← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الانكاري كما في الحديث: " لعلنا أعجلناك) (١) وان سلم فهو لتوقع الكفار فإنه قد يكون لتوقع المتكلم، وهو الأصل لأنّ معاني الانشا آت قائمة به، وقد يكون لتوقع المخاطب أو غيره ممن له تعلق، وملابسة بمعناه كما هنا فالمعنى أنك بلغ بك الجهد في تبليغهم أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه، ولو سلم أن المتوقع منه هو النبيّ ﷺ فلا يلزم من توقع الشيء وقوعه، ولا ترجح وقوعه لوجود ما يمنع منه وعلى هذا اقتصر المصنف ﵀ تعالى، وتوقع ما لا يقع منه المقصود تحريضه على تركه، وتهييج داعيته كما أشار إليه في الكشاف وسيأتي جواب آخر عن هذا، وقوله تترك الخ إشارة إلى أنّ المراد باسم الفاعل المستقبل ولذلك عمل، وأنّ المراد ترك تبليغهم لا مطلق التبليغ، وما يخالف كالطعن في آلهتهم، والخيانة في الوحي كتمه والتقية الترك للخوف، والترك في بعض الأحيان لداع ليس بخيانة لأنه لا يوجب الفوت فيرتفع الوثوق به ويفوت مقصود البعثة، وقوله أن يكون ما يصرف الخ. كان تامّة وفي بعض النسخ أقوى فهي ناقصة. قوله تعالى: ( ﴿وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (قيل: هو معطوف على تارك سواء كان جملة أو مفردا ورد بأنّ هذا واقع لا متوقع قالوا وحالية، وفيه نظر لأنّ ضيق صدره من الموحى به أن حمل على ظاهره ليس بمتوقع أيضا وإنما يضيق صدره لما يعرض في تبليغه من الشدائد، وهذا بناء على ما فسروه فإن قلت إذا كان المعنى كأني بك ستترك بعض ما أوحي إليك وشق عليك أذني ووحيي أيضاً، وهو أن يرخص لك فيه كما أمر الواحد بمقاومة عشرة، ثم أمروا بمقاومة الواحد لاثنين، وغير ذلك من التخفيفات لم يكن فيه محذور أصلا قلت يأباه قوله أن يقولوا الخ نعم لو أريد ترك الجدال بالقرآن إلى الجلاد، والضرب والطعان لأنّ هذه السورة مكية نازلة قبل الأمر بالقتال صح فتأمّله، وعدل عن ضيق الصفة المشبهة إلى اسم الفاعل ليدلّ على أنه مما يعرضى له لأنّ الله تعالى شرح صدره، وكذا كل صفة مشبهة إذا قصد بها الحدوث تحوّل إلى فاعل فيقولون في سيد سائد وفي جواد جائد وفي سمين سامن قال: بمنزلة أمّا اليتيم فسامن وأمّا كرام الناس باد شحومها وظاهر كلام أبي حيان أنه مقيس وقيل إنه لمشابهة تارك ومنه يعلم أنّ المشاكلة قد تكون حقيقة وقول المصنف رحمه الله تعالى، وعارض! لك أحيانا إشارة إلى دلالته على الحدوث، ومنه تعلم أنّ المشاكلة غير مناسبة للمقام. قوله: (بأن تتلوه عليهم مخافة أن يقولوا الخ) بأن متعلق بعارض أي عارض بسبب تلاوته وهو تفسير لقوله به فالضمير للقرآن، وهو ما يوحى، وأن يقولوا في محل نصب أو جرّ على الخلاف في أن وأن وما معهما بعد حذف المضاف أو حرف الجز، وقيل تقديره لئلا يقولوا أو بأن يقولوا أو كراهة أن يقولوا وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: لأن يقولوا أي لأن قالوا فهو بمعنى الماضي قيل ولا حاجة إليه، وكيف يذعي ذلك، ومعه ما هو نص في الاستقبال يعني أن (قلت (بل إليه حاجة، وهو أنه روي في سبب النزول أنهم قالوا اجعل لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون بنبوّتك إن كنت رسولاً، وروي أن كلا قالته طائفة، وقيل القائل ابن أمية، ولذا قيل إن تقدير كراهة أولى من تقدير مخافة لوقوع القول إلا أن يراد مخافة تكريره، وعلى الجمع يحتاج الإنزال إلى التأويل (قلت) الظاهر أنّ التقدير أن يقولوا مثل قولهم لولا الخ، وحينئذ لا يرد شيء، ولا تخرج أن المصدرية عن مقتضاها، وقوله وقيل الخ معطوف على ما قبله بحسب المعنى لأنه في قوّة أن يقول الضمير للقرآن يعني لما يوحى الدال عليه، وقوله ولا عليك أي لا بأس عليك، واسم لاسمع حذفه في مثله، وقوله يضيق به صدرك جمل حالية، وهي المستفهم عنها في الحقيقة وقوله فتوكل الخ تفريع عليه لأنه بمعنى قائم بكل أمر وحافظ له. قوله: (أم مئقطعة والهاء لما يوحى) ذكروا فيها وجهين أحدهما أنها منقطعة فتقدر ببل، والهمزة الإنكارية أي بل أيقولون وقيل إنها متصلة، والتقدير أيكتفون بما أوحينا إليك أم يقولون إنه ليس من عند الله، والأوّل أظهر، ولذا اقتصر عليه المصنف. قوله: (في البيان وحسن النظاً تحدّاهم أوّلاً الخ) دفع لسؤال، وهو أنه قد سبق التحدي بسور من مثله في البقرة، ويونس فما وجه التحدي بعد ذلك بعشر سور مطلقاً أو ما تقدم إلى هنا كما روي عن ابن عباس ﵄، وأن نوزع فيه بأن بعضها مدنيّ وهذه مكية، ولا معنى للتحدي بعشر لمن

стр. 1542

عجز عن التحذي بواحد بأنّ هذا التحدي وقع أوّلاً فلما عجزوا تحداهم بسورة مما مرّ وان كان سابقاً في التلاوة متأخر في النزول، واعترض بأنّ هذا يقتضي تقدم هذه السورة على سورة البقرة وبونس، وقد أنكره المبرّد، وقال الأمر بالعكس، ووجهه بأنّ ما وقع أولاً هو التحدي بسورة مثله في البلاغة والاشتمال على ما اشتمل عليه من الأخبار عن المغيبات والأحكام، وأخواتها فلما عجزوا عن ذلك أمرهم بأن يأتوا بعشر سور مثله في النظم، وان لم تشتمل على ما اشتمل عليه، وقيل عليه أنه لا يطرد في كل سورة من القرآن وأنّ تقدم السورة على السورة لا يقتضي تقدم جميع آياتها فيجوز تأخر تلك الآية عن هذه، وأمّا تكرّرها في البقرة ويونس فلا بأس فيه. (قلت (أمّا قوله غير مطرد فلا وجه له لأن مراده اشتماله على شيء من الأنواع التسعة ولا يخلو شيء من القرآن عنها، وأمّا اذعاء تأخر نزول تلك الآية فخلاف الظاهر، ومثله لا يقال بالرأي فالحق ما قاله المبرّد من أنه تحداهم أوّلاً بسورة مثله في البلاغة، والاشتمال على ما اشتمل عليه فلما عجزوا عن ذلك أمرهم بالإتيان بعشر سور مثله في النظم من غير حجر في المعنى، ويشهد له توصيفها بمفتريات وأمّا ما قيل إن التحدّي بسورة وقع بعد إقامة البرهان على التوحيد، وابطال الشرك فتعين أن يكون لإثبات النبوّة بإظهار معجزة، وهي السورة الفذة، ولذا قال المحققون القرآن هو الكلام المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه والتحدي بعشر وقع بعد تعنتهم، واستهزائهم، واقتراحهم آيات غير القرآن لزعمهم أنه مفتري فمقامه يناسبه التكثير لأنه أمر مفتري عندهم فلا يعسر لإتيان بكثير مثله فمع قلة جدواه لا وجه لما أسسه عليه كما في الكشف. قوله: (وثوحيد المثل باعتبار كل واحد) أي كان الظاهر مطابقته لموصوفه في الجمعية لكنه أفرد بتاويله بكل واحد منها مثله إذ هو المقصود لا مماثلة المجموع، وقيل مثل، وان كان مفرداً يجوز فيه المطابقة، وعدمها لأنه يوصهف به الواحد، وغيزه نظراً إلى أنه مصدر في الأصل كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ وقد يطابق كقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٢٢] وقيل إنه هنا صفة لمفرد مقدر أي قدر عشر سور مثله، وقيل إنه وصف لمجموع العشر لأنها كلام، وشيء واحد، وأيضا عشر ليس بصيغة جمع فيعطي حكم المفرد كنخل منقعر. قوله: (مفتريات مختلقات الخ) قال الإمام استدل بهذه الاية على أن إعجاز القرآن بفصاحته لا باشتماله على المغيبات، وكثرة العلوم إذ لو كان كذلك لم يكن لقوله مفتريات معنى أمّا إذا كان بالفصاحة فالفصيح يكون صدقا وكذبا، وقيل عليه إنّ الملازمة ممنوعة لأن معنى قوله مفتريات من عند أنفسكم كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى لا كذباً وردّ بأن معنى الافتراء الكذب، والاختلاق اختراع الكذب لا مطلق الاختراع كما ظنه لكن ما ذكر. إنما يدل على صحة كون وجه الإعجاز ذلك، ولا يمنع احتمال كونه الأسلوب الغريب، وعدم اشتماله على التناقض، وقوله من عند أنفسكم قيده به لأنّ المعنى عليه إذ هم عرب عرباء فصحاء فالمطلوب الإتيان به من عندهم لا من عند غيرهم، وكذا ما بعده. قوله: (لتعلمكم القصص والأشعار الخ) ذكره توطئة لما بعده ولا منافاة فيه لما قبله كما توهم، والنظم عطف تفسيري للقريض إن لم يرد به ترتب المعاني الأول في النفس كما وقع في كلام عبد القاهر بهذا المعنى، وقوله فصحاء مثلي المثلية أمّا في عدم القدرة على طبقة الإعجاز أو تنزل منه ﷺ فلا يرد أنه أفصح العرب بالاتفاق كما قيل. قوله تعالى: ( ﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم﴾ ) قدم تفسيره باستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به، وقوله من دون الله متعلق بادعوا كما مرّ وفائدة ذكره الإشارة إلى أنه لا يقدر على مثله إلا الله، وقد مرّ تحقيقه. قوله: (وجمع الضمير الخ) يعني أن الأمر بقل للنبيّ ﷺ فمقتضاه أن يقال لك لكنه جمع للتعظيم بناء على أنّ ذلك لا يختص بضمير المتكلم كما قاله الرضي أو الضمير للنبيّ ﷺ ، والمؤمنين لأنهم كانوا يتحدّون أيضا، وأمر النبيّ ﷺ شامل لهم لأنهم مأمورون بما أمر به ما لم يعلم أنه من خصائصه، وفي هذه المسألة اختلاف عند الشافعية كما صرّح به في جمع الجوامع لكن الأصح عندهم إن أمره بشيء لا يتناول أقته والمصنف رحمه الله تعالى ذهب هنا إلى القول المرجوح عندهم، ومحل الخلاف ما لم يكن المأمور به يقتضي المشاركة كالقتال فما قيل إنّ قوله وكان أمر الرسول ﷺ الخ تعليل لقوله:

стр. 1543

كانوا يتحدونهم، وهو مخالف لمذهبه غير وارد وهاهنا بحث، وهو أنه ذكر في الكشاف تأييداً لهذا الوجه قوله تعالى في موضع آخر فإن لم يستجيبوا لك فاعترض! عليه بعض علماء العصر بأنه لا يصلح لتأييده بل لتأييد كون المراد الرسول ﷺ وجمع للتعظيم، وأجاب بأنه تأييد له بالنسبة للوجه الثالث إذ محصله أنّ الضمير للمتحدّي لا للمشركين، ولا يخفى بعده، ولو قيل إنه تأييد له لأنه خوطب النبيّ ﷺ في محل آخر بالكاف، ولو كان الجمع للتعظيم جمع هناك أيضاً فتأثل. قوله: (وللتنبيه على أنّ التحدّي الخ (الظاهر أنه معطوف على قوله لتعظيم الرسول ﷺ والوجوه ثلاثة إمّا أن يكون ضمير الجمع للرسول ﷺ وحده جمع للتعظيم أو له وجمع مجازا أيضا تنزيلاً لفعله منزلة فعلهم جميعا لأنهم معه على حدّ بنو فلان قتلوا قتيلا، وجعل فعله كفعلهم إشارة لما ذكره، وعطفه باً لواو لاشتراكه مع الأوّل في أنه مجاز، وأنه يكون للنبيّ ﷺ وحده فيهما بخلاف الثاني فإنه للنبيّ ﷺ ، والمؤمنين فالجمع على حقيقته، وقيل إنه عطف على قوله لأن المؤمنين، والفرق بينهما أنّ مبني الأوّل على كونهم متحدين حقيقة معه ﷺ ، ومبني الثاني على كونهم حاضرين عند تحديه غير غافلين عنه فكأنهم متحدون أيضاً، وإنما عطف بالواو دون أو مع تباين مبناهما لاتحادهما في كون الخطاب للمؤمنين فهما مباينان للأوّل لكون الخطاب فيه للنبيّ ﷺ وحده، وقيل إنه معطوف على لهم، والمعنى لأنّ المؤمنين الخ يعني في الخطاب تنبيه لهم على أنّ التحدي يوجب ما ذكر فوجب أن لا يغفلوا عنه، ويشتغلوا به، وقيل إنه معطوف على قوله من حيث الخ يعني أمر قل يتناولهيم لدليلين أحدهما ما تقرّر أنه يجب اتباعه عليهم، والثاني أنّ في تناول هذا الأمر تنبيها على أن التحذي الخ فهذا دليل مخصوص يتناول هذا الأمر بخصوصه بخلاف الأوّل لعمومه في كل أمر سوى ما خصه الدليل، وقيل عليه أن التنبيه المذكور يصلح أن يكون باعثا لا يراد الخطاب في لكم جميعا بعدما أورد مفرداً، ولا يصلح أن يكون دليلا يثبت به تناول الأمر الوارد بلفظ المفرد كما ثبت بما قبله، وهذا مبنيّ على انّ المراد بالتحدي تحدي النبيّ ﷺ أو جنسه، وأنّ المراد بقوله فلا تغفلون عنه أنهم يفعلونه أو يراقبونه فعلى أن المراد الجنس وفعلهم له يكون مندرجا في العلية، ويصلح دليلاً، ولا ورود لاعتراضه ويظهر وجه عطفه بالواو أيضا فتدبر. قوله: (ولذلك رتب عليه قوله الخ) أي لكونه يزيدهم رسوخا في الإيمان بالله وكتبه، ورسله عليهم الصلاة والسلام رتب عليه ما يدلّ على ذلك. قوله: (إنما أنزل بعلم الله ملتبساً بما لا يعلمه الخ) جعل ما كافة، وفي أنزل ضمير ما أوحى، وبعلم الله حال أي ملتبسا بعلمه، وإنما هذه تفيد الحصر كالمكسورة على الصحيح فالمعنى ما أنزل إلا ملتبساً بعلمه لا يعلمه غيره، وهو معنى قول المصنف ﵀ لأنه إذا التبس بعلمه لا يعلمه إلا هو، والمراد بما لا يعلمه غيره، ولا يقدر عليه سواه الكيفيات، والمزايا التي بها الإعجاز والتحدّي، ومن ضم إليه المغيبات لأنها لا يعلمها سواه فلبيان الواقع لا لأنّ به التحدي لكنه لا ينافيه، وضمّ المصنف ﵀ إليه قوله، ولا يقدر عليه سواه مع أنّ المذكور في النظم العلم دون القدرة قيل لأنّ نفي العلم بالشيء يستلزم نفي القدرة لأنه لا يقدر أحد على ما لا يعلم فتأمّل. قوله: (لا يعلمه إلا الله) قال صاحبنا الفاضل المحشي الذي يظهر من هذه العبارة أن يكون كلا جانبي الحصر بعد الباء فلا يكون محمولاً على استفادة الحصر من أنما المفتوحة كما ذكره العلامة في سورة الكهف بل هو مستفاد من الإضافة كما في قوله فلا يظهر على غيبه أحداً أي على غيبه المخصوص بعلمه كما أفصح عنه خاتمة المفسرين هنا اص. قوله: (لأنه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر الخ) دليل للحصر المفيد العلم لهم لأنه علم ما لا يعلمه غيره وقدر على ما لا يقدر عليه سواه فقوله بما لا يعلم ناظر إلى العلم، ولا يقدر إلى القادر وعطفه عليه على حد قولهم متقلداً سيفا، ورمحاً أي والقادر على ما لا يقدر الخ. فلا يرد أنّ قادراً لا يتعدى إلى قوله بما لم يعلم. قوله: (ولظهور عجز ا-لهتهم الخ) هذا مخصوص بالمشركين دون من آمن من أهل الكتاب فلهذا صرّح به، وإن دخل فيما قبله فلا يقال إنه لا حاجة لذكره فالمؤكد

стр. 1544

لإيمانهم قوله فاعلموا إنما أنزل بعلم الله، وقوله، ولتنصيص الخ عليه متعلق بتنصيص، والمراد بهذا الكلام القرآن لا فوله لا إله إلا الله حتى يقال إعجاز بعض آية لم يقل به أحد، وهذا دليل آخر على الوحدانية مركب من السمعيّ، والعقلي لكنه قيل عليه لا يتوجه به تفريعه على عدم الاستجابة، وهو المقصود فتأمّل، والتهديد وما بعده مبنيّ على تفسيره بما مز. قوله:) ثابتون على الإسلام الخ) هذا بناء على أنّ الخطاب للمسلمين، وقوله مطلقا بالنسبة إليهم، والى من دعوهم لمعاونتهم، والى غيرهم من المسلمين لأنهم وإن لم يباشروا المعارضة علم من عجز من هو في مرتبتهم أو عرفوه بما فهموه من أمارات إعجازه. قوله: (ويجورّ أن يكون الكل خطاباً) أي في لكم للمشركين، والضمير الغائب في يستجيبوا لمن دعوهم فيعود على من في من استطعتم، ويكون ذلك من مقوله داخلا في حيز قل، وعلى الأوّل هو من قول الله للحكم يعجزهم كقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤] وقوله، وقد عرفتم الخ جزم به، ولم يقل وعرفتم عطفا على لم يستجيبوا لدلالة استعانتهم المفروضة على ثبوت عجزهم. قوله: (أنه نظم لا يعلمه إلا الله الخ) أي لا يحيط بما فيه من البطون والمزايا إلا هو، وما دعاهم إليه من التوحيد يعلم لثبوت نبوّته يك! يه! بالمعجزة، وقوله وفي مثل هذا الاستفهام أي إلاستفهام بهل فإنها لطلب التصديق، وترتبه بالفاء على ما قبله يقتضي وجوبه من غير مهلة بشهادة التعبير بمسلمون دون تسلمون، والتنبيه المذكور من الفاء في قوله فهل، وظاهر كلامه يثير إلى ترجيحه كما في الكشاف لأنّ الكلام بحسبه ملتثم موافق لما قبله لأن ضمير الجمع في الآية المتقدمة للكفار، والضمير في هذه الآية ضمير الجمع فليكن للكفار أيضاً ولأنّ الكفار أقرب المذكورين فرجوع الضمير إليهم أولى، ولأنّ الحمل على المؤمنين يحتاج إلى تأويل العلم، والإسلام بالدوام، والخلوص بخلافه على هذا، ويمكن جعله راجعاً إليهما بأن يكون المراد إبجاب الدوام، والخلوص، وزوال العذر عن تركه، وقوله بإحسانه الضمير راجع لمن أي من يريد بإحسانه الدنيا أو الرياء، ولم يخلصه لوجه الله، وإنما قدّر ذلك لاقتضاء السياق، ولأنه لو أريد ظاهره لم يكن بين الشرط، والجزاء ارتباط لأنه ليس كل من تلذذ بالدنيا كذلك. قوله: (نوصل إليهم جزاء أعمالهم) يعني أنّ في الكلام مضافا مقدّرا أو الأعمال عبارة عن الجزاء مجازا والأوّل أولى ووفى يتعدى بنفسه فتعديه بإلى إمّا لتضمنه معنى نوصل أو لكونه مجازاً عنه، والظاهر من كلامه الثاني لأنه لو أراد الأوّل قال نوصله إليهم، وافيا كما في الكشاف، وقوله من الصحة الخ إشارة إلى ما سيأتي من احتمال من للوجوه الآتية، وقوله والرياسة هو ناظر إلى كونه في المرائين كما فسره الزمخشريّ بقوله فعلت ليقال كذا وكذا، وقد قيل فليس مخالفاً له كما قيل، وقوله ونوفي بالتخفيف أي من باب الأفعال بإثبات الياء إتا على لغة من يجزم المنقوص بحذف الحركة المقدرة كما في قوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي أو على ما سمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضيا من عدم جزم الجزاء إمّا لأنها لما لم تعمل في الشرط القريب ضعفت عن العمل في الجزاء فتعمل في محله دون لفظه، ونقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه أصلاً لضعفها، والذي نقله المعرب أنّ للنحاة فيه مذهبين منهم من قال إنه في نية التقديم، ومنهم من قال إنه على تقدير الفاء، ويمكن أن يردّ ذلك إلى هذا، وليس مخصوصاً بما إذا كان الشرط كان على الصحيح وأمّا قراءة الجزم فظاهرة وما نقل عن الفرّاء من أنّ كان زائدة فيها كأنه أراد أنها غير لازمة في المعنى فقدر إقحامها ليكون الشرط مضارعا في المعنى فيقتضي جواباً مجزوماً فلا يرد عليه أنه غير صحيح للزوم أن يقال يرد بالجزم وفي الأحكام أنّ هذه الآية تدلّ على أنّ ما سبيله أن لا يفعل الأعلى وجه القرية لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنّ الأجرة من حظوظ الدنيا فمتى أخذ عليه الأجرة خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب، والسنة. قوله: (كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لاغائب مالي ولا حرم) هذا البيت- من كقصيدة لزهير بن أبي سلمى في مدح ممدوحه هرم بن سنان، وهي من القصائد المشهورة فلذا لم أورد منها شيئا لشهرتها، والخليل هنا من الخلة، وهي الفقر أي فقير، والمسغبة المجاعة، والمراد زمان الشدّة

стр. 1545

والقحط، وحرم بفتح الحاء، وكسر الراء من الحرمان بمعنى ممنوع أي لا يعتذر إليه بعذر كما لي غائب أو لا أعط بل يسارع إلى البذل لكرمه. قوله: (لا ينقصون شي! اً- مبن أجورهم) ينقصون مجهول، وشيئا تمييز وضمير فيها ظاهره أنه للدنيا لكن قيل الأظهر أن يكون للأعمال لئلا يكون تكراراً بلا فائدة ورذ بأنّ فيه فائدة لإفادته أنّ البخس ليس إلا في الدنيا فلو لم يذكر توهم أنه مطلق لأنّ المعنى هم غير مظلومين في إيفاء جزاء أعمالهم في الدنيا دون تأخيره إلى دار القرار، والمصنف رحمه الله تعالى لم يتعرّض فلا يرد عليه شيء كما قيل مع أنه يكون للتأكيد، ولا ضرر فيه. قوله: (والآية الخ) وإذا كانت في الكفرة وبرهم أي إحسانهم فهي على العموم لأنهم يعجل لهم ثواب أعمالهم في الدنيا على المشهور، وقيل إنه يخفف به عنهم عذاب الآخرة، ويشهد له قصة أبي طالب فلا وجه لما قيل إنّ الظاهر إنها في منكري البعث أو المرائين من مقريهم إذ لا يتمشى على القولين لكن حصرهم في الكينونة في النار يقتضي أنها في الكفار، ومنافقيهم لا في أهل الرياء إلا أن يقال المعنى ليس يحق لهم إلا النار، وجائز أن يعفى عما استحقوه، ويكون المراد من سوقها كذلك التغليظ في الوعيد، والحاصل أنه تعالى ذكر بطلان أعمال هؤلاء، والأعمال الباطلة إفا أعمال الكفار أو أعمال أهل الرياء إذ غيرهم لا يبطل عمله فلذا اختلف فيه المفسرون، ورجح العلامة الأوّل لأنّ السياق في الكفرة، ولأن قوله ليس لهم في الآخرة إلا لنار لا يليق على إطلاقه إلا بهم، وعلى تفسير. بأهل الرياء لا بد من تقييده فيقال ليس لهم في الآخرة بسبب أعمالهم الريائية إلا النار كما في شرح الكشاف، والأصل عدم التقييد، وهو معنى قول المصنف رحمه الله تعالى في مقابلة ما عملوا أو يؤوّل بما مرّ لكن لا حاجة إليه في كلام المصنف رحمه الله تعالى إلا أن يقال إنه يؤول إليه فمراده بيانه تأمّل، وقوله الحسنة بالرفع صفة صور، وأوزار العزائم جمع عزيمة، وهي نيته بما فعل من الرياء، وغيره. قوله: (لأنه لم يبق لهم ثواب في الآخرة الم يقل لم يبق لهم ثواب في الآخرة على أنه تفسير لحبط العمل لأنه ليس معنى الحبط إذ معناه إبطالها بعد تحققها، وليس بمراد بل المراد أنهم لا يجازون في الآخرة إمّا لجزائهم عليها في الدنيا أو لأنها لا تستحق شيئاً من الجزاء، وهذا المعنى معنى مجازفي للحبط عليها فلا وجه لما قيل حق التعبير ترك التعليلى إلى التفسير، وقوله أو لم يكن الترديد مبنيّ على أنّ المرائين من المؤمنين لهم ثواب في الآخرة بأعمالهم إلا أنهم لما استوفوا ما يقتضيه صورها في الدنيا لم يبق لهم ثواب في الآخرة، ويجوز أن لا يعتبر في حق ثواب الآخرة لأن العمدة في اقتضائه الإخلاص فتأمّله. قوله: (ويجوز تعليق الظرف الخ) وإذا تعلق بحبط فالضمير للآخرة، وقوله في نفسه قيده به ليفيد ذكره بعد الحبط فالمراد بالبطلان الفساد لعدم شرط الصحبة، وإلا فإن أريد به عدم بقائه لعدم بقاء الأعراض فجميع الأعمال كذلك، وإن أريد عدم الانتفاع رجع إلى الحبط، وقوله لأنه لم يعمل على ما ينبغي فلذا كان في نفسه باطلا، وهو توطئة لما بعده. قوله: (وكأنّ كل واحدة من الجملتين علة لما قبلها) فيكون المعنى ليس لهم في الآخرة إلا النار لحبوط أعمالهم، وعدم ترتب الثواب عليها لبطلانها، وكونها ليس على ما ينبغي فإن قيل حبط ما صنعوا، وبطلان ما عملوا يقتضي أن لا ينتفعوا به لا أن يكون لهم النار فكيف تصح العلية قلنا إذا بطل عمل الجوارح لم يبق لهم إلا أوزار العزائم السيئة كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى فلهم النار في مقابلته فإذا عرفت بهذا وجه تعليل الحبوط لما قبله، وعلمت أنّ علة الحبوط لكونه لم يكن كما ينبغي، وهو معنى بطلانه كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى ندفع ما قيل إنه لقائل أن يقول ما قبلها مركب من أمرين ثبوت النار لهم ونفي الثواب عنهم، وحبوط ما عملوا ليس بعلة للأوّل لأنّ علته أوزار العزائم كما أشار إليه، ولا للثاني لأنّ الحبوط نفس نفي الثواب فلا يكون علة لنفسه. قوله: (وقرئ باطلأ على أنه الخ) وهذه القراءة شاذة ونسبت لعاصم، وقد خرّجت على ثلاثة أوجه الأوّل أن ما زائدة، وباطلاً منصوب بيعملون، وفيه تقديم معمول خبر كان، وفيه كتقديم الخبر خلاف، والأصح الجواز، والثاني، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله تعالى أنّ ما إبهامية، وباطلا منصوب بيعملون أيضاً، وما صفة للنكرة، والمعنى باطلا أقي باطل،

стр. 1546

وهي كما في قوله: وحديث ما على قصره ولامرماجدع قصيرأنفه وقيل إنها زائدة للتوكيد وقد تقدم تفصيله في قوله تعالى: ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦] والثالث أن يكون باطلا مصدراً بوزن فاعل كما في البيت المذكور، وهو منصوب بفعل مقدر، وما اسم موصول فاعله، واليه أشار بقوله أو في معنى المصدر الخ. قوله: (ولا خارجاً الخ) وهذا من شعر للفرزدق، وقد حلف أن لا يقول الشعر، ولا يذمّ أحداً وتزهد وأقبل على قراءة القرآن، وقال: ألم ترني عاهدت ربي وأنني لبين رتاج قائما ومقام على حلفة لا أشتم الدهرمسلما ولا خارجاً من فيّ زوركلام أضمر الفعل كأنه قال، ولا يخرج خارجا، وجعل خارجاً موضع خروجاً، وعطف الفعل المضمر، وهو ولا يخرج على لا أشتم، ولا أشتم جواب للقسم أي حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج من فيّ زور كلام خروجا، والرتاج باب الكعبة، وكان حلف عنده. قوله: (وبطل على الفعل (أي، وقرئ بطل على صيغة الفعل الماضي المعطوف على حبط، وهي من الشواذ. قوله تعالى: ( ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (فيه وجهان أحدهما أنه مبتدأ، والخبر محذوف تقديره أفمق كان على هذه الأشياء كغيره كذا قرّره أبو البقاء، وأحسن منه أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا، وزينتها، وحذف معادل الهمزة، ومثله كثير والهمزة للتقرير، والثاني وهو الذي نحاه الزمخشري أنه معطوف على مقدّر تقديره أمن كان يريد الحياة الدنيا فمن كان على بينة سواء أو يعقبونهم في المنزلة، ويقاربونهم لما بينهما من التفاوت البعيد، وهو أحد المذهبين في مثله والاستفهام على هذا إنكاريّ، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله تعالى كما ستراه، وهو مبتدأ محذوف الخبر على كلا الوجهين، وليس خبراً عن مبتدأ محذوف كما توهم، وعلى ما في الكشاف قيل لا بد من تقدير فعل ليستقيم المعنى أي أتذكر أولئك فتذكر أو يقال فيقال، والهمزة لإنكار هذا التعقيب، واليه أشار بقوله أن يعقب ويقارب، وليس بشيء، والتحقيق قول الشارح المدقق إن التقدير أمن كان يريد الحياة الدنيا على أنها موصولة فمن كان على بينة من ربه، والخبر محذوف لدلالة الفاء أي يعقبونهم أو يقربونهم، والاستفهام للإنكار فيفيد أنه لا تقارب بينهم فضلا عن التماثل فلذلك صار أبلغ من نحو قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة، الآية: ٨ ا] وأمّا كونها عطفاً على قوله من كان يريد الحياة الدنيا فلا وجه له لأنه يصير من عطف الجملة، ولا يدل على إنكار التماثل، ولا معنى لتقدير الاستفهام في الأوّل فإن الشرط، والجزاء لا إنكار عليه، ومن لم يقف على ما أرادوه قال على قول المصنف رحمه الله تعالى، والهمزة لإنكار أن يعقب الخ اعتبار كونهم عقيب المذكورين سابقا حتى يتوجه الإنكار إليه ليس له كبير حسن عند من له ذوق صحيح فتدبر. قوله:) برهان من الله يدله على الحق والصواب) يعني المراد بالبينة الدليل الشامل للعقليّ، والنقليّ، والهاء للمبالغة أو النقل، وهي، وإن قيل إنها من بان بمعنى تبين، واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير، والبيان له، وأخذه بغضهم من صيغة المبالغة كما قيل في ظهرانة بمعنى المظهر، وقوله فيما يأتيه، ويذره هذا أحسن من تخصيصه بالإسلام كما في الكشاف لكنه هو المناسب لما بعده. قوله: (والهمزة لإنكار أن يعقب من هذا شأنه الخ) يعني أن يكون هؤلاء في مرتبة بعد مرتبتهم فكيف يماثلونهم كما عرفت، ومن فاعل يعقب وهؤلاء مفعوله، وقوله المقصرين هممهم، وأفكارهم على الدنيا قيل في هذه العبارة تقصير لأنّ قصر لا يتعدى بعلى، واعتذر بأنه ضمن معنى القاصرين أو برفع هممهم على الابتداء وجعل على الدنيا خبره أي قاصرة عليها، وأن يقارب معطوف على أن يعقب، وهو مبنيّ للمجهول، وبينهم قائم مقام فاعله يشير إلى تفسير المنكر بالمقاربة لتقاربهما. قوله: (وهو الذي أغنى عن ذكر الخبر) الضمير لإنكار التعقيب، والمقاربة لأنه بمعنى المداناة في المماثلة فيدل على الخبر المحذوف، وقوله وتقديره بالرفع على الابتداء، وخبره أفمن الخ، وهذا التقدير لازم لأنّ المبتدأ لا بد له من الخبر إلا في مواضع ذكرها النحاة

стр. 1547

ليس هذا منها، ويكفي لما ذكره من الإغناء كونه غير مذكور فلا يرد أنه إذا أغنى عنه فلا حاجة إليه لا لفظاً ولا معنى حتى يجاب بأنه مجرور معطوف على قوله ذكر فيكون مستغنى عنه أيضا، وأنه بيان لمحصل المعنى ولا اختلال في عبارته كما توهم، وهو في غاية الظهور. قوله: (وهو (أي كونه على بينة حكم يعمّ كل مؤمن مخلص هذا بناء على الوجوه السابقة، ولا يختص بكونه للمرائين أو المنافقين، وقوله وقيل المراد به أي بمن كان على بينة، وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى، ومرضه لأنّ قوله أولئك لا يلائمه إلا أن يحمل على التعظيم ولأنّ السياق للفرق بين الفريقين لا بينهم، وبين النبيّ رسول الله ﷺ وقوله، وقيل الخ قيل إنه بناء على الوجه الثالث فيما تقدم، وقوله الذي هو دليل العقل خصه به لاقتضاء تفسير الشاهد بدليل السمع. قوله: (شاهد من الله) إشارة إلى أنّ الضمير السابق المجرور، وهذا لله لا للقرآن كما في الكشاف لأنه خلاف الظاهر، وقوله ومن قيل القرآن إشارة إلى أنّ الضمير عائد على الشاهد بمعنى القرآن لقربه، وقوله فإنها أيضا تتلوه في التصديق فلا ينافي تقدم نزولها زمانا فتأقل. قوله: (أو البينة هو القرآن) وفي نسخة وقيل البينة هو القرآن فيكون المراد بها البرهان السمعي، وهو معطوف على قوله الذي هو دليل العقل بحسب المعنى، وهذا لم يذكره الزمخشري، والتقدير البينة برهان عقلي من الله أو القرآن، وقوله ويتلوه من التلاوة أي على هذا الوجه، وعلى ما قبله بمعنى يتبع كما مرّ والشاهد على هذا إفا جبريل ﵊ أو لسان النبيّ رسول الله ﷺ لأنّ أهل اللغة ذكروا من معاني الشاهد الملك واللسان، وقوله على أنّ الضمير له أي ضحمير منه للرسول ﷺ على الوجه الأخير ومن للتبعيض، وعلى الأوّل الله، ومن ابتدائية، وقوله أو من التلوّ بضم التاء واللام، وتشديد الواو أو بفتح فسكون، ثم واو مخففة مصدر تلاه يتلوه بمعنى تبعه أي يتبع من كان على بينة أو البينة نفسها، وذكرت لأنّ تأنيثها غير حقيقيّ أو لكونها بمعنى البرهان، وضمير منه دلّه ومن ابتدائية، وقوله ملك يحفظه أي يصون صحفه لا أن حفظه بالتلاوة لأنّ ابن حجر قال لم يتل القرآن أحد من الملائكة غير جبريل ﵇. قوله:) وقرئ كتاب بالنصب الأنه معطوف على مفعول يتلوه، وقيل إنه منصوب بفعل مقدر أي يتلو كتاب موسى جمي! ولم يذكره لأن الأصل عدم التقدير، واماماً ورحمة حالان من كتاب موسى، وقوله أي يتلو الخ تفسير له على قراءة النصب وضمير منه لمن ومن تبعيضية، ومن كان على بينة من آمن بمحمد ﷺ ، من أهل الكتاب، والشاهد علماؤهم، وقوله ويقرأ بيان لمعنى يتلو على هذا، وأنه من التلاوة، وشهادتهم على أنه حق لا مفتري، وفي الكشف والمراد به أهل الكتاب ممن كان يعلم أن نبينا رسول الله ﷺ على الحق وأن كتابه هو الحق لما كانوا يجدونه في التوراة أي، ويتلو القرآن شاهد من هؤلاء، وهو عبد الفه بن سلام ﵁ ولهذا جعله نظير قوله، وشهد شاهد الآية لأنه فسره به أيضاً، وهو يتلو من قبل القرآن كتاب موسىءسب! ، والحاصل أن من كان على بينة مؤمنو أهل الكتاب بدليل نفي المقاربة بينهم، وبين من تبعهم، وخص من بينهم تالي الكتابين، وشاهدهم بالذكر فمن تبعيضية لا تجريدية كما توهم دلالة على فضله وتنبيهاً على أنهم تابعوه في الحق، وأيد ذلك باعترافهم فبلغوا رتبة الشاهد وفي قوله يتلوه استحضار للحال ودلالة على استمرار التلاوة وهو في غاية المطابقة للمقام فتأقله وقوله كتابا مؤتما به في الدين أي مقتدي لأن الإمام يطلق على الكتاب، ولذا يسمى المصحف العثماني بالإمام، وقوله لأنه بيان لإطلاق الرحمة عليه. قوله: (بالقرآن) وفي نسخة أي بالقرآن بيان لمرجع الضمير وقيل إنه لكتاب موسى ﵊ لأنه أقرب، ولا يناسب ما بعده من إيعاد من كفر من الأحزاب بالقرآن لا بالتوراة، ولكونه توطئة لما بعده لم يكن خاليا عن الفائدة، وقيل إنه للنبيّ رسول الله ﷺ ، وقوله تحزب أي تجمع على حرب النبي رسول الله ﷺ كما في يوم أحد، وغيره. قوله: (يردها لا محالة) يعني أن موعد اسم مكان الوعد، وهم وعدوا بورود النار أي دخولها فهو مجاز المراد به ذلك كما قال حسان ﵁: أوردتموها حياض! الموت ضاحية فالنار موردها والموت ساقيها

стр. 1548

وقوله لا محالة لأنه لا يخلف الميعاد، ولترتبه على الكفر المستلزم لدخولها، وهو توطئة لقوله فلا تك في مرية مأخوذ منه، وكسر ميم المرية بمعنى الشك لغة أهل الحجاز الفصيحة المشهورة، والضم لغة أسد وتميم وبها قرأ السلمي، وأبو رجاء والسدوسيّ. قوله:) من الموعد) أي من كون النار موعدهم، وليس بأظهر كما قيل، والخطاب إن كان عامّا لمن يصلح له فالمراد تحريضهم على النظر الصحيح المزيل له، وان كان للنبيّ ﷺ فهو بيان لأنه ليس محلا للريب تعريضاً بمن ارتاب فيه، ولا يلزم من نهيه عنه وقوعه، ولا توقعه منه. قوله تعالى: ( ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ (المراد نفي أن يكون أحد أظلم منه أو مساوياً له في الظلم كما مرّ، وقوله كان أسند إليه ما لم ينزل كالمحرف الذي نسبوه إلى الله أو نفى عنه كاليهود المنكرين للقرآن ولما في كتابهم كنعت النبيّ رسول الله ﷺ وآية الرجم، ويحتمل أن يريد أنه من الكلام المنصف أي لا أحد أظلم مني إن كنت أقول لما ليس بكلام الله أنه كلامه كما زعمتم أو منكم إن كنتم نفيتم أن يكون كلامه مع تحقق أنه كلام الله، وفيه وعيد، وتهويل للأمر قيل، ولا يبعد أن تكون الآية للدلالة على أن القرآن ليس بمفتري فإنّ من يعلم حال من يفتري على ألله كيف يرتكبه كما مز في سورة يون! في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾ [سورة طه، الآية: ٦٩] وقيل أراد به هذا، وما مرّ فيكون تفسيراً للآية بوجهين. قوله: (في الموقف) بيان لمحل العرض! ، وقوله بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم تفسير له بأنّ المراد من عرضهم عرض! أعمالهم ففيه مضاف مقدر أو هو كناية عن ذلك، وقيل إنه مجاز والعرض على الله من قراءة صحف الأعمال، وبيان ما ارتكبوه ليطلع عليه أهل الموقف ويوبخوا بسوء صنيعهم، وان كان تعالى عالما بالسر والعلانية، وقيل إنها تعرض على الملائكة، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمؤمنين فالعرض على الله إمّا مجاز أو حقيقة، وإسناده أي كونه على الله مجاز وفيه نظر والإشهاد جمع شاهد كصاحب، وأصحاب بناء على جواز جمع فاعل على أفعال أو جمع شهيد بمعناه كشريف وأشراف، ومعناه الحاضر، وفي الإشارة بقوله هؤلاء تحقير لهم وقوله تهويل عظيم أي للعنة كل من يراهم، وقوله لظلمهم بالكذب على الله بيان لارتباطه بما قبله، وقوله عن دينه إشارة إلى أن السبيل كالطريق المستقيم الدين مجازاً. قوله: (ويصفونها بالانحراف (الانحراف تفسير للعوج، وهو ظاهر، ويقال بغيتك الشيء طلبته لك فتفسيره بوصفهم لها بالعوج بيان لأنه مجاز عن ذلك لأن من طلب شيئاً لآخر كأنه سبب لاتصافه به، ووصفه له فهو من إطلاق السبب على المسبب أو هو على حذف مضاف أي يبغون أهلها العوج أي الانحراف عن الدين بالردّة وحاصله أنهم يصفونها بالعوج وهي مستقيمة أو يبغون أهلها أن يعوجوا بارتدادهم للكفر وقيل يطلبونها على عوج، وعلى اختلاف معاني عوجا اختلف إعرابه على أنه حال أي معوجين أو مفعول به أي يبغون لها العوج. قوله: (والحال أنهم كافرون الخ) إشارة إلى أن الجملة حالية، وقوله وتكريرهم أي لفظ هم لتأكيد كفرهم، واختصاصهم به كذا قال الزمخشري فقيل إنّ التأكيد من تكريرهم والاختصاص من تقديم هم على كافرون، وقيل التخصحيص من تقديم بالآخرة، والمعنى أنّ غيرهم، وان كفروا بها لكنهم دون هؤلاء، وهؤلاء هم المخصوصون بالكفر الذي لا غاية بعده ورد بأنّ تقديم بالآخرة لا يدلّ على ما ذكره بل على حصر كفرهم في الآخرة، وأنّ كلا الأمرين مستفاد من هم لأنه بمنزلة الفصل وان لم يستوف شرائطه فيفيد الاختصاص، وضرباً من التأكيد كما قرّروه، وأمّا تقديم بالآخرة فلم يريدوه والاختصاص اذعائيّ ومبالغة في كفرهم كان كفر غيرهم ليس بكفر في جنبه، وقيل إنه بناء على أنّ مثل زيد هو عارف يفيد الحصر، والظاهر أنه يفيد تقوّي الحكم لا غير، واختصاصهم بالجر معطوف على تأكيد وجوّز عطفه على كفرهم بناء على أنه مستفاد من تقديم الضمير الأوّل فتأمل. قوله: (في الدنيا) جعل الأرض كناية عن الدنيا، ومن زائدة لاستغراق النفي، وقيل إنها تبعيضية، وجوّز في ما أن تكون موصولة. قوله: (ليكون أشدّ وأدوم (قيل عذاب الدنيا لا يمنع عذاب الآخرة فلكم من معذب في الدارين فالأولى أن يقول لحكمة لا يعلمها إلا الله) قلت) كونه أشد، وأدوم مما لا شبهة فيه، وكونه كذلك لا ينافي تعذيب

стр. 1549

بعضهم في الدنيا كما وقع لبعضهم من الخسف ونحوه. قوله تعالى:) ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ) فإن قيل ما وجه مضاعفة العذاب، وقد نص الله على أن من جاء بالسيئة لا يجزي إلا مثلها، وهم لا يظلمون قيل معناه مضاعفة عذاب الكفر بالتعذيب على ما فعلوا من المعاصي، والتعامي عن الآيات، ونحو ذلك من تضاعف كفرهم، وبغيهم، وصدهم عن سبيل الله، ويدلّ عليه نسبته إلى الموصوفين بما ذكر من الصفات وقوله استئناف أي جملة مستأنفة بين بها ذلك، وقيل إنها من كلام الإشهاد، وهي جملة دعائية. قوله: (لتصامّهم عن الحق وبغضهم الخ) قيل إنه تعالى نفى استطاعتهم لسماع الحق وأبصاره وهم يسمعون ويبصرون فبطل القول بإثبات استطاعة العبد لأفعاله، وقدرته عليها لأنه لما ثبت أنّ بعض أفعال العبد غير مقدور عليه لم يكن الجميع كذلك، وهذا كما يرد على المعتزلة يرد على أهل السنة لأنهم أثبتوا للعبد استطاعة غير مؤثرة فلذا قيل إن المراد أنهم يستثقلون استماع الحق إلى الغاية، ويستكرهونه كذلك فكأنهم لا يستطيعونه وهذا شائع في كل لسان كقولهم هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه إذا استكرهوه ولا يراد نفي القدرة بل فرط الاستكراه فهذه استعارة تصريحية تبعية لأنها تشبيه حالهم بحال آخر لهم لا استعارة تمثيلية فإنها تشبيه حال شيء بحال آخر فحاصله أنه شبه استكراههم، ونفرتهم عن الشيء بعدم الاستطاعة عليه، ووجه الشبه الامتناع من كل منهما لكن فيه أنّ قوله أنّ الاستعارة التص شيلية لا تكون إلا في تشبيه حال شيء بحال آخر لا يظهر له وجه لأنّ اللازم فيها إنما هو التركيب، وملاحظة الهيئتين، وان كانتا لذات واحدة فلو قلت في أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى أنه شبه حال تردده بين إقدام، واحجام بحالته إذا قدم رجلاً، وأخر أخرى لم يكن منه مانع، وقيل في تقرير الاستعارة التبعية أنه شبه تصامّهم عن الحق وبغضهم له بعدم استطاعة السمم فأطلق على المشبه اسم المشبه به، وأورد عليه أنه لا يلائم قول المصنف لتصافهم ولتعاميهم، ولو تعين أن اللام للتعليل فلا ضير فيه أيضا لأن تحقيق المعنى الحقيقيّ المناسب للمجازي قد يعلل به إطلاقه عليه، والتجوّز به فالمعنى لوقوع التصامّ والتعامي، وفرط الأعراض! ، والبغض أطلق عليهم عدم الاستطاعة، وأمّا حمله على نفي استطاعة النافع من ذلك فيذهب به رونق الكلام والمبالغة التي فيه، وأمّا القول بأنه تشبيه، وأق كلام الكشاف مبنيّ عليه فليس بشيء يحتاج إلى الردّ. قوله: (وكأنه العلة لمضاعفة العذاب (فكأنه قيل ما بالهم استوجبوا مضاعفة العذاب فقيل لأنهم كرهوا الحق وأعرضوا عنه غاية الإعراض، وبهذا التقرير اندفع ما ذكره الطيبيّ ﵀ معترضاً به على التعليل، وأنه لا ينتظم. قوله:) وقيل هو بيان لما نفاه من ولاية الآلهة الخ) فالمراد بقوله ما كان لهم الخ بيان عدم نصرة آلهتهم ونفعها لهم، وقوله ما كانوا يستطيعون السمع الخ. في حق آلهتهم وهو بيان وتقرير له وما بينهما اعتراض حينئذ فالضمائر للأصنام لا للكفار، وعلى الأوّل الأولياء مطلق الناصرين الشامل للآلهة، وغيرهم، وعلى هذا يخص الآلهة، ونفي استطاعة السمع، والأبصار حقيقة على هذا دون الأوّل، ومرض! هذا لمخالفته السياق، واستلزامه تفكيك الضمائر، وقيل إنه لا ينتظم الكلام معه بدون تقدير ما كنا في غنية عنه. قوله: (باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى) كأنه أراد أن خسران أنفسهم بخسران مالها من عبادة الله إذا استبدلوها بذلك، وفي البحر أنه على حذف مضاف أي سعادة أنفسهم وراحتها فإن أنفسهم باقية معذبة، وقيل إبقاؤه على ظاهره أولى لأنّ بقاء العذاب كالإبقاء، وفي الكشاف إنّ خسرانهم في تجارتهم لا خسران أعظم منه لأنهم خسروا أنفسهم يعني أنّ المقصحود من خلقهم عبادة الله فقد تركوا أنفسهم لعبادة الأوثان فهذا في الحقيقة خسران في النفس، وهو أعظم خسارة ففي الكلام استعارة مرشحة كقوله: إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير واجب قوله: (من الآلهة وشفاعتها) قيل عطف شفاعتها من قبيل أعجبني زيد، وكرمه لأنّ المفتري الشفاعة لا الآلهة ورد بأنه ليس منه إذ دعوى الآلهة افتراء، ودعوى الشفاعة كذلك، ولا حاجة إلى تقدير

стр. 1550

مضاف أي من آلهية الآلهة كما قيل، وأورد عليه أنه يقتضي أنّ الغائب عنهم آلهية الآلهة لا نفسها وليس بمقصود كما مرّ في سورة الأنعام نظيره فتأمّل. قوله:) أو خسروا بما بدّلوا وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة (لفظ بدلوا بالدال المهملة من التبديل أو بالذال المعجمة من البذل، وهو العطاء، والثانية قيل إنها الصحيحة رواية، ودراية، والباء عليها بمعنى في أي خسروا فيما بذلوا، وهو عبادة الله، وما حصلوا، وهو عبادة الآلهة، وافتراؤهم قولهم أنها حق، ولا وجه للقول بأنّ ما حصلوا هو آلهتهم كذا قيل، ولا محصل له، والظاهر أنّ تفسيره هذا على وجه يغاير ما قبله، وعلى ما ذكره ليس بينهما كبير فرق فالصواب أن يقال إنه بالدال المهملة، وا! الباء سببية يعني أنهم خسروا بسبب تبديلهم الهداية بالضلالة، والآخرة بالدنيا، وضاع عنهم ما حصلوه بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرياسة فيكون هذا الوجه أعمّ من الأوّل، وفي النظم دلالة عليه إذ أضاف الخسران إلى أنفسهم دون تعيين لما خسروه لكن الافتراء بظاهره مناسب لتفسيره الأوّل فتأمّل. قوله تعالى: ( ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ الخ الم يفسره المصنف رحمه الله تعالى تبعا للزمخشريّ، وسيأتي تفسيره في الحواميم، وقوله لا أحد أبين، وأكثر خسرانا منهم وضع أفعل التفضيل للزيادة على المفضل في الكمّ، والكيفية، والظاهر أنه لا يمتنع الجمع بينهما فإن أراد بقوله أبين أعظم لأنّ الظهور لازم للكبير، والعظيم فهو تفسير له بلازم معناه يكون معنى حقيقيا له، وان أراد به ظاهره يكون معنى مجازيا فتفسير المصنف رحمه الله تعالى له بهما إمّا بناء على مذهبه من جواز الجمع بين الحفيقة، والمجاز تتميما للفائدة السابقة، وقيل إنّ الواو بمعنى أو أو هو من عموم المجاز ولم يبق معنى يشملهما على القاعدة فيه، والزمخشري اقتصر على الأوّل، وترك لثاني فقيل لثلا يكون تكراراً مع فوله خسروا أنفسهم بناء على تفسيره المتقدم قيل، والمصنف رحمه الله تعالى ردّد التفسير بينهما لأنه لم يفسره بما فسره به جار الله فيحتمل أن يكون معنى خسران أنفسهم أنّ ضرره عائد إليهم لا إلى الله ولا إلى غيره ثم إنّ الحصر مستفاد من تعريف المسند بلام الجنس سواء جعل هم ضمير فصل فيفيد تأكيد الاختصاص أو مبتدأ ما بعده خبره، والجملة خبران فيفيد تأكيد الحكم (قلت) وهنا وجه آخر، وهو أن حذف المفضل يفيد العموم فيكون المعنى أنهم أخسر من كل أحد، وهو بمنطوقه يفيد الأخسرية فيهم، وهذا أنسب بظاهر عبارة المصنف رحمه الله تعالى، وقوله اطمأنوا إليه، وخشعوا له الخ يعني أن الإخبات أصله نيزول الخبت، وهو المنخفض من الأرض فأطلق على الخشوع، واطمئنان النفس تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، ثم صار حقيقة فيه، ومنه الخبيت بالتاء المثناة للدنيء، وقيل إنّ التاء يدل من الثاء المثلثة، وقوله في أصحاب الجنة هم فيها خالدون ليس لحصر الخلود في هؤلاء فإنّ العصاة يخلدون فيها إلا أن يراد بنفي الخلود عنهم نقصه من أوّله كما سيأتي نظيره. قوله ئعالى: ( ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى﴾ الخ) ذكر في هذا التشبيه احتمالين تبعا للكشاف لكن بينهما مخالفة ستراها مع ما فيها فقوله يجوز أن يراد تشبيه الكافر الخ. فيه تسامح لأنّ المشبه حال الكافر، وحال المؤمن لا الكافر، والمؤمن لكن لما وجد أحدهما مستلزما للآخر عبر به عنه، وقيل يحتمل أنه حمله على تشبيه الذوات، واقحام لفظ المثل تنبيها على ما فيه دليل تركه من المشبه به في النظم، وحاصل هذا الوجه أنه شبه كل من الفريقين باثنين باعتبار وصفين ففيه أربع تشبيهات، ولذلك قيل إنه نظير قول امرئ القيس: كاًنّ قلوب الطير رطبا ويابساً لدي وكرها العناب والحشف البالي كما في الكشاف لأن حاصله تاً ويل الفريقين بفريق من الناس كافر، وفريق مؤمن فمثل الفريقين بمنزلة قلوب الطير رطبها، ويابسها كالأعمى، والبصير بمنزلة العناب، والحشف، وكذا الأصمّ، والبصير، ولا يخفى ما فيه من التكلف مع أنّ في البيت تشبيه كل من الرطب، واليابس بشيء واحد، وفي الآية كل من الكافر والمؤمن باثنين، ولذا قيل البيت أشبه بالوجه الثاني من هذا، وليس هذا بوارد لأنّ مراد العلامة أنه تشبيه متعدد بمتعدّد مع قطع النظر عن التضام، والعدة فلا فرق بين البيت، والآية إلا من جهة أن في

стр. 1551

البيت تشبيه شيء بشيئين، وفي الآية تشبيه كل واحد من شيئين بشيئين فلا مخالفة بين كلام المصنف رحمه الله تعالى، والزمخشري كما توهم، وقوله لتعاميه هذه اللام كاللام السابقة في كلامه، وتأبيه بمعنى امتناعه تفعل من الآباء. قوله: (أو تشبيه الكافر بالجامع الخ) فعلى هذا فيه تشبيهان لا أربعة لأنه شبه حال هؤلاء الكفرة الموصوفين بالتصامّ، والتعامي بحال من خلق أصمّ أعمى لعدم انتفاعه بحاستيه فيما يتعلق بسعادة الدارين، وحال هؤلاء المؤمنين لانتفاعهم بهما وامتناعهم مما وقع فيه أولئك بحال قوى حاسة السمع، والبصر لانتفاعه بالنظر لأنوار الهداية، واستماعه لما يلذ وينتفع به السمع من البشارة، والإنذار فهو تشبيه مركب من جانب المشبه به لا المشبه كما ينبني عليه لفظ المثل، وهذا من بديع التشبيه، وظرائفه الرائقة، وهذا الوجه آثره الطيبي رحمه الله تعالى، والحق معه، ولا نظر لقول صاحب الكشاف أنّ فيه بعد الآن الأعمى قد يهتدي بما سمع من الدلالة، والأصمّ فد يهتدي بما يرى من الإشارة فمن كان أعمى أصمّ لا يقبل الهداية بوجه من الوجوه فهذا أبلغ، وأقوى في التشنيع كما أشار إليه في الكشاف. قوله:) والعاطف لعطف الصفة على الصفة) يعني على الاحتمال الثاني فالذات واحدة لكن نزل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات فعطف بالفاء كما في البيت المذكور وفي الوجه الأوّل هو من عطف الموصوف على الموصوف واللف في الفريقين لأنه في قوّة الكافرين، والمؤمنين فيكون تقديريا أو ما دل عليه قوله، ومن أظلم ممن افترى الخ. وقوله إنّ الذين آمنوا الخ فهو تحقيقيّ، وقدم ما للكافرين لتقدّمه هنا، ولأنّ السياق لبيان حالهم والنشر في قوله كالاً عمى الخ. والطباق هو الجمع بين الضدين، وهما الأعمى، والبصير والأصم، والسميع. قوله: (الصابح فالنانم الخ (أصل هذا أنه لما قال الحرث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان يتوعد ابن زيابة التيمي: أنا ابن زيابة أن تلقني لاتلقني في النعم العازب وتلقني يشذ بي أجرد مستقدم البركة كالراكب فأجابه ابن زيابة بقوله: يالهف زيابة للحرث الصا بح فالغانم فالآيب والله لو لاقيته خاليا لآب سيفانا مع الغالب أنا ابن زيابة أن تدعني آتك والظن على الكاذب قوله: يا لهف الخ أي يا حسرة أبي لأجل هذا الرجل، والصابح المغرّ في وقت الصباح، والآيب الراجع وقد تقدم تفصيله في سورة البقرة، والشاهد فيه عطف صفات موصوف واحد بالفاء. قوله: (تمثيلاَ أو صفة أو حالاً) مرّ في البقرة أنّ المثل كالمثل في الأصل بمعنى النظير ثم استعير لقول شبه مضربه بمورده، ولا يكون إلا لما فيه غرابة فلذا استعير في المرتبة الثانية لأنّ الأولى صارت حقيقة عرفية للقصة أو الحال أو الصفة العجيبة كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧] أي حالهم العجيبة الشأن، وقوله وله المثل الأعلى أي الصفة العجيبة فلذا فسره المصنف رحمه الله تعالى بهذه المعاني الثلاثة فتأمّل، ونصبه على كل فها على التمييز المحول عن الفاعل، وقوله على إرادة القول، وتقديره قائلا اني لكم الخ. أو فقال وقدر في قراءة الفتح الجارّ، والمعنى ملتبسا بالإنذار أي بتبليغه وقوله. قوله: (بدل من أني لكم أو مفعول الخ) البدلية على قراءة الفتح، وأمّا على الكسر فيجوز أن تكون مصدرية سولة لأرسلنا بتقدير بأن أي أرسلنا بنهيهم عن الإشراك قائلاً أني لكم نذير مبين أو مفسرة بحاليها من تعلقها بأرسلنا أو بنذير، وعلى الإبدال فإن مصدرية، ولا ناهية والقول مقدر بعد أن والتقدير أرسلناه يقول إني لكم نذير بقول لا تعبدوا، وهو بدل بعض أو كل على المبالغة، وادّعاء أنّ الإنذار كأنه هو فإن لم يقدر القول فهو بدل اشتمال كذا حققه الشارح المدقق، وقيل عليه أنه على تقدير القول بدل اشتمال أيضاً إذ لا علاقة بينهما بجزئية أو كلية حتى يجعل بدل بعض أو كل، وهو غفلة عن أنه على تقدير القول يكون قوله أني أخاف المعلل به النهي من جملة

стр. 1552

المقول، وهو إنذار خاص فيكون بعضا له أو كلأ على الاذعاء فليس في كلامه شيء سوى غبار سوء الفهم فتدبر. قوله: (ويجوز أن تكون الخ) أي أرسلناه بشيء أو نذير بشيء هو لا تعبدوا الخ لكن الانذار فيه غير ظاهر ويجوز أيضا أن يكون تفسيرا لمفعول مبين كما أنه يجوز أن يكون مفعولاً له أي مبينا النهي عن الشرك. قوله: (مؤلم وهو في الحقيقة صفة المعذب) بالكسر أي الله لأنه الموجد للألم، وان كان يوصف به العذاب أيضا، وهو حقيقة عرفية ومثله يعد فاعلا في اللغة فيقال ا-لمه العذاب من غير تجوّز، وذكر وصف العذاب هنا استطراديّ كما في الكشاف لوقوعه في غير هذه الآية، وقد جوّز أن يكون مراده أنه يصح هنا أن يكون صفة للعذاب لكنه جرّ على الجوار، وهو في الوجهين على الإسناد المجازي بجعل اليوم أو العذاب معذبا مبالغة لكنه في الأوّل نزل الظرف منزلة الشخص نفسه لكثرة وقوع الفعل فيه فجعل كأنه وقع منه، وفي الثاني جعل وصف الشيء لقوّة تلبسه به كأنه عينه فأسند إليه ما يسند إلى الفاعل على ما حقق في علم المعاني. قوله تعالى: ( ﴿فَقَالَ الْمَلأُ﴾ الخ) الملأ القوم الأشراف من قولهم فلأن ملىء بكذا إذا كان قادرا عليه لأنهم ملؤوا بكفاية الأمور، وتدبيرها أو لأنهم متمالئون أي متظاهرون متعاونون او لأنهم يملؤون القلوب مهابة والعيون جمالاً، وا! ف نوالاً أو لأنهم مملؤون بالآراء الصائبة والأحلام الراجحة على أنه من الملء لازما ومتعديا. قوله: (لا مزية لك علينا الخ) ذكر الزمخشري فيه وجهين أحدهما أنّ المثلية التي ذكروها في المزية، والفضيلة على التنزل، والفرض، ولذ ذكروا أنه بشر تعريضاً بأنه يماثلهم في البشرية والا فهم أحق منه بالمزية لجهلهم وظنهم أنها بالجاه والمال يعني هب أنك مثلنا في المزية فلم اختصصت بالنبوّة من بيننا، والثاني أنهم أرادوا أنه مثلهم في البشرية، ولو كان نبيا كان ملكأ لأنّ النبيّ أفضل من غيره من البشر، والملك كذلك، واقتصر المصنف رحمه الله تعالى على الأوّل وان كان لفظ البشر ظاهراً في الثاني لأنه تفوج منه رائحة الاعتزال كما في شروحه، د وإن نوزعوا فيه، وقوله تخصك بالنبوّة أدخل الباء على المقصور، وهو أحد استعماليه كما مرّ خقيقه. قوله: ( ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ﴾ ) إن كانت رأى علمية فجملة اتبعك مفعول ثان، دمان كانت بصرية فهي حال بتقدير قد. قوله: (جمع ارذل فإنه بالغلبة الخ) الأرذل، والرذل الدنيء المستحقر، ولما كان أفعل التفضيل إذا جمع جمع جمع سلامة في الأقيس الأغلب كالأخسرون ولا يكسر أفعل إلا إذا كان اسما أو صفة لغير تفضيل كأحمر وقد كسر هنا قالوا إنه كسر لأنه غلبت فيه الاسمية، ولذا جعل في القاموس الرذل، والأرذل بمعنى، وهو الخسيس كما فسره به المصنف رحمه الله تعالى أو هو جمع رذل، وفي الكشاف أنه جمع أرذل اسم تفضيل مفمافاً للتوضيح لأنهم يزعمون مشاركتهم في ذلك، وأنه كقوله في الحديث: " أحاسنكم أخلاقاً " ولم يذكره المصنف رحمه الله تعالى لأنه على خلاف القياس لكن كونه جمع رذل أيضا مخالف للقياس، ولذا قيل إنه جمع أرذل جمع رذل فهو جمع الجمع، وقد وقع في بعض النسخ أرذل بضم الذال، وفتح الهمزة جمع رذل فيكون جمع جمع، وهو الأصح رواية ودراية، وكأن الأخرى من تحريف النساخ. قوله: (ظاهر الرأي من غير تعمق من البدوّ الخ) قرأه أبو عمرو بالهمزة، والباقون بالياء فأمّا الأوّل فمعناه أوّل الرأي بمعنى أنه صدر من غير روية، وتأمّل أوّل وهلة وأمّا الثاني فيحتمل أن أصله ما تقدم، ويحتمل أن يكون من بدا يبدو كعلا يعلو علوّاً، والمعنى ظاهر الرأي دون باطنه، ولو ئؤمل لعرف باطنه وهو في المعنى كالأوّل، وعلى كليهما هو منصوب على الظرفية، والعامل فيه قيل نراك أي ما نراك في أوّل رأينا أو فيما يظهر منه، وقيل اتبعك، ومعناه؟ في أوّل رأيهم أو ظاهر. وليسوا معك في الباطن أو اتبعوك من غير تأمّل وتثبت، وقيل العامل فيه أراذلنا، والمعنى أنهم أراذل في أوّل النظر، وظاهره لأنّ رذالتهم مكشوفة لا تحتاج إلى تأمل وفيه وجوه اخر مفصلة في الدر المصون. قوله: (وانتصابه بالظرف على حذف المضاف الخ) قد علمت أنه إذا كان ظرفا ما ناصبه لكنه قيل إنّ نصبه على الظرفية يحتاج إلى الاعتذار عنه فإنه فاعل ليس يظرف في الأصل فقال مكيّ إنما جاز في فاعل أن يكون ظرفا كما جاز في فعيل كقريب، وملىء لإضافته إلى الرأي، وهو كثيرأ ما يضاف إليه المصدر الذي

стр. 1553

يجوز نصبه على الظرفية نحو أمّا جهد رأيك فإنك منطلق، وقال الزمخشريّ: أصله وقت حدوث أوّل رأيهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل إنّ بادي مصدر على فاعل منصوب على المفعولية المطلقة، والعامل فيه ما تقدم وفيه وجوه أخر ذكرها المعرب، وقيل على تقدير المصنف، والزمخشري أنّ تقدير الوقت ليكون نائباً عن الظرف فينتصب على الظرفية، وأمّا تقدير الحدوث فلا داعي له على تفسيري بادي أمّا إذا كان بمعنى أوّل فلأنّ وقت أوّله هو وقت حدوثه، وأئا إذا كان بمعنى ظاهر فوقت ظاهر الرأي، وان اتسع وقت لاتباعهم، وقد عرفت مما مرّ أنّ اسم الفاعل لا ينوب عن الظرف وينتصب، والمصدر ينوب عنه كثيرأ فأشاروا بذكره إلى أنه متضمن معنى الحدوث في معنييه فلذا جاز فيه ذلك، وليس مرادهم أنه محذوف، وما ذكرو. هنا من أنّ الصفات لا ينوب منها عن الظرف إلا فعيل من فوائدهم الغريبة، وعليهم الاعتماد فيه لكنه غير مسلم لأنّ فاعلاً وقع ظرفا كثيرا كفعيل فإن من أمثلته خارج الدار، وباطن الأمر وظاهره، وهو كثير في كلامهم فإن قلت ما ذكر. المصنف رحمه الله تعالى يشكل بأنّ ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا إذا كان مستثنى منه نحو ما قام إلا زيدا القوم أو مستثنى أو تابعا لأحدهما كما فصله المعرب، وغيره فلذا تكلفوا لاعرابه وجوها قلت قالوا إنه يغتفر ذلك في الظرف لأنه يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، والرأي جوّزوا فيه هنا أن يكون من رؤية العين أو من الفكرة والتامّل. قوله: (وإنما استرذلوهم لذلك) أي عدّوهم أراذل لسرعة اتباعهم وزعمهم أنّ ذلك وقع منهم من غير تأمّل أو لفقرهم لأنهم لا يعرفون إلا الشرف الظاهر من أمور الدنيا، وهذا هو الوجه وألاحظ اكثر حظاً وقوله: لك ولمتبعيك أدخل نوحا ﵊ معهم لأنّ الخطاب أوّلأ معه فيكون تأكيداً لنفي الأفضلية عنه لسبقه في قوله ما نراك وهو تغليب، وقيل الخطاب لاتباعه فقط فيكون التفاتا ويؤهلكم بمعنى يجعلكم أهلاً لذلك واياك واياهم بدل من مفعول نظنكم في النظم، وقوله فغلب أي في الموضعين وقوله أخبروني تقدم تحقيقه، وأنّ الرؤية فيه يجوز أن تكون بصرية، وقلبية وقد جوّزهما الزمخشري لأنّ كلاَ منهما سبب للأخبار، وأرأيتم متعلق بأنلزمكموها، وقيل بطلب البينة يعني على أن يكون من التنازع هنا، وأعمل الثاني فلا وجه لما قيل إنّ هذا بحسب الأصل، وأمّا هنا فهو متعلق بأنلزمكموها لأنّ القائل بهذا يجعلها جملة مستأنفة أو مفعولاً ثانياً كما صرّحوا به، وجواب إن كنت محذوف أي فاخبروني، وفسر البينة بالحجة، والبرهان كما مرّ، وقوله بايتاء البينة أي السابقة، والمراد البينة: المؤتاة فهو من إضافة الصفة للموصوف كما ستراه في توجيه توحيد الضمير، والحجة المعجزة الدالة على نبوّته عتي!. قوله: (فخفيت عليكم فلم تهدكم الخ (يعني أنّ عماء الدليل بمعنى خفائه مجازاً فيقال حجة عمياء كما يقال مبصرة للواضحة وهو استعارة تبعية شبه خفاء الدليل بالعمى فان كلا منهما يمنع الوصول إلى المقاصد ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية بأنّ شبه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها، واتبع دليلاً أعمى فيها، والظاهر من عبارة المصنف الأوّل، وأمّا ادعاء القلب، وأن أصله عميتم عنها فيأباه ذكر على دون عن مع أنه ليس بحسن هنا. قوله: (وتوحيد الضمير لأنّ البينة الخ الما ذكر البينة والرحمة كان الظاهر فعميتا فوجهوه بأن الرحمة هنا هي البينة على تفسيره الأوّل بإيتاء البينة أي البينة المؤتاة كما مرّ أو هو تفسير لقوله: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾ لكنه عبر بالمصدر أو الضمير للبينة أي المعجزة، والرحمة النبوّة وخفاؤها أي البينة يستلزم خفاء المذعي فلذا اكتفى به وجملة، وآتاني رحمة على هذا معترضة أو الضمير للرحمة، وفي الكلام مقدّر أي خفيت الرحمة بعد خفاء البينة، وما يدلّ عليها وحذف هذا للاختصار، وقيل: إنه معترض في المعنى دون تقدير، وكلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر في الأوّل أو الضمير لهما بتأويل كل واحدة منهما، وفي الكشاف وجه آخر وهو أن يقدر عميت بعد لفظ البينة وحذف للاختصار، وعدل عنه المصنف رحمه الله تعالى لأنه رآه مع أنه تقدير جملة، وهذا مفرد تقديراً قبل الدليل، ولم يقدر في الوجه الأوّل لعدم الاحتياج إليه على أنّ كلام المصنف رحمه الله تعالى محتمل له أيضاً، وحمله عليه بعض فضلاء العصر

стр. 1554

وقوله على أنّ الفعل لله، أي في القرإءتين، وقد قرىء بالتصريح به فهو يدلّ على هذا. قوله: (أنلزمكم على الاهتداء (إشارة إلى ان نلزمكم بمعنى نقسركم ونكرهكم، لأنّ المراد إلزام الجبر بالقتل ونحوه لا إلزام الايجاب لأنه واقع، قيل. وذكر الاهتداء لأنه ليس في وسعه فلا يرد عليه، أن المكره يصح إيمانه ويقبل عندنا إيمانه، فيجاب بأنه لم يكن في دينهم، وقيل: المعنى لو أمكنني الإلزام مع الكراهة فعلته، وروي عن قتادة. قوله: (وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعاً وقدّم الأعرف) وهو ضمير المخاطب، لأنه أعرف من الغائب كما بين في النحو، وهذا أحد مذهبين في هذه المسألة، وقيل: إنه يلزم الاتصال كما في هذه الآية، ونسب لسيبويه، ولو قدم الغائب وجب الانفصال، فيقال: أنلزمها إياكم على الصحيح، وأجاز بعضهم الاتصال، واستشهد بقول عثمان ﵁: أراهمني حيث قدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم الأعرف واتصلا، وكان الواجب أراهم أياي. قوله: (على التبليغ (في الكشاف إنه راجع إلى قوله لهم ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ﴾ وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أحسن مما ذكر، وما قيل: إن ما ذكره الزمخشري مراده به ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، بعينه لا خصوص ذلك القول، وأنّ قوله راجع إليه، بمعنى متعلق به معنى خلاف الظاهر، والجعل بضم فسكون، ما يعطى في مقابلة العمل كالأجر المذكور في محل آخر. قوله: (فإنه المأمول منه) الضمير أن الله فيفيد الحصر ويطابق النظم، أي ما أجر التبليغ، أو ما مطلق الأجر إلا منه، وليس الضمير الأوّل للأجر، والثاني لله لفساد المعنى عليه، إذ معناه أن الأجر هو المأمول من الله لا غير الأجر، وهو لا يطابق المفسر فتدبر. وقوله: حين سألوا طردهم، أي قالوا له اطردهم عنك لنؤمن بك استكافاً عن مجالستهم. قوله: (فيخاصمون طاردهم عنده (يعني فيعاقبه على ما فعل، فهذه الجملة علة لعدم طردهم، أو المعنى لا أطردهم فإنهم من أهل الزلفى عند الله، المقرّبين الفائزين عند الله وهذا هو الشرف لا ما عرفتم، وترك معنى آخر في الكشاف، وهو أني لا أطردهم لأنّ إيمانهم ليس عن يقين وتفكر كما زعمتم، لأني لا أعلم السرائر فليس عليئ إلا اتباع الظاهر، وسيلقون ربهم فينكشف حالهم عنده من كونهم على ما زعمتم أو على خلافه، وكان المصنف رحمه الله تعالى تركه لأنّ ما بعده لا يلائمه، أو لأنه مبنيّ على أن سؤال الطرد لعدم إخلاصهم في الإيمان لا لفقرهم، وهو مرجوح عنده. وقوله: ويفوزون بقربه مستفاد من المقام، والا فملاقاة الله تكون للفائز وغيره. قوله: (بلقاء ربكم أو بأقدارهم) وقريب منه قوله في الكشاف: أنهم خير منكم، فالجهل بمعنى عدم العلم المذموم، وهذا مناسب للوجه الثاني في قوله أوانهم الخ. وقوله: أو في التماص طردهم، لم يذكر ما جهلوه في هذا الوجه لتنزيله منزلة اللازم وهو الظاهر، وقيل: إن مفعوله مقدر عليه أيضاً، أي تجهلون المحذور في التماس ذلك، وهو خلاف الظاهر لكنه مناسب للوجه الأوّل، وقوله: أو تتسفهون الخ فيكون الجهل بمعنى آخر، وهو الجناية على الغير، وفعل ما يشق عليه قولاً أو فعلاً، وهو معنى شائع كقوله: ألالايجلهن أحدعلينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا قوله: (يدفع انتقامه) يعني النصرة هنا مجاز عن لازم، معناها وهو دفع الضررءذ معناها الحقيقي غير صحيح هنا والمثابة الخصال المجتمعة فيهم وتوقيف الإيمان، أي جعل إيمانهم موقوفاً على طردهم ومعلقاً به لأنهم قالوا له إن طردتهم آمنا بك كما مرّ. قوله: (خزائن ررّقه وأمواله حتى جحدتم فضلى (هذ شروع في دفع الشبه التي أوردوها تفصيلا، بعدما دفعها إجمالاً، بقوله: أرأيتم الخ. فكأنه يقول: عدم اتباعي لنفيكم الفضل عني، إن كان فضل المال والجاه فأنا لم أذعه، ولم أقل لكم إنّ خزائن رزق الله وماله عندي، حتى أنكم تنازعوني في ذلك وتنكروه، وإنما وجوب اتباعي لأني رسول الله، المبعوث بالمعجزات الشاهدة لما اذعيته. قوله: (عطف على عندي خزائن الله الخ الما كان نفي القول يقتضي نفي المقول فالعطف على مقول القول المنفي منفيّ أيضا ذكر معه النفي المزيد لتأكيد النفي السابق، والتذكير به، ودفعاً لاحتمال أنه لا يقول إلا هذا المجموع، فلا ينافي أن يقول أحدهما، فالمعنى لا أقول أنّ عندي خزائن الله، وأن عندي علم الغيب، حتى

стр. 1555

تكذبوني لاستبعاد ذلك، وما ذكرت من دعوى النبوّة إنما هو بوحي وإعلام من الله مؤيد بالبينة فلا يرد ما قيل: إنّ كلمة لا تنافي عطفه على لا أقول بتقدير أقول بعدلاً. قوله:) أي ولا أقول أنا أعلم الغيب) كذا في الكشاف بإبراز ضمير أنا فقيل: إنّ أنا تأكيد للمستتر في أقول، لا من باب التقؤى أو التخصيص، وفي هذا التأكيد إظهار فائد تكرار، لا لأنك إذا أكدت لإزالة احتمال المعية، فقد أذنت أنك في الكلام محق على اليقين منه بعيد عن السهو والتجوّز ولو قلت إنه زاده ليظهر عطفه على الاسمية، ويدفع احتمال عطفه على الفعلية لأنه الظاهر كان أوضح. قوله: (حتى تكذبوني استبعاداً الما قلته من دعوى النبوّة والإنذار بالعذاب، فإنه بإعلام الله ووحيه، والغيب ما لم يوج به، ولم يقم عليه دليل، وليس هذا كذلك، وقيل: إنه غير ملائم للمقام، والظاهر أنه ﷺ حين اذعى النبوّة سألوه عن المغيبات وقالوا له: إن كنت صادقا فأخبرنا عنها فقال: أنا أذعي النبوّة بآية من ربي، ولا أعلم الغيب إلا بإعلامه، ولا يلزم أن يذكر ذلك في النظم، كما أنّ سؤال طردهم كذلك، ولا يخفى عليك أنه لا قرينة تدلّ على ما ذكره، وأمّا طردهم فإن استحقارهم لهم قرينة على ذلك، وقد صرّح به السلف ﵏، ومثله لا يقال من قبل الرأي. قوله: (أو حتى أعلا أنّ هؤلاء أنبعوكي بادىء الرأي من غير بصيرة ولا عقد قلب) قيل: ظاهر. أنّ المراد أنهم آمنوا نفاقاً فعلى هذا يكون المراد من قولهم بادي الرأي بادي رأي من يراهم، وليم يذكر هذا الاحتمال، ويجوز أن يكون المراد عقداً جازما ثابتا كأنّ ما سواه ليس بعقد، وردّ بأن المراد بالبصيرة وعقد القلب اليقين، والاعتقاد الجازم، وهو شامل للوجهين في بادىء الرأي لا مغاير لهما، كما توهمه هذا القائل، ولا يخفى أنّ هذا صيد من المقلي، فإنه الوجه الثاني الذي ذكره بقوله ويجوز الخ وما ذكر. أوّلاً بناء على الظاهر من عقد القلب، فإنّ ربط القلب بالشيء اعتقاد له، وعدمه هو النفاق، ولا شك أنه لم يسبق له ذكر. قوله: (وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول) كما يجوز عطفه على المقول، وأمّا على التفسير الأوّل فيتعين الثاني، وفيه نظر. قوله: (حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا الا يخفى أنّ هذا مبنيّ على الوجه الثاني المذكور في الكشاف في تفسير قوله: ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾ [سورة هود، الآية: ٢٧] وقد مرّ أنّ المصنف رحمه الله تعالى لم يعرّج عليه، ولم يرتضه لابتنائه على الاعتزال، ومنه تعلم ما في الكشف من النزاع في الابتناء، فإنه إنما فسره به لاقتضاء النظم له وتوصيفه هنا بالبشرية صريح فيه، إلا أن يقال قوله سابقا لا مزية لك علينا، شامل للوجهين، فإنّ المزية المقتضية لوجوب طاعته، بأن يحوز كمالات جنسهم، أو بأن يكون من جنس آخر أفضل منهم، ولا مانع من ذلك في كلامه، فهذا يعين إرادته فيما مر، وأما جعل هذا كلاما آخر وليس ردّا لما قالو. سابقاً فلا وجه له. قوله: (في شأن من استرذلتموهأ) إشارة إلى أن اللام ليست للتبليغ بل للأجل، والا لقيل لن يؤتيكم، وأن الإسناد للأعين مجاز كما سيأتي، وأنّ العائد محذوف، وأنّ الازدراء وقع، والتعبير بالمضارع للاستمرار أو لحكاية الحال، وقوله: فإن ما أعد الله الخ ولا يبعد أن يراد به خير الدنيا والآخرة، إذ المال غاد ورائح، وقد أورثهم الله أرضهم وديارهم بعد غرة! م، وقوله: إن قلت تفسير لإذا لأنها جواب وجزاء كما مرّ، وقوله: لتجانس الراء في الجهر فإن التاء مهموسة. قوله: (واسناده إلى الآعين للمبالنة والتنبيه على أنهم استرذلوهم) المبالغة من اسناده للحاسة التي لا يتصور منها تعييب أحد فكان من لا يدرك ذلك يدركه، وأمّا التنبيه على أنه بمجرّد الرؤية فظاهر من جعل الازدراء لمجرّد تعلق البصر من غير تفكر وتأمّل، وقوله: بادي الرؤية من غير روية مطابق لقوله: ﴿مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [سورة هود، الآية: ٢٧] أحسن مطابقة مع ما بين الرؤية والروية من التجنيس، وفيه إشارة إلى أنّ الرأي يجوز أن يكون بمعنى الرؤية كما مرّ، وبما عاينوا الخ. كالتفسير لقوله بادىء الرأي من غير روية، وقوله: وقلة منالهم أي ما يصلح حالهم من المال من النوال، وهو الصلاح للحال، قال: عجزت وليس ذلك بالنوال لا من النوال بمعنى العطاء، وقوله: في معانيهم وكمالاتهم، أي في المعاني التي كملوا بها كالإيمان والتسليم للحق والمسارعة إليه، فإن كانت الرواية، معايب من العيب فالمعنى التأمّل في أحوالهم الناقصة والكاملة، فيفرقون بين ذلك لتمييزهم بين ما يعابون به من غيره. قوله: (فأطلتة أو أتيت بأنواعه)

стр. 1556

فالمراد بقوله جادلتنا شرعت في جدالنا فأطلته، أو أتيت بنوع من أنواع الجدال فأعقبته بأنواع فالفاء على ظاهرها، وفيه إشارة إلى أنه لا حاجة إلى تأويل جادلتنا بأردت جدالنا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [سورة النحل، الآية: ٩٨] كما في الكشاف. وقال المدقق: إنه عبارة عن تماديه في الجدال، يعني مجموع ما ذكر كناية عن التمادي والاستمرار، والحامل له عليه عطف فأكثرت بالفاء. قوله: (في الدعوى والوعيد) أي في دعوى النبوّة والوعيد بنزول العذاب، قيل لا حاجة إلى الأوّل، إذ المعنى إن صدقت في حكمك بلحوق العذاب إن لم نؤمن بك، وما في ما تعدنا مصدري أو موصولة، والعائد مقدر أي تعدناه. قوله:) بدفع العذاب أو الهرب (أعجزه بمعنى صيره عاجزاً، والعجز إمّا بالدفع أو بعدم وجود المعذب، وكلاهما محال هنا. قوله:) شرط ودليل جواب الخ) الشرط هو قوله إن أردت أن أنصح لكم، دليل الجواب هو قوله: ولا ينفعكم نصحي، ومجموع قوله: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم (دليل على جواب الشرط الآخر، وهو قوله: ﴿إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ وفي الكشاف قوله: ( ﴿إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ ) جزاؤه ما دلّ عليه قوله: لا ينفعكم نصحي، وهذا الداذ في حكم ما دلّ عليه، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قولك: إن أحسنت إليّ أحسنت إليك، أن أمكنني، يعني أنّ ما تقدم جزاء حكما لا لفظاً، فقيد بشرط آخر، كما قيد صريح الجزاء، لأنّ التقييد من مقتضيات معنى الجزاء لا لفظه، وحينئذ جاز أن يكون قيدا للجزاء المجرّد، فيتعلق الشرط الأوّل بالجزاء معلقا على الثاني، ويحتمل العكس، فليس ما ذكر بناء على قواعد الشافعية على ما توهم، ثم إن كان أحد الشرطين لا ينفك عنه الجزاء أو الشرط الأوّل، فهو لتحقيق المرام وتأكيده، كما فيما نحن فيه، وقول القائل: إن دخلت الدار، فأنت طالق إن كنت زوجتي، والا فهو لتقييد الجزاء على أحد الوجهين والذي حققه النحاة، كما في شرح التسهيل لابن عقيل ﵀: أنه إذا توالى شرطان فأكثر كقولك إن جثتني، إن وعدتك أحسنت إليك، فأحسنت إليك جواب إن جثتني، واستغنى به عن جواب إن وعدتك، وزعم ابن مالك أنّ الشرط الثاني مقيد للأوّل بمنزلة الحال، وكأنه قال: إن جئتني في حال وعدي لك، والصحيح في هذه المسألة أنّ الجواب للأوّل، وجواب الثاني محذوف لدلالة الشرط الأوّل وجوابه عليه، فإن قلت إن دخلت الدار إن كلمت زيداً إن جاء إليك فأنت حرّ، فأنت حرّ جواب إن دخلت، وان دخلت وجوابه دليل جواب إن كلصت، وان كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء، والدليل على الجواب جواب في المعنى، والجواب متأخر فالشرط الثالث مقدم، وكذا الثاني، وكأنه قيل: إن جاء فإن كلمت، فإن دخلت فأنت حرّ فلا يعتق إلا إذا وقعت هكذا مجيء ثم كلام ثم دخول، وهو مذهب الشافعيّ ﵀، وذكر الجصاص أنّ فيها خلافا بين محمد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وليس مذهب الشافعيّ فقط والسماع يشهد له قال: إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معا قد عزز إنها كرم وعليه فصحاء المولدين، وقال بعض الفقهاء: الجواب للأخير، والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب الأوّل، وعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول ثم كلام ثم مجيء، وقال بعضهم: إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب، وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف، فإن عطف بأو فالجواب لأحدهما دون تعيين، نحو إن جئتني أو إن أكرمت زيدا أحسنت إليك، وان كان بالواو فالجواب لهما، وإن كان بالفاء فالجواب للثاني، وهو وجوابه جواب الأوّل، فتخرج الفاء عن العطف، وهذا مقرّر في كتب الفقه والنحو ولا كلام فيه، وإنما الكلام في كون هذه الآية من ذلك القبيل، فجعلها المصنف رحمه الله تعالى كغيره منه فعليه لا فرق بين تقدم الجواب وتأخره عته، واستشكله ابن هثام في المغني بأنه لم يتوال فيها شرطان بعدهما جواب، وكلام النحاة فيه، والبيت السابق فيما كان ذلك، وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للأوّل، فينبغي أن يقدر إلى جنبه، ويكون تقديره أن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وأمّا أن يقدّر الجواب بعدهما ثم يقدر بعد ذلك مقدّما إلى جانب الشرط الأوّل فلا وجه له فعليه يختلف حكم المسألة والتوسط والتأخر، وله رسالة في هذه

стр. 1557

المسألة مستقلة. والسؤال الذي أورده يرد على المصنف رحمه الله تعالى، لكنه مدفوع، أمّا إن قلنا بجواز تقدم الجواب كما هو مذهب الكوفيين فظاهر، وان لم نقل به أيضاً فالمقدر في قوّة المذكور، والكثير في توالي شرطين بدون عاطف تأخره سماعا فيقدر كذلك، ويجري عليه حكمه فتأمّل، فليكن ما نحن فيه مما اختلف فيه الفقهاء على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وحاصله كما قال العلامة: إن قوله: ( ﴿إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ ) شرط جوابه محذوف يدل عليه لا ينفعكم نصحي، وهذا الدال في حكم المدلول عليه وهو الجزاء، أي هذا الدال هو الذي يقدر جزاء، حتى يكون التقدير إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي، لكن هذا الجزاء ليس مطلقاً بل مقيدا بشرط، وهو إن أردت أن أنصح لكم، فحاصل التقدير إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي، إن أردت الخ. والحاصل أنّ المصنف رحمه الله تعالى جعل قوله لا ينفعكم دليل الجواب على امتناع تقدّمه، وهو الأصح والجملة كلها جواب الثاني، فيكون الكلام متضمنا لشرطين مختلفين، أحدهما جواب للآخر، وجعل المتأخر في الذكر متقدما في المعنى، بناء على أنه إذا اعترض شرط على شرط، ولا عاطف كان الثاني في نية التقديم، وهي المسألة المختلف فيها بين الفقهاء، وجعل جار الله لا ينفعكم دليل جواب إن كان الله، وجعل إن أردت قيدأ للجواب على ما قيل إنه مراده، فهي عنده شرطية واحدة مقيدة، فليس نظير المسألة المذكورة، وفائدة التقييد عنده ظاهرة، فلا وجه ل! ما قيل إنه لا فائدة فيه على ما ذهب إليه. قوله: (ولذلك نقول الخ) قال الإمام هذا الشرط المؤخر في اللفظ مقدّم في الوجود، فإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار، كان المفهوم منه أنّ ذلك الطلاق من لوازم الدخول، فإذا قال بعده إن أكلت الخبز كان المعنى على أنّ تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأوّل، مشروط بحصول هذا الشرط الثاني، والشرط مقدم على المشروط في الوجود، فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق الجزاء بذلك الشرط الأوّل، وان لم يحصل الثاني لم يتعلق الجزاء بذلك الشرط الأوّل. قوله: (وهو جواب لما أوهموا الخ) الإيهام مأخوذ من قوله أكثرت جدالنا، فأجابهم بما حاصله إنّ كلامي نصح وارشاد، لا أنه كلام بلا فائدة، يكون المقصود منه مجرّد الجدال، وإنما لم يفد لأنّ الله أراد إضلالكم ليهلككم، وقوله: إن أردت أن أنصح لكم، أن أبقى على الاستقبال لا ينافي كونه نصحهم في الماضي، وقيل: إنه مجاراة لهم لاستظهار الحجة لأنهم زعموا أنه ليس بنصح إذ لو كان نصحا قبل منه. قوله: (وهو دليل على أن إرادة الله تعالى الخ) هو رذ لمذهب المعتزلة، ولقول الزمخشري إنّ الإغواء قبيح لا يصح أن يصدر عنه تعالى، ولا يريده وان وقع نحوه بدون الإرادة منه، لكنه قيل عليه إنّ الشرطية لا تدلّ على وقوع الشرط، ولا جوازه فلا يتم الاستدلال به ولا يحتاج إلى التأويل الآتي، ودفع بأن المقام ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرّد فرض! ذلك، فإن أرادوا إرجاعه إلى قياس استثنائيّ، فإمّا أن يستثني عين المقدم فهو المطلوب، أو نقيض التالي فخلاف الواقع لعدم حصعول النفع. قوله: (وأنّ خلاف مراده محال) أي بالغير لا بالذات، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم الجواب للشرط، قيل ولو قال: بدل هذا وأنّ مراده لا يتخلف عن إرادته، كان أظهر لقولهم إيمان الكافر مراده تعالى، وخلاف مراده نفع النصح لهم، وان كان صريح النظم أنّ الإغواء مراده، لأنّ عدم نفعه لازم للإغواء، وارادة الملزوم إرادة للازمه. قوله: (وقيل إن يغويكم أن يهلككم الخ (هذا من تفاسير المعتزلة للجواب عن مخالفة الآية لمذهبهم، فتارة قالوا المراد هذا، وتارة قالوا سمي ترك إلجاء الكافر وتخليته، وشأنه إغواء، وكلاهما مخالف للظاهر المعروف في الاستعمال، وغوى بكسر الغين وفتح الواو كرضي رضا كما في القاموس، والبشم كالتخمة من كثرة شرب اللبن، والفصيل ولد الناقة، ومنهم من جوّز أن يكون إن نافية، فتدل على مدعي المعتزلة، ولا ينبغي حمل كلام الله عليه لبعده. قوله: (خالقكم والمتصرّف فيكم وفق إرادته (أي على وفق إرادته فهو منصوب بنزع الخافض، ووفقها ما يوافقها، والرب بمعنى الخالق والمربي، والتصرّف المذكور لازم لمعناه، فلذا فسر بما ذكر، ولم يرد أنّ الإغواء من تصرّفاته الموافقة لإرادته، حتى يتوهم أنه جبريل إنه علم عدم استعدادهم، واختيارهم استواء الطريقين على وفق الإرادة التي لا يتخلف عنها شيء، كما زعمت المعتزلة، وقوله فيجازيكم

стр. 1558

قد مز تحقيقه. قوله: ( ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ وباله (يعني أنه على تقدير مضاف، أو على التجوّز به عن مسببه، والافتراء المفروض هنا ماض، والشرط يخلص للاستقبال، فينبغي أن يقدر فيه ما يكون مستقبلا، فلذا قيل تقديره إن علمتم أني افتريته، لكن الجزاء لا يترتب على علمهم بل على الافتراء نفسه، ودفع با! العلم يستدعي تحققه لا محالة، فصح لترتب عليه بهذا الاعتبار وفيه نظر، وقوله: وقرئ إجرامي اًي بفتح الهمزة جمع جرم. قوله:) من إجرامكم في إسناد الافتراء إلئ) فيه إشارة إلى أن أصله إن افتريته فعليّ عقوبة افترائي، ولكنه فرض محال وأنا بريء من افترائكم، أي نسبتكم إياي إلى الافتراء، وعدل عنه إدماجا لكونهم مجى!!! ، وأن المسألة معكوسة، والظاهر أن هذا من تتمة قصش نوج ﵊ وفي ش-! ا-، وعليلأ الجمهور، وعن مقاتلى إنه في شأن النبي، ولا يخفى بعده، وان قيل إنه أنسب، وجعل ما مصدرية لما في الموصولة من تكلف حذف العائد المجروو، وهو المناسب لقوله: إجرامي قبله. قوله تعالى: ( ﴿إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ ) هذأ استثناء متصل والمراد إلا من استمرّ على الإيمان، لأن للدوام حكم الحدوث، ولذا لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه فلم ينزعه في الحال حنث عندنا، وقيل المراد إلا من قد استعذ للإيمان، وتوقع منه، ولا يراد ظاهر.، والا كان المعنى إلا من قد آمن، فإنه يؤمن، وأورد عليه أنه مع بعده يقتضي أنّ من القوم من آمن بعد ذلك، وهو ينافي تفنيطه من إيمانهم، ولو قيل: إن الاستثناء منقطع، وانّ المعنى لا يؤمن أحد بعد ذلك غير هؤلاء، لكان معنى بليغا فتدبره، وتبتشى افتعال من البؤس، وهو حزن في استكانة، ويقال: ابتأس إذا بلغه ما يكرهه، فلذا فسره بقوله ونهاه الخ. والإقناط من قوله لن يؤمن، لأنّ لن لتأكيد النفي. قوله: (ملتبساً بأعيننا الخ (يشير إلى أنّ الجارّ والمجرور حال من الفاعل، وأنّ الباء للملابسة، أي محفوظا، قيل: والملابسة للعين كناية عن الحفظ، والأعين للمبالغة فيه، كما أنّ يسط اليد كناية عن الجود، وبسط اليدين كناية عن المبالغة فيه، وقيل الأعين هنا بمعنى الرقباء، وإنه تجريد على حذ قوله: وفي الرحمن للضعفاء كافي لأنه تعالى هو الرقيب، وردّ بأن العين هنا بمعنى الجارحة، وهي جرت مجرى التمثيل، وليس من التجريد في شيء، وليس المعنى على الرقباء هنا، وكأنّ التوهم نثأ من قوله في تفسيره في سورة المؤمنين، كأنّ مع الله حفاظا يكلؤنه بعيونهم، وهذا عليه لا له، لأنه إنما نبه به على فائدة جمع الأعين، وليس فيه أنّ الحافظ هو الله بنفسه، أو بمن نصبه لذلك، وقد صرّج به في الطور، والاستعارة فيه من الجارحة، والجمع للمبالغة، وقال في الطور إنه لذكر ضمير الجمع معه هناك فهو وجه آخر، ولا منافاة بين الوجوه، وأمّا ما قيل إنّ كلامه يقتضي أنه مجاز مرسل لاستعمال الجارحة في لازمها، وهو الحفظ فلا وجه له، لأنه بيان لوجه الشبه والمناسبة بينهما، وقوله: بكثرة آلة الحس أي تعدّدها لأنه جمع قلة، أو لأنه لما أضيف أفاد الكثرة لانسلاخ معنى القلة بها عنه. قوله: (كيف تصنعها) عن ابن عباس ﵄ أنه لم يدر كيف يصنعها، فأوحى الله إليه أن تصنعها مثل جؤجؤ الطائر، أي صدره، وقوله: ولا تراجعني إشارة إلى أنّ النهي عن المخاطبة مبالغة في النهي عن المراجعة في أمرهم بخطاب أو غيره، وقوله محكوم الخ لأنه المحقق في الحال، لأنّ الإغراق لم يقع، فهو أبلغ لدفع الاستشفاع بعد النهي. قوله: (وكلما مرّ عليه م! كل منصوب على الظرفية، وما مصدرية وقتية، أي كل وقت مرور، والعامل فيه جوابه، وسخروا صفة ملأ أو بدل اشتمال، لأنّ مرورهم للسخرية. قوله: (استهزؤوا به لعمله السفينة) يقال سخر منه وبه وهزأ به، ومنه واسناد الاستهزاء إلى نوح ﵊ حقيقة، وكذا إلى عمله، وقيل إنه مجاز لأنه سبب الاستهزاء، وقوله: فإنه كان يعملها، بيان لسبب الاستهزاء، قيل: إنهم قالوا له ما تصنع يا نوح لأل بيتا يمشي على الماء، فتضاحكوا وسخروا منه، والاستهزاء منهم حقيقة، وفي نسخر منكم مشاكلة، لأنه لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: إنه لجزائهم من جنس صنيعهم فلا يقبح، ولذا فسر بعضهم السخرية بالاستجهال، كما ذكره المصنف وهو مجاز لأنه سبب للسخرية، فأطلقت السخرية وأريد سببها لكنه لا يناسب قوله كما تسخرون، أو هو على هذا ضاكلة، وقوله وقيل: معطوف على ما قبله بحسب المعنى، وسوف تعلمون أي تعرفون، ولذا

стр. 1559

شدّى لواحد وهو من الموصولة، وقيل إنها على أصلها والمفعول الثاني محذوف، وقيل: من استفهامية والجملة معلق عنها، وهي ساذة مسذ المفعول، أو المقعولين على الوجهين. قوله: (وينزل أو يحل عليه حلول الدين (منصوب على أنه مصدر تشبي! يئ، وهو بيان لأنه على التفسير افاني فيه استعارة تبعية ومكنية، شبه حكم الله بغرقهم بالدين اللازم أداؤه، وهو على الأوّل سقيقة، والإسناد مجازيّ، أي ينزل عليهم من السماء ما بغرقهم ويعذبهم به، والعذاب على الأوّل دنيوفي، وعلى الآخر أخروفي، ويحتمل أنه في الأوّل أخروفي أيضا، فيكون مجازاً، وقوله دائم إشارة إلى أنّ الإقامة استعيرت للدوام. قوله:) غاية لقوله ويصنع الفلك الخ) أي هي! ارة متعلقة به، وإذا لمجرّد الظرفية، وإذا كانت حتى ابتدائية فهي غاية أيضاً كما مرّ في الأنعام، وقوله: وما بينهما حال، كأنه جعل قالوا جواب كلما، وسخروا متعلق بملا، والا فلو كان سخروا جوابا كانت جملة قال استثنافية، والحمل على التغليب بعيد، واعترض بأنه على الثاني لا مدخل لقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فالمراد ما بينهما حال مع ما يتعلق به، لأنّ المجموع حال، وهو ناشئ من قلة التدبر لأنّ ما بعد قال بأسره من مقول القول، الذي وقع جوابا،! لكل جملة واحدة بمنزلة الكبرى، وقوله: أو حتى هي التي يبتدأ الخ، يعني أنّ إذا شرطية، وحتى ابتدائية داخلة على الشرط، وجوابه، والجملة لا محل لها من الإعراب. قوله تعالى: ( ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا﴾ ) هو واحد الأوامر، أي الأمر بركوب السفينة، أو واحد الأمور وهو الشأن، وهو نزول العذاب بهم، وقلنا على الاحتمال الأوّل استئناف، وعلى الثاني جواب إذا. قوله: (نبع الماء منه وارتفع كالقدر الخ) إشارة إيى أنه استعارة، شبه خروج الماء بفوران القدر، مع ما في إخراج الماء من التنور الذي هو محل النار من الغرابة، والتنور كالفرن ما يوقد فيه النار للخبز، وهو معروف قيل إنه كان تنورا لآدم يخبز فيه، وهو من حجارة وكان عنده، وقيل: غير ذلك كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، واختلف فيه وفي ماذته، فقيل: إنه عربيئ ووزنه تفعول من النور، وأصله تنوور، فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها، ثم حذفت تخفيفا، ثم شددت النون عوضا عما حذف، وهذا القول نقل عن ثعلمب، وقال أبو علي الفارسيّ وزنه فعول، وقيل: على هذا إنه أعجمي ولا اشتقاق له، ومادّته تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء، ونرجس معرب أيضا، والمشهور أنه مما اتفق فيه لغة العرب والعجم كالصابون، وقوله: في موضع مسجدها على يمين الداخلي مما يلي باب كندة، ذكره في سورة المؤمنين، وقوله: بعين وردة بمنع الصرف لأنه علم لها، وقوله: من أرض الجزيرة، يعني الجزيرة العمرية، وسيأتي في المؤمنين إنه بالشأم، فحمل على اختلاف الرواية، وقوله: أشرف أي أعلى من الشرف، وهو مرتفع الأرض، وقوله: في السفينة يشير إلى أنه أنث ضمير الفلك لأنه بمعنى السفينة. قوله: (من كل نوع الخ) يشير إلى أنّ التنوين عوض عن المضاف، أو هو بيان للمعنى المراد، وفي الكشاف ما يقتضي أنه حمل الوحوس والهوام وغيرها، وقراءة العافة ب ضمافة كل لزوجين، وقرأها حفص بالتنوين، فعلى الأوّل اثنين مفعول احمل، ومن كل زوجين حال، وقيل من زائدة واثنين نعت مؤكد لزوجين بناء على جواز زيادتها في الموجب، وعلى قراءة حفص زوجين مفعول، واثنين نعت مؤكد له، ومن كل حال أو متعلق باحمل، وقوله ذكرا وأنثى تفسير لزوجين، والزوج هنا احمواحد المزدوج بآخر من جنسه، لا مجموع الذكر والأنثى، والا لزم أن يحمل من كل ص كف أربعة أصناف، وهو أحد معنييه كما بيناه في شرح الدرّة، وزوجين على الأوّل بمعنى ؤهـ ت بت، وعلى الثاني بمعنى صنفين، وقوله عطف على زوجين اي على القراءة الأولى: وعلى اثت ٣يئ على الأخرى. قوله:) والمراد امرأته! أي المسلمة لا الكافرة المغرقة، وبنوه أي منها ونساؤهم فأهله سبعة، وكنعان قيل كان اسمه يام وهذا لقبه عند أهل الكتاب، وواعلة بوزن فاعلة بالعين المهملة زوجته الكافرة، وضمير أمّه لكنعان، وهذا يدلّ على أن الأنبياء غير نبينا ﷺ يحل لهم نكاح الكافرة، بخلاف نبينا! ير لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٥٠] الآية. قوله: (قيل كانوا تسعة وسبعين) فالكل مع نوح ﵊ ثمانون وهي الرواية الصحيحة وقيل: سبعة ويرذه عطف من آمن إلا أن يكون الأهل، بمعنى

стр. 1560

الزوجة فإنه ثبت بهذا المعنى، وهو خلاف الظاهر، وقوله: في سنتين، وقيل في أكثر من ذلك، والساج شجر عظيم يكثر بالهند، وقيل إنه ورد في التوواة إنها من الصنوبر، وقوله: وكان طولها الخ. وفيه أقوال، والأقوال متفقة على أنّ سمكها ئلاثون، والمراد بالذراع ذراع ابن آدم إلى المنكب كما ذكره القرطبيّ رحمه الله تعالى، وقوله وجعل لها ثلاثة بطون الخ، وقيل الطبقة السفلى للوحش، والوسطى للطعام، والعليا له ولمن أمن. قوله: ( ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا﴾ ) أي تال نوح ﵊ بدليل قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقيل الضمير دلّه، وضمير الجمع لمن معه، وفيها متعلق باركبوا وتعديته بفي لأنه ضمن معنى ادخلوا وقيل تقديره اركبوا الماء فيها، وقيل: في زائدة للتوكيد، والمصنف رحمه الله تعالى اختار أن تعديته بها لأنه مجاز عن معنى الصيرورة، ولم يجعله تضمينا لأنّ الركوب ليس بحقيقيئ، فيلزم جمع التضمين والتجوّز وما ذكره أقرب، وقوله: جعل ذلك ركوباً يشير إلى أنّ فيه استعارة تبعية، لتشبيه الصيرورة فيها بالركوب، وقيل: الاستعارة مكنية. قوله: (متصل باركبوا حال من الواو (بيان لوجه اتصاله به، والباء للملابسة وملابسة اسم الله بذكره ولذا فسره بقوله ة مسمين الله، أو الحال محذوفة وهذا معمولها ساذ مسدّها فلذا سموه حالاً، أي قائلين باسم الله، ومجراها ومرساها معمول الاستقرار الذي تعلق به الجارّ والمجرور على الأوّل، ومعمول قائلين وهي حال مقدرة أو مقارنة، بناء على أن الركوب المأمور به ليس أحداثه بل الاستمرار عليه. قوله:) وقت إجرائها وإرسائها الخ (جوّزوا فيه أن يكون اسم زمان أو مكان، أو مصدرأ ميميأ، وعلى الأخير يقدر مضاف محذوف وهو وقت، ولما حذف سد هذا مسده وانتصب وهو كثير في المصادر، وتمثيله بخفوق أي الطلوع أو الغروب أحسن من تمثيل الزمخشريّ بمقدم الحاج، لاحتماله غير المصدرية، وقوله بما قدرناه يعني متعلق الجارّ والمجرور، أو قائلين ولا يجوز نصبه باركبوا إذ ليس المعنى على اركبوا في وقت الإجراء والإرساء، أو في مكانهما، وإنما المعنى متبركين أو قائلين فيهما. قوله: (ويجورّ رفعهما الخ) أي رفع المصدرين بالظرف لاعتماده على ذي الحال، وهو ضمير اركبوا فهي حال مقدرة على ما مرّ، وأمّا كونها من ضمير فيها فلا قرينة في كلامه عليه، ومن زعم أنه مراده وأنه حمله على الصلاح فما أفسده أكثر مما أصلحه، وقوله: أو جملة عطف على ما قبله بحسب المعنى، والخبر المحذوف تقديره متحقق ونحوه، وقوله: جملة مقتضية على صيغة المفعول، أي مستأنفة منقطعة عما قبلها لاختلافها في الخبرية أو الإنشائية، فقوله: لا تعلق لها بما قبلها تفسير له، وأصل الاقتضاب في اللغة الاقتطاع، ويطلق في اصطلاح المعاني على الانتقال من الغزل إلى المدح من غير تخلص. قوله: (أو حال مقدّرة من الواو أو الهاء) المراد بالهاء ضمير فيها العائد على السفينة، وقد اعترض عليه بأمرين، الأوّل أنّ الحال إنما تكون مقدّرة إذا كانت مفردة كمجراة، أمّا إذا كانت جملة فلا، لأنّ الجملة معناه اركبوا وباسم الله إجراؤها، وهذا واقع، وردّ بأنا لا نسلم أنه واقع حال الركوب وإنما يكون كذلك لو لم تكن حالاً مقدرة، وهذا ناشئ من عدم الوقوف على مراده، لأنهم ذكروا أنّ الفرق بين الحال إذا كانت مفردة، وجملة أنّ الثانية تقتضي تحققه في نفسه وتلبسه بها، وربما أشعرت بوقوعها قبل العامل، واستمرارها معه كما إذا قلت جاءني وهو راكب فإنه يقتضي تلبسه بالركوب واستمراره عليه، وهذا يتمادى كونها منتظرة، ولا أقل من أنه لا يحسن الحمل عليه حيث تيسر الإفراد، وأمّا الجواب عنه بان الجملة في تأويل المفرد لعدم الواو ككلمته فوه إلى فيّ، والمعنى اركبوا فيها مجراة ولا شك أنّ إجراءها لم يكن جمند الركوب فهي مقدرة، فمع أنه لا يدفع ذلك على ما قرّرناه قد مرّ في سورة الأعراف ما يدل على عدم صحته، الثاني أنه لا عائد على ذي الحال هنا إذا كان حالاً من الواو، وتقديره فإجراؤها معكم أو بكم كائن باسم الله تكلف، وأمّا كون الاسمية لا بد فيها من الواو فغير مسلم كما مرّ، وما قاله الرضي من أنّ الجملة الاسمية قد تخلو من الرابطين، عند ظهور الملابسة نحو خرجت زيد على الباب، فضعيف في العربية لا ينبغي التخريج عليه. تنبيه: قال الفاضل المحشي الحال المقدرة لا تكون جملة، ومثله لا يقال بالرأي، وكان وجهه أن الحال المفردة صفة لصاحبها معنى، والجملة الحالية قد يكتفي فيها بالمقارنة، نحو سرت

стр. 1561

والشمس طالعة، ويتصيد منها صفة، كالسببية، وفيه بحث، فإنّ الجملة الحالية منها المقارنة، ومنها ما هو بتأويل مفرد مأخوذ من مجموعها، نحو كلمته فوه إلى فيّ، أي مشافها، وضها ما هو من جزئها كبعضكم لبعض عدوّ، أي متعادين، ومنه ما نحن فيه، فردّها مطلقا غير صلم. قوله: (ويجورّ أن يكون الاسم مقحماً) أي زائداً وفي الكشاف ويراد بالله إجراؤها! رساؤها أي بقدرته وأمره، أي على إرادة ذلك أو تقديره، وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز الإقحام طى تقدير مسمين أو قائلين، إذ لا يظهر معناه، وهذا على تقدير المصدر، وأمّا على تقدير ا! زمان والمكان فيكون من قبيل نهاره صائم، وطريقه سائر، وهذا التقدير يجوز تنزيله على كلام! احد، وعلى كلامين. قوله: (ثم اسم السلام عليكما) إشارة إلى زيادة لفظ اسم في شعر لبيد العامري، وهو قوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملافقد اعتذر وقد مز تفصيله في أوّل الفاتحة. قوله: (مجراها بالفتح من جرى الخ (أي من الثلاثيّ والثلا! لة الزمان والمكان والمصدرية، وقراءة مرساها بالفتح شاذة، وقوله: صفتين لله، قيل: مليه إنّ اسم الفاعل بمعنى المستقبل إضافته لفظية فهو نكرة، لا يصح توصيف المعرفة به فهو يدل، والقول بأنّ المراد الصفة المعنوية لا النعت النحويّ، فلا ينافي البدلية بعيد. قوله: (أي ك لا مغفرته لفرطاتكم الخ) بيان لارتباطه بما قبله، أي لولا مغفرته ورحمته ما نجاكم إيمانكم من الغرق، فهي جملة مستأنفة بيان للموجب له، وليس علة لأركبوا لعدم المناسبة له كما قيل، وفيه أنه قال العلامة إنه علل به، يعني بالنظر لما فيه من الإشارة إلى النجاة، فكأنه قيل اركبوا النجيكم الله. قوله: (متصل بمحذوف الخ) في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها أنها مستأنفة، والحاني أنها حالية من الضمير المستتر في باسبم الله، أي جريانها استقرّ باسم الله حال كونها ب رية، والثالث أنها حال من شيء محذوف دل عليه السياق، أي فركبوا فيها جارية، والفاء المحقدّرة للعطف، وبهم متعلق بتجري أو بمحذوف أي ملتبسة بهم، والرسوّ الاستقرار، يقال! سا يرسو وأرسيته، والمضارع لحكاية الحال الماضية، وقوله: وهم فيها مستفاد من قوله بهم، ولم يجعلوها من الضمير المستتر في الحال الأولى، على أنها حال متداخلة لأنه يلزم أن يكون المجريان في وقت الركوب، وهو وقت تقدير التسمية فتأمّل، والطوفان له معان منها الماء إذا فا حتى غرّق البلاد وهو المراد، واضطرابه شدّة حركته. قوله: (كل موجة منها كجبل الخ (ش ليس المراد تشبيه الموجة الواحدة بالجبال، والموج واحده موجة، والجبال متفاوتة، كما أنّ الأمواج كذلك. قوله: (وما قيل من أن الماء الخ) جواب عما يقال إنه روي أنه طبق ما بين السماء والأرض، وأنّ السفينة كانت تجري في داخله كالسمك فلا يتحرّك، ولا يجري ولا يكون له موج، بأنه ليس بصحيح رواية، وهو مما يأباه العقل، ولو سلم فهذا كان في ابتداء ظهوره بدليل قول ابنه سآوي إلى جبل فإنه يدل على أنه كان تدريجياً. قوله: (علا شوامخ الجبال (من إضافة الصفة للموصوف وهذا مما تبع فيه المصنف الزمخشريّ وليس له وجه. قوله تعالى: ( ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ ) قال السفاقسيّ والسمين الجمهور على كسر تنوين نوج ﵊ لالتقاء الساكنين، وقراءة وكيع بضمه اتباعاً لحركة الإعراب، وقال أبو حاتم إنها لغة ضعيفة، وهاء ابنه توصل بواو في الفصيح، وقرأ ابن عباس ﵄ بسكون الهاء فلا التفات إلى ما قيل إنه ضرورة وهي لغة عقيل، وقيل الإزد، وقرأ عليّ رضي الله تعالى عنه ابنها ولذا قيل إنه كان ربيبه والربيب ابن امرأة الرجل من غيره، لأنّ الإضافة إلى الأمّ مع ذكر الأب خلاف الظاهر، وان جوّزوه، ووجه بأنه نسب إليها لكونه كافراً مثلها، وقرأ محمد ابن علي وعروة والزبير ابنه بهاء مفتوحة دون ألف اكتفاء بالفتحة عنها، وهو ضعيف في العربية، حتى خصه بعضهم بالضرورة، وهذا النداء كان قبل ركوب السفينة، والواو لا تدذ على الترتيب، وقوله: على أنّ الضمير لامرأته أي على القراءتين، وقوله: رشدة بكسر الراء المهملة وسكون الشين المعجمة وفتح الدال وتاء تأنيث، يقال للولد

стр. 1562

هو لرشدة إذا كان من نكاج لا من زنا وسفاح، وضده لزينة بالكسر وقوله: إذ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عصمت أضاف العصمة لهم، وان كانت في الحقيقة للزوجات، لأنه عار عليهم ونقيصة مبرّؤون عنها. قوله: (على الندبة) عبر في الكشاف تبعا لابن جني في المحتسب بالترثي تفعل من رثيت، وهي بمعنى الندبة في عبارة المتقدمين، وقوله: ولكونها الخ دفع لاستشكالهم بأن النحاة صرّحوا بأنّ حرف النداء لا يحذف في الندبة، فأجاب بأنه حكاية والذي منعوه في الندبة نفسها إلا في حكايتها، وما وقع في تفسير ابن عطية من أبناء بفتح همزة القطع التي للنداء رذ بأنه لا ينادي المندوب بالهمزة، وأنّ الرواية بالوصل فيها، والنداء بالهمزة لم يقع في القرآن. قوله: (عزل فيه نفسه) يعني أنّ المعزل بالكسر هنا اسم مكان العزلة، وفد يكون زمانا، وأمّا المصدر فبالفتح ولم يقرأ به أحد، وإذا كان اعتزاله في الدين فهو بمعنى مخالفته مجازاً، يقال: هو بمعزل عن الأمر إذا لم يفعله. قوله: (كسروا الياء ليدلّ على ياء الاضافة المحذوفة في جع القرآن) أي هنا وفي يوسف وثلاثة مواضع في لقمان، وفي الصافات، وقوله: وقف مليها أي سكنها، وعاصم عطف على ابن كثير، وقوله: اقتصارأ على الفتح من الألف المبدلة صن ياء الإضافة، وقيل: إنّ حذفها لالتقاء الساكنين ويؤيد الأوّل أنه قراً بها حيث لا ساكن كدها. قوله: (وحفصى الخ) وروي عنه الاظهار في النشر أيضاً، وكلاهما صحيح. قوله: (أن كرقئي) من الأفعال، ويجوز أن يكون من التفعيل، فالعصمة عبارة عن حفظه عن الغرق. قوله: (١ لا الراحم وهو الله الخ) ذكروا فيه وجوها الأوّل لا عاصم إلا الراحم، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر، لأن الأصل لا عاصم من أمر الله إلا الله، وفي العدول إلى الموصول زيادة فخيم وتحقيق لرحمته، وأن رحمته هي المعتصم لا الجبل، وهو أقوى الوجوه، الثاني لا ذا عصمة أي لا معصوم إلا المرحوم، قيل: وفيه أن فاعلا بمعنى النسبة قليل، فإن أريد في نفسه فم! نوع، وان أريد بالنسبة إلى الوصف فلا يضرّ، الثالث الانقطاع على أن لا عاصم على الحقيقة، أي ولكن من ﵀ فهو المعصوم، وأورد عليه أن مثل هذا المنقطع قليل، لأنه في الحقيقة جملة منقطعة تخالف الأولى، لا في النفي والاثبات فقط، والأكثر فيه مثل ما جاءني القوم إلا حمارا، الرابع لا معصوم إلا الراحم على معنى لكن الراحم يعصم من أراد، وهذا غير مصرّج به في الكشاف، ولكنه يظهر من تجويزه أن يكون من رحم هو الراحم، ولا عاصم بمعنى لا معصوم، الخامس إضمار المكان أي لا عاصم إلا مكان من ﵀، وهو السفينة، وهو وجه حسن فيه مقابل لقوله: يعصمني، وهو المرجح بعد الأوّل، والعاصم على هذا حقيقة، لكن إسناده إلى المكان مجازي، وقيل إنه مجاز مرسل عن مكان الاعتصام بناء على إسناد الفعل إلى المكان إسناداً مجازيا والمعنى لا مكان اعتصام إلا مكان من ﵀، نإنه أرجح من الكل، لأنه ورد جواب! عن قوله ساوى إلى جبل، الخ السادس لا معصوم إلا مكان من ﵀، وأريد به عصمة من فيه على الكناية، فإنّ السفينة إذا عصمت عصم من فيها، وهذا وجه أبداه صاحب الكشف من عنده، السابع أنّ الاستثناء مفرّغ، والمعنى لا عاصم اليوم أحداً أو لأحد إلا من ﵀، أو لمن ﵀ وعده بعضهم أقربها، وعلى ما ذكرنا ينزل كلام المصنف رحمه الله تعالى في الاقتصار على بعضها، وقوله: وهم المؤمنون تفسيران لا للمكان لأنه السفينة، وقوله رذ بذلك الخ إشارة إلى الترجيح السابق، وقوله: اللائذ به جمع لائذ مضاف للضمير، أي اللائذين به، وقوله لاذا عصمة ذو العصمة يشمل العاصم والمعصوم، والمراد هنا المعصوم فهو مصدر عصم المبنى للمفعول، فإن قيل على أنّ التقدير لا عاصم إلا مكان من ﵀، يكون المعنى لا عاصم من أمر الله إلا المكان، فيقتضي أن المكان يعصم ويمنع من أمر الله وقضائه، وهو غير صحيح لأنه لا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه، قلت أجيب بأن المراد بأمر الله بلاؤه وهو الطوفان، وبهذا الاعتبار صح الاستثناء فتأمّل. قوله: (بين نوح ﵊ وابنه) فلم يصل إلى السفينة لينجو، أو بينه وبين الجبل فلم يتيسر له الصعود فلم ينج أيضا لزعمه أن الماء لا يصل إليه وتفريع فكان الخ على هذا لا ينافي قوله: لا عاصم لأن المراد فكان من غير مهلة أو هو بناء على ظنه. قوله: (ئوديا بما ينادى به أولو العلم الخ) هذه الآية

стр. 1563

حوت من البلاغة أمراً عجيبا ترقص! الرؤوس له طربا، قال في الكشاف: نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص، والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات، وهو قوله: (يا أرضى ويا سماء) ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل، من قوله: (أبلعي ماءك وأقلعي) من الدلالة على الاقتدار العظيم، فإنّ السماوات والأرض! وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون، قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له، والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث الخ. قيل: عنى أنه شبه الأرض والسماء بالعقلاء المميزين على الاستعارة المكنية، والنداء استعارة تخييلية وهي قرينتها، ثم رشحت بالأمر والبلغ لاختصاصه بالحيوان، لأنه إدخال الطعام في الحلق بالقوّة الجاذبة، فهو ترشيح على ترشيح، وأمّا الاقلاع فلا تجريد فيه ولا ترشيح، لاشتراكه بين الحيوان وغيره، يقال: أقلعت السماء إذا لم تمطر، وخالفه غيره فقال: إنه تجريد لاشتهاره في السماء والمطر، قال: وإنما اختير الترشيح في جانب الأرضى، والتجريد في السماء، لأنّ إذهاب الماء كان مطلوباً أوّليا وليس للسماء فيه سوى الامساك، فقيل: أقلعي والأرض هي التي تقبل الاذهاب المطلوب، وقيل: إنه وهم لأنّ تفسيرهم له بالامساك ينافيه فتأمّل. قوله: (تمثيلأ لكمال قدرته الخ) قيل مراده ما مرّ من الاستعارة المكنية والتخييلية، مع ما يصحبه من لطائف البلاغة، وهو تمثيل فويّ، أو اصطلاحيّ باعتبار أنه يلزمه استعارة أخرى تمثيلية، لكنها ليست من صريح الطم بل تابعة له، وقيل: إنه يعني أنّ في النظم استعارة تمثيلية شبهت الهيئة المنتزعة من كمال قدرته ملى رد ما انفجر من الأرض إلى بطنها، وقطع طوفان السماء، وتكوّن ما أراده فيها كما أراد، لهيئة المنتزعة من الآمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه الخ. فعلى هذا يكون استعارة واحدة يخلاف ما في المفتاح، وعلى الوجه الأوّل لا مخالفة بين كلام الشيخين وكلام السكاكيّ، كما ارتضاه الشارح إلا في أمر يسير سيأتي بيانه، وقيل: إنه يخالفه فإنّ السكاكيّ حمل النظم على استعارات حسنة، وترشيحاتها ومجازات بليغة، وعلاقاتها مع فخامة لفظها ووجازة نظمها، لمجعل القول مجازاً عن الإرادة بعلاقة تسببها له، والقرينة خطاب الجماد، كأنه قيل أريد أن روتدّ ما انفجر من الأرض وينقطع طوفان السماء، وجعل الخطاب بيا أرض ويا سماء وأرادا ملى نهج المكنية تشبيها لهما بالمأمور المنقاد، وأثبت لهما ما هو من خواص المشبه به أعني النداء، وجعل البلع استعارة لغور الماء فيها للذهاب إلى مقر خفيّ، والماء استعارة مكنيه تشبيها لى بالمطعوم المتغذي به، والقرينة ابلعي باعتبار أصله، وان كان عنده استعارة تصريحية على حد ينقضون عهد الله، ورجح استعارة البلع للنشف على ما اختاره كما سيأتي، وجعل أمر البلع ترشيحاً للمكنية التي في المنادى لزيادته على القرينة، كما تقرّر عندهم، وجعل إضافة الماء إلى الأرض! مجازا لغويا لاتصال الماء بها، كاتصال المال بالمالك، والخطاب ترشيح له، قيل: والظاهر أنه تجوّز عقلي في النسبة، والخطاب ترشيح للمكنية في المنادى، وقد مرّ تحقيقنا لهذا المبحث في مالك يوم الدين، والخلاف فيه بين الفاضلين، واستظهروا أنه من إضافة الغذاء إلى المغذي في النفع والتقوّى وصيرورته جزءاً منه، ولا نظر إلى المالكية، ومن أراد بسط الكلام في هذا فلينظر شروح المفتاح، وقوله: الذي يأمر المنقاد لحكمه يعني فيأتمر ويبادر للامتثال، وتركه لظهوره، وهذه المبادرة من السياق لا من دلالة الأمر على الفور كما قيل. قوله: (والبلع النشف والاقلاع الامساك) النشف من نشف الثوب، العرق كسمع وبصر إذا شربه، قال المدقق: هذا أولى من جعل السكاكي البلع مستعار الغور الماء في الأرض لدلالته على جذب الأرض ما عليها، كالبلع بالنسبة إلى الحيوان، ولأنّ النشف فعل الأرض، والغور فعل الماء، فلله دره ما أكثر اطلاعه على حقائق المعاني، وأمّا ما قيل: إن البلع ترشيح والاقلاع تجريد بناء على قول الزمخشريّ، أقلع المطر فوهم لأنّ تفسير الامساك يرشد لخلافه فتأمّل. قوله: (وغيض الماء نقص) من غاضه إذا نقصه وجميع معانيه راجعة إليه، وقوله الجوهري: غاض الماء إذا قل ونضب، وغيض الماء فعل به ذلك لا يخالفه وهو إخبار عن حصول المأمور به من السماء

стр. 1564

والأوض معا، أي فامتثلا ما أمرا به ونقص الماء، ولا يخص غيض الماء بطوفان السماء كما ئوهم، وفيه كلام طويل في الكشف. قوله: (واستقرّت) يقال استوى على السرير إذا استقر عليه، وآمل بالمذ وضمّ الميم بلدة. قوله: (هلاكاً لهم الخ) يعني أن البعد ضد القرب، وهو باعتبار المكان، وهو في المحسوس، وقد يقال: في المعقول نحو ضلوا ضلالاً بعيداً، وأن استعماله في الموت والهلاك استعارة لكن كلام أهل اللغة يخالفه لاختلاف فعليهما، فإنه يقال: في الأوّل بعد يبعد ككرم يكرم بعد بضم فسكون، وفي الثاني بعدا يبعد كفرح يفرج فرحا، كما قيل فالواقع في قول المصنف بكسر العين في الماضي وفتحها في المصدر، وقيل بالعكس، والظاهر أنه فيهما بالضم، لأنّ الواقع في النظم مصدر ل! لمضموم فهو يقتضي أن يكون من البعد المكاني، وأنهما من ماذة واحدة، وهو الذي حمل المصنف رحمه الله تعالى على التجوّز وقوله: إذا بعد بضم العين، وبعدا كقربا ووصف البعد بكونه بعيداً للمبالغة كجد جده، وقوله لا يرجى عوده بيان لشدّة بعده وبيان لاطلاق البعد على الموت، وقد أوضح هذا المعنى التهامي في قوله في مرثيته المشهورة: أشكو بعادك لي وأنت بموضع لولا الردى لسمعت فيه سراري والشرق نحو الغرب أقرب شقة من بعد تلك الخمسة الأشباري وقوله: وخص بدعاء السوء يعتي بعدا مصدر يستعمل للدعاء، كسقيا ورعيا لكنه مخصوص بالسوء كجدعا وتعسا، والمراد بالظلم مطلقه أو تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنهم به ظلموا أنفسهم. قوله: (والآية في غاية الفصاحة الخ) ما اشتملت عليه من الفصاحة والنكات مفصل في شرح المفتاح، والمراد بالفصاحة البلاغة، وفخامة لفظها مجاز عن بلاغتها، وكنه الحال حقيقته من إرادة ما ذكر. قوله:) واللراد الآخبار على البناء للمفعول الخ) يعني أنّ الفاعل قد يترك ويبنى للمجهول لتعينه، لأن تلك الصفات لا تليق بغيره حقيقة، أو ادّعاء وقد صرّج الشعراء بهذا المعنى وتشبتوا به كما قال أبو نواس: وان جرت الألفاظ يوما بمدحة لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني قوله: (وأراد نداءه (أوّله به ليصح التفريع عليه كما بينه، وقيل: إنه تفصيل للمجمل لا! الإجمال يعقبه التفصيل، وقيل: إنّ المعقب ما بعد قوله: رلث، وهو إنما ذكر للتوطئة لما بعده، وإنّ تأويل المصنف رحمه الله تعالى ليس بحسن لأنّ فعل كل فاعل مختار لا بد أن يعقب إرادته، فليس في ذكره حينئذ كبير فائدة وفيه نظر. قوله: (وإق كل وعد تعده حق الخ) يعني أنّ كل وعد لك حق وقد وعدت بانجاء أهلي وهو من جملتهم، وهو في قوّة قياس، ومراده استعلام الحكمة في عدم انجائه مع ما ذكر إن كان ذلك بعد غرقه، أو الاستكشاف عن حاله إن كان قبله، وإليهما أشار بقوله: فما حاله أو فما له لم ينج لكنه كان ينبغي أن يقدم قوله ويجوز الخ على ذلك. قوله: (ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه) فإن الواو لا تقتضي الترتيب، قال الزمخشري: وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل غرقه حين تأبيه عن ركوب السفينة وخوفه عليه، وأمّا جواز أنه لم يعرف غرقه، وأنه تعالى يجوز أن ينجيه بسبب أخر لمقتضى وعده فخلات الظاهر. قوله: (لآنك أعلمهم وأعدلهم الخ) يشير إلى أنّ المعنى على التعليل، والى أنه إذا بنى أفعل من الشيء الممتنع من التفضيل والزيادة، يعتبر فيما يناسب معناه معنى الممتنع، وقال الإمام ابن عبد السلام في أماليه إنّ هذا ونحوه من أرحم الراحمين وأحسن الخالقين مشكل، لأن أفعل لا يضاف إلا إلى جنسه، وهنا ليس كذلك لأنّ الخلق من الله بمعنى الإيجاد، ومن غيره بمعنى الكسب، وهما متباينان، والرحمة من الله إن حملت على الإرادة صح المعنى لأنه يسير أعظم إرادة من سائر المريدين، وإن جعلت من مجاز التشبيه وهو أنّ معاملته تشبه معاملة الراحم صح المعنى أيضا لأن ذلك مشترك بينه وبين عباده، وإن أريد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلاً إذ لا موجد سواه، وأجاب الآمدي رحمه الله تعالى بأنه بمعنى أعظم من يدعي بهذا الاسم، قال: وهذا مشكل لأنه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه، وهو يناسب مذهب المعتزلة فتأمل. قوله: (أو لآنك أكثر حكمة من ذوي الحكم الخ) يعني على أن يبني من الحكمة حاكم للنسبة، وقيل: عليه إنّ الباب ليس بقياسي

стр. 1565

وإنه لم يسمع حاكم بمعنى حكيم، ولأنه لا يبني منه أفعل إذ ليس جاريا إلى الفعل، فلا يقال ألبن وأتمر، إذ لا فعل بهذا المعنى، والجواب بأنه كثر في كلامهم، أو يجوز أن يكون وجها مرجوحا، وبأنه من قبيل أحنك الشابين لا يخلو عن تعسف، وتعقب بأنّ للحكمة فعلا ثلاثيا، وهو حكم كما مرّ في أوّل السورة، وأفعل من الثلاثيئ مقيس، وأيضا سمع احتنك الجراد، وألبن وأتمر، فغايته أن يكون من غير الثلاثيّ، ولا يخفى ما فيه، ومنهم من فسره على هذا بأعلمهم بالحكمة، كقولهم: آبل من أبل، بمعنى أعلم وأحذق بأمر الإبل. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الخ (قيل إنه اشتبه عليه الأمر لظنه أنّ المستثنى امرأته وحدها، وقوله: ولا تكن مع الكافرين، لا يدلّ على تحقق كفره لاحتمال أن يراد لا تكن في خلالهم، ولبعد هذا اعتذر عنه المصنف رحمه الله تعالى، بأنّ حب الولد شغله عن تأمّل حاله فعوتب على ترك التأمّل فيه، ومثله ليس بمعصية، والمراد ليس من أهلك الذين وعدهم الله بالنجاة، وقوله: لقطع الولاية يعني أنه لا يكون بين مسلم وكافر ولاية، ولذا لم يتوارثا، وقرابة الدين أقرب من قرابة النسب، كما قال أبو نواس: كانت مودّة سلمان له نسبا ولم يكن بين نوح وابنه رحم قوله: (فإنه تعليل الخ) أي هذه الجملة تفيد أنّ مضمونها تعليل لما قبلها، لأنها مستأنفة في جواب لم لم يكن من أهلي، وأصله إنه ذو عمل فاسد لأنه العلة في الحقيقة، فعدل عنه مع أنه أخصر وحذف ذو للمبالغه بجعله عين عمله لمداومته عليه، ولا يقدّر المضاف لأنه يفوّت المبالغة المقصودة منه. قوله: (كقول الخنساء) هي امرأة من فصحاء الجاهلية، والخنس انخفاض الأنف، وتوصف به الظباء، فلذا سميت به، ولها ديوان معروف، وهذا من قصيدة لها رثت بها صخرأ أخاها وهي مشهورة (ومنها) : وما عجول على بوّ تحن له لها حنينان إعلان وإسرار ترتع ما غفلت ححى إذا ذكرت فإنما هي إقبال وادبار يوما بأوجع مني حين فارقني صخر وللعيش أحلاء وإمرار ) ومنها (: لمان صخرالتأتق! الهداة به كأنه علم في رأسه نار فقوله تصف ناقة لأنها مثلت حالها بناقة ذبح ولدها فهي تحن له، فإذا ذهلت عنه رعت، وإذا ذكرته اضطربت، فهي بيت إقبال وادبار، أي بين إقبال على الحنين، وادبار عنه، والشاهد في قوله: هي إقبال وادبار، والعجول التي فقدت عجلها، والبوّ جلد يحشى تبنا لترأمه وتدر وترتع من رتع في المرعى إذا مشى فيه للرعي. قوله: (ثم بدّل الخ) معطوف على مضمون ما قبله، أي علل ثم بدل، ولمن متعلق بالنجاه أو أوجب، ومن في من أهله بيانية أو تبعيضية، والمراد بالمناقضة مجرّد المناقاة لأن بينهما واسطة وهي البطالة، وقوله: وقرىء إنه عمل أي بالفعل الماضي، وغير صالح مفعوله، وأصله عملاً غير صالح فحذف، وأقيمت صفته مقامه. قوله: (ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك الخ) أي أصواب فتسأل عنه أم لا فتتركه، وهو شامل لوجهي السؤال، والنهي إنما هو عن سؤال ما لا حاجة له إليه إمّا لأنه لا يهم، أو لأنه قامت القرائن على حاله، كما هنا لا عن السؤال للاسترشاد والاشتنجاز أي طلب الإنجاز للوعد، وهو إذا كان النداء قبل الغرق، والاستفسار عن المانع عن نجاته إذ كان بعده، قيل: والاً وّل هو الظاهر من اللفظ، وعلى الثاني يكون من الحذف والإيصال وأصله عما ليس الخ، لأنّ السؤال الاستفساري يتعدى بعن، والطلبيّ بنفسه، كما هو مشهور عندهم، وأمّا القول بأنّ ما عبارة عن السؤال فلا حاجة إلى الحذف والايصال، فليس بشيء لأنه يحتاج إلى التقدير في قوله: إذ لا معنى لنفي العلم عن سؤاله، وإنما هو عن المسؤول، فلا وهم فيه كما توهم. قوله: (وإنما سماه جهلأ الخ) يشير إلى أنه ليس بجهل، وإنما هو غفلة عما مرّ من الاستثناء، أو ظنه شمول الوعد لجميع أهله، ولا يخفى بعده، وقوله: أشغل بالألف في النسخ، وقد أنكره بعض أهل اللغة، لكها لغة قليلة أو رديئة، وكتب بعض العمال في رقعة للصاحب أن رأي مولانا أن يأمر بإشغالي ببعض أشغاله، فوقع له من كتب إشغالي لا يصلح لاشغالي، ومتعلق العلم والجهل حال ابنه، واستحقاقه لما حل به، وما ليس له به علم كون المسؤول خطأ أو صواباً وأن تكون بمعنى كراهة

стр. 1566

أن تكون أو لئلا تكون كما مز نظيره، وقال: الماتريدي إنّ نوحاً ﵊ ظن ابنه على دينه لأنه كان يخفي كفره منه، والا لم يسأل نجاته وقد نهى عن مثله، قيل: وهو الأظهر. قوله: (بفتح اللام والنون) أي ويفتح النون بدليل ما بعده، وقوله: للياء أي لأجل أن تدل الكسرة على الياء المحذوفة، أو لمناسبتها والإثبات أمره ظاهر، وقوله: فيما يستقبل لأنّ السؤال وقع منه، وقيل: إنه لدفع أن يكون ردّاً لقوله ابني وانكاره السؤال، وأفا في الحال فغير متصوّر وقوعه منه فتأمل، وقوله: بصحته إشارة إلى تقدير مضاف، ودخل فيه ما علم فساده وما شك في صحته وفساده. قوله: (انزل من السفينة (وقال الإمام من الجبل إلى الأرض، وقوله مسلماً بصيغة المفعول إشارة إلى أنّ الباء للملابسة، وأنّ الجارّ والمجرور حال، والسلام إمّا بمعنى السلامة مما يكره، أو بمعنى التسليم والتحية من الله، أو من الملائكة عليهم الصلاة والسلام، الذين من قبله، وقوله: من جهتنا، بيان لقوله: منا وأن من فيه ابتدائية، ولو أخره كان أحسن، وهو متعلق بمسلماً لا بالمكاره كما جوّزه بعضهم. قوله: (ومباركاً عليك) أي مدعوا لك بالبركة، بأن يقال بارك الله فيك، وهو مناسب لكون السلام بمعنى التسليم فيكون كقوله: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وهذه الآية من الاحتباك لأنه حذف من الثاني ما ذكر في الأوّل، وذكر فيه ما حذف من الأؤل، والتقدير بسلام منا عليك وبركات منا عليك، وقوله آدما صرفه لأنه نكره، ونوج ﵊ يسمى آدم الثاني والأصغر، لأن الناس كلهم من نسله ﵊، لأنه لم يبق بعد الطوفان غير بنيه وأزواجهم على ما اختاره في الصافات، وا! جميع الناس من نسله، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ﴾ [سورة الصافات، الآية: ٧٧] وهو لا ينافي الوجه الثاني في من هنا والحاصل أن العلماء قد اختلفوا في الناس بعد الطوفان هل هم جميعا من نسل نوح ﵊، ولذا سموه آدم الثاني وآدم الأصغر، كما اختلفوا فيمن كان معه في السفينة وعددهم، فقيل: إنه مات من كان معه في السفينة من غير أولاده ولم يبق لهم نسل، فحينئذ لا يصح أن يكون الأمم نشؤوا ممن معه إلا أن يخصوا بأولاده، لكن الأكثر على أن لهم نسلا فلا يكون نوح ﵊ أبا البشر بعد آدم ﵊، وكلام المصنف رحمه الله تعالى ينظر إلى القولين. قوله: (وهو الخير النامي (الضمير للبركة وذكره باعتبار الخير، قال الراغبه: البرك صدر البعير، وبرك البعير ألقى بركه، واعتبر فيه اللزوم، ولذا سمي محتبس الماء بركة، ولما فيه من الاشعار باللزوم وكونه غير محسوس اختص تبارك بالاستعمال في الله كما سيأتي، ثم إن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ لطيفة، وهو أنه قد تكرّر فيه حرف واحد من غير فاصل ثماني مرّات، مع غاية الخفة فيه ولم تتكرر الراء مثله في قوله: وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبرحرب قبر مع ما ترى فيه من غاية الثقل وعسر النطق، وهذا آية من جملة إعجازه فاعرفه. قوله: (هم الذين معك) فمن على هذا للبيان قيل عليه إنه لا حاجة إلى لفظ الأمم بل إلى هذا بأسره فلو ترك أو قيل على من معك كان أظهر وأخصر، وقوله لتحزبهم أي لكونهم مجتمعين، وقوله لتشعب الأمم، فإطلاق الأمم عليهم مجاز، وعلى الوجه الآخر، من ابتدائية، وقوله: والمراد بهم أي بالأمم الناشئة على الوجه الثاني، ورجح الزمخشري هذا الوجه، بحسن التقابل بين وعلى أمم وأمم سنمتعهم وبسلامته عن التجوّز، واطلاق الأمم على جماعة قليلة لكنه يقتضي أن لا يسلم ويبارك على من معه، فقيل استغنى بالتسليم عليه عن التسليم على من معه، لأن النبيّ ﷺ زعيم أمّته، أو أنه يعلم بالطريق الأولى. قوله: (أي وممن معك أمم الخ) جوّز في هذه الواو الحالية والعطف، وظاهره أنّ أمم مبتدأ، وجملة سنمتعهم صفته المسوّغة للابتداء بالنكرة، والخبر مقدر وهو ممن معك بدلالة ما قبله، وكذا في الكشاف، لكنه قيل عليه إنه إنما يناسب الوجه الثاني في من دون الأوّل، وجعله في المقدر، بمعنى آخر لا يخلو من تكلف، ويحتمل أن يكون التقدير وأمم ممن معك سنمتعهم بحذف الصفة، وجعل الجملة المذكورة خبراً، وجوّز أبو حيان كون أمم مبتدأ من غير تقدير صفة على أنّ الجملة خبره لأن العطف والتفصيل مسوّغ عنده، وفسر الأمم الثانية بالكفار لقرينة ذكر العذاب، وقوله: والعذاب ما نزل بهم، أي في الدنيا لا عذاب الآخرة. قوله: (إشارة إلى قصة نوح عليه الصلاة

стр. 1567

والسلام (بيان لأنّ التأنيث للنبأ باعتبار القصة، وأن الإشارة بالبعيد لتقضيها، وقوله: أي بعضها إشارة إلى أنّ من تبعيضية لأنها بعض المغيبات، وكونها من علم الغيب مع اشتهارها، باعتبار التفصيل لأنه غير معلوم، وقيل: إنه بالنسبة إلى غير أهل الكتاب لا عامّ، لأنها نسيت لقدم العهد كما قي! ، وقوله: والضمير لها وهو الرابط لجملة الخبر. قوله: (موحاة إليك) أوّله باسم المفعول لأنّ الجملة الخبرية تؤوّل بالمفرد، ولبيان أنه لحكاية الحال الماضية، والمقصود من ذكر كونها موحاة سواء كان خبراً أو حالاً، إلجاء قومه للتصديق بنبوّته ﷺ ، وتحذيرهم مما نزل بهم فلا يتوهم أنه لا فائدة فيه، وفائدة تقديم من أنباء الغيب إذا تعلق بنوحيها نفى أن يكون علم ذلك بكهانة، أو تعلم من الغير، فلا وجه لما قيل إنه لا فائدة فيه كما سيشير إليه. قوله: (أي مجهولة عندك الخ) إشارة إلى أن هذا إشارة إلى الإيحاء المعلوم مما مرّ، وقوله: جاهلاً تفسير له على وجهي الحالية وأنه بيان لهيئة الموحي أو الموحى إليه. قوله: (تنبيه على أنه لم يتعلمها الخ) يعني أنه إذا لم يعلمها وهو نبيّ يوحى إليه، فغيره بالطريق الأولى، فلا حاجة لذكرهم معه، فأجاب بأنه من باب الترقي، كما تقول هذا الأمر لا يعلمه زيد، ولا أهل بلده لأنهم مع كثرتهم لا يعلمونه، فكيف يعلمه واحد منهم، وقد علم أنه لم يخالط غيرهم، وقوله: على مشاق الرسالة الخ إشارة إلى أنه فذلكة لما قبله، وبيان للحكمة في إيجابها من إرشادهم وتهديدهم. قوله: (عطف على قوله نوحاً إلى قومه) أي أنه من العطف على معمولي عامل واحد، وليس من المسألة المختلف فيها فعطف المنصوب على المنصوب، والجارّ والمجرور على الجار والمجرور، وقدم لعود الضمير إليه وقيل إنه على إضمار أرسلنا لطول الفصل، فهو من عطف جملة على أخرى، وهوداً عطف بيان لأخاهم، وقيل إنه بدل منه، وأخاهم بمعنى واحداً منهم، كما يقولون يا أخا العرب. قوله: (وقرئ بالجرّ حملاَ على المجرور وحده) أي بجعله صفة له، جار على لفظه، والرفع باعتبار محل الجارّ والمجرور لا فاعل للظرف لاعتماده على النفي، ووقع في النسخ المصححة بعد قوله: اعبدوا الله وحده، وفي نسخة وحدوه بالأمر تفسير له بقرينة ما بعده، ومن قوله: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سررة الأعراف، الآية: ٨٥] وقيل إنه يريد أنّ معنى اعبدوا الله أفردوه بالعبادة، ووحدوه بالألوهية بمعونة المقام لأنهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام، فالمقصود إفراده بالعبادة لا أصلها، مع أنه لا اعتداد بالعبادة مع الإشراك، فالأمر بالعبادة يستلزم إفراده بها. قوله: (باتخاذ الأوثان شركاء وجعلها شفعاء) يعني قولهم إنها شركاء لأنّ اتخاذها نفسه ليس افتراء، فجعله افتراء مبالغة، وأشار بعطف قوله وجعلها شفعاء أنهم في الواقع إنما تقرّبوا بها إلى الله كما نطق به التنزيل في غير هذا الموضع، لكن الشرع عده شركا، فلا يرد عليه ما قيل ليت شعري من أين علم اتخاذهم إياها شفعاء، فالأولى الاقتصار على اتخاذها شركاء. قوله: (وتمحيضاً (بالضاد المعجمة أو الصاد المهملة، فإنّ كلاً منهما بمعنى الإخلاص، وقوله: لا تنجع كتنفع لفظاً، ومعنى ومشوبة بالباء الموحدة، أي مخلوطة ممتزجة، وقوله: أفلا تستعملون عقولكم إشارة إلى أنه نزل منزلة اللازم، واستعمال العقل التفكر والتدبر ليعرف ماله وما عليه، وقوله خاطب كل رسول الخ إشارة إلى ما ورد من أمثاله في القرآن، وليس تفسيراً لما نحن فيه. قوله: (١ طلبوا مغفرة الله بالإيمان الخ (يعني أنّ طلب المغفرة عبارة عن الإيمان بالله وحده، لأنه من لوازمه لتوقف المغفرة عليه، إذ لا معنى لطلب المغفرة مع الكفر، والتوبة لا تكون بدونه أيضا وعطف التوبة حيمئذ بثم إن أريد بها التوبة عن الشرك، بدليل المقام لا يظهر لأنها نفسه، فلذا أوّلت بأنها مجاز عن التوسل بها إلى المغفرة، والتوسل بالإيمان إلى مغفرة الله متأخر عنه، ولا يصح أن يكون المراد التوبة عما صدر منهم غير الشرك، لأنّ الإيمان يجب ما قبله، وأورد عليه أنّ التوسل بالتوبة عن الشرك لا ينفك عن طلب المغفرة بالإيمان والتوحيد، لأنه من لوازمه فلا يكون بعده، فإن قيل: المراد بطلب المغفرة بالإيمان طلبها قبل الإيمان لا معه، قيل: فيرتفع الإشكال حينئذ من غير احتياج إلى التأويل بالتوسل لأنّ معناه حينئذ اطلبوا الإيمان ثم آمنوا، وهو غير محتاج إلى التأويل ويدفع بأنّ المراد الأوّل فالاسنغفار الإيمان والتوبة عن الشرك الرجوع إلى صراط الله المستقيم ودينه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهو متراخ عن الإيمان باعتبار الانتهاء، وجوّز في قوله: توسلوا أن يكون بيانا لحاصل المعنى لأنّ الرجوع إلى شيء الوصول

стр. 1568

إليه، وأن يكون إشارة إلى أنه مستعمل فيه مجازاً، كما مرّ في أوّل السورة والأوّل أولى. قوله: (وأيضاً التبري من الغير إنما يكون بعد الإيمان الخ (في الكشاف قيل: استغفروأ ربكم آمنوا به، ثم توبوا إليه من عبادة غيره، لأن التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان، فعلى هذا الاستغفار كناية عن الإيمان لأنه من روادفه، والتصديق بالله لا يستدعي الكفر بغيره لغة، فلذا قيل: ثم توبوا، وإنما قال قيل: إشارة إلى أنّ الوجه ما مرّ في أوّل السورة، لأنّ قوله: ﴿اعْبُدُواْ اللهَ﴾ دل على اختصاصه تعالى بالعبادة كما مرّ، فلو حمل استغفروا على هذا لم يفد فائدة زائدة سوى ما علق عليه من قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ الخ وقد كان يمكن تعليقه بالأوّل، والحمل على غير الظاهر، مع قلة الفائدة مما يجب الاحتراز عنه في كلام الله المعجز، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى هو بعينه ما في الكشاف، لأنّ التبرؤ عن الغير لا يصح حمله على ظاهره إذ لم يتبرؤوا من نبيهم ولا من المؤمنين فمن ظنه كذلك، وقال: إنما يرد على الزمخشريّ لا يرد عليه، وجوّز أن يكون هذا وقع في مجلس آخر غير متصل بالأوّل فقد ارتكب شططا، ثم إنه قيل: إنّ التبرؤ عن الغير هو التبرؤ التفصيلي ليظهر التراخي، وعبر عن التوبة بالتبرؤ لأن الرجوع إلى الله يلزمه ترك التوجه إلى غيره، والا لم يكن رجوعا إليه فتأئله، وقوله كثير الدر أي الأمطار، وقوله: ﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ أي مضمومة إليها، وقيل: إلى بمعنى مع وإذا انضمت القوّة إلى أخرى فقد ضوعفت، ولذا فسره به. قوله: (رغبهم بكثرة المطر الخ) المراد بزيادة القوّة قوّة الجسم وأصحاب زروع وعمارات، أي أبنية وهو لف ونشر مرتب، فالزروع ناظر للأمطار، والعمارات للقوّة، وقوله: وتضاعف القوّة بالتناسل لأنهم يحصل لهم قوّة بأولادهم، أو لأنه ناشئ عن قوّة البدن، وقوله: مصرين، وقيل: المعنى مجرمين بالتولي وهو تكلف. قوله: (صادرين عن قولك الخ) في الكشاف كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك، فقيل عليه إنّ هذه كالتي في قوله: ﴿أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٦] للسببية أي وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك، وحقيقته ما يصدر ترك لآلهتنا عن قولك، فهو ظرف لغو متعلق بتاركي، والمصنف رحمه الله تعالى جعله مستقرّا حالاً، وقدره صادرين عن قولك، وهو إما من صدر صدورا بمعنى وقع ووجد، أو من صدر صدراً بمعنى رجع، والأوّل باطل لأنهم ليسوا موجودين عن قوله، وكذا الثاني لأنّ الرجوع عن القول لا يتصوّر إلا إذا كانوا قائلين له ولم يكونوا كذلك أصلاً، فالصواب مصدرين الترك عن قولك (قلت) هذا كما ورد في الحديث، وكلام العرب لا يصدر إلا عن رأيه وهو من الصدر بمعنى الرجوع عن الماء القابل للورد، فإنّ الورد والصدر يجعل كناية عن العمل والتصرّف، لأنهم أرباب سفر وبادية، وذلك جل أمرهم، ولذا قال معاوية رضي الله تعالى عنه طرقتني أخبار ليس فيها إصدار وايراد وقال: ما أمس الزمان حاجاً إلى من يتولى الإيراد والإصدارا أي يتصرف في الأمور بصائب رأيه، وكما تال بعض البلغاء: إنّ أمير المؤمنين نطق بلسانك وأعطى وأخذ بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، ولما كان الصدر مستلزما للورد اكتفوا به، فقالوا لا يصدر عن رأيه، فالمعنى ما نحن بتاركي آلهتنا عاملين بقولك، وهو تقدير للمتعلق بقرينة عن، والمقدّر كناية لا تضمين، ولذا قال: في الكشف لم يحمله على التضمين كما في قوله: فأزلهما الشيطان عنها لأنّ المضمن هو المقصود، والترك هاهنا هو مصب الفائدة، ومن لم يدر هذا قال: صادرين بمعنى معرضين وهو صريح في التضمين لكنه جعل المضمن حالاً، والمضمن فيه أصلا مع رجحان العكس لأنّ المضمن هو المقصود غالبا لكون الترك هاهنا مصب الإفادة فنبه بذلك على أنه قد يختار خلافه لعارض، وقصد به الرد على ما في الكشف تبعاً لغيره. قوله: (حال من الضمير في تاركي (وإذا وقع في الكلام المنفيّ قيد فالنفي منصب عليهما أو على القيد فقط، وهو الأكثر أو على المقيد فلا يكون النفيّ للقيد وهو قليل، وهنا قد انتفى القيد والمقيد معا لأنهم لا يتركون آلهتهم ولا يعلمون بقوله، وقيل إنه قيد للنفي والمعنى انتفى تركنا عبادة آلهتنا معرضين عن قولك فلا يلزم محذور، وبتفسير صادرين بمعرضين اندفع ما أورده العلامة ولو أبدل صادرين بمعرضين لئلا يرد عليه

стр. 1569

شيء ويظهر كونه جوابا لقوله لا تتولوا أي معرضين عن قولك المجرّد عن حجة لكان أظهر وأولى، وقد علمت أنه غفلة عن المراد. قوله تعالى:) ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ) في الكشاف، وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما يدعوهم إليه إقناطا له من الإجابة لأنهم أنكروا الدليل على نبوّته رسول الله ﷺ ، ثم قالوا مؤكدين لذلك إنا بمجرّد قولك لا نترك آلهتنا، ثم كرروا ما دل عليه الكلام السابق من عدم إيمانهم بالجملة الاسمية مع زيادة الباء، وتقديم المسند إليه المفيد للتقوّى دلالة على أنهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه فدلّ على اليأس والإقناط. قوله: (ما نقول إلا قولنا اعتراك الخ) يعني أنه استثناء مفرّغ وأصله أن نقول لحولاً إلا قولنا هذا فحذف المستثنى منه وحذف القول المستثنى، وأقيم مقوله مقامه أو اعتراك هو المستثنى لأنه أريد به لفظه وذكر لفظ قولنا لبيان أنّ المراد به لفظه، وليس مما استثنى فيه الجملة وهو بيان لسبب ما صدر عن هود ﵊ بعد ما ذكروا عدم التفاتهم لقوله، واعتراك بمعنى أصابك من عراه يعروه، وأصله من اعتراه بمعنى قصد عراه وهو محله وناحيته، ومعناه خبله وأفسد عقله وباء بسوء للتعدية. قوله: (بجنون الخ (يعني أنه المراد بالسوء، وقوله من ذلك أي ولأجل ذلك، والهذيان معروف، والخر) فات جمع خرافة بتخفيف الراء وقد موّ تفسيرها وأنّ الزمخشري نقل فيها التشديد، وهي الغريب من القول الذي لا حقيقة له وهي منقولة من علم رجل إلى هذا المعنى، وقوله والجملة مقول القول أي القول المقدر قبل إلا أو بعدها على ما مرّ من الوجهين فيه يريد أن انتصابه بالقول لا بإلا وفي نسخة بدل مقول القول مفعول القول، وهما بمعنى. قوله: (وإلا لغو لأنّ الاستثناء مفرّغ) المراد بلغويتها عدم عملها لا زيادتها لأنّ المفزغ بحسب ما قبله من العوامل، وهذا مبنيّ على أن العامل في غير المفرّغ إلا على اختلاف فيه مفصل في النحو، ومقالتهم الحمقاء من الإسناد المجازي أي الأحمق قائلها، وأني بريء تنازع فيه الفعلان وقوله فكيدون ظاهر تقرير المصنف رحمه الله تعالى أن الخطاب لقومه، ويفهم منه حال آلهتهم بالطريق الأولى، وقال الزمخشري: أنتم وآلهتكم، وهو أولى وجميعا حال من ضمير كيدوني وقوله من آلهتهم إشارة إلى أن ما موصولة والعائد محذوف وهو المناسب لكونه جوابأ لقولهم اعتراك لعدم مبالاته بها وبإضرارها كما أشار إليه بقوله وفراغه الخ. والمراد فراغ ذهنه وخلوّه عن تصوّره لأنّ عدم ذلك مفروغ عنه ضرورقي، ومن دونه متعلق بتشركون يعني تشركون به ما لم يجعله شريكا كقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ وقوله: ﴿مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى، الآية: ٢١] لا حال إذ لا فائدة في التقييد به وقوله تأكيدأ لذلك أي للبراءة وتذكيره لتأويله بأن والفعل أو بالمذكور ونحوه وافادته التأكيد لأنّ شهد الله ونحوه كالقسم في إفادة التأكيد والتحقيق وقوله وأمرهم معطوف على أشهد أي بأن أشهد وأمر وفيه إشارة إلى التنازع، وقوله وأن يجتمعوا في نسخة وأن يجمعوا وهو معطوف على بأن أشهد وهو ظاهر في أن الخطاب للقوم كما مز، قيل: وهو أظهر مما سلكه الزمخشري لأنه سلك في نفي قدرة الآلهة على ضره طريقا برهانياً فلا يناسبه الطلب منها وحتى إذا الخ غاية للاجتماع، وأن يضروه متعلق بعجزوا ولا يضر صفة جماد ولا تتمكن خبر أن، وفي نسخة بالواو فالخبر لا تضر وهو معطوف عليه. قوله: (وهذا من جملة معجزاته الخ) كون تثبيطهم بمعنى تأخيرهم وتعويقهم معجزة إنما هو بملاحظة كونه بعصمة الله إذ كان واحداً أغضب كثيرين حرّاصا على قتله فأمسك الله عنه أيديهم وكفهم والا فمجزد التأخير ليس كذلك (فإن قلت (كيف عطف اشهدوا وهو إنشاء على الخبر) قلت (أمّا من جوزه فلا يشكل عليه، وأمّا من منعه فيقدر له قولاً أي وأقول اشهدوا واشهاد الله يحتمل الإنشاء أيضا وان كان في صورة الخبر وإنما غاير بين الشهادتين لاختلافهما فإنّ الأوّل إشهاد حقيقة مقصود بذكره التأكيد، والثاني المقصود به الاستهزاء والإهانة كما يقول الزجل لخصمه إذا لم يبال به أشهد عليّ أني قائل لك كذا، وقول المصنف رحمه الله تعالى أمرهم بناء على ظاهر الحال أي أتى بصيغة الأمر لهم فلما لم يكن حقيقة عبر عنه بالأمر لأنه يرد كثيراً للاستهانة والتهديد وإن احتمل أن يكون إشهاده لهم حقيقة لإقامة الحجة عليهم، وعدل عن الخبر فيها تمييزاً بين الخطابين فهو

стр. 1570

خبر في المعنى، وقوله العطاش إلى إراقة دمه استعارة بمعنى الحزاص كما يحرص العطشان على الماء، والإراقة ترشيح وقوله ولذلك أي لما مرّ وكونه معصوما من الله قرّره بإظهار التوكل على من كفاه ضرّهم، وقوله عقبه أي عقب هذا الكلام، وقوله تقريراً له أي لثقته وذكره لما مز وكونه تقريراً له لا ينافي كونه يفيد التعليل لنفي ضرهم بطريق برهانيئ كما يشير إليه قوله لن يضروني فإني متوكل على الله لأن بيان علة الشيء تقوّيه، وتقرّره وفي قوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ تدزج إلى تعكيس أمر التخويف وقوله لم يقدره من التقدير. قوله: (ثم برهن عليه (أي على المعنى، وهو عدم قدرتهم على ضره مع توكله ولقوله ربي وربكم دخل في البرهان والناصية مقدم الرأس، وتطلق على الشعر النابت فيها وناصيته بيده أي هو منقاد له والأخذ بالناصية عبارة عن القدرة، والتسليط مجازاً وقد يكون كناية والمصنف رحمه الله تعالى ذهب إلى الأوّل لأنه أنسب هنا. قوله: (أنه على الحق والعدل الخ) يعني أنّ قوله على صراط مستقيم تمثيل واستعارة لأنه مطلع على أمور العباد مجاز لهم بالثواب والعقاب كاف لمن اعتصم كمن وقف على الجادّة فحفظها، ودفع ضرر السابلة بها وهو كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [سررة الفجر، الآية: ١٤] وقيل معناه إنّ مصيركم إليه للجزاء وفصل القضاء والحق والعدل مأخوذ من الاستقامة وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى اندراجه في البرهان، وفي قوله إنّ ربي دون أن يقول وربكم نكتة غير الاختصار، وهي الإشارة إلى أنّ اللطف والإعانة مخصوصة به دونهم. توله: (فإن قتولوا) جعله مضارعا لاقتضاء أبلغتكم له ولا يحسن فيه اذعاء الالتفات، ولذا من جعله ماضيا قدر فقل أبلغتكم لكنه لا حاجة إليه، والمراد إن استمرّوا على التولي لوقوعه منهم ويجوز أن يبقى على ظاهره بحمله على التولي الواقع بعد ما حجهم. قوله: (فقد أذيت ما علئ من الإبلاغ وإلزام الحجة الخ الما كان إبلاغه واقعا قبل توليهم والجزاء يكون مستقبلا بالنظر إلى زمان الشرط أشار إلى تأويله بقوله فلا تفريط أو أنه مراد به لازم معناه المستقبل باعتبار ظهوره أو أنه جواب باعتبار الإخبار لأنه كما يقصد ترتب المعنى يقصد ترتب الإخبار كما في وما بكم من نعمة فمن الله، ومنهم من جعل الجواب محذوفا وهذا دليله والتقدير لم أعاتبكم لأنكم محجوجون، وقوله ولا عذر لكم بعض الجواب، وجعله بعضهم جوابا آخر والواو بمعنى أو، وقوله فقد أبلغتكم إشارة إلى أنه أقيم فيه السبب مقام المسبب، ويصح جعله تعليلاً لما قبله. قوله: (استئناف بالوعيد (يحتمل أنه يريد الاستئناف النحوي بناء على جواز تصديره بالواو لا البياني بأن يكون جواب سؤال، وهو ما يفعل بهم كما قيل لأنه لا يقترن بالواو ومنهم من فسر الاستئناف بالعطف على مجموع الشرط، والجزاء وهو خلاف الظاهر من العبارة يكون مترتبا على قوله إنّ ربي على صراط مستقيم، والمعنى أنه على العدل فلذا انتقم منكم وأهلككم فلا يرد أنّ المعنى لا يساعد عليه كما توهم، وقوله يهلكهم لأنّ استخلاف غيرهم على ديارهم يستلزم ذلك، وقوله ويؤيده القراءة بالجزم على الموضحع أي موضع الجملة الجزائية مع الفاء، وعلى القراءة بالرفع يصح عطفه أيضا على الجواب لكن على ما بعد الفاء لأنه الجواب في الحقيقة والفاء رابطة له فما قيل إنه يشعر بجواز عطفه على الجواب على عدم القراءة بالجزم، وليس بذاك سهو وقوله يعذرني بالجزم بيان لمعنى الجزاء على ما مرّ ومعناه يقبل عذري، ودخول الفاء على المضارع هنا لأنه تابع يتسمح فيه وقيل تقديره فقد يستخلف الخ. قوله: (شيئاً من الضرر) إشارة إلى أنه مفعول مطلق لأنه لا يتعدى لاثنين، ولا حاجة لتأويله بما يتعدى لهما كتنقصون، وقوله أسقط النون منه أي من تضرون لأنه معطوف على المجزوم، وقوله بتوليكم وقيل بذهابكم وهلاككم لا ينقص من ملكه شيء، وقوله فلا تخفى الخ إشارة إلى أن مراقبته كناية عن مجازاته كما مز أو حفيظ بمعنى حافظ والحافظ بمعنى الحاكم المستولي، ومن شأنه أنه لا يقدر على ضرّه سواه وقوله عذابنا على أنّ الأمر بمعنى الشأن واحد الأمور أو المأمور به، والتفسير الآخر على أنه واحد الأوامر والإسناد على الثاني مجازقي، والأمر بالعذاب إما أمر الملائكة فهو حقيقيّ، أو هو مجاز عن الوقوع على طريق التمثيل. قوله: ( ﴿نَجَّيْنَا هُودًا﴾ (صرح بالنجاة للمؤمنين مع التعريض بعذاب الكافرين بيانا لأنه الأهم، وأن ذلك لا يبالي به أو مفروغ منه وقوله برحمة يعني أنه بمحض الفضل إذ له

стр. 1571

تعالى تعذيب المطيع، وترك قول الزمخشريّ بسبب الإيمان لما فيه من رائحة الاعتزال، ولما إن كانت لمجرّد الحين فظاهر والا فوجه الترتب على النزول قيل إنه لأن الإنجاء يعتمد نزوله، وفيه نظر، والظاهر أن يقال ترتبه عليه باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون صرح بالإنجاء اهتماما، ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه. قوله:) وكانوا أربعة آلاف) هذأ فيه مخالفة لما تقدم من أنه كان وحده، ولذا عذ مواجهته وحده للجم الغفير معجزة له ﷺ كما مز فحينئذ يجوز أن يكون هؤلاء معه حين المحاجة ودعوى انفراده عنهم إذ ذاك لا بد لها من دليل، ولا مانع من جعل هذا باعتبار حالين وزمانين فتأمّل. قوله: (تكرير لبيان ما نجاهم منه) حاصله أنه لا تكرير فيه لأن الأوّل إخبار بأن نجاتهم برحمة الله، وفضله والثاني بيان لما نجوا منه وأنه أمر شديد عظيم لا سهل فهو للامتنان عليهم وتحريض لهم على الإيمان، وليس من قبيل أعجبني زيد وكرمه كما قيل أو هما متغايران فالأوّل إنجاء من عذاب الدنيا، والثاني من عذاب الآخرة فرجح الأوّل بملاءمته لمقتضى المقام، وقوله لبيان اللام للتعليل لأصله تكرير وقد أورد على الثاني أن إنجاءهم منه ليس في وقت نزول العذاب في الدنيا، ولا مسبباً عنه إلا أن يجاب بأنه عطف على المقيد والقيد كما قيل في قوله: ﴿لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٣٠] وقد مرّ تحقيقه، ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأن الموافق للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعاً في وقت النزول تجوزاً، والمعنى حكمنا بذلك لهم وتبين لهم ما يكون لهم لأن الدنيا أنموذج الآخرة مع أن في كلام المصنف إشارة إلى أن المعنى نجيناهم في الدنيا كما سننجيهم في الآخرة فتامل، والمراد بالغلظ تضاعفه. قوله: (أنت اسم الإشارة باعتبار القبيلة) فالإشارة إلى ما في الذهن وصيغة البعيد لتحقيرهم أو لتنزيلهم منزلة البعيد لعدمهم، وإذا كانت لمصارعهم وقبورهم فالإشارة للبعيد المحسوس والإسناد مجازي أو هو من مجاز الحذت أي تلك قبور عاد أو أصحاب تلك عاد. قوله: (كفروا بها) هذه الجملة كالتفسير لما قبلها وأشار بتفسيره إلى أن جحد متعد بنفسه، وقد عدى بالباء حملا له على الكفر لأنه المراد أو بتضمينه معناه كما أن كفر جرى مجرى جحد فتعدى بنفسه في قوله كفروا ربهم وقيل كفر كشكر يتعدى بنفسه، وبالحرف وظاهر كلام القاموس إن جحد كذلك أي كفروا بالله، وأنكروا آياته التي في الأنفس والآفاق الدالة على وجوده فكأنهم كانوا منكرين للصانع لا مشركين. قوله: (ومن عصى رسولاً فكأنما عصى الكل الخ (هذا بالنسبة إلى التوحيد لأن الكل متفقون عليه فعصيان واحد عصيان للجميع فيه، أو لأنّ القوم أمرهم كل رسول بطاعة الرسل إن أدركوهم والإيمان بهم لا نفرق بين أحد من رسله فالضمير في لأنهم للقوم، وأمروا مبني للمجهول ويجوز أن يكون الضمير للكل وأمروا على صيغة المعلوم أي كل نبي أمر قومه بذلك، وقوله من عند بتثليث النون، وعنوداً مصدر بضم العين وأصل معنى عند اعتزل في جانب لأن العند الجانب ومنه عند الظرفية. قوله: (أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين الخ (يعني أن الكلام على التمثيل بجعل اللعنة كشخص تبع آخر ليدفعه في هوّة قدامه فالمتبعون قدامهم الجبارون أهل النار، وخلفهم اللعنة والثبور وضمير اتبعوا إما لعاد مطلقا أو للمتبعين للجبارين منهم فتعلم لعنة غيرهم بالطريق الأولى، وتكبهم تلقيهم على وجوههم. قوله: (جحدوه الخ) كأنه إشارة إلى ما مرّ من أن تعديته بنفسه لإجرائه مجرى جحداً، وهو من كفران النعمة وهو متعد بنفسه ففي الكلام مضاف مقدر أو هو على الحذف والإيصال. قوله: (دعاء عليهم بالهلاك الخ) قد مرّ تحقيق البعد ودلالته على الهلاك، وأنه حقيقة أو مجاز- قيل ويجوز أن يكون دعاء باللعن كما في القاموس البعد والبعاد اللعن، ولا وجه لما قيل إنه من المزيد، وقوله والمراد الخ يعني أنهم كانوأ قبل أن يهلكوا مستأهلين لهذا ومثله كثير في كلام العرب كقوله: لايبعدن قومي الذين هم سمّ العداة وآفة الجزر واللام للبيان كما في قولهم سقياً له لا للاستحقاق كما قيل: والذي حمله عليه قوله كانوا مستوجبين وقد علمت أن

стр. 1572

معناه أنه تأويل للذعاء فإنه لا معنى له بعد الوقوع فلذا أولوه بأن المراد منه أنهم مستوجبون لذلك، وقوله تفظيعاً لأمرهم ناظر إلى إعادة ذكرهم وقوله، وحثا نظار لتكرير ألا. قوله: (وفائدثه تمييزهم عن عاد الثانية الخ) يعني أنه إشارة إلى أن عادا كانوا فريقين عادا الأولى وعادا الثانية فيكون إفادة لذلك لا لدفع اللبس هنا حتى يرد عليه ما قيل إنه ضعيف لأنه لا لبس في أن عادا هدّه ليست إلا قوم هود ﵊ للتصريح باسمه وتكريره في القصة، وقيل المراد تأكيد تمييزهم، وقيل: ذكر للفواصل أو ليفيد مزيد تأكيد بالتنصيص عليهم، وارم سيأتي تفسيرها. قوله: (هو كوّنكم منها لا غيره الخ) قالوا إنه أخذ الحصر من تقديم الفاعل المعنوي مثل أنا قضيت حاجتك واعتبره الزمخشري في هذا وفي قوله استعمركم فيها أيضا والمصنف ﵀ سكت عنه اكتفاء ببيان هذا عنه لا أنه عطف بعد اعتبار التقديم فلا ينسحب على ما بعده لأن الأول أنسب بالمقام، وقد يقال الحصر مستفاد من السياق لأنه لما حصر الإلهية فيه اقتضى حصر الخالقية أيضا فبيان ما خلقوا منه بعد بيان أنه الخالق ا! بر لا غيره يقتضي هذا وبيان إنشائهم من الأرض والتراب بأن المراد خلقهم منها بالذات أو بالواسطة أو أنهم خلقوا من النطف والنطف من الغذاء الحاصل من الأرض، وقد مرّ في الأنعام أنّ المعنى ابتدأ خلقكم منها فإنها المادّة الأولى، وآدم الذي هو أصل البشر ﷺ خلق منها أو خلق أباكم فحذف المضاف. قوله: (عمركم فيها واستبقاكم الخ) العمازة قال الراغب: نقيض الخراب يقال عمر أرضه يعمرها عمارة فهي معمورة وأعمرته الأرض واستعمرته فوضت إليه العمارة، وقال: استعمركم فيها والعمر مدة عمارة البدن بالحياة والروح، وهو دون البقاء ولذا وصف به الله دون هذا، والعمر والعمر واحد وخص بالقسم المفتوح ويقال عمرت المكان وعمرت به بمعنى أقمت والعمرى في العطية أن تجعل له شيئا مدة عمرك أو عمره كالرقبى، وتخصيص لفظه تنبيه على أن ذلك شيء معار انتهى فقوله عمركم بالتشديد من العمر، وأما العمارة ففعلها مخفف يشير إلى أنه يجوز أخذه من العمر وهو مدة الحياة. قوله: (أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها) هذا هو الوجه الثاني على أنه من العمارة، ومعناه أنه جعلكم قادرين على ذلك وأمركم بها فالسين للطلب على حقيقتها ولذا عطفه عليه، وذكر القدرة توطئة له وعلى الأوّل لا طلب فيه كما أنه على تفسيره بجعلكم عمارها الاستفعال فيه بمعنى الأفعال. قوله: (وقيل هو من العمرى) بضم فسكون مقصور وقد تقدم تفسيرها وهل هي هبة أو عارية تفصيله في الفروع واستدل الكسائيّ رحمه الله تعالى بهذه الآية على أن عمارة الأرض! واجبة لطلبها منهم وقسمها في الكشاف إلى واجب كالقناطر اللازمة والمسجد الجامع ومندوب كالمساجد ومباح كالمنازل وحرام كما يبنى من مال حرام وقد كان هؤلاء أعمارهم طويلة إلى الألف مع ظلمهم فسأل الله نبيّ لهم عن سبب تعميرهم فقال الله إنهم عمروا بلادي فعاس فيها عبادي يعني لأنهم عمروا البلاد بحفر الأنهار وغرس الأشجار فطولت لهم الأعمار كما قال الشاعر: ليس الفتى بفتى لايستضاءبه ولا يكون له في الأرض آثار وقال آخر: إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار وفوله ويرثها منكم أي يرثها من بعدكم الله لأنه خير الوارثين. قوله: (أو جعلكم معمرين دياركم الخ) هذا على كونه من العمري أيضاً وهو ما في الكشاف حيث قال الثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها لأنّ الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها ليسكنها عمره، ثم يتركها لغيره، وقد قيل عليه إن ما في الكشاف أن معنى استعمركم جعلكم معمرين بوزن اسم الفاعل من أعمره، وقوله المصنف تسكنونها مدة عمركم يقتضي أن معمرين على صيغة المفعول فإن أردت حمل كلامه على ما في الكشاف جعلت الأعمار مفهوما من قوله، ثم تتركونها لغيركم لأن تركها للغير وتوريثها إياه بمنزلة الأعمار لذلك الغير حيث يسكنها هو أيضا مدة عمره، ثم يتركها لغيره، ولك أن تقول مراد المصنف رحمه الله

стр. 1573

أنها لهم عمرى إما للموروث عنه فلأن الله جعلها له مدّة عمره، وإما للوارث فلأنّ الله أو موزثه جعلها له كذلك، فلا حاجة إلى جعل العمرى مخصوصة بقوله ثم تتركونها حتى يكون ما قبله توطئة، أو زائداً على المراد، ولا يرد عليه ما قيل: إنّ الأولى أن يقول أو جعلكم معمرين دياركم تتركونها بعد انقضاء أعماركم لغيركم يسكنها مذة عمره في تحقيق كونه معمر إبل الاعتبار فيه للمعمر له مدة عمره، ولا يرد على هذا القائل أنه توهم أن معمرين في كلام المصنف ﵀ بزنة اسم الفاعل، وهو بزنة المفعول كما قيل، مع أنه لا مانع منه، وحاصله أن الوجوه ثلاثة: إما أن يكون استعمركم من العمر أو التدمير أو العمرى. قوله: (قريب الرحمة الخ (لقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٦] والقرآن يفسر بعضه بعضا وقد جعل قوله قريب ناظراً لقوله توبوا، ومجيب لاستغفروا، أي ارجعوا إلى الله فإنه قريب منكم أقرب من حبل الوريد، واسألوه المغفرة فإنه مجيب للسائلين، وهو وجه حسن، وكلام المصنف ﵀ غير بعيد منه، ومخايل جمع مخيل وهي الإمارة والسداد بالفتح الصلاج. قوله: (أن تكون لنا سيدا أو مستشارا) أن تكون بدل من الضمير المستتر في مرجوّا بدل اشتمال أو مفعول فعل مقدر أي نرجو أن تكون والمقصود تفسيره، وقوله: انقطع رجاؤنا مستفاد من قوله قبل هذا، وقوله على حكاية الحال أي في بعيد لانتهائنا لأنه على حاله. قوله: (موقع في الريبة) يعني أنه اسم فاعل من أرابه المتعدي، بمعنى أوقعه في الريبة، أو من أراب اللازم بمعنى صار ذا ريب وشك، وذو الريب وصاحبه من قام به لا نفس الشك، فالإسناد مجازي للمبالغة كجد جدّه، وأما على الاحتمال الأوّل، فالظاهر أنه مجازي أيضا، لأن الموقع في الريب بمعنى القلق والاضطراب هو الله لا الشك فعده حقيقة، أما بناء على أنه فاعل في اللغة، واما لما قيل إنهم غير موحدين معتقدين أن الموقع في القلق هو الله لا الشك نفسه، وهو ظاهر كلام الكشاف، وقد صرح في آخر سبا بأنّ كليهما مجاز لأن المريب إنما يكون من الأعيان لا من المعاني، واما أنّ القوم جهلة لا يفرقون بين عين ومعنى، فمما لا يلتفت إليه لأنّ ما ذكر في الحكاية لا المحكى وكذا ما قيل: إنّ معنى كون الشك موقعاً في الريبة أن شك بعض جماعة يوقع الريبة لآخرين، فإن الطباع مجبولة على التقليد أو باعتبار أن أصل الشك قد يوجب استمراره وهو من ضيق العطن، وقلة الفطن وهذا كله مبني على أن بين كلامي الشيخين في المحلين فرقاً وليس بمسلم قال في الكشف قوله على الاسناد المجازي متعلق بالوجهين لأنه قال في آخر سبا بعد ما ذكر الوجهين وكلاهما مجاز إلا أن بينهما فرقاً وهو أن المريب من الأوّل منقول ممن يصح أن يكون مريبا من الأعيان إلى المعنى والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول شعر شاعر فعلى الأوّل هو من باب الإسناد إلى السبب لأن وجود الشك سبب لتشكيك المشكك، ولولاه لما صدر عنه التشكيك انتهى، وهذا هو الحق عندي. قوله: (بيان وبصيرة (تقدم تفسير البينة بالحجة والبرهان، وفسرها هنا بما ذكر لمناسب المقام لأن اً صل معنى البينة كما قال الراغب: الدلالة الواضحة حسية أو عقلية والبيان الكشف عن الشيء بنطق أو غيره فالمناسب لقوله فمن ينصرني تفسيره بما ذكروا والمعنى إن كان عندي بصيرة ودلالة على الحق وخالقت من يدفع عني! أستحقه من الله. قوله:) وحرف الشك باعتبار المخاطبين) حرف الشك هو أن واصل وضعها أنها لشك المتكلم، وهو غير شاك في كونه على بينة لكنه من الكلام المنصف والاستدراج ولذا أتى به على زعمهم وما عندهم من الشك في أمره، وقوله يمنعني من عذابه يعني أن النصرة هنا مستعملة في لازم معناها وهو المنع والدفع، وفي الكلام مضاف مقدر أو النصر مضمن معنى المنع ولذا تعدى بمن، وقوله: في تبليغ رسالته أي تركه والمنع عن الاشراك به. قوله: (فما تزيدونني إذن باستتابعكم إياي) كذا في الكشاف فقال العلامة، وتبعه غيره إن أذن ظرف حذف منه المضات إليه، وعوض منه التنوين وأشار لرده الشارح المدقق فقال قوله إذن حينئذ دل بإذن على أن الكلام جواب وجزاء وبحينئذ على التعقيب المستفاد من الفاء لا أنه تأكيد يدل على أن إذن تختص بالظرفية، وقد خبط فيه

стр. 1574

أرباب الحواشي هنا خبط عشواء لعدم النظر إلى معزاه فإنه أراد أن حذف المضاف، وتعويض التنوين عنه إنما هو في إذ لا في إذا، وقد جوزه في إذا بعض النحاة في بعض الآيات فرده أبو حيان بأنه لم يقله أحد من النحاة ونسبه إلى الوهم لكن في الدر المصون أنه ذهب إليه بعض أجلة المفسرين وفي كلام العرب ما يشهد له فعلى المشهور في العربية لا يصح ما ذكر مع أنّ المعنى ليس عليه إذ هو إشارة إلى أنّ قوله فما تزيدونني غير تخسير جواب للشرط المذكور لا إن جوابه محذوف يدل عليه قوله فمن ينصرني، وقوله: حينئذ بيان لتعقيبه له المصحح للجوابية فإذن بمعناها المشهور حرف جواب، وجواز وقد وجد رسمه بالنون في النسخ ولو كان كذلك تعين كتابته بالألف. قوله:) غير أن تخسروني بابطال الخ (يعني أن التخسير معناه جعله خاسرا وفاعل التخسير قومه ومفعوله هو والمعنى تجعلوني خاسرا لأني باتباعكم أكون مضيعا لما منحني الله من الحق، وهو خسران مبين أو فاعل الخسران صالح والمفعول هم، ومعنى تخسيره لهم نسبتهم إلى الخسران فإن التفعيل يكون للنسبة كفسقته إذا نسبته للفسق، والمعنى ما يزيدني استتباعي غير أني أقول لكم إنكم في ضلال وخسران لا إن أتبعكم فيكون إقناطاً لهم من اتباعه، وما قيل: إن الأولى أن يقال غير أن أنسب إلى الخسران لأن المفروض متابعته باختياره لا باختيارهم حتى يلاموا فلا إصابة فيه في اللفظ، ولا في المعنى، وقيل: إن المعنى غير تخسيري إياكم كما ازددتم تكذيبأ إياي ازدادت خسارتكم فكان سببها، وقوله: منحني الله به أي باستتباعكم أو ضمن منح معنى خص فتعلقت به. قوله: (١ نتصبت آية على الحال وعاملها الخ (جعل عاملها الاشارة لأن المبتدأ لا يعمل فيها، ولذا منعها بعض النحاة فيما ليس من هذا القبيل لأن اسم الإشارة فيه معنى الفعل، ولذا يسمى عاملاً معنويا، وأما ما يلزمه من اختلاف عامل الحال، وعامل صاحبها، فقد فصل في غير هذا المحل، وهذه حال مؤسسة وهو ظاهر، وجوز فيها أن تكون مؤكدة، كهذا أبوك، عطوفا لدلالة ناقة الله على كونها آية، وأن يكون العامل معنى التنبيه أيضاً. قوله: (ولكم حال منها تقدّمت عليها لتنكيرها) قيل: عليه أنّ مجيء الحال من الحال لم يقل به أحد من النحاة لأن الحال تبين هيئة الفاعل أو المفعول، وليست الحال شيئا منهما، وأجيب عنه بأنها مفعول للإشارة في المعنى لأنها مشار إليها ولا يرد عليه أن المشار إليه الناقة لا الآية لأن المراد من الآية الناقة وقول الزمخشري: بعدما جعلها حالاً من آية أنها متعلقة بها أراد التعلق المعنوي لا النحوي، فلا يرد عليه ما قيل عليه إنه تناقض لأنها إذا تعلقت بها تكون ظرفا لغواً لا حالاً، وقيل: لكم حال من ناقة الله، وآية حال من الضمير فيه، فهي متداخلة وهي نافعة لهم ومختصة بهم هي ومنافعها فلا يرد عليه أنه لا اختصاص لدّات الناقة بالمخاطبين، وإنما المختص بهم كونها آية لهم، وقيل لكم حال من الضمير في آية لأنها بمعنى معلمة، والأظهر كون لكم بيان من هي آية له كما ذكر في الأعراف، وقد مر فيها أيضا تجويز كون ناقة الله بدلاً أو عطف بيان من اسم الإشارة، ولكم خبره، وآية حال من الضمير المستتر فيه. قوله: (ترع نباتها وتشرب ماءها (بالجزم بدل من تأكل مفسر له، وذكر الشرب لدلالة المقام ففيه اكتفاء أو جعل الأكل مجازاً عن التغذي مطلقاً، والقول بأن المجاز يحتاج إلى قرينة مشترك الإلزام لأن التقدير كذلك. قوله: (ولا تمسوها بسوء) مر تحقيقه في الأعراف، وأن النهي عن المس الذي هو مقدمة الاصابة بالسوء مبالغة كما في قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥٢] وقد مر الكلام عليه ثمة، وقوله: عاجل إشارة إلى أنه بمعنى السرعة لأنّ القرب كثر استعماله في المكان، وقوله: عيشوا تفسير له لأنّ التمتع والاستمتاع انتفاع ممتد الوقت، والمراد بالدار المنزل أو الدنيا لأنها تطلق عليهما، وقوله: ثم تهلكون لأنّ بيان مذة الحياة يستلزم بيان الهلاك بعدها والعقر قطع عضو يؤثر في النفس، والعاقر لها برضاهم شخص اسمه قدار كهمام بالدال المهملة. قوله: (أي غير مكذوب فيه الخ) يعني أنّ المكذوب وصف الإنسان لا الوعد، لأنه يقال: كذب زيد عمراً في مقالته، فزيد كاذب وعمرو مكذب، والمقال مكذوب فيه فدفعه بثلاثة أوجه إنه على الحذف والايصال كمشترك

стр. 1575

لما حذف الحرف صار المجرور مفعولاً على التوسع، لأن الضمير لا يجوز نصبه على الظرفية، والجار لا يعمل بعد حذفه كما تقرّر في النحو، أو جعل الوعد مكذوبا على طريق الاستعارة المكنية والتخييلية، وهو معنى قول المصنف ﵀ على المجاز، وقيل: معناه أن مكذوب بمعنى باطل ومتخلف مجازاً، أو مكذوب مصدر على وزن مفعول كمفتول ومجلود بمعنى قتل وجلد، فإنه سمع منهم ذلك وإن كان نادراً، وقوله: ويوم شهدناه سليماً وعامرا تمامه: قليل سوى الطعن النهال نوافله فشهد بمعنى حضر متعدّ لواحد، وهو سليما وعامرا وهما اسما قبيلتين صرفا باعتبار الحيّ، وسليم مصغر فشهدناه أصله فشهدنا فيه، وقليل صفة يوم المجرور بعد واو رب، ونوافله فاعله جمع نافلة وهي العطية لغير عوض، ونهال جمع ناهل بمعنى عطشان، ويكون بمعنى مرتو فهو من الأضداد، أو هو جمع نهل اسم جمع لناهل كطلب وطالب، ويروى الدراك أي المتابعة، أي ليس في ذلك اليوم عطايا سوى الطعان فهو كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع قوله (أي ونجيناهم من خزي الخ) يعني المعمول لا يعطف على عامله، فهو متعلق بمحذوف هو المعطوف، ولا يكون تكراراً للوجهين السابقين، وقيل: الواو زائدة، وفسر الخزي بالهلاك لأنه ورد بمعناه، وان كان المعنى الآخر هو المشهور. قوله: (أو ذلهم وفضيحتهم الخ) اعترض عليه أبو حيان ﵀ بأنه لم يتقدم للقيامة ذكر، والمذكور جاء أمرنا الخ فالتقدير يوم إذ جاء أمرنا وهو الوجه الأوّل، فيتعين والدفع بأن القرينة قد تكون غير لفظية كما هنا فيه نظر، وقيل: القرينة قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ السابق فإن المراد به القيامة. قوله: (على اكتساب المضاف) وهو يوم البناء من إذ فإنه أحد ما يكتسب بالإضافة كما بين في النحو، وقوله: القادر على كل شيء العموم من صيغة المبالغة، وحذف المتعلق والتخصيص لعدم الاعتداد بقدرة غيره وغلبته، أو المراد في ذلك اليوم فيقدر على انجاء بعض واهلاك آخرين، وسبق تفسير ذلك في قصة صالح ثمة. قوله: (نوت أبو بكر ههنا الخ) وقع في نسخة قبل هذا قرأ حمزة وحفص ثمود هنا وفي الفرقان والعنكبوت بفتح الدال من غير تنوين، ونونه الكسائي بخفض الدال في قوله قعالى: ﴿أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ ذهاباً إلى الحيّ، قالوا وهو الموافق لما في كتب القرا آت لا ما في الأخرى، وهي قوله: نونه أبو بكر أي شعبة في ألا أن ثمود، ألا بعدا لثمود، لا في والى ثمود أخاهم، ونونه في النجم أيضاً، أي لا في العنكبوت والفرقان، وقوله: والكسائي في جميع القرآن أي في المواضع الثلاثة في هذه السورة، وفي السور الثلاث أيضا، وقوله: وابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو، في قوله: ألا بعدا لثمود لا في الموضعين الآخرين منها، ولا في باقي السور. قوله: (ذهاباً إلى الحني (لأنّ أسماء القبائل يجوز فيها الصرف وعدمه نظراً إلى الحيّ والقبيلة، كما هو معروف في النحو، وقوله أو الأب ا! بر يعني أن يكون المراد به الأب الأوّل، وهو مصروف فيقدر مضاف كنسل وأولاد ونحوه، أو المراد به صسرف نظر الأوّل وضعه فتأمّل، وقوله: كانوا تسعة، وقيل: أحد عشر، وقيل: اثني عشر. قوله: (ببشارة الولد وقيل الخ) في الكشاف الظاهر الأوّل، قال في الكشف لأنه الظاهر من ألاطلاق، ولقوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٢٨] وان كان يحتمل أن ثمة بشارتين، وأن يحمل في كل موضمع على واحدة منهما، والتبشير يهلاك الكافرين، لأنه أجل نعمة على المؤمنين، ومرضمه المصنف رحمه الله تعالى لما سمعته. قوله: (سلمنا عليك سلاماً الخ) أي إنه منصوب بفعل محذوف، والجملة مقول القول، أو هو منصوب بنفس القول لما فيه من معنى الذكر، ووجه كون الجواب أحسن أنه جملة اسمية دالة على الدوام والثبات، فهي أبلغ، والسلام معناه السلامة مما يضر، وهو أمان لهم، واليه يشير قوله أمركم. قوله: (وقرأ حمزة الكسائي سلم) بدون ألف مع كسر السين وسكون اللام وهو بمعنى التسليم، وفسعر بالصلح ولا يناسب المقام إلا أن يكون عبارة عن التحية أيضا لأنها كانت كلمة أمان، كما في الكشف، وقيل: إنهم لما امتنعوا من تناول طعامه وخاف منهم قاله: أي أنا مسالم لا محارب لأنهم كانوا لا يأكلون طعام من بينهم وبينه حرب، وهذا يدل على أن قوله هذا بعد تقديم الطعام، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ الخ صريح في خلافه، وهذه القراءة في سلام الثاني، كما يدل عليه كلام

стр. 1576

المصنف ﵀، ووقع في الكشاف فيهما، فلا تكون قراءة حمزة الكسائيّ بل غيرهما لأنهما لم يقرآ بها، فيهما لمخالفته للمنقول في علم القرا آت، وعلى قراءة الرفع إما مبتدأ محذوف الخبر أي عليكم سلام، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم سلام، قيل: والأول أوجه لأنه يكون داخلاً في جملة إكرامهم، وأما تقدير أمركم فمحمول على أن معناه سلمني منكم وسلمكم مني لأنه كلمة أمان. قوله:) فما أبطأ مجيئه) يعني لبث هنا بمعنى أبطأ وتأخر، وأن جاء فامحله أو فاعله ضمير إبراهيم، وأن جاء مقدر بحرف جز متعلق به، أي ما أبطأ في أن جاء أو عن أن جاء، وحذف الجار قبل ا! ، وأن مطرد على القولين المشهورين في محله، والباء في بعجل للتعدية أو الملابسة، لكن في قوله مقدر أو محذوف، نظر، لأنه إذا كان محذوفاً كان مقدراً فلا فرق بينهما، وقيل في توجيهه إنه إشارة إلى القولين في محله بعد الحذف، هل هو الجرّ فيكون مقدراً لأن المقدر في قوة المذكور فيبقى عمله، والمحذوف يكون متروكاً فلا يبقى أثره فيكون في محل نصب، وقيل: إنه راجع إلى في فقط، وأته على ملاحظ معناها إمّا أن يكون في محل جرّ بحذفها، أو منصوبا على الظرفية بعد تقديرها، ولا يخفى ما فيه من التكلف، مع أن نصب المصدر المؤوّل من أن، والفعل على الظرفية، كالصريح في نحو آتيك خفوق النجم غير مسلم عند النحاة، والرضف براء مهملة مفتوحة وضاد ساكنة معجمة، وفاء حجارة تحمى ويلقى عليها اللحم ليشوى بها، والودك بفتح حروفه المهملة الدسم، والجلال بكسر الجيم جمع جل بضمها وتفتح، وهو ما يدثر به الخيل وتصان، وعلى الأخير بمعنى سمين تشبيها لودكه بالجلال عليه، أو ما يسيل منها بعرق الدابة المجللة للعرق، وعرّقته هيأته للعرق بالدثار. قوله: الا يمذّون إليه أيديهم) رأى أن كانت بصرية فجملة لا تصل حال، وأن كانت علمية فمفعول ثان، وتفسير عدم الوصول بعدم المدّ على جعله كناية عنه، لأنه لازم له فلما كان الوصول ممكنا فسره بما ذكر، ويلزمه عدم اكل، فما قيل إنه لو جعله كناية عن لا يأكلون كان أولى لا وجه له، وقيل: روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم، فلذا قيل لا تصل الخ، فليس كناية عن عدم الوصول كما ذكره المصنف ﵀، وفيه نظر. قوله: (أنكر ذلك منهم وخاف الخ) يعني لظنه أنهم بشر وكان بمعزل عن الناس، والضيف إذا هم بفتك لا يأكل من الطعام في عادتهم، ونكر كالمؤيد في المعنى، وقيل: بينهما فرق لكن الكثير في الاستعمال هو المزيد، ولما فسر الإيجاس بالادراك أو الإضمار ورد أنه لا يطلع عليه، فكيف قالوا له لا تخف دفعه بأنهم رأوا عليه أش الخوف كما يظهر ذلك في الوجه ونحوه، ويجوز أن يعلمهم الله به، وأمّا قوله في آية أخرى: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٥٢، فلا ينافي هذا لأنّ هذا كان في أوّل الأمر، وذاك بعده لاختلاف الأحوال والأطوار فقوله في الحجر: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٥٢] لا ينافي قول المصنف ﵀ هنا أحسوا منه أثر الخوف، حتى يقال: إنه غفلة منه لجواز أن يشاهدوا منه أثر الخوف ٤ فبقولون: لا تخف فلا يطمئن لقولهم، ويقول بل أنا خائف لأنّ أحوالكم ليست كسائر الضيفان. قوله: (إنا ملائكة مرسلة إليهم العذاب الخ) يعني أن علمه بملكيتهم من خبرهم هذا لما خافهم لظن أنهم بشر طرقوه بشر قالوا له إنا ملائكة، ولذا لم نأكل من طعامك، ولما لم يكف هذا لدفع الخوف لاحتمال أنهم ملائكة أرسلوا بما يخشا. فيه أو قومه ذكروا له ما أرسلوا له، وهو الموافق لما ذكره في غير هذه السورة، والزمخشري رجح أنه عرفهم قبل ذلك، وإنما خشي نزولهم لما يكره، لأن ظاهر النظم يدل عليه، لكن قيل: عليه تقديمه الطعام وتهيئته ينافيه، وأجيب بأنه عرفهم لكن بعد ذلك، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وأن السياق هنا وفي الحجر يدل على ما ذكره فتأمّلة، فانه يمكن التوفيق بين ذلك، وقوله:) وامرأته قائمة) جملة حالية أو مستأنفة للإخبار، وهي بنت عمه سارة بنت هاران. قوله: (وراء الستر تسمع محاورتهم (بالحاء المهملة أي تكالمهم، قيل: ومدار الوجهين على أن تستر النساء كان لازما أو لا، والظاهر الثاني لتأخر نزول آية الحجاب. قوله: (فضحكت سرورا الخ) الضحك إما حقيقة، أو المراد التبسم وطلاقة الوجه، وطلبها لوطا ﵇ لأنه كان أخاها، وقيل ابن أخيه، قيل وأو ليست لمنع الجمع، وإنما هي للإشارة إلى صلاحية كل منها للعلية. قوله: (فضحكت فحاضت) قيل: يبعده قوله: (لألد وأنا عجوز) ولو

стр. 1577

كان الحيض قبلى البشارة لم تنكر الحمل والولاد، لأنّ الحيض معيارها، ودفع بأن الحيض في غير أوانه مؤكد للتعجب أيضا، ولأنه يجوز أن تظن أن دمها ليس بحيض بل استحاضة، فلذا تعجبت، وقوله: وعهدي بسلمى ضاحكافي لبابة ولم تعدحقاثديها أن تحلما معناه إنه قريب العهد بها طفلة يصف صغر سنها، فعهدي مبتدأ وخبره محذوف أي قريب، وقوله: ضماحكا لم يؤنثه لاختصاصه بالنساء كحائض وطامث، ولبابة بباءين موحدتين في النسمخ، ولم يضبطوه لكن منهم من فسره بثوب يغطي به، ومنهم من فسره بجماعة النساء، وقيا! : إنه اسم موضع، ولم يعد أي يجاوز، وحقا تثنية حق وبه يشبه الثدي في الصغر، وتحلما أصله تتحلما أي يظهر حلمته وتكبر، وهي رأس الثدي، وفي نسخة تحلبا بالباء كأنّ معناه خروج لبنهما. قوله: (وقرئ بفتح الحاء) قرأها محمد بن زياد الأعرابي، وقيل: إنه معروف في اللغة، وقيل: إنه مخصوص بضحك بمعنى حاض. قوله: (نصبه ابن عامر وحمزة وحفص! بفعل يفسره ما دل عليه الكلام) هذه القراءة بفتح الباء فتحتمل النصب والجرّ بالفتحة لعدم صرفه، فاختلف القائلون بالنصمب فقيل: إنه معطوف على بإسحق، على توهم نصبه لأنه في معنى ووهبنا له إسحق فيكون كقوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولاناعب إلا ببين غرابها فهو من عطف التوهم كما توهم الشاعر وجود الباء، فهذا عكسه لكن هذا غير مقيس، وقيل: إنه منصوب بفعل مقدر، أي وهبنا يعقوب، ورجحه الفارسي ﵀، إلا أنه قيل عليه إنه على هذا غير داخل تحت البشارة، ودفع بأن ذكر هبة الولد قبل وجوده بشارة معنى، وقيل هو منصوب عطفا على محل بإسحق لأنه في محل نصب، والفرق بينه وبين عطف التوهم ظاهر، وذكر المصنف ﵀ وجهين، وترك الأول المذكور في الكشاف إشارة إلى أنه شاذ لا ينبغي التخريج عليه مع وجود غيره. قوله: (أو على لفظ إسحق وفتحته للجرّ فإنه غير مصروف اللعلمية والعجمة وعلى هذا هو داخل في البشارة، وقوله: ورذ الخ، في الدر المصون إن هذا رذ للوجهين المحكيين بقيل، وسياق المصنف هـ حمه الله ظاهر فيه، ولذا فسره به المحشي ﵀، لكنه قيل عليه إنه رذ للثاني فقط، يعني يرذه الفصل بين المعطوف وهو يعقوب والمعطوف عليه وهو إسحق بالظرف، وهو من وراء إلص! حق لوجود الفصل بينهما، لكن لا من حيث إنه فصل بين المتعاطفين، بل للفصل بين العاطف النائب مناب العامل، وهو حرف الجرّ هنا فكما لا يجوز الفصل بينه وبين مجروره لا يجوز الفصل بين المجرور وما قام مقام الجار، فلا بد من تقديم المجرور أو إعادة الجار، وهذا المحذور في الجرّ لا في العطف على المحل وفيه نظر، وأورد على العطف على المحل إنه إنما يتأتى إذا جاز ظهور المحل في فصيح الكلام كقوله: ولسنا بالجبال ولا الحديدا وبشر لا يسقط باؤه من المبشر به في فصيح الكلام، وقوله: ما عطف عليه بالبناء للفاعل، يعني الواو فلا يرد أن الفصل بينه وبين المعطوف عليه غير ممتنع. قوله: (وقرأ الباقون بالرفع الخ) وخرّجت قراءة الرفع على وجوه، على أنه مبتدأ خبره الظرف ومتعلقه مولود، أو موجود كما قدّره، وقدره غيره كائن والجملة حالية أو مستأنفة، وقيل إنه فاعل للظرف وهذا على مذهب الأخفش كما قاله المعرب، وقيل: إنه على مذهب الجمهور لاعتماده على ذي الحال، وهو وهم لأنّ الجار والمجرور إذا كان حالاً لا يجوز اقترانه بالواو فتأمّل، وقيل: إنه مرفوع بيحدث مقدرا. قوله: (وقيل الوراء ولد الولد الخ) قال الراغب ﵀: يقال وراء زيد كذا لمن خلفه، نحو قوله: ﴿وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ فمن فسره بهذا أراد أنه يخلفه ويكون من جهته والا لم يكن وراءه فهو مجارّ ظاهر فلا يرد عليه قول الإمام إنه تعسف لا دلالة للفظ عليه، وهو معنى قول المصنف ﵀ وفيه نظر، وان أراد أن الوراء مطلقاً بمعنى ولد الولد فاللغة تأباه، فحصل معناه أنه ولد ولد إبراهيم من جهة إسحق لا من جهة إسماعيل عليهم الصلاة والسلام وتبشيرها به إشارة إلى أنها تعيش حتى ترى ولد ولدها. قوله: (ليس من حيث أنّ يعقوب ﵊ وراءه) يعني على هذا التفسير لأنه ليس ولد ولد إسحق، بل ولد ولد إبراهيم عليهم

стр. 1578

الصلاة والسلام، وقوله: وفيه نظر عندي أنه راجع إلى هذا، يعني أنه وراء إسحق لأنه خلفه وولده، وكونه ولد الولد إنما يؤخذ من إضافته إليه فتأثل. قوله: (والاسمان يحتمل وقوعهما في البثارة) كما في قوله: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [سورة مريم، الآية: ٧] وهو الأظهر، ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية، ثم سميا بعد الولادة، وقوله: وتوجيه البشارة إليها دون أن يبشر بذلك إبراهيم ﵊ كما وقع في آية أخرى، وكونه منها يعني بالواسطة، وحينئذ يحتاج عدم إضافته إليها لنكتة، وقوله: ولأنها كانت عقيمة حريصة الخ، وكان لإبراهيم ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام. قوله: (يا عجبي الخ) يعني المراد بها هنا التعجب، لا معنى الويل لأنه لا يناسب المقام، ويدل عليه الاسنفهام، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهذه الكلمة جارية على الألسنة في مثله، وقوله فأطلق على كل أمر فظيع الفظيع بمعنى الثنغ، يعني أنه إذا استعمل مطلقا من غير تقييد وقرينة دل على الثناعة والفظاعة بخلاف ما نحن فيه، أو إذا أطلق في الاستعمال الأصلي فلا يرد عليه، أن الأولى أن يقال أصله للدعاء بالويل، ونحوه في جزع التفجع لشدة مكروه يدهم النفس، ثم استعمل في التعجب، ولا حاجة إلى ما قيل إن فيه تشنيعا للمواقعة في سن الهرم، وقوله: وقرئ بالياء على الأصل في نسخة إيذانا على الأصل بتضمينه معنى الدلالة، فالألف بدل من الياء، ولذا أمالوها، وبهذا يلغز فيقال: ما ألف هي ضمير مفرد متكلم، وقيل: إنها للندبة، ولذا لحقتها الهاء، وكونها ابنة تسعين رواية ابن إسحق ﵀، والأخرى رواية مجاهد ﵀. قوله: (وأصله القائم بالأمر) فأطلق على الزوج لأنه يقوم بأمر الزوجة، وهذا مخالف لكلام الراغب فإنه قال: البعل هو الذكر من الزوجين، وجمعه بعولة كفحل وفحولة، ولما تصوّروا من الرجل استعلاءه على المرأة وقيامه عليها، شبه كل مستعل وقائم به فتأمّل. قوله: (ونصبه على الحال الخ) قيل: مثل هذه الحال من غوامض العربية إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر، ففي قولك: هذا زيد قائما لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامه، ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيد عند عدم القيام، وليس بصحيح، فهنا بعليته معروفة والمقصود بيان شيخوخته، والا لزم أن لا يكون بعلها قبل الشيخوخة، ولذا ذهب الكوفيون إلى أن هذا يعمل عمل كان وشيخا خبره، وسموه تقريبا، وفيه نظر لأنه إنما يتوجه إذا لم تكن الحال لازمة غير منفكة، إما في نحو هذا أبوك عطوفا فلا يلزم المحذور، والحال هاهنا مبينة هيئة الفاعل أو المفعول، لأنّ العامل فيها ما في معنى هذا من معنى الإشارة أو التنبيه، وبذلك التأويل يتحد عامل الحال وذيها، وقوله: وبعلى بدل، وجوّز كونه عطف بيان، وكون شيخ تابعاً لبعلي أيضاً، وقوله: خبر محذوف بالإضافة. قوله: (يعني الولد من الهرمين) بكسر الراء وهو الضعيف لكبر سنه جدّاً، فالإشارة إلى ما ذكر وهو ولادة الولد والبشارة به، وقوله: من حيث للتعليل، وفي قوله: ولذلك قالوا فيه صنعة من البديع سماها في شرح المفتاح التجاذب، لأنه جعل قالوا الواقع في النظم كأنه من كلامه بطريق الاقتباس والتقدير، ولذلك ورد قولهم قالوا: لكته طواه. قوله: (منكرين عليها) يريد أنه إنكار لتعجبها من حيث العادة لا من حيث القدرة، لأنّ بيت النبوّة ومهبط الوحي محل الخوارق، فلا ينبغي تعجب من نشأ فيه مما خالف العادة، ولو صدر من غيرهم لم ينكر، وقوله فإن خوارق الخ، بيان لوجه إنكارهم، وقوله: ليس ببدع بكسر الباء وسكون الدال والعين المهملتين، أي ليس بمستغرب مستبدع، وقوله: ولا حقيق الخ عطف تفسير له، وتذكير خبر الخوارق لإرادة الجنس، وقوله: بأن يستغربه عاقل مستفاد من المقام، وتخصيصهم بمزيد النعم من قوله رحمة الله وجملة رحمة الله الخ، دعائية أو خبرية، وملاحظة الآيات مشاهدتها. قوله: (وأهل البيت نصب على الماخ الخ) قال المعرب: في نصبه وجهان أحدهما أنه منادى، والثاني أنه منصوب على المدح، وقيل على الاختصاص وبين النصبين فرق، وهو أنّ المنصوب على المدح لفظ يتضمن لوصفه المدح، كما أنّ ما للذم، كذلك وفي الاختصاص يقصد المدح أو الذم، لكته ليس بحسب اللفظ كقوله: بنا تميما يكشف الضباب كذا نقل عن سيبويه وفيه نظر، ومعنى نصبه على المدح أنّ نصبه بتقدير امدح ونحوه، فهو مفعول به، أو هو

стр. 1579

منصوب على الاختصاص فيفيد المدح أيضاً وباب الاختصاص منقول من النداء فجعله منه باعتبار الأصل، ولم يجعله نداء أصليا كما في الكشاف لفوات معنى المدح المناسب للمقام، ولأن مثل هذا التركيب شاع استعماله لقصد الاختصاص وباب الاختصاص وأحكامه مفصلة في كتب النحو فانظره. قوله: (فاعل ما يستوجب به الحمد) فحميد فعيل بمعنى مفعول أي مستوجب للحمد مستحق له لما وهبه من جلائل النعم فلا يبعد أن يعطي الولد بعد الكبر، وهو تذييل حسن لبيان أنّ مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرّف. قوله: (كثير الخير والإحسان (هذا أحد معانيه من مجدت الإبل رعت حتى شبعت ويكون بمعنى الشرف وهو قريب منه، وقوله أي ما أوجس من الخيفة لأنّ الروع هو الخوف الواقع في القلب، وأما الروع بالضم فهو النفس لأنها محل الروع ففرق بين الحال والمحل، وفي الحديث: " إن روح القدس نفث في روعي " واطمأن قلبه بيان لذهاب الروع، وقوله بعرفانهم أي اطمئنانه بسبب عرفان أنهم ملائكة أتوا لما ذكر، وقوله بدل الروع أي إنه تبدل خوفه بالسرور والبشارة. قوله: (يجادل رسلنا الخ) يعني أنّ مجادلة الرسل نزلت منزلة مجادلة الله فهو مجاز في الإسناد، وحمله عليه للتصريح به في سورة العنكبوت، وأنّ المجادلة وان كان المراد بها السؤال لا يناسب نسبتها إلى الله، ومجادلته فسروها بقوله أن فيها لوطا ﵊، وهو من المؤمنين فكيف يحل بهم ذلك وللقصة تفصيل في الكشاف اقتصر منها المصنف ﵀ على المتيقن الواقع في النظم، وعذ هذا مجادلة لأنّ ماكه كيف يهلك قرية فيها من هو مؤمن غير مستحق للعذاب، ولذا أجابوه بقولهم لننجينه الخ. قوله:) وهو إما جواب لما (دفع لأن لما لما مضى فذكر المضارع بعدها ما وجهه فوجهه بأنه ماض عبر عنه بالمضارع لحكاية الحال، وأصله جادلنا أو أنّ لما كلو تقلب المضارع ماضيا كما أن إن تقلب الماضي مستقبلاً، وقوله أو لأنه ضميره ليجادلنا، أو الجواب محذوف كما تذره وهذه جملة مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانياً تدل عليه، وقوله أو دليل عطف على قوله جواب لما. قوله: (أو متعلق به أقيم مقامه) وفي نسخة مقام مقامه الخ وهذا الوجه آثره الزجاج ولكنه جعله مع حكاية الحال وجها واحداً لاً نه قال إنّ الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه أخذ أو أقبل لأنك إذا قلت قام زيد دل على فعل ماض، وإذا قلت أخذ زيد دل على حالة ممتدة بذكر أخذ أو أقبل وعلى ما ذكره المصنف ﵀ تبعا للكشاف هما وجهان وتحقيقه كما في الكشف أنه إذا أريد بما ذكر استمرار الماضي فهو كما ذكره الزجاج، وان أريد التصوير المجرّد فلا يكون وجهاً آخر ويجادلنا على هذا حال من فاعل الجواب المحذوف. قوله: (غير عجول على الانتقام من المسيء إليه) وصفه بما ذكر من الصفات بيانا لأنه كان رقيق القلب شفوقا فلذا أحب ترك نزول العذاب عليهم رجاء لرجوعهم، ولما كان الحلم لا يتصور في إساءة الغير قيده بقوله إليه ولا يضره كون السياق في إساءة قوم لوط ﵊ كما توهم حتى قيل الأولى تركه لأنّ هذه الصفات عبارة عن الشفقة ورقة القلب كما ذكره المصنف ﵀، ورجاء توبتهم لا ينافيه إخبار الملائكة عليهم الصلاة والسلام بتحتم تعذيبهم لأنه كان قبل بيان ذلك لكن كون ذلك لكون لوط فيهم أولى، وقوله من الذنوب ذكره لبيان حقيقة الحال، وقوله راجع إلى الله أي في كل ما يحبه ويرضاه ولذا سأله دفع العذاب ودلالة الكلام على ما ذكر أما حليم وأوّاه فظاهر، وأما منيب فإن كان بمعنى رجوعه إلى الله في دفع العذاب فكذلك، وإلا فلأنّ شأن التائب ذلك. قوله: (على إرادة القول) وتقديره ليرتبط، وقيل إن المراد اعتبار معناه دون تقديره في النظم لا وجه له. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ) أي قدره المقضي، ومجيء القدر المقدر عليهم لا يقتضي وقوعه، وقيل أراد به المشارفة أي شارف المجيء والا لم يجىء بعد وفسر الأمر بما ذكر، ولم يفسره بالعذاب أو بالأمر به كما فسره في قوله ولما جاء أمرنا نجينا هوداً لئلا يتكرر مع قوله آتيهم عذاب غير مردود كذا قيل، وأورد عليه أنه مشترك الإلزام لأنّ مجيء القدر بالعذاب يغني عنه أيضا والتكرار مدفوع بأنه توطئة لذكر كونه غير مردود، وعلى

стр. 1580

ما ذكرناه، وكذا على جعله للمشارفة لا يتأتى هذا لأنه إذا قيل شارفهم العذاب، ثم وقع بهم لم يكن مكرراً وقوله وهو أعلم بحالهم من استحقاقهم محقة العذاب وعدم توبتهم. قوله: (قدره بمقتضى قضائه الخ) قال المصنف ﵀ في شرح المصابيح القضاء الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على- ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها يعني أنّ لصفة الإرادة الإلهية تعلقا قديماً بوجود الأشياء في وقتها المخصوص فيما لا يزال، وتعلقا حادثا بها في وقت وجودها بالفعل، والقضاء هو التعلق القديم، ولذا وصف المصنف ﵀ بالأزلي، والقدر التعلق الحادث لا إنّ القضاء هو نفس الإرادة كما يوهمه ظاهر كلامه والكلام على تحقيقه في الكلام. قوله تعالى: ( ﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ ) يقال ساءه سوءاً ومساءة فعل به ما يكره فاستاء والسوء بالضم الاسم منه، والضمير فيه للوط ﵊ أي أحدث له مجيئهم المساءة ومجيئهم هو الفاعل في الأصل، قيل: الباء للمفعول كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو فاعل حقيقة لغوية كما بين في كتب المعاني فإن حمل على أن مراده أن باء بهم للسببية والسبب لا يلزم أن يكون فاعلا فليس مما ذكر في شيء، ووقع في بعض النسخ وقرأ نافع وابن عامر والكسائي سيىء وسيئت بإشمام السين الضم، وفي العنكبوت والملك والباقون باختلاس حركة السين، اهـ وقيل: عليه إنّ فيه نقصا وتصحيفاً أما النقص! فلأنه لا بدّ أن يكون الأصل هنا وفي العنكبوت، والملك إذ ليس في هذه السورة سيئت، وأما التصحيف فلأن الصحيح المطابق لكتب القراآت بإخلاص كسر السين فقوله باختلاس تصحيف أي تحريف (قلت) أما الثاني فوار وأما الأوّل فليس بشيء لأنّ المراد أنه قرئ في هذه المواضع مع قطع النظر عن خصوص لفظه فوكله إلى القارئ لظهوره ٤ واعلم أنه وقع في البحر لأبي حيان وفي المغني لابن هشام ﵀، وتبعه بعض المفسرين كلام مختل أفردناه بتعليقة حاصلة اًن أن زيدت في قصة لوط ﵊ دون قصة إبراهيم ﷺ لأنّ الإساءة وقعت في الأولى بلا مهلة دون الثانية، ونقل مثله عن الشلوبين فرده أبو حيان رحمه الله تعالى بأنّ الزائد لا يفيد غير التوكيد، وما ذكروه لا يعرفه النحاة وفي قوله الإساءة لحن لأنّ الواقع في التنزيل ثلاثي، ورده ابن هثام بأنه ليس في الكشاف ما ذكر من الفرق لا في العنكبوت، ولا هنا وهذا كله لا وجه له وسيأتي تفصيله. قوله: (وضاق بمكانهم صدره الخ) ذرعا تمييز وهو في الأصل مصدر ذرع البعير بيديه يذرع في سير. إذا سار ما خطوه من الذرع، ثم توسع فيه فوضع موضع الطاقة والجهد فقيل ضاق ذرعه أي طاقته، وقد وقع الذراع موقعه في قوله: إليك إليك ضاق به ذراعا وذلك أن اليد كما تجعل مجازاً عن القوة فالذراع الذي هو من المرفق كذلك. فقيل: إنه كناية عن ضيق الصدر، وإليه ذهب المصنف ﵀ وقوله بمكانهم إشارة إلى أن ضيق صدره ليس بصنع منهم، وإنما هو لمكانهم أي لأمرهم وحالهم لخوفه عليهم كما قال في العنكبوت صار شأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته فأشار هنا إلى أنه المراد هنا، وأن الذرع كما يجعل كناية عن الصدر والقلب يجعل كناية عن الطاقة. قوله: (وهو كناية عن شدّة الانقباض! (أي الذرع عبارة عن الصدر وضيقه عبارة عما ذكر فهو كناية متفرعة على كناية أخرى مشهورة، وقيل إنه مجاز لأن الحقيقة غير مرادة هنا، والاحتيال فيه أي في المدافعة وذكره لتأويله بالدفع أو هو للمكروه وهو مجرور معطوف على المدافعة. قوله:) شديد (لأنه لكثرة شده كاً نه عصب بعضه ببعض والتف به، ويهرعون جملة حالية والعامة على قراءته مبنيا للمفعول، والإهراع الإسراع، وقال الهروي: هرع وأهرع استحث وقرأه جماعة يهرعون بفتح الياء مبنيا للفاعل من هرع وأصله من الهرع، وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضا فالمعنى على القراءتين يسوقون أي يسوق بعضهم بعضا أو يساقون بمعنى يسوقهم كبيرهم فتفسيره بيسرعون بيان للمراد منه عليهما، وقوله: كأنهم يدفعون على المجهول إشارة إلى أنه استعارة، وقوله لطلب الفاحشة أي لأجل إرادتها تعليل للمجيء لا للإسراع أو الدفع ولا مانع من عوده لهما. قوله: (فتمرّنوا بها
следующие страницы →