← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

شمول المرض لما لا يزول كالعمى والعرج، وان الضعف شامل للخلقي والعرضي وجهينة وما بعده أسماء قبائل، والحرج أصل معناه الضيق، ثم استعمل للذنب وهو المراد. قوله: (بالإيمان والطاعة في السر والعلانية الخ) معنى نصح لله ورسوله مستعار للإيمان والطاعة ظاهراً وباطنا كما يفعله الموالي بضم الميم كالمصافي لفظاً ومعنى، وفي قوله كما إشارة إلى أنه استعارة أو المراد بالنصح لله ورسوله بذل الجهد لنفع الإسلام والمسلمين فإذا تخلفوا تعهدوا أمورهم وأهلهم، وأوصلوا لهم خبر من غاب عنهم لا كالمنافقين الذين تخلفوا وأشاعوا الأراجيف لأنّ هذه الأمور إعانة على الجهاد، وقوله يعود على الإسلام فيه لقولاً وفعلاً أي له عائدة ونفع للإسلام وأهله. قوله: (أي ليس عليهم جناح الخ) من مزيدة وليس على محسن سبيل كلام جار مجرى المثل، وهو إما عام ويدخل فيه من ذكر أو مخصوص بهؤلاء فالإحسان النصح لله والرسول، والإثم المنفي إثم التخلف، فيكون تأكيداً لما قبله بعينه على أبلغ وجه وألطف سبك، وهو من بليغ الكلام لأنّ معناه لا سبيل لعاتب عليه أي لا يمرّ به العاتب ويجوز في أرضه فما أبعد العتاب عنه فتفطن للبلاغة القرآنية كماقيل: سقيا لأيامنا التي سلفت إذلايمرّالعذول في بلدي وكلام المصنف يحتمل أن يكون قوله ليس عليهم جناح إعادة لمعنى ليس عليهم حرج، وقوله ولا إلى معاتبتهم سبيل بيان لهذا وإشارة إلى ترتبه عليه أي لا حرج عليهم فهم لا يعاتبون، ووضع المحسنين موضع الضمير بناء على الوجه الثاني، والتخصيص في قوله لهم إشارة إلى أنّ كل أحد عاجز محتاج للمغفرة والرحمة إذ الإنسان لا يخلو من تفريط ما فلا يقال إنه نفى عنهم الإثم أوّلاً فما الاحتياج إلى المغفرة المقتضية للذنب، فإن أريد ما تقدم من ذنوبهم دخلوا بذلك الاعتبار في المسيء، وقوله فكيف للمحسن في نسخة للمحسنين بصيغة الجمع. توله: (عطف على الضعفاء الخ) هو على الثاني من عطف الخاص على العامّ اعتناء بهم وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر وعلى الأوّل فإن أريد بالذين لا يجدون الخ الفقير المعدم للزاد، والمركب وغيره وهؤلاء واجدون لما عدا المركب تغايرا، وهو ظاهر كلام المصنف والنظم وان أريد بمن لا يجد النفقة من عدم شيئا لا يطيق السفر لفقده كان هذا من عطف الخاص على العام أيضا والأوّل أولى. قوله: (البكاؤون) (١ (جمع بكاء بصيغة المبالغة، وهم جماعة من الصحابة ﵃ لم يكن لهم قدرة على ما يركبون للغزو مع النبيّ ﷺ طلبوا منه ذلك، فلما أجابهم بكوا وحزنوا حزناً شديدا فاشتهروا بهذا وتفصيلهم في سيرة ابن هشام ﵀، وعلبة بن زيد بضم العين المهملة وسكون اللام وفتح الباء الموحدة كذا ضبطوه، وهو صحابي مشهور ﵁ وفي أسمائهم وعددهم اختلاف والمعروف أنهم طلبوا ما يركبون وهو معنى قوله فأحملنا فقوله الخفاف جمع خف، وهو في الجمل كالقدم في الإنسان ويطلق عليه نفسه كما يقال ماله خف ولا حافر والمرقوعة التي يشد على خفها جلد إذا أضر بها المشي، والنعال جمع نعل والخصف خياطة النعل، وهذا تجوّز عن ذي الخف والحافر فكأنهم قالوا احملنا على كل شيء مما تيسر أو المراد احملنا ولو على نعالنا وأخفافنا مبالغة في المناعة، ومحبة للذهاب معه. قوله: (هم بنو مقرّن) بكسر الراء المهملة المشذدة كمحدّث، وهم سبعة أخوة كلهم صحبوا النبيّ ع! ي! قال القرطبي ﵀: وليس في الصحابة سبعة أخوة غيرهم، وهذا القول عليه أكثر المفسرين وخص المصنف ﵀ منهم ثلاثة بالمجيء إلى النبيّ ﷺ ، وهو قول مجاهد وأبو موسى هو الأشعري ﵁ وأصحابه من أهل اليمن. قوله: (حال من الكاف في أتوك بإضمار قد) فيه وجوه من الأعراب منها أنه على حذف حرف العطف أي وتلت أو فقلت، وقيل قلت: هو الجواب وتولوا مستأنف جواب سؤال مقدر وهو أحسن مما اختاره المصنف ﵀ وأما العكس بأن يكون تولوا جوابا وهذه مستأنفة في جواب سؤال مقدّر كما في الكشاف فبعيد والمصنف ﵀ اختار أنّ الأولى حاًل والجواب ما بعده، وزمان الإتيان يعتبر واسعا كيومه وشهره

стр. 1437

فيكون مع التولي في زمان واحد أو يكفي تسببه له، وإن اختلف زمانهما كما ذكره الرضي في قولك إذا جئتني اليوم أكرمتك غداً أي كان مجيئك سببا لإكرامك غدا. قوله: (أي دمعها فإن من للبيان الخ) أي يفيض دمعها فهو إشارة إلى أنه تمييز محوّل عن الفاعل، وقال أبو حيان: لا يجوز كون محل من الدمع نصبا على التمييز لأنّ التمييز الذي أصله فاعل لا يجوز جره بمن وأيضا فإنها معرفة ولا يجيز كونها تمييزا إلا الكوفيون، وقيل: إنه قفي إجازة الكوفيين وأمّا الأوّل فمنقوض بقولهم عز من قائل ونحوه وهذا وارد بحسب الظاهر وإن كان ما ذكره أبو حيان صرّج به غيره من النحاة فقالوا: لا يجوز جره إلا في باب نعم وحبذا، ومن على كلامه بيانية لا تجريدية، وقيل أصل الكلام أعينهم يفيض دمعها، ثم أعينهم تفيض دمعاً وهو أبلغ الإسناد الفعل إلى غير الفاعل وجعله تمييزاً سلوكا لطريق التبيين بعد الإبهام ولأنّ العبن نفسها جعلت كأنها دمع فائض، ثم أعينهم تفيض من الدمع أبلغ من أعينهم تفيض دمعا بواسطة من التجريدية فإنه جعل أعينهم فائضة، ثم جرد الأعين الفائضة من الدمع باعتبار الفيض، وقد تابعه غيره على هذا ورد بأن من هنا للبيان لما أبهم مما قد يبين بمجزد التمييز لأنّ معنى تفيض العين يفيض شيء من أشياء العين كما أنّ معنى قولك طاب زيد طاب شيء من أشياء زيد، والتمييز رفع إبهام ذلك الشيء فكذا من الدمع كما تبين كاف الخطاب في نحو قول المتنبي: فديناك من ربع وان زدتنا كربا وإذا كان من الدمع قائما مقام دمعاً كان في محل النصب على التمييز، وأما حديث التجريد فلم يصدر عمن له معرفة بأساليب الكلام، ومرّ في المائدة أنّ الفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفلها يعني أن الفيض مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية، فإن الثاني سبب للأوّل فالمجاز في المسند، والدمع هو ذلك الماء المخصوص أو الفيض على حقيقته، والتجوّز في إسناده إلى العين للمبالغة كجري النهر إذ الدمع مصدر دمعت العين دمعا ومن للأجل، والسببية وتحقيقه مرّ في المائدة. قوله: (حزناً نصب على العلة الخ (إن قيل فاعل الفيض مغاير لفاعل الحزن فكيف سبب قيل إن الحزن والسرور يسند إلى العين أيضا يقال سخنت وقرّت عينه، وأيضاً إنه نظر إلى المعنى إذ محصله تولوا وهم يبكون. قوله: (أو الحال (بمعنى حزينة والفعل المدلول عليه يحزنون حزنا، وقوله: (ولئلا) بتقدير الجارّ قبله وتعلقه بحزنا إن لم يكن مصدر فعل مقدر لأنّ المصدر المؤكد لا يعمل، وقد جوّز تعلقه به أيضا فيكون على جميع التقادير وتعلقه بتفيض قيل إنه على الأخيرين لأنه لا يكون لفعل واحد مفعولان لأجله وإبداله خلاف الظاهر، ثم إن هذا بحسب الظاهر يؤيد كونه مندرجا تحت قوله: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ ومغزاهم أي محل غزوهم أو مقصدهم وسبيلهم، وقوله إنما السبيل بالمعاتبة لم يفسرد بالإثم كما مرّ ولو ضمه إليه كان أحسن، وقيل قيده به ليصح الحصر، ولذا قيل إنها للمبالغة وفيه نظر. قوله: (واجدون للأهبة (أي عدّة السفر ولوازمه وقيده به لخروج البكائين لأنهم أغنياء لكن لا أهبة لهم كما مرّ، وقوله: (استئناف (أي جواب سؤال تقديره لم استأذنوا أو لم استحقوا للمعاتبة، ووخامة العاقبة سوءها وأصل الوخامة كثرة المرض، وقوله لا يعلمون مغبته بفتح الغين المعجمة العاقبة كالغب أيضا أي عاقبة رضاهم بالقعود، وقوله لأنه الضمير للشأن وأعلم إنّ قولهم لا سبيل عليه، معناه لا حرج ولا عتاب وإنه بمعنى لا عاتب يمرّ عليه فضلا عن العتاب وإذا تعدّى! الى كقوله: ألاليت شعري هل إلى أئم سالم سبيل فأنا الصبرعنها فلا صبر فبمعنى الوصول كما قال: هل من سبيل إلى خمرفأشربها أم من سبيل إلى نصربن حجاج ونحوه فتنبه لمواطن استعماله فإنه من مهمات الفصاحة. قوله: (لآنه لن نؤمن الخ) يعني قوله لن نؤمن لكم استئناف لبيان موجب لا تعتذروا، وكذا قوله قد نبأنا الله استئناف آخر لبيان موجب لن نؤمن لكم كأنه قيل لا تعتذروا فقيل لم لا نعتذر فقيل لأنا لن نؤمن لكم أي نصدقكم في عذركم فقيل

стр. 1438

لِمَ لَمْ تؤمنوا لنا فقيل لأنّ الله قد نبأ بما في ضمائركم من الشرّ، وتعدبه نؤمن باللام مرّ بيانها. قوله: (أعلمنا بالوحي إلى نبيه ﷺ بعض أخباركم الخ (نبأ يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى ثلاثة كاعلم في المعنى والعمل، وقد ذهب هنا إلى كل منهما طائفة والمصنف ﵀ اختار أنها متعدية إلى اثنين الأوّل الضمير والثاني من إخباركم أما لأنه صفة المفعول الثاني، والتقدير جملة من أخباركم أو هو من أخباركم لأنه بمعنى بعض أخباركم، وليست من زائدة على مذهب الأخفش، وليس نبأ متعديا لثلاثة ومن إخباركم ساد مسد مفعوليه لأنه بمعنى أنكم كذا وكذا كما قيل لبعده، ولا الثالث محذوف لمنعه عندهم أو ضعفه، ولذا قيل لو قال عرفنا كان أظهر. قوله: (أتنيبون عن الكفر الخ) يشير إلى أنّ رأي علمية وأنه ذكر أحد مفعوليه وتقدير الثاني أتنيبون عن الكفر أي ترجعون من الإنابة أم تثبتون عليه، والمعنى سيعلم الله عملكم من الإنابة عن الكفر أو الثبات عليه علما يتعلق به الجزاء ولش! من التعليق، وبين قوله أتنيبون بنون وباء موحدة وتثبتون بمثلثة وموحدة ومثناة تجنيس خطي، وقوله: (فكأنه استتابة وإمهال للتوبة) لأنّ السين للتنفيس ففيه إشارة لما ذكر وقوله فوضع الوصف الخ يعني وضع عالم الغيب والشهادة موضع ضميره عر وجل ليدل على التهديد، والوعيد وانه تعالى مطلع على سرّهم وعلنهم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم فيجازيهم على حسب ذلك. قوله: (بالتوييخ والعقاب عليه) يعني إعلامهم به وذكره لهم للتوبيخ أو المراد أن الوقوع في جزائه كأنه إعلام لهم بما فعلوا وقوله فلا تعاتبوهم منصوب معطوف على تعرضوا، وليس بنهي يعني المراد من حلفهم أن تعرضحوا عن معاتبتهم على ما فرط منهم، وقوله:) ولا توبخوهم (نهي لهم عن لومهم وتقريعهم لعدم نفعه ولذا علله بقوله إنهم رجس يعني إنهم يتركون ويجتنب عنهم كما تجتنب النجاسة، وهم طلبوا إعراضى صفح فأعطوا إعراض مقت، وأمّا إنّ الإعراض في قوله لتعرضوا بتقدير للحذر عن أن تعرضوا على أنه إعراض مقت أيضاً فتكلف، والتأنيث اللوم وأنبه بمعنى لامه، وقوله بالحمل على الإنابة أي التوبة إشارة إلى معنى آخر في إطلاقه على اللوم، وهو أنه حامل على التوبة وبين بعدم نفعه أنه بيان لسبب الإعراض! وترك المعاتبة. قوله: (من تمام التعليل) فالعلة نجاسة جبلتهم التي لا يمكن تطهيرها لكونهم من أهل النار في التقدير: فاللوم يغريهم ولا يجديهم والكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل فاتركوا ما لا يفيد، ولذا لم يعطف قوله من أهل النار في التفسير، وقوله لا ينفع فيهم التوبيخ في الدنيا والآخرة يقتضي أنهم لا يوبخون مطلقا بل إن التوبيخ ووقوعه في الآخرة ليس لنفعهم بل لتعذيبهم وتحقيرهم فلا يرد أنه ينافي ما سبق في قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالتوبيخ فالأولى ترك ذكر الآخرة إذ ليس الكلام في التوبيخ الأخروي، وان أجيب عنه بأن في الدنيا ليس متعلقا بقوله بالتوبيخ بل بقوله لا ينفع فتدبر. قوله: (أو تعليل ثان والمعنى الخ) فعلل ترك التوبيخ بعلتين إحداهما أنه لا فائدة فيه فلا ينبغي الاشتغال به، وبأنه إن كان لتنكيلهم فيكفي ما لهم في الآخرة نكالاً، وقوله كفتهم عتابا على حد قولهم عتابك السيف ووعظك الصفع، وقوله فلا تتكلفوا عتابهم إشارة إلى كونه علة مستقلة، وجزاء مصدر لفعل تقديره يجزون ذلك، وقيل لمضمون ما قبله فإنه في معناه فهو مفعول مطلق أو مفعول له أو حال من الخبر عند من جوزه. قوله: (فإن رضاكم لا يستلزم رضا الله الخ) يعني أنه نهى للمسلمين عن أن يرضوا عنهم مع أنّ الله لا يرضى عنهم فكان إرادتهم مخالفة لإرادة الله، وذلك غير جائز قيل فقوله ورضاكم وحدكم لا ينفعهم ليس على ما ينبغي لأنّ رضاكم وحدكم لا يجوز فليس لعدم النفع معنى، وأجيب عنه بأنّ المراد إن رضاكم وحدكم على تقدير تحققه لا ينفعهم فلا مؤاخذة عليه ومراده بيان ارتباط الجزاء بالشرط لأنّ عدم رضا الله عنهم ثابت قبل ذلك أي أن ترضوا عنهم لا ينتج رضاكم لهم شيئا. قوله: (وإن امكنهم أن يلبسوا الخ) أي إن لبسوا عليكم حتى أرضوكم فهم لا يلبسون على الله حتى يرضى عنهم فلا يهتك أستارهم، ويهينهم فالمقصود على الأوّل إثبات الرضا لهم ونفيه عن الله، وعلى الثاني إثبات مسببه ونفيه فيكون قوله ترضوا كناية عن تلبيسهم على المؤمنين بالإيمان الكاذبة. قوله: (والمقصود

стр. 1439

من الآية الخ) أي على الوجهين، وقوله بعد الأمر بالإعراض لا ينافي ما مرّ من قوله ولا توبخوهم كما توهم. قوله: (أهل البدو الخ) العرب هذا الجيل المعروف مطلقا والإعراب سكان البادية منهم فهو أعم وفيل العرب سكان المدن والقرى، والأعراب سكان البادية من العرب أو مواليهم فهما متباينان ويفرق بين جمعه وواحده بالياء فيهما، والنسبة إلى البدو بدوي بالتحريك والحضر بفتحتين خلاف البادية، وقوله لتوحشهم أي لبعدهم عن الناس وانفرادهم في البوادي، وقساوتهم أي قساوة قلوبهم لعدم استماع الذكر والمواعظ، وقوله: (بأن لا يعلموا (إشارة إلى تقدير الجار الذي يتعدى به أجدر وأعلم ونحوه. قوله:) فرائضها وسننها (أدخل السنن في حدود الله تغليبا لأنّ الحدود تخص! الفرائض أو الأوامر والنواهي لقوله تلك حدود الله فلا تعتدوها وتلك حدود الله فلا تقربوها، وتيل المراد بها هنا بقرينة المقام وعيده على مخالفة الرسولءلج! هـ في الجهاد، وقيل مقادير التكاليف، وأهل الوبر البادية لأنّ بيوتهم من وبر وشعر وأهل المدر وهو الطين الحاضرة لأنهم أهل البناء، وقوله: (يعدّ (بفتح المثناة التحتية وكسر العين المهملة وتشديد الدال المهملة تفسير ليتخذه مغرماً أي يعده ويصيره، وفسر النفقة بالصرف في سبيل الله والصدقة بقرينة المقام، والمغرم الخسران بإعطاء ما لا يلزمه من الغرام وهو الهلاك، وقيل أصل معناه الملازمة وقوله: (لا يحتسبه قربة (أي لا يتقرب به لله وأجره ولا يرجو عليه ثوابا لعدم إيمانه بالله واليوم الآخر، وقوله رياء أو تقية أي خوفا وفي نسخة وتقية. قوله: (دوائر الزمان ونوبه الخ (تفسير للدوائر لأنها جمع دائرة وهي النكبة والمصيبة التي تحيط بالمرء ونوب جمع نوبة وهو كالنائبة ما ينوب الإنسان من المصائب أيضا فتربص الدوائر انتظار المصائب لينقلب بها أمر المسلمين ويتبذل فيخلصوا مما عذوه مغرماً. قوله: (اعتراض بالدعاء عليهم) وهو من الاعتراض بين كلامين كما فصل في محله، وقوله: (بنحو ما يتربصونه (عدل عن قول الكشات بنحو ما دعوا به لأن ما صدر منهم ليس دعاء وان وجهه شراحه بما هو خلاف الظاهر كقول النحرير تربصهم يتضمن دعاءهم عليهم وهو غريب منه فالجملة على هذا إنشائية دعائية، وعلى الوجه الأخير خدرية والدائرة اسم للنائبة وهي بحسب الأصل مصدر كالعافية والكاذبة، أو اسم فاعل بمعنى عقبة دائرة والعقبة أصلها اعتقاب الراكبين وتناوبهما، ويقال للدهر عقب ونوب ودول أي مرة لهم ومرة عليهم. قوله: (والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة الخ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا السوء وكذا الثانية في الفتح بالضم والباقون بالفتح، وأمّا الأولى في الفتح وهي ظن السوء فاتفق السبعة على فتحها، قال الفراء المفتوج مصدر والمضموم اسم، وقال أبو البقاء: إنه الضرر وهو مصدر في الحقيقة كالمفتوج، وقال مكي المفتوح معناه الفساد والمضموم معناه الهزيمة والضرر وظاهره إنهما اسمان، وقوله: (كقولك رجل صدق) يعني إنه وصف بالمصدر مبالغة وأضيف الموصوف إلى صفته كقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ اسررة مريم، الآية: ٢٨] وقد حكي فيه الضم فيقال رجل سوء، وقوله: (وفي الفتح بضم السين (قد علمت أنه ليس على إطلاقه، وبين الفتح والضم شبه طباق. قوله: (سبب قربات (القربة بالضم ما يتقرب به إلى الله ونفس التقزب فعلى الثاني يكون معنى اتخاذها تقرّبا اتخاذها سببا له على التجوّز في النسبة أو التقدير، وعند الله إعرابه ما ذكر وجوز تعلقه بقربآت أي مقرّباً عند الله، وقوله: (وسبب صلواته! ك! ر) إشارة إلى عطفه على تربات وقد جوز عطفه على ما ينفق أن يتخذ ما ينفق وصلوات الرسول عقي! قربات. قوله: (لأئه ﷺ ! ن ددعوا للمتصدقين) أي الذين يعطون الصدقة، وأما الذي ياً خذها فمصذق من التفعيل وحمل الصلاة على معناها اللغوي، وهو الدعاء مطلقا ليشمل دعاء الناس واستغفارهم ودعاء النبيّ ش! ر لبعضهم بلفظ الصلاة، وهو من خصائصه ع! ي! لأنه حقه فله أن يجعله لغيره إذ الصلاة مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما أنّ مخصوص بالله، وان كان يقال عزيز وجليل لغيره تعالى، واختلف في الصلاة على غير الأنبياء والملائكة استقلالأ هل هو حرام أو مكروه أو خلاف الأدب على أقوال المشهور منها الكراهة. قوله: (كما قال ﷺ اللهتم صل على * أبي أوفى

стр. 1440

الخ) (١ (أخرجه أصحاب السنة غير الترمذي، وأوفى بفتح الهمزة والفاء والقصر اسم عقبة الأسلمي من أصحاب بيعة الرضوان روى له البخاري وهو آخر من بقي من الصحابة رضوان الله عليهم بالكوفة سنة سبع وثمانين. قوله:) شهادة من الله الخ) معتقدهم مصدر ميمي بمعنى اعتقادهم، وحرف التنبيه ألا وتوله والضمير لنفقتهم المعلومة من السياق أو لما التي هي بمعناها فهو راجع له باعتبار معناها فلذا أنث أو لمراعاة الخبر. قوله: (والسين لتحقيقه) أي. لتحقيق الوعد، وتقدم أنّ السين في مثله تفيد التحقيق والتأكيد لأنها في الإثبات في مقابلة لن في النفي فتفيد ذلك بقرينة تقابلهما في الاستعمال، وهذا هو المنقول عنهم، وفي الانتصاف النكتة في إشعارها بالتحقيق أنّ معنى الكلام معها أفعل، كذا وان أبطأ الأمر أي لا بد من ذلك، وفيه تأمّل والإحاطة من في لأنّ الظرف يحيط بمظروفه. قوله: (لتقريره الخ) يعني أنّ معناه أنه غفور رحيم، وهذا مقتضى فضله وكرمه فيكون مقرّرا لدخولهم في رحمته، وكالدليل عليه أو أنه متضمن لمعناه فهو مؤكد له. قوله: (قبل الأولى) أي ومن الإعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً والثانية قوله: (ومن الاعراب من يؤمن بالثه (الخ، وذو اليجادين لقب عبد الله بن نهم بضم النون المزني لقب به لأنه لما سار إلى النبيّ ﷺ قطعت أمه بجادالها وهو بكسر الباء الموحدة وبالجيم والدال المهملة كساء نصفين فاتزر بنصفه وارتدى بالآخر ومات في عصر النبيئ ع! ز ودفنه ع! يرو بنفسه وقال: " اللهم إتي أمسيت راضياً عنه فارض! عته " فقال عبد الفه بن مسعود رضي الله عته ليتني كنت صاحب الحفيرة (٢ (وفي الآية أقوال أخر. قوله: (هم الذين صلوا إلى القبلتين الخ) في السابقون وجوه من الاعراب أظهرها أنه مبتدأ لا معطوف على من يؤمن وخبره ﵃ الخ لا الأوّلون ولا من المهاجرين، وهل المراد بهم جميع المهاجرين والأنصار ومن بيانية لتقدمهم على من عداهم أو بعضهم ومن تبعيضية قولان اختار المصنف ﵀ الثاني واختلف في تعيينهم على ما ذكره المصنف ﵀، فإن قلت لا وجه لتخصيص المهاجرين بالصلاة إلى القبلتين وشهود بدر لمساواة الأنصار لهم في ذلك قلت المراد تعيين سبقهم لصحبته ومهاجرتهم له ﷺ على من عداهم من ذلك القبيل، فمن لحق--النبيئ! تهخت بالمدينة، وهاجر قبل تحويل القبلة وقبل بدر كانت هجرته سابقة على هجرة غيره، ومن شهد العقبتين أو أجاب دعوة مصعب ﵁ كان أسبق وأرسخ قدما من غيره من الأنصار ﵃ فلا تضر تلك المشاركة وتقديم المهاجرين لفضلهم على الأنصار كما ذكر في قصة السقيفة، ومنه علم فضل أبي بكر ﵁ على من عداه لأنه أوّل من هاجر معه ﷺ ، وقيل إنه سكت عن اشتراك الأنصار في القبلتين وشهود بدر لظهور أمره ولا وجه له فالصواب ما قدمناه. قوله: (أهل بيعة العقبة الأولى (كانت في سنة إحدى عشرة من البعثة والثانية في سنة اثنتي عشرة وفي عدد من بايع بها وذكره بسط في السير، وأما حديث مصعب ﵁ فهو أنّ أهل البيعة الثانية لما انصرفوا بعث معهم رسول اللهءلمجييه مصعب بن عمير ﵁ ابن هاشم بن عبد المناف إلى المدينة يقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين فأسلم منهم خلق كثير، وهو أوّل من جمع بالمدينة أي صلى الجمعة، وقوله: (وقرئ بالرفع الخ (فيكون جميع الأنصار محكوما عليهم بالرضا بخلاف بزاءة الجر وفيه تأمّل. قوله: (اللاحقون بالسابقين من القبيلتين الخ) من القبيلتين متعلق باللاحقين والسابقين على التنازع، أو باللاحقين فقط لأنّ تقييد السابقين به علم مما مرّ فالاتباع بالهجرة والنصرة، وعلى الوجه الثانى بالإيمان والطاعة لشموله لجميع المؤمنين، وقال بعض السلف: إنه تعالى أوجب لمتقدميئ الصحابة ﵃ الجنة مطلقا وشرط لمتبعيهم شرطا وهو الأعملى الصالحة، وقوله بقبول طاعتهم بيان لمعنى رضا الله وهو ظاهر، وأما رضا العبد عن ربه فمجاز عن كونه مستغرقا في نعمه ذاكراً لها، وقوله:) في سائر المواضع (في الدر المصون وأكثر ما جاء في القرآن موافق لقراءة ابن كثير وقوله: (حول بلدتكم (تفسير للمعنى المراد أو تقدير للمضاف. قوله: (عطف على ممن حولكم) فيكون كالمعطوف عليه خبراً عن قوله منافقون كأنه

стр. 1441

قيل المنافقون من قوم حولكم ومن اهل المدينة وهو من عطف المفردات، ويكون قوله مردوا الخ جملة مستأنفة أو صفة لقوله منافقون لسكن فيه الفصل ب ق الصفة وموصوفها ولذا عد بعيدأ أو الكلام تم عند قوله منافقون من أهل المدينة خبر مقد! والمبتدأ بعده محذوف تامت صفته مقامه وحذف الموصوف، واقامة صفته مقامه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه مقيس شائع نحو منا ظعن، ومنا أقام كما تقرّر في النحو وقد مرّ تحقيقه، والتقدير ومن أهل المدينة قوم ماردون على النفاق، وما قيل جرت العادة بتقدير الموصوف في الثاني فعلاً كان أو ظرفا دون التقدير في الأوّل ليكون باقياً على أصله من التقديم لا يخفى ما فيه من القصور وقد سبق رده فتذكر. قوله: (ونظيره في حذف الموصوف الخ) هو نظير له في مطلق حذف الموصوف بالجملة لا في خصوصه لأن حذت الموصوف بعد مجرور بمن، وهو بعضه مقيس وبدونه كما في البيت ضرورة، أو نادر فلا يرد عليه الاعتراض بأنه ليس مما نحن فيه. قوله:) أنا ابن جلا الخ (هو بيت هكذا: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني وهو من قصيدة لسحيم بن وثيل الرياحي وفيه للنحاة تأويلات فقيل إن الفعل والضمير المستتر فيه صار علما فحكي كما تحكى الجمل، وقيل إنه فعل فقط سمي به ولم يصرف وقيل جلا مصدر مقصور معناه انحسار الشعر عن الرأس أي أنا ابن ذي جلا أي انحسار شعر رأسه لكثرة وضع البيضة عليه، أو جعل نفس الانجلاء مبالغة وعلى هذه الأقوال لا شاهد فيه، والمشهور أنه فعل ماض بمعنى بين وأظهر غير منقول إلى العلمية والمعنى أنا ابن رجل كشف الأمور الشدائد وأوضحها بمباشرته لها، وطلاع الثنايا جمع ثنية وهي العقبة كناية عن ارتكاب عظائم الأمور كما يقال طلاع أنجد جمع نجد وقوله متى أضع العمامة يعرفوني أي لانحسار شعر رأسي، أو أنه يريد كثرة مباشرة الحرب فلا يراه الناس إلا بغير عمامة ولا يعرفونه إلا بزقي المحارب، أو متى حاربت عرفت بشجاعتي واقدامي على الحرب، وقوله:) كلام مبتدأ) أي مستأنف استئنافا نحويا أو بيانياً كأنه قال: ما دأبهم ووصفهم فقيل مردوا الخء قوله: (تمرئهم وتمهرهم في النفاق (يشير إلى أن أصل معنى التمرّد التمرن أي الاعتياد والتدزب في الأمر حتى يصير ماهراً فيه لاتخاذه صنعة ودينا له، ولذا خفي نفاقهم عليه لمجب! مع كمال فطنته وفراسته، وقال الراكب: إنه من قولهم شجرة مرداء أي لا ورق عليها أي إنهم خلوا. من الخير، وروى أهل الجنة جرد مرد، وهو محمول على ظاهره أو المراد أنهم خالصون من الشوائب والقبائح وصرج ممرّد أي مملس كما قال: في منزل شيدبنيانه يزل عنه ظفر الطائر قوله: (لا تعرفهم بأعيانهم الخ) وان عرفهم إجمالاً قيل والظاهر المناسب لا تعرف نفاقهم والتنوّق كالتأنق التصنع، والتكلف بإظهار النيقة وهي الحذق وما يعجب الناظر، وفي المثل خرقاء ذات نيقة، والتحامي الاجتناب والتلبيس عليه بالاعتذار والحلف. قوله: (بالفضيحة والقتل الخ) اختلف في المرتين على أقوال ذكر المصنف ﵀ منها ثلاثة، وقيل المراد التكثير كقوله: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [سورة الملك، الآية: ٤] لقوله: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١١٢٦ وقال الآمدي الأوّل عذاب الدنيا مطلقاً والثاني عذاب الآخرة والقتل إئا فرضيّ إذا أظهروا النفاق أو المراد خوفه وتوقعه، ونهكه المرض بمعنى أضناه وأثقله فالمراد به ظاهره لأنّ المرض كفارة للمؤمن وعقوبة عاجلة لغيره، أو المرض المعنوي وهو ما في قلوبهم. قوله: (وآخرون اعترفوا الخ (معطوف على منافقون أي وممن حولكم آخرون أو من أهل المدينة آخرون ويجوز أن يكون مبتدأ واعترفوا صفته وخبره خلطوا كذا قال المعرب وغيره وقيل عليه أنه يقتضي إن اعترافهم مفروغ منه والمقصود بالإفادة غيره، وليس كذلك إذ هو المقصود بالإفادة فآخرون مبتدأ وهو الخبر وسوغ الابتدا أنه صفة موصوف مقدر وفيه نظر لأنّ اعترافهم شاهد بربطهم أنفسهم فالمقصود بيان أنهم ممن تاب الله عليه فلا وجه لما ذكر. قوله: (وهم طائفة من المتخلفين الخ) اختلف في عددهم هل هم خمسة أو ثلاثة أو عشرة، وهلى هم منافقون أو لا لكنهم اتفقوا على أن أبا لبابة رضي الله

стр. 1442

عنه منهم وأنه ممن أوثق نفسه، وسواري جمع سارية وهي العمود، وقوله: (على عادته) هي أنه إذا قدم ﷺ من سفر دخل المسجد وصلى ركعتين قبل دخول منزله، وحديث السواري أخرجه ابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس) ١ ﵄ وهذه صلاة الفتح وهي سنة. قوله: (والواو إما بمعنى الباء الخ) الشاة الواحدة من الغنم ذكراً أو أنثى ضأناً أو معزاً وتطلق على الظباء، وجمعها شاء بالمد والهمزة آخره وهمزة بدل من الهاء بدليل جمعه على شياه وليس هذا محل بيانه وكونه الواو بمعنى الباء نقلوه عن سيبويه ﵀، وقالوا إنه استعارة لأنّ الباء للإلصاق والواو للجمع وهما من واد واحد، وقال ابن الحاجب ﵀: أصله شاة بدرهم أي كل شاة بدرهم وهو بدل من الشاء أي مع درهم، ثم كثر فأبدلوا من باء المصاحبة واواً فوجب نصبه واعرابه بإعراب ما قبله كقولهم كل رجل وضيعته، وهو تكلف ولذا قالوا إنه تفسير معنى لا إعراب. قوله:) أو للدلالة على أنّ كل واحد منهما مخلوط بالآخر) في الكشاف كل واحد منهما مخلوط ومخلوط به لأن المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر كقولك خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به، وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء، وفي الانتصاف التحقيق في هذا أنك إذا قلت خلطت الماء باللبن فالمصرّح به الكلام أنّ الماء مخلوط، واللبن مخلوط به، والمدلول عليه لزوما لا صريحاً كون الماء مخلوطا به واللبن مخلوطاً، وإذا قلت خلطت الماء واللبن فالمصرّج به جعل كل واحد منهم مخلوطأ، وأما ما خلط به كل واحد منهما فغير مصرّج به بل من اللازم أنّ كل واحد منهما له مخلوط به محتمل أن يكون قرينه أو غيره، فقول الزمخشرقي: إنّ قولك خلطت الماء واللبن يفيد ما يفيده مع الباء وزيادة ليس كذلك فالظاهر أنّ العدول في الآية عن الباء لتضمين الخلط معنى العمل كأنه قيل عملوا صالحا وآخر سيئا، تال النحرير ﵀: يريد أن الواو كالصريح في خلط كل بالآخر بمنزلة ما إذا قلت خلطت الماء باللبن، وخلطت اللبن بالماء بخلاف الباء فإنّ مدلولها لفظاً ليس إلا خلط الماء مثلا باللبن، وأما خلط اللبن بالماء فلو ثبت لم يثبت إلا بطريق الالتزام ودلالة العقل، وتقرير صاحب المفتاح قريب من هذا حيث جعل التقدير خلطوا عملاً صالحا بسيء وآخر سيئأ بصالح إلا أنه جعل الصالح والسيىء في أحد الخلطين غيرهما في الآخر حيث قال بأن أطاعوه وأحبطوا. الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة فالمخلوط على هذا ما يقابل المخلوط سواء كان هو المذكور بعد الواو وبالعكس أو لا بخلاف تقدير المصنف ﵀ فإنه ذلك المذكور البتة حتى لا يجوز عنده خلطت الماء واللبن بمعنى خلطت الماء بغيره سواء كان اللبن أو غيره، وخلطت اللبن بغيره سواء كان الماء أو غيره ويجوز عند السكاكي، وقال غيره إنّ هذا نوع من البديع يسمى الاحتباك وهو مشهور (وفيه بحث) لأنّ اختلاط أحدهما بالآخر مستلزم لاختلاط الآخر به، وأمّا خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به لأن خلط الماء باللبن مثلاً معناه أن يقصد الماء أوّلاً ويجعل مخلوطا باللبن، وهو لا يستلزم أن يقصد اللبن أولاً بل ينافيه فخلط العمل الصالح بال! يىء معناه أنهم أتوا أوّلاً بالصالح، ثم استعقبوه سيئا وخلط السيىء بالصالح معناه أنهم أتوا أوّلاً بالسيىء، ثم أردفوه بالصالح فأحدهما لا يستلزم الآخر كما قال: وهو يرجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط مبنيّ على مذهب المعتزلة فتدبر. قوله: (أن يقبل توبتهم الخ) التوبة إذا أسندت إلى العبد معناها ظاهر، وإذا أسندت إلى الله فمعناها قبولها لأنّ أصل معناها العود فالعبد يعود إلى الطاعة والله يعود بإحسانه وتفضله عليه. قوله: (وهي مدلول عليها بقوله اعترفوا بذنوبهم) لما كانت التوبة من الله بمعنى قبول التوبة تقتضي صدور التوبة عنهم جعل الاعتراف دالاً عليها لأنه توبة إذا اقترن بالندم والعزم على عدم العود وكذا لو قدر فتابوا عسى الله أن يتوب عليهم وقوله: (روي الخ) أخرجه ابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﵄ ١ (، وقوله: (فتمدّق بها) أي ضعها مع الصدقات فيما تريد. قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ الخ جوّزوا في ضمير تطهرهم أن يكون خطابا للنبيّ صلى الله

стр. 1443

عليه وسلم وأن يكون للغيب وضحمير المؤنث للصدقة، فعلى الأوّل الجملة في محل نصب على الحال من فاعل خذ، ويجوز كونه صفة صدقة بتقدير بها لدلالة ما بعده عليه، وأما تزكيهم فالتاء للخطاب لا غير لقوله بها إذ جعله للصدقة ركيك لا يليق أن يحمل عنيه وتفصيله في كتب الإعراب. قوله: (أو حب المال المؤدّي بهم إلى مثله) أي مثل ما صدر عنهم من التخلف، وليس كناية من التخلف كقولهم مثلك لا يبخل إذ لا حاجة إليه وتطهير الذنوب تكفيرها، وتطهير حب المال إخراجه من قلوبهم، ولذا ورد أنّ الصدقة أوساخ الناس، ولم يحل له ىلمجي! واختلف في المأمور به في الآية فقيل الزكاة، ومن تبعيضية وكانوا أرادوا التصدق بجميع مالهم فأمره الله بأخذ بعضها لتوبتهم لأنّ الزكاة لم تقبل من بعض المنافقين فترتبط بما قبلها، وان أريد الزكاة فهو عام، وإن خص سببه وقيل: ليست هذه الصدقة المفروضة بل هم لما تابوا أبذلوا جميع مالهم كفارة للذنب الصادر منهم فأمره الله بأخذ بعضها، وهو الثلث وهذا مروي عن الحسن، وهو المختار عندهم، وقوله تنمي من الإنماء وهو الزيادة، وقوله: (ترفعهم الخ (فيه إشارة إلى أنهم كانوا منافقين وفيه خلاف تقدّم. قوله: (واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم الخ) يعني أنّ الصلاة هنا بمعنى الدعاء، وعدى بعلى لما فيه من معنى العطف لأنه من الصلوين وألا فالدعاء لا يتعدى بعلى إلا للمضرة، وهو غير مراد هنا، وتفسيره بصلاة الميت بعيد هنا وان روي عن ابن عباس ﵄، ولذا استدل به على استحباب الدعاء لمن يتصدق. قوله: (تسكن إليها نفوسهم الخ (السكن السكون، وما يسكن إليه من الأهل والوطن فإن كان المراد الأوّل فجعلها نفس السكن، والاطمئنان مبالغة، وهو الظاهر وان كان الثاني فهو مجاز بتشبيه دعائه في الالتجاء إليه بالسكن، ووجه جمع صلاة لأنها اسم جنس والتوحيد لذلك أو لأنها مصدر في الأصل. قوله: (الضمير أما للمتوب عليهم الخ) يعني إذا قصد هؤلاء، وقد مرّ ما يشير إلى قبول توبتهم فذكره هنا تمكيناً لذلك في قلوبهم، فالاستفهام للاستبطاء لتوبتهم، وان كان لغيرهم من المنافقين فهو توبيخ وتقريع لهم على عدم التوبة وترغيب فيها، وازالة لما يظنون من عدم قبولها، وقرىء بالتاء وهو على الأوّل التفات، وعلى الثاني بتقدير قل ويجوز أن يكون الضمير للمنافقين والتائبين معاً للتمكين والتخصيص. تنبيه: قال النووي في شرح مسلم قال الفقهاء: الدعاء لدافع الزكاة سنة لا واجب خلافاً لبعض الشافعية عملاً بظاهر الآية واستحب الشافعيّ ﵀ أن يقول في دعائه آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهور وبارك لك فيما أبقيت والصحيح أنه لا يستحب انتهى. قوله:) وهو يقبل التوية (الضمير إما للتأكيد أوله مع التخصيص بمعنى أنّ الله يقبل التوبة لا غيره بمعنى أنه يفعل ذلك ألبتة لما سبق من أنّ ضمير الفصل يفيد ذلك والخبر المضارع من مواقعه، وقيل التخصيص بالنسبة إلى الرسول لمجبب! بمعنى أنه يقبل التوبة لا رسوله ع! ب! لأنّ كثرة رجوعهم إليه مظنة لتوهم ذلك وقوله: (إذا صحت) بيان لنفس الأمر لأنّ غيرها لا يقبل بل لا يسمى توبة، وتعديته القبول بعن لتضمنه معنى التجاوز والعفو عن ذنوبهم التي تابوا عنها وليس المعنى أنّ التوبة إذا قبلت فكأنها تجاوزت عته كما توهم، وقيل عن هنا بمعنى من. قوله: (بقبلها قبول من يأخذ الخ (يعني أنّ الأخذ هنا استعارة للقبول والإثابة لا كناية كما قيل لأنّ الكريم والكبير إذا قبل شيئا عوض عنه إذ الأخذ هو الرسول ﷺ لا الله تعالى وقد يجعل الإسناد إلى الله مجازا مرسلاَ، وقيل في نسبة الأخذ إلى الرسول ﷺ في قوله خذ ثم إلى ذاته تعالى إشارة إلى أنّ أخذ الرسول ﷺ قائم مقام أخذ الله تعظيماً لشأن نبيه ﷺ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٠ ا] فهو على حقيقته ولا يخفى ما فيه من البعد في إدعاء الحقيقة وان كان ما فهمه معنى حسنا. قوله: (وإن من شأنه قبول توبة التائبين الخ) هو مأخوذ من صيغة المبالغة التي تفيد تكرّر ذلك منه وأنه شأن من شؤونه وعادة من عوائده أي إنه يقبل ذلك كما علمتم أنه شأنه وعادته، ولولا الحمل على هذا لكان لغوا وقد تكلف من قال إنه جعل الواو في قوله وانّ الله ابتدائية والمقصود التعليل، وقيل الواو للعطف على مقدر كأنه قيل إنّ الله هو البر الرحيم فيكون تعليلاً

стр. 1444

لكناية القبول عن إعطاء الثواب وحذف أداة التعليلى لأنه قياسيّ، وتقديمه على ما ذكر في تعليل قبوله للتقريب بين التعليل والمعلل مهما أمكن وقيل عليه إنه لا حاجة إلى الاعتذار عن حذف أداة التعليل لإمكان تقديرها في المعطوف عليه المقدر وكل ذلك من ضيق العطن. قوله: (فإنه لا يخفى عليه الخ) يعني المراد بالرؤية الاطلاع عليه، وعلمه علما جليا مكشوفا له وعلمه كناية عن مجازاته، وأما جعل الرؤية حقيقية وأنه يرى المعاني فلا حاجة إليه لتكلفه، وإن كان بالنسبة إليه غير بعيد وقوله فإنه تعالى لا يخفى من الإخفاء أي لا يخفى ذلك عنهم بل يعلمهم به كما تبين لهم من تفضيح بعض وتصديق آخرين، وفي هذه الآية وعد ووعيد، ولذلك قيل إنها أجمع آية في بابها، وقوله بالمجازاة إشارة إلى أن الأنباء مجاز عن المجازاة أو كناية. قوله تعالى: (وسترذون إلى عالم الغيب والشهادة) قال بعض المفسرين: الغيب ما يسرونه من الأعمال والشهادة يظهرونه كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٧٧] فالتقديم لتحقيق أنّ نسبة علمه المحيط بالسر والعلن واحدة على أبلغ وجه وآكده لا لإيهام أنّ علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يعلنون كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته منزه عن أن يكون بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء وتحققه في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأمور البارزة والكامنة، ورده بعض فضلاء العصر فقال: لا يخفى عليك انّ هذا قول يكون علمه تعالى حضوريا لا انطباعيا وحصوليأ وقد زيفوه وأبطلوه لشمول علمه تعالى للممتنعات، والمعدومات الممكنة والعلم الحضوري يختص بالموجودات العينية لأنه حصول المعلوم بصورته العينية عند العالم فكيف لا يختلف الحال فيه بين الأمور البارزة والكامنة مع أن الكامنة تشمل المعدومات ممكنة كانت أو ممتنعة ولا يتصوّر فيها التحقق في نفسها حتى تكون علما له تعالى، وتحقيق علمه الواجب بالأشياء من المباحث المشكلة والمسائل المعضلة، ولو أمسك هذا القائل عن أمثال هذه المطالب لكان خيراً له إذ بالتفوه بأمثال هذه المزيفات، تبين أنه لم يحم حول ما تقرّر عندهم من التحقيقات، وقد حققناه في بعض تعليقاتنا بما لا مزيد عليه انتهى، وهذا ذهول عن مراده والذي أوهمه ما أوهمه قعاقع ألفاظه وتطويله بلا طائل كما هو عادته في التشبه بالحرائر. قوله: (وآخرون من المتخلفين الخ) اختلف في المراد بآخرين هنا فقيل هم هلال بن أمية وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهو المروي في الصحيحين، والمنقول عن ابن عباس ﵄ وكبار الصحابة ﵃ ولم يكن تخلفهم عن نفاق ولا شك وارتياب كما في السير وإنما كان لأمر مع الهم باللحاق بهم فلم يتيسر ذلك فلما قدم النبيّ ﷺ ، وكان ما مرّ من المعذرين قال: هؤلاء لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذروا له ﷺ فأمر المسلمين باجتنابهم فاجتنبوهم واعتزلوا نساءهم فنزلت يعني آية العفو عنهم وتعذيبهم إلى الله، وإنما اشتذ الغضب عليه مع إخلاصهم والجهاد فرض! كفاية لما نقل عن ابن بطال في الروض الأنف وارتضاه أنه كان على الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا النبيّ ﷺ عليه ألا ترى قول راجزهم في الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وهؤلاء من أجلهم فكان تخلف هؤلاء كبيرة فإذا عرفت أن هؤلاء من كبار الصحابة رضوان الله عليهم وأنهم من المخلصين كما صرّحوا به فقول المصنف ﵀ إن أصروا على النفاق لا ينبغي أن يصدر مثله عن مثله ومن قال: إنّ هذه الآية في المنافقين كما هو قول للحسن وغيره لم يفسره بهؤلاء، وما قيل إنّ كلامه محمول على ما يشبه النفاق فهو بعيد ودعوى بلا دليل. قوله: (مرجون بالواو الخ) قرىء في السبعة مرجؤون بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة وقرىء مرجون بدون همزة كما قرىء ترجى من تشاء بهما، وهما لغتان يقال أرجأته وأرجيته كأعطيته، ويحتمل أن تكون الياء بدلاً من الهمزة كقولهم قرأت وقربت وتوضأت وتوضيت وهو في كلامهم كثير وعلى كونه لغة أصلية فهو يائيّ، وقيل إنه واوي. قوله: (والترديد للعباد وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى) يعني إما كأو لوقوع أحد الأمرين

стр. 1445

والله تعالى علم بما يصير إليه أمرهم والتردد منه تعالى محال فهو للعباد إذ خوطبوا بما يعلمون والمعنى ليكن أمرهم عندكم بين الرجاء والخوف، والمراد تفويض ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته إذ لا يجب عليه تعذيب العاصي، ولا مغفرة التائب ولذا قيل إنها هنا للتنويع أي أمرهم دائر بين هذين الأمرين وهو أولى مما ذكره المصنف ﵀ وقوله: (والمراد الغ (مر ما له وعليه. قوله: (عطف على وآخرون الخ) قيل إنه على الوجه الثاني من إعرابه فهو مبتدأ خبره من أهل المدينة، وإذا كان مبتدأ فخبره محذوف ونصبه على الاختصاص أي القطع وهو منصوب بمقدر كأذم واعني، وليس هذا الاختصاص الذي اصطلح عليه النحاة، وقطع المعطوف فيه تفصيل سبق في سورة البقرة، وعلى قراءة ترك الواو ويحتمل ما مرّ من الوجوه وأن يكون بدلاً من آخرون على أحد التفسيرين، وفيه وجوه أخر مفصلة في إعراب السمين وغيره. قوله: (ضرارا) مفعول له وكذا ما بعده، وتيل مصدر في موضع الحال أو مفعولاً ثانيا لاتخذوا، وقوله مضارّة أي بتفريق الجماعة وأشار إلى أنه مصدر من المفاعلة. قوله: (روي إلخ (قال العراقي ﵀: هكذا ذكره الثعلبي بدون سند وروى بعضه ابن مردوية وابن جرير، وقباء بضم القاف والمد محل بقرب المدينة ويجوز فيه الصرف وعدمه، وقوله:) فحسدتهم إخوانهم) سماهم إخوانا لأنهم أبناء أخوين وأبو عامر الراهب هو الذي سماه النبي ﷺ ا! فاسق من أهل المدينة تر! ب في الجاهلية فلما قدم النبيّ ع! ر إلى المدينة قال لى ما هذا الذي جئت به قال: " الحنيفية البيضاء دين إبراهيم ﵊ " قال أبو عامر فأنا عليها فقال له: إنك لست عليها، قال: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها فقال النبيّ ﷺ : " ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية " فقال: أبو عامر أمات الله الكاذب منا فريدأ وحيدا فأفن النبيئ مجش! هـ فمات أبو عمار كذلك بقنسرين) ١ (، وقوله:) إذا قدم من الشأم (أي لأنه هرب ليأتي بجنود قيصر لحرب النبيّ ﷺ كما يأتي، وقوله لذي الحاجة أي من شغلته حاجته عن المضي للجماعة حتى ضاق الوقت، والعلة يعني المرض! ، والمطيرة بفتح الميم ذات المطر، وقوله: (فأخذ ثوبه) اختصار لما في الكشاف من أنه كان قبل ذهابه لمجر لتبوك فقال: " إئي على جناح سفر وحال شغل فإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه " فلما أتى لمجتن من تبوك أتوه وسألوه ذلك فدعا ع! ي! بقميصه وهم بذلك فنزل عليه الوحي) ١ (بما ذكر، وقوه: (والوحشئ) كذا في النسخ والصواب وحشيّ بدون أل، وقوله:) واتخذ مكانه الخ (أي جعل محلا لالقاء الكناسة به. قوله: (وتقوية للكفر الذي يضمرونه الخ) قيل الكفر يصلح أن يكون علة فما الحاجة إلى تقدير التقوية فيه وكأنه إنما تدره لأنّ اتخاذه ليس كفراً بل مقوّلة لما اشتمل عليه، وقنسرين بكسر القاف وتشديد النون مكسورة ومفتوحة بلدة بالشأم، وقيل من بلاد الروم لأنها كانت إذ ذاك في أيديهم. قوله: (ومن قبل متعلق بحارب أو باتخذوا الخ) تصوير للمعنى وبيان للمضاف المقدر على هذا الوجه، وهو قبل أن ينافقوا أي ظهروا والنفاق وعلى الوجه الآخر تقديره من قبل الاتخاذ، وقوله لما روي تأييد للثاني وقوله على جناج سفر أي آخذين في السفر شارعين فيه استعارة من جناح الطائر، وقفل بمعنى رجع ومنه الفاعلة تفاؤلاً وكزر مبنيئ للمجهول أي كرّر عليه السؤال في ذلك. قوله: (ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى الخ (فإن نافية والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الخصلة فهو مفعول به وعلى تقدير الإرادة فهو مصدر قائم مقامه منصوب على المصدرية أي إلا الارادة الحسنى، والمراد بالإرادة المراد فلذا وصفها بالحسنى وفسرها بنحو الصلاة، وهكذا وقع في الكشاف وقد حرفه بعضهم فظن أن العبارة إلا لارادة الحسنى بلام الجرّ التعليلية وقال: إنه وجه متكلف، وقوله في حلفهم أي ما حلفوا عليه، وقوله: (للصلاة (بيان للمعنى المراد، ويحتمل أن يكون القيام مجازاً عن الصلاة كما في قولهم فلأن يقوم الليل، وفي الحديث من قام رمضان إيمانا واحتساباً. قوله: (يعني مسجد قباء أسسه الخ (اختلف السلف في المراد بالمسجد في هذه الآية فرجح المصنف ﵀ كونه مسجد قباء لظاهر قوله تعالى من أول يوم إذ لا يراد أوّل الأيام

стр. 1446

مطلقا بل أوّل أيام الهجرة، ودخول المدينة المنوّرة لأنه بنى قبل مسجد المدينة وقوله: (وفيه رجال يحبون أن يتطهروا) ولأنه أوفق بالمقام لأنه بقباء كمسجد الضرار، والقول الثاني إن المراد به مسجدهءشر بالمدينة لما روي فيه من الأحاديث الصحيحة، وحديث أبي سعيد (١ ﵁ الذي ذكره المصنف ﵀ مخرّج في مسلم، وقد جمع الشريف السهروردي ﵀ بين الأحاديث، وقال: كل منهما مراد لأنّ كلا منهما أسس على التقوى من أوّل يوم تأسيسه، والسرّ في إجابته ﷺ السؤال عن ذلك مما في إلحديث دفع ما يوهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا عن ذلك، وهو غريب هنا وقد سبقه إليه السهيلي في الروض الأنف، واللام في قوله لمسجد لام ابتداء أو قسم وعلى قيل إنها بمعنى مع والأبلغ إبقاؤها على ظاهرها وجعل التقوى أساسا له. قوله: (من أوّل يوم من أيام وجوده) أي هو أوّل يوم من أيام وجود بنائه وتأسيسه، وإنما قيد به لظهور أنه لم يؤسس على التقوى من أوّل يوم من مطلق الأيام، والمعنى أنّ تأسيسه على التقوى كان مبتدأ من أوّل يوم من أيام وجوده لا حدثا بعده، قال السهيلي: نور الله مرقده في الآية من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع عمر ﵁ حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبيّ ع! ي! وبنيت المساجد وعبد الله كما يحب فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أن ذلك اليوم هو أوّل أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن فإن كان الصحابة رضوان الله عليهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله، وأفهمهم بما في القرآن من الإشارات، وإن كان ذلك على رأي واجتهاد فقد علمه الله، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أؤل يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم، وليس ههنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال فتديره ففيه معتبر لمن اذكر، وعلم لمن رأى بعين فؤإد واستبصر. قوله:) ومن يعم الزمان والمكان (هذا مذهب الكوفيين وأنها للابتداء مطلقاً ولهم أدلة من القرآن كهذه الآية، وقوله لته الأمر من قبل ومن بعد ومن كلام العرب كما فصل في النحو منع البصريون دخولها على الزمان، وخصوه بمذ ومنذ وتأوّلوا الآية بأنها على حذف مضاف أي من تأسيس أوّل يوم وقدروا مثله فيما ورد من كلامهم، وقال أبو البقاء: أنه ضعيف لأنّ التأسيس المقدر ليس بمكان حتى يكون لابتداء الغاية وسبقه إليه الزجاج (قلت) إنما فروا من كونها لابتداء الغاية في الزمان وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون لابتداء الغاية إلا في المكان، وقال ابن عطية: يحسن عندي أن يستغني عن التقدير وأن من جرّب أوّل لأنه بمعنى البداءة كأنه قال: من مبتدأ الأيام وفيه نظر، وقيل إنّ من هنا تحتملى الظرفية أي في أوّل يوم فلا يكون فيها شاهد لهم وسبقه إليه بعض المحققين حيث قال لا أرى في الآية ونظائرها معنى الابتداء إذ المقصود من الابتداء أن يكون الفعل شيئا ممتداً كالسير والمشي ومجرور من منه الابتدائية نحو سرت من البصرة أو يكون أصلا لشيء ممتد نحو خرجت من الدار إذ الخروج ليس ممتد أو ليس التأسيس ممتدا، ولا أصلاً لممتدّ بل هما حدثان واقعان فيما بعد من وهذا معنى في ومن في الظروف كثيراً ما يقع بمعنى في وللنظر في هذا كله مجال. قوله: (لمن إلى آخر البيت) وهو: لمن الدياربقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهر وهو مطلع قصيد لزهير بن أبي سلمى يمدح بها هرم بن سنان وبعده: لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوا في المورق القطر فغدا بمندفع النجائب من صفوا أولات الضال والسدر دع ذا وعد القول في هرم خيرالبداة وسيد الحضر الخ والقنة بضم القاف وتشديد النون أعلى الجبل والحجر بكسر الحاء وسكون الجيم والراء المهملة بلاد ثمود

стр. 1447

وبفتح الحاء محل باليمامة، وقد ضبط بهما هنا وصوّب ابن السيد الثاني رواية وقال: الأوّل غلط وقيل إن هذا البيت ليس لزهير وإنه مصنوع أدخل في شعره، وليس منه وهو الذي ارتضاه الفضل وله قصة مذكورة في مجال! النحاة، وأقوين بمعنى خربن وخلون من السكان وحجج جمع حجة بكسر الحاء فيهما وقوله لمن الديار من فيه استفهامية على عادة الشعراء في ابتداء قصائدهم بمثله كأنه يستفهم عنها لأنه لم يعرفها لتغيرها وخرابها، ومن السهو الغريب هنا ما قاله الفاضل المحشي من أنّ الشاهد في أوّل البيت إذ من الأولى لابتداء المكان والثانية بقسميها لابتداء الزمان والبصريون يقدرونه من مر حجج ومن مر دهر، وقيل من فيه زائدة على مذهب الأخفش وقيل: إنها للتعليل أي لأجل مرور حجج ودهر. قوله:) أولى بأن تصلي فيه (جعل أحق أفعل تفضيل، والمفضل عليه كل مسجد أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير فلا يرد أنه لا أولوية فيه أو هو على زعمهم، وقيل هو بمعنى حقيق، وفسر تقوم بمعنى تصلي وفسر الطهارة بالبراءة من العيوب مجازاً أو بالطهارة الشرعية من الجنابة، ولو فسر بالطهارة من النجس كما في الاستنجاء أو بما يشملهما لكان ظاهراً أيضاً، وقوله: (يدنيهأ من جنابه تعالى إدناء المحب الخ) إشارة إلى أنه مجاز عن قربهم من الله وقربهم بمعنى كرامتهم وكثرة ثوابهم إذ المحبة الحقيقية لا يوصف بها ألله تعالى، ويحتمل أنه من المشاكلة وقيل تطهرهم بحمى كانت مكفرة لذنوبهم، وقوله: (لما نزلت الخ) أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس (١ ﵄ وابن مردوبه وسكوتهم حياء من النبي ىلجرو وقوله: (وأنا معهم) بضمير المتكلم أو بكسر الهمزة وضمير الجمع، والمراد بالرخاء سعة الرزق وعدم الشذة ورث الكعبة قسم، وقوله: (إنّ الله عز وبئ قد أثنى عليكم الا يقتضي تعين المسجد لأنهم كانوا يصلون في مسجده أيضا. قوله: (نتبع النائط الأحجار الخ) استدلّ به في الهداية على أفضلية الماء على الحجر قال شيخنا ﵀ وأورد عليه شيثان ضعف الحديث وعدم مطابقته للمدلول لأنه يقتضي استحباب الجمع، قيل: والمطابق له حديث ابن ماجه، وفيه قالوأ " نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء " (٢ (والحاصل انّ الجمع أفضل، ثم الماء، ثم غيره وفي الجمع توفير الماء للوضوء، ولغيره لا سيما في محل الحاجة. قوله: (بنيان دينه) هو من قبيل لجين الماء أو هو مكنية وتخييلية، وهذا يناسب تفسيره الأوّل للطهارة وهو الأرجح لأنه المقتضي لمحبة الله كما قيل ولأنهم ذكروا في مقابلة أصحاب الضرار فاللائق وصفهم بضدّ ما وصفوا به، والتأسيس وضع الأساس وهو أصل البناء وأوّله وبه أحكامه ولهذا استعمل بمعنى الأحكام إلا أنه إذا تعدى بعلى تعين الأوّل كما قيل فهو المراد هنا ففي الآية شبه التقوى والرضوان تشبيها مكنيا مضمرا في النفس بما يعتمد عليه أصل البناء وأسس بنيانه تخييل فهو مستعمل في معناه الحقيقي أو هو مجاز بناء على جوازه فتاسيس البنيان بمعنى أحكام أمور دينه أو تمثيل لحال من أخلص لله، وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى بناء محكماً مؤسسا يستوطنه، ويتحصن به أو البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيح أو تبعية والمصنف رحمه الله تعالى بنى كلامه على الأوّل. قوله: (على قاعدة محكمة الخ) يعني أنه استعارة مكنية شبهت التقوى بقواعد البناء تشبيها مضمرا في النفس دل عليه بما هو من روادفه ولوازمه وهو التأسيس والبنيان، والمرضاة بمعنى الرضا وأوّلها بطلبه لأنّ رضا الله ليس من أعمال العبد التي ابتنى عليها أحكام أمره، والذي هو من عمله طلب ذلك فهو إن كان إشارة إلى تقدير مضاف لا ينافي قوله بعيدة تأسيس ذاك على أمر يحفظه عن النار ويوصله إلى رضوان الله فإنه ظاهر في أنه مجاز بإطلاق السبب على المسبب لأنه إشارة إلى توجيه آخر فيه وان كان بيانا لأنّ رضوان الله مجاز عن طلب الرضا بالطاعة لأنه سببه فظاهر. قوله تعالى: ﴿عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ الخ) شفا البئر والنهر طرفه ويضرب به المثل في القرب كقوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٠٣] وأشفى على الهلاك صار على شفاه ومنه شفاء المريض لأنه صار على شفا البرء والسلامة والجرف بضمتين وبسكون الراء البئر التي لم تطور وقيل هو الهوّة وما يجرفه السيل من الأودية لجرت الماء له أي أكله وإذهابه وهار نعت جرف وفيه أقوال، فقيل إنه مقلوب وأصله هاور أو هائر فوزنه فالع، وقيل

стр. 1448

إنه حذفت عينه اعتباطا فوزنه فال، والاعراب على رائه كباب، وقيل إنه لا قلب فيه ولا حذف ووزنه في الأصل فعل بكسر العين ككتف، وهو هور أو هير ومعناه ساقط أو مشرف على السقوط، وهو ظاهر قول المصنف ﵀ فأدى به الخ والخور بالخاء المعجمة والراء المهملة الضعف والتراخي، والاستمساك الثبات واشداد بعضه ببعض كانه يمسكه وفاعل انهار إمّا ضمير البنيان وضمير به للمؤسس أي سقط بنيان الباني بما عليه أو للشفا وضمير به للبنيان، وهو ظاهر كلام المصنف ﵀. قوله: (على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها) إشارة إلى أنه كان الظاهر في التقابل أن يقال أم من أسس بنيانه على ضلال وباطل وسخط من الله إذ المعنى أفمن أسس بنيان دينه على الحق خير أم من أسسه على الباطل، ولذا قال في الكشاف والمعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة قوية، وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير أم من أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها، وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات، والاستمساك وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى، يعني أنه شبه الباطل بشفا جرف هار في قلة الثبات فاستعير للباطل بقرينة مقابلته للتقوى، والتقوى حق ومنافي الحق هو الباطل، وقوله فانهار ترشيح وباؤه إمّا للتعدية أو للمصاحبة فشفا جرف هار استعارة تصريحية تحقيقية، والتقابل باعتبار المعنى المجازي المراد منها وقوله على قاعدة الخ إشارة إلى وجه الشبه تصريحية تحقيقية، والتقابل باعتبار المعنى المجازي المراد منها وقوله على قاعدة الخ إشارة إلى وجه الشبه وما به التقابل الضمني، فإن قلت لماذا عاير بينهما حيث أتى بالأوّل على طريق الكناية والتخييل، وبالثاني على طريق الاستعارة والتمثيل، قلت للتفنن في الطريق رعاية لحق البلاغة وعدولاً عن الظاهر مبالغة في الطرفين إذ جعل حال أولئك مبنياً على تقوى ورضوان هو أعظم من كل ثواب وحال هؤلاء على فساد أشرف بهم على أشذ نكال، وعذاب ولو أتى به على مقتضى الظاهر لم يفده مع ما فيه من التهويل كما سيشير إليه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (وإنما وضع شفا الجرف وهو ما جرفه الوادي الهائر) فيه تسمح أي ما جرفه أي أزاله سيل الوادي الهائر وقيل، أراد بالوادي ما يجري فيه والهائر بمعنى الهادم وضمير هو للجرف، وقوله في مقابلته إشارة إلى ما ذكرنا. قوله: (ثمثيلاَ لما بنوا عليه أمر دينهم الخ (يعني أنه استعارة لمعنى به يقع التقابل كما أوضحناه ويجوز أن يكون مراده أنه استعارة تمثيلية قيل، وفرّع على المستعار له الرضوان تجريداً، وعلى المستعار الانهيار ترشيحاً وفيه نظر وقوله تأسيس ذاك، وتأسيس هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل والمفعول، وقوله: (يحفظه من النار (إشارة إلى التقوى لأنّ أصل معناها الوقاية والحفظ، وقوله: (التي الجنة أدناها) إشارة إلى قوله (ورضوان من الله كبر) كما مرّ، وقوله: (على صدد الودوع) إشارة إلى ما مرّ من دلالة الشفاء على القرب، ولفظ الوقوع هنا في محزه وموقعه. قوله: (أسس على البناء للمفعول (أي في الموضعين وأس بالضم وأساس بالفتح مفردان مضافان، وهو أصل البناء وكذا أس بالفتح وأسس بفتحات مصدر أو مقصور أساس وبهما قرئ أيضاً في الثواذ، وقوله: (وثلائتها جمع أس الخ) فيه تسمح لأنّ أساس بالكسر جمع أس وأس! ر جمع أساس وآساس بالمد جمع أسس كما في الصحاح، والبنيان مصدر كالغفران، وقيل اسم جن! جمعي واحده بنيانة كقوله: كبنيانة العادي موضع رجلها ومن قال إنه جمع أراد هذا كما في الدر المصون. قوله: (وتقوى بالتنوين الخ (أي وقرئ تقوى وألفه للإلحاق كأرطى الحق بجعفر، ولو كانت ألف تأنيث لم يجز تنوينه وهو تخريج ابن جني والذي قرأها عيسى بن عمر، وتترى بتاءين بمعنى متتابعة وتاؤه مبدلة من واو ويجوز تنوينه على أنّ ألفه للإلحاق وتركه على أنها للتأنيث، وقوله:) جرف (بالتخفيف أي بضم الجيم وتسكين الراء. قوله: (وليس بجمع ولذلك الخ (رذ على من قال: إنه جمع واحده بنيانة كما مرّ، وقد سمعت تأويله واستدل على أنه مفرد بثلاثة أوجه، وفيه نظر لأنّ الجمع قد تلحقه التاء كأساكفة وغيره مع أنه مراد القائل أنه اسم كأ! جمعي إلا أن يقال مراده أنّ فعلان في الجمع لا تلحقه التاء، وكذا الأخبار بريبة لا دليل فيه لأنه يقال الحيطان منهدمة، والجبال راسية وجوز على المصدرية أن يكون الذي مفعوله، وهو لا يرد نقضا على دليل الوصفية كما قيل لإثباته المدعي ومراده

стр. 1449

أنه لو كان جمعا لوصف باللاتي ونحوه لا بالذين لاختصاصه بالعقلا، وأما احتمال تقدير المضاف وجعله صفة له وكذا الخبر فخلاف الظاهر، ويكفي مثله في أدلة النحاة وفي المثل أضعف من حجة نحوي. قوله: (شكاً ونفاقا الخ (أصل معنى الريب الشك وقد فسر به هنا، والمراد شكهم في بنوته ع! يرو الذي أضمروه وهو عين النفاق فلذا عطفه عليه للتفسير، ولما كان الحامل على البناء هو النفاق زادهم ذلك بهدمه نفاقا لشدة غيظهم قال الإمام ﵀: لما صار بناء ذلك البنيان سببا لحصول الريبة في قلوبهم جعل نفس ذلك البنيان ريبة، وفيه وجوه أحدها أنّ المنافقين عظم فرحهم ببنيانه فلما أمر بتخريبه ثقل عليهم وازداد غيظهم وارتيابهم في نبوّته لمجيرو، وثانيها أنه لما أمر بتخريبه خافوا فارتابوا هل يتركون على حالهم أو يقتلون، وثالثها أنهم اعتقدوا أنهم احسنوا بنيانه فلما هدم بقوا مرتابين في سبب تخريبه والصحيح هو الأوّل ورجح الطيبي الثاني بأنه أوفق للغة وريبتهم بالبناء كأنه سبب لهدمه فليس في الكلام مضاف مقدر والوسم السمة والعلامة وأصل معناه الكي. قوله:) بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك الخ (أي لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطيع قلوبهم أو في كل حال إلا حال تقطيعها وهو كناية عن تمكن الريبة في قلوبهم التي هي محل الإدراك، وإضمار الشك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياء إلا إذا قطعت ومزقت فحينئذ تخرج الريبد منها وتزول والمبالغة في الريبة واضحة، وهذا على التصوير والفرض فلا تقطيع فيه، وعلى الوجه الذي بعد. فالتقطيع والتمزيق بالموت وتفريق أجزاء البدن فهو حقيقي، ويفيد لزوم الريبة ما دإموا أحياء، وعلى الثالث المراد إلا أن يتوبوا ويندموا ندامة عظيمة تفتت قلوبهم وأكبادهم فتقطيع القلب مجاز أو كناية عن شدة الأسف، والفرق بين الوجوه ظاهر لكنه قيل إياك أن تتوهم أنّ مراده بالأوّل ما في الكشاف من أنه تصوير لحال زوال الريبة عنها إذ ليى في كلامه ما يدل عليه، وكأنه لم يرض! به لأن احتمال الحقيقة في الوجه الثاني يمنع الحمل على التمثيل لأن المجاز مشروط بالقرينة وقد دفع بأن جعل الكلام محتملاً للحقيقة، والمجاز في كلامهم كثير ومبناه على أن القرينة لا يجب أن تكون قطعية بل قد تكون احتمالية فإن اعتبرت جعل مجازآ - والا جعل حقيقة وكناية ومن لا يسلمه قال يتعين هنا أنه كناية ولا يخفى أنه ليس في كلام المصنف ﵀ ما يخالف كلام الكشاف حتى يقال إنه لم يرتضه ومثله من التكلفات الباردة. قوله: (تقطع) أي في هذه القراءة بفتح التاء وأصله تتقطع فحذفت إحدى التاءين وقراءة الياء لإسناده إلى الظاهر وتقطع بالتخفيف، وهو مجهول الثلاثي وتقطع بالتاء ونصب قلوبهم، والضمير للخطاب أو للريبة وقطعت بفتح القاف والتاء في المبني للفاعل وبضم القاف وسكون التاء في المجهول. قوله: (تمثيل لإثابة الله إياهم الخ (في الكشاف ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن، ولا أبلغ من هذه الآية لأنه أبرزه في صورة عقد عاقده رب العزة، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل إذا كانوا قاتلين أيضأ لإعلاء كلمته ونصر دينه، وجعله مسجلا في الكتب السماوية، وناهيك به من صك وجعل وعده حقاً، ولا أحد أوفى من واعده فنسيئته أقوى من نقد غيره وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم، وهو استعارة تمثيلية صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، واثابة الله لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء وأتى بقوله يقاتلون الخ بيانا لمكان التسليم، وهو المعركة هاليه الإشارة بقوله ﷺ : " الجنة تحت ظلال السيوف ") ١ (ثم أمضاه بقوله ذلك هو الفوز العظيم، ولما في هذا من البلاغة واللطائف المناسبة للمقام لم يلتفتوا إلى جعل اشترى وحده استعارة أو مجازا عن الاستبدال، وان ذكروه في غير هذا الموضع لأنّ قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ﴾ يقتضي إنه شراء وبيع وهذا لا يكون إلا بالتمثيل ومن غفل عنه، قال إنه تركه وهو جائز أيضا، ومنهم من جوّز أن يكون معنى اشترى منهم أنفسهم بصرفها في العمل الصالح وأموالهم بالبذل فيها، وجعل قوله يقاتلون مستأنفاً لذكر بعض ما شمله الكلام اهتماما به. قوله: (استئناف ببيان ما لأجله الشراء) يعني لما قال اشترى الخ كأنه قيل لماذا فقيل ليقاتلوا في سبيله، وليست المقاتلة

стр. 1450

نفس الشراء حتى تكون بيانا له كما قيل، وقوله:) يقاتلون في معنى الأمر) قيل إنه مرضه لأنه لا يجري في يقتلون المجهول وجعله بمعنى يباشرون سببه تكلف من غير داع. قوله:) وقد عرفت الخ) دفع لسؤال عدم مراعاة الترتيب بأنّ الواو لا تقتضيه، وبأن المراد يقتل بعض ويقتل بعض لكنه أسند إلى الجميع فعل بعضهم لأنّ المجاهدين كنفس واحدة، وقيل يتعين الثاني لدلالته على جراءتهم حيث لم ينكسر، والآن قتل بعضهم د هاما أنّ الواو لا تفيد الترتيب فلا يجدي لأنّ تقديم ما حقه التأخير في أبلغ الكلام لا يكون بسلامة الأمير، وهذا لا يقتضي عدم صحته بل مرجوحيته، وهو أمر سهل، ثم إنه قال إنه لم يقل بالجنة وهو أخصر لما فيه من مدحهم بأنهم بذلوا أنفسهم ونفائسهم بمجرّد الوعد ثقة بالوفاء، وأيضا تمام الاستعارة به يعني أنه يقتضي بصريحه عدم التسليم، وهو عين الوعد لأنك إذا قلت اشتريت منك كذا بكذا احتمل النقد بخلاف ما إذا قلت بأنّ لك كذا فإنه في معنى لك عليّ كذا وفي ذمّتي لأنّ اللام هنا ليست للملك، إذ لا يناسب شراء ملكه بملكه كالممهورة إحدى خدمتيها فهي للاستحقاق، وفيه إشعار بعدم القبض وكون تمام الاستعارة التمثيلية به لا يخلو من وجه لأنّ الجنة بمعناها الحقيقي تصلح عوضماً، ولأنه لولاه لصح جعله مجازا عن الاستدلال، وهو غير مراد لكنه لا يخلو من نظر ومن لم يقف على مراده قال لا فرق بين اشترى بالجنة، وا! ثيترى بأنّ له الجنة، وهو من قلة التدبر والقائل مسبوق بما ذكره. قوله: (مصدر مؤكد لما دل عليه الثسراء) فإنه في معنى الوعد قيل هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة لأنّ معنى الشراء بأنّ لهم الجنة وعد لهم بها على الجهاد في سبيله والمفهوم من تقرير المصنف ﵀ ظاهر أن يكون المجاز في لفظ الشراء، وقد جعل الكلام تمثيلاً فمفرداته باقية على معانيها الأصلية، وقد علمت أن الشراء بأنّ له كذا يفيد النسيئة، وهي وعد فلا ينافي ما ذكره من التمثيل، ولا يرد عليه ما قيل إنّ الوعد مستفاد من مضمون اشترى بأنّ لهم الجنة ومن جعله من الشراء فقد غفل ولا حاجة إلى تكلف أنّ مراده أنه مؤكد لمضمون الجملة، وحقاً نعت له وعليه حال من حقا لتقدمه عليه. قوله: (مذكورا فيهما كما أثبت في القرآن) قال في الكشاف: وعد ثابت قد أثبته في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن، قال الطيبي: يعني حقا بمعنى ثابتا ومن المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن، فقرن التوراة والإنجيل معه في سلك واحد ليؤذن بالاشتراك، ولذلك أتى بحرف التشبيه، وقال كما أثبته في القرآن إلحاقاً لما لا يعرف بما يعرف، وهذا بعينه كلام المصنف ﵀ لأنّ إثباته فيهما بذكره ثم إنه إما أن يكون ما في الكتابين أن أمّة محمد ﷺ اشترى منهم أنفسهم بذلك، أو أن من جاهد له ذلك فليس في كلام المصنف ﵀ اضطراب كما توهم ويجوز تعلفه باشترى ووعداً وحقأ وبمقدر كمذكوراً أو ثابتا، ومن أوفى استفهام إنكاري في معنى لا أحد أوفى من الله وهو يقتضي نفي مساواته في الوفاء عرفا كما مر تحقيقه فإنه إذا قيل ليس في المدنية أفقه منه أفاد أنه أفقه أهلها. قوله: (مبالغة في الإنجارّ) المبالغة من أفعل التفضيل، وجعل الوعد عهداً وميثاقأ قيل وهي لا تقتضي عدم خلف وعده وإنما المقتضى له قوله تعالى: ﴿لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٩٤ ا] فتأقل. قوله: (وتقرير لكونه حقاً) وجه التقرير ظاهر وفي بعض التفاسير قال أبو المعالي ﵀: المكاتبة من المعاوضات المجازية الخارجة عن القياس فإنها مقابلة مال بملك وهما لواحد هنا، وهذا على مذصب الشافعيّ ﵀ فإن العبد لا يملك عنده وعند مالك ﵀ يملك فالمعاوضة عنده حقيقية وان كان ملك العبد ضعيفا مزلزلاً ففي الآبة حجة له، وقال أبو الفضل الجوهري ﵀ في وعظه ناهيك بائعها وثمنها الجنة والواسطة محمد المصطفى ﷺ . قوله: (فانرحوا به غاية الفرح) يقال بشرته وأبشرته إذا أخبرته بخبر سار فاستبشر فرج ووجد ما يبشر به وشر كدّا قال الراغب فليس مستعملاً في لازم معناه كما قيل. قوله: (رفع على المدح أي هم الخ) يعني أنه نعت للمؤمنين قطع لأجل المدح بدليل قراءة التائبين فعلى هذا الموعود بالجنة المجاهد المتصف بهذه الصمفات لا كل مجاهد وهو قول للمفسرين، وعلى القول الآخر وهو تبشير مطلق المجاهدين بما ذكر فالتائبون مبتدأ، وفي خبره أقوال فقيل تقديره من أهل الجنة فيكونون موعودين بها أيضاً كمن قبلهم لقوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ [سورة النساء، الآية: ٩٥]

стр. 1451

لأنّ المراد بها الجنة، وقيل إنه بدل من ضمير يقاتلون وحمل التوبة على التوبة عن الكفر لأنه بعد ذكر المنافقين، وتوبتهم عنه ولأنّ ما ذكر بعده من الصفات لو حمل على التوبة عن المعاصي يكون غير تام الفائدة مع أنّ من اتصف بهذه الصفات الظاهر اجتنابه للمعاصي، وقوله نصبا على المدح أي بتقدير أمدح أو أعني. قوله: (هم الجامعون لهذه الخصال الخ) قيل عليه إنه تبع فيه الكشاف، وفي بعض التفاسير أنه دسيسة اعتزالية كأنه يقول المؤمنون هم الجامعون لهذه الصفات حتى يجعل المذنب غير مؤمن انتهى (قلت) ويدفع بأنه أراد بقوله على الحقيقة الكاملون إيمانا لا المؤمنون كما سيصرّح به في قوله وبشر المؤمنين ولو تركه كان أولى. قوله: (لنعمانه أو لما نابهم الخ) وفي نسخة يأتيهم والأولى أصح ونابهم بالنون والباء الموحدة بمعنى نزل بهم والسراء بالمد المسرّة والضراء بالمد المضرة يعني الحمد إما في مقابلة النعمة بمعنى الشكر أو بمعنى الوصف بالجميل مطلقا فالحمد لله على كل حال ولا حاجة إلى ما قيل إن المضرة لكونها سببا للثواب يحمد عليها. قوله: (السائحون الصائمون الخ الما كان في الأمم السابقة السياحة والرهبانية، وقد نهى عنها فسرت كما وقع في الحديث بالصوم وهو استعارة له لأنه يعوق عن الشهوات كما أنّ السياحة تمنع عنها في أكثر أو لأنه رياضة روحانية ينكشف بها كثير من أحوال الملكوت، والملك فشبه الاطلاع عليها بالاطلاع على البلدان والأماكن النائية إذ لا يزال يتوصل من مقام إلى مقام ويدخل من مدائن المعارف إلى مدينة بعد أخرى على مطايا الفكر من ساج الماء إذا سأل، وعن عائشة ﵂: " سياحة هذه الأمّة الصيام " (١) ، وروي مرفوعا كما هو ظاهر صنيع المصنف وقوله: (في الصلاة) حمل الركوع والسجود على معناهما الحقيقي وجعلهما بعضهم عبارة عن الصلاة لأنهما أعظم أركانها، وقوله: (بالإيمان والطاعة الو أبقى لفظ النظم على عمومه كان أولى. قوله: (والعاطف فيه للدلالة على أنه بما عطف عليه الخ الما ترك العطف فيها وذكر في موضعين احتاج إلى بيان وجهه والنكتة فيه سواء كانت وتلك الصفات إخباراً أو لا، وقد وقع مثله في غير هذه وبحثوا عن وجهه قال في المغني: الظاهر أن العطف في هذا الوصف بخصوصه إنما كان من جهة أنّ الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي متفابلان بخلاف بقية الصفات لأن الأمر بالمعروف ناه عن المنكر، وهو ترك المعروف والناهي عن المنكر آمر بالمعروف فأشير إلى الاعتذار بكل من الوصفين وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر، وما ذكره المصنف ﵀ من أنهما في حكم خصلة، وصفة واحدة أي بينهما تلازم في الذهن والخارج لأن الأوامر تتضمن النواهي ومنافاة بحسب الظاهر لأنّ أحدهما طلب فعل والآخر طلب ترك فكانا بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضى للعطف بخلاف ما قبلهما، فلا يرد عليه اًن الراكعون الساجدون في حكم خصلة واحدة أيضاً فكان ينبغي فيهما العطف على ما ذكره إذ معناه الجامعون بين الركوع والسجود، أو لأنه لما عدد صفاتهم عطف هذين ليدل على أنهما شيء واحد وخصلة واحدة والمعدود مجموعهما، وما ذكره ابن هشام ﵀ أمر آخر وهو أنّ العطف إما لما بينهما من التقابل أو لدفع الإيهام ولما ورد أنه لا ينبغي العطف فيما بعده أشار إلى جوابه كما ستراه. قوله:) أي فيما بينه وعيته من الحقائق والشرائع للتتبيه على أنّ الخ (يعني أنه من ذكر أمر عام شامل لما قبله وغيره ومثله يؤتى به معطوفاً نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء فلمغايرته لما قبله بالإجمال، والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه، فاندفع ما قيل إنه عطف على ما قبله من الأمر والنهي لأن من لم يصدق فعله قوله لا يجدي أمره نفعاً، ولا يفيد نهيه منعا، ومن لم يتنبه لهذا قال إنه للتنبيه على أنّ ما قبله مفصل الخ وليت شعري ما وجه الدلالة في العطف على هذا، وقد ظهر نكتة أخرى أوضح مما قالوه، وهو أنّ المراد بحفظ الحدود ظاهره وهي إقامة الحد كالقصاص على من استحقه والصفات الأول إلى قوله الآمرون صفات محمودة للشخص في نفسه، وهذه له باعتبار غيره فلذا تغاير تعبير الصنفين فترك العاطف في القسم الأؤل عطف في الثاني، ولما كان لا بذ من اجتماع الأول في شيء واحد ترك فيها العطف لشذة الاتصال

стр. 1452

بخلات هذه فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به، وهذا هو الداعي لإعراب التائبون مبتدأ موصوفا بما بعده والآمرون خبره فكأنه قيل الكاملون في أنفسهم المكملون لغيرهم، وقدم الأوّل لا! المكمل لا يكون مكملاً حتى يكون كاملا في نفسه، وبهذا اتسق النظم أحسن نسق من غير تكلف والله أعلم بمراده. قوله:) وقيل إنّ هذا للإيذان بأنّ التعداد قد تم بالسبع (وفي نسخة بالسابع، وقد مز بيان كون السبع عدداً تاما وتفصيله، وقائل هذا القول هو أبو البقاء تبعأ لغيره ممن أثبت واو الثمانية، وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله صاحب المغني ﵀ وذكروه في قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٢٢] وسيأتي تحقيقه، وقد نظر فيه بأن الدال على التمام لفظ سبعة لاستعماله في التكثير لا معدودة وفيه نظر. قوله:) يعني به (وفي نسخة بهم أي بالمؤمنين ولم يقل، وبشرهم بكذا إشارة إلى أنه لأمر جليل لا يحيط به نطاق البيان، وقوله: ) روي الخ)) ١ (أخرجه البخارفي ومسلم رحمهما الله تعالى عن سعيد بن المسيب عن أبيه. قوله:) وقيل لما افتتح مكة الخ) الصحيح في سبب النزول هو الأوّل، وهذا حديث ضعيف أخرجه الطبراني عن ابن عباس ﵄ فإن قيل موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة فكيف يتأتى جعل ما مرّ في الصحيحين سببا للنزول، قيل إنه لمجي! كان يستغفر له إلى حين نزولها فإنّ التشديد على الكفار، والنهي عن الدعاء لهم إنما ظهر بهذه السورة كما في التقريب واعتمده من بعده من الشراح ولا ينافيه قوله في الحديث فنزلت لامتداد استغفاره له إلى نزولها أو لأن الفاء للسببية بدون تعقيب، والأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد جبل بين مكة والمدينة وعنده بلدة تنسب إليه ومستعبراً بمعنى باكيا من العبرة بالفتح. قوله: (بأن ماتوا على الكفر الخ (خصه لأنه الواقع في سبب النزول، ومثله ما إذا علم بالوحي أنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون كما سيشير إليه في قصة إبراهيم ﵊، فلا اعتراض عليه كما توهم، وقوله:) وفيه دليل الخ الأنه إنما نهى عنه بعد تبين أنهم من أهل النار، وهو لا يقطع به في حق كل إحيائهم وطلب المغفرة يستلزم بطريق الاقتضاء إيمانهم، أو هو المراد منه فلا يقال إنه لا فائدة في طلب المغفرة للكافر، وقوله وبه دفع النقض يعني أنّ الآية تدل على أنه لا يصح ذلك وقد وقع من إبراهيم ﵊ لأبيه ووجه الدفع ظاهر. قوله:) وعدها إبراهيم ﵊ أباه الخ) أباه بفتح الهمزة وابىء الموحدة يعني أنّ فاعل وعد ضمير إبراهيم ﵊ واياه ضمير عائد على أبيه بدليل ما قرأه حماد الراوية والحسن وابن السميفع وابن نهيك ومعاذ القارىء كما في الدرّ المصون فإنهم قرؤوا أباه بالموحدة، وقوله: (منفرتك) أي مغفرة الله لك، وقوله: (بالتوفيق للإيمان) إشارة لما مرّ، ويجب بالجيم بمعنى يقطع ويمحو وهو عبارة الحديث ولا تنافيئ سبب النزول كما قيل لأنّ معنى الآية ما كان لكم الاستغفار بعد التبيين وأما فعل إبراهيم ﵊ فإنما كان في حياته وقبل النهي عنه فلا وجه لما قيل إنه يشكل قوله تعالى في سورة الممتحنة ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ٤] ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ٤] حيث منع من الاقتداء به فيه ولو كان في حياته لم يمنع منه لأنه يجوز الاستغفار بمعنى طلب الإيمان لأحيائهم لأنه إنما منع من الاقتداء بظاهره وظن أنه جائز مطلقا كما وقع لبعض الصحابة ﵃ وأما قوله في الكشاف على أنّ امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي لأنّ العقل يجوّز أن يغفر الله للكافر، ألإ٨ ترى إلى قوله ﵇ دعمه لأستغفرنّ لك ما لم أنه فلم يتعرّض له المصنف ﵀ لأنه لا يلائم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١٤ ا] كما ئيل لأنّ وعده بامتثال أمره يقتضي أنه كان قبل موته. قوله: (ويدلى عليه قراءة من قرأ أباه الخ) قد علمت أنها قراءة الحسن وأنه قرأ بها غير واحد من السلف، وإن كانت شاذة فلا التفات إلى ما قيل إنهم عدوها! حيفان وأنّ ابن المقنع صحف في القرآن ثلاثة أحرف فقرأ إياه أباه، وقرأ في عزة وشقاق في غرة بالمعجمة، وهو بالعين المهملة وقرأ شأن يغنيه يعنيه بفتح الياء وعين مهملة. قوله: (أو وعدها إبراهيم أبوه الأنه وعده أن يؤمن، وبهذا ظهر جواب آخر وهو أنه لما وعده الإيمان استغفر له بعد موته

стр. 1453

لاحتمال أنه أنجز وعده وآمن وهذه القراءة لا تنافي الأخرى لأنه وعده الإيمان فوعده أن يدعو له بالتوفيق لذلك، وقوله بأن مات الخ فمعنى عدوّ لله مستمرّ على عداوته والا فهو أوّلاً عدوّا لله لكفره والتبري قطع الوصلة وفسرها بقطع الاستغفار لمناسبة السياق له. قوله: (لكثير التأوّه وهو كناية عن الخ) أوّاه فعال للمبالغة من التأوّه، وقياس فعله أن يكون ثلاثيا لأنّ أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها منه، وحكى قطرب ﵀ له فعلا ثلاثيا فقال: يقال آه يؤه كقام يقوم أوها وأنكره عليه غيره، وقال: لا يقال إلا أوه وتأوّه قال المنقب العبدي: إذا ما قمت أرحلها بليل تأوّه آهة الرجل الحزين وقال الزمخشري: أوّاه فعال من أوّه كلأل من اللؤلؤ وتركه المصنف رحمه الله تعالى لما أورد عليه والتأوّه قول آه، ونحوه مما يقوله الحزين فلذا كني به عن الحزن ورقة القلب، وقوله: (والجملة) أي إن إبراهيم الخ والشكاسة الشدة وسوء الخلق. قوله: (ليسميهم ضلالأ الخ) ضلال بالضم والتشديد كجهال جمع ضال وإنما فسره به وان كان الإضلال خلق الضلال عندنا لظهوره، وأما تفسير الزمخشريّ فبناء على مذهبه لأنه قبل البيان والتكليف بالنهي عن الاستغفار لا يكونون مؤاخذين وضالين، فالمنايسب لما قبله أن يكون المعنى لا يستقيم من لطف الباري أن يذم المؤمنين، ويؤاخذهم وشمميهم ضلالأ حتى يبين لهم ما يتقون، وهو أنّ الاستغفار لمن مات مشركا غير جائز فإذا بين لهم ذلك ولم يتركوا الاستغفار فحينئذ يسميهم ضلالاً، ويذمّهم وليس هذا متابعة للزمخشرفي على الاعتزال كما بينه الطيبي ﵀. قوله: (حظر ما يجب اتقاؤه) حظر بالحاء المهملة والظاء المعجمة بمعنى منع، وهو إشارة إلى تقدير مضاف أو إلى أنّ المعنى المراد من بيان المحظور من حيث هو محظور بيان حظره والمراد نهيهم عنه، وقوله ﷺ لعمه هو لاستغفرنّ لك ما لم أنه وقوله: (في القبلة) أي ماتوا قبل تحويل القبلة وتحريم الخمر. قوله: (وفي الجملة دليل الخ) أي في جملة ما ذكر أو بالجملة وعلى كل حال، والغافل من لم يسمع النص، والدليل السمعي وهو مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة في قولهم إنه مخصوص بما لم يعلم بالعقل كما في الكشاف بناء على القبح والحسن العقلي، وقوله: (في الحالين) أي ال البيان وعدمه، وبشراشرهم بجملتهم وكليتهم جمع شرشرة بشيم معجمة وراء مهملة، وفيما يأتون ويذرون بمعنى ما يأتونه ويذرونه وسوا أي سوى الله، وقوله: (لمن استغفر) عطف على الرسول بزيادة التصريح باللام إذ هو في معنى بيان لعذر الرسول أو لعذر من استغفر أو هو عطف على بيان بتقدير بيان لمن استغفر، وقوله وجوب التبري عنهم رأسا قيل فيه نظر لأن المذكور فيه التبري عمن تبين أنه من أصحاب الجحيم. قوله: (من أذن المنافقين في التخلف الخ) يعني أنّ التوبة إمّا على ظاهرها فتقتضي ذنبا ولا مانع منه في حق غيره ﷺ فلذا لم يتعرض له، وفي حقه ﷺ المراد به ما ارتكبه من الأذن للمنافقين، وخلاف الأولى كقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ لهم أو هي مجاز عن البراءة من الذنب، والصون عنه فيكون استعارة لشبه البراءة عنه بعفوه في أنه لا مؤاخذة في كل منهما كما في قوله: (لينفر لك الله) فإنه بمعنى ليصونك عن ذلك، وقيل: المراد بالذنب على هذا ما يكون نقصا بالنسبة إلى الشخص أعمّ من ترك الأولى وفيه نظر، وعلقة بضم فسكون ما يتعلق به منه. قوله: (وقيل هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد الخ (أي حض وتحريض للناس كلهم على التوبة لأنّ كل أحد محتاج إليها حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع عصمتهم لترقيهم في المقامات فكلما وصلوا إلى مرتبة كان الوصول إليها بمنزل التوبة عما دونها فتكون التوبة استغفاره للصعود إلى المقامات وانتقالاً من العليّ إلى الأعلى في الخواص، وفي العوام من حضيض الذنوب إلى أوج التوبة المقربة لهم من العلي الأعلى والتحريض مأخوذ من إسناد التوبة إلى هؤلاء ووصفهم بها فإذا كانوا محتاجين إليها فما بالك بغيرهم فمغايرته لما قبله، واختصاصه بالبعث المذكور ظاهر كما إذا قلت خدم الوزير السلطان مخاطباً للعوام، فإنه يدل على تحريضهم على خدمته فاندفع ما قيل إنّ البعث والإظهار لا يتوقفان على هذا المعنى

стр. 1454

بل يحصلان على المعنيين الأوّلين فتخصيص تعليل حصول البعث بما ذكره من المعنى الغير المشهور محل كلام، وكذا ما قيل في دفعه إنه ليس وجهاً ثالثا بل بيان لفائدة الوجهين السابقين، وكيف لا وهو في الأوّلين خاص، وفي هذا عام وكون البعث موجودا فيهما لا يضرّ، وقوله: (١ لا وله مقام) أي مقام يمكنه الوصول إليه وان لم يكن مقاما له في الحال، وضمير دونه لمقام وهو لاحد وفيه لما، وقوله:) والترقي الخ) صريح فيما قرّرنا. قوله: (وإظهار لفضلها (أي لفضل التوبة فيكون المقصود بذكر الصفة مدحها نفسها لا مدح موصوفها كوصف الملائكة عليهم الصلاة والسلام بالإيمان والأنبياء ﷺ بالصلاج في بعض الآيات ذا لوصف للمدح كما يكون لمدح الموصوف يكون لمدح الصفة، وهذا من لطأور! البلاغة كما نصوا عليه وهو كما قال حسان رضي الله تعالى عنه: ما إن مدحت محمداً بمقالتي لكن مدحت مقالتي بمحمد وقد مرّ تفضيله. قوله:) في وقتها الخ) فيه إشارة إلى أنّ الساعة هنا بمعناها اللغوي، وهو مقدار من الزمان غير معين كما في قوله: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [سورة الروم، الآية: ٥٥] فليس من استعمال المقيد في المطلق كما قيل، وهي في عرف أهل الشرع يوم القيامة، وفي عرف المعدلين جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار كما في شرح البخاري، وضمير هي للعسرة بمعنى الشدة والضيق وجيش العسرة وغزوة العسرة، هي تبوك وتجهيز عثمان ﵁ مذكور في كتب الحديث، وقوله: (في عسرة الظهر) الظهر مجاز عما يركب تجوّز به عنه لأنه المقصود منه كالعين للربيئة أي كانوا في قلة من المركب، والاعتقاب ركوب جماعة نوبة نوبة والزاد والماء بالجرّ عطف على الظهر أي زادهم وماؤهم قليل، واللفظ بفتح الفاء وتشديد الظاء هنا ما يعتصر من كرس البعير والافتظاظ عصره، وفي أمالي القالي العرب كانوا إذا أرادوا توغل الفلوات التي لا ماء فيها سقوا الإبل على أتنم إظمائها، ثم قطعوا مثافرها أو خزموها لئلا ترعى فاذا احتاجوا إلى الماء افتظوا كروشها فشربوا ثميلها وهو كثير في الأشعار كقوله: وبهماء يشتاف الدليل ثرابها وليس بها إلا اليماني يخلف وقوله: الفظ) في بعض النسخ الفظظ وهو الظاهر. قوله: (عن الثبات على الإيمان) هو إما مجرّد همّ ووسوسة أو من ضعفائهم ومن حدث عهدهم بالإسلام، وقوله: أو اتباع الرسول ﷺ هو ما روي أنّ منهم من همّ بالانصراف من غير إذنه ﷺ . قوله: (وفي كاد ضمير الشأن أو ضمير القوم) قرأ حمزة يزيغ بالياء ففي كاد ضمير الشأنّ، وقلوب فاعل يزيغ والجملة خبرها وعليه حمله سيبويه ﵀ الآية، ولا يصح أن يكون قلوب اسم كاد ويزيغ الخبر لأنّ السرّ به حينئذ التقديم فيكون التقدير كاد قلوب يزيغ ولا يصح لتذكير الضمير في يزيغ وتأنيث ما يعود عليه، وضعفه أبو البقاء ﵀، واستشكل هذا بأنهم قالوا إنّ خبر أفعال القلوب لا يكون إلا مضارعاً رافعا اسمها، فبعضهم أطلقه وبعضهم قيده بغير عسى، ولا يكون سبباً وهذا بخلاف كان فإنّ خبرها يرفع الضمير والسببي وعلى هذا فإذا كان اسم كاد ضمير شأن ورفع الخبر لم يكن فاعله ضميراً عائدا على اسمها ولا سببيا له وقيل: لما كانت الجملة مفسرة لضمير الشان وهي هو في المعنى أغنى عن الضمير ألا ترى أن المبتدأ إذا كان ضمير شأن والجملة خبره لم يحتج لضمير يعود على المبتدأ، وقد ذكره ابن الصائغ ﵀ في شرح الجمل فقال: وجه ذلك أن المسند والمسند إليه في الحقيقة هو الجملة الواقعة بعد الضمير، وليس بخارج عما تقدم ولذلك يجوز ما كان زيد بقائم على أن يكون في كان ضمير الأمر، ويكون بقائم في موضع رفع خبر المبتدأ وأدخلت الباء عليه، وان لم يكن خبر كان صريحا في اللفظ لأنه الخبر في المعنى، وعلى ذلك تأوّل الفارسي ليس الطيب إلا المسك على أن في ليس ضمير الأمر، ودخلت الأعلى خبر المبتدا لأنه الخبر المنفي معنى، وعلى هذا لا وجه لتكلف أبي حيان ﵀ زيادة كاد، وقرأ الباقون تزيغ بالتاء فيحتمل أن يكون قلوب اسم كاد وتزيغ خبرها وفيه ضمير يعود على اسمها، قال أبو عليّ ﵀: ولا يجوز ذلك في عسى، وهذا مبنيّ على جوازه في مثل كاد يقوم زيد والصحيح المنع ويحتمل أن يكون اسم

стр. 1455

كاد ضميرا يعود على جمع المهاجرين والأنصار أي من بعد ما كاد الجمع وقدره ابن عطية ﵀ ما كاد القوم وضعف بأنه أضمر في كاد ضمير لا يعود إلا على متوهم وبأن خبر كاد يكون قد رفع سببياً، وقد تقدم أنه لا يرفع إلا ضميراً عائداً على اسمها، وذهب أبو حيان كما علمت إلى أن كاد زائدة، ومعناها مراد ككان ولا عمل لها في اسم ولا خبر ليخلص من الأشكال، ويؤيده قراءة ابن مسعود ﵁ من بعدما زاغت بإسقاط كاد وقد ذهب الكوفيون إلى زبادتها في نحو لم يكد مع إنها عاملة معمولة فهذا أولى، وقرأ أبي ﵁ من بعد ما كادت وقرأ الأعمش يزيغ بضم الياء. قوله: (وقرىء من بعد ما زاغت) هذا يستأنس به لما قيل إنها زائدة وجعل الضمير على هذه القراءة للمتخلفين سواء أكانوا من المنافقين أم لا كأبي لبابة ﵁ لوصفهم بالزيغ المحتمل لكونه عن الإيمان أو الإتباع، وأما على المشهورة فلم يوصفوا بالزيغ بل بالقرب منه فيشمل المتخلفين وغيرهم كما مرّ. قوله: (تكرير للتثيد وتنبيه الخ) فالضمير للمهاجرين والأنصار والنبي عتي! ، وقد تقدم أنه تاب عليهم فيكون تأكيداً له والتأكيد يجوز عطفه بثم كما صرح به النحاة وان كان كلام أهل المعاني يخالفه ظاهراً وسيأتي تحقيقه، والتنبيه على أنّ توبته في مقابلة ما قاسوه من الشدائد، وإنما جعله تنبيهاً لأنّ ما قبله يعيده إذ التعليق بالموصول يفيد علية الصفة. قوله: (أو المراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم) الكيدودة مصدر كاد كالكينونة، والبينونة أي تاب عليهم لكيدودتهم، وقربهم من الزيغ لأنه جرم محتاج إليهم فيكون مخصوصا ببعض من مضى وهم الفريق، والضمير راجع إليه حينئذ فلا يكون تكريراً لما سبق، ولكيدودتهم متعلق بتاب واللام للتعليل أو الاختصاص وعلى الثلاثة يحتمل عطفه على قوله على النبي وقوله عليهم وكلام المصنف ﵀ يحتمله، وقيل إن تاب مقدر هنا لتغاير توبتهم للتوبة السابقة وفيه نظر. قوله: (تخلفوا عن النزو الخ) أشار بتفسيره باللازم إلى أن المخلف كسلهم أو الشيطان، أو المراد خلف أمرهم أي أخر وهم المرجؤون فالإسناد إليهم إما مجاز أو بتقدير مضاف، وهو منقول عن السلف كما مرّ بتفصيله في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١٠٦] ومرارة بضم الميم وراءين مهملتين ابن الربغ العامري كما في مسلم وغيره، أنكره المحدثون وقالوا صوابه العمري نسبة لعمرو بن عوف، قاله البخاري وابن عبد البز ولا عبرة بقول القاضي عياض لا أعرف إلا العامري. قوله: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت (يجوز إذا أن تكون شرطية جوابها مقدر، وأن تكون ظرفية غا! ة لما قبلها، وقوله برحبها بضم الراء إشارة إلى أن ما مصدرية والباء للملابسة، وجعله مثلا لأنّ المكان الضيق لا يسع ولا يكون مقرا لأحد فالمراد مجازاً أنهم لم يقروا في الدنيا مع سعتهاكماقيل: كأن بلاد الله وهي فسيحة على الخائف المطلوب كفة حابل لاعراض الناس عنهم عدم مجالستهم ومحادثتهم لأمر النبيّ-لمج! هـ لهم بذلك. قوله: (قلوجمم من فرط الوحشة الخ) يعني ليس الأنفس هنا بمعنى الذوأت بل بمعنى القلوب مجازاً لأنّ ضام الذوات بها كما قيل المرء بأصغريه إذ الضيق، والسعة يوصف به القلوب دون الذواش، ومعنى ضيقها شدة غمها وحزنها كأنها لا تسع السرور لضيقها فهو استعارة في الفيق، مع التجوّز ويه ترق من ضيق الأرض! إلى ضيقهم في أنفسهم، وهو في غاية البلاغة وفسر الظن بالعلم لأنه المناسب لهم، وقوله: (من سخطه) بيان للمراد لأن الالتجاء فرار من سخطه، وذلك بالتوبة وطلب المغفرة. قوله: (بالتوفيق للتوبة الخ الما كان توبة الله بمعنى قبولى التوبة وقبول التوبة يقتضي تقدمها لم يفسره به ليلتئم مع قوله ليتوبوا والتوفيق للتوبة يتقدم عليها وعلة لها، فقوله بالتوفيق الخ تفسير للتوبة، ولو قال: وفقهم كان أظهر وقوله أو أنزل الخ جواب آخر فالمرإد به أنزل قبول توبتهم في القرآن وأعلمهم بها ليعدهم المؤمنون في جملة التائبين أو هو بمعناه المشهور، وقوله: (ليتوبوا) بمعنى ليستقيموا على التوبة ويستمرّوا عليها أو التوبة الثلأنية ليست هي القبولة، والمعنى قبل توبتهم ليتوبوا في المستقبل إذا صدرت منهم هفوة ولا

стр. 1456

يقنطوا من كرمه، وهذا هو المناسب لما ذكره في تفسير الثواب، في قوله ولو عاد الخ، وقد خبط من أدخله في كلام المصنف ﵀. قوله: (مع الصادقين الخ) الخطاب إن كان لمن آمزء من أهل الكتاب كما روي عن ابن عباس ﵄ فالمراد بالصادقين الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله ﷺ على الطاعة، وان كان عامّا فيراد الذين صدقوا في الدين نية وقولاً وعملاَ وان كان لمن تخلف وربط نفسه بالسواري فالمناسب أن يراد بالصادقين الثلاثة أي كونوا مثلهم في صدقهم وخلوص نيتهم والى هذه الوجوه الثلاثة أشار المصنف ﵀ وأيمانهم بفتح الهمزة جمع يمين وعهودهم عطف تفسير عليه، وقيل إنه جعل الخطاب عاما في الوجوه كلها، ولم يلتفت إلى ما مرّ من التفصيل الواقع في الكشاف لعدم القرينة عليه والوثوق بروايته فتأمّل. قوله: (ما كان لأهل المدينة) قيل خص أهل المدينة لقربهم منه، وعلمهم بخروجه وأنه خاص بالنبيئ ﷺ لا بغيره من الخلفاء لاًنّ النفير ليس بلازم ما لم يلم العدوّ، ولم يمكن دفعه بدونه وقد سبق ما نقلناه عن ابن بطال ﵀ من أنه كان واجبا عليهم لأنهم بايعوا عليه فتذكره، ووقع في نسخة بعد قوله عن رسول عخيرو عن حكمه فقبل قدره ليدخل ما عداه. قوله: (عبر عته بصبنة النفي للمبالغة) هو نهي بليغ لأنّ معناه لا ينبغي ولا يستقيم، ولا يصح وهو أبلغ من صريح النهي، واذ أنهوا عن أن يتخلفوا عته مجخ! وإن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه وجب عليهم أن يصحبوه! في البأساء والضرّاء وأن يلقوا أنفسهم ما يلقاه من الثدائد فيكونون مأمورين بذلك لأنّ النهي عن الشيء أمر بضده، والمعنى ما صح لهم ولا استقام أن يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن يكرهوا الشدائد لأنفسهم ولا يكرهوها له فإنه مستهجن جدا بل عليهم أن يعكسوا القضية، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى ما يشير إلى ذلك وهو قوله ويكابدوا أي يقاسوا. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ عداه بالباء وعن وقال الواحدي ﵀ يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي ترفعت، وفي النهاية رغبت بفلان عن هذا الأمر أي كرهته له ففيه مبالغة أيضا فتأمّله. قوله: (روي أن أبا خيثمة ﵁ بلغ بستانه الخ) (١ (أبو خيثمة من الأنصار أحد بني سالم بن الخزرج شهد أحدا وبقي اإلى أيام يزيد بن معاوية، وهذا الحديث رواه البيهقيّ من طريق أبي إسحاق، وقوله: (بلغ بستانه) أي أتاه ودخله بعد ما ذهب النبيّ ع! برو إلى غزوة تبوك، وقوله: (فرشت له) بفتح الفاء والراء وتشديد الثين من رش الماء على التراب إذا نثره عليه ليسكن ويبرد ويجوز أن يكون من الفرس وقوله: (بسطت حينئذ) تفسير له، والرطب معروف (وظل ظليل) تأكيد له من لفظه كليل أليل ومعنى يافع أي زاه نضيج حسن، والضج بفتح الضاد المعجمة وتشديد الحاء المهملة ضوء الشمس وحرها بلا ساتر منها، وقوله: (ظل ظليل الخ) بتقدير هذا، أو يكون أو إنهنا والحال أنّ رسول الله ﷺ على ما ذكر من مقاساة حرّ الشمس وبروزه للرّياح فهذا ليس بخير لإيثار النعيم والراحة على مقاساة ما يقاسي النيّ ﷺ والمؤمنون ﵃، (ورحل ناقتة) كمنع أو هو مشدد وضع عليها رحلها وهو ما يركب عليه كالسرج، وقوله ومرّ كالريح أي مرّ يسرع سيره وهو مثل في السرعة، ومد الطرف عبارة عن النظر وأصل الطرف تحريك الجفن ويطلق على العين، وقوله فإذا هي الفجائية ويزهاه السراب أي بالزاي المعجمة أي يرفع شخصه للناظر، والسراب ما يرى من شعشعة الشمس في وسط النهار كالآل. قوله: (كن أبا خيثمة) قال السهيلي ﵀ في الروض الأنف في الحديث كن أبا ذر وكن أبا خيثمة لفظه لفظا لأمر ومعناه الدعاء كما تقول أسلم أي سلمك الله انتهى، وكذا قال غيره من المتقدمين كالفارسيّ ﵀ وذكره المطرزي في قول الحريري كن أبا زيد وفي شعر ابن هلال: ومعذرقال الإله لحسنه كن فتنة للعالمين فكأنها ولم يزيدوا في بيانه على هذا وهو تركيب بديع غريب، ومعناه مساقه الله إلينا وجعله إيا. ليكون هو القادم علينا، فاقيم فيه العلة مقام المعلول في الجملة الدعائية الإنشائية على حد قوله في الحديث: " أبلي وأخلقي " (١)

стр. 1457

أي عمرك الله ومتعك بلباسك لتبلي وتخلق، وقولهم أسلم أي سلمك الله لتسلم، ثم لما أقيم مقامه أبقى مسندا إلى فاعله وان كان المطلوب منه هو الله، وهو قريب من قولهم لا أرينك ههنا أي لا تجلس حتى أراك، وهو تمثيل أو كناية، وفي شرح مسلم للنووي ﵀ قال ثعلب كن زيدا أي أنت زيد وقال عياض ﵀: الأشبه أن كن لتحقيق الوجود أي ليوجد هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهو الصواب وهو معنى قوله في البحر اللهمّ اجعله أبا خيثمة، واسمه عبد الله بن خيثمة وقيل مالك وليس في الصحابة رضوان الله عليهم من يكنى أبا خيثمة إلا هذا وعبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي انتهى، والحاصل أنه ﷺ طلب من الله وترجى أن يكون هو. قوله: (وفي لا يرغبوا يجوز النصب والجزم) النصب بعطفه على يتخلفوا المنصوب بأن واعادة لا لتذكير النفي، وتأكيده وهو نفي في معنى النهي البليغ والجزم بجعل لا ناهية فهو نهي صريح، وفي الكشاف روي أنّ ناسا من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله ﷺ منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به ﷺ كأبي ذر وأبي خيثمة ﵄، ثم قال: ومنهم من بقي ولم يلحق به ﷺ ، ومنهم الثلاثة قال كعب ﵁ لما قفل رسول الله ﷺ سلمت عليه فردّ علي كالمغضب بعد ما ذكرني، وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له يا رسول الله ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله (١ (ما أعلم، إلا فضلا واسلاما ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة فتنكر لنا الناس، ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد فلما مضت أربعون ليلة أمرنا رسول الله ﷺ أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع أبشر يا كعب بن مالك فحررت ساجدا، وكنت كما وصفني ربي : ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فإذا هو جال! في المسجد وحوله المسلمون فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني، وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة، وقال لي رسول الله ﷺ وهو يستنير استنارة القمر: " أبشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك " ثم تلا رسول الله ﷺ علينا الآية) ٢ (، قال النحرير ﵀ في شرحه هكذا وقع في الكتاب وقديماً كان يختلج في صدري أنه لا يحسن في الانتظام أن يقول النبيّ ﷺ في حقه ما قال فيقول معاذ الله، وهو تكذيب له فلا يليق به ثم يردّ على القائل كالمغضب، وينهي عن مكالمته حتى تبين لي من مطالعة الوسيط، وجامع الأصول أنه تصحيف وتحريف والصواب فقال معاذ والله بواو القسم يعني معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه صرّج بما ذكر مقسماً، وهذا مما لم يتنبه له أحد من الشراح والعجب العجاب من الفاضل الطيبي طيب الله ثراه مع غاية اطلاعه على كتب الحديث والتاريخ كيف لم يتنبه لهذا (قلت الا عجب ولا عجاب، ولا خطأ ولا صواب فإنّ القصة والحديث كما ذكر ولو نظر إلى جلالة المصنف وكثرة اطلاعه وطبق كلامه على الرواية المأثورة المشهورة وقرأ عبارته هكذا فقال معاذ آلله بتنوين معاذ ومد همزة الله فإنه كما يقال في القسم، والله يقال الله بالمد بمعناه قياسا مطرداً مشهورأ في الاستعمال على أنه رواه بالمعنى أو ظفر فيه برواية هكذا وهو كاصما أفتخر بواو ونحن نفتخر بمدة إن عليّ إلا الأصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، وأنا أعجب أيضاً ممن لم يأت بشيء هنا ثم تبجح، وافتخر فقال بعد ما ساق كلامه انظر إلى التبجح بهذه الجزئية التي مآلها إلى العثور على واو سقطت من الناسخ، ونقل ما ذكره من الوسيط وجامع الأصول مع أنه في الصحيحين فكيف بكتابنا هذا الذي حرّرنا فيه كل صشكلة وحللنا كل معضلة، وهذبنا الأحاديث وألفاظها ونقحنا تخريجها، وأتينا فيه بالعجب العجاب مما ضرب بينه وبين غيرنا الحجاب فلله درّ من قل لمن لايرى المعاصرشيئا ويرى للأوائل التقديما إق ذاك القديم كان جديداً وسيبقى هذا الجديد قديما وإنما نقلنا هذا مع طوله لتعلم أنه ليس كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة. قوله: (إشارة إلى ما دلّ عليه

стр. 1458

قوله ما كان) أي نهيهم عن التخلف عنه أو أمرهم باتباعه لما ذكروا لأمره مأخوذ مما قصد بالكلام ومن النهي لأنه أمر بضده كما مرّ، والمشايعة بالشين المعجمة والعين المهملة بمعنى متابعة، وعدم مفارقة شيعته وقوله شيء من العطش تفسير للظمأ بالقصر والمد وبهما قرئ، وشيء إشارة إلى أنه للتقليل، والإبهام المستفاد من التكثير أي قليل أو كثير، والمخمصة المجاعة أي الجوع من جوع البطن أي ضمورها. قوله: (لا يدوسون مكاناً) الموطئ يجوز فيه أن يكون اسم مكان ومصدراً ميميا والوطء إمّا بمعنى الدوس بالأقدام ونحوها، أو بمعنى الإيقاع والمحاربة كما في الحديث: " آخر وطأة وطئها الله بؤفي " (١ (وهو واد بالطائف وحمله المصنف ﵀ على معنى الدوس لأنه معناه الحقيقي وجعله اسم مكان لأنه الأشهر الأظهر ففاعل يغيظ ضميره بتقدير مضاف، أي وطؤه لأنّ المكان نفسه لا يغيظ أو ضمير عائد إلى الوطء الذي في ضمنه، وفسر الغيظ بالغضب، وفي نسخة يغيظهم وسيأتي تحقيق الغيظ في سورة تبارك، وأعلم أن خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها ووت أنه-! يرو خرج وهو محتضن أحد ابني بنته ﵁، وهو يقول: " إنكم تبخلون وتجبنون، وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بؤفي " (٢ (وقد خفي على كثير وجه مناسبة آخر الحديث لأوّله، وتوضيحه أنّ معنى تبخلون وتجبنون أنّ محبة الأولاد تحمل على البخل ليخلف المال لهم، وعلى الجبن لخوف ضياعهم إذا قتل، ولما كان قوله ﷺ : " آخر وطأة " أي آخر وقعة وحرب لي هذه لأنّ غزوة الطائف آخر غزواته ىسي! ، وتبوك وان كانت بعدها لم يكن بها قتال كناية عن قرب أجله لأنّ تمام المصالح يؤذن بالرحيل، فالمعنى أنهم ريحان الله يحى بهم عباده فحبهم أمر طبيعي يعسر معه فراقهم، واني مفارقهم عن قريب أو محبتهم تدعو إلى الجبن وترك القتال، وقد انقضى القتال فتأمّل والنيل مصدر نال نيلاً وقيل هو مصدر نلته أنوله نولاً ونوالاً فأبدلت الواو ياء حكاه الطبري فإبداله على خلاف القياس. قوله: (كالقنل والأسر الخ) أي لا يأخذون، وينالون شيئا ونيلاً إما مصدر فالمفعول به محذوف أو بمعنى المأخوذ فهو مفعول وتفسيره بالمصدر مشعر بالأوّل، وقوله به وحد الضمير لعوده لجميع ما قبله لتأويله بذلك المذكور أو هو عائد على كل واحد منها على البدل قال النسفي وحد الضمير لأنه لما تكرّرت لا صار كل واحد منها مفردا بالذكر مقصودا بالوعد، ولذا قال فقهاؤها لو حلف لا يأكل خبزاً ولا لحما حنث بواحد منهما ولو حلف لا يأكل خبزا ولحما لم يحنث إلا بالجمع بينهما، وقوله: (استوجبوا به الثواب) أي استحقوه استحقاقا لازما بمقتضى وعده تعالى لا بالوجوب عليه، وإنما أوّل العمل بالثواب لأنه المقصود من كتابة الأعمال فهو بتقدير مضاف أو بجعله كناية عما ذكر. قوله: (وذلك مما يوجب الخ) المتابعة بمثناة فوقية وموحدة أي اتباعه وعدم التخلف عنه، والذي في أكثر النسخ المشايعة بشين معجمة ومثناة تحتية وهو بمعناه وهو الذي في الكشاف. قوله: (على إحسانهم الخ) هذا من التعليق بالمشتق وكونه تعليلا لكتب، بمعنى أنهم استوجبوه لأنه لا يضيع الخ، والتنبيه من وضع المحسنبن مكان المجاهدين والسعي في تكميلهم لأنه يقصد به أن يسلموا كضرب المجنون، وعلاقة السوط بكسر العين لأنها تكسر في الحسيات وتفتح في المعاني كعلاقة الحب، وذكر الكبيرة بعد الصغيرة وان علم من الثواب على الأولى الثواب على الثانية لأنّ المقصود التعميم لا خصوص المذكور إذ المعنى لا ينقصون شيئاً ما فلا يتوهم إنّ الظاهر العكس، وانفاق عثمان ﵁ في جيس العسرة ألف دينار، قيل وألف محمل أعان به المسلمين. قوله: (في مسيرهم) أي سيرهم للغزو، ومنفرج بضم الميم وبفتح الراء اسم مكان بمعنى ما انعطف يمنة أو يسرة لأنه منخفض بين جبال يجري فيه سيولها، وهو منعطف في أكثر وأصل الوادي اسم فاعل من ودي بمعنى سال فهو السيل نفسه، ثم شاع في محله، ثم صار حقيقة في مطلق الأرض وجمعه أو دية كناد بمعنى مجلس جمعه أندية، وناج جمعه أنجية ولا رابع لها في كلام العرب. قوله:) أثبت لهم الخ) جعل الكتابة مجازا أو كناية عن لازم معناه وهو الإثبات ولو حمل على حقيقته أي كتبه في الصحف أو اللوح صح أيضا، ولم يفسره باستوجبوا كما مرّ لأنه أنسب بقوله ليجزيهم الله والضمير للمذكور كما مرّ، وإليه أشار

стр. 1459

المصنف ﵀ بقوله ذلك أو لكل واحد كما عرفت، وجعله للعمل تكلف محوج إلى تقدير لأنه صفة لما قبله في المعنى وفصل هذا وأخره لأنه أهون مما قبله. قوله: (جزاء أحسن أعمالهم الخ) قال أبو حيان ﵀ التقدير أحسن جزاء الذي كانو! يعملون لأنّ عملهم له جزاء حسن، وأحسن فجعله أحسن جزاء فانتصاب أحسن على المصدرية لإضافته إلى مصدر محذوف وهو الوجه الثاني في كلام المصنف ﵀، وقال الإمام فيه وجهان الأوّل أنّ أحسن صفة عملهم، وفيه الواجب والمندوب والمباح فهو يجزيهم على الأوّلين دون الأخير قيل، وعلى هذا يحتمل أن يكون بدل اشتمال من ضمير يجزيهم، وأورد عليه أنه ناء عن المقام مع قلة فائدته لأنّ حاصله أنه تعالى يجزيهم على الواجب، والمندوب وأنّ ما ذكر منه ولا يخفى ركاكته وأنه غير خفي على أحد، وقد يقال إنه كناية عن العفو عما فرط منهم في خلاله إن وقع لأنّ تخصيص الجزاء به يشعر بأنه لا يجازي على غيره، ثم قال الثاني أنّ اً حسن صفة لجزاء أي ليجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأفضل وهو الثواب، وقيل عليه إنه إذا كان أحسن صفة لجزاء كيف يضاف إلى الأعمال وليس بعضا منها، وكيف يفضل عليه بدون من ولا وجه لدفعه بأنّ أصله مما كانوا الخ فحذفت من مع بقاء المعنى على حاله كما قيل إذ لا محصل له، وقوله: (جزاء أحسن أعمالهم) قيل يحتمل أن يكون جزاء منوّناً منصوباً على المصدرية وأحسن مفعوله، وهو مضاف لما بعده والمقصود تقدير العامل الناصب لأحسن لأنّ الفعل نصب الضمير فلا ينصب مفعولاً آخر إلا أن يجعل بدلاً كما مرّ، والمراد بجزاء أحسن الأعمال أحسن جزاء الأعمال، وليس المراد أحسن هذه الأعمال المذكورة حتى يقتضي أنّ الجزاء على بعضها، ويحتمل إضافة جزاء لمعموله، وهو أحسن وهو كالأوّل في المعنى لكنه كان مجرورا فلما حذف انتصب وهذا ثاني وجهي الإمام (أقول) هذا مما لا وجه له، فإنّ المصدر الواقع مفعولاً مطلقا لا يعمل خصوصاً في غير ما عمل فيه فعله فلا يصح ضربت زيداً ضربا عمراً ولا يخفى ركاكته، فالظاهر أنه مضاف، وأنه لما حذف قام المضاف إليه مقامه فانتصب على المصدرية في الوجهين والمعنى أنه يجازيهم على أعمالهم بإضعافها كجزائه على الأحسن وقال السفاقسي: أحسن يحتمل أن يكون بدلاً من ضمير ليجزيهم بدل اشتمال أي ليجزي الله أحسن أفعالهم بالأحسن من الجزاء أو بما شاء، ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي ليجزيهم الله جزاء أحسن أفعالهم اهـ. قوله: (وما استقام لهم أن ينفروا جميعاً الخ) في هذه الآية وجهان مبنيان على كونها متعلقة بما قبلها من أمر الجهاد أو منقطعة لا تختص به أو لبيان طلب العلم فانه فريضة على كل مسلم، والثاني أوفق بصريح النظم فلذا قدمه المصنف ﵀، والمعنى لا يستقيم لهم أن يخرجرا جميعا لطلب العلم كالغزو لأنه تعالى لم بين وجوب الهجرة والجهاد وكل منهما سفر لعبادة فبعد ما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر، وهو الهجرة لطلب العلم فيكون النفر والخروج لطلب العلم ولكن المصنف رحمه الله تعالى عمم فيه لبيان أنّ حكمهما واحد فيلتئم بما قبله كالوجه الثاني وقوله: (فإنه يخل بأمر المعاس) تعليل لقوله أن ينفروا وترك الآخر لظهوره، وهو الأثم ويصح أن يكون تعليلاً لهما فإنّ في ترك غلبة العدوّ غلبتهم المخلة بالمعاس أيضا، والثاني وهو الذي أشار إليه بقوله، وقد قيل الآتي أنه لما شدد على المتخلفين قالوا لا يتخلف منا أحد عن جش أو سرية فلما فعلوا ذلك حتى بقي النبيّ ﷺ وحده نزلت، فقيل لهم لا تنفروا جميعا للقتال ولتقم طائفة معه لتعلم الدين، وتفهم ما صدر عنه ﷺ فإذا رجع المجاهدون أفادوهم ما سمعوا منه ﷺ ، وهذا مرويّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قيل: فعلى هذا لا بد في الآية من إضمار والتقدير فلولا نفر من كل فرقة طائفة وأقامت طائفة ليتفقه المقيمون، ولينذروا قومهم النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم، وردّ بأنه لا حاجة إلى ا! لتقدير إذ يفهم الفرق من قوله: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) فإنّ الفرق إذا نفر من كل منها طائفة لزم أن تبقى طائفة أخرى فضمير ليتفقهوا يرجع إلى الفرق البانية المفهومة من الكلام وسيأتي ما فيه. قوله: (فهلا نفر من كل جماعة كثيرة الخ) يعني لولا هنا

стр. 1460

تحضيضية لا امتناعية وهي مع الماضي تفيد التوبيخ على ترك الفعل، ومع المضارع تفيد طلبه والأمر به لكن اللوم على الترك فيما يمكن تلافيه، قد يفيد الأمر به في المستقبل، ولذا قيل إنّ الآية تدل على وجوب طلب العلم لا لما قيل إنّ التوبيخ على الترك يقتضي الوجوب، وكون الفرقة كثيرة والطائفة قليلة في الآية مأخوذ من السياق، ومن التبعيضية لأنّ البعض في الغالب أقل من الباقي فلا يرد ما قيل إن الفرقة، والطائفة بمعنى في اللغة فلا يدلّ النظم على ما ذكر، وادعاء الفرق ودلالة النظم عليه وأنّ أهل اللغة لا يبالون بالتعريف بالأعم يحتاج إلى نقل. قوله: (ليتكلفوا الفقاهة فيه الخ) إشارة إلى أنّ صيغة التفعل للتكلف، وليس المراد به معناه المتبادر بل مقاساة الثدة في طلبه لصعوبته، وأنه لا يحصل بدون جد وجهد فقوله ويتجشموا أي يرتكبوها عطف تفسير لما قبله. قوله: (وليجعلوا غاية سعيهم الخ الما كان الظاهر ليتفقهرا في الدين، وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون، وقد وضع موضع التعليم الإنذار وموضع يفقهون يحذرون آذن بالغرض! منه وهو اكتساب خشية الله، والحذر من بأسه قال الغزالي ﵀: كان اسم الفقه في العصر الأوّل اسم لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدة الأعمال والإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب ويدل عليه هذه الآية، وإنما عبر بالغاية لأنّ علة النفر التفقه لكن التفقه لما كانت علته الإنذار كان علة لعلته فهو غاية له إذ علة العلة علة، وهي علة غائية لأنها إنما تحصل بعد ذلك. قوله: (وتخصيصه بالذكر الخ) يعني المقصود منه الإرشاد الشامل لتعليم السنن، والآداب والواجبات والمباحات ولا شك أن الإنذار أخص منه، فما قيل من إنهما متلازمان، وذكر أحدهما مغن عن الآخر غفلة أو تغافل وكذا ما قيل إن غايته تكميل النفس علماً وعملاً فهو مع دخوله في قوله ليتفقهوا إنما سكت عنه لأنه معلوم بالطريق الأولى مع أنه صرّج به في قوله يستقيم، ويقيم ودلالته على فرضيته بالأمر، وأنه فرض كفاية حيث أمر به طائفة منهم لا على التعيين والتذكير الوعظ. قوله: (وأنه ينبني أن يكون غر ضالمتعلم الخ) قيل بل يجب، وهذا لم يدر أن ينبغي تستعمل للوجوب، والترفع طلب الرفعة والعلو والتبسط السعة والبسطة في الجاه والرزق. قوله: (إرادة أن يحذروا) يعني لعل تعليل للإنذار فالترجي كناية عن إرادتهم لأنّ المترجي مراد، والترجي من الله قيل إنه مجاز عن الطلب، وقيل ظاهره أنّ الإرادة من المنذرين على أن لعل متعلق بقوله لينذروا قومهم، وحي! عذ لا يبقى في الآية دليل على حجية خبر الواحد لابتنائها على أنّ الله تعالى أوجب الحذر بقول الطائفة وسياتي ما يدفعه. قوله: (واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة الخ) قال الجصاص في الأحكام في الآية دلالة على لزوم خبر الواحد في أمور الديانات التي لا تلزم العامّة ولا تعم الحاجة إليها وذلك لأنّ الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحوى الدلالة عليه من وجهين أحدهما أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذارا، والثاني أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة لأنّ معنى قوله لعلهم يحذرون ليحذروا وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد لأنّ الطائفة تقع على الواحد فدلالثها ظاهرة فإن كان التأويل ما روي عن ابن عباس ﵄ فالطائفة النافرة إنما تنفر من المدينة، والتي تنفقه هي القاعدة بحضرة الرسول ىلمجيح فدلالتها أيضا قائمة لأنّ النافرة إذا رجعت أنذرتها التي لم تنفر، وأخبرتها بالأحكام فهي تدلّ على لزوم قبول خبر الوأحد القاعد بالمدينة مع كون النبيّ ﷺ بها لإيجابها الحذر على السامعين بنذارة القاعدين، فقد علمت أن في الاستدلال بالآية على حجينه ووجوب العمل به طريقين، وكلام المصنف ﵀ على الطريقة الأولى فسقط الاعتراض! بأنه مبنيّ على أن الترجي من لله وأنه إيجاب وهو غير متعين هنا. قوله: (يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية الخ) قيد الثلاثة بالتفرد ليفيد مطلوبه، وأورد عليه أنه فسر الفرقة آنفاً بالجماعة الكثيرة كالقبيلة، وأهل البلدة وكلامه هذا لا يلائمه ظاهرا ولا يخفى أن كاف التشبيه تة تضي عدم الحصر، ولذا قال ظاهرا، ثم إن تقريره مبنيّ على أن الطائفة تقع على الواحد وسيأتي في سورة النور

стр. 1461

ما ذكره من أن أقلها ثلاثة فبين كلاميه تعارض وسيأتي تفصيله، ولإرادة الواحد من الطائفة قال لتندر بالإفراد ويتذكروا بالجمع كما صححوه هنا لكن وقع في نسخة ولينذروا، وقوله: (ليحذروا الا دخل له في الاستدلال قيل ولم يقيد بقوله واحدا أو اثنين كما قالوا في تقرير ألاستدلال لتعينه من كون الطائفة النافرة بعضاً من الفرقة مع أن الاستدلال لا يتوقف عليه لأنّ المقصود عدم بلوغها إلى حد التواتر، وقوله فرقتها أي الباقية. قوله:) وقد قيل للآية معنى آخر) قد مرّ تقريره، وظاهره أن الاستدلال إنما هو على القول الأوّل وقد عرفت أنه جار عليهما كما نقلنا ذلك عن كتاب الأحكام، وهذا القول قول ابن عباس ﵄. قوله: (سبق المؤمنون إلى النفير الخ الأنهم كانوا لعاهدوا أن لا يتخلف أحد منهم عن جيش أو سرية كما مرّ وانقطاعهم عن التفقه لنزول الوحي، وحدوث الشرائع والأحكام في كل زمان، وقوله الجهاد ا! بر فسر كونه جهاداً أكبر بأنه هو الأصل يعني المطلوب من الجهاد إظهار الدين، وتنوير حججه والجهاد الأكبر يستعملونه بمعنى مجاهدة النفس لأنها أعظم عدوّ وأقوى خصم. قوله: (فيكون الضمير في ليتفقهوا الخ) قد مرّ ما قيل إنه لا بد على هذا من إضمار وتقدير أي نفر من كل فرقة طائفة وأقامت طائفة ليتفقهوا الخ ورده بأنه لا حاجة إليه، والضمير يعود إلى ما يفهم منه إذ يلزم من نفر طائفة بقاء أخرى، وقيل عليه انتظام الكلام يقتضي الإضمار إذ لولاه أفاد إن نفور الطوائف للتفقه وليس كذلك فإن أراد أنه بحسب الظاهر والمتبادر لم يلزم الإضمار، وإن أراد أنه لا يصح تعلقه به على أنه قيد وتعليل لمفهومه فلا وجه له. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ أي الذين يقربون منكم قربا مكانيا لا قربا نسبيا كما قيل وإنما خص الأمر بهم مع قولهم في أوّل السورة اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وتوله وقاتلوا المشركين، ولذا روي عن الحسن ﵀ أن هذه الآية منسوخة بما ذكر لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع المشركين، وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك الأقرب الاشتغال بقتال الأبعد لا يؤمن معه من هجوم على الذراري والضعفاء، والبلاد إذا خلت من المجاهدين وأيضاً الأبعد لا حد له بخلاف الأترب فلا يؤمر به وقد لا يمكن قتال الأبعد قبل قتال الأقرب قال الإمام ﵀: إنما لم يقولوا بالنسخ لكون ترتيب نزول الآيتين على عكس ما قاله الحسن رحمه الله تعالى، ومن قال: لا حاجة إلى هذا في نفس النسخ لم يفهم مراده ثم إنه قال: قوله: ﴿يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ ظاهر في القرب المكاني، وقيل إنه عامّ له وللقرب النسبي، وقيل إنه خاص بالنسبي لأنها نزلت لما تحرج الناس من قتل أقربائهم ولا يخفى ضعفه، ولا إشعار في كلام المصنف ﵀ به كما توهمه هذا القائل لأنّ مراده أنه أمر أوّلاً بإنذار عشيرته! لأنه كان بين أظهرهم فوجب عليه إنذار الأقرب فالأقرب قبل الأمر بالقتال، ثم بعد الأمر به كان على ذلك الترتيب أيضاً والذي غره قوله أحق بالشفقة فتدبر. قوله: (وقيل هم يهود الخ (قيل يرده كون السورة آخر ما نزل وفيه نظر. قوله: (وليجدوا فيكم غلظة) قالوا إنها كلمة جامعة للجراءة والصبر على القتال وشدة العداوة، والعنف في القتل والأسر وظاهرها أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين غلظة والمقصود أمر المؤمنين رضي الله تعالى عنهم بالاتصاف بصفات كالصبر وما معه حتى يجدهم الكفار متصفين بها فهي على حد قولهم لا أرينك هاهنا كما مرّ تحقيقه، والغلظة ضد الرقة مثلثة الغين وبها قرئ لكن السبعة على الكسر، وقوله: (بالحراسة والإعانة) لأنه مع كل أحد، ولكن هذه معية خاصة وهو تأكيد وتعليل لما قبله، وقوله: (على إضمار فعل الخ (ويصير مؤخراً لأن الاستفهام له الصدر. قوله: (بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة الخ) لما دلت الآية على زيادة الإيمان بما ذكر، والمسألة مشهورة فمن قال بدخول الأعمال فيه فزيادته عنده ظاهرة، ومن لم يقل به ذهب إلى أنّ زيادته بزيادة متعلقه والمؤمن به وقيل التحقيق أن التصديق في نفسه يقبل الزيادة والنقص والثدة والضعف وليس إيماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة ﵃ كإيمان* غيرهم، ولهذا قال عليّ كرم الله وجهه ورضي عنه

стр. 1462

لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً فقوله بزيادة العلم الخ إشارة إلى قبوله الزيادة في نفسه، وقوله وانضمام الخ إشارة إلى زيادته باعتبار متعلقه، وترك القول الآخر لشهرته، وقد ذكره في أوّل سورة الأنثنال، وقوله: (سبب لزيادة كمالهم) بالعمل بما فيها والإيمان بها، وقوله: (مضموماً) إشارة إلى تضمين الزيادة معنى الضم، ولذا عدى بإلى وقد قيل إلى بمعنى مع ولا حاجة إليه، وقوله: (واستحكم ذلك) أي الكفر بسبب الزيادة. قوله: (أو لا يرون الخ) كون الواو عاطفة على مقدر أو على ما قبلها الكلام فيه معروف، وقد تقدم تحقيقه، وقوله يبتلون بأصناف البليات تفسير للفتنة فإن لها معاني منها البلية والعذاب، وابتلاؤهم لو كانوا أصحاب بصر وبصيرة بردّهم عما هم عليه، وقوله: (أو بالجهاد) فالفتنة بمعنى الاختبار أي يختبرون بظهور ذلك ولم يحمل على الافتضاح لعدم ملايمته للمقام، وقوله لا ينتهون أي عما هم عليه من الاستهزاء أو عن النفاق لأنّ التوبة تستلزم ما ذكر. قوله: (تنامزوا بالعيون الخ) فسر النظر بالتغامز بقرينة الحال لكنه قيل دلالة التغامز على الغيظ غير ظاهرة ولا معهودة وفيه نظر والسورة على الأوّل مطلقة وعلى الثاني مقيدة بسورة فيها ذكر عيوبهم، وقوله: (يقولون (يعني لا بد من تقدير القول فيه ليرتبط الكلام وجملته حالية أو مستأنفة. قوله: (هل يراكم من أحد الخ) قيل معناه هل يراكم من أحد لما تغامزتم فتفضحوا، وقوله حضرة الرسول ﷺ إما بمعنى حضوره ومجلسه، أو المراد عن الرسول ﷺ وأقحمت الحضرة للتعظيم كما هو معروف في الاستعمال ومخافة الفضيحة بغلبة الضحك أو بالاطلاع على تغامزهم وهذا على التفسير الأوّل، وأما على الثاني فانصرافهم بسبب الغيظ، وقيل معنى انصرفوا انصرافهم عن الهداية. قوله:) يحتمل الإخبار والدعاء) والجارّ والمجرور متعلق به على الأوّل، وبانصرفوا على الثاني، ورجح الثاني واقتصر عليه في الكشاف، وقوله لسوء فهمهم يعني أنه إما بيان لحماقتهم أو لغفلتهم، وعدم تدبرهم. قوله: (من جنسكم عربي مثلكم) يحتملأ أنه تقدير معنى أو تقدير مضاف أي من جنس العرب، وهو امتنان عليهم لأنهم يعرفونهم والجنس آلف لجنسه، ويفهمون كلامه، وقيل: المراد من جنس البشر كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ ، [سورة الأنعام، الآية: ٩] وقرئ أنفس أفعل تفضيل من النفاسة والمراد الشرف، وقوله شديد شاق من عز عليه بمعنى صعب، وقوله عنتكم إشارة إلى أن ما مصدرية والمصدر فاعل عزيز والعنت بالتحريك ما يكره ويشق، وقيل عزيز صفة رسول وعليه ما عنتم ابتداء كلام أي يهمه، ويشق عليه عنتكم. قوله: (أي على إيمانكم وصلاح شأنكم (قدر المضاف لأن الحرص لا يتعلق بذواتهم وأما تعلقه برؤوف رحيم على التنازع كما قيل فلا وجه له، وقوله قدم الأبلغ يعني كان الظاهر في الإثبات الترقي، وقد عكس رعاية للفواصل أي لمناسبة الفواصل المراعى في القرآن، ولذا لم يقل الفاصلة، وهذا بناء على أن الرأفة أشذ الرحمة وقد مرّ ردّه بأنّ الرأفة الشفقة والرحمة الإحسان بدليل أنها قدمت في غير الفواصل كقوله: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [سورة الحديد، الآية: ٢٧] ابتدعوها. قوله: (فإنه يكفيك معرتهم الخ) المعرة الأمر المكروه، والأذى مفعلة من العرّ أي الحرب وهذا تعليل للأمر والاكتفاء بالله ولا إله إلا هو كالدليل عليه لأنّ المتوحد بالألوهية هو الكافي المعين، وفسر العرس بالملك وهو أحد معانيه كما في القاموس، ثم ثنى بمعناه المعروف، وهو فلك الأفلاك المحيط بالعالم، وهو أحد معانيه كما ذكره الراغب، وقوله: تنزل الخ إشارة إلى حسن الختام، لما سبق من الأحكام، والرفع على أنه صفة الرب. قوله: (وعن أبر وضي الله تعالى عنه الخ (أخرجه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وقوله آخر ما نزل الخ يعارضه ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ أسورة النساء، الآية: ١٧٦] وآخر سورة نزلت براءة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨١] وكان بينها وبين موته ﷺ ثمانون يوما، وقيل تسع ليال وحاول بعضهم التوفيق بين هذه الروايات بما لا يخلو عن كدر، وفي هذه الآية إشكال مشهور في كتب الحديث. قوله: (ما نزل القرآن الخ) (١ (أخرجه الثعلبي ﵀ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال العراقي رحمه الله تعالى، وهو منكر جدّاً، وقال الطيبي رحمه الله تعالى المراد بالحرف الطرف منه، والجملة سواء

стр. 1463

كانت آية أو أقل أو أكثر مما دون السورة، وهو مخالف لما مرّ في آخر سورة الأنعام، ولما صرّحوا به من أنها لم تنزل جملة (تتم) ما علقناه على سورة التوبة، اللهم يسر لنا الإتمام ببركة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام، والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده سيدنا ومولانا محمد ىلمج! ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرّيته وأهل بيته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين آمين تم. تم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس أوّله سورة يونس.

стр. 1464

سورة يونس ﵇ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية) أي قولاً واحداً عند الدانيّ رحمه الله تعالى، وقيل في بعض آياتها أنها مدنية على اختلاف في ذلك أيضا، والمناسبة أنّ خاتمة السورة قبلها بذكر الرسول ﷺ وابتداء هذه به وقوله: (مائة وتسع آيات) قال الداني في كتاب العدد وهي مائة وعشر آيات في الشامي - شسع في غيره، وقوله: (فخمها) أي لم يملها لأن التفخيم يطلق على ما يقابل الترقيق، وما يقابل الإمالة والممال هنا ألف را لأنه قرئ فيها بالإمالة وتركها على ما تقرر في علم القراآت، وقوله إجراء لألف الراء مجرى المنقلبة عن الياء بيان لوجه الإمالة. وهو أن الألف المنقلبة عن الياء تمال تنبيهاً على أصلها ولما كانت هذه الكلمة اسما والأسماء لا يكون فيها الألف أصلية إلا نادراً أجروها مجرى ما أصله الياء لكثرته وخفته وعاملوها معاملته فأمالوها ولئلا يتوهم أنها حرف. قوله: (١ شارة إلى ما تضمنته السورة أو القرآن الخ (جوّ. في الإشارة أن تكون لآيات هذه السورة، وأن تكون لآيات القرآن وفي الكتاب أن يراد به السورة وأن يراد القرآن فصارت صوره أربعاً إحداها الإشارة إلى آيات القرآن، والكتاب بمعنى السورة ولا يصح إلا بتخصيص آيات وتأويل بعيد وثانيتها عكسه ولا محذور فيه، والأخريان مرجع إفادتهما إلى كونه حكيما، وجوّز الإشارة إلى الآيات لكونها في حكم الحاضر وان لم يسبق ذكرها كما يقال في الصكوك هذا ما اشترى فلان، وأوثر لفظ تلك للتعظيم، وكونه في حكم الغائب من وجه، وخالف فيما ذكر الكشاف فإنه لم يحمل الكتاب على القرآن، ووجه بأنه تركه لأن الظاهر من قولنا هذه الآيات آيات القرآن أنها جميع آياته لإفادة الجمع المضاف إلى المعرفة الاستغراق، وهذا وارد على المصنف ﵀ لو سلم لكنه قيل إنه ممنوع مع أنه إنما يفيد بطلان صورة واحدة من الثلاث فتأمّل. قوله: (ووصفه بالحكيم لاشتماله على الحكم) فيراد بالحكيم ذو الحكمة إمّا على أنه للنسبة كلابن وتامر أو يشبه الكتاب بإنسان

стр. 1465

ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكتابة، واثبات الحكمة قرينة لها تخييلية، والحكمة، وهي الحق والصواب صفة لله لكنه لإشتماله عليها أو لمشابهته للناطق بها وصف بها. قوله: (أو لأنه كلام حكيم) فالمعنى حكيم قائلة فالتجوّز في الإسناد كليله قائم، ونهاره صائم. قوله: (أو محكم آياته لم ينخ شيء منها) أي بكتاب آخر لمنافاته لما سيأتي، وهو عطف بحسب المعنى على ما قبله لأنه في قوّة لأنه مشتمل ففعيل بمعنى مفعل على ما فيه، وهذأ بناء على أنّ المراد بالكتاب السورة وأنه لا منسوخ فيها، والمحكم يقع في مقابلة المتشابه، وفي مقابلة المنسوخ، وكونه إشارة إلى الكتب المتقدّمة من التوراة والإنجيل، والزبور كما قيل بعيد، ولذا تركه المصنف ﵀. قوله: (استفهام إنكار للتعجب) في الكشاف الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه أي لإنكار تعجب الكفار من الإيحاء كما سيذكره والتعجيب السامعين من تعجبهم لوقوعه في غير محله فإن كان مراد المصنف ﵀ ما ذكره الزمخشري فلام للتعجب صلة الإنكار وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون صفة أي إنكار كائن للتعجب أي لبيان أنه مما يتعجب منه إذ التعجب لا يجري عليه تعالى والجزم بأنه تعريض للزمخشري ومخالفة له دعوى من غير دليل، وتقديم خبر كان لأنه مصبّ الإنكار. قوله: (وقرئ بالرفع) أي برفع عجب على أنه اسم كان وهو نكرة و ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ المعرفة خبره ومن ذهب إلى أنه لا ينبغي الحمل عليه جعل كان تامّة و ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ بدل منه بدل كل من كل أو اشتمال أو بتقدير حرف جرّ أي لأنّ أوحينا أو من أن أوحينا. وهو أظهر من البدلية، وقول المصنف ﵀ على أنّ الأمر بالعكس أي عكس المعروف في كلام العرب، وهو الإخبار عن المعرفة بالنكرة فيكون هذا ذهابا إلى جوازه مطلقا أو في باب النواسخ مطلقا أو إذا كانت مدخولة للنفي أو ما هو في حكمه كالاستفهام الإنكارقي على ما فصله النحرير في شرح التلخيص، ويحتمل أن يريد بالعكس القلب إمّا على قبوله مطلقا أو إذا تضمن لطيفة فإن وجدت قبل إلا عدل عنه إلى الوجوه الأخر فإن قلت هنا وجه أظهر، وهو أنّ للناس خبر كان وعليه اقتصر في اللوامح فلم تركوه قلت تركوه لأنه ركيك معنى لأنه يفيد إنكار صدوره من الناس لا مطلقا، وفيه ركاكة ظاهرة فتأمّل. قوله:) واللام للدلالة على أنهم الخ) يعني ليس متعلقاً به على طريق المفعولية كقوله: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها لأنّ معمول المصدر لا يتقدم عله بل هي للبيان كما في هيت لك وسقيا لك فمتعلقها مقدّر، ومنهم من جوّزه بناء على التسمح في الظرف أو لأنه بمعنى المعجب والمصدر إذا كان بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معموله عليه كما ذكره النحاة، وجوّز أيضا تعلقه بكان، وإن كانت ناقصة بناء على جوازه. قوله: (من أفناء رجالهم) أفناء بفتح الهمزة وسكون الفاء، والنون والمد وهذه العبارة وان استعملت في خمول النسب فليس بمراد لأن نسبه فيهم، وشرفه نار على علم بل المراد أنه ممن لم يشتهر بالجاه، والمال اللذين اعتقدوا أنهما سبب العز والإجلال لجهلهم، وجاهليتهم لأنه قد يستعمل لعدم التعيين مطلقاً أو التعيين كقول أبي تمام: من مبلغ أفناءيعرب كلها إني بنيت الجارقبل المنزل يقال هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو قاله الجوهرفي، وتال الأزهريّ عن ابن الأعرابيّ أعفاء الناس وأفناؤهم أخلاطهم الواحد عفو وفنو، وعن أبي حاتم عن أمّ الهيتم هؤلاء من أفناء الناس،. ولا يقال في الواحد هو من أفناء الناس وفسروه بقوم تراع من هاهنا ومن هاهنا، ولم تعرف أمّ الهيتم الإفناء واحدأ والمراد بالخلط إبهام النسب وليس بمراد هنا، ومراد أبي تمام التعميم ومنهم من اعترض على المصنف ﵀ ومتابعته الزمخشريّ في هذه العبارة، واختار أنّ المراد برجل أنه مشهور بينهم بالجلالة، والعفة والصدق كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٨ أ] فإنه محل الإنكار وهو أنسب بالمقام وهو غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم، وتذليلهم وتحقيرهم لمن أعزه الله، وعظمه وما ذكره يناسب القسم الثاني لا الأوّل فقط خلط تفسيراً بآخر لأن تعجبهم يحتمل أن يكون لكونه ليس له مال وجاه كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٣١] أو لكونه من البشر كقوله

стр. 1466

تعالى: ﴿لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [سورة فصلت، الآية: ١٤] أو لكونه أنذرهم بالبعث الذي أنكروه والمصنف ﵀ لم يلتفت إلى هذا لبعده عن السياق، وقولهم يتيم أبي طالب لأنه كان معه في صغره، ولم يعرفوا أنّ أنفس الدرّ يتيمه، وقيل للحسن ﵀ لم جعله الله يتيماً فقال لئلا يكون لمخلوق عليه منة فإنّ الله هو الذي آواه وأدّبه ورباه، وقوله: (وجهلهم بحقيقة الوحي (لأنه سبحانه يعلم حيث يجعل رسالاته وما عدوه سيئا ليس بشيء يلتفت إلى مثله، وقوله: (هذا) أي الأمر هذا أو خذ هذا، وقوله خفة الحال قد أجاد في التعبير عن قلة المال به لأنه أخف إذ ليس له معه ما يشغله عما أريد منه مع عدم احتياجه إليه، ولذا قيل لبعض المشايخ هل يقال للنبيّ ﷺ زاهد فقال: ما قدر الدنيا عنده حتى يزهد فيها وقد أرسل الله إليه ملك الجبال في بدء الوحي، وقال: إن شئت جعلتها لك ذهبا وجواهر فلم يطلب ذلك وأنما يطلب الغنى من لا يقدر عليه وقوله وقيل الخ هو التفسير الثاني كما عرفته. قوله: (أن هي المفسرة الخ) أي لمفعوله الإيحاء المقدر وشرطها موجود وهو أن يتقدم عليها ما فيه معنى القول دون حروفه كالإيحاء نحو كتبت إليه أن قم وقوله أو المخففة من الثقيلة على أنّ اسمها ضمير الشأن وفي وقوع الجملة الأمرية الإنشائية خبر الضمير الشأن دون تأويل وتقدير قول اختلاف فذهب صاحب الكشف إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأنّ المقصود منها التفسير وخالفه النحرير وغيره في ذلك، وذهبوا إلى أنه لا فرق بين خبره وخبر غيره، ولم يذكر احتمال كونها مصدرية حقيقة في الوضع لمنع كثير من النحاة وصلها بالأمر والنهي، وذكره أبو حيان هنا بناء على جوازه مع أنه نقل عنه في المغني أنّ مذهبه المنع بناء على أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك بالمصدر، واعترض! بأنه يفوت معنى المضيّ، والحالية والاستقبال المقصود أيضا مع الاتفاق على جوازه، وقد يقال إن بينهما فرقاً فإنّ المصدر يدلّ على الزمان التزاماً فقد تنصب عليه قرينة فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر فإنه لا دلالة للمصدر عليه أصلا، وقد مرّ ما ذهب إليه بعض المدققين من أنّ المصدر كما يجعل ويسبك من جوهر الكلمة فيجوز أخذه من الهيئة، وما يتبعها فيقدر في هذا، ونحوه أوحينا إليه الأمر بالإنذار كما قدر في لا تزني خير عدم الزنا خير، ومنهم من ذكر هذا بحثا من عنده مع أنّ هذا مشترك في الالتزام، والجواب مع أنّ المفتوحة المشددّة لأنها مصدرية أيضا، وقوله فتكون الخ تفريع على الوجه الثاني، وعلى الأؤل مفعوله مقدر وهذه الجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب كما مز. قوله: (عمم الإنذار الخ (أي حيث قال الناس دون المؤمنين، والكافرين، ولا مانع من الاستغراق العرفي أي كل أحد ممن يقدر على تبليغه إذ تبليغ جميع أهل عصره غير ممكن له، وإليه يشير قول المصنف ﵀ إذ قلما من أحد الخ فلا وجه للاعتراض بأنّ الاستغراق المفهوم من كلامه غير صحيح لأنّ تبليغ الإنذار إلى كل من في عصره ليس في وسعه ولا حاجة إلى دفعه بأنه لم يرد الاستغراق، وإنما قصد المبالغة، وأفا تبشير الكافرين إن آمنوا فراجع إلى تبشير المؤمنين، وقيل إنّ في المؤمنين عموم الخبر به، وهو شموله للثقلين، واعترض! على قوله في المغني أنّ أبا حيان منع وصل أن المصدرية بالأمر بأنه جوّزه هنا، وفي سورة النحل. قوله:) سابقة ومنزلة رفيعة الخ) في الكشاف أي سابقة، وفضلاً ومنزلة رفيعة سميت قدما لما كان السعي، والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة قدما كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد وباعا لأنّ صاحبها يبوع بها فقيل لفلان قدم في الخير والسابقة هنا مصدر بوزن فاعلة بمعنى السبق، والسبق كالتقدم بمعنى فضلهم على غيرهم لما خصوا به من سائر الأمم فالقدم مجاز مرسل عن السبق لكونها سببه وآلته، والسبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة فهو مجاز بمرتبتين، وقيل المراد تقدمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله ﷺ : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " وقيل تقدمهم في البعث، وقيل سابقة اسم فاعل أي سعادة سابقة في اللوج أو شفاعة سابقة، وفي الكشاف وجه آخر، وهو أنّ قدم صدق بمعنى مقام صدق كمقعد صدق بإطلاق الحال، وارادة الحال، وليس هذا معنى قوله منزلة رفيعة كما توهم حتى يلزم جمع المعاني المجازية، وظاهر. أنّ القدم يطلق على السبق مطلقا كما تطلق اليد على

стр. 1467

النعمة، والعين على الجاسوس، والرأس على الرئيس، وقال صاحب الانتصاف لم يسموا سابقة السوء قدما إمّا لكون المجاز لا يطرد أو لأنه غلب في العرف عليه. قوله: (وإضافتها إلى الصدق) أصل الصدق في الأقوال قال الراغب: ويستعمل في الأفعال فيقال صدق في القتال إذا وافاه حقه، وكذا في ضدّه يقال كذب فيه فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهراً، وباطنا، ويضاف إليه كمقعد صدق، ومدخل صدق، ومخرج صدق، وقدم صدق، ولسان صدق في قوله، واجعل لي لسان صدق سأل أن يجعله الله صالحأ بحيث إذا أثنى عليه لم يكن كذبا كما قال: إذانحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما تثني وفوق الذي نثني فإضافته من إضافة الموصوف إلى صفته، وأصله قدم صدق أي محققة مقرّرة لما عرفت من معناه، وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق، ثم جعل الصدق كأنه صاحبها، وهذا من منطوقه، وقوله والتنبيه الخ أي تنبيه على أنهم إنما نالوا تلك السابقة بصدقهم ظاهراً وباطناً، واعترض! عليه بأنه إنما يحصل هذا إذا كانت الإضافة من إضافة المسبب إلى السبب إلا أن يكون في التنبيه إشارة إلى احتمالها لها، ويدفع بأنه لا حاجة إلى ما ذكر لأنّ الصدق إنما تجوّز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه، وهذا كما أنّ أبا لهب يشعر بأنه جهنمي. قوله: (يعنون الكتاب الخ) يعني الإشارة إلى الكتاب السابق ذكره، وعلى قراءة لساحر الإشارة إلى رجل، وقوله وفيه اعتراف الخ لأنّ السحر خارق للعادة، وقال النحرير لأنّ قولهم إنّ هذا لسحر المراد به الحاصل بالمصدر وهم كاذبون في ذلك عند أنفسهم أيضا، وبهذأ الاعتبار يكون دليل عجزهم لأنّ التعجب أوّلاً ثم التكلم بما هو معلوم الانتفاء قطعا حتى عند نفس المعارض دأب العاجز المفحم، وما قيل عليه أنه لا دخل لتعجبهم فيه فالأولى تركه ليس بشيء. قوله:) التي هـ! أصول الممكنات) إنما فسر به بيانا لحكمة تقديمها، وكونها أصولاً لأنّ السماء جارية مجرى الفاعل، والأرض مجرى القابل، وبإيصال الكواكب اختلاف الفصول، ويكون م! فيها على ما قزره الحكماء وقد تقدم تفصيله وقوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] قيل هي مدة مساوية لأيام الدنيا، وقيل هي بالمعنى اللغوفي، وهو مطلق الوقت وعن ابن عباس ﵄ أنها من أيام الآخرة ١٠ لتي هي كألف سنة مما تعدون قيل، والأوّل أنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدّة اليسيرة، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه، وقوله استوى إمّا بمعنى استوى أمرد، وتمّ أو استولى فيرجع إلى صفة القدرة، وقيل إنه صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي، وقيل إنه مما اشتبه فيتوقف فيه كما فصل في محله، والعرش تقدم أنه الجسم المحيط بجميع الكائنات أو الملك أو شيء غير ذلك. قوله: (يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته الخ) يعني تعريف الأمر للعهد، والمراد أمر الكائنات، وتدبيرها بمعنى تقديرها جارية على مقتضى الحكمة، وأمّا ما سيذكره فهو معناه اللغوفي، وقوله وسبقت به كلمته أي قضاؤه كما في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١١٥] وجملة يدبر استئنافية لبيان حكمة استوائه على العرس وتقرير لعظمته، وقوله ويهيئ بتحريكه أي بسبب تحريك العرس، وفلك الأفلاك أسباب ذلك لأنّ بحركته تحريك غيره ولذا اقتصر عليه. قوله: (والتدببر النظر الخ (وجه لاشتقاقه، وبيان لحقيقته، وقوله تقرير لعظمته لأنها علمت من خلق المخلوقات العظام فقرّر ذلك بأنه لعز جلاله لا يجسر أحد على الشفاعة عنده بغير إذن فالتقدير لا شفاعة لشفيع، وهو تعليم للعباد أنهم إذا فعلوا شيئا يتأنون والا فهو قادر على خلقها دفعة في آن واحد، وعدل عن قول الزمخشريّ يدبر يقضي، ويقدّر على حسب مقتضى الحكمة، ويفعل ما يفعل المتحريّ للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يلقاه ما يكره آخراً انتهى لأنه كما قيل خطأ لفظا، ومعنى فإنه لا يجوز إطلاق التحرّي على الله، ولا يمثل فعل الله به، ولأنه مبنيّ على رأيه، وهي قاعدة فاسدة عند أهل السنة. قوله: (وردّ على من زعم أنّ اكهتهم تشفع الخ) قيل هذا الردّ غير تامّ لأنهم لما ادعوا شفاعتها قد يدعون الإذن لها فكيف يتمّ هذا الرذ، ولا دلالة فيها على أنهم لا يؤذن لهم

стр. 1468

وما قيل إنها دعوى غير مسلمة واحتمالها غير مجد لا فائدة فيه إلا أن يقال مراده أن الأصنام لا تدرك ولا تنطق فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديهيّ، وأما إثبات الشفاعة لمن أذن له فمعلوم من الكلام لأنه لو كان المراد نفي الشفيع مطلقأ قيل لا شفيع والمراد الشفاعة المقبولة، وهي شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأخبار. قوله:) أي الموصوف بتلك الصفات الخ (يعني الإشارة إلى الذات الموصوفة بتلك الصفات المقتضية لاستحقاق ما أخبر به عنه وإذا كان وجه ثبوت ذلك له ما ذكر مما لا يوجد في غيره اقتضى انحصاره فيه وأنه لا رلث غيره ولا معبود سواه فاتضح معنى قوله لا غير، وقوله: فاعبدوه وحدوه لكن قوله للألوهية يقتضي أن الجلالة الكريمة خبر لا صفة فلذا قيل الأظهر تأخيرها لأنّ ما ذكر تفسير لاسم الإشارة. قوله: الا غير (أي لا وست غيره، وقيل إنه وقع في النسخ بدون ضمير فيقتضي قصر الموصوف على الصفة قصراً إضافيا قلا يلائم تعليله، وأفا كون انتفاء السبب الخاص لا يقتضي انتفاء سبب آخو للربوبية فليس بشيء لأنّ ما ذكر من لوازم الألوهية فهي لا توجد بدونه، والقصر من تعريف الطرقين ومن فحواه لأن تلك المقتضيات لا توجد في غيره، وقيل إنه حمله على القصر مع انتفاء أداته لئلا يلزم التكرار فإن ما قبله داذ على ثبوت الربوبية مع عدم المنكر لها فتأقل. قوله:) وحدوه بالعبادة (قد أشرنا إلى أن التخصيص من ترتيب الأمر بالعبادة على اختصاص الربوبية، وأيضا أصل العبادة ثابت لهم فيحمل الأمر به على ما ذكر ليفيد وفيه نظر. قوله:) تتفكرون أدنى تفكر الخ) يريد أنه كالمعلوم الذي لا يفتقر إلى فكر تاتم، ونظر كامل بل إلى مجرّد التفات وأخطار بالبال، وهذا بيان لإيثار تذكرون على تفكرون وان كان هو المراد ولذا فسر به وجعل المتذكر هو ما سبق من استحقاقه لما ذكر والمنبه عليه ذلك، وخطؤهم فيما هم عليه المشار إليه بقوله لا ما تعبدنه فلا فرق بين كلامه، وكلام الكشاف كما توهم. قوله: (بالموت أو النشور (وفي نسخة والبعث وفي أخرى والنشور والحصر المذكور مستفاد من تقديم إليه وقيل عليه إنه لا يناسب ما سيأتي من أن قوله: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ الخ كالتعليل لقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فالحق ما وقع في النسخة الأخرى والبعث بالواو وفيه نظر يعلم مما سيأتي. قوله: (مصدر مؤكد لنفسه الخ) المصدر إذا أكد مضمون جملة تدذ على معناه فإن كانت نصا فيه لا تحتمل غيره فهو يسمى في اصطلاج النحاة مؤكداً لنفسه نحو له عليّ ألف اعترافا، وإن احتمله وغيره نحو زيد قائم حقاً فهو مؤكد لغيره ولا بد له من عامل محذوف فيهما، وتفصيله ووجه الشمية مفصل في النحو- قوله: (مصدر آخر مؤكد لفيره) قد عرفت معنى المؤكد لنفسه، وغيره وهنا لما كان الوعد يححمل الحقية والتخلف كان مؤكدا لغيره مما تضمنته جملة المصدر وعامله المقدر، وقيل انتصماب حقا بوعد على تقدير في لشبهه بالظرف كقوله: أفي الحق إني هائم بك مغرم وما ذهب إليه المصنف ﵀ أظهر. قوله: (بعد بدئه وإهلاكه الخ) يعني أنّ معنى قوله يبدؤهـ االخلق ثم يعيده إعادته بعد بدئه واهلاكه لأنه بيان للموعود به، والموعود به الإعادة وإنما ذكر البدء، والإهلاك لتوقف الإعادة عليهما إذ معناها وجود ثان لما وجد أوّلاً بعد فنائه فتدبر. قوله: (أي بمدله أو بعدالتهم الخ (يعني أنّ الألف، واللام عوض! عن الضمير المضاف إليه، وهو إمّا ضممير الله أو ضمير المؤمنين فالمعنى بعدله أو بعدالتهم ويرجح الثاني بأنه أوفق بما يقابله من قوله بكفرهم فيعلل جزاء المؤمنين بإيمانهم، وهو المقصود من القسط لأنّ الكفر ظلم عظيم، وأيضا لا وجه لتخصيص العدل بجزاء المؤمنين بل جزاء الكافرين أولى به لما اشتهر أنّ الثواب بففمله، والعقاب بعدله، وقوله وقيامهم على العدل تفسير لعدالتهم بالقيام على العدل في الأعمال الظاهرة فيدخل فيه الإيمان وعلى ما بعده يخص بالإيمان، ورجحوه لما مرّ. قوله: (فإن معناه الخ) المبالغة في اسنحقاق العقاب بجعله حقاً مقرّراً لهم كما تفيده اللام، ولم يجعل عك وجعل الثواب علة إشارة إلى أنه المقصود، وأمّا العقاب فهو بكسبهم وليس مقصوداً له تعالى بالذات بل بالعرض، ولذا قال تعالى: <سبقت رحمتي غضبي >، وقوله من الإبداء والإكلادة يقتضي تعلق ليجزي بهما على التنازع، وقيل الأظهر تعلقه بيعيده فقط وقوله وأنه

стр. 1469

تعالى يتولى الخ، يعني لم يذكر الجزاء إشارة إلى أنه أمر عظيم لا تحيط به العبارة خصوصاً وقد جعل ذاته الكريمة هي الجازية فإنّ العظيم لا يتولى بنفسه إلا الأمر العظيم، ثماليه أشار بقرله يتولى ففي كلامه إدماج لمعنى آخر. قوله: (والآية كالتعليل لقوله إليه مرجعكم الخ (جريا على ما اطرد في استعمال الجملة المصدّرة بأنّ كتوبوا إنه غفور رحيم وكونها تعليلاً أو كالتعليل لإخفاء فيه وإنما الكلام في المعلل هل هو كون المرجع إليه أو كونه لا مرجع إلا إليه فالظاهر هو الثاني كما أشار إليه النحرير في شرحه والمعنى مرجعكم إلى الله لا إلى غيره، وإنما أرجعكم إليه ليجازيكم بما يليق بكم واستة، دة الحصر من المعلل ظاهرة ومن العلة لأنّ البدء والإعادة معلومة الانتفاء عن غيره عقلا فلا حاجة إلى أن يعتبر في الكلام ما يدل على الحصر حتى يتكلف له ما تكلفه من تعسف بما لا يليق ذكره. قوله: (ويؤيده قراءة من قرأ أنه الخ) أي بالفتح بتقدير لام التعليل فهو صريح فيما ذكر وجوّز فيه أن يكون منصوباً بوعد مفعولاً له أو مرفوعا بحقا فاعلا له وكلامه يحتمل أن يكون وعد وحق هما العاملان في المصدرين المذكورين وأن يكونا فعلين آخرين مقدّرين بدلالة ما قبلهما عليهما فإن كان المراد الأوّل فالمصدران ليسا للتأكيد ويكون هذا إعراباً آخر لأن فاعل العامل في المصدر المؤكد لا بد أن يكون عائداً على ما تقدمه مما أكده فالمعنى وعد الرجوع إليه، وحق الوعد، وان كان الثاني فهو ظاهر ثم إن التعليل المذكور لا يناسب كون المراد بالمرجع الموت فإمّا أن يكون هذا إشارة إلى أنّ تفسيره الثاني هو المرضيّ عنده أو يكون الصحيح نسخة العطف بالواو كما مز التنبيه عليه. قوله: (ذات ضياء وهو مصدر الخ (يعني هو على تقدير مضاف أو جعلها نفس الضياء مبالغة كما أشار إليه في نوراً، وانقلاب الواو ياء لانكسار ما فبلها وأمّا همزة فعلى القلب المكاني فلما وقعت الواو أو الياء المنقلبة عنها متطرفة بعد مذة قلبت همزة ابتدأء أو بعد قلبها ألفاً كما هو معروف في التصريف، وكونه جمعا بعيد، ولأنّ تقابله بنور ألا يقتضيه كما قيل، وخالفه أبو عليّ في الحجة فقال كونه جمعاً كحوض، وحياض أقيس من جعله مصدراً كقيام فهما قولان، وإنما كان أقدر لأنّ المصدر يجري على فعله في الصحة، والاعتلال انتهى، وقوله في كل القرآن هذه رواية، وقد قال بعض القرّاء أنها لم تصح، وقيل إنما قرأ بها هنا، وفي سورة الأنبياء القصص. قوله: (أو سمي نوراً للميالفة الخ) معناه ظاهر لكنه في نسخة أو فيكون فيه وجهان، وفي نسخة بالواو والأولى أظهر، وقوله، وهو أعمّ من الضوء كما عرفت أي في أوّل سورة البقرة بناء على أنه ما قوي من النور، والنور شامل للقوي والضعيف، وعلى القول الثاني هما متباينان فما كان بالذات كالشمس، والنار فهو ضوء، وما كان بالعرض فهو نور ولذا غاير بينهما في النظم، واليه أشار بقوله نبه الخ، وكونه بمقابلة الشمس، والاكتساب منها لا يؤخذ من النظم، وإنما هو من دليل آخر، وذكره تتميما للفائدة، وقوله خلق يشعر بأن جعل بمعنى خلق فضياء ونوراً حال، وقد مرّ التفصيل في الضوء، والنور بما لا مزيد عليه، وأنه إذا كان أبلغ فلم قيل الله نور السماوات والأرض، ولم يقل ضياؤها، والجواب عنه، وقد ذكر في وجهه هنا أنّ المقصود تشبيه هد ٥١ الذي نصبه للناس بالنور الموجود في الليل، وأثناء الظلام، والمعنى أنه جعل هداه كالنور في الظلام فيهدي قوما ويضل آخرون، ولو جعله كالضياء جمثل الشمس التي لا يبقى معها ظلام لم يضل أحد، وليس كذلك فتأمّل. قوله: (قدّر مسير كل واحد منهما الخ) يعني الضمير لهما بتأويل كل واحد منهما أو للقمر، وخص بما ذكر لسرعة سيره لأنّ ما تقطعه الشمس في سنة يقطعه هو في شهر ولأنّ منازله معلومة محسوسة، وأحكام الشرع منوطة به في اكثر فلا يضرّ ما قيل إن العنين يؤجل سنة شمسية، وقوله حساب الأوقات بالنصب إشارة إلى عطفه على عدد لا على السنين بالجرّ، وهو القراءة وتقدير مضاف، وهو سير يقتضي أن منازل منصوب على الظرفية أو الحالية، وقيل أصله قدر له منازل فهو مفعول به، وقوله ولذلك أي لكونه مخصوصاً بالقمر لأنّ علم ذلك إنما هو به، وليست الإشارة إلى كون الأحكام منوطة به حتى يمنع، وليس ذكر الأيام في تفسير الحساب بناء على عود الضمير للشمس كما توهم. قوله: " لا متلبساً بالحق (يعني أن الباء

стр. 1470

للملابسة، وهو حال، والحق خلاف الباطل، وهو الصواب أي لم يخلقه باطلا وعبثاً، وقوله مراعياً تفسير له أي أوح خواص وقوى منتظمة بمصالح العالم السفليّ، وقوله على وجود الصانع إشارة إلى أن الآيات بمعنى الدلائل، وقيل هي آيات القرآن، وتفصيلها نزولها مفصلة منجمة مبينة ل! ما يلزم، وقوله فإنهم المنتفعون حمله على العلماء، وخصهم لما ذكر ولم يجعله بمعنى العقلاء، وذوي العلم لعمومه كما قيل لأن هذا أبلغ كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [سورة النازعات، الآية: ٤٥] وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سورة يونس، الآية: ٦، مرّ تفسيره في سورة آل عمران. قوله: (لا يتوقعوئه لإنكارهم البعث الخ) قالوا الرجاء يطلق بمعنى توقع الخير، وهو الأصل كالأمل، ويطلق على الخوف، وتوقع الشرّ، ويطلق على مطلق التوقع، وهو في الأوّل حقيقة، وفي الآخرين مجاز، وجوّز الزمخشري فيه هنا الوجوه الثلاثة، واقتصر المصنف ﵀ على معنى التوقع لأنه أنسب بالمقام، وقيل لعدم احتياجه إلى تقدير مضاف كحسن أو سوء، وقال الإمام حمل الرجاء على الخوف بعيد لأنّ تفسير الضد بالضد غير جائز يعني في غير الاستعارة التهكمية، والتهكم غير مراد هنا كما يشعر به قوله تفسير دون استعارة فمن ردّه بذلك لم يصب مع أنّ الإمام ﵀ لا يسلم له ما قاله فإنه ورد في استعمالهم، وذكره الإمام الراغب والمرزوقيّ، وأنشدوا شاهدآ له قول أبي ذؤيب: إذالسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل قال الراغب وجهه أنّ الرجاء والخوف متلازمان، واعترض على المصنف ﵀ بأنّ تفسيره لا ينتظم مع تعليل قرينه فالمراد لا يخافونه لاعتمادهم على شفعائهم فإن قوله لغفلتهم لا يتمشى مع الإنكار، وليس بوارد لأنه يعني أنهم غفلوا وذهلوا عن الأدلة وما يرشدهم إلى العلم بها حتى أنكروا، والتفسير بذلك إيماء إلى ظهورها حتى كأنها حاضرة عندهم وإنما عرض لهم ذهول وغفلة فتدبر وقوله من الآخرة أي بدلاً عنها لأنّ مجرّد الرضا بها مع عدم ترك الآخرة ليس بذم، وهو تفسير له بما وقع في النظم في قوله أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وجملة رضوا معطوفة على الصلة أو حالية بتقدير يرقد. قوله: (وسكنوا إليها الخ (حقيقة الطمأنينة سكون بعد انزعاج كما قاله الراغب ﵀ فالاطمئنان إما بمعنى السكون بسبب زينتها وزخارفها فالباء سببية أو ظرفية بمعنى سكنوا فيها سكونا خاصا، وهو سكون من لا يرحل ولا ينزعج لزعمهم أنه لا حياة غيرها وقوله مقصرين كان حقه أن يقول قاصرين لأنّ أقصر معناه كف مع القدرة لا بمعنى الاقتصار الذي عناه. قوله: (لا يتفكرون فيها لانهماكهم الخ الما كان الغافلون، والذين لا يرجون عبارة عما هو متحد الذات أشار إلى أنه من عطف الصفة على الصفة تنبيهاً على أنهم جامعون بينهما وأن كل واحدة منهما متميزة مستقلة صالحة لأن تكون منشأ للذم والوعيد كما في الكشاف، وهو أولى مما ذكره المصنف ﵀ فإنه يفهم من ظاهره أنّ كلاً منهما غير موجب للوعيد بالاستقلال بل الموجب له المجموع، وهؤلاء هم المنكرون للبعث على هذا الوجه، ولما صح أن تكون الثانية سببأ للأولى قال في الكشاف، ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم فوكل الترتيب إلى ذهن الذكيّ، وفي كلام المصنف ﵀ اً يضاً إشارة إليه. قوله:) وإمّا لتغاير الفريقين الخ) أي هما فريقان من الكفرة متغايران فلذا عطفا فالأوّل المشركون المنكرون للاخرة، والثاني أهل الكتاب مثلا الذين ألهاهم حبّ الدنيا والرياسة عن الإيمان والاستعداد للآخرة، وقوله بما واظبوا أي داوموا واستمرّوا والاستمرار التجدّدي من المضارع لا سيما إذا اقترن بكان فإنه كالصريح فيه، والتمرّن التدرّب والاعتياد. قوله:) بسبب إيمانهم الخ (قدر متعلق الهداية ما ذيهر، وقدره تارة بإلى وتارة باللام لتعديه بهما كما أنه يتعذى بنفسه، والتقدير الأوّل والأخير يدل عليه قوله بعده: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ﴾ الخ لأنه بيان له يعني أنّ عملهم، وايمانهم يكون نوراً بين أيديهم يقودهم إلى الجنة أو أنهم بذلك تنجلي بصيرتهم وينكشف لهم حقائق الأمور أو لما يريدونه من النعيم أو غيره في الجنة. قوله: (" من عمل بما علم " الخ) هذا يقتضي أنّ العمل هو المورّث لما ذكر لا مجموع الإيمان والعمل حتى ينافي ما سيذكره كما توهم. قوله:) ومفهوم الترتيب وإن دل على أنّ السبب الهداية

стр. 1471

الخ) هذا ردّ لما في الكشاف من أن الآية دلت على أنّ الإيمان المعتبر في الهداية إلى الجنة هو المقيد بالعمل الصالح لا المطلق لأنه جعل الصلة مجموع الأمرين كأنه قال إنّ الذين جمعوا بين الإيمان، والعمل الصالح يهديهم ربهم، ثم قال بإيمانهم أي المقرون بالعمل فرأى بعضهم وتبعه المصنف ﵀ أنه مبنيّ على الاعتزال، وخلود غير الصالح في النار ولا دلالة فيها على ما ذكره لأنه جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان وأمّا أن إضافته إلى ضمير الصالحين تقتضي أخذ الصلاح قيداً في التسبب فممنوع فإنّ الضمير يعود على الذوات بقطع النظر عن الصفات، وأيضا فإن كون الصلة علة للخبر في نحو الذي يؤمن يدخل الجنة بطريق المفهوم فلا يعارض! السبب الصريح المنطوق، وليس كلى خبر عن الموصول يلزم فيه ذلك نحو الذي كان معنا أمس فعل كذا كما فصل في المعاني، وقد ردّ هذا بأنّ الجمع بين العمل الصالح والإيمان ظاهر في أنهما السبب والتصريح بسببية الإيمان المضاف إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالتنصيص على أنه ذلك الإيمان المقرون بما معه لا المطلق لكنه ذكر لأصالته وزيادة شرفه فلا استدراك، ولا دلالة على استقلاله، ثم إنّ النزاع إنما هو في سبب الهدأية إلى طريق الجنة لا إلى الاستقامة على سلوك السبيل المؤدّي إلى الثواب وأنّ من لا يكون مهتديا إلى الجنة لا يدخل الجنة مطلقا، ومنعه مكابرة فتدبر. قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ أي من تحت منازلهم أو بين أيديهم، وقوله استئناف أي نحويّ أو بيانيّ فلا محل له من الإعراب، وقوله على المعنى الأخير لعدم المقارنة في الأوّلين وان صح أن يكون حالأ منتظرة لكنه خلاف الظاهر، وقوله خبر أي ثالث، وقوله أو حال أخرى منه أي من مفعول يهديهم فتكون حالاً مترادفة أو من الأنهار فهي متداخلة، وقوله أو بيهدي أي على الأخير. قوله: (أي دعاؤهم الخ) الدعوى مشهورة في الادّعاء لكنها وردت بمعنى الدعاء أيضا، وهو المراد هنا بقرينة ما بعده لأنه من جنس الدعاء وتكون أيضا بمعنى العبادة وقد جوّز إرادته هنا، وان كانت الجنة ليست دار تكليف أي لا عبادة لهم غير هذا القول والمراد نفي التكليف كقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [سررة الأنفال، الآية: ٣٥] والأوّل أظهر فلذا اختاره المصنف والثاني أدق أو المراد أنه عبادة لهم تلذذاً لا تكليفا. قوله: (اللهئم إنا نسبحك الخ) أشار به إلى أنّ سبحان مصدر بمعنى التسبيح، وعامله محذوف، وقدّرها اسمية وقدم اللهمّ مع أنه مؤخر بناء على أنّ النداء يقدم على الدعاء لكنه استعمل مع سبحانك كذلك أمّا جعلها اسمية فلأنه أبلغ بقرينة أن الجمل التي بعدها كذلك، وأفا التأخير فلأنّ التنزيه تخلية عن جميع النقائص، وفي النداء ربما يتوهم ترك الأدب. قوله: (ما يحى به بعضهم بعضاً الخ (اختلف في إضافة هدّا المصدر وهو تحية فقيل إنه مضاف لفاعله أي تحيتهم بتقدير مضاف أي تحية بعضهم بعضاً آخراً والبعض المقدر مفعول والفاعل محذوف وكلام المصنف ﵀ يحتملهما، وأما على كون المحيي الملائكة عليهم الصلاة والسلام فهو مضاف للمفعول لا غير وكذا إذا كان المحي هو الله كما في الكشاف، وستأتي الإشارة إليه في كلام المصنف ﵀، وقيل يجوز أن يكون مما أضيف فيه المصدر لفاعله ومفعوله معا إذا كان المعنى يحيي بعضهم بعضا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٧٨] حيث أضيف لداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام وغيرهما وهما حاكمان ومعهما المحكوم عليهم قيل وهذا مبني على أنه هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز أم لا فان قلنا نعم جاز ذلك لأنّ إضافة المصدر لفاعله حقيقة ولمفعوله مجاز، ومن منع ذلك أجاب بأنّ أقل الجمع اثنان فلذلك قال لحكمهم، وقد مرّ أنّ الخلاف في ذلك إذا كان المجاز لغويا وأفا إذا كان عقليا فلا خلاف في جوازه ونظير. ما قيل في حب الهرّة من الإيمان أن المراد أن تحب الهرّة أو تحبك الهرّة وقيل المراد حث الهزة مطلقا سواء كان منها أو لها، وقيل لم يقصد بالإضافة إلى الفاعل والمفعول النظر إلى ذلك بل قطع النظر عنه، ومعناه التحية الكائنة فيما بينهم والضمير على كل حال للمؤمنين وعلى كل حال لا يخفى ما فيه، ولما رآه السفاقسيئ مشكلأ قال إنه مصدر مضان للمجموع لا على سبيل العمل فكان كما قيل: ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر قوله:) أي أن يقولوا ذلك الخ (فسره بالمصدر لأن المبتدأ آخر

стр. 1472

المضاف إلى المصدر فيكون بعضاً منه فلا يقال إنه لا ضرورة لتأويله بالمصدر، والدعاء مقول لهم لا قول. قوله:) ولعل المعنى أئهم الخ) يعني أن لدعائهم أوّلاً وآخراً فأوّله سبحانك اللهمّ، وآخره الحمد دلّه رلمحت العالمين وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة ترقوا في معرفته تعالى، ومعرفة كنه ذاته غير ممكن فالغاية القصوى معرفة صفاته وهي إئا سلبية وتسمى بصفات الجلال وافا غيرها وتسمى بصفات اجمرام وبه فسر قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٧٨] والأولى متقدمة على الثانية فلذا قدم قوله سبحانك، وأخر النداء أيضاً مع تقدمه في نحوه إشارة إلى ترقيهم في معرفة صفات الجلال، ثم قيل الحمد لله إشارة إلى ترقيهم في صفات الإكرام، وقوله أو الله تعالى إشارة إلى الوجه الآخر، وهو أن يكون تحية مضافا للمفعول والفاعل هو الله كما صرّج به الزمخشري فيما تقدّم وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [سورة يس، الآية: ٥٨] . قوله:) وأن هي المخففة من الثقيلة الخ) واسمها ضمير الشان محذوف، والجملة الاسمية خبرها وأن ومعمولاها خبر المبتدأ وليست مفسرة لفقد شرطها ولا زائدة كما قيل وقراءة مجاهد وقتادة ويعقوب وغيرهم بتشديدها ونصب الحمد تدذ على ذلك وعذى يسرع بنفسه حملا له على يعجل. قوله:) وضع موضع تعجيله الخ (قال سيبويه التقدير لو يعجل الله للناس الشرّ تعجيلا مثل تعجيلهم الخير، ثم حذف تعجيلا وأقيمت صفته مقامه ثم حذفت الصفة وأقيم ما أضيفت إليه مقامها كاسأل القرية انتهى، وفي الكشاف وضحع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم، واسعافه بطلبتهم حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل لهم والمراد أهل مكة، وقولهم فأمطر علينا حجارة من السماء، وفي الانتصاف هذا من تنبيهاته الحسنة الدالة على دقة نظره إذ لا يكاد يوضع مصدر مؤكد مقارنا لغير فعله في الكتاب العزيز بدون هذه الفائدة الجليلة والنحاة يقولون فيه أجري المصدر على فعل مقدر دل عليه المذكور، ولا يزيدون عليه وإذا راجع الفطن قريحته وناجى فكرته علم أنه إنما قرن بغير فعله لفائدة ففي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الآية: ١٧] التنبيه على نفوذ القدرة في المقدور وسرعة إمضاء حكمها حتى كان إنبات الله لهم نفس نباتهم أي إذا وجد الإنبات وجد النبات حتماً حتى كان أحدهما عين الآخر فقرن به، وقال المدقق في الكشف أنه إشعار بسرعة إجابته لهم حتى كأنّ استعجالهم بالخير عين تعجيله لا يتأخر عنه، وهذا كما قيل في قوله فانفجرت أنه دالّ على سرعة الامتثال كأنّ الانفجار ترتب على نفس الأمر فما قيل أنّ مدلول عجل غير مدلول استعجل لأن عجل يدلّ على الوقوع، واستعجل على طلب التعجيل وذلك واقع من الله، وهذا مضاف إليهم فلا يصح ما ذكر بل لا بدّ أن يقدر تعجيلاً مثل استعجالهم أي ولو يعجل الله للناس الشرّ إذا استعجلوه استعجالهم بالخير من قلة التدبر وكذا دفعه بأنّ استفعل ليس للطلب بل هو كاستقرّ بمعنى أقرّ، وقد علم من كلام المصنف رحمه الله تعالى دفع ما توهموه لأنه لا بد فيه من تقدير ولكن طيه لدلالة المذكور عليه حتى كأنه مذكور بذكره إفادة النكتة المذكورة ولذا عده في البيان من إيجاز الحذف وشبهه المدقق بالفاء الفصيحة حتى أنه لو سمى المصدر الفصيح حسن ذلك وقد أطال بعضهم هنا بغير طائل مما رأينا تركه خيراً منه فقول المصنف رحمه الله تعالى وضع أي حل محله بعد حذفه، وقوله في الخير لأنه مشبه به فهو ثابت بخلاف تعجيل الشرّ فإنه في حيز لو منفيّ وقوله: (المراد شرّ استعجلوه) يؤخذ مما سيقدره وبقية كلامه ظاهر إلا أنه قيل لو طرج قوله تعجيله للخير من البين كان أولى، وقوله لأميتوا وهلكوا لأنّ معنى قضى إليه أجله أنهى إليه مذته التي قدر فيها موته فهلك، وعلى قراءة قضينا الضمير فيه لله أيضا وفيه التفات. قوله: (عطف على فعل محذوف الخ) يعني أنه لا يصح عطفه على شرط لو ولا على جوابها لانتفائه، وهذا مقصود إثباته لا نفيه فلذا ذهبوا فيه إلى طرق منها أنه معطوف على مجموع الشرطية لأنها في معنى لا يعجل لهم، وفي قوّته فكأنه قيل لا نعجل بل نذرهم، ومنها أنه معطوف على مقدر تدل عليه الشرطية أي ولكن نمهلهم أو لا تعجل كما قدره المصنف ﵀، وقيل الجملة مستأنفة والتقدير فنحن نذرهم، وقيل إنّ الفاء جواب شرط مقدر، والمعنى، ولو يعجل الله ما استعجلوه لأبادهم، ولكن يمهلهم ليزيدوا في طغيانهم ثم يستأصلهم

стр. 1473

وإذا كان كذلك فنحن نذر هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا من أهل مكة في طغيانهم يعمهون، ثم نقطع دابرهم، وقيل هذه الآية متصلة بقوله إنّ الذين لا يرجون لقاءنا دالة على استحقاقهم العذاب وأنه تعالى إنما يمهلهم استدراجا وأتى بالناس بدل ضميرهم تفظيعاً للأمر ثم قيل فنذر الذين لا يرجون لقاءنا مصرحاً باسمهم، وذكر المؤمنين إنما وقع في البين تتميماً ومقابلة فليس بأجنبيّ، ولا حاجة إلى جعله جواب شرط مقدر، وأمّ جعل لو بمعنى أن وتفريع ما بعده عليه فركيك إذا تأملت وان ظن أنه وجه وجيه. قوله: (دعانا لإزالتة مخلصاً فيه الخ الجنبه في محل نصب على الحال ولذا عطف عليه الحال الصريحة والتقدير دعانا مضطجعا لجنبه أو ملقي لجنبه واللام على ظاهرها، وقيل أنها بمعنى على ولا حاجة إليه وقد يعبر بعلى بدله وهي تفيد استعلاءه عليه، واللام تفيد اختصاصه به لاستقراره عليه، واختلف في ذي الحال فقيل الإنسان والعامل فيها مس، واستضعف بأمرين. أحدهما: تأخرها عن محلها بغير داع. والثاتي: أنّ المعنى على أنه يدعو كثيراً في كل أحواله لا على أنّ الضرّ يصيبه في كل أحواله كما صرّح به في غير هذه الاية. وقيل إنه لا بأس به فإنه يلزم من مسه الضرّ في هذه الأحوال دعاؤه في تلك الأحوال أيضا لأنّ القيد في الشرط قيد في الجواب فإذا قلت إذا جاء زيد فقيراً أحسنا إليه فالمعنى أحسنا إليه في حال فقر.، وقيل ذو الحال فاعل دعانا وهو ظاهر ثم هل المراد بالإنسان الجنس، والأحوال بالنسبة إلى المجموع أي منهم من يدعو على هذه الحال ومنهم من يدعو على تلك أو المراد شخص معين وأنّ هذه أحواله، والمراد الكافر ذهب إلى كل منها بعض المفسرين ولا حاجة إلى جعل إذا هنا للمضيّ، وصرفها عن أصلها كما قيل وقوله ملقى قدر له متعلقا خاصا ليظهر به معنى اللام. قوله: (وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال (أي سواء كان بالنسبة لشخص واحد أو للنوع كما مز، وأمّا شموله لأصناف المضار أي الأمراض فلأنها إمّا خفيفة لا تمنعه القيام أو متوسطة تمنعه القيام دون القعود أو شديدة تمنع منهما فهذه الأحوال مبينة لمضاره من السياق ولا خفاء في ذلك يحتاج إلى التوجيه كما توهم. قوله: (مضى على طريقتة واستمرّ على كفره) فيه إشارة إلى أنّ المراد بالإنسان نوع منه، وهو الكافر لا الجنس فالمرور على هذا مجاز عن الاستمرار على ما كان عليه، وعلى الثاني باق على حقيقته وهو كناية عن عدم الدعاء وعدى بعلى في الأوّل لتضمنه معنى المضيّ وعن في الثاني لتضمنه معنى المجاوزة. قوله:) كأنه لم يدعنا الخ (بالتشديد بيانا لأصله لقوله فخفف والتمثيل لتخفيفه واضمار ضمير الشأن بدليل رفع ثدياه وهذا بناء على أنها إذا خففت لا يبطل عملها فيقدّر لها ما يقتضيه الكلام، وقال الفاضل اليمني: أنه يبطل عملها، وأصل البيت كان ثدييه فلما خفف بطل عملها فلا حاجة إلى تقدير. قوله: (ونحومشرق اللون كان ثدياه حقان) وفي بعض النسخ مشرق الصدر ولم يعز هذا البيت لقائله والنحر موضع القلادة من الصدر والأصل حقتان فحذفت تاؤه في التثنية على خلاف القياس كما قالوا، وهذا يدل على أنه لا يقال حق بمعنى حقة كما يستعمله الناس، وكان مخففة بطل عملها فالجملة بعدها لا محل لها فانظر من أي أنواع الجمل هذه أو اسمها محذوف في محل رفع وضمبر ثدياه للنحر والثدي معروف، وقيل ليس البيت كالآية لأنها اعتبر فيها ضمير الشأن لأنّ حق هذه الحروف الدخول على المبتدأ والخبر، ولو بعد التخفيف فإنه لا يبطل إلا العمل وعلى هذا لا حاجة إلى ضمير الشأن في البيت والتمثيل به لمجرّد بطلان العمل وهذا مخالف لما صرّحوا به فإنّ ابن مالك رحمه الله تعالى صرّج في التسهيل بأنها عاملة بعد التخفيف دائما، وقال في المفصل يجوز إعمالها والغاؤها مطلقا فأوّله ابن يعيش بأنّ المراد بإلغائها عملها في ضمير الشأن وهو بعيد ومن ذهب إلى الأوّل قدر ضمير الشأن في البيت كما صرحوا به، وأمّا التفصيل الذي ذكر. فلم نره لغيره، وبطلان عملها يخرجها عن مقتضاها على القول به وفي شرح الشواهد لابن هشام ﵀ أنّ هذا البيت أورده سيبويه رحمه الله تعالى هكذا: ووجه مشرق النحر كان ثدياه حقان وعليه فالضمير للوجه أو للنحر وهو بتقدير مضاف أي ثديا صاحبه أو الإضافة لأدنى ملابسة، وقد روي أوّله وصدر، وأصل كان كأنه والضمير للوجه أو الصدر أو للشأن

стр. 1474

والجملة الاسمية خبره فلا يتعين تفدير ضمير الشأن كما قالوه هنا وروي كان ثدييه على أعمالها في اسم مذكور فحقان الخبر، وقوله إلى كشف ضر الخ إشارة إلى تقدير مضاف لأنّ المدعو إليه كشفه لا هو، وقيل إلى بمعنى اللام فلا تقدير فيه. قوله: (مثل ذلك التزيين الخ) تفسير معنى لا إشارة إلى أنّ الكاف اسمية، والإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده لا إلى شيء آخر مشبه به، وقد مرّ تحقيقه في سورة البقرة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] والتزيين مرّ تحقيقه وتحقيق فاعله في سورة الأنعام. قوله:) حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى الخ) جعلها ظرفاً بمعنى حين لا شرطية بتقدير جواب، وهو أهلكناهم بقرينة ما قبله لعدم الحاجة إليه. قوله: (أو عطف على ظلموا) وكذا قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ وجوّز الزمخشريّ كونه اعتراضا بين الفعل ومصدره التشبيهي، وقال النحرير لأنّ معنى ظلموا وما بعده إحداث التكذيب، ومعنى هذا الإصرار عليه بحيث لا فائدة في إمهالهم، وحاصل المعنى أن السبب في إمهالهم هذان الأمران، وهذا ظاهر على تقدير العطف، وأمّا على تقدير الاعتراض فلأنه مفيد لتقرير ما تخلل هو بينه، وهو إفادة السببية وهذا دفع لما توهم من أنه لا يصلح سببا لإهلاكهم، والعطف يقتضيه والضمير في كانوا عائد على القرون وجوّز مقاتل ﵀ أن يكون ضمير أهل مكة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى ما كنتم لتؤمنوا وكذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الجزاء نجزي وقرئ يجزي بياء الغيبة التفاتا من التكلم في أهلكنا إليها. قوله: (وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم الخ) قيل عليه أنّ علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأنّ العلم تابع للمعلوم لا بالعكس وقال بعض فضلاء عصرنا كون العلم علة لكفرهم وعدم إيمانهم باطل لا يشتبه على مؤمن فضلا عن عالم فاضل لأنّ كون علم العالم الديان علة للكفر، والعصيان مقالة أهل الزيغ والطغيان وحاشى مثل المصنف ﵀ أن يقع فيه لكن ظاهر عطف قوله وعلمه الخ على قوله لفساد استعدادهم يوهم ذلك فيجب أن يؤوّل كلامه، ويصرف عن ظاهره بأن يجعل المراد موتهم على الكفر المعلوم منه تعالى أو يجعل العلم علة للحكم بأنهم يموتون على الكفر، ويكون حاصل المعنى، ولقد أهلكنا القرون السابقة لما كذبوا وعلمت أنهم لا يؤمنون وان أهلكناهم فتكون العلة هي المعلوم أعني عدم إيمانهم فيما سيأتي ولكن إنما علم ذلك لكون علم الله تعالى محيطا بالمستقبل فتوسيط العلم لإثبات المعلوم لا لإفادة علية العلم فافهم، وقال آخر من فضلاء العصر أقول معنى كون العلم تابعاً للمعلوم أنّ علمه تعالى في الأزل بالمعلوم المعين الحادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصيته العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأئا وجود الماهية وفعليتها فيما لا يزال فتابع لعلمه الأزليّ التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق، وتوجد فيما لا يزال على هذه الخصوصية فنفس موتهم على الكفر، وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزليّ، ووقوعه تابع له فخذ هذا التحقيق ينفعك في مواضع شتى وهذا مما لا شبهة فيه وهو مذهب أهل السنة رحمهم الله تعالى وقد صرّج به النحرير في أوّل سورة الأنعام حيث قال: علم الله بأنهم يتركون الإيمان، ويؤثرون الكفر صار سببا لامتناعهم عن الإيمان باختيارهم عند المعتزلة، وأما عند أهل السنة فقد صار ذلك سبباً لعدم إيمانهم بحيث لا سبيل إليه أصلا وبهذا يندفع ما قال الإمام الرازي إن هدّا يدل على أنّ سبق القضاء بالخسران، والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع عن الإيمان وذلك عين مذهب أهل السنة انتهى، وبهذا علصت ما في هذا المقام من الخبط، وقد زاد في الطنبور نغمة من قال في رده إنّ المصنف ﵀ لم يرد الاستدلال بالعلم على المعلوم حتى يلزم جعل المعلوم تابعا للعلم، ويرد عليه أنّ الأمر بالعكس بل أراد به الإشارة إلى أن وقوع إهلاكه تعالى القرون مشروط بعلمه بموتهم على الكفر، وإن كان نفس الموت على الكفر سببا لنفس الإهلاك، وهو كناية عن نفس موتهم على الكفر لأنّ علم الله تعالى يتعلق بالأشياء على ما هي عليه، والنكتة في تلك الإشارة ما ذكرنا من الاشتراط فتدبر ما ذكرناه، ولا تقع في هوّة التقليد كما وقعوا واحدا بعد واحد، وقد سبق طرف من هذا فيما سبق، وكون اللام لتأكيد النفي مز تفسيره. قوله: (نجزي كل مجرم أو نجزيكم الخ) يعني المجرمين إمّا عامّ شامل لهم، ولمن قبلهم

стр. 1475

من القرون أو خاص بالمخاطبين وذكر القوم إشارة إلى أنه عذاب استئصال والتشبيه على الثاني على ظاهره أي يجزيكم مثل جزاء من قبلكم وعلى الأوّل هو عبارة عن عظم هذا الجزاء والتشبيه فيه على منوال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣ ا] ولم يلتفت إلى جعل القوم المجرمين عبارة عن القرون لأنه غير مناسب للسياق، والدلالة المذكورة من تخصيصهم بالوصف المذكور وهي ظاهرة. قوله: (استخلفناكم قيها بعد القرون) إشارة إلى أنه معطوف على قوله، ولقد أهلكنا لا على ما قبله، وقوله استخلاف من يختبر هو معنى قوله لننظر واشارة إلى أنه على طريق التمثيل لأنّ المعنى كاستخلاف إذ حقيقة الاختبار لا تصح في حقه تعالى. قوله: (أتعملون خيرا أو شرّا الخ (كذا وقع في الكشاف فقيل عليه القاعدة النحوية أنّ ما بعد كيف إن كان فعلاً كان حالاً نحو كيف ضرب وان كان اسما كان خبرا نحو كيف زيد، وهذا يخالفه فكأنه جعله مجازا عن أي شيء لدلالة المقام عليه، ويحتمل أنه بيان لحاصل المعنى، وفيه أن ما ذكره ليس على إطلاقه فإنها في كيف كنت خبر أيضا، وفي كيف ظننت زيداً مفعول به، والتحقيق أن معناها السؤال عن الأحواد والصفات لا عن الذوات، وغيرها فالسؤال هنا عن حالهم وأعمالهم ولا معنى للسؤال عن العمل إلا عن كونه حسنا أو قبيحا وخيرأ أو شزاً فليست مجازاً بل هي على حقيقتها فهي إفا مفعول به أو مفعول مطلق قال في المغني وعندي أنها تأتي مفعولاً مطلقأ وأنّ منه كيف فعل ربك إذ المعنى أفي فعل فعل ربك ولا يتجه فيه أن يكون حالاً من الفاعل انتهى. قوله:) وكيف معمول تعملون فانّ معنى الاستفهام يحجب الخ (أي ليس معمولاً لننظر لأن الاستفهام له الصدارة فيحجب أي يمنع ما قبله من العمل فيه ولذا لزم تقديمه على عامله هنا، وهو من التعليق على كل حال إقا لأنّ النظر بمعنى العلم أو لكونه طريقا له فيعامل معاملة أفعال القلوب في جريان التعليق فيه، وفي قوله معمول تعملون إشارة مّا إلى ما تقدم، وفي قوله سابقا يختبر إشارة إلى أنّ المراد من النظر هنا الاختبار والمراد منه العلم لأنّ الاختبار طريقه فهو راجع إلى ما في الكشاف فإن قلت إذا كان بمعنى العلم يلزم أن لا يكون الله عالما بأعمالهم قبل استخلافهم قلت المراد أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بأعمالهم ليجازيهم بحسنها كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، [سورة هود، الآية: ٧] ويمكن أن يقال المراد بالعلم المعلوم كما مرّ في نظائره فحينئذ يكون هذا مجازاً مرئياً على استعارة، وعلى الأوّل استعارة تمثيلية مرتبة على استعارة تصريحية تبعية وليس الذهاب إلى هذا من المصنف ﵀، والزمخشريّ لأنّ النظر تقليب الحدقة والله تعالى لا يتصف به فلا يلزم تبعيته له في نفي الرؤية كما هو مذهب بعض القدرية القائلين بأنه تعالى لا يرى، ولا يرى كما توهم ولا في جعل رؤية الله بمعنى علمه فإنّ الرؤية إدراك عين المرئيّ كما أنّ السمع إدراك المسموع، وهي حالة مغايرة للعلم فينا، وأمّا في الله تعالى فهل هي مغايرة لعلمه بالمرئيات، والمسموعات كما ذهب إليه الأشاعرة أو ليست مغايرة له بل رؤية الله، وسمعه عبارة عن علمه كما ذهب إليه المعتزلة كما ذهب إليه بعض شرّاح الكشاف بل لأن المعنى يقتضيه فإذا قلت أكرمتك لأرى ما ثصنع فالمعنى لأختبرك، وأعلم ما صنعك فأجازيك عليه، ومن حمل كلام المصنف رحمه الله تعالى على أنه حمل البصر على الانتظار، والتربص! الذي هو أحد معانيه وقال إنّ معمول تعملون ضمير كيف لا هو نفسه فقد خبط وتعسف لعدم تدبر كلام المصنف ﵀ ولم يعرف أنّ كيف لا يصح أن يرجع إليها ضمير كما صرّج به السيرافيّ في شرح الكتاب، ولولا خوف الملل لذكرت كلامه برمته، وكشفت لك الغطاء عما فيه من المفاسد فكن على بصيرة من ربك. قوله: (وفائدته الدلالة) أي لم يقل لننظر عملكم، وعدل عنه إلى ما ذكر لهذه النكتة وهي أنّ النظر إلى كيفية الأعمال لا إليها نفسها، وهما بالنظر إلى معناه الأصليئ فإن المجاز مشعر به، وملوح إليه في الجملة فتدبر، وقوله يحسن الفعل تارة، ويقبح كالخمر يشرب للهو ولإساغة الغصة عند عدم غيرها. قوله: (يعني المشركين الخ) هذا بيان للواقع، ولأنّ من لا يرجو اللقاء وينكر البعث فهو مشرك، وقوله: (بكتاب آخر) إشارة إلى أنّ المراد بالقرآن معناه اللغوفي، وقوله: (أو ما نكرهه (أو فيه لمنع الخلو. قوله: (أو بدّله
следующие страницы →