غرق فيه فرعون فضعيف. قوله: (أي كان إكراقهم بسبب تكذيبهم الخ) يعني أنّ سبب الإغراق، وما استوجبوا به ذلك العقاب هو التكذيب بها وهو الذي اقتضى تعلق إرادة الله تعالى به تعلقاً تنجيزياً وهو لا ينافي تفريع الإرادة على النكث لأنّ التكذيب هو العلة الأخيرة والسبب القريب، ولا مانع من تعدد الأسباب وترتب بعضها على بعض. قوله:) حتى صاروا كالغافلين عنها) يعني أنّ الغفلة مجاز عن عدم الفكر والمبالاة إذ المكذب بأمر لا يكون غافلا عنه لتنافيهما وفيه إشارة إلى أن من شاهد مثلها لا ينبغي له أن يكذب بها مع علمه بها. قوله: (وقيل الضمير للتقمة الخ (هذا مروي عن ابن عباس ﵄، وأراد بالنقمة الغرق كما يدل عليه ما قبله فيجوز كون الجملة حالية بتقدير قد وما قيل: كأنّ القائل به تخيل أن الغفلة عن الآيات عذر لهم لأنها ليست كسبية وللجمهور أن يقولوا بل تعاطوا أسبابها ذموا بها كما يذم الناسي على نسيانه لتعاطي أسبابه إنما يتأتى لو حملها على حقيقتها أما لو جعلت مجازا عما مر فلا فتدبر. قوله:) باستعبادهم (أي استضعافهم وتذليلهم بجعلهم عبيداً وقتل أبنائهم ومن مستضعفيهم بكسر العين بيان لمن صدر منه ذلك. قوله: (يعني أرض الشأم الخ (وروي أنها أرض! مصر وهو المناسب لذكر الفراعنة لأنهم ملوك مصر كما مر، وقيل: إنّ المصنف رحمه الله تعالى تركه لأنه لم يجزم بأنهم وأولادهم تملكوها أو لأنّ السوق يقتضي ذكر ما تمكنوا فيه! ل ما ملكوه، وفسر لبركة بالخصب والسعة وقد فسرت بكونها مساكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء، والصالحين العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوج كالعماليق. قوله: (ومضت عليهم واتصلت بالانجاز الخ (ومعنى المراد بالكلمة وعده تعالى لهم بقوله ونريد ان
نمن الخ، وتمامه مجاز عن سبق ذلك وانجازه، وقيل المراد بالكلمة علمه الأزليّ والمعنى مضى واستمرّ عليهم ما كان مقدّراً من إهلاك عدوّهم وتوريثهم الأرض أو التفت من التكلم إلى الخطاب في قوله ربك لأنّ ما قبله من القصص كان غنر معلوم له، وأما كونه منجز لما وعد ومجريا لما قضى وقدر فهو معلوم له، وقيل: إنه رمز إلى أنه سيتم نعمته عليه بما وعده أيضاً وقراءة كلمات بالجمع لأنها مواعيد، ووصفها بالحسنى لتأويلها بالجماعة، وكذا يجوز وصف كل جمع بمفرد مؤنث إلا أنّ الشائع في مثله التأنيث بالتاء، وقد يؤنث بالألف كما في قوله مآرب أخرى. قوله: (وخرّبنا ما كان يصنع فرعون الخ) أي التدمير التخريب والإهلاك وهو متعد، وقوله دمر الله عليهم حذف مفعوله أي منازلهم وجوّز في اسم كان أن يكون ضميراً مستترا وفرعون فاعل يصنع وهو الظاهر وأن يكون فرعون اسمها ويصنع خبرها والتقدير بصنعه، وأورد عليه أنه لا يجوز في نحو يقوم زيد أن يكون
стр. 1293
مبتدأ لالتباسه بالفاعل، وفيه نظر. قوله: (من الجنات أو ما كانوا يرفعون الخ) يعني العرض! إمّا عروس الكروم أو بمعنى الرفع والضم والكسر في رائه لغتان، وقرىء في الشواذ يغرسون بالغين المعجمة، وفي الكشاف إنها تصحيف ولذا تركها المصنف رحمه الله تعالى وهي شاذة. قوله: (وجاوزنا الخ) معنى جاوزنا قطعنا يقال جاوز الوادي وجازه إذا قطعه، والبحر بحر القلزم وأخطأن قال إنه نيل مصر كما في البحر وقوله تسلية الخ أي عما رآه لمجز من اليهود بالمدينة فإنهم جروا على دأب أسلافهم مع موسى ﷺ ، وقوله وايقاظا الخ أي بنو إسرائيل وقعوا فيما وقعوا فيه للغفلة عما من الله به عليهم فنزل بهم ما نزل فليحذر المؤمن من الغفلة وليحاسب نفسه في كل لحظة. قوله: (بعد مهلك فرعون) أي هلاكه أو زمان هلاكه، ويجوز تراءته على صيغة ال! فعول قيل: يحتمل أن تكون البعدية رتبيه فإنّ عبور الجم الغفير البحر العميق من غير أن يبتل فدم أحد أعظم آية من هلاك فرعون وقومه، وهو دفع لما ورد عليه وعلى الكشاف من أنه وقع في سورة الشعراء ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٦٦] وهو صريح في أنّ عبور موسى ﷺ وقومه قبل هلاك فرعون، وكلام المصنف ﵀ في سورة البقرة
يدل عليه، ولذا قيل: إنّ عبور موسى ﵊، وقومه البحر وقع مرتين مرّة قبله ومرّة بعده ونتأمّل. قوله:) وقيل من لخم) هو باللام والخاء المعجمة حيّ من اليمن كانت ملوك العرب منهم في الجاهلية وعن الزمخشريّ إنه قبيلة بحضر موت والذي صححه ابن عبد البرّ في كتاب النسب إنّ لخما وجذاما أخوان ابنا عدي بن عمرو بن سبا اقتتلا فجذم لخم أخاه فسمى جذاما ولطمه الآخر فسمي لخما لأنّ اللخمة اللطمة وقوله: وما كافة الخ ولذا وقع بعدها الجملة الاسمية، ويجوز فيها أن تكون موصولة ولهم صلة وآلهة بدل من الضمير المستتر فيه أو مصدرية ولهم متعلقه فعل أي كما ثبت لهم والمصنف ﵀ اقتصر على الأظهر. قول! : (وصفهم بالجهل المطلق) إذ لم يذكر له متعلقاً ومفعولا لتنزيله منزلة اللازم أو لأنّ حذفه يدل على عمومه أي تجهلون كل شيء ويدخل فيه الجهل بالربوبية بالطريق الأولى فلا يقال إنّ المناسب بالمقام أن يقدر شأن الألوهية والتفاوت بينها وبين ما عبدوه. قوله: (واكده) أي بأنّ وتوسيط قوم وجعل ما هو المقصود بالإخبار وصفاً له ليكون كالمتحقق المعلوم كما قاله النحرير: وهذه نكتة سرية في الخبر الموطىء لادّعاء أنّ الخبر لظهور أمر. وقيام الدليل عليه كأنه معلوم متحقق فيفيد تأكيده وتقريره ولولاه لم يكن لتوسيط الموصوف وجه من البلاغة، وقوله متبر مكسر من الكسر، وهو محرّف في النسخ ومتبر بالتفعيل والإفعال من التبار وهو كالدمار الهلاك، وقوله: (ويجعلها رضاضا) أي فتاتاً مكسراً وكل شيء كسرته فقد رضضته، ويحطم من الحطم وهو الكسر أيضاً، وفسر الباطل بالمضمحل الذي لا يزال لأنه المناسب لا خلاف الحق لأنه معلوم ثابت قبل ذلك. قوله: (وإنما بالغ في هذا الكلام الخ) بين بعض الفضلاء المبالغة بإفادته قصر ما هم فيه على التبار وما عملوا على البطلان في كلام واحد بطريقين بتقديم الخبر على المبتد! فإنه يفيد القصر المذكور مع قطع النظر عن جعل هؤلاء اسم إنّ من حيث إنّ الإشارة بها إلى قوم موصوفين بالعكوف على أصنام لهم فيدل عليه الوصف للمسند، ويفيد القصر ولو أخر خبر المبتدأ اهـ وقال الطيبي رحمه الله تعالى: إنّ في تخصيص اسم الإشارة بالذكر الدلال على أن أولئك القوم محفوفون بالدمار لأجل إنصافهم بالعكوف على عبادة الأصنام ثم في توكيد مضمون الجملة بأنّ مزيد دلال على ذلك وأشار بقوله وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرّضون للتبار وليس تركيب المصنف للقصر إذ لا موجب لأن يقال
إنهم متبرون دون غيرهم بل هو مبتدأ فيفيد تقوى الحكم وفائدة تقديم الخبر بأنهم لا يتجاوزون عن الدمار إلى ما يضادّه من الفوز والنجاة على القصر القلبي، وأما قوله إنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضرب لازب فمن الكناية لأنه إذا لم يتجاوز عن الدمار إلى النجاة فيلزمهم الدمار ضربة لازب، وموجب هذه المبالغات إيقاع الجملة تعليلاً لإثبات الجهل المؤكد للقوم لاقتراحهم أن يجعل لهم إلها وأبلغ من ذلك أنّ المذكور ليس جوابا بل مقدمة، ونمهيد وإنما الجواب قوله أغير الله الخ. قوله: (وتقديم الخبرين) أي
стр. 1294
متبر وباطل قال النحرير: هو مبنيّ على أنّ ما هم فيه مبتدأ أو متبر خبر له، وان كان يحتمل إحتمالاً مساويا أو راجحا أن يكون ما هم فيه فاعل متبر لاعتماده على المسند إليه وذلك لاقتضاء المقام الحصر المستفاد من التقديم أي متبر لا ثابت وباطل لاحق ولم يتعرّض في تقريره لهذا الحصر لظهوره اهـ لكن المصنف ﵀ تعرض له بقوله لاحق لما هم فيه لا محالة ولا زب لما مضى عنهم. قوله: (للتنبيه على أنّ الدمار لاحق لما هم فيه الخ) قال: وذلك لأن جعل المسند إليه اسم إشارة مع إفادته كمال التمييز ينبه عند تعقيب المشار إليه بأوصاف على أنه جدير بما يرد بعد اسم الإشارة لأجل تلك الأوصاف فيكون خبره لازبا لا يعدوه البتة، ويختص به كاختصاص العلة حيث لم يتعرض لاثباته لغيره اهـ وفيه بحث، ولهذا سكت المصنف ﵀ عن قصر الاختصاص ولازب بمعنى لازم. قوله: (تعالى قال أغير الله الخ) أعاب لفظ قال: مع اتحادّ ما بين القائلين لأنّ هذا دليل خطابي بتفضيلهم على العالمين ولم يستدل بالتمانع العقلي لأنهم عوام. قوله: (أطلب لكم معبود الخ) فسره بأطلب كغيره من أهل اللغة فيتعدى لمفعول ويكون أبغيكم على الحذف والإيصال وغير لله إما صفة إلها قدم عليه فانتصب على الحال أو مفعول أبغى والها حال أو تمييز، وفي الجوهري بغيتك الشيء طلبته لك وظاهره أنه متعد لمفعولين، وقد مرّ أنّ مثله لاختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص، وذلك من تقديم المفعول أو الحال وقد يكون لإنكار الاختصاص إن اقتضاه المقام، وفي الكشاف أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا واعتبار العبادة نظرا إلى أنه من لوازم الذات أو إلى حال الاسم قبل العلمية واعتبره لأنه أدخل في الإنكار وتركه المصنف ﵀. قوله: (والحال أنه خصكم الخ) هذا الاختصاص ماخوذ من معنى الكلام إذ ليس فيه ما يفيد القصر لكن كونهم أفضل من جميع العالمين، أو من عالمي رمانهم يقتضي قصر التفضيل عليهم قصرا حقيقيا أو إضافياً، وأما تقديم الضمير على الخبر هنا فلا يقتضيه ولو اقتضاه كما ذهب إليه الزمخشري يكون المعنى وهو
المخصوص بأنه فضلكم على من سواكم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام خارجون عن المفضل عليهم بقرينة عقلية، وأدخل الباء على المقصور وهو جائز بطريق الحقيقة أو المجاز وان كان الأصل دخولها على المقصور عليه كما مرّ، وإذا كان المزاد تفضيلهم على جميع العالمين فالمراد تفضيلهم بتلك الآيات لا مطلقا حتى يلزم تفضيلهم على أمّة محمد ﷺ ، وهذه الجملة حالية مقرّرة لوجه الإنكار وقيل إنها مستأنفة، وقوله سوء مقابلتهم بالقاف والباء بدليل ما بعده أي إيقاعهم له في مقام الإيمان والشكر، وليس تصحيفاً من المعاملة بالعين المهملة والميم كما توهم، وأخس شيء هو الأصنام. قوله: (واذكروا صنيعه في هذا الوقت) الصنيع الإحسان وظاهره أنّ إذ ظرفية ومفعوله محذوف لأنّ إذ لا تخرج عن الظرفية عنده كما صرّج به في سورة البقرة، ومن جوّزه جعله مفعولاً به وجعل ذكر الوقت كناية عن ذكر ما فيه، وعلى هذه القراءة فالظاهر أنه من كلام الله تتميما لكلام موسى ﷺ كالذي بعده والمصنف ﵀ لما رجح كونه من مقول موسى ﷺ ليوافق القراءة الأخرى بدليل قوله بعده ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ولئلا ينفكك النظم فسره بقوله صنيعه الخ فكأنه جعله التفاتا من الغيبة إلى التكلم لأنه ينطق بما أوحاه الله إليه وهو بعيد، ولذا قيل عليه حق التعبير أن يقال واذكروا صنيعنا معكم وهذا إنما يلائم قراءة ابن عامر فإنه عليها من مقول موسى ﷺ ، وأمّا احتمال أن يكون ضمير أنجينا لموسى وأخيه أولهما ولمن معهما فخلاف الظاهر. قوله: (استئناف لبيان الخ) أي بيانيّ في جواب سؤال وهو ما فعل بهم أو مم أنجاهم، وقوله:) أو حال الخ الاشتماله على ضميريهما وقوله بدل منه ويحتمل الاستئناف أيضاً. قوله: (ئعمة أو محنة (لأنّ البلاء بمعنى الابتلاء والاختبار، وهو يكون بكل منهما، وفيه لف ونشر مرتب قيل: ويحتمل أن يراد ما يشملهما. قوله: (وواعدنا موسى ثلانين ليلة) ذكر في الكشاف وشرحه هنا سؤالان لأن أحدهما على تفصيل الأربعين هنا إلى ثلاثين وعشر والاقتصار على الأربعين في البقرة، والآخر ذكر أربعين مع أنه من المعلوم أن ثلاثين وعشرا أربعون وأجابوا بأنّ
стр. 1295
الثلاثين للعبادة والعشر لإزالة الخلوف، أو أنّ الثلاثين للتقرب والعشر لإنزال التوراة، ولما كان الوعد في ثلاثين والإتمام بعشر مطلقاً يحتمل أن يكون تعيينهما بتعيين الله أو بإرادة موسى أفاد قوله فتمّ ميقات ريه الخ أن المراد الأوّل أو إنّ إتمام الثلاثين بعشر يحتمل المعنى المتبادر، ويحتمل أنها كانت عشرين تحت بعشر ثلاثين فذكر لدفع هذا التوهم، وأما المفاعلة في المواعدة وتفسيرها بأنه وعده الله الوحي ووعده موسى ع! ي! المجيء فتقدّم تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (بالغاً أربعين الخ)
اليمقات الوقت بمعنى وقد فرق بينهما بأنّ الوقت مطلق، والميقات وقت قدر فيه عمل من الأعمال، وفي نصب أربعين وجوه منها ما في الكشاف من أنه حال وتقديره بالغاً أربعين الني كما ذكره المصنف ﵀، وردّ بأنه لا يكون حالاً بل معمول للحال المحذوف وأجيب بأن النحويين يطلقون الحكم الذي للعامل لمعموله القائيم مقامه فيقولون في زيد في الدار إنّ الجارّ والمجرور خبر والخبر إنما هو متعلقه، وقيل عليه إن الذي ذكره النحاة في الظرف دون غيره، فالأحسن أنه حال بتقدير معدود أو فيه نظر، وقيل إنه مفعول به بتضمين تئم معنى بلغ وكلام المصنف ﵀ يحتمله، وقيل إنه منصوب على الظرفية وأورد عليه أنه كيف يكون ظرفاً للتمام والتمام إنما هو بآخرها إلا أن يتجوّز فيه، وقيل هو تمييز، وقيل تنم من الأفعال الناقصة في مثل تمّ الشهور ثلاثين فهذا خبرها، وقوله: (سأل ربه) أي سأل ربه الكتاب وسأل قد يتعدى لمفعولين، وخلوف فيه بضم الخاء تغير رائحة الفم لأنّ الرائحة الثانية تخلف الأولى، وفي الحديث الصحيح لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ولذا كره بعضهم السواك بعد الزوال للصائم، وقوله فأمره الله أي تكفيراً لفعله ومنه يعلم ما مرّ من وجه التفصيل، وقوله ثم أنزل عليه التوراة إشارة إلى الوجه الآخر. توله: (تعالى وقال موسى لأخيه هارون) يفتح النون بالجر بدلاً أو بيانا لأخيه أو النصب بتقدير أعني وقرىء شاذاً بالضم على النداء أو هو خبر مبتدأ مقدّر، وقوله كن خليفتي يقال خلف فلان فلانا صار خليفته، واستخلاف النبيّ آخر وان كان نبيا لا بأس به ولذا وقع في الحديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى. قوله: (وأصلح ما يجب أن يصلح الخ) يعني إما مفعوله مقدّر بما ذكره وفيه إشارة إلى أنّ المراد إصلاح أمور دينهم لا دنياهم، أو هو منزل منزلة اللازم من غير تقدير مفعول وهو يفيد التعميم أو معناه ليكن منك إصلاج وليس المراد به أيّ إصلاح كان بل إصلاج تاتم عامّ لأنه نكرة في سياق النفي، وقيل إنه لا يناسب المقام، وقوله: (ولا تتبع من سلك الإفساد (كأنه إشارة إلى أنه جعل الإفساد كالطريق المسلوك لهم كما يقال هذه طريقة فلان، ولا تطع من دعاك إليه كالتفسير له أو لبيان أنه نهاه عن اتباعهم بدعوة وبدونها. قوله: (واللام للاختصاص (كما في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] وليست بمعنى عند كما ذهب إليه بعض
النحاة، وقوله لوقتنا الذي وقتناه أي لتمام الأربعين. قوله: (من غير وسط كما يكلم الملاتكة (لما لم يمكن المعتزلة إنكار كونه متكلما ذهبوا إلى أنه متكلم بمعنى موجد للأصواب والحروف في محالها أو بإيجاد أشكال الكتابة في اللوح المحفوظ وان لم تقرأ على اختلاف بينهم، وقد ردّ بأنّ المتحرّك من قامت به الحركة لا من أوجدها وألا لصح اتصاف الباري بالاعراض المخلوقة له تعالى عن ذلك علوا كبيرا على ما حقق وفصل في علم الكلام، ونحن معاشر أهل السنة نثبت الكلام لله والقائم بذاته هو الكلام النفسي وقال الشهرستاني: بل اللفظي القديم على ما حقق في شرح المواقف فعليه الله متكلم له أن يكلم مخلوقاته بكلام لفظي من غير واسطة، وعلى الأوّل أيضا كذلك بأن يخلق فيه قوّة يسمع بها ذلك من غير صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة من غير كمّ ولا كيف وكلام المصنف ﵀ مجمل اقتصر فيه على المرتبة المتيقنة فكأنه قال كلمه بالذات كما يكلم الملائكة، ولذا اختص! موسى ﷺ باسم الكليم والمراد بالسماع من كل جهة عدم اختصاص ما سمعه بجهة من الجهات، وكذا قوله تنبيه على أنّ سماع كلامه القديم الخ اقتصر فيه على المقدار المتفق عليه بين أهل السنة، ولعمري لقد سلك المحجة الواضحة. قوله: (أرني نفسك الخ) فيه إشارة إلى أنّ المفعول محذوف لأنه معلوم ولم يصرّج به تأدبا، ولما كانت
стр. 1296
الرؤية سببة عن النظر متأخرة لأنّ النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماساً لرؤيته والرؤية الإدراك بالباصرة بعد النور خطر بالبال أنه كيف جعل النظر جواباً لأمر الرؤية مسببا عنه فيكون متأخراً عنها وهي مقارنة له بالزمان، وان كانت متقدمة بالذات فأشار إلى توجيهه بأنّ المراد بالإراءة لش! إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقا، أو التجلي وهو الظهور وهو مقدم على النظر وسبب له كما أشار إليه بقوله فأنظر، وهذا بطريق الكناية إذ ذكرها وأراد لازمها من التمكين أو التجلي إذ لو كان بيانا لطريقها كما قيل لم يندفع المحذور فتدبر. قوله: (وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة) يعني بقطع النظر عن الدنيا والآخرة لأنّ طلب المستحيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محال لأنه إن علم باسنحالته فطلبه عبث، وان لم يعلم فجهل وكلاهما غير لائق بمنصب النبوّة، وقد قالوا نختار أنّ موسى ع! ير لم يعلم امتناع رؤيته ولا يضرّ ذلك، لأنّ النبوّة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة وجميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بل على ما يتوقف عليه الغرض من البعثة والدعوة إلى الله تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بأوامر ونواه ليحرضهم على النعيم المقيم، ولا نسلم أنّ امتناع الرؤية من هذا القبيل، أو نختار أنه يعلم امتناعها وسؤاله لغرض، أو هو محرّم ارتكبه لأنه صغيرة وردّ بأنه يلزمهم أن يكون الكليم يث! يرو دون آحاد المعتزلة علما ودون من حصل طرفاً من الكلام في
معرفة ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، وهذه كلمة حمقاء، وطريقة عوجاء لا يسلكها أحد من العقلاء ولا شك أنا نعتقد أنّ علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بذاته وصفاته أكمل من علم ما عداهم، وان أردت تحرير هذا فعليك بمطوّلات الكلام ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد. قوله: (ولذلك) أي لكونها جائزة قال ما ذكر دون لن أرى لأنه يدلّ على امتناع الرؤية مطلقاً أو إن أريك لأنه يقتضي أنّ المانع من جهته، ولن تنظر إليّ إن كان بصيغة المجهول كما قيل فظاهر والا فلأنّ النظر لا يتوقف على معد وإنما المتوقف عليه الرؤية والإدراك وذلك المعدّ قوّة يخلقها الله فيه بحيث ينكشف له انكشافا تامّا وهل يختص بالآخرة أولأ فيه خلاف ينظر في محله. قوله: (وجعل السؤال لتبكيت قومه الخ) إشارة إلى قولهم إق موسى ﷺ لم يسأل الرؤية لنفسه بل لقومه القائلين أرنا الله جهرة وإنما أضافها إلى نفسه ليمنع عنها فيعلم قومه أنها بالنسبة إليهم أبعد وأشد في الاستحالة، وهو أبلغ من إضافتها إليهم وأدعى لقبولهم، ولذا لم يقل وأرهم ينطروا إليك، وفي شرح المواقف إنه خلاف الظاهر فلا بد له من دليل وما ذكروه من أنّ الدليل أخذ الصعقة ليس بشيء واليه أشار المصنف ﵀ يعني لو كان كذلك كان عليه أن يزيل يث! بهتهم ولا يحتج إلى ما هم فيه من الآراء الفاسدة، وقوله إذ لا يدل الإخبار الخ وكلمة لن تدل على تأكيد النفي دون تأييده على الصحيح ولو سلم فبالنسبة إلى الدنيا. وقوله: (أو أن لا يراه الخ) جواب جدليئ. قوله: (ودعوى الضرورة فيه مكابرة) إذ ليس انتفاء ذلك بديهي والا لم يختلف فيه العقلاء، أو هو جهالة بحقيقة الرؤية لأنه لا نزاع في جواز الإنكشاف العلمي التامّ ولا في ارتسام صورة من المرئي في العين أو اتصال الشعاع الخارج من العين بالمرئيّ أو حالة إدراكية مستلزمة لذلك إنما النزاع أنا إذا أبصرنا الشمس مثلا ثم غمضت العين نجد في الأوّل حالة زائدة على الثاني، وكذا إذا علمنا شيئاً علما جليا ثم أبصرناه نجد في الثاني أمراً زائداً على الأوّل، وهو الذي نسميه بالرؤية ولا يتعلق في العادة إلا بما هو في جهة ومقابلة فمثل هذه الحالة الإدراكية هل يصح أن تكون مقارنة للمقابلة والجهة وأن تتعلق بالذات المقدسة أم لا والى الأوّل ذهب الأشاعرة والمخالف فيه اشترط فيه ذلك، ولذا قال السهروردي: قد يحقق بأيسر نظر أنّ الرائي غير العضو المخصوص، وهو قوّة حالة فيه وبه
ل
يرتفع الإشكال لأنّ القوم لما اعترفوا بأنّ العين لا تبقى على هذه الصفة بل يخلق الله فيها استعداداً لرؤيته تعالى، وخصومهم أنكروا الرؤية والعين هذه العين بمشخصاتها أجمع فالصلح
فمن لي بالعين التي كنت ناظرا إليّ بها قبل القطيعة والصد
قوله: (يريد أن يبين به أنه لا يطيقه الخ) يعني ليس المقصود نفي الرؤية بل نفي لطاقته
لها في هذه الدار
стр. 1297
الدنيا، ثم إنّ قولهم المعلق على الممكن ممكن قالوا عليه: منع ظاهر إذ الممكن ربما يستلزم المحال وان كان بحسب الغير لا بحسب ذاته فإن عدم المعلول الأوّل يستلزم عدم الواجب لأنّ عدم المعلول لا يكون إلا بعدم علته ففي هذه الصورة لا يلزم من تعليق اللازم على الملزوم الممكن إمكان صدق الملزوم بدون اللازم لأن الملزوم ليس هو الممكن من حيث ذاته بل من حيث هو مأخوذ مع الغير، وهو من هذه الحيثية ممتنع فإنّ عدم المعلول الأوّل إذأ اعتبر في نفسه فعدمه ممكن، ولا يستلزم عدم الواجب من هذه الحيثية وان اعتبر من حيث إنّ وجوده واجب بالعلة فعدمه ممتنع بها ومستلزم لعدمها، ولكن ليس عدمه ممكناً بالذات من هذه الحيثية حتى يلزم إمكان لازمه، وامكان صدق الملزوم بدون اللازم على تقدير كون اللازم محالاً إذ لا يلزم من إمكان العدم نظرا إلى ذاته إمكان العدم الممتنع بالغير أبداً بالنظر إليه ولا يلزم من ذلك كونه واجباً لذاته، وإنما يلزم أن لو امتنع نسبة العدم إليه لذاته فإذا كان المعلق عليه هنا استقرار الجبل من حيث هو يلزم من إمكانه مكان المعلق أما إذا كان استقرار. مع ملاحظة الغير الذي يمتنع الاستقرار عنده فلا يلزم من إمكانه إمكان الرؤية فللمعتزليئ أن يقول إنّ المعلق عليه استقرار الجبل عقيب النظر أي استقرار الجبل مع كون الجبل مقيداً بالحركة فيه فإن استقرار الجبل وان كان ممكناً في نفسه عقيب النظر إلا أنه بحسب تقييده بما ينافيه من الحركة ممتنع بالغير في ذلك الوقت فجاز أن يستلزم المحال، وتعلق عليه الرؤية من تلك الحيثية وحينئذ لا يرد أن يقال إنّ استقرار الجبل ممكن في نفسه في جميع الأوقات بدلاً من الحركة فإن قيل الظاهر أنه علق على استقرار الجبل من حيث هو وان كان ذلك في الاستقبال، وكونه ممتنعا بالغير في ذلك الوقت من جهة تقييده بالحركة فيه لا يستلزم أن يوجد المعلق عليه بتلك الجهة، ولا ينافي أن يكون الظاهر ما ذكرنا قلنا المتبادر لا يدفع إحتمال الغير المنافي لليقين وان كان ذلك الاحتمال احتمالاً مرجوحاً فان قلت المتبادر يجب أن يصار إليه إذا لم يدل دليل على خلافه بملاحظته يكون ما ذكر مفيداً لليقين قلت فحيمئذ يمنع من اللفظ الملقى إلى موسى ىلمجز حين الإلقاء إليه، ويحتمل أن يكون حين القائه إليه قرينة حالية أو مقالية دالة على التعليق باستقرار الجبل المقيد بالحركة ولا تكون تلك القرائن منقولة إلينا، ومجملات كتاب الله من هذا القبيل كما حققه بعض علماء الروم.
قوله: (جبل زبير) بزاي معجمة مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء مهملة بوزن أمير اسم
هذا الجبل كما في القاموس والمشهور أنه الطور. قوله: (طهر له عظمته) قيل عليه إنّ ظهور عظمة الله للجبل تستدعي أن بكون له إدراك وهو مستلزم للحياة فيكون التفاوت بيته وبين القول الآخر غير ظاهر، وقال الطيبي ﵀: إنه مثل لظهور اقتداره وتعلق إرادته بدك الجبل لا أنّ ثمة تجلياً كما في قوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [سورة يس، الآية: ٨٢] وقال الإمام المقصود: إنّ موسى ﷺ لن يطيق رؤيته بدليل أنّ الجبل لما رآه اندك ويجوز أن يخلق الله له حياة وسمعاً وبصراً كما جعله محلا لخطابه في قوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٠ ا] ونقل هذا عن الأشعري ﵀ وكان المصنف ﵀ أشار إلى هذا بقوله وتصدى له اقتداره وأمره. قوله: (مدكوكاً مفتتا الخ) أي هو مفعول به بمعنى اسم المفعول والدك بمعنى التفتيت والتكسير، وقيل: هو التسوية بالأرض وقوله أخوان أي بينهما اشتقاق اً كبر كالشك بمعنى الطعن كما يقال منه شككت بالرمح، وهو قريب من الثق معنى وقراءة دكاء بالمدّ إما لأنه صفة أرض! وهي مؤنثة أو مستعار من قولهم ناقة دكاء إذا لم يرتفع سنامها ودكا بضم الدال والتنوين جمع دكاء كحمراء، وحمر أي قطعا دكا فهو صفة جمع وهو قطع جمع قطعة، وفي شرح التسهيل لأبي حيان أنه أجرى مجرى الأسماء فأجرى على المذكر وهو جواب آخر. قوله: (مغشياً عليه من هول ما رأى) خرّ بمعنى سقط، وقيل: هو سقوط له صوت كالخرير وصعقا بمعنى صاعقاً وصائحا من الصعقة، وقيل لو كان هذا معنى النظم لعطف بالفاء وعطفه بالواو ويقتضي ترتبه على التجلي.
(قلت (المراد بالهول هول التجلي وعظمته فلذا عطف بالواو لأنه لو عطف بالفاء أوهم
أنه يترتب على الدك مع أنّ مثله قد يعطف بالواو عند السكاكي كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [سورة النمل، الآية: ٥ ا] كما صرّح
стр. 1298
به الطيبي ﵀ فيما سيأتي، وقوله من غير إذن أو في غير محله وزمانه، وقوله مرّ تفسيره أي في سورة الأنعام بأنّ إسلام كل نبي سابق على أمّته، وقوله لا ترى في الدنيا فيه خلاف كرؤية المنام عند القائلين بالرؤية وكأنّ المصنف رحمه الله تعالى اختار خلافه، وفي الكشاف فانظر إلى إعظام الله أمر الرؤية في هذه الآية وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكا وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه
ﷺ من نفيان ذلك مبالغة في إعظام الأمر وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً ولا يغرّنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمرلعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه وتخوّفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفه
وهذا من غلوّه وقد أشار المصنف ﵀ بما ذكره إلى ردّه وهذا الشعر الذي هجا به
أهل السنة ﵃ أجابه عنه شعراؤهم بأشعار كثيرة كقول الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى:
عجبا لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل مافيهم لعمري معرفه
قدجاءهم من حيث لايدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفه وتلقبواعدلية قلنانعم عدلوابربهم فحبهم سفه
والبلكفة نحت كالبسملة أي القائلين بأنّ الرؤية بلا كيف، وفي بعض حواشي الكشاف القائلين بل كفى في إمكان الرؤية تعليقها بالممكن، وقوله اصطفيتك اخترتك لأنه افتعال من الصفوة وهو الخيار. قوله: (أي الموجودين في زمانك الخ) قيده به لأن الاصطفاء لا يخصه، ولما ورد هرون أشار إلى قيد يخرجه بأنّ المراد اصطفاه بأمرين الرسالة والتكليم فخرج هرون، فإن قلت على هذا لا يحتاج إلى القيد لأن التكليم بغير واسطة في الدنيا مخصوص به ولا يلزم تفضيله من كل الوجوه على غيره كنبينا ﷺ وهو المقصود بالتكليم الموجه إليه الخطاب المأمور بتبليغه من سواه فلا يرد أنه كان معه سبعون كلهم سمعوا الخطاب أيضاً وبالناس خرج الملائكة رأسا.
(قلت) المصنف ﵀ تبع الزمخشرفي في هذا ووجهه أنّ الرسالة والتكليم بغير وسط
وجد لنبينا ﷺ فلزم أن يكون مختارا عليه وهو النبيّ المختار فلا يرد ما ذكر كما قيل. قوله: (وبتكليمي لىساك) أو على تقدير مضاف أي سماع كلامي، وقوله: (مما يحتاجون إليه من أمر الدين) تال الإمام: لا شبهة في أنه ليس على العموم لأنّ المراد كل شيء كانوا محتاجين إليه من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح ثم فصله. قوله: (بدل من الجارّ والمجرور الخ الو جعلت من تبعيضية لأنّ كل شيء من الموإعظ بعض كل شيء على الإطلاق اتجه وسلم من
زيادة من في الإثبات إلا أنّ قوله كتبنا له كل شيء يشعر بأنّ من مزيدة لا تبعيضية ولم يجعلها ابتدائية حالاً من موعظة وموعظة مفعول به لأنه ليس له كبير معنى، ولم تجعل موعظة مفعولاً له، وان استوفى شرائطه لأنّ الظاهر عطف تفصيلا على موعظة كما أشار إليه بقوله من المواعظ، وتفصيل الأحكام وظاهر أنه لا معنى لقولك كتبنا له من كل شيء لتفصيل كل شيء، وأما جعله عطفاً على محل الجارّ والمجرور فبعيد من جهة اللفظ والمعنى. قوله: (واختلف في أنّ الألواح الخ) أي اختلفت الرواية فيه وزمرد بضم الزاي المعجمة والميم والراء المهملة وعن الأزهريّ فتح الراء وبالذال المعجمة آخره، وهو غير الزبرجد كما هو معلوم عند أهله وسقفها بسين مهملة وقاف وفاء أي جعلها سقائف والسقائف الألواج واحدها سقيفة وروي شققها بشين معجمة وقافين وهو بمعناه أيضا وليس تصحيفا كما توهم، وفي بعض النسخ عطف سقفها بأو وفي بعضها بالواو، وهي أظهر. قوله: (على إضمار القول عطفاً على كتبنا) أي فقلنا خذها وحذف القول كثير مطرد قال العلامة هانما قدّر لا لعطفه الإنشاء على الخبر لأنه يجوز بإلغاء لأنّ قوله كتبنا له على الغيبة فقدر فقلنا له ليناسبه في الغيبة، ولو قيل كتبنا لك لم يحتج إلى تقدير، وأما جعله بدلاً من فخذ ما الخ فقد ضعف لما فيه من الفصل
стр. 1299
بأجنبيّ وهو جملة كتبنا المعطوفة على جملة قال وهو تفكيك للنظم. قوله: (والهاء للألواح أو لكل شيء) على تقدير القول والعطف على كتبنا، وقوله: (فإنه بمعنى الأشياءا لأن العموم لا يكفي في عود ضمير الجماعة بدون تأويله بالجمع، وجوّز الزمخشرفي عوده على التوراة بقرينة السياق، وقوله أو للرّسالات على البدلية كما في شروح الكشاف والتعيين موكول إلى القرينة العقلية، وقوله بقوّة أي بعزيمة وجدّ فهو حال من الفاعل أي ملتبسا بقوّة وجوّز أن يكون من المفعول أي ملتبسة بقوّة براهينها والأوّل أوضح أو صفة مفعول مطلق أي أخذا بقوّة. قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ الظاهر جزمه في جواب الأمر فيحتاج إلى تأويل لأنه لا يلزم من أمرهم أحدهم، ولذا قيل تقدير لام الأمر فيه بناء على جوازه بعد أمر-ت القول أو ما هو بمعناه كما هنا، وبأحسنها حال ومفعول يأخذوا محذوف أي ما ينفعهم أو هو مفعول والباء زائدة كما في لا يقرأن بالسور. قوله: (أي بأحسن ما فيها كالصبر الخ) إضافة أفعل التفضيل إما إلى المفضل عليه نحو زيد أحسن الناس أو إلى غيره والأولى مختلف فيها كما ذكره الفاضل اليمني في قوله
تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٩٦] فالمشهور أنها محضة على معنى اللام، وقيل إنها لفظية وغيرها اختصاصية بلا نزاع والظاهر أنّ هذه من الأوّل لأنّ المعنى بأحسن الإجراء التي فيها مشتملة على تلك المعاني أو بأحسن أحكامها كقولك أحسن زيد وجهه فمن قال إنه إشارة إلى أن الإضافة على معنى في فقدوهم والذي غر. وجود في في اللفظ وقال النحرير وغيره: إنه ينافي ما سبق من أنّ المكتوب على بني إسرائيل هو القصاص قطعاً، والجواب بأنه مثال للحسن والأحسن لا لكونه في التوراة بعيد جذاً، وقوله على طريقة الندب متعلق بلفظ وأمر في النظم والمعنى أن يأخذوا به على طريق الندب والأحسن لا الوجوب، وأما صدور الأمر من موسى ﵊ فيحتمل الوجوب والندب، وقوله أو بواجباتها هو كالأوّل وإنما الفرق بينهما أنّ المراد بأحسن أحكامها ما يندب إليه أو ما يلزم ويجب لأنّ الواجب أحسن من المندوب والمباج فليست الإضافة فيه لأدنى ملابسة كما قيل. قوله: (ويجوز ان يراد بالأحسن البالغ في الحسن الخ (قال العلامة في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [سورة مريم، الآية: ٧٦] إن هذا من وجيز كلامهم يقولون الصيف أحر من الثتاء أي أبلغ في حره من الشتاء في برده، وتحقيقه أن تفضيل حرارة الصيف على حرارة الشتاء غير مراد بلا شبهة بل هو راجع إلى تفضيل كثرة الحرارة أو قوّتها على كثرة البرودة أو قوّتها أو باعتبار الإحساس وذلك لأن معنى أحرّ وأبلغ حرّاً متقاربان ولذا توصل في الممتنع بنحوه ففيه مجاز وايجاز وتفصيله، ما قال بعض النحاة إن لأفعل أربع حالات إحداها وهي الحالة الأصلية أن يدل على ثلاثة أمور، أحدها اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه وبهذا كان وصفا، الثاني مشاركة مصحوبة في تلك الصفة، الثالث مزية موصوفه على مصحوبه فيها، وبكل من هذين المعنيين فارق غيره من الصفات الحالة الثانية أن يخلع عنه ما امتاز به من الصفات ويتحرّ للمعنى الوضعي، الحالة الثالثة أن تبقى عليه معانيه الثلاثة، ولكن يخلع عنه قيد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر وذلك أنّ المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقيدآ بتلك الصفة التي هي المعنى الأوّل فيصير مقيداً بالزيادة التي هي المعنى الثالث ألا ترى أن المعنى في قولهم العسل أحلى من الخل أن للعسل حلاوة، وان تلك الحلاوة ذات زيادة، وان زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل قاله ابن هشام في حواشي التسهيل وهو بديع جداً الحالة الرابعة أن يخلع عنه المعنى الثاني، وهو المشاركة وقيد المعنى الثالث وهو كون الزيادة على مصاحبه فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك في نحو يوسف أحسن إخوته، وقوله: لا بالإضافة أي ليس حسنة بالإضافة إلى ما أضيف إليه بل مبالغته وزيادته بالإضافة إلى مبالغة ما أضيف إليه، فلا يرد عليه ما قيل الأظهر حينئذ تشبيهه بقوله الأشج والناقص أعد لابني مروان وقي البحر يمكن الاشتراك فيها في الحسن، فيكون المأمور به أحسن من حيث الامتثال وترتب الثواب عليه ويكون المنهيّ عنه حسنا باعتبار الملاذ
والشهوة، فيكون بينهما قدر مشترك في الحسن، وان
стр. 1300
اختلفا متعلقاً. قوله: (دار فرعون وقومه بمصر الخ (إشارة إلى أنه تأكيد للأمر بالأخذ بالأحسن وبعث عليه لوضع الإراءة موضع الاعتبار إقامة للسبب مقام مسببه مبالغة، وفي وضع دار الفاسقين موضع أرض مصر تحذير لهم عن اتباع أثرهم، واليه الإشارة بقوله فلا تفسقوا الخ، وفيه التفات لأنّ المراد سأريهم فلا يفرطوا فيما أمروا به، وجوّز فيه التغليب أيضاً، وفي قراءة سأوريكم تغليب لأنّ المراد سأوريك، وقومك فالجملة استئنافية لتعليل الأمر وعلى المشهورة الخطاب مخصوص بالقوم لأنّ المعنى لتعتبروا ولا تفسقوا، وقوله: (أو منازل الخ) هو قول لبعضهم ولذا أدخل فيه، أو وإلا فلا مانع من الجمع. قوله: (وقرئ سأوريكم) بضم الهمزة وواو ساكنة وراء خفيفة مكسورة، وهي قراءة الحسن البصري، وهي لغة فاشية بالحجاز فيها تخريجان أحدهما أنها من أوريت الزند لأنّ المعنى سأنوره وأبينه، والثاني وهو الأظهر الذي اختاره ابن جني أنه على الإشباع كقوله:
من حيثما سلكوا أتوا فانظوروا
ورأى بصرية وجوز فيها أن تكون علمية على جواز حذف المفعول الثالث. قوله:
(بالطبع على قلوبهم الخ) متعلق بقوله سأصرف أي صرفها عنهم لأنه علم أنهم لا ينتفعون بها لطبع الله على قلوبهم، وقضائه الأزليّ بالشقاوة عليهم. قوله: (سأصرفهم عن إبطالها الخ) فالكلام مع قوم رسول الله ﷺ ، وهو متصل بما سبق من قصصهم وهو أو لم يهد الخ وايراد قصة موسى وفرعون للاعتبار، ولذا قال كما فعل فرعون، وقيل: إنه على هذا اعتراض قال الطيبي فقوله وان يروا كل آية الخ عطف على قوله يتكبرون في الأرض وعلى الأوّل الآية عامة، وعطف وان يروا على سأصرف للتعليل على منوال قوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [سورة النمل، الاية: ١٥] على رأي صاحب المفتاح، وقوله: (فعاد عليه) أي عاد عليه فعله بعكس ما أراد وهو إعلاء آيات الله واظهارها واهلاكهم وتدميرهم، وقوله: (بماهلاكهم) معطوف على إعلائها، ويصح ضبطه بالنون والإعلان الإظهار أيضا، وقيل إنه معطوف على قوله بالطبع أي سأصرفهم عن إبطالها بإهلاكهم. قوله: (صلة يتكبرون الخ الما كان التكبر لا يكون بحق أصلاً أوّلوه بوجهين الأوّل على جعله متعلقاً بالفعل، والتكبر بمعنى التعزز أي يتعززون بالباطل، وبما يؤديهم إلى الذل والهوان، ولا يرفعون للحق رأسا فقوله وان
يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وما عطف عليه مناسب لهذا الوجع فعلى هذا يصح أن يكون هذا مراد المصنف ﵀ بقوله يؤيد الوجه الأوّل، ولذا قدمه وعكس ما في الكشاف والثاني واليه أشار المصنف ﵀، بقوله أو حال من فاعله أي غير محقين لأنّ التكبر بحق ليس إلا لله كما في الحديث القدسي الذي رواه أبو داود: " والكبرياء ردائي، والعظمة إرّاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار ") ١ (وفيه معان دقيقة تعرف بالمشاهدة مع استعارات بديعة وايماء غريب وأمّا أنّ التكبر يكون بحق كما في الأثر التكبر على المتكبر صدقة فالتحقيق أنه صورة تكبر لا تكبر فتدبر. قوله: (منزلة) من آيات القرآن من التنزيل، أو الإنزال أو معجزة بالجر أو النصب أي منزلة كانت أو معجزة دون المنصوبة في الأنفس والآفاق لئلا يتوهم الدور وتكذيبهم بذلك وكفرهم لعنادهم، وخلل عقولهم وانغماسهم في الهوى والضلال الناشئ عن ختم الله وطبعه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم بحيث صاروا كالحيوانات العجم، وهو الذي صرفهم عن النظر في الآفاق والأنفس بلا خفاء فهذا هو السيب القريب له، والطبع البعيد فلا وجه لما قيل الصرف ليس بمسبب عن التكذيب بل العكس، وسبب الصرف علم من ترتب الحكم على الموصول ولا حاجة إلى جعل ذلك إشارة إلى التكبر وان صح. قوله: (ويجورّ أن ينصب الخ) عطف على المعنى لأنه على الأوّل مرفوع والجار والمجرور خبره، وعلى هذا مفعول مطلق والباء متعلقة بمحذوف والعامل فيه أصرف المقدم لأنّ الجار والمجرور صلة والموصول مفعوله، وما بعده صلته ومعطوف عليها فلا فصل بأجنبيّ كما توهم، ولا يقال إنّ هذا الصرف المقدر محقق وذاك غير محقق وبتكلف ما لا حاجة إليه. قوله: (أي ولقائهم الدار الآخرة الخ) يعني أنه من إضافة المصدر إلى المفعول
следующие страницы →