Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
المصنف ﵀، ووقع في الكشاف فيهما، فلا تكون قراءة حمزة الكسائيّ بل غيرهما لأنهما لم يقرآ بها، فيهما لمخالفته للمنقول في علم القرا آت، وعلى قراءة الرفع إما مبتدأ محذوف الخبر أي عليكم سلام، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم سلام، قيل: والأول أوجه لأنه يكون داخلاً في جملة إكرامهم، وأما تقدير أمركم فمحمول على أن معناه سلمني منكم وسلمكم مني لأنه كلمة أمان. قوله:) فما أبطأ مجيئه) يعني لبث هنا بمعنى أبطأ وتأخر، وأن جاء فامحله أو فاعله ضمير إبراهيم، وأن جاء مقدر بحرف جز متعلق به، أي ما أبطأ في أن جاء أو عن أن جاء، وحذف الجار قبل ا! ، وأن مطرد على القولين المشهورين في محله، والباء في بعجل للتعدية أو الملابسة، لكن في قوله مقدر أو محذوف، نظر، لأنه إذا كان محذوفاً كان مقدراً فلا فرق بينهما، وقيل في توجيهه إنه إشارة إلى القولين في محله بعد الحذف، هل هو الجرّ فيكون مقدراً لأن المقدر في قوة المذكور فيبقى عمله، والمحذوف يكون متروكاً فلا يبقى أثره فيكون في محل نصب، وقيل: إنه راجع إلى في فقط، وأته على ملاحظ معناها إمّا أن يكون في محل جرّ بحذفها، أو منصوبا على الظرفية بعد تقديرها، ولا يخفى ما فيه من التكلف، مع أن نصب المصدر المؤوّل من أن، والفعل على الظرفية، كالصريح في نحو آتيك خفوق النجم غير مسلم عند النحاة، والرضف براء مهملة مفتوحة وضاد ساكنة معجمة، وفاء حجارة تحمى ويلقى عليها اللحم ليشوى بها، والودك بفتح حروفه المهملة الدسم، والجلال بكسر الجيم جمع جل بضمها وتفتح، وهو ما يدثر به الخيل وتصان، وعلى الأخير بمعنى سمين تشبيها لودكه بالجلال عليه، أو ما يسيل منها بعرق الدابة المجللة للعرق، وعرّقته هيأته للعرق بالدثار. قوله: الا يمذّون إليه أيديهم) رأى أن كانت بصرية فجملة لا تصل حال، وأن كانت علمية فمفعول ثان، وتفسير عدم الوصول بعدم المدّ على جعله كناية عنه، لأنه لازم له فلما كان الوصول ممكنا فسره بما ذكر، ويلزمه عدم اكل، فما قيل إنه لو جعله كناية عن لا يأكلون كان أولى لا وجه له، وقيل: روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم، فلذا قيل لا تصل الخ، فليس كناية عن عدم الوصول كما ذكره المصنف ﵀، وفيه نظر. قوله: (أنكر ذلك منهم وخاف الخ) يعني لظنه أنهم بشر وكان بمعزل عن الناس، والضيف إذا هم بفتك لا يأكل من الطعام في عادتهم، ونكر كالمؤيد في المعنى، وقيل: بينهما فرق لكن الكثير في الاستعمال هو المزيد، ولما فسر الإيجاس بالادراك أو الإضمار ورد أنه لا يطلع عليه، فكيف قالوا له لا تخف دفعه بأنهم رأوا عليه أش
الخوف كما يظهر ذلك في الوجه ونحوه، ويجوز أن يعلمهم الله به، وأمّا قوله في آية أخرى: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٥٢، فلا ينافي هذا لأنّ هذا كان في أوّل الأمر، وذاك بعده لاختلاف الأحوال والأطوار فقوله في الحجر: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٥٢] لا ينافي قول المصنف ﵀ هنا أحسوا منه أثر الخوف، حتى يقال: إنه غفلة منه لجواز أن يشاهدوا منه أثر الخوف ٤ فبقولون: لا تخف فلا يطمئن لقولهم، ويقول بل أنا خائف لأنّ أحوالكم ليست كسائر الضيفان. قوله: (إنا ملائكة مرسلة إليهم العذاب الخ) يعني أن علمه بملكيتهم من خبرهم هذا لما خافهم لظن أنهم بشر طرقوه بشر قالوا له إنا ملائكة، ولذا لم نأكل من طعامك، ولما لم يكف هذا لدفع الخوف لاحتمال أنهم ملائكة أرسلوا بما يخشا. فيه أو قومه ذكروا له ما أرسلوا له، وهو الموافق لما ذكره في غير هذه السورة، والزمخشري رجح أنه عرفهم قبل ذلك، وإنما خشي نزولهم لما يكره، لأن ظاهر النظم يدل عليه، لكن قيل: عليه تقديمه الطعام وتهيئته ينافيه، وأجيب بأنه عرفهم لكن بعد ذلك، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وأن السياق هنا وفي الحجر يدل على ما ذكره فتأمّلة، فانه يمكن التوفيق بين ذلك، وقوله:) وامرأته قائمة) جملة حالية أو مستأنفة للإخبار، وهي بنت عمه سارة بنت هاران. قوله: (وراء الستر تسمع محاورتهم (بالحاء المهملة أي تكالمهم، قيل: ومدار الوجهين على أن تستر النساء كان لازما أو لا، والظاهر الثاني لتأخر نزول آية الحجاب. قوله: (فضحكت سرورا الخ) الضحك إما حقيقة، أو المراد التبسم وطلاقة الوجه، وطلبها لوطا ﵇ لأنه كان أخاها، وقيل ابن أخيه، قيل وأو ليست لمنع الجمع، وإنما هي للإشارة إلى صلاحية كل منها للعلية. قوله: (فضحكت فحاضت) قيل: يبعده قوله: (لألد وأنا عجوز) ولو
стр. 1577
كان الحيض قبلى البشارة لم تنكر الحمل والولاد، لأنّ الحيض معيارها، ودفع بأن الحيض في غير أوانه مؤكد للتعجب أيضا، ولأنه يجوز أن تظن أن دمها ليس بحيض بل استحاضة، فلذا تعجبت، وقوله:
وعهدي بسلمى ضاحكافي لبابة ولم تعدحقاثديها أن تحلما
معناه إنه قريب العهد بها طفلة يصف صغر سنها، فعهدي مبتدأ وخبره محذوف أي قريب، وقوله: ضماحكا لم يؤنثه لاختصاصه بالنساء كحائض وطامث، ولبابة بباءين موحدتين في النسمخ، ولم يضبطوه لكن منهم من فسره بثوب يغطي به، ومنهم من فسره بجماعة النساء، وقيا! : إنه اسم موضع، ولم يعد أي يجاوز، وحقا تثنية حق وبه يشبه الثدي في الصغر،
وتحلما أصله تتحلما أي يظهر حلمته وتكبر، وهي رأس الثدي، وفي نسخة تحلبا بالباء كأنّ معناه خروج لبنهما. قوله: (وقرئ بفتح الحاء) قرأها محمد بن زياد الأعرابي، وقيل: إنه معروف في اللغة، وقيل: إنه مخصوص بضحك بمعنى حاض. قوله: (نصبه ابن عامر وحمزة وحفص! بفعل يفسره ما دل عليه الكلام) هذه القراءة بفتح الباء فتحتمل النصب والجرّ بالفتحة لعدم صرفه، فاختلف القائلون بالنصمب فقيل: إنه معطوف على بإسحق، على توهم نصبه لأنه في معنى ووهبنا له إسحق فيكون كقوله:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولاناعب إلا ببين غرابها
فهو من عطف التوهم كما توهم الشاعر وجود الباء، فهذا عكسه لكن هذا غير مقيس، وقيل: إنه منصوب بفعل مقدر، أي وهبنا يعقوب، ورجحه الفارسي ﵀، إلا أنه قيل عليه إنه على هذا غير داخل تحت البشارة، ودفع بأن ذكر هبة الولد قبل وجوده بشارة معنى، وقيل هو منصوب عطفا على محل بإسحق لأنه في محل نصب، والفرق بينه وبين عطف التوهم ظاهر، وذكر المصنف ﵀ وجهين، وترك الأول المذكور في الكشاف إشارة إلى أنه شاذ لا ينبغي التخريج عليه مع وجود غيره. قوله: (أو على لفظ إسحق وفتحته للجرّ فإنه غير مصروف اللعلمية والعجمة وعلى هذا هو داخل في البشارة، وقوله: ورذ الخ، في الدر المصون إن هذا رذ للوجهين المحكيين بقيل، وسياق المصنف هـ حمه الله ظاهر فيه، ولذا فسره به المحشي ﵀، لكنه قيل عليه إنه رذ للثاني فقط، يعني يرذه الفصل بين المعطوف وهو يعقوب والمعطوف عليه وهو إسحق بالظرف، وهو من وراء إلص! حق لوجود الفصل بينهما، لكن لا من حيث إنه فصل بين المتعاطفين، بل للفصل بين العاطف النائب مناب العامل، وهو حرف الجرّ هنا فكما لا يجوز الفصل بينه وبين مجروره لا يجوز الفصل بين المجرور وما قام مقام الجار، فلا بد من تقديم المجرور أو إعادة الجار، وهذا المحذور في الجرّ لا في العطف على المحل وفيه نظر، وأورد على العطف على المحل إنه إنما يتأتى إذا جاز ظهور المحل في فصيح الكلام كقوله:
ولسنا بالجبال ولا الحديدا
وبشر لا يسقط باؤه من المبشر به في فصيح الكلام، وقوله: ما عطف عليه بالبناء للفاعل، يعني الواو فلا يرد أن الفصل بينه وبين المعطوف عليه غير ممتنع. قوله: (وقرأ الباقون بالرفع الخ) وخرّجت قراءة الرفع على وجوه، على أنه مبتدأ خبره الظرف ومتعلقه مولود، أو
موجود كما قدّره، وقدره غيره كائن والجملة حالية أو مستأنفة، وقيل إنه فاعل للظرف وهذا على مذهب الأخفش كما قاله المعرب، وقيل: إنه على مذهب الجمهور لاعتماده على ذي الحال، وهو وهم لأنّ الجار والمجرور إذا كان حالاً لا يجوز اقترانه بالواو فتأمّل، وقيل: إنه مرفوع بيحدث مقدرا. قوله: (وقيل الوراء ولد الولد الخ) قال الراغب ﵀: يقال وراء زيد كذا لمن خلفه، نحو قوله: ﴿وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ فمن فسره بهذا أراد أنه يخلفه ويكون من جهته والا لم يكن وراءه فهو مجارّ ظاهر فلا يرد عليه قول الإمام إنه تعسف لا دلالة للفظ عليه، وهو معنى قول المصنف ﵀ وفيه نظر، وان أراد أن الوراء مطلقاً بمعنى ولد الولد فاللغة تأباه، فحصل معناه أنه ولد ولد إبراهيم من جهة إسحق لا من جهة إسماعيل عليهم الصلاة والسلام وتبشيرها به إشارة إلى أنها تعيش حتى ترى ولد ولدها. قوله: (ليس من حيث أنّ يعقوب ﵊ وراءه) يعني على هذا التفسير لأنه ليس ولد ولد إسحق، بل ولد ولد إبراهيم عليهم
стр. 1578
الصلاة والسلام، وقوله: وفيه نظر عندي أنه راجع إلى هذا، يعني أنه وراء إسحق لأنه خلفه وولده، وكونه ولد الولد إنما يؤخذ من إضافته إليه فتأثل. قوله: (والاسمان يحتمل وقوعهما في البثارة) كما في قوله: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [سورة مريم، الآية: ٧] وهو الأظهر، ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية، ثم سميا بعد الولادة، وقوله: وتوجيه البشارة إليها دون أن يبشر بذلك إبراهيم ﵊ كما وقع في آية أخرى، وكونه منها يعني بالواسطة، وحينئذ يحتاج عدم إضافته إليها لنكتة، وقوله: ولأنها كانت عقيمة حريصة الخ، وكان لإبراهيم ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام. قوله: (يا عجبي الخ) يعني المراد بها هنا التعجب، لا معنى الويل لأنه لا يناسب المقام، ويدل عليه الاسنفهام، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهذه الكلمة جارية على الألسنة في مثله، وقوله فأطلق على كل أمر فظيع الفظيع بمعنى الثنغ، يعني أنه إذا استعمل مطلقا من غير تقييد وقرينة دل على الثناعة والفظاعة بخلاف ما نحن فيه، أو إذا أطلق في الاستعمال الأصلي فلا يرد عليه، أن الأولى أن يقال أصله للدعاء بالويل، ونحوه في جزع التفجع لشدة مكروه يدهم النفس، ثم استعمل في التعجب، ولا حاجة إلى ما قيل إن فيه تشنيعا للمواقعة في سن الهرم، وقوله: وقرئ بالياء على الأصل في نسخة إيذانا على الأصل بتضمينه معنى الدلالة، فالألف بدل من الياء، ولذا أمالوها، وبهذا يلغز فيقال: ما ألف هي ضمير مفرد متكلم، وقيل: إنها
للندبة، ولذا لحقتها الهاء، وكونها ابنة تسعين رواية ابن إسحق ﵀، والأخرى رواية مجاهد ﵀. قوله: (وأصله القائم بالأمر) فأطلق على الزوج لأنه يقوم بأمر الزوجة، وهذا مخالف لكلام الراغب فإنه قال: البعل هو الذكر من الزوجين، وجمعه بعولة كفحل وفحولة، ولما تصوّروا من الرجل استعلاءه على المرأة وقيامه عليها، شبه كل مستعل وقائم به فتأمّل. قوله: (ونصبه على الحال الخ) قيل: مثل هذه الحال من غوامض العربية إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر، ففي قولك: هذا زيد قائما لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامه، ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيد عند عدم القيام، وليس بصحيح، فهنا بعليته معروفة والمقصود بيان شيخوخته، والا لزم أن لا يكون بعلها قبل الشيخوخة، ولذا ذهب الكوفيون إلى أن هذا يعمل عمل كان وشيخا خبره، وسموه تقريبا، وفيه نظر لأنه إنما يتوجه إذا لم تكن الحال لازمة غير منفكة، إما في نحو هذا أبوك عطوفا فلا يلزم المحذور، والحال هاهنا مبينة هيئة الفاعل أو المفعول، لأنّ العامل فيها ما في معنى هذا من معنى الإشارة أو التنبيه، وبذلك التأويل يتحد عامل الحال وذيها، وقوله: وبعلى بدل، وجوّز كونه عطف بيان، وكون شيخ تابعاً لبعلي أيضاً، وقوله: خبر محذوف بالإضافة. قوله: (يعني الولد من الهرمين) بكسر الراء وهو الضعيف لكبر سنه جدّاً، فالإشارة إلى ما ذكر وهو ولادة الولد والبشارة به، وقوله: من حيث للتعليل، وفي قوله: ولذلك قالوا فيه صنعة من البديع سماها في شرح المفتاح التجاذب، لأنه جعل قالوا الواقع في النظم كأنه من كلامه بطريق الاقتباس والتقدير، ولذلك ورد قولهم قالوا: لكته طواه. قوله: (منكرين عليها) يريد أنه إنكار لتعجبها من حيث العادة لا من حيث القدرة، لأنّ بيت النبوّة ومهبط الوحي محل الخوارق، فلا ينبغي تعجب من نشأ فيه مما خالف العادة، ولو صدر من غيرهم لم ينكر، وقوله فإن خوارق الخ، بيان لوجه إنكارهم، وقوله: ليس ببدع بكسر الباء وسكون الدال والعين المهملتين، أي ليس بمستغرب مستبدع، وقوله: ولا حقيق الخ عطف تفسير له، وتذكير خبر الخوارق لإرادة الجنس، وقوله: بأن يستغربه عاقل مستفاد من المقام، وتخصيصهم بمزيد النعم من قوله رحمة الله وجملة رحمة الله الخ، دعائية أو خبرية، وملاحظة الآيات مشاهدتها. قوله: (وأهل البيت نصب على الماخ الخ) قال المعرب: في نصبه وجهان أحدهما أنه منادى، والثاني أنه منصوب على المدح، وقيل على الاختصاص
وبين النصبين فرق، وهو أنّ المنصوب على المدح لفظ يتضمن لوصفه المدح، كما أنّ ما للذم، كذلك وفي الاختصاص يقصد المدح أو الذم، لكته ليس بحسب اللفظ كقوله:
بنا تميما يكشف الضباب
كذا نقل عن سيبويه وفيه نظر، ومعنى نصبه على المدح أنّ نصبه بتقدير امدح ونحوه،
فهو مفعول به، أو هو
стр. 1579
منصوب على الاختصاص فيفيد المدح أيضاً وباب الاختصاص منقول من النداء فجعله منه باعتبار الأصل، ولم يجعله نداء أصليا كما في الكشاف لفوات معنى المدح المناسب للمقام، ولأن مثل هذا التركيب شاع استعماله لقصد الاختصاص وباب الاختصاص وأحكامه مفصلة في كتب النحو فانظره. قوله: (فاعل ما يستوجب به الحمد) فحميد فعيل بمعنى مفعول أي مستوجب للحمد مستحق له لما وهبه من جلائل النعم فلا يبعد أن يعطي الولد بعد الكبر، وهو تذييل حسن لبيان أنّ مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرّف. قوله: (كثير الخير والإحسان (هذا أحد معانيه من مجدت الإبل رعت حتى شبعت ويكون بمعنى الشرف وهو قريب منه، وقوله أي ما أوجس من الخيفة لأنّ الروع هو الخوف الواقع في القلب، وأما الروع بالضم فهو النفس لأنها محل الروع ففرق بين الحال والمحل، وفي الحديث: " إن روح القدس نفث في روعي " واطمأن قلبه بيان لذهاب الروع، وقوله بعرفانهم أي اطمئنانه بسبب عرفان أنهم ملائكة أتوا لما ذكر، وقوله بدل الروع أي إنه تبدل خوفه بالسرور والبشارة. قوله: (يجادل رسلنا الخ) يعني أنّ مجادلة الرسل نزلت منزلة مجادلة الله فهو مجاز في الإسناد، وحمله عليه للتصريح به في سورة العنكبوت، وأنّ المجادلة وان كان المراد بها السؤال لا يناسب نسبتها إلى الله، ومجادلته فسروها بقوله أن فيها لوطا ﵊، وهو من المؤمنين فكيف يحل بهم ذلك وللقصة تفصيل في الكشاف اقتصر منها المصنف ﵀ على المتيقن الواقع في النظم، وعذ هذا مجادلة لأنّ ماكه كيف يهلك قرية فيها من هو مؤمن غير مستحق للعذاب، ولذا أجابوه بقولهم لننجينه الخ. قوله:) وهو إما جواب لما (دفع لأن لما لما مضى فذكر المضارع بعدها ما وجهه فوجهه بأنه
ماض عبر عنه بالمضارع لحكاية الحال، وأصله جادلنا أو أنّ لما كلو تقلب المضارع ماضيا كما أن إن تقلب الماضي مستقبلاً، وقوله أو لأنه ضميره ليجادلنا، أو الجواب محذوف كما تذره وهذه جملة مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانياً تدل عليه، وقوله أو دليل عطف على قوله جواب لما. قوله: (أو متعلق به أقيم مقامه) وفي نسخة مقام مقامه الخ وهذا الوجه آثره الزجاج ولكنه جعله مع حكاية الحال وجها واحداً لاً نه قال إنّ الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه أخذ أو أقبل لأنك إذا قلت قام زيد دل على فعل ماض، وإذا قلت أخذ زيد دل على حالة ممتدة بذكر أخذ أو أقبل وعلى ما ذكره المصنف ﵀ تبعا للكشاف هما وجهان وتحقيقه كما في الكشف أنه إذا أريد بما ذكر استمرار الماضي فهو كما ذكره الزجاج، وان أريد التصوير المجرّد فلا يكون وجهاً آخر ويجادلنا على هذا حال من فاعل الجواب المحذوف. قوله: (غير عجول على الانتقام من المسيء إليه) وصفه بما ذكر من الصفات بيانا لأنه كان رقيق القلب شفوقا فلذا أحب ترك نزول العذاب عليهم رجاء لرجوعهم، ولما كان الحلم لا يتصور في إساءة الغير قيده بقوله إليه ولا يضره كون السياق في إساءة قوم لوط ﵊ كما توهم حتى قيل الأولى تركه لأنّ هذه الصفات عبارة عن الشفقة ورقة القلب كما ذكره المصنف ﵀، ورجاء توبتهم لا ينافيه إخبار الملائكة عليهم الصلاة والسلام بتحتم تعذيبهم لأنه كان قبل بيان ذلك لكن كون ذلك لكون لوط فيهم أولى، وقوله من الذنوب ذكره لبيان حقيقة الحال، وقوله راجع إلى الله أي في كل ما يحبه ويرضاه ولذا سأله دفع العذاب ودلالة الكلام على ما ذكر أما حليم وأوّاه فظاهر، وأما منيب فإن كان بمعنى رجوعه إلى الله في دفع العذاب فكذلك، وإلا فلأنّ شأن التائب ذلك. قوله: (على إرادة القول) وتقديره ليرتبط، وقيل إن المراد اعتبار معناه دون تقديره في النظم لا وجه له. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ) أي قدره المقضي، ومجيء القدر المقدر عليهم لا يقتضي وقوعه، وقيل أراد به المشارفة أي شارف المجيء والا لم يجىء بعد وفسر الأمر بما ذكر، ولم يفسره بالعذاب أو بالأمر به كما فسره في قوله ولما جاء أمرنا نجينا هوداً لئلا يتكرر مع قوله آتيهم عذاب غير مردود كذا قيل، وأورد عليه أنه مشترك الإلزام لأنّ مجيء القدر بالعذاب يغني عنه أيضا والتكرار مدفوع بأنه توطئة لذكر كونه غير مردود، وعلى
стр. 1580
ما ذكرناه، وكذا على جعله للمشارفة لا يتأتى هذا لأنه إذا قيل شارفهم العذاب، ثم وقع بهم لم يكن مكرراً وقوله وهو أعلم بحالهم من استحقاقهم محقة العذاب وعدم توبتهم. قوله: (قدره بمقتضى قضائه الخ) قال المصنف ﵀ في شرح
المصابيح القضاء الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على- ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها يعني أنّ لصفة الإرادة الإلهية تعلقا قديماً بوجود الأشياء في وقتها المخصوص فيما لا يزال، وتعلقا حادثا بها في وقت وجودها بالفعل، والقضاء هو التعلق القديم، ولذا وصف المصنف ﵀ بالأزلي، والقدر التعلق الحادث لا إنّ القضاء هو نفس الإرادة كما يوهمه ظاهر كلامه والكلام على تحقيقه في الكلام. قوله تعالى: ( ﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ ) يقال ساءه سوءاً ومساءة فعل به ما يكره فاستاء والسوء بالضم الاسم منه، والضمير فيه للوط ﵊ أي أحدث له مجيئهم المساءة ومجيئهم هو الفاعل في الأصل، قيل: الباء للمفعول كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو فاعل حقيقة لغوية كما بين في كتب المعاني فإن حمل على أن مراده أن باء بهم للسببية والسبب لا يلزم أن يكون فاعلا فليس مما ذكر في شيء، ووقع في بعض النسخ وقرأ نافع وابن عامر والكسائي سيىء وسيئت بإشمام السين الضم، وفي العنكبوت والملك والباقون باختلاس حركة السين، اهـ وقيل: عليه إنّ فيه نقصا وتصحيفاً أما النقص! فلأنه لا بدّ أن يكون الأصل هنا وفي العنكبوت، والملك إذ ليس في هذه السورة سيئت، وأما التصحيف فلأن الصحيح المطابق لكتب القراآت بإخلاص كسر السين فقوله باختلاس تصحيف أي تحريف (قلت) أما الثاني فوار وأما الأوّل فليس بشيء لأنّ المراد أنه قرئ في هذه المواضع مع قطع النظر عن خصوص لفظه فوكله إلى القارئ لظهوره ٤ واعلم أنه وقع في البحر لأبي حيان وفي المغني لابن هشام ﵀، وتبعه بعض المفسرين كلام مختل أفردناه بتعليقة حاصلة اًن أن زيدت في قصة لوط ﵊ دون قصة إبراهيم ﷺ لأنّ الإساءة وقعت في الأولى بلا مهلة دون الثانية، ونقل مثله عن الشلوبين فرده أبو حيان رحمه الله تعالى بأنّ الزائد لا يفيد غير التوكيد، وما ذكروه لا يعرفه النحاة وفي قوله الإساءة لحن لأنّ الواقع في التنزيل ثلاثي، ورده ابن هثام بأنه ليس في الكشاف ما ذكر من الفرق لا في العنكبوت، ولا هنا وهذا كله لا وجه له وسيأتي تفصيله. قوله: (وضاق بمكانهم صدره الخ) ذرعا تمييز وهو في الأصل مصدر ذرع البعير بيديه يذرع في سير. إذا سار ما خطوه من الذرع، ثم توسع فيه فوضع موضع الطاقة والجهد فقيل ضاق ذرعه أي طاقته، وقد وقع الذراع موقعه في قوله:
إليك إليك ضاق به ذراعا
وذلك أن اليد كما تجعل مجازاً عن القوة فالذراع الذي هو من المرفق كذلك. فقيل: إنه
كناية عن ضيق الصدر، وإليه ذهب المصنف ﵀ وقوله بمكانهم إشارة إلى أن ضيق صدره ليس بصنع منهم، وإنما هو لمكانهم أي لأمرهم وحالهم لخوفه عليهم كما قال في العنكبوت صار شأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته فأشار هنا إلى أنه المراد هنا، وأن الذرع كما يجعل كناية عن الصدر والقلب يجعل كناية عن الطاقة. قوله: (وهو كناية عن شدّة الانقباض! (أي الذرع عبارة عن الصدر وضيقه عبارة عما ذكر فهو كناية متفرعة على كناية أخرى مشهورة، وقيل إنه مجاز لأن الحقيقة غير مرادة هنا، والاحتيال فيه أي في المدافعة وذكره لتأويله بالدفع أو هو للمكروه وهو مجرور معطوف على المدافعة. قوله:) شديد (لأنه لكثرة شده كاً نه عصب بعضه ببعض والتف به، ويهرعون جملة حالية والعامة على قراءته مبنيا للمفعول، والإهراع الإسراع، وقال الهروي: هرع وأهرع استحث وقرأه جماعة يهرعون بفتح الياء مبنيا للفاعل من هرع وأصله من الهرع، وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضا فالمعنى على القراءتين يسوقون أي يسوق بعضهم بعضا أو يساقون بمعنى يسوقهم كبيرهم فتفسيره بيسرعون بيان للمراد منه عليهما، وقوله: كأنهم يدفعون على المجهول إشارة إلى أنه استعارة، وقوله لطلب الفاحشة أي لأجل إرادتها تعليل للمجيء لا للإسراع أو الدفع ولا مانع من عوده لهما. قوله: (فتمرّنوا بها
стр. 1581
لم الخ (يعني أن المراد من ذكر عملهم السيئات قبل ذلك أنهم اعتادوا ذلك فلم يستحيوا فلذلك أسرعوا لطلب الفاحشة من ضيوفه مظهرين لذلك فالجملة معترضة لتأكيد ما قبلها، وقيل: إنه بيان لوجه ضيق صدره لما عرف من عادتهم. قوله: (فدى بهق أضيانه الخ) هذا على الوجوه الثلاثة الأول وبقوله فتزوجوهن اندفع ما قيل كيف يعرضهن عليهم، وهو تحريض على الزنا وكيف ذلك مع نزاهة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبناتهم، وبقوله وكانوا يطلبونهن أنه لا طائل في العرض على من لا يقبل، وأما قولهم ما لنا في بناتك من حق فمرادهم دفعهم به عما أراد فلا ينافي الطلب السابق. قوله: (لا لحرمة المسلمات على الكفار الخ (فلا حاجة إلى أن يقال بشرط الإسلام أو أنه كان جائزاً في شريعتهم ونسخ في شريعتنا، وقد اختلف في جوازه في شريعتنا هل كان في بدء الإسلام، ثم نسخ أم لا وذهب الزمخشري إلى أنه كان جائزا، ثم نسخ وأدلته مفصلة في المفصلات وقال الزمخشري: بالأوّل لأنّ النبي ﷺ زوّج ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن وائل قبل الوحي وهما كافران، وقال الطيبي: الصواب أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وفي جامع الأصول
هو أبو العاص بن الربيع فقوله ابن وائل خطأ رواية وزوجته زينب ﵂، وهي أكبر بناته ﷺ فلما أسر زوجها يوم بدر وفدى نفسه أخدّ عليه رسول الله ﷺ عهداً أن يعيدها إليه إذا عاد لمكة ففعل فهاجرت إلى المدينة فلما أسلم أبو العاص وهاجر ردّها ﷺ إليه بغير تجديد نكاح لأنه لم يفرّق بينهما إلى أن ماتت بالمدينة سنة ثمان وفيه خلاف، وكلام كثير في شرح التقربب للعراقي. قوله: (أو مبالغة في تناهي خبث ما يرومونه الخ) عطف على قوله كرما وهذا هو الوجه الذي أشار إليه الزمخشري بقوله ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغة في تواضعه لهم، واظهار الشدّة امتعاضه مما أوردوا عليه طمعا في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك فيتركوا له ضيوفه مع ظهور الأمر، واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم، ومن ثمّ قالوا لقد علمت مستشهدين بعلمه مالنا في بناتك من حق لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض سابري، قال صاحب الفرائد، وهو بعيد عن الصواب لوجهين أحدهما أن منكوحته كانت كافرة فكيف يقول لا ترى مناكحتنا، وثانيهما أنه تحريض على الزنا إذا لم تجز المناكحة فالوجه هو الأوّل، وردّ با! قوله لا ترى مناكحتنا عام أريد به خاص أي لا ترى جواز نكاحنا للمسلمات لا عكسه كما هو عندنا، ومراده الدفع لعلمه بعد القبول فلا تحريض فيه على الزنا وهو معنى عرض السابري، وأما كونه ﷺ لم يكن له إلا بنتان، ولذا قال: في الكشف أنه كان له ربيبتان فعرضهما عليهم إذ البنتان لا تكفي جمعا كثيراً فأمر سهل لأنّ إطلاق الجمع على الاثنين كثير جداً، واعلم أنّ عرض السابري وهو الثوب الرقيق نسبة إلى سابور، وهو معرّب مغير صيغته وهو الدرع الأنيق صنعتها مثل للعرض الذي لا يبالغ فيه لأن الشيء النفيس يرغب فيه بأدنى عرض! أو يقصد به العرض! له من غير إرادة البذل، وإنما يكون لتطييب نفس أو نحوه، وما قيل إنه بكسر العين وسكون الراء أي عرضك عرض رقيق والمقصود تحقيره، والاستهانة به فخلاف الرواية والدراية وقوله لشدة امتعاضه من المعض، وهو الغضب لما يشق عليه ويكرهه منه. قوله:) المراد بالبنات نساؤهم) فالإشارة لتنزيلهم منزلة الحاض! ر عنده، والإضافة لما ذكره من الملابسة لأن كل نبيّ أب لأمته كما يشهد له قراءة ابن مسعود ﵁ في تلك الآية بزيادة وهو أب لهم. قوله: (أنظف قعلاَ) ناظر إلى الوجوه كلها، واشارة إلى ما في اللواطة من الأذى والخبث الذي هو سبب الحرمة، وقوله وأقل فحشا أي قبحاً ناظر إلى الوجه الثاني، وهو ما إذا لم يكن بطريق التزوج فإنه فيه فحش أيضا إشارة إلى أن المراد بالطهارة الطهارة المعنوية وهو التنزه عن الفحش، والإثم كما أن الطيب بمعنى الحل وليس ذلك موجوداً في كل من الجانبين لكنه جعل الأقل فحشا بالنسبة إلى الأكثر كأنه سالم منه وفضل على الآخر على فرض اتصافه بذلك كما أنّ الميتة والمغصوب لا حل فيهما،
ولكنه جعل الميتة لعدم تعلق حق الغير أحل منه فالصيغة مجار
стр. 1582
فيه فتأمله فإنه دقيق جدّأ وهذا استعمال لأفعل قريب من نمط الخل أحلى من العسل.
قوله: (وقرئ أطهر بالنصب على الحال على أن من خبر بناتي الخ) هؤلاء بناتي جملة برأسها، وهن أطهر لكم جملة أخرى ويجوز أن يكون هؤلاء مبتدأ وبناتي بدل أو عطف بيان أو مبتدأ ثان وأطهر إما خبر لهؤلاء، واما لبناتي والجملة خبر الأوّل وقرأ الحسن وزيد بن عليّ وسعيد بن جبير وعيسى بن عمرو السدوسي أطهر بالنصب وخرّجت على الحال فقيل هؤلاء مبتدأ وبناتي هن جملة في محل خبره، وأطهر حال عاملها إما التنبيه أو الإشارة أو هن ضمير فصل بين الحال وصاحبها بناء على أنه وقع بين الحال وصاحبها شذوذا، كقولهم: أكثر أكلي التفاحة هي نضيجة ومنعه سيبويه ﵀ ونقل عن أبي عمرو أنه خطأ من قرأها وقال إنه احتبى في لحنه وروي تربع في لحنه يعني أنه أخطأ خطأ فاحشا يجعله كأنه تمكن في الخطأ كالمحتبي أي العاقد للحبوة أو المتربع فهو استعارة تصريحية، أو تمثيلية أو مكنية وتخييلية بجعل اللحن كالمكان له الذي استقرّ فيه، ومن أباه خروجه على أن لكم خبرهن فلزمه تقديم الحال على عاملها المعنوي، وخرج المثال المذكور على إضمار كان وخرجه غيره على الوجه الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (على أن من خبر بناتي) أي وهؤلاء إما مبتدأ خبره هذه الجملة أو منصوب بفعل محذوف أي خذ هؤلاء، ومثاله ظاهر في الأوّل، وقيل: هؤلاء مبتدأ وبناتي بدل منه أو عطف بيان وهن خبره وقس عليه المثال، وما قيل إنه لا طائل فيه معنى يدفع بأن المقصود بالإفادة الحال كقولك هذا أبوك عطوفا. قوله: الا فصل الما عرفت أنه لا يتوسط بين الحال وصاحبها، وإنما يكون بين المسند والمسند إليه كما بينه النحاة، وفي المغني أنّ الأخفش رحمه الله تعالى أجازه كجاء زيد هو ضاحكا وجعل منه هذه الآية ولحن أبو عمرو من قرأها، وقد خرجت على أن هؤلاء بناتي جملة وهن إما تأكيد لضمير مستتر في الخبر أو مبتدأ، ولكم الخبر وعليهما فأطهر حال قال: وفيهما نظر أما الأوّل فلأن بناتي جامد لا يتحمل ضميرا عند البصريين، وأما الثاني فلأنّ الحال لا تتقدم على عاملها الظرفي عند أكثرهم وأجيب عنهما بأنها مؤوّلة بمولود أتى أو على مذهب الكوفيين فتأمل. قوله:) بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم (الثاني ناظر إلى الوجه الأوّل في هؤلاء بناتي والأوّل للوجوه كلها، ولا تخزون نهي مجزوم بحذف النون والياء محذوفة اكتفاء بالكسرة وقرئ بإثباتها على الأصل، وخزي لحقه انكسار إما من نفسه، وهو الحياء المفرط ومصدره الخزاية ورجل خزيان وامرأة خزيي وجمعه خزايا، وأما من غيره وهو الاستخفاف والتفضيح ومصدره الخزي كذا قال الراغب وإليه
أشار المصنف ﵀. قوله: (يهدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح) يرعوي بمعنى ينكف يعني ليس فيكم من يكف الغير ولا يكف نفسه إن كانت النسخة يهدي فإن كانت- يهتدي فالمعنى ليس منكم من يفعل الحسن، ويترك القبيح وهي المصححة في النسخ وهذا الاستفهام للتعجب وحمله على الحقيقة لا يناسب المقام. قوله: (من حاجة) الحق يطلق على خلاف الباطل وعلى أخذ الحقوق لفهو إن كان بالمعنى الأوّل فالمراد به النكاح أي مالنا في بناتك نكاح حق لأنك لا ترى مناكحتنا أو النكاج الحق عندنا نكاح الذكران، وان كان الثاني فالمراد به قضاء الشهوة وهو الذي عناه المصنف رحمه الله تعالى بقوله حاجة ويجوز أن يكونوا قالوه على وجه الطنز والخلاعة، ولم يرتض المصنف ﵀ بالوجه الأوّل لبعده لا لأنه لا يناسب المعنى كما توهم لأنّ مناسبته للمعاني إلا خروجه لذكره، ولذا تعرّض له الزمخشريّ، وقوله وهو إتجان الذكران ومنهم الضيفان. قوله: (لو أنّ لي بكم قوّة) إي لو ثبت أنّ لي قوة ملتبسة بكم بالفقاومة على دفعكم وفسره بقوّته في نفسه، وان كان مطلقا لدلالة مقابله لأنّ استناده واعتماده على الركن ليدفع به، وقوله: " رحم الله أخي لوطاً ﷺ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ والمرادة بالأخوّة إخوّة النبوّة وهو استغراب له لأنه لا أشد من ركنه:
إذا كان غير الله للمرء عدة أتته الرزايا من وجوه الفوائد
وقوله شبهه الخ إشارة إلى أنه استعارة شبه المعين بركن الجبل يعني جانبه. قوله: (وقرئ
أو آوى
стр. 1583
بالنصب الخ الو هنا شرطية جوابها محذوف أي لدفعتكم، وليست للتمني ولا مانع منه، وقراءة النصب في آوى على أنه معطوف على قوّة كقوله:
للبس عباءة وتقرّ عيني
وأويا بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء مصدر أوى وأصله على ورن فعول فأعل،
ونقل فيه كسر الهمزة وقد يعطف في قراءة الرفع على قوّة أيضاً بأن يكون أن آوى فلما حذفت
أخرجه البخاري ٣٢٧٢- ٤٥٣٧- ٤٦٩٤ ومسلم ١ ٥ ١- ٢٣٨ وابن ماجه ٠٦ ٤٢ واحمد ٢ / ٣٢٦ والطبري في جامع البيان ٥٩٧٤- ٠ ١٩٤٠ والبغوي ٦٣ في شرح السنة كلهم من حديث أبي هريرة.
أي ارتفع، وقيل: أو بمعنى بل ولم يجعل بمعنى إلى لأنه غير مناسب معنى لأنه على التنزل من قوّة نفسه إلى نصرة الغير. قوله: (فتسوّروا الجدار) أي علوه ونزلوا منه، والكرب الحزن والخوف وجعل قوله قالوا في النظم مقدراً في كلامه للاقتباس كما مرّ وقوله لن يصلوا إلى إضرارك الخ فسر. به لأنه مقتضى المقام، وقوله: فضرب جبريل ﵇ بجناحه أي فعاد إلى صورته الملكية فضرب الخأ ا (فالفاء فصيحة، وقيل إنه مسح بيده وجوههم فعموا من غير عود إلى صورته الأصلية، وقوله: وأعماهم عطف تفسيري، وقوله: النجاء النجاء أي انجوا بأنفسكم وهو مصدر منصوب بفعل مضمر وتكراره للتأكيد، وهو ممدود ومقصور. قوله: (بالقطع من الإسراء) وقراءة نافع وابن كثير بهمزة الوصل والباقين بالقطع فإنه يقال سرى وأسرى وهما بمعنى واحد وهو قول أبي عبيد، وقيل أسرى لأوّل الليل وسرى لآخره، وهو قول الليث وسار قيل إنه مخصوص بالنهار، وليس مقلوب سرى والسرى بضم السين مصدر سري، وباء بأهلك للملابسة أو التعدية، وفسر القطع بطائفة من الليل، وقيل من ظلمته وقيل في آخر.. قوله: (ولا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه (بالمعنى الثاني هو المشهور الحقيقي، وأما الأوّل فلأنه يقال لفته عن الأمر إذا صرفته عنه فالتفت أي انصرف، والتخلف انصراف عن المسير قال تعالى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي تصرفنا كذا قاله الراغب: وفي الأساس إنه معنى مجازي. قوله: (والنهي في اللفظ لآحد الخ) هذا منقول عن المبرد يعني أن معناه لا تدع أحداً منهم يلتفت كقولك لخادمك لا يقم أحد النهي لأحد، وهو في الحقيقة للخادم أن لا يدع أحدا يقوم فالمعنى لا تدع أحدا يلتفت إلا امرأتك فدعها تلتفت، وبهذا تمت المناسبة بينه وبين المعطوف عليه لأنه لأمره، وهذا لنهيه، وهو دفع لما أورده أبو عبيد من أنه يلزم أنهم نهوا عن الالتفات إلا أمر أنه فإنها لم تنه عنه وهو لا يستقيم، ولو كانت نافية والفعل مرفوعا استقام قيل وفيه إنّ المحذور وارد على هذا هو أو ما يقرب مته، وفيه نظر فإنه لا محذور هنا حتى يحتاج إلى دفعه فتأمّل، ومن لم يقف على هذا قال لو قال والنهي للوط ﷺ ومن معه كان أولى (وهاهنا لطيفة) وهو أنّ المتأخرين من أهل البديع اخترعوا نوعا من البديع سموه تسمية النوع، وهو أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية في الاستخدام:
واستخدموا العين مني فهي جارية وكم سمحت بها في يوم بينهم
وتبجحوا باختراعه (وأنا بمن الله أقول) أنه وقع في القرآن في هذه الآية لأنّ قوله فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحد وقع فيه ضمير منكم للأهل فهو التفات فقوله لا يلتفت من تسمية النوع، وهذا من بديع النكات ثم إني وجدت منه قوله تعالى: ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [سررة يوسف، الآية: ٧٥] وفي سورة يوسف فإنّ فهو جزاؤ. جزاء من الشرطية، وقد ذكر أنه جزاء ومنه قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [سورة الرعد، الآية: ١٧] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾ [سورة الرعد، الآية: ١١٧. قوله: (استثناء من قوله فأسر بأهلك ويدل عليه الخ) هذا ردّ لقول الزمخشري في توجيه قراءتي الرفع والنصب بأنه استثناها من قوله فأسر بأهلك، والدليل عليه قراءة عبد الذ فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك، ويجوز أن ينتصب عن لا يلتفت على أصل الاستثناء، وإن كان الفصيح هو البدل أعني قراءة من قرأ بالرفع فأبدلها من أحد، وفي إخراجها مع أهله روايتان روي أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فلما سمعت عذة العذاب التفتت، وقالت يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها فإنّ هواها إليهم فلم يسر بها واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين، اهـ ورده ابن الحاجب بأنه باطل لأنّ القراءتين ثابتتان قطعاً فيمتنع حملهما على وجهين أحدهما باطل قطعا، والقصة واحدة فهو إمّا أن يسري بها أو لا فان كان قد سرى بها فليس مستثنى إلا من قوله ولا يلتفت، وان كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله فأسر بأهلك فقد ثبت
стр. 1584
إن أحد التأويلين باطل قطعاً فلا يصار إليه في إحدى القراءتين الثابتتين فالأولى أن يكون إلا امرأتك في الرفع، والنصب مثل ما فعلوه إلا قليل منهم، ولا يبعد أن يكون بعض القرّاء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على وجه مرجوح بل جوّز بعضم أن يتفق القرّاء على القراءة بغير الأقوى، وأجاب عنه بعض فضلاء المغرب بأنه يمكن حمله على أنه لا تخالف بين الروايتين بأن يكون ما سرى بها، وخلفها لكنها سرت بنفسها وتبعتهم فعلى تقدير صحة هذا لا تدخل في المخاطبين بقوله، ولا يلتفت منكم لكن ابن مالك نقل هذا في توضيحه، وقال: إنه تكلف ولا شبهة فيه، وإن استحسنه المعربون وغيرهم وارتضاه أبو شامة وقال إن فيه اختصارا وأصله فإن خرجت معكم، وتبعتكم من غير أن تكون
أنت سريت بها فإنه أهلك عن الالتفات غيرها فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصاب قومها ضكانت قراءة النصب دالة على مجموع المعنى المراد، وارتضاه الشارح المدقق في الكشف، وتممه بدفع ما يرد على الكشاف من أنه يلزم من قوله واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين الشك في كلام لا ريب فيه من رب العالمين بأنّ معناه أنّ اختلاف القراءتين جالب، وسبب لاختلاف الروايتين كما تقول السلاج للغزو أي أداة وصالح، ونحوهما ولم يرد أنّ اختلاف القراءتين قد حصل، ولا شك أنّ كل رواية تناسب قراءة وهذا ما أمكنني في تصحيحه، وأورد عليه أنه مع بعده فيه أنه تنقلب حينئذ الرواية دراية لاتحادهما من ظاهر القراءة وأيضاً فيه التزام استلزام اختلاف الروايتين أمراً محذوراً هو الجمع بين متنافيين، وكلاهما غير وارد فتأمّل، وقال في المغني الذي أجزم به أنّ قراءة الأكثرين ليست مرجوحة، وأنّ الاستثناء على القراءتين من أسر بدليل قراءة ابن مسعود ﵁، وأن الاستثناء منقطع بدليل سقوط، ولا يلتفت في سورة الحجر والمراد بالأهل المؤمنون وان لم يكونوا من أهل بيته كما في قوله لنوج ﷺ إنه ليس من أهلك ووجه الرفع أنه مبتدأ أو الجملة بعده خبره كقوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [سورة الغاشية، الآية: ٢٣] إلا أنه جعل النصب على اللغة الحجازية والرفع على التميمية، ولم يجعل المستثنى جملة، وهو أولى ليكون الرفع على اللغتين لضعف اللغة التميمية والمعنى أسر بالمؤمنين لكن امرأتك مصيبها ما أصابهم، وهو وجه حسن وذهب الرضي إلى أنّ الاستثناء متصل ولا تناقض قال: لما تقرّر أن الاتباع هو الوجه مع الشرائط المذكورة ولما كان أكثر القرّار على النصب هنا تكلف الزمخشري له ما مرّ فاعترض عليه ابن الحاجب بما قرّرناه، والجواب أن الإسراء وان كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه مقيد في المعنى بعدم الالتفات فمآله أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات فاستثن على هذا إن شئت من أسر أو لا يلتفت، ولا تناقض، وهذا كما تقول امش ولا تتبختر أي امش مشيا لا تتبختر فيه فكأنه قيل ولا يلتفت منكم أحد في الإسراء وكذا امش ولا تتبختر في المشي فحذف الجاز والمجرور للعلم به، وقد ذكر مثله بعينه الفاضل اليمني، وفي شرح المغني أنه كثير إما يأخذ كلام الرضي بعبارته كما يعرفه من تتبع كلامه وقد أورد عليه السيد قدس سرّه في حواشيه أنّ الاستثناء إذا رجع إلى القيد كان المعنى فأسر بجميع أهلك إسراء لا التفات فيه إلا من امرأتك فيكون الإسراء بها داخلا في المأمور به وإذا رجع إلى المقيد لم يكن الإسراء داخلاً في المأمور به فيكون المحذور باقيا بحاله ولا دفع له إلا بأن تناول العامّ إياها ليس قطعياً لجواز أن يكون مخصوصا فلا يلزم من رجوع الاستثناء إلى قوله فلا يلتفت كونه مأمورأ بالإسراء بها، وحينئذ يوجه الاستثناء بما ذكر من أنها تبعتهم أو أسري بها مع كونه غير مأمور بذلك إذ لا يلزم من عدم الأمر به النهي عنه فتأمّل اهـ (وفيه بحث) لأنّ قوله وإذا رجع إلى المقيد الخ إن أراد به
أنه ر* يكون داخلآ في المأمور به مطلقا فليس بصحيح لتقيده بالقيد المذكور وان أراد لا يدخل في الصأمور به المقيد فلا ضرر فيه لأنه إذا أمر بالإسراء مع التفاتهم، وأخرجت المرأة من مجموع الإسراء فالالتفات لا ينافي ذلك الأمر بالإسراء بها من غير التفات فتأمّله فإنه غير وارد مع أن احتمال التخصيص من غير دليل لا وجه له ومراده بالتقييد إنه ذكر شيآن متعاطفان فالظاهر أن المراد الجمع بينهما لا إن الجملة حالية فلا يرد عليه
стр. 1585
أنّ الحمل على التقييد مع أنّ الواو للنسق ممنوع وكذا جعلها للحال مع لا الناهية وأيضا القراءة بإسقاطها تدل على عدم اعتب ر ذلك التقييد فتأمل فقول المصنف رحمه الله تعالى استثناء من قوله فأسر أي على سبيل الجواز لا القطع لما سيأتي، وقوله ويدل عليه الخ فإنه متعين في هذه وهو تأسيس للاستثناء من الأبعد مع وجود الأقرب، وقوله ناقض ذلك قراءة ابن كثير وأبي عمرو هذا هو الصحيح، وما وقع في نسخة ونافع سهو فإنه لم يقرأ إلا بالنصب والمناقضة للزوم كون المرأة مسرى بها وغير مسري، وهو إشارة إلى اعتراض ابن الحاجب، وقد مز الكلام فيه وقوله لا يجوز حمل القوأءتين الخ ردّ للزمخشري كما مرّ وقوله ولا يبعد جواب عن سؤال مرّ دفعه، وغير الأفصح هو النصب في كلام غير موجب، وقوله ولا يلزم الخ أي لا يلزم من استثنائها من لا يلتفت أمرها بالالتفات، وهو رذ لقول جار الله وأمر أن لا يلتفت أحد منهم إلا هي وقد أجاب عنه في الكشف بأنه نقل للرواية لا تفسير للفظ القرآن، وإنما الكائن منه استثناؤها عن النهي وقوله استصلاحاً تعليل للنهي أي نهيها وغيرها ممن ينهي لطلب صلاحه بعدم الهلاك، وقوله: ولذلك علله إفادت للتعليل مر بيانها مرارا وذلك إشارة إلى عدم النهي لا لأمرها بالالتفات فإنه لا يصلح له وقوله علله أي علل استثناء امرأته. قوله: (ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعاً على قراءة الرفع) قيل إنه إشارة إلى الرذ على من دفع المنافاة بجعل الاستثناء منقطعاً بتقدير لكن امرأتك يجري لها كيت وكيت إذ لا يبقى حينئذ ارتباط لقوله إنه مصيبها ما أصابهم، وأمّا على تقدير الاتصال فيكون تعليلا له على طريقة الاستئناف، وهو سهو لما قرّرناه ولما ستراه، واعترض على المصنف رحمه الله تعالى بأنه لا مانع من جعله منقطعا على لغة تميم كما مرّ عن أبي شامة أو على غيرها كما في المغني، وأمّا قول أبي حيان في رده بأنه إذا لم يقصد إخراجها عن المنهيين عن الالتفات، وكان المعنى لكن امرأتك يجري عليها كذا وكذا كان من الاستثناء الذي لا يتوجه إليه العامل، ويجب نصبه بالإجماع، وإنما الخلاف في المنقطع الذي يمكن توجه العامل إليه فقد ردّ بأنّ ابن مالك قال في التوضيح حق المستثنى بالأمن كلام تامّ موجب مفرداً كان أو مكملا معنى بما بعده كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٦٠] النصب ولا يعرف أكثر المتأخريت من البصحريين في هذا إلا النصب، وقد غفلوا عن ورود مرفوعاً بالابتداء ثابت الخبر محذوفه فالأوّل كقول أبي قتادة ﵁ أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم قالا بمعنى لكن وما بعده مبتدأ وخبر، ومن
الثاني لا تدري نفس بأقي أرض تموت إلا الله أي لكن الله يعلم اهـ، وما نحن فيه من هذا القبيل، وقد رذ كلام أبي حيان رحمه الله تعالى أيضا بأن ما ذكره النحاة في نحو قولهم ما زاد المال إلا ما نقص، وهو مسألة أخرى. قوله: (كأنه علة الأمر بالإسراء (هذا يناسب تفسيره بالسرى في أوّل الليل روي أنه سألهم عن وقت هلاكهم فقالوا موعده الصبح فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا له أليس الصبح بقريب، وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله جواب لاستعجال لوط ﵊، ويحتمل أنه ذكر ليتعجل في السير. قوله: (عذابنا أو أمرنا به) على الأوّل الأمر واحد الأمور وعلى الثاني واحد الأوامر، ونسبة المجيء إلى الأمر بالمعنيين مجازية والمراد لما حان وقوعه، ولا حاجة إلى تقدير الوقت مع دلالة لما عليه وقيل إنه يقدر على الثاني أي جاء وقت أمرنا لأن الأمر نفسه ورد قبله والمأمور به قوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ وأمّا اذعاء تكرار الأمر بأن يقال افعلوا الآن فنحن في غنى عنه. قوله:) ويؤيده الأصل (يعني يؤيد أنّ المراد بالأمر ضد النهي أنه الأصل فيه لأنه مصدر أمره، وأفا كونه بمعنى العذاب فيخرجه عن المصدرية الأصلية، وعن معناه المشهور والأصل يستعمل في كلامهم بمعنى الكثير الأغلب فلا يرد عليه أنه يقتضي أنه في المعنى الآخر ليس بحقيقة وجعل التعذيب معطوف على الأصل فإنه نفس إيقاع العذاب فلا يحسن جعله مسببآ عنه بل العكس أولى إلا أن يؤوّل المجيء بإرادته، وقوله فإنه جواب لما تعليل للسببية وقوله وكان حقه الخ كلام آخر. قوله: (فأسند إلى نفسه من حيث إنه المسبب) بكسر الباء اسم فاعل أي موجد الأسباب وخالقها فالإسناد إليه
стр. 1586
مجاز باعتبار اللغة وإن كان هو الفاعل الحقيقي وكونه مسبباً شامل لكونه أمرآ أيضا، وبين نكتة الإسناد إليه بأنّ تعظيم ذلك الأمر، وتهويله لا! ما يتولاه العظيم من الأمور فهو عظيم، ويقوي هذا ضمير العظمة أيضا. قوله:) فإنه روي الخ) ١١ (تعليل لقوله، وكان حقه الخ والديكة بكسر الدال المهملة وفتح الياء جمع ديك، وفسر الضمير المؤنث بالمدن لأنها معلومة من السياق، وقوله أو على شذاذها بضم الشين المعجمة والذالين المعجمتين المشددة أولاهما جمع شاذ وهو المنفرد، والمراد من كان خارج المدن منهم لأنه روي أنّ رجلاً منهم كان في الحرم فبقي حجره معلقا بالهواء حتى خرج منه فوقع عليه، وأهلكه
وتأنيث الضمير لأنه بمعنى الطائفة الشاذة يريد أن الأمطار إمّا على المدن أو على من خرج منها منهم. قوله: (من طين متحجر) أي ياب! مكتنز كالحجارة لقوله في الآية حجارة من طين، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ويتعين إرجاع بعضه لبعض في قصة واحدة، وهو معزب فارسيته سنككل أي حجارة ووقع في بعض النسخ سنكيل فإن لم يكن غير قبل التعريب فهو تحريف. قوله: (وقيل إنه من اسجله إذا أرسله الخ (إن كان المراد بالإرسال مطلق الإنزال والإطلاق فلا يحتاج إلى من في النظم ولا في مثل في عبارة المصنف رحمه الله تعالى وان كان المراد به صب الماء، والمطر كما فسر به الراغب كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦٠] أو إدلاء الدلو في البئر كما في بعض التفاسير فهو ظاهر، والمعنى حجارة كائنة من مثل ذلك، وهو مراد المصنف رحمه الله تعالى وعلى كونه بمعنى العطية فهو تهكم كبشرناهم بعذاب، وقوله السجل بتشديد اللام، وهو الصك ومعنى كونه من السجل أنه كتب عليهم العذاب، وقيل إنه كتب عليه أسماؤهم. قوله: (وقيل أصله من سجين أي من جهنم فأبدلت لامه نوناً (كذا وقع في النسخ، وكان الظاهر أبدلت نونه لاما وادّعاء القلب فيه ركيك فلذا قيل إن نونا منصوب بنزع الخافض، وأصله أبدلت لامه من النون، وهو من عناية القاضي، ووقع في نسخة على الأصل وسجين جهنم، وقيل إنه واد فيها. قوله: (نضد معدّاً لعذابهم) أي وضع بعضه على بعض معداً ومهيأ لعذابهم، والمراد الكثرة أو تتابع كالخرز المنظوم أو الصق حتى صار كالحجارة، وقوله معلمة بزنة المفعول من الإعلام وهو وضع العلامة قال السدي: كان عليها مثال ختم كالطين المختوم، وقوله: وقيل معلمة ببياض وحمرة منقول عن الحسن رحمه الله تعالى والسيما مقصور العلامة وذكر ضميره وكان الظاهر تأنيثه لتأويله بشيء يتميز به، ومنضود نعت سجيل وجوّز كونه وصف حجارة وهو تكلف، وقوله: في خزائنه أي فيما غيبه عنا. قوله: (حقيق بأن تمطر عليهم) أفرد حقيقا لكونه على وزن فعيل أو لأن أن تمطر فاعله والباء زائدة فيه، وقوله: وفيه وعيد لكل ظالم لاشتراكهم في سبب نزول العذاب فهي عامّة، وعلى ما ذكر في الحديث خاص بهذه الأمة وعلى الوجه الأخير خاص بقوم لوط ﵊
فالوجوه ثلاثة، وقوله يعني الضمير دئه، وقوله وهو بعرض! حجر بضم العين المهملة وسكون الراء المهملة والضاد المعجمة أي مستعد ومعرّض له من قولهم هو عرضة للوائم، وقوله وقيل الضمير للقرى أي هي وعلى ما قبله هو للحجارة يعني أنّ القرى بمنظر منهم فليعتبروا بها والحديث المذكور قال العراقي رحمه الله تعالى: ذكره الثعلبي ولم أقف له على إسناد. قوله: (وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان) هذا ناظر إلى الوجهين في مرجع الضمير فإن كان للحجارة فتذكيره لأنها بمعنى الحجر، المراد به الجنس، وان كان للقرى فبتأويل مكان بعيد. قوله: (أراد أولاد مدين) يعني أنّ مدين إمّا اسم القوم المرسل إليهم شعيب ﵊ سموا باسم أبيهم كمضر وتميم أو اسم مدينة فيقدر مضاف أي أهل مدين على الوجه الثاني دون الأوّل، وان احتمل تقديره وهو أولاده. قوله: (أمرهم بالتوحيد أوّلاً الخ) وهكذا جرت القصص بالأمر بالتوحيد أوّلاً ثم النهي عما عرف فيهم والتوحيد من قوله اعبدوا الله كما مرّ فإن عبادته تستلزم توحيده، إذ لا يعتد بها مع الشرك، أو من قوله حالكم من إله غيره وكان قومه مشركين، وقوله ما لكم من إله غيره تعليل للأمر بالعبادة، وقوله عما اعتادوه يعني ليس تهيأ قبل الوقوع، فإنّ النهي عن الشيء لا يقتضي وجوده، والتعاوض! تفاعل من العوض، وحكمة التعارض إيصال الحقوق لأصحابها.
стр. 1587
قوله: (بسعة تغنيكم عن البخس!) السعة بكسر السين وفتحها اتساع الرزق والغنى، والبخس النقص والهضم فالمراد بالخير الغنى الذي لا يحتاج معه إلى تنقيص الحقوق أو النعمة التي ينبغي شكرها، ومن جملة الشكر التفضل على الغير وأجل شكر النعم الإحسان فبخس الحقوق تعكيس لمقتضى النعم، وقوله وهو في الجملة أي على الوجوه الثلاثة والخير له معنيان والثالث كالأول لكن المقصود منه يختلف. قوله: (لا يشذ منه أحد) أي لا يخرج منه ويسلم لأنّ إحاطة اليوم تكون بإحاطة ما فيه، وشموله أو هو استعارة للإهلاك كما مرّ وسيأتي. قوله:
(وتوصيف اليوم بالإحاطة وهي صفة العذاب الخ) يعني أنّ المراد في الحقيقة إحاطة العذاب، وشموله فهو صفة له ولذا جعله بعضهم صفة عذاب لكنه جرّ للمجاورة فوصف به اليوم لاشتماله عليه بوقوعه فيه فهو مجاز في الإسناد كنهاره صائم، وفي الكشاف إنّ وصف اليوم بالإحاطة أبلغ من وصف العذاب بها لأنّ اليوم زمان يشتمل على الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه، قال العلامة: يعني أنّ اليوم زمان جميع الحوادث فيوم العذاب زمان جميع أنواع العذاب الواقعة فيه فإذا كان محيطاً بالمعذب فقد اجتمع أنواع العذاب له كما جمع الشاعر الأوصأف:
في قبة ضربت على ابن الحشرج
فوقوع العذاب في اليوم كوجود الأوصاف في القبة وجعله اليوم محيطاً بالمعذب كضرب
القبة على الممدوج فكما أنّ هذا كناية عن ثبوت الأوصاف له كذلك ذاك كناية عن ثبوت أنواع العذاب للمعذب، وأمّا وصف العذاب بالإحاطة فهو استعارة الإحاطة لاشتماله على المعذب فكما أن المحيط لا يفوته شيء من أجزاء المحاط لا يفوت العذاب شيء من أجزاء المعذب فهذه استعارة تفيد أن العذاب لكل المعذب، وتلك كناية تفيد أن كل العذاب له فهي أبلغ والمصنف رحمه الله تعالى كلامه مخالف له، ولك أن تتكلف تنزيله عليه. قوله: (صرّح بالأمر بالإيفاء الخ (يعني أنّ النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما الداعي لذكره ووجهه أنه لا يتحقق الانتهاء المطلوب دون الإيفاء فيكون مطلوبا تبعا، وهذا مسلم على المذاهب جعل النهي عن الشيء عين الأمر بالضد أو مستلزماً له ضمنا، أو التزاماً وذلك لأن خلافهم في مقتضى اللفظ لا أنّ التحريم أو الوجوب ينفك عن مقابلة الضدّ وذكر في الكشاف لذكره فوائد كالنعي بما كانوا عليه من القبيح مبالغة في الكف، ثم الأمر بالضد مبالغة في الترغيب واشعاراً بأنه مطلوب أصالة، وتبعاً مع الإشعار بتبعية الكف عكسأ وتقييده بالقسط قصراً على ما هو الواجب، ثيم إدماج إنّ المطلوب من الإيفاء القسط، ولهذا قد يكون الفضل محزما في الربويات، وما قيل إن النهي عن نقص حجم المكيال وصفحات الميزان والأمر بإيفاء المكيال، والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل أو الوزن وهذا الأمر بعد مساواة المكيال، والميزان للمعهود فلا تكرار كيف، ولو كان تكريراً للتأكيد والمبالغة لم يكن موضع الواو لكمال الاتصال بين الجملتين فليس بوارد، أمّا الأوّل فلأنّ المكيال والميزان شاع فيما يكال ويوزن به حتى صار كالحقيقة مع أنّ اللفظ واحد فيهما فحمله في أحد الموضعين على أحد معنيين متغايرين خلاف الظاهر، وأمّا التكرار الذي هرب منه ففي ضمنه من الفوائد ما جعله أقوى من التأسيس، وأمّا العطف فيه فلأنه لاختلاف المقاصد فيهما جعلا كالمتغايرين فحسن العطف وقد صرّج به أهل المعاني في
قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٥٠] . قوله: (مبالغة) أي في الترغيب، والزيادة التي لا يتأتى الإيفاء بدونها لازمة لأنّ ما لا يتم الواجب إلا به واجب فلا ينافي قوله من غير زيادة ولا نقصان، وقوله فإنّ الازدياد إيفاء أي زيادة على الوفاء المأمور به، وكان عليه أن يعبر بما هو أظهر منه، وقوله وقد يكون محظوراً أي ممنوعا كما في الربويات. قوله: (تعميم بعد تخصيص) أي بعد ما ذكر المكيل والموزون أتى بهذا تذييلا، وتتميما له لشموله الجودة والرداءة وغير المكيل والموزون، وقوله فإنّ العثو يعمّ تنقيص الحقوق وغيره بالنصب على تنقيص لأنه مطلق الفساد، وفعله من باب رمي وسعي ورضي. قوله: (وقيل المراد الخ (عطف على قوله تعميم بعد تخصيص فإنه حينئذ لا يكون كذلك، وقوله: كأخذ العشور عاي المخالف للشرع، وكذا أخذ السمسار ما لا يرضى به، وقوله والعثو بالرفع
стр. 1588
عطف على قوله المراد داخل تحت القيل أو مجرور معطوف على البخس، قيل: وجعله واويا وجار الله جعله يائيا، وكتب اللغة تساعده (قلت أليس كما قال: فإنه واوي، ويائيّ قال الراغب: في مفرداته العثي والعيث يتقاربان كالجذب والجبذ إلا أن العيث أكثر في الفساد الذي يحس، ويقال عثى يعثي عثياً وعثا يعثو عثواً انتهى، والغارة النهب. قوله: (وفائدة الحال) يعني فائدة قوله مفسدين على الوجهين فهي حال مؤسسة، وما فعله الخضر ﵊ قتل الغلام وخرق السفينة. قوله: (وقيل معناه) عطف بحسب المعنى على قوله، وفائدة لأنه مبنيّ على اتحاد العثو والإفساد، وتأويله بما مرّ وهذا مبنيئ على تغايرهما فإن العثو في الأرض، والأموال والإفساد للدين والآخرة، ومآله إلى تعليل النهي أي لا تفسدوا في الأرض! فإنه مفسد لدينكم، وآخرتكم وتفسير البقية والخيرية بما ذكره لمقتضى المقام. قوله: (فإنّ خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة) عن النار والخلود فيها يعني أنه لا بقية باجتنابهم ما نهوا عنه إن لم يؤمنوا لعدم سلامتهم من العذاب فلا يرد أنّ الكفرة يسلمون بانتهائهم عن تبعة ما نهوا عنه،
ولذا حمل الإيمان على التصديق بما قاله لكنه يقتضي انتفاء الثواب على ما فعله من اعتقد أنه لا ثواب له فيه، وجزاء الشرط مقدر يدل عليه ما قبله على الصحيح، وإذا فسرت البقية بالأعمال فاشتراط الإيمان فيها ظاهر وقراءة تقية بالتاء المثناة الفوقية قراءة الحسن رحمه الله تعالى. قوله:) أحفظكم عن القبائح الخ) المقصود بيان أنه بالغ في نصحهم، وقوله لست بحافظ يناسب المعنى الثالث في أراكم بخير. قوله: (أجابوا به أمرهم) هو مصدر مضاف للمفعول، وهذا هو الصحيح المناسب لقوله، وهو جواب النهي، وفي نسخة أجابوا به بعد أمرهم، وهي بمعناها لأنّ الجواب بعد كلام يكون له أيضا. قوله: (على الاستهزاء والتهكم الخ (الصلاة، وان جاز أن يكون أمرها على طريق المجاز لكنهم قصدوا الحقيقة تهكماً، وأنه لا يأمر بمثله العقلاء وأمّا في مثله في غير هذا فيجوز أن يكون إسناداً مجازيا لأنها سبب لترك المنهيات فكأنها محصلة لها أو على الاستعارة المكنية كأنها شخص آمرناه. قوله: (والإشعار بأنّ مثله لا يدعو إليه داع عقلئ (عطف على التهكم لبيان وجه التهكم، وقوله: من جنس قيل إنه بتقدير مضاف أي جنس داعي ما يواظب عليه لأنّ الوساوس ليست من جنسها، وقيل إنه أطلق الوسوسة على أثرها لخفائها، وظهوره وهو كثير شائع والمواظبة مأخوذة من جمع الصلاة، والإضافة إليه، ثم الإخبار بالمضارع ليدل على العموم بحسب الأزمان كذا في شرح الكشاف، وجعل المصنف المواظبة وكثرة الصلاة مستفادة من الخارج، وجعله نكتة للجمع والتخصيص! بالذكر. قوله: (بتكليف أن نترك قحذف المضاف الخ (أي حذف المضاف، وهو تكليف وأصله تكليفك أن نترك فلما حذف دخل الجارّ على أن وحذفه قبلها مطرد فلذا لم يذكره، والمعنى أن صلاته كأنها تقول له كلفهم تركها، والتكليف فعله فقد أمرته بفعله لا بفعل غيره لأنه لا يقدر عليه حتى يؤمر به والترك فعل الكفار، وقوله بفعل غيره إشارة إلى أنّ المراد بالترك كف النفس، وهو فعل لا عدم فإنه لا يدخل تحت التكليف، فما قيل إنه من حذف الجارّ مع مجروره، وهو تكلف لا وجه له، وكذا قوله في الانتصاف إنه رمز خفيّ إلى الاعتزال لأنّ التكاليف كلها بما خلقه الله، وفعله فهو مكلف بفعل غيره لأن التقدير ليس بناء على القاعدة المذكورة بل لأنّ عرف التخاطب في مثله يقتضي ذلك كما اعترف هو به، وقيل: إنه قد لا يقدر المضاف لنكتة،
وهو المبالغة بادعاء أنه مأمور بأفعالهم فتأمّل. قوله: (عطف على ما) سواء كانت موصولة أو مصدرية ولم يجعله على قراءة النون معطوفا على أن نترك لاستحالة المعنى إذ يصير معناه تأمرك بفعلنا في أموالنا ما نشاء، وهم منهيون عنه لا مأمورون بخلافه على قراءة التاء، وقوله وأن نترك إشارة إلى أنّ أو بمعنى الواو لأنها للتنويع واختيرت على الواو لتقابل الفعل، والترك في الجملة وقوله وقرئ بالتاء فيهما أي في نفعل ونشاء، وإذا عطف على أن نترك لا يحتاج إلى تقدير مضاف لأنه فعله والعطف في الحقيقة على المضاف المحذوف لكن لما كان غير مذكور، وهذا قائم مقامه جعل العطف عليه كما سيأتي نظيره، وقوله وهو جواب النهي أي قوله أن نفعل على القراءتين جواب معنويّ عن النهي السابق: في قوله
стр. 1589
ولا تنقصوا الخ، وقوله وقيل الخ أي هو قص أطرافها والقطع منها كما وقع في زماننا هذا ولم يرضه لعدم مناسبة السياق، وما يدل عليه والحاصل أنّ فيها ثلاث قرا آت بالنون في الجميع، وبتاء في الأخيرين وبنون وتاء فيهما وما عدا الأولى شاذ ففي الأوّل هو معطوف على مفعول نترك، وهو ما موصولة أو مصدرية والتقدير أصل! اتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو نترك أن نفعل في أموالنا تطفيفا ونحوه ولا يصح أن يعطف على غيره وعلى قراءة التاء معطوف على مفعول نترك أو تأمر، ومن قرأ بنون وتاء فهو معطوف على مفعول تأمر. قوله: (تهكموا به) فيكون المراد ضد معناه على طريقة الاستعارة التهكمية أو المراد به ظاهره، وهو علة للإنكار السابق المأخوذ من الاستفهام بأنه كان موصوفاً عندهم بالحلم، والرشد المانع من صدور مثل ذلك كما مرّ في قصة صالح ﵊ من قولهم له: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [سورة هود، الآية: ٦٢] بدليل أنه عقيب بمثل ما عقب به ذلك من قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً﴾ الخ ولذا رجح هذا الوجه على الأوّل وان كان الأوّل أنسب بما قبله لأنه تهكم أيضا. قوله:) إشارة إلى ما آتاه الله من العلم الخ) قد مرّ تفسير البينة بالحجة والبرهان والنبوّة أيضا، وحملها هنا على العلم والنبوّة والمراد بالعلم علمه بالله وتوحيده وفسرت بالحجة الواضحة واليقين، وفسر الرزق الحسن بالمالط الحلال، وجوّرّ الزمخشري أن يراد به النبوّة والحكمة لتفسيره البينة بما مرّ والفرق بينهما أمر يسير، وقوله المال الحلال المكتسب بلا بخس، وتطفيف كما في الكشاف وهو مناسب للمقام. قوله: (وجواب الشرط محذوف الخ (قال أبو حيان: الذي قاله النحاة في
أمثاله أنه يقدر الجملة الاستفهامية على أنها مفعول ثان لأرأيتم المضمنة معنى أخبروني المتعذية لمفعولين، والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية نحو أرأيتك ما صنعت، وجواب الئرط ما يدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها، والتقدير إن كنت على بينة من ربي فأخبروني هل يسع الخ ولزوم هذا التقدير محل كلام. قوله: (مع هذا الآنعام الجامع للسعادات الروحانية (وهي العلم والجسمانية الرزق الحلال، والخيانة في الوحي عدم تبليغه، وقوله وأخالفه في بعض النسخ فأخالفه بدخول الفاء على السبب، وقوله وبإعانته تفسير لكونه من عنده إذ كل رزق منه. قوله:) وما أريد أن آني ما أنهاكم عنه الخ) أي لا يقع مني إرادة لما نهيتكم عنه ولا استقلال به كما هو شأن بعض الناس في المنع من بعض الأمور فالمراد نفي المعلل والعلة، ولذا ظهر تفريع ما بعده عليه، وما ذكره من الفرق بين خالفته إليه وعنه معنى بديع أفاده الزمخشري، وضمير قصدته وعنه راجع لكذا وضمير هو لزيد. قوله:) ما أريد إلا أن أصلحكم الخ (يشير إلى أنّ أن هنا نافية وما مصدرية ظرفية في محل نصب متعلقة با الإصلاح، وهو أحد الوجوه في إعرابها وأظهرها، وقوله ولهذه الأجوبة الثلاثة أي أجوبة شعيب ﵇ يعني من قوله أرأيتم إلى هنا لأنها جواب عما أنكروه وكونها أجوبة يقتضي أن يعطف قوله إن أريد الخ، لكنه ترك عطفه لكونه مؤكدا لما قبله، ومقرّراً له لأنه لو أراد الاستئثار بما نهى عنه لم يكن مريدا للإصلاح، وكونه مؤكداً لا ينافي تضمنه لجواب آخر، والأوّل هو قوله إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسناً، فإنه بيان لحق الله عليه من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته والثاني قوله ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه فإنه بيان لحق نفسه من كفها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره، والثالث قوله إن أريد إلا الإصلاج الخ فإنّ حق الغير عليه إصلاحه وارشاده، ووجه ترتيبها ظاهر وقوله، وكل ذلك يقتضي الخ قيل لا بد فيه من تقدير القول أي فقال شعيب ﵊ الخ لأن مقتضى الظاهر أن يقال يأمرهم، وقيل لا حاجة إليه لأنّ الأجوبة، وما تضمنته صادرة من شعيب ﵊ فلذا جرى على مقتضاه، ولك أن تقول إنه
التفات لعوده إلى أمر شعيب ﵊، واقتضاء الأوّل والأخير ظاهر، وأمّا اقتضاء حق النفس له فلأنّ إصلاح الغير وارشاده فيه نفع نفسه أيضا لما فيه من الثواب فتأمّل. قوله: (وما مصدرية واقعة موقع الظرف الخ) إما بجعل المصدر ظرفا أو تقدير حين قبله وسده مسده، وعبارة المصنف رحمه الله تعالى تحتملهما، وهذا هو الوجه، وأمّا إذا كان بدلأ سواء قدر المضاف أو لا فهو بدل بعض، أو كل لأنّ المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه، وقيل إنه بدل
стр. 1590
اشتمال، وعلى هذا والأوّل يقدر ضمير أي منه لأنه لا بد منه، وأراد بالخبرية الموصولة، وهم يطلقون ذلك عليها وحذف المضاف على الثاني لأنه على الأوّل بمعنى مقدار من الإصلاج وترك كونها مفعولاً به للمصدر المذكور في الكشاف لضعف أعمال المصدر المعرّف عند النحاة، والمراد بالمقدار مقدار من الإصلاح فهو بدل بعض. قوله: (وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته الخ) المصدر هنا من المبنيّ للمفعول أي، وما كوني موفقا أي وما جنس توفيقي أو وما كل فرد منه لأنّ المصدر المضاف من صيغ العموم والمآل و! د لأنّ انحصار الجنس يقتضي انحصار أفراده لكنه على الأوّل بطريق المفهوم وعلى الثاني بطريق المنطوق فلا وجه لرذ الأوّل، وتقدير بهدايته ومعونته قيل إنه لدفع ما يرد عليه من أن فاعل التوفيق هو الله تعالى، وأهل العربية يستقبحون نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنها تدخل على الآلة فلا يحسن ضربي بزيد، وإنما يقال من زيد فالاستعمال الفصيح، وما توفيقي إلا من الله، وبتقدير المضاف الذي ذكره يتوجه دخول الباء، ويندفع الإشكال، وأيضاً التوفيق وهو كون فعل العبد موافقأ لما يحبه الله ويرضاه لا يكون إلا بدلالة الله عليه، ومجرّد الدلالة لا يجدي بدون المعونة منه. قوله: (فإنه القادر المتمكن الخ) تعليل للقصر المستفاد من تقديم المتعلق، وقوله في حد ذاته إشارة إلى أن قدرة العبد لسكونها بإيجاد الله كلا قدرة لأنه لو شاء لم يوجدها، ثم ترقى عن ذلك إلى أنه معدوم سد الاحتمال أن عجزه عن الاستقلال لا عن أصل الفعل لأنّ الوجود الإمكاني مع وجود الواجب عدم كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٨] ولذا قال بعض العارفين لما سمع كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه فافهم وقوله أقصى مراتب العلم بالمبدأ إشارة إلى أنّ من عرف نفسعه بالعجز والفناء عرف خالقه بالقدرة والبقاء ولولا ذكر المعاد بعده صح حمل المبدأ على الله لأنّ الحكماء يطلقون عليه المبدأ الفياض فتدبر كلامه هنا فإنه دقيق، ولا حاجة إلى ما! قيل المراد بالتوحيد في كلامه توحيد الأفعال بأن يعلم أنه لا فاعل لشيء سواه لأنّ التوحيد الحقيقي علم الذات، وجميع
الصفات الثبوتية، والسلبية، وتوحيد الأفعال يكون بعده. قوله: (وهو أيضاً يفيد الحصر) أي الحصر بتقديم متعلقه كما أفاده ما قبله أو معنى قوله أيضا كما يفيد معرفة المعاد يفيد الحصر وقوله على الله وقع هنا نسخ مختلفة ففي أخرى على ضمير الله، وفي أخرى على أنيب وفي أخرى على الفعل فقيل إنها على الأوليين يعلق الجارّ فيها بالحصر، وعلى الآخريين بتقديم، وفي الأوّل خفاء والباس. قوله:) وفي هذه الكلمات طلب التوفيق الخ) أي في قوله، وما توفيقي إلا بالثه إلى هذه المعاني أمّا طلب التوفيق فمن قوله إلا بالله لأنها إنشائية للطلب كالحمد لله أو لأنها إخبار عن نعمة التوفيق، وشكر لها والاعتراف والشكر استجلاب للمزيد، وقوله فيما يأتيه ويذره مأخوذ من عموم التوفيق أو إطلاقه المقتضى له، والاستعانة عطف على طلب، ويصح أخذه من تفويض التوفيق إليه، ومن التوكل ومجامع أمره ما يجمعها، والمراد جميعها، وقوله والإقبال معطوف عليه أيضا مأخوذ من التوكل عليه، وشراشره بمعنى كليته، وأصله الجسد والنفس أو الأثقال، وقال كراع رحمه الله تعالى: ألقى عليه شراشره أي نفسه وقيل بل هي محبة نفسه الواحد شرشر قال:
وكائن ترى من رشده في كريهة ومن غيه تلقى عليه الشراشر
انتهى وقال الجوهرفي واحده شرشرة وقوله وحسم أطماع الكفار وما بعده معطوف عليه
أيضاً وهذا من قوله عليه توكلت كقول نوح ﵊: ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٧١] وهذا على الوجهين في ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أمّا على الثاني فظاهر، وأمّا على الأوّل فلأنهم تهكموا به ليرتدع فقال حسماً لما عنوه إن اعتمادي على الله لا أطلب تحقيق رجاء غيره، ولا ارتدع بتقريعه، واظهار الفراغ، وعدم المبالاة من التوكل أيضاً لأنه الكافي المعين، وقد جعل هذا وجهاً للتهديد أيضاً، ووجه المصنف رحمه الله تعالى لتهديد بأنه من الرجوع إلى الله فإنه يكنى به عن الجزاء، وهو وان كان هنا مخصوصاً به لكنه لا فرق فيه بينه، وبين غيره وإنما خص! لاقتضاء المقام له، وقوله شقاقي مصدر مضاف للمفعول أي معاداتكم إياي. قوله:
стр. 1591
(وأن بصلتها ثاني مفعولي جرم الخ) وشقاقي فاعله، وعلى قراءة الضم من الأفعال، وهمزته لنقله من التعدية إلى واحد إلى اثنين، ونهى الشقاق مجازاً وكناية عن نهيهم عنه، وفيه مبالغة لأنه إذا نهى، وهو لا يعقل علم نهي المتشاقين بالطريق الأولى. قوله:
(والآوّل أفصح) أي جرم أفصح من أجرم، وقوله فإن أجرم أقل دورانا الخ. إشارة إلى أنّ الفصاحة هنا ليست بمصطلح أهل البيان بل بمعنى كثرة الاستعمال وأهل اللغة حيث ذكروه إنما يريدون هذا المعنى قال في الكشاف والمراد بالفصاحة أنه على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور، وهم له أكثر استعمالاً فلا يتوهم اشتمال القرآن على لفظ غير فصحيح. قوله:) وقرئ مثل بالفتح لإضافتة إلى المبنئ الأن مثل، وغير مع ما وأن المخففة، والمشدّدة جوّزوا بناءهما على الفتح كالظروف المضافة للمبنيئ كما بين في النحو، وقيل إنه منصوب صفة مصدر محذوف أي إصابة مثل إصابة قوم نوح ﵊، وفاعل يصيب ضمير مستتر يعود على العذاب المفهوم من السياق، وهو تكلف وعلى الأوّل مثل هو الفاعل. قوله: (لم يمنع الخ) هذا من قصيدة لبعض العرب اختلف فيه فقيل هو أبو قيس بن رفاعة الأنصارفي، وقيل إنه رجل من كنانة وقيل إنه للشماخ ومنها:
ثم ارعويت وقد طال الوقوف بنا فيها فصرت إلى وجناء شملال
تعطيك مشيا وارقالاً ودأدأة إذا تسربلت الآكام بالآل
لم يمنع الشرب منها غيرأن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال
وضمير منها راجع لوجناء، وهي الناقة، والا وقال جمع وقل وهي الحجارة أو شجرة المقل أو ثمره، والمراد أن سماعها صوت الحمامة على بعد لشدة حسها يفزعها فيمنعها من الشرب أو يطربها فيلهيها عنه لأنّ الإبل شديدة الحنين إلى الأصوات المغرّدة، وقيل إنّ فيه قلبا أي لم يمنعها من الشرب، وكذا في غصون ذات أو قال في بعض معانيه، والشاهد في غير فإنه مبنيّ على الفتح. قوله:) زماناً أو مكاناً الخ (أي المراد بالبعد المنفيّ الزماني أو المكاني أي لا يمنعكم من الاعتبار قدم عهد، ولا بعد مكان فإنهم بمرأى، ومسمع منكم أو البعد معنوقي أي ليس ما اتصفوا به بعيداً من صفاتكم فاحذروا أي يحل بكم ما حل بهم من العذاب كما قال بعض المتأخرين:
فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم! ط قوم لوط منكم ببعيد
وجعل زمانا، ومكانا تمييزاً، ولم يجعله كما في الكشاف في تقدير بزمان أو مكان بعيد
فقيل هربا من الأخبار بالزمان عن الجثة الذي أورد عليه أنه إذا أفاد جاز الإخبار كما صرّحوا به، وهو مقيس هنا فليس ببعيد قال في الألفية:
ولا يكون اسم زمان خبرا عن جثة وإن يفد فأخبرا
قوله: (د إفراد البعيد الخ) يعني أنّ الأخبار ببعيد غير مطابق له لا لفظاً ولا معنى أمّا لفظا
فلأنه اسم جمع وهو جميعه مؤنث على ما اختاره الزمخشريّ لأنّ قوم إذا صغر يقال فيه قويمة ومعناه الجمع فالقياس ببعيدة أو ببعداء وقال الجوهرفي والقوم يذكر ويؤنث لأنّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل رهط ونفر، وقوم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦٦] فذكر، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٠٥ ا] فأنث وان صغرت لم تدخل فيها الهاء، وقلت نفير وقويم ورهيط وإنما يلحق التأنيث فعله وتدخل الهاء فيما يكون لغير الآدميين مثل إبل وغنم لأنّ التأنيث لازم له وبين الكلامين بون بعيد وعليه فلا حاجة له إلى التأويل هنا من تقدير في الأوّل كإهلاك أو في الثاني كشيء أو مكان أو زمان أو أنّ فعيل المصدر يستوي فيه المذكر، والمؤنث فأجرى هذا مجراه. قوله: (عظيم الرحمة للتائبين الخ) العظيم مأخوذ من صيغة المبالغة، ولم يفسره بكثير الرحمة باعتبار المرحومين أو أنواع الرحمة لأنّ هذا أبلغ إذ عظم الرحمة لكل أحد منهم مستلزم للكثرة، وقوله فاعل بهم الخ إشارة إلى أنه مجاز باعتبار غايته لأنّ الموذة بمعنى الميل القلبيّ لا يصح وصفه تعالى بها، ويجوز أن يكون كناية عند من لم يشترط إمكان المعنى الأصلي، ولا يناسب تفسيره بمودود، وان كان حقيقة لعدم المبالغة فيه، وقيل رحيم ناظر إلى الاستغفار لأنه لكرمه يرحم من
стр. 1592
يطلب منه المغفرة، وودود ناظر إلى التوبة ترغيبا بأنه يودّ من يرجع إليه، وهو وجه حسن، والوعيد على الإصرار يعلم من تعذيب قوم لوط.
قوله: (ما ئفهم) لأنّ الفقه هو العلم في الأصل، وقولهم كثيراً فراراً من المكابرة، ولا
يصح أن يراد به الكل، وان ورد في اللغة لأنّ قوله مما تقول يأباه، وقوله وما ذكرت دليلا كقوله: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٥] وقوله إني أخاف الخ. أي لم يفهموا دعواه، ولا دليلها وقوله لقصور عقولهم أي نفيهم لذلك لغباوتهم أو لاستهانتهم كما يقول الرجل لمن لا يعبأ به لا أدري ما تقول، وترك ما في الكشاف من أنه كناية عن عدم القبول لأنّ
قوله كثيراً يأباه، وجعلهم كلامه هذيانا لأنه يرجع للاستهانة أو أنه كان ألثغ لأنه لم يصح عنده لأنّ جعله خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلايم ينافيه ظاهراً، وقوله فتمتنع منصوب في جواب النفي وفي نسخة فتمنع فمفعوله محذوف يدل عليه قوله بعده إن أردنا بك سواء ومهينا بفتح المييم بمعنى ذليلا فقوله لأعز لك صفة كاشفة، والمراد بالقوّة المنفية قوّة الجسم، وما بعدها الذل. قوله: (وقيل أعمى بلغة حمير) يعني أن الضعيف في لغة أهل اليمن كالضرير بمعنى أعمى، وهو كناية كما يقال له بصبر على الاستعارة تمليحاً ووجه عدم مناسبته أنّ التقييد بقوله فينا يصير لغواً لأنّ من كان أعمى يكون أعمى فيهم، وفي غيرهم، وأمّا إرادة لازمه، وهو الضعف بين من يبصره، ويعادبه فلا يخفى تكلفه. توله: (ومنع بعض المعتزلة استنباء الأعمى) قال الإمام رحمه الله تعالى: جوّز بعض أصحابنا العمى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكنه هنا لا يحسن الحمل عليه لما مرّ، وأمّا المعتزلة فاختلفوا فيه فمنهم من قال: إنه لا يجوز لكونه منفر العدم احترازه عن النجاسات، ولأنه يخل بالقضاء، والشهادة فهذا أولى، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى، ولأنه يأباه مقام الدعوة، والاستنابة فيه غير ظاهرة، وقوله والفرق بين لأنّ القاضي يحتاج إلى تمييز الخصمين، والنبيّ ﷺ لا يحتاج لتمييز من يدعوه، وفيه نظر مع أنه معصوم فلا يخطىء كالقاضي الأعمى، والذي صححوه أنه ليس فيهم أعمى، ولم يذكروا تفصيلاً بين الأصلي، والعارض! ، وقد ورد في روايات عمى شعيب ﵊، وسيأتي في القصص. قوله: (قومك وعزتهم) بيان للمعنى، ويحتمل أنه إشارة إلى تقدير مضاف وقوله لكونهم على ملتنا تأويل للعزة، والشوكة القوّة، وقوله فإن الرهط الخ تعليل لعدم الخوف إذ القليل غير غالب في الأكثر، وقوله أو بأصعب وجه فيكون الرجم كناية عن نكاية القتل، وقوله: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ صيغة المبالغة، وأفعل التفضيل على التفسير الآني يقتضي أن له عزة عندهم فقوله فتمنعنا عزتك يعني به عزتك المؤثرة عندنا بجعل الاضافة للعهد أو لفهمه من السياق فلا ينافي ما مرّ فلا يرد عليه أنه لا يناسب السياق تفسيره بما ذكر أو يقال إنّ ذاك يشعر بثبوت عزة له بقومه، وهذا ينفيها عنه في ذاته على زعمهم وهو الظاهر لمن تأمّل ما سيأتي أو أنها عندهم غير معتد بها فتأمّل. قوله: (وفي إيلاء ضميره حرف النفي الخ (إشارة إلى أنّ التقديم يفيد التخصيص، وأنه قصر قلب أو قصر إفراد، والظاهر الأوّل، وقد تبع فيه صاحب الكشاف، وقال صاحب الإيضاح: فيه نظر لأنا لا نسلم إفادة التقديم الحصر إذا لم
######
стр. 1593
######
صريحاً، ولوّح إلى الآخر، وعلى طريقة المصنف رحمه الله تعالى هما مذكوران، والكلام شامل لهما، وهو أحسن لما قيل عليه إنه فرق بين ما هنا لاقتضاء سباقه، وسياقه لذكرهما، وما نظر به ليس كذلك، والمسلك الثالث أنهما مذكوران تفصيلاً، وهو مختار الزمخشري كما ستراه ففي الآية ثلاث طرق، وكل ما ذكر في القرآن بالفاء إلا هذه. قوله: (وقيل كان قياسه ومن هو صادق الخ)
стр. 1594
هذا ما في االكشاف من أن اعملوا على مكانتكم إني عامل ذكر فيه الكاذب والصادق، وكذا في هذا لأن المراد من قوله من هو كاذب الصادق لكن جرى في ذكره على ما اعتادو. في تسميته كاذباً تجهيلاً لهم، وليس المراد ستعلمون أنه كاذب في زعمكم حتى يرد عليه ما توهم من أنّ كذبه في زعمهم واقع معلوم لهم الآن فلا معنى لتعليق علمه على المستقبل بل المعنى ستعلمون حالكم، وحال الصادق الذي سميتموه كاذبا، وقوله من يأتيه، ومن هو كاذب جوّز فيه أن تكون من موصولة، وأن تكون استفهامية، وكلام المصنف أنسب بالأؤل، وكذا كلام الكشاف فإنّ قوله ومن هو كاذب على زعمهم في جريه على الاستفهام تأمّل. قوله: (وانتظروا ما أقول لكم الخ (وهو حلول ما أوعد صم به، وظهور صدقه فالمنتظر من الطرفين أمر واحد وقيل المعنى انتظروأ العذاب إني منتظر للنصرة والرحمة، وذكر لفعيل ثلاثة معان كما في الكشاف لكن كونه بمعنى مرتقب أنسب بقوله ارتقبوا، وان كان مجيء فعيل بمعنى اسم الفاعل المزيد غير كثير كالصريم بمعنى صارح من الصرم بمعنى القطع، والعشير بمعنى معاشر، والرفيع بمعنى المرتفع. قوله: ( ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا﴾ الخ) أخبر بتنجية المؤمنين دون هلاك الكافرين لأنه مفروغ منه، وإنما المقصود تنجية هؤلاء لجواز أن يلحقهم ما لحق أولئك بشؤمهم، وقوله إنما ذكره بالواو جواب عن السؤال أنّ في قصة عاد ومدين، ولما جاء أمرنا، وفي قصة ثمود ولوط فلما جاء فما الحكمة فيه بأنه ذكر في هاتين القصتين الوعد وقوله فلما جاء أمرنا مرتب عليه فجيء بالفاء وأمّا في الآخريين فذكر مجيء العذاب على أنه قصة بنفسه وما قبله قصة أخرى لكنهما متعلقان بقوم فهما مشتركان من وجه مفترقان من آخر، وهو مقام الواو كذا قرّر في الكشاف وشروحه، وقيل في كلام شعيب ﷺ ذكر الوعد أيضا، وهو قوله يا قوم اعملوا على مكانتكم إلى قوله رقيب غاية الأمر أنه لم يذكر بلفظ الوعد ومثله لا يكفي للدفع كما توهم، وما قيل في جوابه إن ما ذكر محمول على العذاب الدنيوفي أو أنه ذكر الفاء في الموضعين لقرب عذاب قوم صالح ولوط للوعد المذكور من غير فصل بعيد فلا يخفى ما فيه، وقوله يجري مجرى السبب لأنّ الوعيد لاقتضائه وقوع الموعود به كالسبب لا سبب لأنّ السبب كفرهم ونحوه وقوله وأخذت الذين ظلموا الصيحة قد سبق في الأعراف
فأخذتهم الرجفة أي الزلزلة، وأنها كانت من مباديها فلا منافاة بينهما ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي صاروا جاثمين أو دخلوا في الصباح حالة كومحهم جاصمين وكأن لم الخ خبر بعد خبر أو حال بعد حال وألا بعد ادعاء عليهم بعد هلاكهم بيانا لاستحقاقهم له كما مز، ولمدين مرّ تفسيره فتذكره. قوله: (ميتين الخ (أصل معنى الجثوم من جثم ال! طائر إذا لصق بالأرض بطنه، ولذا خص الجثمان بشخص الإنسان قاعدآ ثم توسعوا فيه فاستعملوه بمعنى الاقامة واستعير من هذا للميت لأنه لا يبرج مكانه فلذ فسره به المصنف رحمه الله تعالى، وأشار إلى حقيقته، ويغنوا بمعنى يقيموا، ومنه المغني لمنزل الإقامة. قوله: (شبههم بهم (فيه تسمح أي شبه هلاكهم بهلاكهم لاتحاد نوعه، وقوله غير انّ صيحتهم الخ. هذا هو المروقي عن ابن عباس ﵄ كما نقله القرطبيّ ﵀، وما مرّ في الأعراف من أنه أتتهم صيحة من السماء فرواية أخرى ذكرها هناك فلا تعارض بين كلاميه كما قيل. قوله: (وقرىء بعدت بالضم الخ) العامّة على كسر العين من بعد يبعد بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع بمعنى هلك قال:
يقولون لا تبعدوهم يدفنونه ولا بعد إلا ما توارى الصفائح
أرادت العرب الفرق بين المعنيين بتغيير البناء فقالوا بعد بالضم في ضد القرب، وبعد بالكسر في ضدّ السلامة، والمصدر البعد بفتح العين، وقرأ السلمي وأبو حيوة بعدت بالضم أخذاه من ضد القرب لأنهم إذا هلكوا فقد بعدوا كما قال الشاعرة
من كان بينك في التراب وبينه شبرفذا في غاية البعد
وقال النحاس المعروف: الفرق بينهما وقل ابن الأنباري: من العرب من يسؤقي بين الهلاك، والبعد الذي هو ضد القرب، وبهذا علمت اختلاف أهل اللغة فيه وبه يوفق لين ذلإم المصنف هنا، وقوله في قصة
стр. 1595
نوج ﵊ أنه استعير للهلاك، وما سيأتي في سورة المؤمنين. قوله: (بالتوراة او المعجزات) فالمراد بالآيات آيات الكتاب أو المعجزات، وقد اعترض على الوجه الأوّل بأن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون، وملئه كما سيصرح به في
سورة المؤمنين فكيف يستقيم أنه أرسل موسى ﵊ بالتوراة إلى فرعون، وملئه بل أراد بها الآيات التسع العصا، وا أسيد البيضاء، والطوفان والجراد، والقمل والضفاح، والدم ونقص من الثمرات، والأنفس، ومنهم من أبدل النقص من الثمرات، والأنفس بأظلال الغمام، وفلق البحر، وتبعه بعض المتأخرين، والكل مأخوذ من كلام أبي حيان في تفسيره، وقيل في دفعه أنه يمكن تصحيحه أما أوّلاً فبما صرّحوا به من جواز ارجاع الضمير، وتعلق الجارّ والمجرور، ونحوه بالمطلق الذي في ضمن المقيد فقوله إلى فرعون يجوز أن يتعلق بالارسال المطلق لا المقيد بكونه بالتوراة، وأمّا ثانيا فلأن موسى ﵊ كما أرسل إلى الفرعنة أرسل إلى بني إسرائيل فيجب أن يحمل ملأ فرعون على ما يشملهم فيجيء الكلام على التوزيع على معنى أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين، والى ملته بالتوراة فيكون لفا ونشراً غير مرتب (قلت) هذا عذر أقبح من الذنب، ومثل هذه التعسفات مما ينزه عنه ساحة التنزيل، وشمول الملا لبني إسرائيل مما لا يمكن هنا مع الإضافة إليه، وجعلهم من أهل النار، ولو جعل قوله إلى فرعون متعلقاً بسلطان مبين لفظا أو معنى على تقدير، وسلطان مرسل به إلى فرعون لم يبعد مع المناسبة بيته وبين السلطان فتأمّل. قوله: (وهو المعجزات الظاهرة) أمّا على التفسير الأوّل فهو ظاهر، وأمّا على الثاني فالعطف لأنها صفات متغايرة، وقيل إنه تجريد نحو مررت بالرجل الكريم، والنسمة المباركة كأنه جرد من الآيات الحجة، وجعلها غيرها، وعطفها عليها أو هي هي، وكلام المصنف رحمه الله تعالى على الأوّل لقوله ويجوز أن يراد بهما واحد الخ، وقوله وافرادها أي العصا لأنها مؤنث سمافي، وأبهرها بمعنى أعجبها، وقوله ويجوز الخ. جار على الوجهين، وقوله وسلطانا له أي دليلا، وأبان اللازم بمعنى تبين، والمتعدي بمعنى بين وأظهر وقوله: والفرق بينهما أي بين الآيات والسلطان وفي نسخة بينها أي بين الآيات والسلطان، والمبين كما يدلّ عليه ما بعده، وعلى الأوّل ذكره للتتميم استطراداً ويخص بالبناء للفاعل لا مجهول كما قيل. قوله: (فاتبعوا أمره بالكفر الخ) بالكفر متعلق بالأمر بمعناه المشهور، وقوله أو فما اتبعوا الخ يؤخذ من السياق لأنه بعد ما ذكر ارسال موسى إليهم، ولم يتعرّض له بل خص اتباع فرعون علم أنهم لم يتبعوه، ولا ينبغي تخصيص هذا بالوجه الثاني،
وهو ما إذا كان الأمر واحد الأمور، وهو الشأن والطريقة، والمسكة بالضم ما يتمسك به ويقال ماله مسكة من كذا أي قليل، وهو المراد هنا، وما ذكره بيان للواقع لا من حاق النظم. قوله: (مرشد أو ذي رشد) يعني وصف الأمر بمعنييه بكونه رشيدا لأنه فعيل بمعنى مفعل أو للنسب، والمراد ذو رشد للملابسة بينه وبينه أو بيان لأنه مجاز لأنّ الرشيد صاحبه لا هو، وليس هذا الغاء لمعنى الأمر فإنه لا قرينة معينة له وسيأتي له تفسير آخر. قوله: (يقال قدم بمعنى ؤقدّم) يعني كنصر ينصر يقال قدمه يقدمه إذا تقدمه، وقوله ونزل لهم النار منزل الماء الخ. يعني أنّ النار استعارة مكنية تهكمية للضد وهو الماء، واثبات الورود لها تخييل، ومورد في كلام المصنف رحمه الله تعالى مصدر ميمي بمعنى الورود لكن قوله فسمي اتيانها موردا يقتضي أن الايراد مستعاراً استعارة تبعية لسوقهم إلى النار فيكون التخييل مستعملا في معنى مجازي على حد قوله ينقضون عهد الله، والمذكور في الكشاف أنه شبه فرعون بالفارط، وهو الذي يتقدم القوم للماء ففيه استعارة مكنية، وجعل أتباعه واردة، واثبات الورود لهم تخييل، ويجوز جعل المجموع تمثيلا. قوله: (أي بئس المورد الذي وردوه الخ) الورد يكون مصدراً بمعنى الورود، ويكون صفة بمعنى المورود أي النصيب من الماء كالذبح، ويطلق على الوارد، وعلى هذا لا بد من مضاف محذوف تقديره بئس مكان الورد المورود للزوم تصادق فاعل بئسى، ومخصوصها فالمورود هو المخصوص بالذمّ، وقيل المورود صفة الورد والمخصوص بالذمّ محذوف تقديره بئس الورد المورود النار، وقيل التقدير بئس انلحوم المورود بهم هم، والورود اسم جمع بمعنى الواردين، والمورود صفة لهم، والمخصوص
стр. 1596
بالذمّ الضمير المحذوف فهو ذم للواردين لا لمحلهم، وهذا بناء على جواز تذكيره كما مرّ فلا يرد عليه شيء وظاهر قول المصنف رحمه الله تعالى بئس المورد الذي وردوه أن جعلى الورد نصيب الماء، والذي نعت للمورد، وأن اختلف فيه النحاة فالمخصوص بالذتم محذوف، وهو النار ويجوز أن يكون هو المورود، وان كان ظاهره أنه نعته، والا لقال مورود أو المورود الذي وردوه، وكلامه يحتمل الوجوه السابقة، وقوله والنار بالضد إشارة إلى أنه استعارة تهكمية. قوله: (والآية كالدليل على قوله وما أمر فرعون) المراد بالاية قوله يقدم قومه الخ، وجعله دليلاً على التفسير السابق لرشيد أي ليس برشيد لأنه أهلك نفسه، ومن اتبعه فالجملة مستأنفة جوابا بالسؤال تقديره لم لم يكن رشيدا، ويجوز أن يكون المعنى ما أمره بصالح محمود العاقبة فالرشد على الأوّل حقيقة لأنه
مقابل الغيئ، ولذا قال إنما هو عيّ محض، وضلال صريح، وعلى هذا مجاز عن العاقبة الحميدة لأنّ الرشد يستعمل لكل ما يحمد، ويرتضي كما في الكشاف فالمعنى أنّ أمر فرعون مذموم سيىء الخاتمة فجاء قوله يقدم قومه الخ. مفسراً له، وقوله ما يكون أي الأمر الذي يكون كذلك، وما موصولة، ويجوز كونها مصدرية، وقوله على أن المراد الرشد، وفي نسخة بالرشد، وكلاهما بمعنى. قوله:) أي يلعنون في الدنيا والآخرة (إشارة إلى أن يوم القيامة معطوف على محل في هذه لا ابتداء كلام أي، ويوم القيامة بئس رفدهم فاللعنة واحدة كما قيل لأن معمول بئس لا يتقدمها. قوله: (بض العون المعان الخ (الرفد يكون بمعنى العون، وبمعنى العطية، وإليهما أشار المصنف رحمه الله تعالى، وأصله ما يضاف إلى غيره أي يستند إليه ليعمده أي يقيمه من قولهم عمده، وأعمده إذا أقامه بعماد، وهو والعمود بمعنى، وسميت اللعنة عونا إما لأن الثانية منضمة إلى الأولى كالعون لها فهي استعارة أو على طريق التهكم لأنها خذلان عظيم، وكذا جعلها عطاء وجعل العون معانا والرفد مرفوداً على الإسناد المجازفي كجذ جده، وقيل إنّ لعنة الدنيا مدد للعنة الآخرة حقيقة، وفيه نظر. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى﴾ الاية يجوز أن يكون نقصه خبراً ومن أنباء حال، والعكس أو خبر بعد خبر، وضمير ظلمناهم لأهل القرى لأن معه مضافا مقدراً أي أهل القرى وقيل القرى على ظاهرها، وإسناد الأنباء إليها مجاز، وضمير منها لها، وضمير ظلمناهم للأهل المفهوم منها، وعلى الأوّل الضمائر منها ما يعود للمضاف، ومنها ما يعود للمضاف إليه، وقيل القرى مجاز عن أهلها، وضمير منها لها باعتبار الحقيقة وظلمناهم باعتبار المجاز فهو استخدام ورجح هذا على جعلها حقيقة وضمير ظلمناهم لأهلها استخداما لأن القرى لم يسبق ذكر هلاكها في غير قوم لوط على الصلاة والسلام مع أن الغرض ذكر هلاكهم لاهلاكها، وقوله مقصوص إشارة إلى أنه خبر، وأنه غير منظور فيه إلى الحال أو الاستقبال إذ لا فائدة فيه، ويحتمل من أنباء أن يكون حالاً من مفعول نقصه كما مز. قوله: (كالزرع القائم (إشارة إلى أنه استعارة بقرينة مقابلته بحصيد والمراد باق، وقوله عافى الأثر من عفا أثره إذا اندرس وفنى، وأعاد منها إشارة إلى أنه مبتدأ خبره محذوف مقدر قبله لكونه نكرة لا معطوف على الأوّل لفساد المعنى، وليس منها مبتدأ وقائم وحصيد خبر لأنّ المعنى على الاخبار عن بعض منها بأنه كذا، وبعض كذا لا الاخبار عن القائم والحصيد بأنه بعض منها لعدم الفائدة ونظيره تقدم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٠، في البقرة وقد تقدم رذه هناك فتذكره. قوله: (والجملة مستأنفة الا
محل لها وهو استئناف نحويّ للتحريض على النظر فيها، والاعتبار بها أو بياني كأنه سأل لما ذكرت ما حالها، وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: إنها حال من مفعول نقصه وردّه المصنف رحمه الله تعالى بخلوها من الواو، والضمير، ووجه بأنّ المقصود من الضمير الربط، وهو حاصل لارتباطه بمتعلق ذي الحال، وهو القرى فالمعنى نقص عليك بعض أنباء القرى وهي على هذه الحال تشاهدون فعل الله بها قال أبو حيان رحمه الله تعالى: والحل أبلغ في التخويف، وضرب المثل للحاضرين، وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: يجوز أن يكون حالاً من القرى قال في الكشف جعل الجملة حالاً من ضمير نقصه فاسد لفظاً، ومعنى ومن القرى كذلك قيل وقد نبه على اندفاع الفساد اللفظي وأمّا الفساد المعنوي فلم يبينه حتى يتكلم عليه، وقد علمت أنه أبلغ في التخويف (أقول) أراد بالفساد اللفظي
стр. 1597
في الأوّل ما مرّ، وفي الثاني مجيء الحال من المضاف إليه في غير الصور المعهودة، وأراد بالفساد المعنوي أنه يقتضي أنه ليس من المقصوص بل هو حال حالة عليها، وليس بمراد ولا يسوغ جعل ما بعده ابتداء المقصوص، وفيه فساد لفظيّ أيضا، وأمّا الاكتفاء في الربط بما ذكر فمع خفائه فهو مذهب تفرّد به الأخفش ولم يذكره في الحال، وإنما ذكره في خبر المبتدأ كما مرّ تحقيقه في البقرة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٢٢٨] وما ذكره عن أبي حيان رحمه الله تعالى لا يجدي مع ما قررناه نفعا، ومن لم يتفطن لهذا قال أراد بالفساد اللفظي في الأوّل ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وفي الثاني ضعف وقوع الجملة الاسمية حالأ بالضمير وحده وأراد بالمعنوي تخصيص كونها مقصودة بتلك الحالة فإنّ المقصوصية ثابتة لها، وللنبا وقت عدم قيام بعضها أيضا ويوجه كلام أبي البقاء بأن يقال مراده أنّ الجارّ والمجرور حال، والمرفوع فاعل لاعتماده، وقوله بأن عزضوها له أي للهلاك.
قوله:) فما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم (يشير إلى أن ما نافية لا استفهامية وأنّ تعلق عن به لما فيه من معنى الدفع فمن في من شيء زائدة، ومجرورها مفعول مطلق أو مفعول به للدفع، وفسر أمر الله بعذابه كما مز، والنقمة بالكسر، والفتح المكافأة بالعقوبة، وقوله هلاك أو تخسير كان الظاهر إهلاك، وتخسير أو هلاك، وخسارة، والأوّلى أولى لا! تب بمعنى هلك، وتبب غيره بمعنى أهلكه، وكأنه أشار بهما إلى جواز جعله مصدر المبنيّ للفاعل أو المفعول. قوله: (ومثل ذلك الأخذ الخ (كلامه محتمل لأن يكون المشار إليه الأخذ المذكور بعده كما مرّ تحقيقه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سررة البقرة، الآية: ١٤٣، في
البقرة وأن يكون لأخذ القرى السابقة وكذلك خبر سواء كانت الكاف اسمية أو حرفية وكلامه صريح في الثاني وعلى قراءة الفعل فهي سادة مسد المصدر النوعي، ولا مانع من تقدّمه على فعله، وقوله أي أهلها شامل للمجاز في القرى، والإسناد وتقدير المضاف كما مز وقوله لأن المعنى على المضيّ بالنسبة إلى القرى المأخوذة والاستقبال بالنظر للموعود بأخذه. قوله: (حال من القرى) والظلم صفة أهلها فوصفت به مجازاً ولذا أنث الضمير، وظالمة وأفا جعله حالاً من المضاف المقدّر، وتأنيثه مكتسب من المضاف إليه فتكلف وقوله، وفائدتها أي فائدة هذه الإشارة إلى سبب أخذهم لإفادة المشتق عليه الاشتقاق، والإنذار لجعل الظلم مستوجبا للهلاك فينبغي أن يحذره من له عقل، ومن وخامة العاقبة متعلق بالإنذار، وقوله ظلم نفسه أو غيره لإطلاق الظلم، ووجيع تفسير لأليم، وغير مرجوّ الخلاص لشديد، وقوله لعبرة لأن الاية العلامة الدالة، ويلزمها هنا العبرة. قوله: (يعتبر به عظة الخ (يعني أنّ من يقز بالآخرة، وما فيها إذا رأى ما وقع في الدنيا من العذاب الأليم اعتبر به لأنه عصا من عصبة، وقليل من كثير، وقوله أو ينزجر معطوف على يعتبر أن ينكف، ويترك ما يوجبه كالكفر، والظلم، وقوله لعلمه الخ لأن الكلام في العالم بالآخرة، ويلزمه العلم بربها، وقوله فإنّ الخ. بيان لوجه ذكر قوله لمن خاف عذاب الآخرة لأنّ نحو الدهريّ لا يعتبر، ولا ينزجر لظنه الفاسد بأنها لأسباب فلكية، واقترانات نجومية لا لما اتصفوا به، وأقام من خاف عذاب الآخرة مقام من صذق بها للزومه له، ولأن الاعتبار إنما ينشأ من الخوف، وترتب تلك الحوادث على مجيء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ودعائهم، ونحو مشاهد صدق على بطلان ما ذكر مع أنه مفروغ عنه. قوله: (١ شارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة (أي إلى المجموع لأنه المراد من اليوم لا إلى كل واحد لأن عذاب الآخرة مذكور فلا يناسبه قوله دذ الخ. وقوله يجمع إشارة إلى أن لفظ مجموع أريد به المستقبل لعلمه. قوله:) والتغيير للدلالة الخ (أي العدول عن يجمع إلى
مجموع، ومخالفة الظاهر للدلالة على بيان معنى الجمع له إمّا باعتبار أنّ أصل الاسم الدلالة على الثبوت، ودلالة اسم الفاعل، والمفعول على الحدوث عارضة بخلاف الفعل أو لأنه يتبادر منه الحال حتى قيل إنه حقيقة فيه، والحال يقتضي الوقوع فأريد به الثبوت والتحقق، والتعبير بأنهم مجموعون له كما تقيده اللام يقتضي عدم الانفكاك عنه لإثبات المجموعية له على وجه الثبات فهو أبلغ من التعبير بالفعل، والجمع لما فيه من الجزاء فجعل الجمع له يقتضي عدم انفكاكه عنه، ويؤيد النكتة المذكورة. قوله: (مشهود فيه أهل السماوات والأرضين فاثسع فيه الخ (أي أصله
стр. 1598
مشهود فيه فحذف الجار، وجعل الضمير مفعولاً توسعا فأقيم مقام الفاعل واستتر، وليس المراد أنّ اليوم نفسه مشهود لأنّ سائر الأيام كذلك بل مشهود فيه جميع الخلائق، والاعتراض على الفرق بين المشهود والمشهود فيه بأن سائر الأيام مشهود فيها كما أنها مشهودة فاسد لأنه لا يقال يوم مشهود فيه إلا ليوم شهد فيه الخلائق من كل فج لأمر له شأن، وخطب يهمهم كيوم عرفة، ويومي العيد، والجمعة، ولا يلزم أن يكون كل يوم كذلك، وبه يندفع أيضا ما قيل الشهود الحضور، واجتماع الناس حضورهم فمشهود بعد مجموع مكرر، واليه يشير قول المصنف رحمه الله تعالى أهل السماوات والأرضين، وقوله في معنى البيت كثير شاهدوه. قوله: (كقوله الخ (هذا من شعر لام قيس الضبية، وذكر الضمير باعتباو الشخص ومن يقول الشعر، ومثله كثير والشعر هو هذا:
من للخصوم إذا جد الضجاج بهم بعد ابن سعد ومن للضمر القود
ومشهد قدكفيت الغائبين به في محفل من نواصي الناس مشهود
فرجته بلسان غيرملتبس عند الحفاظ وقلب غيرمردود
إذا تناة امرئ أرّري بها خور هز ابن سعد قناة صلبة العود
ومشهد مجرور معطوف على الخصوم أي، ومن لمشهد وناد كنت تكفي في مهماته عمن غاب، ونواصي الناس ورواه في الحماسة نواصي الخيل فسرت برؤوس الفرسان كما يعبر عنهم بالذؤابة، والرأس لعلوّهم، وقوله ولو جعل اليوم مشهوداً مز تفسيره، وقوله أي اليوم لم يفسره بالجزاء كما سيأتي لأن ما بعده من نفي المتكلم هناك قرينة عليه، وليس هنا قرينة، وفيه نظر لأنّ تلك قرينة قريبة أيضا، ولذا فسر به هنا أيضاً، وهو المناسب. قوله: ١١ لا الانتهاء مدّة معدودة متناهية (يعني العد هنا كناية عن التناهي كما يجعل كناية عن القلة، والأجل يطلق على
المدة المعينة لشيء كلها، وعلى نهايتها ومنع المصنف رحمه الله تعالى من إرادة الثاني هنا لأنه لا يوصف بالعد، وأفا أنه تجوّز إن قلنا با! الكناية لا يشترط فيها إمكان المعنى الأصلي فعدول عن الظاهر من غير داع إليه وتقدير المضاف أسهل منه، وإرادة بالجرّ على العطف على حذف، وفي نسخة وأراد بصيغة الفعل، ولام لأجل للتوقيت. قوله: (أي الجزاء أو اليوم الخ (يعني الضمير للجزاء لدلالة الكلام أو لليوم لنسبة الإتيان إلى الزمان في القرآن، وليس المراد باليوم المذكور هنا لأنّ الجملة المضاف إليها الظرف لا يعود منها ضمير إليه كما قرّره النحاة بل السابق، وفي ناصب هذا الظرف وجوه أظهرها أنه تكلم، والمعنى لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٢١٠] بيان له بورود نظيره وان كان مؤولاً بإتيان حكم ونحوه ويشهد له أيضاً قراءة يؤخره، بالياء. قوله: (على أن يوم بمعنى حين) أي هنا لئلا يلزم عند تغاير اليومين أن يكون للزمان زمان لأن إتيان الزمان وجوده وأن يتعين الشيء بنفسه لأنّ تعين المضاف بالمضاف إليه وتعين الفعل بفاعله، وهو اليوم فإذا فسر بالحين سواء كان مطلق الوقت الشامل له، ولغيره أو جزأه الأوّل أو غيره، والكل يجعل ظرفا للجزء حقيقة عرفية كالساعة في اليوم فلا يرد ما ذكر، ولا محذور في تخصيص نفي التكلم بجزئه لاختلاف الأحوال في الموقف أو لأن جزء ذلك اليوم هو زمان الموقف كله. قوله: (وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة يأت بحذف الياء الخ (كان الأصل إثباتها لأنها لام الكلمة، ولا جازم والمعهود حذفها في الفواصل، والقوافي لأنها محل الوقف لكنه سمع من العرب لا أدر ولا أبال، وهي لغة لهذيل، وقوله اجتزاء أي اكتفاء بالكسرة الدالة عليها من قوله يجزيه كذا أي يكفيه، والقول بأنه اتباع لرسم المصحف لا ينبغي لأنه يوهم أنّ القراءة تكون بدون نقل متواتر، لكنها رسمت في المصاحف العثمانية بالوجهين على القراءتين، واللغتين وللقراء هنا ثلاثة وجوه حذفها مطلقاً، وإثباتها مطلقا، وحذفها في الوقف دون الوصل، وقراءة ابن عامر وحمزة بالحذف مطلقاً. قوله:) وهو الناصب للظرف (يعني يوم، وهذا أظهر الوجوه، ولذا قدمه، والانتهاء المحذوف هو الذي قدره في قوله لأجل، وقول الزمخشري ينتهي لأجل تصوير للمعنى لا تقدير فعل لا حاجة إليه، وعلى تقدير اذكر يكون مفعولاً به لتصرّفه، وجملة تكلم حال
стр. 1599
من ضمير اليوم، وأما جعله نعتا له فيقتضي أن إضافته لا تفيد تعريفا، وهو ممنوع. قوله: (١ لا بإذن الله كقوله الخ (استشط بها لأنّ القرآن يفسر نجعضه بعضاً، وقوله وهذا في موقف الغ.
دفع لما يتوهم من تعارض الآيات كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ [سورة المرسلات، الآية: ٣٥] وكذا قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [سورة النحل، الآية: ١١١، وقوله والممنوع عنه الخ قيل عليه كيف يتاً تى هذا مع قوله تعالى حكاية عنهم يوم القيامة ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢٣ فلا بد من اعتبار تعذد الوقت ورذ بأن هذا ليس من قبيل الإعذار إنما هو إسناد الذنب إلى كبرائهم، وأنهم أضلوهم، وليس بشيء لأن المراد به ما يقابل الكلام الحق، وليس هذا منه، وقد مرّ الاختلاف في جواز الكذب يوم القيامة وقد أجيب أيضاً بأنّ مراده دفع التعارض بين الآيتين اللتين تلاهما المصنف لا مطلق ما يعارض ذلك ودفع التعارض أيضاً بأنّ النفس عامّة لكونها نكهرة في سياق النفي، وهذه في شاًن المؤمن، وقوله لا ينطقون في شأن الكافر. قوله تعالى:) ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ الآية (اعلم أن في الآية صيغة الجمع مع التفريق، والتقسيم أفا الجمع ففي قوله يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فإن النفس عامّة لكونها نكرة في سياق النفي كما يقرّر، والتفريق في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، وأفا التقسيم ففي قوله فأقا الذين شقوا الخ كما في قول الشريف القيرواني:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغنى وللمذنب العتبي وللخائب الأمن
قوله: (الزفير إخراج النفس الخ (ليس المراد أنه إخراج النفس مطلقا بل إخراجه مع صوت ممدود، وأصله من الزفر وهو الحمل الثقيل، ولما كان صاحبه يعلو نفسه غالبا أطلق عليه، وقوله واستعمالهما الخ ظاهره أنه لا يستعمل إلا في هذين مع أنّ المعنيين مذكوران في كتب اللغة فلعل هذا غلب في الاستعمال ثم إنّ أوّل النهيق يحصل بإخراج النفس، وآخره بإدخاله، وكني به عن الغمّ، والكرب لأنه يعلو معه النفس غالبا. قوله:) وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه الخ) يجوز فيه الرفع عطفا على الدلالة والجز عطفاً على شدة، والفرق بين الوجهين أنه على الأوّل استعارة تمثيلية، وعلى الثاني استعارة تصريحية وقوله، وقرئ شقوا بالضم الجمهور على فتح الشين لأنه من شقي، وهو فعل قاصر، وقرأ الحسن رحمه الله تعالى بضمهما فاستعمله متعديا لأنه يقال شقاه الله كما يقال أشقاه الله، وقرأ الإخوان
أيضا سعدوا بضم السين والباقودت بفتحها فالأولى من قولهم سعده الله أي أسعده، وحكى الفرّاء عن هذيل أنهم يقولون سعده الله بمعنى أسعده، وقال الجوهريّ: سعد الرجل بالكسر فهو سعيد كسلم فهو سليم، وسعد بالضم فهو مسعود قال القشيريّ: ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده فهو مسعد، وقيل يقال سعده فأسعده فهو مسعود واستغنوا باسم مفعول الثلاثيّ، وقال الكسائيئ أنهما لغتان بمعنى، وكذا قال أبو عمرو رحمه الله تعالى وقيل من قرأ سعدوا حمله على مسعود وهو شاذ قليل، وقيل أصله مسعود فيه، وقيل مسعود مأخوذ من أسعده بحذف الزوائد ولا يقال سعده وسيأتي هذا، وإنما ذكرناه هنا لاتحاد الكلام فيهما فلذا آثرت تلقي الركبان فيه. قوله: اليس لارياط دوامهم الخ) يعني أنّ الخلود لا يتناهى، ودوام السماوات متناه، وكلاهما بالنص الثابت قلو علق الأوّل بالثاني لزم بطلان أحد الأمرين فدفع بأمور منها أنه تمثيل للدوام كما بقال مارساً ثبير فيشبه طول مكثه بالدوام في مطلق الامتداد، وقيل إنه كناية، وقوله على سبيل التمثيل أراد ضرب المثل، والمثل قد يكون حقيقة، وقد يكون مجازاً فإن ما ذكره، وأشباهه كناية عى الدوام، وبه صرّج النحرير في المختصر، وفيه نظر لأنه لا سموات، ولا أرضين في ذلك اليوم فضلاً عن دوامهما فكيف يكون كناية على القول المشهور فالظاهر أن كلام المصنف رحمه الله تعالى على ظاهره. قوله:) ولو كان للارتباط الخ الا يخفى أنه لا مجال للارتباط لأنّ طيّ السماء كطيّ السجل قبل دخولهم النار إلا أن يراد ما يشمل عذاب القبر لكن هذا أمر فرضيّ لا يضره ما ذكر، وحاصله أنّ المربوط مدة دوام العذاب بدوامهما فلا يلزم من العدم العدم إلا بطريق المفهوم، وهذا لا يعارض النص الدالّ على خلودهم، وأيضا لا يلزم من عدم الملزوم عدم اللازم لجواز كونه لازماً أعنم فكيف ما هو كاللازم. توله: (وقيل المراد سموات الخ) يعني المراد بالأرض
стр. 1600
المقل، وبالسماء المظل، ولا بد في الجنة منهما فالمراد بالسعماء والأرض سماء الآخرة، وأرضها لا هذه المعهودة عندنا، وقوله ويدل! عليهما أي على السماوات، والأرض الأخروية، وفي نسخة عليه أي تحقق السماوات والأرض! الأخروية أو هو راجع للمراد أو لما ذكر، والدليل الأوّل نقليّ، والثاني عقليّ، والمظل أي ما يعلو عليهم كالظلة، وهو العرس. قوله: (وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف الخ) قيل إنه يعني أنّ في الكلام تشبيهاً ضمنيا لدوامهم بدوامهما، وإن كان بحسب
الإعراب ظرفا لخالدين، ولا بد أن يكون المشبه به أعرف ليفيد التشبيه، ويحصل الغرض منه، وهذا ليس كذلك، وقوله فإنما يعرفه الخ أي بالوحي، وكلام الرسل عليهم الصلاة والسلام لا بخصوص الدليل الدال على دوام الثواب والعقاب، وما قيل في الجواب عنه بأنه إذا أريد ما يظلهم، وما يقلهم سقط هذا لأنه معلوم لكل عاقل، وأما الدوام فليس مستفادا من دليل دوام الثواب، والعقاب بل مما يدل على دوام الجنة، والنار سواء عرف أنهما دار الثواب، والعقاب وأنّ أهلهما السعداء والأشقياء أولاً على أنه ليس من تشبيه ما يعرف بما لا يعرف بل الأمر بالعكس قيل عليه أنّ قوله لأنه معلوم لكل عاقل غير صحيح فإنه لا يعترف به إلا المؤمنون بالآخرة، وقوله الدوام مستفاد مما يدل على دوام الجنة، والنار لا يدفع ما ذكره كمصن! رحمه الله تعالى من أنّ المشبه به ليس أعرف من المشبه لا عند المتدين لأنه يعرفهما من قبل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وليس فيه ما يوجب أجمرفية دوام سموات الآخرة، وأرضها وليس مراده أنّ دوامهما مستفاد من خصوص الدليل الدال على دوام الثواب والعقاب بعينه فإنه لا يهم ليمنع، ولا عند غير المتدين فإنه لا يعرف ذلك، ولا يعترف به وقوله إنه ليس من تشبيه ما يعرف الخ يدفع بأنّ مراده التشبيه الضمني لا ما ذكره من تشبيه تلك الدار بهذه الدار، وقيل عليه مراده أنّ كل عاقل من المعترفين بالآخرة يعرف وجود هذا القدر لا منهم ولا من غيرهم وأنّ فساد ما ذكره من تعريف الشيء بما لا يعرف لا مما ذكره المجيب، ولزوم الأعرفية في التشبيه الصريح دون الضمني ولو سلم فهو فساد آخر غير ما ذكره المجيب (أقول) كل هذا تعسف، وخروج عن السنن والحق ما ذكره المجيب إذا نظرت بعين الإنصاف لأنّ هذا التشبيه لا بد من أن يؤخذ من المعترف بالخلود في الآخرة، ويلزمه الاعتراف بها، والمعترف بدوامه فيها لا بد من أن يعترف أنّ له مقلاً، ومظلاً ودوامه يستلزم دوام جنس ذلك، ولا شك أنّ ثبوت الحيز أعرف من ثبوت ما تحيز فيه بديهة فليس المشبه فيه سواء كان ضمنيا أو صريحا أعرف من المشبه به قطعا أمّا الأوّل فلأنه شبه قراره في تلك الدار بقرار حيزه هو من حيث هو حيز دوامه، وقراره أقرب إلى الذهن من دوام ما فيه، وأئا الصريح فظاهر لأنه شبه مظل الآخرة، ومقلها بسماء الدنيا، وأرضحها فأطلق عليهما اسمهما فلا وجه للاعتراض، ولا للجواب مع التأمل الصادق، ثم إنّ كون المشبه به أعرف في كل تشبيه غير مسلم عند الناظر في المعاني بقي هنا وجه آخر لو حمل عليه هذا لكان أحسن، وأظهر كما في تفسير ابن كثير، وهو أن يراد الجنس الشامل لما في الدنيا، والآخرة وهو بمعنى مقل ومظل في كل دار الدنيا، ودار الآخرة، ثم إنّ قول ابن جرير أن هذا جار على ما تعارفه العرب إذا أرادوا التأبيد أن ي! قولوا ما اختلف الليل والنهار ومثله كثير يعرفه الخاص، والعامّ بدفع ما أوردوه، واحتاجوا للجواب عنه، وفيه وجوه أخر في الدرر والغرر للرضي. قوله: (استثناء من الخلود في النار الخ (ذكر في هذا
الاستثناء أربعة عشر وجها ومم هو، وهل ما على ظاهرها أو بمعنى من أحدها ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من أنه استثناء متصل من قوله خالدين، وما بمعنى من لكونها للوصف كقوله: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى﴾ [سورة النساء، الاية: ٣] الخ وأن عصاة المسلمين داخلون في المستثنى منه والاستثناء لإخراجهم، وزوال الحكم، وهو الخلود يكفي فيه زواله عن البعض، وأنهم المرادون بالاستثناء الثاني أنّ مدّة مكثهم في النار نقصت من مدة خلودهم في الجنة فلا وجه لمن تمسك بها لخروج الكفار من النار، ولا وجه لذكره هنا. قوله: (ظ نّ التأبيد من مبدأ معين الخ) دفع لأنّ الاستثناء باعتبار الآخر لا الأوّل بأنه يصح أن يكون من أوّله، ومن آخره فإنك إذا قلت إذا مكثت يوم الخميس في البستان
стр. 1601
إلا ثلاث ساعات جاز أن يكون ذللى الزمان الواقع فيه عدم المكث من أوّله ومن آخره، وأورد عليه أنّ الخلود إنما هو بعد الدخول فكيف ينتقض بما سبق على الدخول كيف، وقد تقدم قوله في الجنة فلذا استصوب حمل الأؤل على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، والثاني على ما لأهل الجنة من غير نعيمها مما هو أكبر منه، ولذا عقب بقوله عطاء غير مجذوذ، وهو كالقرينة على أنه أريد به خلاف ظاهره فلا يختل النظم باختلاف الاستثناءين، والمبدأ المعين هنا دخول أهل النار في النار، ودخول أهل الجنة في الجنة وهو معلوم من السياق، والمقام فلا يرد على المصنف رحمه الله تعالى أنه ليس هنا مبدأ معين أو هو من قوله يوم يأتي. قوله:) وهؤلاء وإن شقوا الخ (إشارة إلى أنهم داخلون في الفريقين باعتبار الصفتين فصح إرادتهما بالاستثناءين فلا يقال الثاني في السعداء، وهم ليسوا منهم، ولا يخفى ما فيه من مخالفة الظاهر. قوله:) ولا يقال فعلى هذا لم يكن الخ) جواب عما ورد من أنّ العصاة دخلوا في القسمين، والاستثناء فيهما راجع إليهم باعتبار الابتداء، والانتهاء على ما ذكرت فكيف يصح هذا التقسيم مع عدم التمانع فدفعه بأنّ التقسيم لمنع الخلوّ فقط، وأن أهل الموقف لا يخلون من القسمين، وليس لمنع الجمع، والانفصال الحقيقي حتى يرد ما ذكر، وتقابل الحكمين لا يدل على تقابل القسمين نعم هو الظاهر منه. قوله: (أو لأنّ أهل النار) معطوف على قوله لأنّ بعضهم، وهذا ما اختاره
الزمخشري من أن الاستثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة بناء على مذهبه من تخليد العصاة، وهو في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حرّ النار إلى برد الزمهرير وردّ بأنّ النار عبارة عن دار العقاب كما غلبت الجنة على دإر الثواب، وقال بعض المفسرين: ليس في هذا نقل عن أحد من المفسرين، ومثله لا يقال من قبل الرأي، وأجيب عنه بأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليبا أمّا دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فلا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [سورة الليل، الآية: ١١٤ نارا ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة البفرة، الآية: ٢٤، وكم وكم وأفا رضوان الله تعالى عن أهل الجنة، وهم فيها فيأبى الاستثناء كيف، وقوله خالدين فيها لا يدل بظاهره على أنهم ينعمون فيها فضلا عن انفرادهم بتنعمهم بها إلا أن تخص الجنة بجنة الثواب وهو تخصيص من غير دليل، وأورد عليه أن عدم هجر الأصل علم من الوصف بالتلظي، والوقود في الآيتين والتقابل في النار هنا يعضد أنه هجر فلا يرد ما ذكر نقضاً. قوله: (أو من أصل الحكم الخ) عطف على قول في الخلود في أوّل كلامه المراد بأصل الحكم قوله في النار، والأصلية مقابلة للفرعية التي للمستثنى منه في الأوّل، وهو الحال أعني خالدين أوّ لأنّ الخلود فرع الدخول، والاستثناء في هذا الوجه مفرّغ من أعمّ الأوقات المحذوف، وما على أصلها لما لا يعقل، وهو الزمان، والمعنى فأمّا الذين شقوا ففي النار في كل زمان بعد إتيان ذلك اليوم إلا زمانا شاء الله فيه عدم كونهم فيها، وهو زمان موقف الحساب، وأورد عليه أنّ عصاة المؤمنين الداخلين النار إمّا سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى، وليس كذلك أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار، وهو خلاف مذهب أهلى السنة، وأيضا تأخيره عن الحال على هذا لا يتضح إذ لا تعلق للاستثناء به، وقد يدفع بأن القائل بهذا يخص الأشقياء بالكفار، وبالسعداء بالأتقياء، وبكون العصاة مسكوتا عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن كان من أهل السنة فإن كان من المعتزلة فقد وافق سنن طبعه، وسيأتي جواب آخر للمعترض، وأمر التقديم سهل. قوله:) أو مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ الخ (معطوف على قوله زمان توقفهم أي المستثنى المفرّغ من أعمّ الأوقات هذه المدة إن لم يقيد الحكم بقوله يوم يأتي، وهو يوم الجزاء فإنه متعلق بتكلم، والحكم المذكور متفرّع عليه فيتقيد به معنى، وعلى هذا يقطع النظر عنه فالمعنى هم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زمانا شاء الله لبثهم في الدنيا، والبرزخ، والمراد مع زمان الموقف لأنهم ليسوا في زمانه في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فظاهر مطلقا لكنهم معذبون في البرزخ أيضا إلا أن يقال لا يعتد به لأنه عذاب غير تاتم لعدم تمام حياتهم فيه وما على هذا أيضا عبارة عن الزمان فهي لغير العقلاء، وأورد عليه ما أورد على ما قبله، وأجيب بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان المستثنى في الاستثناء الأوّل، وهو غير مسلم فليكن
стр. 1602
المستثنى منه زمان لبثهم في النار مع ذلك
الاستثناء أربعة عشر وجها ومم هو، وهل ما على ظاهرها أو بمعنى من أحدها ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من أنه استثناء متصل من قوله خالدين، وما بمعنى من لكونها للوصف كقوله: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى﴾ [سورة النساء، الآية: ٣] الخ وأن عصاة المسلمين داخلون في المستثنى منه والاستثناء لإخراجهم، وزوال الحكم، وهو الخلود يكفي فيه زواله عن البعض، وأنهم المرادون بالاستثناء الثاني أنّ مدة مكثهم في النار نقصت من مدة خلودهم في الجنة فلا وجه لمن تمسك بها لخروج الكفار من النار، ولا وجه لذكره هنا. قوله: (فإنّ التأبيد من مبدأ معين الخ) دفع لأنّ الاستثناء باعتبار الآخر لا الأوّل بأنه يصح أن يكون من أوّله، ومن آخره فإنك إذا قلت إذا مكثت يوم الخميس في البستان إلا ثلاث ساعات جاز أن يكون ذللى الزمان الواقع فيه عدم المكث من أوّله ومن آخره، وأورد عليه أنّ الخلود إنما هو بعد الدخول فكيف ينتقض بما سبق على الدخول كيف، وقد تقدم قوله في الجنة فلذا استصوب حمل الأوّل على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، والثاني على ما لأهل الجنة من غير نعيمها مما هو أكبر منه، ولذا عقب بقوله عطاء غير مجذوذ، وهو كالقرينة على أنه أريد به خلاف ظاهره فلا يختل النظم باختلاف الاستثناءين، والمبدأ المعين هنا دخول أهل النار في النار، ودخول أهل الجنة في الجنة وهو معلوم من السياق، والمقام فلا يرد على المصنف رحمه الله تعالى أنه ليس هنا مبدأ معين أو هو من قوله يوم يأتي. قوله: (وهؤلاء وإن شقوا الخ (إشارة إلى أنهم داخلون في الفريقين باعتبار الصفتين فصح إرادتهما بالاستثناءين فلا يقال الثاني في السعداء، وهم ليسوا منهم، ولا يخفى ما فيه من مخالفة الظاهر. قوله:) ولا يقال فعلى هذا لم يكن الخ) جواب عما ورد من أن العصاة دخلوا في القسمين، والاستثناء فيهما راجع إليهم باعتبار الابتداء، والانتهاء على ما ذكرت فكيف يصح هذا التقسيم مع عدم التمانع فدفعه بأن التقسيم لمنع الخلوّ فقط، وأن أهل الموقف لا يخلون من القسمين، وليس لمنع الجمع، والانفصال الحقيقي حتى يرد ما ذكر، وتقابل الحكمين لا يدل على تقابل القسمين نعم هو الظاهر منه. قوله:) أو لأنّ أهل النار (معطوف على قوله لأنّ بعضهم، وهذا ما اختاره
الزمخشريّ من أن الاستثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة بناء على مذهبه من تخليد العصاة، وهو في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حرّ النار إلى برد الزمهرير ورذ بأنّ النار عبارة عن دار العقاب كما غلبت الجنة على دار الثواب، وقال بعض المفسرين: ليس في هذا نقل عن أحد من المفسرين، ومثله لا يقال من قبل الرأي، وأجيب عنه بأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليبا أفا دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فلا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [سورة الليل، الآية: ١٤] ناراً ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤] وكم وكم وأما رضوان الله تعالى عن أهل الجنة، وهم فيها فيأبى الاستثناء كيف، وقوله خالدين فيها لا يدل بظاهره على أنهم ينعمون فيها فضلا عن انفرادهم بتنعمهم بها إلا أن تخص الجنة بجنة الثواب وهو تخصيص من غير دليل، وأورد عليه أن عدم هجر الأصل علم من الوصف بالتلظي، والوقود في الآيتين والتقابل في النار هنا يعضد أنه هجر فلا يرد ما ذكر نقضا. قوله: (أو من أصل الحكم الخ) عطف على قول في الخلود في أوّل كلامه المراد بأصل الحكم قوله في النار، والأصلية مقابلة للفرعية التي للمستثنى منه في الأوّل، وهو الحال أعني خالدين أوّ لأنّ الخلود فرع الدخول، والاستثناء في هذا الوجه مفرّغ من أعمّ الأوقات المحذوف، وما على أصلها لما لا يعقل، وهو الزمان، والمعنى فأمّا الذين شقوا ففي النار في كل زمان بعد إتيان ذلك أليوم إلا زمانا شاء الله فيه عدم كونهم فيها، وهو زمان موقف الحساب، وأورد عليه أن عصاة المؤمنين الداخلين النار إما سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى، وليس كذلك أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار، وهو خلاف مذهب أهل السنة، وأيضاً تأخيره عن الحال على هذا لا يتضح إذ لا تعلق للاستثناء به، وقد يدفع بأن القائل بهذا يخص الأشقياء بالكفار، وبالسعداء بالأتقياء، ويكون العصاة مسكوتاً عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن كان من أهل السنة فإن كان من المعتزلة فقد وافق سنن طبعه، وسيأتي جواب آخر للمعترض، وأمر التقديم سهل. قوله: (أو مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ الخ (معطوف على قوله زمان توقفهم أي المستثنى المفرّغ من أعمّ الأوقات هذه المذة إن لم يقيد الحكم بقوله يوم يأتي، وهو يوم الجزاء فإنه متعلق بتكلم، والحكم المذكور متفزع عليه فيتقيد به معنى، وعلى هذا يقطع النظر عنه فالمعنى هم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زماناً شاء الله لبثهم في الدنيا، والبرزخ، والمراد مع زمان الموقف لأنهم ليسوا في زمانه في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فظاهر مطلقاً لكنهم معذبون في البرزخ أيضاً إلا أن يقال لا يعتذ به لأنه عذاب غير تاثم لعدم تمام حياتهم فيه وما على هذا أيضا عبارة عن الزمان فهي لغير العقلاء، وأورد عليه ما أورد على ما قبله، وأجيب بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان المستثنى في الاستثناء الأوّل، وهو غير مسلم فليكن المستثنى منه زمان لبثهم في النار مع ذلك
الزمان المستثنى في الآية الأولى فإن المستثنى ليس فيه ما يدل على زمان معين حتى لا يمكن الزيادة عليه، وفيه بحث.
قوله: (وعلى هذا يحتمل التأويل أن يكون الاستثناء من الخلود الخ) الإشارة إلى كونه مستثنى من أصل الحكم يعني إذا كان مستثنى من أصل الحكم صح استثناؤه أيضا من الخلود لأنّ من لم يكن في النار لم يكن في حال خلودها، وحاصله أنّ الاستثناء على هذا يرجع لجميع ما تبله فإنّ الاستثناء يجوز كونه من أمور متعددة كما صرّح به النحاة، ولا يرد عليه أنّ الخلود يقتضي سبق الدخول كما مز. قوله: (وقيل هو من قوله لهم فيها زفير وشهيق (وأورد على هذا في الكشف أن المقابل لا يجري فيه هذا، ولا يرد لأنّ المراد ذكر ما تحتمله الآية والاطراد ليس بلازم. قوله: (وقيل إلا هنا بمعنى سوى الخ) يعني أنه استثناء منقطع كما في المثال، وهذا القول اختاره الفرّاء، ويحتمل أن يريد أن إلا هنا بمعنى غير صفة لما قبلها والمعنى يخلدون فيها مقدار مذة السماوات، والأرض سوى ما شاء الله مما لا يتناهى قال في الكشف بعد نقله وهو ضعيف، ويلزم عليه حمل السماوات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من غير نظر إلى معنى التأبيد، وهو فاسد ثم إنه اختار أنّ الوجه أن يكون من باب ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤٠] و ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦] وهو منقول عن الزجاج رحمه الله تعالى وارتضاه الطيبي رحمه الله تعالى فيكون المراد بالأشقياء الكفار وبالسعداء أهل التوحيد، والمعنى أنهم خالدون فيها إلا وقت مشيئة الله عدم خلودهم، وقد ثبت بالنصوص القاطعة أن لا وجود لذلك فيقدر الخلود ولا يتوهم جواز التعارض بين هذه، وبين النصوص الدالة على عدم الخلود لأن المحتمل لا يعارض القطعي وقيل إلا بمعنى الواو العاطفة، وهو قول مردود عند النحاة. قوله: (وهو تصريح بأنّ الثواب لا ينقطع (أي قوله عطاء غير مجذوذ لبيان أنّ ثواب أهل الجنة، وهو إمّا نفس الدخول أو ما هو كاللازم البين له لا ينقطع فيعلم منه أن ألاستثناء ليس للدلالة على الانقطاع كما في العقاب بل للدلالة على ترادف نعم ورضوان من الله أو لبيان النقص من جانب المبدأ، ولهذا فرق في النظم بين التأبيد بما تممه إذ قال في الأوّل ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ للدلالة على أنه ينعم من يعذبه، ويبقى غيره كما يشار ويختار، وفي الثاني عطاء غير مجذوذ
بيانا لأنّ إحسانه لا ينقطع. قوله: (ولأجله فرق) أي لأجل القيد الدالّ على عدم انقطاع ثواب أهل الجنة فرق أهل السنة بين ثوابهم، وعقابهم بالتأبيد في الأوّل دون الثاني لدلالته على أنّ العقاب على ما مرّ قبل دخولهم الجنة فلا يتأبد، وقوله من سعده قد مرّ تفصيله، وقوله نصب على المصدر فيكون بمعنى الإعطاء أو على حد ﴿أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح، الاية: ١٧] وقوله أو الحال بالجز عطف على المصدر، وما نقله ابن عطية رحمه الله تعالى من أنه على طريق الاستثناء الذي ندبه الشارع في نحو: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٧] فهو في محل الشرط وليس متصلا ولا منقطعاً تكلف لا حاجة إليه.
تنبيه: وقع لبعضهم هنا أنّ النار ينقطع عذابها بالكلية بخلاف نعيم أهل الجنة وأورد فيه حديثاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه ﷺ قال: " يأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين " وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى إنه موضوع، وأشار لنحو منه الزمخشريّ إلا أنه تكلم في عبد الله بن عمرو ﵄ كلاماً لا ينبغي ذكره (وأقول) إن قوله كأنها أبواب الموحدين بيان لأنّ المراد بأبوابها ما يخص عصاة الموحدين فلا ينافي ما عليه الإجماع ولا عبرة بمن خالفه. قوله: (شك بعدما أنزل عليك ما مآل أمره الناس) الشك تفسير للمرثة كما مرّ، وقوله بعدما أنزل مأخوذ من تعقيب الفاه، ومآل الأمر إمّا حال الأشقياء العذاب الأليم، والسعداء النعيم المقيم، ومن لبيان ما أنزل. قوله تعالى: ( ﴿مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء﴾ ) من فيه إمّا بمعنى في أو ابتدائية، وما مصدرية أو موصولة، واليهما أشار المصنف رحمه الله تعالى، وعلى الثاني يقدر مضاف أي حال هؤلاء لأنه لا معنى للمرية في أنفسهم، وقوله يضرّ، ولا ينفع في نسخة لا يضرّ، ولا ينفع. قوله: (استئناف) أي بيانيّ جواب لم نهى عن الشك فقيل لأنهم كانوا كآبائهم في الشرك فسيحل بهم
ما حل بهم، وأشار إلى أنّ ما إن كانت مصدرلة فالاستثناء من مصدر
стр. 1603
مقدر، وإن كانت موصولة فمن مفعول محذوف، وما عبارة عن الأوثان، ومن ذلك بمعنى من أجل ذلك متعلق بلحق، والمراد بالأسباب الأسباب العادية، وتقدير كان لا! مقتضى الظاهر كما عبد لقوله من قبل وعدل عنه مع أنه أخصر، وأظهر للدلالة على أنه كان عادة مستمرة لهم. قوله:) حظهم من العذاب (وفيه تهكم لأن الحظ، والنصيب ما يطلب فإذا كان الرزق قعلى ظاهره، وقوله فيكون عذراً أي إنما أخر ما استوجبوه لأن لهم رزقاً مقدراً ما لم يتم لا يهلكون، ومع ما فيه من بيان سببه فيه كرم، وفضل منه حيث لم يقطع رزقهم مع ما هم عليه من عبادة غيره، وعليه فالحال مؤسسة كما قيل، وفيه نظر، وقوله ولو مجاز اتبع فيه الزمخشري، ولو أسقط ولو لكان أولى لئلا يرد عليه ما أورد من أن التوفية الإتمام لما وقع مفعولاً كلا أو بعضأ فهي على كل حال حال مؤكدة كوليتم مدبرين، وفائدتها دفع توهم التجوز، ولا يرد عليه أنه إذا لم تكن القرينة قائمة لم يبق احتمال للمجاز مع أنه اشتهر في معنى الإعطاء مطلقا، وكفى بالشهرة قرينة فتأمل. قوله تعالى:) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ (يحتمل عود الضمير إلى موسى، والى الكتاب، والظاهر الثاني من كلام المصنف ﵀ لقوله كما اختلف هؤلاء في القرآن، وقوله لقضى بينهم أي بين قوم موسى ﵊ أو قومك كما في الكشاف ويحتمل التعميم لهما لكن قوله، وان كلا ظاهر في التعميم بعد التخصيص، وقوله بإنزال ما يستحقه المبطل أي عذاب الاستئصال فلا ينافيه ما نزل باليهود، ولا بالمشركين في بدر ونحوه، وقوله ليتميز به إشارة إلى ما في معنى القضاء من الفصل، والتمييز، واعلم أنهم اختلفوا في الكلمة التي سبقت فقال ابن جرير ﵀ هي تأخيره العذاب إلى الأجل المعلوم أي القيامة، وعليه اعتمد المصنف فقول الفاضل المحشي الأظهر أن لا يقيده بيوم القيامة ليشمل ما في الدنيا غفلة عما ذكر، ولو فسرها بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٥ أ] كما قاله ابن كثير اتجه ما قاله. قوله:) وإنّ كفار قومك (أي أكثرهم، وإلا فمنهم من تيقنه، وقوله موقع في الريبة، ويجوز أن يكون من أراب صار ذا ريبة كما مرّ تحقيقه، وسيأتي في سورة سبأ. قوله:) وإن كل المختلفين الخ (قدر المضاف إليه المحذوف جمعاً لعود ضمير
الجمع إليه فليس التقدير كل واحد، وكل إذا نوّنت تنوينها عوض! عن المضاف إليه المعلوم من الكلام عند قوم من النحاة، وقيل إنه تنوين تمكين لكنه لا يمنع تقدير المضاف إليه أيضا، وقوله بالتخفيف مع الأعمال هو أحد المذهبين، والآخر أنّ المكسورة إذا خففت بطل عملها، والآية حجة عليه، واعتبار الأصل في العمل لشبه الفعل فلا يبطل مقتضاه بزوال صورة الشبه اللفظي، وكون اللام الأولى موطئة للقسم أحد ما قيل هنا، وهو منقول عن الفارسيّ رحمه الله تعالى، وتبعه الزمخشريّ، والمصنف رحمهما الله تعالى، وهو مخالف لما اشتهر عن النحاة من أنها الداخلة على شرط مقدم على جواب قسم تقدم لفظا أو تقديرا لتؤذن بأن الجوأب له نحو والله لئن أكرمتني لألزمنك، وليس ما دخلت عليه جواب القسم بل ما يأتي بعدها، وليس هذا بمتفق عليه فإن أبا علي في الحجة جعلها هنا موطئة فاللام الموطئة لا يجب دخولها على الشرط، وإنما هي ما دلت على أنّ ما بعدها صالح لأن يكون جوابا للقسم وقال الأزهري أنه مذهب الأخفش كما في الكشف، ومن لم يرتض بالمخالفة فيه قال إنها لام التأكيد الداخلة على خبر أن لا الفارقة لأنها الداخلة في خبر أن المخففة إذا أهملت لتفرق بينها، وبين النافية، وهي عاملة هنا، واحتمال إهمالها، ونصب كلا بفعل مقدر أي، وأن أرى كلا خلاف الظاهر وإن ذكره ابن الحاجب ولام ليوفينهم لام جواب القسم وما زائدة للفصل بين اللامين أو موصولة أو موصوفة واقعة على من يعقل، والقسم وجوابه صلة أو صفة والمعنى، وإن كلا للذي أو لخلق موفى جزاء عمله، ورجح هذا كثير من المفسرين. قوله:) والثانية للتأكيد أو بالعكس الخ (أراد بقوله للتأكيد أنها جواب القسم وعبر به لأنها تفيد التأكيد، وليتأتى قوله بالعكس فإنه إذا كانت الثانية موطئة كانت الأولى مؤكدة لا جوابية، وهي لام الابتداء، واعترض عليه بأنّ لام ليوفينهم لا يمكن أن تكون إلا لام
стр. 1604
جواب القسم لا موطئة على ما لا يخفى على من عرف معناها، والجواب عنه بأنّ الموطئة إذا لم يشترط دخولها عى شرط قبله قسم كما مز كان معنى التوطئة دلالتها على أن في الكلام قسماً مقدراً مدخولها جوابه ليس بشيء لأنه اصطلاج جديد فيه إطلاق الموطئة على لام الجواب، ولم يقل به أحد فلا يندفع بمثله الاعتراض. قوله: (بالتشديد على أنّ أصله لمن ما الخ (في مغني اللبيب أنه ضمعيف لأنّ حذف هذه الميم استثقالاً لم يثبت، وقال ابن الحاجب: إنها لما الجازمة التي بمعنى لم، والفعل المجزوم بها محذوف تقديره لما يهملوا، والأحسن لما يوفوا أعمالهم إلى الان، وسيوفونها لقوّة دليله وقربه، ومن هنا جوّز فيها فتح الميم على أنها موصولة، وما زائدة وكسرها على أنها الجارة، وما موصولة أو موصوفة أي لمن الذين والله ليوفينهم قاله الفراء، وجماعة وعلى الوجهين الإعلال ما ذكر، وكلام المصنف ﵀ محمول على الثاني رواية ودراية، وحمله على الأوّل تكلف إذ حمل قوله لمن الذين على فتح الميم، وجعل الذين بدل من قبل الصلة، وهو سخيف إن سلم
صحته، وقوله في التقدير لمن الذين يوفينهم بإسقاط اللام القسمية إشارة إلى أنّ الصلة في الحقيقة جواب القسم لأن القسم إنشاء لا يصلح للوصل به، ولو أبرزها كان أظهر. قوله:) وقرئ لما بالتنوين أي جميعا الخ) قال ابن جني على أنه مصدر كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا﴾ [سورة الفجر، الآية: ١٩] أي أكلا جامعاً لإجزاء المأكول، وكذا تقدير هذا ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي توفية جامعة لأعمالهم جميعاً، ومحصلة لأعمالهم تحصيلا كقولك قياماً لأقومن، والمصنف ﵀ كالزمخشري ذهب إلى أنها للتوكيد بمعنى جميعا، وقول أبي البقاء رحمة الله إنها حال من مفعول ليوفينهم ضعفه المعرب. قوله: (وإن كل لما) أي بالكسر وتشديد الميم على أنّ إن نافية، ولما بمعنى إلا وأخر هذا القول لما فيه لأنّ أبا عبيد أنكر مجيء لما بمعنى إلا وقالوا إنها لغة لهذيل لكنها لم تسمع إلا بعد القسم، وفيه كلام في الدرّ المصون، وقوله وان كل الخ معطوف على نائب فاعل قرئ قبله. قوله: (فاستقم كما أمرت) المراد منه دم على الاستقامة أنت، ومن معك وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إليه، وقوله كما أمرت يقتضي سبق أمره ﵊ بوحي آخر، ولو غير متلوّ وقد وقع في سوة الشورى فاستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم. قوله: (لما بين أمر المختلفين في التوحيد الخ (بيان لترتب هذه الآية وارتباطها بما قبلها، وما ذكره معلوم مما مرّ بالتأمّل فيه، وقوله مثل ما أمر بها أي بوحي آخر، وفي نسخة أمروا بها، والأولى أولى، وقوله وهي أي الاستقامة، والتوسط بين التشبيه، والتعطيل أي للصفات هو مذهب أهل الحق، والأعمال بالجرّ عطف على العقائد، والقيام معطوف على تبليغ، وكذا ونحوها والتفريط التقصير، والإفراد الزيادة، ومفوت صفة لهما، والمراد بالحقوق حقوق نفسه، وحقوق غيره وتفويت التفريط ظاهر، وتفويت الإفراط لأنه يؤذي إلى الملل والترك، وقوله وهي في غاية العسر أي الاستقامة يعسر على كل أحد التزامها في جميع الأمور كما قال الإمام: إنها كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل، ولا شك أنّ البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جذاً، والاستقامة في جميع أبواب العبودية أوّلها معرفة الله كما يليق بجلاله، وكذا سائر المقامات، وسائر الأخلاق على هذا فالقوّة الغضبية، والشهوانية لكل منهما طرفا إفراط، وتفريط مذمومان، والفاضل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب، والعمل به أصعب،
وقس على هذا سائرها كالشجاعة والسخاء والعفة، وهو لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله، ونفي الحول، والقوّة بالكلية، ولذا قيل لا يطيق هذا إلا من أيد بالمشاهدات القوية، والأنوار السنية، والآثار الصادقة، ثم عصم بالتشبث بالحق، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا. قوله: (ولذلك قال عليه الصلاة واللام شيبتني سورة هود) هذا الحديث أخرجه الترمذيّ ﵀ عن ابن عباس ﵄ وحسنه قال قال أبو بكر ﵁ يا رسول الله قد شبت فقال ﵊: " شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعتم يتساءلون وإذا الشسى كوّرت " اهـ قال الطيبي: صح هود في الحديث غير منصرف لأنه اسم السورة لا النبيّ صلى
стр. 1605
الله عليه وسلم ففيه العلمية، والعجمة والتأنيث فهو كماه وجور اسمي بلدتين، واضافة سورة إلى هود ليس كإضافة إنسان إلى زيد بل السورة لها اسمان هود، وسورة هود وفي هذا الاسم الثاني هود اسم النبيّ ﷺ أضيفت إليه لذكر تفصيل قصته فيها فليس من القبيل المذكور على أنّ استقباح ذلك إذا لم يكن له فائدة كما في المثال المذكور فإن أفاد حسن، وهنا هو لدفع الاشتراك فاعرفه، وقد مرّ تحقيقه، وفي الكشاف عن ابن عباس ﵄ ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية وعن بعض الصلحاء أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال له روي عنك يا رسول الله أنك قلت شيبتني هود فقال: نعم فقال ما الذي شيبك منها أقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهلاك الأمم قال: لا، ولكن قوله فاستقم كما أمرت، وقد روي هذا الحديث من طرق اختلف فيها ما ضم إليها كما في الجامع الصغير، وفي الكشف التخصيص لهود بهذه الآية غير لائح إذ ليس في الأخوات ذكر الاستقامة، وفي قوت القلوب أنه لما كان القريب الحبيب شيبه ذكر البعد، وأهله ولعل الأظهر أنه شيبه ذكر أهوال القيامة لذكرها في كلها فكأنه شاهد منها يوما يجعل الولدان شيباً، وأورد عليه أنّ ما وقع لبعض الصلحاء في الرؤية يكون وجها للتخصيص " فإنّ الشيطان لا يتمثل به ﷺ " ومعنى شيبتني ليس إلا أن يكون لها دخل في الشيب لا أن تكون مستقلة فيه فلا ممانعة (قلت الم يقع في طرقه المروية في حديث الاقتصار على هود بل ذكر أخواتها معها على اختلاف فيها، وحيحئذ يشكل أنه ليس في تلك السور الأمر المذكور مع أنه وقع في غيرها من الحواميم كما مرّ فلا يصح نسبة ذلك إليها كما لا يتضح اقتصار المصنف ﵀ كغيره على ذكرها (وقد لاج لي (بحمد الله دفع هذا الإشكال ببركته ﷺ فاعلم أنك إذا أجدت التأمّل استبان كما بينه المدقق
في الكشف أن مبني هذه السورة الكريمة على إرشاده تعالى كبرياؤه نبيه ﷺ إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها، والى ما يعتري من تصدي لهذه المرتبة السنية من الشدائد، واحتماله لما يترتب عليها في الدارين من الفوائد لا على تسليته ﷺ فإنه لا يطابق المقام فانظر إلى الخاتمة الجامعة أعني قوله واليه يرجع الأمر كله فاعبده، وتوكل عليه تقض من ذلك العجب فلما كانت هذه السورة جامعة لإرشاده من أوّل أمره إلى آخره، وهذه الآية فذلكة لها فحين إذ نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد، وخاف من عدم القيام بأعبائها حتى إذا ألقى الله في يوم الجزاء ربما مسه نصب من السؤال عنها فذكر القيامة في تلك السور يخوّفه هولها لاحتمال تفريطه فيما أرشده الله له في هذه، وهذا لا ينافي عصمته، وقربه لكونه إلا علم بالله، والا خوف منه فالخوف منها يذكره بما تضمنتة هذه السورة فكأنها هي المشيبة له مجشحر من بينها، ولذا بدئ بها في جميع الروايات ولما كانت تلك الآية فذلكة لها كانت هي المشيبة في الحقيقة فلا منافاة بين نسبة التشييب لتلك السورة، ولا لهذه السورة وحدها كما فعله المصنف ﵀، ولا لتلك الآية كما وقع في رؤية ذلك العبد الصالح فالحمد لله على التوفيق لما ألهم من هذا التحقيق، وقوله كما أمرت الكاف فيه إئا للتشبيه أو بمعنى على كما في قولهم كن كما أنت عليه أي على ما أنت عليه، وقال أبو حيان في تذكرته إن قلت كيف جاء هذا التشبيه للاستقامة بالأمر قلت هو على حذف مضاف تقديره مثل مطلوب الأمر أي مدلوله فإن قلت الاستقامة المأمور بها هي مطلوب الأمر فكيف يكون مثلاً لها قلت مطلوب الأمر كليّ والمأمور جزئي فحصلت المغايرة، وصح التشبيه كقولك صل ركعتين كما أمرت اهـ، وفيه تأمل فتدبر. قوله تعالى: ( ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ (قال أبو البقاء ﵀ أنه منصوب على أنه مفعول معه، والمعنى استقم مصاحبا لمن تاب قيل، وفيه نبوّ عن ظاهر اللفظ يعني التصريح بالمعية لكنه في المعنى أتتم، ولذا اختاره وقال غيره أنه مرفوع معطوف على الضمير المستتر في الأمر، وأغنى الفصل بالجاز، والمجرور عن تأكيده بضمير منفصل لحصول الغرض! به فهو من عطف المفردات، وقد تقدم في البقرة في قوله: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٥،
стр. 1606
أن كثيرا من النحاة اختاروا في مثله أنه مرفوع بفعل محذوف أي، وليسكن زوجك فالتقدير هنا، وليستقم من الخ لأنّ الأمر لا يرفع الظاهر فهو من عطف الجمل، والمصنف ﵀ ذهب إلى الأوّل لعدم احتياجه إلى التقدير، وما ذكروا من المحذور مدفوع بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وهو تغليب لحكم الخطاب على الغيبة في لفظ الأمر لكن التغليب فيه محتاج إلى دقة نظر وقيل من مبتدأ محذوف الخبر أي فليستقم، ولو قيل معك خبر لم يبعد. قوله:) أي تاب من الشرك والكفر وآمن معك (لما فسر التوبة بالتوبة عن الكفر ذكر لازمها ورديفها، وهو الإيمان ليتعلق به المصاحبة إذ المعنى حينئذ على ذكر مصاحبتهم له في الإيمان مطلقا من غير نظر إلى ما تقدمه، وغيره، وقد قيل في توجيه المعية أيضا يكفي الاشتراك،
والمعية في التوبة مع قطع النظر عن المتوب عنه، " وقد كان! ك! يستغفر الله في كل يوم أكثر من سبعين مرّة ". قوله: (ولا تخرجوا عما حدّ لكم) أي ما بين وشرع من حدود الله فإنّ الطغيان الخروج عن الحد. قوله: (وهو في معنى التعليل للأمر والنهي) فكأنه قيل استقيموا، ولا تطغوا لأن الله ناظر لأعمالكم مجازيكم عليها، والله ينظر إلى قلوبكم لا إلى صوركم، وقيل إنه تتميم لقوله فاستقم أي حق الاستقامة فإنه بصير لا يخفى عليه سرّكم، وعلانيتكم وما سلكه المصنف ﵀ أحسن، وأتنم فائدة. قوله: (وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص الخ (ليس فيه إنكار للقياس، والاستحسان كما توهم فإن المصنف ﵀ ليس من مذهبه إنكاره، وإنما أراد أنه لا يجوز ذلك مع وجود النصوص الصريحة التي لا احتمال فيها لغير ظاهرها لأنه أمره باتباع أوامره، وعدم تجاوزها إلى غيرها على طريق التشهي، وأعمال العقل الصرف كما نراه من بعض المؤوّلين للنصوص زاعمين أنّ لها معاني غير ما دلت عليه. قوله: (ولا تميلوا إليهم) لأنّ الركون إذا تعذى بإلى كان بمعنى الميل، ومنه الركن المستند إليه غيره لكنه ليس مطلق الميل بل الميل اليسير وأدنى الميل مفسر بما ذكره، وقوله بركونكم الباء فيه للسببية، وهو مأخوذ من الفاء الواقعة في جواب النهي لأنها تفيد تسببه عن المنهي عنه، وقوله ما يسمى ظلما إشارة إلى أنّ العدول عن الظالمين إلى هذا لدلالة الفعل على الحدوث دون الثبوت الدال عليه الوصف باعتبار أصل وضحعه، وقوله الموسومين بالظلم أي المعروفين به، وإنما يكون ذلك بكثرته ودوامه منهم، وما ذكره من المراتب إشارة إلى ما في الاية من المبالغة، ولذا قال الحسن ﵁ جمع الدين بين لاءين يشير إلى هذا كما نقل عنه جمع الزهد بين لاءين في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٢٣، ولذا قال إنها أبلغ آية في معناها. قوله:) وخطاب الرسول رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت الخ) يعني أنه أمرهم أوّلاً بالاستقامة الجامعة، ثم نهاهم عن الطغيان، وتجاوز
الحدود المأمور بها، والميل إلى من تجاوزها للتثبيت عليه، والا فقد تضمن معنى هذا النهي ما سبق من الأمر فلا يكون تكراراً فإن كان المراد بالأمر الأوّل الثبات، والدوام كما مز يكون هذا تأكيداً له، وقوله فإنه أي الزوال تكرير لأنّ السابقة للتأكيد على حد قوله فلا تحسبنهم فقوله ظلم خبر أن الأولى، ويحتمل أنه خبر الثانية، وقوله بالميل خبر الأولى، وهو أظهر، وقوله في نفسه أي بقطع النظر عن كونه على نفسه أو غيره لأنه وضع الشيء في غير محله مطلقا. قوله: (وقرئ تركنوا فتمسكم الخ) أي بكسر حرف المضارعة على لغة تركنوا، وعلى البناء للمفعول من أركنه جعله مائلا أي لا يملكم إليهم أغراضكم الفاسدة. قوله: (من أنصار يمنعون العذاب عنكم) فسره به لأنّ الوليّ له معان منها الناصر، وفسره الزمخشريّ بنفي القدرة على المنع، وهو أبلغ ولا يرد على المصنف رحمه الله تعالى أنه يفهم من نفي المنع عن غير الله إثباته له بخلاف نفي القدرة الذي في الكشاف لأن قوله ثم لا تنصرون يدفعه فعلى ما ذكره يكون الكلام أفيد وأحسن مقابلة، وقد أشار إليه المصنف بقوله، ثم لا ينصركم الله فخص النصرة المنفية فيه بالله لأنّ انتفاء نصرة غيره علمت مما قبله وقوله، ولا يبقى عليكم أي لا يرحمكم من أبقى عليه إذا رحمه وعذى بعلى لما فيه من معنى الشفقة. قوله:)
стр. 1607
وثم لاستبعاد نصره إياهم الخ) قال الزمخشري: معناها الاستبعاد لأنّ النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب، واقتضاء حكمته له، واعترض عليه بأنّ أثر الحرف إنما هو في مدخوله، ومدخول ثم عدم النصرة، وليس بمستبعد وإنما المستبعد نصرة الله لهم فالظاهر أنها للتراخي في الرتبة لأنّ عدم نصرة الله أشد وأفظع من عدم نصرة غيره، وأجيب عنه بأنه لا يبعد أن يقال فيه مضاف مقدر، والمعنى لاستبعاد ترك نصره إياهم مع الإيعاد بالعذاب، والإيجاب، وظاهر أنّ للحرف مدخلاً في بعد ترك النصر عما قبله ولا يخفى بعده، وتكلفه فالظاهر ما قيل إن ثم كما تكون لاستبعاد ما دخلت عليه تكون لاستبعاد ما تضمنه، د! ان لم يتصل به، والمعنى على أنه فكيف ينصرهم، وما ذكره المعترض! أقرب من هذا.
قوله: (ويجوز أن يكون منزلاً منزلة الفاء) أي أنه على الأوّل المقام مقام الواو، وعدل
عنها لما ذكر وعلى هذا كان الظاهر أن يؤتى بالفاء التفريعية المقارنة للنتائج إذ المعنى أنّ الله أوجب عليكم عذابه ولا مانع لكم منه فاذن أنتم لا تنصرون فعدل عنه إلى العطف بثم
الاستبعادية على الوجه السابق واستبعاد الوقوع يقتضي النفي والعدم الحاصل الآن فهو مناسب لمعنى تسبب النفي فاندفع ما قيل عليه إن الداخل على النتائج هي الفاء السببية لا الاستبعادية فتأمّل، والفرق بين الوجهين أنّ المنفيّ على الوجه الأوّل نصرة الله لهم، وعلى هذا مطلق النصرة كما أشار إليه بقوله لا ينصرون أصلاً. قوله: (غدوة وعشي الخ) النهار من طلوع الشمس إلى غروبها أو من طلوع الفجر إلى الغروب، وسيأتي وجه ذلك وقوله لأنه مضاف إليه أي إلى الظرف فيكتمسب الظرفية منه، وينتصب انتصابه كما يقال أتيت أوّل النهار وآخره، وهو ظرف لأقم، ويضعف كونه للصلاة. قوله:) وساعات منه قريبة من النهار الخ) اعلم أن العامّة قرؤوا زلفاً بضم الزاي وفتح اللام جمع زلفة كظلمة، وظلم، وقرىء بضمهما إما على أنه جمع زلفة أيضا، ولكن ضمت عينه اتباعاً لفائه أو على أنه اسم مفرد كعنق أو جمع زليف بمعنى زلفة كرغيف ورغف، وقرأ مجاهد وابن محيصن باسكان اللام إمّا بالتخفيف فيكون فيها ما تقدم أو على أنّ السكون على أصله فهو كبسرة وبسر من غير اتباع، وقرىء زلفى كحبلى بمعنى قريبة أو على إبدال الألف من التنوين اجراء للوصل مجرى الوقف، ونصبه إما على الظرفية بعطفه على طرفي النهار لأنّ المراد به الساعات أو على عطفه على الصلاة فهو مفعول به، والزلفة عند ثعلب أوّل ساعات الليل، وقال الأخفش: مطلق ساعات الليل، وأصل معناه القرب يقال ازدلف أي اقترب، ومن الليل صفة زلفا، وقوله وهو جمع زلفة أي على قراءة الجمهور بضم الزاي، وفتح اللام، وقوله قريبة من النهار إشارة إلى حذف صلته، ومن في من الليل تبعيضية، وقوله فإنه تعليل لتفسيره بما ذكره. قوله: (وصلاة الغداة صلاة الصبح لأنها الخ) شروع في تفسير الصلاة في الطرفين، والزلف بعدما بين أن طرفيه أوّله، وآخره الداخلان فيه فإن كانا غير داخلين فيه ملاصقين لأوّله وآخره فاطلاق الطرف مجاز لمجاورته له فالمراد بما وقع في طرفه الثاني صلاة العصر ولما لم يقع في طرفه الأوّل صلاة حملت على الصبح لقربها منه فيكون ما وقع في الطرفين ليس على وتيرة واحدة، وهو قول قتاد والضحاك، وعليه كلام المصنف ﵀ وقال ابن عباس ﵄ صلاة الطرفين الصبح والمغرب فهما على وتيرة واحدة، وقال أبو حيان ﵀: طرف الشيء لا بد أن يكون منه فالذي يظهر أنها الصبح والعصر فجعل أوّاط النهار الفجر. قوله: (وقيل الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشئ الخ (هذا قول مجاهد ﵀ فالمراد بما في طرفه الثاني صلاة الظهر، والعصر لأنّ ما بعد الزوال عشيّ، وطرفا النهار الغدوّ والعشيّ قيل، ومرضه المصنف ﵀ لأنه لا يلزم من اطلاق العشيّ
على ما بعد الزوال أن يكون الظهر في طرف النهار فإنّ الأمر بالإقامة في ظرفيه لا في الغداة، والعشي ورذ بأنه لما فسر طرفي النهار بالغدوّ والعشيّ دخل الظهر في العشيّ بلا شبهة إذ معنى طرفي النهار حينئذ قسماه فالسؤال إنما هو على تفسيره لا على دخول الظهر في الثاني، وارتضى بعضهم تفسير طرفي النهار بالصبح والمغرب كما رجحه الطبرقي، وزلف الليل بالعشاء، والتهجد فإنه كان واجبا عليه ﷺ فهو
стр. 1608
كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٧٩، أو الوتر على ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ أو مجموع العشاء، والوتر والتهجد كما يقتضيه جمع زلفا، وفسرها المصنف ﵀ بالمغرب والعشاء فإن قلت زلف جمع فكيف يطلق على صلاتين قلت كل ركعة منهما قربة، وصلاة فيصدق عليهما أنها قرب وصلوات، وقوله كبسر وبسر يعني أنه جمع زلفة، وقياسه الفتح، ولكن ضم للاتباع وتسكينه للتخفيف، وقد مرّ تفصيله، وقوله وزلفى أي قرىء زلفى بألف، وقد قدمناه. قوله وفي الحديث: " إنّ الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما الخ " هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهق ما اجتنبت الكبائر " واستشكله القرطبي ﵀، وقال إن حديث مسلم يقتضيه تخصيصه بالصغائر فيحمل المطلق عليه لكن في شرح الأحكام أنه يرد عليه اشكال قويّ، وهو أنّ الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر بالنص يعني قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس، وأجاب عنه البلقيني ﵀ بأنه غير وارد لأنّ المراد أن تجتنبوا في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت التكليف أو الإيمان إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم فلا تعارض بين الآية، والحديث قال ابن حجر رحمه الله تعالى، وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس فمن لم يفعلها لم يعذ مجتنبا للكبائر لأن تركها من الكبائر فيتوقف التكفير على فعلها فتأمل فيه، وقوله يكفرنها فسره به لأنها تذهب المؤاخذة عليها لأنفسها لأنها أعراض! وجدت، وانعدمت وحمل الحسنات على الصلوات المفروضة بقرينة سبب النزول فالتعريف للعهد، وقيل المراد مطلق الفرائض لرواية الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، والأحاديث في المكفرات كثيرة، وقد صنف فيها بعض المتأخرين تصنيفاً جمع فيه
بين الروايات، ووفق بينها ولولا خوف الاطالة أوردت لك زبدة ما قاله فعليك بالنظر في الكتب المفصلة في علم الحديث. قوله: (وفي سبب النزول أنّ رجلاَ أتى النبتي ﷺ الخ (رواه الشيخان وهو أنّ: " رجلاَ أتى النبئ ﷺ فقال إني أصبت من امرأة غير أتي لم آتها " أا (يريد أنه قبلها وهو مروقي عن ابن مسعود ﵁، والحاكم والبيهقيّ عن معاذ بن جبل ﵁، والرجل هو أبو اليسر بفتح الياء والسين المهملة، ثم راء مهملة واسمه عمرو بن غزية بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي الضعجمة وتشديد الياء، وهو أنصارفي صحابيئ ﵁، وقيل اسمه كعب بن مالك، وقيل كعب بن عمرو. قوله: (إشارة إلى قوله فاستقم وما بعده (بتأويل المذكور، وقيل إلى الصلاة لقربها أي إقامتها في هذه الأوقات سبب عظة وتذكرة، وقيل إلى ما في هذه السورة من الأوامر، والنواهي، وقوله للذاكرين خصهم لأنهم المنتفعون بها. قوله: (عدول عن المضمر الخ) أي لم يقل أجرهم ونحوه، والأوامر بأفعال الخير أفردت للنبيّ ﷺ ، وإن ك! انت عامّة في المعنى، وفي المنهيات جمعت للأمة، وهو من البلاغة القرآنية، وقوله كالبرهان أي اللميّ أي سبب عدم إضاعة أجرهم الإحسان، وقوله كالبرهان لأنه لم يورد بصورة الدليل أو لأنه لا علية، ولا سببية لشيء عندنا في الحقيقية، وما عدّ منه فهو من الأسباب العادية ووجه الإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص أنّ إحسان ذلك إخلاص. لقوله ﷺ : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ". قوله: (فهلا كان الخ (يشير إلى أنّ لولا هنا للتحضيض، ودخلها معنى التندّم، والتفجع عليهم مجازا، وحكي عن الخليل رحمه الله تعالى أن كل لولا في القرآن فمعناها هلا إلا التي في الصافات قال الزمخشري: وهذه الرواية تصح عنه لوقوعها في غيرها في موأضع. قوله: (من الرأي والعقل (فالبقية بمعنى الباقية، والتأنيث لمعنى الخصلة أو القطعة، وقوله أو أولو فضل فالبقية
بمعنى الفضيلة أو التاء للنقل إلى الاسمية كالذبيحة وأولو بمعنى ذوو جمع ذو من غير لفظه، ولا واحد له ويرسم بواو زائدة بعد الهمزة للفرق بينه، وبين إلى الجارّة، وقوله وإنما سمي أي الفضل أطلق عليه بقية استعارة من البقية التي
стр. 1609
يصطفيها المرء لنفسه، ويدخرها مما ينفقه فإنه يفعل ذلك بأنفسها، ولذا قيل في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا، وقوله أفضل ما يخرجه بخاء معجمة، وجيم كما في بعض النسخ، والحواشي والمراد ما ينفقه، ويصرفه لأنّ الخرج يستعمل بهذا المعنى، وفي بعضها يجرحه بجيم وحاء مهملة أي يكتسبه، وارتضى هذه بعضهم والأولى أظهر. قوله: (ويجورّ أن يكون مصدرا كالتقية الخ الأنه فعيل وفعيل يكون مصدراً، وقيل إنه اسم مصدو وهو بمعنى الابقاء أي ذوو إبقاء لأنفسهم بمعنى صيانتها عن سخط الله، ويؤيد المصدرية أنه قرىء بقية بزنة المرّة، وهو مصدر بقاء يبقيه كرماه يرميه بمعنى انتظره، وراقبه كما قاله الراغب رحمه الله تعالى وفي الحديث: " بقينا رسول الله ﷺ " أي انتظرناه وأما الذي من البقاء ضد الفناء ففعله بقي يبقى كرضي يرضى، والمعنى على هذه القراءة أصحاب مراقبة لخشية الله، وانتقامه. قوله: (ينهون عن الفساد في الأرض) الظاهر أن كان تامة، وأولو بقية فاعلها، وجملة ينهون صفته ومن القرون حال مقدمة عليه ومن تبعيضية، ومن قبلكم حال من القرون، والمعنى هلا وجد أولو بقية ناهون حال كونهم من قبلكم لا ناقصة، وخبرها ينهون لأنه يقتضي انفكاك النهي عن أولي البقية، وهو فاسد لأنهم لا يكونون إلا ناهين إلا أن يجعل من قبيل:
ولا ترى الفسب بها ينجحر
كذا قيل وقوله لأنهم كانوا كذلك أي ناهين عن الفساد يقتضي أنه جعلها ناقصة لا تامة
كما ذكره، وسيأتي ما فيه. قوله: (لكن قليلأ منهم أنجيناهم الخ) جعله سيبويه ﵀ كقوله في سورة يونس: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ﴾ [سورة يون! ، الآية: ٩٨] وقال السيرافي في شرحه لا يجوز فيه البدل وفي لو فعلت ذلك لكان أصلح لك وهذه الأشياء تجري مجرى الأمر وفعل الشرط، ولا يجوز في شيء من ذلك البدل لو قلت ليقم القوم إلا زيد لم يجز كان قام إلا زيد، وليس فيه الاستثناء الذي هو إخراج جزء من جملة هو منها. لأنّ القصد إلى قوم أطبقوا على الكفر، ولم يكن فيهم مؤمنون فقبح فعلهم، ثم ذكر قوما مؤمنين باينوا طريقتهم فمدحهم، ويجوز الرفع في قوم يونس على أن إلا بمعنى غير صفة، وكان الزجاج يجيز رفعه على البدل على لغة أهل الحجاز بتقدير فهلا كان قوم نبيّ آمنوا
إلا قوم يونس ﵊ وعلى لغة تميم، وان لم يكن من جنسه، ولعله جوّزه لأنّ المعنى ما آمنت قرية إلا قوم يونس ﵊، ولما كان التحضيض إذا دخل على ماض مشتملاً على التنديم، والنفي كان له اعتباران التحضيض والنفي فإن اعتبر التحضيض لا يكون الاستثناء متصلاً بل منقطعا لأنّ المتصل يسلب ما للمستثنى منه عن المستثنى أو يثبت له ما ليس له ففي جاءني القوم إلا زيدا المعنى أنه ما جاءني، وفي ما جاءني أحد إلا زيدا المعنى أنه جاءني، والتحضيض معناه لم ما نهوا ولا يجوز أن يقال إلا قليلاً فإنهم لا يقال لهم لم ما نهوا لفساد المعنى لأنّ القليل ناهون لأنّ معنى هذه كما في الآية الأخرى أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب هذا محصل كلامهم في منع الاتصال، وأورد عليه أنّ صحة السلب أو الاثبات بحسب اللفظ لازم في الخبر، وأما الطلب فيكون بحسب المعنى فإنك إذا قلت اضرب القوم إلا زيدا ليس المعنى على أنه ليس اضرب بل على أن القوم مأمور بضربهم إلا زيدا فإنه غير مأمور به فكذا هنا يجوز أن يقال أولو بقية محضوضون على النهي إلا قليلا فإنهم ليسوا محضوضين عليه لأنهم نهوا فالاستثناء متصل قطعا كما ذهب إليه بعض السلف فإن اعتبر معنى النفي كان متصلا وهو ظاهر لأنه يفيد أنّ القليل الناجين ناهون، وحينئذ يجورّ فيه الرفع على البدل، وهو الأفصح، والنصب على الاستثناء، وقد يدفع ما أورده با! مقتضى الاستثناء أنهم غير محضوضين، وذلك إما لكونهم نهوا أو لكونهم لا يحضون عليه لعدم توقعه منهم فأما أن يكونوا جعلوا احتمال الفساد فساداً أو ادعوا أنه هو المفهوم من السياق، ثم إن المدقق قال إن تقدير الزمخشري يشعر بأنّ ينهون خبر كان، ومن القرون خبر آخر أو حال قدمت لأنّ تحضيض أولي البقية على النهي على ذلك التقدير حتى لو جعل صفة ومن القرون خبراً كان المعنى على تنديم أولي القرون على أن لم يكن فيهم أولو بقية ناهون وإذا جعل خبراً لا يكون معنى الاستثناء ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا بل المعنى ما كان منهم أولو
стр. 1610
بقية ناهين إلا قليلا فإنهم نهوا، وهو فاسد والانقطاع على ما آثره أيضاً يفسد لما يلزمه من أن يكون أولو البقية غير ناهين لأن في التحضيض، والتنديم دلالة على نفيه عنهم فالوجه أن يؤوّل بأنّ المقصود من ذكر الاسم التمهيد للخبر فكأنه قيل لولا كان من القرون من قبلكم ناهون إلا قليلاً وفي كلامه إشارة إلى أنه لا يختلف نفي الناهين، وأولو البقية، وإنما عدل عن هذا مبالغة لأنّ أصحاب فضلهم، وبقاياهم إذا حضضوا على النهي، وندموا على تركه فهم أولى بالتحضيض، والتنديم، وفيه دلالة على أنّ أولي البقية لا يكونون إلا ناهين فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فهو كقولك:
ولا ترى الضبّ بها ينجحر
وقولك: ما كان شجعانهم يحمون الحقائق في الذمّ تريد أنه لا شجاع ولا حماية وهذا
هو الوجه الكريم الذي توجه إليه نظر الحكيم وهو المطابق لبلاغة القرآن العظيم اهـ ومن هذا
عرفت وجه جعل كان ناقصة لا تامّة لأنه ليس التحضيض على وجودهم فيهم، وليس المنفيّ ذلك أيضا بل هو على النهي فإن قلت هو صفة، والتحضيض والنفي متوجه إليها فيكون مطابقا للمرام فقد زدت في الطنبور نغمة من غير طرب، ومثله نصب. قوله: (لكن قليلاً منهم أنجيناهم الخ (قدر الانجاء بعده لمقتضى قوله ممن أنجينا، وقدره الزمخشري نهوا لتلازمهما، ولا فرق بينهما وهو نظر إلى ما قبله، والمصنف لما بعده لظهوره في الانقطاع. قوله: (ولا يصح اتصاله الخ الفساد المعنى كما سمعته مع ماله وما عليه، وقوله إلا إذا جعل استثناء من النفي قيل المعنى ما وجد منهم أولو بقية ينهون إلا قليلا ممن أنجيناهم، وهم أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو ما كانوا ينهون إلا قليلاً منهم والثاني فاسد، وقد أوّله في الشكف بما مرّ، وحمل كان على التامة مغن عن هذه التكلفات، ومصحح للمراد اهـ، وقد عرفت أنه لا يسمن ولا يغني من جوع، وأنه ناشىء من قلة التدبر ومن بيانية أو تبعيضية. قوله: (ما أنعموا فيه من الشهوات الخ (أي ما صاروا منعمين فيه لأنّ حقيقة الترف التنعم، وتفسيره بطغوا فيه من أترفته النعم إذا أطغته ففي إما سببية أو ظرفية مجازية خلاف المشهور وان صح هنا لكن الأوّل أولى، وأشمل وجعل اتباعه كناية عن الاهتمام به، وترك غيره لأنه دأب التابع للأمر. قوله: (وكانوا مجرمين كافرين) فسره به لأن الكفر أعظم الإجرام، ولأنه الذي يحصل به الفائدة مع ما قبله، وفشو الظلم شيوعه مأخوذ من إسناد الظلم إلى الجميع، واتباع الهوى هو اتباع ما أترفوا فيه، وترك النهي عن المنكرات مأخوذ من مقابلتهم للناهين، والكفر من الأجرام لتفسيره به. قوله: (واتبع معطوف على مضمر دل عليه الكلام إذ المعنى فلم ينهوا عن الفساد واتبع الخ (المضمر بمعنى المقدر، وهو ما أشار إليه بقوله لم ينهوا فعليه يكون بيانا لحال من ترك النهي بعد ذكر الناهين، وعدل عن تقديره نهوا كما في الكشاف، وان لم يرد عليه ما ورد عليه كما توهم لأنه نثأ من جعله خبرا على الانقطاع، والمنصف ﵀ لم يقدره بل قدر أنجيناهم كما سمعته، ولا وجه لما قيل إنه على تقديره لا يرتبط الكلام بما قبله، ولذا عدل عنه لأنه على تقديره المعنى لكن قليلا نهوا عنه فهم نهوا، وغيرهم انهمك في هواه، وترك ما سواه فلذا عذبوا وأفي ارتباط أحسن من هذا، أو إنما اختاره لأنه أكثر فائدة وأحسن مقابلة، والذي ورد على الكشاف أنه قدر نهوا خبر لكن فلا يصح عطفه عليه لخلوّه من الربط ودفع بما فصل في شروحه، وليس لنا به حاجة لترك المصنف ﵀ له. قوله:) وكانوا مجرمين عطف على
على اتبع الخ) مع المغايرة بينهما، وليس العطف تفسيريا والمعنى، وكانوا مجرمين بذلك الاتباع كما في الكشاف لتكلفه، ولذا ترك عطفه على أترفوا المذكور فيه، وجعله اعتراضاً بناء على أنه يكون في آخر الكلام عند أهل المعاني. قوله:) وقرىء وأتبع الخ) هي قراءة أبي عمرو ﵀ في رواية وأبي جعفر أي بضم الهمزة المقطوعة وسكون التاء وكسر الباء على البناء للمفعول من الأتباع، ولا بد حينئذ من تقدير مضاف أي أتبعوا جزاء ما أترفوا فيه وما موصولة بمعنى الذي وهو الظاهر لعود الضمير في فيه إليه، ويجوز أن تكون مصدربة أي جزاء أترافهم فالضمير للظلم المعلوم منه، وقوله فتكون الواو للحال إذا جعل حالاً يكون المعنى إلا قليلاً أنجيناهم، وقد هلك سائرهم، وقد كانوا مجرمين، ولا يحسن جعله
стр. 1611
قيداً للإنجاء إلا من حيث إنه يجري مجرى العلة لا هلاك السائر فيكون اعتراضا أو حالاً من الذين ظلموا والأوّل حال من مفعول أنجينا المقدر أما لو جعل عطفاً على مقدر فحسن، ولا يخفى أنه يجوز كون الواو عاطفة على لم ينهوا المقدر، وإذا فسرت به المشهورة فقيل فاعل اتبع ما أترفوا، والكلام على القلب ثم الواو وللعطف أو للحال أيضا. قوله: (ويعضده تقدّم الانجاء (لأنّ تقدم الانجاء للناهين يناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا كأنه قيل، وأنجينا القليل، واتبع الذين ظلموا جزاءهم فهلكوا فيحسن التقابل حينئذ لكون وصول الجزاء إلى الكثير في مقابلة انجاء القليل، ولا يفتقر إلى تقدير معطوف عليه حينئذ لأنّ الواو حالية. قوله: (بشرك (فسر الظلم به لوروده بهذا المعنى في القرآن، ولاقتضاء المقام، ولذا ترك ابقاءه على ظاهره المذكور في الكشاف، والباء للسببية. قوله: الا يضمون إلى شركهم التفسير الظلم به والتباغي تفاعل من البغي، وقوله وذلك إشارة إلى ما ذكر من عدم اهلاكهم بكفرهم، وقوله ومن ذلك أي من أجل مسامحة الله في حقوقه قال الفقهاء إنه إذا اجتمع حق الله وحق العبد في شيء قدم حق العبد على حق الله، وهو مبين في الفقه، وقوله وقبل معطوف على قدم، وهو ظاهر. قوله: (قدم الفقهاء) أي لأجل أن الله مسامح في حقه كالشرك هنا إذ لم يعجل عقوبته، ولم يسامح في حقوق العباد كظلم بعضهم لبعض قدم الفقهاء الخ. والمراد أنهم قدموها في الجملة عليه ما لم يمنع منه مانع فلا يرد عليه أنهم قالوا إذا اجتمع حق الله كالزكاة ودين الناس على حيّ غير محجور عليه يقدم حق الله لقوله ﷺ : " دين الله أحق أن يقضى " وهو متفق عليه، وإن كان
محجوراً قدم دين إلا دميّ على حقه تعالى ما دام حياً، وكذا إذا اجتمعا في تركة ميت كما بين في أوّل الفرائض. قوله تعالى: ( ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (قيل إنّ الآية ترجع إلى قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم، وهو مركب من مقدمتين طويت الثانية منهما، وقوله: وأنّ ما أراده يجب وقوعه هو مفهوم المقدّمة المذكورة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد نتيجة القياس، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إليه، وقوله على أن الأمر غير الإرادة لازم النتيجة بعد ضم مقدمة أخرى هي أنّ الكل مأمور بالإيمان، وكل منهما ناع على المعتزلة المخالفين في ذلك، ولما رأوها ظاهرة في رذ ما قالوه جعلوا الارادة قسمين الجائي قسرية، وغيرها فحملوا المنفية على الأولى فتدبره. قوله:) مسلمين كلهم (يعني أنّ الوحدة المراد بها وحدة في الدين بمقتضى المقام وقوله، ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، وقوله مسلمين كلهم تفسير للأمّة الواحدة بدل أو عطف بيان وكلهم تأكيد للضمير المستتر فيه، وليس المراد بالإسلام ما يخص هذه الأمّة. قوله:) وهو دليل ظاهر على أن الأمر غير الارادة (أما الأوّل فلأنه أمر الكل بالإسلام، وقال هنا أنه لم يرده، ولو أراده لوقع، والمعتزلة يقولون إنّ الأمر هو الإرادة بعينها عند بعضهم، وانّ الارادة تتخلف عن المراد فأوّلوا هذه الارادة بإرادة القسر كما في الكشاف، وأما الآخران فظاهران، وهذه الآية لا تخالف قوله، وما كان الناس إلا أمّة واحدة لما مرّ في تفسيرهما، ولأنه ليس المراد هنا لجعل كل فرق منهم فتأمّل. قوله: (بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل) حمل الاختلاف على ما يشمل اختلاف العقائد، والفروع وغيرهما من أمور الدين لعدم ما يدل على الخصوص في النظم فالاستثناء منقطع حيث لم يخرج من ﵀ من المختلفين لاختلافهم في غير العقائد فلو قال لكن ناسأ هداهم الله من فضله اتفقوا كان أظهر في مراده، ولو حمل الاختلاف على ما يخص الأصول كان الاستثناء متصلا، وقوله مطلقا يأبى حمله عليه فمن قال لا وجه للانقطاع لم يقف على الداعي له، وقوله: على ما هو أصول دين الحق حمله عليه لأنّ اختلاف الفروع للمجتهدين لا يمنع الرحمة بل هو رحمة. قوله: (إن كان الضمير للناس فالإشارة إلى الاختلاف) في المشار إليه أقوال كثيرة أظهرها أنه للاختلاف الداذ عليه مختلفين فالضمير حينئذ للناس أي لثمرة الاختلاف من كون فريق في الجنة، وفريق في السعير خلقهم، واللام لام العاقبة، والصيرورة لأنّ حكمة خلقهم ليس هذا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية:
٥٦] ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم عليه أو الاشارة له وللرحمة المفهومة
стр. 1612
من رحم لتأويلها بأن، والفعل أو كونها بمعنى الخير، وتكون الاشارة لاثنين كما في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٨] ذلك والمراد لاختلاف الجميع، ورحمة بعضهم خلقهم، وهذا معزوّ إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وان كان الضمير لمن فالإشارة للرحمة بالتأويل السابق.
قوله: (وعيد) وفي نسخة وعيده فيكون بيانا لأنها مجاز عن الوعيد وإن قيل إنه يجوز أنه حقيقة بإرادة الكلمة الملقاة للملائكة عليهم الصلاة والسلام، والكلمة بمعناها اللغويّ، وهو الكلام. قوله: (من عصاتهما أجمعين أو منهما أجمعين لا من أحدهما) إشارة إلى دفع ما يسأل عنه في هذه الآية، وآية السجدة: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٣] كما قال بعض المتأخرين إنّ ظاهرها يقتضي دخول جميع الفريقين جهنم، وخلافه متفق عليه قال وأجاب عنه بعض المفسرين بأن ذلك لا يقتضي دخول الكل بل بقدر ما تملأ به جهنم كما إذا قلت ملأت الكيس من الدراهم لا يقتضي دخول جميع الدراهم في الكيس، ولا يخفى ما فيه فإنه نظير أن تقول ملأت الكيس من جميع الدراهم، وهو يقتضي دخول جميع الدراهم فيه، والسؤال عليه كما في الآية باق بحاله، والحق في الجواب أن يقال المراد بلفظ أجمعين تعميم الأصناف، وذلك لا يقتضي دخول جميع الأفراد كما إذا قلت ملأت الجراب من جميع أصناف الطعام فإنه لا يقتضي ذلك إلا أن يكون فيه شيء من كل صنف من الأصناف لا أن يكون فيه جميع أفراد الطعام كقولك امتلأ المجلس من جميع أصناف الناس لا يقتضي أن يكون في المجلس جميع أفراد الناس بل يكون فيه من كل صنف فرد، وهو ظاهر، وعلى هذا تظهر فائدة لفظ أجمعين إذ فيه ردّ على اليهود، وغيرهم ممن زعم أنه لا يدخل النار اهـ، وإنما أوردت هذا مع طول ذيله لتعلم، وجازة كلام المصنف رحمه الله تعالى، ودقته إذ جمع سؤاله، وجوابه في كلمتين، وقد اعتنى بهذا البحث فضلاء العجم حتى إنّ بعضهم كتب عليه ما لو أوردته لقضيت منه العجب، وحاصل كلام المصنف رحمه الله تعالى أنّ المراد بالجنة، والناس أمّا عصاتهما على أنّ التعريف للعهد، والقرينة عقلية لما علم من الشرع أنّ العذاب مخصوص بهم، وأنّ الوعيد ليس إلا لهم، ولا حاجة إلى تقدير مضاف كما قيل فأجمعين حينئذ ظاهر فإن لم يحمل على العهد، وأبقى على إطلاقه ففائدة التأكيد بيان أنّ ملء جهنم من الصنفين لا من أحدهما فقط، ويكون الداخلوها منهما مسكوتا عنه موكولاً إلى علمه تعالى، وما ذكره المجيب وجه آخر لكن دخول كل صنف غير معلوم، وكذا المراد بالصنف، وهو إما مجاز في اللفظ أو بالنقص وعلى كل حال فأجمعين لا يلائمه وأمّا قول النحاة أنّ أجمعين لا يجوز أن يكون تأكيداً للمثنى فهو إذا كان مثنى حقيقة لا إذا كان كل فرد منه جمعا فانه حينئذ تأكيد للجمع في الحقيقة فلا يرد عليه ما ذكر كما قيل، ولذا قيل إنه لتأكيد
النوعين لئلا يختص الحكم بأحدهما، ولا يلزم دخول جميع العصاة فيها إذ ما من عام إلا وقد خص فهو مقيد بقيد مقدر، وهو مما قدر الله أن يدخلها فتأمّل. قوله: (وكل نبا) إشارة إلى أنّ التنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف وقوله تخبرك به تفسير له، وأشارة إلى أنّ كلا مفعول به، ومن أنباء الرسل صفة للمضاف إليه المحذوف لا لكلا لأنها لا توصف في الفصيح كما في إيضاح المفصل، ومن تبعيضية، وقيل بيانية. قوله: (بيان لكلا) أي عطف بيان فالمعنى هو ما نثبت الخ. أو بدل كل أو بعض، وقوله أو مفعول أي ما مفعول به لنقص وكلا منصوب حينئذ على المصدرية أي كل نوع من أنواع الاقتصاص أي اقتصاصا متنوّعا، وجعله عطف بيان تبعا للزمخشري في عدم اشتراط توافقهما تعريفا وتنكيراً فلا يرد عليه الاعتراض به حتى يتكلف له ويقال مراده أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ما نثبت والجملة مفسرة فالبيان البيان المعنوي لا النحوي. قوله: (ما هو حق) أوله بما ذكر ليتناسب المعطوف، والمعطوف عليه، وقيل جعلها اسماً موصولأ لا حرف تعريف ليحصل الانتظام بينه وبين معطوفيه، وفيه نظر، ولا بدّ من بيان وجه يفسره بما ذكره ونكتة للاختلاف تعريفا وتنكيراً فالظاهر أن يقال إنما عرفه لأنّ المراد منه ما يختص بالنبيّ رسول الله ﷺ من ارشاده وتسليته بما هو معروف معهود عنده فلذا عرف بحرف التعريف، وأمّا الموعظة والتذكر فأمر عامّ لم ينظر فيه لخصوصية ففرق بين الوصفين للفرق بين موصوفاتهما، وفي كلام المصنف رحمه
стр. 1613
الله تعالى إشارة إليه، ويشهد له تخصيصه بهذه السورة لأنّ مبناها على إرشاده كما مرّ فما قيل أن تخصيصها للتشريف لأنه جاءه في غيرها فيه نظر، وقوله على حالكم قد مز تحقيقه في تفسير المكانة، وقوله الدوائر أي وقوع الدوائر، وهي ما يخاف ويكره كقوله: ﴿نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٥٢،. قوله: (خاصة لا يخفى عليه خافية) هو بيان لمعنى اللام والاختصاص المستفاد منها ومن التقديم، وكونه لا يخفى عليه خافية من عموم المصدر المضاف فإنه من طرق العموم فأفاد أنه يعلم كا! غيب، وأنه لا يعلم ذلك سواه، وقيا! إنه إذا علم غيبا علم ما سواه إذ لأفاوق، وقوله مما فيهما قيل إشه إشارة إلى أن الاضافة على معنى في. قوله:) فيرجع لا محالة الخ (فهي كلمة جامعة دخا
فيها تسليته ﷺ وتهديد الكفار بالانتقام منهم دخولاً أوليا. قوله: (وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه) أي التوكل إنما ينفع العابد لأنّ تقدّمه في الذكر يشعر بتقدمه في الرتبة أو الوقوع. قوله: (أنت وهم) قيل هو ظاهر في بيان إنّ الاية! ت قبيل التغليب فيكون تفسيره مبنيا على قراءة تعملون بتاء الخطاب الفوقية فلا يناسبه قوله، وقرأ نافع، وابن عامر وحفص الخ الموجود في بعض النسخ، ولذا قيل إنّ الأصح إسقاطه، وليس بشيء لأنه فسره على القراءة المختارة ثم ذكر أنها قرنت بالوجهين فأفي محذور في التصريح بما علم ضمناً. قوله: (من قرأ سورة هود الخ) قد مرّ أنّ هود ممنوع من الصرف في اسم السورة، وأنّ الرواية عليه وهذا الحديث رواه ابن مردويه، والواحدي عن أبيّ ﵁، وهو موضوع كما ذكره ابن الجوزي في موضوعاته (إلى هنا انتهى) ما أردنا تعليقه على سورة هود بمن من بيده الكرم والجود يسر الله تعالى اتمام ما أردناه، ووفقنا لفهم معاني كلامه على ما يحبه ويرضاه، وأفضل صلاة وسلام على أفضل أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأحبائه ما مشت الأقلام على الطروس لخدمة كتابه وسمع صريرها طربا بلذيذ خطابه آمين.
سورة يوسف ﵇
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية) وقيل إلا ثلاث آيات من أوّلها، ولما ختمت السورة التي قبلها بقوله:
﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ﴾ ذكرت هذه بعدها لأنها من أنبائهم، وقد ذكر أوّلاً ما لقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قومهم، وذكر في هذه ما لقي يوسف من اخوته ليعلم ما قاسوه من أذى الأجانب والأقارب فبينهما أتمّ المناسبة، والمقصود تسلية النبيّ رسول الله ﷺ بما لاقاه من أذى القريب والبعيد. قوله: (مائة وإحدى عشرة) قال الداني بالاتفاق. قوله: (تلك إشارة إلى آيات السورة وهي المراثة بالكتاب (لم يتعرّض للمراد بالر اعتمادا على ما فصله في أوّل البقرة مع ما فيه من الإشارة إلى أنها حروف مسرودة على نمط التعديد لأنها لو كانت أسماء للسورة لصرّج بأنها المشار إليها وحينئذ فالاشارة إلى ما بعده لتنزيله لكونه مترقباً منزلة المتقدم أو جعل حضوره في الذهن بمنزلة الوجود الخارجي كما في قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٧٨] والاشارة إلى ما في اللوج بعيد، والاشارة بما يشار به للبعيد أمّا على الثاني فلأنه لما لم يكن محسوسا نزل منزلة البعيد لبعده عن حيز الاشارة أو لعظمه، وبعد مرتبته، وعلى غيره لذلك أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار كالمتباعد، وقد مرّ تفصيله:
والحر تكفيه الاشارة
وقوله وهي المرادة بالكتاب أي المراد به السورة لأنه بمعنى المكتوب فيطلق عليها، ولم
يذكر أنّ المراد بها القرآن كما في سورة الرعد اكتفاء بالظاهر، ولايهامه أنها جميع آياته، وليس القصد إليه مبالغة، والقرينة لا تدفع الايهام ولا ينافيه تلك آيات القرآن في النمل لأنّ القرآن يطلق على بعضه كما صرّح به المصنف رحمه الله تعالى فالاعتراض به غفلة عنه، ثم إن فائدة الأخبار حينئذ تقييدها بالصفة المذكورة بعدها، وهي المبين كما أشار له بقوله الظاهر الخ فتأمّل. قوله: أالظاهر أمرها في الاعجاز) بشير إلى أنّ المبين من أبان، وهو يكون لازماً بمعنى
ظهر، ومتعدياً بمعنى أظهر فعلى أخذه من الأوّل المراد الظاهر أمرها واعجازها فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع، واستتر وعلى الثاني المفعول لمبين مقدر، وهو أنها من عند الله
стр. 1614
أو ما سأله عنه أليهود، وقيل إنه على الأوّل من الاسناد المجازي، ولا تقدير فيه لما يلزمه من حذف الفاعل وهو وهم لأن مثله لا يعد حذفا لوجود ما قام مقامه، وعلى الثاني الاسناد المجازي، وتبيينها أنها من عند الله لأنها تحمل من تدبرها على ذلك أفلا يتدبرون القرآن فالوجوه أربعة، ووجه ترتبها أنّ المقصود اعجازه فلذا قدم الأوّل من وجهي اللزوم والتعدّي وان دلّ الآخر عليه بالأخبار عن الغيب، وقوله في الاعجاز قيل إنه أصاب حيث لم يضف الاعجاز إلى العرب كما في الكشاف، ولا يخفى أن المتحدي هم، والاعجاز بالنسبة إليهم فلا محذور في الاضافة. قوله: (أي الكتاب) السابق ذكره وقيل خبر يوسف ﵊، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أظهر، وقوله سمي البعض قراناً أي أطلق على البعض، وهو هذه السورة القرآن الذي هو عبارة عن مجموع السور بحسب الظاهر المتبادر لأنّ القرآن اسم جنس يشمل القليل، والكثير فكما يطلق على الكل يطلق على البعض لكنه غلب على الكل عند الاطلاق معرفا لتبادره منه، وهل وصل بالغلبة إلى حذ العلمية أو لا ذهب المصنف رحمه الله تعالى إلى الأوّل فيلزمه الألف، واللام ومع ذلك لم يهجر المعنى الأؤل، وما وقع في كتب الأصل من أنه وضع تارة للكل خاصة، وتارة لما يعمّ الكل والبعض أعني الكلام المنقول في المصحف تواتراً فافيه نظر لأن الغلبة ليس لها وضع ثان، وإنما هي تخصيص لبعض أفراد الموضوع له، ولذا لزمته اللام أو الإضافة إلا أن يدعي أن فيها وضعا تقديريا. قوله: (ونصبه على الحال الخ) محصله أنه إما حال بعده حال أو قرآنا بمعنى مقروء فيه ضمير مستتر، وعربياً حال من الضمير المستتر فهي متداخلة أو قرآنا حال، وعربياً صفته، وحينئذ فهي إما موطئة أو غير موطئة لأنها إن أبقيت على جمودها من غير تأويل بالمشتق موطئة لأن المقصود بالحالية وصفها إذ هي لا تبين هيئة، وان أوّلت به فغير موطئة لأن معنى التوطئة أنها تبين أن ما بعدها هو المقصود بالحالية لا أنها حال موصوفة لعدم دلالتها على الهيئة، ولذا عرف النحاة الحال الموطئة بأنها الجامدة الموصوفة نحو: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية: ١٧] ومعنى قوله في نفسه بقطع النظر عما بعده، وعن تأويله بالمشتق، وقوله بمعنى مفعول أي مقروء ومجموع وقيل قرآنا بدل من الضمير وعربيأ صفته. قوله:) علة لائزاله بهذه الصفة الخ (أي حكمة له بمنزلة العلة لأنّ أفعاله لا تعلل بالأغراض أو مستعملأ استعمال العلة
لأنّ لعل تستعمل بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة التبعية كما مرّ في البقرة، وجعلها للرجاء من جانبهم لا يناسب المقام، وان كان جائزاً كما قيل، وقوله مجموعا أو مقروء بيان لمحصل المعنى، ويتحمل أن يكون إشارة إلى ترجيح جعله قرآنا حالاً غير موطئة، وقوله كي تفهموه، وتحيطوا بمعانيه منالسب لتفسير المبين الثاني، والرابع وتستعملوا فيه عقولكم ملائم للثالث، ولكنه لا يختص! بشيء منها حتى يكون تأكيدا وقوله اقتصاصه أي الكتاب كذلك معجزة من معجزاته بئ لاخباره بالمغيبات. قوله:) أحسن الاقتصاص الخ (فيه وجهان أحدهما أن يكون مفعولاً به لنقص إن كان القصص مصدرا بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق أو صف مشبهة على فعل كقبض، ونقض بمعنى مقبوض ومنقوض! أي نقص عليك أحسن الأشياء المقصوصة، والثاني أن يكون منصوبا على المصدر لاضافته إلى المصدر أو لكونه في الأصل صفة مصدر أي قصصا أحسن القصص، ومفعوله محذوف أي نقص ما سيذكر أحسن قصص! أو هذا القرآن، والى الوجهين أشار المصنف رحمه الله تعالى لكنه ترك احتمال كونه مصدرا بمعنى مفعول قيل، وقوله أحسن ما يقص إشارة إلى أنّ اللام حينئذ موصولة ليصح وقوعه مضافا إليه فتأقل. قوله: الاشتماله على العجائب الخ) يعني أنه أحسن في بابه لأنه ليس أحسن من قصة النبيّ رسول الله ﷺ لكنه أحسن في سمته لاشتماله على سير الملوك والمماليك، ومكر النساء، والصبر على أذى الأقارب والعفو بعد الاقتدار، وغير ذلك مما يعرفه من وقف على معاني السورة، وأصل معنى القص اتباع الأثر، ومنه قص الحديث لأنه يذكره ويتبع ما وقع فيه ومعانيه دائرة عليه ومثله التلاوة أصلها الاتباع وقوله بايحائنا إشارة إلى أنّ ما مصدرية، والباء سببية. قوله: (ويجورّ أن يجعل هذا مفعول نقصى الخ) أي كما يجوز جعله مفعول أوحينا على أنّ مفعول نقص أحسن القصص أو محذوف بناء على المذهبين في التنازع
стр. 1615
إذ هذا منه إذا لم يكن أحسن القصص! مفعولأ واخضار أعمال الثاني ترجيحا للقول به، ولأنّ تعلق الوحي به أظهر من تعلق القصص باعتبار ما اشتمل عليه، ويجوز تنزيل أحد الفعلين منزلة اللازم. قوله: (لم تخطر بيالك الخ) أسقط تفسير الزمسخثرفي له بقوله من الجاهلين به لأنه دمان كان مراداً وقد عبر الله بالغافلين توقير النبي ﷺ بل لم يسمه غافلا بل نسب الغفلة إلى من هو بين أظهرهم فما بال مثله يترك الأدب، والتبرّك بأخلاق الله لكن لكل جواد كبوة، وليس لنا حاجة إلى ذكر ما اعتذر
به فإنه يكفيك من شرّ سماعه. قوله: (وهو تعليل لكونه موحى) أي أوحي إليك لأنه لم يخطر ببالك، ولم يطرق سمعك الكريم تفصيله لكن الأكثر فيما يرد للتعليل ترك العطف. قوله: (بدل من أحسن القصص الخ) فهو بدل اشتمال لاشتمال المظرف على المظروف، ولم يجوّز البدلية على المصدرية لأنّ المقصوص هو الواقع في ذلك الوقت لا الاقتصاص على النبيّ ﷺ وهو ظاهر فالمانع فيه عدم صحة المعنى، وقيل المانع بحسب العربي لأنّ أحسن الاقتصاص مصدر فلو كان بدلاً، وهو المقصود بالنسبة لكان مصدراً أيضاً، وهو غير جائز لعدم صحة تأويله بالفعل، وأورد على التعليل الأوّل أنه وان لم يشتمل الوقت على الاقتصاص فهو مشتمل على المقصوص فلم لم تجز البدلية لهذه الملابسة ورذ بأن مطلق الملابسة لا يصحح الابدال، والا لصح إبدال كل شيء بل المراد بالملابسة أن يكون البدل صفة للمبدل منه كأعجبني زيد حسنه أو يحصل بحسبه صفة له كسلب زيد ثوبه، وأعجبني عمر، وسلطانه لحصول صفة المالكية، والملابسة والوقت لا ملابسة فيه للاقتصاص بهذا المعنى اهـ، والذي حزره النحاة بعد الخلاف في أنّ المشتمل الأوّل أو الثاني أو العامل أنه لا يكتفي بهذا القدر بل التحقيق ما قاله نجم الأئمة الرضي أنّ الاشتمال ليس كاشتمال الظرف على المظروف بل لكونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضيا له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر الأوّل متشوّقة إلى الثاني منتظرة له فيجيء الثاني مبيناً لما أحمل فيه فإن لم يكن كذلك يكن بدل غلط فالوجه أن يقال في عدم صحته أنّ النفس إنما نتشوّق لذكر وقت الشيء لا لذكر وقت لازمه فلذا لم يصح جعله بدلاً من الاقتصاص لأنّ الملابسة بينه وبين وقته، وهذا ليس وقتا له فلو أبدل منه فسد المعنى، وأمّا توجيهه بأنه لو أبدل لكان مصدراً فليس بصحيح أيضاً لأنّ المصدر كما يكون ظرفاً نحو أتيتك طلوع الشمس يكون الظرف أيضا مصدراً ومفعولاً مطلقاً لسدّه مسد المصدر كما في قوله:
ألم تغتمض عيناك ليل أرمدا
فانهم صرّحوا كما في التسهيل وشروحه أنّ ليلة مفعول مطلق أي اغتماض ليلة أرمد فما
ذكره من حديث الفعل من الأوهام الفارغة نعم إذا ناب عن المصدر ففي كونه بدل اشتماله شبهة، وهو شيء آخر غير ما ذكر. قوله: (وبقي هنا بحث) في كلام الرضي لعل النوبة تفضي إليه. قوله: (بدل الاشتمال) زاد في الكشاف لأن الوقت مشتمل على القصص، وهو المقصوص فإذا قص وقته فقد قص فقيل إنه جوإب سؤال وهو أنه إذا كان بدلاً من المفعول به يكون الوقت مقصوصا، ولا معنى له فأجاب بأن المراد لازمه وهو اقتصاص قول يوسف ﵊ فإن اقتصاص وقت القول ملزوم لاقتصاص القول لكنه أورد عليه أن يكون بدل بعض أو كل لا اشتمال وليس كما قال وإنما يلزم ما ذكر لو كان الوقت بمعنى القول وهو إمّا
عبن المقصوص أو بعضه أمّا لو بقي على معناه وجعل مقصوصا باعتبار ما فيه فلا يرد ما ذكره فتأئل، وقوله منصوب بناء على تصرّفه، وذكر الوقت كناية عن ذكر ما حدث فيه وقيل إنه منصوب يقال يا بنيّ. قوله: (ويوسف عبريّ الخ) أي أنه علم أعجمي إذ العجمة ما عدا العربية ولو لم يكن عبرانياً انصرف لأنه ليس فيه غير العلمية، وليس فيه وزن الفعل للقراءة المشهورة، وهي ضم الياء والسين فإنها تأباه إذ ليس لنا فعل مضارع مضموم الأوّل، والثالث ومثله يون! ، والتلعب كثرة التغيير فيه شبه بالكرة ونحوها مما يلعب به فتتداوله الأيدي ولذا قالوا: أعجمي فالعب به ما شئتا
وقوله من آسف بالمد أصله " سف فأبدلت المدة الثانية ألفاً يعني أنه يكون من الأفعال
لضم الياء، وهذا على تسليم عربيته لشبهة أنه يتأسف عليه لقوله يا أسفا على يوسف، وفي الصحاح يقفر بضم الياء علم ينصرف لأنه قد زال عنه
следующие страницы →