Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الخ) هذا ردّ لما في الكشاف من أن الآية دلت على أنّ الإيمان المعتبر في الهداية إلى الجنة هو المقيد بالعمل الصالح لا المطلق لأنه جعل الصلة مجموع الأمرين كأنه قال إنّ الذين جمعوا بين الإيمان، والعمل الصالح يهديهم ربهم، ثم قال بإيمانهم أي المقرون بالعمل فرأى بعضهم وتبعه المصنف ﵀ أنه مبنيّ على الاعتزال، وخلود غير الصالح في النار ولا دلالة فيها على ما ذكره لأنه جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان وأمّا أن إضافته إلى ضمير الصالحين تقتضي أخذ الصلاح قيداً في التسبب فممنوع فإنّ الضمير يعود على الذوات بقطع النظر عن الصفات، وأيضا فإن كون الصلة علة للخبر في نحو الذي يؤمن يدخل الجنة بطريق المفهوم فلا يعارض! السبب الصريح المنطوق، وليس كلى خبر عن الموصول يلزم فيه ذلك نحو الذي كان معنا أمس فعل كذا كما فصل في المعاني، وقد ردّ هذا بأنّ الجمع بين العمل الصالح والإيمان ظاهر في أنهما السبب والتصريح بسببية الإيمان المضاف إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالتنصيص على أنه ذلك الإيمان المقرون بما معه لا المطلق لكنه ذكر لأصالته وزيادة شرفه فلا استدراك، ولا دلالة على استقلاله، ثم إنّ النزاع إنما هو في سبب الهدأية إلى
طريق الجنة لا إلى الاستقامة على سلوك السبيل المؤدّي إلى الثواب وأنّ من لا يكون مهتديا إلى الجنة لا يدخل الجنة مطلقا، ومنعه مكابرة فتدبر. قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ أي من تحت منازلهم أو بين أيديهم، وقوله استئناف أي نحويّ أو بيانيّ فلا محل له من الإعراب، وقوله على المعنى الأخير لعدم المقارنة في الأوّلين وان صح أن يكون حالأ منتظرة لكنه خلاف الظاهر، وقوله خبر أي ثالث، وقوله أو حال أخرى منه أي من مفعول يهديهم فتكون حالاً مترادفة أو من الأنهار فهي متداخلة، وقوله أو بيهدي أي على الأخير. قوله: (أي دعاؤهم الخ) الدعوى مشهورة في الادّعاء لكنها وردت بمعنى الدعاء أيضا، وهو المراد هنا بقرينة ما بعده لأنه من جنس الدعاء وتكون أيضا بمعنى العبادة وقد جوّز إرادته هنا، وان كانت الجنة ليست دار تكليف أي لا عبادة لهم غير هذا القول والمراد نفي التكليف كقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [سررة الأنفال، الآية: ٣٥] والأوّل أظهر فلذا اختاره المصنف والثاني أدق أو المراد أنه عبادة لهم تلذذاً لا تكليفا. قوله: (اللهئم إنا نسبحك الخ) أشار به إلى أنّ سبحان مصدر بمعنى التسبيح، وعامله محذوف، وقدّرها اسمية وقدم اللهمّ مع أنه مؤخر بناء على أنّ النداء يقدم على الدعاء لكنه استعمل مع سبحانك كذلك أمّا جعلها اسمية فلأنه أبلغ بقرينة أن الجمل التي بعدها كذلك، وأفا التأخير فلأنّ التنزيه تخلية عن جميع النقائص، وفي النداء ربما يتوهم ترك الأدب. قوله: (ما يحى به بعضهم بعضاً الخ (اختلف في إضافة هدّا المصدر وهو تحية فقيل إنه مضاف لفاعله أي تحيتهم بتقدير مضاف أي تحية بعضهم بعضاً آخراً والبعض المقدر مفعول والفاعل محذوف وكلام المصنف ﵀ يحتملهما، وأما على كون المحيي الملائكة عليهم الصلاة والسلام فهو مضاف للمفعول لا غير وكذا إذا كان المحي هو الله كما في الكشاف، وستأتي الإشارة إليه في كلام المصنف ﵀، وقيل يجوز أن يكون مما أضيف فيه المصدر لفاعله ومفعوله معا إذا كان المعنى يحيي بعضهم بعضا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٧٨] حيث أضيف لداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام وغيرهما وهما حاكمان ومعهما المحكوم عليهم قيل وهذا مبني على أنه هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز أم لا فان قلنا نعم جاز ذلك لأنّ إضافة المصدر لفاعله حقيقة ولمفعوله مجاز، ومن منع ذلك أجاب بأنّ أقل الجمع اثنان فلذلك قال لحكمهم، وقد مرّ أنّ الخلاف في ذلك إذا كان المجاز لغويا وأفا إذا كان عقليا فلا خلاف في جوازه ونظير. ما قيل في حب الهرّة من الإيمان أن المراد أن تحب الهرّة أو تحبك الهرّة
وقيل المراد حث الهزة مطلقا سواء كان منها أو لها، وقيل لم يقصد بالإضافة إلى الفاعل والمفعول النظر إلى ذلك بل قطع النظر عنه، ومعناه التحية الكائنة فيما بينهم والضمير على كل حال للمؤمنين وعلى كل حال لا يخفى ما فيه، ولما رآه السفاقسيئ مشكلأ قال إنه مصدر مضان للمجموع لا على سبيل العمل فكان كما قيل:
ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر
قوله:) أي أن يقولوا ذلك الخ (فسره بالمصدر لأن المبتدأ آخر
стр. 1472
المضاف إلى المصدر فيكون بعضاً منه فلا يقال إنه لا ضرورة لتأويله بالمصدر، والدعاء مقول لهم لا قول. قوله:) ولعل المعنى أئهم الخ) يعني أن لدعائهم أوّلاً وآخراً فأوّله سبحانك اللهمّ، وآخره الحمد دلّه رلمحت العالمين وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة ترقوا في معرفته تعالى، ومعرفة كنه ذاته غير ممكن فالغاية القصوى معرفة صفاته وهي إئا سلبية وتسمى بصفات الجلال وافا غيرها وتسمى بصفات اجمرام وبه فسر قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٧٨] والأولى متقدمة على الثانية فلذا قدم قوله سبحانك، وأخر النداء أيضاً مع تقدمه في نحوه إشارة إلى ترقيهم في معرفة صفات الجلال، ثم قيل الحمد لله إشارة إلى ترقيهم في صفات الإكرام، وقوله أو الله تعالى إشارة إلى الوجه الآخر، وهو أن يكون تحية مضافا للمفعول والفاعل هو الله كما صرّج به الزمخشري فيما تقدّم وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [سورة يس، الآية: ٥٨] . قوله:) وأن هي المخففة من الثقيلة الخ) واسمها ضمير الشان محذوف، والجملة الاسمية خبرها وأن ومعمولاها خبر المبتدأ وليست مفسرة لفقد شرطها ولا زائدة كما قيل وقراءة مجاهد وقتادة ويعقوب وغيرهم بتشديدها ونصب الحمد تدذ على ذلك وعذى يسرع بنفسه حملا له على يعجل. قوله:) وضع موضع تعجيله الخ (قال سيبويه التقدير لو يعجل الله للناس الشرّ تعجيلا مثل تعجيلهم الخير، ثم حذف تعجيلا وأقيمت صفته مقامه ثم حذفت الصفة وأقيم ما أضيفت إليه مقامها كاسأل القرية انتهى، وفي الكشاف وضحع استعجالهم
بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم، واسعافه بطلبتهم حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل لهم والمراد أهل مكة، وقولهم فأمطر علينا حجارة من السماء، وفي الانتصاف هذا من تنبيهاته الحسنة الدالة على دقة نظره إذ لا يكاد يوضع مصدر مؤكد مقارنا لغير فعله في الكتاب العزيز بدون هذه الفائدة الجليلة والنحاة يقولون فيه أجري المصدر على فعل مقدر دل عليه المذكور، ولا يزيدون عليه وإذا راجع الفطن قريحته وناجى فكرته علم أنه إنما قرن بغير فعله لفائدة ففي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الآية: ١٧] التنبيه على نفوذ القدرة في المقدور وسرعة إمضاء حكمها حتى كان إنبات الله لهم نفس نباتهم أي إذا وجد الإنبات وجد النبات حتماً حتى كان أحدهما عين الآخر فقرن به، وقال المدقق في الكشف أنه إشعار بسرعة إجابته لهم حتى كأنّ استعجالهم بالخير عين تعجيله لا يتأخر عنه، وهذا كما قيل في قوله فانفجرت أنه دالّ على سرعة الامتثال كأنّ الانفجار ترتب على نفس الأمر فما قيل أنّ مدلول عجل غير مدلول استعجل لأن عجل يدلّ على الوقوع، واستعجل على طلب التعجيل وذلك واقع من الله، وهذا مضاف إليهم فلا يصح ما ذكر بل لا بدّ أن يقدر تعجيلاً مثل استعجالهم أي ولو يعجل الله للناس الشرّ إذا استعجلوه استعجالهم بالخير من قلة التدبر وكذا دفعه بأنّ استفعل ليس للطلب بل هو كاستقرّ بمعنى أقرّ، وقد علم من كلام المصنف رحمه الله تعالى دفع ما توهموه لأنه لا بد فيه من تقدير ولكن طيه لدلالة المذكور عليه حتى كأنه مذكور بذكره إفادة النكتة المذكورة ولذا عده في البيان من إيجاز الحذف وشبهه المدقق بالفاء الفصيحة حتى أنه لو سمى المصدر الفصيح حسن ذلك وقد أطال بعضهم هنا بغير طائل مما رأينا تركه خيراً منه فقول المصنف رحمه الله تعالى وضع أي حل محله بعد حذفه، وقوله في الخير لأنه مشبه به فهو ثابت بخلاف تعجيل الشرّ فإنه في حيز لو منفيّ وقوله: (المراد شرّ استعجلوه) يؤخذ مما سيقدره وبقية كلامه ظاهر إلا أنه قيل لو طرج قوله تعجيله للخير من البين كان أولى، وقوله لأميتوا وهلكوا لأنّ معنى قضى إليه أجله أنهى إليه مذته التي قدر فيها موته فهلك، وعلى قراءة قضينا الضمير فيه لله أيضا وفيه التفات. قوله: (عطف على فعل محذوف الخ) يعني أنه لا يصح عطفه على شرط لو ولا على جوابها لانتفائه، وهذا مقصود إثباته لا نفيه فلذا ذهبوا فيه إلى طرق منها أنه معطوف على مجموع الشرطية لأنها في معنى لا يعجل لهم، وفي قوّته فكأنه قيل لا نعجل بل نذرهم، ومنها أنه معطوف على مقدر تدل عليه الشرطية أي ولكن نمهلهم أو لا تعجل كما قدره المصنف ﵀، وقيل الجملة مستأنفة والتقدير فنحن نذرهم، وقيل إنّ الفاء جواب شرط مقدر، والمعنى، ولو يعجل الله ما استعجلوه لأبادهم، ولكن يمهلهم ليزيدوا في طغيانهم ثم يستأصلهم
стр. 1473
وإذا كان كذلك فنحن نذر هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا من أهل مكة في طغيانهم يعمهون، ثم نقطع دابرهم، وقيل هذه
الآية متصلة بقوله إنّ الذين لا يرجون لقاءنا دالة على استحقاقهم العذاب وأنه تعالى إنما يمهلهم استدراجا وأتى بالناس بدل ضميرهم تفظيعاً للأمر ثم قيل فنذر الذين لا يرجون لقاءنا مصرحاً باسمهم، وذكر المؤمنين إنما وقع في البين تتميماً ومقابلة فليس بأجنبيّ، ولا حاجة إلى جعله جواب شرط مقدر، وأمّ جعل لو بمعنى أن وتفريع ما بعده عليه فركيك إذا تأملت وان ظن أنه وجه وجيه. قوله: (دعانا لإزالتة مخلصاً فيه الخ الجنبه في محل نصب على الحال ولذا عطف عليه الحال الصريحة والتقدير دعانا مضطجعا لجنبه أو ملقي لجنبه واللام على ظاهرها، وقيل أنها بمعنى على ولا حاجة إليه وقد يعبر بعلى بدله وهي تفيد استعلاءه عليه، واللام تفيد اختصاصه به لاستقراره عليه، واختلف في ذي الحال فقيل الإنسان والعامل فيها مس، واستضعف بأمرين.
أحدهما: تأخرها عن محلها بغير داع.
والثاتي: أنّ المعنى على أنه يدعو كثيراً في كل أحواله لا على أنّ الضرّ يصيبه في كل أحواله كما صرّح به في غير هذه الاية.
وقيل إنه لا بأس به فإنه يلزم من مسه الضرّ في هذه الأحوال دعاؤه في تلك الأحوال
أيضا لأنّ القيد في الشرط قيد في الجواب فإذا قلت إذا جاء زيد فقيراً أحسنا إليه فالمعنى أحسنا إليه في حال فقر.، وقيل ذو الحال فاعل دعانا وهو ظاهر ثم هل المراد بالإنسان الجنس، والأحوال بالنسبة إلى المجموع أي منهم من يدعو على هذه الحال ومنهم من يدعو على تلك أو المراد شخص معين وأنّ هذه أحواله، والمراد الكافر ذهب إلى كل منها بعض المفسرين ولا حاجة إلى جعل إذا هنا للمضيّ، وصرفها عن أصلها كما قيل وقوله ملقى قدر له متعلقا خاصا ليظهر به معنى اللام. قوله: (وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال (أي سواء كان بالنسبة لشخص واحد أو للنوع كما مز، وأمّا شموله لأصناف المضار أي الأمراض فلأنها إمّا خفيفة لا تمنعه القيام أو متوسطة تمنعه القيام دون القعود أو شديدة تمنع منهما فهذه الأحوال مبينة لمضاره من السياق ولا خفاء في ذلك يحتاج إلى التوجيه كما توهم. قوله: (مضى على طريقتة واستمرّ على كفره) فيه إشارة إلى أنّ المراد بالإنسان نوع منه، وهو الكافر لا الجنس فالمرور على هذا مجاز عن الاستمرار على ما كان عليه، وعلى الثاني باق على حقيقته وهو كناية عن عدم الدعاء وعدى بعلى في الأوّل لتضمنه معنى المضيّ وعن في الثاني لتضمنه معنى المجاوزة. قوله:) كأنه لم يدعنا الخ (بالتشديد بيانا لأصله لقوله فخفف والتمثيل لتخفيفه
واضمار ضمير الشأن بدليل رفع ثدياه وهذا بناء على أنها إذا خففت لا يبطل عملها فيقدّر لها ما يقتضيه الكلام، وقال الفاضل اليمني: أنه يبطل عملها، وأصل البيت كان ثدييه فلما خفف بطل عملها فلا حاجة إلى تقدير. قوله:
(ونحومشرق اللون كان ثدياه حقان)
وفي بعض النسخ مشرق الصدر ولم يعز هذا البيت لقائله والنحر موضع القلادة من الصدر والأصل حقتان فحذفت تاؤه في التثنية على خلاف القياس كما قالوا، وهذا يدل على أنه لا يقال حق بمعنى حقة كما يستعمله الناس، وكان مخففة بطل عملها فالجملة بعدها لا محل لها فانظر من أي أنواع الجمل هذه أو اسمها محذوف في محل رفع وضمبر ثدياه للنحر والثدي معروف، وقيل ليس البيت كالآية لأنها اعتبر فيها ضمير الشأن لأنّ حق هذه الحروف الدخول على المبتدأ والخبر، ولو بعد التخفيف فإنه لا يبطل إلا العمل وعلى هذا لا حاجة إلى ضمير الشأن في البيت والتمثيل به لمجرّد بطلان العمل وهذا مخالف لما صرّحوا به فإنّ ابن مالك رحمه الله تعالى صرّج في التسهيل بأنها عاملة بعد التخفيف دائما، وقال في المفصل يجوز إعمالها والغاؤها مطلقا فأوّله ابن يعيش بأنّ المراد بإلغائها عملها في ضمير الشأن وهو بعيد ومن ذهب إلى الأوّل قدر ضمير الشأن في البيت كما صرحوا به، وأمّا التفصيل الذي ذكر. فلم نره لغيره، وبطلان عملها يخرجها عن مقتضاها على القول به وفي شرح الشواهد لابن هشام ﵀ أنّ هذا البيت أورده سيبويه رحمه الله تعالى هكذا:
ووجه مشرق النحر كان ثدياه حقان
وعليه فالضمير للوجه أو للنحر وهو بتقدير مضاف أي ثديا صاحبه أو الإضافة لأدنى ملابسة، وقد روي أوّله وصدر، وأصل كان كأنه والضمير للوجه أو الصدر أو للشأن
стр. 1474
والجملة الاسمية خبره فلا يتعين تفدير ضمير الشأن كما قالوه هنا وروي كان ثدييه على أعمالها في اسم مذكور فحقان الخبر، وقوله إلى كشف ضر الخ إشارة إلى تقدير مضاف لأنّ المدعو إليه كشفه لا هو، وقيل إلى بمعنى اللام فلا تقدير فيه.
قوله: (مثل ذلك التزيين الخ) تفسير معنى لا إشارة إلى أنّ الكاف اسمية، والإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده لا إلى شيء آخر مشبه به، وقد مرّ تحقيقه في سورة البقرة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] والتزيين مرّ تحقيقه وتحقيق فاعله في سورة الأنعام. قوله:) حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى الخ) جعلها ظرفاً بمعنى حين لا
شرطية بتقدير جواب، وهو أهلكناهم بقرينة ما قبله لعدم الحاجة إليه. قوله: (أو عطف على ظلموا) وكذا قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ وجوّز الزمخشريّ كونه اعتراضا بين الفعل ومصدره التشبيهي، وقال النحرير لأنّ معنى ظلموا وما بعده إحداث التكذيب، ومعنى هذا الإصرار عليه بحيث لا فائدة في إمهالهم، وحاصل المعنى أن السبب في إمهالهم هذان الأمران، وهذا ظاهر على تقدير العطف، وأمّا على تقدير الاعتراض فلأنه مفيد لتقرير ما تخلل هو بينه، وهو إفادة السببية وهذا دفع لما توهم من أنه لا يصلح سببا لإهلاكهم، والعطف يقتضيه والضمير في كانوا عائد على القرون وجوّز مقاتل ﵀ أن يكون ضمير أهل مكة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى ما كنتم لتؤمنوا وكذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الجزاء نجزي وقرئ يجزي بياء الغيبة التفاتا من التكلم في أهلكنا إليها. قوله: (وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم الخ) قيل عليه أنّ علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأنّ العلم تابع للمعلوم لا بالعكس وقال بعض فضلاء عصرنا كون العلم علة لكفرهم وعدم إيمانهم باطل لا يشتبه على مؤمن فضلا عن عالم فاضل لأنّ كون علم العالم الديان علة للكفر، والعصيان مقالة أهل الزيغ والطغيان وحاشى مثل المصنف ﵀ أن يقع فيه لكن ظاهر عطف قوله وعلمه الخ على قوله لفساد استعدادهم يوهم ذلك فيجب أن يؤوّل كلامه، ويصرف عن ظاهره بأن يجعل المراد موتهم على الكفر المعلوم منه تعالى أو يجعل العلم علة للحكم بأنهم يموتون على الكفر، ويكون حاصل المعنى، ولقد أهلكنا القرون السابقة لما كذبوا وعلمت أنهم لا يؤمنون وان أهلكناهم فتكون العلة هي المعلوم أعني عدم إيمانهم فيما سيأتي ولكن إنما علم ذلك لكون علم الله تعالى محيطا بالمستقبل فتوسيط العلم لإثبات المعلوم لا لإفادة علية العلم فافهم، وقال آخر من فضلاء العصر أقول معنى كون العلم تابعاً للمعلوم أنّ علمه تعالى في الأزل بالمعلوم المعين الحادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصيته العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأئا وجود الماهية وفعليتها فيما لا يزال فتابع لعلمه الأزليّ التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق، وتوجد فيما لا يزال على هذه الخصوصية فنفس موتهم على الكفر، وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزليّ، ووقوعه تابع له فخذ هذا التحقيق ينفعك في مواضع شتى وهذا مما لا شبهة فيه وهو مذهب أهل السنة رحمهم الله تعالى وقد صرّج به النحرير في أوّل سورة الأنعام حيث قال: علم الله بأنهم يتركون الإيمان، ويؤثرون الكفر صار سببا لامتناعهم عن الإيمان باختيارهم عند المعتزلة، وأما عند أهل السنة فقد صار ذلك سبباً لعدم إيمانهم بحيث لا سبيل إليه أصلا وبهذا يندفع ما قال الإمام
الرازي إن هدّا يدل على أنّ سبق القضاء بالخسران، والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع عن الإيمان وذلك عين مذهب أهل السنة انتهى، وبهذا علصت ما في هذا المقام من الخبط، وقد زاد في الطنبور نغمة من قال في رده إنّ المصنف ﵀ لم يرد الاستدلال بالعلم على المعلوم حتى يلزم جعل المعلوم تابعا للعلم، ويرد عليه أنّ الأمر بالعكس بل أراد به الإشارة إلى أن وقوع إهلاكه تعالى القرون مشروط بعلمه بموتهم على الكفر، وإن كان نفس الموت على الكفر سببا لنفس الإهلاك، وهو كناية عن نفس موتهم على الكفر لأنّ علم الله تعالى يتعلق بالأشياء على ما هي عليه، والنكتة في تلك الإشارة ما ذكرنا من الاشتراط فتدبر ما ذكرناه، ولا تقع في هوّة التقليد كما وقعوا واحدا بعد واحد، وقد سبق طرف من هذا فيما سبق، وكون اللام لتأكيد النفي مز تفسيره. قوله: (نجزي كل مجرم أو نجزيكم الخ) يعني المجرمين إمّا عامّ شامل لهم، ولمن قبلهم
стр. 1475
من القرون أو خاص بالمخاطبين وذكر القوم إشارة إلى أنه عذاب استئصال والتشبيه على الثاني على ظاهره أي يجزيكم مثل جزاء من قبلكم وعلى الأوّل هو عبارة عن عظم هذا الجزاء والتشبيه فيه على منوال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣ ا] ولم يلتفت إلى جعل القوم المجرمين عبارة عن القرون لأنه غير مناسب للسياق، والدلالة المذكورة من تخصيصهم بالوصف المذكور وهي ظاهرة. قوله: (استخلفناكم قيها بعد القرون) إشارة إلى أنه معطوف على قوله، ولقد أهلكنا لا على ما قبله، وقوله استخلاف من يختبر هو معنى قوله لننظر واشارة إلى أنه على طريق التمثيل لأنّ المعنى كاستخلاف إذ حقيقة الاختبار لا تصح في حقه تعالى. قوله: (أتعملون خيرا أو شرّا الخ (كذا وقع في الكشاف فقيل عليه القاعدة النحوية أنّ ما بعد كيف إن كان فعلاً كان حالاً نحو كيف ضرب وان كان اسما كان خبرا نحو كيف زيد، وهذا يخالفه فكأنه جعله مجازا عن أي شيء لدلالة المقام عليه، ويحتمل أنه بيان لحاصل المعنى، وفيه أن ما ذكره ليس على إطلاقه فإنها في كيف كنت خبر أيضا، وفي كيف ظننت زيداً مفعول به، والتحقيق أن معناها السؤال عن الأحواد والصفات لا عن الذوات، وغيرها فالسؤال هنا عن حالهم وأعمالهم ولا معنى للسؤال عن العمل إلا عن كونه حسنا أو قبيحا وخيرأ أو شزاً فليست مجازاً بل هي على حقيقتها فهي إفا مفعول به أو مفعول مطلق قال في المغني وعندي أنها تأتي مفعولاً مطلقأ وأنّ منه كيف فعل ربك إذ المعنى أفي فعل فعل ربك ولا يتجه فيه أن يكون حالاً من الفاعل انتهى. قوله:) وكيف معمول تعملون فانّ معنى الاستفهام يحجب الخ (أي ليس معمولاً لننظر لأن الاستفهام له الصدارة فيحجب أي يمنع ما قبله من العمل فيه ولذا لزم تقديمه على عامله هنا، وهو من التعليق على كل حال إقا
لأنّ النظر بمعنى العلم أو لكونه طريقا له فيعامل معاملة أفعال القلوب في جريان التعليق فيه، وفي قوله معمول تعملون إشارة مّا إلى ما تقدم، وفي قوله سابقا يختبر إشارة إلى أنّ المراد من النظر هنا الاختبار والمراد منه العلم لأنّ الاختبار طريقه فهو راجع إلى ما في الكشاف فإن قلت إذا كان بمعنى العلم يلزم أن لا يكون الله عالما بأعمالهم قبل استخلافهم قلت المراد أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بأعمالهم ليجازيهم بحسنها كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، [سورة هود، الآية: ٧] ويمكن أن يقال المراد بالعلم المعلوم كما مرّ في نظائره فحينئذ يكون هذا مجازاً مرئياً على استعارة، وعلى الأوّل استعارة تمثيلية مرتبة على استعارة تصريحية تبعية وليس الذهاب إلى هذا من المصنف ﵀، والزمخشريّ لأنّ النظر تقليب الحدقة والله تعالى لا يتصف به فلا يلزم تبعيته له في نفي الرؤية كما هو مذهب بعض القدرية القائلين بأنه تعالى لا يرى، ولا يرى كما توهم ولا في جعل رؤية الله بمعنى علمه فإنّ الرؤية إدراك عين المرئيّ كما أنّ السمع إدراك المسموع، وهي حالة مغايرة للعلم فينا، وأمّا في الله تعالى فهل هي مغايرة لعلمه بالمرئيات، والمسموعات كما ذهب إليه الأشاعرة أو ليست مغايرة له بل رؤية الله، وسمعه عبارة عن علمه كما ذهب إليه المعتزلة كما ذهب إليه بعض شرّاح الكشاف بل لأن المعنى يقتضيه فإذا قلت أكرمتك لأرى ما ثصنع فالمعنى لأختبرك، وأعلم ما صنعك فأجازيك عليه، ومن حمل كلام المصنف رحمه الله تعالى على أنه حمل البصر على الانتظار، والتربص! الذي هو أحد معانيه وقال إنّ معمول تعملون ضمير كيف لا هو نفسه فقد خبط وتعسف لعدم تدبر كلام المصنف ﵀ ولم يعرف أنّ كيف لا يصح أن يرجع إليها ضمير كما صرّج به السيرافيّ في شرح الكتاب، ولولا خوف الملل لذكرت كلامه برمته، وكشفت لك الغطاء عما فيه من المفاسد فكن على بصيرة من ربك. قوله: (وفائدته الدلالة) أي لم يقل لننظر عملكم، وعدل عنه إلى ما ذكر لهذه النكتة وهي أنّ النظر إلى كيفية الأعمال لا إليها نفسها، وهما بالنظر إلى معناه الأصليئ فإن المجاز مشعر به، وملوح إليه في الجملة فتدبر، وقوله يحسن الفعل تارة، ويقبح كالخمر يشرب للهو ولإساغة الغصة عند عدم غيرها. قوله: (يعني المشركين الخ) هذا بيان للواقع، ولأنّ من لا يرجو اللقاء وينكر البعث فهو مشرك، وقوله: (بكتاب آخر) إشارة إلى أنّ المراد بالقرآن معناه اللغوفي، وقوله: (أو ما نكرهه (أو فيه لمنع الخلو. قوله: (أو بدّله
стр. 1476
بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى الخ (التبديل يطلق على تبديل ذات بذات أخرى كبدلت الدنانير دراهم، وعلى صفة بأخرى كبدلت الخاتم حلقة فالظاهر أنّ المراد بقوله أئت بقرآن غير هذأ القسم الأوّل، وقوله أو بدله الثاني لأن تبديل بعض
الشيء ليس تبديلا لذاته بل قريب من تبديل الصفة، والصورة. قوله:) ولعلمهم سألوه الخ (الإسعاف المساعدة بالإجابة إلى ما طلبوه فيلزموه بأنه ليس من عند الله بل هو افتراء منه فلذا بدله وغيره كما يريد وليس المراد أنه لو أجابهم آمنوا، وقوله ما يصح إشارة إلى أن كان تامّة بمعنى وجد ونفي الوجود قد يراد ظاهره، وقد يراد به نفي الصحة فإنّ وجود ما ليس بصحيح كلاً وجود. قوله: (وهو مصدر استعمل ظرفاً) أي هو مصدر على تفعال بكسر التاء ولم يجىء مصدر بكسرها غير تلقاء وتبيان وان وقع في الأسماء غيرهما، وقرئ شاذاً بفتح التاء، وهو القياس في المصادر الدالة على التكرار كالتطواف، والتحوال، وقد يستعمل تلقاء بمعنى المقابل، وأمام فينتصب انتصاب الظروف المكانية، ويجوز جزه بمن أيضا فإنها لا تخرج الظرف عن ظرفيته، ولذا اختصت الظروف الغير المتصرّفة كعند بدخولها عليها فهو هنا كذلك بمعنى من جهتي ومن عندي استعمل في الظرفية المجازية إذ معنى الملاقاة غير مراد هنا فما قيل إن أراد أنه يستعمل ظرفاً ولو في موضع آخر فمسلم كتوجهت تلقاءه اًي جانبه، وان أراد أنه هنا ظرف فممنوع لدخول من عليه لا صحة له. قوله: (وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل) يعني أنهم اقترحوا عليه أحد أمرين الإتيان بقرآن آخر والتبديل فأجاب عن التبديل فقط بحسب الظاهر لأن الإتيان بقرآن آخر غير مقدور عليه فلم يحتج إلى الجواب عنه لأنه إذا لم يكن له التبديل لم يكن له الإتيان بقرآن آخر بطريق الأولى فهو جواب عن الأمرين بحسب المآل، والحقيقة، وهم يعلمون أنّ الإتيان بمثله غير مقدور ولكن اقترحوه لما مرّ ولا يصح أن يكون مرادهم الإتيان به من الله تعالى بالوحي أيضاً لأنه لا يناسب قوله إن اتبع إلا ما يوحي إليّ إني أخاف إن عصيت ربي، وأمّا كون عصيانه بالاقتراج على الله فإنه لا يليق به فخلاف الظاهر الناطق به السياق، وفي قوله من تلقاء نفسي إشعار بأنه يكون من الله وهو كذلك كما وقع في نسخ بعض الآيات كما سيشير إليه، وأمّا الاعتراض بأنّ قوله من تلقاء نفسي يشعر بأنه مقدور له، ولكن لا يفعله بغير إذنه تعالى والتبديل بالمعنى الأوّل أي تبديل القرآن بغيره غير مقدور له فليس بوارد لأنّ التبديل المقصود به تبديل البعض بدليل وقوعه في مقابلة الأوّل، والسكوت عن الأوّل لا يشعر بإمكانه بل يشعر بخلافه فتدبر. قوله: (تعليل لما يكون الخ) أي مستأنف لبيان وجه ما ذكره والمستبد المستقل وقوله:) وجواب للنقض الخ) أي أنه جواب لنقض مقدر، وهو أنه كيف هذا وقد وقع مثله بالنسخ لبعض الآيات، واعترض عليه بأنّ قوله من تلقاء نفسي يحصل به جواب النقض فلا حاجة لدفعه بهذا بل الجواب حاصل بالأوّل، وهذا تعميم بعد
التخصيص فيشمل النسخ وغيره، وفيه بحث، وقوله: (ولذلك الخ) أي قيده بقوله من تلقاء نفسي رذا لتعريضهم بأنه من عنده، وسماه عصيانا لأنّ تبديل ما هو من عند الله معصية، وقوله: (وفيه إيماء الخ (لأنّ اقتراج ما يوجب العذاب يستوجبه أيضاً، وإن لم يكن كقعله ولذا جعله إيماء. قوله:! (لو شاء الله غير ذلك (مقتضى الظاهر أن يقال لو شاء الله أن لا أتلوه ما تلوته لأنّ مفعول المشيئة المحذوف بعد لو عين ما وقع في الجواب على ما قرّره أهل المعاني فقيل المراد بقوله غير ذلك عدم تلاوته فهو تفسير بالمعنى، وقد تقدم ما فيه فتذكره. قوله:) ولا أعلمكم به على لساني (دريت بمعنى علمت يقال: دريت بكذا، وأدريتك بكذا وأدريتك كذا فيتعذى بنفسه، وبالباء وكذا العلم لكونه بمعناه قد يتعذى بالباء فيقال علمت به كما استعمله المصنف ﵀، وأعلمته بكذا وفي الدرّ المصون أنه إذا تعدى بالباء يضمن معنى الإحاطة، وفي القاموس أنه إذا تعدى بالباء يكون بمعنى الشعور، وفيه نظر. قوله:) بلام التثيد (المراد بلام التاً كيد اللام التي تقع في جواب لو، وليست لام الابتداء لأنها لا تدخل على
стр. 1477
الماضي، وأفا دخولها في المعطوف على الجواب دونه، وان كان خلاف الظاهر فهو جائز لنكتة، وهي هنا إن إعلامهم به على غير لسانه أشد انتفاء وأقوى قيل، ولا هذه مذكرة ومؤكدة للنفي زائدة لأن لا تقع في جواب لو لأنه يقال لو قام زيد ما قام عمرو دون لا قام، فيه نظر لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وقوله، والمعنى أي على هذه القراءة.
قوله: (على لغة من يقلب الألف المبدلة الخ) هذه قراءة الحسن وابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهمزة ساكنة فقيل إنها مبدلة من ألف منقلبة عن ياء وهي لغة عقيل كما حكاه قطرب فيقولون في أعطاك أعطأك، وقيل لغة بلحرث، وقيل الهمزة أبدلت من الياء ابتداء كما يقال في البيت لبأت وهذا على كونها غير أصلية وقد قرئ بالألف أيضا. قوله: (أو من الدرء الخ) فالهمزة أصلية من الدرء، وهو الدفع والمنع، ويقال أدرأته أي جعلته دارئا ودافعا والمعنى ما ذكره المصنف ﵀ وقرئ أنذرتكم من الإنذار. قوله: (مقدار عمر (عمر يشبه بظرف
الزمان فينتصب انتصابه أي مدة، وقيل هو على حذف مضاف أي مقدار عمر، واليه ذهب المصنف رحمه الله تعالى وهو بضم الميم وقرأ الأعمش بسكونها للتخفيف وقوله مقدار عمر بالتنوين فأربعين منصوب بدل أو عطف بيان لمقدار ويجوز إضافته، والأربعون سن به تمام الرجولية والعقل، ولذا أكثر جمعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكون بعدها وكذا كان نبينا ﷺ ، وقوله من قبل القرآن إشارة إلى أنّ الضضير عائد عليه على معنى النزول وقيل على وقت النزول، وقبل التلاوة وقوله لا أتلوه ولا أعلمه بيان للقبلية المذكورة. قوله: (فإنه إشارة إلى أن القرآن الخ) تعليل للتقرير قيل عليه إنّ كلامه لا يخلو من تشويش ولو جعل قوله فإنّ من عاس تعليلاً لقوله ثم قرر الخ بدل قوله فإنه إشارة الخ وأتى بمعنى قوله القرآن معجز آخراً بأن يق! ول علم أنه معلم من الله وأنّ ما قرأ عليهم معجز خارق للعادة انتظم غاية الانتظام، وقوله بين ظهرانيهم بفتح النون أي بينهم، وفي وسطهم، والقريض الشعر من القرض، وهو القطع،: والبذ بالمعجمة الغلبة والمنطيق بكسر الميم البليغ والأحاديث جمع حديث على خلاف القياس أو جمع أحدوثة، وأعرب بمعنى أظهر، وبين والأقاصيص القصص، وقوله على ما هي عليه أي على النهج التي وقعت عليه مطابقا للواقع وقوله معلم به من التعليم أو الإعلام. قوله: (أفلا تستعملون عقولكم الخ) العقل قوّة للنفس، ونور روحانيّ به تدرك العلوم، وعقل يكون بمعنى علم وأدرك، والمصنف ﵀ جعله مأخوذاً من العقل المذكور والمراد به استعماله لأنه مما يعلم بالعقل، ويدرك بالفكر. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ قد مرّ مرارا أنّ نفي الأظلمية كناية عن نفي المساوي أيضاً، وقوله تفاد تفاعل من الفداء جعل مجازا عن المحاماة، والاحتراز والاتقاء والاجتناب قال الشاعر:
تفادي الأسود القلب منه تفاديا
وقوله مما أضافوه إليه كناية أي مما نسبوه إليه من كونه افتراء منه لأنه المقصود من قولهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾ الخ كما مرّ. وقول: أو تظليم الخ أي نسبتهم إلى الظلم، والحبهم به عليهم فعلى الأوّل القصد إلى نفي ما ذكروه بأنه لا أحد أظلم ممن أسند إلى الله مالم يقله وكذب بآياته، وعلى الثاني يتضمن ذلك مع زيادة لأنّ نسبته إلى الافتراء تكذيب بايات الله
والأوّل أنسب بالمقام وعلى الثاني تعلقه به لأنهم إنما سألوه ﷺ تبديله لما فيه من ذمّ آلهتهم الذين افتروا في جعلها آلهة، وقيل إنه توطئة لما بعده. قوله: (فكفر بها) يعني أنّ المراد الكفر بكونها من عند الله لا تكذيب ما تضمنته، وقوله: (لأنه جماد الخ) المقصود من هذا الوصف نفي المعبودية عن الأوثان إمّا لأنها جمادات لا تقدر على النفع، والضرّ ومن شأن المعبود القدرة على ذلك وأمّا لأنهم إن عبدوها لا تنفعهم، وان تركوا عبادتها لا تضرّهم ومن شأن المعبود أن يثيب عابده، ويعاقب من لم يعبده، والفرق بينهما إطلاق النفع، والضرّ في الأوّل وتقييده بالعبادة وتركها في الثاني كذا في شرح الكشاف، وكلام المصنف ﵀ صريح في الأوّل وأو للتنويع. قوله: (وكأنهم كانوا شاكين الخ) أي شاكين في البعث كما أشار إليه بقوله إن يكن بعث لأنّ المتبادر من الشفاعة عند الله أنه في الآخرة، وهو مستلزم للبعث، وقوله لا يرجون لقاءنا يقتضي
стр. 1478
خلافه من إنكارهم له فإذا كانوا شاكين مترددين كانوا تارة لا يرجون اللقاء، وأخرى يرجونه ويعدونهم شفعاء لهم فيه، وأورد عليه أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ [سورة يونس، الآية: ٧] على ما فسره المصنف ﵀ والفرضر لا يستلزم التردّد والشك يعني هذا القول منهم على سبيل الفرض والتقدير أي إن كان بعث كما زعمتم فهؤلاء يشفعون لنا فلا تنافي بين الآيتين والمراد بالشك مطلق التردّد لا ما تساوى طرفاه، ولذا قال فيما سيأتي على توهم أنه الخ. قوله: (وهذا من فرط جهالتهم الخ) أي ما ذكر في قوله ويعبدون من دون الله الخ، وتركهم عبادة الله من قوله من دون الله لأنّ معناه يعبدون غير الله مما لا يضرّ ولا ينفع والموجد بالجيم بمعنى الخالق فإن قلت الشفاعة نفع ولو كانت متوهمة فكيف هذا مع قوله قطعا الخ قلت مراده بقوله يعلم قطعا علمهم في الدنيا بعدم نفعها وضرّها فإنه محقق وانكارهم مكابرة لا يعتذ بها أو المراد علم غيرها بذلك مطلفا فتأمل. قوله: (أتخبرونه) قيل فسره به مع ظهوره لأنه يرد بمعنى الإعلام وهو غير مناسب للمقام، وفوله وفيه تقريع وتهكم هو الواقع في أكثر النسخ يعني المقصود من ذكر أنباء الله بما لا تحقق له، ولم يتعلق به علمه التهكم والهزؤ بهم، والا فلا أنباء، وقوله العالم بجميع المعلومات إشارة إلى ما
يلزم من نفي علمه بذلك وهو عدم تحققه. قوله: (من العائد المحذوف) وهو مفعول يعلم إذ التقدير يعلمه وهذه الحال مؤكده لنفي الشريك المدلول عليه بما قبله، وهو جار على التفسيرين ووجه التأكيد إنه جرى في العرف أن يقال عند تأكيد النفي للشيء ليس هذا في السماء، ولا في الأرض! لاعتقاد العامة أنّ كل ما يوجد إما في السماء، وأما في الأرض كما هو رأي المتكلمين في كل ما سوى الله إذ هو المعبود المنزه عن الحلول، وهذا إذا أريد بالسماء، والأرض جهتا العلو والسفل، وقيل الكلام إلزامي لاعتقاد المخاطبين أن الأمر كذلك، وعلى كلام المصنف رحمه الله تعالى فيه دليل على نفي مدعاهم لأنّ ما فيهما مخلوق مقهور فكيف يكون شريكأ لخالقه، والمعبود السماوي الكواكب، والأرضيّ الأصنام، والهياكل وقوله: (عن إشراكهم (إشارة إلى أن ما مصدرية، وما بعده إشارة إلى أنها موصولة، والعائد محذوف. قوله: (موجودين على الفطرة الخ) أي فطرة الإسلام، والتوحيد التي خلق عليها كل أحد كما في الحديث فالمراد كونهم على جبلة واحدة قبل أن يظهر خلافه، وهو في ابتداء النشأة بقطع النظر عما عرض لهم فالمراد كونهم على جبلة واحدة قبل أن يظهر خلافه، وهو في ابتداء النشأة بقطع النظر عما عرض لهم أو المراد اتفاقهم على الحق في عهد آدم ﵊، قبل اختلاف أولاده أو المراد اتفاقهم على التوحيد، والحق في زمن نوج ﵊ بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار وفي هذه الوجوه الاتفاق في الحق أو المراد اتحادهم في الضلال والباطل في الفترة، وهذا أضعفها لبعده ولأنه باعتبار الأكثر لأن منهم من كان على الحق أو على الضلال معطوف على الحق. قوله: (باتباع الهوى والأباطيل الخ) هذا ناظر إلى كون الاتفاق في الحق، وقوله أو ببعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام الخ ناظر إلى كونه في الضلال. قوله:) بتأخير الحكم بينهم الخ (يعني أن الناس لما اختلفوا،
وافترقوا إلى محق ومبطل، والله قادر على أن يحكم بينهم وينزل عليهم آيات ملجئة إلى اتباع الحق أو أن يهلك المبطل ويظهر المحق لكن الحكمة، والقضاء الأزلي اقتضيا تأخيره إلى يوم الفصل والجزاء. قوله: (أي من الآيات التي اقترحوها الخ) كآية موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام طلبوا ذلك تعنتا وعناداً والا فقد أتى بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة تعلو على جميع الآيات، وتفوق سائر المعجزات لا سيما إعجاز القرآن الباقي على وجه الدهر إلى يوم القيامة، وفسر في الكشاف قوله يقولون بقالوا إشارة إلى أنه لحكاية الحال الماضية ولم يتبعه المصنف ﵀ لعدم تعينه. قوله: (تصرف عن إنزالها (يعني أن الصارف عن الإنزال للآيات المقترحة أمر مغيب، واعترض عليه بأنه أمر متعين، وهو عنادهم فالمراد إنما الغيب دلّه لا أعلم متى ينزل بكم العذاب المستأصل لشأفتكم لعنادكم، وان كنت عالماً بأنه لا بد من نزوله وأجيب بأنا لا نسلم أنّ عنادهم هو الصارف فقد يجاب المعاند، وقوله تعالى وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون إن دذ على بقائهم على العناد، وان جاءت لم يدل على أن العناد هو الصارف. قوله: (لنزول ما اقترحوه (
стр. 1479
وقع في نسخة ما اقترحتموه كما في الكشاف، وهو بيان لمتعلق الانتظار، وقيل إنه تهكم بهم لأنه لم يقع، وفيه تأمل، وقوله لما يفعل الله بكم كالقحط الذي دام عليهم، ونصره عليهم، وقتلهم في مواطن كثيرة، وضمير غيره راجع لما+ قوله تعالى: ( ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾ الآية الخ (قيل المراد بالناس كفار مكة لما ذكر في سبب نزولها من قحطهم، وطلبهم أن يدعو لهم بالخصب فيؤمنوا، وقيل إنه عاتم لجميع الكفار دون العصاة لأنّ في الاية ما ينافيه، وقوله صحة وسعة تمثيل، ولم يرد به الحصر وفسر مكرهم بالطعن، وقيل هو إضافة ذلك للأصنام والكواكب والحيا بالمد والقصر المطر، والمراد به هنا الخصب، وقوله منكم بيان لأنّ أسرع أفعل تفضيل وذكر للمفضل عليه، وأسرع مأخوذ من سرع الثلاثيّ كما حكاه الفارسيّ، وقيل هو من أسرع المزيد وفيه خلاف فمنهم من منعه مطلقاً، ومنهم من أجازه مطلقاً، وقيل إن كانت همزته للتعدية امتنع والا جاز ومثله بناء التعجب، وقوله قد دبر الخ
تفسير لسرعته والتدبير مجاز عن التقدير أي تقديره لذلك قبل ذلك. قوله: (على سرعتهم المفضل عليها الخ) في الكشاف ما وصفهم بسرعة المكر فكيف صح قوله أسرع مكرا، وأجاب بأنه دل عليه كلمة المفاجأة لأنّ المعنى فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه، وظاهر كلامه أنّ صحة استعمال أسرع الدال على المشاركة في السرعة متوقف على دلالة الكلام عليه وأنّ وجهه ما ذكر، وكان المصنف ﵀ لم يصرّح بالصحة إشارة إلى أنه ليس بلازم لكن دلالة الكلام عليه أوضح وأظهر، وهو كذلك وإذا الأولى شرطية، والثانية فجائية رابطة لجواب الشرط والكلام في كونها ظرف زمان أو مكان، وفي العامل فيها وفي الشرطية مبسوط في محله. قوله: (والمكر إخفاء الكيد) الكيد المضرة، والمكر إيصال المضرة، وإطلاقه على الله مجاز، ولا يستعمل إلا مشاكلة، وقد سبق ما فيه، وقوله وهو من الله الخ يعني إطلاقه عليه إمّا استعارة بتشبيه الاستدراج به أو مجاز مرسل أو مشاكلة فإنها لا تنافيه كما في شرح المفتاح. قوله: (تحقيق للاثتقام (كما مرّ من أنه إذا ذكر علم الله أو إثباته بكتابة ونحوها لما فعله العباد فهو عبارة عن المجازاة، وقوله لم يخف الخ. تجهيل لهم في مكرهم، واخفائهم ذلك على من لا يخفى عليه خافية. قوله: (بالياء ليوافق ما قبله) هذه قراءة الحسن ومجاهد ونافع في رواية عنه جريا على ما سبق من قوله منهم ولهم، والباقون بالخطاب مبالغة في الإعلام بمكرهم والتفاتاً لقوله قل الله إذ التقدير قل لهم فناسب الخطاب، وفي قوله إنّ رسلنا التفات أيضا إذ لو جرى على قوله قل الله لقيل إن رسله فلا إشكال فيه كما قيل من حيث إنه لا وجه لأمر الرسول ﷺ بأن يقول لهم إنّ رسلنا إذ الضمير لله لا له، وأجيب بتقدير مضاف أي رسل ربنا أو الإضافة لأدنى ملابسة كما قيل، وقد أجاب بأنه حكاية ما قال الله أو على كون المراد أداء المعنى لا بهذه العبارة، وهذا على تقدير أن يكون هذا الكلام داخلا في حيز القول، وليس بمتعين لجواز جعل قول الله ذلك تحقيقاً للقول المأمور به وفي قوله على الحفظة إشارة إلى أنّ المراد برسلنا رسل الملائكة، ولو قال الكتبة كان أظهر فتأمّل. قوله تعالى: ( ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ الآية (قال الإمام لما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ [سورة يونس، الآية: ١٢١ الخ وهو كلام كليّ ضرب لهم مثلابهذا ليتضح ويظهر ما هم عليه، وقوله يحملكم على السير، ويمكنكم في الكشاف فإن قلت كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحريعني وهو مقدم عليه فلا يكون غاية له إذ التسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك قلت لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، ولكن مضمون الجملة الثرطية الواقعة بعد حتى بما في حيزها كأنه قيل
يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف، وتراكم الأمواج، والظن للهلاك، والدعاء بالإنجاء قال أبو حيان ﵀: وهو كلام حسن ولما رآه محتاجا للتأويل أوّله بالحمل على السير والتمكين منه المتقدم على الكون في الفلك ليتضح جعله غاية له فهذا هو الداعي لتفسير المصنف ﵀ بما ذكر، ولم يحتج لما في الكشاف لأنه قيل إنّ التحقيق أنّ الغاية إن فسرت بما ينتهي إليه الشيء بالذات فالغاية ليست إلا الشرط وأن فسرت بما ينتهي إليه الشيء مطلقاً سواء كان بالذات أو بالواسطة كان الغاية مجموع الشرط، والجزاء وقيل المسير
стр. 1480
في البحر هو الله إذ هو المحدث لتلك الحركات في السفينة بالريح، ولا دخل للعبد فيه بل في مقدماته وأما سير البز فمن أفعال العبد الاختيارية، وتسيير الله فيه إعطاء الآلات والأدوات فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولذا فسره المصنف ﵀ بالحمل عليه بأن أحوجه للمعاش، والحركة ومكنه منها فهو معنى مجازقي شامل لهما، وأمّا ادعاء اتحاد السير فيهما والاستدلال به على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله فتكلف وقال ابن عطية ﵀ ركوب البحر للجهاد والحج جائز، وكذا ركوبه لضرورة المعاس، ولغيره وعند هيجان الريح مكروه.
تنبيه: في بعض التفاسير حكى الفخر خلافا في راكب السفينة هل هو متحرّك بحركتها أو ساكن وظاهر الآية الأول لتسويته بين البرّ والبحر وسير البرّ يعمّ الركوب والمشي، ثم نقل عن السلف المنع فيه لغير ضرورة، وعند هيجان ريحه.
) قلت) الأوجه أن لا خلاف فإنه ساكن بالذات سائر بالواسطة، وقرأ ابن عامر ينشركم بالنون، والشين المعجمة، والراء المهملة من النشر ضد الطيّ أي يفرّقكم ويبثكم، وقال الحسن ينشركم من النشر بمعنى الإحياء، وقرأ بعض الشاميين ينشركم بالتشديد للتكثير من النشر، وقرأ الباقون يسيركم من التسيير، والتضعيف فيه للتعدية تقول سار الرجل وسيرته، وقال الفارسي: إنّ سار متعد كسير لأنّ العرب تقول سرت الرجل وسيرته بمعنى كقول الهذلي:
فلاتجزعن من سنة أنت سرتها فأوّل راض سنة من يسيرها
ولم يرتضه النحاة، وأولوا البيت بما فصله المعرب. قوله: (في الفلك) مفرده وجمعه واحد والحركات فيه بينها تغاير اعتبارقي، وقوله بمن فيها إشارة إلى أنّ الخطاب الأوّل عامّ وهذا خاص بمن فيها وهو التفات للمبالغة في تقبيح حالهم كأنه أعرض! عن خطابهم وحكى لغيرهم سوء صنيعهم وباء بهم للتعدية وفي بريح ربها للسببية فلذا تعلق انحرفان بمتعلق واحد لاختلاف معناهما، ويجوز أن تكون الباء الثانية للحال أي جرين بهم ممتبسة بريح طيبة فيتعلق
بمحذوف كما في البحر، وقيل بريح متعلق بجرين بعد تعديته بالباء وقد تجعل الأولى للملابسة، وفرحوا عطف على جرين وهو عطف على كنتم، وقد تجعل حالاً وفسر طيبة بلين هبوبها يعني وموافقتها لهم بمقتضى المقام، وقوله: (والضمير للفلك) قدّمه لكونه أظهر، وان كان الثاني أقرب، وقوله بمعنى تلقتها تأويل له على الوجه الثاني وهو ظاهر. قوله: (ذات عصف شديدة الهبوب) أي هو من باب النسب كلابن وتامر وهو مما يستوي فيه المذكر والمؤنث كما صرحوا به فلذا لم يقل عاصفة مع أن الريح مؤنثة لا تذكر بدون تأويل، وقوله شديدة الهبوب تفسير لمعنى العاصف لأنه من العصف، وهو الكسر أو النبات المتكسر لأن الريح الشديدة تفعل به ذلك فكان كتامر من التمر، ومن لم يدر هذا قال لو حذف قوله ذات عصف كان أولى، وجعله من باب تامر لا وجه له لأنّ الريح تذكر وتؤنث فلذا لم يقل عاصفة أو لاختصاص العصوف به فهو كحاثض، وكيف يتأتى ما ذكره وتفسيره بشديدة الهبوب ينافيه، وقوله يجيء الموج منه تخصيص له لأنه ليس على ظاهره. قوله: (اهلكوا وسدّت عليهم مسالك الخلاص الخ) يشير إلى أنه استعارة تبعية شبه إتيان الموح من كل مكان الذي أشرف بهم على الهلاك، وسد عليهم مسالك الخلاص، والنجاة بإحاطة العدوّ، وأخذه بأطراف خصمه، وهذا أوفق بالنظم من قوله في الكشاف جعل إحاطة العدوّ بالحيّ مثلا في الهلاك، وليس هذا كقوله: ﴿واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩] وهذا لا ينافي قوله تعالى وظنوا، وقيل إنه يريد أنّ الإحاطة استعارة لسد مسالك الخلاص تشبيها له بإحاطة العدوّ بإنسان ثم كني بتلك الاستعارة عن الهلاك لكونه من روادفها ولوازمها فقوله أهلكوا بيان للمعنى المراد بطريق الكناية. وقوله: (وسدّت الخ) بيان للمعنى الأصلي له، وأنه استعارة لا حقيقة وجعل كناية عن نفس الهلاك لا القرب منه كما قيل لأنه مقطوع لا مظنون، وإنما المظنون هو الهلاك نفسه ومن جعله كناية عن القرب منه جعل الظن بمعنى اليقين، ولك أن تجعله كناية عن الهلاك مع كون الظن بمعنى اليقين بناء على تحقق قوعه. في اعتقادهم، وفيه بحث. قوله: (من غير إشراك لتراجع الفطرة)
стр. 1481
أي لرجوعهم إلى الفطرة التي جبل عليها كل أحد من التوحيد، وأنه لا متصرّف إلا الله المركوز في طبائع العالم وصيغة التفاعل للمبالغة، وقوله من شدة الخوف تعليل للتراجع والزوال المذكور وما ذكره المصنف ﵀ تفسير ابن عباس ﵄، رعن الحسن ﵀ ليس المراد إخلاص الإيمان بل علمهم بأنه لا ينجيهم إلا الله جار مجرى الإيمان الاضطراريّ فتأمّل. قوله: (وهو بدل من ظنوا بدل اشتمال الخ) جعله أبو البقاء ﵀ جواب ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشرط أي لما ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله،
وجعله المصنف ﵀ كالزمخشري بدل اشتمال لأنّ دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فبينهما ملابسة تصحح البدلية، وجعله أبو حيان ﵀ جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا كان حالهم إذ ذاك ومخلصين حال وله متعلق به والدين مفعوله، وقيل إنه لم يجعله استئنافا جواب ماذا صنعوا ولا جواب الشرط وجاءتها حال كقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٦٥] لأنّ البدل أدخل في اتصال الكلام والدلاله على كونه المقصود مع إفادته ما يستفاد من الاستئناف مع ألاستغناء عن تقدير السؤال والاحتياج إيى المجواب يقتضي صرف ما يصلح له إليه لا إلى الحال الفضلة المفتقرة إلى تقدير قد مع أن عطف وظنوا على جاءتها يأبى الحالية والفرح بالريح الطيبة لا يكون حال مجيء العاصف، والمعنى على تحقق المجيء لا على تقديره ليجعل حالاً مقدرة، وفيه نظر لأن تقدير السؤال ليس تقديراً حقيقيا بل أمر اعتباري مع ما فيه من الإيجاز، وليس بأبعد مما تكلف للبدلية وما عذ. مانعاً من الحالية مشترك بينه وبين كوته جواب إذا لأنه يقتضي أنهما في زمان واحد فما كان جوابها فهو الجواب فتدبر. قوله: ( ﴿لَئِنْ أَنجَيْتَنَا﴾ الخ) اللام موطئة لقسم مقدر، ولنكونن جوابه والقسم وجوابه في محل نصب بقول مقدّر عند البصريين، وذلك القول حال أي قائلين لئن أنجيتنا الخ ويجوز أن يجري الدعاء مجرى القول لأنه من أنواعه فتحكي به الجملة، وهو مذهب الكويين، وقوله إجابة لدعائهم مأخوذ من الفاء. قوله: (فاجؤوا الفساد فيها الخ) يعني أنّ إذا فجائية واقعة في جواب لما، والبغي بمعنى الفساد والإتلاف، وهو الذي يتعدى بفي وهو يكون بحق وبغير حق فلذا قيد بقوله بغير الحق، ويكون بمعنى الظلم، ويتعدّى بعلى ولا يتصوّر فيه أن يكون بحق فلو حمل عليه كان بغير الحق للتأكيد، والى الأوّل ذهب المصنف ﵀. قوله: (فإن وباله عليكا الخ) يعني أنّ البغي في الواقع على الغير فجعله على أنفسهم لأنّ وباله عائد عليهم فهو إمّا بتقدير مضاف على متعلقة به أو بإطلاق البغي الذي هو سبب للوبال عليه فعلى متعلقة به أو على الاستعارة بتشبيه بغيه على غيره، وايقاعه بإيقاعه على نفسه في ترتب الضرر فيهما كقوله: ﴿وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ [سورة فصلت، الآية: ٤٦] أو المراد بالأنفس أمثالهم استعارة أو أبناء جنسهم لأنهم كنفس واحدة، وهو استعارة أيضا، وليس المراد تقدير أمثال لأنه مفسر له. قوله: (منفعة الحياة الدنيا لا تبقى الخ) تفسير للمراد من متاع الحياة الدنيا فإنّ المتاع يطلق على ما لا بقاء له كما مر. قوله: (ورفعه على أنه خبر بغيكم الخ) متاع
قرئ بالرفع، والنصب فالرفع إمّا على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم متعلق به أو على أنفسكم خبر ومتاع خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أو ذلك متاع الحياة الدنيا. قوله: (ونصبه حفص على أنه مصدر مؤكد الخ) قراءة النصب خرّجت على أوجه منها أنه منصوب على الظرفية نحو مقدم الحاج أي زمن متاع الحياة الدنيا، ومنها أنه مصدر واقع موقع الحال أي متمتعين، والعامل عليهما الاستقرار الذي في الخبر، ولا يجوز أن يكون منصوبا بالمصدر لأنه لا يجوز الفصل بين المصدر، ومعموله بالخبر وأيضا لا يخبر عن المصدر إلا بعد تمام صلاته ومعمولاته ومنها أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر أي يتمتعون متاع الحياة الدنيا أو مفعول به لفعل مقدر أي يبغون متاع الحياة ولا يجوز أن ينتصب بالمصدر لما تقدم، ومنها أنه مفعول لأجله والعامل فيه مقدر أو الاستقرار ويجوز نصبه بالبغي، وجعل عليكم متعلقاً به لا خبراً لما مرّ، والخبر محذوف نحو مذموم أو منهيّ عنه أو ضلال فقوله مصدر مؤكد أي لفعل محذوف، وقوله: (والخبر محذوف) إشارة إلى أنه لا يجوز على هذا جعل على أنفسكم خبرا لأنه لا يجوز الفصل بين المصدر، ومعموله بالخبر، ولا يخبر عنه قبل تقدم متعلقاته كما مرّ
стр. 1482
وقوله محذور هو الخبر المقدر، وقوله: (أو مفعول فعل الخ) أي مفعول به ليبغون مقدراً، وفي كلامه شيء لأنّ البغي له معان الطلب، وهو أصله ويتعدى بنفسه، والإتلاف والإفساد، ويتعدى بفي والظلم، ويتعدى بعلى كما ذكره العلامة الشارح فإذا كان بمعنى الطلب كيف يوصل بعلى، وأيضاً البغي المذكور بمعنى الإفساد فتنتفي المناسبة ويفوت الانتظام فتأمل، وفي جعل البغي عليهم إضارة إلى ما وقع في الحديث " أسرع الخير ثوابا صلة الرحم وأعجل الشرّ عقاباً البغي واليمين الفاجرة " ورويءثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدينإ. وعن ابن عباس ﵄ لو بغى جبل على جبل لدك الباغي.
(وقد قلت) في عقده:
إن يعد ذو بغي عليك فحله وأرقب زمانا لانتقام باغي
واحذرمن البغي الوخيم فلوبغى جب!! على جبل لدك الباغي
وكان المأمون رحمه الله تعالى يتمثل بهذين البيتين لأخيه ﵀:
يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة فأربع فخير فعال المرء أعدله
فلوبغى جبل يوماعلى جبل لاندك مف أعاليه وأسفله
وعن محمد بن كعب ﵀ ثلاث من كن فيه كن عليه البغي، والنكث والمكر، وقوله بالجزاء تقدم وجهه. قوله: (حالها العجيبة الخ) تفسير للمثل فإنه في الأصل ما يشبه مضربه بمورده، ويستعار للأمر العجيب المستغرب كما مرّ تحقيقه، وهذا تشبيه مركب شبه فيه هيئة اجتماعية من الحياة وسرعة انقضائها بأخرى من خضرة الزروع ونضارتها وانعدامها عقيبها بالأمر الإلهي، وقد مرّ تحقيقه في سورة البقرة وقول الزمخشري أنه روعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا يبالي بأيّ أجزائه يلي الكاف فإنه ليس المقصود تشبيهه كالماء هنا ظاهر، وسيصزح به المصنف أيضاً، وقوله: ﴿أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ استعارة وقعت في طرف المشبه به فالمشبه به مركب من أمور حقيقية وأمور مجازية كما قال الطيبي ﵀. قوله: (فاشتبك بسببه حتى خالط الخ) أي بسبب الماء كثر النبات حتى التف بعضه ببعض ومنهم من جعل الباء على أصلها وهو المصاحبة، والاختلاط بالماء نفسه فإنه كالغذاء للنبات فيجري فيه ويخالطه. قوله: (من الزروع والبقول) الذي يأكل الناس، والحشيش الذي يأكله الحيوان، وهو بيان للنبات. قوله: (وازيثت بأصناف النبات الخ) يعني أنّ فيه استعارة مكنية إذ شبهت الأرض! بالعروس وحذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه وتخييلية وهي أخذها الزخرف، وقوله وازينت ترشيح للاستعارة وقيل الزخرف الذهب استعير للنضارة والمنظر السار وزين بكسر الزاي المعجمة، وفتح الياء جمع زينة. توله: (وازينت أصله تزينت) فأدغمت التاء في الزاي، وسقنت فاجتلب همزة وصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن بدليل أنه قرئ تزينت بأصله من غير
تنيير، وقوله وأزينت على أفعلت كأكرصت وكان قياسه أن يعل فتقلب ياؤه ألفاً فيقال أزانت لأنه المطرد في باب الأفعال المعتل العين لكنه ورد على خلافه كأغيلت المرأة بالغين المعجمة إذا سقت ولدها الغيل، وهو لبن الحامل، ويقال أغالت على القياس ومعنى الأفعال الصيرورة أي صارت ذات زينة كأحصد صار إلى الحصاد أو صيرت نفسها ذات زينة وقرأ أبو عثمان النهدي، وغير. أزيأنت بهمزة وصل بعدها زاي ساكنة، وياء مفتوحة، وهمزة مفتوحة ونون مشدّدة وتاء ئانيث وأصله ازيانت بوزن احمارّت بألف صريحة فكرهوا اجتماع ساكنين فقلبوا الألف همزة مفتوحة كما قرئ الضألين بالهمز.
وكقوله:
إذا ما الهوادي بالغبيط احمأزت
وقرأ عوف بن جميل ازيانت بألف من غير إبدال، وقرئ ازاينت أيضا فقول المصنف ﵀ وازيانت بألف أو همزة. قوله: (ضرب رّرعها ما يجتاحه (أمر الله ما قدره، والمراد ما ذكره فهو حقيقة، ولا حاجة إلى جعله كناية عما ذكر ويجتاح بتقديم الجيم على الحاء بمعنى يهلك، وقوله شبيهاً بما حصد من أصله الظاهر أنه تشبيه لذكر الطرفين لأنّ المحذوف في قوّة المذكور شبه الزرع الهالك بما قطع، وحصد من أصله، والجامع بينهما الذهاب من محله فيهما، ويصح أن يكون استعارة مصزحة، وأصله جعلنا زرعها هالكا فشبه الهالك
стр. 1483
بالحصيد وأقيم اسم المشبه به مقامه، ولا ينافيه تقدير المضاف كما توهم لأنه لم يشبه الزرع بالحصد بل الهالك بالحصيد، وهذا أقرب مما ذهب إليه السكاكي من أ) ، فيه استعارة بالكناية إذ شبهت الأرض المزخرفة، والمزينة بالنبات الناضر المونق الذي ورد عليه ما يذبله، ويفنيه، وأثبت له الحصد تخييلاً ولا يخفى بعده فإن أردت تحقيقه فانظر شروح المفتاح، وقوله كأن لم يغن زرعها لو قال بدله نباتها كان أولى لكنه راعى مناسبة الحصيد، وقوله لم يلبث باللام، والباء الموحدة والثاء المثلثة أي لم يمكث، ويقيم وهو تفسير له لأنّ غني بالمكان معناه أقام، وسكن وعاس فيه، ومنه المغني للمنزل، ووقع في بعض النسخ ينبت من النبات والأولى أظهر وأولى، وقوله والمضاف محذوف في الموضعين، وبعد حذفه انقلب الضمير المجرور منصوباً في الأوّل، ومرفوعا مستتراً في الثاني بل في المواضمع لأن قادرون عليها بمعنى قادرون على زرعها أو حصدها نعم المبالغة مخصوصة بهما، ولذا خصهما ووجهها أنّ الأرض نفسها كأنها قلعت وكأنها لم تكن لتغيرها بتغير ما فيها، وقوله على الأصل أي بإرجاع الضمير مذكرآ باعتبار الزرع، ولذا قيل إنه يجوز عود الضمير على الزرع المفهوم من الكلام والسياق وقيل الضمير
للزخرف وقيل للحصيد ويجوز أن يجعل التجوّز في الإسناد. قوله:) فيما قبله وهو مثل في الوقت القريب الخ) أي فيما قبل أمرنا، وفي نسخة قبيله بالتصغير، وأمس يراد به اليوم الذي قبل يومك، ويراد به ما مضى من الزمان مطلقأ كقول زهير:
واعلم علم أليوم والأمس قبله
والأوّل مبني لتضمنه معنى الألف، واللام والثاني معرب، ويضاف وتدخله أل، وخص الوقت القريب بهذا لتعينه، وتعين الحادث فيه وتيقن زواله والا فكل ما طرأ عليه العدم كان كأن لم يكن. قوله:) والممثل به مضمون الحكاية الخ (قد مر بيان أنه تشبيه، وأنه محتو على استعارات، ولطائف من نكت البلاغة كما قرّرنا، والجوائح مع جائحة وهي الآفة وفي نسخة الطوائح، وهي جمع مطيحة على خلاف القياس من الإطاحة بمعنى الإذهاب، والإهلاك. قوله: (دار السلامة من التقضي الخ) دار السلام الجنة ووجه التسمية ما ذكر لأنّ السلام إما مصدر بمعنى السلامة فيكون معناه دارا فيها السلامة من الآفات ومن التقضي أي الانقضاء والزوال لخلودهم فيها أو السلام الله فالإضافة إليه لأنه لا ملك لغيره فيها ظاهراً وباطنا وللتشريف، وللتنبيه على أنّ من فيها سالم مما مر للنظر إلى معنى السلامة في أصله، ويدل على قصده تخصيصه بذلك دون غيره من الأسماء أو السلام بمعنى التسليم من قولهم سلام عليكم لأنه شعارهم فيها أو لتسليم الله والملائكة عليهم الصلاة والسلام عليهم تكريما لهم. قوله: (بالتوفيق (في شرح المواقف التوفيق عند الأشعرفي، وأكثر الأئمة خلق القدرة على الطاعة، وقال إمام الحرمين خلق الطاعة، والهداية عندهم خلق الاهتداء وهو الإيمان، فقوله بالتوفيق إن كان تفسيرا للهداية فالمعنى يوفقه لطريقها أي الجنة بالطاعة الشاملة للإيمان، وإن كان المراد مع التوفيق فظاهر، والتدزع لبس الدرع فإنّ الاتقاء عن المعاصي يحميه ويصون نفسه، وضمه إلى الإسلام لأن الطريق الموصل إلى الاستقامة إنما يكون بذلك، وفيه إشارة إلى أنّ الطريق هو الإسلام والعمل بمنزلة درع يصونه في سفره. قوله:) وفي تعميم الدعوة وتخصيصالهداية الخ (الآية تدل على ما ذكر وعلى أن الهداية غير الدعوة إلى الإيمان،
والطاعة والأمر مأخوذ من قوله يدعو لأن الدعاء يكو " ن بالأمر، والإرادة مأخوذة من قوله يشاء لأنّ المشيئة مساوية للإرادة على المشهور، وهو ردّ على المعتزلة لأنّ الأمر عندهم بمعنى الإرادة فلذا عمم الدعوة لجميع الخلق بدليل حذف مفعوله، وخص الهداية بالمشيئة لتقييدها بها فالكل مأمور، ولا يريد من الكل الاهتداء لأنّ ظاهر قوله يهدي من يشاء أنه يهدي من يشاء رشده، واهتداءه فلو شاء اهتداء الكل كان هادياً للكل، وليس كذلك فلزم المعتزلة شيئان أحدهما أنّ المراد بالهداية التوفيق والألطاف والأمر مغاير للألطاف والتوفيق وهو كذلك لأنّ الكافر مأمور وليس بموفق. الثاني أنّ من يشاء هو من علم أن اللطف ينفع فيه لأنّ مشيئته تابعة للحكمة فمن علم أنه لا ينفع فيه اللطف لم يوفقه، ولم يلطف به إذ التوفيق لمن علم الله
стр. 1484
أنه لا ينفعه عبث، والحكمة منافية للعبث فهو يهدي من ينفعه اللطف، وان أراد اهتداء الكل، وقوله المثوبة الحسنى توجيه لتأنيث الحسنى، والمراد بالإحسان العمل بفعل المأمور به، واجتناب المنهيات. قوله: (وما يزيد على المنوبة الخ) فالزيادة مصدر بمعنى الزائد مطلقاً، وفيما بعده تضعيف الحسنات والمثوبة الثواب، وفسر في الأصول بالمنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم فلذا قال العلامة ﵀: إن قوله للذين أحسنوا الحسنى أيدل على حصول المنفعة، وقوله وزيادة يدل على التعظيم، وقوله ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة يدل على خلوصها، وقوله أصحاب الجنة هم فيها خالدون إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع. قوله: (وقيل الحسنى الجنة والزيادة هي اللقاء) هذا هو التفسير المأثور عن الصحابة كأبي بكر ﵁ وأبي موسى وحذيفة وعبادة والحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسديّ ﵏، وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وغيره عن النبيّ ﷺ قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إنّ لكم عند الله موعدأ يريد أن ينجزكموه قالوا: ألم يبيض وجوهنا وينجنا من النار ويدخلنا الجنة قال: فيكشف الحجاب فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه " زاد مسلم ثم
تلا للذبن أحسنوا الحسنى، وزبادة الآية، ولهذأ اعترض على المصنف ﵀ بأنه تبع الزمخشريّ في تضعيف هذا القول، وقوله: (إنه حديث مرفوع) بالقاف أي مفتري، ولا ينبغي أن يصدر من مثله فإنه حديث متفق على صحته فحرّف، وأساء الأدب. قوله: (لا يغشاها الخ) أي المراد بنفيه إمّا ظاهره بان لا يعرض لهم كما يعرض لأهل النار أو المراد نفي ما يعرض لهم عند ذلك من سوء الحال وهذا أمدح، ولذا أشير في الأوّل إلى أنّ المقصود منه تذكير حال أهل النار فإن تذكيره لهم مسرة كما أنّ تذكير حال هؤلاء لأولئك عليهم حسرة، وقوله ولا انقرا ض لنعيمها هو مما يلزم خلودهم فيها. قوله: (عطف على قوله ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾ الخ) يعني الذين معطوف على الذين المجرور الذي هو مع جاره خبر (وجزاء سيئة (معطوف على الحسنى الذي هو مبتدأ، وهذه هي المسألة المشهورة عند النحاة بعطف معمولي عاملين، وفيها مذاهب المنع مطلقا، وهو مذهب سيبويه، والجواز مطلقا وهو قول الفراء والتفصيل بين أن يتقدّم المجرور نحو في الدار زيد، والحجرة عمرو فيجوز أولاً فيمتنع والمانعون يخرّجونه على إضمار الجارّ ويجعلونه مطرداً فيه كقوله:
أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا
وهو مراد المصنف ﵀، ولشهرة المسألة اعتمد على تفصحيلها المعلوم، فلا يرد
عليه ما قيل إنّ ظاهره يدل على الاختلاف في جواز هذا المثال نفسه، وليس كذلك فإنه مسموع عن العرب، وإنما الاختلاف في تش- يجه على العطف أو تقدير الجاز. قوله: (أو الذين مبتدأ والخبر جزاء سيئة الخ) وقدر المضاف ليصح الحمل إذ الخبر مفرد مغاير له، وعليه فالباء في بمثلها متعلقة بجزاء، ويجوز أن يكون جزأء سيئة بمثلها جملة من مبتدأ وخبر هي خبر المبتدأ كما سيصرح به المصنف ﵀، فلا حاجة إلى تقدير المضاف لكن العائد محذوف أي جزاء سيئة منهم بمثلها على حدّ السمن منوان بدرهم أي منه، وقد جوّز فيه أن يكون لهم هو الخبر بقرينة للذين أحسنوا أي لهم جزاء سيئة بمثلها فلا حاجة إلى تقدير عائد، وقوله أن يجازي إشارة إلى أنه مصدر المبنيّ للمفعول لا اسم للعوض كما في الوجه الأوّل، والمقدر مصدر أيضا أو بمعنى العوض! أو بمعنى أثره وقوله: (بسيئة مثلها) قدر له موصوفاً مخصوصاً بقرينة المقام، ومماثلتها لها في القدر والجنس وقوله: (لا يزاد عليها) إشارة إلى أن المثلية كناية عن عدم الزيادة بمقتضى العدل وأما النقص فكرم، وهذأ يؤخذ من مقابلته بالزيادة وقيل الذين مبتدأ خبره مالهم من الله من عاصم، وما بينهما اعتراض!. قوله: (وفيه تنببه على أن الزيادة هي الفضل أو التضعيف) تبع فيه الزمخشري، وقد علصت أنه مخالف للمأثور والقول المنصوص في
تفسيرها، والمراد بالفضل أن يفضل على العمل، ويزيد عليه كما مرّ. قوله: (أو كأنما أغشيت الخ) عطف على جزاء سيئة
стр. 1485
أي خبر الذين جزاء سيئة أو قوله كأنما أغشيت أو أولئك أصحاب النار، وما بينهما من الجمل الثلاث أو الأربع اعتراض بناء على جواز تعذد الاعتراض، وفيه خلاف للنحاة ولذا رجح ما يخالفه، وقوله فجزاء سيئة مبتدأ أي على هذين الوجهين، وعلى حذف الخبر الباء متعلقة بجزاء، وإذا كان مثلها خبراً فالباء إمّا زائدة أو غير زائدة متعلقها خاص أي مقدّر بمثلها أو عام أي حاصل بمثلها، وما قيل إنه لا معنى له حاصل وهم ظاهر نعم الأوّل أفيد، ولفظ مقدر بالجز فيه لطف إيهام، ويجوز رفعه على الحكاية لأنه خبر وقوله، وقرئ بالياء لكون الفاعل ظاهراً، وتأنيثه غير حقيقي وتأويله بأن يذل، وقيل لأنها مجاز عن سبب الذلة كما مر. قوله: (ما من أحد يعصمهم) أي يحميهم ويمنعهم، ومن في من عاصم زائدة لتعميم النفي، وأمّا في من الله فعلى تقدير المضاف، وهو سخط متعلقة بعاصم وقدمت عليه لأنّ من مزيدة، والمعمول ظرف، وعلى كون المعنى من جهة الله، وعنده هو صفة عاصم قدم فصار حالاً أو متعلق بالظرف أي لهم. قوله: (أغطيت) بالغين المعجمة، والطاء المهملة، والياء المفتوحة، وتاء التأنيث يقال أغطى الليل كذا إذا ألبسه ظلمته كغطاه بالتشديد، وقوله لفرط سوادها وظلمتها هو وجه الشبه. قوله: (والعامل فيه أغشيت لآنه العامل في قطعا الخ) تبع فيه الزمخشريّ، واعترض عليه بأنّ من الليل ليس صلة أغشيت حتى يكون عاملاً في المجرور بل هو صفة فعامله الاستقرار، والصفة من الليل، وذو الحال هو الليل فلا عمل لأغشيت فيه، وقد يقال من للتبيين والتقدير كائنة، وكائنة عامل في الليل، وهو مبنيّ على أنّ العامل في عامل الشيء عامل فيه، وهو فاسد، وقيل إنه جرى على ظاهر كلام النحاة من أنّ الصفة، والخبر والحال وغيرها هو الظرف لا عامله المقدر كحاصل، وإلا فالعامل في الحقيقة فيه هو المقدر انتهى، وذكر قريباً منه النحرير، وقال إنه لا غبار عليه، وليس بشيء (أقول) ما قاله المعربون، والشراح لا وجه له، والوجه ما قاله أبو حيان رحمه الله تعالى من أنّ الزمخشري أخطأ اللهم إلا أن يقال مراده أنّ مثله لا يحتاج لمتعلق مقدّر أو نقول مراده أنه متعلق بأغشيت مقدر لأن عامل الظرف المستقرّ كما يكون عاماً يكون خاصا كما في زيد على الفرس أي راكب أو يركب لأنه كما يكون اسما يكون فعلا، وقول المعرب أنّ المصنف رحمه
الله أراد! انّ الموصوف، وهو قطعا معمولاً لأغشيت، وهي صاحب الحال والعامل في الحال هو العامل في ذي الحال فجاء من ذلك أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها بهذه الطريقة لا يسمن، ولا يغني* من! جوع. ف! عرفه، وقيل الوجه أن من تبعيضية أي بعض أالم! ليل وهو بدل من قطعاً ومظلماً حال من البعض لا من الليل فيكون العامل في ذي الحال أغشيت، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وأجيب بأنه ذهب إلى أنّ أغشيف " له اتصال بقوله من الليل من قبل أنّ الصفة والموصوف متحدان لا سيما والقطع بعض بن الليل فجاز! أن يكون عاملا في الصفة بذلك الاعتبار ككبمانه- قيل أك! ث! يت الليل مظلما، وفذا كما جوّز في نحو ونزعنا ما في صدوركم من غل إخوانا أن يكون حالاً من الضمير مع الاختلاف باعتبار اتحاده بالمضاف فكأنه قيل نزعنا ما فيهم، وكما جوّز في ملة إبراهيم حنيفاً وهذا ما ذهب إليه المصنف ﵀ يعني أنّ العامل يكفي في اتحاد. الاتحاد الحقيقي أو الاعتباري كما في المسالة المذكررة، " وهذا سرّ هذا الموضع لا ما طوّله كثيرون لا سيما من حمله على التجريد فإنه مما لا. وجه له، ولا فرق في كون عن الليل معمول الفعل بين أن يكون من للتبيين- على أأنّ " المراد بالليل زمان كون الشمس تحت الأفق أو للتبعيض على أنّ المراد به جميع، ذلك الزمان، ولا حاجة لما هنا- بئ التطويلات فإنها كلها لا محصل لها. قوله: (أو معنى الفمل " في من الليل) عطف على أغثمي! ت يعني متعلقه المقدر، وإنما قال معنى الفعل ليشمل الوصف، والفعل، وهذا هو الوجه العالمم عن التكلف وهو عالم في محل المجرور. كما تقدم، والقطع- بكسر فسكون اسم مفرد معناه طائفة من الليل أو ظلمة آخر الليل أو اسم جنس لقطغة وعلى هذه الوجوه تفرد صفته،، وحاله وأمّا كونه حالاً من الجمع، وهو قطع بكسر ثم فتح جمع قطعة كما في القراءة الأولى لتأويله بكثير كما قاله أبو البقاء فتكلف، وقال العلامة الليل له
стр. 1486
معنيان زمان تخفى فيه الشمس. قليلاً أو كثيراً كما يقال دخل الليل، والآن ليل، وما بين غروب الشمس إلى طلوعها أو قربها من الطلوع، وعليه من هنا تبعيضية أو بيانية فاحفظه. قوله: (مما يحتج به الوعيدية) باعتبار ظأهره أي جعل الذين كسبوا السيئات خالدين في النار، والوعيدية هم القائلون بخلؤد أصحاب الكبائر، وحاصل دفعه أنّ السيئات شاملة للشرك، والكفر والمعاصي، وقد قامت الأدلة على أنه لا خلود لأصحاب المعاصي فخصصت الآية بمن عداهم لا أنّ اللام في السيئات للاستغراق حتى يكون المراد من عمل جميع ذلك كما توهم، وأيضا هم داخلون في الذين أحسنوا لأنّ المراد به من أحسن بالإيمان فلا يدخل في قسيمه لتنافي حكميهما، وكلام المصنف ﵀
صريح في تعميم الحكم لغير المشركين لا تخصيصه بهم كما توهم،! وب! سقط ما قيل إن فيه بحثا إلا أن يقال الصطلى ينصرف إلى الكامدل. قوله: ( ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ الخ) يوم منصوب بفعل مقدر كذكرهم وخوّفهم ونحوه والمراد بالفريقين فريقا الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وجوّز بعضهم تخصيصه بالمشركين. قوله: (الزموا مكانكأ حتى تنظروا ما يفعل بكم) هذا يحتمل وجهيق أنّ مكانكم اسم فعل لألزموا، وأن يكون ظرفا متعلقا بفعل حذف فسذ مسده، وكلام المصنف ﵀ كالصريح فيه، وعلى كل حال فهو كناية عن معنى انتظروا والمراد من أمرهم بالانتظار الوعيد، والتهديد، واعترض على الأوّل بأنه لو كان اسم فعل لألزموا كان متعدياً مثله. وليس بمتعد، ولذا قدره النحاة بأثبت، وأجيب بأنه مسبوق به وهو تفسير معنى لا إعراب، وقيل الزم يكون لازما ومتعديا كما في الصحاح فألزم هنا لازم لا متعد فلا يرد ما ذكر، وقيل إنّ مرادهم إنه ظرف أقيم مقام عامله فهو معرب لا اسم فعل مبنيّ على الفتح كما هو قول أبي عليّ الفارسيّ، وهذا كله تكلف وغفلة لما في شرح التسهيل أنه بمعنى أثبت فيكون لازماً، وذكر الكوفيون أنه يكون متعديا وسمعوا من العرب مكانك زيداً أي انتظره وقال الدماميني ﵀ في شرح التسهيل لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا الظرف اسم فاعل إمّا لازما وامّا متعديا وهلا جعلوه ظرفا على بابه ولم يخرجوه عن أصله أي أثبت مكانك أو انتظر مكانك وإنما يحسن دعوى اسم الفعل حيث لا يمكن الجمع بين ذلك الاسم، وذلك الفعل نحو صه وعليك وإليك، وأمّا إذا أمكن فلا كوراءك وأمامك وفيه بحث. قوله: (تكيد للضمير المنتقل إليه من عامله) أي المنتقل إلى الظرف، وهذا ظاهر في أنه باق على ظرفيته وإن احتمل الثاني أيضاً بأن ايكون بيانا لأصله قبل النقل وجعل أنتم مبتدأ خبره محذوف أي مهانون أو مخزيون خلاف الظاهر مع ما فيه من تفكيك النظم ولأنه يأباه قراءة وشركاءكم بالنصب لأنه يصير مثل كل رجل وضيعته ومثله لا يصح فيه لعدم تقدم- ما يكون عاملا فيه. قوله: (ففرقنا بينهم الخ (زيل بمعنى فرق، وليس المراد التفريق الجسماني لأنه لا يناسب ما بعده، ولذا عطف عليه قوله، وقطعنا الوصل للتفسير، وفيه إشارة إلى أن بين منصوب على الظرفية لا مفعول به كما توهم، والوصل جمع وصلة، وهي الإيصال المعنوي الذي كان بينهم في الدنيا وزيل فرق وميز قيل وزنه فعل وهو يائيّ لقولهم في مفاعلته زايل قال:
لعمري لموت لا عقوبة بعده لذي البث أشفى من هوى لا يزايل
أي لا يفارق وأما زاول فبمعنى حاول، وقيل إنه واوفي ووزنه فيعل كبيطر ولولاه لقيل
زول إذ لا داعي للقلب فيه والقول الأوّل أصح لأن مصدركل التزييل لا الزيولة مع أن فعل أكثر
من فيعلى وبدليل زايل وقد قرئ به. قوله:) مجارّ عن براءة ما عبدوه من عبادتهم) قيل إنّ المراد بالشركاء على هذا الأوثان وهي لا تنطق فلذا جعل مجازاً وفيه إنها جمادات لا تتبرأ أيضأ إلا أن يكون هذا على تقدير أن يخلق الله فيها إدراكا ونطقا وهو لا يناسب قوله بعده وقيل لأنّ الظاهر ترك الواو لا جعله قولاً آخر فالظاهر أنه عامّ لما عبدوه شامل لمن له عقل ونطق وحمله على التبري، وأنه بمعنى ما أمرناكم وما حملناكم على ذلك لأنهم عبدوهم في الواقع فكيف يصح نفيه وجعله الإهواء آمرة مجاز عن معنى داعية له، وتوله فتشافههم بذلك أي تكلمهم، وفي نسخة تشاقهم بالقاف بدل الفاء أي تخاصمهم، وفيه إشارة إلى أنّ الحال
стр. 1487
على عكس ما ظنوا. قوله: (وقيل الشياطين (قيل عليه، وعلى ما قبله أنّ الأوّل لا يناسب قوله مكانكم أنثم وشركاؤكم، وهذا لا يصح مع قوله فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ولذا مرضه المصنف ﵀ إشارة إلى أن عهدته على قائله، وقد أجيب عن الثاني بأنه يجوز أن يكون كذباً منهم بناء على جواز وقوعه يوم القيامة، وقد مرّ تفصيله.
قوله: (واللام هي الفارقة (أي بين النافية والمخففة، وقوله في ذلك المقام أي مقام الحشر، وهو المقام الدحض والمكان الدهش وهو بيان لأنه باق على أصله وهو الظرفية لا أنه ظرف زمان على سبيل الاستعارة، وان وقع كذلك في مواضع لأن بقاءه على أصله أولى ٠ قوله:) تختبر ما قدّمت من عمل الخ (فالابتلاء على هذا مجاز بإطلاق السبب وإرادة المسبب وهو الانكشاف والظهور واليه أشار بقوله فتعاين نفعه وضرّه، وعلى القراءة بالتاء من التلاوة بمعنى القراءة، وهو إمّا كناية عن ظهوره أيضا أو قراءة صحف الأعمال أو من التلو لأنه يتجسم ويظهر لها فتتبعه أو هو تمثيل، وقرأ عاصم ﵀ في رواية عنه نبلو بالنون، والباء الموحدة، وفاعله ضميره تعالى وكل مفعوله فإن كان بمعنى نختبر فهو استعارة تمثيلية كما أشار
إليه أي نعاملها معاملة المختبر، وما أسلفت بدل من كل بدل اشتمال أو منصوب بنزع الخافض، وحذف الباء السببية أي بما أسلفت، وكذا إن كان نبلو من البلا فالمعنى نعذبها بما أسلفت، وما موصولة أو مصدرية وقوله نختبرها إشارة إلى أن المبدل منه ليس مطروحا بالكلية، وقوله وابدال معطوف على نصب لا على المقروء وليست الواو واو مع كما توهم، وقوله إلى جزائه يشير إلى أنّ الرذ معنوفي وان أريد موضع جزائه فهو حسيّ، وقال الإمام ردّوا إلى الله جعلوا ملجئين إلى الإقرار بألوهيته. قوله: (ربهم ومتولي أمرهم الخ) في شرح الكشاف المولى مشترك بين معنى السيد والمالك ومعنى متولي الأمور فإن كان بمعنى الأوّل ناسب تفسير الحق بالصادق في ربوبيته لأنه تعريض للمشركين بدليل عطف توله ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ، وان كان الثاني فالحق بمعنى العدل لأنه المناسب لمتولي الأمور، والمصنف ﵀ جمع بينهما، وفسر الحق بالمتحقق الصادق الحقية، وقوله على المدح، والمراد به الله تعالى لأنه من أسمائه وعلى الثاني هو ما يقابل الباطل وضمن ضاع معنى غاب فلذا عد ٥١ بعن. قوله: (فإنّ الأرزاق تحصل بأسباب سماوية الخ) الأسباب السماوية المطر، وحرارة الشمس المنضجة وغير ذلك، والمواذ الأرضية ظاهرة إشارة إلى انّ الأوّل بمنزلة الفاعل، والثاني بمنزلة القابل، وقوله أو من كل واحد منهما أي بالاستقلال كالأمطار أو العيون والمن والأغذية الأرضية، وقوله توسعة عليكم تعليل للمعنى الثاني وفيه مخالفة للكشاف. قوله: (وقيل من لبيان من) هي على الأوّل لابتداء الغاية، وعلى هذا لا بد من تقدير مضاف، وجوّز فيها التبعيض حينئذ، والمراد غير الله لأنه لإنكار رازق سواه فلا يتوهم أنه غير مناسب لأنّ الله ليس من أهل السماء، والأرض لكنه لا يناسب قوله فسيقولون الله، ولذا مرضه المصنف ﵀ فتأمل. قوله تعالى: ( ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ﴾ ) أم منقطعة بمعنى بل والإضراب انتقاليّ لا إبطاليّ، وقوله يستطيع حقيقة الملك معروفة ويلزمها الاستطاعة لأنّ المالك لشيء يستطيع التصرف فيه، والحفظ والحماية، ولذلك تجوّز به عن كل منهما، وقد فسر أيضا بالتصرّف إذهابا وإبقاء. قوله: (ومن يحمي ويميت الخ) فالإحياء، والإماتة إخراج أحد الضدين
من الآخر لمعنى يحصل منه فهو من قولهم الخارج كذا أي الحاصل، وعلى التفسير الاخر فالإخراج على ظاهره كإخراج الطائر من البيضة فتدبر، وقوله وهو تعميم بعد تخصيص إشارة إلى أنّ الكل منه، واليه وأنه لا يمكنكم علم تفاصيله، وقوله إذ لا يقدرون من المكابرة الظاهر على المكابرة وهو كثير ما يتسمح في الصلات وقوله أنفسكم عقابه لا يخفى أنّ التقوي لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد. فالأولى إسقاط أنفسكم إلا أن يقال إنه إشارة إلى أنه افتصال من الوقاية فهو بتقدير مضاف بعد حذفه ارتفع المضاف إليه، وهو معنى قوله في الكشاف تقون أنفسكم. قوله: (المتولي لهذه الأمور المستحق للعبادة هو ربكم الخ) أي ا-لإشارة إلى المتصف
стр. 1488
بالصفات السابقة أي من هذه قدرته، وفسر الحق بالثابت ربوبيته لأن الحقية والثبوت يعتبران باعتبار الوصف الذي تضمته الموصوف به، والله صفة اسم الإشارة وربكم خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف وقوله لأنه الذي أنشأكم إشارة إلى أنّ الإشارة للمتصف بتلك الصفات فيفيد تعليل مضمون الخبر بها وقوله فأنى تصرفون أي كيف تعدلون عن عبادته وأنتم مقرّون بأنه هو الحق. قوله: (استفهام إنكار الخ الأن ما استفهابية وذا اسم إشارة أو ماذا رجمب، وجعل اسم استفهام كما قرّره النحاة والاستفهام الإنكاري لنفي الوجود أي لا يوجد بعد الحق شيء يتبع إلا الضلال فمن تخطى الحق، وهو عبادة الله وحده لا بد وأن يقع في الضلال وهو عبادة غيره على الانفراد أو الإشراك لأنّ عبادة الله مع الإشراك لا يعتذ بها. قوله تعالى: ( ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ ) الكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف، والإشارة قيل للمصدر المفهوم من تصرفون أي مثل صرفهم عن الحق بعد الإقرار به، وقيل إلى الحق إمّا السابق أو المذكور بعده، وقوله كما حقت الربوبية لله إشارة إلى أنّ الإشارة إلى ما تضمنه قوله فماذا بعد الحق إلا الضلال أي مثل تحقق ذلك تحقق حكمه أو الإشارة إلى مصدر تصرفون كما مرّ، وكلمة الله بمعنى حكمه وقضائه، وذكر في الكشاف وجهين* في اسمشبه به، وفسر الكلمة بالعلم، والحكم والعدة العذاب وترك المصنف ﵀ تفسيره بالعلم فالوجوه ستة، وأنهم لا يؤمنون إمّا بدل إن فسرت الكلمة بالحكم، وهو بدل كل من كل أو اشتمال بناء على أنّ الحكم المعنى
المصدري أو المحكوم به أو تعليل إن فسرت بالعدة بالعذاب، واللام حينثذ مقدرة قيله أي لأنهم لا يؤمنون، وفسر الفسق بالتمرد والخروج عن حد الاستصلاج لأنه المحناسب لكونهم مختوما على قلوبهم محكوما عليهم بعدم الإيمان. قوله: (والمراد بها العدة بالعذاب) أي على التعليل المراد بالكلمة ذلك كقوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٩ ا] قيل وفي هذا الوجه شيء وهو أنّ الذين فسقوا مظهر وضع موضع ضمير المخاطبين للإشعار بالعلية، والفسق هنا فسر بالتمرد في الكفر فصار محصل الكلام إن كلمة العذاب حقت عليهم لتمردهم في كفرهم ولأنهم لا يؤمنون وهو تكرار لا طائل تحته، وأجيب بأنه تصريح بما علم ضمنا من الذين فسقوا، ودلالة على شرف الإيمان بأنّ عذاب المتمرّدين في الكفر بسبب انتفاء الإيمان، ومنهم من أجاب بأن الذين فسقوا دلّ على كفرهم فيما مضى، ولا يؤمنون على إصرارهم على الكفر فالتعليل الأوّل للعدة بالعذاب، والثاني تعليل لوعدهم به فلا تكرار، ويؤخذ من كلام المصنف ﵀ أنّ تمردهم في الكفر عبارة عن خروجهم عن حد الإصلاح الذي أوجب لهم الوعيد، وخروجهم عن حده لأنهم مصزون على الكفر مطبوع على قلوبهم فالتمرّد والخروج عن الحد مأخوذ من نفي الإيمان في المستقبل فتدبر. قوله: (جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها الخ (دفع لسؤال، وهو إن مثل هذا الاحتجاج إنما يتأتى على من اعترف بأن من خواص الإلهية إبداءه ثم إعادته ليلزم من نفيه عن الشركاء نفي الإلهية عنها وهم غير مقرّين بذلك فاً جاب بأنه أمر مسلم عند العقلاء للأدلة القائمة عليه عقلاً، وسمعاً ومنكره مكابر معاند لا التفات إليه. قوله: (ولذلك أمر الرسول ﷺ الخ (أي ولعدم مساعدتهم أمر الرسول ﷺ بالجواب عنهم، وقيل عليه إنه جعله جوابا عن ذلك السؤال، وليس كذلك لأنّ السؤال عن الشركاء وهذا الكلام في الله بل هو استدلال على الهيته تعالى، وأنه الذي يستحق العبادة بأنه المبدئ المعيد بعد الاستدلال على نفي الهبة الشركاء نعم إن حمل التركيب على الحصر كان الجواب والاستدلال صحيحا يعني إن اعتبر إفادته الحصر كما قرّر في الله يبسط الرزق فيصير الله يبدأ، ويعيد لا غيره من الشركاء فينتظم الجواب، وهذا في غاية الظهور لدلالة الفحوى عليه لأنك إذا قلت من يهب الألوف زيد أم عمرو فقيل زبد يهب الألوف أفاد الحصر بلا شبهة، وهذا أمر آخر لا يلزم فيه ملاحظة التقديم والتأخير كما قيل لأن قوله هل من شركائكم من يبدؤ الخلق الخ. ومعناه هل المبدئ المعيد الله أم الشركاء ألا ترى إلى قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي﴾ [سورة يونس، الآية: ٣٥، الخ فتدبره، وقوله:
стр. 1489
لأنّ لجاجهم أي عنادهم وضمير بها للإعادة والقصد استقامة الطريق فلذا
قيل إنّ قصد السبيل تجريد. قوله: (بنصب الحجج وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام الخ) لما كان قوله قل الله يهدي دألاً على اختصاص الهداية به كما مرّ مع وجودها في بعض شركائهم كعيسى ﵊، فسرها بما يختص به تعالى فإنّ ما ذكر من خواص الألوهية اللازم من نفيها نفيها فتأمل. قوله: (وهدى كما يعدّى بإلى الخ) يعني أنّ هدى يتعدّى إلى اثنين ثانيهما بواسطة، وهي إلى أو اللام، وأمّا تعديه لهما بنفسه فقيل إنه لغة كاستعماله قاصراً بمعنى أهتدي فيكون فيه أربع لغات، وقيل إنه على الحذف والإيصال على الصحيح ومفعوله الأوّلط محذوف هنا في المواضع الثلاثة، والتقدير هل من شركائكم من يهدي غيره قل الله يهدي من يشاء أفمن يهدي غير.، وقد تعدّى للثاني بالحرفين هنا لما سيأتي، وقول الزمخشري إنّ هدى الأوّل قاصر بمعنى اهتدى لا يناسب مقابلته بقوله يهدي للحق مع أنّ المبرد قال هدى بمعنى اهتدى لا يعرف وان لم يسلموه له. قوله: (للدلالة على أنّ المنتهى غاية الهداية) يعني أنه جمع بين صلتيه تفنناً واشارة إلى معنى الانتهاء فإنه ينتهي إليه، وباللام إلى أنه علة غائية له، وأنّ ما هداه إليه ليس على سبيل الاتفاق بل على قصده من الفعل، وجعله ثمرة له، وقيل اللام للاختصاص وقوله وأنها أي الهداية وما وقع في بعض النسخ، وإنما بأداة الحصر من تحريف النساخ، وقوله ولذلك عدى بها أي باللام في قوله قل الله يهدي للحق، وأمّا قوله أفمن يهدي إلى الحق فالمقصود به التعميم وان كان في الواقع هو الله. قوله: (أم الذي لا يهتدي) بني أوّل كلامه على قراءة يهدي بوزن يرمي، وهي قراءة حمزة والكسائيّ وسيذكر بقية القرا آت كما ستراه وذكر لها معنيين أحدهما أن يكون هدى لازما بمعنى اهتدى كما قاله الفراء، وقد تقدم قول المبرد أنه لا يعرف لكنهم قالوا الصحيح ما قاله الفراء وعليه اعتمد المصنف ﵀ وكفى به سنداً، والمعنى أم من يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الذي لا يهدي بنفسه إلا أن يهتدي اهتداء حصل له من هداية غيره، وهو الله بخلقه الهداية، وهذا هو المعنى الأوّل وحاصله نفي تسوية من يهدي غيره بمن لا يهتدي في نفسه إلا إذا طلب الهداية وحصلها من غيره فيهدي لازم بمعنى يهتدي والمعنى الثاني أن يكون متعذياً فيهما، والمعنى أم من لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله فضمير يهديه إن رجع لمن فالمعنى لا يهدي ذلك الهادي غيره إلا إن هدى الله الهادي لهدايته أو في نفسه، وان رجع لغير فالمعنى لا يهدي إلا إذا قدر وأراد الله هداية ذلك الغير. قوله: (وهذا حال أشراف شركائهم كالملائكة والمسيح) الإشارة إمّا
إلى الانتفاء في الوجهين، وهو الظاهر لأنّ الاهتداء، وهداية الغير مختص بذوي العلم أو إلى الثاني لأن هداية الغير لا تتصوّر في الأوثان أصلاً بخلاف الاهتداء من الغير، وفيه نظر لأنّ الاهتداء قبول الهداية، ولا يتصوّر في الأوثان فإن كان على زعمهم، وادّعائهم فهو جار فيهما فتامّل ثم إنّ المعرب أفاد هنا أنّ الآية واردة على الأفصح، وهو الفصل بين أم وما عطف عليه بالخبر فإن قولك أزيد قائم أم عمرو وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ١٥] أفصح من قولك أزيد أم عمرو قائم كقوله تعالى: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ ، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. قوله:) بفتح الهاء وتشديد الدال) مع فتح الياء أيضا وأصلها يهتدي فنقلت فتحة التاء إلى الهاء، ثم قلبت دالاً لقرب مخرجهما وأدغمت فيها وقرأها أبو عمرو، وقالون عن نافع كذلك لكنه اختلس فتحة الهاء ولم يكملها تنبيهاً على أنّ الحركة فيها عارضة ليست أصلية. قوله: (ويعقوب وحفص بالكسر والتشديد) أي بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال لأنه لم ينقل الحركة فالتقى ساكنان فكسر أوّلهما للتخلص من التقاء الساكنين. قوله: (وروى أبو بكر (أي شعبة يهدي باتباع الياء الهاء أي بكسرهما مع تشديد الدال، وكان سيبويه ﵀ يرى جواز كسر حروف المضارعة لغة إلا الياء فلا يجوّز ذلك فيها لثقل الكسرة عليها، وهذه القراءة حجة عليه. قوله: (وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرّد (عن نقل الحركة إلى ما قبلها أو تحريكها بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين وهذه رواية عنه، وروي عنه أيضاً اختلاس الكسرة، والقراءة الأولى
стр. 1490
استشكلها جماعة من حيث الجمع بين الساكنين فلذا قال المبرد: من رام هذا لا بد أن يحرك حركة خفيفة قال النحاس إذ بدونه لا يمكن النطق بها، وأنكره المعرب كما أشار إليه بأنه رواية التيسير، وأنه قرئ به في يخصمون، ويخطف أبصارهم، وقوله وقرئ إلا أن يهدي أي مجهولاً مشددا من التفعيل للمبالغة أي دلالة على المبالغة في الهداية، واعلم أنّ من أرباب الحواشي من اعترض على قول! المصنف ﵀ وقرأ أبو عمرو بالإدغام الخ بأنّ مقتضاه أنّ أبا عمرو، ونافعا قرآ بإسكان الهاء مع الإدغام، وهذا لم يقرأ به أحد ومن ذكر إنما قرؤوا بالاختلاس، وكأنه جعل الاختلاس سكوناً وهو بعيد إلى آخر ما فصله وهذا من قصور الاطلاع فإن ما ذكر ثابت من بعض الطرق كما فصله في لطائف الإشارات، وكذا ابن الجزري في الطيبة وهذا الاستثناء قيل إنه منقطع، وقيل إنه متصل. قوله: (فما لكم كيف تحكمون بما يقتضي صريح العقل بطلانه) ما لكم مبتدأ وخبر والاستفهام للإنكار والتعجب أي أيّ شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين عن هداية أنفسهم
فضلا عن هداية غيرهم، وقد قال بعض النحاة إن مثله لا يتم بدون حال بعده نحو فما لهم عن التذكرة معرضين، وهنا لا حال بعده لأنّ الجملة استفهامية لا تقع حالاً فهي استفهام آخر أي كيف تحكمون بالباطل الذي يأباه العقل من اتخاذ الشركاء دلّه، ولذا ذكر فيه عجب بعد عجب. قوله:) مستندا إلى خيالات فارغة (أي لا وجه لها، ولا فائدة فيها وأقيستهم الفاسدة كقياس الغائب على الشاهد أي الحاضر المحسوس كقياس أحوال الخالق على أحوال المخلوق، وهذا القياس باطل كما برهن عليه في أوائل شرح المواقف، وتنكير ظناً للنوعية كما أشار إليه. قوله: (والمراد بالأكثر الجميع الخ) يعني أن الأكثر يستعمل بمعنى الجميع كما يرد القليل بمعنى العدم قال المرزوقي في قوله:
قليل التشكي في المصيبات حافظ من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
نفي أنواع التشكي كلها وعليه قوله تعالى: ﴿فقليلاَ ما يؤمنون فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٨] وحمل النقيض على النقيض حسن وطريقة مسلوكة والمراد ما اتبعوه من العقائد أو إقرارهم بالله قال الزمخشري: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالئه إلا ظنا لأنه قول غير مستند إلى برهان عتدهم أنّ الظن في معرفة الله لا يغني من الحق وهو العلم شيئأ، وقيل وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام إنها آلهة، وانها شفعاء عند الله إلا الظن، والمراد بالاكثر الجميع يعني أن المراد بأكثرهم على الأوّل أكثر الناس فهو على حقيقته، وعلى الثاني أكثر المشركين فالاكثر بمعنى الجميع كذا قرّر. الثرّاج، وقيل ضمير أكثرهم للمشركين في الوجهين لأنهم الذين سبق ذكرهم فتأمل. قوله: (من الإغناء ويجورّ أن يكون مفعولاً به (هو على الأوّل مفعول مطلق بمعنى إغناء مّا ومن الحق حال على هذا، وعلى غيره متعلق بيغني. قوله: (وفيه دليل على أنّ تحصيل العلم في الآصول واجب) يعني لما ذكر أن الظن لا غناء فيه، والمراد في الاعتقاديات دون العمليات لقيايم الدليل على صحة التقليد والاكتفاء بالظن فيها كما تقرر في أصول الفقه، وهذا على القول بأن إيمان المقلد غير صحيح فإن قلت تفسيره السابق يدل على أنّ الظن الباطل ما استند إلى خيالات وأوهام فارغة لا مطلق الظن فكيف يدل على ما ذكر قلت المفسر هو الظن الأوّل، وأما الظن في قوله إن الظن الخ فمطلق الظن الشامل للصحيح والفاسد فكأنه قيل ما يتبع أكثرهم إلا ظنأ فاسداً، والحال أن الظن مطلقاً غير نافع فكيف الظن الفاسد قوله وعيد الخ
لأنّ ما يفعلون فعلهم المعهود سابقا، وعلمه عبارة عن مجازاته كما قرّرناه مراراً. قوله:) ١ فتراء من الخلق) افتراء تفسير أي يفتري، ومن الخلق تفسير دون الله لأنه بمعنى غيره وغير الخالق الخلق وجعل أن يفتري بمعنى افتراء أي مفتري، وفيه بحث لم يتعرض له أحد من أرباب الحواشي وهو إنّ أن والفعل المؤوّل بالمصدر معرفة باتفاق النحاة فلا يخبر به عن النكرة (قلت (هذا مما توقفت فيه حتى رأيت ابن جني قال في الخاطريات: إنه يكون نكرة وأنه عرضه على أبي عليئ ﵀ فارتضاه ولذا جعله بعضهم بيانا لحاصل المعنى إذ معنى ما كان ما صح واللام فيه مقدّرة، وأصله ما كان هذا القرآن لأن يفتري كقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [سورة التوبة، الآية: ١٢٢] وأن يفتري خبر كان، ومن دون الله خبر
стр. 1491
ثان بيان للأوّل أي صادرأ من غير الله كما زعموا أنه افتراه، وهذا الإعراب ذهب إليه بعض المعربين ولم يرتضه في الدرّ المصون لكن بلاغة المعنى تقتضيه، والخلاف مبني على أنّ لام الجحود تعاقب أن المصدرية فإذا أتى باللام حذفت أن وإذا أتى بأن حذفت اللام، وقال أبو حيان أيضا الصحيح خلافه فما قيل في رذه إنه ليس على حذف اللام لتأكيد النفي بل أن يفتري في معنى مصدر بمعنى المفعول كما أشار إليه بقوله، وكان محالاً أن يكون مثله في علوّ أمره، واعجازه مفتري لكن ما ذكر من قوله ما صح، وما استقام وكان محالاً ربما يشعر بأنه على حذف اللام، إذ مجرّد توسيط كان لا يفيد ذلك، والتعبير بالمصدر لا تعلق له بتأكيد لا ربما يشعر بأنه على حذف اللام، إذ مجرّد توسيط كان لا يفيد ذلك، والتعبير بالمصدر لا تعلق له بتأكيد معنى النفي انتهى غفلة عن مراده مع أنه رجع إلى ما قاله آخرأ فلا وجه له، ثم إن نفي كان قد يستعمل لنفي الصحة، وبمعنى لا ينبغي، وأصله ما وجد، وهي كان التامّة فيجوز أن يكون المعنى ما كان لهذا القرآن افتراء أي ما صح أن ينسب إليه، وما أشار إليه أوّلاً ذهب إليه ابن هشام ﵀ في أواخر المغني، وقال شارحه أنه لا حاجة إليه لجواز أن يكون كان تافة، وأن يفتري بدل اشتمال من القرآن، وقيل عليه أنه لا يحسن قطعا لأن قولك، وما وجد القرآن يوهم من أوّل الأمر نفي وجوده، ولا بد من الملابسة بين المبدل، والمبدل منه في بدل الاشتمال فيلزم أن يبتني الكلام على الملابسة بين القرآن العظيم، والافتراء وفي التزام كل من الأمرين ترك أدب لا يلتزمه المنصف فالوجه ما ذكره ابن هشام وليس بسديد ابتداء لأنه ليس معنى الملابسة أن يعرف بالاتصاف به كما توهم وما ذكره من الإيهام لا عبرة به مع الدافع القوي له وهو قوله بعده ولكن تصديق الخ وما ارتضاه من كلام ابن هشام ليس كما زعم لا لما ذكره الشارح بل لما أشرنا إليه فتدبر. قوله: (مطابقا لما تقدّمه من الكتب الإلهية الخ (أي معنى تصديقه لها مطابقته إياها وهي مسلمة الصدق عند أهل الكتاب فيكون هذا كذلك هذا مراد المصنف ﵀، وأورد عليه أن اللازم منه صدق ما طابقه منها لا كونه كلام الله وغير
مفتري، ولا يلزم صدقه عند غير أهل الكتاب أيضا واعتبار إعجازه إنما يدلّ على صدق ما وافقه منها دون ما عداه فلا بد من ضم مقدمة أخرى، وهي أنه ظهر عن يد أمّيّ لم يمارس الكتب ولا أهلها، ولم يسافر إلى غير وطنه حتى يتوهم تعلمه من غيره أو يحمل تصديقه لها على إخباره بنزولها من عند الله كانا أنزلنا التوراة فإنه يدلّ بعد إعجازه على أنها من عند الله ولا يحمل على مطابقته لها في المعنى لما مرّ ثم إنه تراءى من كلامه أنه جعل التصديق أوّلاً بمعنى المطابقة وثانياً بمعنى الدلالة على الصدق وأسلوب تحريره لا يخلو عن خلل، وقيل المراد بتصديقه إياها أنّ بعثته مصدّقة للإخبار بها في تلك الكتب إلى هنا ما قاله، ولا يخفى أنّ الصدق مطابقة الواقع والتصديق بيان أنه صدق، وهو إما مضاف لفاعله أو مفعوله والظاهر الأوّل لأنه المناسب لردّ دعوى افترائه بأنها بينت وأظهرت صدقه لا هو أظهر صدقها كما يلوج إليه قوله المشهود على صدقها وتصديقها له بأنّ ما فيه من أمر البعث، والعقائد الحقة مطابق لما فيها، وهي مسلمة عند أهل الكتاب وما عداهم إن اعترف فبها والا فلا عبرة به، ثم إنه ترقى عن هذا إلى أنه إذا تطابق مدلولهما، ولزم من صدق أحدهما صدق الآخر، ومن صدق بعضه صدق كله إذ لا قائل بالتفريق بينهما لزم أن يكون هو المصدق لا هي لأنه معجز فيكون مثبتا لنفسه، ولغيره، ولذا سمي القرآن نورا لأنه الظاهر بنفسه المظهر لغيره فلا خفاء في كلامه ولا خفاء في اتساق نظامه لمن تدبر فإن جعل مضافا للمفعول يكون مبالغة في نفي الافتراء عنه لأنّ ما يثبت به صدق غيره فهو أولى بالصدق، وإنما كان مصدّقا لها لأنه دال على نزولها من عند الله كقوله إنا أنزلنا التوراة، ولاشتماله على قصص الأوّلين الموافقة لما في التوراة، والإنجيل، وهو معجز دونها فهو الصالح لأن يكون حجة وبرهانا لغيره لا بالعكس، وقوله عيار عليها أي شاهد مبين لأن العيار ما يقاس به غيره وشموّي وعيار الدراهم والدنانير ما فيها من الفضة، والذهب الخالصين. قوله: (ونصبه بأنه خبر لكان مقدر) في إعرابه على قراءة النصب وجوه أمّا العطف على خبر كان أو خبر لكان مقدرة أو مفعول لأجله لفعل مقدر أي أنزل لتصديقها وجعل العلة ذلك هنا، وإن أنزل لأمور أخر، لأنه المناسب لمقام رد
стр. 1492
دعوى افترائه مع أنّ العلة ليس ذلك بل هو مع بيان الشرائع والعقائد ومنها إثبات نبوّته وهو الداعي لنزوله أو هو مصدر فعل مقدر أي يصدق، وقرئ برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف وهي قراءة عيسى بن عمرو ا+لثقفيّ ومعنى لا ريب مر تحقيقه في سورة البقرة.
قوله: (وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك الخ) أي لكان المقدرة بعد لكن أو المبتدأ المقدّر والأوّل تصديق والثاني تفصيل وهذا هو الثالث وفصل لأنه جملة مؤكدة لما قبلها
واكتفى ببيان الوجه الأوّل عن الثاني، وقوله ويجوز أن يكون حالاً لم يذكره الزمخشريّ وان كان في كلامه إشارة إليه على ما قيل ومعنى كونه لا ريب فيه أنه لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه لوضوح برهانه كما مز تحقيقه في البقرة فلا ينافي قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣] وقوله فإنه مفعول في المعنى بيان لوجه مجيء الحال من المضاف على ما عرف في النحو وأن يكون استئنافا نحويا لا محل له من الإعراب أو بيانيا جواباً للسؤال عن حال الكتاب والأوّل أظهر. قوله: (خبر آخر تقديره كائناً الخ) أي خبر لكان المقدرة أو المبتدأ كما مرّ وإذا كان متعلقا بالتصديق أو التفصيل وفي الكشاف بتصديق وتفصيل فجملة لا ريب فيه معترضة لئلا يفصل الأجنبيّ بين الفعل ومتعلقه، وكذا إذا تعلق بالمعلل، ولذا قيل لو أخره عنه لكان أولى، وكذا على الحالية، والمعلل أنزله الله أي أنزله الله من رب العالمين أي من عنده فأقيم الظاهر مقام الضمير وقوله أو من الضمير في فيه أي المجرور لا المستتر وقوله ومساق الآية يعني قوله، وما كان هذا القرآن الخ والمنع من الظن من قوله، وما يتبع أكثرهم وما يجب اتباعه القرآن والشريعة المذكور في هذه الآية، والبرهان عليه كونه من عند الله ثابتا ما فيه بتصديق الكتب السالفة. قوله: (بل أيقولون افتراه محمد ﷺ ومعنى الهمزة فيه الإنكار) يعني أم منقطعة مقدرة ببل والهمزة عند سيبويه ﵀ والجمهور وبل انتقالية والهمزة للإنكار وجوز الزمخشريّ أن تكون للتقرير لإلزام الحجة قال والمعنيان متقاربان، والمعنى على الإنكار ما كان ينبغي ذلك وضمير افترى للنبيّ ﷺ لأنه معلوم من السياق، وقيل إنها متصلة ومعاد لها مقدّر أي أتقرون به أم تقولون افتراه وقيل أم استفهامية بمعنى الهمزة، وقيل عاطفه بمعنى الواو والصحيح الأوّل. قوله: (في البلاكة وحسن النظم) أي الانتظام وارتباط بعضه ببعض، وقوة المعنى جزالته وما فيه من الحكم ونحو ذلك وقوله على وجه الافتراء لأنهم اذعوا افتراءه فقال لهم إن كان افتراء فافتروا مثله، وليس المراد الاحتراز عن الإتيان به من جهة الوحي فإنه لا يتحدّى به وليس في الوسع، وقوله: فإنكم مثلي تعليل للتحدي والطلب وفي العربية أي ذلك الجنس وأهل اللسان والتمرّن الاعتياد والعبارة بمعنى التعبير ويجوز أن يريد بالنظم الشعر وبالعبارة النثر أي لكم تمرّن في أنواعه مما لم يصدر مني ولم أتمرّن عليه مثلكم. قوله:) ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم الخ) ذلك إشارة إلى المذكور أي مع كونكم مثلي فيما ذكر والفاء
في قوله فاستعينوا إشارة إلى أن دعوتهم لأجله وأنّ دعوتهم كناية أو مجاز عن الاستعانة بهم وفاء فأتوا جواب شرط مقدر دل عليه إن كنتم صادقين أي إن كان الأمر كما زعمتم، وقوله من دون الله يصح تعلقه بادعوا فمن ابتدائية وبقوله من استطعتم فهي بيانية كما أشار إليه في الكشاف، والثاني أولى لأنّ إطلاق ما استطعتم بحيث يعم الخالق والمخلوق ليس على ما ينبغي وقول المصنف ﵀ سوى الله ظاهر، وجعله استثناء منقطعا تكلف لا داعي له. قوله: (بل سارعوا إلى التكذيب الخ) المسارعة إلى التكذيب مأخوذة من قوله لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله فإن التصديق والتكذيب بالشيء ينبغي أن يكون بعد العلم به والإحاطة بكنهه ومعرفة مآله ومرجعه والا كان مسارعة إليه في غير أوانه، ولذا رأيت بخط بعض الفضلاء المتأخرين إن بل هذه ينبغي أن تسمى فصيحة لأنّ المعنى فما أجابوا أو ما قدروا بل كذبوا، وقرئ بسورة مثله بالإضافة فيكون كقوله فأتوا بسورة من مثله على الاحتماليق. قوله: (بالقرآن أوّلى ما سمعوه الخ) بدل من قوله بما لم يحيطوا الخ أي المراد بما لم يحيطوا بعلمه القرآن قبل أن يتدبروه ويقفوا على شأنه وإعجازه، وقوله أو بما جهلوه عطف عليه أي المراد به ما كذبوه من القرآن المذكور فيه البعث ونحوه مما يخالف
стр. 1493
اعتقادهم الفاسد. قوله: (ولم يقفوا بعد على تأويله الخ) لما هذه نافية جازمة تختمى بالمضارع كلم إلا أنها تفارقها من خمسة وجوه استمرار منفيها إلى الحال كقوله:
فإن كنت مأكولاً فكن خيرآكل والا فأدركني ولما أمزق
ومنفيّ لم يحتمل الاستمرار وعدمه ولا يقترن بأداة شرط ومنفيها يكون قريبا من الحال ومتوقع الثبوت ويجوز حذفه كثيراً على ما فصل في كتب العربية، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله بعد أي بعد ما مضى والى الآن فلم يفسرها بلم وحدها بل من ما ضمّ إليها مما يثير إلى مجناها فمن قال وضع لم موضع لما مع ما عرف من الفرق بينهما غفل أو تغافل، وقوله ولم تبلغ أذهانهم معانيه أشار به إلى أنّ للتأويل معنيين أحدهما معاني الكلام الوضعية، والعقلية، وبيان ذلك يسمى تأويلا، وهو نوع من التفسير، والثاني وقوع مدلوله، وهو عاقبته وما يؤول إليه، وذكر بعضهم أن هذا هو حقيقة معناه اللغوي فإن كان تأويله معناه الأوّل فإتيانه معرفته، والوقوف عليه مجازاً باستعماله في لازم معناه، وان كان تأويله وقوع مدلوله الذي أخبر
بغيبه فإتيانه مجاز عن تبيينه وانكشافه،! وقوله والمعنى أي معنى لما يأتهم تأويله على الوجهين واعجاز المعنى إخباره عن المغيبات فإنّ البشر لا يقدر عليه، وهلى ابيان لأن إعجازه لهم بكلا اللامرين.، قوله: (ومعنى التوقع الخ) التوقع الانتظار، وأصل معنا. طلب وقوع الفعل مع تكلف، واضطراب، وقد تقدم أنّ لما تدل على أن نفيها متوقع منتظر، وهو أحد الفروق بينهاص، ويين لم وقد ذكر له في الكشاف ثلاثة وجوه أحدها أن المراد بالتأويل بيان المعنى، وأنه متوقع منهم الوقوف عليه، وعلى الإعجاز يتكزر التحدي عليهم وامتحانهم به حتى يظهروا العجز ويقروا به، وهو معنى قول المصنف ﵀ قد ظهر لهم بالآخرة الخ، والثاني أن الموصوفين بهذا كانوا شاكين فيه فلذا؟ أتى بلما لأنّ زوال شكهم متوقع، ولم يذكره المصنف رحمه الله تعالى، وصاحب الكشاف، وان ذكره أيضاً أشار إلى ضعفه، والثالث أنّ المراد بالتأويل ما يؤول إليه من وقوع ما فيه من المغيبات فإنه منتظر الوقوع لتيقننا بأنّ ما أخبر الله عنه سيقع وهو ما أشار إليه بقوله أو لما الخ، وقوله فرإزوا بالراء المهملة والزاي المعجمة بمعنى جرّبوا وامتحنوا وتضاءلت بالمد بمعنى صغرت وضعفت، وقوله: لما كرر بكسر اللام التعليلة أو بفتحها بمعنى حين ظرف ظهر وكذا لما شاهدوا، والإقلاع الكف يقال أقلع عنه إذا كف. قوله: (فلم يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا (قليل عدم الإقلاع يستفاد من استمرار الذم لا من كلمة التوقع ففي كلامه تسامح، ومع ذلك ففيه أنّ النحاة صرّحوا بأنّ منفيّ لما مستمرّ النفي إلى الحال دون لم فإذا استمرّ نفيه إلي الآن لم يجز يأتي تاويله إلى حين الأخبار فلا يصح قوله، ومعنى التوقع الخ والظاهر أنّ الاية الأولى إنكار لتكذيبهم النظم، والثانية لتكذيبهم بما فيه من الأخبار قبل أن يحيطوا بعلمه، ويأتيهم تأويله إلى نزول الآية الكريمة انتهى. وقد سبق هذا القائل شرّاج الكشاف، وأشاروا إلى أنه مأخوذ من مجموع الكلام، والسياق مع ما فيه من التكلف قال النحرير والذي يلوح من. كلامه أنه تعالى نبه أوّلاً على تكذيبهم بعد بيان المرجع، والمآل والعلم بحقيقة الحال بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسورة مِّثْلِهِ﴾ فإنه يدل على أنهم لم يرجعوا عن تكذيبهم بل أصرّوا بغياً وحسداً وعناداً، ثم أضرب عن ذلك إلى الإخبار عنهم بما هو أشنع في نظر العقل من وجه وهو المسارعة إلى التكذيب قبل العلم واتيان التأويل إذ فيه اتصاف برذيلة الجهل وقلة الإنصاف، وعدم التثبت وان كان التكذيب بعد العلم أشنع من جهة اأنّ الجاهل ربما يعذر لكن العناد في نظر العرب ليس كاستقباج الجهل والتقليد لمن هو دونهم أو مثلهم بل ربما استحسنوه حتى قيل:
فعاند من تطيق له عنادا
ولو سلم فضمه إلى تكذيب العناد أشنع لا محالة ففي الجملة قد ثبت أنهم كذبوا قبل العلم جهلاً وتقليداً وبعده حسداً فاستمرّ تكذيبهم في الحالين بدليل عدم انقطاع الذمّ عنهم انتهى ولا يخفى حاله وهذا من مشكلات هذا الكتاب والكشاف، ولقد أطال شراحه بما قلت إفادته وملت زيادته فتدبره. قوله: (فيه وعيد لهم الخ) هو يفهم من قوله كذلك وعاقبة الظالمين، وقوله من يصدق به في نفسه يعني
стр. 1494
المضارع إئا للحال والإيمان لغويّ بمعنى التصديق القلبي، ولا ينافيه تكذيب اللسان أو مستقبل والمراد الإيمان العرفي باللسان، والجنان قيل والمفسدون على الأوّل المعاندون، وعلى الثاني المصرون، وقيل بل المراد بهم على الأوّل المعاندون والمصرون، وعلى الثاني المصرون فقط فتأمّل قال الزجاج كيف في موضع نصب خبر كان وقد يتصرّف فيها فتوضمع موضعالمص در وهو كيفية ويخلع عنها معنى الاستفهام بالكلية وهي هنا تحتمل ذلك، وكذا فول البخارقي كيف كان بدء الوحي، وفي تفصيل، وكلام في الدر المصون فان أردته فراجعه. قوله: (وإن أصرّوا على تكذيبك الخ) أوّله به لأنّ أصل التكذيب حاصل فلا يصح فيه الاستقبال الذي هو مقتضى الشرط وأيضا جوابه، وهو قل لي عملي ولكم عملكم الذي هو عبارة عن التبري والتخلية إنما يناسب الإصرار على التكذيب، واليأس من إجابتهم، ولذا لم يحملوه على المضيّ، وأنّ المعنى إن كانوا قد كذبوا. قوله: (فقد أعذرت الخ) أي بالغت في العذر كما يقال أعذر من أنذر، وقوله حقا كان أو باطلاً أي كل منهما ولذا لم يثنه، وقوله لا تؤاخذون أي تعاقبون ووقع في نسخة تؤخذون والأصح الأولى، وقوله ولما فيه متعلق بقيل قدم عليه وأشار بقوله قيل إلى ضعفه فإنّ مدلول الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وثمراتها من الثواب، والعقاب ولم ترفعه آية السيف بل هو باق، وقوله ولما فيه من إيهام الإعراض فيه تسمح، وتقديره قيل إنّ المراد به مجاز الإعراض والتخلية، وهو منسوخ فلا وجه لما قيل إن كان الكلام نظراً إلى معناه الإيهامي فإن كان المعنى الإيهامي يقبل النسخ تئم، والا فالنسخ ليس على معناه العرفيّ. قوله تعالى: ( ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ﴾ الخ (من مبتدأ خبره مقدم عليه، وأعاد ضمير الجمع لمن مراعاة لمعناها، وقد
يراعى لفظها كقوله: ﴿وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ [سورة يونس، الآية: ٤٣] وقد يجمع بينهما مع تقديم كل منهما، وفيه تفصيل في النحو قد قدمنا طرفاً منه، والمعنى أنّ من المكذبين من يصغي إلى القرآن أو إلى كلامك، وتصل الألفاظ لآذانهم ولكن لا يقبلونها كالأصمّ لا يسمع شيثا سيما إذا لم يعقل فإنه وان وصل لصماخه لا يسمع لعدم تعقله المعنى المراد منه إذ المقصود من الاستماع فهم المعاني، وان كانوا كالصمّ الذين لا يعقلون مع كونهم عقلاء لأن عقولهم مؤفة أي أصابتها آفة ومرض بمعارضة الوهم للعقل، ومتابعة الألف والتقليد فيتعذر عليهم فهم معاني القرآن والأحكام الدقيقة، وإدراك الحكم الأنيقة فلا يتوهم أنّ صدر الآية أثبت لهم الاستماع وعجزها نفاه عنهم والمقدمة الاستدراكية مطوية مفهومة من المقام وبها يتم الانتظام وهي تنبيه على أن الغرض من استماع الحق قبوله، وقوله كالأصم إشارة إلى أنه تمثيل في معرض! الاستدلال على ذلك الاستدراك لأنّ انتفاء الاستماع كناية عن انتفاء القبول، وتقديم المسند إليه في قوله أفأنت تسمع الصمّ عند السكاكيئ للتقوية، وجعله العلامة للتخصيص فتقديم الفاعل المعنوفي، وايلاؤه همزة الإنكار دلالة على أنه ع! ز قصد إسماعهم، وهو منتف عنه أي أنت لا تقدر عليه بل الله هو القادر وسرد الألفاظ سوقها متتابعة من سرد الدرع، ونسجه والناعق الصائح الزاجر كالراعي. قوله: (حقيقة استماع الكلام الخ) قيل بل هو حقيقة السماع ألا ترى أنه تعالى أثبت لهم الاستماع ونفي السماع وفيه نظر والمعاني الدقيقة ما اشتمل عليه القرآن، وقوله أفأنت تهدي العمي تقدر الخ حمله على نفي القدرة لأنه الثابت لله تعالى والمراد بالهداية الموصلة لا مطلق الدلالة لأنه ثابت له ﷺ وقوله، وان انضمّ الخ حمل النفي في قوله لا يبصرون على نفي البصيرة لمناسبة المقام وليكون تأسيساً. قوله: (فإنّ المقصود من الأبصار هو الاعتبار والاستبصار) جواب سؤال مقدر، وهو أنه أثبت لهم النظر والأبصار باعتبار الواقع ونفاه ثانياً لعدم الغرض! منه الذي جعله كالعدم لا يقال الأصل في كلمة لو الوصلية أن يكون الحكم على تقدير تحقق مدخولها ثابتاً كما أنه ثابت على تقدير عدمه إلا أنه على تقدير عدمه
أولى، والأمر هنا بالعكس لأنا نقول اتصال الوصل بالإثبات جار على المعروف فإن تقديره تسمعهم ولو كانوا لا يعقلون يقتضي إسماعهم مع العقل بطريق الأولى والاستفهام إثبات بحسب الظاهر فإن نظر إلى الإنكار وأنه نفي بحسب المعنى اعتبر أته داخل على المجموع بعد ارتباطه هكذا ينبغي تحقيق هذا
стр. 1495
المقام وقد قيل النفي منسحب على المعطوف عليه فقط لا عليهما حتى يرد الإشكال، ولا محصل له سوى تعقيد كلماته. قوله: (بسلب حواسهم وعقولهم (أي إن سلبها والظلم على ظاهره وفسره الزمخشري بينقصهم شيئا فقيل ضمن معنى النقص فنصب مفعولين إن كان نقص كذلك كما في قوله: لا ينقصوكم شيئا وبه صرّج الحلبي وقيل إنه تفسير لا تضمين فإنه متعد بمن كقوله: لا يظلم منه شيئاً فالناس منصوب بنزع الخافض وشيئاً مفعول به وقد صرّج الراغب بكونه معنى للظلم، ومنهم من أعرب شيئا مفعولاً مطلقاً أي شيئا من الظلم، وعدل عما في الكشاف لابتنائه على مذهبه قيل، وهو جواب لسؤال نشأ من الآية السابقة وضمير بإفسادها وما بعده للحواس. قوله:) وفيه دليل على أنّ للعبد كسباً الخ) المجبرة هم أهل الجبر الذين يقولون إنّ العبد لا كسب له ووجه الدلالة أنه ذكر أنه يظلم نفسه بالتصرّف وصرف الحواس لما لا يليق وهو عين الكسب، وقوله ويجوز أن يكون وعيداً يعني بحمل الآية على أن الله لا يظلم الناس في تعذيبهم بل يعدل فلا شك أنه وعيد وشيئا على هذا مفعول مطلق فيكون ذلك في الآخرة وفي الوجه الأوّل يختص بأمور الدنيا. قوله: (لهول ما يرون) كذا في الكشاف قيل والوجه هو الأوّل لأن حال المؤمنين كحال الكافرين في أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم في القبور بعد الموت إلى الحشر فوجب أن يحمل على أمر يختص بالكفار، وهو أنهم لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بعمرهم، وكان وجود ذلك العمر كالعدم عندهم فلذلك استقلوه والمؤمنون لانتفاعهم بعمرهم لا يستقلونه، وأمّا قوله لهول ما يرون فهو تعليل مشترك لأنّ الكفار لما شاهدوا من أهوال الآخرة استقلوا مذة لبثهم في الدنيا أو في القبور لأن الإنسان إذا عظم حزنه نسي الأمور الماضية، وقيل إذا شاهدوا ذلك الهول هان عليهم غيره، ووذوا طول مكثهم في القبور أو في الدنيا لئلا يروا ذلك فيعذونها قصيرة فتأمّل. قوله: (والجملة التشبيهية في موقع الحال الخ (أي من مفعول نحشرهم، وكان مخفف كأن أو مركب من الكاف وأن والظاهر الأوّل، وأصله كأنهم أناس لم يلبثوا فيما مضى إلا ساعة، وعلى كل حال فالتشبيه ليس مراداً به ظاهره فإن
التشبيه كثيراً ما يذكر ويراد به معان أخر تترتب عليه كما صرّح به في شرح المفتاح فالمراد إما التأسف على عدم انتفاعهم بأعمارهم أو تمني أن يطول مكثهم قبل ذلك حتى لا لشاهدوا ما رأوه من الأهوال، ومن غفل عن هذا قال: إنّ الظاهر أنها للظن فإن تشبيههم بعدم لبثهم إلا ساعة كلام خال عن الفائدة وهو من آفة الفهم فتدبر. قوله: (أو صفة ليوم الخ) تبع فيه بعض المعربين وردّه أبو حيان بأنّ الجمل نكرات، ولا تنعت المعرفة بالنكرة، وأيضاً هو من صفة المحشورين لا من وصف اليوم فيحتاج إلى تقدير رابط، وتكلف قبله أي كأن لم يلبثوا قبله، ومثله لا يجوز حذفه وكذا إذا قدر صفة مصدر محذوف، وعنده أنّ الجمل التي تضاف إليها أسماء الزمان ليست بنكرات على الإطلاق لأنه إن قدر حلها إلى معرفة كان ما أضيف إليها معرفة وإن قدّر حلها إلى نكرة كان نكرة، وهاهنا يوم نحشرهم بمعنى يوم حشرنا والمراد به يوم القيامة، وهو يوم معين ولا يخفى أنه جوّز تنكيرها أيضا، والذين قالوا بتنكير. هنا لم يقولوا إنه دائماً نكرة حتى يرد عليهم ما ذكروه فيجوز أن يكون يوم بمعنى وقت، والمعنى وقت حشرهم يشبهون فيه من لم يلبث غير ساعة من نهار ويؤيده قوله وهذا أوّل ما نشروا فإنه يدل على أن اليوم يراد به ذلك الوقت ففي كلامه ما يدفع الاعتراض، وإن لم يتنبهوا له وصنعه من حذف العائد غير مسلم، ونهاية ما ذكره أنه وجه ضعيف، وهم لم يرجحوه. قوله: (يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا) أي لم يقع بينهم مفارقة بالموت إلا زمانا قليلاً، وقوله: وهذا أوّل ما نشروا أوّل منصوب على الظرفية لا أفعل تفضيل وهو بيان للواقع، وقيل إنه لدفع المنافاة بينه ويين قوله: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ١٠١] وقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [سورة المعارج، الآية: ١٠] بالحمل على زمانين وفيه نظر وقيل المثبت تعارف تقريع وتوبيخ والمنفي تعارف تواصل ومنفعة. قوله: (وهي حال أخرى مقدرة أو بيان الخ) ولا داعي لجعلها مقدّرة لأنّ الظاهر عدم! تأخر التعارف عن الحشر بزمان طويل حتى يحتاج إلى جعلها مقدرة، وتقرير البيان كما في الكشاف، وشرحه أنه لو طال العهد لم يبق التعارف لأنّ طول العهد منس
стр. 1496
ومفض إلى التناكر لكن التعارف باق فطول العهد منتف، وهو معنى كأن لم يلبثوا إلا ساعة أي في القبور فالمراد بالبيان الإثبات والاستدلال ولا ينافيه كونه مثبتا بعدم اللبث أيضاً وأمّا كونه لا يتأتى إلا إذا أريد قصر المدة حقيقة لا استقصارها لما يرى من الهول فقد دفع بأنّ التعارف بخلق الله لا دخل لقصر المدة وطولها فيه وكون يتعارفون بيانا من حيث دلالته على وجه الشبه لا أنه مبنيّ على استقصار مدّة لبثهم وفيه تأمّل وقوله أو متعلق الظرف أي عامل في الظرف وهو يوم فيعطف على ما سبق. قوله: (للشهادة على خسرانهم) أي
لإثباتها من الله فالجملة مستأنفة، وهي إنشائية للتعجب بقرينة المقام، والمراد بيان أنها مما يتعجب منه والا فالله لا يتعجب لتعاليه عنه فماله إلى التعجب من العباد، وقوله ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في يتعارفون فيه تسمح لأنّ الحال القول المقدر وجوّز فيه كونه حالاً من ضمير نحشرهم إن كان يتعارفون حالاً أيضأ لئلا يفصل بينها وبين صاحبها بأجنبيّ، وما منحوا ما أعطوا من العقل والحواس والمعاون جمع معونة، وهو ما يستعان به من الآلات واستكسبوا أي طلبوا الكسب أو بالغوا فيه وقوله نبصرنك إشارة إلى أن رأى هنا بصرية لا علمية. قوله: (كما أراه يوم بدر) تنظير أو تمثيل، وهو إشارة إلى أنّ هذا الشق من الترديد هو الواقع. قوله: (وهو جواب نتوفينك وجواب نرينك محذوف مثل فذاك) أي فذاك واقع أو فالأمر ذاك فيكون جملة جوابية وليس مفرداً حتى يعترض! عليه بأنه لا يقع جوابا ويتكلف له بأنّ اسم الإشارة يسد مسد الجملة، وقيل لا حاجة إلى التقدير فإنّ قوله فإلينا مرجعهم يصلح جواباً للشرط وما عطف عليه، والمعنى أنّ عذابهم في الآخرة مقرّر عذبوا في الدنيا أو لا، ودفع بأنّ الرجوع لا يترتب على إواءة ما يعدهم وما بيناه من المعنى لا يندفع بما ذكر، ولا حاجة إلى أنه اتفاقيّ من غير ملازمة بينهما كما قيل. قوله: (ذكر الشهادة وأراد نتيجتها الخ) يعني أنّ شهادة الله على الخلق بكونه رقيباً عليهم وحافظاً لما هم عليه أمر دائم في الدارين وثم تقتضي حدوثه فلذا جعلت مجازاً عن لازمها لأنّ اطلاعه تعالى على أفعالهم القبيحة مستلزم للجزاء والعقاب، وثم للترتيب والتراخي، وقيل إنه تراخ رتبيّ حينئذ أو ذكريّ، ولم يلتفت إليهما المصنف ﵀ لقلة الربط فيهما وكماله فيما ذكر ولأنّ شهادة الله عليهما لا تتعلق بالشرط فتعطف على جزائه وعطفها على مجموع الشرطية خلاف الظاهر أو المراد به إظهار الشهادة يوم القيامة فثمّ على ظاهرها، وقيل المراد من أدائها واظهارها إنطاق الجوارح فإن قلت المجازاة متقدمة على إراءة العذاب أو معها، وقد فسر الرجوع بإراءة العذاب كما تقدم فكيف يعطف ما يراد به المجازاة على ما يراد به إراءة العذاب الذي هو نفس المجازاة بثم قلت قوله فنريكه ليس تفسيرا للرجوع بل بيان للمقصود منه المتفرّع عليه بقرينة ما ذكر هنا فلا حاجة إلى جعله تفسيراً حتى يتكلف لتوجيهه. فوله: (بالبينات فكذبوه الخ) يشير إلى أن في الكلام مقدراً به ينتظم الكلام لقوله
قضى بينهم، وقد يقدر أيضا فكذبته طائفة وآمنت به أخرى قضى بينهم بإنجاء الرسول ﷺ ومن آمن به واهلاك ما عداهم وما ذكره المصنف ﵀ أخصر وقد قيل في تفسيره لهذه الآية ما يخالف كلامه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة يون! ، الآية: ١٩] في هذه السورة وهو مما يدفع بأدنى تأمّل، وقوله فأنجى وأهلك إشارة إلى أنه إخبار عن حال ماضية. قوله: (وقيل معناه لكل أمّة يوم القيامة الخ) فعلى هذا الاستقبال على ظاهره ولا يحتاج إلى تقدير كما في الوجه الأوّل وقد رجح بأنّ قوله ويقولون متى هذا الوعد تقوية، وأمّا حديث التأكيد والتأسيس فما لا يلتفت إليه وقوله وقضى أي وشهدوا وقضى. قوله: (ويقولون متى هذا الوعد استبعاداً له واستهزاء به) في الكشاف أنه استعجال لما وعدوا من العذاب استبعاداً له والمصنف ﵀ أسقط الاستعجال وقد قال النحرير ﵀ أن معنى الاستفهام في متى الاستعجال بمعنى طلب العجل، وهو الذي يقال له الاستبطاء بمعنى عذ الأمر بطيئا، ثم القصد من هذا الاستعجال هو استبعاد الموعود وأنه مما لا يكون ووسط الاستبطاء جريا على قضية المناسبة كما لا يخفى إذ الاستفهام للاستبعاد ابتداء إنما يكون بأين وأنى ونحو ذلك دون متى ففي كلام المصنف ﵀ على هذا نظر لكن ما قاله غير مسلم فإنه لا مانع من استعماله ابتداء
стр. 1497
في الاستبعاد إذ المقام يقتضيه والمجاز لا حجر فيه مع ظهور العلاقة هنا.
قوله: (فكيف أملك لكم الخ) قالوا إنه بيان لوجه ارتباط الجواب بالسؤال فإنّ الاستفهام للاستعجال والاستبعاد كما مرّ لأنّ من لا يملك ذلك لنفسه لا يملكه لغيره بالطريق الأولى وذكر النفع للتعميم إذ المعنى لا أملك لنفسي شيئا، وقيل: إنه استطرادفي لئلا يتوهم اختصاصه بالضرّ. قوله: (١ لا ما شاء الله) في الكشاف إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله كائن فكيف أملك لكم الضرّ وجلب العذاب، وقيل عليه إنه لم عدل عن الاتصال وهو الأصل، ولا مانع منه هنا إذ يجوز أن يكون التقدير إلا ما شاء الله من النفع والضرّ فإني أملكه والعجب أنه قدر ما شاء الله من ذلك والإشارة إلى النفع والضرّ وهو بيان لما شاء الله فيكون المستثنى من جنس المستثنى منه فكيف يكون منقطعا ورد بأنه وان كان من جنس المستثنى منه ولكن ليس المعنى على إخراجه من حكمه، ولهذا جعل الحكم أنه كائن دون أني أملكه ويؤيده أنه ورد في آيات
أخر غير مقيد لكن فيه أنّ الملك بمعنى الاستطاعة وهو مستطيع لما شاءه الله فيكون متصلا داخلا في الحكم أيضاً نعم إن أبقى الملك على ظاهره تعين الانقطاع ولذا جوّز المصنف ﵀ الوجهين، وقدم الاتصال لأنه الأصل، وقد خبط بعضهم في شرح كلامه بما لا حاجة لنا بإيراده. قوله: (لا يتأخرون ولا يتقدّمون الخ (يعني أن الاستفعال بمعنى التفعل، وسبق في الأعراف أنه يجوز بقاؤه على أصله وأن المعنى لا يطلبون التقدم والتأخر، وقالوا إن لا يستقدمون استئناف أو معطوف على القيد والمقيد لا على قوله لا يستأخرون حتى يرد عليه أنه لا يتصوّر التقدم بعد مجيء المدة فلا فائدة في نفيه، وقد ردّ بأنّ الفائدة فيه المبالغة في انتفاء التأخير لأنه لما نظمه في سلكه أشعر بأنه بلغ في الاستحالة إلى مرتبة التقدم فهو مستحيل كالتقدّم للتقدير الإلهيّ، وان أمكن في نفسه وهو السرّ في إيراده بصيغة الاستفعال أي بلغ في الاستحالة إلى أنه لا يطلب إذ المحال لا يطلب، وقيل معنى إذا جاء إذا قارب المجيء نحو إذا جاء الشتاء فتأهب له (قلت (وأشار الزمخشريّ إلى جواب آخر وهو أن لا يتأخر ولا يتقدم كناية عن كونه له حذ معين وأجل مضروب لا يتعذاه بقطع النظر عن التقدم والتأخر كقول الحماسيّ: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدّم
قال المرزوقيّ: يقول حبسني الهوى في موضع يستقرّ فيه فالزمه ولا أفارقه وأنا معك
مقيم وطائع لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك، وقوله فسيحين بالحاء المهملة أي يجيء حينه وزمانه وفي ئسخة فسيجيء، وهما بمعنى وينجز وعدكم بالبناء للمجهول. قوله: (تعالى أرأيتم إن أتاكم عذابه (أرأيت يستعمل بمعنى الاستفهام عن الرؤية البصرية أو العلمية وهو أصل وضعه، ثم استعملوه بمعنى أخبرني والرؤية فيه تجوز أن تكون بصرية وعلمية، وقد أشار في مواضع من الكشاف إلى كل منهما فالتقدير أأبصرت حاله العجيبة أو أعرفتها فاخبرني عنها ولذا لم يستعمل في غير الأمر العجيب، ولما كانت رؤبة الشيء سببا لمعرفته ومعرفته سبباً للأخبار عنه أطلق السبب القريب أو البعيد وأريد مسببه وهل هو بطريق التجوّز كما ذهب إليه كثيرا أو التضمين كما ذهب إليه أبو حيان ﵀، والكاف وما معها حرف خطاب وهل الجملة مستأنفة لا محل لها أو في محل نصب على أنها مفعول أرأيت معلق عنها أم لا فيه اختلاف لأهل العربية مفصل في محله. قوله:) وقت بيات واشتغال بالنوم (يعني لم يقل ليلا ونهاراً ليظهر التقابل لأن المراد الإشعار بالنوم، والغفلة وكونه الوقت الذي يبيت فيه العدؤ ويتوقع فيه ويغتنم فرصة غفلته وليس في مفهوم الليل هذا المعنى، ولم يشتهر شهرة النهار بالاشتغال بالمصالح والمعاش حتى يحسن الاكتفاء بدلالة الالتزام كما في النهار أو النهار كله محل الغفلة لأنه إما زمان اشتغال بمعاش أو غذاء أو زمان قيلولة كما في قوله بياتا أو هم قائلون بخلاف
الليل فإنّ محل الغفلة فيه ما قارب وسطه، وهو وقت البيات فلذا خص بالذكر دون النهار، والبيات بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم لا بمعنى البيتوتة. قوله: (أيّ شيء من العذاب يستعجلونه) ماذا جملتها أنها اسم استفهام مركب بمعنى أقي شيء
стр. 1498
أو استفهامية وذا موصولة بمعنى الذي أي ما الذي يستعجلونه، وإذا كانت مركبة هنا كما أشار إليه المصنف ﵀ بتفسيره بأيّ شيء فهي إمّا مفعول يستعجل قدم لصدارته أو مبتدأ، فالعائدة مقدر كما إذا كان موصولاً أي يستعجله واليه ذهب المصنف ﵀، ومن قال إنّ منه هو الرابط مع تفسير الضمير بالعذاب جنح إلى أن المستعجل من العذاب فهو شامل للمبتدأ فيقوم مقام رابطه لأنّ عموم الخبر في الاسم الظاهر يكون رابطا ففي الضمير أولى فمن قال إنّ تقدير المصنف ﵀ لضميريستعجلونه مع تفسيره بأيّ شيء لا وجه له، وإنه مما يتعجب منه جعل منه عائداً مع عدم صحته رواية ودراية والله أعلم.
تنبيه: قال المعرب الرؤية بمعنى العلم باقية على أصلها لأنها داخل على جملة الاستفهام، وهي ماذا وجواب الشرط محذوف قدره الزمخشري تندموا على الاستعجال وردّه أبو حيان بأنه إنما يقدّر ما تقدمه لفظا أو تقديراً نحو أنت ظالم إن فعلت أي إن فعلت فأنت ظالم والذي يسوغ تقديره فأخبروني ماذا يستعجل وفي ردّه نظر لأنه ليس نظير ما ذكر لأن الشرط هنا معتمد عليه، وهو في الأصل اعتراض بين أرأيتم ومعمولها وحذف جوابه لدلالة معنى الجملة عليه لا لدلالة لفظ ما تقدم عليه لأنّ في قوله أخبروني ماذا يستعجل دلالة لا تخفى على ندمهم إذا حل بهم، وجوّز كون ماذا يستعجل جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ما تطعمني ثم تتعلق الجملة بأرأيتم وردّه بأن جواب الشرط إذا كان استفهاما فلا بد من الفاء، ولا تحذف إلا ضرورة، وأمّا تعلق الجملة بأرأيتم فإن عنى ماذا يستعجل فلا يصح لأنه جعلها جواباً للشرط وإن عنى بها جملة الشرط فقد فسر أرأيتم بأخبروني، وهو يطلب متعلقاً مفعولاً ولا تقع جملة الثرط موقعه) قلت) جوابه أنه جواب الشرط عنده معنى لا إعرابا والجواب محذوف، ولذا جعل الجملة الاستفهامية وهي ماذا باقية على تعلق أرأيتم بها والتقدير أرأيتم ماذا يستعجل المجرمون من عذابه إن أتاكم فماذا ت! تعجلون والتمثيل مطابق لأنّ ما تطعمني ليس هو نفس الجواب حتى يلزم فيه الفاء بل هو دال عليه والنية التقديم كما في قوله:
وان أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
وجوّز أيضا أن يكون قوله أثم إذا ما وقع جواب الشرط وماذا يستعجل اعتراض! والمعنى
إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان ورذ بأنّ أثنم استفهام فإذا كان جواباً للشرط فلا بد من الفاء كما تقدم وأيضا الجملة الاستفهامية معطوفة فلا يصح أن تكون جوابا فالجملة الاستفهامية أي أرأيتم بمعنى أخبروني تحتاج إلى مفعول ولا تقع جملة الشرط موقعه، وأجيب بما مرّ من أن الجواب معنى لا إعراباً ولم نقل إنّ جملة الشرط واقعة موقع مفعول
أخبروني بل قدم أوّلاً أن أرأيتم معلق بالاسنالهام غايته أنّ الشرط يكون اعتراضا بين أرأيتم ومعمولها وهو الجملة الاستفهامية انتهى) قلت (بما ذكره يندفع الاشكال إلا أنه خلاف الظاهر. قوله: (وكله مكروه لا يلانم الاستعجال (هدا لا ينافي ما مرّ من أنّ الاستعجال مقصود به الاستبعاد والاستهزاء دون ظاهره لما قاله الطبيئ من أنّ هذا وارد في الجواب على الأسلوب الحكيم لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعاداً دالموعود منه تعالى وأنه افتراء فطلبوا منه تعيين وقته تهكما وسخرية فقال في جوابهم هذا التهلم لا يتمّ إذا كنت مقرّاً بأني مثلكم وأني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً فكيف أذعي ما ليس لي به حق، ثم شرع في الجواب الصحيح، ولم يلتفت إلى تهكمهم واستبعادهم وفي الكشاد، ويجوز أن يكون معناه التعجب كأنه قيل أي شيء هول شديد يستعجلون منه، وقيل عليه أدماذا يستعجل متعلق بأرأيتم وهو استخبار فكيف يكون ماذا للتعجب ولعل الاستخبار أيضا ليد مجرى على حقيقته وردّ بأنّ مراده أنّ التنكير للتهويل والتعجب فلا يأباه ما ذكر، وإنما إلاه كون قصد المتكلم بهذا الاستفهام هنا هو التعجب) وعندي (أنّ السؤال والجواب ليس! لمتوجه وأن ظنه كذلك بعض المتأخرين أمّا السؤال فلأنّ التعجب لا ينافي ما ذكر فإنه يسنثاد من المقام لأن هذا الاستعمال إنما يكون في الاستخبار عن الحال العجيبة، وأما كون ذلك لأخوذاً من التنكير فليس بشيء لأنّ التنكير في التفسير لا المفسر فأخذه منه تعسف لا وط له. قوله: (وهو متعلق بأرأيتم لأنه بمعنى أخبروني (قد قدمنا لك توجيه
стр. 1499
كونه بمعنى أحرني والمراد بالتعلق التعلق المعنويّ الأعم من كونه معموله أو استئنافا جوابآ لسؤال لأنه بيادله وقوله للدلالة على أنهم لجرمهم الخ يعني وضع الظاهر موضع الضمير لهذه النكتة، و، قيل إنّ وعدهم بالعذاب إنما هو لجرمهم فلا حاجة لذكره وإنما النكتة فيه إظهار تحقيرهم إذتهم كلام واه غني عن الردّ. قوله: (وجواب الشرط محذوف وهو تندموا الخ) تيل عليه أن الحواب إنما يقدر مما تقدمه لفظا أو تقديراً فالذي يسوغ أن يقدر ههنا فأخبروني ما يستعجل المجرمون لأنه بمعنى أرأيتم الخ، وأجيب بأنه كذلك لأن المقصود من قوله أرأيتم الخ تنديمهم أو تكليلهم، ولو قدر كما ذكره المعترض لصح أيضاً والمآل واحد ثم إنّ تقدير الجوأب من غير جس المذكور إذا قامت قرينة عليه ليس بعزيز. قوله: (ويجورّ أن يكون الجواب ماذا (قيل إن دل الا يصح لأن جواب الشرط إذا كان استفهاماً فلا بد فيه من الفاء تقول إن زارنا فلان فأقي رحل هو، ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة النظم وقد صزج في المفصل بأن الجملة إذا كانت انأئية لا بد من الفاء معها والاستفهام وان لم يرد به حقيقته لم يخرج عن الإنشائية والمثال المذنور ليس من كلام العرب ثم إن تعلقها بأرأيتم وكونها في قوّة معموله يمنع صحة كونها جوابا وما ذكر من كون الجملة الاستفهامية لا تقع
جوابا بدون الفاء صرّج الرضيّ بأنه جائز في كثير من الكلام الفصيح ولو سلم فيقدر فيه القول، وحذفه كثير مطرد وقيل مراد. أنّ جواب الشرط محذوف وأنّ هذا دليله فتسمح في تسميته جوابا وما ذكر بعده يأبا.، وأمّا تعلقها بأرأيتم فإنما هو إذا لم يقدر جوابا فلا يرد ما ذكره، وقد أورد على هذا الوجه أيضا أنّ استعجال العذاب قبل إتيانه فكيف يكون مرتبا عليه وجزاء وأجيب بأنه حكاية عن حال ماضية أي ماذا كنتم تستعجلون كما صرّح به في قوله تعالى ﴿وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ والقرآن يفسر بعضه بعضا لكن مجرّده لا يجوّز أن يكون جوابا لأنّ الاستعجال الماضي لا يترتب على اتيان العذاب فلا بد من تقدير تعلموا أي تعلموا ماذا الخ، وقيل إن أتاكم بمعنى إن قارب اتيانه أو المراد أن أتاكم أمارات عذابه، وقيل إنكار الاستعجال بمعنى نفيه رأساً فيصح كونه جوابا واعترض على قوله وتكون الجملة أي الشرطية بتمامها متعلقة بأرأيتم بأنه لا يصح تعلقها به إذا خلت عن حرف الاستفهام كما صزحوا به، وتقدير الاستفهام قبل إن الشرطية تكلف، وهذا إلا محصل له لأنّ مراد المعترض! إنّ أرأيت بمعنى أخبرني والجملة الشرطية لا يصح أن تكون مفعولاً له لأنه يتعدى بعن، ولا تدخل على الجملة إلا أنها إذا اقترنت بالاستفهام، وقلنا يجواز تعليقها وفيه كلام في العربية جازه ويدفع بأنه أراد بالتعلق التعلق المعنوي لأنّ المعنى أخبروني عن صنيعكم إن كان الخ. قوله:) أو قوله أثم إذا ما وقع الخ) معطوف على قوله ماذا أي والشرطية أيضا متعلقة بأرأيتم كما مز وقد تبع في هذا الزمخشري، وهو في غاية البعد لأنّ ثم حرف عطف لم يسمع تصدير الجواب به، والجملة المصدرة بالاستفهام لا تقع جواباً بدون الفاء كما مرّ وأمّا الجواب عنه بأنه أجرى ثم مجرى الفاء فكما أنّ الفاء في الأصل للعطف والترتيب، وقد ربطت الجزاء فكذلك هذه فخالف لاجماع النحاة وقياسه على الفاء غير جليّ، ولذا قيل مراده أنه يدلّ على جواب الشرط والتقدير إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه وقوله أثم إذا معطوف عليه للتأكيد نحو كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ولا يخفى تكلفه فإنّ عطف التأكيد بثم مع حذف المؤكد مما لا ينبغي ارتكابه، ولو قيل المراد إنّ آمنتم هو الجواب وأثم إذا ما وقع معترض فالاعتراض! بالواو والفاء وأمّا بثمّ فلم يذهب إليه أحد وقرىء ثم بفتح الثاء بمعنى هنالك وأمّا تفسير ثم المضمومة به فخطا أو تفسير معنى كما في الدرّ المصون، وقد تقدّم عن المعرب ما يدفع هذا كله فإنّ المراد بكونه جوابا أنه جواب معنى لا لفظا، والجواب مقدر هذا قائم مقامه ولا يخفى بعده فاعرفه. قوله تعالى: (أثم إذا وقع (اختلف في إذا هذه هل هي شرطية أو لمجرّد الظرف بمعنى حين فعلى الأول يكون تكريراً للشرط وهو على كل حال مؤكد لمعناه، وقول المصنف في تقرير المعنى آمنتم به بعد وقوعه، وكذا قوله لانكار التأخير تصريح بمعنى ثم ولو على تقدير الجزائية لأنّ الجزاء متعقب
ومترتب على الشرط فلا ينافي استعارتها للربط وبالجملة فهذا المحل من مشكلات الكشاف فلا علينا بالتطويل فيه
стр. 1500
فإنه كما قيل:
ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر
وقوله جم! صمنى الخ بيان للوجه الأخير واشارة إلى أن الجواب في الحقيقة آمنتم. قوله:
(أي قيل لهم الخ) فالآن في محل نصب على أنه ظرف لآمنتم مقدر لا للمذكور لأنّ إلاستفهام له صدر الكلام وقرىء بدون همزة الاستفهام فيجوز تعلقه به وقمدير القول ليس بضروريّ بل لكونه أظهر وأقوى معنى وقوله: تكذيبا واستهزاء فس! ره به لما مرّ أنه استهزاء واستبعاد ولو تحققوه لم يستعجلوا وقوعه، وقيل فسر به ليرتبط بما قبله وفيه نظر، وقال الطيبيّ قوله أمنتم بحسب الظاهر يقتضي أن يقال بعده، وقد ك! ختم به تكذبون لا تستعجلون فوضع موضعه لأن المراد به الاسمتعجال السابق، وهو للتكذيب والاستهزاء استحضارا لمقالتهم فهو أبلغ من تكذبون، وق! ل الاسئعجال كناية عن التكذيب، وفائدة هذه الحال استحضارها والكلام على الان وتعريفه! ميموط في النحو والألف واللام لازمة لوضعه فاستعماله بدونها بأن يقال آن خطأ إلا أنه ملازم للظرفية كما ذكره ابن مالدك قيئ الثوضيح. قوله: (المؤلم على الدوام) إشارة إلى أنّ إضافة العذاب للخلد للدلالة على دوام ألمه وقوله من الكفر والمعاصي إشارة إلى أنهم يعذبون على " المعاصي أيضاً لأنهم مكلفون بالفروع وبالاتباع للأوامر والنواهي لكن هل العذاب عليها دائمآ تبعا للكفر أو ينتهي كنحذاب غيرهم من العصاة الظاهر الثاني، وبه جمع بين النصوص الدالة على تخفيف عذاب الكفار وما يعارضها بأنّ المخفف عذاب المعاصي، والذي لا يخفف عذاب الكفر. قوله: (أحق ما تقول من الوعد أو ادعاه النبوّة) رجح الأوّل لأنه الأنسب بالسياق، وقيل لأنه لا يتأتى إثبات النبوّة لمنكريها بالقسم وأجيب بأنه ليس المراد إثباتها بلى كون تلك الدعوى جداً لا هزلاً أو أنه بالنسبة لمن يقنع بالاثبات بمثله ولا يخفى أنّ ما ادّعاه لا يثبت عند الزاكمين أنه افتراء قبل وقوعه بمجرّد القسم أيضاً فلا يصلح هذا مرجحا، والقسم لم يذكر للالزام بل تأكيدا لما أنكروه والوعد هو نزول العذاب لا وجه آخر كما قيل. قوله: (تقوله بجد أم باطل تهزل به الخ) استخبارهم عن حقيته، وعدمها منه يقتضي علمه بذلك وأنه لم يصدر عنه خطأ وحينئذ يلزم كونه حقاً أنه صدر عنه قصداً وجداً وكونه على خلافه عدمه فلذا وصفه بما ذكر بيانا للواقع وأيده بسبب النزول فاندفع ما قيل عليه أنه تفسير للحق لا
تفريع عليه إذ لم يقل فتقوله، والقول بجد لا يقتضي كون المقول ثابتا متحققا في نفس الأمر، والسؤال إنما هو عنه بدليل قوله قل الخ. وحمله على أنه لحق في اعتقادي خلاف الظاهر. قوله: (وإلا ظهر أنّ الاستفهام فيه على أصله لقوله ويستنبؤونك وقيل إنه للإنكار (ضعفه لأنه إذا كان للإنكار لا يناسب طلب الخبر الذي هو معنى يستنبؤونك، وقيل لما كان زعمهم الجزم ببطلانه كان الظاهر أنه ليس على حقيقته والاستنباء تهكم منهم واستهزاء فلا دلالة فيه لما ذكره، ولا يدفع بأنه إنما يتوجه أن لو كان المستنبىء من هؤلاء المكذبين ولو كان من غيرهم فلا والمراد حي أو هو وأتباعه وليس بشيء لأن حييا من يهود أنمدينة ومن رؤساء المكذبين وأفا جوابه بأن المراد بكونه على حقيقته أنه ليس للانكار فلا ينافي الاستهزاء فما لا ينبغي ذكره. قوله: (ويؤيده أنه قرىء الحق هو الخ) أي بالتعريف مع الاستفهام أي هذه القراءة تؤيد أنّ المراد الانكار لما فيها من التعريض لبطلانه المقتضي لإنكاره فإنه قصر للمسند على المسند إليه المشهور والمعنى أنّ الحق ما تقول أم خلافه فلا حاجة إلى ما في الكشاف من جعله من قصر المسند إليه على المسند المخالف لما عليه علماء المعاني وارجاعه لكلام الكشاف كما توهمه بعضهم مما لا داعي إليه. قوله: (وأحق مبتدأ والضمير مرتفع به) لأنه بمعنى ثابت فهو حينئذ صفة وقعت بعد الاستفهام فتعمل ويكتفي بمرفوعها عن الخبر إذا كان اسما ظاهرآ أو في حكمه كالضمير المنفصل وإذا كان خبراً مقدما فتقديمه ليلي الهمزة المسؤول عنه لا للتخصيص حتى يفيد التعريض كما في قراءة الأعمش بالتعريف مع أنه غير متعين لذلك فلذا لم يجعلها دالة على ما مرّ. قوله:) والجملة في موضع النصب بيستنبؤونك (أي على وجهي الإعراب فيها ثم إن استنبأ المشهور فيها أنها تتعدى إلى مفعولين أحدهما بدون واسطة، والآخر بواسطة عن والمفعول الأوّل هنا هو الكاف، والثاني فقامت مقامه الجملة لأن المعنى يسألونك عن جواب هذا السؤال
стр. 1501
إذ الاستفهام لا يسأل عنه، ولما رأى الزمخشري أن الجملة هنا لا تصلح أن تكون مفعولاً ثانيا معنى لما عرفت ولفظاً لأنها لا يصح دخول عن عليها جعل الاستنباء مضمنا معنى القول أي يقولون لك هذا، والجملة في محل نصب مفعول للقول، وهو كلام لا غبار عديه، ومن غير في وجوه الحسان قال بعد ما أخطأ في قوله إن هذه الجملة بتقدير عن أن مراد الزمخشري أن المفعول الثاني مقدر وإن هذه الجملة لا تصح أن تكون مفعولا لأن الاستفهام يمنع من ذلك ولم يعرف أنه يراد بها لفظها على الحكاية ولا يمنع أحد من النحاة قلت هل قام زيد فهو خبط غريا منه. قوله: (إن العذاب لكائن) هذا على التفسير الأول في أحق هو وما بعده على الآخر، قيل كلا الضميرين أي ضمير هو وأنه وهو غير ملائم للسياق ولذا مرضه
قوله: (وأي بمعنى نعم الخ) أي هي جواب وتصديق كنعم ولا تستعمل إلا مع القسم بخلاف نعم فإنها تستعمل به، وبدونه ولذلث سمع من كلامهم وصلها بواو القسم إذا لم يذكر المقسم به فيقولون أيو ويوصلون به هاء السكت أيضا فيقولون أيوه، وهذه شائعة الآن في لسان العوام كذا قرّر. الزمخشريّ لكن ردّه أبو حيان بأنه يجوز استعمالها مع القسم وبدونه، والأوّل هو الأكثر، وما ذكره من السماع ليس بحجة لأنّ اللغة فسدت بمخالطة غير العرب فلم يبق السماع حجة وحذف المجرور بواو القسم والاكتفاء بها لم يسمع من موثوق به، وهو مخالف للقياس. قوله: (بفائتين العذاب) من الفوت بانمثاة من قولهم فاته الأمر إذا ذهب عنه جعله من أعجزه الشيء إذا فاته ويصح جعله من أعجزه بمعنى وجده عاجزاً أي ما أنتم بواجدي العذاب أو من يوقعه بكم عاجزاً عن ادراككم وأيقاعه بكم والفائت على الأوّل هو الكفار لا العذاب. قوله: (بالشرك أو التعدّي على الغير) المراد بالشرك مطلق الكفر هنا وهو أحد استعماليه يعني الظلم إمّا لنفسه، وهو بالكفر وخصه لأنه أعظمه ولأنّ الكلام في حق الكفار، ومنهم من عممه لسائر المعاصي أو لغيره بالتعدي عليه، وقوله من خزائنها وأموالها الإضافة فيه لأدنى ملابسة. قوله: (من تولهم افتداه بمعنى فداه) يعني أنّ افتدى هنا متعد بمعنى فداه أي أعطاه الفداء، وهو ما يتخلص به فمفعوله محذوف أي افتدت نفسها بما في الأرض وقد يكون لازما مطاوع فدى المتعدّي يقال فداه فافتدى، وقد جوّز هذا أيضاً هنا، ولم يلتفت إلى هذا الشيخان لعدم مناسبته للسياق إذ المتبادر منه أنّ غيره فداه لأنّ معناه قبلت الفدية والقابل غير الفعل وفيه نظر لأنه قد يتحد القابل والفاعل إذ أفدى نفسه نعم المتبادر الأوّل. قوله: (لأنهم بهتوا بما عاينوا الخ الما كانت الندامة والندم من الأمور الباطنة وهي لا تكون الأسرا فوصفها بالأسرار مما لا يظهر له وجه، وأيضاً أسرار الندامة يدلّ على التجلد وليس بمراد وجه بأنّ الندامة، وان كانت من الأسرار القلبية لكن آثارها تبدو وتظهر في الجوارح كالبكا وعض اليد ونحو ذلك فالمراد بتخصيص كونها في القلب نفي ما عدا ذلك لشدة حيرتهم وبهتهم من شدّة ما نزل بهم أو المراد أخلصوها لأنها سرية فإذا وصفت بذلك أفاد تأكيدها وقوّتها، واخلاصها لأنّ أعمال القلب من شأنها الاخلاص، ولذا يقال للخالص من الشيء أنه سرّه لأنه من شأنه أن يخفي ويصان ويضن
به، وقيل أسرّ من الأضداد أي من الألفاظ المشتركة بين معنيين متضادّين لأنه يكون بمعنى أخفى وأظهر، وقوله لخالصته الخالصة ما خلص من كل شيء وضمير أنها وبها للخالصة لا لندامة، وفي الكشاف وقيل أسرّ رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم ولم يذكره المصنف ﵀ لأنّ هول الموقف أشد من أن يتفكر معه في أمثال ذلك وان أمكن توجيهه ولأنّ ضمير أسرّوا عامّ لا قرينة على تخصيصه وأشرّ بالشين المعجمة بمعنى أظهر مشهور وإنما الكلام في كون أسر يرد بمعناه، وفيه كلام في شرح المعلقات. قوله: (ليس تكريرا) يعني لقوله فإذا جاء رسولهم قضى بينهم السابق لأنّ الأوّل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم وهذا مجازاة للمشركين على شركهم وبيان لأنهم لا يزادون على استحقاقهم أو هذا قضاء آخر بين الظالمين السابقين في قوله، ولو أنّ لكل نفس ظلمت والمظلومين الذين ظلموهم وإن لم يجر لهم ذكر هنا لكن الظلم يدلّ بمفهومه عليهم فقوله، والضمير أي ضمير بينهم، وقوله يتناولهم أي المظلومين أو الظالمين
стр. 1502
والمظلومين معاً، وهذا أيضاً إذا لم يكن القضاء السابق في الدنيا كما مرّ.
قوله: (تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب الخ (يعني أن هذا تذييل لما سبق، وتأكيد واستدلال على ما سبق ذكره بأن من يملك جميع الكائنات وله الترصرّف فيها قادر على ما ذكر، وعلى انجاز ما وعد لأنه لا يخلف ما وعد رسوله به من نصره وعقاب من لم يتبعه فلا يرد على المصنف ﵀ أنه وعيد والخلف فيه جائز كما تقرّر عندهم فالتعبير بالوعد في الاية ليس تنليبا كما يتوهم، وهذا يعرفه من يتدبر الأمور لا من يغتر بالحياة، ويدري ظاهرها فيظن أنها باقية وذكر القدر على الأمانة استطرادقي لا دخل له في الاستدلال على النشر وقوله لأنّ القادر لذاته بيان لما تقرّر من أن القادر بالذات لا يزول بغيره، والقدرة صفة ذاتية عندنا، وعين الذات عند بعضهم كما هو معلوم في الأصول. قوله: ( ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ﴾ الخ) الخطاب عامّ، وقيل لقريش ومن ربكم متعلق بجاء أو وصفة موعظة ومن للابتداء والموعظة والشفاء للمؤمنين والهداية بمعنى الدلالة مطلقا عامّة وبمعنى الموصلة خاصة أيضا. قوله: (أي قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية الخ) يعني أنّ المراد القرآن وأنّ قوله موعظة إشارة
للعمليات لأن الوعظ ترغيب وترهيب فيحث على محاسن الأعمال ويزجر عن قبائح الأفعال وما بعده إشارة إلى الكمال العلمي بالعقائد الحقة ويتقنها بتصفية الباطن لها حتى تشرق بنور الهداية وتصعد من درجات اليقين إلى أعلى عليين وفيه إشارة إلى أنّ للنفس الإنسانية مراتب كمال من تمسك بالقرآن فاز بها إحداها تهذيب الظاهر عن فعل ما لا ينبغي واليه الإشارة بالموعظة لأنها الزجر عن المعاصي، وثانيها تهذيب الباطن عن العقائد الفاسدة والملكات الرديئة، وهو شفاء ما في الصدور وثالثها تحلي النفس بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ولا يحصل ذلك إلا بالهدى، ورابعها تجلي أنوار الرحمة الإلهية وتختص بالنفوس الكاملة وقد وردت الآية مرتبة على هذا الترتيب الأنيق وبتلك الكمالات تحصل مناسبة بين المؤثر والمتأثر ليستعذ بها لفيض إحسانه فلذا لم يحصل له ذلك ابتداء بل في آخر أحواله، وذهاب ظلمة الهيولى التي يتضح بها نور الهداية، وقال الإمام الموعظة إشارة إلى تطهر ظواهر الخلق عما لا ينبغي، وهو الشريعة والشفاء تطهر الأرواج عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى ظهور الحق في قلوب الصديقين، وهو الحقيقة والرحمة إشارة إلى بلوغ الكمال والإشراق حتى يكمل غيره ويفيض عليه وهي النبوّة والخلافة فهذه درجات ستة لا يمكن فيها تقديم ولا تأخير واليه الإشارة في الحديث: " كان خلقه القرآن " فتدبر، والمحاسن والمقابح جمع حسن وقبح على غير قياس، وقوله وهدى مرفوع على كتاب وكذا قوله ورحمة والوصف بهذه، وجعلها عينه للمبالغة، وقوله والتنكير فيها أي في هذه المذكورات لا في رحمة فقط كما قيل. قوله: (بإنزال القرآن (الباء للسببية متعلق بفضل الله ورحمته أي ذلك بسبب نزول وهدايتكم به أو هو بدل منه مفسر له أي المراد بفضل الله ورحمته ذلك ويناسب الثاني قول مجاهد ﵀ الفضل والرحمة القرآن والأوّل تفسيرهما بالجنة، والنجاة من النار والتوفيق والعصمة إلى غير ذلك من التفاسير. قوله: (والباء متعلقة بفعل يفسره قوله فبذلك فليرحوا (يعني فليفرحوا من قوله فبذلك فليفرحوا، وقيل جعل المجموع مفسراً لأنه لولا ذكر المتعلق لم يكن مفسراً بل عاملا فيه فالمفسر في زيداً ضربته ضربته بتمامه إذ لولا الضمير لكان عاملا. قوله:) فإن اسم الإشارة بمنزلة الضمير الخ (يعني أنه من باب الاشتغال وشرطه اشتغال العامل بضمير المعمول واسم الإشارة يقوم مقام الضمير فاشتغاله به بمنزلة الاشتغال بضميره وذلك إشارة إليهما باعتبار ما ذكره في قوله عوان بين ذلك وهو مشهور في اسم الإشارة، وهذا من غريب العربية فإن المعروف في الاشتغال اشتغاله بالضمير وكونه باسم الإشارة لم يذكره النحاة.
قوله: (نقديره بفضل الله وبرحمته فليعتنوا الخ (يعني المقدر إما من لفظه أو من معناه كما في زيدأ ضربت غلامه أي أهنت زيداً وهذا مما يجوز إذا دلت عليه القرينة وقد صرّح به النحاة والقرينة قائمة هنا لأن ما يسر به يكون مما يعتني ويهتم بشأنه وتقديم المعمول لاعتناء مؤيد لذلك فقول أبي حيان ﵀ إنّ هذا إضمار
стр. 1503
لا دليل عليه مما لا وجه له، وهذا أحسن مما قيل إنّ الاعتناء من تقديم المعمول. قوله: (وفائدة! ذلك التكرير التثيد والبيان الخ) إن كان هذا راجعا للتقديرين فالتكرير، والتأكيد في الأوّل لأنه لازم له فكأنه مذكور ففي تقديره تكرير وتأكيد معنوي أيضا، وأمّا الثاني فظاهر بدليل أنّ ما ذكر بعده غير مختص بالتقدير الثاني، والبيان بعد الإجمال حيث حذف متعلق الأوّل فحصل الإبهام والإجمال لاحتمال غيره. قوله: (وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح) الإيجاب من الأمر لأنه الأصل فيه وتكريره ينفي احتمال الإباحة وغيرها والاختصاص من تقديمه على العامل المقدر لأنه يقدر على طبق المذكور والظاهر أنّ مراده أن التقديم أفاد الاختصاص فلما كرر أوجب اختصاصه ونفي احتمال أن تقديمه لغير ذلك ثم إنه قيل عليه اللازم من التقديم اختصاص الفرج بهما فهو إما مقلوب أو بناء على أنّ الباء يجوز دخولها على كل من المقصور والمقصور عليه حقيقة، أو بتضمينه معنى الامتياز كما مر تحقيقه، وقوله أو بفعل دل عليه قد جاءتكم أي مقدر بعد قل لا بعد جاءتكم المذكور لأن قل تمنع منه فلا يكون من الحذف على شريطة التفسير أي جاءتكم موعظة وشفاء وهدى ورحمة بفضل الله وبرحمته فالمراد بالرحمة الأولى غير الثانية. قوله: (وذلك إشارة إلى مصدره (أي مصدر جاء وهو المجيء لأنه مصدر ميمي وضمير مجيئها راجع إلى المذكورات التي هي فاعل جاء. قوله: (والفاء بمعنى الشرط (يعني إنها داخلة في جواب شرط مقدر أو أنها رابطة لما بعدها بما قبلها لدلالتها على تسبب ما بعدها عما قبلها والوجهان في الفاء على التقادير السابقة في متعلق الباء وان أشعر قوله في الأول فبهما أن الأول مبني على الأول منهما والثاني مبني على تقدير جاءت لقوله والدلالة على أنّ مجيء الكتاب الخ لأنه تمثيل يعلم منه حال غيره إذ لا داعي للتخصيص، وقوله وتكريرها للتأكيد يعني إن الفاء الثانية زائدة لتأكيد الأولى وهذا جار على جميع ما سبق من التقادير والجارّ والمجرور متعلق به، وقيل الزائدة هي الأولى لأن جواب الشرط في الحقيقة فليفرحوا وبذلك مقدم من تأخير، وزيدت فيه الفاء للتحسين ولذلك جوز أن يكون بدلاً من قوله بفضل الله وبرحمته فلا يكون من الحذف والتفسير في شيء، وقد وقع في نسخة الفاء الأولى وفي نسخة لم يقع لفظ الأولى فيحتمل القولين
وليست الثانية عاطفة كما قيل في: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٥٦] لأن المحذوف متعلق بفضل الله لا متعلق بهذا ولا ضرورة تدعو التكثير المحذوفات من غير داع في النظم الكريم فاعرفه. قوله:) وإذا هلكت إلى آخر البيت) وهو قوله:
لا تجزعي إن منفسا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وهو من شعر للنمر بن تولب والخطاب لزوجته وكانت لأمته إذ نزل به ضيوف فعقر لهم أربعة قلائص! فقال لها ذلك والمعنى لا تجزير لما أتلفه من نفيس مالي فإني أحصل لك أمثاله، ولكن اجزير إن مت وهلكت فإنك لا تجدين مثلي من الرجال يخلف عليك، والشاهد فيه زيادة الفاء في قوله فعند ذلك أو في فاجزعي. قوله: (وعن يعقوب فلتفرحوا بالتاء على الآصل المرفوض) أي وروي أنه قرأ فلتفرحوا بلام الأمر وتاء الخطاب على أصل أمر المخاطب المتروك فيه فإنّ أصل صيغة الأمر باللام فحذفت مع تاء المضارعة واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن فإذا أتي بأمر المخاطب فقد استعمل الأصل المتروك فيه وهذا أحد قولين للنحاة فيه وقيل إنها صيغة أصلية وفي حواشي الكشاف عن المصنف إن هذه القراءة إنما قرىء بها لأنها أدل على الأمر بالفرج، وأشد تصريحاً به إيذانا بأن الفرح بفضل الله ورحمته مما ينبغي التوصية مشافهة به، وبهذا الاعتبار انقلب ما ليس فصيحا فصيحا كما في قوله: ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الاخلاص، الآية: ٤] كما سيأتي بيانه وقال ابن جني وقراءة فلتفرحوا بالتاء خزجت على أصلها وذلك أنّ أصل أمر المخاطب اللام كما قرّرناه ولم يفعلوا ذلك بأمر الغائب لأنه لم يكثر كثرته، ولذا لم يؤمر باسم الفعل كصه والذي حسنه هنا أن النفس تقبل الفرج فذهب به إلى قوة الخطاب فلا يقال فلتحزنوا إلا إذا أريد صغارهم وارغامهم ومنه أخذ العلامة ما ذكره، وهذا من
стр. 1504
دقائق المعاني التي ينبغي أن يتنبه لها. قوله:) وقد روي مرفوعاً الخ (يعني أنّ هذه القراءة وان كانت شاذة إلا أنها وردت في حديث صحيح رواه أبو داود عن أبيّ بن كعب مرفوعا إلى النبيّ رسول الله ﷺ ، ولذا قال في الكشاف أنها قراءة رسول الله ﷺ وأيدها بقراءة فافرحوا لأنها أمر للمخاطب على الأصل، وقد قرأ بها الحسن، وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ومن الغريب قوله في شرح اللب لما كان النبي رسول الله ﷺ مبعوثا إلى الحاضر، والغائب جمع بين اللام، والتاء وكأنه يعني أن الأمر لما كان لجملة المؤمنين حاضرهم، وغائبهم غلب الحاضرون في الخطاب على الغائبين، وأني باللام رعاية لأمر الغائبين، وهي نكتة بديعة إلا أنه أمر محتمل، وقرىء فلتفرحوا بكسر اللاء. قوله: (قإنها إلى الزوال) أي صائرة إلى الزوال،
ومن قدره شرفة فقد وهم لأنه يتعدى بعلى وقوله وهو ضمير ذلك أي راجع إلى لفظ ذلك باعتبار مدلوله وهو مفرد فروعي لفظه، وإن كان عبارة عن الفضل والرحمة، ويجوز إرجاع الضمير إليهما ابتداء بتأويل المذكور أو جعلهما في حكم شيء واحد. قوله: (وقرأ ابن عامر ئجمعون) بالخطاب لمن خوطب بقوله يا أيها الناس سواء كان عاما أو لكفار قريش، وعلى قراءة فلتفرحوا أو افرحوا فهو خطاب للمؤمنين، وأمّا على قراءة الغيبة فيجوز أن يكون لهم أيضاً التفاتا ولم يذكره المصنف ﵀ لأنّ الجمع أنسب بغيرهم، وان صح وصفهم به في الجملة، وما في قوله مما تجمعون تحتمل الموصولية والمصدرية. قوله: (جعل الررّق منزلاً لأنه الخ (يعني أنّ الرزق ليس كله منزلاً منها فالإسناد مجازي بأن أسند إليه ذلك لأنّ سببه منها أو أنزل مجاز بإطلاق المسبب على السبب فهو بمعنى قدر، وقريب منه نفسيره بخلق كما في قوله: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦] وقيل إنه على طريق الاستعارة المكنية، والتخييلية وهو بعيد كما أن جعل الرزق مجازا عن سببه أو تقدير لفظ سبب لا ينبغي لأنّ المستخبر عنه ليس سبب الرزق بل هو نفسه. قوله: (وما في مو! ع النصب بإنزل الخ) هي على الأوّل استفهامية وعلى الثاني موصولة، والعائد محذوف أي أنزله، وهي مفعول أوّل، والثاني جملة الله أذن لكم على أن قل مكرر للتوكيد فلا يكون مانعا من العمل فيه، والعائد على المفعول الأوّل مقدّر أي أذن لكم فيه، وإذا كانت استفهامية فهي مفعول أنزل مقدم لصدارته، ومعلق لا رأيتم إن قلنا بالتعليق فيه ومن بيانية والجارّ والمجرور حال. قوله: (ولكم دل على أنّ المراد منه ما حل ولذلك وبخ على التبعيض الأنه بمعنى ما قدر لانتفاعكم والمقدر لانتفاعهم هو الحلال فيكون الرزق المذكور هنا قسماً منه، وهو شامل للحلال، والحرام فلا دلالة فيها للمعتزلة على أنّ الحرام ليس برزق فهو ردّ على الزمخشريّ، والتبعيض التفريق بين بعض وبعض في الحل والحرمة من عند أنفسهم كالبحائر والسوائب، ونحو ذلك. قوله: (مثل هذه أنعام وحرث حجر الخ) هذا إشارة إلى آيات أخر وتفسير للقرآن به، وهذه إشارة إلى ما جعلو. لآلهتهم من الأنعام، وحجر بمعنى ممنوعة، وما في البطون أجنة البحائر، وقد مر تفسيره في محله، وقوله فتقولون ذلك الإشارة إلى ما مرّ من قوله هذه أنعام الخ وذلك مقول القول، وبحكمه أي الله متعلق بتقولون لا خبر ذلك. قوله: (ويجوز أن تكون المنفصلة متصلة بأرأيتم الخ) في أم هذه وجهان أحدهما أنها متصل عاطفة تقديرها أخبروني الله أذن لكم في التحليل والتحريم أو تكذبون في نسبة ذلك إليه فجملة الله أذن لكم مفعول لا رأيتم، والثاني
أنها منقطعة بمعنى بل والهمزة والاستفهام في الله أذن لكم للانكار فأنكر عليهم الأذن ط فيه، ثم قال بل أتفترون تقريرأ للافتراء، والأوّل هو الظاهر الذي رجحو.، ولهذا قدمه المصنف ﵀ فقوله ويجوز أن تكون المنفصلة أي الجملة، والقضية المنفصلة، وهي مجموع قوله الله أذن لكم أم على الله تفترون فسماها منفصلة إما على اصطلاج أهل الميزان أو بالمعنى اللغوي لانفضالها عن أرأيتم، وتوسط قل، وإنما عبر به لمطابقة قوله متصلة، وعلى هذا فما موصولة واتصال الجملة بأرأيتم لأنها مفعول ثان له كما مر. قوله: (وإن يكون الاستفهام للإنكار الخ) يعني إنكار الإذن في التحريم، والتحليل، والإضراب
стр. 1505
عنه لتقرير افترائهم، وعلى الأوّل الاستفهام للاستخبار، ولا ينافيه تحقق العلم بانتفاء الأذن، وثبوت الافتراء لأنّ الاستخبار لا يقصد به حقيقته بل المراد منه التقرير، والوعيد والزام الحجة.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ مر في الأنعام جعل الزمخشري له من قبيل التقديم للتخصيص ورده بأنه لا يجوز تقديم الفاعل كما تقرّر في النحو وان جوزه الزمخشري تبعا لعبد القاهر وقال السكاكي ليس المراد أن الإذن منكر من الله دون غيره فلا بد من حمله على الابتداء، وتقوية الحكم الإنكاري يعني أن إنكاره مطلق لا من الله فقط كما لو اعتبر التقديم فلا يصح من جهة المعنى أيضا، وقيل: إن صاحب الكشاف أراد بالإنكار نفي التحقق لا نفي الابتغاء كما ظنه السكاكي فالمعنى على التقديم أن الإذن الموجود لم يصدر منه تعالى بل من شياطينهم لا أنه ينتفي ابتغاؤه من الله دون غيره كما زعمه، وقد مر ما فيه مفصلا في سورة الأنعام. قوله:) أي شيء ظنهم (يعني ما استفهامية، وقوله: وهو منصوب أي بالظرفية، وناصبه الظن لا يفترون لعدم صحته معنى ولا بمقدر لأن التقدير خلاف الظاهر، وقوله: ويدل عليه أي القراءة بالماضي تدل على تعلقه بالظن لأن الظاهر عمل الفعل فيه وقيل لأن أكثر أحوال القيامة يعبر عنها بالماضي في القرآن وقوله لأنه كائن تعليل للتعبير عنه بالماضي لأنه كائن لا محالة فكأنه وقع لتحققه ومافب هذه القراءة بمعنى الظن في محل نصب على المصدرية، والمعنى ما ظنهم في شأن يوم القيامة وما يكون فيه لهم كما يدل عليه جعله تهديداً، ووعيدآ لكنه يرد عليه ما قيك أن اعتباى اللىث في يوم القيامة مع انكشاف اولأمور فيه مستبشع فالظاهر اعتبار ٨ في اظ- نيا، وإت الف! بى حم! صى المئس! كوت كا! يوم منصوب به ئوكوى دض-،!
فيكون المضيّ على بابه لا أنه عبر به لذلك، وقول المصنف ﵀ لأنه كائن يحتمله بخلاف ما في الكشاف، وأمّا ما قيل إن المجاز هنا لا يستقيم لأنه صار نصا في الاستقبال لعمله في الظرف المستقبلى، وهو يوم القيامة فليس بوارد لأن يوم القيامة يقدر لتحققه ماضيا كما في أتى أمر الله. قوله: (ولا تكون في أمر الخ) يبث! ير إلى أن ما نافية، وأنّ الشأن بمعنى الأمر الذي يعتني به، وبقصد من قولهم شأنه بالهمز كسأله إذا قصده والأصل فيه الهمز، وقد تبدل ألفاً، وكوله من شأنت أي مأخوذ من قولهم شأنت. قوله: (والضمير في وما تتلوا منه الخ) أي الضمير المجرور بمن عائد على الشأن، ومن للتبعيض لأن التلاوة بعض شؤونه، وقوله لأنّ تلاوة القرآن الخ توجيه، وتعليل، وفيه إشارة إلى وجه تخصيصه من بين الشؤون، وقوله: أو لأن القراءة توجيه بوجه آخر بجعل منه للأجل، وقوله: ومفعول تتلو أي على الوجهين، وقوله: من تبعيضية إذا كانت الأولى للإخل حتى لا يتعلق حرفان بمعنى بمتعلق واحد. قوله: (أو للقرآن) أي ضمير منه، وقوله من قرآن بيان للضمير ومن تبعيضية، - والقرآن عام للمقروء كلاً وبعضاً وهو حقيقة لا مجاز بإطلاق الكل على الجزء إذ لا داعي له. قوله: (أو دلّه (فمن ابتدائية، ومن الثانية تبعيضية. قوله: (تعميم للخطاب الخ (يعني خص الخطاب الاول برأس النوع الإنساني، وهو النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام، وعبر عن عمله بالشأن لأنّ عمل العظيم عظيم، ولما عمم الخطاب عبر بالعمل العام الشامل للجليل، والحقير، وليس المراد بما فيه فخامة تلاوة القرآن كما توهم، وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] قيل واختلاف هذه الأفعال بالمضي، والاستقبال إشارة إلى أنّ القصد إلى استمرارها فالمعنى ما كان وما يكون والا كنا ونكون فتأمله وقوله مطلعين عليه إشارة إلى أن المقصود من الاطلاع عليهم الاطلاع على عملهم، وقوله: تخوضون يقال: أخاض في الحديث، وخاض! فيه واندفع كلها مجاز مشهور وفي الشروع فيه، والتلبس به. قوله: (ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه) يشير إلى أن عزب بمعنى بعد، وغاب، وخفي فالمراد لا يبعد، ولا يغيب عن الله شيء، والمراد منه لا يبعد، ويغيب عن علمه بتقدير مضاف أو هو كناية عن ذلك. قوله: (موازن نملة صغيرة) إشارة إلى أن
من زائدة وأن المثقال اسم لما يوازن الشيء، ويكون في ثقله، والذرة بمعنييها عبارة عن أقل شيء، والهباء بالمدّ ما في الهواء من دقيق الغبار. قوله: (أي في الوجود والإمكان) يعني أنّ الأرض، والسماء عبارة
стр. 1506
عن جميع الموجودات، والممكنات لأن العامة لا تعرف غيرهما، وقوله ولا متعلقاً بهما كالأعراض والعرس، والكرسي تتوهمه العامة في السماء أيضاً فلا يقال إنّ العامة تعرفهما، وليسا فيهما وقوله في الأرض، ولا في السماء يشمل نفس السماء والأرض أيضاً. قوله: (وتقديم الآرض لأنّ الكلام في حال أهلها الخ) يعني أنها قدمت في كثير من المواضع، وقد وقعت السماوات في سورة سبأ في نظير هذه الآية مقدمة وهي قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فأشار إلى أنّ حقها ذلك ولكنه لما ذكر قبله شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم ناسب تقديم الأرض هنا لأن السياق لأحوال أهلها وإنما ذكرت السماء لئلا يتوهم اختصاص إحاطة علمه بشيء دون شيء وقوله المقصود منه البرهان على إحاطة علمه بها أي بحال أهل الأرض أي المقصود من هذه الآية إحاطة علمه بحال أهل الأرض بأنّ من لا يغيب عن علمه شيء كيف لا يعرف حال أهل الأرض وما هم عليه مع نبيه رسول الله ﷺ ، ولم يذكر ما في الكشاف من أنّ العطف بالواو لا يقتضي ترتيبا لأنه لا بد في التقديم من نكتة، وان كانت الواو لا تقتضيه ولأنه عكازة أعمى. قوله: (كلام برأسه مقرّر لما قبله) أي جملة مستقلة، وليس معطوفا على ما قبله حتى يكون الاستثناء منقطعاً أو على خلاف الظاهر ولا إن كانت نافية للجنس فاصغر اسمها منصوب لا مبنيّ على الفتح لشبهه بالمضاف، وكذا أكبر لتقدير عمله وفي إعراب السمين إن لا نافية للجنس وأصغر وأكبر اسمها فهما مبنيان معها على الفتح، وهو سبق قلم فإنه شبيه بالمضاف لعمله في الجار والمجرور فلا وجه لبنائه إلا أنه مذهب البغداديين وهو قول ضعيف. قوله: (بالرفع على الابتداء والخبر) أو على أن لا عاملة عمل لير أما الأول فلأنه يجوز الغاؤها إذا تكروت وأما قولهم إنّ الشبيه بالمضاف يجب نصبه فالمراد المنع من البناء لا منع الرفع والالغاء كما توهمه بعضهم فأتي بما لا طائل تحته ونقل عن سيبويه ﵀ كلاما لا يدل على مدعاه، ولولا خوف الاطالة نقلتة لك. قوله: (ومن عطف على لفظ مثقال ذرة الخ (أي سواء كان مفتوحاً بأن يجيء بالفتح لأنه لا ينصرف ويعطف على لفظ مثقال أو ذزة أو مرفوعا عطفاً على محله لأنه فاعل ومن زائد وحينئذ ورد عليه إشكال، وهو أنه يصير التقدير ولا يعزب عنه أصغر من ذلك، ولا أكبر إلا في كتاب فيعزب عنه ومعناه غير صحيح، وقد دفع بوجو. منها ما ذكره المصنف ﵀ وهو أنه إنما يصير المعنى كذلك إذا كان الاستثناء متصلأ
فإذ قدر منقطعا صح لأنه يصير تقديره لكن لا أصغر ولا أكبر إلا هو في كتاب مبين ودفع أيضا بأنه على حد قوله لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وقوله:
ولا عيب فيهم غيرانّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
فالمعنى لا يبعد عن علمه شيء لا الصغير ولا الكبير إلا ما في اللوح أو في علمه فإن
عد ذلك من العزوب فهو عازب عن علمه، وظاهر أنه ليس من العزوب قطعنا فلا يعزب عن علمه شيء قطعا، وفي الآية أقوال أخر ضعيفة كجعل إلا عاطفة بمعنى الواو، وكون الكلام على التقديم والتأخير وأنه متعلق بما قبل قوله وما يعزب، وجعله مستثنى من مقدر لا من المنفي المذكور أي ليس شيء إلا في كتاب ونحوه وكلها ظاهرة قوّة وضمعفا إلا ما نقله الإمام عن بعض المحققين من أن العزوب عبارة عن مطلق البعد والمخلوقات فسمان قسم أوجده الله تعالى من غير واسطة كالأرض والسماء، والملائكة عليهم الصلاة والسلام وقسم أوجده بواسطة القسم الأول مثل الحوادث في العالم وقد تتباعد سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فالمعنى لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين كتبه الله وأثبت فيه صور تلك المعلومات، فهو استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال واثبات العزوب بمعنى البعد عنه في سلسلة الإيجاد لا محذور فيه وهذا وجه دقيق إلا أنه أشبه بتدقيقات الحكماء لبعده عن أسلوب العربية، وقيل معنى معزب يبين وينفصل أي لا يصدر عن ربك شيء من خلقه إلا وهو في اللوح وتلخيصه إنّ كل شيء مكتوب فيه ذكره الكواشي، وقريب منه قوله في المغني إن معنى يعزب
стр. 1507
ليس يخفى بل يخرج إلى الوجود فمعناه لا يخرج إلى الوجود عنه مثقال ذرّة إلا وهو في كتاب ولا منافاة كما قيل بين قوله هنا، وقوله في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣] لا يجوز عطف المرفوع على مثقال والمفتوح على ذرّة لأنّ الاستثناء يمنعه اللهمّ إلا إذا جعل الضمير في عنه للغيب وجعل المثبت في اللوج خارجا لظهوره على المطالعين فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطوراً في اللوح لأنّ مراده الاستثناء المتصل الذي هو الظاهر فيكون كما في الكشاف هنا، ومن ههنا ظهر جواب آخر، وهو أنّ المراد بالبعد عن الله البعد والخروج عن غيبه أي لا يخرج عن غيبه إلا ما كان في اللوج فيعزب عن الغيب إلى الظهور لاطلاع الملائكة عليهم الصلاة والسلام وغيرهم عليه فيفيد إحاطة علمه بالغيب والشهادة، ويظهر منه وجه لتقديم الأرض وهذا معنى حسن من الله به عليّ. قوله: (والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ الم يفسره بالعلم كما في سورة الأنعام لئلا يتكرّر مع قوله عن ربك على ما فسره به أو لاقتضاء المعنى له فتأمّل. قوله: (الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة) الوليئ ضد العدوّ فهو المدبئ ومحبة العباد طاعتهم ومحبته لهم
إكرامه كما في شرح الكشاف ولذا قال القائل رحمه الله تعالى:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذالعمري في القياس بديع
لوكان حبك صادقاً لأطعته إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
وعلى الأؤل يكون فعيل بمعنى فاعل، وعيى الثاني بمعنى مفجول نجهو مشترك فتفسير المصنف ﵀ له بهما إمّا بناء على جواز استعمال المشترك في معنييه، وامّا باستعماله! في أحدهما وارادة الآخر لأنه لازم له كما قيل ما جزاء من يحبّ إلا أن يحبّ مع أنه يجوز أن يكون بمعنى الفاعل أو المفعول فيهما، وقيل الولاية من الأمور النسبية فاعتبر الولاية من جانب العبد بالطاعة ومن جانب الله بالكرامة فلا حاجة إلى ما قيل إن الواو في كلام المصنفءبمعنى أو. قوله: (من لحوق مكروه الخ) قال الراغب الخوف توقع المكروه وضده الأمن، والحزن من الحزن بالفتح، وهو خشونة في النفس لما يحصل من الغمّ ويضاذه الفرج ولما كان الفرح بحصول المأمول وما يسر كان الحزن بفواته كما قال:
ومن سرّه أن لايرى مايسوءه فلايتخذ شيئاً يخاف له فقدا
ولذا فسره المصنف ﵀ بما ذكر وهما متقاربان فإذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا، ولذا قابله في البيت به، وقيل لحوق المكروه في المستقبل كما صرّحوا به ولا اختصاص لسبب الحزن بفوات المأمول بل قد يحصل من لحوق مكروه في المستقبل فوات مأمول في الماضي ولا يخفى ما فيه، والمراد بانتفاء الخوف، والحزن أمنهم كذلك في الآخرة بعد تحقق مالهم من القرب، والسعادة، وإلا فالخوف والحزن يعرض لهم قبل رزلك سواء كان سببه دنيويا أو أخرويا. قوله: (وقيل ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الخ) هو على الأوّل تفسير لما أجمل من أولياء الله الذين لا خوف ولا حزن لهم بأنهم المتقون المبشرون، وهذا جار على وجوه الإعراب، و! ذا مختار الزمخشري حيث قال أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وقد فسر ذلك في قوله الذين آمنوا وكانوا يتقون فهو توليهم إياه لهم البشرى في الحياة الدنيا، وفي الآخرة فهو توليه إياهم فإن قلت إذا كانا صفتين لأولياء الله، ولما تضمنه من المعنيين يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر ولهم البشرى جملة لا توصف به المعرفة قلت المفسر لا يلزم أن يكون صفة فإذا قدر مبتدأ وجعلا خبرين له كانا مفسرين غير وصفين فإن قلت فكان الظاهر عطف لهم البشرى كما قيل قلت المفسر شيء واحد وان تضمن معنيين قصد تفسيرهما فالظاهر ترك العطف لاتخادهما فتأمّل، وقد وقع تفسير الأولياء بالذين يذكر الله برؤيتهم يعني يظهر عليهم آثار العبادة وعن ابن عباس ﵄ ذوو الاخبات، والسكينة وقيل هم المتحابون في الله وعن النبي رسول الله ﷺ : " إنّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء، ولا شهداء تغبطهم
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله قالوا:
стр. 1508
يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بيثهم ولا أموال كتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وأنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس " ثم قرأ الآية، وهذا تفضيل لهم بجهة من الجهات فلا يلزم تفضيلهم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنه قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل كذا في شروح الكشاف وتابعهم غيرهم وفيه أنه يقتضي تسليم أن هذه الصفات ليست في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وليس كذلك إذ جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع من آمن بهم جرى يينهم هذا التحالت ألا ترى أهل الصفة ﵃ متصفين بذلك وهم محبون للنبيّ ﷺ ، وهو يحبهم أيضا فلا وجه لما ذكر فالجواب أنّ الغبطة هنا بمعنى أنه يعجبه ذلك لأنه لا يغبط إلا على ما يحمد ويحسن ويعجب من غبط فهو كناية عن ذلك فإن النبيّ ﷺ وإن اتصف بذلك لكن مقام الدعوة واشتغاله بمحبة الله أجل من أن يظهر تحابه كيف لا " ولا يتم الإيمان حتى يكون النبيّ رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه وأهله وماله " فلا تكن من الغافلين. قوله: (وهو ما بشر به المتقين الخ) فسر بشرى الدنيا بما ذكره، واطلاق البشرى على أوّلها ظاهر وعلى ثانيها لأنّ الرؤيا المصالحة سماها النبي ﷺ : " المبشرات " والمكاشفات التي تظهر لصفاء باطن صاحبها مما يسز في المستقبل تبشير له أو لمريده أيضا كما يعرفه أهله وكذا بشرى الملائكة عليهم الصلاة والسلام عند النزع أي نزع الروح بالموت فإنهم يبشرونه ويرى مقامه اللهتم يسر لنا ذلك
بكرمك ورحمتك، وقوله بيان لتوليه لهم هذا من تتمة القيل أي لهم البشرى الخ بيان لهذا كما أنّ ذاك بيان لذاك فإن قلت لم لم يقل لا يخافون ولا يحزنون مع أنه أخصر وأظهر وأنسب للمشاكلة بينهما قلت لأنّ خوفهم من الله مقرّر فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وغيرهم لا يخاف عليهم ذلك ولا يحزنون لأنهم قد بشروا بما يسرّهم عقبه وهذه نكتة لم أر من ذكرها. قوله: (ومحل الذين آمنوا الخ) وجوه الإعراب ظاهرة لكن في جعله صفة فصل بين الصفة والموصوف بالخبر وقد أباه النحاة ممن جوّزه الحفيد ﵀، وجوّز فيه البدلية أيضا والمواعيد جمع ميعاد بمعنى الوعد لأنه هو الذي لا يقع فيه الخلف، وقوله إلى كونهم مبشرين أو إلى البشرى بمعنى التبشير وقيل إلى النعيم الذي وقعت به البشرى. قوله: (هذه الجملة والتي قبلها اعتراض) أمّا الأولى وهي لا تبديل لكلمات الله فلأنّ معناها لا إخلاف لوعده فتؤكد البشارة لأنها في معناه، وأمّا الثانية وهي قوله ذلك هو الفوز العظيم فلأنّ معناها أنّ بشارة الدارين السازة، فوز عظيم، وهذا بناء على جواز تعدد الاعتراض وعلى أنه يجوز أن يكون في آخر الكلام، ولذا قيل لو جعلت الأولى معترضة، والثانية تذييلية كان أحسن بناء على أنّ ما في آخر الكلام يسمى تذييلا لا اعتراضاً وهو مجرّد اصطلاح، والى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله وليس من شرطه الخ ومراده الاتصال بحسب الإعراب، وفيه أنّ قوله ولا يحزنك يصح جعله معطوفا على الجملة قبله أي إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا يحزنك قولهم وقوله إشراكهم الخ، وكذا ما ضاهاه مما وقع وما سيقع. قوله: (استئناف بمعنى التعليل (أي ابتداء كلام سبق للتعليل أو هو جواب سؤال مقدر تقديره لم لا يحزنه فقيل لأنّ الغلبة لله فلا يقهر، ويغلب أولياؤه، وأمّا كونه بدلاً من قولهم كما قاله ابن قتيبة ﵀ فرذه الزمخشريّ بأنه مخالف للظاهر لأنّ هذا القول لا يحزنه بل يسرّه وأمّا أنه على سبيل الفرض للإلهاب والتهييج، وأنهم قد يقولونه تعريضاً بأنه لا عزة للمؤمنين فبعيد وقراءة الفتح قراءة أبي حيوة. قوله: (كأنه قيل الخ) يشير إلى أنه كناية على نهج لا أرينك هاهنا أو مجاز لأنّ القول مما لا ينهي كما إذا قلت لا يأكلك الأسد فمعناه لا تقرب منه فالمعنى لا تحزن بقولهم فأسند إلى سببه أو جعل من قبيل ما مرّ وكذا كل ما نهى فيه عن فعل غيره، وقوله فهو يقهرهم الخ
يعني أنّ المقصود من إثبات جميع العزة لله إثباتها لأوليائه ويلزمه ما ذكر، وقوله: لأقوالهم فسره به ليرتبط بما قبله وقوله فيكافئهم إشارة إلى أنّ اطلاع الله على الفعل عبارة عن مجازاته به كما مرّ. قوله: (من الملائكة والثقلين) لأنّ من للعقلاء، والتغليب غير مناسب هنا ووجه التخصيص ما ذكره، وهو جار على الوجوه وقوله
стр. 1509
أشرف الممكنات عبيداً كونهم عبيدا مأخوذ من لام الملك. قوله: (أي شركاء على الحقيقة الخ) هذا رذ على من توهم أن شركاء لا يصح أن يكون مفعول يتبعون لأنه يدلّ على نفي اتباعهم الشركاء مع أنهم اتبعوهم لأنّ المعنى أنهم، وأن اتبعوا شركاء فليسوا في الحقيقة شركاء فالمراد سلب الصفة بحسب الحقيقة، ونفس الأمر وان سموهم شركاء لجهلهم، وقوله ويجوز أن يكون شركاء مفعول يدعون معطوف على معنى ما قبله لأنه في قوّة يصح أن يكون مفعول يتبع، وقوله ومفعول يتبع محذوف تقديره يتبعون حقاً يقيناً كما سيشير إليه وقد يجعل آلهة أو شركاء كما قدره بعضهم ميلاً إلى أعمال الثاني في التنازع، وقيل عليه أنه لا يصح كونه منه لأنّ مفعول الأوّل مقيد دون الثاني فلا يتحد المعمول حتى يكون من هذا الباب إذ هو مشروط فيه وأجيب بأنّ التقييد عارض! بعد الأعمال بقرينة عامل فلا ينافيه وفيه نظر. قوله: (وإنما يتبعون ظنهم أنهم شركاء) إشارة إلى معمول الظن المقدر وقيك إنه يجوز تنزيله منزلة اللازم. قوله: (ويجوز أن تكون ما استفهامية منصوبة بيتبع) وشركاء مفعول يدعون أي أيّ شيء يتبع المشركون أي ما يتبعونه ليس بشيء ويجوز توجيهه بحيث يتحد مع قراءة الخطاب في المعنى. قوله: (أو موصولة معطوفة على من) أي وله ما يتبعه المشركون خلقاً وملكا فكيف يكون شريكا له فصدر الآية باق على ما مرّ من الاستدلال وعدم صلاحية ما عبدوه مطلقا لذلك ويجوز أن تكون ما حينئذ مبتدأ خبره محذوف كباطل ونحوه أو قوله إن يتبعون والعائد محذوف أي في عبادته أو اتباعه. قوله: (وقرئ تدعون بالتاء الخطابية) وهذه قراءة السلمي وعزيت لعليّ كرّم الله وجهه أيضاً، وقوله والمعنى أي على هذه
القراءة رذ لما قيل إنها غير متجهة وما استفهامية والعائد للذين محذوف، وشركاء حال منه أي
تدعونهم حال كونهم شركاء في زعمكم والذين عبارة عن الملائكة والمسيح وعزير عليهم
الصلاة والسلام وقوله فيه أي في اتباعهم لله فيكون إلزاماً بأن ما يعبدونه يعبد الله فكيف يعبد،
وقوله: بعد برهان أي من قوله إلا أن الله الخ وما بعده قوله إن يتبعون إلا الظن مصروف عن
الخطاب إلى الغيبة. قوله: (يكذبون فيما الخ (أصل معنى الخرص الحزر بتقديم الزاي
المعجمة على الراء المهملة أي التخمين والتقدير، وششعمل بمعنى الكذب لغلبته في مثله
وكلاهما صحيح هنا وحزر سمع من باب ضرب ونصر. قوله: (تنبيه على كمال قدرته الخ (أي
كمال القدرة من خلق ما لا يقدر عليه غيره من الليل والنهار والنعمة براحة الليل والأبصار،
وقوله: المتوحد يشير إلى إفادة تعريف الطرفين للقصر وأنه قصر تعيين يترتب عليه حصر العبادة
فيه لأنّ من لا يقدر ولا ينعم لا تليق عبادته. قوله: (وإنما قال مبصراً الخ (أي لم يقل لتبصروا
فيه ليوافق ما قبله تفرقة بين الظرفين إذ الظرف الأوّل ليس سبباً للسكون والدعة بخلاف الثاني
لأنّ الضوء شرطه الأبصار فلذا أسند إليه مجازاً، ولم يسند إلى الليل، وقيل مبصراً للنسب
كلابن وتامر أي ذا أبصار وجعله ابن عطية ﵀ من باب المجاز كقوله:
ما ليل المحب بنائم ومن لم يفرق بينهمالم يصب
وأراد بالسبب ما يتوقف عليه في الجملة لا المؤثر ولا حاجة إلى جعله من حذف
الاحتباك وأصله جعل الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً لتتحزكوا فيه. قوله: (أي تبناه (
لعل هذا قول بعضهم وإلا فما ذكروه من الأدلة يقتضي أنهم يقولون بالتوليد حقيقة، وقوله
تعالى اتخذ صريح فيما فسر به هنا. قوله:) تنزيه له عن التبني الخ (أصل معنى سبحان الله
التنزيه عما لا يليق به جل وعلا وششعمل للتعجب مجازاً فلذا قيل إنّ الواو هنا وفي الكشاف
بمعنى أو لأنه لا يجمع بين الحقيقة، والمجاز وقيل: إنه كناية قالوا وعلى أصلها، وهذا بناء
على صحة إرادة المعنى الحقيقيّ في الكناية، وفيه خلاف لهم وقيل لا يلزم أن يكون استفادة
معنى التعجب منه باستعمال اللفظ فيه بل هو من المعاني الثواني، وقوله تعجيب في نسخة
تعجب وقوله من كلمتهم الحمقاء مجاز كذكر حكيم أي الأحمق قائلها. قوله:) فإنّ اتخاذ الولد
مسبب عن الحاجة (وهو الغني عن كل شيء وتسببه عنها إمّا لأنّ طلبه ليتقوّى به أو لبقاء نوعه
وقوله: تقرير لغناه لأن المالك لجميع الكائنات هو الغنيّ، وما عداه فقير وهو علة أخرى لأن التبني ينافي المالكية. قوله:) نفي لمعارض ما أقامه من البرهان الخ (المعارض في اللغة المنافي، وفي الاصطلاج ما نافاه الدليل
стр. 1510
المتأخر من أحد الخصمين والمراد هنا إما الأوّل وهو ظاهر أو الثاني لأنّ السلطان هنا الحجة التي فرضت أي ليس بعد هذا حجة تسمع والمعارض الدليل مطلقا صحيحا كان أو باطلا والمراد تجهيلهم وأنه لا مستند لهم سوى تقليداً لأوائل واتباع جاهل لجاهل، وقوله متعلق بسلطان لأنه بمعنى الحجة وإذا كان صفة تعلق بمحذوف، ومن زائدة، وإذا تعلق بعندكم لما فيه من معنى الاستقرار يكون سلطان فاعل الظرف لاعتماده فلا يلزم الفصل بين العامل المعنوقي، ومتعلقه بأجنبيّ كما قيل. قوله:) على أنّ كل قول لا دليل عليه الخ) يؤخذ من قوله إن عندكم الخ. وقوله وأن العقائد الخ من قوله أتقولون على الله الخ، وهو رذ لمن تمسك بالآية على نفي القياس، والعمل بخبر الآحاد لأنه في الفروع والآية مخصوصة بالأصول لما قام من الأدلة على تخصيصها وإن عمّ ظاهرها. قوله:) افتراؤهم متاع (فافتراؤهم هو المبتدأ المقدر بقرينة ما قبله أو تقلبهم أي تقلبهم في الدنيا وأحوالهم، وقال السمين رفع متاع من وجهين على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر أي كيف لا يفلحون، ولهم ما لهم فقيل ذلك متاع، وقوله بما كانوا الباء سببية، وما مصدرية وفي الدنيا متعلق بمتاع أو نعت له، وقوله فيلقون الشقاء المؤبد مأخوذ من كونه في مقابلة المتاع القليل. قوله:) ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ الخ (إذ بدل من النبأ أو معمولة له لا لأتل لفساد المعنى، ولام لقومه للتبليغ أو التعليل وقوله خبره مع قومه بالرفع والنصب تفسير لنبأ نوج ﵊، وقوله: عظم عليكم وشق تفسير لكبر كما مز تحقيقه في قوله وإن كانت لكبيرة. قوله: (نفسي الخ (يعني المقام إفا اسم مكان وهو كناية إيمائية عبارة عنه نفسه كما يقال المجلس السامي، ولا وجه لقوله في الكشاف، وفلان ثقيل الظل أو مصدر ميميّ بمعنى
الإقامة يقال قمت بالبلد وأقمت بمعنى، وأقحم في بيانه لفظ كوني للتوضيح أي إقامتي بين أظهركم مدّة مديدة أو المراد قيامه بدعوتهم، وقريب منه قيامه لتذكيرهم ووعظهم لأنّ الواعظ كان يقوم لأنه أظهر وأعون على الاستماع فجعل القيام كناية أو مجازاً عن ذلك أو هو عبارة عن بيان ذلك وتقرّره، وقوله فعلى الله توكلت جواب لأنه عبارة عن عدم مبالاته والتفاته إلى استثقالهم أو هو قائم مقامه، وقيل الجواب فأجمعوا وقوله فعلى الله توكلت اعتراض لأنه يكون بالفاء فاعلم فعلم المرء ينفعه الأوّل فأجمعوا معطوف على ما قبله وبما قرّرناه لا يرد ما قيل إنه متوكل على الله دائماً فلا يصح جعله جوابا لكن فيه عطف الإنشاء على الخبر، وقيل المراد استمراره على التوكل فلا يرد ما ذكره وقيل جواب الشرط محذوف أي فافعلوا ما شئتم. قوله:) فاعزموا عليه الخ) القراءة بقطع الهمزة من أجمعوا فقيل إنه يقال أجمع في المعاني وجمع في الأعيان يقال أجمعت أمري، وجمعت الجيش، وهو الأكثر وأجمع متعذ بنفسه وقيل بحرف جرّ يحذف اتساعاً يقال أجمعت على الأمر إذا عزمت وهنا حذف اتساعاً كذا قال أبو البقاء رحمه الله تعالى وكلام المصنف ﵀ مائل إليه واستشهد للقول الأوّل بقول الحرث بن حلزة: أجمعوا أمرهم بليل فلما أصبحوا أصبحت له ضوءضاء
وقال السدوسيّ أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه، وقال أبو الهيثم أجمع أمره جعله مجموعاً بعد ما كان متفرّقا وتفرقته أن يقول مرّة أفعل كذا ومرّة أفعل كذا فإذا عزم فقد جمع ما تفرّق من عزمه ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى، وأصله التعدية بنفسه ومنه الإجماع والمراد بالأمر هنا مكرهم وكيدهم. قوله: (أي مع شركائكم) هذا توجيه لقراءة النصب، وقد قرئ بوجوه ثلاثة فالنصب خرّج على وجوه منها ما ذكره المصنف ﵀ وهو أنه مفعول معه من الفاعل لأنهم عازمون لا معزوم عليهم ويؤيد هذا التخريج، وأنهم عازمون قراءة الرفع بالعطف على الفاعل وهو الضمير المتصل لوجود الفاصل وقيل إنه مبتدأ محذوف الخبر أي وشركاؤكم مجمعون ونحوه. قوله: (وقيل إنه معطوف على أمركم بحذف المضاف الخ) توجيه آخر للنصب مبنيّ على أنّ أجمع متعلق بالمعاني فلذا احتاج للتقدير والشركاء إن كان المراد بهم من على دينهم فظاهر وان أربد بهم الأصنام فتهكم بهم أو الكلام من الإسناد إلى
следующие страницы →