Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
أي شيء أنزله ربكم فإذا نصبت فمعنى أساطير الأوّلين ما تدعون نزوله أساطير الأولين، وإذا رفعت فالمعنى المنزل أساطير الأولين كقوله: ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٩] فيمن رفع اهـ، وقد خفي تغاير التقديرين والفرق بين الوجهين على بعض النحاة تبعا لصاحب التقريب حيث قال: إنه لا يتعين للتقدير في أحدهما بما فيه صورة فعل، وهو ما تدعون، وفي الآخر بالمنزل، وأيضاً لم خالف بين لفظي الدعوى، والإنزال في التقديرين مع أنه حمل الإنزال على السخرية، ثم ذكر جوابا لم يرضوه، ونسبه بعضهم في هذا الكلام إلى ارتكاب هجنة لا تليق بالمقام ولم يلتفت شراحه إلى نقله لأنه غث، وسمين نشأ من عدم تحقيق مرامه إذا سمعت هذا:
فاعلم أنّ ماذا فيه وجهان
أحدهما: أن يكون ما اسم استفهام وذا اسم موصول بمعنى الذي وتقديره أيّ شيء الذي
الخ والمطابق حيئذ في جوابه الرفع ليطابق الجواب السؤال في كون كل منهما جملة اسمية. والثاني: أن يكون ماذا اسما واحدا مركبا للاستفهام بمعنى أيّ شيء محله النصب فينصب جوابه ليطابقه في الجملة الفعلية، ولذا قيل إنه كان مرفوعا هنا وجب تقديره بالذي لأنه لو قدر بأفي شيء وجب نصبه لعدم العائد، والأصل عدم التقدير فهو حينئذ مفعول لا محالة، وقوله وعلى هذا لا بد من إرادة الذي في كلامه حتى يكون التقدير أيّ شيء الذي أنزله ربكم كأنه من سهو الناسخ.
وإذا قيل للكفار أي شيء أنزله ربكم لم يكن جوابهم إلا ما أنزل من شيء، وما تدعون إنزاله أساطير الأوّلين لأنهم لا يقرّون بإنزاله من الله، ولذا لم يقرأ أساطير بالنصب في المشهور، وإن قرىء به شاذاً كما ذكره العرب فلا وجه لإنكاره أما إذا قيل لهم أفي شيء الذي أنزل ربكم فالإنزال لما جعل صلة كان ثابتا عند السامع فجوابهم المنزل أساطير الأولين لكن إثباتهم الإنزال لا يكون إلا على سبيل السخرية كما سيأتي، وهذا هو الذي أوجب اختلاف التقدير في الجواب بحسب الإعراب، وقد ارتكبوا هنا تعسفات تنبىء عن سبق، وهم أو سوء فهم، ولا يخفى أن هذا لا يدفع السؤال فالظاهر أن الذي يرفع نقاب الشبهة هنا قول المدتق طيب الله ثراه إن ما ذكر إيضاج، والا فالمعنى ما الذي كما هو متفق عليه، والفرق بين التقديرين أنّ المنصوب وإن دلّ على ثبوت أصل الفعل، وإن السؤال إنما هو عن المفعول
متقاعد عن دلالة المرفوع لأن الصلة من حقها أن تكون معلومة للمخاطب، وأنّ الحكم معلوم عنده، وعلى التقديرين لم يطابق الجواب كما أشار إليه فيما سيأتي، وإنما قدر ما يدعون في النصب لأنّ السائل لم يعتقد علمهم بالإنزال بل سأل عما سمع نزوله في الجملة، فيكفي في رذه إلى الصواب ادعاء نزول الأساطير.
وأمّا على تقدير الرفع فلما دل على تحقق الإنزال فإنه مسلم عندهم، وإنما السؤال عن تعيين المنزل أجيب بأنّ ذللة المحقق عندك أساطير تهكما إذ من المعلوم أن المنزل لا يكون أساطير فبولغ في ردّه بالتهكم به، وان بت الحكم في غير موضعه، فأراد عدم المطابقة مبالغاً في رذه، ويشبه أن يكون الأول جوابا للسؤال فيما بينهم أو بينهم، وبين الوافدين من الحجاج، والثاني جواباً عن سؤال المسلمين على ما ذكر من الاحتمالين لا العكس كما ظن، وهذا هو الموافق لما بعده، وجعل ما هنالك وجهاً ثالثا وأنه لم يقصد به الجواب هنا، وتوجيه اختلاف التقديرين بغير ذلك تكلف مستغنى عنه. هذا غاية ما يمكن في كلامه، وإنما بسطناه لأنه من مشكلات الكشاف، وليس الريّ عن التشاف فانظر فيه بعين الإنصاف وأساطير جمع أسطار جمع سطر فهو جمع الجمع، وقال المبرد: جمع أسطورة كأرجوحة، وأراجيح أي مما كتبه الأولون فهو كقوله: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٥] . قوله:) القائل بعضهم على التهكم الخ) يعني أنه إذا كان السؤال من بعضهم لبعض، فهو تهكم لأنهم لا يعتقدون أنه منزل لا إن كان من الوافدين عليهم الذين سمعوا به ﷺ ، وبما أنزل عليه أو من المسلمين لهم ليعلموا ما عندهم فليس الأولى حذفه مع أنه قول للمفسرين مسبوق به. قوله: (أي ما تدّعون الخ) قد مرّ تحقيقه، وهو إشارة إلى أنه خبر مبتدأ محذوف وهو على الوجوه السابقة. قوله:) وإنما سموه منزلاً الخ) يعني على تقدير المنزل أساطير الأولين، وليس توجيها لقوله: (ماذا أنزل التقدم توجيهه فإن الأساطير لا تكون منزلة، وقوله: (أو على الفرض) والتسليم
стр. 1787
ليردّوه كقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٧٧ أو على التقدير أي قدروه منزلاً مجاراة ومشاكلة. قوله: الا تحقيق فيه) تفسير للأساطير وقوله والقائلون له أي للجواب المذكور، والمقتسمون هم الذين جعلوا القرآن عضين، وقد مرّ تفسيره. قوله: (أي قالوا ذلك إضلالاً للناس الخ (يشير إلى أن اللام لام العاقبة لأن ما ذكر مترتب على فعلهم، وليس باعثا ولا غرضا لهم كما بينه بقوله فحملوا لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأوّلين لأجل أن يحملوا الأوزار لكن عاقبتهم ذلك إمّا مجازاً، وامّا حقيقة على معنى أنه قدر صدوره منهم ليحملوا،
وقد قيل أيضاً أنها للتعليل وإنها لام أمر جازمة، والمعنى أنّ ذلك متحتم عليهم فيتمّ الكلام عند قوله أساطير الأوّلين، وقوله إضلالاً يبين أن حمل أوزارهم ليس علة، وهم يعتقدون أنهم محقون لا ضالون مضلون فإنه غير مسلم، ولو سلم فالمراد قصدوا ما يصدق عليه إنه إضلال لا مفهوم الإضلال، وفيه نظر. قوله:) فإنّ إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال) توجيه للوصف بالكمال، وقوله: (وبعض أوزاو ضلال من يضلونهم الخ (يشير إلى أن من تبعيضية لأنّ مقابلته لقوله كاملة يعينه، والمعنى مثل بعض أوزارهم فلا وجه لجعل من زائدة، ولا يرد عليه ما ورد في الحديث كما قيل وهو: " من سق سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص! ذلك من أوزارهم شيئاً لأنّ للتابعين أوزارا غير ذلك ". قوله: (خصة التسبب) لأنّ ضلال من أضلوه من حيث المباشرة على المباشر ومن حيث التسبب على المضل من غير نقص، وفاعل يضلونهم ضمير القائلين ومفعوله ضمير الوافدين. قوله:) حال من المفعول الخ (أي أنهم يضلونهم حال كونهم جاهلين، وفيه تنبيه على أنهم إنما يضلون الجهلة الأغبياء، ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل أي يضلونهم جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال، وكونه محدثاً عنه يعارضه القرب فلا يصلح مرجحا وإن رجحه الواحدي وقد رذه في الكشف، وكونه حالاً منهما كما نقل عن ابن جنيّ خلاف الظاهر، وقوله بض شيئا قد مر تحقيقه، وان ساء من باب بئس. قوله: (سووا منصوبات الخ) سوى بمعنى صنع، والمنصوبة كما نقل عن الزمخشري الحيلة يقال سوى فلان منصوبة، وهي في الأصل صفة للشبكة، والحبالة فجرت مجرى الاسم كالدابة، والعجوز ومنه المنصوبة في لعب الشطرنج، وقوله: ليمكروا بها رسل الله أي ليخدعوا، ولما كان بمعناه عداه تعديته، ولما كان المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، وما بعده يدل على أنهم لم يصرفوهم أشار إلى أنه مجاز هنا عن مباشرة أسباب المكر، وترتيب مقدماته ولو جعل تجريداً صح، وما قيل إنه أخرج مكر عن ظاهره فاحتاج إلى تقدير معنى ليناسب كونه تمثيلاً مع ما فيه من الإشارة إلى عدم وقوع المكر
منهم حقيقة بل مقدماته، والا لغلبوا على الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يخفى ما فيه من التطويل من غير طائل. قوله: (فأتاه أمره) حقيقة الإتيان المجيء بسهولة كما قاله الراغب ولما كان هذا معناه الأصلي حمله المصنف رحمه الله تعالى عليه فاحتاج إلى تقدير مضاف، وهو الأمر، ولو جعل من قبيل أتى عليه الدهر بمعنى أهلكه، وأفناه على ما في الكشاف لم يحتج إليه وضمير أتاه بالتذكير كما في بعض النسخ للبنيان لأنه اسم مفرد مذكر قاًل تعالى ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ، وفي أكثرها فأتاها بالتأنيث بناء على ما نقله الراغب عن بعض أهل اللغة من أنه جمع بنيانة على حد نخلة، ونخل وهذا، ونحوه يصح تذكيره، وتأنيثه. قوله: (من جهة العمد) بضم العين، والميم وجوز تسكينها أو بفتحهما جمع عمود، وهو والقاعدة بمعنى الدعامة، وضعضعت بالبناء للمفعول بمعنى هدمت ومنه ضعضعه الدهر إذا أذله وتضعضع بمعنى استكان قال:
إني لريب الدهر لا أتضعضع
وقوله من جهة الخ إشارة إلى أنّ من ابتدائية وقوله: (وصار سبب هلاكهم (وفي نسخة فصار بالفاء أي ما صنعوه ليكون سببا لبقائهم صار سببا لهلاكهم وفنائهم وانعكاس رجائهم وهو غاية الخيبة والحسرة عليهم وقوله: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ متعلق بخرّ ومن لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف على أنه حال من السقف مؤكدة وقيل إنه ليس بتأكيد لأنّ العرب تقول خبر علينا سقف، ووقع علينا حائط إذا انهدم في ملكه، وان لم يقع عليه، دماليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله صار سبب هلاكهم. قوله: الا يحتسبون ولا يتوقعون (التوقع ترقب الوقوع، وهو في موقعه هنا، وقيل فسر عدم الشعور به لأنه أفحش منه لاجتماع عدم الشعور مع العلم بأصل الوقوع
стр. 1788
وفيه نظر. قوله: (وهو على سبيل التمثيل (يعني أن قوله: ﴿أَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم﴾ الخ استعارة تمثيلية لأنّ ما نصبوه وتخيلوه سبباً للاستيلاء صار سببا للبوار، والعفاء فالأساطين كالمنصوبات، وانقلابها عليهم مهلكة كانعكاس مكايدهم عليهم، ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم عاد سبب استئصالهم، وفنائهم كقولهم من حفر لأخيه جبا، وقع فيه منكبا. قوله: (وقيل المراد به نمرود) هو بضم النون، وفي آخره دال مهملة، وهو اسم جبار معروف وكنعان في حواشي الكشاف الأفصح فيه كسر الكاف، والفتح مروي فيه، وهو المعروف وفي التهذيب مقيد بالفتح، وعن الليث أن كنعان بن سام بن نوح ﵊، واليه ينسب الكنعانيون، ولغتهم العربية الذي في كتب التواريخ، أنّ كنعان بن كوس من أولاد حام بن نوج
والصرح القصر وكل بناء عال وبابل اسم ناحية معروفة وسمكه بمعنى ارتفاعه، وعلوّه، وقوله ليترصد أمر السماء أي ليعرف أمر السماء، ويقاتل أهلها وقوله: (فخرّ عليه وعلى قومه فهلكوا) يقتضي أن هلاك نمرود إذ ذاك بما ذكر والمعروف أنه عاش بعده، وأهلكه الله ببعوضة وصلت لدماغه إظهار الكمال خستة، وعجزه وجازاه من جن! عمله لأنه صعد إلى جهة السماء بالنسور فأهلكه الله بأخس الطيور، وعلى هذا لا يكون تمثيلا بل حقيقة، وأخره لأنه لا دليل عليه. قوله: (يذلهم أو يعذبهم بالنار كقوله الخ) قد مر أنّ المصنف ﵀ تبعاً للراغب فسر الخزي بذل يستحيا منه، ولتضمينه لهذين المعنيين استعمل في الذل تارة نحو عليه الخزي، وأخرى في الاستحياء واعترض عليه بأنه ليس كما ذكر فإنه مشترك بين المعنيين المذكورين، ويدل عليه اختلاف مصدريهما فإنه يقال خزي بالكسر يخزي خزياً إذا ذل وهان، وخزاية إذا استحيا كما قاله الجوهري، وقد مر تحقيقه والمراد به هنا الذل مطلقاً أو فرده الكامل، وهو التعذيب بالنار، واستدل عليه بأنه ورد في القرآن بهذا المعنى والقرآن يفسر بعضه بعضاً، والآية المستشهد بها قد مر الكلام عليها، وأنها من قبيل من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى، وقد حقق ثمة بما لا مزيد عليه، وقيل إنه في الوجه الثاني كناية عن التعذيب بالنار أيضا، وأشار إلى وجهها بقوله كقوده الخ فإنه يدل على أنّ الاخزاء من روادف التعذيب بالنار، وقيل عليه إن قوله أين شركائي يأباه لأنه قبل دخولهم النار فالمراد أصل معناه، وهو الاذلال، ولا ورود له لأنّ معنى لهم الخزي أي العذاب أنه يبين استحقاقهم له لما ظهر من الأحوال، ومشاهدة الأهوال مع أنّ الواو لا تقتضي الترتيب، ونقله بصيغة التمريض مغن عن الإيراد، والجواب فإنه يشير إلى أنه غير مرضي عنده فتأمّل. قوله: (أضاف إلى نفسه الخ) يعني في النظم تقريع، وتوبيخ بالقول، واستهزاء بهم إذ أضاف الشركاء إلى نفسه لأدنى ملابسة بناء على زعمهم مع الإهانة بالفعل المدلول عليها بقوله يخزيهم أي ما لهم لا يحضرونكم ليدفعوا عنكم لأنهم كانوا يقولون إن صح ما تقول فالأصنام تشفع لنا فهو كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٢] وقوله أو حكاية الظاهر رفعه عطفا بحسب المعنى على قوله أضحاف كأنه قال مضاف أو حكاية، وأضاف أو حكى ويجوز نصبه عطفاً على استهزاء أي حكى عن المشركين زيادة في توبيخهم إذ لو قيل أين أصنامكم كان فيه توبيخ أيضاً، وقراءة العامة شركائي بالمد ومنهم من سكن الياء فتحذف وصلا لالتقاء الساكنين وقرأ البزيّ بخلاف عنه بقصره مفتوج الياء، وقد أنكر. جماعة وزعموا أنّ هذه القراءة غير مأخوذ بها لأنّ قصر الممدود لا يجوز إلا ضرورة وليس كما قالوا فإنه يجوز في السعة، وقد يوجه بأنّ الهمزة المكسورة قبل الياء حذفت للتخفيف، وليس كقصر الممدود مطلقا مع أنه قد روي عن ابن كثير قصر التي في القصص وروي عنه أيضاً قصر ورائي في مريم، وعن قنبل قصر أن رآه استغنى في العلق فكيف يعدّ
ذلك ضرورة فأعرفه فإنّ كثيرا من النحاة غفلوا عنه. قوله: (تعادون) المشاقة المعاداة، والمخاصمة من شق العصا أو لكون كل منهما في شق، وقوله المؤمنين إشارة إلى أنّ مفعوله محذوف، وقوله فيهم بمعنى في شأتهم من العبادة وغيرها والأولى أن يفسر تشاقون بتخاصمون وتنازعون ليظهر تعلق فيهم به كما في الكشاف، ويحتمل أن تكون في للسببية، وفي نسخة قبل قوله الذين كنتم تشاقون فيهم، وقرأ البزيّ بخلاف عنه أين شركاي بغير الهمزة، والباقون بالهمزة، وقد مرّ تحقيقه، والذين يحتمل الرفع، والنصب. قوله: (وقرأ نافع بكسر
стр. 1789
النون الخ) أي وأصله تشاقونني بنونين حذفت إحداهما تخفيفا، ثم حذفت الياء اكتفاء بالكسرة عنها، وقرئ بتشديد النون المكسورة، وحذف إلياء، وبسطه في علم القراآت، وقد مر نظيره. قوله:) فإنّ مشاقة المؤمنين كمشاقة الله) أمّا إذا كانت المشاقة بمعنى المخاصمة فظاهر أنهم لم يخاصموا الله، وأمّا إذا كانت بمعنى العداوة فلأنهم لا يعتقدون أنهم أعداء الله، وأمّا قوله تعالى ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ فمؤوّل أيضا بغير شبهة فلا وجه لما قيل ليت شعري ما الداعي لإخراج الكلام عن ظاهره فإنّ المشركين أعداء الله " قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ا] . قوله: (أو الملافكة) وعلى هذا فليسوا ملائكة الموت فلذا صرح بهم بعده فما قيل في رده إنّ الواجب حينئذ يتوفونهم مكان تتوفاهم الملائكة وان يلزم منه الإبهام في موضع التعيين والتعيين في موضع الإبهام في غاية السقوط. قوله: (الذلة والعذاب (الواو بمعنى أو لما مر أنهما معنيان متغايران أو على بابها بأن يراد ما يشملهما هذا إن جعلا معنى الخزي والسوء تأكيد له، وان جعلا لفاً ونشرا مرتبا فهو ظاهر وهو الأولى، وقوله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو العلماء الخ إشارة إلى أنّا لمراد بالذين أوتوا العلم الذين انتفعوا به في سبيل النجاة، وأن علم الكفار هو الجهل الذي هو سبب كل رذيلة، وقصر الخزي والسوء على الكافرين ادعائي بجعل ما لعصاة المؤمنين لعدم بقائه ليس من جنسه فلا دليل فيها للمرجئة ولا للخوارج، وقوله وفائدة الخ أي ليجمع لهم الله الإهانة قولاً وفعلا، وحكايته مرفوع، وقوله لأن يكون خبره، وهو يتضمن فائدة حكاينه وجره بالعطف على لفظ قولهم لا يخلو عن سماجة للتصريح باللام، ولو لم تكن كان معطوفا عليه. قوله: (وقرأ حمزة الخ) وجه قراءته ظاهر لأنه غير مؤنث حقيقي فيجوز تذكيره، وأمّ إدغام التاء في التاء فيجتلب له همزة وصل في الابتداء، وتسقط في الدرج، وإن لم يعهد همزة وصل في أوّل فعل مضارع على ما بين في كتب النحو،
والأوجه الثلاثة الجرّ على أنه صفة الكافرين أو بدل أو بيان له، والنصب والرفع على القطع للذم، وأفا كونه مبتدأ خبره قوله فألقوا السلم كما قاله ابن عطية فقيل إنه لا يتأتى إلا على مذهب الأخفش في إجازته زيادة الفاء في الخبر مطلقاً نحو زيد فقام أي قام، ولا يتوهم أنها الفاء الداخلة مع الموصول المتضمن معنى الشرط لأنه لو صرح بهذا الفعل مع أداة الشوط لم يجز دخول الفاء عليه فما ضمن معناه أولى بالمنع، وكونه أولى بالمنع كير مسلم لأن امتناع الفاء معه لأنه لقوّته لا يحتاج لرابط إذا صح مباشرته للفحلى، وما تضمن معناه ليس كذلك. قوله تعالى:) ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ) وقد مر إعرابه وهو يصح فيه أن يكون مقولاً للقول وغير مندرج تحته، والقول إن كان في الدنيا فالمضارع على ظاهره، وان كان يوم القيامة فهو على حكاية الحال الماضية. قوله: (فسالموا) أي انقادوا، وأخبتوا بخاء معجمة، وباء موحدة ومثناة فوقية من قولهم أخيت لله بمعنى ذل، وتواضع، وأصله الإلقاء في الأجسام فاستعمل في إظهارهم الانقياد إشعاراً بغاية خضوعهم واستكانتهم، وجعل ذلك الشيء الملقى بين يدي القاهر الغالب على الاستعارة، وقوله عرّضوها للعذاب المخلد من التعريض، وهو جعل الشيء عرضة لكذا إذا كان معدّاً له مهيأ، وظلمهم ونفسهم وضعها في غير موضعها من الآباء عن طاعة الخالق الجبار، وقوله فألقوا فيه وجوه منها أنه خبر الموصول، وقد تقدم ما فيه أو هو عطف على قال الذين أو مستأنف والكلام تم عند قوله أنفسهم ثم عاد بقوله فألقوا إلى حكاية حال المشركين فقوله قال الذين الخ جملة اعتراضية أو هو معطوف على تتوفاهم كما قاله أبو البقاء وهو إنما يتمشى على كون تتوفاهم بمعنى الماضي قيل، وقول المصنف ﵀ حين عاينوا الموت مبنيّ عليه إلا أنه لا يلائمه السياق، والسباق، وأنّ الظاهر أنّ هذه المسالمة حين عاينوا العذاب في يوم القيامة، وفيه بحث. قوله: (قائلين ما كنا نعمل من سوء الخ (يعني أنه منصوب بقول مضمر، وذلك القول حال ومن سوء مفعول نعمل، ومن زائدة أو جواب لما كنا نعمل إيجاب له. أو هو تفسير للسلم الذي ألقوه لأنه بمعنى القول بدليل الآية الأخرى فألقوا إليهم القول، وليس هذا على مذهب الكوفيين كما توهم لأنّ الجملة تفسيرية ل! محل لها، وليست معمولة له، وإنما أوّلها بالقول ليتطابق المفسر والمفسر، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٣] ومن قال ليت شعري ما معنى هذا الاشتراط لأن كونه تفسيراً للسلم لا يقتضي كونه نفسه
стр. 1790
بل يكفي كونه بهذا اللفظ دون غيره فقد غفل عن المراد فبادر للإيراد. قوله: (فهو يجازيكم) فلا يفيد الإنكار والكذب على الأنفس، وقوله استئناف، ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة أي ليس معطوفا على قوله تتوفاهم كما مر، ومي
البحر فيكون قوله قال الذين إلى قوله فألقوا اعتراضا بين الأخبار بأحوال الكفار قيل والظاهر أنّ الاعتراض بجملة الذين تتوفاهم الملائكة على احتمال النصب، والرفع دون الجرّ، ولا يخفى أنه لا مانع من الاعتراض الأوّلى. قوله: (وعلى هذا أوّل من لم يجوّرّ الكذب يومئذ الخ) أي على احتمال الاستئناف، وأنه بيان لحالهم في الآخرة لزم وقوع الكذب يوم القيامة فإن قلنا بوقوعه كما مر تفصيله فلا إشكال، والط لم نقل به فلا بد أن يؤوّل هذا القول، هو ما كنا نعمل من سوء بأنّ المراد ما كنا عاملين السوء في اعتقادنا إن كان اعتقادنا أن عملنا غير سيئ، وليس هذا مبنياً على انّ الكذب ما لا يطابق الاعتقاد، وهذا كما أوّلوا قولهم، والله ما كنا مشركين، وقد مر أنّ المصنف ﵀ ردّ هذا في سورة الأنعام بأنّ هذا التأويل لا يوافق قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٤] أي بنفي الشرك عن أنفسهم وكذا لا يلائمه الردّ عليهم هنا لقوله بلى إنّ الله الخ لظهور أنه لإبطال النفي، ولا يقال الردّ على من جحد واستيقنت نفسه لأنه يكون كذباً أيضا فلا يفيد التأويل، ولذا مرض هذا القول وأخره وما كنا الخ مفعول لقول المصنف ﵀ أوّل. قوله: (واخمل أن يكون الراذ (عطف على قوله أوّل وهو من فروع الاستئناف، وقوله هو الله أو أولو العلم يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو العلماء يعني أنه يحتملهما أيضا لا أن يكون الراد منحصرا فيهما بخلاف الوجه الأوّل فإنّ الراد فيه الملائكة. قوله: (كل صنف (على معنى أنّ الخطاب لكل صنف لا لكل فرد حتى يلزم دخول فرد من الكفار من أبواب متعددة أو يكون لجهنم أبواب بعددهم، وليس أمر المخاطب هنا بمعنى أمر الغائب أي ليدخل كل صنف كما توهم، وبابها إتا بمعنى المنفذ أو الطبقة كما مر، وفي الوجه الآخر الباب بمعنى الصنف كما يقال نظر في باب من العلم، والخطاب لكل فرد. قوله تعالى: ( ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ) أدخل اللام في بثس، ولم يدخلها في الزمر، والمؤمن لما كان الكلام أحوج إلى التأكيد من حيث كان سياق الآية في التابع والمتبوع جميعا باللام إلا تراه قال: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٥ وتال بعده ولدار الآخرة فأدخل اللام ليطابق اللام بعده، وقوله جهنم يحتمل أنه تفسير للمثوى، وتقدير للمخصوص بالذم، وهو الظاهر والفاء عاطفة، وفي قوله المتكبرين إشارة إلى أن استحقاقهم النار للتكبر عن طاعة الله ورسوله. قوله:) أي أنزل خيراً وفي نصبه
الخ) يقال! تلعثم الرجل إذا توقف في الكلام، والمراد بالموسم موسم الحج من الوسم بمعنى العلامة، والإحياء جمع حيّ وهي القبيلة، وقوله أنزل خيراً إشارة إلى أنّ ماذا في محل نصب لا مبتدأ وخبر على أحد الوجهين ليطابقه الجواب، واختير كونها فعلية هنا دون ما مر في قوله أساطير الأوّلين حيث رفع من غير نظر إلى احتمال ماذا الخ للفعلية لأن الإنزال يناسب الفعل لتجدده بخلاف كونه أساطير فإنه على زعمهم الفاسد أمر متقدّم ثابت فلذا غاير بينهما كما مر تحقيقه، وقوله على خلاف الكفرة لأنّ أنه أساطير الأوّلين أنه غير منزل، وإنما سموه منزلاً على طريق المجاز وتطبيق ما ذكر من سبب النزول على تقديره ظاهر، ووجه دلالة النصب على ما ذكر أنه كقوله الهلال، والله بحذف العامل للمبادرة. قوله: (مكافأة في الدنيا (إشارة إلى أنّ قوله في هذه الدنيا متعلق بحسنه كتعلقه بأحسنوا، والحسنة التي في الدنيا الظفر، وحسن السيرة، وغير ذلك وقوله ولثوابهم في الآخرة إشارة إلى تقدير مضاف أو بيان لجهة خيريتها، وقوله وهو عدة أي قوله للذين أحسنوا فهو المحمود عليه. قوله: (ويجوز أن يكون بما بعده (أي قوله للذين أحسنوا مع ما بعده، وهو على الأوّل أعني قوله عدة كلام مستأنف فيكون في الوعد هنا نظير قوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٥] في الوعيد هناك، وهو الوجه ولذا قدمه، وحينثذ هو مقول القول، وعلى هذا قوله خيرأ من كلام الله تعالى سماه خيراً ثم حكى مقولهم كما تقول قال فلان جميلاً من قصدنا وجب- قه علينا، ودلالته على ما مر لشهادة الله بخيريته فخيراً مفعول قالوا وعمل فيه لأنه في معنى الجملة كقال قصيدة أو صفة مصدر أي قولاً خيراً، وهذه الجملة بدل منه فمحلها النصب أو مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وهذا بيان لوجه آخر يحتمله النظم فلا يقال لم لم يجعل منصوباً
стр. 1791
بأنزل على هذا الاحتمال، وما قيل من أنه لم يجعله منصوباً بأنزل لأنّ هذا القول ليس منزلاً من الله، وفيه تفوت المطابقة حينئذ كلام ناشئ من عدم التدبر، وقوله دار الآخرة إشارة لتقدير المخصوص بالمدح على المذاهب المعروفة فيه، والقرينة عليه لفظية وهي تقدمه في الذكر كما ذكره، وعلى الوجه الآخر فهو مذكور، وقوله خبر مبتدأ أي هي أو الخبر محذوف، وهو لهم وتجري الخ جملة حالية أو صفة إن لم يكن جنات علماً. قوله: (وفي تقديم الظرف) يعني فيها تقدمه يفيد الحصر، والموصول هنا للعموم بقرينة المقام فيدل على ما ذكر، وقوله مثل هذا الجزاء نجزيهم
مر تحقيقه. قوله: (وهو يؤيد الوجه الآؤل) يعني كون قوله للذين أحسنوا عدة فإنّ جعله جزاء لهم ينظر إلى الوعد به من الله، وإذا كان مقول القول لا يكون من كلام الله حتى يكون وعداً منه تعالى، وقيل إنّ المراد بالوجه الأوّل كون جنات عدن خبر مبتدأ محذوف لأنه إذا كان مخصوصا بالمدح يكون كالصريح في أن جنات عدن الخ جزاء للمتقين فيكون قوله كذلك الخ تأكيداً بخلاف ما إذا كان خبر مبتدأ محذوف فإنه لم يعلم صريحا أنّ جنات عدن جزاء للمتقين، وفيه نظر وقوله الذين تتوفاهم الملائكة يحتمل الرفع والنصب، وأن يكون مبتدأ خبره يقولون. قوله: (طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي الخ) مقتضى المفابلة أن يفسر طيبين بالطاهرين عن الكفر فقط فإنّ ظالمي أنفسهم صفة الكافرين، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى هناك في تفسيره عرّضوها للعذاب المخلد لكن وصفهم بأنهم متقون موعودون بالجنة في مقابلة الأعمال يقتضي ما ذكر، وذكر الطهارة عن الكفر وحده لا فائدة فيه بعد وصفهم بالتقوى، وقال الطيبي رحمه الله تعالى أمّا المعاصي فإنّ قوله ظالمي أنفسهم مجاب بقولهم ما كنا نعمل من سوء فتأقل. قوله: (وقيل فرحين ببشارة الملافكة الخ) فالمراد بالطيب طيب النفس، وهو عبارة عن القبول مع انشراح الصدر، وقوله إلى حضرة القدس حضرة مقحم للتعظيم كما يقحم المقام، والمجلس لذلك، وفي نسخة حظيرة بالظاء المشالة، وهي ظاهرة، وقوله لا يحيقكم أي لا يلحقكم، وبعد مبنيّ على الضمّ، والمكروه كل ما تكرهه النفس. قوله: (حين تبعثون فإنها معدة لكم على أعمالكم الخ) حين متعلق بقوله يقولون لا بادخلوا فإنّ الدخول ليس في حين البعث بل بعده، والأمر لا يقتضي الفور حتى يحتاج إلى أن يقال إنها حال مقدرة، والمتبادر من الدخول دخول الأرواح في الأبدان لا دخول الأرواج فقط حتى يقال إنه لا حاجة إلى ما ذكر من التأويل، ودخول الأرواج هو المراد في حديث: " إن القبر روضة من رياض الجنة " وكذا قوله أغرقوا فأدخلوا ناراً نعم لو أريد ذلك صح وكان وجها آخر. قوله: (على أعمالكم) على سببية كما في قوله: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٥] وقد حملت الباء على المقابلة دفعا للتعارض! بين الآية، وحديث: " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " وقد
ثبت في الأصول أنّ العمل غير موجب للجنة، وقد دفع أيضاً بحمل الحديث على السببية الحقيقية الموجبة، والآية وأمثالها على السببية الحاضرة، وقريب منه أن الله سبب الأسباب، وقد جعلها سببا بمقتضى، وعده تكرّماً منه. قوله: الي قيل هذا التوفي وفاة الحشر) فالمراد بها غير المعنى المتعارف، وهو الذي في قوله ووفيت كل نفس ما كسبت أعني تسليم أجسادهم، وايصالها إلى موقف الحشر من توفي الشيء إذا أخذوه وافياً، وقوله ما ينتظر الكفار قد مرّ في الأنعام أنّ الانتظار مجار لأنهم شبهوا بالمنتظرين للحوقه لهم لحوق ما ينتظر فكأنهم لفعلهم ما يوجب العذاب منتظرون له فهو استعارة. قوله: (لقبض أرواحهم) يعني أنهم لا يرتدعون عن كفرهم بما شاهدوه، وسمعوه من البيان حتى يصير الأمر عيانا فيصدقوا حيث لا ينفع التصديق لأنّ الإيمان برهاني، وقيل المعنى هل ينتظرون في تصديقك إلا أن تنزل ملائكة تشهد بنبوّتك فهو كقوله لولا أنزل عليه ملك، وأو في قوله أو يأتي أمر ربك لمنع الجمع على هذا التفسير، وكذا على التفسير الآخر أما إذا فسر بالقيامة فقد أورد عليه أنه يجامعها فليس محلالاً والفاصلة ورذ بأنها لمنع الخلو، وفيه بحث. قوله: (من الشرك والتكذيب (يعني المشار إليه بذلك ما دلت عليه الآيات السابقة من الشرك والتكذيب لأنه سبب لإصابة السيئات، وما بينهما اعتراض واقع في حاق موقعه، وجعله راجعا إلى المفهوم
стр. 1792
من قوله هل ينظرون أي كذلك كان من قبلهم مكذبين لزمتهم الحجة منتظرين فأصابهم ما كانوا ينتظرونه سديد حسن إلا أن هذا أقرب مأخذاً، ودلالة فعل عليه أظهر، وهذا فذلكة ما قابلوا به تلك النعم، وأدمج فيه تسلية الرسول ﷺ فلا يرد عليه أنهم كانوا ينتظرون حقيقة، وأنه لا يلائم قوله فأصابهم سيئات ما عملوا. قوله: (فأصابهم ما أصابهم (أي مثل ما أصابهم، وفي نسخة مثل ما أصابوا أي لقوا ووجدوا، وليس هذا تقديراً في النظم بل مبادرة إلى إظهار معنى المعطوف للإشارة إلى أن قوله وما ظلمهم الله الخ اعتراض، وقيل إنه مفهوم مما سبق أي كذلك كان من قبلهم مكذبين فأصابهم ما ينتظرونه وقوله فأصابهم سيئات الخ بيان لنتيجة ظلمهم أنفسهم فعلى هذا لا اعتراض! ، وقوله بتدميرهم أي إهلاكهم. قوله:) أي جزاء سيئات اعمالهم (يعني هو بظاهره
يدلّ على أنّ ما أصابهم سيئة، وليس بها فإفا أن يقدر المضاف أو يجعل من المشاكلة كما في الكشاف أو من إطلاق اسم السبب على المسبب على ما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى فمن قال إن المشاكلة لا تصح هنا، ديمانه ليس في كلام جار الله ما يدل عليها لم يصب فتأمل. قوله: (وأحاط بهم جزاؤه) يعني أن ما مصدرية، وفي الكلام مضاف مقدر وبه متعلق بيستهزؤون قدم للفاصلة، والضمير للرسول ﵊، ويجوز أن تكون موصولة عامة للرسول ﷺ وغيره وضمير به عائد عليها. قوله: (والحيق الخ) يعني أن أصل معناه الإحاطة مطلقا لكنه خص في الاستعمال بإحاطة الشر فلا يقال حاقت به النعمة بل النقمة، ومن الأولى بيانية، والثانية زائدة لتأكيد الاستغراق، وكذا الثانية ونحن لتأكيد ضميو عبدنا لا لتصحيح العطف لوجود الفواصل، وان كان محسنا له. قوله: (إنما قالوا ذلك استهزاء ومنعا للبعثة والتكليف) يعني أنهم لم يقولوا ذلك اعتقاداً حتى يكون ذمهم عليهم حجة للمعتزلة في القول بخلق الأفعال، وبخلق الإرادة لكن لما سمعوا منه ﷺ ومن المؤمنين ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن قالوا ذلك استهزاء بهم فذكر ذلك نعيا عليهم في الضلال أو إثباتا لمنعهم الباطل. قوله:) متمسكين بأن ما شاء الله يجب الخ الما مرّ، وهو حق أريد به باطل فلا حجة فيه للمعتزلة كما زعمه الزمخشريّ، وتخصيص الإشراك والتحريم بالذكر لأنهما أعظم، وأشهر ما هم عليه فلا يرد عليه أنه لا يلائم تقريره كما قيل. قوله: (أو إنكارأ لقبح ما أنكر عليهم الخ (فذكره ليس لأنه منكر في نفسه عندنا بل لرذ ما زعموه من أنه غير قبيح، وهذا الوجه هو مرتضى المصنف رحمه الله تعالى في آخر سورة الأنعام، وقوله فما الفائدة فيهما أي في البعثة والتكليف بعد ما شاء إشراك بعض، ودخوله النار، وايمان يعض، ودخوله الجنة. قوله: (محتجين بأنها الخ) الضمائر عائدة على ما وتأنيثها مراعاة للمعنى، ولو راعى لفظها لذكر، وضمير خلافه وإليه للصدور، ويجوز عود الضمير على الثلاثة المذكورة في البيان، وضمير ونحوها للبحائر، والآية وإن دلت على تجويزهم مشيئة الله لإيمانهم فإنها تستلزم تعلقها بكفرهم أيضا لعدم القائل بخلافه، وقوله لا اعتذارا عطف على إنكاراً أو على قوله استهزاء، ولو كان اعتذاراً كان دليلا للمعتزلة في عدم جواز تعلق إرادة الله بالكفر والمعاصي، وقد مرّ ما قاله الفاضل المحشي في الأنعام إنه لا ينتهض ذمهم به دليلاً على أهل السنة لمكان الكسب فانظره ثمة، وقوله ملجئا إليه حال مؤكدة، وفي العطف بلا بعد صريح الحصر كلام في المعاني وقد مرّ تفصيله. قوله: (إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم (قيل عليه فرض القبح يكفي للاعتذار يعني لو
سلمنا القبح في هذه الأعمال فهي بمشيئة الله لا بقدرتنا، واختيارنا إلا أن يقال إنه سند لمنع كون قولهم ذلك على سبي!! الاعتذار فلا يرد عليه ما ذكر، وفيه أن فرض القبح لا يلائم مقام الإنكار، والاحتجاج المذكور فتأمّل وقوله تنبيه على الجواب الخ سيأتي بيانه، وقوله ورذوا رسله عليهم الصلاة والسلام يؤخذ مما ذكر لأنه يلزمه. قوله: " لا الإبلاع الموضح الخ (إشارة إلى أنّ البلاغ مصدر بمعنى الإبلاغ، وأنّ المبين من أبان المتعذي، وقوله مؤد إليه على سبيل التوسط أي توسط أسباب أخر قدرها، وهذا هو الجواب عن الشبهة الأولى لأنه علم منه أن ما شاء الله، وجوده أو عدمه لا يجب ولا يمتنع مطلقا، وقوله قدرها له أي توقف عليها
стр. 1793
تعلق إرادته تعالى فرشد النبيّ ﷺ إليها، وقوله ثم بين وفي نسخة تبين هو معنى قوله، ولقد بعثنا الخ وقوله سببا لهدى ايخ إشارة إلى معنى الفاء في قوله فمنهم من هدى الله الخ، وقوله وزيادة لضلال إشارة إلى أن الناس لا تخلو عن ضلال ما لم يبعث فيهم نبيّ، وقوله بقوله متعلق بين، وقوله بعبادة الله الخ إشارة إلى أن أن مصدربة لا تفسيرية، وقيل إنه يحتملهما وقوله وفقهم الخ إشارة إلى أن الهداية هنا موصلة لا دلالة مطلقة. قوله:) وفيه تنبيه على فساد الشبهة الثانية الخ) الشبهة الثانية هي أنها لو كانت مستقبحة ما شاء الله صدورها عنهم يعني أنه لما وقع قسيما للهداية، وهي بإرادته اقتضى ذلك أن يكون بإرادته أيضاً وأما أنّ إرادة القبيح قبيحه فلا يجوز اتصافه تعالى به فظاهر الفساد لأنّ القبيح كسبه، والاتصاف به لا خلقه وايجاده على ما تقرر في الكلام، وقوله في الآية الأخرى يعني قوله فإنّ الله لا يهدي من يضل، وقوله يا معشر خصهم لأنهم المخاطبون، وفي الفاء إشعار بوجوب المبادرة إلى النظر، والاستدلال المنقذين من الضلال، وقوله لعلكم تعتبرون إشارة إلى جواب الأمر المقدر، وأنّ المقصود مما ذكر
الاعتبار. قوله: (من يريد) كذا في نسختنا، وفي أخرى من يرد بالجزم، والأصح الأولى، وان أمكن توجيهها بتكلف أنه إشارة إلى أنه معنى الشرط أي من يرد الله إضلاله فلا هادممب له، ولا داعي له، وهو معنى من حقت عليه الضلالة فإنه المراد. قوله: (وهو أبلغ) فإنه يدل على أنّ من أضله الله، وخذله لا تمكن هدايته لكل هاد بخلاف القراءة الأولى فإنها تدل على نفي هداية الله فقط، وان كان من لم يهد الله فلا هادي له، والعائد محذوف أي من يضله، وضمير الفاعل لله قيل، والأبلغية مبنية على انّ يهدي في القراءة الأخرى متعد أما إذا كان لازما بمعنى يهتدي فهما بمعنى إلا أن الأولى صريحة في عموم الفاعل بخلاف هذه مع أنّ التعدي هو الأكثر، وقرئ لا يهدي بضم الياء، وكسر الدال قال ابن عطية: وهي ضعيفة يعني لعدم اشتهار أهدى المزيد فلا يرد عليه أنه إذا ثبت هدى لازما بمعنى اهتدى لم تكن ضعيفة كما قيل، وقوله وما لهم من ناصرين تتميم له بإبطال ظن أنّ الآلهة تشفع لهم. قوله: (لميذاناً بأنها كما أنكروا التوحيد الخ) يعني وهما أمران عظيمان من الكفر، والجهل فلذا حسن العطف فيه فلا يرد عليه أنّ ما ذكر مستفاد من العطف فكان عليه أن يذكر ما ذكره في الكشاف لأنه المحتاج للبيان، وقوله زيادة مفعول لقوله مقسمين والبت بمعنى القطع يتعدى بالباء لكنه ضمنه معنى النص، وقوله يبعثهم إشارة إلى أن بلى لا يجاب النفي وضمير فساده للبعث، وهو إمّا إعادة المعدوم أو جمع المتفرق كما بين في محله. قوله: (مصدر مؤكد لنفسه) قال النحاة ضابطه أنه إذا تقدمت جملة على المصدر لها دلالة عليه فإن احتملت غيره فهو توكيد لغيره، وان لم تحتمل في المعنى غيره فهو توكيد لنفسه، وسمي توكيداً لغيره لأنه جيء به لأجل غيره ليرفع احتماله، وسمي الثاني توكيدا لنفسه لأنه لا معنى له غيره فلم يبق سواه إذ مدلوله مدلول الأوّل، وهنا قوله يبعثهم الذي دل عليه بلى لا معنى له غير الوعد بالبعث، والإخبار عنه كما بينه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله أبلغ رد حيث أثبت ما نفوه وأكده ثلاث مرّات، وقوله إنجاز. إشارة إلى تقدير مضاف أو إلى أنّ الإسناد مجازي لأنه الذي عليه لا وعده والجارّ والمجرور صفة كما أشار إليه بقوله صفة أخرى فالصفة الأخرى مؤكدة إن كان بمعنى ثابتاً متحققاً ومؤسسة إن كان بمعنى غير باطل. قوله: (إنهم يبعثون الخ) أو أنه وعد على الله كما في الكشاف ولكون هذا
أنسب بالسياق اقتصر عليه المصنف رحمه الله تعالى، والظاهر أنه تركه لأن مآلهما واحد، ولما فيه من نزغة اعتزالية وأمفا أنّ السياق يدذ على أن معناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك الوعد الحق، والقول الصدق لقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ ففيه نظر، وكونه من مواجب الحكمة قد مز من المصنف رحمه الله تعالى بيانه بيانأ شافياً. قوله: (لقصوو نظرهم بالمألوف (أي بسببه، وعدم تجاوزه حصل لهم قصور النظر، وليس القصور بمعنى القصر للنظر عليه، وأن آل إليه ومعناه أنهم لا تتجاوز عقولهم المحسوسات، ولا يرى فيها معدوم عاد بعينه أو أنهم يرون بقاء كل نوع ببقاء إفراده. قوله: (فيتوهمون امتناعه (أي امتناع البعث، ويجوّزون عدم وقوعه لعرائه عن الفائدة، وتجويز مثله كفر لوجوب الجزم بالبعث في الإيمان قيل فلا يرد عليه أن على م
стр. 1794
العلم به لا يستلزم العلم بعدمه فضلاً عن العلم بالامتناع لما عرفت أنه ليس لهم العلم بعدم البعث بل مجرد الاحتمال له، ولا وجه للجواب عن هذا بأن عدم العلم هاهنا في ضمنه العلم بالعدم، ولا لتنويره بأقسامهم بأن الله لا يبعث من يموت لأن المقسمين هم القسم الأوّل من الذين لا يؤمنون بالبعث، ولا يخفى أنه كلام ناشئ من عدم الوقوف على مراد المعترض فإنه ذكر أوّلاً جزمهم بعدم البعث، وبتهم بفساده، كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى قبيله، وجعل ما بعده دل! لاً عليه فأورده عليه لأنه لا تلازم بين الدليل والمدلول، وأن ما قزره لا تتجاوب أطرافه، وهو ظاهر لمن تلرلره، فالحق أن يقال إنه إنما ذكر عدم العلم الشامل لعلم العدم لأنه إذا أبطل توهمه علم منه إبطال الجزم به بالطريق الأولى ولعل هذا مبنيّ على قول المصنف رحمه الله تعالى قبل رذ الله تعالى عليهم أبلغ ردّ فتأمّل. قوله:) أي يبعثهم ليبين لهم (إشارة إلى ما في الكشاف من أنه متعلق بما دل عليه بلى، وهو يبعثهم، والضمير لمن يموت الشامل للمؤمنين، والكافرين، وجوّز فيه أيضا تعلقه بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً، [سورة النحل، الآية: ١٣٦ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب. قوله:) وهو الحق (ضمير هو للمختلف فيه وبيانه إظهار حقيته وقوله فيما يزعمون، وفي نسخة فيما كانوا يزعمون وهما بمعنى، وهو عام للبعث وغيره، ويجوز تخصيصه به وقوله، وهو إشارة أي قوله ليبين الخ، وقوله من حيث الحكمة كقوله من حيث لي العمائم، وقوله وهو الميز الخ الضمير راجع للسبب والميز مصدر مازه بمعنى ميزه وقوله بالثواب، والعقاب متعلق بالمصدر إشارة إلى أنه المقصود من الميز كما قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة يس، الآية: ٥٩،. قوله:) وهو بيان إمكانه (أي مع سهولة، وفي
النسخ هنا اختلاف لفظي وأوضحها ما وقع في بعضها، وهو وتقريره أن تكوين الله بمحض قدرته، ومشيئته لا توقف له على سبق الموادّ، والمدد وإلا لزم التسلسل فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادّة، ومثال أمكن الخ وكان هنا تامة، وفي الكشاف أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له احدث فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مراده لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع المتمثل، ولا قول ثمة، والمعنى أن إيجاد كل مقدور عليه تعالى بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات فسقط ما قيل إن كن إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال، وان كان مع الموجود كان إيجاداً للموجود، وهو محال أيضا، وقوله أمكن أي لسبق المثال، وظاهر قوله أنه بإعادة المعدوم وهو مقرّر في محله، وأنّ منهم من قال إنه جمع الأجزاء المتفرّقة، وهو ظاهر النصوص، وأنّ قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ استعارة تمثيلية كما جزم به الزمخشري، ويحتمل أنه على حقيقته وأنه جرت به العادة الآلهية، وقد مز تفصيله. قوله: (عطفاً على نقول أو جواباً للأمر) قراءة النصب لابن عامر، والكسائيئ، وقراءة الرفع للباقين، وهو هكذا في نسخة صحيحة فما وقع في نسخة من ذكر أبي عمرو بدل ابن عامر من سهو الناسخ قال الزجاج الرفع على تقدير فهو يكون أي ما أراد الله فهو يكون، والنصب إمّا على العطف على نقول أي فإن يكون أو على أنه جواب كن وتبعه المصنف رحمه الله تعالى، وقد ردّ الرضي وغيره نصبه في جواب الأمر بأنه مشروط بسببية مصدر الأول للثاني، وهو لا يمكن هنا لاتحادهما فلا يستقيم، ولذا تركه الزمخشري واقتصر على الأوّل، ووجه بأنّ مراده أنه نصب لأنه مشابه لجواب الأمر لمجيئه بعده، وليس بجواب له من حيث المعنى لأنه لا معنى لقولك قلت لزيد اضرب تضرب، ولا يخفى ضعفه، وأنه يقتضي إلغاء الشرط المذكور، والظاهر أن يوجه بأنه إذا صدر مثله عن البليغ على قصد التمثيل لسرعة التأثير بسرعة مبادرة المأمور إلى الامتثال يكون المعنى إن أقل لك تضرب تسرع إلى الامتثال فيكون المصدر المسبب عنه مسبوكا من الهيئة لا من الماذة، ومصدر الثاني من المادّة أو من محصل المعنى، وبه يحصل التغاير بين المصدرين وتتضح السببية والمسببية، وقد مرّ نظيره للمدقق في الكشف في الجواب عن دخول أن المصدرية على صيغة الأمر فتدبر. قوله: (هم رسول الله ﷺ وأصحابه الخ) الحبشة اسم
стр. 1795
جمع بمعنى الحبش، وهم جيل معروف، ويطلق على بلادهم،
وهو المراد هنا وكأنه مجاز، والمهاجرون من الحبشة إلى المدينة يقال لهم ذوو الهجرتين والمحبوسون ممن هاجر إلى المدينة أيضا، وقوله أو المحبوسون الخ معطوف على رسول الله ﷺ ، وأصحابه وهذا القول منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأمر هؤلاء معروف في السير، ثم في أسماء هؤلاء المحبوسين اختلاف في التفاسير ففي بعضها جبير وما وقع في بعضها بدل أبو جندل بن جندل فخطأ من الناسخ لكنه أورد عليه أنه على القولين تكون الآية مدنية فيخالف قوله في أوّل السورة إنها مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها، وإذا كان هذا التفسير مأثورا فلا بد من الذهاب إلى أنّ فيها مدنيا غير ذلك، وأن ما ذكره تبع فيه المشهور اللهمّ إلا أن يراد بالمكي ما نزل في حق أهل مكة أو ما نزل بغير المدينة أو يكون أخبر به قبل وقوعه، وكله خلاف الظاهر، وفيه أن هجرة الحبشة كانت قبل هجرة المدنية فلا مانع من كونها مكية بالمعنى المشهور على القول الأوّل الأصح، ولا ينافيه قوله، ثم إلى المدينة لأنه بيان للواقع لا للهجرة المذكورة في النظم فلا يرد عليه ما ذكر. قوله: (في حقه ولوجهه (أي الذين هاجروا مخلصين لوجه الله لا لأمر دنيويّ، وهو إشارة إلى أن في على ظاهرها، وأنها هجرة متمكنة تمكن الظرف في مظروفه فهي ظرفئة مجازية أو للتعليل كقوله لمجح: " إنّ امرأة دخلت النار في هرة " وقيل إنه إشارة إلى أنها ظرفية مجازية، وقوله لوجهه بيان لحاصل المعنى، ولو كان إشارة إلى كون في للتعليل لقال في الله أي لوجهه. قوله: (مباءة حسنة الخ (المباءة بالمد المنزل من بوّأه بمعنى أنزله، وإنما قدر مباءة ليكون تقديره أظهر لدلالة الفعل عليه، وليس تقدير دارأ أحسن منه إلا أنه مأثور هنا عن الحسن لأنّ المراد به المدينة موافقة لقوله تعالى: ﴿تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٩] فهو إما صفة أو مفعول به إن ضمن الفعل معنى نعطيهم وإذا قدر تبوئة فهو صفة مصدر محذوف، وقوله ولأجر الآخرة أي المعدّ لهم كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله مما يعجل لهم في الدنيا، وقوله وعن عمر الخ روي
هذا عنه ابن جرير وابن المنذر. قوله: (لوافقوهم) أي فيما هم عليه! من الإسلام وغيره، وقوله أو للمهاجرين قيل عليه إنه قال في معالم التنزيل إن الضمير للمشركين لا للمهاجرين لأنهم كانوا يعلمون ذلك، ودفع بأن المراد علم المشاهدة فإنّ الخبر ليس كالعيان أو المراد العلم التفصيلي، ويجوز أن يكون الضمير للمتخلفين عن الهجرة يعني لو علم المتخلفون عن الهجرة للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم، وقوله ومحله النصب أي بتقدير أعني أو الرفع بتقديرهم، ويجوز أن يكون تابعاً للذين هاجروا بدلاً أو بياناً أو نعتا. قوله: (مفوّضين إليه الأمر كله (الكلية مأخوذة من تعميم التوكل بحذف متعلقه أو من تقديم الجار والمجرور إذ معناه على ربهم وحده، وكونه لرعاية الفواصل ليس بمتعين كما قيل، وحينئذ فالتعبير بالمضارع، إما للاستمرار أو لاستحضار تلك الصورة البديعة، وقوله منقطعين حال مؤكدة. قوله: (رذ لقول قريثس الخ (أي ردّ لمقالهم هذا الذي جعلوه شبهة في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقوله إلا بشرى أي لا ملكا واحترز بقوله للدعوة العامة عن بعث الملائكة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام للتبليغ أو لغيره كإرسالهم لمريم للبشارة،! ما قيل من أنه المراد العموم لكافة الناس لأنه مخصوص بنبينا ىسييه بل المراد العموم لكثير من الناس لا صحة له مع ما فيه من الخلل لفظاً ومعنى، وقوله على ألسنة الملائكة عليهم الصلاة والسلام جمعه لتعددهم، وليس هذا مخالفا لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ [سورة الثورى، الآية: ٥١] وغيره من أقسام الوحي لأنه ليس المقصود به التخصيص، وإنما اقتصر عليه لأنه الأغلب وقوله قد ذكرت في سورة الأنعام أي في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ وقد مر تحقيقه. قوله: (فإن شككتم فيه الخ (ليس بيانا لأنه جواب شرط مقذو بل بيان لحاصل المعنى فلا يرد عليه أن للنحاة في مثله قولين إمّا أنه جواب مقدم أو دليل الجواب وهذا مخالف للقولين، وهذا جار على الوجوه الآتية في إعراب قوله بالبينات إلا الأخير كما ستراه، وقوله أهل الكتاب إشارة إلى أن الذكر بمعنى الكتاب لما فيه من الذكر، والعظة كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ﴾ [سورة يس، الآية: ٦٩، وقوله أو علماء الأحبار أي أحبار الأمم السالفة فالذكر بمعنى الحفظ. قوله: (وفي الآية دليل
стр. 1796
على أئه تعالى لم يرسل امرأة ولا صبياً (ولا ينافيه نبوّة عيسى ﵊ في المهد فإن النبوّة أعثم من الرسالة، ولا يقتضي صحة القول بنبوة
مريم أيضا، وقد ذهب إليه جماعة، وصححه ابن السيد، وقوله إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا للدعوة العامة، وهو المدعي، والرسول على الأوّل بمعناه المصطلح، وعلى الثاني بمعناه اللغوقي، وفي نسخة ولا ملكا مكان قوله ولا صبيا. قوله: (ورذ بما روي الخ) القائل هو الجبائيّ والردّ المذكور وارد على الحصر المقتضي للعموم فلا يرد عليه أنه لا دلالة فيما روي على رؤية من قبل نبينا ﷺ لجبريل ﵊ على صورته مع أنه إذا ثبت ذلك للنبيّ رسول الله ﷺ فلا مانع من ثبوته لغيره أيضاً، وقد نقل الإمام عن القاضي أنّ مراد الجبائي أنهم لم يبعثوا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحضرة أممهم ورؤيته على صورته لم تكن بمحضر منهم وقوله وعلى وجوب الخ معطوف على قوله على أنه تعالى الخ، والوجوب مستفاد من الأمر. قوله: (أي أرسلناهم بالبينات والزبر الخ) يعني أنه متعلق بمقدر يدذ عليه ما قبله، وهو مستأنف استئنافا بيانيا ولدا عطف عليه، ويجوز الخ وإنما قدمه لأنه المختار السالم من الاعتراض! ، وفسر البينات، والزبر بما ذكر وقوله، ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلا في الاستثناء فيه تسمح لأنه متعلق بأرسلنا فقط، ودخوله في الاستثناء، والحصر بناء على ما جوّزه بعض النحاة. من جواز أن يستثنى بأداة واحدة شيآن دون عطف فيقال ما أعطى أحد شيئأ إلا زيد درهما، وأنه يجري في الاستثناء المفرع أيضا لكن أكثر النحاة على منعه كما صزج به صاحب التسهيل، وغيره وأنا تعلقه به من غير دخوله في الاستثناء على أنّ أصله ما أرسلنا بالبينات، والزبر إلا رجالاً فخلاف ظاهر الكلام، واخراج له عن سنن الانتظام وأيضاً فيه عمل ما قبل إلا فيما بعدها من غير داع، وهو ممنوع أيضا عند أكثر النحاة. قوله:) أو صفة لهم (أي للرجال لا حالاً عنه لتنكره، وتقدمه وهو معطوف على داخلا لأنه متعلق معنى بأرسلنا، وكونه مفعولاً ليوحي بواسطة الباء، ومثله يسمى مفعولاً أيضا، والحالية من ضمير الرجال في قولهم
إليهم أي نوحي إليهم ملتبسين بالبينات، وقوله فاسألوا اعتراض أي ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ بتمامها جملة معترضة لأنها شرطية أو في قوتها، وهو جار على الوجوه المتقدمة أو غير الأوّل، وتصدير الجملة المعترضة بالفاء صزج به في التسهيل وغيره، وما نقل من منعه ليس يثبت كما في الكشف، ثم إذا كان اعتراضا بين مقصوري حرف الاستثناء فمعناه: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٣] أنهم رجال ملتبسون بالبينات، وعلى هذا يقدر الاعتراض مناسبا لما تخلل بينهما وأشبه الوجوه أن يكون على كلامين ليقع الاعتراض موقعه اللائق به لفظا، ومعنى كذا أفاده المدقق في الكشف، وقوله من القائم مقام فاعله، وهو إليهم على القراءة المشهورة. قوله: (على أنّ الشرط للتبكيت والإلزام) كقول الأجير إن كنت عملت لك فأعطني حقي فإنّ الأجير لا يشك في أنه عمل، وانما أخرج الكلام مخرج الشك لأن ما يعامل به من التسويف معاملة من يظن بأجيره أنه لم يعمل فهو يلزمه بما علم، ويبكته بالتقصير مجهلا له فكذا هنا لا يشك في أن قريشا المخاطبين بهذا لم يكونوا عالمين بالكتب فيقول إن كون الرسل كذلك أمر مكشوف لا شبهة فيه: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٣] إن لم تكونوا من أهله يبين لكم أن إنكاركم وأنتم لا تعلمون ليس بسديد وانما السديد السؤال منهم لا الإنكار وقد جوّز أن لا يخص أهل الذكر بأهل الكتاب ليشمل النبيّ ﷺ وأصحابه ولو خص بهم جاز لأنهم موافقون لهم، وانكارهم إنكارهم ومنه يعلم وجه تخصيص التبكيت، والإلزام بتعلقه بتعلمون على أن الباء سببية لا زائدة، والمفعول محذوف فلا يتجه إنه يمكن اعتباره في الوجوه المتقدمة أيضا فتدبر. قوله: (وإنما سمي ذكراً لأنه موعظة وتنبيه) أي لأن فيه ذلك فالذكر من التذكير إما بمعنى الوعظ أو بمعنى الإيقاظ من سنة الغفلة، ولاشتماله على ما ذكر أطلق عليه أو لأنه سبب له، وقوله في الذكر الخ بيان لأنّ إنزاله ليس بالذات بل بالواسطة، وقوله مما أمروا بيان فما نزل وقوله كالقياس يدخل فيه إشارة النص، ودلالته، وما يستنبط منه من العقائد، والحقائق. قوله: (وإرادة أن يتأملوا فيه) قيل عليه إنّ الإرادة لا ينفك عنها المراد على المذهب الحق يعني، وهم كلهم لم يتأملوا، ويتنبهوا
стр. 1797
فيلزم الانفكاك فهو مناسب لمذهب المعتزلة، إلا أن يراد بها مطلق الطلب أو يراد تعلق الإرادة بالبعض لا بالكل إذ ليس فيه نص على كلية، وجزئية.
قوله: (المكرات السيئات) لما كان مكر لازماً جعل صفة للمصدر فهو مفعول مطلق،
ويجوز أن يكون مفعولاً به لتضمينه معنى فعل أو لا من بتقدير مضاف أو تجوّز أي عقاب السيئات أو على أنّ السيئات بمعنى العقوبات التي تسوءهم، وأن يخسف بدل منه، وعلى ذينك الوجهين هو مفعول أمن، والاستفهام إنكاريّ، ومعناه النفي وعدم وقوع الأمن على الأوّل، وعدم الانبغاء على الثاني، والباء في يخسف بهم للتعدية أو للملابسة وسيأتي تفصيله في سورة الملك. قوله: (بغتة من جانب السماء) كون ما لا يشعر به بغتة ظاهر وأمّا كونه من جانب السماء فإنه أراد به ظاهره فالتخصيص به لأنه لا يشعر به غالبا بخلاف ما يأتي من الأرض فإنه محسوس في الأكثر، وان أراد به ما لا يكون على يد مخلوق سواء نشأ من الأرض أو السماء كماقيل:
دعها سماوية تجري على قدر
فيكون مجازا لكنه لا يلائم قوله كما فقل بقوم لوط ﵊ وإن كان المثال
لا يخصص، وأمّا ما قيل الظاهر أنّ هذه الآية، وما بعدها معناهما معنى قوله: ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ فالمراد من هذه اتيانه حال نومهم وسكونهم ولا يلزم أن يكون من جانب السماء، والثانية حال يقظتهم، وتصرفهم فمع كونه لا قرينة عليه لا يناسب ما استشهد به. قوله: (متقلبين الخ) يشير إلى أنّ قوله في تقلبهم حال، ويصح أن يكون لغوأ وما ذكر بيان لحاصل المعنى، والتقلب الحركة اقبالاً وادباراً. قوله: (على مخافة بأن يهلك قوماً الخ) فالتخوّف تفعل من الخوف، والجار والمجرور حال من الفاعل أو المفعول كما قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى: والظاهر أنه من المفعول، وقوله أو على تنقصى شيئا بعد شيء فيكون المراد مما قبله عذاب الاستئصال، ومنه الأخذ شيئا فشيئاً من قوله تخوّفه، وتخونه إذا انتقصه، وقال الراغب: تخوّفناهم تنقصناهم تنقصاً اقتضاه الخوف منه، وقول عمر رضي الله تعالى عنه ما تقولون فيها أي في معنى هذه الآية، والمقصود السؤال عن معنى التخوف، وأبو كبير بالباء الموحدة شاعر هذلي معروف، والبيت من فصيدة له مذكورة في شعر هذيل، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إصلاج لما في الكشاف من نسبة البيت لزهير مع أنه ليس له، وهو مناقض لما نقله من قول الهذلي شاعرنا فإن زهيراً ليس بهذلي. قوله: (تخوّف الرحل البيت)
الرحل بالحاء المهملة رحل الناقة، وهو معروف والتامك بالمثناة الفوقية السنام المشرف، والقرد بمتح القاف، وكسر الراء المهملة، وبالدال المهملة يقال صوف قرد أي متلبد وسحاب قرد أي ركب بعضه بعضا، والتبع شجر يتخذ منه القسى، والسفن بفتح السين المهملة، وفتح الفاء والنون، هو المبرد والقدوم يصف ناقة أثر الرحل في سنامها فأكله، وانتقصه كما ينتقص المبرد العود والديوان الجريدة من دوّن الكتب إذا جمعها لأنه قطع من القراطي! مجموعة، ولا تضلوا مجزوم لأنه جواب الأمر، وهو عليكم لأنه اسم فعل أمر وفي نسخة من الكشاف لا يضل وعود النبعة من إضافة العام للخاص، وقيل المسمى للاسم. قوله:) حيث لا يعاجلكم بالعقوبةأ فإن عدم المعاجلة لرحمته بعباده، وإسهالهم ليرجعوا عما هم عليه فهذا سبب أمنهم فهو كالتعليل للمستفهم عنه فتأمل. قوله:) أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع الخ (أي رأوا هذه الصتائع، وأمثالها فليس الأمثال مقحماً وليس من قبيل مثلك لا يبخل، والصنائع هي المذكورة من هنا إلى قوله الهين اثنين، والرؤية بصرية مؤدية إلى التفكر كما أشار إليه بقوله فما بالهم لم يتفكروا، وهو المقصود من ذكر الرؤية، وقراءة التاء على الالتفات أو تقدير قل أو الخطاب فيه عام. قوله:) وما موصولة مبهمة بيانها يتفيؤوا الخ (الذي في الكشاف أن من شيء بيان، وهو الظاهر، ولكن لما كان كونها شيئا أمراً غنيا عن البيان، وإنما ذكر توطئة لصفته لأنها المبينة في الحقيقة عدل عنه المصنف رحمه الله تعالى إلى ما ذكر لأن البيان في الحقيقة إنما هو بالصفة، وقيل من ابتدائية لا بيانية، والمراد بما خلق عالم الأجسام المقابل لعالم الأرواج، والأمر الذي لم يخلق من شيء بل وجد بأمركن كما قال: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [سررة الأعراف، الآية ٥٤٠، ولا يخفى بعده وأمّا ما أورد عليه من أن السماوات، والجن من عالم
стр. 1798
الأجسام والخلق، ولا ظل لها، ومقتضى عموم ما أنه لا يخلو شيء منها عنه بخلاف ما إذا جعلت من بيانية ويتفيؤوا صفة شيء مخصصة له فقد رذ بأن جملة يتفيؤوا حينئذ ليس صفة لشيء إذ المراد إثبات ذلك لما خلق من شيء لا له، وليس صفة لما لتخالفهما تعريفاً وتنكيراً بل هي مستأنفة لإثبات أنّ له ظلالاً متفيئة، وعموم ما لا يوجب أن المعنى لكل منه هذه الصفة، ولا يخفى أنه إن أراد أنه لا يقتضي العموم ظاهراً فممنوع، وان أراد أنه يحتمله فلا يرد ردّاً لأنه مبنيّ على الظاهر المتبادر. قوله:) عن إيمانها وعن شمائلها الخ (إشارة إلى أنه كان الظاهر تطابقهما إفراداً وجمعا، وسيأتي وجه العدول عنه، وأن المعرف باللام في معنى المضاف إلى الضمير، والتفيؤ تفعل من فاء
يفيء إذا رجع وفاء لازم فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة أو التضعيف كأفاءه الله وفيأه فتفيأ، وتفيأ مطاوع له لازم، وقد وقع في قول أبي تمام:
وتفيأت ظله ممدوداً
متعذياً، والكلام في الفيء والظل، والفرق بينهما معروف في اللغة. قوله:) أي عن
جأنبي كل واحد منها الخ (إشارة إلى الجواب عن سؤال مقدر، وهو أن انبساط الظل، وانقباضه وإنما هو عن جانبي المشرق، والمغرب باعتبار ما قبل الزوال وما بعده فأشار إلى أنّ المراد بهما جانبا الشيء استعارة أو مجازاً من إطلاق المقيد على المطلق لا جانبأ لفلك على الوجهين اللذين ذكرهما الإمام الأوّل، وهو أن المراد بهما المشرق والمغرب فشبها بيمين الإنسان، وشماله فإن الحركة اليومية آخذة من المشرق، وهو أقوى الجانبين إذا طلعت الشمس يقع الاظلال في جانب المغرب إلى انتهاء الشمس إلى وسط الفلك، ثم بعده يقع في جانب المشرق إلى الغروب فهو المراد من تفيؤ الظلال من اليميق إلى الشمال، وعكسه وسيذكره المصنف رحمه الله تعالى بقوله: وقيل الخ، وترك جوابه، والثاني وهو أن البلد إذا كان عرضه أفل من الميل ففي الصيف يكون الظل في يمين البلد، وفي الشتاء في شماله لاختصاصه بقطر مخصوص، والكلام ظاهره العموم. قوله:) ولعل توحيد اليمين وجمع الخ (هذه النكتة مصححة لا مرجحة فإنه يقال لم روعي في أحدهما اللفظ، وفي الآخر المعنى، وقد وجهه ابن الصائغ بأنه نظر إلى الغاية فيهما لأنّ ظل الغداة يضمحل بحيث لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة، وهو في العشيّ على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان هذا من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ فجمع ليطابق سجدآ المجاور له كما أفرد الأوّل لمجاورة ضمير ظلاله، وقدم الأفراد لأنه أصل أخف، ولك أن تحمل كلام المصنف رحمه الله تعالى عليه، وتجعل قوله كقوله الخ إشارة إليه فتأمل، وعن اليمين متعلق بيتفيؤ، وقيل: إنه حال. قوله:) وهما حالان الخ (فهما حالان مترادفتان إن قلنا الواو حالية لجواز تعذد الحال، ومن لم يجوزه جعلها بدل اشتمال أو بدل كل من كل كما فصله السمين، وجاز من المضاف إليه لأنه كالجزء كقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣، كما مز تحقيقه أو هي عاطفة وهو ظاهر فلا تكون حالاً مترادفة بل متعاطفة، وقدم هذا لأنه واضح إذ جعل الحال الأولى من شيء، والأخرى من آخر خلاف الظاهر فلا يطالب بأنه لم لم يجعلها متداخلين كما في الوجه الآتي مع أن الآني ليس من التداخل في شيء فهو غفلة على غفلة،. قوله:) والمراد من السجود الاستسلام الخ (جواب عما يقال إنه إذا كان حالاً من الضمير الشامل للعقلاء،
وغيرهم وسجود المكلفين غير سجود غيرهم فكيف عبر عنهما بلفظ واحد، ودفعه بأن السجود بمعنى الانقياد سواء كان بالطبع أو بالقسر أو بالإرادة فلذا جاز أن يشمله لفظ أحد على طريقة عموم المجاز. قوله: (أو سجدا حال من الظلال وهم داخرون حال من الضمير) المراد من الضمير الضمير الأوّل على نهج إعادة المعرفة، وهو المضاف إليه الضلال، وهو في معنى الجمع لعوده على ما خلق من الإجرام التي لها ظلال وهذا هو الوجه المختار في الكشاف، ورجح في الكشف بأن انقيادهما مطلوب ألا ترى قوله: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [سورة الرعد، الآية: ١٥] وفيه تكميل حسن لوصف الظلال بالسجود، وأصحابها بالدخور الذي هو أبلغ، ولم يجعل حالاً من الضمير الراجع إلى الموصول في خلق لأن المعنى ليس عليه، والعامل في الحال الثانية يتفيؤ أيضا كما مرّ. قوله:) والمعنى ترجع الظلال بارتفاع الشمس الخ (يعني أن المراد من سجودها انفيادها لأمر الله بتفيوئها من جانب إلى آخر فالسجود بمعناه المتقدم، وقوله بارتفاع الشمس، وانحدارها بتناقص الظل إلى الزوال، ثم تزايده وانبساطه
стр. 1799
في جانب الشرق، وقوله باختلاف مشارقها ومغاربها فالتفيؤ انتقال الظلال من جانب إلى آخر، وقوله أو واقعة على الأرض! الخ فهو استعارة لابتنائه على التشبيه، وقيل إنه تشبيه بليغ، وقوله والإجرام في أنفسها أيضاً إشارة إلى أن قوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ حال من الضمير المضاف إليه فلا صحة لما قيل في تفسيره إنهما حينئذ حالان متداخلان، وإنه يطالب أنه لم لم يجعلهما مترادفين كما في الوجه الأوّل، ولم يذكر كون الأوّل حالاً من الظلال، والثاني من الضمير كما اختار. جار الله، ولم يذكر عكسه أحد لبعده اهـ. قوله:) وجمع داخرون بالواو الخ (يعني أنه إما تغليب أو استعارة، وكذا ضميرهم أيضأ لأنه مخصوص بالعقلاء فيجوز أن يعتبر ما ذكر فيه، ويجعل ما بعده جارياً على المشاكلة، وكان عليه بيان ذلك إذ لا وجه لعدم ملاحظة ما ذكر فيه، وقيل على الثاني الدخور استعارة، والجمع ترشيح، وفيه نظر. قوله: (وقيل المراد باليمين والشمائل يمين الفلك الخ (هو معطوف على قوله عن أيمانها، وعن شمائلها الخ، وقد مرّ بيانه أيضاً، وقوله لأن الكواكب بيان لوجه مشابهة المشرق باليمين المستعار له لمشابهته لأقوى جانبي الإنسان الظاهر منه أقوى حركاته، وقوله الربع الغربي جعله ربعا لأنّ الظاهر منها في
حكم النصف فنصفه ربع الكرة. قوله: (يعم الانقياد لإرادته وتأثيره طبعاً الخ (لم يقل كرها أو قسراً ليقابل قوله طوعا لأنّ المراد عموم الانقياد لغير ذوي العقول مما ينقاد لإرادة الله، وأفعاله بحسب طبعه، وللعقلاء المنقادين طوعاً للأوامر والنواهي، وأمّا خروج انقيادهم قسراً فلا يضر لأنه لا يمدح به. قوله: اليصح إسناده) أي فسر بمطلق الانقياد المار ليصح إسناده من غير جمع بين الحقيقة والمجاز، وما قيل من أنه لو أريد الانقياد لإرادته طبعاً عمّ الجميع أيضاً مردود لأن إرادة الثاني منه متعينة لأنّ الآية آية سجدة فلا بد من دلالتها على السجود المتعارف، ولو ضمنا فاندفع ما قيل كونها آية سجدة يدل على أنّ المراد المنسوب للمكلفين فيها، وهو الفعل الخاص المتعارف شرعاً الذي يكون ذكره سببا لفعله سنة معتادة في عزائم السجود لا القدر الأعنم المشترك. قوله:) بيان لهما لأنّ الدبيب هو الحركة الجسمانية الخ (يعني أنه بيان لما في السماء، والأرض! لأن معنى الدبيب ما ذكر فيشمل من في السماء من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بناء على أنهم غير مجزدين، وتقييد الدبيب بكونه على وجه الأرض لظهوره أو لأنه أصل معناه، وهو عامّ بقرينة المبين، وقيل إنه لو قال على أن الدبيب هي الحركة الجسمانية بطريق المجاز كان أولى، والأولى ترك مثله لقلة جدواه. قوله:) عطف على المبين به (القراءة برفع الملائكة والمبين به الدابة فعلى هذا هو معطوف على محل الجار والمجرور، وهو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف لأنّ من البيانية لا تكون ظرفا لغواً، وعلى الوجه الآخر هو معطوف على الفاعل وهو ما، وقوله عطف جبريل ﵇ على الملائكة يعني أنه من عطف الخاص على العام لاذعاء أنه لكونه أكمل الأفراد صار جنسا آخر وهذا وجه إفادته التعظيم، وقوله أو عطف المجردات منصوب معطوف على عطف جبريل فيكون المراد بما في السماوات الجسمانيات، ولا تدخل الملائكة عليهم الصلاة والسلام في ما في السماوات لأنّ المجردات ليست في حيز وجهة ووجه الاستدلال به أنّ ما في السماوات وما في الأرض بين أحدهما بالدابة والآخر بالملائكة، والتقابل الأصل فيه التغاير، والدابة المتحرّكة حركة جسمانية فلا يكون مقابلها من الأجسام لأنّ الجسم لا بد له من حركة جسمانية، وهذا دليل اقناعي فلا يرد عليه احتمال كونه تخصيصا بعد تعميم كما مرّ. قوله:) أو بيان لما في الأرض (عطف على قوله بيان لهما فتكون الدابة ما يدب على الأرض، والملائكة تعيين لما في السماء بتكرير ذكرهم تعظيماً لهم أو هما بيان لما في الأرض! ، والمراد بالملائكة ملائكة تكون فيها
كالحفظة، والكرام الكاتبين فتكون الدابة غير شاملة لهم. قوله: (وما لما استعمل للعقلاء الخ) هذا بناء على أن وضع ما أن يستعمل في غير العقلاء، وفيما يعم العقلاء، وغيرهم كالشبح المرئي الذي لا يعرف أنه عاقل أو لا فإنه يطلق عليه ما حقيقة، وكونه أولى لأنه غير محتاج إلى تغليب، وتجوّز ولا ينافيه ما ذكره في غير هذا المحل كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٩٨] من أنّ ما يختص بغير العقلاء لأنه مبنيّ على قول آخر، وقوله أولى من اطلاق من تغليبا عدل فيه عن قول الكشاف لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على
стр. 1800
التغليب لأنه معترض! بأن قرائن العموم كقوله من دابة دليل عليه، وان وجه بأنه لا دليل في اللفظ، وقرينة العموم في السابق لا تكفي لجواز تخصيصمهم من البين بعد التعميم على أنّ اقتضاء المقام العموم، وما في التغليب من توهم الخصوص الذي يؤيده السجود كاف في العدول فتأمّل. قوله: (عن عبادته) يشير إلى أنّ الضمير للملائكة عليهم الصلاة والسلام لا لما لاختصاصه بأولي العلم، وليس المقام مقام التغليب وقوله أن يرسل الخ يعني أن قوله من فوقهم إفا متعلق بيخافون، وخوف ربهم كناية عن خوف عذابه أو هو على تقدير مضاف، وقوله أن يرسل بيان لحاصل المعنى لا تقدير إعراب أو هو حال من ربهم أي كائناً من فوقهم، ومعنى كونه فوقهم قهره وغلبته كما مرّ تحقيقه في الأنعام، وقوله أو بيان له أي لقوله لا يستكبرون كما قرّره بقوله لأنّ الخ، وإذا كان حالاً فهي حالاً غير منتقلة. قوله: (وفيه دليل على أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام مكلفون) لأنّ الأمر تكليف فلا خفاء فيه كما توهم، وكون أمرهم دائراً بين الخوف والرجاء أمّا الخوف فمن حاق النظم، وأمّا الرجاء فلاستلزام الخوف له ولأنه بمقتضى الكلام إذ من خدم أكرم الاكرمين كان من الرجاء في مكان مكين فلا يرد عليه أنه لا ذكر للرجال في الآية حتى يناقش في الدلالة. فوله: (ذكر العدد مع أنّ المعدود يدل عليه) يعني المقصود النهي عن الإشراك مطلقا، ولذا قال إنما هو إله واحد وتخصيص هذا العدد لأنه الأقل فيعلم انتفاء ما فوقه بالدلالة، واثبات الوحدة لله ولضميره مع أن المسمى المعين لا يتعدد بمعنى أنه لا مشارك له في صفاته، وألوهيته فلشى الحمل لغواً، ولا حاجة إلى جعل الضمير للمعبود بحق المراد من الجلالة على طريق الاستخدام، وسيأتي تحقيقه في سورة الإخلاص، وقوله تعالى، وقال الله معطوف على قوله. ولله يسجد أو على قوله، وأنزلنا إليك الذكر، وقيل
إنه معطوف على ما خلق الله على أسلوب:
علفتها تبنا وماء بارداً
أي أو لم يروا إلى ما خلق الله ولم يسمعوا ما قال الله، ولا يخفى تكلفه، ودلالة تعليل
لقوله ذكر، وقوله إليه يعني لا إلى الجنسية. قوله: (أو إيماء بأنّ الاثنينية الخ (حاصل هذا، وما قبله دفع لأن الواحد، والمثنى نص في معناهما لا يحتاج معهما إلى ذكر العدد كما يذكر مع الجمع بأنه يدل على أمرين الجنسية، والعدد المخصوص فلما أريد الثاني صرّح به للدلالة على أنه المقصود الذي سيق له الكلام، وتوجه له النهي دون غيره فإنه قد يراد بالمفرد الجنس نحو نعم الرجل زيد وكذا المثنى كقوله:
فإن النار بالعودين تذكى وان الحرب أوّلها الكلام
وقوله أو إيماء الخ وجه آخر لذكره، وهو أنه في معنى قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة ايلانبياء، الآية: ٢٢] والفرق بيته وبين الأوّل أنه ذكر في الأوّل لدفع إرادة الجنسية، والتأكيد وفي هذا للدلالة على منافاتها للألوهية فلذا صزج بها وعقبت بذكر الوحدة التي هي من لوازم الألوهية، ومنافي اللازم منافي الملزوم فلا يرد عليه أنه ليس محلاً للعطف بأو لأنه متفرع على الدلالة على كونه مساق النهي، وكذا قوله أو للتنبيه ولا حاجة إلى الاعتذار بأنه يصلح وجها مستقلاَ فلذا عطف بأو. فوله: (أو للتنبيه (على أن الوحدة من لوازم الإلهية وهذا عكس الوجه الأوّل حيث يكون نفي التعدد لمنافاته للازم الألوهية فهو توطئة له فتدبر. قوله: (نقل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب (يعني أنه التفت عن الغيبة في إنما هو إله واحد، وهو أبلغ لأن تخويف الحاضر مواجهة أبلغ من ترهيب الغائب سيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية المقتضية للعظمة، والقدرة التائة على الانتقام، وأمّا الايقاظ وتطرية الاصغاء فنكتة عامّة لكل التفات والفاء في فإياي جواب شرط مقدر أي إن رهبتم شيئا فإياي ارهبوا، وقوله فارهبون دال على عامل إياي مفسر له، وانفصل الضمير لتقدمه على عامله لإفادة التخصيص كما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله فارهبون لا غير قال الزمخشري عوض عن الشرط المحذوف تقديم المفعول مع إفادة تقديمه الاختصاص، وأمّا عطف المفسر على المفسر بالفاء فلأن المراد رهبة بعد رهبة أو لأن المفسر حقه أن يذكر عقب المفسر، ولنا فيه تفصيل سيأتي، وقد مر نبذ منه. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
стр. 1801
معطوف على قوله إنما هو إله
واحد أو على الخبر اً ومستأنف، وقوله خلقا وملكا منصوب على التمييز للنسبة وبيان لجهة الاختصاص فيه، وفسر الدين بالطاعة وسيأتي تفسيره بالجزاء وهما أحد ما له من المعاني، وفسر واصباً بمعنى لازما على أنه حال من ضمير الدين المستكن في الظرف، والظرف عامل فيه، والوصب ورد في كلامهم بمعنى اللزوم والدوام، ولذا قيل للعليل وصب لمداومة السقم له. قوله: (من أنه الاله وحده) هو معنى قوله إنما هو إله واحد، وقوله والحقيق بأن يرهب منه معنى قوله فإياي فارهبون ولم يقل الواجب أن يرهب مع أنه مدلول الأمر وأقوى بحسب الظاهر المتبادر لأن ما ذكره مؤدي النظم وهو إن كنتم راهبين فارهبون إذ معناه أنه لا تليق الرهبة، وتحق إلا لي، وهو أبلغ من الوجوب إذ قد يجب شيء والحقيق غيره، وأوفق بالواقع وأنسب الاختصاص. قوله: (وقيل واصباً من الوصسب (كالتعب لفظا ومعنى، وفاعل حينئذ للنسب كلابن وتامر لأنّ فيه تكاليف، ومشاق متعبة للعباد، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله ذا كلفة، وإذا كان الدين بمعنى الجزاء كان واصبا بمعنى دائما، وثوابه فاعل ينقطع أو مبتدأ خبره لمن الخ، وخص العقاب بالكفرة دون فسقة المؤمنين لأنه الدائم، وما سواه منقطع ولو عمم، واعتبر الدوام بالنظير للجميع جازو لكن لا حاجة تدعو له. قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ الفاء للتعقيب، والهمزة للإنكار أي أبعد ما تقرّر من توحيده وكونه المالك الخالق لا غير فتتقون غيره والمنكر تقوى غير الله لا مطلق التقوى، ولذا تدم الغير وأولى الهمزة لا للاختصاص حتى يرد أنّ انكار تخصيص التقوى بغيره لا ينافي جوازها، ولو اعتبر الاختصاص بالإنكار لصح فيكون التقديم لاختصاص الإنكار لا لإنكار الاختصاص فتأمّل. قوله: (ولا ضاز سواه كما لا نافع غيره (إذا كان لا ضار سواه علم منه لا ينبغي أن يتقي غيره، وقد أشار بقوله كما لا نافع غيره إلى ارتباط قوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ فإنه كان الظاهر وما يصيبكم سوء إلا منه فكيف يتقي غيره فأشار إلى أنه ذكر النفع لأنه الضار النافع، وأنه اقتصر عليه اكتفاء بسبق رحمته وعمومها، وقوله وأفي شيء اتصل بكم أشار بأي إلى عموم ما على تقديري الموصولية والشرطية، وبقوله اتصل إلى أن الباء للالصاق، وأنه شامل للاتصاف وغير.، وفي الكشاف حل بكم أو اتصل بكم، وأشار به إلى تعميم متعلق الظرف. توله ة (وما شرطية او موصولة (إذا كانت موصولة فهي مبتدأ والخبر قوله من الله والفاء زائدة في الخبر لتضمنه معنى الشرص، ومن نعمة بيان للموصول، والجار والمجرور صلة وإذا كانت شرطية ففعل الشرط مقدر بعدها كما ذكره الفراء، وتبعه الحوفي، وأبو البقاء وتقديره ما يكن بكم من نعمة الخ، واعترض بأنه لا يحذف فعل الشرط إلا بعد أن خاصة في موضعين باب الاشتغال نحوه وأن أحد من المشركين
الخ، وأن تكون أن الشرطية متلوة بلا النافية، وقد دل على الشرط ما قبله كقوله: فطلقهافلست لهابكفء وألايعل مفرقك الحسام
وما عدا ذلك ضرورة والجواب أنّ الفراء لا يسلم هذا والوجه المذكور مبني على مذهبه. قوله: (متضمنة معنى الشرط باعتبار الأخبار) إشارة إلى ما ذكره النحاة. قال في إيضاح المفصل في هذه الآية إشكال من حيث إن الشرط وما شبه به يكون الأوّل فيه سبباً للثاني تقول أسلم تدخل الجنة فالإسلام سبب لدخول الجنة وهنا على العكس وهو أنّ الأوّل استقرار النعمة بالمخاطبين والثاني كونها من الله تعالى فلا يستقيم أن يكون الأوّل فيه سببا للثاني من جهة كونه فرعا عنه، وتأويله أن الآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعم جهلوا معطيها أو شكوا فيه فاستقرارها مشكوكة أو مجهولة سبب للأخبار بكونها من الله فيتحقق أنّ الشرط، والمشروط على بابه وأن ذلك صح من حيث إنّ جواب الشرط لا يكون إلا جملة، ويكون معنى الشرط فيها إما مضمونها، دماما الخطاب بها فمثال المضمون قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٧٤] الآية، ومثال الخطاب بها قولك إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، والمعنى بالمضمون معنى نسبة الجملة كقوله: ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فثبوت الأجر لهم هو مضمون الجملة، وهو مسبب عن الإنفاق، والمعنى بالخطاب بها أن يكون نفس الإعلام بها هو المشروط لا مضمونها ألا ترى أنك لو جعلت
стр. 1802
مضمون قوله فمن الله هو المشروط لكان المعنى أنّ استقرارها سبب لحصولها من الله فيصير الشرط سببأ للمشروط، ومن ثمة وهم من قال: إن الشرط قد يكون مسببا، وإذا جعلنا الخطاب أو الإخبار بنفس الجملة هو الشرط ارتفع الإشكال، وفي الكشف أنّ المقصود منه تذكيرهم وتعريفهم فالاتصال سبب للعلم بكونها من الله وهذا أولى مما قدره ابن الحاجب من أنه سبب للاعلام بكونها منه لأن قوله ثم إذا مسكم الضر الخ، يدل على أنهم عالمون بأنه المنعم، ولكن يضطرون إليه عند الالجاء ويكفرون بعد الانجاء، ويدفع بأن علمهم نزل علدم الاعتداد به منزلة الجهل فاخبروا بذلك كما تقول لمن توبخه ما أعطيتك كذا أما، وأما.
قوله: (فما تتضرعون إلا إليه) الحصر مأخوذ من تقديم الجار والمجرور، والفاء جواب
إذا، والجؤار رفع الصوت يقال جأر إذا أفرط في الدعاء، والتضرع وأصله صياج الوحش، وقوله بربهم يشركون أي يتجذد إشراكهم بعبادة غيره، وفي الآية وجهان أحدهما أن يكون
الخطاب في قوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ الخ عاما فالفريق منهم الكفرة، ومن للتبعيض، وهو الذي أشار إليه المصنف ﵀ بقوله وهم كفاركم الخ والباء في قوله بعبادة غيره سببية، والثاني أن يخص المشركين فمن للبيان على سبيل التجريد ليحسن والا فليس من مواقعه، والمعنى إذا فريق هم أنتم مشركون ويجوز على اعتبار الخصوص أيضاً كون من تبعيضية لأن من المشركين من يرجع عن شركه إذا شاهد تلك الأهوال كما صزج به في تلك الآية، والقرآن يفسر بعضه بعضا ولم تدل تلك الآية على تعين هذا لأنّ الاقتصار فيها يحتمل معنى آخر، رهو عدم الغلوّ في الكفر لا التوحيد وقوله على أن يعتبر بعضهم بالبناء للفاعل، ورفع بعضهم أي بناء على اعتبار بعضهم بما رآه فيرجع عن شركه. قوله: (كأنهم قصدوا بشركهم الخ (لما كان في موقع اللام التعليلية هنا خفاء لأنه كتعليل الشيء بنفسه وجه بأنها لام العاقبة والصيرورة، وهي استعارة تبعية والكفر بمعنى كفران النعم أو جحودها لأنه لما لم ينتج كفرهم وشركهم غير كفران ما أنعم به عليهم، وانكاره جعل كأنه علة غائبة له مقصودة منه، وقوله أو إنكار فالكفر بمعنى الجحود، وعلى الأوّل كفران النعمة، وهما متقاربان، وقوله أمر تهديد هو أحد معاني الأمر المجازية كما يقول السيد لعبده افعل ما تريد، وقوله فسوف تعلمون أغلظ وعيده إذ يفهم منه أنه إنما يعلم بالمشاهدة، ولا يمكن وصفه فلذا أبهم. قوله: (وقرئ فيمتعوا) قرأها أبو العالية ورواها مكحول عن أبي رافع مولى النبيّ ﷺ بضم الياء التحتية ساكن الميم مفتوج التاء مضارع متع مبنيا للمفعول كذا في البحر والإعراب فلا يلتفت إلى ما قيل إنه صحح في بعض النسخ المعتمدة بضم الياء وفتح الميم، وتشديد التاء من التفعيل فإن القراءة أمر نقلي لا يعوّل فيه على النسخ. قوله: (وعلى هذا) أي على قراءته مضارعا يجوز كون لام ليكفروا لام الأمر، والمقصود من الأمر التهديد بتخليتهم، وما هم فيه لخذلانهم إذ الكفر لا يؤمر به، وعلى الأمر فالفاء واقعة في جواب الأمر وما بعدها منصوب بإسقاط النون ويجوز جزمه بالعطف أيضاً كما جاز نصبه بالعطف إذا كانت اللام جارة. قوله:) أي لآلهتهم التي لا علم لها لأنها جماد الخ) فما عبارة عن الآلهة، وضمير يعلمون عائد عليه، ومفعول يعلمون متروك لقصد العموم أي لا يعلمون شيئا أو لتنزيله منزلة اللازم أي ليس من شأنهم العلم أو الضمير للمشركين والعائد محذوف كما أشار إليه بقوله أو التي لا يعلمونها. قوله: (فيعتقدون فيها جهالاث مثل أنها تنفعهم الخ) تفسير لعدم علمها لأنها معلومة لهم فالمراد بعدم علمها عدم علم أحوالها وجهالات منصوب على المصدرية أي اعتقادات هي جهالات مركبة، وقوله أو
لجهلهم فما مصدرية، واللام تعليلية لأصلة الجعل، وصلته محذوفة والتقدير يجعلون لآلهتهم نصيبا لأجل جهلهم. قوله: (من الزروع والأنعام (مرّ تفصيله في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٣٦] الآية، وقوله من أنها الخ بيان لما وزاد حقيقة ليكون افتراء، وظاهر قوله بالتقرب أنّ الافتراء هنا ليس على ظاهره وليس بمراد وتحقيق الافتراء، والفرق بينه، وبين الكذب مبسوط في محله. قوله: (يقولون الملاءلكة بنات الله) يحتمل أنهم لجهلهم زعموا تأنيثها، وبنوّتها ويحتمل كما قاله الإمام أنهم سموها بنات لاستتارها كالنساء، ولا يرد عليه أن
стр. 1803
الجن كذلك لأنه لا يلزم في مثله الاطراد، وأمّا عدم التوالد فلا يناسب ذلك. قوله: (تنزيه له من قولهم) فهو حقيقة، وقوله وتعجب منه، وفي نسخة أو بدل الواو وفي أخرى تعجيب من التفعيل، وأحسنها أو تعجيب لأنه معنى مجازي، والأوّل حقيقي، والتعجب لا يوصف الله به كما مرّ تحقيقه إلا أن يؤوّل بأنه راجع، إلى العباد أو يكون المراد منه التوبيخ فإنّ المتعجب منه مستقبح يوبخ به فاعله فتأمل. قوله: (الرفع بالابتداء) والخبر لهم والجعل كناية حينئذ عن الاختيار لأن من جعل قمسما لغيره، وقسماً لنفسه فقد اختاره، وقوله وهو- وان أفضى الخ دفع لما أورده الزجاج، وغيره من أنه مخالف للقاعدة النحوية، وهو أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل المرفوع بالفاعلية، وكذا الظاهر إلى ضميره المتصل سواء كان تعديه بنفسه أو بحرف الجر إلا في باب ظت وما ألحق به من فقد، وعدم فلا يجوز زيد ضربه بمعنى ضرب نفسه، ولا زيد- عرّ به أي مرّ هو بنفسه، ويجوز زيد ظنه قائماً وزيد فقده وعدمه وكذا لا يجوز زيدا ضبربه فلو كان مكان الضمير اسم ظاهر كالنفس أو ضمير منفصل نحو زيد ما ضرب إلا إياه، وما ضرب زيداً إلا إياه جاز فإذا عطفت ما على البنات موصولة أو مصدرية أدّى إلى تعدية فعل المضمر المتصل، وهو واو ويجعلون إلى ضميره المتصل، وهو هم المجرور باللام في غير ما استثنى وهو ممنوع عند البصريين ضعيف عند غيرهم فكان حقه أن يقال لأنفسهم، وقد اعترض أبهو حيان طى هذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [سورة مريم، الآية: ٣٥] ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [سورة القصص، الآية: ٣٢] والعجب أن منهم من ن! سب هذا لنفسه، وأجيب عنه بأنّ الممتنع إنما هو تعدي الفعل بمعنى وقوعه عليه أو على ما جر بالحرف نحو زيد مرّ به فإنّ المرور واقع بزيد وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فإنّ الجعل ليس واقعا بالجاعلين بل بما
يشتهون، ومحصله المنع في المتعذي بنفسه مطلقاً، والتفصيل في المتعدي بالحرف بين ما قصد الإيقاع عليه، وغيره فيمتنع في الأوّل دون الثاني لعدم ألف إيقاع المرء بنفسه، وهذا تفصيل حسن غفل عنه المعترض! ، ومن تبعه، والمصنف رحمه الله تعالى دفعه بطريق آخر، وهو أن امتناعه إنما هو إذا تعذى أوّلاً لا ثانيا، وتبعاً فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وقد أيد ذلك بأنه يجوز إذا انفصل الضمير كزيد ضرب أباه، وفصل العطف ليس بأقل منه وفيه نظر ظاهر، ومنهم من خصه بالمتعذي بنفسه، وجوّزه في المتعدّي بالحرف، وارتضاه الشاطبي في شرح الألفية وهو قوقي عندي. قوله:) أخبر بولادتها الما كانت البشارة الأخبار بما يسرّ وولادة الأنثى تسوءهم أشار إلى أن البشارة هنا بمعنى مطلق الأخبار وفيه مضاف مقدر، ويحتمل أنه بشارة باعتبار الولادة بقطع النظر عن كونها أنثى وكلامه يحتمله، وقيل إنه حقيقة بالنظر إلى حال المبشر به في نفس الأمر. قوله: (صار أو دام النهار كله) يعني أن أصل معناه دوام على الفعل في النهار فإمّا أن يكون على أصل معناه لأنّ أكثر الوضع يكون ليلا فيبشر به في يوم ليلته فيظل نهاره مغتما أو أنه بمعنى صار كما يستعمل أصبح وأمسى وبات بمعنى الصيرورة، وقوله النهار منصوب على الظرفية أي دام على فعله في النهار كله، ويجوز رفعه على الإسناد المجازي. قوله: (من الكآبة والحياء من الناس الخ (الكآبة بسكون الهمزة، وفتحها ممدودة الغمّ، وسوء الحال والانكسار من حزن. قوله:) واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير) سواد الوجه وبياضه يعبر به عن المساءة، والمسرّة وجعله كناية لا مجازا باعتبار أن من يغتم قد يلاحظ فيه سواد وجهه كما يسوذ وجه المخنوق لكن الظاهر أنه مجاز والتشوير من شور به إذا فعل به فعلاً يستحيا منه فتشوّر من الشوار، وهو الفرج والعرب تقول في الشتم أبدى الله شواره، والمراد به هنا الاستحياء والمعنى أنه الاغتمام أو الافتضاح القوفي. قوله:) مملوء غيظاً من المرأة (يشير إلى أن أصل الكظم مخرج النفس يقال أخذ بكظمه، ومنه كظم الغيظ لإخفائه وحبسه عن الوصول إلى مخرجه، ويقال كظم السقاء إذا مده بعد ملئه لمنعه عن خروج ما فيه، وكظيم بمعنى مشتد الغيظ مأخوذ من هذا كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وقد مر تفصيله في سورة يوسف. قوله: (من سوء المبشر به عرفاً الخ (عرفا قيد لسوء ويجوز كونه قيداً للمبشر به لأنهم كانوا لا يبشرون بها وإنما أطلقت البشارة لأنها مما يبشر به عرفا لكونه ولداً، ووجهه اسم ظل أو بدل من الضمير المستتر فيه وكظيم فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، وكلام المصنف ﵀ ظاهر في الثاني، والجملة حال من الضمير في ظل
стр. 1804
أو من وجهه أو من ضمير مسوداً ولو رفع مسودّأ صح لكنه لم يقوأ به هنا، وجملة يتوارى مستأنفة أو حال على الوجوه إلا كونه من وجهه، ومن القوم ومن سوء متعلقان به لاختلاف معني من لأنّ الأولى ابتدائية والثانية تعليلية. قرله:) محدّثاً نفسه متفكرا في أن يتركه على هون (إشارة إلى أن
الجملة الاستفهامية معمولة لمحذوف معلق عليها وعنها، والعامل حال من فاعل يتوارى، وقول أبي البقاء إن جملة أيمسكه حال إما أن يريد هذا أو جوّز وفوع الطلبية حالاً لتأويلها بمتردد، ونحوه فلا يرد عليه شيء، والهون بضم الهاء الهوان والذل، وبفتحها بمعناه، ويكون بمعنى الرفق واللين، وليس مراداً في القراءة به، وعلى هون حال من الفاعل، ولذا قال ابن عباس ﵄ معناه أيمسكه مع رضاه هوان نفسه، وعلى رغم أنفه أو من المفعولى أي أيمسكها ذليلة مهانة، والدس إخفاء الشيء، وهو هنا عبارة عن الوأد ويثده كيعده مضارع، وأده وأدا وقراءة التأنيث للجحدري، وقوله حيث الخ تعليل لسوء حكمهم وقباحته لأنّ قيد اأحيثية يذكر للتعليل، وقوله ما هذا محله أي ما هو مرذول محقور عندهم كما سيذكره بعيده. قوله: (صفة السوءا لأنّ المثل يكون بمعنى الصفة العجيبة كما مر تحقيقه، وقوله المنادية بالموت من النداء، وجعل الحاجة إلى الولد منادية بالموت لكون الموت يعقبها بغير شبهة كأنه ينادي بها كماقيل:
لدوا للموت وابنوا للخراب
ولأنّ حاجة الوالد إلى الولد لأن يخلفه والخليفة متوقف على موته، وقوله واشتهاء الذكور بالرفع معطوف على الحاجة وكذا ما بعده ووقع في نسخة استبقاء الذكور استفعال من البقاء، وهي ظاهرة ومعناهما متقارب، والوجوب الذاتي في مقابلة الحاجة إلى الولد والغنى المطلق في مقابلة الاستظهار، والجود الفائق في مقابلة خشية الإملاق الذي هو بخل في الحقيقة، والنزاهة عن صفات المخلوقين بيان لكونه أعلى من صفات غيره على المعاني السابقة وقال الطيبي الغنى مقابل الحاجة للأولاد، والنزاهة عن صفات المخلوقين مقابل الوأد خثية الإملاق والجواد الكريم مقابل لإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ، وكلها نتيجة قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥٧، الخ، وقوله المنفرد الحصر من تعريف الطرفين وحمله على الكمال لأنه المختص به ولاقتضاء صيغة المبالغة. قوله تعالى:) ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ﴾ الخ (المؤاخذة مفاعلة من فاعل بمعنى فعل أو هي مجاؤ كأنّ العبد يأخذ حق الله بمعصيته والله يأخذ منه بمعاقبته وكذا الحال في الخلق ودلالة الناس لأنهم سكان الأرض،
وكذا الدابة لأنها ما تدلث على الأرض وان جوّز المصنف رحمه الله تعالى قبل هذا تعميمها لما في السماء، وعمم الظلم للكفر والمعاصي لأنه فعل ما لا ينبغي ووضعه في غير موضعه، وقد يخص بالكفر وبالتعذي على غيره. قوله: (قط بثؤم ظلمهم) يعني أنه شامل لكل إنسان ظالما كان أو لا أمّا الظالم فبظلمه وأمّا غيره فبشآمته كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٢٥] وشامل أيضاً لغيره كما نقله عن ابن مسعود ﵁، ولأنّ الدواب خلقت لانتفاع الإنسان بها فإذا هلك لم تبق لعدم الفائدة والجعل بضم الجيم وفتح العين المهملة واللام دويبة منتنة معروفة، وخص لأنه أخس الحشرات والحجر بضم الجيم وسكون الحاء، والراء المهملة مأوى الحشرات، والبهائم. قوله: (أو من دابة ظالمة) فتنكيرها للنوع وهو مخصوص بالكفار، والعصاة على هذا بخلافه على الأؤل فإنه الجنس مطلقا، ويجوز تعميمه لغير الإنسان فيشمل بعض الدواب إذا ضرّ غيره، وقيل إن الظلم فيه الكفر فيخص الكفرة، وقوله وقيل الخ قائله الجبائي لأنه ما من أحد إلا وفي آبائه من ظلم فإذا هلكوا لزم فناء النوع بل الدواب المخلوقة لمنافع العباد على ما نقل عنه في اللباب لكن على هذا الفرق بينه، وبين القول الأوّل قليل. قوله: (سماه (أي عينه لأعمارهم أي مذة بقائهم أو عينه، وقتا لعذابهم وهو ما بعد حياتهم لإهلاكهم في الدنيا، وهما متقاربان، ولذا جعل علتهما واحدة، وقد مر الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٣٤] في الأعراف، وأنه هل هو مستأنف أو معطوف على الجملة الشرطية لا على الجزاء حتى يرد عليه ما ورد، وقوله بل هلكوا أو عذبوا لف ونشر على التفسيرين قبله. قوله: (ولا يلزم من عموم الناس وإضافة الظلم إليهم الخ (جواب عما استدل به بعض من ذهب إلى عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من ظاهر الاية حتى احتاج بعضهم إلى تخصيص الناس بالمشركين
стр. 1805
لأن الكلام فيهم وهو خلاف الظاهر، وقوله ما شاع فيهم إشارة إلى أنه من إسناد ما للكل إلى البعض كما يقال بنو تميم قتلوا قتيلا لتظاهر الأدلة والنصوص على عصمتهم فلا يقال الأصل الحمل على الحقيقة، وقوله ما يكرهونه إشارة إلى أن ما موصولة عائدها محذوف، وقوله الشركاء في الرياسة فلا يرضى أحدهم أن يشرك في ذلك مع اذعاء التشريك لله، وقوله والاستخفاف بالرسل عليهم الصلاة والسلام فهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم مع استخفافهم برسل الله المرسلين لهم، وأراذل الأموال معطوف على البنات وهو
إشارة إلى ما مرّ في الأنعام من أنهم كانوا إذا رأوا ما عينوه لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها. قوله: (وتصف ألسنتهم الكذب) هذا من بليغ الكلام وبديعه كقولهم عينها تصف السحر أي ساحرة وقذها يصف الهيف أي هيفاء قال أبو العلاء المعري: سرى برق المعرّة بعدوهن فبات برامة يصف الكلالا
وقد بيناه في محل آخر، وقوله مع ذلك أي مع ذلك الجعل، والكذب مفعول لتصف، وعلى القراءة الآتية صفة الألسنة، وأنّ لهم الحسنى بدل منه على الأولى أو بتقدير بأن لهم وعلى الثانية مفعول لتصف، وقوله وهو أنّ لهم الحسنى الخ بيان لحاصل المعنى لا للإعراب وان جاز أيضا، والمراد بالحسنى الجنة بناء على أنّ منهم من يقرّ بالبعث وهذا بالنسبة لهم أو أنه على الفرض والتقدير كما روي أنهم قالوا إن كان محمد صادقا في البعث فلنا الجنة بما نحن عليه، وهو المناسب لقوله لا جرم أنّ لهم النار لدلالته على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة فلا يرد أنهم كيف قالوا هذا وهم منكرون للبعث. قوله: (وقرئ الكذب جمع كذوب صفة للألسنة) وهو بضمتين مرفوع على أنه جمع كذوب كصبر وصبور وهو مقيس، وقيل جمع كاذب نحو شارف وشرف وهو غير مقيس، ولهذا اقتصر المصنف رحمه الله تعالى على الأوّل. قوله:) رذ لكلامهم وإثبات لضده) الرذ بكلمة لا والإئبات بجرم بمعنى كسب أي كسب ما صدر منهم أنّ لهم النار فأنّ لهم الخ في محل نصب على المفعولية وهذا قول الزجاج، وقيل في محل رفع وجرم بمعنى وجب، وثبت وهو قول قطرب، وقيل لا جرم بمعنى حقا وأن لهم النار في محل رفع فاعل حق المحذوف، وتفصيله في المطوّلات وقد مر طرف منه. قوله: (مقدّمون إلى النار الخ (قرأ نافع مفرطون بكسر الراء اسم فاعل من أفرط إذا تجاوز أي متجاوز والحد في معاصي الله وأفعل قاصر، والباقون بفتحها اسم مفعول من أفرطته بمعنى تركته ونسيته على ما حكاه الفراء أي هم منسيون متروكون في النار أو من أفرطته بمعنى قدمته من فرط إلى كذا بمعنى تقدم، وقال معناه مفرطون إلى النار يتعجلون إليها من أفرطته، وفرطته إذا قدمته، ومنه الفرط للمتقدم، وقرأ أبو جعفر مفرّطون بتشديد الراء المكسورة من فزط في كذا إذا قصر وفي رواية عنه بالفتح والتضعيف، وقرئ أن بالكسر فيهما على أنها جواب قسم أغنت عنه لا جرم. قوله:) فأصروا على قبائحها الخ (هو إفا تفسير لما زينه الشيطان لهم أو تفريع
عليه. قوله: (أي في الدنيا وعبر باليوم عن زمانها الخ (أي موالاته لهم في مدة الدنيا ومآربها ولما كان اليوم يستعمل معرّفا لزمان الحاًل كالآن وليس الشيطان وليا للامم الماضية في زمان الحال وجه بان ضمير وهو وليهم إن عاد إلى الأمم الماضية فزمان تزيين الشيطان لهم أعمالهم، وان كان ماضيا صوّر بصورة الحال ليستحضر السامع تلك الصورة العجيبة، ويتعجب منها وسموه حكاية الحال الماضية وليست الحكاية المتعارفة، وهو استعارة من الحضور الخارجي للحضور الذهني أو المراد باليوم مدة الدنيا لأنها كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة، وقد ورد إطلاق اليوم على مدتها كثيراً فهو مجاز متعارف، وليس فيه حكاية لما مضى، وهي شاملة للماضي والآتي وما بينهما، والوليّ على هذين الوجهين بمعنى القرين أو المتولي لإغوائهم، وصرفهم عن الحق أو المراد باليوم يوم القيامة الذي فيه عذابهم لكنه صوره بصورة الحال استحضاراً له فهو حكاية لما سيأتي، وليس من مجاز الأول أي لا ناصر لهم في ذلك اليوم إلا هو لا بمعنى المتولي للإغواء إذ لا إغواء ثمة، ولا بمعنى القرين لأنه في الدرك الأسفل وهو نفي للناصر على أبلغ وجه على حدّ قوله:
وبلدة ليس بها أنيس! إلا اليعافير وإلا العيس
стр. 1806
أو ضمير وليهم لكفار مكة أي زين الشيطان للأمم الماضية أعمالهم فهو الآن وليّ هؤلاء لاتصالهم بهم في الكفر أو هو بتقدير مضاف. قوله: (وعبر باليوم عن زمانها) أي من جميع أزمنتها إشارة إلى وجه التجوّز وتنزيله منزلة الحال لما مر. قوله:) أو فهو وليهم حين كان الخ (عطف بحسب المعنى على ما قبله أي فهو وليهم في الدنيا أو فهو وليهم وقت تزيينه للأمم الماضية الذي هو لاستحضاره كالحال الحاضر، وهو مجاز آخر، وقوله أو يوم القيامة لتنزيله منزلة الحاضر باستحضاره لكنه في الوجه الثاني حكاية حال ماضية، وهذا حكاية حال آتية كما أشار إليه بطريق اللف بقوله على أنه الخ ولا حاجة في الوجه الأوّل إلى تأويل، وان كانت الجملة الاسمية يقترن مضمونها بزمان اأيحال لأن جعل المجموع حالاً في العرف، وقد قارنه جزء منه في الحقيقة يكفي لذلك فلا يرد عليه شيء كما قيل. قوله:) ويجوز أن يكون الضمير لقريش (أي ضمير وليهم المضاف إليه لا لمن تقدمهم كما في الوجوه السابقة، واليوم بمعنى الزمان الذي وقع فيه الخطاب، وقيل فيه بعد لاختلاف الضمائر من غير داع إليه، والى تقدير المضاف في الوجه الآتي ورذ بأن لفظ اليوم داع له، ولذا قيل إن هذا الوجه هو المناسب للقسم بعد الإنكار، وتعداد القبائح لأنه تسلية للنبيئ رسول الله ﷺ بأن أمته على وتيرة من قبلهم، وقد تبع في هذا الشارح الطيبي ﵀ وصاحب الكشف لم يرتضه حيث قال لا ترجيح لهذا الوجه من حيث التسلي إذ الكل مفيد لذلك على وجه بين وإنما الترجيح للوجه الصائر إلى استحضار
الحال لما فيه من مزيد التشفي وكون ما ذكر ليس بظاهر ظإهر، والقرينة المذكورة مصححة لا مرجحة، وإذا قدر المضاف فالضمير ليس لقريش لكن المراد بأمثال من مضى من قريش، ولذا جعل المصنف رحمه الله تعالى هذين الوجهين في قرن واحد. قوله: (والولئ القرين أو الناصر الخ (الذي في الكشاف أنه إذا كان المراد باليوم يوم القيامة كان الولي بمعنى الناصر إذ لا مقارنة ولا إغواء وجعله ناصراً فيه مع أنهم لا ينصرون مبالغة في نفيه وتهكم على حذ عتابه السيف كما مر تحقيقه، وتفصيله فإن كان قوله القرين أو الناصر على التوزيع رجع إلى ما في الكشاف لكنه فيه إجمال خفي، وقيل إنه جار على الوجوه وهو السرّ في تأخره. قوله: (وفيه بحث) فتأقل، وقوله على أبلغ الوجوه من المبالغة أو البلاغة وهو ظاهر، وقوله في القيامة جار على التفاسير السابقة وقوله للناس عممه لعدم اختصاصه بقريش، وعدم تأتيه لمن قبلهم، وقوله وأحكام الأفعال المراد بها ما لا يتعلق بالاعتقاد كرجم الزاني ونحوه معطوفان على محل لتبين الخ يعني أنهما انتصبا مفعولاً له والناصب أنزلنا ولما اتحد الفاعل في العلة والمعلول وصل الفعل لهما بنفسه ولما لم يتحد في لتبين لأنّ فاعل الإنزال هو الله وفاعل التبيين الرسول ﷺ وصلت العلة بالحرف قال في الكشاف هدى ورحمة معطوفان على محل لتبين إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعولان لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب، ودخل اللام على لتبين لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل، وإنما ينتصب مفعولاً له ما كان فعل فاعل الفعل المعلل به اهـ ما قاله الزمخشري، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى، وقال أبو حيان هذا ليس بصحيح قال المعرب قلت الزمخشري لم يجعل الصب للعطف على المحل إنما جعله بوصول الفعل إليهما لاتحاد الفاعل كما صرح به الخ ما فصله (قلت (هو مبني على أمرين أحدهما أن شرط نصبه اتحاد الفاعل، والزمان فإذا عدما جرّ باللام، ولا كلام فيه إنما الكلام فيما إذا ذكر ما فيه الئرط ونصب هل يجوز عطفه عليه أم لا فجوّزه العلامة، والمصنف رحمه الله تعالى، ومنعه أبو حيان، وبقي أمر آخر وهو أنه إذا جر ما فيه مانع آخر هل يصح أم لا كالمصدر المؤوّل بأن، والفعل فإنه لا يقع مفعولاً له نحو زرتك أن أكرمك وزرتك إكراما لك وهو محل يمتنع فيه حذف الجار مع أن فاعرفه فإنه لم يحرره الشراج كلهم فاحفظه، ومعنى كونه في محل نصب إنه في محل لو خلا من اأصموانع ظهو نصبه وهو هنا كذلك لمن تأمل هذا هو التحقيق، وما عداه تطويل بلا طائل، وقوله فإنهما الخ تعليل لظهور النصب فيهما دون المعطوف عليه فهو تعليل لما يفهم من السب ق. قوله: إ أنبت فيها الخ) يعني أن الإحياء والموت هنا استعارة لما
ذكر، وليس المراد إعادة اليابس بل إنبات مثله، وقوله سماع تدبر، وانصاف خصه بما ذكر لاقتضاء المقام له أو لتنزيل غيره منزلة العدم، وقال خاتمة المفسرين أراد بالسمع القبول كما في سمع الله لمن حمده
стр. 1807
أي لقوم يتأملون فيها، ويعقلون وجه دلالتها، ويقبلون مدلولها، وإنما خص كونها آية بهم لأن غيرهم لا ينتفع بها وهذا كالتخصيص في قوله هدى ورحمة لقوم يؤمنون وبما قرّرناه تبين وجه العدول عن يبصرون إلى يسمعون (قلت) ما ذكره الشيخان هو اللائبئ بالمقام، وبيانه أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل إلى الأمم السالفة رسلا وكتبا فكفروا بها فكان لهم خزي في الدنيا، والآخرة عقبه بأنه أرسله ﷺ بسيد الكتب فكان عين الهدى، والرحمة لمن أرسل له إشارة إلى مخالفة أمته لمن قبلهم من سعادة الدارين، وتبشيراً له ع! ييه بكثرة متابعيه وقلة مناويه، وأنهم سيدخلون في دينه أفواجا أفوأجاً ثم أقبع ذلك على طريق التمثيل لإنزاله تلك الرحمة التي أحيت من موتة الضلال إنزال الأمطار التي أحيت موات الأراضي وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ولولأ هذا لكان قوله، والله أنزل من السماء ماء كالأجنبي، عما قبله وبعده، وقوله إن في ذلك لآية لقوم يسمعون تتميم لقولنا وما أنزلنا الخ وللمقصود! بالذات منه فالمناسب يسمعون لا يبصرون ولو كان مفهماً لما لاصقه ص الإنبات لم يكن ليسمعون بمعنى يقبلون مناسبة أيضا ومن لم يقف على محط نظرهم قال في جوالجه يمكن أن يحمل على يسمعون قول الله أنزل من السماء الخ فإنه مذكر وحامل على تأمّل مدلو له " مد بر.
قوله: (دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم) أصل معنى العبر والعبور التجاوز من محل
إلى آخر، وقال الراغب: العبور مختص بتجاوز الماء بسباحة ونحوها والمشهور عمومه فاطلاق العبرة على ما يعتبر به لما ذكر لكنه صار حقيقة في عرف اللغة فالعبرة بمعنى المعبر بكسر الميم، ولا حاجة إلى جعل الدلالة بمعنى الدليل. قوله: (استئناف لبيان العبرة) أي استثناف بياني كأنه قيل كيف العبرة فيها فقيل نسقيكم الخ ومنهم من قدر هنا مبتدأ وهو هي نسقيكم، ولا حاجة إليه. قوله: (وإنما ذكر الضمير الخ) يعني أنه ذكر ضميره تارة، وأنث أخرى لأنه اسم جمع لا جمع إذ بناء أفعال يكون في المفردات كبرمة أعشار وثوب أسمال، وما كان كذلك فهو اسم جمع، واسم الجمع كرهط، وقوم يجوز تذكيره وافراده باعتبار لفظه وتأنيثه، وجمعه باعتبار معناه فلذا ورد بالوجهين في القرآن وكلام العرب هذا ما أراده المصنف رحمه الله تعالى، وستسمع تحقيقه، وبيان الحق فيه عن كثب. قوله: (ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال الخ) اعلم أنّ كلام سيبويه في كتابه تناقض في هذا، وأنه قال في موانع الصرف في صيغة منتهى الجموع، وكونها من الموانع دون غيرها ما نصه، وأئا أفعال
فقد يقع للواحد، ومن العرب من يقول هو الأنعام وقال : ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وقال أبو الخطاب: سمعت العرب تقول هذا ثوب أكياش وقال في باب الزوائد ليس في الكلام أفعال إلا أن يكسر عليه اسم اهـ وقد اضطرب الناس في توجيهه والتوفيق بين كلاميه فذهب أبو حيان رحمه الله تعالى إلى تاويل ما في باب الموانع، وابقاء الثاني على ظاهره وأنّ أفعالاً لا يكون من أبنية المفرد أصلاَ، وأمّا قوله، وأما أفعال فقد يقع للواحد فمراده أنه يستعمل مجازآ بمعنى النعم فيعامل معاملته بأفراد الضمير وتذكيره لا أنه مفرد صيغة ووضعاً بدليل ما صرّج به في المحل الآخر من أنه لا يكون إلا جمعا، واعترض عليه بأنّ مقصود سيبويه رحمه الله تعالى ما ذكر في باب ما لا ينصرف الفرق بين صيغة منتهى الجموع، وأفعال وفعول حيث منع الصرف للأوّل دون الثاني لوجوه منها أن الأوّلين لا يقعان على الواحد بخلاف الآخرين كما أوضحه بما لا شبهة فيه فلو لم يكن وقوع أفعال على الواحد بالوضع لم يحصل الفرق فلا يتم مقصود سيبويه نعم كلام في تدافع كلاميه، وأيضا لو كان كذلك لم يختص ببعضهم وأيضآ أن التجوّز بالجمع عن الواحد يصح في كل جمع حتى صيغة منتهى الجموع، والحق في دفعه أنه لا تعارض بين كلاميه فإنه فرق بين مفاعل، ومفاعيل وأفعال، وفعول بأنّ منتهى الجموع لا يجمع وغيره يجمع فأشبه الآحاد ثم قواه بأنّ قوما من العرب تجعله مفرداً حقيقة في لغتهم وأشار إلى أنها لغة نادرة وما ذكره في الباب الآخر بناء على اللغة المتداولة، وقوله فرق بينهما بوجوه لا وجه له كما يعرفه حملة الكتاب وبهذا عرفت ما في كلام المصنف رحمه الله تعالى، وأما ما قيل إنّ كون بناء أفعال منه ما هو مفرد لا يلزم منه أن الأنعام كذلك فلا تنافي بين كلاميه فمن قلة التدبر، وفي الكشاف يجوز أن يفال في الأنعام وجهان
стр. 1808
أحدهما أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل، وأن يكون اسما مفرداً مقتضيا لمعنى الجمع كنعم فإذا ذكر فكما يذكر نعم في قوله:
في كل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه
واذا أنث ففيه وجهان أنه تكسير نعم وأنه في معنى الجمع ولا يخفى ما فيه فإنه إذا وقع
مفرد ألا يكون جمعاً بل اسم جمع والاستدلال عليه بنعم لا يتم لأنه من أوزان المفردات. قوله: (كأخلاق) جمع خلق ضد جديد، وهو فيما سمع من قولهم ثوب أخلاق وثوب أكياش بياء تحتية بعد الكاف وشين ومعجمة، وهو ثوب غزل مرّتين وفي الأزهري أنه ضرب من برود اليمن ونقل فيه ضبطه بباء موحدة بدل التحتية، وروي فيه أكراش أيضا فكلها بمعنى، وقد ورد أفعال صفة للمفرد في ألفاظ منقولة في المطوّلات. قوله: (ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض الخ (فإن قلت كيف يكون جمع نعم، والنعم تختص بالإبل والأنعام يقال للإبلى والبقر والغنم مع أنه لو اختص كان مساوياً له قلت من يراه جمعاً له يخص الأنعام أو يعمم النعم
ويجعل التفرقة ناشئة من الاستعمال ويجعل الجمع للدلالة على تعدد الأنواع، وكون الضمير للبعض إمّا أنه يعود على البعض المقدّر أي بعض الأنعام أو على الأنعام باعتبار بعضها، وهو الإناث التي يكون اللبن منها أو على البعض المفهوم منها. قوله: (أو لواحده) كما في قول ابن الحاجب: المرفوعات هو ما اشتمل على علم الفاعلية، وقوله على المعنى لأنّ الألف، واللام لجنسية تسوي بين المفرد والجمع في المعنى فيجوز عود ضمير كل منهما على الآخر كما في تفسير النيسابوري أو الضمير له باعتبار ما ذكر. قوله: (نسقيكم بالفتح هنا وقي المؤمنين (والباقون بضمها فيهما واختلف فيه هل سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد أم بينهما فرق فقيل هما بمعنى، وقيل بينهما فرق فسقى للشفة وأسة ى للأر ض، والشجر وقيل سقاه بمعنى رواه بالماء، وأسقاه بمعنى جعله شربا معدا له وفيه تفصيل في اللغة. قوله: (فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد الخ) بين يقتضي متعددا، وهو هنا الفرث أي الروث ما دام في الكرس والدم فيكون مقتضى النظم توسط اللبن بينهما كما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فالبينية على حقيقتها، وظاهرها لكن ما ذهب إليه الحكماء يخالفه لأن الدم، واللبن عندهم لا يتولدان في الكرش لأنّ الحيوان إذا ذبح لم يوجد في كرشه دم، ولا لبن ولأنّ الدم لو كان في الكرش خرج بالقيء فلذا أوّل بأنّ المراد أنّ اللبن ينشأ من بين أجزاء الفرث، ثم من بين أجزاء الدم فإذا ورد الغذاء الكرس انطبخ فيه وتميزت منه أجزاء لطيفة تنجذب إلى الكبد فينطبخ فيها ويحصل الدم فتسري أجزاء منه إلى الضرع، ويستحيل لبنا فاللبن إنما يحصل بين أجزاء الفرث، ثم من بين أجزاء الدم فالنسبة، والبينية مجازية كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى فقوله وهو الأشياء المأكولة، وفي نسخة بعض الأشياء الخ، وضمير هو للفرث، وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رواه الكلبيّ عن أبي صالح رضي الله تعالى عنهما، ولا ينافي هذا قوله فيما سيأتي، ويبقى ثفله وهو الفرث أمّا على النسخة الثانية فظاهر، أما على الأولى فكذلك لأنه لا يزول الاسم بزوال بعض الأجزاء فإن الرجل مثلاً يسمى رجلا، وان قطعت يده، والبينية على ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مكانية حقيقية بحسب الظاهر، والمصنف رحمه الله تعالى أوّله بما ذكر فهي مجازية أيضاً، والداعي ما مرّ من كلام الحكماء وقوله لأنهما
لا يتكوّنان تعليل لكون المراد ما ذكر، وصفاوة الطعام كصفوته ما صفا منه وخلص وقوله يمسكها أي يمسك الكبد الصفاوة وريثما يهضمها بمعنى مقدأر زمان هضمها، وهو منصوب على الظرفية كما مرّ وهذا هو الهضم الثاني الذي تحصل منه الأخلاط الأربعة ثم تذهب الصفراء إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والماء إلى الكلية ومنها إلى المثانة، والمرّتين تثنية مرّة بكسر الميم، وتشديد الراء، والمراد بهما السوداء والصفراء تغليبا والأخلاط جمع خلط بالكسر، وهو معروف. قوله:) ثم يوزع الباقي) أي بعد الدخول في الأوردة، وهي العروق الثابتة في الكبد وهناك يحصل هضم ثالث كما فصل في مض لمه وزيادة أخلاط الأنثى لغلبة البرودة، والرطوبة على مزاجها، وقوله لأجل الجنين أي ليكون ثديه وتغذيته، والضروع جمع ضرع وهو الثدي، وانصبابه ليتغذى به الطفل بعد فصاله. قوله. لأومن الأولى تبعيضية (متعلقة بنسقيكم
стр. 1809
أيضا، ولا يضره اتحاد متعلقهما لاختلاف معناهما على ما عرف في النحو، ويجوز كون الأولى ابتدائية أيضا فتكون الثانية، ومجرورها بدلاً منها بدل اشتمال. قوله: (لأن بين الفرث والدم المحل) إن لم تكن بين لازمة الظرفية كما سيجيء تحقيقه في العنكبوت يصح رفع المحل خبراً لأن ولا إشكال في نصبه، وقوله لتنكيره علة لتقديمه، وكذا ما بعده، وكونه موضع العبرة ظاهر، وهو مرجح الحالية على الوصفية. قوله: (صافياً) قيل الصحيح هو التفسير الثاني لابتناء هذا على أن محل اللبن بين الفرث والدم وهو وهم ورد بأنه يكفي لصحته كون أصل اللبن الأجزاء اللطيفة في الفرث ولا يضره بعد مكان تصوّره بصورة اللبن عن محل الفرث كما لا يخفى مع أنّ عد ما ذكر مع كونه ظاهر النظم، وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهما لا يليق وليس المصنف رحمه الله تعالى غافلا عنه بعدما فصله قبيل هذا، وكونه سهل المرور لدهنيته، وقد قيل إنّ أحداً لم يشرق بلبن قط، وهو مرويّ عن السلف. قوله: (متعلق
بمحذوف الخ (في إعرابه وجوه أظهرها وهو هذا أنه متعلق بمحذوف تقديره نسقيكم، وهو من عطف جملة على أخرى وهو أولى من تقدير خلق أو جعل بهما ذكره أبو البقاء لدلالة نسقيكم المتقدم عليه وأما الاستغناء عن التقدير بعطفه على قوله مما في بطونه فيكون من عطف بعض متعلقات الفعل على بعض كقولك سقيته من اللبن ومن العسل فلم يذكر مع أنه أقرب لأن نسقيكم الملفوظ به وقع تفسير العبرة الأنعام فلا يليق تعلق هذا به لأنه لا تعلق له بتلك العبرة وكذا جعله متعلقا بما في الاسقاء من معنى الإطعام أي نطعمكم منها فينتظم المأكول منها، والمشروب المتخذ من عصيرهما، وأما إذعاء أنه ليس ببيان فخلاف الظاهر، ومخل بالانتظام، ومن عصيرهما بيان للمعنى المراد، وتقدير المضاف اللازم على هذا الوجه، والجائز على الوجه الثاني كما سيذكره المصنف رحمه الله تعالى وكون التعليق ثمة على التوزيع ليس بسديد، ولما كان اللبن نعمة عظيمة لا دخل لفعل الخلق فيه إضافة لنفسه بقوله نسقيكم بخلاف اتخاذ السكر فلذا أضافه لهم، وقوله لبيان الاسقاء أي المقدر لا الملفوظ. قوله: (أو بتتخذون ومنه تكرير للظرف الخ (أخره لأنه مخالف للظاهر لتقدم المتعلق، ولتكرير الظرف للتأكيد كما تقول بئ يد مررت به، وسيأتي تفسيره في سورة النور، وفي مرجع ضميره أقوال منها ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من عوده على المضاف المقدر أو على الثمرات المؤوّل بالثمر لأنه جمع معرف أريد به الجنس، وأما على الثالث فعلى ثمر المقدر، وحذف الموصوف بالجملة إذا كان بعضاً من مجرور من أو في المقدم عليه مطرد نحو منا ظعن وفينا أقام. قوله: (والسكر مصدر سمي به الخمر (فهو بمعنى السكر كالرشد، والرشد وقوله كالثمر، والزبيب دخوله في الرزق إذا لم يقدر المضاف ظاهر فإن قدر يحتاج إلى جعله معمولاً لعامل آخر مقدر، ويتم البيان عند قوله سكرأ، وهو بعيد والدبس بكسر الدال المهملة، وسكون الباء الموحدة، والسين المهملة عسل التمر، وهو عربي فصيح. قوله: (والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر الخ) قيل كيف لا تكون سابقة، وهذه السورة مكية إلا ثلاث آيات من آخرها إلا أن يكون فيه اختلاف، وهذا على قول آخر مع أنه سقط من بعض النسخ ما ذكر أو هذا جار على مجرد الاحتمال، وأفا الدلالة على كراهتها فقيل من كونها وقعت في مقابلة الحسن المقتضي لقبحها، وقيل عليه إنهما ليسا طرفي نقيض فيجورّ ثبوت الواسطة بالإباحة وفي أنّ السياق للامتنان بالنعم، ولا مقتضى للعدول، وفيه نظر والطعم بالضمّ، ثم السكون المطعوم المتفكه به كالنقل، ووجه الاستشهاد في البيت ظاهر، وعلى الوجه الآخر هو بمعنى المأكول مطلقاً،
وقوله من السكر بفتح فسكون، ويجوز كسره أيضاً قال ابن السيد في مثلثاته السكر بالفتح سد النهر، والباب ونحوه ومنه سكرت أبصارنا وبالكسر السد نفسه، ويجمع على سكور قال السري:
غناؤنا فيه ألحان السكور إذا قل الغناء ورنات النواعير
وقيل إنّ البيت المذكور كون السكر فيه بمعنى الخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنه لشغفه بالغيبة وتمزيق الأعراض جرى ذلك عنده مجرى الخمر المسكرة، وفيه أن المعروف في الغيبة جعلها نقلأ، ولذا قيل الغيبة فاكهة القرّاء. قوله: (وإلا فجامعة بين العتاب والمنة الخ (فقوله سكراً عتاب، ورزقاً حسناً امتنان
стр. 1810
ولذا وصف بالحسن دون السكر كأنه وبخهم بالجمع بين السكر والرزق الحسن وقوله، وقيل السكر النبيذ عطف على قوله السكر مصدر سمي به الخمر ففيه ثلاثة أقوال وعلى القول الأوّل هي منسوخة والمراد المطبوخ من ماء العنب والزبيب، والتمر الذي يحل منه ما دون المسكر وهو المثلث، وقوله يستعملون عقولهم إشارة إلى تنزيله منزلة اللازم. قوله:) ألهمها وقذف في قلوبها الخ (فسره غيره بسخرها لهذا الفعل والمراد بالإلهام هدايتها لما ذكر والا فالإلهام حقيقة إنما يكون للعقلاء والنحل منه ما يكون في الجبال والعياض واليه الإشارة بقوله: (اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر) وما يكون مع الناس يتعهدونه، وهو المراد بقوله ومما يعرشون) وقرىء إلى النحل بفتحتين) هذه قراءة ابن وثاب رحمه الله تعالى، وهو يحتمل أن يكون لغة وأن يكون اتباعا لحركة النون كما قاله المعرب. قوله: (بأن اتخذي الخ) فإن مصدرية بتقدير الجار، وهو باء الملابسة أو هي مفسرة للإيحاء إليها لأنّ فيه معنى القول دون حروفه، ولا ينافيه كونه بمعنى الإلهام لأنّ معنى القول فيه باعتبار معناه المشهور على أن من ألهم شيئاً يتكلم به ومثله كاف لاعتبار معنى القول فالاعتراض غير وارد. قوله:) وتأنيث الضمير (أي ضمير اتخذي وكلي، وقوله على المعنى يعني به أنه اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء، ومثله يجوز تذكيره باعتبار لفظه وتأنيثه باعتبار معناه، وهو أنه طائفة منه وجماعة وتأنيث لغة أهل الحجاز، وعليها ورد التنزيل هنا كما في قوله نخل خاوية، وورد تذكيره في قوله أعجاز نحل منقعر لكن قوله فإنّ النحل مذكر يقتضي أنّ الأصل
فيه التذكير، وتأنيثه بالتأويل وهو مذهب الزمخشري، وغيره من النحاة يخالفه كما نقلناه فمن ادّعى موافقة كلامه لهم فقد تعسف. قوله: (ذكر بحرف التبعيض) وهو من وفيه من البديع مع قوله من كل الثمرات صنعة الطباق وقوله كل ما يعرس من كرم أي يتخذ كالعرس من الكروم بهذا فسره السلف، وقوله أو سقف هو تفسير الطبري، وقوله ولا في كل مكان منها إشارة إلى أنّ التبعيض شامل للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء، ومن تستعمل لكل منهما ولا مانع من شموله لهما، وفيه كلام أفرد. بعض الفضلاء بالتاليف فإن أردت تفصيله فانظره ولا حاجة إلى جعله كلاماً مستأنفا لبيان الواقع لا من مدلول من فتأمل. قوله: (وقوله لتعسل فيه) تفعيل من العسل أي تضع العسل فيه وفوله مشبها ببناء الإنسان يعني أنه استعارة لأن البيت مأوى الإنسان، ومأوى غيره عش، ووكر وحجر ونحوه، وقوله وصحة القسمة لأنه مسدس متساوي الأضلاع، ولو كان غير مسدس بقي بينها فرج ضائعة ومثله يوضع بآلات كالبيركار وذكر البيوت واستعارتها لمأواها للتنبيه على ما ذكر، وجمع فعل على فعول بالضم فكسره لمناسبة الياء، وقوله بضم الراء هذا هو الموجوب في الن! تت الصحيحة، ووقع في نسخة بكسر الراء، وهو من تحريف النساخ. قوله: (من كل ثمرة الخ) إشارة إلى أنّ استغراق الجمع، والمفرد بمعنى، وليس الثاني أشمل على ما عرف في محله، والثمر حمل الشجرة، ويطلق على الشجرة نفسها قيل، وهو المناسب هنا إذ التخصيص بحمل الشجرة خلاف الواقع لعموم أكلها للأوراق والأزهار والثمار، ولا يخفى أنّ إطلاق الثمرة على الشجرة مجاز غير معروف، وكونها تأكل من غيرها غير معلوم، وغير مناف للاقتصار على أكل ما ينبت فيها، وقوله تشهيتها بكسر التاء لخطاب المؤنث إشارة إلى أنّ العموم عرفي، وقيل كل هنا للتكثير، وقيل إنه إشارة إلى أنه عام مخصوص بالعادة ولو أبقى على ظاهره أيضا جاز لأنه لا يلزم من الأمر بالأكل من جميع الثمرات اكل منها لأنّ الأمر للتخلية والإباحة. قوله:) فاسلكي ما أكلت الخ) سلك يكون متعداً بمعنى دخل كسلكت الخيط في الإبرة سلكا ولازما بمعنى دخل كسلك في الطريق سلوكا فإن كان متعديا فمفعوله محذوف، وهو ما أكلت، ولذا قدره المصنف رحمه الله تعالى والسبل جمع سبيل وهي الطريق، وهي تحتمل أن يكون طريقا مجازية، وهي طريق عمل العسل أو طريق إحالة الغذاء، وهي الأجواف أو حقيقية، وهي طريق المجيء والذهاب وعلى الأخير كلي
بمعنى اقصدي ا! ل فالوجوه أربعة أو ثمانية فأشار بقوله في مسالكه إلى أن نصب سبل على الظرفية، وبقوله التي يحيل أي يغير من الإحالة إلى أنّ
стр. 1811
السبل مجاز بمعني البطون، وأشار بقوله بقدرته إلى معنى إضافة السبل إلى الرب، وأشار بقوله أو فاسلكي الطرق الخ إلى وجه لزومه، والسبل مجاز عن طرق العمل وأنواعها، وقوله أو فاسلكي راجع إلى كون السبل على حقيقتها مع اللزوم فاختار من الوجوه ثلاثة وترك باقيها، وقوله من أجوافك بيان للمسالك والنور بفتح النون الزهر، وقيل على الوجه الذي اختاره إنّ النحل لا دخل لها في السلك في تلك المسالك المحيلة حتى تؤمر به فالأمر تكوبنيّ، وليس بشيء لأنّ الإدخال باختيارها فلا يضرّه كون الإحالة المترتبة عليه ليست اختيارية وهو ظاهر فليس كما زعم.
قوله: (لا تتوعر عليك ولا تلتبس) بالرفع حال من سبل ربك فإن كان تفسيراً لقوله ذللاً
مقدما عليه فلا ضير فيه إذ كثيراً ما يقدم التفسير على طريق التوطئة والتمهيد فلا يقال في مثله الأولى تأخيره أو يقال إنه بيان لمعنى إضافتها إليه فإنه مع كونه تنبيهاً سابقاً يصير قوله ذللا تأكيداً والأصل التأسيس، وقوله أي مذللة تفنن في التعبير إذ أفرد وأنث هنا لأنّ الجمع يوصف بالمفرد المؤنث كما يقال جبال راسية، وجمع في قوله وأنث ذلل إشارة إلى أنّ ذا الحال، وان كان ضمير المؤنثة المخاطبة لكته عبارة عن النحل المؤنث معنى كما مرّ فهو مطابق له فما قيل إنه اكتفى بحرف التأنيث مع كون ذللا جمعا لكون دمها، وهو السبل جامداً بخلاف النحل، وهم على وهم. قوله: (عدل به) أي بهذا القول، والباء للتعدية أو الملابسة عن خطاب النحل في اتخذي، وما بعده إلى خطاب الناس في قوله يخرج الخ ففيه التفات إذ لم يقل من بطونك، والمراد بخطاب الناس الكلام معهم بما ألقى إليهم فلا يرد أنه لا خطاب لهم هنا حتى يقال إنه باعتبار أنّ المعنى يخرج لكم أيها الناس شراب الخ، ولو قيل الخطاب في قوله إنّ في ذلك لم يبعد، وقوله لأنه محل الأنعام عليهم أي لأنّ هذا المحل بسياقه، وسباقه بيان لنعم الله على الناس، وأنهم المقصودون من خلق النحل والهامه، والمقصود معطوف على الأنعام، ولا يخلو عن ركاكة، والهامه مفعوله محذوف أي ما ذكر من الاتخاذ ونحوه وقوله لأنه مما يشرب أي مع الماء وغيره. قوله: (واحتج به) أي بهذا الكلام على هذا القول فإنهم اختلفوا فيه على أقوال المشهووة منها هذان القولان فقيل إنها تأكل ما ذكر فإذا استحال في جوفها فاءته وادخرته للشتاء، وهو المشهور وعن عليّ كزم الله تعالى وجهه في تحقير الدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرف شرابه رجيع نحل ومن ذهب إلى القول الآخر قال إنه على طريق التمثيل
والنظم ظاهر في هذا، ولذا قيل:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وان ترد ذمّه قيء الزنابير
قوله: (ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها الخ) وهذا مذهب أكثر الأطباء ورجحه الإمام، والمصنف رحمه الله تعالى رجح الأوّل لكونه ظاهر النظم والآثار معه ولأنه يحتاج إلى تأويل البطون بالأفواه لأنها تطلق على كل مجوّف كما يقال بطون الدماغ، وفي الكشف ليت شعري ما يصنع هؤلاء بقوله تعالى ثم كلي من كل الثمرات، ولا يخفى أنّ تفسير الأكل بالالتقاط وان دفع الفساد لا يدفع الاستبعاد، والتقاطها عند هؤلاء بعد الأكل والاغتذاء والطلية بتشديد اللام نسبة للطل والمراد به أجزاء صغيرة رشية من الندى وقوله كان العسل أي بنوع تغير لا إلى حدّ الاستحالة كما في القول الأوّل. قوله: (بحسب اختلاف سن النحل) فالأبيض لفتيها والأصفر لكهلها والأحمر لمسنها ولا يخفى أنه مما لا دليل عليه، وقيل اختلافه باختلاف ما يؤكل من النور. قوله: (إمّا بنفسه) جواب عما توهم من أنه كيف يكون شفاء للناس مع ضرره بالمحرورين وتهييجه المرّة ونحوها يعني أنه شفاء بنفسه وله دخل في أكثر ما به الشفاء من المعاجين والتراكيب فالتنوين للتعظيم فيحمل على بعض الأمراض أو هو للتبعيض فلا يقتضي إنّ كل شفاء به، ولا إن كل أحد يستشفي به فلا يرد عليه منع الكلية، وقوله إلا والعسل جزء منه أي فيكون له دخل في الشفاء وقال أبو حيان رضي الله تعالى عنه وأمّا السكر فمع اختصاصه ببعض البلاد محدث مصنوع للبشر، وفي شرح الشمائل أنه ﵊ لم يأكل السكر (١) وقد قيل على هذا إن جعله جزءا منه لا يقتضي انّ له دخلاً في الشقاء بل عدم ضرره إذ قيل إنّ إدخاله في التراكيب لحفظها، ولذا ناب عنه السكر في ذلك. قوله: (وعن قتادة رضي الله تعالى عنه الخ (هذا
стр. 1812
الحديث رواه البخارفي ومسلم والترمذيّ عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مع تفسير فيه، وليس في آخره كأنما نشط من عقال، وسيأتي بيانه وما فعله النبيّ رسول الله ﷺ من معجزاته الدالة على علمه بدقائق الطب من غير تعليم. قال: (في طبقات الآطباء المسمى
بالآنباء (مرض ثمامة العبسيّ من خواص المأمون بالإسهال فكان يقوم في اليوم، والليلة مائة مزة، وعجز الأطباء عن علاجه فعالجه يزيد بن يوحنا طبيب المامون، وأعطاه مسهلا فلما تناوله اتفق الأطباء على أنه لا يبقى لغد فقام إلى الزوال خمسين مرّة، ومن الزوال إلى الغروب عثرين مرّة، ثم إلى طلوع الشمس ثلاث مرات، وانقطع إسهاله ونام، وكان لا ينام قبله، ثم أصلح له طعاما فتناوله، وأفاق فسأله المأمون فقال هذا رجل في جوفه كيموس فاسد فلا يدخله غذاء، ولا دواء إلا أفسده ذلك الكيموس فعلمت أنه لا علاج له إلا قلع ذلك الكيموس بالإسهال، وان كان مخاطرة لأنه أيس منه قال: وهذه الحكاية كما روي عن النبيّ رسول الله ﷺ أنه جاء إليه رجل من العرب فقال يا رسول الله إن أخي غلب عليه الجوف وداويناه فلم ينقطع عنه بشيء فقال ﷺ : " أطعمه عسل النحل فأطعمه للاه فزاد إسهاله لآنه مسهل فراجع النبتي ﷺ فقال: أطعمه العسل فأطعمه فزاد إسهاله فشكى إليه ﵊ فقال اطعمه العسل فأطعمه في اليوم الثالث فتقاصر إسهاله حتى انقطع بالكلية فأخبر النبني ﷺ بذلك فقال صدق الله وكذب بطن أخيك! وإنما قال ذلك لأته علم أنّ في معدة المريض رطوبات لزجة غليظة قد أزلقت معدته فكلما مرّ به شيء من الأدوية القابضة لم يؤثر فيها والرطوبات باقية على حالها والأطعمة تزلق عنها فيبقى الإسهال فلما تناول العسل جلا تلك الرطوبات، وأحدرها فكثر الإسهال أوّلاً بخروجها، وتوالى ذلك حتى نفدت الرطوبة بأسرها فانقطع إسهاله وبرئ فقوله صدق الله يعني بالعلم الذي عرف نبيه ﷺ به، وقوله كذب بطن أخيك يعني ما كان يظهر من بطنه من الإسهال، وكثرته بطريق العرض! ، وليس هو إسهالاً ومرضا حقيقيا فكأنّ بطنه كاذبة في ذلك انتهى ففسر صدق الله في الحديث بما علمه في ذلك وفسره غيره بجعل العسل شفاء ودواء في الآية، وجعل كذب بطنه استعارة مبنية على تشبيهها بالكاذب في كون ما ظهر من إسهالها ليس بأمر حقيقي وإنما هو لما عرض لها، ولذا سمي مثله الأطباء زحيراً كاذبا، وفرقوا بينه، وبين الزحير الصادق بما هو معروف في علم الطب وهو وجه حسن، وغير. ذهب إلى أن قوله كذب بطن أخيك من المشاكلة الضدية كقوله: من طالت لحيته تكوسج عقله، وهي مما حققه المدقق في الكشف وغيره فمن قال إنها ليست بمعروفة وإنه إنما عبر به لأن بطنه كأنه كذب قول الله بلسان حاله لم يصب، وقوله يشتكي بطنه يصح رفعه ونصبه، وقوله فبرأ من البرء، وفي نسخة برئ كفرح، وهي لغة أيضا. قوله: (فكأنما أنشط من عقال) بالبناء للمجهول شبهه بالبعير الذي حل عقاله فأسرع الحركة، والقيام قال في النهاية أنشط حل يقال نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها، وكثيراً ما يجيء كأنما نشط من عقال بغير همزة، وليس بصحيح لما ذكرنا. قوله:) وقيل الضمير للقرآن الخ) مرضه لبعده ولدلالة الحديث، والتفسير المأثور على خلافه وقوله باًجال مختلفة منها ما هو في سن الطفولية ومنها ما هو فيما بعده، وهذا بيان للواقع، وللمراد من النظم بقرينة قوله ومنكم من يرذ إلى أرذل العمر فإنه صريح فيه، ولذا قيل
إن قوله ومنكم الخ معطوف على مقدر أي فمنكم من تعجل وفاته ومنكم الخ ويمكن حمل كلام المصنف رحمه الله تعالى عليه والخطاب إن كان للموجودين وقت النزول فالتعبير بالماضي، والمستقبل فيه ظاهر، وان كان عاما فالمضي بالنسبة إلى وقت وجودهم والاستقبال بالنسبة للخلق. قوله: (يعني الهرم الذي يشابه الطفولية الخ) وصفه بكونه مشابها لحال صغره، وبدء أمره ليتضح معنى قوله يرد فإنه لم يكن قبل ذلك حتى يتصور الرد أما إذا لوحظ نقص القوي تصوّر ذلك لأنه يرذ. لما يشبه حاله الأولى كأنه ردّ إليها، وهذا كقوله: ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [سورة يس، الآية: ٦٨] ففيه مجاز، وعلى هذا أرذل العمر الهرم مطلقا، وعلى ما يعده مقيد بذلك السن، وهو مرويّ عن السلف وإنما مرضه لأنه يختلف باختلاف الأمزجة فرب معمر لم يهرم، ورب هرم لم يبلغ ذلك السن فهو مبنيّ على الأغلب
стр. 1813
وقوله خمس وسبعون في بعض النسخ خمس وتسعون. قوله: (ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم) أشار بقوله ليصير إلى أنّ اللام هنا للصيرورة والعاقبة، وهي في الأص! للتعليل، وكي مصدرية ناصبة للفعل، والمصدر المسبوك منهما مجرور باللام على المذهب الصحيح عند النحاة والجار والمجرور متعلق بيرذ، وقوله في النسيان وسوء الفهم إشارة إلى أنّ كونه غير عالم بعد علمه كناية عن النسيان لأنّ الناسي يعلم الشيء ثم ينساه فلا يعلم بعد ما علم، وهذه صفة الأطفال أو العلم بمعنى الإدراك والتعقل، والمعنى لا يترقى في إدراك عقله وفهمه لأنّ الشالت في الترقي، والشيخ في التوقف، والنقصان، وفي الكشاف ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه، وقيل لئلا يعقل بعد عقله الأوّل شيئاً، وقيل لئلا يعلم زيادة علم على علمه الأوّل، وتحقيقه ينظر في شروحه وشيئا منصوب على المصدرية أو المفعولية، وجوّز فيه التنازع بين يعلم وعلم، وكون مفعول علم محذوفا لقصد العموم أي لا يعلم شيئا ما بعد علم أشياء كثيرة. قوله: (بمقادير أعمارهم الخ) في نسخة أعماركم، وهي ظاهرة وأما هذه فلكونه تفسيراً لا تقديرا له في كلام الله حتى يجري على مقتضاه مع أنه حينئذ يكون التفاتا، وليس لمراعاة لفظ من كما توهم لأنّ الضمير ليس له بل هو عام للمخلوقين ومنهم من فسره بأنه مستمر على العلم الكامل لا يتغير علمه بمرور الأزمان فالاستمرار تقيده اسمية الجملة، والكمال من صيغة المبالغة، وقال إنه أنسب وأحسن، وكذا الكلام في قدير، ومقتضى السياق ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى كما
يعرفه من يدري أساليب القرآن، ووصف الشاب بالنشط كحذر لأنه شأنه، والهمّ بكسر الهاء وتشديد الميم الشيخ المسن كالهمة ويقال فإن لفناء قواه. قوله: (وفيه تنبيه على أنّ تفاوت آجال الناس الخ) الحصر مأخوذ من السياق فيعلم منه أنه لا تأثير لغير القدرة في ذلك ولأنه لو كان ذلك بمقتضى ألطبيعة النوعية لم يتفاوت الإفراد فيه فتأمّل. قوله: (ومنكم موال) أي سادات لأنّ المولى يطلق على السيد والعبد، وقوله يتولون الخ إشارة لوجه إطلاقه على السيد، وهو إشارة إلى أنّ تفاوتهم فيه في الكم والكيف، وقوله حالهم على خلاف ذلك أي يتولى رزقهم غيرهم، وقوله بمعطي رزقهم أي بمعطين فحذفت نونه للإضافة أي لا يعطون رزقهم للمماليك بل ما ناله المماليك رزق أنفسهم لكنه أجراه على أيديهم من غير نقص لما قدر لهم كما بينه بقوله فإن ما يدرّون الخ وفاعل يدرّون ضمير الذين والضمير المضاف إليه في أيديهم للموالي، وضمير عليهم ورزقهم للمماليك ويدرّون بالدال المهملة، والراء المشددة من إدرار الرزق، وهو إيصاله على التوالي. قوله: (فالموالي والمماليك الخ) يعني أن ضميرهم راجع لجملة ما قبله من الذين فضلوا وما ملكت أيمانهم، والمعنى أنهم مستوون في تقدير الرزق، وان كان بعضهم واسطة لبعض، والمراد باستوائهم استواؤهم في أنّ كلا مرزوق يناله ما قدّر له من غير زيادة، ولا نقص فاندفع ما يتوهم من أن الاستواء ينافي تفضيل الموالي المتقدم، وقوله في أنّ الله رزقهم أي الكل، وقوله لازمة للجملة المنفية فالفاء تفريعية، وعلى الوجه الآخر إن أريد بالتقرير التقرير ببيان وجهها فالفاء تعليلية، وإن أريد أنها مؤكدة لها لكون مدلوليها لشيء واحد فالفاء هي الأولى بعينها أعيدت للتأكيد، ولتغاير هذين الوجهين فيما ذكر أتى بأو فليس عطفه بالواو أولى كما توهم. قوله:) ويجورّ أن تكون واقعة موقع الجواب الخ) يعني أنها واقعة موقع فعل منصوب في جواب النفي تقديره فما الذين فضلوا براذي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا، وهو في تأويل شرط وجزاء، وأشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله فيستووا حيث أتى به فعلاً منصوبا، وقال واقعة موقع الجواب لأنها ليست فعلية، ولهذا أوّلها بالفعل، وقد جوّز فيه أيضا أن يكون في تأويل فعل مرفوع معطوف على قوله برادّي أي لا يردون فلا يستوون نحو ما تأتينا فتحدثنا، وضمير يستووا للكل، وعلى أنه متعلق بتكون وضمير لا
يرضون للمشركين، وعلى هذا فالتساوي منفيّ، وعلى الأوّل مثبت لهم. قوله: (فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته) في الكشاف أن المعنى أنه جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم، وهم بشر مثلكم، واخوانكم فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس، والمطعم كما
стр. 1814
يحكى عن أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله رسول الله ﷺ يقول: " إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون " فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت أفبنعمة الله يجحدون فجعل ذلك من جملة جحود النعمة، وقيل هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم أنتم لا تسوّون بينكم، وبين عبيدكم فيما أنعصت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء، وقيل المعنى أنّ الموالي، والمماليك أنا رازقهم جميعاً فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردّون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم قال الشارح رحمه الله تعالى وتبعه غيره فسر الآية بوجوه أحدها بين فيها حسن الملكة وثانيها أن يكون تمثيلاً والممثل به ما تعورف بين الناس من أحوال السادات مع المماليك فذكر لتوبيخ المشركين، وثالثها أنها بيان للجميع لأن جميع النعم المعدودة من أوّل السورة إلى هنا واصل منه تعالى للعبد سواء الحرّ وغيره لئلا يمن أحد على أحد، ووجه كونه تمثيلا بأنّ القرينة عليه كون الآية تخلصاً إلى بيان قبائح الكفار وكفرانهم النعم في قوله، ويعبدون من دون الله الخ وقوله أفبنعمة الله يجحدون تنبيه على القرينة، وفيه بحث فإن معناه الحقيقي مراد منه بلا شبهة فلا يصح أن يكون تمثيلا بالمعنى المتعارف فالظاهر أنه كناية عما ذكر إلا أن يريد بالتمثيل كونه مثالاً، ونظيراً له والقرينة المذكورة لإرادة التمثيل بالمعنى المذكور ما ذكر وهذا كما قاله في سورة الروم: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ [سورة الروم، الآية: ٢٨] وقيل الفرق بين الأقاويل أن نعمته تعالى في القول الأوّل والثالث هي الرزق وفي القول الثاني نعمة الله مطلقا هذا والجحود في القول مجارّ عن الكفران لأنّ جحود النعمة ملزوم له واطلاق الملزوم على اللازم مجاز وفي الثالث استعارة شبه منع الرزق من المماليك بالجحود وفيه تأمل والى الوجه الثاني أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله
ردّ وإنكار الخ، وكذا قوله يتخذون له شركاء وقوله فإنه يقتضي بيان لإطلاق الجحد على الشرك، وقوله أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بيان لأنّ المراد من نعمة الله ما أنعم به من إقامة الحجج، وإيضاح السبل وارسال الرسل ولا نعمة أجل منها، وهو معطوف على قوله حيث يتخذون ولما كان الجحود يتعدى بنفسه فعدى بالباء كما في قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [سورة النمل، الآية: ٤ ا] أشار إلى أنّ تعديه بالباء لتضمنه معنى الكفر أو لما فيه من معناه، وقريب منه ما قيل إنه من حمل النظير على النظير فالتضمن اصطلاحيئ أو لغوي. قوله: (وقرأ أبو بكر تجعدون بالتاء) أبو بكر رحمه الله تعالى أحد القراء السبعة والباقون قرؤوا بالياء التحتية لسبق الخطاب في قوله بعضكم، والغيبة في قوله فما الذين الخ فروعيا فيهما. قوله:) أي من جنسكم الخ الما كانت النفس لها معان كالذات، وهو أشهرها، ولا يستقيم هنا كغيره فسرها بالجنس وهو مجازاً ما في المفرد أو الجمع لأنّ الذوات مجموعها جنس واحد فتدبر، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم نكاح الجن. قوله: (وقيل هو خلق حوّاء من آدم) قيل عليه لا يلائمه جمع الأنفس، والأزواج وحمله على التعظيم تكلف غير مناسب للمقام، وكذا كون المراد منهما البعض أي بعض الأنفس وبعض الأزواج وكأنه وجه تمريضه، والذاهب إليه رأى أن حوّاء خلقت من نفس آدم ﵊ كما مرّ فهو أنسب بالنظم مما قبله. قوله: (وحفدة) الحفدة جمع حافد ككاتب وكتبة كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو من قولهم حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفدانا إذا أسرع في الخدمة والطاعة وفي الحديث: " إليك نسعى ونحفد " وقد ورد لازما ومتعدياً وقيل أحفد أيضا، وقيل أصل معناه سرعة القطع وقيل مقاربة الخطو وفي معناه اختلاف فقيل هو ولد الولد وكونهم من الأزواج حينئذ يكون بالواسطة وإذا كان بمعنى البنات فلا واسطة، وقوله فإن الحافد الخ بيان لوجه تخصيص الحافد ومعناه الخادم من الأقارب أو مطلقا بهن واختيار التعبير به لتعارفهن بالخدمة التامة لشفقمتهن على الآباء، والأمهات والأختان الأصهار، وقوله على البنات وقيده به ليخرج أزواج القرائب ممن يطلق الصهر عليه، ولما كان القيد إذا تقدم تعلق بالمتعاطفين، والأصهار
ليسوا من الأزوأج جعلوا حفدة على هذا منصموبا بمقدر أي
стр. 1815
وجعل لكم حفدة ولذا مرضه لأنه لا قرينة على تقدير ما هو خلاف الظاهر، وكذا تفسيره بالربائب جمع ربيبة وهي ابنة امرأة الرجل من غيره لأنّ السياق للامتنان ولا يمتن بها، وان قيل إنه باعتبار الخدمة. قوله: (وبجوز أن يراد بها البنون الخ) ، ولما كان الظاهر ترك العطف حيسئذ لاتحادهما بين أنه للتنبيه على تغاير الوصفين المنزل منزلة تغاير الذات وهما البنوّة والحفدة فهو كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٤٩] وقوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام
ومثله كثير فصحيح فيكون امتنانا باعطاء الجامع لهذين الوصفين الجليلين فكأنه قيل وجعل لكم منهن أولادا هم بنون، وهم حافدون أي جامعون بين هذين الأمرين. قوله: (من اللذائذ أو الحلالات) إشارة إلى أنّ الطيب إمّا بمعناه اللغوي وهو ما يستلذ أو ما هو متعارف في لسان الشرع وهو الحلال ولو قال الحلال بدل الحلالات كان أحسن لركاكته، ولا يرد على الثاني أنّ المخاطب بهذا الكفار، وهم لا شرع لهم فلا يناسب تفسيرها بها كما توهم لأنهم مأمورون ومكلفون بها كما بين في الأصول، وأيضاً فهم مرزوقون بكثير من الحلال الذي أكلوا بعضه وحرموا بعضه، ولا يلزم اعتقادهم للحل ونحوه. قوله: (ومن للتبعيض الخ (المرزوق بمعنى ما رزقه الإنسان ووصل إليه، وهو بعض من كل الطيبات في الدنيا أو في الآخرة لأنّ هذا كالأنموذج لها إذ " فيها ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت " وأنموذج كنموذج بالفتح المثال معرّف نموذه، وقد مرّ تحقيقه، وضمير منها إمّا للطيبات مطلقا أو للتي في الدنيا لأنّ منها كثيراً لم يصل إليهم أو التي في الآخرة بقرينة قوله أنموذج وقوله الدنيا وهو المصرح به في الكشاف ففي عبارته الغاز. قوله: (وهو أنّ الآصنام تنفعهم الخ) يعني المراد بالباطل نفع الأصنام بشفاعتها، ونحوه وتحريم ما ذكر وفسر كفران النعم بإضافتها إلى غيره تعالى أو تحريم ما أحل منها لأنه إنكار وجحود لها في الحقيقة لأنهم إذا أضافوها لغيره فقد أنكروا كونه منعمأ بها وإذا حرموها فقد أنكروها، ثم إنه وقع في هذه الآية كما ترى وفي العنكبوت: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٦٧] بدون ضمير لأنه لما سبق في هذه السورة قوله أفبنعمة الله يجحدون أي يكفرون كما مرّ فلو ذكرت بدونه هنا لكانت تكراراً بحسب الظاهر فأتى بالضمير الدال على المبالغة، والتأكيد ليكون ترقياً في الذم بعيداً عن اللغوية، وقيل إنه أجرى على عادة
العباد إذا أخبروا عن أحد بمنكر يجدون موجدة فيخبرون عن حاله الأخرى بكلام آكد من الأوّل، ولا يخفى أنه فرق بلا فارق، وقيل آيات العنكبوت أنكرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب، وتخصيص هذه بالزيادة دون أفبالباطل لئلا تزيد الفاصلة الأولى على الثانية، ولا يخفى أنه لا مقتضى للزوم الغيبة، ولا لبس لو ترك الضمير فتأمّله، وقوله أو حرموا الخ أي كما حللوا ما حرّم الله كالميتة. قوله: (وتقديم الصلة على الفعل الخ) أي في الفاصلتين لا في هذه فقط ولا فيهما، والأولى تعلم بالقياس، وإن صح لقوله في العنكبوت، وتقديم الصلتين الخ ثم إنه ذكر للتقديم نكتتين الاهتمام لأنّ الأهئم المقدم، والأهمية لأن المقصود بالإنكار الذي سيق له الكلام تعلق كفرانهم بنعمة الله، واعتقادهم للباطل لا مطلق الإيمان والكفران، وايهام التخصيص، وأقحم الإيهام قيل لأنّ المقام ليس بمقام تخصيص حقيقة إذ لا اختصاص لإيمانهم بالباطل، ولا لكفرانهم بنعم الله لكنه مخالف لقوله في العنكبوت وتقديم الصلتين للاهتمام أو الاختصاص على طريق المبالغة وهو المصرج به في الكشاف هنا لأنهم إذا آمنوا بالباطل كان إيمانهم بغيره بمنزلة العدم، ولأنّ النعم كلها من الله بالذات أو بالواسطة فكفرانهم ليس إلا لنعمه كما قيل:
لا يشكر الله من لا يشكر الناسا
ولا منافاة بينهما لأنه إذا نظر للواقع لا حصر فيه، وان لوحظ ما ذكر يكون حصراً ادعائيا
وهو معنى الإيهام للمبالغة فلا تخالف بين الكلامين كما ظن، ولا حاجة إلى أن يقال يجوز قصد التخصيص بالنسبة إلى بعض ما عداهما على منوال القصر الإضافي، وهو الذي أراده الزمخشري. قوله: (من مطر ونبات الخ) بيان لرزقا على اللف، والنشر، وقيل إنه بيان لشيئا بإعرابيه. قوله: (ورزقاً إن جعلته مصدرا الخ) قال المعرب في نصب شيئاً وجوه أحدها أنه على المصدرية ليملك أي شيئاً من الملك، والثاني أنه منصوب برزقا، وهو منقول عن الفارسي ﵀ فإن كان الرزق يكون مصدراً كالعلم كما صرح به بعض النحاة، وأشار إليه المصنف رحمه الله تعالى فلا غبار عليه
стр. 1816
وان استعمل بمعنى المرزوق كرعي بمعنى مرعى وكان اسم مصدر ففي علمه عمل المصدر خلاف فقد منعه البصريون، وأجازه غيرهم فالنصب على مذهب أهل الكوفة والثالث أنه بدل من رزقا أي لا يملك لهم شيئا وأورد عليه أنه غير مفيد إذ من المعلوم أنّ الرزق من الأشياء، والبدل يأتي لأحد شيئين البيان أو التأكيد وليسا بموجودين هنا، وفي الكشاف ما يدفعه، وهو أن تنوين شيئا للتقليل، والتحقير فإن كان تنوين رزقا كذلك فهو مؤكد، والا فمبين وحينئذ فيصح فيه أن يكون بدل بعض أو كل ولا إشكال، وقوله دهالا أي وإن لم يكن مصدراً بل اسماً بمعنى المرزوق، وقوله تعالى: ﴿مِّنَ السَّمَاوَاتِ﴾ جؤزوا فيه
تعلقه بيملك ورزقا على المصدرية، وأن يكون صفة لرزقا. قوله:) ولا يستطيعون أن يتملكوه الخ (جؤزوا في جملة لا يستطيعون وجهين العطف على صلة ما والاستئناف، واستطاع متعذ فمفعوله محذوف أشار المصنف رحمه الله تعالى إليه بقوله أن يتملكوه أو هو اشارة إلى أن مفعوله ضمير محذوف راجع لملك الرزق وعلى هذا لا يكون نفي الاستطاعة بعد نفي ملك الرزق لغوا غير محتاج إليه فإن عاد الضمير المحذوف إلى الرزق نفسه كما في الكشاف يكون نفي الاستطاعة تأكيدا لنفي الملك أو يراد أنهم لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه ولا يتأتى لهم ذلك ولا يستقيم فهو تأسيس وهو الأولى لئلا يرد عليه ما قيل إن التأكيد يمنع من دخول العاطف لما بين المؤكد، والمؤكد من كمال الاتصال كما قزر في المعاني، وان كان مدفوعاً بأنه غير مسلم عند النحاة، وليس مطلقا عند أهل المعاني ألا ترى قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [سورة النبأ، الآيتان: ٤- ٥] وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٩ وأمّا ما قيل إنه في غير التأكيد المصطلح فهو ممنوع وأنه يجوز أن يحمل الأوّل على الحال، والثاني على الاستقبال فليس بشيء للتصريح بخلافه فهو منع للنقل ونقل لمحل النزاع فتدبر. قوله:) أو لا استطاعة لهم أصلاَ) دفع لتوهم التكرار بوجه آخر، وهو أنه منزل منزلة اللازم لا تقدير فيه، والمعنى نفي الاستطاعة عنهم مطلقاً على حذ يعطي ويمنع فالمعنى أنهم أموات لا قدرة لهم أصلا فيكون تذييلاً للكلام السابق.
قوله: (وجمع الضمير فيه وتوحيده في لا يملك (، والعود على المعنى بعد الحمل على اللفظ فصيح وارد في أفصح الكلام وان أنكره بعضهم لما يلزمه من الإجمال بعد البيان المخالف للبلاغة، وهو مردود كما فصل في غير هذا المحل، وقوله ويجوز أن يعود ضمير يستطيعون الخ هذا جواب آخر وعليه فجملة لا يستطيعون جملة معترضة لتأكيد نفي الملك عن الآلهة والمفعول محذوف كما أشار إليه بقوله شيئا وهذا وان كان خلاف الظاهر كما يشعر به التعبير بالجواز لكنه سالم عن مخالفة المشهور في العود على المعنى بعد مراعاة اللفظ فلا يرد عليه شيء. قوله: (فلا تجعلوا له مثلأ تشركونه به الخ (المثل في عبارته بوزن العلم الشبه، وليس واحد الأمثال الواقع في النظم بل بيان لحاصل المعنى فهو كما في الكشاف تمثيل للإشراك بالئه قال المدقق في الكشف أي إنّ الله تعالى جعل المشرك به الذي يشبهه بخلقه بمنزلة ضارب المثل فإن المشبه المخذول يشبه صفة بصفة وذاتاً بذات كما أن ضارب المثل كذلك فكأنه قيل ولا تشركوا وعدل عنه لما ذكر دلالة على التعميم في النهي عن التشبيه وصفاً وذاتا وفي لفظ الأمثال لمن لا مثال له نعي عظيم على سوء فعلهم وفيه إدماج لأن الأسماء توقيفية، وهذا هو الظاهر لدلالة الفاء، وعدم ذكر المثل منهم سابقا اهـ، ويجوز عندي أن يريد
أن تضربوا بمعنى تجعلوا لأن الضرب للمثل فيه معنى الجعل كما صرح به المصنف رحمه الله تعالى في سورة البقرة فيكون كقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢] على أن الأمثال جمع مثل فيكون وجهاً غير المذكور في الكشاف، وبه يظهر مغايرة ما بعده وعطفه بأو وهذا مع ظهوره لم يعرج عليه أحد من أرباب الحواشي، ولبعض الشراح هنا كلام مختل تركناه خوف الإطالة. قوله: (أو تقيسونه عليه الخ) هذا معطوف على تشركون به فهو صفة مثلا أيضاً، وضمير عليه للمثل لا لله والفرق بينه وبين ما قبله على الوجه الثاني ظاهر لفظاً ومعنى، وأمّا على الأوّل فمعنى ضرب المثل فيما قبله الإشراك بالله على أنه استعارة تمثيلية كما حقق في شروح الكشاف، ومعناه على هذا النهي عن قياس الله على غيره فضرب المثل استعارة للقياس فإن القياس إلحاق شيء بشيء، وهو عند التحقيق تشبيه مركب بمركب فأو على ظاهرها، وليست للتنويع كما توهم، وقوله فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال تعليل لهذا فقط على
стр. 1817
الوجه الأوّل، وتعليل لهما أو للثاني، ويعلم منه حال الأوّل على غيره. قوله:) فساد ما يعوّلون عليه) من التعويل بالعين المهملة، وهو الاعتماد ومن القياس بيان لما هو المعول عليه، ووقع في بعضها بالقاف بحذف إحدى التاءين من التقول، وهو الافتراء، ولا يخفى بجدها لفظا ومعنى لأن القياس ليس من الافتراء في شيء، وقوله على أنّ الخ صلة القياس لأنه يتعذى بعلى كما يتعدى بالباء وإلى قال أبو نواس:
من قاس غيركم بكم قاس الثماد إلى البحار
وجوّز فيه أن يتعلق بشيء مقدر على أنّ صلة القياس محذوفة أي بناء على أن عبادة الخ
وقوله وعظم جرمكم بالنصب عطف على فساد وهو مفعول ليعلم مقدر وقوله وأنتم لا تعلمون ذلك الإشارة إلى فساد ما تعولون عليه وعظم جرمكم على حد قوله عوان بين ذلك وذلك مفعول تعلمون، وقوله لما جرأتم عليه بالتخفيف والتشديد للرّاء يقال جرأتك على فلان حتى جرأت عليه والجراءة الإقدام والشجاعة. قوله: (فهو تعليل للنهي (قيل إنه جار على جميع الوجوه فالظاهر تأخيره، واعتذر له بأنه قدم للاهتمام، واقتضاء التفسير الأوّل له ولو أخر لم يخل من ركاكة، والظاهر أن وجه التعليل خفيّ في الأوّل فلذا احتاج إلى التصريح به، وأشار بالفاء في قوله فإنه الخ إلى اشتراكهما فيه وتقريره أنه كأنه قيل لا تشركوا به فأنتم قوم جهلة فلذا صدر عنكم ما صدر فتأمّل. قوله: (أو أنه يعلم كنه الأشياء (أي حقائقها هذا ناظر إلى قوله أو يقيسون عليه الخ. قوله:) ويجورّ أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال الخ (فعلى هذا المنهي عنه ضرب الأمثال له تعالى حقيقة والمراد النهي مبالغة عن الإلحاد في أسمائه وصفاته لأنه إذا لم
يجوز ضرب المثل له، وهو استعارة يكفي لها شبه ما فعدم إطلاق الأسماء والإثبات الصفات من غير توقيف أولى ثم ضرب مثلاً دل به على أنهم ليسوا بأهل ضرب الأمثال لأنهم على هذا الحد من المعرفة، والتقليد أو المكابرة فليس لهم إلى ضرب الأمثال المستدعي لشدة الذكاء سبيل فهذا وجه التئام ما بعده به على هذا الوجه عند صاحب الكشف، وعند المصنف رحمه الله تعالى ما أشار إليه بقوله ثم علمهم الخ وأما على الأوّل فإنه تعالى لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي، وهو الإشراك عقبه بالكشف لذي البصيرة عن حالهم في تلك الغفلة، وحال من تابعهم بقوله ضرب الله مثلا عبداً مملوكا الآية. قوله: (فضرب مثلاَ لنفسه ولمن عبد دونه) هذا باعتبار المعنى المراد من التمثيل والتثبيه كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى ولا يضره كونه إخباراً عما في اللوح أو العلم لأنّ إشراكهم وضربهم الأمثال من غير تطبيق لمفاصلها ثابت فيه أيضا مع أنه لا يتعين فيه المضي ولا الإخبار فتدبر. قوله: (الذي رزقه الله مالاً كثيرا) الكثرة تؤخذ من كونه حسنا فإنّ القلة التي هي أخت العدم لا حسن في ذاتها أو هو من قوله سراً وجهراً الدالين على كمال التصرّف وسعة المتصرف فيه. قوله: (واحتج بامتناع الإشراك والتسوية) هو عطف تفسير للإشراك، واحتج معطوف على مثل يعني المقصود من التمثيل ما ذكر من الاحتجاج وترك لأنه يعلم بالطريق الأولى ولإيهام أنه لا يليق بعاقل توهمه. قوله: (وقيل هو تمثيل للكافر المخذول الخ) يعني شبه الكافر المخذول بمملوك لا تصرف له لأنه لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأفعاله وأتباعه لهواه كالعبد المنقاد الملحق بالبهائم بخلاف المؤمن الموفق فلا لغوية في التمثيل كما قيل، وأشار بتمريضه إلى ضعفه لبعده. قوله: (وجعله قسيماً للمالك المتصرف يدل الخ) الدال على المالكية قوله ومن رزقناه لأنّ من رزق شيئا ملكه ولوقوعه في مقابلة المملوك، والتصرف من قوله ينفق منه سر الخ الواقع في مقابلة عدم القدرة على شيء من التصرفات فإن قلت جعله قسيما للمالك المتصرف إنما يلزم منه أن لا يكون مالكاً كما ذكر فإنّ المالك قد لا يكون متصرفا كالصبي والمجنون قلت هذا بناء على أنّ الملك يلزمه صحة التصرف بالذات، وأنّ قوله لا يقدر على شيء صفة كاشفة لا تقييدية، ولا يضره خروج المكاتب، والمأذون له وفيه نظر، وأفا عدم تصرف الصبيّ والمجنون فلعارض، وفقد
شرط فتأمّل وهذا رذ على من قال إنّ الآية تدل لمذهب مالك ﵀ الذاهب لصحة ملك العبد لأنّ الأصل في الصفة أن تكون مقيدة فتدبر. قوله: (والأظهر أنّ من نكرة موصوفة ليطابق عبدا) فيكون تقديره، وحرا رزقناه الخ وكل منهما نكرة موصوفة، وقوله وجمع الضمير وان
стр. 1818
تقدمه اثنان فالظاهر يستويان. قوله: (كل الحمد له) رجح كون التعريف استغراقيا واللام استحقاقية والمراد الاستحقاق الذاتيئ، وقد مر تفصيله في فاتحة الكتاب فلا يرد عليه أنه قد يحمد غير الله تعالى، ونفي الاستحقاق عن غيره لإفادة الاستغراق للحصر كما مرّ، وقوله لأنه مولى النعم كلها المراد بالنعم ما يشمل الفضائل والفواضل فلا يرد عليه أنّ الحمد أعمّ من الشكر أو أنه حمل الحمد على معنى الشكر بقرينة المقام، وقوله فضلا عن العبادة بيان لارتباطه بما قبله، ولذا قيل في تفسيره إنّ المراد الحمد لله على قوّة هذه الحجة، وظهور الحجة بل أكثرهم لا يعلمون ذلك، وقوله لا يعلمون حذف معموله اختصاراً أو اقتصاراً، وقوله فيضيفون الخ ربط له بما قبله. قوله: (ولد أخرس الخ) الخرس عدم النطق والبكم الخرس المقارن لخلقته لا العارض! ، ويلزمه الصمم فكونه لا يفهم لعدم السمع، وكونه لا يفهم غيره بالتشديد لعدم نطقه والإشارة لا يعتد بها لعدم تفهيمها حق التفهيم لكل أحد، وقوله من الصنائع، والتدابير خصه به لأنّ له قدرة على بعض الأشياء كما يشاهد منه لنقصان عقله المكتسب لأن قوّته بسلامة الحواس الظاهرة التي هي آلة له، وأمّا اكتسابه بعض الصنائع بالنظر كما تراه فلعل دفعه أنّ الصنائع ليس المراد بها الاستغراق، وفيه نظر. قوله: (عيال (في التكملة عيال جمع عيل كجياد جمع جيد، ويكون اسماً للواحد وعليه استعمال المصنف رحمه الله تعالى، وكذا استعمله صاحب المقامات كما نبه عليه الإمام المطرزي، وثقل بكسر فسكون بمعنى ثقيل، ومن يلي أمره تفسير لمولاه، وله معان أخر. قوله: (حيثما يرسله (بالجزم إشارة إلى أنها شرطية، وأنّ فاعل يوجه ضمير المولى، ومفعوله ضمير الأبكم وقوله على البناء للمفعول أي مع حذف الضمير، وهي قراءة علقمة وطلحة. قوله: (ويوجه (أي وقرئ يوجه بالبناء للفاعل والجزم، وحذف هاء الضمير فهو معطوف على قوله يوجه على البناء للمفعول، وقوله بمعنى يتوجه يعني أنه على هذه القراءة المعزية لابن مسعود ﵁، وابن وئاب وجه فيها لازم بمعنى توجه، وفاعله ضميرا لا بكم كما ورد كذلك في المثل المذكور وغيره فأوجه في المثل
المذكور بكسر الجيم معلوم لا بفتحها مجهول كما ضبط بقلم بعض النساخ فهو تحريف منه وقيل إنه على هذه متعد والفاعل ضمير الباري ومفعوله محذوف تقديره كقراءة العامّة. قوله: (أينما أوجه ألق سعدا) هذا مثل لمن يتلقاه الشر أينما سلك أو لمن يفرّ من مكروه فيقع في آخر وسعدا هنا اسم قبيلة لا اسم رجل شرير كما غلط في تفسيره به العلامة، وأصله أنّ الأضبط بن قريع السعدي كان سيد قومه فأصابه منهم جفوة فارتحل عنهم إلى قوم آخرين فرآهم يصنعون بساداتهم مثل صنيع قومه فقال أينما أوجه ألق سعدا أي قوما مثلهم في الجفوة، وقوله وتوجه الخ أي وقرئ توجه ماضياً من التفعل وفاعله ضمير الأبكم، وقوله بنجح بضم النون وسكون الجيم، والحاء المهملة هو الظفر والفوز وكفاية المهم كفاية غيره فيما يهمه ويعتني به وذكره تمثيلاً لا تخصيصاً، وهو مأخوذ من السياق. قوله: (ومن هو فهم) بكسر الهاء صفة كحذر ومنطيق بكسر الميم صيغة مبالغة في النطق قيل هو مأخوذ من الاستمرار التجدّدي الدال عليه يأمر بالعدل، وقيل إنه إشارة إلى اعتبار معنى النطق بكل ما فيه نفع للناس لا حصره في الأمر بالعدل لأنّ مقابل أبكم ناطق بكل خير ومن أخذ. من الاستمرار التجددي في المضارع جعله بمنزلة تفسير يأمر بالعدل، وليس كذلك ولا يخفى ما فيه فإنّ مقابل أبكم ناطق مطلقاً لا ما ذكر وما ذكر إن جعل تفسير المنطوق يأمر بالعدل فلا شبهة في بطلانه، وان جعل تفسيراً له باعتبار لوازمه ومدلول هيئته فلا محذور فيه كما ستسمعه عن قريب، وقوله ذو كفاية أي يكفي الناس في مهماتهم ويبلغ من مراداتهم كما يقال للوزير كافي الكفاة. قوله: (وهو على صراط مستقيم) جملة حالية مبينة لكماله في نفسه ولما كان ذلك مقدما على تكميل الغير أتى بها اسمية فإنها تشعر بذلك مع الثبوت إلى مقارنة ذي الحال فلا يقال الأنسب تقديمها في النظم كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله، وهو في نفسه الخ. قوله: (لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي (وأسهله لأن كل طريقين موصلين المستقيم منهما أقرب بديهة كما يظهر في الشكل المثلث. قوله: (وإنما قابل تلك الصفات) أي كونه أبكم، لا قدرة له ثقل على غيره لآيات بخير بهذين الوصفين يعني أمره بالعدل، وكونه على الطريق القويم لأنهما كمال مقابله، ونهايته لأنه اختير آخر صفات
стр. 1819
الكمال المستدعية لما ذكر وأزيد حيث جعله هاديا مهديا، وتحقيق ما ذكر في ضرب المثل بوجهيه يعلم بالقياس على المثل السابق. قوله: (يختص به
علمه لا يعلمه غيره (الضمير الأوّل إن كان لله، والثاني للغيب أي يختص بالله علم الغيب فالباء داخلة على المقصور عليه، وقوله لا يعلمه غيره مستفاد من تقديم الخبر لا من اللام ولو عكس حال الضمير كانت داخلة على المقصور والاختصاص بمعنى التمييز أو على القلب كما مز تفصيله وأشار بقوله علمه إلى تقدير المضاف أو هو بيان لحاصل المعنى. قوله:) بأن لم يكن محسوساً ولم يدل عليه محسوس) بتعريفه للغيب بما ذكر خرج ما أثبته أهل الهيئة من أحكام النجوم فإنّ حركات النجوم المرصودة المحسوسة دالة عليه وقوله غائب عن أهل السماوات قيل إنه إشارة إلى تقدير مضاف، ولا حاجة إليه. قوله: (وما أمر قيام الساعة) فيه إشارة إلى تقدير مضاف، والسرعة والسهولة عليه تعالى مأخوذة من تشبيهه بلمح البصر، والطرف مصدر في الأصل ويطلق على الجفن الأعلى وهو المراد هنا، وقوله أو أمرها بيان لأنّ ضمير هو راجع لأمر الساعة، وضمير منه للمح البصر، وهو بيان لأنّ متعلق أقرب محذوف للعلم به، وتلك الحركة أي حركة الطرف، وقوله كان في آن أي أيّ جزء من الزمان غير منقسم، وهذا مما تغ في استعماله الحكماء والمولدين والمذكور في كتب اللغة، والنحو أنّ الآن هو الزمان الذي تقع فيه الحركة، والسكون قولاً وفعلا، وقد وقع آن في أوّل أحواله بالألف واللام معرفة، وأنه ليس له نكرة، ولا يقال آن منكراً ولذا بني، وفيه كلام طويل في شرح أدب الكاتب. قوله:) وأو للتخيير الخ (هذا بناء على ما ذهب إليه ابن مالك من أنّ التخيير مدلول أو وأنه غير مختص بالوقوع بعد الطلب بل يقع في الخبر ويكثر في التشبيه حتى خصه بعضهم به في الخبر كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [سورة البقرة، الآيات: ١٧- ١٩] وفي شرح الهادي اعلم أنّ التخيير والإباحة مختصان بالأمر إذ لا معنى لهما في الخبر كما أن الشك والإيهام مختصان بالخبر وقد جاءت الإباحة في غير الأمر كقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ إلى قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٤] أي بأقي هذين شبهت فأنت مصيب وكذا إن شبهت بهما جميعاً ومثله في الشعر كثير فما قيل إن التخيير إنما يكون في المحظور كخذ من مالي دينارا أو درهما أو في التكليفات كالكفارات غير وارد، وكذا ما توهم أن المراد تخيير المخاطب بعد فرض! الطلب، والسؤال فلا حاجة إلى البناء على ما ذكر، وأنه مشكل من جهة أخرى، وهو أن أحد الأمرين من كون قدره قدر لمح البصر أو أقرب غير مطابق للواقع فكيف يخير الله بين ما لا يطابقه، وهذا كله من ضيق العطن فإن كون أحدهما بل كليهما غير واقع لا ضير فيه فإنه مشبه به، ولم يقل أحد بأن عدم الوقوع فيه لازم بل قد يستحسن فيه عدم الوقوع كما في قوله:
إعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
والبعرة تدلّ على البعير، وقد مر تحقيق هذا في قوله ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ . قوله:
(أو بمعنى بل) هذا مرويّ عن الفراء، وقد ردّه أبو حيان رحمه الله تعالى بأنّ الإضراب بقسميه لا يصح هنا أما الإبطاليّ فلأن إبطال ما قبله من الإسناد يؤول إلى أنه إسناد غير مطابق، ولا يصح، وأما الانتقالي فيلزمه التنافي بين الأخبار بكونه مثل لمح البصر، وكونه أقرب منه فلا يمكن صدقهما معا، وأجيب باختيار الثاني، ولا تنافي بين تشبيهه في سرعة تحققه وسهولته بما هو غاية ما يتعارفه الناس في بابه، وبين كون تحققه في الواقع فيما هو أقرب منه، وهذا بنا على أن الغرض من التشبيه بيان تحققه، وسرعته لا بيان مقدار زمان وقوعه، وتحديده فلا يرد عليه أنّ المعنى على تشبيه أمر قيام الساعة في قدر زمانه لا في حال آخر من أحواله فالمنافاة بحالها، وأجيب بما يصححه بشقيه وهو أنه ورد على عادة الناس بمعنى أن أمرها إذا سألتم عنه أن يقال فيه هو كلمح البصر، ثم يضرب عنه إلى ما هو أقرب كما قرره في الكشاف، وبينه المصنف رحمه الله تعالى بقوله الذي يقولون فيه الخ وفي قوله أيضاً مبالغة ما يشير إلى دفع السؤال رأساً فلا محذور، وقال الزجاج أو للإبهام يعني أنه يستبهم على من يشاهد سرعتها هل هي كلمح البصر أو أقل إنه لا فائدة في الإبهام هنا فتدبر، واستقرابه عده قريباً، وهو بعيد عند الناس. قوله: (فيقدر أن يحيي الخلانق الخ) أي لبعثهم إذا قامت الساعة، وذكر أمر قيام الساعة بعد غيب السماوات كذكر جبريل ﵊ بعد الملائكة، وقوله إن الله على كل شيء قدير تعليل له، وعقبه
стр. 1820
بقوله والله أخرجكم الخ. معطوفا بالواو إيذاناً بأنّ مقدوراته تعالى لا نهاية لها، والمذكور بعض منها، واليه أشار بقوله ثم دل على قدرته الخ. قوله: (امهاتكم) القرا آت وتوجيهها مفصل في محله ووزن أمّ فعل لقولهم الأمومة، والهاء فيه مزيدة والأكثر زيادتها في الجمع وورد بدونها، وقل زيادتها في المفرد، وقيل الأمّات للبهائم،،! الأمهات للأناسي، وأمّا زيادة الهاء في الفعل فنادرة. قوله:) والهاء مزيدة مثلها في إهراق الخ) هذا رذ لما قاله بعض أهل اللغة أنها أصلية، وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب هو غلط والصحيح أنهما فعلان رباعيان أأمت والهاء بدل من همزة أفعلت، وفي أهرقت عوض من ذهاب حركة عين الفعل عنها، ونقلها إلى الفاء وأصله أريقت أو أروقت على اختلاف فيه، ثم نقلت حركة الياء أو الواو إلى الراء فانقلبت ألفاً لتحرّكها وانفتاج ما قبلها الآن، وحذفت لالتقاء الساكنين، والدليل عليه أنها لو كانت فاء الفعل لزم أن يجري هرق مجرى ضرب من الأفعال الثلاثية،
وأهرقت مجرى أكرمت من الرباعي الصحيح، ولم تقله العرب. وإنما قالوا أهرقت إهريق بفتح الهاء، وكذا تفتح في اسم الفاعل، والمفعول مهريق، ومهراق بالفتح لها أو بدل من همزة لو ثبتت في تصريف الفعل فتحت فلو أبقوا تصريفه على أصله قلت في مضارعه يؤريق، وفي اسم فاعله مؤرق، ومفعوله مؤرق بفتح الهمزة فيها، ومصدره هراقة كإراقة، وإذا صرفوا أهرقت فمضارعه إهرق ومصدره إهراق، واسم فاعله مهرق، ومفعوله مهرق بسكون الهاء في جميعها فهذا يدلّ على أنه رباعيّ معتل، والهاء بدل من الهمزة أو عوض! من الحركة اص. قوله: (جهالاً الخ) يشير إلى أن الجملة حالية، وقوله مستصحبين الخ صفة كاشفة له، وتفسير للا تعلمون، وشيئاً منصوب على المصدرية أو مفعول تعلمون، والنفي منصب عليه أي لا تعلمون شيئا أصلاً من حق المنعم وغيره، وجهل الجمادية ما كانوا عليه قبل نفخ الروج. قوله:) أداة تتعلمون بها فتحسون الخ) الأداة الآلة، وجملة وجعل لكم السمع ابتدائية أو معطوفة على ما قبلها، والواو لا تقتضي الترتيب، ونكتة تأخيره أنّ السمع، ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتذ به إذا أجس وأدرك، وذلك بعد الإخراج، وجعل أن تعذى لواحد فلكم متعلق به، وهو بمعنى خلق، وان تعدّى لاثنين بمعنى صير فهو مفعوله الثاني، وفي قوله مشاعر إشارة إلى أن السمع، والبصر عبارة عن الحواس الظاهرة أو اكتفى به عن غيره إذ لكل منها مدخل في الإدراك، وقوله أداة الخ تفسير لحاصل معنى جعلها لهم، وأفرد لاتحادها في سببية الإدراك، ولو جمع كان أظهر، وكأنه تركه لئلا يتوهم دخول الأفئدة فيها وفاء فتحسون تفصيل، وتفسير لما قبله، ومشاعر جمع مشعر بفتح الميم، وكسرها محل الشعور أو آلته، والمراد الحواس الظاهرة. قوله: (فتدركونها) ترتيبه على ما قبله إمّا لأنّ تحسون بمعنى تقصدون الحس ولإدراك أو تستعملون الحواس أو بناء على تغايرهما فإنّ الإدراك للحس المشترك أو للعقل والإحساس للحواس الظاهرة، وأمّا كونه تكريراً، وتوكيداً فلا وجه له. قوله:) وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية) كان الظاهر أن يقول العلوم الكسبية لأنّ المعالم جمع معلم الشيء، وهو مظنته وما يستدلّ به عليه، وليس هذا محله، وأمّا كونه جمع معلوم أو معلومة أي قضية معلومة فتكلف لا يساعده اللفظ والاستعمال فالظاهر أنه جمع علم والمراد به الأمر الكلي الذي سيتعلق به العلم لأنه محل للعلم في الجملة وعبر به دون معلوم لأنه ليس معلوما بالفعل للزوم تحصيل الحاصل أو استعمل مفعل بمعنى مفعول مجازاً كمركب بمعنى مركوب كما في شرح المفصل، وبالنظر متعلق بتتمكنوا أو بتحصيل، والتمكن بترتيب ما عنده من المعلومات، والمشاركات تقتضي الحكم إيجابا والمباينات سلبا، ومحصله ما ذهب إليه الحكماء من أنّ النفس في أوّل أمرها خالية عن العلوم فإذا استعملت الحواس الظاهرة أدركت أموراً جزئية بمشاركات ومباينات جزئية
بينها فاستعذت لأن يفيد عليها المبدأ الفياض المشاركات الكلية، وأهل السنة لا يقولون بهذا، ويقولون النفس تدرك الكلي، والجزئي باستعمال المشاعر، وبدونه كما فصل في محله. قوله: (ير تعرفوا ما أنعم تعالى عليكم) ذكر المعرفة لأنّ مجرّد ما ذكر قبله لا يقتضي الشكر ما لم يحرف كونه نعمة منه تعالى، وتفسير لعل بكى مز تحقيقه في البقرة. قوله: (على أئه خطاب للعامة) أي جميع الخلق المخاطبين
стр. 1821
قبله في قوله أخرجكم لا على أنّ المخاطب من وقع في قوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ بتلوين الخطاب لأنه التناسب للاستفهام الإنكاري في ألم يروا، ولذا جعل قراءة الغيبة باعتبار غيبة يعبدون، ولم يجعلوه التفاتاً وحينئذ فالإنكار باعتبار اندراجهم في العامة، ولما فيه من الخفاء نص عليه فسقط ما قيل إنّ الخطاب وجهه ظاهر لأن ما قبله، وما بعده كذلك، والمحتاج إلى التوجيه قراءة الغيبة، وأمّا ما قيل إنّ مصاحف دياره بالياء التحتية فلذا احتاج لتوجيه الخطاب فتلفيق وتلزيق لأنّ النقط، والشكل ليس في المصاحف العثمانية وإنما كان بعد ذلك. قوله:) بما خلق لها من الأجنحة الخ (المؤاتية بمعنى الموافقة، وترد بمعنى المساعدة تقول آتيته على كذا مؤاتاة إذا وافقته وطاوعته، والعامة تقول، وأتيته كما تقول واسيته، وهو خطأ عند بعضهم وصوابه الهمز، وصححه بعض أهل اللغة أيضا، وفسر الزمخشري الجوّ مطلقا بالهواء المتباعد من الأرض ووقع في بعض كتب اللغة تفسيره بالهواء مطلقا فإمّا أن يكون المصنف رحمه الله تعالى تبعه فيه أو هو تفسير للجوّ المضاف للسماء، وعن كعب أن الطير لا يرتفع أكثر من اثني عشر ميلا، والعلاقة بكسر العين ما يعلق به والدعامة بكسر الدال المهملة، والعين المهملة ما يدعم به الشيء أي يجعل تحته لئلا يقع كالعمود، وجملة ما يمسكهن حال من ضمير مسخرات أو من الطير أو مستأنفة. قوله: (تسخير الطير للطيران (مجرور عطف بيان لذلك، وتفسير للمشار إليه، ويصح رفعه، ونصبه ويجوز أن يدرج في معنى اسم الإشارة ما قبله من قوله، والله أخرجكم فيظهر معتى الجمعية في آيات، وقوله الطيران فيه أي في الجوّ، وفي بعض النسخ فيها أي في الأهوية وقيل إنه على تأنيث الجوّ باعتبار الجوّة التي هي لغة فيه، وقوله على خلاف طبعها يعني الهوفي لجهة السفل كما هو شأن الأجسام والإجرام، وقوله بحيث يمكن لطيران لخفته، والهامه التحرك كالسابح في الماء إلى غير ذلك، وقوله لأنهم المنتفعون بها بيان لوجه التخصيص مع ظهور
الآيات لغيرهم، وفيه إشارة إلى أنّ لام الاختصاص يفههم منها النفع. قوله: (موضعاً تسكنون فيه) وحده لأنه بمعنى ما يسكن أي المسكون فيه لأن فعلا بمعنى مفعول أو لأنه في الأصل مصدر، ومن بيانية الجار والمجرور حال، والمدر بفتح الدال المهملة الطين اليابس، والقباب جمع قبة، وهو ما يرفع للدخول فيه، ولا يختص بالبناء كما في العرف، وفي لفظ الاتخاذ ما يشعر به لأنه لا يشترط في التسمية السكنى بالفعل، والأدم بفتحتين جمع أديم، وهو الجلد المدبحوغ أو اسم جمع له. قوله: (ويجورّ أن يتناول المتخذة من الوبر) وهو شعر الإبل، والصوف للغنم، والشعر لغيرهما وتخصيص المصنف رحمه الله تعالى له بالمعر فيما سيأتي باعتبار ما ذكر من الأنعام، وهو المراد هنا أيضا، ولا يرد عليه أنه على كونه بمعنى الأدم من تبعيضية، وإذا أريد الوبر ونحوه فهي ابتدائية فإذا عمم لزم استعمال المشترك في معنييه لأنّ المصنف رحمه الله تعالى ممن يجوزه، وقيل الجلود مجاز عن المجموع، وقوله تجدونها إشارة إلى أنّ السين ليست للطلب بل للوجدان كأحمدته وجدته محموداً. قوله: (وقت ترحالكم) كذا في أكثر النسخ، وهو ظاهر وفي بعضها يوم وقت ترحالكم، وكان وجهها أنه تفسير لليوم بمعنى الوقت، ومطلق الزمان فوقت بدل من يوم أو مرفوع خبره والأولى أولى ولما كانت خفتها في السفر أعظم منه قدمت ولذا وجه خفة الحضر بأنها يخف ضربها، ونقلها فيه إذ قد تضرب في الحضر، وتنقل لداع لذلك كما سيأتي وقوله ووضعها أي على الأرض، وهو مرفوع عطف على حملها، وكذا ضربها وأو للتقسيم. قوله: (أو النزول) هذا هو التفسير الثاني، وهو أنّ المراد بالظجن ترحال المسافر وبالإقامة نزوله في متأهله، ومراحله، وعلى الأوّل الظعن السفر، والإقامة الحضر قيل، والثاني أولى إذ ظهور المنة في خفتها في السفر أقوى إذ لا يهم المقيم أمرها، وقيل ينبغي أن يكون الأول! أولى لشموله حالي السفر والحضر، ولأنّ حالي الترحل والنزول اندرجا في الظعن مقابل الحصر والخفة فيهما نعمة وقد تنقل في الحضر لداع يقتضي ذلك كما قيل:
تنقل فلذات الهوى في التنقل
والاندراج المذكور غير ظاهر لأنّ من ذهب إلى التالي لا يجعل الطعن مقابل الحضر بل
مقابل النزول ففيه نظر، وقوله بالفتح هما لغتان فيه، والفتح كما في المعالم أجزل اللغتين وقيل الأصل الفتح، والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق كالشعر والشعر، وقوله الضائنة الضائن خلاف
стр. 1822
الماعز وجمعه ضأن، وهي ضائنة فالمناسب الضأن لمقابله، وقد تقدم تفسير الأنعام، وشموله للأزواج الثمانية بخلاف النعم فإنه يختص بالإبل، والمعز بفتح العين معروف يشمل ذكر. وأنثاه. قوله: (ما يليس ويفرس) فالفرق بينه، وبين المتاج أنّ الأوّل ما يتخذ للاستعمال، والثاني للتجارة، وقيل هما بمعنى وعطفا لجعل تغاير اللفظ بمنزلة تغاير المعنى كما في قوله: وألفى قولها كذبا ومينا
والأول أولى، ولذا اقتصر عليه المصنف رحمه الله تعالى، وأثاثا منصوب بالعطف على
بيوتا مفعول جعل فيكون مما عطف فيه جار ومجرور مقدم، ومنصوب على مثلهما نحو ضربت في الدار زيداً، وفي الحجرة عمرا وهو جائز أو هو حال فيكون من عطف الجارّ والمجرور فقط على مثله والتقدير ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [سورة النحل، الآية: ٨٠] حال! كونها أثاثا وليس المعنى على هذا كما قاله السمين رحمه الله تعالى، وهو ظاهر. قوله: (أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم (أي حاجاتكم من الانتفاع بها، والفرق بين هذا وما قبله أنّ المعنى على الأوّل أنّ التمتع به ممتد لا كالثمار والمأكولات، وعلى الثاني بيان لمدة امتداده، وهي زمان حياتهم، وعلى هذا زمان الاحتياح إليه، وهي متقاربة، وقيل إنّ الأخير عام متناول لما قبله وتوله والجبل المناسب والجبال، ومعنى تتفيؤون تستظلون من الفيء، وتستكنودط تستترون من الكن، والكهوف جمع كهف، وهو المغارة هنا، والكن السترة من أكنه وكنه أي ستره وجمعه أكنان، وأكنة. قوله: (خصه بالذكر الخ) فهو على هذا من الاكتفاء بهذا دون ذاك لما سيذكر، وترك قول الزمخشريّ أو لأن ما يقي من الحرّ يقي من البرد لأنه خلاف المعروف إذ وقاية الحرّ رقيق القمصان، ورفيعها ووقاية البرد ضده، وكون وقاية الحر أهمّ لشدته بأكثر بلادهم قيل يبعده ذكر وقاية البرد سابقاً في قوله لكم فيها دفء، وهو وجه الاقتصار على الحرّ هنا لتقدم ذكر خلافه ثمة فتأمّل. قوله: (والجواشن) جمع جوشن وهو الدرع أيضاً، وقوله كذلك لتشبيه إتمام النعم في الماضي بإتمامها في المستقبل:
كما أحسن الله فيمامضى كذلك يحسن فيمابقي
أو هو تشبيه لهذا الإتمام به كما مرّ غير مرّة. قوله: (أي تنظرون في نعمه فتؤمنون به)
يعني أنّ الإسلام إمّا بمعناه المعروف فهو رديف الإيمان أو بمعناه اللغويّ، وهو الاستسلام والانقياد، وعلى كل حال فهو موضوع موضع سببه، وهو النظر، والتفكر في مصنوعاته أو مكنى به عنه. قوله: (وقرئ تسلمون من السلامة) هي قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقدّر تشكرون لأنّ مجزد إتمام النعمة ليس مؤذياً للسلامة بدونه وكذا تقدير تنظرون، ولو فسر بالسلامة من الآفات مطلقاً ليشمل آفة الحرّ، والبرد تمت النعمة. قوله تعالى: ( ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ) في التعبير بالفعل إشارة إلى أن الأصل فطرة الإسلام، وخلافها عارض متجذد، وقوله أعرضوا إشارة إلى أنّ تولوا ماض غائب ففيه التفات للإعراض عن المعرض، ويصح أن يكون مضارعا حذفت إحدى تائيه، وأصله تتولوا فهو على الظاهر إلا أنه قيل عليه أنه لا يظهر حينئذ ارتباط الجزاء بالشرط إلا بتكلف ولذا لم يلتفت إليه المصنف رحمه الله تعالى، ومعنى إن تولوا إن داموا على التولي أو ثبتوا عليه لظهور توليهم. قوله: (فلا يضرّك فإنما عليك البلاغ) إشارة إلى نتيجة سبب الجزاء الذي أقيم مقامه عكس لعلكم تسلمون، وقوله يعرف المشركون في نسخة يعرفون المشركون على لغة أكلوني البراغيث، وقوله حيث يعترفون بها الخ فسره به لأنه ليس المراد معرفتها في ذاتها فهو توطئة لاستبعاد الإنكار. قوله: (بعبادتهم غير المنعم بها) وعبادة غيره إمّا فقط، وهو ظاهر في الكفران المنزل منزلة الإنكار، وأما مع عبادته فعبادته مع الشرك لا اعتداد بها كما مر لأنها محبطة فسقط ما قيل عليه إن مجرد هذا لا يوجب إنكار النعمة إلا أن يعتبر معه عدم عبادتهم له تعالى، وليس في كلامه ما يفيده نعم لو جعل قولهم إنها بشفاعة ا-لهتنا دليل الإنكار لكفي لكنه ذكر لبيان وجه عبادتهم لغير الله، وهو آلهتهم، وما ادّعى أنه دليل الإنكار عليه لا له فتأمّل. قوله: (أو بسبب كذا) عطف على قوله بشفاعة آلهتنا يعني إذا لم يعتقد أنها من الله أجراها عليه بواسطة ذلك كما صرّح به الزمخشري فسقط ما قيل إنه لا يصلح وجها لعبادة غير الله تعالى، وقوله أو بإعراضهم عطف
стр. 1823
على قوله بعبادتهم الخ، وهذا منزل
منزلة الإنكار أيضا فأعرفه. قوله: (الجاحدون عنادا (هذا هو المشهور، وفي نسخة المجاهرون أي بالإنكار، وعلى النسخة المعروفة هو تفسير له ولما كان الكفر منه ما يكون ناشئا عن جهل أو تقليد فسره بفرده الكامل، وهو من كفر عناداً لأن الجحد كفر، ولا حاجة إلى جعله للإشارة إلى أنه بمعناه اللغوي لأنّ الجحد ستر للحق، وهذا مراد من قال إنه يشير إلى انصرافه للفرد الكامل. قوله: (وذكر الأكثر إما لأنّ الخ (يعني لم يقل، وهم الكافرون إما لأنّ المراد الجاحدون عناداً لأن منهم من كفر لنقصان عقله، وعدم اهتدائه للحق لا عناداً أو لعدم نظره في أدلة الوحدانية نظراً يؤذي إلى المطلوب أو لأنه لم تقم عليه الحجة لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه، وعلى هذا لا يبقى الكافرون على إطلاقه لا إن المراد من المنكر من لم يعرفها، وإن لم ينكر لأنّ الإنكار ليس على ظاهره كما مرّ فيدخل فيه من هو غير كافر فالكفرة أكثرهم لا كلهم حتى يحتاج إلى أن يقال اكثر بمعنى الكل ونحوه كما أنه يجوز أن يكون ذكر ذلك لأنه تعالى علم أن منهم من سيؤمن كما مرّ وهذا مع ظهوره خفي على من رذ هذا بأنه يلزمه إطلاق الكافر على من لم يبلغ حذ التكليف ومن بلغ ذلك ممن يعرف نعم الله، وينكر وهو في حيز المنع. قوله: (في الاعتذار) يشير إلى أنّ مفعول الإذن، ومتعلقه محذوف تقديره ما ذكر وقوله إذ لا عذر لهم أما أراد أنهم لا استئذان منهم، ولا إذن إذ لا حجة لهم حتى تذكر، ولا عذر لهم حتى يعتذروا أو أنهم يستأذنون فلا يؤذن لهم، وهو الظاهر، وتفسير الشهيد بالأنبياء للتصريح به في قوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ الآية. قوله:) وثم لزيادة ما يحيق بهم (أي هي للتراخي الرتبي وأن ما بعدها لكونه أشذ مما قبله كأنه بعيد منه زمانأ، وقوله من شدة المنع بيان لما يحيق، وفي نسخة من شذة ما يمنع وما مصدرية، وقوله لما فيه الخ تعليل لشذة أو لزيادة، وعلى في قوله على ما يمنون متعلق بزيادة وهو مجهول مناه يمنوه، ويمنيه بالتخفيف بمعنى ابتلاه. قوله: (ولا هم يسترضون (أي يطلب رضاهم وقوله من العتبى، وهي الرضا أي أراد رضاهم في أنفسهم بالتطلف بهم فهو من استعتبه كأعتبه إذا أعطاه العتبى والرضا، وان أراد رضا غيرهم أن الله بالعمل فهو كقول الزمخشري لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل، والعتبى مصدر أعتبه فإن قلت الاستفعال للطلب فيكون معناه
طلب العتب لا الرضا قلت قال الكرماني ﵀ الاستفعال قد جاء أيضا لطلب المزيد فيه كما هنا فإن الاستعتاب ليس لطلب العتب بل لطلب الأعتاب بمعنى العتبى أي إزالة العتب، وهو بالرضا، والهمزة فيه للسلب وله نظائر وهذا ما أشار إليه في الكشف بقوله لا تطلب منهم العتبى أي إزالة عتب ربهم، وغضبه فافهم، وقيل استعتب بمعنى أعتب واستفعل بمعنى أفعل كثير. قوله: (وكذا قوله وإذا رأى الذين الخ) أي هو منصوب بمقدر هو أحد الأفعال الثلاثة التي ذكرها فعلى الأوّلين هو مفعول به بمعنى وقت، وقوله فلا يخفف مستأنف، وعلى الثالث هو ظرف شرطي والعامل فيه يحيق على ما بين في النحو وهو جوابه وقوله فلا يخفف مستأنف أيضا، وقد يجعل جوابها بتقدير فهو لا يخفف لأن المضارع مثبتا كان أو منفيآ إذا وقع جواب إذا لا يقترن بالفاء إلا أنّ التقدير مع كونه خلاف الأصل مناف للغرض في تغاير الجملتين في النظم، وهو أن التخفيف واقع بعد رؤية العذاب فلذا لم يؤت بجملة اسمية بخلاف عدم الإمهال فإنه ثابت لهم في تلك الحالة، وقوله التي دعوها شركاء إشارة إلى معنى إضافة الشركاء إلى ضميرهم، وهو ورد أيضا مضافا إليه في غير هذه الآية ودعوا بمعنى سموا، وخص الشركاء بالأوثان عن هذا التوجيه قيل ولو عمم على أن القائل بعضهم وهو من يعقل أوكلهم بإنطاق الأصنام كما سيذكره المصنف ﵀ كان أولى. قوله:) أو الثياطين الذين شاركوهم (أي كفروا مثل كفرهم فكونهم شركاءهم على ظاهره فهذا توجيه آخر للإضافة أو المراد حينئذ بشركتهم لهم شركتهم في وباله لحملهم لهم عليه، وهذا ما ذكره المصنف ﵀، وقوله نعبدهم أو نطيعهم لف ونشر للأوثان والشياطين الحاملين لهم على الكفر. قوله: (هو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين (وهو يؤخذ من السياق، وقوله أن يشطر بالتشديد أي ينصف بأن يطرج عنهم نصفه لتشريكهم دئه في العبادة التي تستحق عدم العذاب أو يلقي نصفه على من عبدوه، والأوّل لا يناسب قوله من دونك كما أن الثاني
стр. 1824
لا يناسب تفسيرهم بالأصنام فتأقل. قوله:) أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله (الجار والمجرور متعلق بالتكذيب واً نهم عبدوهم معطوف على أنهم شركاء الله فهو مما كذبوا به، وهذا ناظر إلى أن الشركاء الأوثان
ويلائم ما بين به الإضافة، وقوله أو في أنهم حملوهم الخ ناظر إلى أنهم الشياطين وأورد عليه أنهم لم يقولوا هم ألزمونا الكفر حتى &@&@يكذبوا فيه فيكفي للتكذيب دعوتهم لذلك، وحين كذبوهم الخ متعلق بقوله ضاع. قوله تعالى:) ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ) قال المعرب يجوز أن يكون مبتدأ والخبر زدناهم، وجوّز ابن عطية أن يكون الذين كفروا بدلاً من فاعل يفترون، ويكون زدناهم مستأنفا، ويجوز أن يكون الذين كفروا نصبا على الذم أو رفعا عليه فيضمر الناصب، والمبتدأ وجوبا، وقوله زدناهم عدّابا أي أمّا بالشدة أو بنوع آخر منه، وهو المروي عن السلف ﵏ وهي حيات وعقارب كالبخاتي رواه ابن أبي حاتم. قوله: (بكونهم مفسدين بصدّهم الما فسر الصد أي المنع عن سبيل الله بوجهين أعني كونه باقياً على ظاهره لأنهم كانوا يتعرّضون لمن يريد الإسلام فيمنعونه أو لأنهم كانوا يحملون غيرهم ممن استخفوه على الكفر وفي ذلك مغ لهم فهم ضالون مضلون فسر الفساد بالصد بوجهيه، ولم يحمله على الكفر لأنه بيان لسبب الزيادة فتأمّل، وقوله فإن نبي كل أمّة يبعث منهم بيان لمعنى من أنفسهم وأنّ المراد به أنه من جنسهم كما مرّ تحقيقه، ولم يذكر هذا القيد في قوله قبله، ويوم نبعث من كل أمّة شهيداً لإفادة من له لا الشهادة، ولا يرد لوط ﵊ فانه لما تأهل فيهم، وسكن معهم عد منهم. قوله:) على أمتك (قيل المراد بهؤلاء شهداء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعلمه بعقائدهم واستجماع شرعه لقواعدهم لا الأمة لأن كونه شهيدا على أمّته علم مما تقدم فالآية مسوقة لشهادته على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتخلو عن التكرار وردّ بأنّ المراد بشهادته هنا على أمته تزكيته، وتعديله لهم، وقد شهدوا على تبليغ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهذا لم يعلم مما مز وهو الوارد في الحديث كما فصله المصنف ﵀ في سورة البقرة في قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] ولذا ترك التصريح بالمراد بالشهادة هنا تعويلا على ما مرّ وأما على ما هنا فلا مضرّة فيها كما بينه ثمة مع أنه مشترك الورود وبهذا ينتظم ما بعده أشذ انتظام. قوله: (استئناف أو حال بإضمار قد) قيل إن كان قوله وجئنا بك كلاما مبتدأ لا معطوفا على قوله نبعث، وشهيدا حال مقدرة فلا إشكال في الحالية وان عطف عليه فالتعبير بالماضي لتحققه فمضمون الجملة الحالية متقدم بكثير فلا يفيد
ما ذكر في كون الماضي حالاً هنا ففي صحته كلام إلا أن يبنى على عدم جريان الزمان عليه تعالى، وليس بشيء لأنّ بيانه لكل شيء داخل فيه تلك العقائد والقواعد بالدخول الأوّلى وهو مستمرّ إلى البعث وما بعده وأما أنّ المعنى بحيث أو بحال إنا كنا نزلنا عليك الكتاب، وتلك الحيثية ثابتة له تعالى إلى الأبد فمما لا حاجة إليه. قوله: (بياناً بليناً) المبالغة من كون هذه الصيغة تدل على التكثير كالتطواف، والتحوال، ولم يرد بالكسر إلا في تبيان، وتلقاء على المشهور، وقال ابن عطية ﵀ أنّ التبيان اسم، وليس بمصدر، والمعروف خلافه. قوله: (على التفصيل أو الإجمال) اختاره لبقاء كل على معناها الحقيقي لكنه خص عموم شيء بقيد أو وصف مقدر بقرينة المقام وأنّ بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي لبيان الدين ولذا قال ﵊ أنتم أعلم بأمور دنياكم ولذا أجيبوا عن سؤال الأهلة بما أجيبوا، وقيل كل للتكثير والتفخيم كما في قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [سررة الأحقاف، الآية: ٢٥، إذ ما في الإحاطة والتعميم ما في التبيان من المبالغة في البيان وأن قوله من أمور الدين تخصيص لا يقتضيه المقام، وقد علمت ردّ الثاني، وأما الأوّل فقد ردّ بأنّ ذلك بحسب الكمية لا الكيفية فلكل وجهة والمرجح للأول إبقاء كل على حقيقتها في الجملة. قوله: (بالإحالة إلى السنة أو القياس) الظاهر على بدل إلى لكنه تسمح فيه أو ضمنه معنى الصرف، وهو دفع لأنّ الإجمال ينافي البيان البليغ بأنه لما بينتة السنة أو علم بالقياس كان معلوما منه مبنيا به، واختير في بعضه ذلك للإيجاز وابتلاء الراسخين، وتمييز العالمين، وترك الإجماع اكتفاء بذكرهما فإن قلت من أمور الدين ما ثبت بالسنة ابتداء فإن دفع بأنه قليل بالنسبة لغيره رجع الأمر بالآخرة للتكثير قلت المراد بالإحالة على السنة كما في الكشاف أنه
стр. 1825
أمر باتباع رسول الله ﷺ وطاعته، وقيل وما ينطق عن الهوى، وحث على الإجماع في قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين، وقد رضي رسول الله ﷺ لأمته اتباع أصحابه، والاقتداء بآثارهم في قوله: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وقد اجتهدوا، وقاسوا ووطؤوا طريق القياس، والاجتهاد فكانت السنة، والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب وفيه تأمل. قوله: (للجميع) بقرنية قوله وما أرسلناك إلا رحمة ولذا جعل قوله للمسلمين قيدا للأخير، ولو صرف للجميع لأنهم المنتفعون بذلك أو لأنّ الهداية الدلالة الموصلة والرحمة الرحمة التامة كان صحيحاً، وقوله وحرمان الخ دفع لسؤال مقدر وبيان لشمول الرحمة. قوله: (بالتوسط في الأمور اعتقاد الخ) فسر التعطيل بالتعطيل عن الأفعال كما هو مذهب الفلاسفة، وغيرهم من المعطلة، وقال أهل السنة القول بنفي الصفات عنه تعالى
تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه والعدل إثبات صفات الكمال ونفي غيرها، وأيضاً نفي لصفات تعطيل، واثبات الصفات الحادثة تشبيه والعدل إثبات الصفات القديمة والظاهر أنّ المراد بالتعطيل نفي الصانع كما تقول الدهرية، والمراد بالتشريك إثبات الشريك، ولا حاجة لتفسيره بالتشبيه فإنه تكلف لا داعي له وما ذكره المصنف ﵀ ملخص من تفسير الإمام ولم يرتض ما في الكشاف من تفسير العدل بالواجب لما فيه من إخراجه عن ظاهر مع أنه قيل إنّ فيه اعتزالاً وان نوزع فيه. قوله: (والقول بالكسب الخ) الجبر إسناد فعل العبد له تعالى من غير مدخل له فيه كما هو مذهب الجبرية والقدر إسناد الأفعال إلى العبد وقدره فهو بضم القاف جمع قدرة، ونفي خلق الله لفعله كما هو مذهب المعتزلة، وكذا القول بعدم المؤاخذة بالذنوب أصلا مع الإيمان وتخليد الفساق فالعدل في الحقيقة ما ذهب إليه أهل السنة ﵃، وأن زعمت المعتزلة أنهم العدلية. قوله: (بين البطالة والترهب) قال الإمام المرزوقي في شرح الفصيح يقال رجل بطال إذ! اشتغل بما لا يعنيه، وتبطل إذا تعاطى ذلك ومصدره البطالة بالفتح وحكى الأحمر فيه الكسر انتهى وفي شرح المعلقات لابن النحاس أنّ الأفصح فتحه ويجوز كسره فالجزم بالكسر وأنّ وزنه وإن اختص بما فيه صناعة، ومعالجة كالحياكة لكنه مما حمل فيه النقيض على النقيفى قصور، والبطالة ترك لعمل لعدم فائدته إذ الشقي والسعيد متعين في الأزل كما ذهب إليه بعض الملاحدة والترهب المبالغة في التزهد بترك المباحات تشبيها بالرهبان لأنه لا رهبانية في الدين، وليس إخلاص الزهد منه وقوله وخلقا بضم الخاء والبخل والتبذير معروفان، وكان بين ذلك قواما وسيأتي تحقيقه في سورة الإسراء. قوله: (إحسان الطاعات الخ) الإحسان يتعدى بنفسه، وبإلى فيقال أحسنه، وأحسن إليه، وهو هنا يحتمل أن يكون من الثاني والمراد الإحسان إلى الناس فهو أمر بمكارم الأخلاق كما روي وأن يكون من الأوّل والمراد إحسان الأعمال واليه الإشارة في الحديث الصحيح (١) المذكور والمصنف ﵀ اقتصر على الثاني لوروده في الحديث المذكور ولذا رجحه المصنف ﵀ على غيره، والحديث صحيح رواه البخاري والإحسان فيه بمعنى اتقان الأعمال، والعبادة بالخشوع، وفراغ البال لمراقبة المعبود حتى كأنه يراه بعينه واليه أشار ﷺ بقوله كأنك تراه ويستحضر أنه مطلع على أعماله، واليه أشار بقوله فإنه يراك وهاتان الحالتان تثمرإن معرفة الله وخشيته، وقال النوويّ ﵀ معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك
وهذا الحديث من أصول الدين وجوامع الكلم وعد التنفل إحسانا لأنه زيادة في العمل، وجبراً لما في الواجبات من النقص الذي لا تخلو عنه الأعمال على ما حققه في الكشاف. قوله: (وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه) أتى بمعنى جاء وآتاه بمعنى أعطاه، وهو مما تغير معناه بعد النقل كما سيأتي تحقيقه في سورة مريم والتخصيص بعد التعميم لدخوله في العدل على تفسيره، وقيل في توجيهه بأنه يدخل في الإحسان التعظيم لأمر الله والشفقة على خلقه، وأعظمها صلة الرحم فتأمل، وقوله ما يحتاجون إليه إشارة إلى مفعوله المقدّر، والمبالغة لجعله للاعتناء به كأنه جنس آخر. قوله: (عن الإفراط الخ) هذا مأخوذ من مقابلته للعدل بمعنى التوسط كما مر، وقوله كالزنا تمثيل لا تخصيص وأمّا توله فإنه فضميره عائد على الإفراط لا على الزنا كما قيل. قوله: (ما ينكر على متعاطيه الخ) في إثارة متعلق بينكر أي يحصل
следующие страницы →