Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
عن جميع الموجودات، والممكنات لأن العامة لا تعرف غيرهما، وقوله ولا متعلقاً بهما كالأعراض والعرس، والكرسي تتوهمه العامة في السماء أيضاً فلا يقال إنّ العامة تعرفهما، وليسا فيهما وقوله في الأرض، ولا في السماء يشمل نفس السماء والأرض أيضاً. قوله: (وتقديم الآرض لأنّ الكلام في حال أهلها الخ) يعني أنها قدمت في كثير من المواضع، وقد وقعت السماوات في سورة سبأ في نظير هذه الآية مقدمة وهي قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فأشار إلى أنّ حقها ذلك ولكنه لما ذكر قبله شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم ناسب تقديم الأرض هنا لأن السياق لأحوال أهلها وإنما ذكرت السماء لئلا يتوهم اختصاص إحاطة علمه بشيء دون شيء وقوله المقصود منه البرهان على إحاطة علمه بها أي بحال أهل الأرض أي المقصود من هذه الآية إحاطة علمه بحال أهل الأرض بأنّ من لا يغيب عن علمه شيء كيف لا يعرف حال أهل الأرض وما هم عليه مع نبيه رسول الله ﷺ ، ولم يذكر ما في الكشاف من أنّ العطف بالواو لا يقتضي ترتيبا لأنه لا بد في التقديم من نكتة، وان كانت الواو لا تقتضيه ولأنه عكازة أعمى. قوله: (كلام برأسه مقرّر لما قبله) أي جملة مستقلة، وليس معطوفا على ما قبله حتى يكون الاستثناء منقطعاً أو على خلاف الظاهر ولا إن كانت نافية للجنس فاصغر اسمها منصوب لا مبنيّ على الفتح لشبهه بالمضاف، وكذا أكبر لتقدير عمله وفي إعراب السمين إن لا نافية للجنس وأصغر وأكبر اسمها فهما مبنيان معها على الفتح، وهو سبق قلم فإنه شبيه بالمضاف لعمله في الجار والمجرور فلا وجه لبنائه إلا أنه مذهب البغداديين وهو قول ضعيف. قوله: (بالرفع على الابتداء والخبر) أو على أن لا عاملة عمل لير أما الأول فلأنه يجوز الغاؤها إذا تكروت وأما قولهم إنّ الشبيه بالمضاف يجب نصبه فالمراد المنع من البناء لا منع الرفع والالغاء كما توهمه بعضهم فأتي بما لا طائل تحته ونقل عن سيبويه ﵀ كلاما لا يدل على مدعاه، ولولا خوف الاطالة نقلتة لك. قوله: (ومن عطف على لفظ مثقال ذرة الخ (أي سواء كان مفتوحاً بأن يجيء بالفتح لأنه لا ينصرف ويعطف على لفظ مثقال أو ذزة أو مرفوعا عطفاً على محله لأنه فاعل ومن زائد وحينئذ ورد عليه إشكال، وهو أنه يصير التقدير ولا يعزب عنه أصغر من ذلك، ولا أكبر إلا في كتاب فيعزب عنه ومعناه غير صحيح، وقد دفع بوجو. منها ما ذكره المصنف ﵀ وهو أنه إنما يصير المعنى كذلك إذا كان الاستثناء متصلأ
فإذ قدر منقطعا صح لأنه يصير تقديره لكن لا أصغر ولا أكبر إلا هو في كتاب مبين ودفع أيضا بأنه على حد قوله لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وقوله:
ولا عيب فيهم غيرانّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
فالمعنى لا يبعد عن علمه شيء لا الصغير ولا الكبير إلا ما في اللوح أو في علمه فإن
عد ذلك من العزوب فهو عازب عن علمه، وظاهر أنه ليس من العزوب قطعنا فلا يعزب عن علمه شيء قطعا، وفي الآية أقوال أخر ضعيفة كجعل إلا عاطفة بمعنى الواو، وكون الكلام على التقديم والتأخير وأنه متعلق بما قبل قوله وما يعزب، وجعله مستثنى من مقدر لا من المنفي المذكور أي ليس شيء إلا في كتاب ونحوه وكلها ظاهرة قوّة وضمعفا إلا ما نقله الإمام عن بعض المحققين من أن العزوب عبارة عن مطلق البعد والمخلوقات فسمان قسم أوجده الله تعالى من غير واسطة كالأرض والسماء، والملائكة عليهم الصلاة والسلام وقسم أوجده بواسطة القسم الأول مثل الحوادث في العالم وقد تتباعد سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فالمعنى لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين كتبه الله وأثبت فيه صور تلك المعلومات، فهو استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال واثبات العزوب بمعنى البعد عنه في سلسلة الإيجاد لا محذور فيه وهذا وجه دقيق إلا أنه أشبه بتدقيقات الحكماء لبعده عن أسلوب العربية، وقيل معنى معزب يبين وينفصل أي لا يصدر عن ربك شيء من خلقه إلا وهو في اللوح وتلخيصه إنّ كل شيء مكتوب فيه ذكره الكواشي، وقريب منه قوله في المغني إن معنى يعزب
стр. 1507
ليس يخفى بل يخرج إلى الوجود فمعناه لا يخرج إلى الوجود عنه مثقال ذرّة إلا وهو في كتاب ولا منافاة كما قيل بين قوله هنا، وقوله في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣] لا يجوز عطف المرفوع على مثقال والمفتوح على ذرّة لأنّ الاستثناء يمنعه اللهمّ إلا إذا جعل الضمير في عنه للغيب وجعل المثبت في اللوج خارجا لظهوره على المطالعين فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطوراً في اللوح لأنّ مراده الاستثناء المتصل الذي هو الظاهر فيكون كما في الكشاف هنا، ومن ههنا ظهر جواب آخر، وهو أنّ المراد بالبعد عن الله البعد والخروج عن غيبه أي لا يخرج عن غيبه إلا ما كان في اللوج فيعزب عن الغيب إلى الظهور لاطلاع الملائكة عليهم الصلاة والسلام وغيرهم عليه فيفيد إحاطة علمه بالغيب والشهادة، ويظهر منه وجه لتقديم الأرض وهذا معنى حسن من الله به عليّ. قوله: (والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ الم يفسره بالعلم كما في سورة الأنعام لئلا يتكرّر مع قوله عن ربك على ما فسره به أو لاقتضاء المعنى له فتأمّل. قوله: (الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة) الوليئ ضد العدوّ فهو المدبئ ومحبة العباد طاعتهم ومحبته لهم
إكرامه كما في شرح الكشاف ولذا قال القائل رحمه الله تعالى:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذالعمري في القياس بديع
لوكان حبك صادقاً لأطعته إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
وعلى الأؤل يكون فعيل بمعنى فاعل، وعيى الثاني بمعنى مفجول نجهو مشترك فتفسير المصنف ﵀ له بهما إمّا بناء على جواز استعمال المشترك في معنييه، وامّا باستعماله! في أحدهما وارادة الآخر لأنه لازم له كما قيل ما جزاء من يحبّ إلا أن يحبّ مع أنه يجوز أن يكون بمعنى الفاعل أو المفعول فيهما، وقيل الولاية من الأمور النسبية فاعتبر الولاية من جانب العبد بالطاعة ومن جانب الله بالكرامة فلا حاجة إلى ما قيل إن الواو في كلام المصنفءبمعنى أو. قوله: (من لحوق مكروه الخ) قال الراغب الخوف توقع المكروه وضده الأمن، والحزن من الحزن بالفتح، وهو خشونة في النفس لما يحصل من الغمّ ويضاذه الفرج ولما كان الفرح بحصول المأمول وما يسر كان الحزن بفواته كما قال:
ومن سرّه أن لايرى مايسوءه فلايتخذ شيئاً يخاف له فقدا
ولذا فسره المصنف ﵀ بما ذكر وهما متقاربان فإذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا، ولذا قابله في البيت به، وقيل لحوق المكروه في المستقبل كما صرّحوا به ولا اختصاص لسبب الحزن بفوات المأمول بل قد يحصل من لحوق مكروه في المستقبل فوات مأمول في الماضي ولا يخفى ما فيه، والمراد بانتفاء الخوف، والحزن أمنهم كذلك في الآخرة بعد تحقق مالهم من القرب، والسعادة، وإلا فالخوف والحزن يعرض لهم قبل رزلك سواء كان سببه دنيويا أو أخرويا. قوله: (وقيل ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الخ) هو على الأوّل تفسير لما أجمل من أولياء الله الذين لا خوف ولا حزن لهم بأنهم المتقون المبشرون، وهذا جار على وجوه الإعراب، و! ذا مختار الزمخشري حيث قال أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وقد فسر ذلك في قوله الذين آمنوا وكانوا يتقون فهو توليهم إياه لهم البشرى في الحياة الدنيا، وفي الآخرة فهو توليه إياهم فإن قلت إذا كانا صفتين لأولياء الله، ولما تضمنه من المعنيين يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر ولهم البشرى جملة لا توصف به المعرفة قلت المفسر لا يلزم أن يكون صفة فإذا قدر مبتدأ وجعلا خبرين له كانا مفسرين غير وصفين فإن قلت فكان الظاهر عطف لهم البشرى كما قيل قلت المفسر شيء واحد وان تضمن معنيين قصد تفسيرهما فالظاهر ترك العطف لاتخادهما فتأمّل، وقد وقع تفسير الأولياء بالذين يذكر الله برؤيتهم يعني يظهر عليهم آثار العبادة وعن ابن عباس ﵄ ذوو الاخبات، والسكينة وقيل هم المتحابون في الله وعن النبي رسول الله ﷺ : " إنّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء، ولا شهداء تغبطهم
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله قالوا:
стр. 1508
يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بيثهم ولا أموال كتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وأنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس " ثم قرأ الآية، وهذا تفضيل لهم بجهة من الجهات فلا يلزم تفضيلهم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنه قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل كذا في شروح الكشاف وتابعهم غيرهم وفيه أنه يقتضي تسليم أن هذه الصفات ليست في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وليس كذلك إذ جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع من آمن بهم جرى يينهم هذا التحالت ألا ترى أهل الصفة ﵃ متصفين بذلك وهم محبون للنبيّ ﷺ ، وهو يحبهم أيضا فلا وجه لما ذكر فالجواب أنّ الغبطة هنا بمعنى أنه يعجبه ذلك لأنه لا يغبط إلا على ما يحمد ويحسن ويعجب من غبط فهو كناية عن ذلك فإن النبيّ ﷺ وإن اتصف بذلك لكن مقام الدعوة واشتغاله بمحبة الله أجل من أن يظهر تحابه كيف لا " ولا يتم الإيمان حتى يكون النبيّ رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه وأهله وماله " فلا تكن من الغافلين. قوله: (وهو ما بشر به المتقين الخ) فسر بشرى الدنيا بما ذكره، واطلاق البشرى على أوّلها ظاهر وعلى ثانيها لأنّ الرؤيا المصالحة سماها النبي ﷺ : " المبشرات " والمكاشفات التي تظهر لصفاء باطن صاحبها مما يسز في المستقبل تبشير له أو لمريده أيضا كما يعرفه أهله وكذا بشرى الملائكة عليهم الصلاة والسلام عند النزع أي نزع الروح بالموت فإنهم يبشرونه ويرى مقامه اللهتم يسر لنا ذلك
بكرمك ورحمتك، وقوله بيان لتوليه لهم هذا من تتمة القيل أي لهم البشرى الخ بيان لهذا كما أنّ ذاك بيان لذاك فإن قلت لم لم يقل لا يخافون ولا يحزنون مع أنه أخصر وأظهر وأنسب للمشاكلة بينهما قلت لأنّ خوفهم من الله مقرّر فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وغيرهم لا يخاف عليهم ذلك ولا يحزنون لأنهم قد بشروا بما يسرّهم عقبه وهذه نكتة لم أر من ذكرها. قوله: (ومحل الذين آمنوا الخ) وجوه الإعراب ظاهرة لكن في جعله صفة فصل بين الصفة والموصوف بالخبر وقد أباه النحاة ممن جوّزه الحفيد ﵀، وجوّز فيه البدلية أيضا والمواعيد جمع ميعاد بمعنى الوعد لأنه هو الذي لا يقع فيه الخلف، وقوله إلى كونهم مبشرين أو إلى البشرى بمعنى التبشير وقيل إلى النعيم الذي وقعت به البشرى. قوله: (هذه الجملة والتي قبلها اعتراض) أمّا الأولى وهي لا تبديل لكلمات الله فلأنّ معناها لا إخلاف لوعده فتؤكد البشارة لأنها في معناه، وأمّا الثانية وهي قوله ذلك هو الفوز العظيم فلأنّ معناها أنّ بشارة الدارين السازة، فوز عظيم، وهذا بناء على جواز تعدد الاعتراض وعلى أنه يجوز أن يكون في آخر الكلام، ولذا قيل لو جعلت الأولى معترضة، والثانية تذييلية كان أحسن بناء على أنّ ما في آخر الكلام يسمى تذييلا لا اعتراضاً وهو مجرّد اصطلاح، والى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله وليس من شرطه الخ ومراده الاتصال بحسب الإعراب، وفيه أنّ قوله ولا يحزنك يصح جعله معطوفا على الجملة قبله أي إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا يحزنك قولهم وقوله إشراكهم الخ، وكذا ما ضاهاه مما وقع وما سيقع. قوله: (استئناف بمعنى التعليل (أي ابتداء كلام سبق للتعليل أو هو جواب سؤال مقدر تقديره لم لا يحزنه فقيل لأنّ الغلبة لله فلا يقهر، ويغلب أولياؤه، وأمّا كونه بدلاً من قولهم كما قاله ابن قتيبة ﵀ فرذه الزمخشريّ بأنه مخالف للظاهر لأنّ هذا القول لا يحزنه بل يسرّه وأمّا أنه على سبيل الفرض للإلهاب والتهييج، وأنهم قد يقولونه تعريضاً بأنه لا عزة للمؤمنين فبعيد وقراءة الفتح قراءة أبي حيوة. قوله: (كأنه قيل الخ) يشير إلى أنه كناية على نهج لا أرينك هاهنا أو مجاز لأنّ القول مما لا ينهي كما إذا قلت لا يأكلك الأسد فمعناه لا تقرب منه فالمعنى لا تحزن بقولهم فأسند إلى سببه أو جعل من قبيل ما مرّ وكذا كل ما نهى فيه عن فعل غيره، وقوله فهو يقهرهم الخ
يعني أنّ المقصود من إثبات جميع العزة لله إثباتها لأوليائه ويلزمه ما ذكر، وقوله: لأقوالهم فسره به ليرتبط بما قبله وقوله فيكافئهم إشارة إلى أنّ اطلاع الله على الفعل عبارة عن مجازاته به كما مرّ. قوله: (من الملائكة والثقلين) لأنّ من للعقلاء، والتغليب غير مناسب هنا ووجه التخصيص ما ذكره، وهو جار على الوجوه وقوله
стр. 1509
أشرف الممكنات عبيداً كونهم عبيدا مأخوذ من لام الملك. قوله: (أي شركاء على الحقيقة الخ) هذا رذ على من توهم أن شركاء لا يصح أن يكون مفعول يتبعون لأنه يدلّ على نفي اتباعهم الشركاء مع أنهم اتبعوهم لأنّ المعنى أنهم، وأن اتبعوا شركاء فليسوا في الحقيقة شركاء فالمراد سلب الصفة بحسب الحقيقة، ونفس الأمر وان سموهم شركاء لجهلهم، وقوله ويجوز أن يكون شركاء مفعول يدعون معطوف على معنى ما قبله لأنه في قوّة يصح أن يكون مفعول يتبع، وقوله ومفعول يتبع محذوف تقديره يتبعون حقاً يقيناً كما سيشير إليه وقد يجعل آلهة أو شركاء كما قدره بعضهم ميلاً إلى أعمال الثاني في التنازع، وقيل عليه أنه لا يصح كونه منه لأنّ مفعول الأوّل مقيد دون الثاني فلا يتحد المعمول حتى يكون من هذا الباب إذ هو مشروط فيه وأجيب بأنّ التقييد عارض! بعد الأعمال بقرينة عامل فلا ينافيه وفيه نظر. قوله: (وإنما يتبعون ظنهم أنهم شركاء) إشارة إلى معمول الظن المقدر وقيك إنه يجوز تنزيله منزلة اللازم. قوله: (ويجوز أن تكون ما استفهامية منصوبة بيتبع) وشركاء مفعول يدعون أي أيّ شيء يتبع المشركون أي ما يتبعونه ليس بشيء ويجوز توجيهه بحيث يتحد مع قراءة الخطاب في المعنى. قوله: (أو موصولة معطوفة على من) أي وله ما يتبعه المشركون خلقاً وملكا فكيف يكون شريكا له فصدر الآية باق على ما مرّ من الاستدلال وعدم صلاحية ما عبدوه مطلقا لذلك ويجوز أن تكون ما حينئذ مبتدأ خبره محذوف كباطل ونحوه أو قوله إن يتبعون والعائد محذوف أي في عبادته أو اتباعه. قوله: (وقرئ تدعون بالتاء الخطابية) وهذه قراءة السلمي وعزيت لعليّ كرّم الله وجهه أيضاً، وقوله والمعنى أي على هذه
القراءة رذ لما قيل إنها غير متجهة وما استفهامية والعائد للذين محذوف، وشركاء حال منه أي
تدعونهم حال كونهم شركاء في زعمكم والذين عبارة عن الملائكة والمسيح وعزير عليهم
الصلاة والسلام وقوله فيه أي في اتباعهم لله فيكون إلزاماً بأن ما يعبدونه يعبد الله فكيف يعبد،
وقوله: بعد برهان أي من قوله إلا أن الله الخ وما بعده قوله إن يتبعون إلا الظن مصروف عن
الخطاب إلى الغيبة. قوله: (يكذبون فيما الخ (أصل معنى الخرص الحزر بتقديم الزاي
المعجمة على الراء المهملة أي التخمين والتقدير، وششعمل بمعنى الكذب لغلبته في مثله
وكلاهما صحيح هنا وحزر سمع من باب ضرب ونصر. قوله: (تنبيه على كمال قدرته الخ (أي
كمال القدرة من خلق ما لا يقدر عليه غيره من الليل والنهار والنعمة براحة الليل والأبصار،
وقوله: المتوحد يشير إلى إفادة تعريف الطرفين للقصر وأنه قصر تعيين يترتب عليه حصر العبادة
فيه لأنّ من لا يقدر ولا ينعم لا تليق عبادته. قوله: (وإنما قال مبصراً الخ (أي لم يقل لتبصروا
فيه ليوافق ما قبله تفرقة بين الظرفين إذ الظرف الأوّل ليس سبباً للسكون والدعة بخلاف الثاني
لأنّ الضوء شرطه الأبصار فلذا أسند إليه مجازاً، ولم يسند إلى الليل، وقيل مبصراً للنسب
كلابن وتامر أي ذا أبصار وجعله ابن عطية ﵀ من باب المجاز كقوله:
ما ليل المحب بنائم ومن لم يفرق بينهمالم يصب
وأراد بالسبب ما يتوقف عليه في الجملة لا المؤثر ولا حاجة إلى جعله من حذف
الاحتباك وأصله جعل الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً لتتحزكوا فيه. قوله: (أي تبناه (
لعل هذا قول بعضهم وإلا فما ذكروه من الأدلة يقتضي أنهم يقولون بالتوليد حقيقة، وقوله
تعالى اتخذ صريح فيما فسر به هنا. قوله:) تنزيه له عن التبني الخ (أصل معنى سبحان الله
التنزيه عما لا يليق به جل وعلا وششعمل للتعجب مجازاً فلذا قيل إنّ الواو هنا وفي الكشاف
بمعنى أو لأنه لا يجمع بين الحقيقة، والمجاز وقيل: إنه كناية قالوا وعلى أصلها، وهذا بناء
على صحة إرادة المعنى الحقيقيّ في الكناية، وفيه خلاف لهم وقيل لا يلزم أن يكون استفادة
معنى التعجب منه باستعمال اللفظ فيه بل هو من المعاني الثواني، وقوله تعجيب في نسخة
تعجب وقوله من كلمتهم الحمقاء مجاز كذكر حكيم أي الأحمق قائلها. قوله:) فإنّ اتخاذ الولد
مسبب عن الحاجة (وهو الغني عن كل شيء وتسببه عنها إمّا لأنّ طلبه ليتقوّى به أو لبقاء نوعه
وقوله: تقرير لغناه لأن المالك لجميع الكائنات هو الغنيّ، وما عداه فقير وهو علة أخرى لأن التبني ينافي المالكية. قوله:) نفي لمعارض ما أقامه من البرهان الخ (المعارض في اللغة المنافي، وفي الاصطلاج ما نافاه الدليل
стр. 1510
المتأخر من أحد الخصمين والمراد هنا إما الأوّل وهو ظاهر أو الثاني لأنّ السلطان هنا الحجة التي فرضت أي ليس بعد هذا حجة تسمع والمعارض الدليل مطلقا صحيحا كان أو باطلا والمراد تجهيلهم وأنه لا مستند لهم سوى تقليداً لأوائل واتباع جاهل لجاهل، وقوله متعلق بسلطان لأنه بمعنى الحجة وإذا كان صفة تعلق بمحذوف، ومن زائدة، وإذا تعلق بعندكم لما فيه من معنى الاستقرار يكون سلطان فاعل الظرف لاعتماده فلا يلزم الفصل بين العامل المعنوقي، ومتعلقه بأجنبيّ كما قيل. قوله:) على أنّ كل قول لا دليل عليه الخ) يؤخذ من قوله إن عندكم الخ. وقوله وأن العقائد الخ من قوله أتقولون على الله الخ، وهو رذ لمن تمسك بالآية على نفي القياس، والعمل بخبر الآحاد لأنه في الفروع والآية مخصوصة بالأصول لما قام من الأدلة على تخصيصها وإن عمّ ظاهرها. قوله:) افتراؤهم متاع (فافتراؤهم هو المبتدأ المقدر بقرينة ما قبله أو تقلبهم أي تقلبهم في الدنيا وأحوالهم، وقال السمين رفع متاع من وجهين على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر أي كيف لا يفلحون، ولهم ما لهم فقيل ذلك متاع، وقوله بما كانوا الباء سببية، وما مصدرية وفي الدنيا متعلق بمتاع أو نعت له، وقوله فيلقون الشقاء المؤبد مأخوذ من كونه في مقابلة المتاع القليل. قوله:) ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ الخ (إذ بدل من النبأ أو معمولة له لا لأتل لفساد المعنى، ولام لقومه للتبليغ أو التعليل وقوله خبره مع قومه بالرفع والنصب تفسير لنبأ نوج ﵊، وقوله: عظم عليكم وشق تفسير لكبر كما مز تحقيقه في قوله وإن كانت لكبيرة. قوله: (نفسي الخ (يعني المقام إفا اسم مكان وهو كناية إيمائية عبارة عنه نفسه كما يقال المجلس السامي، ولا وجه لقوله في الكشاف، وفلان ثقيل الظل أو مصدر ميميّ بمعنى
الإقامة يقال قمت بالبلد وأقمت بمعنى، وأقحم في بيانه لفظ كوني للتوضيح أي إقامتي بين أظهركم مدّة مديدة أو المراد قيامه بدعوتهم، وقريب منه قيامه لتذكيرهم ووعظهم لأنّ الواعظ كان يقوم لأنه أظهر وأعون على الاستماع فجعل القيام كناية أو مجازاً عن ذلك أو هو عبارة عن بيان ذلك وتقرّره، وقوله فعلى الله توكلت جواب لأنه عبارة عن عدم مبالاته والتفاته إلى استثقالهم أو هو قائم مقامه، وقيل الجواب فأجمعوا وقوله فعلى الله توكلت اعتراض لأنه يكون بالفاء فاعلم فعلم المرء ينفعه الأوّل فأجمعوا معطوف على ما قبله وبما قرّرناه لا يرد ما قيل إنه متوكل على الله دائماً فلا يصح جعله جوابا لكن فيه عطف الإنشاء على الخبر، وقيل المراد استمراره على التوكل فلا يرد ما ذكره وقيل جواب الشرط محذوف أي فافعلوا ما شئتم. قوله:) فاعزموا عليه الخ) القراءة بقطع الهمزة من أجمعوا فقيل إنه يقال أجمع في المعاني وجمع في الأعيان يقال أجمعت أمري، وجمعت الجيش، وهو الأكثر وأجمع متعذ بنفسه وقيل بحرف جرّ يحذف اتساعاً يقال أجمعت على الأمر إذا عزمت وهنا حذف اتساعاً كذا قال أبو البقاء رحمه الله تعالى وكلام المصنف ﵀ مائل إليه واستشهد للقول الأوّل بقول الحرث بن حلزة: أجمعوا أمرهم بليل فلما أصبحوا أصبحت له ضوءضاء
وقال السدوسيّ أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه، وقال أبو الهيثم أجمع أمره جعله مجموعاً بعد ما كان متفرّقا وتفرقته أن يقول مرّة أفعل كذا ومرّة أفعل كذا فإذا عزم فقد جمع ما تفرّق من عزمه ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى، وأصله التعدية بنفسه ومنه الإجماع والمراد بالأمر هنا مكرهم وكيدهم. قوله: (أي مع شركائكم) هذا توجيه لقراءة النصب، وقد قرئ بوجوه ثلاثة فالنصب خرّج على وجوه منها ما ذكره المصنف ﵀ وهو أنه مفعول معه من الفاعل لأنهم عازمون لا معزوم عليهم ويؤيد هذا التخريج، وأنهم عازمون قراءة الرفع بالعطف على الفاعل وهو الضمير المتصل لوجود الفاصل وقيل إنه مبتدأ محذوف الخبر أي وشركاؤكم مجمعون ونحوه. قوله: (وقيل إنه معطوف على أمركم بحذف المضاف الخ) توجيه آخر للنصب مبنيّ على أنّ أجمع متعلق بالمعاني فلذا احتاج للتقدير والشركاء إن كان المراد بهم من على دينهم فظاهر وان أربد بهم الأصنام فتهكم بهم أو الكلام من الإسناد إلى
стр. 1511
المفعول المجازيّ كاسأل القرية. قوله: (وقيل إنه منصوب بفعل محذوف ثقديره وادعوا شركاءكم) أي
هو منصوب بمقدر كما في قوله علفتها تبناً، وماء باردا وعلى قراءة نافع عطف شركاءكم عليه لأنه يقال جمعت شركائي كما يقال جمعت أمري وقيل المعنى ذوي أمركم وكلام المصنف رحمه الله تعالى يميل إليه وفيه نظر وقوله والمعنى أي على الوجوه السابقة وأمرهم بلفظ الماضي أي أنّ نوحا ﵊ أمرهم ويصح أن يكون اسما أيضا وقوله بالعزم على قراءة العامّة أو الاجتماع على قراءة نافع، وقوله على أفي وجه أعمّ من المكر والكيد وثقة علة لأمرهم وقلة مبالاة معطوف عليه. وفي قصدي مصدر مضاف إلى المفعول. قوله: (واجعلوه ظاهرا مكشوفاً) هذا كما مرّ من أنّ الأمر لا يصح كونه منهيا فهو إما كناية عن نهيهم عن تعاطي ما يجعله غمة أو أمرهم بإظهاره، وعليكم على الأوّل متعلق بغمة وعلى الثاني بمقدّر أي كائنا والمراد من الغمّ ما يورثه والأمر بمعنى الشأن وهو الإهلاك أو قصده. قوله: (أذوا إلتي الخ) فالقضاء من قولهم قضى دينه إذا أدّاه فالهلاك مشبه بالدين على طريق الاستعارة المكينة، والقضاء تخييل أو قضى بمعنى حكم ونفذ والتقدير احكموا بما تؤذوه إليّ ففيه تضمين واستعارة مكنية أيضا ومفعول اقضوا محذوف عليهما كما أشار إليه المصنف ﵀. قوله: (وقر! ﴿ثُمَّ اقْضُواْ﴾ الخ) الباء في بشركم للمعية أو التعدية وأفضى إليه بكذأ معناه أوصله إليه وأصله أخرجه إلى الفضاء كأبرزه أخرجه إلى البراز بالفتح وهو المكان الواسع، ومنه مبارزة الخصمين. قوله: ( ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ الخ) شرط مرتب على الجزاء قبله أي إن بقيتم على إعراضكم عن تذكيري بعد أمري لكم وعدم مبالاتي بما أنتم عليه فلا ضير عليّ، وقيل الأوّل مقام التوكل، وهذا مقام التسليم والمبالاة بشيء إتا للخوف أو الرجاء واليهما الإشارة بالجملتين وجواب الشرط محذوف أقيم ما ذكر مقامه أي فلا باعث لكم على التولي ولا موجب له أو ما ذكر علة للجواب أقيم مقامه، وقوله واتهامكم بالجرّ عطف على ثقله، والواو بمعنى أو. قوله: (المنقادين لحكمه) إشارة إلى أنّ المراد بالإسلام الاستسلام والانقياد لا ما يساوق الإيمان كما فسره به الزمخشريّ، وقيده بالذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً والداعي له قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ﴾ إلا أنه تكلف، ولذا عدل عنه المصنف ﵀،
وقوله لا أخالف أمره مطلقا أو هذا الأمر وهو تفسير للانقياد وقوله فأصرّوا على تكذيبه فسره به لأن السياق دال على تقدم تكذيبهم له كما يدذ عليه قوله إن كان كبر الخ ولأنّ إهلاكهم المعقب إنما كان بعدما استمرّ من تصذيهم وطول عنادهم واصرارهم وإلزامهم الحجة بقوله إن كان كبر الخ وقوله وبين أنّ توليهم أي بقوله فإن توليتم الخ وقوله لا جرم توطئة لتفريع قوله فنجيناه لا إشارة إلى أن الفاء فصيحة أي فحقت عليهم كلمة العذاب فنجيناه وقوله من الفرق بدلالة المقام وقيل من أيدي الكفار، وقوله وكانوا ثمانين أي من الناس غير الحيوانات وقوله من الهالكين به أي بالغرق ومن للبدل أي جعل الثمانون خليفة عمن هلك بالطوفان لأنه المذكور قبله وبعده. قوله: (تعظيم لما جرى عليهم الأن الأمر بالنظر إليه يدل على شناعته قال الراغب: النظر يكون بالبصر والبصيرة، والثاني أكثر عند الخاصة فالمراد اعتبر بما أخبرك الله به لأنه لا يمكن أن ينظر إليه هو ولا من أنذره، والمراد بالمنذرين المكذبين والتعبير به إشارة إلى إصرارهم عليه حيث لم يفد الإنذار فيهم وقد جرت العادة أن لا يهلك قوم بالاستئصال إلا بعد الإنذار لأن من أنذر فقد أعذر، وقوله لمن كذب الرسول أي رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام، والتسلية له ظاهرة، وقوله كل رسول إلى قومه هذا يستفاد من إضافة القوم إلى ضميرهم، وليس من مقابلة الجمع بالجمع المفضي لانقسام الآحاد على الآحاد وفيه إشارة إلى أنّ عموم الرسالة مخصوص بنبينا ﷺ واختلف في نوح ﵊ هل بعث إلى أهل الأرض كافة أو إلى صقع واحد منها وعليه ينبني النظر في الغرق هل عمّ جميع أهل الأرض أو كان لبعضهم وهم أهل دعوته كما صزج به في الآيات، والأحاديث قال ابن عطية ﵀ وهو الراجح عند المحققين، وعلى الأوّل لا ينافي اختصاص عموم الرسالة بنبينا مجشحيه لأنها لمن بعده إلى يوم القيامة. قوله تعالى: ( ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ الآية (ضمير كانوا
стр. 1512
وكذبوا القوم الرسل، والمعنى أن حالهم بعد بعثه الرسل كحالهم قبلها في كونهم
أهل جاهلية وقيل ضمير كانوا لقوم الرسل وكذبوا لقوم نوح ﵊ أي ما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوج ﵊ أي بمثله، ويجوز أن يكون عائداً الى نوج نفسه أي ما كان قوم الرسل بعد نوج ليؤمنوا بنوج إذ لو آمنوا به آمنوا بأنبيائهم، ومن قبل متعلق بكذبوا أي من قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقيل الضمائر كلها لقوم الرسل بمعنى آخر وهو أنهم بارزوا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول لجوا في التكذيب، والكفر فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم من قبل لجهم في الكفر وتماديهم، وقيل ما مصدرية والمعنى كذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه وجرائه وأيده بقوله كذلك نطبع الخ، والظاهر أن ما موصولة لعود الضمير عليها، وأما كون ما المصدرية اسفا! فقول ضعيف للأخفش وابن السراج، وقوله لشدة شكيمتهم الشكيم والشكيمة حديدة اللجام المعترضة في فم الفرس وفلان شديد الشكيمة على التمثيل أي أبيّ لا ينقاد فالمراد لعنادهم ولجاجهم وفي شرح الكشاف للجاربردي الشكيمة الحديدة الخ وفلان شديد الشكيمة أي شديد إ النفس وفلان ذو شكيمة أي لا ينقاد اص.
قوله: (فما استقام لهم أن يؤمنوا الخ (كان المنفية المقترنة بلام الجحود تدذ على المبالغة
في النفي تقديراً، وبذلك نفي الصحة والاستقامة، وقد يراد به لا ينبغي ولا يليق أو لا يجوز، وقد يستعمل نفيها مطلقا لذلك وصرج به الإمام البغوي في غير هذا المحل لا يقال لعله إنما حمل على نفي الاستقامة لأنّ أصل المعنى نفي كون إيمانهم المستقبل في الماضي، وماله إلى نفي القابلية والاستعداد لأنه قيل إنه مدفوع بجعل صيغة المضارع للحال، ويحمل على زمان إخباره تعالى لنبيه رسول الله ﷺ فالمعنى ما حصل لهم أن يؤمنوا حال مجيء البينات فيكون زمان عدمه بعد زمان اعتبار عدم الإيمان. قوله:) أي بسبب تعوّدهم تكذيب الحق وتمرّنهم عليه قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام (يحتمل أنه بيان لحاصل المعنى وأق الباء سببية لا صلة يؤمنوا كما هو الظاهر وما مصدرية ولما كان يأباه عود الضمير عليها جعله عائداً إلى الحق المفهوم من السياق، والمقام ولما كان فيه أنّ الكفر هو تكذيب الحق الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام فلا تتضح السببية أو له بأنّ المراد بالتكذيب ما ركز في طباعهم وتعوّدوه قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام من تكذيب كل حق سمعوه وهذا سبب للسبب وهو شدة شكيمتهم ولذا قذضه، ولا يخفى ما فيه من التكلف فالأظهر ما قدمناه وقيل ما موصولة والباء للسببية أو الملابسة أي بالشيء الذي كذبوا به وهو العناد، وقد مز ما قيل إنّ ضمير به لنوح ﵊، وقوله كذلك نطبع أي مثل هذا الطبع كما مرّ تحقيقه. قوله:) وفي أمثال ذلك دليل الخ) المراد بأمثال ذلك ما وقع فيه ذكر الطبع والختم والتغشية، وما أحال عليه هو ما
ذكره في أوائل سورة البقرة وقوله الأفعال أي أفعال العباد القبيحة، أو مطلق الأفعال التي للعباد إذ لا قائل بالفصل وكونها واقعة بقدرة الله لإسنادها إليه وقبحها عائد إلى الاتصاف بها لا إلى إيجادها، وخلقها كما برهن عليه في الكلام وكسب العبد لها ظاهر إذ طبع الله على قلبه عبارة عن منعه عن قبول الحق والإيمان، وهو عين الكفر فقوله بخذلانهم بيان لسبب فعل الله بهم ذلك، وخلقه فيهم وليس تفسيراً للطبع بالخذلان حتى ينافي الدلالة المذكورة، فإنّ المعتزلة يفسرونه بذلك حيث وقع تطبيقاً له على مذهبهم فلا غبار عليه كما توهم، وفي الكشاف الطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم لأنّ من عاند وثبت على اللجاج خذله الله ومنعه التوفيق واللطف، فلا يزال كذلك حتى يتراكم الرين والطبع على قلبه وهذا تأويل للآية ليوافق مذهبه، وهل هو كناية أو ليس بكناية لكنه جار مجراها يعرف بتدقيق النظر في كلام شرّاحه، والآيات التسع هي العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفاح والدم والطمس وفلق البحر. قوله: (معتادين الإجرام) بفتح الهمزة وكسرها جمع ومفرد أي الذنوب العظيمة أو فعل الذنب العظيم لأنّ الجرم ما عظم منه، وهذه الجملة معترضة تذييلية وجوّز فيها الحالية فيفيد اعتيادهم ذلك وتمرّنهم عليه لأنّ معناها أنه شأنهم ودأبهم كما يعرفه من له ممارسة بعلم البلاغة، وكذا
стр. 1513
كونها علة لما قبلها وهو ردّهم واستكبارهم يؤخذ من ذلك كما أشار إليه المصنف ﵀، والحمل على العطف الساذج لا يناسب البلاغة لا لتقدم الإجرام على البعث لأن المراد استمرارهم وتعاونهم عليه كما فسر به. قوله: إ فلما جاءهم الحق﴾ جعل الحق كشخص جاءهم من الله على طريق الكناية والتخييل وهذا يدل على غاية ظهوره بحيث لا يخفى على ذي بصر وبصيرة فلهذا فسروه بعرفانهم ذلك، وكذا وضع الحق موضع الضمير إشارة إلى ظهور حقيته عند كل أحد، وأيضاً قد صرّج به في محل آخر بقوله وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم فلا يرد قوله في الفرائد لا دلالة في النظم على معرفتهم له، وقولهم إنه يدذ على أنهم بهتوا لما بهرهم منه، وهذا غير وارد على المصنف ﵀ لأنه لم يفسره به، وإنما ذكر أنهم عرفوه بما قارنه من الآيات كما يدذ عليه تفريعه بالفاء وهو معنى ما في الكشاف أيضاً، والمعجزات من قوله من عندنا فتدبر. توله: (ظاهر أنه سحر وفائق في فنه واضح فيما بين إخوانه) يشير إلى أنّ مبين من أبان بمعنى ظهر واتضح لا بمعنى أظهر وأوضح كما هو أحد معنييه، ولا وجه لما قيل إنّ قوله ظاهر بيان لأن الإشارة لنوعه وقوله وفائق في فنه بيان لأنّ الإشارة لفرد كامل كما يدلّ عليه ما بعده بل المراد أن ظهوره إمّا ظهور كونه سحراً في نفسه أو
ظهوره بالنسبة إلى غيره من أنواع السحر فتأمل وقوله وفائق في نسخة أو بدل الواو. قوله: (أنه لسحر الخ) يعني أنّ القول على ظاهره ومقوله محذوف بقرينة ما قبله لا قوله أسحر لما سيأتي وقوله بتوا القول من البت بموحدة ومثناة أي قطعوا القول بأنه سحر فكيف يستفهمون عنه، وقوله أسحر الخ من قول موسى ﷺ لا من قولهم، وهي جملة مستأنفة للإنكار، ثم أجاب بجواب مرّضه لأنه خلاف الظاهر، وهو أنّ الاستفهام مقصودهم به تقريره أي حمله على الإقرار بأنه سحر لا السؤال حتى ينافي البت والقطع، وقوله والمحكي أي في أحد الموضعين فإمّا أن يكون المقول الثاني والأوّل حكاية بالمعنى أو بالعكسى، وإنما ذكر هذا لأنّ القصة واحدة فالصادر فيها بحسب الظاهر إحدى المقالتين، وقوله اللهمّ هو بمعنى يا الله لا بمعنى يا الله آمنا بخير لأنه ينافي ما بعده من الشرّ، والميم المشددة المبنية على الفتح عوض عن يا فلا تجامعها إلا شذوذا، وله ثلاث استعمالات النداء، والاستثناء والجواب كنعم للاستظهار وتقوية هو ضعيف عند المتكلم إشارة إلى أنه محتاج لمعونة من الله، وقد ورد في الحديث وكلام فصحاء العرب فليس بمولد كما توهم قاله المطرزي في شرح المقامات فهو هنا إشارة إلى ضعف الجواب كأنه ينادي الله لأنّ يسدد مقاله لضعفه، وأمّا إذا كان تقولون بمعنى تعيبون لأنّ القول والذكر قد يطلق ويراد به ذلك فلا مفعول له، وقوله يخاف القالة الخ القالة مصدر كالقول إلا أنه يختص بالسرّ في قول لأهل اللغة وفي كلامه الآتي إشارة إلى جواب آخر، وهو أنه مقول قولهم والاستفهام ليس له بل مصروف إلى قيده وهو الجملة أعني، ولا يفلح الساحرون والمعنى أجئتنا بسحر تطلب به الفلاج والحال أنه لا يفلح الساحر أو هم يستعجبون من فلاحه، وهو ساحر فتدبر، وقوله يبطل مضارع الإبطال وهو إقنافي، والا فيجوز أن يكون سحرا يبطل غيره من السحر، وقوله: ولأنّ العالم عطف على فإنه لأنّ الفاء تعليلية، وقوله فيستغنى عن المفعول أي المفعول المعهود من كلام موسى ﷺ على الوجهين. قوله: (واللفت والفتل إخوان) أي بينهما مناسبة معنوية، واشتقاقية لأنّ لفته بمعنى صرفه ولواه وكذا فتله وليس أحدهما مقلوبا من الآخر كما قاله الأزهرقي ﵀، وقوله من عبادة الأصنام الظاهر عبادة
غير الله لأنهم عبدوا فرعون لعنه الله. قوله: (الملك فيها سمي بها الخ (يعني المراد بها ذلك لأنها لازمة له فأريد من اللفظ لازم معناه أو المراد الملوك لأنها عادتهم رؤساؤهم مستتبعون لغيرهم فالكبرياء بمعنى التكبر أي عد نفسه كبيراً لهم، والفرق بينهما أن في الأوّل ملاحظة استحقار غيره، وهو التكبر المذموم بخلاف الثاني وقيل سمي بها لأنها أكبر ما يطلب من أمور الدنيا وفي الأرض متعلق به أو يتكون أو مستقرّ حال أو متعلق بلكما والأرض! قيل المراد بها مصر، وقوله حاذق فيه فسره به لأن المراد علمه بصفة السحر وحذقه فيها، وقراءة حمزة والكسائيئ سحار لا ساحر كما في بعض النسخ فهو من تحريف
стр. 1514
الناسخ، وأسقط قوله في الكشاف هنا كما قال القبطيّ لموسى ﷺ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض لأنه لا حا! إليه لا لما قيل إنه سهو صوابه كما قال الإسرائيليّ. قوله تعالى: ( ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ (لا يخفى ما في الإبهام من التحقير والإشعار بعدم المبالاة وسيأتي في الشعراء أنه ليس المراد الأمر بالسحر، وما فعلوه لأنه كفر، ولا يليق منه الرضا به بل علم أنهم ملقون فأمرهم بالتقدم ليظهر إبطاله وسيجيء تفصيله. قوله: (لا ما سماه فرعون وقومه الخ (يعنى أنّ تعريف المسند لإفادة القصر إفراداً وكذا على قراءة عبد الله بالتنكير يستفماد القصر من التعريض لوقوعه في مقابلة قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ فالمعنى على القصر في التعريف والتنكير، وكلام المصنف ﵀ يحتمله ثم إنه قيل إن هذا التعريف للعهد لما تقدمه في قوله إنّ هذا لسحر وهو منقول عن الفزاء ﵀ ورذ بأنّ شرط كونه للعهد اتحاد المتقدم والمتأخر كما في أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول، وهذا ليس كذلك فإنّ السحر المتقدم ما جاء به موسى ﷺ ، وهذا ما جاؤوا به ورذ بمنع اشتراط ذللث بل اتحاد الجنس كاف في الجملة ولا يشترط الاتحاد ذاتاً كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ [سورة مريم، الآية: ٣٣] إن اللام للعهد مع أن السلام الواقع على عيسى ﷺ غير الواقع على يحيى ﵊ ذاتاً كذا قالوا، وفيه بحث من وجهين الأوّل أن الظاهر اشتراط ذلك وما ذكره لا يدلّ على ما قاله لأنّ السلام متحد فيهما وتعذد من وقع له لا يجعله متعذداً كما أنّ زيداً لا يتعدد باعتبار تعذد الأماكن والمحال وإنما يتمّ ما ذكره أن لو صح رأيت رجلا وأكرمت الرجل إذا كان الأوّل زيدأ والثاني عمراً، ويكون العهد باعتبار الاتحاد في الجنسية كما أنّ أنواع السحر وأعمالها مختلفة خصوصاً والأوّل سحر اذعائيّ، وهذا حقيقيئ فالاعتراض وارد على الفزاء ﵀ الثاني أن القصر إنما يكون إذا كان التعريف للجنس، وأمّا تعريف العهد فلا يفيد القصر فكيف قزر هذا من اذعى أن القصر من التعريف ثم ذكر أنه للعهد نعم هنا أمر آخر، وهو أن النكرة المذكورة
أوّلاً إذا لم يرد بها معين ثم عرّفت لا تنافي الجنسية لأن النكرة تساوي تعريف الجنس فحينئذ يكدون تعريف العهد لا ينافي القصر وان كان كلامهم يخالفه ظاهراً كليحرّر هذا فاني لم أر من تعرّض! له وقوله أي الذي جئتم به إشارة إلى أن ما على القراءة المشهورة موصولة، والسحر خبره، وقد جوّز أن تكون استفهامية في محل رفع بحذف الخبر. قوله: (وقرأ أبو عمرو السحر أكخ) ما ذكره غير متحتم لجواز كونها موصولة على هذه القراءة أيضاً مبتدأ والجملة الاسمية أي أهو السحر أو السحر هو خبره، وقوله ويجوز أن ينتصب صطف على قوله مرفوعة بالابهتداء، فقوله السحر على وجهيه الأخيرين. قوله: (سيمحقه أو سيظهر بطلانه) الباطل الفاسد والذي فني وضد الأوّل الحق وضد الثاني الثابت قال إلا كل شيء ما خلا الله باطل والسحر ما ظهر للعيون من آلاته ونفس عمله فإن كان الأوّل فإبطاله بالمعنى الثاني وإن كان الثاني فالظاهر فيه المعنى الأوّل كما في قوله تعالى: - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٨] ! ويصح فيه المعنى الثاني والى هذا أشار المصنف ﵀ ببيان معنييه. قوله: (لا يثبتة ولا يقوّبه الما كان تذييلاً لتعليل ما قبله وتأكيده فسره بتفسيرين ناظرين إلى ما قبله فلا يثحته بل يزيله ويمحقه، ولا يقوبه بل يظهر بطلانه لأنّ ما لا يكون مؤيداً من الله فهو باطل، وأيضا الفاسد لا يمكن أن يكون صالحاً جخسب الظاهر فلذا فسر إصلاحه بإدامته، وتقويته بالتأييد الإلهي، وقول الزمخشري لا يثبته، ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار أي الفساد والهلاك قيل زاده وان لم يلزم من عدم الإصلاح الإفساد لوقوعه في مقابلة قوله ويحق الله الحق فكأنه قال ويبطل الباطل ورذ بأنّ نفي إثباته لا يكون إلا بالدمار، وما ذكره المصنف ﵀ أظهر، وقوله لا حقيقة له تفسير للتمويه لأن التمويهات تلبيسات الأوهام من قولهم موّهت الإناء إذا طليته بالذهب والفضة وتحته نحاس أو حديد لأنّ الوهم يكسو الباطل لباس الحق ويروّجه، وقوله إنّ السحر إفساد، وتمويه لا حقيقة له فيه بحث لأن من السحر ما هو حق، ومنه ما هو تخيل باطل، ويسمى شعبذة وشعوذة فلعله أراد أن منه نوعاً باطلأ، وقد فصله الرازي في سورة البقرة وسيأتي في تفسير المعوذتين بيانه
стр. 1515
إن شاء الله تعالى. قوله: (ويثبته (أي يوجده ويحققه بأوامره وقضاياه أي بتشريعه وأحكامه، وقراءة كلمته اعى أن المراد الجنس فتطابة! القراءة الأخرى، ويحتمل أن يراد قوله كن قيل أو ا (سكل! ات ار؟ مور والشؤون والكنمة الأمر رإحد الأسور ولا! نع منه كما قضس! وقوأ- في " سبف! صره! قي مبدأ. حثته! إلخلا ٥ قيده به لأ: فءس ص ت إصه بعد؟ تهـ اأسذزاري صت ق! مد ول
وأمّا عقب الإلقاء فما آمن به إلا بعض ذريتهم. قوله: " لا أولاد من أولاد قومه) هذا بيان لمحصل المعنى لا بيان لتقدير مضاف لأنّ من تبعيضية، وهم بعض من الذراري لا من القوم إذ لو لم يقدر وجعلت من ابتدائية صح ويكفي لإفادة التبعيض التنوين وأشار إلى أنّ المراد بالذراري الشبان لا الأطفال، وقوله وقيل الضمير لفرعون أي الضمير في قومه، وهو معطوف على قوله إلا الأولاد فإنه في معنى الضمير لموسى ﷺ ، ورجح الأوّل بأنّ موسى ﵊ هو المحدث منه وبأنه كان المناسب على هذا على خوف منه بدون إظهار فرعون، ورجح ابن عطية ﵀ الثاني بأنّ المعروف في القصص أنّ بني إسرائيل كانوا في قهر فرعون، وكانوا بشروا بأنّ خلاصهم على يد مولود يكون نبيا صفته كذا وكذا فلما ظهر موسى رسول الله ﷺ اتبعوه ولم يعرف أن أحداً منهم خالفه فالظاهر الثاني، والكلام في قوم فرعون لأنهم القائلون أنه ساحر والقصة على هذا بعد معجزة العصا فالفاء ليست للتعقيب بل للترتيب والسببية وأجيب بأنّ المراد ما أظهر إيمانه وأعلن به إلا ذرية من بني إسرائيل دون غيرهم فإنهم أخفوه وان لم يكفروا. قوله: (أو مؤمن آل فرعون الخ) إشارة إلى أنّ تلك الآية تفسير لها مؤيدة لهذا وزوجته أي زوجة الخازن وقوله: وماشطته أي ماشطة فرعون لأنه كان له ضفائر عين امرأة لتسريحها، وهو معطوف على طائفة، وداخل في القيل الثاني ولفظ الذرية فيه نبوّ عن هذا الوجه. قوله: (أي مع خوف منهم) يشير إلى أنّ على بمعنى مع كقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٧] وقوله وجمعه على ما هو المعتاد الخ اعترض عليه بأنه ليس من كلام العرب الجمع في غير ضمير المتكلم كنحن كما ذكره الرضي وردّ بأنّ الثعالبي والفارسي نقلاه في الغائب أيضاً وبأنه لا يناسب تعظيم فرعون فإن كان على زعمه وزعم قومه فإنما يحسن في كلام ذكر أنه محكيّ عنهم، وقيل إنه ورد على عادتهم في محاوراتهم في مجرّد جمع ضمير العظماء وان لم يقصد التعظيم فتأمل. قوله: (أو على أن المراد بفرعون ا-له كما يقال ربيعة ومضر) قيل عليه إن هذا إنما عرف في القبيلة وأبيها إذ يطلق اسم الأب عليهم، وفرعون ليس من هذا القبيل، وقد قال القرافي ﵀ إنه صار علما للقبيلة منقولاً من اسم الجد فإن لم يسمع نقله لم يطلق على الذرية ألا تراهم لا يقولون فلان من هاشم، ولا من عبد المطلب بل من بني هاشم وبني عبد المطلب فعلى هذا يكون فرعون كربيعة ولم يسمع فيه ذلك إلا أن يراد أن فرعون، ونحوه من الملوك إذا ذكر خطر بالبال أتباعه معه فعاد الضمير على ما في الذهن، وتمثيله بما ذكر لأنه نظيره في الجملة والمراد بآل فرعون فرعون وآله على التغليب
فكما أطلق فرعون على الآل في النظم أطلق الآل على فرعون في تفسيره، وقيل إنه على حذف مضاف أي آل فرعون وملئهم كاسأل القرية وقيل عليه إنّ القرية لا تسأل فالقرينة قائمة على المضاف بخلاف فرعون فإنه يخاف فلا قرينة على التقدير هنا فلا يجوز مثله، وقيل إنّ القرينة جمع ضمير ملئهم والقرينة كما تكون عقلية تكون لفظية مع أنّ سؤال القرية للنبيّ على خرق العادة جائز أيضا، ولا يخفى أنّ الخارق للعادة خلاف الظاهر، وأنّ ضمير الجمع يحتمل رجوعه لغيره كالذرية فلم يتعين حتى يكون قرينة وأمّا أن المحذوف لا يعود عليه الضمير فإن أراد مطلقا فغير صحيح، وإن أراد إذا حذف لقرينة فممنوع لأنه في قوّة المذكور، وهو كثير في كلام العرب، وقريب منه ما قيل إنه حذف منه المعطوف، وأصله خوف من فرعون وقومه، والضمير عائد لذلك لكته قيل إنه ضعيف غير مطرد، وعوده على الذرية على جميع التقادير، وعود. على القوم أي قوم موسى ﵊ أو قوم فرعون، والجمع حينئذ باعتبار معناه. قوله تعالى: ( ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ (أصل الفتن إدخال الذهب النار ليعلم خالصه من غيره، ثم استعمل
стр. 1516
في إدخال الناس النار كقوله: ﴿عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ١٣] وسمى ما يحصل منه العذاب فتنة، ويستعمل في الاختبار نحو فتناك فتونا، واستعمل بمعنى البلاء والشدة وهو المراد هنا أي أن يبتليهم ويعذبهم. قوله: (وهو بدل منه (أي من فرعون بدل اشتمال أي على خوف من فرعون فتنته أو مفعول الخوف لأنه مصدر منكر يجوز إعماله، وقيل إنه على تقدير اللام وهو مما يطرد الحذف فيه، ولا يلزم فيه أن يستوفي شروط المفعول له كما قيل. قوله: (وإفراده بالضمير) أي بالإبدال منه وارجاع الضمير إليه لأنه شرط في بدل الاشتمال ويحتمل أن يريد أنه بدل منه وما عطف عليه وأفرد الضمير لما ذكره وان كان الخوف والبدلية من المجموع ففي تعبيره على كل حال تساهل لا يخفى، وقوله كان بسببه لأنهم مؤتمرون بأمره ثم إنه قيل أن قوله وإفراده بالضمير جار فيما إذا كان المراد بفرعون آله بأن يرجع إليه وحده على طريق الاستخدام، وإنه ردّ على الزمخشري إذ منعه، ولا يخفى ما فيه من التكلف وفسر العلو بالغلبة والقهر، وهو مجاز معروف، وقوله في الكبر أي التكبر والعتوّ أي التجبر إشارة إلى أنّ الإسراف مجاز عن تجاوز الحد لا التبذير وبين مجاوزة الحد فيهما بما ذكر على اللف والنشر المرتب، وقوله فثقوا به الخ قيل لو قدم الجاز والمجرور ليفيد الحصر كما في الآية كان أحسن وليس كما ظن لأنه غفلة عن مراده وليس هذا بتفسير بل بيان لما تعلق به الثرط وتوطئة له، والملاحظ فيه التوكل فقط كما سنبينه. قوله: (وليس هذا من تعليق الحكم بشرطين) يعي
أنه من تعليق شيئين بشرطين لأنه علق وجوب التوكل بالإيمان، وعلق نفس التوكل بالإسلام وهو الإخلاص لله والانقياد لقضائه كالمثال الذي ذكره فإنّ وجوب الإجابة معلق على الدعوة ونفس الإجابة معلقة على القدرة، وعلى هذا حمل كلام الكشاف بعض شراحه، وقال إنه يفيد مبالغة في ترتب الجزاء على الشرط نحو إن دخلت الدار فأنت طالق إن كنت تزوّجتني، وسيأتي تفصيله، وخالف من قال إنّ مراده أنه من باب التعليق بشرطين المقتضي لتقدّم الشرط الثاني على الأوّل في الوجود حتى لو قال إن كلمت زيداً فأنت طالق إن دخلت الدار لم تطلق ما لم تدخل قبل الكلام لأنّ الشرط الثاني شرط للأوّل! فيلزم تقدمه عليه، وقزره بأنّ هنا ثلاثة أشياء الإيمان، والتوكل والإسلام، والمراد بالإيمان التصديق وبالتوكل إسناد الأمور إليه وبالإسلام تسليم النفس إليه، وقطع الأسباب فعلق التوكل بالتصديق بعد تعليقه بالإسلام لأن الجزاء معلق بالشرط الأوّل وتفسير للجزاء الثاني كأنه قيل إن كنتم مصدقين الله، وآياته فخصوه بإسناد جميع الأمور إليه وذلك لا يتحصل إلا بعد أن تكونوا مخلصين لله مستسلمين بأنفسكم له ليس للشيطان فيكم نصيب والا فاتركوا أمر التوكل لأنه ليس لكل أحد الخوض فيه. قوله: (فإن المعلق بالإيمان وجوب التوكل الخ) الوجوب مأخوذ من الأمر وتقديم المتعلق لأنه إذا كان إسناد الأمور إلى الغير لازماً، وقد أسندت إليه تعالى دون غيره اقتضى وجوب ذلك ولو جاز التوكل على غيره لم يكن واجبأ، وقد علق التوكل المقصور على الأوّل، وجعل الثاني معلقا بقوله توكلوا وحده كما أشار إليه بتأخير المتعلق، ولا حاجة إلى اعتبار القصر فيه لأن الإخلاص يغني عنه كما أشار إليه بقوله فإنه لا يوجد مع التخليط أي عدم الإخلاص لأن من لم يخلص لله لم يتوكل عليه لأن من توكل عليه كفاه فأمعن فيه النظر فإنه من غوامض الكتاب. قوله: الأنهم كانوا مؤمنين مخلصين (هذا يؤخذ من التوكل وقصره على الله ومن التعبير بالماضي دون توكل والدعوة ربنا لا تجعلنا فتنة الخ وقيل إنه مبني على أن دعاء الكافر في أمر الدين غير مقبول، ولا دلالة له على الإخلاص، وفيه نظر وقوله موضع فتنة أي موضع عذاب لهم بأن تسلطهم علينا فيعذبونا، وقيل الفتنة بمعنى المفتون وهو المراد بموضع الفتنة مجازأ وقوله أي لا تسلطهم الخ تفسير له وقوله من كيدهم إشارة إلى أنّ النجاة بمعنى الخلاص وأنه إما مما يتهمون به أو من أنفسهم، وقوله وفي تقديم التوكل الخ، ولا ينافيه أنه قدم لكونه بيانأ لامتثال أمر موسى رسول الله ﷺ لهم بالتوكل فإن النكات لا تتزاحم. قوله: (أي اتخذا مباءة (بالمذ أي
منزلاً من تبوأ المكان اتخذه مباءة كتوطنه اتخذه وطناً وتبوّأ قيل إنه يتعدّى لواحد قيقال: تبوأ القوم بيوتاً
стр. 1517
فإذا دخلت اللام الفاعل فقيل تبوّأت للقوم بيوتا تعدى لما كان فاعلا باللام فيتعدى لاثنين كما هنا وقال أبو علي ﵀ هو متعد بنفسه لاثنين، واللام زائدة كما في ردف لكم وفعل، وتفعل قد يكون بمعنى وكلام المصنف ﵀ صريح في الأوّل وأن تحتمل المصدرية والتفسيرية.
قوله: (يسكنون فيها أو يرجعون إليها الم يذكر الأوّل في الكشاف، واتخاذها مسكنا لا يقتضي بناءها ولا ينافيه، وقوله أنتما وقومكما إشارة إلى توجيه الجمع بين التثنية والجمع لأن الاتخاذ والتشريع مخصوص بهما فلذا ثنى أوّلاً، وأمّا العبادة فلا تختص فلذا جمع الضمير ليشمل القوم كما سيشير إليه، وبين أنه من تغليب المخاطب على غيره أيضا. قوله: (تلك البيوت (إشارة إلى أنّ الاضافة للعهد، وقوله مصلى الخ يعني تلك البيوت المتخذة إن كانت للسكنى فمعنى اتخاذها أن تكون محلاً للصلاة فيها فالقبلة مجاز عن المصلي، وإن كانت للصلاة فمعنى القبلة المساجد مجازا أيضا بعلاقة اللزوم أو الكلية والجزئية، وهذا لف ونشر ناظر إلى قوله يسكنون أو يرجعون. قوله:) وكان موسى-نحييصلي إليها) هذا لا يوافق ما مر في البقرة في تفسير قوله تعالى وما بعضهم بتابع قبلة بعض من أن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس وهو المنصوص عليه في الحديث الصحيح وجعل البيوت قبلة ينافيه ما في الحديثأ٢ (جعلت إلى الأرض مسجداً وطهورأ من أنّ الأمم السالفة كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم، وأجيب عن هذا بأنّ محله إذا لم يضطروا فإذا اضطروا جازت لهم الصلاة في بيوتهم كما رخص لنا صلاة الخوف فإن فرعون لعنه الله خرّب مساجدهم، ومنعهم من الصلاة فأوحى الله إليهم أن صلوا في بيوتكم كما رواه ابن عباس ﵄ وذكره البزيزي في تفسيره، وقوله وكان موسى يصلي إليها هذا قول خلاف المشهور وأغرب منه ما قاله العلائي ﵀ من أنّ جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانت قبلتهم الكعبة. قوله:) أمروا بذلك الخ (بناء على أنّ المراد بالبيوت المساكن أفا لو أريد المساجد فلا يصح هذا التوجيه، وقوله
وانما ثنى الضمير الخ توجيه لاختلاف الضمائر، وقوله لأنّ البثارة الخ، وأيضاً تبشير العظيم أسرّ، وأوقع في النفس وقوله وأنواعا من المال حمله عليه لأنّ المال اسم جنس شامل للقليل، والكثير فإذا جمع دل على قصد الأنواع المتعددة وذكر المال بعد الزينة من ذكر العام بعد الخاص للشمول أو تحمل على ما عداه بقرينة المقابلة وقوله تعالى: ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ قرىء بفتح الياء وضمها. قوله: (دعاء عليهم بلفظ الأمر) ذكروا فيه ثلاثة أوجه لأنّ اللام لام الأمر، والفعل مجزوم والأمر للدعاء أو لام التعليل أو لام العاقبة والصيرورة والفعل منصوب وقدم الدعاء على غيره إشارة لترجيحه كما في الكشاف، وقد قال في الانتصاف أنه اعتزال أدق من دبيب النمل يكاد الاطلاع عليه أن يكون كشفا لأنّ الظاهر أن اللام للتعليل ومعناه إخبار موسى ﵊ بأنه تعالى إنما أمرهم بالزينة والأموال، وما يتبعهما استدراجاً ليزدادوا إثماً وضلالة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ والزمخشري لاستحالة ذلك عنده أعمل الحيلة في تأويلها وقال في الفرائد لولا التعليل لم يتجه قوله إنك آتيت فرعون وملأه زينة ولم ينتظم، وقد أورد عليه أيضاً أنه ينافي غرض البعثة وهو الدعوة إلى الإيمان والهدى ودفع هذا كله بأنه لم يجنح إلى ما قصده الزمخشريّ لأنه ليس من منطوقه ولكل امرىء ما نوى وبأنّ المصنف ﵀ أشار إلى دفع الأخير بأنه لما مارسهم وعلم أنه كائن لا محال دعا به كما يدعو الوالد على ولده إذا ليس من رشده بأن يدوم على الشقاوة والضلال وأمّا انتظام الكلام فهو أنّ موسى ﵊ ذكر قوله إنك آتيت الخ تمهيداً للتخلص إلى الدعاء عليهم أي أنك أوليتهم هذه النعم ليعبدونك ويشكروك فما زادهم ذلك إلا كفراً وطغيانا فليضلوا عن سبيلك ولو دعا ابتداء لم يحسن فلذا قدم الشكاية من سوء حالهم ثم دعا عليهم فلم ينكر ذلك منه. قوله: (وقيل اللام للعاقبة الخ) قيل عليه أن موسى ﷺ لا يعلم عاقبتهم، ودفع بأنه أخبر عنها بالوحي واعترض بأنه مخل بالتكليف لأنه كيف يطلب منهم ما أعلمه الله بأنه لا يقع، ولو قيل إنه لما رأى أحوالهم علم أنّ أمرهم يؤول إلى ذلك لممارسته وتفرسه لم يرد شيء من ذلك. قوله: (ويحتمل أن تكون للعلة الخ) والمراد
стр. 1518
من التعليل إنه إنما أنعم عليهم مع كفرهم لاستدراجهم بذلك فالاستدراج سبب وعلة لضلالهم أو لاضلالهم والظاهر أنه حقيقة على هذا وأنه مقصود لله تعالى، ولا يلزم ما قاله المعتزلة من أنه إذا كان مراد الله يلزم أن يكونوا مطيعين بضلالهم بناء على أن الإرادة أمر أو مستلزمة لأنه تبين بطلانه في الكلام السابق فلا حاجة إلى
جعل المعنى لئلا يضلوا كما قدره بعضهم أو التعليل مجازيّ، كما أشار إليه بقوله ولأنهم الخ فلما ضلوا بسبب الدنيا جعل ايتاؤها كأنه لذلك فيكون في اللام استعارة تجية، والفرق بين هذا وبين العاقبة أن قلنا باً نه معنى مجازي أيضاً أن في هذا ذكر ما هو سبب لكن لم يكن ايتاؤه لكونه سبباً وفي لام العاقبة لم يذكر سبب أصلاً وهي كاستعارة أحد الضدين للآخر فاعتبر الفرق فإنه محل اشتباه حتى وهم فيه كثير وقوله فيكون ربنا تكريرا الخ يعني في الاحتمالين الأخيرين للام وهو اعتذار عن توسطه بين العلة ومعلولها، وليس من مواقع الاعتراضى ولذا عيب قول النابغة:
لعل زياد إلا أبالك غافل
فتكريره للتأكيد، وللإشارة إلى أنه المقصود وان ورد في معرض! العلة لأنّ ما قبله بث
لسوء حالهم توطئة لما بعده كما مرّ. قوله تعالى: ( ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ) في الفصول العمادية قال شيخ الإسلام خواهر زاده الرضا بكفر الغير إنما يكون كفرا إذا كان يستجيز الكفر أو يستحسنه أمّا إذا لم يكن ذلك ولكن أحب الموت، أو القتل على الكفر لمن كان مؤذيا حتى ينتقم الله منه فهذا لا يكون كفرا، ومن تأمل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ﴾ الآية يظهر له صحة ما ادعينا، وعلى هذا لو دعا على ظالم بنحو أماتك الله على الكفر، أو سلب عنك الإيمان لا ضرر عليه فيه لأنه لا يستجيزه ولا يستحسنه، ولكن تمناه لينتقم الله منه ث وقال صاحب الذخيرة: قد عثرنا على رواية عن أبي حنيفة ﵀ أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل ففيه اختلاف لكن الأوّل هو المنقول عن الماتريدي أما رضاه بكفر نفسه فكفر بلا شبهة وظاهر قولهم على ما نقل في الشكف أن من جاءه كافر ليسلم فقال اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفر لرضاه بكفره في زمان قليل يؤيد ما روي عن أبي حنيفة ﵀ قلت لكن يدل على خلافه ما روي في الحديث الصحيح في فتح مكة أنّ ابن أبي سرح أتى به عثمان ﵁ إلى النبيّ ﷺ وقال: " يا رسول الله بايعه فكف ﷺ يد. عن بيعته ونظر إليه ثلاث مرات ") ١) وهو معروف في السير فهذا يدل على أنّ التوقف مطلقا ليس كما قالوه كفرا فليتأمل، وقوله جواب للدعاء وهو اشدد لا اطمس فهو منصوب والدعاء بلفظ النهي ظاهر وهو مجزوم وإذا عطف على ليضلوا فهو منصوب أو مجزوم على الوجهين السابقين. قوله: (أي أهلكها الخ) أصل الطمس محو الأثر والتغيير ويستعمل بمعنى الإهلاك والإزالة أيضا وفعله من
باب ضرب ودخل ويتعدّى ولا يتعدى، وقوله المحق هو المحو كما في بعض النسخ وأقسها في كلام المصنف ضبط بفتح الهمزة من الأفعالط. قوله: (لأنه كان يؤمن) بالتشديد أي يقول آمين وآمين بمعنى استجب فهو دعاء وضمير لأنه لهارون وهذا دفع لأنّ الداعي هو موسى ﵊ فكيف قيل دعوتكما وإن كان التخصيص بالذكر لا يقتضي أن غيره لم يدع، وفسر الاستقامة بالثبات على الدعوة بعد دعائه باهلاكهم فيقتضي أن لا يستعجلا بالإجابة إذ لو وقعت لم يؤمرا بدعوتهم فلذا قال ولا تستعجلا فلا حاجة إلى القول بأنه مفهوم من روأية خارجة، وقوله أنه أي موسى ﵊ أو فرعون قيل وهو أولى. قوله: (وعن ابن عامر برواية ابن ذكوان ولا تتبعان بالنون الخفيفة الخ) قرأ العامة بشديد التاء والنون وقرىء بتخفيف النون! مكسورة مع تشديد اال! تاء وتخف! فها فإمّ قراءة العامة فلا فيها للنهي، ولذلك أكد الفعل وأما كونها نافية فضعيف لأنّ المنفي لا يؤكد على الصحيح، وأمّا قراءة التخفيف فلا إن كانت نافية فالنون علامة الرفع والجمبة حالية أي استقيما غير متبعين إلا أنه قي! ل إنّ المضارع المنفي بلا كالمثبت لا يقترن بالواو إلا أن يقدر المبتدأ أو دفع بأن ابن الحاجب ﵀ جوّز فيها الاقتران بالواو وعدمه كما نقل في شرح الكشاف فلا إشكال وقيل إنه مرفوع والجملة سستأنفة للإخبار بأنهما لا يتبعان سبيل الجهلة، وأمّا أن لا ناهية والنون نون التأكيد الخفيفة كسرت لالتقاء الساكنين، فالكسائي
стр. 1519
وسيبويه لا يجيزانه لأنهما يمنعان وقوع الخفيفة بعد الألف سواء كانت ألف التثنية أو الألف الفاصلة بين نون الإناث ونون التوكيد نحو هل تضربنان يا نسوة وأيضا النون الخفيفة إذا لقيها ساكن لزم حذفها عند الجمهور، ولا يجوز تحريكها لكن يونس والفزاء أجازا ذلك وفيه عنه روايتان إبقاؤها ساكنة لأن الألف لخفتها بمنزلة فتحة، وكسرها على أصل التقاء الساكنين وعلى قولهما تتخزج هذه القراءة وقيل إنها نون التأكيد المشدإة خففت وقيل الفعل مرفوع على أنه خبر أريد به النهي فهو معطوف على الأمر. قوله:) ولا تتبعان من تبع (أي وعنه ولا تتبعان بتخفيف التاء الثانية وسكونها وبالنون المشذدة من انثلاثيئ وعنه أيضأ تتبعان كالأولى إلا أن النوت ساكنة على إحدى الر! إبيئ عن يونسر في تس! سين نوت الث كيد الخفيفة بعد الأكف عمى الأصا! واغتفار اشقاء السىاكنيسن إذأ كان ألأؤل ألفا كما في ٣ءحياي! اتبعه وتبعه قيا هه! الم! ت س أقي مشى خلفه كذأ أ-*-.؟ ب! ! ر! بنهور ؤ! واتمعهء-.
الأفعال بمعنى حاذاه وعليه قول المصنف ﵀ تبعته حتى أتبعته ولذا فسر بأدركه ومعنى ئبعته حتى أتبعته مشيت من بعده حتى لحقته أي وصلت له كما ستراه. قوله:) جوّزناهم في! و) فسر القراءة المشهورة بالأخرى توطئة لذكرها، ومعنى أجاز وجاوزا وجوّزوا حد وهو قطعه وخلفه وهو يتعدى بالباء إلى المفعول الأوّل الذي كان فاعلاً في الأصل وإلى الثاني بنفسه كما قرىء وجوّزنا ببني إسرائيل البحر وليس من جوّز بمعتت أنفذ واً دخل لأنه لا يتعدى بالباء إلى المفعول الأوّل بل بقي إلى المفعول الثاني فتقول جوّزته فيه، وفعل بمعنى فاعل وليس التضعيف فيه للتعدية. قوله: (ياغين وعادين الخ (يعني أنهما مصدران وقعا حالين بتأويل اسم الفاعل أو مفعولاً لأجله، وقوله وقرىء وعدوّا أي بضم العين والدال وتشديد الواو وادراك الفرق ولحوقه بمعنى وقوعه فيه وتلبسه بأوائله، وقيل إنه بمعنى قارب ادراكه كجاء الشتاء قأهب لأنّ حقيقة اللحوق تمنعه عما قاله، ولذا حمل على القول النفسي حتى جعل دليلأ لإثبات الكلام النفسي وفيه نظر لاحتماله غيوه فلا يصح الاستدلال به لما ذكر. قوله:) بأنه (قدّر الجار لأنّ الإيمان والكفر متعديان بالباء وهو في محل جرّ أو نصب على القولين المشهورين، وأمّا جعله متعديا بنفسه لأنه في أصل وضعه كذلك فمخالف للاستعمال المشهور فيه. قوله: (على إضمار القول الخ) أي وقال إنه الخ أو هو مستأنف لبيان إيمانه أو بدل من أمنت لأنّ الجملة الاسمية يجوز إبدالها من الفعلية وجعله استئنافاً على البدلية باعتبار المحكي لا الحكاية لأنّ الكلام في الأوّل والجملة الأولى في كلامه مستأنفة والمبدل من المستأنف مستأنف وقوله فنكب عن الإيمان كنصر وفرح بمعنى عدل وأوان القبول حال صحته واختياره وحين لا يقبل حال يأسه واحتضاره، فلا يقبل ذلك فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا كما يدل عليه صريح الآية وأفا ما وقع في الفصوص من صحة إيمانه وأنّ قوله آمنت به بنو إسرائيل إيمان بموسى ﵊ فخالف للنص والإجماع وان ذهب إلى ظاهره الجلال الدواني ﵀ وله رسالة فيه طالعتها وكنت أتعجب منها حتى رأيت في تاريخ حلب للفاضل الحلبي إنها ليست له وإنما هي لرجل يسمى محمد بن هلال النحوي وقد ردّها القزويني وشنع عليه، وقال: إنما مثاله رجل خامل الذكر لما قدم مكة بال في زمزم ليشتهر بين الناس كما في المثل خالف تعرف وفي فتاوى ابن حجر ﵀ إن بعض فقهائنا كفر من ذهب إلى إيمان فرعون والجلال شافعي المذهب وله حاشية على الأنوار طالعتها ورذها شخنا الرملي، ولذا قيل إنّ المراد بفرعون في كلامه النفس الإمارة وهذا كله مما لا حاجة إليه، واعلم أنه ورد! ن
فرعون لعنه الله لما قال آمنت الخ أخذ جبريل ﵊ من حال البحر أي طينه فدسه في فيه لخشية أن تدركه رحمه الله تعالى فقال في الكشاف أنه لا أصل له وفيه جهالتان إحداهما أنّ الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس فحال البحر لا يمنعه والأخرى أنّ من كره إيمان الكافر وأحبّ بقاءه على الكفر فهو كافر لأنّ الرضا بالكفر كفر ورد بأنّ الرواية المذكورة صحيحة أسندها الترمذيّ وغيره، وإنما فعل جبريل ﵊ ما فعل غضباً عليه لما صدر منه وخوفاً أنه إذا كرره ربما قبل منه على سبيل خرق العادة لسعة بحر الرحمة الذي يستغرق كل شيء
стр. 1520
وأمّا الرضا بالكفر فقد قدمنا أنه ليس بكفر مطلقا بل إذا استحسن وإنما الكفر رضاه بكفر نفسه كما في التأويلات لعلم الهدى، وقيل إنه صحيح لكن الرضا بكفر نفسه إنما يكون، وهو كافر فلا معنى لعده كفراً والكفر حاصل قبله ومرّت مسألة من جاء ليسلم فاستمهل، وما فيها، وقيل عليه أنّ كون الرضا بكفر نفسه دون غيره كفراً منقولة في الفتاوى فلا وجه لانكارها وهي لا تقتضي سبق الكفر لأنه لو عزم على أن يكفر غداً كفر لرضاه بذلك وفيه أنه لم ينكرها وإنما قال إن كونها كفراً ظاهري ولا ينبغي عدها مما يكفر به لأنه إمّا رضا بكفر سابق أو في الحال أو في المستقبل فإن رضي بكفره ا! بق فكما قال وان رضي بكفر في الحال فان كان غير الرضا صار ماضيا عنده وان كان نفس الرضا فهو إنشاء كفر لا رضا به، وكذا ما في المستقبل فتأمّل. قوله: (وبالغ فيه الأنه أتى بثلاث جمل، ولذ قيل إنه ينافي حال اليأس، وقوله آمنت إنشاء لا أخبار عن إيمان ماض كما قيل، وقوله أتؤمن الآن قدر الفعل مقدماً لأن الاستفهام أولى به، وأشار إلى أنه لا حاجة لتقديره مؤخراً ليفيد التخصيص لأن لفظ الآن مخصص دالّ على أنه لا إيمان له قبله فما قيل إنه لو أخره كان أولى لا وجه له والقائل هو الله وقيل جبريل ﵊، وقوله الضالين المضلين عن الإيمان لأن وصف الكافر المتصف بالكفر الذي هو أعظم من كل جرم بالفساد ونحوه يقتضي صرفه إلى المبالغة في كفره فلذا فسره بالضالّ بكفره المضل لغيره بحمله عليه. قوله: (نبعدك مما وقع فيه قومك الخ) ننجي على القراءة المشهورة تفعيل من النجاة وهي الخلاص مما يكره وبعد اغراقه لا نجاة له فهو إما مجاز عن يخرجك من قعر البحر إلى الساحل والتعبير به تهكم واستهزاء وطفا على الماء علا عليه ولم يرسب، أو هو من النجوة والنجوة المكان المرتفع قيل وسمي به لكونه ناجيا من السيل يقال نجيته إذا تركنه بنجوة أو ألقيته عليها، وقوله ليراك بنو إسرائيل لأنّ منهم
من تردّد في هلاكه كما سيأتي. قوله: (وقرأ يعقوب ننجيك الخ) وهذه القراءة من الأفعال وهي بمعنى التفعيل بمعنييه السابقين، وأمّا القراءة بالحاء المهملة فمعناها نجعلك في ناحية كما ذكره وهي قرءة ابن السميفع لكن في النشر ومما لا يوثق بنقله قراءة ابن السميفع وأبي السماك ننحيك بالحاء، ولمن خلقك بفتح اللام والقاف انتهى. قوله:) في موضع الحال أي ببدنك عارياً عن الروج الخ) وهو مبنيّ على التجريد وجوّز أن يكون بدل بعض والباء زائدة فيه ولوحظ فيه للتخصيص بالذكر كونه عاريا إمّا عن الروح أو اللباس، أو كونه تامّا وجعل حالاً بهذين الاعتبارين فليس تأكيداً مثل تكلم بفيه كما قاله أبو حيان: أو المراد بالبدن الدرع لأنه اسم للدرع القصير الكمين والباء للمصاحبة كما في دخل عليه بثياب السفر، وفي الضوء الفرق بين الباء ومع أنّ مع لاثبات المصاحبة ابتداء والباء لاستدامتها وأصله نطرحك بعد الغرق بجانب البحر ثم سلك طريق التهكم فقيل ننجي ولمزيد التصوير أوقع ببدنك حالاً من ضمير ننجيك. قوله: (وكانت له درع الخ) قيل إنها كانت مرصعة بالجواهر وقيل كانت من حديد لها سلاسل من الذهب، وقوله يعرف بها لبيان حكمة ذكرها، وقيل ببدنك بصورتك لأنه كان أشقر أزرق العين طويل اللحية قصير القامة ليس له مثابة في بني إسرائيل. قوله: (وقرىء بابدانك الخ (أي قرىء بالجمع بجعل كل عضو بمنزل البدن فأطلق الكل على الجزء مجازاً كقولهم هوى بإجرامه فإنه بمعنى جرمه وجسمه فأطلق الجمع لما ذكر وليس بمعنى ذنوبه كما توهم وهو إشارة إلى بيت من قصيدة ليزيد بن عبد ربه، وقيل هي ليزيد بن عبد الحكم الثقفيّ أوردها ابن الشجري في أماليه أولها:
تكاشرني كرها كأنك ناصح وعينك تبدي أن صدرك لي دوي
ومنها:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي
وهو محل الاستشهاد ومنها:
فليت كفافا كان خيرك كله وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي
وقوله أو بدرعك إشارة إلى التفسير الآخر ومظاهراً من قولهم ظاهر وطابق وطارق إذا
لبس ثوبا على ثوب أو درعا على درع، وقوله في البيت طحت بمعنى هلكت والنيق بكسر النون ما ارتفع من الجبل وكذا
стр. 1521
القلة. قوله: (لمن وراءك علامة الخ) والمراد بمن خلفه من بقي
بعده من بني إسرائيل، وقوله: إذ كان تعليل لجعله آية واحتياجهم إلى العلامة وأنه لا يهلك بمعنى من أنه أو هو بدل من الضمير في خيل، ومطرحا بتشديد الطاء بمعنى ملقى والممرّ محل المرور، أو لمن يأتي عطف على قوله لمن وراءك وهذا أنسب بقوله وانّ كثيراً من الناس الآية وخلفك على الأوّل ظرف مكان وعلى الثاني ظرف زمان، وقوله أو حجة عطف على عبرة وعلى ما كان عليه حال من ضمير مملوك وتزويره دعواه الألوهية وقوله محتمل على المشهور على القراءة بالفاء.
تنبيه: استشكل قصة فرعون بأنّ إيمانه إن كان قبل رؤية ملائكة الموت وحال اليأس فباب التوبة مفتوج فلم لم يقبل إيمانه وان كان بعده فلا ينفعه ما ذكر من النطق والجواب، وهو مخالف للإجماع وأجيب عنه بوجوه أحدها أنه كان دون ظهور أمر عظيم فلذا لم يقبل إيمانه، الثاني أنه كان بعد موته كسؤال الملكين، الثالث أنه في حال حياته لكنه علم عدم إخلاصه في اعتقاده، ولذا قال جبريا! ﵊ خشيت أن تدركه الرحمة، والمتكلم بقوله الآن جبريل وقيل ميكائيل لأنه ملك البحار وعندي أنّ هذا كله تكلف، وأنه إنما لم يقبل إيمانه لأنّ شرط صحته وقبوله إجابة دعوة رسول زمانه ﷺ وقد عصاه ولم يجبه وبه صرّج في الكتاب الكريم في قوله : ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ ، [سورة المزمل، الآية: ٦ ا] وهو غير مناف للحديث. قوله: (منزلاً صالحاً مرضياً الخ (فمبوّأ اسم مكان منصوب على الظرفية ويحتمل المصدرية بتقدير مضاف أي مكان مبقا وبدونه وثوأ متعدّ لواحد إذا فسر بأنزل وقد يتعدى لاثنين فيكون مبوّأ مفعولاً ثانياً، والصدق ضد الكذب قال العلامة: من عادة العرب إذا مدحت شيئأ أن تضيفه إلى الصدق تقول رجل صدق وقدم صدق وقال تعالى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ إذا كان عاملاً في صفة صالحا للغرض المطلوب منه كأنهم
لاحظوا أنّ كل ما يظن به فهو صادق ولذا فسر. بقوله صالحاً مرضيا وفي بني إسرائيل هنا قولان للمفسرين قيل هم الذين في زمان موسى ﷺ فالمبوّأ على هذا المراد به الشأم ومصر، وهو الذي اختاره المصنف ﵀ وقدمه وقيل الثأم وبيت المقدس بناء على أنهم لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك وفيه كلام قد مرّ وقيل هم الذين على عهد نبينا ﵊ فالمبوّأ أطراف المدينة إلى جهة الشأم، وألى هذا التفسير أشار بقوله أو في أمر محمد ﷺ فكان عليه أن يشير إلى تفسير المبوّ! عليه أيضا ولا بد أن يراد ببني إسرائيل ما يشملى ذرّيتهم لأن بني إسرائيل ما دخلوا الشام في حياة موسى ﷺ وإنما دخله أبناؤهم، وقوله من اللذائذ وقد تفسر بالحلال وقوله فما اختلفوا في أمر دينهم بناء على أنّ بني إسرائيل من في عصر موسى رسول الله ﷺ وما بعده على القول الآخر وقوله بنعوته المذكورة في التوراة وتظاهر معجزاته قوّتها وكثرتها. قوله: (من القصص) خصه لأنّ المراد دون الأحكام لأنها لنسخها شريعتهم تحالفها فلا يتصوّر سؤالهم عنها، وقوله على سبيل الغرض والتقدير دفع لتوهيم وهو أنه ﷺ لا يتصوّر منه لانكشاف الغطاء له، وقد دفع بمراتب لأن الخطاب ليس له بل لكل من يتصوّر منه الشك كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٢] وقولهم إذا عز أخوك فهن، ولو سلم أنه له فهو على سبيل الفرض والتقدير، ولذا عبر بأن التي تستعمل غالباً فيما لا تحقق له حتى تستعمل في المستحيل عقلا وعادة كقوله: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٥] وصدق الشرطية لا يتوقف على وقوعها، ولما ورد بعد ذلك أنه ما الفائدة حينئذ أشار إلى جوابه بقوله، والمراد الخ يعني أنّ الفائدة فيه الاستدلال على حقيته وبيان أنّ القرآن مصدق لها بمطابقته لها مع إعجازه، وقوله والاستشهاد تفسير للتحقيق معطوف عليه، وأنّ القرآن عطف على ذلك فمحصله دفع الشك إن طرأ لأحد غيره بالبرهان. قوله: (أو وصف أهل الكتاب) هذه فائدة ثانية محصلها توبيخ أهل الكتاب لعلمهم بما أوحي إليك وأنه حق، وقوله أو تهييج الرسول ﷺ فائدة ثالثة محصلها تهييج الرسول وتحريضه ليزداد يقيناً كما قال الخليلء! ييه ولكن ليطمئن قلبي وأيد هذا بما روي عنه ﷺ أنه قال حين نزول الآية: " لا
أشك ولا أسأل "
стр. 1522
وهو مما أخرجه عبد الرزاق وابن جرير عن! ادة ﵁.
قوله: (وقيل الخطاب الخ) عطف بحسب ال! نى على قولى على سبيل الغرض! لأنّ مبني الأوّل على أنه المراد بالخطاب كما مرّ وهذا على أف غير مراد على حذ قولهم:
إياك أعني واسمعي يا جماره
وأشار بقوله من يسمع إلى توجيه الأفراد فيه، وفي قوله على لسان نبينا إليك إشارة إلى
دفع ما! قال إنّ الخطاب إذا لم يكن له كيف يتأتى قوله تعالىإ مما أنزلنا إليك﴾ فأجاب عنه بما ذكر حتى يكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٤] وقيل أن نافية، وقوله فاسأل جواب شرط مقدر أي فإذا أردت أن تزداد يقينا فاسأل، وتركه المصنف ﵀ لأنه خلاف الظاهر. قوله: (وفي تنبيه) أي على جيم الوجوه ومنهم من خصه بالأخير والمسارعة من الفاء الجزائية بناء لحى أنها! فيد ا! قب. قوله: (واضحاً لا مدخل للمرية فيه) وقع في بعض النسخ ووضوح! مأحوذ مش إشاد المجيء الذي هو من صفات الأجسام المحسوسة إليه ففيه مكنية وتخييلية، وظهوره باتضاح براهينه حتى لا يشك فيه فاتفح تفريع ما بعده بالفاء عليه، والامتراء الشك والتردّد، وهو أخف من التكذيب فلذا ذكر أوّلاً وعقب بالآخر وقوله فلا تكونن من الممترين بالتزلزل! ل النيم عن كل شيء إن كان لمن تلبس به فمعناه تركه وان كان لغيره فمعناه الثبات على عدمط وأن لا يصدر منه في المستقبل ك! اهنا فلذا قال إنه للتهييج والتثبيت وقولى أيفا أي! ما في الذي قب! وتنظيره بالآية ظاهر. قوله:) كلمت ربك بأنهم يموتون على الكفر ونجلدون في العذاب الخ (فسر كلمة ربك في الكشاف بقول الله الذي كتبه في اللوج، وأخبر به الملائكة أنهم جوتون كأرا فلا لمجون غيره وتلك كتابة
معلوم لا كتابة مقدر، ومراد تعالى الله عن ذلك واقتصر المصنف ﵀ على ما ذكر منه لأنه مبنيّ على مذهبه لأنه جعله كتابة معلوم لا مقدّر عند أهل السنة هو معلوم لله ومقدّر ومراد فعلمه تعالى موافق لتقديره وارادته، ولا يجوز تخلفهما ولذا أقحم الباء في قوله بأنهم أي ئقديره وقضاؤه به، وقيل ذكرها إشارة إلى ملاحظة معنى التكلم فيها، وهذه الآية مما استدلّ بها للقضاء والقدر، وقضاؤه تعالى عند الأشاعرة عبارة عن إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال وقدره إيجاده إياها على تقدير معين في ذواتها وأفعالها، وعند الفلاسفة قضاؤه عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود من أحسن نظام، وأكمل انتظام وشممونه العناية وهي مبدأ فيضان الموجودات على الوجه اكمل، وقدره عبارة عن خروجه إلى الوجود بأسبابه على الوجه الذي تقرّر في القضاء، والمعتزلة ينكرونهما في الأفعال الاختيارية التي للعباد ويثبتون علمه تعالى بهذه الأفعال، ولا يسندون وجودها إلى ذلك العلم بل إلى اختيار العباد وقدرتهم واليه يشير كلام الزمخشريّ وأدلة الفرق وما فيها وما عليها مبسوطة في الكلام بما يضيق عن بسطه هذا المقام فلذا تركناه، وقوله ولا ينتقض قضاؤه إشارة إلى أنّ المراد من تمام الكلمة إبرام القضاء كما أشرنا إليه، وقوله وهو تعلق إرادة الله إذ لا يكون شيء بدون إرادته كما هو مذهب أهل السنة فما لم يشأ لم يكن وهذا رذ لكلامهم، ولما وقع في الكشاف، وعند رؤية العذاب يرتفع التكاجف فلا ينفعهم إيمانهم فنفي الإيمان لفقد سببه ليس مطلقا بل نفي له في وقت القبول لقوله حتى يروا العذاب الأليم فتأمل. قوله: (فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها الخ) أشار إلى أنّ لولا هنا تحضيضية فيها معنى التوبيخ كهلاً كما يقرأ بها في قراءة أبيّ وعبد الله فهلا كانت، وقال السفاقسي إنها هنا للتوبيخ على ترك الإيمان ولما فيها من معنى النفي الذي يقتضي أنه لم تؤمن قرية من القرى أصلاً خصت بأنّ المراد من القرى التي أهلكت بالاستئصال ولم تؤمن قبل نزول العذاب واختلف في كل هذه فذهب السمين وغيره إلى أنها تامّة وآمنت صفتها ونفعها معطوف على الصفة، وذهب العلامة في شرح الكشاف إلى أنها ليست تامّة والا لكان التحضيض على الوجود بل ناقصة وآمنت خبرها، ولذا قدره في الكشاف بواحدة من القرى الهالكة لامتناع أن يكون اسم كان نكرة محضة لكن التقييد بالهلاك مستدرك وإلا لكان استثناء قوم يونس منقطعا لعدم دخولهم في القرى الهالكة، وكذا التقييد بأحد الوصفين من الوحدة، وكونها من
стр. 1523
القرى لأنّ أحدهما كاف والأصل عدم التقدير فلا يتجاوز قدر الضرورة انتهى، ولذا أسقطه المصنف رحمه الله تعالى، وقيل: إنه ذكر إشارة إلى بقاء القرية على حقيقتها ورد بأنّ كونها من القرى يغني عنه مع أنه ذكر أن المراد بها أهلها فلا يتأتى ما ذكر، وتيد بقوله قبل معاينة العذاب إذ لو أطلق يبق لقوله إلا قوم يونس وجه، ثم إنه أورد عليه
أن التحضيض على الصفة فلا غبار فيه، وفيه بعد تأمل قيل والظاهر أن يقول أشرفنا بها على الهلاك ليمكن جعل الاستثناء متصحلا، وقوله كما أخر فرعون إشارة إلى وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها. قوله: (لكن قوم يونس) بيان لأنّ الاستثناء منقطع وإليه ذهب سيبويه والكسائي وأكثر النحاة لعدم اندارجه فيما قبله أن أبقيت القرية على ظهره وكذا إن قدر وصفها بكونها من الهالكين فلذا نصب المستثنى، وقوله أوّل ما رأوا الخ سيأتي بيانه.
تنبيه: في بعض التفاسير يجوز في يونس ويوسف تثليث النون والسين مهموزاً وغير مهموز وهي لغات فيهما المتواتر منها الضم. قوله: (ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي الخ) أصل معنى التحضيض يشعر بالأمر حتى جعلوه في حكمه، وعلى كون الاستثناء متصلاً لا بد أن يلاحظ فيه معنى النفي رالا فسد المعنى لما يلزمه من كون الإيمان من المستثنين غير مطلوب، ولذا فسر بما آمنت وكون المواد بالقرى أهاليها لقوله: ﴿آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [سورة يونس، الآية: ٩٨] ولو اعتبر التحضيض لم يصح الاتصال لأنّ التحضيض طلب للإيمان، وهو مطلوب فيه وقيل عليه بل يصح الاتصال على تقديره أيضا لأن أهل القرى محضوضون على الإيمان النافع وليس قوم يونس محضوضين عليه لأنهم آمنوا، وقيل المعنى ما آمن من أهل قرية من القرى الهالكة فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس فجعل مدار الوجهين على توصيف القرى تارة بالهالكة، وأخرى بالعاصية وخصه الزمخشري بالهالكة وجوّز الوجهين وعلله بأنّ المراد بالقرى أهاليها فأورد عليه أنّ التعليل ليس في محله لعدم توقف صحة الاستثناء عليه مع أنه لا يناسب الاتصال لأنّ قوم يونس ليسوأ من الهالكين ودفع بأن المراد المشرفين على الهلاك في الاتصال مع بقائه على ظاهره في الانفصال، ولا يخفى ما فيه من التعسف، واعلم أن الإيمان بعد مشاهدة ما وعدوا به إيمان يأس غير نافع وعادة الله إهلاكهم من غير إمهال فإن كان قوم يونس شاهدوه فهذا خصوصية ليونس واليه ذهب كثير من المفسرين لقوله كشفنا والا فلا. قوله: (ويؤيده قراءة الرفع على البدل الأن البدل لا يكون إلا في غير الموجب وهو بدل من قرية المراد بها أهلها وقد خرّجت هذه أيضاً على أن إلا بمعنى غير وهي صفة وظهر إعرابها فيما بعدها. قوله: (إلى آجالهم) بالفتح والمدّ جمع أجل وما نقل عن ابن عباس ﵄ من تفسيره بقوله ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٥] لا صحة له وتوجيهه بأنهم إحياء
سترهم الله عن الناس مما لا وجه له، ونينوى بالكسر من بلاد الموصل قريبة منها والموصل بفتح الميم وكسر الصاد بلدة مشهورة والمسوح جمع مسح بوزن ملح، وهو اللباس أي لبسوا الألبسة الخلقة تذللا، والتفريق بين الأولاد والوالدات ليبكوا ويضجوا وكذا إخراج الحيوانات للعجيج ورفع الصوت فيكون وسيلة لرحمة الله، وأغامت بمعنى أطلعت الغيم، وقوله فحت تعليل للتفريق والعجيج الصياج. قوله:) بحيث لا يشذ (بالشين المعجمة والذال المعجمة، ويجوز ضم شينه وكسرها من الشذوذ أي ينفرد ويخرج ومن للعموم لكنها في غير النفي ليست نصاً فيه فلذا أكد بكلهم للتنصيص عليه وكذا جميعا ولا يمكن حمله على الاجتماع في زمان معين كما حمل عليه في غير هذا الموضع. قوله: (وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ أيمانهم أجمعين (المراد بالقدرية المعتزلة لقبهم أهل السنة به لاسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وانكارهم القدر فيها وكما يصح نسبة مثبت القدر إليه يصح نسبة نافيه أيضاً إليه ولا مشاحة في الاصطلاج يعني أن الآية حجة عليهم في قولهم إرادة الله تتعلق بإيمان الكافر لكنها تخلف عنها المراد، ووجه الحجة أن لو تدل على أنه لو أراد إيمان من في الأرض لآمنوا وأن المشيئة والإرادة لا محالة تستلزم المراد وهم لما رأوها بحسب ظاهرها مبطلة لمذهبهم قيدوا المشيئة والإرادة بمشيئة القسر والإلجاء وهذا دأبهم في كل ما ورد عليهم من ذلك فالإرادة عندهم مطلقاً يجوز تخلفها عن المراد
стр. 1524
وما لا يتخلف نوع منها، وهو مشيئة القسر والالجاء لأنه تعالى قادر على الجائهم إلى ما أراد فإذا فعل ذلك لزم عدم التخلف ورذه المصنف ﵀ بأنه خلاف الظاهر، ولا قرينة في الكلام عليه بل ما بعده صريح في رذه. قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ هذه الهمزة لصدارتها مقدمة من تأخير على الأصح لأن هذه الجملة متفرعة على ما قبلها وليس القصد إلى إنكار تفرعها، وأنت جوز فيه أن يكون مبتدأ وفاعل مقدر يفسره ما بعده لاقتضاء الاستفهام للفعل، والمراد بالناس من طبع عليهم أو الجميع مبالغة. قوله:) وترتيب ا! راه على المشيئة بالفاء الخ (هذا مبتدأ خبره قوله للدلالة الخ، وإيلاؤها معطوف على ترتيب وهو مصدر مضاف للمفعول، وفاعله حرف الاستفهام لا العكس لعدم دخول هذا الإيلاء في الاستحالة المذكورة حينئذ كذا قيل وفيه نظر، وقوله وتقديم الضمير أي تقديم الفاعل المعنوي على الفعل للتخصيص أي تخصيص إنكار الإكراه بالنبي رسول الله ﷺ بأن يقدم الإنكار في الاعتبار على
اعتبار الاختصاص اللازم من التقديم دون عكسه حتى يفيد إنكار الاختصاص، وكلا الاستعمالين واقع في الكلام البليغ بحسب اقتضاء المقام فيفيد ثبوت الاكراه لله تعالى أو لغيره، وفي شرح المفتاح للشريف قدس سره المقصود من قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ إنكار صدور الفعل من المخاطب لا إنكار كونه هو الفاعل مع تقرر أصل الفعل فالتقديم لتقوية حكم الإنكار لا للتخصيص كما ذهب إليه الزمخشري، وكلام المصنف رحمه الله تعالى محتمل لذلك لأنه لم يصرح بالتخصيص الذي ذكره الزمخشري لكن ظاهره أنه موافق له. قوله: (للدلالة على أن خلاف المشيئة مسنحيل الخ) أي خلاف مشيئة الله تعالى وهو إيمان من لم تتعلق مشيئته بإيمانه بأن تعلقت بخلافه قيل ومراده بتقديم الضمير ما ذهب إليه السكاكي من التكلم به مقدّماً دون أن يكون مزالاً عن أصله، وهو أفتكره الناس أنت بدليل عدم تصريحه بالتخصيص فالمراد إنه لتقوّي الحكم، والانكار لانكار التقوّي فله دخل في الدلالة على الاستحالة أي استحالة ما أراد الله خلافه، ولذا قرّره بقوله وما كان لنفس الخ (قلت (مراد المصنف ﵀ أن ترتب الانكار كما ذكره محصله لو شاء الله إيمانهم وقع فكيف تكرههم أنت على الإيمان الذي لم يرده فانكاره عليه الاكراه يقتضي أنه لا يكون بالاكراه فضلا عن غيره ولما فسر الزمخشري المشيئة بمشيئة الالجاء والقسر على مذهبه لزم إثبات الإكراه لله، وحيث نفاه عنه لزم من مجموع الأمرين الحصر فلك أن تقول المفيد للحصر ذلك لا التقديم وحده فلا يكون كلامه مخالف للسكاكي، والمصنف ﵀ لما لم يفسره بذلك لم يذكر التخصيص فجعله لتقوية الانكار، والدلالة على أنه مستحيل فتدبره فإنه دقيق جذاً وقوله إذ روي يعني المراد هذا المعنى إذ روي الخ. قوله: (ولذلك قرّره بقوله وما كان لنفس الخ (أي لدلالته على ما ذكر كان هذا تقريراً له لأنه يدل على أنه لا يكون من ذلك إلا ما يريد على ما فسره به والأذن في اللغة الاطلاق في الفعل ورفع الحجر عنه، ويلزمه تسهيل ذلك، وارادته فلذا فسره الزمخشري بالتسهيل، والمصنف رحمه الله تعالى بالإرادة، وذكر معه معناه الحقيقي إشارة إلى إرادته مع لوازمه فلا يرد أنه جمع بين الحقيقة والمجاز مع أنّ المصنف ﵀ شافعي يجوّزه، ولما كان إيمان العبد بإرادته أيضا لكسبه وهو مكلف به ضم إليه قوله، وتوفيقه فالحصر إضافي ثم ما كان إن كان بمعنى ما وجد منه ذلك احتاج إلى تقييد النفس بمن علم الله أنها تؤمن كما في الكشاف، وأن كان بمعنى ما صح لا يحتاج إليه، ولذا تركه المصنف رحمه
الله تعالى، وإنما فسره الزمخشري بما ذكر من التسهيل ومنح الألطاف لأن اللطف عنده خلق القدرة على الفعل حتى يخلق العبد لنفسه ضررا لاعتزاله. قوله: (العذاب أو الخذلان فإنه سببه) أصل الرجس القذر ثم نقل إلى العذاب لاشتراكهما في الاستكراه والتنفر ثم أطلق على سببه فهو مجاز في المرتبة الثانية فقول المصنف رحمه الله تعالى فإنه سببه راجع إلى التفسير الثاني الذي اقتصر عليه في الكشاف، ومنهم من فسره بالكفر كما في قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٥ ا] لمقابلة الإيمان فتدل على خلق الكفر وهو مخالف لمذهب المعتزلة ولذا لم يفسره الزمخشري به واقتصر على الخذلان وقال الإمام الرجس عبارة عن الفاسد
стр. 1525
المستقذر فحمله على كفرهم وجهلهم أولى من حمله على عذاب الله، وقيل عليه إن كلمة على تأباه وإنه يغني عنه قوله على الذين لا يعقلون وليس بشيء لأنه بمعنى يقدره عليهم، وحديث الإغناء لا يجدي مع أنه يفسر بما يجعله تأسيساً، وهو ظاهر، وقوله وقرىء بالزاي أي المعجمة، وهو بمعناه والزاي قال في النشر: يقال زاء بالمد وزاي بياء بعد الألف وزيّ بالتشديد وفي أدب الكاتب حروف المعجم تمد وتقصر، وإذا قصرت كتبت بالألف إلا الزاي فإنها تكتب بياء بعد الألف وهو مخالف لما في النشر. قوله: (لا يستعملون عقولهم الخ (يعني إما أنه منزل منزلة اللازم أوله مفعول مقدر، وأيضاً بينهما فرق معنوي كما صرح به، وهو أنه على الأوّل لم يسلبوا قوّة النظر لكنهم لم يوفقوا لذلك، وعلى الثاني بخلافه ويؤيد الأوّل أمرهم بالتفكر فإنهم لو سلبوا ذلك لم يؤمروا به وإنما قال يؤيد دون بدل لأنّ الطبع لا ينافي التكليف، وقيل وجه التأييد أنّ الأمر بالتفكر يناسب من لم يستعمل عقله لا من استعمله ولم يعقل دلائله ولم يجعله دليلاً لاحتمال أن يراد به الأمر بتكرير النظر وتدقيقه رجاء أن يهتدوا ولا يخفى ما فيه. قوله: (من عجائب صنعه الخ) أي المراد بنظرها نظر استدلال على ما ذكر، وماذا يجوز أن يكون كلمة استفهام مبتدأ وفي السماوات خبره أي أي شيء في السماوات ويجوز أن يكون ما مبتدأ وذا بمعنى الذي، وفي السماوات صلته وهو خبر المبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ وخبره في محلى نصب بإسقاط الخافض لأن الفعل قبله معلق بالاستفهام، ويجوز على ضعف أن يكون ماذا كله موصولاً بمعنى الذي وهو في محل نصسب بانظروا وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله إن جعلت استفهامية ووجه ضعفه ما قيل إنه لا يخلو أن يكون النظر بمعنى البصر فيعدى بإلى وامّا أن يكون قلبيا فيعدى بفي. قوله: (وما نافية أو استفهامية في
موضع النصب) واقعة موقع المصدر أو مفعول به، وعلى الوجهين الأوّلين ف! مفعول تغني محذوف إن لم ينزل منزلة اللازم، والنذر جمع نذير بمعنى إنذار أو منذر، وعلى المصدرية جمع لإرادة الأنواع، ويجوز في النذر أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في سورة القمر وأيام العرب استعملت مجازاً مشهوراً في الوقائع من التعبير بالزمان عما وقع فيه كما يقال المغرب للصلاة الواقعة فيه، وقوله لذلك اللام للتقوية فيقدر معمول الفعل بدونها وعلى الأوّل متعلق الانتظارين واحد بالذات، وعلى الثاني مختلف بالذات متحد الجنس وقدره في الثاني بدون اللام إشارة إلى جواز الأمرين وليناسب المقدر الثاني. قوله: (عطف على محذوف الخ (أي تهلك الكافرين ثم ننجي، وعبر بالمضارع ولم يقل نجينا لحكاية الحال. قوله: (كذلك الانجاء أو انجاء كذلك) في نسخة أو الانجاء كذلك معزفاً باللام قيل وهو لا يلائم ما بعده يعني أنّ الإشارة إلى الانجاء وهو إمّا صفة لمصدر محذوف أي ننجيكم انجاء كذلك الإنجاء الذي كان لمن قبلكم وهو الوجه الثاني وعلى تنبهيره فهو ظاهر، أو الكاف في محل نصب بمعنى مثل لسذها مسذ المفعول المطلق وهو الوجه الأؤل ولذا لم يقدر له موصوفاً وأمّا على النسخة الأخرى فلا يتضح كلامه وقيل إنه يريد أن كذلك إمّا وصف أو موصوف وعلى الأوّل كذلك في موقع الحال من الإنجاء الذي تضمنه ننجي بتأويل نفعل الانجاء حال كونه مثل ذلك الإنجاء وعلى الثاني هو في موضع مصدر محذوف أقيم مقامه وقد يجعل في موضمع رفع خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك ولا يخفى أنه لا وجه له فالظاهر على هذه الرواية أنه إمّا مصدر أو خبر مبتدأ محذوف لكنهم قدروه الأمر كذلك، والمصنف رحمه الله تعالى قدّره الإنجاء كذلك فتأمل. قوله: إ وحقاً علينا اعتراض الخ) أي بين العامل ومعموله اهتماماً بالانجاء وبياناً لأنه كائن لا محالة إذ جعله كالحق الواجب عليه وقيل بدل من كذلك أي من الكاف التي هي بمعنى مثل، وقيل كذلك منصوب بننجي الأوّل، وحقاً بالثاني وكون الجملة المعترضة تحذف مما استفيد من هذا المحل، ولا ضير فيه إذا بقي شيء من متعلقاتها. قوله: " ن كت! م في شك من ديني وصحته الخ) في الكشاف إن كنتم في شك من ديني وصحته وسداده فهذا ديني فاسمعوا وصفه واعرضوه على عقولكم وانظروا فيه بعين الإنصاف لتعلموا أنه دين لا مدخل فيه للشك وهو أني لا أعبد الحجارة التي تعبدونها من دون من هو إلهكم
وخالقكم، ولكن أعبد الله الخ فقيل إنه ذكر
стр. 1526
فيه وجهين أحدهما الشك في نفس الدين من أي الأديان هو وهذا إذا قلنا إنهم لا يعرفون دينه كما كانوا يقولون إنه صبأ فقوله وصحته وسداده بيان للدّين لكنه مستدرك لأنّ الكلام في حقيقة دينه لا في صحته وألا لم يطابق الجواب إذ ليس فيه ما يدل على صحته الثاني الشك في الثبات عليه أن قلنا إنهم عرفوه لكن طمعوا في تركه له، وعلى كلا الوجهين لا يكون الجزاء مرتبطا بالشرط بحسب الظاهر لأن شكهم في دينه ليس سبباً لعدم عبادته الأوثان وعبادة الله فلا بد من تأويله بالأخبار أي إن كنتم تشكون في ديني فأنا أخبركم باً ني لا أعبد الخ، وجزاء الشرط قد يكون مفهوم بالجملة الجزائية نحو إن تكرمني أكرمك وقد يكون الأخبار بمفهومه نحو إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس أي إكرامك إياي سبب لإخباري بإكرامي إياك قبل كما قاله ابن الحاجب ﵀ في قوله: وما بكم من نعمة فمن الله فإنّ استقرار النعمة ليس سببا لحصولها من الله بل الأمر بالعكس، وإنما هو سبب للأخبار بحصولها منه تعالى فكذا هذه الآية، وقوله لكنه مستدرك لا وجه له لأنهم كما لا يعرفون دينه لم يعرفوا صحته أيضا والجواب صالح لهما كما سنقرّره، وأما جعله سبباً للأخبار فيهما ففيه أنه على الوجه الأوّل مسلم وأئا على الثاني فليس كذلك لأنه بمعنى أني ثابت عليه لا أرجع عنه أبداً، وهو غير محتاج إلى جعل المسبب الأخبار كما في الوجه الأوّل كما أشار إليه الشارح المدقق ورجح الأوّل. قوله: (فهذا خلاصة ديني اعتقادا وعملأ الخ (العمل مأخوذ من العبادة والاعتقاد من قوله الله الذي يتوفاكم أي الإله الحق المميت المحيي وكون الاعتقاد من قوله وأمرت أن أكون من المسلمين بإدخاله في الجزاء مخالف لسياقه، ولا حاجة إليه وقوله فاعرضوها الخ إشارة إلى ارتباط الجزاء بالشرط بناء على أن الشك في صحته وما هو وهو أحد الوجهين المذكورين في الكشاف، وإشارة إلى أن ارتباطه به بالنظر إلى محصله وتأوبله بما ذكر وهو أنّ عبادتي لاله هذا شأنه، وعبادتكم لحجارة لا تضر ولا تنفع فانظروا في ذلك لتعرفوا صحة ديني وحقيقته وفساد ما أنتم عليه فلا حاجة على طريق المصنف رحمه الله تعالى لجعله من جعل المسبب الأخبار والأعلام كما جنح إليه الزمخشري لأن الجزاء عنده الأمر بعرض! ما ذكر على عقولهم والتفكر فيه، وقوله تخلقونه أي تصنعونه وعبر به زيادة في تحميقهم وضمير، وهو أني عائد على خلاصة لاكتسابه التذكير من المضاف وتعبدونه معطوف على تخلقونه. قوله:) وإنما خص التوفي بالذكر الخ) أي ذكر هذه الصفة دون غيرها من صفات الأفعال لأنه لا شيء أشد عليهم من الموت فذكر لتخويفهم، وقيل المراد أعبد الله الذي خلقكم ثم يتوفاكم ثم يعيدكم فذكر الوسط ليدل على الطرفين اللذين كثر اقترانهما به في القرآن. قوله: (بما دل
عليه العقل الخ) فقوله أمرت بمعنى وجب عليّ ذلك بالعقل والسمع أراد بالعقل التابع لما سمع من الشرع فلا يرد عليه أنه تبع فيه الزمخشري في قوله إنه أمر بالوحي والعقل فإنه نزغة اعتزالية لقوله بالحسن والقبح العقليين فهو كلمة حق أريد بها باطل فاعرت. قوله: (وحذف الجار الخ) تبع فيه الزمخشريّ ومراده أنّ الباء الجارة حذفت فإن نظر إلى مدخولها يكون حذفا مطرداً لأنّ الجار يطرد حذفه مع أن وان قطع النظر عنه يكون مما سمع لأنه سمع في بعض الأفعال عن العرب حذف الجار، ومنها أمر ونصح فاندفع ما ورد عليه أن تفسير المطرد بحذف حروف الجرّ مع إنّ وأن يقتضي اطراده قطعا فكيف يكون من غيره مع وجود شرط الاطراد. قوله: أمرتك الخبر فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نسب
هو من قصيدة الأعشى طرود، وقيل لعمرو بن معد يكرب، وقيل لخفاف بن ندبة، وقيل للعباس بن مرداس ومطلعها:
يا دارأسما بين السفح والرحب أقوت وعفى عليها ذاهب الحقب
ومنها:
واليوم قد قمت تهجوني وتشتمني فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقد جمع فيه بين تعديته بنفسه وتعديته بالباء، والنسب بالنون، والسين المهملة وروي
بالشين المعجمة
стр. 1527
ومعناه العقار الثابت.
قوله: (عطف على أن أكون الخ) دفع لما قيل إن أن في أن أكون مصدرية بلا كلام
لعملها النصب، وهذه معطوفة عليها لكن لا يصح أن تكون مفسرة لعطفها على الموصولة ولأنه يلزم دخول الباء المقدرة عليها، ولا مصدرية لوقوع الأمر بعدها فاختار في دفع ذلك أنها موصولة لنقله عن سيبويه ﵀ وأنه يجوز وصلها بالأمر ولا فرق في صلة الموصول الحرفيّ بين الطلب، وبين الخبر لأنه إنما منع في الموصول الاسمي لأنه وضع للتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل، والجمل الطلبية لا تكون صفة والمقصود من هذه أن يذكر بعدها ما يدلّ على المصدر الذي تؤوّل به، وهو يحصل بكل فعل، وامّا أن تاويله يزيل معنى الأمر المقصود منه فقد مرّ دفعه بأنه يؤوّل بالأمر بالإقامة إذ كما يؤخذ المصدر من المادّة قد يؤخذ من الصيغة مع أنه لا حاجة إليه هنا لدلالة قوله أمرت عليه وقد يجعل قول المصنف ﵀
تعالى وأمرت بالاستقامة إشارة إلى هذا، وقيل إن ها فعلا مقدراً أي وأوحي إلي أن أ! م وأنه يجوز فيه أن تكون أن مصدرية ومفسرة لأنّ في المقدر معنى القول دون حروفه، ورجح بأنه يزول فيه قلق العطف ويكون الخطاب في وجهك في محله ورد بأنّ الجملة المفسرة لا يجوز حذفها، وأمّا صحة وقوع المصدرية فاعلا ومفعولاً فليس بلازم ولا قلق في هذا العطف، وأمر الخطاب سهل لأنه لملاحظة المحكي والأمر المذكور معه وقوله وصيغ الأفعال كلها كذلك أي دالة على المصدر. قوله: (والمعنى وأمرت بالاستقامة في الدين) في شرح الكشاف إقامة الوجه للدين كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى عبادته تعالى والإعراض! عما سواه فإن من أراد أن ينظر إلى شيء نظر استقصاء يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالاً إذ لو التفت بطلت المقابلة فلذا كني به عن صرف العمل بالكلية إلى الدين فالوجه المراد به الذات والمراد اصرف ذاتك وكليتك للدين فاللام صلة واليه أشار المصنف ﵀ بقوله والاستداد الخ وعلى الوجه الثاني الوجه على ظاهره واقامته توجيهه للقبلة فاللام للتعليل والتفسير الأوّل هو الوجه وما قيل إنه كني به عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين تكلف.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ﴾ الآية قالوا إنه يحتمل أن يكون من الحذف المطرد أي حذف الجارّ مع أنّ وأن أو من غيره كأمرتك الخير وتعقبه في التقريب بأنه على الأوّل مطرد قطعا فكيف يعطف عليه غيره إلا أن يريد أنه نوع من الحذف قد يطرد وقد لا يطرد وعلى الثاني يقدر معه لام التعليل أي لأن أكون وعطف أن أقم مشكل لأنّ أن إتا مصدرية أو تفسيرية والثاني يأباه عطفها على الموصولة لأنّ صلتها تحتمل الصدق، والكذب بخلاف التفسيرية التي سماها الزمخشريّ عبارة إلا أن سيبويه جوّز وصلها بالأمر والنهي لدلالتها على المصدر ولذا شبهها بأنت الذي تفعل ووجه الشبه أنه نظر فيها إلى معنى المصدر الدال عليه الخبر والإنشاء وقال في الفرائد يجوز أن يقدّر وأوحى إليّ أن أقم وفيه فائدة معنوية وهي أن المعطوف مفسر كأعجبني زيد وحسنه. قوله: (حال من الدين أو الوجه) حنيفاً معناه مائلا عن الأديان الباطلة كما مرّ فإن كان حالاً من الوجه فهي حال مؤكدة لأن إقامة الوجه تضمنت التوجه إلى الحق والإعراض عن الباطل وان كان حالاً من الدين فهي حال منفكة كذا قيل، وفيه نظر ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في أقم. قوله: (ولا تكونق من المشركين (تأكيد لقوله فلا أعبد الخ. وهو تهييج وحث له على عبادة الله تعالى ومغ لغيره، وقال الإمام أنه محمول على أمره بأنه لا يلتفت لما سواه حتى يكون فائدة زائدة لأنّ ذلك شرك خفيّ عند العارفين، وقوله من دون الله إشارة إلى آخر درجات العارفين لأنّ ما سواه ممكن لا ينفع ولا يضرّ، وكل شيء هالك إلا وجهه فلا حكم إلا له ولا رجوع إلا إليه في الدارين وما سواه معزول عن التصرّفات فإن أضيف إليه شيء من ذلك وضع في غير موضعه وليس طلب الشبع من الأكل والريّ من
الشرب قادحاً في الإخلاص لأنه طلب انتفاع مما خلقه الله له. قوله: (بنفسه إن دعوته أو خذلته (قيده بنفسه لأن ذلك من الله لا منه بالذات، وهو لف ونشر مرتب وخذلته هنا بمعنى تركته، ودعوته بمعنى طلبت منه ما تريد بدليل المقابلة. قوله: (فان دعوته (يشير إلى أن لفظ الفعل كناية بمنزلة اسم الإشارة فكما إذا ذكرت أشياء متعذدة قبل ذلك فذلك إشارة إليها كذلك ربما
стр. 1528
تذكر أفعال ثم يكنى عنها بلفظ الفعل كما مز تحقيقه في قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤] وقوله وإن يصبك فسره بالإصابة لأنه لازم معناه، وسترى تحقيقه وفسر الكشف والرذ بالدفع إشارة إلى أن تغاير التعبير للتفنن. قوله: (جزاء للشرط وجوإب لسؤال مقدّر عن تبعة الدعاء (تبع بوزن صرد وتبعة مؤنثة أي ما يتبعه بعده وهذه عبارة النحاة وفسرت بأن المراد أنها تدلّ على أن ما بعدها مسبب عن شرط محقق أو مقدّر وجواب عن كلام محقق أو مقدر فاندفع ما قيل إن جزاء الشرط محصور في أشياء ليس هذا منها وما يتوهم من أن الجواب جملة فإنك لا ما بعد إذن لا وجه له فتأمّل، وقوله عن تبعة الدعاء أي تتبع دعوة ما دون الله. قوله:) ولعله ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضرّ الخ (عدل عما في الكشاف من أنه ذكر في كل من الفقرتين المتقابلتين ما يدذ على إرادة مثله في الأخرى لاقتضاء المقام تأكيد كل من الترغيب والترهيب لكنه قصد الإيجاز والاختصار للإشارة إلى أنهما متلازمان لا! ما يريده يصيبه، وما يصيبه لا يكون إلا بإرادته لكنه صرّج في كل منهما بأحد الأمرين إشارة إلى أن الخير مقصود بالذات لته تعالى والضرّ إنما وقع جزاء لهم على أعمالهم وليس مقصوداً بالذات فلذا لم يعبر فيه بالإرادة وهذا أحسن مما جنح إليه الزمخشري، وهو نوع من البديع يسمى احتباكاً، ويمكن ملاحظته فيه أيضا بأنه يجعل نكتة للطيّ، وعدم التصريح لكنه لا حاجة إلى التقدير وكونه بالذات ظاهر كما قال المصنف رحمه الله تعالى في تفسير قوله بيدك الخير ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشرّ مقضي بالعرض إذ لا يوجد شز جزئيّ ما لم يتضمن خيراً كليا. قوله: (ووضع الفضل موضع الضمير الخ (أي لم يقل لا دافع له أو لا راذ له على أن ما يصدر من الخير محض كرم وتفضل إذ لا يجب على الله شيء عندنا فلا يستحق العباد بأفعالهم، وطاعتهم على الله شيئا، وهو رد لقول الزمخشري، والمراد بالمشيئة مشيئة المصلحة فإنه دسيسة اعتزالية. قوله:) ولم يستثن لأنّ مراد الله لا يمكن رذه (أي لم يقل
فلا راذ لفضله إلا هو كما قال فلا كاشف له إلا هو لأنه قد فرض فيه أن تعلق الخيرية واقع بإرادة الله تعالى فصحة الاستثناء تكون بإرادة ضده في ذلك الوقت وهو محال بخلاف مس الضرّ فإن إرادة كشفه لا تستلزم المحال وهو تعلق الإرادتين بالضدين في وقت واحد لأنه مبنيّ على أنه لا يجوز تخلف المراد عن الإرادة لا على أن إرادته قديمة لا تتغير بخلاف المس فإنه صفة فعل يوقعه ويرفعه بخلاف الإرادة فإنها صفة ذات كما توهم إذ المراد تعلقها. قوله: (يصيب به بالخير) أرجع الضمير للخير لقربه حينئذ ولو جعل لما ذكر صح، ولكن هذا أظهر وأنسب بما بعده، وقوله فتعرّضوا الخ إشارة إلى أن المقصود من ذكر المغفرة والرحمة هنا ما ذكر وقوله رسوله الخ فالحق مبالغة على الأول لأنّ المراد أن ما بلغه، ونفسه حق. قوله: (فمن اهتدى بالإيمان والمتابعة) المراد بالمتابعة متابعة الرسول ﷺ والقرآن وفسر من ضل بالكفر ووقع في نسخة بهما وهو المراد والكفر بهما أن لا يتبعهما، ولا يمتثل أمرهما إذ الكفر مستلزم لذلك، وما قيل إن ذكر المتابعة يشعر بأن الاهتداء لا يحصل بمجرّد الإيمان وحده بل مع الامتثال فيما يتعلق بالأعمال وأنه يأباه اقتصاره في تفسير الضلال على الكفر إلا أن يحمل على الاكتفاء من قلة التدبر، وفسر الوكيل بالحفيظ لأنه أحد ما يرأد به، وقوله اطلاعه على الظواهر منصوب على المصدرية أي كاطلاعه. قوله:) عن النبئي! نرو الخ) هذا الحديث موضوع نص عليه ابن الجوزيّ في الموضوعات.
تم تعليقنا على سورة يونس والحمد دلّه على إحسانه وأفضل صلاة وسلام على أفضل مخلوقاته وعلى آله وصحبه.
سورة هود ﵇
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الداني رحمه الله تعالى في كتاب العدد هي مائة دراحدى وعشرون آية في المدنيئ الأخير واثنان في المدني الأوّل وثلاث في الكوفي، واعلم أنه لما ختم سورة يونس بنفي الشرك واتباع الوحي افتتح هذه ببيان الوحي والتحذير من الشرك وهي مكية عند الجمهور، وقيل ة لا قوله فلعلك تارك الآية. قوله: (مبتدأ الخ) فالر اسم السورة أو القرآن وكذا إن جعل خبر مبتدأ مقدر أي هو أو هذا
стр. 1529
وقد تقدم تفصيله في أوّل سورة البقرة. قوله: (نظمت نظما محكماً الخ) فسره بقوله لا يعتريه اختلال أي لا يطرأ عليه ما يخل بلفظه ومعناه، وعبر بالمستقبل لأنّ الماضي والحال مفروغ عنه، وذكر فيه وجوهاً أربعة أوّلها أن يكون مستعاراً من أحكام البناء، واتقانه فلا يكون فيه تناقض أو تخالف للواقع والحكمة أو ما يخل بالفصاحة والبلاغة الثاني أن يكون من الأحكام، وهو المنع من الفساد، وفسره بالنسخ لبعضه من غيره أو لكله كالكتب السالفة فعطفه عليه تفسيرفي فلذا بينه بقوله فإن الخ. فهو من أحكمه بمعنى منعه ومنه حكمة الدابة لحديدة في فمها تمنعها الجماج، ومنه أحكصت السفيه إذا منعته من السفاهة كما قال جرير:
أبني حنيفة أحكمواسفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا
قيل فكان ما فيه من بيان المبدأ والمعاد بمنزلة دابة منعتها حكمتها من الجماج فهي تمثيلية أو مكنية، وهو ركيك فإنّ تشبيهه بالدابة مستهجن لا داعي له وبعد تفسيره بالنسخ لا يرد عليه ما قيل إنه يوهم قبوله للفساد وهو لا يليق بالقرآن ولم يجوّز في هذا أن يراد بالكتاب القرآن والمراد عدم نسخة كله أو بعضه بكتاب آخر لأنه خلاف الظاهر وإن صح، والثالث من المنع أيضا لمنعه من الشبه بالأدلة الظاهرة، والرابع من حكمته أي جعلته حكيمآ أو ذا حكمة والمراد حكيم قائلها كما في الذكر الحكيم فهو مجاز في الطرف أو الإسناد وقوله من حكم بالضم إشارة إلى أنّ الهمزة فيه للنقل من الثلاثيّ بخلاف ما قبله، وذلك لاشتماله على أصول
العقائد والأعمال الصالحة، والنصائح والحكم وأمّهات بمعنى أصول، وقواعد يتولد منها غيرها. قوله: (بالفرائد من العقائد) قال الراغب الفصل إبانة أحد الشيئين عن الآخر حتى يكون بينهما فرجة ومنه المفاصل وفصل عن المكان فارقه ومنه فصلت العير وفي الكشاف فصلت كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية آية أو فرّقت في التنزيل فلم تنزل جملة واحدة ليسهل حفظها أو فصل فيها ما يحتاج إليه العباد أي بين ولخص وعن عكرمة والضحاك ثم فصلت أي فرّقت بين الحق والباطل يعني أنه إمّا استعارة من العقد المفصل بفرائده أي كباره التي تجعل بين اللآلئ التي تغاير حجمه أو لونه فشبهت الآيات بعقد فيه لآلئ وغيرها لتغاير النفائس التي اشتملت عليها إلى قصص وأحكام، ومواعظ وغيرها، وقوله من دلائل الخ متعلق بقوله فصلت لا بيان للفرائد حتى يقال إنّ الصواب ما وقع في بعض النسخ فوائد بالواو والتقدير فصلت لأنواع من دلائل التوحيد الخ، وهي في حواشي المصنف رحمه الله تعالى بالراء أو أنها جعلت فصلا فصلاً من السور أو الآيات أو فرّقت في النزول أو هو من الإسناد المجازي والمراد فصل ما فيها، وبين فهذه أربعة وجوه في التفصيل أيضاً والتلخيص بمعنى التبيين لا بمعنى الاختصار كما بين في اللغة، وعلى هذا ينزل كلام المصنف رحمه الله تعالى إلا أنه على إرادة التفصيل بجعلها سور المراد بالكتاب القرآن وبالآيات آياته، وان قيل إنه يصح أن يراد السورة على أن المعنى جعلت معاني آيات هذه السورة في سور، ولا يخفى أنه تكلف ما لا حاجة إليه، وقوله وقرئ ثم فصلت أي بفتحتين خفيفتين وهي قراءة ابن كثير، ومعناه فرقت كما ذكره المصنف ﵀ وقيل معناه انفصلت وصدرت كما في قوله ولما فصلت العير وسيأتي بيانه. قوله: (وثئم للتفاوت في الحكم أو للتراخي في الأخبار (لما كان التفصيل والأحكام صفتين لشيء واحد لا تنفك إحداهما عن الأخرى لم يكن بينهما ترتب وتراخ فلذا جعلوه إمّا لتراخي الرتبة، وهو المراد بقوله في الحكم أو للتراخي بين الإخبارين وقد أورد عليه أنه إذا أريد بتفصيلها إنزالها نجما نجما تكون ثم على حقيقتها فمع تحقق الحقيقة لا وجه للحمل على المجاز وبأن الأخبار لا تراخي فيه إلا أن يراد بالتراخي الترتيب مجازا أو يقال بوجود التراخي باعتبار ابتداء الجزء الأول وانتهاء الثاني ولا يخفى عليك أنّ الآيات نزلت محكمة مفصلة فليست ثم للترتيب على كل حال كما صرّح به العلامة في شرحه، وليس النظر إلى فعل الأحكام والتفصيل، وأفا التراخي بين الإخبارين فلما مرّ في أوائل سورة البقرة في ذلك الكتاب من أنّ الكلام إذا انقضى فهو في حكم البعيد ففيه ترتيب اعتباري
стр. 1530
وهو المراد كما أشار إليه الشارح المدقق إذا عرفت هذا فاعلم أنه قال في
الكشف إن أريد بالأحكام أحد الأولين وبالتفصيل أحد الطرفين فالتراخي رتبيّ لأنّ الأحكام بالمعنى الأوّل راجع إلى اللفظ والتفصيل إلى المعنى والمعنى الثاني وان كان معنويا لكن التفصيل إكمال لما فيه من الإجمال، وان أريد أحد الأوسطين فالتراخي على الحقيقة لأنّ الأحكام بالنظر إلى كل آية في نفسها، وجعلها فصولاً بالنظر إلى بعضها مع بعض أو لأنّ كل آية مشتملة على جمل من الألفاظ المرصعة، وهذا تراخ وجوديّ، ولما كان الكلام من السيالات كان زمانيا أيضاً، ولكن المصنف ﵀ آثر التراخي في الحكم مطلقاً حملا على التراخي في الأخبار في هذين الوجهين ليطابق اللفظ الوضع وليظهر وجه العدول عن الفاء إلى ثم وان أريد الثالث وبالتفصيل أحد الطرفين فرتبي وألا فإخبارقي، والأحسن أن يراد بالإحكام الأوّل وبالتفصيل أحد الطرفين وعليه تنطبق المطابقة بين حكيم وخبير، وأحكصت وفصلت، وهي ثابتة على الوجوه الثلاثة في من لدن لكن جعلها صلة للفعلين أرجح، وذلك لتعلق أن لا تعبدوا بهما على الوجهين، وأفاد سلمه الله أن أصل الكلام أحكم آياته حكيم ثم أحكمها حكيم على نحو:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
ثم من لدن حكيم كما يقال من جناب فلان لما في الكناية من المبالغة وافادة التعظيم البليغ، وهو إشارة إلى الوجوه الستة عشر الحاصلة من ضرب معاني الأحكام الأربعة في معاني التفصيل الأربعة وهذا وان احتاج إلى البسط والإيضاح لكن الجدوى فيه قليلة فعليك باستخراجه بنظرك الصائب. قوله: (صفة أخرى لكتاب أو خبر بعد خبر الخ) أي هو صفة للنكرة أو خبر ثان للمبتدأ الملفوظ أو المقدر على الوجهين أو هو معمول لأحد الفعلين على التنازع مع تعلقه بهما معنى ولذا قال تقرير لأحكامها وتفصيلها، وقوله على أكمل ما ينبغي أخذه من كون ذلك فعل الله الحكيم الخبير مع الجمع بين صيغتي المبالغة، ولا يحتاج إلى جعل الحكيم بمعنى المحكم كما قيل لأنه يكفي فيه أن يكون صائغها ذا حكمة بالغة، وقوله باعتبار ما ظهر أمر. وما خفي أخذه من أن الحكيم ما يفعل على وفق الحكمة والصواب، وهو أمر ظاهر، والخبير من له خبرة بما لا يطلع عليه غيره من الخفيات فهو لف ونشر، وجعله الزمخشري في النظم أيضاً من اللف والنشر على أن تقديره أحكم آياته حكيم، وفصلها خبير وله وجه وجيه لكن المصنف ﵀ لم ينظر إليه، ومعنى كونه تقريراً أنه كالدليل المحقق له. قوله: (ألا تعبدوا الخ) ذكروا فيه أنه يجوز أن يكون متصلا بما قبله وحينئذ في أن وجهان أحدهما أن تكون مصدرية، وكذا أن استغفروا لأن أن المصدرية توصل بالأمر كما مرّ تحقيقه، وكذا توصل بالنهي فلا نافية، وهو منصوب أو ناهية وهو مجزوم، وهو على تقدير اللام ومحله
نصب أو جر على المذهبين وليس هذا مفعولاً له حتى يتكلم في شروطه وثانيهما أن تكون مفسرة لما في تفصيل الآيات من معنى القول دون حروفه، وقدره الزمخشري بأمرين أحدهما فصل، وقال لا تعبدوا والآخر أمر أن لا تعبدوا فحذف في الأوّل أن لأنه قدر صريح القول، ولم يحذفها في الثاني لأنه قدر ما في معناه قيل، وأن المفسرة في تقدير القول، ومعناه ولذا لا تأتي بعد صريحه، وإنما تأتي بعد ما هو في معناه ليكون قرينة على إرادته منها وبهذا سقط ما يتوهم من أنهم اشترطوا عدم صريح القول وتقديره في تقريرهم مناف له فتأمّل. قوله: (ويجورّ أن يكون كلاماً مبتدأ للإغراء الخ) هذا هو الوجه الثاني، ومعنى كونه مبتدأ أنه منقطع وغير متصل بما قبله اتصالاً لفظياً كما في الوجهين السابقين، وهذا على وجهين قصد الإغراء على التوحيد أو قصد التبرّي عن عبادة الغير لأنه في تأويل ترك عبادة غير الله فإن قدر ألزموا ترك عبادة غيره على أنه مفعول به فهو إغراء، وان قدر اتركوا ترك عبادة غيره فهو مفعول مطلق للتبرّي عن عبادة الغير، وفي الكشاف، ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله على لسان النبيّ ﷺ إغراء منه على اختصاص الله بالعبادة وبدل عليه قوله إنني لكم منه نذير وبشير كأنه قال ترك عبادة غير الله إنني لكم منه نذير كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [سورة محمد، الآية: ٤] وقيل عليه أنّ في كلامه اضطرابا حيث دلّ أوّله على الوجه الأوّل، وآخره على الوجه الثاني، وقد وجه بأنّ مراده بقوله كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [سررة محمد، الآية: ٤،
стр. 1531
إفادة معنى الإغراء لا اشتراك الصورتين في النصب على المصدرية، ومنع جواز حمل الآية عليه بأنه ليس وزان ألا تعبدوا إلا الله وزان ترك عبادة غير الله في استقامة تقدير اتركوا عبادة غير الله تركا إذ لو قلت اتركوا عبادة غير الله أن لا تعبدوا أي عدم العبادة لم يكن شيئا لأن أن لا يحسن موقعه كما لا يحسن اضربوا أن لا تضربوا أي اضربوا الضرب، وسرّه أنّ أن علم للاستقبال فلو أريد استقبال غير زمان الأمر لم يكن مفعولاً مطلقا وان أريد ذلك الاستقبال ضاع للاكتفاء بالأوّل اهـ والأمر كما قال وهذا توجيه لما يقتضيه النحو من أنّ أن المصدرية والفعل لا يقع موقع المفعول المطلق، وكون ذلك لا يجوز أو لا يحسن مما لا شبهة فيه فمن قال الأمر فيه سهل بأن تجعل أن المصدرية للتأكيد لم يتدبر كلامه، ثم إن المصنف رحمه الله تعالى أطلق كونه للإغراء من غير تقييد. له بكونه على لسان النبي ﷺ كما في الكشاف لأنه غير متعين لاحتمال أن يكون ما قبله أيضاً مفعولاً له بتقدير قل في أوّل الكلام، وكونه خلاف الظاهر لا ينافي كونه وجها مرجوحاً. قوله: (١ نني لكم منه من الله (أي فالضمير لله، والتقدير إنني لكم من جهة الله نذير وبشير وهو في الأصل صفة فلما قدم صار حالاً، وقيل إنه يعود على الكتاب أي نذير من مخالفته، وبشير لمن آمن به وقدم الإنذار لأنه أهمّ، وعطف أن استغفروا على ألا
تعبدوا سواء كان نهيا أو نفيا. قوله: (توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة الما كان الاستغفار بمعنى التوبة في العرف كان توسط كلمة ثم بينهما محتاجاً إلى التوجيه فقيل لا نسلم أن الاستغفار هو التوبة بل الاستغفار ترك المعصية والتوبة الرجوع إلى الطاعة، ولئن سلم أنهما بمعنى فثم للتراخي في الرتبة، والمراد بالتوبة الإخلاص فيها والاستمرار عليها والمصنف رحمه الله تعالى حمل الاستغفار على التوبة وجعل التوبة عبارة عن التوصل إلى مطالبهم بالرجوع إلى الله فثم على ظاهرها ولا حاجة إلى جعلها بمعنى الواو والعطف تفسيرفي كما نقل عن الفرّاء وقيل الاستغفار طلب الغفر وستر الذنب من الله والعفو عنه ومعنى التوبة الندم عليه مع العزم على عدم العود فليسا بمتحدين ولا بمتلازمين نعم قد يستعمل الأوّل في العرف بمعنى الثاني، وفائدة عطف الثاني على الأوّل التوصل به إلى ذلك المطلوب والجزم بحصوله كما قال ثم توصلوا الخ بيانا لحاصل المعنى لا أنّ توبوا عبارة عن معنى توصلوا كما توهم، ولا يخفى ما في العبارة من النبوّ عما ذكره فتأمّل. قوله: (فإنّ المعرض عن طريق الحق (أي من أعرض! عن طريق الحق بالكفر والعصيان لا بد له من الرجوع إليها ليصل إلى مطلوبه، وهذا على طريق التمثيل في النظم بجعل التوبة بمعناها الأصلي وهو الرجوع فالرجوع إلى الله المراد به لازم معناه، وهو طلب الوصول إلى المطلوب والإعراض عن الحق إن كان بالشرك فتوقفه على ما ذكر ظاهر، وكذا إن أريد الأعمّ وأمّا إن أريد المعصية فالمراد الجزم بحصول مطلوبه فإنّ العفو يجوز من غير توبة فتأمّل. قوله: (وقيل استففروا من الشرك الخ) أي اطلبوا غفره وستره بالإيمان ثم توبوا إلى الله ارجعوا إلى الله بالطاعة فعلى هذا كلمة ثم على ظاهرها من التراخي، وقيل إنّ تراخيه رتبيّ لأنّ التحلية أفضل من التخلية وإنما مزضه لأنّ قوله ألا تعبدوا إلا الله يفيد ما أفاده، وقوله ويجوز أن يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين فإن بين التوبة وهي الانقطاع إلى الله بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيداً، وقيل إن هذا بطريق الكناية فإنّ التفاوت والتباين من روادف التراخي وفيه نظر. قوله تعالى ( ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا﴾ ) انتصابه على أنه مفعول مطلق من غير لفظه كقوله: ﴿أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الآية: ١٧] ويجوز أن يكون مفعولاً به لأنه اسم لما يتمتع به وقيل إنه منصوب بنزع الخافض أي يمتعكم بمتاع وأنّ في الكشاف إشارة إليه، وقوله يعشكم في أمن ودعة بفتح الدال بمعنى الراحة يعني أن من أخلص الله في القول والعمل عاش في أمن من العذاب وواحة مما يخشاه، وأمّا ما يلقاه من بلاء الدنيا فلا ينافي ذلك لما فيه من رفع الدرجات، وزيادة الحسنات فلا ينافي هذا كون الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولا كون أشدّ الناس بلاء الأمثل فالأمثل لأنّ المراد أمنه من غير الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وراحته طيب عيشه برجاء الله والتقرّب إليه حتى يعدّ المحنة منحة، والتمتع يجيء
بمعنى الانتفاع وبمعنى تطويل العمر ويناسبه ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى
стр. 1532
الأوّل للأوّل والثاني للثاني.
قوله: (هو آخر أعماركيم المقدّرة الخ) التقدير التعيين ببيان المقدار، وهو المراد بالتسمية
كما مرّ في الأنعام، وقوله أولا يهلككم معطوف على يعشكم فيكون على هذا الخطاب لجميع الأمّة بقطع النظر عن كل فرد فرد والأجل المسمى آخر أيام الدنيا والاستئصال إهلاكهم جميعا من أصلهم كما وقع لبعض الأمم. قوله: (والآرزاق والآجال وإن كانت متعلقة بالأعمال الخ (إن أراد تعليقها بها في الأحاديث كما ورد صلة الرحم تزيد في العمر، وكذا ما ورد بزيادة الرزق مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة فالمراد الجمع بين تلك الأحاديث، وما في الآية من جعله مسمى معينا لا يقبل التغيير بالزيادة والنقص ومحصله إنّ الله لما علم صدور تلك الأعمال وعدمه كان الأجل مسمى في علم الله بالنسبة إلى كل أحد فلا منافاة بينهما وإن أراد في الآية فلأنّ قوله يمتعكم الخ بمعنى أنه يحييهم حياة هنيئة، ولا يكون ذلك إلا بالرزق، وهو جواب الأمر فقد علق فيه ذلك على تلك الأعمال مع أنه ذكر أنه مسمى فأجاب بأنه عالم بصدورها، وعدمه فلا ينافي ذلك تسميتها وتعيينها فلا وجه لما قيل إنه ليس في الآية تعليق الآجال بالأعمال بل تعليق حسن العيش وأنّ ذلك لم يعلم من الآية بل من الحديث. قوله: (ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله الخ (يعني الفضل الأوّل بمعنى الزيادة في أمور الدين، وقريب منه ما في الكشاف أنه الفضل في العمل فليس الثاني عينه فلذا قدر بجزاء فضله وثوابه يعني من له زيادة في الدين له زيادة في الجزاء والثواب لأنّ الأجر يزيد بزيادة العمل وقوله في الدنيا والآخرة وفي نسخة أو الآخرة وهي للتنويع بدليل قوله خير الدارين يعني أنه ينعم عليه في الدنيا والآخرة فلا يختص إحسانه بإحدى الدارين وضمير فضله على ما ذكره المصنف ﵀ لكل، وقد جوّز أن يعود إلى الرب فالمراد الثواب، ولذا لم يفسره المصنف رحمه الله تعالى به كما في الكشاف، وقد قيل إن في الآية لفا، ونشراً وانّ التمتع الحسن مرتب على
الاستغفار، دمايتاء الفضل مرتب على التوبة والوعد ظاهر وكونه للموحد الثابت من قوله يمتعكم إلى أجل لأنه يقتضي ثباتهم على ذلك إلى الموت. قوله:) وإن تتولوا الخ (يعني أنه مضارع مبدوء بتاء الخطاب لأنّ ما بعده يقتضيه وحذفت منه إحدى التاءين والتولي الإعراض! أي إن استمرّوا على الإعراض، ولم يرجعوا إلى الله واليوم الكبير يوم القيامة لكبر ما فيه، ولذا وصف بالثقل أيضا أو المراد به زمان ابتلاهم الله فيه في الدنيا وقراءة تولوا قراءة عيسى بن عمرو اليماني من الشواذ وقيل إن تولوا ماض غائب والتقدير فقل لهم إني الخ لأنّ التولي صدر منهم واستمرّ وهو خلاف الظاهر فلذا لم يلتفت إليه المصنف رحمه الله تعالى. قوله:) رجوعكم الخ (يعني أنه مصدر ميمي وكان قياسه فتح الجيم لأنه من باب ضرب فقياسه ذلك كما علم في علم الصرف وقوله فيقدر على تعذيبهم أشدّ الخ لأنه وصف بالقدرة العظيمة فيقدر على كل عظيم وكبر اليوم لكبر ما فيه وعظمه فلهذا كان هذا تقريراً، وتأكيداً له. قوله:) يثنونها عن الحق وينحرفون عنه الخ (في هذه اللفظة ثلاث عشرة قراءة المشهور منها، وهي قراءة الجمهور يثنون بالياء المفتوحة مضارع ثناه يثنيه، وأصله يثنيون فأعل الإعلال المعروف في نحو يرمون، وثناه معناه طواه وحرفه وفسر المصنف رحمه الله تعالى هذه القراءة بوجوه الأوّل أنه كناية أو مجاز عن الاعراض عن الحق فمتعلقه محذوف أي يثنونها عن الحق لأن من أقبل على شيء واجهه بصدره ومن أعرض حرفه عنه أو المراد أنهم يضمرون الكفر وعداوة النبيّ ﷺ فثنى الصدر مجاز عن الإخفاء لأن ما يجعل داخل الصدر فهو خفيّ، ومتعلقه على الكفر ومغايرته لما قبله في المعنى والمتعلق ظاهرة لا مجزد التعذي بعن وعلى كما قيل وقوله أو يولون ظهورهم تفسير ثالث وهو حقيقة على هذا لا! من ولى أحداً ظهره ثنى عنه صدره، والمعنى أنهم إذا رأوا النبيّ رسول الله ﷺ فعلوا ذلك فهو تفسير للمعنى الحقيقيّ بلازمه لأنه أوضح. قوله:) وقرئ يثنوني بالياء والتاء من اثنوني) كاخلولي فوزنه يفعوعل وهو من أبنية المزيد الموضوعة للمبالغة لأنه يقال حلا فإذا أريد المبالغة قيل احلولي وهو لازم فصدورهم فاعله ومعناه ينطوي أو ينحرف انطواء وانحرافا بليغاً، وهو على المعاني السالفة في قراءة الجمهور والقراءة بالتاء لتأنيث الجمع وبالياء التحتية لأنّ تأنيثه غير حقيقيّ، وهذه القراءة
стр. 1533
قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وغيرهما، وقوله من اثنوني أي أنه مضارع ماضيه هذا فهو مأخوذ منه بزيادة حرف المضارعة. قوله: (وتثنون وأصله تثنونن من الثن وهو الكلأ الضعيف (أي قرئ تثنون بتاء مثناة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم نون مفتوحة تتلوها واو مكسورة بعدها نون مشذدة وهذه
القراءة نسبت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعروة وغيرهما، وأصله تثنونن على وزن تفعوعل من الثن بكسر الثاء وتشديد النون وهو ماهش، وضعف من الكلأ قال:
تكفي اللقوح أكلة من ثن
وصدور مرفوع على أنه فاعله ومعناه إمّا أنّ قلوبهم ضعيفة سخيفة كالنبت الضعيف فالصدور مجاز عما فيها من القلوب أو أنه مطاوع ثناه لأنه يقال ثناه فانثنى واثنونن كما صرّج به ابن مالك رحمه الله تعالى في التسهيل فقال وافعوعل للمبالمغة، وقد يوافق استفعل ومطاوع فعل ومثلوه بهذا الفعل فالمعنى أن صدورهم قبلت الثني فتكون بمعنى انحرفت ومعناه يرجع إلى قراءة الجمهور ومن الخطأ الغريب ما قيل الكلأ بوزن جبل العشب رطبه ويابسه، وفي القاموس الثن بالكسر يبيس الحشيش إذا كثر وركب بعضه بعضا، وعلى هذا فقول المصنف ﵀ شالى أو مطاوعة صدورهم للثني لا يلائمه إذ الظاهر أنّ المطاوعة في الرطب أكثر واليبيس ينكسر في اكثر إذا قصد تثنيه لأنه ظن أنهما وجه واحد، ولم يتنبه لأنه وجه آطخر مصرّح به في كتب النحو ثم بعد إرخاء العنان فاعتماده على القاموس وترك ما ذكر. المصنف رحمه إلله تعالى، وهو أنه ضعيف النبات وهشه وإن لم يكن يابسا مع أنه هو الذي صرّح به إمام اللغة ابن جني في كتاب المحت! سب وأغرب منه ما قيل إنه أراد بركوب بعضه لبعض انعطاف بعضه على بعض بالانحناء كما هو شأن الكلأ إذا شرع في اليبس وذلك هو المطاوعة وهو مراد المصنف وحمه الله تعالى لا أنّ فيه ثنيا بعد اليبس، والملاءمة ظاهرة. قوله: (وتثئمق من اثنأن كابيأض بالهمزة) أي وقرئ بذلك كتطمئن، وفيه وجهان أحدهما أنّ أصله اثنأنّ كاحمأرّ وأبياض! ففرّ من التقاء الساكنين بقلب الألف همزة! مكسورة، وقيل أصله تثنونّ بواو مكسورة فاستثقلت الكسرة على الواو فقلبت همزة كما قيل في وشاح أشاح فعلى الأوّل لجكون من الافعيلال وعلى هذا هو من باب افعوعل، ورجح الأوّل باطراده، ولذا اقتصر عليه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (وتثنوى) كارعوى قرأ بها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل إنها غلط في النقل لأنه لا معنى للواو في هذا الفعل إذ لا يقال تنوته فانثوى كرعوته فارعوى، ووزن ارعوى من غرلحب الأوزان، وفيه كلام في المطوّلات، وبقية القرا آت مفصلة في الدرّ المصون، ومن غريب القرا آت هنا أنه قرئ مثنون بالضم واستشكلها ابن جني رحمه الله تعالى بأنه لا يقال أثنيته بمعنى ثنيته، ولم يسمع في غير هذه القراءة. قوله: (من الثه سرّهم) وفي نسخة بسرّهم ذكروا في متعلق هدّه اللام وجهين الأوّل أنه متعلق بيثنون وعليه جماعة من المفسرين وهو الظاهر والثاني أنه متعلق بمحذوف أي ويريدون ليستخفوا لأنّ ثني الصدر والإعراض إظهار للنفاق فلا يصح تعليقه بذلك لأنه لا يصلح سبباً له فلذا قدر له، ويريدون على أنها معطوفة على ما قبلها لا أنها حالية وان كان أظهر بحسب المعنى، ولذا قيل لا وجه لتقدير الواو ويشهد له ما نقل عن الزمخشريّ إنّ المعنى يظهرون النفاق، ويريدون مع ذلك أن يستخفوا، ومن لم يدر وجهه
اعترض عليه والمصنف رحمه الله تعالى رأى أنه لا حاجة إلى التقدير إذ يصح تعلقه بما قبله لكنه قيل إنه على المعنيين الأوّلين ليثنون ظاهر فإنّ انحرافهم عن الحق بقلوبهم، وعطف صدورهم على الكفر وعداوة النبيّ ﷺ ، وعدم إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من الله لجهلهم بما لا يجوز على الله تعالى، وأمّا على المعنى الثالث فالظاهر أنه لا بدّ من التقدير إلا أن يعاد ضمير منه إلى الرسول ﷺ ، وهذا الذي ذكره في الوجهين الأولين من كلام المصنف رحمه الله تعالى لتقديره متعلقاً له فليس خلاف الظاهر كما توهم، وقال أبو حيان الضمير في منه لله، وسبب النزول يقتضي عوده للرسول ﷺ لأنها نزلت في بعض الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبيّ ﷺ تطأمنوا وثنوا صدورهم كالمستتر وردّوا إليه ظهورهم، وغثوا وجوههم بثيابهم تباعدا منه، وكراهة للقائه، وهم يظنون أنه يخفى عليه ﷺ (١)
стр. 1534
فنزلت فعلى هذا ليستخفوا متعلق بيثنون قيل فغاية ما يوجه به كلام المصنف ﵀ في عدم التقدير أنه لما جعل سبب النزول ما ذكر جاز تعلق اللام بيثنون وصح التعليل، وهو قريب مما قاله أبو حيان رحمه الله تعالى إلا أنه جعل الضمير للرسول ﷺ وعلى ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى يجوز أن يكون له ولله، وإنما خصه بالله بناء على ظاهر قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ لكنه ترك لما ذكره من المعاني الثلاثة ليثنون واختيار لمعنى آخر، وهذا ليس بشيء بل هو على المعاني المذكورة لكنه في الوجه الأخير يكون الضمير للرسول ﷺ ، وليس في كلامه ما ينافيه فتدبر. قوله: (قيل إنها نزلت الخ) قال السيوطيّ الثابت في صحيح البخاريّ أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يستحيون أن يتخلوا أو يجامعوا فيفضوا بفروجهم إلى السماء فعلى هذا ثنى الصدور على ظاهره لا مجاز ولا كناية فهو أصح نقلاً مؤيداً ببقائه على حقيقته وكون قيل لتمريضه لا فائدة فيه كالاعتذار بجواز تعدد سبب النزول كما ذهب إليه بعضهم. قوله: (وفيه نظر إذ الآية مكية والنفأق حدث بالمدينة) قد أجيب عنه بأنّ القائل به لم يرد بالنفاق ظاهره بل ما كان يصدر من بعض المشركين الذين كان لهم مداراة تشبه النفاق، وأيضاً أنه كان بمكة منافقون) كالأخنس " (٣) فإنه كان يظهر الإيمان وبضمر الكفر ولا فرق بين فعله وفعل منافقي المدينة حتى لا يسمى منافقاً نعم النفاق كان بمكة لكن لم يكن في مكة طائفة ممتازون عن سائر المشركين، وأمّا حديث أنّ النفاق كان بالمدينة والإشكال بأنّ السورة مكية فغير مسلم بل ظهوره إنما كان فيها،
والامتياز إلى ثلاث طوائف وقع بها، وقد صرّح به في الكشاف في قوله ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ولو سلم فلا إشكال بل يكون على أسلوب قوله كما أنزلنا على المقتسمين إذا فسر باليهود فإنه إخبار عما سيقع، وجعله كالواقع لتحققه وهو من الإعجاز فكذا ما نحن فيه هكذا حقق في الكشف. قوله: (١ لا حين يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم) أي يلتحفون بما يلتحف به النائم كما ذكره في الرواية السابقة، وقوله يستوي في علمه الخ إشارة إلى أن ذكر علم العلانية بعد علم السرّ لبيان أنهما في علم الله سواء، والا لم يكن في ذكره مؤخراً فائدة، وقوله ما عسى يظهرونه عسى مقحمة، وقد تقدم بيان هذا كله، وحين ناصبه تريدون مضمرا كما مرّ، وقدّره أبو البقاء يستخفون، وقيل ناصبه يعلم، ولا يلزم منه تقييد علم الله لأنّ من يعلم هذا يعلم غيره بالطريق الأولى، وما في ما يسرّون مصدرية أو موصولة عائدها محذوف. قوله: (بالآسراو ذات الصدور الخ) يعني المراد بذات الصدور إمّا الأسرار أو القلوب، وأحوالها بجعلها لاختصاصها بالصدور كأنها صاحبة للصدور مالكة لها، وليست الذات مقحمة كما في ذات غد ولا من إضافة المسمى إلى اسمه كما توهم. قوله: (غذاؤها ومعاشها الخ (المراد بالدابة معناها اللغوي، وهو كل ما دلت على الأرض باتفاق المفسرين هنا لا المعنى العرفيّ، واحتج بهذه الآية أهل السنة على أنّ الحرام رزق، وألا فمن لم يأكل طول عمره إلا من الحرام لا يصل إليه رزقه ثم إن الآية تحتمل أن يراد بها أنّ الله تعالى يسوق إلى كلى حيوان رزقه فيأكله فورد النقض بحيوان هلك قبل أن يرزق شيئا، ودفع بأنّ المراد كل حيوان يحتاج إلى الرزق يرزقه الله وما ذكر ليس كذلك لكن ينتقض بحيوان لم يرزق، ومات جوعا، ودفع بأنّ المراد كل حيوان جاءه رزق فمن الله كما نقل عن مجاهد لكن لا يبقى فيها استدلال لما استدلّ عليه أهل السنة بها، ولا يبقى المحذور المذكور فتدبر. قوله: (وإنما أتى بلفظ الوجوب الخ) يعني أنّ على تستعمل للوجوب، ولا وجوب على الله عند أهل الحق على ما بين في الكلام فأجاب المصنف بأنه لتحققه بمقتضى وعده كان كالواجب الذي لا يتخلف فينبغي لمن عرف ذلك التوكل على الله فكلمة على المستعملة للوجوب مستعارة استعارة تبعية لما يشبهه، ويكون من المجاز بمرتبتين، ولا يمنع من التوكل مباشرة الأسباب مع العلم بأنه المسبب لها، وفي الكشاف أنه لما ضمنه الله، وتكفل به صار واجبا في المرتبة الثانية فلا منافاة كما في نذور العباد فإنها تصير واجبة بالنذر بعدما كانت تبرّعا، وقال الإمام الرزق واجب بحسب الوعد، والفضل والإحسان، ومعناه أن الرزق باق على تفضله لكنه لما وعده، وهو لا يخل بما وعد صوّر بصورة الوجوب لفائدتين إحداهما
стр. 1535
التحقيق لوصوله، والثانية حمل العباد
على التوكل فيه، وقوله كل في كتاب مبين كالتتميم لمعنى وجوب تكفل الرزق كمن أقرّ بشيء في ذمّته، ثم كتب عليه صكاً. قوله: (أماكنها في الحياة والممات الخ) جعل المستقرّ والمستوح اسم مكان لأنه الظاهر، وجوز فيهما أن يكونا ممدرين، وأن يكون المستوح اسم مفعول لتعدّي فعله، ولا يجوز في مستقرّها لأنّ فعله لازم، وقوله في الحياة، والممات لف ونشر مرتب، وهو المروي عن ابن عباس ﵄ مستقرّها مأواها في الأرض، ومستودعها المحل الذي تدفن فيه وسمي مستودعاً لأنها توضع فيه بلا اختيار، وقوله والأصلاب، والأرحام يجوز جرّه ونصبه، وهو لف ونشر أيضاً، وجعل الأرحام مستودعاً للنطف ظاهر لأنها توضع فيه من قبل شخص آخر بخلاف الأصلاب وقيل إنه نقل عن ابن عباس ﵄ عكسه فهو لف، ونشر مشوس، وكلام المصنف ﵀ يحتمله، وقوله أو مساكنها من الأرض الخ هذا ما في الكشاف، واقتصر عليه لعمومه لجميع الحيوانات بخلاف الأوّلين لكنه لا يخلو من بعد، ولذا أخره المصنف ﵀. قوله: (كل واحد من الدواب وأحوالها) يعني أنّ المضاف إليه كل محذوف، وهو كل ما ذكر أي كل دابة ورزقها؟ ومستقرّها ومستودعها في كتاب مبين ومن للتبعيض أي كل فرد فرد منها لا للتبيين بمعنى كل هو هذا، وكأنه تعالى ذكر بعض أحوالها، ثم عممه لغيرها أي كل ما ذكر وغيره. قوله: (مذكور في اللوح المحفوظ) تفسير للكتاب وبيان للمتعلق، وقوله بيان كونه عالماً الخ يعني لما ذكر أنه يعلم ما يسرّون وما يعلنون أردفه بما يدل على عموم علمه وأراد بما بعدها قوله، وهو الذي خلق السماوات والأرض الخ وتقريره للتوحيد لأنّ من شمله علمه، وقدرته هو الذي يكون إلهاً لا غيره مما لا يعلم، ولا يقدر على ضرّ ونفع، وتقريره للوعيد لأنّ العالم القادر يخشى منه ومن جزائه، ويجوز أن تكون الآية تقريراً لقوله ما يسرون، وما يعلنون، وما بعدها تقرير لقوله، وهو على كل شيء قدير. قوله: (أي خلقهما وما فيهما كما مرّ الخ) الظاهر أنه إشارة إلى تقدير ذلك لأنّ الثابت أنه خلقهما، وما فيهما في تلك المدّة فإمّا أن يقدر أو يجعل السماوات مجازاً بمعنى العلويات فيشملها، وما فيها ويجعل الأرض بمعنى السفليات فيشملها، وما فيها من غير تقدير، وما قيل إنّ المراد بالعلويات نفس السماوات، والأرض سهو، وإنما احتاج إلى التجوّز أو التقدير وان كان خلقها في تلك المدة لا ينافي خلق غيرها لاقتضاء المقام
للتعرّض! لها. قوله: (وجمع السماوات دون الأرضى الخ) قد مرّ تفصيل هذا وأن المراد أنها سبع طباق متفاصلة بينها مسافة كما ورد في الأثر، وأنّ قوله، ومن الأرض مثلهن المراد به الأقاليم السبعة وأنّ حقيقة كل سماء غير الأخرى وأنه قيل إن الأرض مثل السماء في العدد، وفي أن بينها مسافة، وفيها مخلوقات فيكتفي حينئذ في التوجيه باختلاف الأصل. قوله: (قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما الخ) كونه قبل خلقهما مأخوذ من كان لأنّ المعنى المستفاد منها بالنسبة للحكم لا للتكلم، وهو خلق السماوات والأرض، وهذا ظاهر سواء كانت الجملة معطوفة أو حالية بتقدير قد إنما الكلام في قوله لا إنه كان موضوعاً على متن الماء فإن الاستعلاء صادق بالمماسة، وعدمها ولا دليل على ما ذكره في الآية، وقيل مبني هذا النفي على كون الظاهر ذلك فإن كون العرس منطبقاً على الماء أوّلاً ثم رفعه عنه محتاج إلى دليل، وهو منتف، ولا يخفى ما فيه فإن عدم الدليل لا يكون دليلاً للعدم كما بين في محله إلا أن يكون ذلك بعناية لما نقل عن السلف أنه كان على الماء، وهو الآن على ما كان عليه ولأنه الأنسب بمقام بيان القدرة الباهرة وعلى كل حال فلا يخلو عن القيل، والقال. قوله: (واستدلّ به على إمكان ا! لاء (قيل أراد الإمكان الوقوعي لأنّ المستفاد من الآية أنه خلق السماوات والأرض! ولم يكن إذ ذاك غير العرس، والماء وعليه منع ظاهر، والخلاء هو الفراغ الكائن بين الجسمين اللذين لا يتماسان، وليس بينهما ما يماسهما، وقوله وأن الماء أوّل حادث بعد العرس، وبيانه أن كونه على الماء يحتمل المماسة، وعدمها، ولذا قال إمكان الخلاء دون وجوده ولما كان معنى كونه عليه أنه موضوع فوقه لا مماسه، وخلق السماوات والأرض بعدهما اقتضى أن الماء مخلوق قبلهما، وأنه أوّل حادث بعده، وهو من
стр. 1536
فجوى الخطاب، وقوله لا إنه كان موضوعاً الخ لأنّ سياقه لبيان قدرته يقتضيه فسقط ما قيل إنه ما المانع من إرادته فتأمل، وقوله وقيل كان الماء على متن الريح فلا يكون الماء أوّل بل هو الريح وحده أو مع الماء، ولو ترك المصنف ﵀ هذا كله كان أولى. قوله: (متعلق بخلق الخ (أي اللام للتعليل متعلقة بالفعل المذكور، وأفعاله تعالى غير معللة بالأغراض! على المشهور لكنها يترتب عليها حكم، ومصالح تنزل منزلة العلل، ويستعمل فيها حرف التعليل على طريق التشبيه، والمجاز. قوله: (أي خلق ذلك كخلق من خلق الخ) يشير إلى أن إلابتلاء، والاختبار لا يصح وصفه تعالى به لأنه إنما يكون لمن لا يعرف عواقب الأمور فالمراد ليس حقيقته بل هو تمثيل، واستعارة شبه معاملة الله تعالى مع
عباده في خلق المنافع لهم وتكليفهم شكره واثابتهم إن شكروا وعقوبتهم إن كفروا بمعاملة المختبر مع المختبر ليعلم حاله، ويجازيه فاستعير له الابتلاء على سبيل التمثيل فوضع ليبلوكم موضع ليعاملكم، ويصح أن يكون مجازاً مرسلاً لتلازم العلم، والاختبار إلا أنه على جعل الابتلاء بمعنى العلم يصير التقدير خلق ذلك ليعلم الأحسن من غيره، وهذا أيضاً غير ظاهر لأن علمه قديم ذاني ليس متفرعاً على غيره فيؤوّل بأنه بمعنى ليظهر تعلق علمه الأزلي بذلك، وأمّا على أنه تمثيل، وأن المراد يعاملكم معاملة المختبر كما قرّرناه فلا تكلف فيه وهو مع بلاغته مصادف محزه فمن قال هنا إنّ ليبلوكم وضع موضعليعلم لم يصب والقرينة هنا عقلية وكون خلق الأرض وما فيها للابتلاء ظاهر وأمّا خلق السماوات فذكر تتميما، واستطراداً مع أنها مقرّ الملائكة الحفظة، وقبلة الدعاء ومهبط الوحي، إلى غير ذلك مما له دخل في الابتلاء في الجملة، وقيل إنّ ذكرها لأنها خلقت لتكون أمكنة للكواكب، والملائكة العاملين في السماوات والأرض لأجل الإنسان. قوله: (وإنما جاز تعليق فعل البلوى الخ) في الكشاف فإن قلت كيف جاز تعليق فعل البلوى قلت لما في فعل الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إليه فهو ملاب! له كما تقول انظر أيهم أحسن وجهاً، واسمع أيهم أحسن صوتا لأنّ النظر والاستماع من طرق العلم، وقيل عليه إنه ينافي قوله في سورة الملك إنه سمي علم الواقع منهم باختبارهم بلوى، وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر فإن قلت من أين تعلق قوله أيكم أحسن عملاً بفعل البلوى قلت من حيث إنه تضمن معنى العلم فكأنه قيل ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا فلت علمته أزيد أحسن عملا أم هو كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه كما تقول علمته هو أحسن عملا فإن قلت أتسمي هذا تعليقاً قلت لا إنما التعليق أن يوقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعاً كقولك علمت أيهما فعل كذا، وعلمت أزيد منطلق ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الاستفهام، وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك علمت أزيد منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً انتهى فقيل إنه مضطرب حيث جوزه هنا، ومنعه ثمة، وللشراح فيه كلام فمنهم من سلم، ومنهم من فرق بينهما فقيل إن التعليق لا يختص بالفعل القلبي بل يجري فيه، وفيما يلابسه ويقاربه بالفعل القلبي، وما جرى مجراه إمّا متعد إلى واحد أو اثنين فالأوّل يجوز تعليقه سواء تعدى بنفسه كعرف أو بحرف كتفكر لأنّ معموله لا يكون إلا مفرداً، وبالتعليق بطل عمله في المفرد الذي هو مقتضاه، وتعلق بالجملة ولا معنى للتعليق إلا إبطال العمل لفظا لا محلا وان تعذى لاثنين فإمّا أن يجوز وقوع الثاني جملة كباب علم أولاً فإن جاز علق عن المفعولين نحو علمت لزيد قائم لا عن الثاني لأنه يكون جملة بدون تعليق فلا وجه لعذه منه إذ لا فرق بين وجود أداة التعليق، وعدمها فالتعليق لا يبطل عمل الفعل أصلا كما في علمت زيداً أبوه قائم، وعلمت زيداً لأبوه قائم فإنّ عمله في محل الجملة لا فرق فيه بين وجود حرف التعليق، وعدمه وان لم
يجز وورد فيه كلمة تعليق كان منه نحو يسالونك ماذ! ينفقون فإن المسؤول عنه لا يكون إلا مفرداً وهنا احتمالان أن يكون فعل البلوى عاملاً في قوله أيكم أحسن عملا، وفعل البلوى كقتضي أن يكون مختبر ومختبر به، والمختبر به لا يكون إلا مفردا لأنه مفعول بواسطة الباء كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٥٥] والتعليق أبطل مقتضاه، وأن تضمن الفعل معنى العلم فيكون العلم عاملا فيه، وهو مفعوله الثاني، ولا يقع التعليق فيه
стр. 1537
فقد ظهر أن تعليق الفعل في الآية إنما هو على تقدير أعمال فعل البلوى، وعدم تعليقه على تقدير أعمال العلم فلا منافاة قطعا، وقيل التعليق هنا بمعنى تعليق فعل القلب على ما فيه استفهام، وهو بهذا المعنى خاص بفعل القلب من غير تخصيص بالسبعة المتعدية إلى مفعولين، وهو في الاستفهام خاصة دون ما فيه لام الابتداء ونحوها صرّح به ابن الحاجب فلا ينافي ما في سورة الملك من أنه ليس بتعليق لأنّ مفعوليه مذكوران فإنما نفى التعليق بالمعنى المشهور، وأمّا الحمل على الإضمار هنا، والتضمين ثمة للعلم، وأنه حمل في كل منهما على وجه للتفنن فلا وجه له بعد تصريح الزمخشري بأنه استعارة، وحاصله أنّ التعليق له معنيان مصطلح، ويعد! بعن، وهو المنفيّ ثمة ولغوقي، ويعدى بالباء، وعلى وتعليقه أن يرتبط به معنى واعرابا سواء كان لفظا أو محلا، وهو المثبت ورد حمل أحدهما على الإضمار، والآخر على التضمين لأنّ عبارته تأبا. وأت قوله تضمن معنى العلم فالمراد أنه يدل عليه فهو كأنه في ضمته بدليل أوّل كلامه فلا ينافيه كما توهم فقد علمت أنّ في التوفيق في الكلامين ثلاثة طرق لهم، ولكن الفضل للمتقدم.
(والتحقيق) عندي أنه هنا جعل قوله ليبلوكم أيكم أحسن عملاً بجملته استعارة تمثيلية فتكون مفرداته مستعملة في معناها الحقيقي معطاة ما تستحقه، وفعل البلوى يعلق عن المفعول الثاني لأنه لا يكون جملة إذ هو يتعدى له بالباء، وحرف الجرّ لا يدخل على الجمل وإنما جرى فيه التعليق لأنه مناسب لفعل القلوب معنى كما صرّج به ابن مالك في التسهيل، وغيره، وفي سورة الملك جعله مستعارا لمعنى العلم والفعل إذا تجوّز به عن معنى فعل آخر عمل عمله، وجرى عليه حكمه، وعلم لا يعلق عن المفعول الثاني فكذا ما هو بمعناه فسلك في كل من الموضعين مسلكا تفننا، وهو كثيراً ما يفعل ذلك في كتابه فإن قلت هل لاختياره أحد المسلكين هنا والآخر ثمة وجه أم هو اتفاقي قلت له وجه وهو أنه لما ذكر قبله خلق السماوات والأرض وما فيهما من النعم والمنافع ناسب أن يذكر بعده حال العباد في الشكر وعدمه بمقالة اختبارهم للعلم بذلك، ولما ذكر ثمة قبله خلق الموت والحياة ناسب أن يعقب بإظهار ما هم عليه وعاقبة أمرهم، وحسن الظت به يقتضي أنه قصده، وما قيل إنه في غاية السقوط لأنّ القول بتعليق فعل البلوى من غير اعتبار معنى العلم فيه مجرّد اصطلاح ومخالفة لقول المصنف ﵀ لما فيه من معنى العلم على أن صلوحه لأن يعمل في تلك الجملة مجرّدا عن معنى العلم ممنوع، ولو سلم فمضمونها ليس بمختبر به فكيف يكون معلقاً بهذا الاعتبار لأنّ المختبر به
خلق السماوات والأرض دونه كلام ناشىء من قلة التدبر والتتبع، وكيف يكون مجرّد اصطلاح وقد كال في التسهيل شارك أفعال القلوب ما وافقهن معنى أو قاربهن لا ما لم يقاربهن خلافاً ليونس، وأمّ قوله لما فيه من معنى العلم فالمراد أنه طريق للعلم كالنظر والسؤال كما صرّج به
لا أنه مستعمل في معناه، وأمّا منعه في التعليقات فغير مسموع، وأمّا أنه غير مختبر به فعلى طرف الثمام لأنهم اختبروا بما في السماوات والأرض من المنافع فظهر حسن العمل من غيره فما يترتب على المختبر به مختبر عنه، وجعله مختبرأ به باعتبار ترتبه عليه، ثم إن قال إن المفهوم من كلام الكشاف في سورة الملك اختصاص التعليق بأفعال القلوب المتعدية لاثنين، وقال فيما نقل عنه إنّ من شرط التعليق عند النحاة أن لا يذكر شيء من المفعولين كقولك علمت أيهم أخوك، وعلمت لزيد منطلق فلو قلت علمت القوم أيهم أفضل لا يكون تعليقاً، ولذا لم يكن ليبلوكم منه أيضاً فقد نصى على أنه يختص بالأفعال السبعة وبالمفعولين دون الثاني وحده فيشكل بأن الرضي صرّح بخلافه فيهما، ولذا قال في إيضاح المفصل أن تخصيصه بهذه الأفعال ظاهره غير مستقيم، وغاية ما يقال في توجيهه أن جواز تعليق المتعدي إلى واحد مختلف فيه، ومختاره المنع، وما يتعدى إلى اثنين بال! ضمين فيرجع إلى الأفعال السبعة، وأما التعليق عن المفعول الثاني فقد زيفه في الملك بما لا مزيد عليه، والحق حقيق بأن يتبع انتهى
(قلت) هذا كله ناشىء من قلة التتبع فإنه قال في شرح التسهيل زعم ابن عصفور أنه لا يعلق فعل غير علم وظن حتى يضمن معناهما ويعمل عملهما، واختلف في التعليق عن المفعول الثاني وحده فقال جماعة من المغاربة نعم
стр. 1538
يعلق عنه نحو علمت زيدا أبو من هو، وكلام التسهيل صبريح فيه وخالفهم جماعة من النحاة لما مرّ فإن قلت ما الراجح من هذين الرأيين قلت رأي من ذهب إلى أنه من باب التعليق بدليل قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ انتهى، وهذا ليس بشيء لأنّ ما ذكره لا يصلح أن يكون دليلا لأن سأل لا يعمل في الجمل فلا يقاس عليه ما نحن فيه فحينئذ لا مخالفة بين كلام الزمخشري، وكلام الرضي نعم ما ذكره الزمخشري لا محيد عنه لمن تدبر. قوله: (كالنظر والاستماع) قال اً بو حيان: لا أعلم أن أحداً ذكر أن استمع تعلق، وإنما ذكروا من غير أفعال القلوب سل وانظر، ورأى البصرية على اختلاف فيها (قلت) كلام التسهيل صريح في خلافه لأنه قال، ومثل ذلك ما وافقهن أو قاربهن يعني من كل ما هو طريق للعلم، وكذا قول الرضي وكذا جميع أفعال الحوأس، وكفى بالزمخشري سندا قوياً. قوله: (وإنما ذكر صيغة التفضيل) الدالة على الاختصاص بالمختبرين الأحسنين أعمالاً مع أنّ اختبار الأعمال شامل لقرق المكلفين وللقبيح، والحسن والأحسن كما عممه في قوله ليبلوكم أي أيها الناس فلا يخص المتقين ومآله إلى
سرالين تخصيص الابتلاء بالمؤمنين، وتخصيص الأحسن بالذكر فأجاب بأنه قصد بذلك الحث والتحريض على محاسن الأعمال لدلالته على أن الأصل المقصود بالاختبار ذلك الفريق ليجازيهم أكمل الجزاء فكأنه قيل المقصود أن يظهر فضيلتكم لا فضلكم فإنه مفروغ عنه، وليس يخصيص للخطاب كما توهم لأنّ إظهار حال غيرهم مقصود أيضا لكن لا بالذات، وأحاسن عمع أحسن، ومحاسن جمع حسن على خلاف القياس. قوله: (فإن المراد بالعمل ما يعم عمل! ب الخ) عمم العمل لما يشمل العلم والاعتقاد، واستدل عليه بالحديث الوارد في تفسير: " أحم احسن عملاَ بأحسن عقلاَ وأورع " (١) الخ. وهو حديث مسند لابن عمر ﵁ أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والحاكم بسنده لكنه قيل إنه واه لأن التقوى، وأحسنية العمل تدل على كمال العقل، وصحة العقيدة، وفي الكشف أنه ذكر الزمخشري أن المراد بالأحسن عمل المتقي، وما في الحديث تأييد له، ويحتمل أن يكون وجها ثالثاً ويجوز ان يكون أحسن دالاً على الزيادة المطلقة، وأن يكون من باب أفي الفريقين أحسن مقاما كما قيل. قوله: (أي ما البعث أو القول به الخ) إشارة إلى وجه مطابقة جوابهم لقول الرسول رسول الله ﷺ : " انحم مبعوثون بوجهين " أحدهما أنه إشارة إلى قول الرسول ﵊، وذكره البعث والتركيب من التشبيه البليغ أي ما قلته كالسحر في بطلانه، والثاني أنه إشارة إلى القرآنء " نه قال لو تلوت عليهم من القرآن ما فيه إثبات البعث لقالوا هذا المتلوّ سحر، والمراد إنكار البعث بطريق الكناية الإيمائية لأنّ إنكار البعث إنكار للقرآن، وقيل الأولى طرح الوجه الأوّل إذ لا لطف في تشبيهه بالسحر ولعله زاد قوله، والبطلان لذلك، وفيه أنه لا خصوصية له ترجحه من بين الأباطيل، وهو كلام ساقط لأنه أيّ خصوصية أقوى من وقوعه في جواب ذكر البعث لهم، وقد أوضح وجه الشبه بقوله في الحديقة حيث كان ذكره يمنع الناس عن لذة الدنيا الدنية، ويصرفهم إلى الانقياد، ودخولهم تحت الطاعة، وقوله على أن الإشارة إلى القائل هذا يناء على الظاهر، والا فقد جوّز على القراءة الأولى أن تكون الإشارة إليه أيضا بجعله نفس السحر مبالغة، وجوز في هذا كون الإشارة إلى القرآن، وجعله ساحراً مبالغة أيضآ كقولهم شعو شاعر. قوله: (على تضمين قلت معنى ذكرت الخ (أراد بالتضمين المصطلح أي ولئن قلت ذكرا أنكم مبعوثون فهو مفعول للذكر لا للقول، ولذا فتحت ولم يجعله بمعنى الذكر مجازا،
وان قيل إنه أظهر لأنّ الذكر والقول مترادفان فلا معنى للتجوز حينئذ، ولما كان معنى القول باقياً في التضمين جاء الخطاب على مقتضاه فما قيل إنه لا وجه له لا وجه له. قوله: (له أو أن تكون انّ بمعنى عل) على لغة في لعل بمعناها وذكرها لأنها أخف ولاً نه ورد استعمالهما في محل واحد إذ قالوا أئت السوق محلك أن تشتري لحماً وأنك تشتري لحماً كما في الكشاف فلا يقال الأولى أن يقول لعل مع أنه أمر سهل من أن يذكر. قوله: (بمعنى توقعوا بعثكم الخ الما كان النبي ﷺ قاطعاً بالبعث ورد أنه كيف يقول لعلكم
стр. 1539
مبعوثون، وأيضاً القراءة المشهورة صريحة في القطع والبت وهذه صريحة في خلافه فيتنافيان فأجابوا عنه بأنّ لعل هنا لتوفع المخاطب لا على سبيل الأخبار فإنهم لا يتوقعون البعث فليس الأمر كذلك بل على سبيل الأمر، ولذا قال بمعنى توقعوا بعثكم، وقد جوّزوا أن يكون هذا من الكلام المنصف، والاستدراح فربما يتنبهون إذا تفكروا ويقطعون بالبعث ومن العجب ما قيل على المصنف رحمه الله تعالى إن ظاهر عبارته أن عل اسم فعل كعليكم، وهو يحتاج إلى نقل فكأنه لم ينظر شيئا من شروح الكشاف، والسكوت في بعض الأماكن أبلغ من النطق. قوله: (وتبتوا) أي تقطعوا من البت، وقوله لعدوه تفسيراً لقوله تعالى ليقولن فلذا أدخل عليه اللام الواقعة في النظم في جواب القسم المقدر، وباء بانكاره صلة البت أي لا تقطعوا بسلبه وانتفائه، وقوله ما لا حقيقة له تفسير للسحر فإنهم أرادوا به الشعوذة، وما لا حقيقة له منه لا مطلق السحر فإن منه ما له حقيقة كما قدمناه، وبهذا يندفع ما يرد على تفسيره بمثله. قوله: (الموعود) في العذاب هنا قولان فقيل هو عذاب الآخر، وقيل عذاب الدنيا، وهو إمّا عذاب بدر أو قتل المستهزئين وهم خمسة نفر ماتوا قبل بدر قال جبريل ﵊: أمرت أن أكفئهم أي أقتلهم كما روي عن ابن عباس ﵄، وقول المصنف رحمه الله تعالى الموعود شامل لهذه الأقوال، وقوله جماعة من الأوقات فالأمّة بمعنى الطائفة مطلقا وان غلب في العقلاء، وقوله قليلة مأخوذ من قوله معدودة لأنّ الشيء القليل يسهل عده وسيأتي تحقيقه في سورة الكهف. قوله: (استهزاء) يعني أنّ قولهم ما يمنعه من الوقوع للاستعجال، وهو كناية عن الاستهزاء والتكذيب لأنهم لو صدقوا به لم يستعجلوه، وقوله كيوم بدر إشارة إلى ما مرّ. قوله: (ويوم منصوب بخبر ليس مقدّم عليه وهو دليل الخ) أي متعلق بمصروفاً واستدل به البصريون على جراز تقديم خبرها لأنّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم عامله بطريق الأولى، وإلا لزم مزية الفرع
على أصله، وقال الشاطبيئ رحمه الله تعالى في شرح الألفية: هذه القاعدة منازع فيها فإنها لا تطرد ألا ترى أنك تقول أما زبداً فاضرب وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [سورة الضحى، الآية: ٩] فقد تقدّم هنا معمول الفعل، والفعل لا يلي أما والحجازيون يقولون ما اليوم زيد ذاهبا، ولا يجوز تقديم خبرها بالاتفاق، والكوفيون أجازوا هذا طعامك رجل يأكل، وزيداً ضربني فأكرمت فقدموا معمولط يأكل، وهو نعت لرجل لا يتقدم على المنعوت ومعمول! رمت، وهو معطوف على ضربني، والمعطوف لا يتقدم على المعطوف عليه، ولا النعت ملى المنعوت، وفي الكشاف ما يخالفه في قوله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ انتهى. وقيل المعمول هنا ظرف يبنى الأمر فيه على التسامح فيه، مع أنه قيل إنه متعلق بفعل محذوف دل عليه ما بعده، وتقديره ألا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، وقيل تقديره يلازمهم! وم يأتيهم الخ. وقيل يوم مبتدأ لا متعلق بمصروفا، وبني على الفتح لاضافته للجملة، وفي نجاء الظرف إذا أضيف لجملة صدرها فعل مضارع معرب خلاف للنحاة سيأتي فهذا الجواب غير مسلم، وهذا الخلاف بينهم في تقديم الخبر على ليس لا على اسمها فإنه جائز بلا خلاف، والكلام فيه وفي أدلته مفصل في كتب النحو، وقوله وضع الماضي الخ لأنّ مقتضى الظاهر المناسب لما قبله ويحيق، وكان الظاهر أيضا أن يقال ما كانوا به يستعجلون لكنه وضع موضعه لما ذكر. قوله: (ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذتها (لما كاق الذوق اختبار طعم المطعوم ملائما كان أولاً وكانت الرحمة النعمة مطلقا مطعوما أو غيره كان الذوق عاما من هذا الوجه، ولما أريد ما يلائم، ويستلذ منه كان خاصا من وجه فلذا فسره ر! اذكر، وجعله مجازاً عنه، وفوله منا بيان لأنها بمحض الفضل، والأنعام لا الاستيجاب، وقوله منه إما بمعنى من أجل شؤمه فمن تعليلية أو صلة للنزع، وقوله لقلة صبره في الكشاف لعدم صبره لأنه لا يخلو من صبر ما أو المراد بالقلة العدم، وهو المناسب لما بعده، وقوله بعد عدم بالضم أي فقر. قوله: (وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى) المراد بالفعلين أذقنا ومسته أي لم يقل مسسناه بالإسناد إلى ضمير المتكلم كما في أذقنا للدلالة على أن مس الضر ليس مقصود بالذات إنما وقع بالعرض بخلاف إذاقة النعماء كما أشار إليه المصنف في غير هذا المحل، وعلى هذا ينبغي أن يفسر قوله، ثم نزعناها منه بمن أجل
стр. 1540
شؤمه، وسوء صنيعه وقبيح فعله ليكون قوله منا، ومنه مشيرا إلى هذا المعنى، ومنطبقا عليه كما قال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [سورة النساء، الآية: ٧٩] وقيل المراد بالفعلين تحوّل النعمة إلى
الشدة وعكسه لا الفعل الاصطلاحيّ يعني أنّ اختلافهما في التعبير حيث بدأ في الأوّل باعطاء النعمة، واذاقة الرحمة، ولم يبدأ في الثاني بإذاقة الضرّ على نمطه تنبيها على سبق رحمة الله على غضبه، وقيل المراد أذقنا ومست، واختلافهما تخصيص! الأوّل بالنعماء، والثاني بالضراء، والنكتة تغليب جانب الرحمة، ولا يخفى أنّ ذكره بعيداً يأباه. قوله: (أي العصائب التي ساءتني (المصائب جميع مصيبة، وكان القياس فيه مصاوب لكنهم شبهوا الأصلي بالزائد، وقول الخليل إنه الخطا الواضح مراده هذا لكنه تسمح في تعبيره، وقوله ساءتني يشير إلى أن السيئة هنا من المساءة ضدّ المسرّة لا بمعنى الخطيئة، ومعنى ساءتني فعلت بي ما أكره. قوله:) بطر بالنعمة مغترّ بها) فرح كحذر بمعنى فاعل حول للمبالغة والفرج أكثر ما يرد في القرآن للذم فإذا قصد المدح قيد كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٧٠ ا] . قوله: (تنبيه على أنّ ما يجده الإنسان في الدنيا الخ) وجه التنبيه ظاهر لأنّ المس أوّل الوصول، والذوق ما يخبر به الطعوم فمحن الدنيا لسرعة تقضيها للمؤمن كلا شيء ولغيره أنموذج لما بعده، ولذا قد يقصد بذلك المبالغة لاشعاره بأنه مقدمة لغيره، والتنبيه الأوّل محصله الإشارة إلى أنها أنموذج ما بعدها، وقوله وأنه يقع معطوف على أنّ ما يجده، وهذا تنبيه على عدم صبر الإنسان، وأنه يتحوّل بأدنى شيء من الخير والشر وليس ابتناء الثاني على أن المراد أدنى ما يطلق عليه اسم الذوق، والمس والأوّل على خلافه، وأنه محمول على أصل وضعه كما توهم. قو! ": (كالأنموفي) قيل عليه أنه قال في القاموس: النموذج بفتح النون معرب، والأنموذج لحن قلت هذا لم تعرّبه العرب قديما، وما ذكره في القاموس تبع فيه الصاغاني، وليس كما قال ففي المصباح المنير الأنموذج بضم الهمزة، والنموذج بفتح النون معرب، وأنكر الصاغاني أنموذج لأنّ المعرّب لا يزاد فيه انتهى، وما ذكره الصاغاني ليس بصحيح ألا تراهم قالوا في تعريب هليله اهليلج كما أوضحناه في شفاء الغليل نعم هو أفصح كما في شعر البحتري:
أو أبلق يلقي العيون إذ أبدا من كل شيء معجب بنموذج
قوله: " يماناً بالله تعالى واستسلاماً لقضائه الما تضمن اليأص عدم الصبر، والكفران عدم الشكر كان المستثنى من ذلك ضدّه ممن اتصف بالصبر والشكر فلما قيل إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات كان بمنزلة إلا الذين صبروا وشكروا، وذلك من صفات المؤمن فكنى بهما
عته فلذا فسره في الكشاف بقوله إلا الذين آمنوا فإنّ عادتهم أن نالتهم رحمة أن يشكروا وان زالت عنهم نعمة أن يصبروا فلهذا حسنت الكناية به عن الإيمان وأمّا دلالة صبروا على أنّ العمل الصالح شكر لأنه ورد في الأثر الإيمان نصفان نصف صبر، ونصف شكر، ودلالة عملوا الخ على أنّ الصبر إيمان لأنهما أخوان في الاستعمال فغير مطابق لما نحن فيه إلا أن يراد وجه آخر كأنه قيل إلا المؤمن الصالح الصابر الشاكر، وهو وجه لكن القول ما قالت حذام لأنّ الكناية تفيد ذلك مع ما فيها من الحسن، والمبالغة كذا أفاد. المدقق في شرحه، وكلام المصنف رحمه الله تعالى لا يخالفه فما قيل إنّ المسلم يثق بالله أن يعيد نعمه إن زالت، ولا يغتر بالنعم بل يشكر لعلمه أنها من فضله بخلاف الكافر، وهذا باعتبار الأغلب، وأنه من شأنهم فلا يضر تخلفه في بعض الأفراد كما توهم، ثم قال إنّ قوله إيماناً، وشكراً إشارة إلى أن تعبير جار الله له بالإيمان ليس كما ينبغي غير مسلم، ووصفه الأجر بالكبير لأنه مخلد مع ما معه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولذا قال أقله الجنة ورضوان من الله كبر، واختاره على عظيم لرعاية الفاصلة. قوله: (والاستثناء من الإنسان الخ) إشارة إلى أنّ اللام للجنس، والاستغراق من شعبه فيحمل عله حيث لا عهد ومن حمله على الكافر جعله للعهد لسبق ذكره فيكون الاستثناء منقطعا. قوله: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك الما كان الترجي يقتضي التوقع، وتوقع ترك التبلغ لما أمر بتبليغه أو التواني للتقية، ونحوها مما لا يليق بمقام النبوّة قيل في الجواب عنه لا نسلم أن لعل هنا للترجي بل هي للتبعيد فإنها تستعمل لذلك كما تقول العرب لعلك تفعل كذا لمن لا يقدر عليه فالمعنى لا تترك، وقيل إنها للاستفهام
стр. 1541
الانكاري كما في الحديث: " لعلنا أعجلناك) (١) وان سلم فهو لتوقع الكفار فإنه قد يكون لتوقع المتكلم، وهو الأصل لأنّ معاني الانشا آت قائمة به، وقد يكون لتوقع المخاطب أو غيره ممن له تعلق، وملابسة بمعناه كما هنا فالمعنى أنك بلغ بك الجهد في تبليغهم أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه، ولو سلم أن المتوقع منه هو النبيّ ﷺ فلا يلزم من توقع الشيء وقوعه، ولا ترجح وقوعه لوجود ما يمنع منه وعلى هذا اقتصر المصنف ﵀
تعالى، وتوقع ما لا يقع منه المقصود تحريضه على تركه، وتهييج داعيته كما أشار إليه في الكشاف وسيأتي جواب آخر عن هذا، وقوله تترك الخ إشارة إلى أنّ المراد باسم الفاعل المستقبل ولذلك عمل، وأنّ المراد ترك تبليغهم لا مطلق التبليغ، وما يخالف كالطعن في آلهتهم، والخيانة في الوحي كتمه والتقية الترك للخوف، والترك في بعض الأحيان لداع ليس بخيانة لأنه لا يوجب الفوت فيرتفع الوثوق به ويفوت مقصود البعثة، وقوله أن يكون ما يصرف الخ. كان تامّة وفي بعض النسخ أقوى فهي ناقصة. قوله تعالى: ( ﴿وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (قيل: هو معطوف على تارك سواء كان جملة أو مفردا ورد بأنّ هذا واقع لا متوقع قالوا وحالية، وفيه نظر لأنّ ضيق صدره من الموحى به أن حمل على ظاهره ليس بمتوقع أيضا وإنما يضيق صدره لما يعرض في تبليغه من الشدائد، وهذا بناء على ما فسروه فإن قلت إذا كان المعنى كأني بك ستترك بعض ما أوحي إليك وشق عليك أذني ووحيي أيضاً، وهو أن يرخص لك فيه كما أمر الواحد بمقاومة عشرة، ثم أمروا بمقاومة الواحد لاثنين، وغير ذلك من التخفيفات لم يكن فيه محذور أصلا قلت يأباه قوله أن يقولوا الخ نعم لو أريد ترك الجدال بالقرآن إلى الجلاد، والضرب والطعان لأنّ هذه السورة مكية نازلة قبل الأمر بالقتال صح فتأمّله، وعدل عن ضيق الصفة المشبهة إلى اسم الفاعل ليدلّ على أنه مما يعرضى له لأنّ الله تعالى شرح صدره، وكذا كل صفة مشبهة إذا قصد بها الحدوث تحوّل إلى فاعل فيقولون في سيد سائد وفي جواد جائد وفي سمين سامن قال:
بمنزلة أمّا اليتيم فسامن وأمّا كرام الناس باد شحومها
وظاهر كلام أبي حيان أنه مقيس وقيل إنه لمشابهة تارك ومنه يعلم أنّ المشاكلة قد تكون حقيقة وقول المصنف رحمه الله تعالى، وعارض! لك أحيانا إشارة إلى دلالته على الحدوث، ومنه تعلم أنّ المشاكلة غير مناسبة للمقام. قوله: (بأن تتلوه عليهم مخافة أن يقولوا الخ) بأن متعلق بعارض أي عارض بسبب تلاوته وهو تفسير لقوله به فالضمير للقرآن، وهو ما يوحى، وأن يقولوا في محل نصب أو جرّ على الخلاف في أن وأن وما معهما بعد حذف المضاف أو حرف الجز، وقيل تقديره لئلا يقولوا أو بأن يقولوا أو كراهة أن يقولوا وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: لأن يقولوا أي لأن قالوا فهو بمعنى الماضي قيل ولا حاجة إليه، وكيف يذعي ذلك، ومعه ما هو نص في الاستقبال يعني أن (قلت (بل إليه حاجة، وهو أنه روي في سبب النزول
أنهم قالوا اجعل لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون بنبوّتك إن كنت رسولاً، وروي أن كلا قالته طائفة، وقيل القائل ابن أمية، ولذا قيل إن تقدير كراهة أولى من تقدير مخافة لوقوع القول إلا أن يراد مخافة تكريره، وعلى الجمع يحتاج الإنزال إلى التأويل (قلت) الظاهر أنّ التقدير أن يقولوا مثل قولهم لولا الخ، وحينئذ لا يرد شيء، ولا تخرج أن المصدرية عن مقتضاها، وقوله وقيل الخ معطوف على ما قبله بحسب المعنى لأنه في قوّة أن يقول الضمير للقرآن يعني لما يوحى الدال عليه، وقوله ولا عليك أي لا بأس عليك، واسم لاسمع حذفه في مثله، وقوله يضيق به صدرك جمل حالية، وهي المستفهم عنها في الحقيقة وقوله فتوكل الخ تفريع عليه لأنه بمعنى قائم بكل أمر وحافظ له. قوله: (أم مئقطعة والهاء لما يوحى) ذكروا فيها وجهين أحدهما أنها منقطعة فتقدر ببل، والهمزة الإنكارية أي بل أيقولون وقيل إنها متصلة، والتقدير أيكتفون بما أوحينا إليك أم يقولون إنه ليس من عند الله، والأوّل أظهر، ولذا اقتصر عليه المصنف. قوله: (في البيان وحسن النظاً تحدّاهم أوّلاً الخ) دفع لسؤال، وهو أنه قد سبق التحدي بسور من مثله في البقرة، ويونس فما وجه التحدي بعد ذلك بعشر سور مطلقاً أو ما تقدم إلى هنا كما روي عن ابن عباس ﵄، وأن نوزع فيه بأن بعضها مدنيّ وهذه مكية، ولا معنى للتحدي بعشر لمن
стр. 1542
عجز عن التحذي بواحد بأنّ هذا التحدي وقع أوّلاً فلما عجزوا تحداهم بسورة مما مرّ وان كان سابقاً في التلاوة متأخر في النزول، واعترض بأنّ هذا يقتضي تقدم هذه السورة على سورة البقرة وبونس، وقد أنكره المبرّد، وقال الأمر بالعكس، ووجهه بأنّ ما وقع أولاً هو التحدي بسورة مثله في البلاغة والاشتمال على ما اشتمل عليه من الأخبار عن المغيبات والأحكام، وأخواتها فلما عجزوا عن ذلك أمرهم بأن يأتوا بعشر سور مثله في النظم، وان لم تشتمل على ما اشتمل عليه، وقيل عليه أنه لا يطرد في كل سورة من القرآن وأنّ تقدم السورة على السورة لا يقتضي تقدم جميع آياتها فيجوز تأخر تلك الآية عن هذه، وأمّا تكرّرها في البقرة ويونس فلا بأس فيه.
(قلت (أمّا قوله غير مطرد فلا وجه له لأن مراده اشتماله على شيء من الأنواع التسعة ولا
يخلو شيء من القرآن عنها، وأمّا اذعاء تأخر نزول تلك الآية فخلاف الظاهر، ومثله لا يقال بالرأي فالحق ما قاله المبرّد من أنه تحداهم أوّلاً بسورة مثله في البلاغة، والاشتمال على ما اشتمل عليه فلما عجزوا عن ذلك أمرهم بالإتيان بعشر سور مثله في النظم من غير حجر في المعنى، ويشهد له توصيفها بمفتريات وأمّا ما قيل إن التحدّي بسورة وقع بعد إقامة البرهان على التوحيد، وابطال الشرك فتعين أن يكون لإثبات النبوّة بإظهار معجزة، وهي السورة الفذة، ولذا قال المحققون القرآن هو الكلام المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه والتحدي بعشر وقع بعد تعنتهم، واستهزائهم، واقتراحهم آيات غير القرآن لزعمهم أنه مفتري فمقامه يناسبه التكثير
لأنه أمر مفتري عندهم فلا يعسر لإتيان بكثير مثله فمع قلة جدواه لا وجه لما أسسه عليه كما في الكشف. قوله: (وثوحيد المثل باعتبار كل واحد) أي كان الظاهر مطابقته لموصوفه في الجمعية لكنه أفرد بتاويله بكل واحد منها مثله إذ هو المقصود لا مماثلة المجموع، وقيل مثل، وان كان مفرداً يجوز فيه المطابقة، وعدمها لأنه يوصهف به الواحد، وغيزه نظراً إلى أنه مصدر في الأصل كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ وقد يطابق كقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٢٢] وقيل إنه هنا صفة لمفرد مقدر أي قدر عشر سور مثله، وقيل إنه وصف لمجموع العشر لأنها كلام، وشيء واحد، وأيضا عشر ليس بصيغة جمع فيعطي حكم المفرد كنخل منقعر. قوله: (مفتريات مختلقات الخ) قال الإمام استدل بهذه الاية على أن إعجاز القرآن بفصاحته لا باشتماله على المغيبات، وكثرة العلوم إذ لو كان كذلك لم يكن لقوله مفتريات معنى أمّا إذا كان بالفصاحة فالفصيح يكون صدقا وكذبا، وقيل عليه إنّ الملازمة ممنوعة لأن معنى قوله مفتريات من عند أنفسكم كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى لا كذباً وردّ بأن معنى الافتراء الكذب، والاختلاق اختراع الكذب لا مطلق الاختراع كما ظنه لكن ما ذكر. إنما يدل على صحة كون وجه الإعجاز ذلك، ولا يمنع احتمال كونه الأسلوب الغريب، وعدم اشتماله على التناقض، وقوله من عند أنفسكم قيده به لأنّ المعنى عليه إذ هم عرب عرباء فصحاء فالمطلوب الإتيان به من عندهم لا من عند غيرهم، وكذا ما بعده. قوله: (لتعلمكم القصص والأشعار الخ) ذكره توطئة لما بعده ولا منافاة فيه لما قبله كما توهم، والنظم عطف تفسيري للقريض إن لم يرد به ترتب المعاني الأول في النفس كما وقع في كلام عبد القاهر بهذا المعنى، وقوله فصحاء مثلي المثلية أمّا في عدم القدرة على طبقة الإعجاز أو تنزل منه ﷺ فلا يرد أنه أفصح العرب بالاتفاق كما قيل. قوله تعالى: ( ﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم﴾ ) قدم تفسيره باستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به، وقوله من دون الله متعلق بادعوا كما مرّ وفائدة ذكره الإشارة إلى أنه لا يقدر على مثله إلا الله، وقد مرّ تحقيقه. قوله: (وجمع الضمير الخ) يعني أن الأمر بقل للنبيّ ﷺ فمقتضاه أن يقال لك لكنه جمع للتعظيم بناء على أنّ ذلك لا يختص بضمير المتكلم كما قاله الرضي أو الضمير للنبيّ ﷺ ، والمؤمنين لأنهم كانوا يتحدّون أيضا، وأمر النبيّ ﷺ شامل لهم لأنهم مأمورون بما أمر به ما لم يعلم أنه من خصائصه، وفي هذه المسألة اختلاف عند الشافعية كما صرّح به في جمع الجوامع لكن الأصح عندهم إن أمره بشيء
لا يتناول أقته والمصنف رحمه الله تعالى ذهب هنا إلى القول المرجوح عندهم، ومحل الخلاف ما لم يكن المأمور به يقتضي المشاركة كالقتال فما قيل إنّ قوله وكان أمر الرسول ﷺ الخ تعليل لقوله:
стр. 1543
كانوا يتحدونهم، وهو مخالف لمذهبه غير وارد وهاهنا بحث، وهو أنه ذكر في الكشاف تأييداً لهذا الوجه قوله تعالى في موضع آخر فإن لم يستجيبوا لك فاعترض! عليه بعض علماء العصر بأنه لا يصلح لتأييده بل لتأييد كون المراد الرسول ﷺ وجمع للتعظيم، وأجاب بأنه تأييد له بالنسبة للوجه الثالث إذ محصله أنّ الضمير للمتحدّي لا للمشركين، ولا يخفى بعده، ولو قيل إنه تأييد له لأنه خوطب النبيّ ﷺ في محل آخر بالكاف، ولو كان الجمع للتعظيم جمع هناك أيضاً فتأثل. قوله: (وللتنبيه على أنّ التحدّي الخ (الظاهر أنه معطوف على قوله لتعظيم الرسول ﷺ والوجوه ثلاثة إمّا أن يكون ضمير الجمع للرسول ﷺ وحده جمع للتعظيم أو له وجمع مجازا أيضا تنزيلاً لفعله منزلة فعلهم جميعا لأنهم معه على حدّ بنو فلان قتلوا قتيلا، وجعل فعله كفعلهم إشارة لما ذكره، وعطفه باً لواو لاشتراكه مع الأوّل في أنه مجاز، وأنه يكون للنبيّ ﷺ وحده فيهما بخلاف الثاني فإنه للنبيّ ﷺ ، والمؤمنين فالجمع على حقيقته، وقيل إنه عطف على قوله لأن المؤمنين، والفرق بينهما أنّ مبني الأوّل على كونهم متحدين حقيقة معه ﷺ ، ومبني الثاني على كونهم حاضرين عند تحديه غير غافلين عنه فكأنهم متحدون أيضاً، وإنما عطف بالواو دون أو مع تباين مبناهما لاتحادهما في كون الخطاب للمؤمنين فهما مباينان للأوّل لكون الخطاب فيه للنبيّ ﷺ وحده، وقيل إنه معطوف على لهم، والمعنى لأنّ المؤمنين الخ يعني في الخطاب تنبيه لهم على أنّ التحدي يوجب ما ذكر فوجب أن لا يغفلوا عنه، ويشتغلوا به، وقيل إنه معطوف على قوله من حيث الخ يعني أمر قل يتناولهيم لدليلين أحدهما ما تقرّر أنه يجب اتباعه عليهم، والثاني أنّ في تناول هذا الأمر تنبيها على أن التحذي الخ فهذا دليل مخصوص يتناول هذا الأمر بخصوصه بخلاف الأوّل لعمومه في كل أمر سوى ما خصه الدليل، وقيل عليه أن التنبيه المذكور يصلح أن يكون باعثا لا يراد الخطاب في لكم جميعا بعدما أورد مفرداً، ولا يصلح أن يكون دليلا يثبت به تناول الأمر الوارد بلفظ المفرد كما ثبت بما قبله، وهذا مبنيّ على انّ المراد بالتحدي تحدي النبيّ ﷺ أو جنسه، وأنّ المراد بقوله فلا تغفلون عنه أنهم يفعلونه أو يراقبونه فعلى أن المراد الجنس وفعلهم له يكون مندرجا في العلية، ويصلح دليلاً، ولا ورود لاعتراضه ويظهر وجه عطفه بالواو أيضا فتدبر. قوله: (ولذلك رتب عليه قوله الخ) أي لكونه يزيدهم رسوخا في الإيمان بالله وكتبه، ورسله عليهم الصلاة والسلام رتب عليه ما يدلّ على ذلك. قوله: (إنما أنزل بعلم الله ملتبساً بما لا يعلمه الخ) جعل ما كافة، وفي أنزل ضمير ما أوحى، وبعلم الله حال أي ملتبسا بعلمه، وإنما هذه تفيد الحصر كالمكسورة على الصحيح فالمعنى ما أنزل إلا ملتبساً بعلمه لا يعلمه غيره، وهو
معنى قول المصنف ﵀ لأنه إذا التبس بعلمه لا يعلمه إلا هو، والمراد بما لا يعلمه غيره، ولا يقدر عليه سواه الكيفيات، والمزايا التي بها الإعجاز والتحدّي، ومن ضم إليه المغيبات لأنها لا يعلمها سواه فلبيان الواقع لا لأنّ به التحدي لكنه لا ينافيه، وضمّ المصنف ﵀ إليه قوله، ولا يقدر عليه سواه مع أنّ المذكور في النظم العلم دون القدرة قيل لأنّ نفي العلم بالشيء يستلزم نفي القدرة لأنه لا يقدر أحد على ما لا يعلم فتأمّل. قوله: (لا يعلمه إلا الله) قال صاحبنا الفاضل المحشي الذي يظهر من هذه العبارة أن يكون كلا جانبي الحصر بعد الباء فلا يكون محمولاً على استفادة الحصر من أنما المفتوحة كما ذكره العلامة في سورة الكهف بل هو مستفاد من الإضافة كما في قوله فلا يظهر على غيبه أحداً أي على غيبه المخصوص بعلمه كما أفصح عنه خاتمة المفسرين هنا اص. قوله: (لأنه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر الخ) دليل للحصر المفيد العلم لهم لأنه علم ما لا يعلمه غيره وقدر على ما لا يقدر عليه سواه فقوله بما لا يعلم ناظر إلى العلم، ولا يقدر إلى القادر وعطفه عليه على حد قولهم متقلداً سيفا، ورمحاً أي والقادر على ما لا يقدر الخ. فلا يرد أنّ قادراً لا يتعدى إلى قوله بما لم يعلم. قوله: (ولظهور عجز ا-لهتهم الخ) هذا مخصوص بالمشركين دون من آمن من أهل الكتاب فلهذا صرّح به، وإن دخل فيما قبله فلا يقال إنه لا حاجة لذكره فالمؤكد
стр. 1544
لإيمانهم قوله فاعلموا إنما أنزل بعلم الله، وقوله، ولتنصيص الخ عليه متعلق بتنصيص، والمراد بهذا الكلام القرآن لا فوله لا إله إلا الله حتى يقال إعجاز بعض آية لم يقل به أحد، وهذا دليل آخر على الوحدانية مركب من السمعيّ، والعقلي لكنه قيل عليه لا يتوجه به تفريعه على عدم الاستجابة، وهو المقصود فتأمّل، والتهديد وما بعده مبنيّ على تفسيره بما مز. قوله:) ثابتون على الإسلام الخ) هذا بناء على أنّ الخطاب للمسلمين، وقوله مطلقا بالنسبة إليهم، والى من دعوهم لمعاونتهم، والى غيرهم من المسلمين لأنهم وإن لم يباشروا المعارضة علم من عجز من هو في مرتبتهم أو عرفوه بما فهموه من أمارات إعجازه. قوله: (ويجورّ أن يكون الكل خطاباً) أي في لكم للمشركين، والضمير الغائب في يستجيبوا لمن دعوهم فيعود على من في من استطعتم، ويكون ذلك من مقوله داخلا في حيز قل، وعلى الأوّل هو من قول الله للحكم يعجزهم كقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤] وقوله، وقد عرفتم الخ جزم به، ولم يقل وعرفتم عطفا على لم يستجيبوا لدلالة استعانتهم المفروضة على ثبوت
عجزهم. قوله: (أنه نظم لا يعلمه إلا الله الخ) أي لا يحيط بما فيه من البطون والمزايا إلا هو، وما دعاهم إليه من التوحيد يعلم لثبوت نبوّته يك! يه! بالمعجزة، وقوله وفي مثل هذا الاستفهام أي إلاستفهام بهل فإنها لطلب التصديق، وترتبه بالفاء على ما قبله يقتضي وجوبه من غير مهلة بشهادة التعبير بمسلمون دون تسلمون، والتنبيه المذكور من الفاء في قوله فهل، وظاهر كلامه يثير إلى ترجيحه كما في الكشاف لأنّ الكلام بحسبه ملتثم موافق لما قبله لأن ضمير الجمع في الآية المتقدمة للكفار، والضمير في هذه الآية ضمير الجمع فليكن للكفار أيضاً ولأنّ الكفار أقرب المذكورين فرجوع الضمير إليهم أولى، ولأنّ الحمل على المؤمنين يحتاج إلى تأويل العلم، والإسلام بالدوام، والخلوص بخلافه على هذا، ويمكن جعله راجعاً إليهما بأن يكون المراد إبجاب الدوام، والخلوص، وزوال العذر عن تركه، وقوله بإحسانه الضمير راجع لمن أي من يريد بإحسانه الدنيا أو الرياء، ولم يخلصه لوجه الله، وإنما قدّر ذلك لاقتضاء السياق، ولأنه لو أريد ظاهره لم يكن بين الشرط، والجزاء ارتباط لأنه ليس كل من تلذذ بالدنيا كذلك. قوله: (نوصل إليهم جزاء أعمالهم) يعني أنّ في الكلام مضافا مقدّرا أو الأعمال عبارة عن الجزاء مجازا والأوّل أولى ووفى يتعدى بنفسه فتعديه بإلى إمّا لتضمنه معنى نوصل أو لكونه مجازاً عنه، والظاهر من كلامه الثاني لأنه لو أراد الأوّل قال نوصله إليهم، وافيا كما في الكشاف، وقوله من الصحة الخ إشارة إلى ما سيأتي من احتمال من للوجوه الآتية، وقوله والرياسة هو ناظر إلى كونه في المرائين كما فسره الزمخشريّ بقوله فعلت ليقال كذا وكذا، وقد قيل فليس مخالفاً له كما قيل، وقوله ونوفي بالتخفيف أي من باب الأفعال بإثبات الياء إتا على لغة من يجزم المنقوص بحذف الحركة المقدرة كما في قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
أو على ما سمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضيا من عدم جزم الجزاء إمّا لأنها لما
لم تعمل في الشرط القريب ضعفت عن العمل في الجزاء فتعمل في محله دون لفظه، ونقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه أصلاً لضعفها، والذي نقله المعرب أنّ للنحاة فيه مذهبين منهم من قال إنه في نية التقديم، ومنهم من قال إنه على تقدير الفاء، ويمكن أن يردّ ذلك إلى هذا، وليس مخصوصاً بما إذا كان الشرط كان على الصحيح وأمّا قراءة الجزم فظاهرة وما نقل عن الفرّاء من أنّ كان زائدة فيها كأنه أراد أنها غير لازمة في المعنى فقدر إقحامها ليكون الشرط
مضارعا في المعنى فيقتضي جواباً مجزوماً فلا يرد عليه أنه غير صحيح للزوم أن يقال يرد بالجزم وفي الأحكام أنّ هذه الآية تدلّ على أنّ ما سبيله أن لا يفعل الأعلى وجه القرية لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنّ الأجرة من حظوظ الدنيا فمتى أخذ عليه الأجرة خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب، والسنة. قوله: (كقوله:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لاغائب مالي ولا حرم)
هذا البيت- من كقصيدة لزهير بن أبي سلمى في مدح ممدوحه هرم بن سنان، وهي من القصائد المشهورة فلذا لم أورد منها شيئا لشهرتها، والخليل هنا من الخلة، وهي الفقر أي فقير، والمسغبة المجاعة، والمراد زمان الشدّة
стр. 1545
والقحط، وحرم بفتح الحاء، وكسر الراء من الحرمان بمعنى ممنوع أي لا يعتذر إليه بعذر كما لي غائب أو لا أعط بل يسارع إلى البذل لكرمه. قوله: (لا ينقصون شي! اً- مبن أجورهم) ينقصون مجهول، وشيئا تمييز وضمير فيها ظاهره أنه للدنيا لكن قيل الأظهر أن يكون للأعمال لئلا يكون تكراراً بلا فائدة ورذ بأنّ فيه فائدة لإفادته أنّ البخس ليس إلا في الدنيا فلو لم يذكر توهم أنه مطلق لأنّ المعنى هم غير مظلومين في إيفاء جزاء أعمالهم في الدنيا دون تأخيره إلى دار القرار، والمصنف رحمه الله تعالى لم يتعرّض فلا يرد عليه شيء كما قيل مع أنه يكون للتأكيد، ولا ضرر فيه. قوله: (والآية الخ) وإذا كانت في الكفرة وبرهم أي إحسانهم فهي على العموم لأنهم يعجل لهم ثواب أعمالهم في الدنيا على المشهور، وقيل إنه يخفف به عنهم عذاب الآخرة، ويشهد له قصة أبي طالب فلا وجه لما قيل إنّ الظاهر إنها في منكري البعث أو المرائين من مقريهم إذ لا يتمشى على القولين لكن حصرهم في الكينونة في النار يقتضي أنها في الكفار، ومنافقيهم لا في أهل الرياء إلا أن يقال المعنى ليس يحق لهم إلا النار، وجائز أن يعفى عما استحقوه، ويكون المراد من سوقها كذلك التغليظ في الوعيد، والحاصل أنه تعالى ذكر بطلان أعمال هؤلاء، والأعمال الباطلة إفا أعمال الكفار أو أعمال أهل الرياء إذ غيرهم لا يبطل عمله فلذا اختلف فيه المفسرون، ورجح العلامة الأوّل لأنّ السياق في الكفرة، ولأن قوله ليس لهم في الآخرة إلا لنار لا يليق على إطلاقه إلا بهم، وعلى تفسير. بأهل الرياء لا بد من تقييده فيقال ليس لهم في الآخرة بسبب أعمالهم الريائية إلا النار كما في شرح الكشاف، والأصل عدم التقييد، وهو معنى قول المصنف رحمه الله تعالى في مقابلة ما عملوا أو يؤوّل بما مرّ لكن لا حاجة إليه في كلام
المصنف رحمه الله تعالى إلا أن يقال إنه يؤول إليه فمراده بيانه تأمّل، وقوله الحسنة بالرفع صفة صور، وأوزار العزائم جمع عزيمة، وهي نيته بما فعل من الرياء، وغيره. قوله: (لأنه لم يبق لهم ثواب في الآخرة الم يقل لم يبق لهم ثواب في الآخرة على أنه تفسير لحبط العمل لأنه ليس معنى الحبط إذ معناه إبطالها بعد تحققها، وليس بمراد بل المراد أنهم لا يجازون في الآخرة إمّا لجزائهم عليها في الدنيا أو لأنها لا تستحق شيئاً من الجزاء، وهذا المعنى معنى مجازفي للحبط عليها فلا وجه لما قيل حق التعبير ترك التعليلى إلى التفسير، وقوله أو لم يكن الترديد مبنيّ على أنّ المرائين من المؤمنين لهم ثواب في الآخرة بأعمالهم إلا أنهم لما استوفوا ما يقتضيه صورها في الدنيا لم يبق لهم ثواب في الآخرة، ويجوز أن لا يعتبر في حق ثواب الآخرة لأن العمدة في اقتضائه الإخلاص فتأمّله. قوله: (ويجوز تعليق الظرف الخ) وإذا تعلق بحبط فالضمير للآخرة، وقوله في نفسه قيده به ليفيد ذكره بعد الحبط فالمراد بالبطلان الفساد لعدم شرط الصحبة، وإلا فإن أريد به عدم بقائه لعدم بقاء الأعراض فجميع الأعمال كذلك، وإن أريد عدم الانتفاع رجع إلى الحبط، وقوله لأنه لم يعمل على ما ينبغي فلذا كان في نفسه باطلا، وهو توطئة لما بعده. قوله: (وكأنّ كل واحدة من الجملتين علة لما قبلها) فيكون المعنى ليس لهم في الآخرة إلا النار لحبوط أعمالهم، وعدم ترتب الثواب عليها لبطلانها، وكونها ليس على ما ينبغي فإن قيل حبط ما صنعوا، وبطلان ما عملوا يقتضي أن لا ينتفعوا به لا أن يكون لهم النار فكيف تصح العلية قلنا إذا بطل عمل الجوارح لم يبق لهم إلا أوزار العزائم السيئة كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى فلهم النار في مقابلته فإذا عرفت بهذا وجه تعليل الحبوط لما قبله، وعلمت أنّ علة الحبوط لكونه لم يكن كما ينبغي، وهو معنى بطلانه كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى ندفع ما قيل إنه لقائل أن يقول ما قبلها مركب من أمرين ثبوت النار لهم ونفي الثواب عنهم، وحبوط ما عملوا ليس بعلة للأوّل لأنّ علته أوزار العزائم كما أشار إليه، ولا للثاني لأنّ الحبوط نفس نفي الثواب فلا يكون علة لنفسه. قوله: (وقرئ باطلأ على أنه الخ) وهذه القراءة شاذة ونسبت لعاصم، وقد خرّجت على ثلاثة أوجه الأوّل أن ما زائدة، وباطلاً منصوب بيعملون، وفيه تقديم معمول خبر كان، وفيه كتقديم الخبر خلاف، والأصح الجواز، والثاني، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله تعالى أنّ ما إبهامية، وباطلا منصوب بيعملون أيضاً، وما صفة للنكرة، والمعنى باطلا أقي باطل،
следующие страницы →