Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
قبله في قوله أخرجكم لا على أنّ المخاطب من وقع في قوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ بتلوين الخطاب لأنه التناسب للاستفهام الإنكاري في ألم يروا، ولذا جعل قراءة الغيبة باعتبار غيبة يعبدون، ولم يجعلوه التفاتاً وحينئذ فالإنكار باعتبار اندراجهم في العامة، ولما فيه من الخفاء نص عليه فسقط ما قيل إنّ الخطاب وجهه ظاهر لأن ما قبله، وما بعده كذلك، والمحتاج إلى التوجيه قراءة الغيبة، وأمّا ما قيل إنّ مصاحف دياره بالياء التحتية فلذا احتاج لتوجيه الخطاب فتلفيق وتلزيق لأنّ النقط، والشكل ليس في المصاحف العثمانية وإنما كان بعد ذلك. قوله:) بما خلق لها من الأجنحة الخ (المؤاتية بمعنى الموافقة، وترد بمعنى المساعدة تقول آتيته على كذا مؤاتاة إذا وافقته وطاوعته، والعامة تقول، وأتيته كما تقول واسيته، وهو خطأ عند بعضهم وصوابه الهمز، وصححه بعض أهل اللغة أيضا، وفسر الزمخشري الجوّ مطلقا بالهواء المتباعد من الأرض ووقع في بعض كتب اللغة تفسيره بالهواء مطلقا فإمّا أن يكون المصنف رحمه الله تعالى تبعه فيه أو هو تفسير للجوّ المضاف للسماء، وعن كعب أن الطير لا يرتفع أكثر من اثني عشر ميلا، والعلاقة بكسر العين ما يعلق به والدعامة بكسر الدال المهملة، والعين المهملة ما يدعم به الشيء أي يجعل تحته لئلا يقع كالعمود، وجملة ما يمسكهن حال من ضمير مسخرات أو من الطير أو مستأنفة. قوله: (تسخير الطير للطيران (مجرور عطف بيان لذلك، وتفسير للمشار إليه، ويصح رفعه، ونصبه ويجوز أن يدرج في معنى اسم الإشارة ما قبله من قوله، والله أخرجكم فيظهر معتى الجمعية في آيات، وقوله الطيران فيه أي في الجوّ، وفي بعض النسخ فيها أي في الأهوية وقيل إنه على تأنيث الجوّ باعتبار الجوّة التي هي لغة فيه، وقوله على خلاف طبعها يعني الهوفي لجهة السفل كما هو شأن الأجسام والإجرام، وقوله بحيث يمكن لطيران لخفته، والهامه التحرك كالسابح في الماء إلى غير ذلك، وقوله لأنهم المنتفعون بها بيان لوجه التخصيص مع ظهور
الآيات لغيرهم، وفيه إشارة إلى أنّ لام الاختصاص يفههم منها النفع. قوله: (موضعاً تسكنون فيه) وحده لأنه بمعنى ما يسكن أي المسكون فيه لأن فعلا بمعنى مفعول أو لأنه في الأصل مصدر، ومن بيانية الجار والمجرور حال، والمدر بفتح الدال المهملة الطين اليابس، والقباب جمع قبة، وهو ما يرفع للدخول فيه، ولا يختص بالبناء كما في العرف، وفي لفظ الاتخاذ ما يشعر به لأنه لا يشترط في التسمية السكنى بالفعل، والأدم بفتحتين جمع أديم، وهو الجلد المدبحوغ أو اسم جمع له. قوله: (ويجورّ أن يتناول المتخذة من الوبر) وهو شعر الإبل، والصوف للغنم، والشعر لغيرهما وتخصيص المصنف رحمه الله تعالى له بالمعر فيما سيأتي باعتبار ما ذكر من الأنعام، وهو المراد هنا أيضا، ولا يرد عليه أنه على كونه بمعنى الأدم من تبعيضية، وإذا أريد الوبر ونحوه فهي ابتدائية فإذا عمم لزم استعمال المشترك في معنييه لأنّ المصنف رحمه الله تعالى ممن يجوزه، وقيل الجلود مجاز عن المجموع، وقوله تجدونها إشارة إلى أنّ السين ليست للطلب بل للوجدان كأحمدته وجدته محموداً. قوله: (وقت ترحالكم) كذا في أكثر النسخ، وهو ظاهر وفي بعضها يوم وقت ترحالكم، وكان وجهها أنه تفسير لليوم بمعنى الوقت، ومطلق الزمان فوقت بدل من يوم أو مرفوع خبره والأولى أولى ولما كانت خفتها في السفر أعظم منه قدمت ولذا وجه خفة الحضر بأنها يخف ضربها، ونقلها فيه إذ قد تضرب في الحضر، وتنقل لداع لذلك كما سيأتي وقوله ووضعها أي على الأرض، وهو مرفوع عطف على حملها، وكذا ضربها وأو للتقسيم. قوله: (أو النزول) هذا هو التفسير الثاني، وهو أنّ المراد بالظجن ترحال المسافر وبالإقامة نزوله في متأهله، ومراحله، وعلى الأوّل الظعن السفر، والإقامة الحضر قيل، والثاني أولى إذ ظهور المنة في خفتها في السفر أقوى إذ لا يهم المقيم أمرها، وقيل ينبغي أن يكون الأول! أولى لشموله حالي السفر والحضر، ولأنّ حالي الترحل والنزول اندرجا في الظعن مقابل الحصر والخفة فيهما نعمة وقد تنقل في الحضر لداع يقتضي ذلك كما قيل:
تنقل فلذات الهوى في التنقل
والاندراج المذكور غير ظاهر لأنّ من ذهب إلى التالي لا يجعل الطعن مقابل الحضر بل
مقابل النزول ففيه نظر، وقوله بالفتح هما لغتان فيه، والفتح كما في المعالم أجزل اللغتين وقيل الأصل الفتح، والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق كالشعر والشعر، وقوله الضائنة الضائن خلاف
стр. 1822
الماعز وجمعه ضأن، وهي ضائنة فالمناسب الضأن لمقابله، وقد تقدم تفسير الأنعام، وشموله للأزواج الثمانية بخلاف النعم فإنه يختص بالإبل، والمعز بفتح العين معروف يشمل ذكر. وأنثاه. قوله: (ما يليس ويفرس) فالفرق بينه، وبين المتاج أنّ الأوّل ما يتخذ للاستعمال، والثاني للتجارة، وقيل هما بمعنى وعطفا لجعل تغاير اللفظ بمنزلة تغاير المعنى كما في قوله: وألفى قولها كذبا ومينا
والأول أولى، ولذا اقتصر عليه المصنف رحمه الله تعالى، وأثاثا منصوب بالعطف على
بيوتا مفعول جعل فيكون مما عطف فيه جار ومجرور مقدم، ومنصوب على مثلهما نحو ضربت في الدار زيداً، وفي الحجرة عمرا وهو جائز أو هو حال فيكون من عطف الجارّ والمجرور فقط على مثله والتقدير ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [سورة النحل، الآية: ٨٠] حال! كونها أثاثا وليس المعنى على هذا كما قاله السمين رحمه الله تعالى، وهو ظاهر. قوله: (أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم (أي حاجاتكم من الانتفاع بها، والفرق بين هذا وما قبله أنّ المعنى على الأوّل أنّ التمتع به ممتد لا كالثمار والمأكولات، وعلى الثاني بيان لمدة امتداده، وهي زمان حياتهم، وعلى هذا زمان الاحتياح إليه، وهي متقاربة، وقيل إنّ الأخير عام متناول لما قبله وتوله والجبل المناسب والجبال، ومعنى تتفيؤون تستظلون من الفيء، وتستكنودط تستترون من الكن، والكهوف جمع كهف، وهو المغارة هنا، والكن السترة من أكنه وكنه أي ستره وجمعه أكنان، وأكنة. قوله: (خصه بالذكر الخ) فهو على هذا من الاكتفاء بهذا دون ذاك لما سيذكر، وترك قول الزمخشريّ أو لأن ما يقي من الحرّ يقي من البرد لأنه خلاف المعروف إذ وقاية الحرّ رقيق القمصان، ورفيعها ووقاية البرد ضده، وكون وقاية الحر أهمّ لشدته بأكثر بلادهم قيل يبعده ذكر وقاية البرد سابقاً في قوله لكم فيها دفء، وهو وجه الاقتصار على الحرّ هنا لتقدم ذكر خلافه ثمة فتأمّل. قوله: (والجواشن) جمع جوشن وهو الدرع أيضاً، وقوله كذلك لتشبيه إتمام النعم في الماضي بإتمامها في المستقبل:
كما أحسن الله فيمامضى كذلك يحسن فيمابقي
أو هو تشبيه لهذا الإتمام به كما مرّ غير مرّة. قوله: (أي تنظرون في نعمه فتؤمنون به)
يعني أنّ الإسلام إمّا بمعناه المعروف فهو رديف الإيمان أو بمعناه اللغويّ، وهو الاستسلام والانقياد، وعلى كل حال فهو موضوع موضع سببه، وهو النظر، والتفكر في مصنوعاته أو مكنى به عنه. قوله: (وقرئ تسلمون من السلامة) هي قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقدّر تشكرون لأنّ مجزد إتمام النعمة ليس مؤذياً للسلامة بدونه وكذا تقدير تنظرون، ولو فسر بالسلامة من الآفات مطلقاً ليشمل آفة الحرّ، والبرد تمت النعمة. قوله تعالى: ( ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ) في التعبير بالفعل إشارة إلى أن الأصل فطرة الإسلام، وخلافها عارض متجذد، وقوله أعرضوا إشارة إلى أنّ تولوا ماض غائب ففيه التفات للإعراض عن المعرض، ويصح أن يكون مضارعا حذفت إحدى تائيه، وأصله تتولوا فهو على الظاهر إلا أنه قيل عليه أنه لا يظهر حينئذ ارتباط الجزاء بالشرط إلا بتكلف ولذا لم يلتفت إليه المصنف رحمه الله تعالى، ومعنى إن تولوا إن داموا على التولي أو ثبتوا عليه لظهور توليهم. قوله: (فلا يضرّك فإنما عليك البلاغ) إشارة إلى نتيجة سبب الجزاء الذي أقيم مقامه عكس لعلكم تسلمون، وقوله يعرف المشركون في نسخة يعرفون المشركون على لغة أكلوني البراغيث، وقوله حيث يعترفون بها الخ فسره به لأنه ليس المراد معرفتها في ذاتها فهو توطئة لاستبعاد الإنكار. قوله: (بعبادتهم غير المنعم بها) وعبادة غيره إمّا فقط، وهو ظاهر في الكفران المنزل منزلة الإنكار، وأما مع عبادته فعبادته مع الشرك لا اعتداد بها كما مر لأنها محبطة فسقط ما قيل عليه إن مجرد هذا لا يوجب إنكار النعمة إلا أن يعتبر معه عدم عبادتهم له تعالى، وليس في كلامه ما يفيده نعم لو جعل قولهم إنها بشفاعة ا-لهتنا دليل الإنكار لكفي لكنه ذكر لبيان وجه عبادتهم لغير الله، وهو آلهتهم، وما ادّعى أنه دليل الإنكار عليه لا له فتأمّل. قوله: (أو بسبب كذا) عطف على قوله بشفاعة آلهتنا يعني إذا لم يعتقد أنها من الله أجراها عليه بواسطة ذلك كما صرّح به الزمخشري فسقط ما قيل إنه لا يصلح وجها لعبادة غير الله تعالى، وقوله أو بإعراضهم عطف
стр. 1823
على قوله بعبادتهم الخ، وهذا منزل
منزلة الإنكار أيضا فأعرفه. قوله: (الجاحدون عنادا (هذا هو المشهور، وفي نسخة المجاهرون أي بالإنكار، وعلى النسخة المعروفة هو تفسير له ولما كان الكفر منه ما يكون ناشئا عن جهل أو تقليد فسره بفرده الكامل، وهو من كفر عناداً لأن الجحد كفر، ولا حاجة إلى جعله للإشارة إلى أنه بمعناه اللغوي لأنّ الجحد ستر للحق، وهذا مراد من قال إنه يشير إلى انصرافه للفرد الكامل. قوله: (وذكر الأكثر إما لأنّ الخ (يعني لم يقل، وهم الكافرون إما لأنّ المراد الجاحدون عناداً لأن منهم من كفر لنقصان عقله، وعدم اهتدائه للحق لا عناداً أو لعدم نظره في أدلة الوحدانية نظراً يؤذي إلى المطلوب أو لأنه لم تقم عليه الحجة لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه، وعلى هذا لا يبقى الكافرون على إطلاقه لا إن المراد من المنكر من لم يعرفها، وإن لم ينكر لأنّ الإنكار ليس على ظاهره كما مرّ فيدخل فيه من هو غير كافر فالكفرة أكثرهم لا كلهم حتى يحتاج إلى أن يقال اكثر بمعنى الكل ونحوه كما أنه يجوز أن يكون ذكر ذلك لأنه تعالى علم أن منهم من سيؤمن كما مرّ وهذا مع ظهوره خفي على من رذ هذا بأنه يلزمه إطلاق الكافر على من لم يبلغ حذ التكليف ومن بلغ ذلك ممن يعرف نعم الله، وينكر وهو في حيز المنع. قوله: (في الاعتذار) يشير إلى أنّ مفعول الإذن، ومتعلقه محذوف تقديره ما ذكر وقوله إذ لا عذر لهم أما أراد أنهم لا استئذان منهم، ولا إذن إذ لا حجة لهم حتى تذكر، ولا عذر لهم حتى يعتذروا أو أنهم يستأذنون فلا يؤذن لهم، وهو الظاهر، وتفسير الشهيد بالأنبياء للتصريح به في قوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ الآية. قوله:) وثم لزيادة ما يحيق بهم (أي هي للتراخي الرتبي وأن ما بعدها لكونه أشذ مما قبله كأنه بعيد منه زمانأ، وقوله من شدة المنع بيان لما يحيق، وفي نسخة من شذة ما يمنع وما مصدرية، وقوله لما فيه الخ تعليل لشذة أو لزيادة، وعلى في قوله على ما يمنون متعلق بزيادة وهو مجهول مناه يمنوه، ويمنيه بالتخفيف بمعنى ابتلاه. قوله: (ولا هم يسترضون (أي يطلب رضاهم وقوله من العتبى، وهي الرضا أي أراد رضاهم في أنفسهم بالتطلف بهم فهو من استعتبه كأعتبه إذا أعطاه العتبى والرضا، وان أراد رضا غيرهم أن الله بالعمل فهو كقول الزمخشري لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل، والعتبى مصدر أعتبه فإن قلت الاستفعال للطلب فيكون معناه
طلب العتب لا الرضا قلت قال الكرماني ﵀ الاستفعال قد جاء أيضا لطلب المزيد فيه كما هنا فإن الاستعتاب ليس لطلب العتب بل لطلب الأعتاب بمعنى العتبى أي إزالة العتب، وهو بالرضا، والهمزة فيه للسلب وله نظائر وهذا ما أشار إليه في الكشف بقوله لا تطلب منهم العتبى أي إزالة عتب ربهم، وغضبه فافهم، وقيل استعتب بمعنى أعتب واستفعل بمعنى أفعل كثير. قوله: (وكذا قوله وإذا رأى الذين الخ) أي هو منصوب بمقدر هو أحد الأفعال الثلاثة التي ذكرها فعلى الأوّلين هو مفعول به بمعنى وقت، وقوله فلا يخفف مستأنف، وعلى الثالث هو ظرف شرطي والعامل فيه يحيق على ما بين في النحو وهو جوابه وقوله فلا يخفف مستأنف أيضا، وقد يجعل جوابها بتقدير فهو لا يخفف لأن المضارع مثبتا كان أو منفيآ إذا وقع جواب إذا لا يقترن بالفاء إلا أنّ التقدير مع كونه خلاف الأصل مناف للغرض في تغاير الجملتين في النظم، وهو أن التخفيف واقع بعد رؤية العذاب فلذا لم يؤت بجملة اسمية بخلاف عدم الإمهال فإنه ثابت لهم في تلك الحالة، وقوله التي دعوها شركاء إشارة إلى معنى إضافة الشركاء إلى ضميرهم، وهو ورد أيضا مضافا إليه في غير هذه الآية ودعوا بمعنى سموا، وخص الشركاء بالأوثان عن هذا التوجيه قيل ولو عمم على أن القائل بعضهم وهو من يعقل أوكلهم بإنطاق الأصنام كما سيذكره المصنف ﵀ كان أولى. قوله:) أو الثياطين الذين شاركوهم (أي كفروا مثل كفرهم فكونهم شركاءهم على ظاهره فهذا توجيه آخر للإضافة أو المراد حينئذ بشركتهم لهم شركتهم في وباله لحملهم لهم عليه، وهذا ما ذكره المصنف ﵀، وقوله نعبدهم أو نطيعهم لف ونشر للأوثان والشياطين الحاملين لهم على الكفر. قوله: (هو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين (وهو يؤخذ من السياق، وقوله أن يشطر بالتشديد أي ينصف بأن يطرج عنهم نصفه لتشريكهم دئه في العبادة التي تستحق عدم العذاب أو يلقي نصفه على من عبدوه، والأوّل لا يناسب قوله من دونك كما أن الثاني
стр. 1824
لا يناسب تفسيرهم بالأصنام فتأقل. قوله:) أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله (الجار والمجرور متعلق بالتكذيب واً نهم عبدوهم معطوف على أنهم شركاء الله فهو مما كذبوا به، وهذا ناظر إلى أن الشركاء الأوثان
ويلائم ما بين به الإضافة، وقوله أو في أنهم حملوهم الخ ناظر إلى أنهم الشياطين وأورد عليه أنهم لم يقولوا هم ألزمونا الكفر حتى &@&@يكذبوا فيه فيكفي للتكذيب دعوتهم لذلك، وحين كذبوهم الخ متعلق بقوله ضاع. قوله تعالى:) ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ) قال المعرب يجوز أن يكون مبتدأ والخبر زدناهم، وجوّز ابن عطية أن يكون الذين كفروا بدلاً من فاعل يفترون، ويكون زدناهم مستأنفا، ويجوز أن يكون الذين كفروا نصبا على الذم أو رفعا عليه فيضمر الناصب، والمبتدأ وجوبا، وقوله زدناهم عدّابا أي أمّا بالشدة أو بنوع آخر منه، وهو المروي عن السلف ﵏ وهي حيات وعقارب كالبخاتي رواه ابن أبي حاتم. قوله: (بكونهم مفسدين بصدّهم الما فسر الصد أي المنع عن سبيل الله بوجهين أعني كونه باقياً على ظاهره لأنهم كانوا يتعرّضون لمن يريد الإسلام فيمنعونه أو لأنهم كانوا يحملون غيرهم ممن استخفوه على الكفر وفي ذلك مغ لهم فهم ضالون مضلون فسر الفساد بالصد بوجهيه، ولم يحمله على الكفر لأنه بيان لسبب الزيادة فتأمّل، وقوله فإن نبي كل أمّة يبعث منهم بيان لمعنى من أنفسهم وأنّ المراد به أنه من جنسهم كما مرّ تحقيقه، ولم يذكر هذا القيد في قوله قبله، ويوم نبعث من كل أمّة شهيداً لإفادة من له لا الشهادة، ولا يرد لوط ﵊ فانه لما تأهل فيهم، وسكن معهم عد منهم. قوله:) على أمتك (قيل المراد بهؤلاء شهداء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعلمه بعقائدهم واستجماع شرعه لقواعدهم لا الأمة لأن كونه شهيدا على أمّته علم مما تقدم فالآية مسوقة لشهادته على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتخلو عن التكرار وردّ بأنّ المراد بشهادته هنا على أمته تزكيته، وتعديله لهم، وقد شهدوا على تبليغ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهذا لم يعلم مما مز وهو الوارد في الحديث كما فصله المصنف ﵀ في سورة البقرة في قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] ولذا ترك التصريح بالمراد بالشهادة هنا تعويلا على ما مرّ وأما على ما هنا فلا مضرّة فيها كما بينه ثمة مع أنه مشترك الورود وبهذا ينتظم ما بعده أشذ انتظام. قوله: (استئناف أو حال بإضمار قد) قيل إن كان قوله وجئنا بك كلاما مبتدأ لا معطوفا على قوله نبعث، وشهيدا حال مقدرة فلا إشكال في الحالية وان عطف عليه فالتعبير بالماضي لتحققه فمضمون الجملة الحالية متقدم بكثير فلا يفيد
ما ذكر في كون الماضي حالاً هنا ففي صحته كلام إلا أن يبنى على عدم جريان الزمان عليه تعالى، وليس بشيء لأنّ بيانه لكل شيء داخل فيه تلك العقائد والقواعد بالدخول الأوّلى وهو مستمرّ إلى البعث وما بعده وأما أنّ المعنى بحيث أو بحال إنا كنا نزلنا عليك الكتاب، وتلك الحيثية ثابتة له تعالى إلى الأبد فمما لا حاجة إليه. قوله: (بياناً بليناً) المبالغة من كون هذه الصيغة تدل على التكثير كالتطواف، والتحوال، ولم يرد بالكسر إلا في تبيان، وتلقاء على المشهور، وقال ابن عطية ﵀ أنّ التبيان اسم، وليس بمصدر، والمعروف خلافه. قوله: (على التفصيل أو الإجمال) اختاره لبقاء كل على معناها الحقيقي لكنه خص عموم شيء بقيد أو وصف مقدر بقرينة المقام وأنّ بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي لبيان الدين ولذا قال ﵊ أنتم أعلم بأمور دنياكم ولذا أجيبوا عن سؤال الأهلة بما أجيبوا، وقيل كل للتكثير والتفخيم كما في قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [سررة الأحقاف، الآية: ٢٥، إذ ما في الإحاطة والتعميم ما في التبيان من المبالغة في البيان وأن قوله من أمور الدين تخصيص لا يقتضيه المقام، وقد علمت ردّ الثاني، وأما الأوّل فقد ردّ بأنّ ذلك بحسب الكمية لا الكيفية فلكل وجهة والمرجح للأول إبقاء كل على حقيقتها في الجملة. قوله: (بالإحالة إلى السنة أو القياس) الظاهر على بدل إلى لكنه تسمح فيه أو ضمنه معنى الصرف، وهو دفع لأنّ الإجمال ينافي البيان البليغ بأنه لما بينتة السنة أو علم بالقياس كان معلوما منه مبنيا به، واختير في بعضه ذلك للإيجاز وابتلاء الراسخين، وتمييز العالمين، وترك الإجماع اكتفاء بذكرهما فإن قلت من أمور الدين ما ثبت بالسنة ابتداء فإن دفع بأنه قليل بالنسبة لغيره رجع الأمر بالآخرة للتكثير قلت المراد بالإحالة على السنة كما في الكشاف أنه
стр. 1825
أمر باتباع رسول الله ﷺ وطاعته، وقيل وما ينطق عن الهوى، وحث على الإجماع في قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين، وقد رضي رسول الله ﷺ لأمته اتباع أصحابه، والاقتداء بآثارهم في قوله: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وقد اجتهدوا، وقاسوا ووطؤوا طريق القياس، والاجتهاد فكانت السنة، والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب وفيه تأمل. قوله: (للجميع) بقرنية قوله وما أرسلناك إلا رحمة ولذا جعل قوله للمسلمين قيدا للأخير، ولو صرف للجميع لأنهم المنتفعون بذلك أو لأنّ الهداية الدلالة الموصلة والرحمة الرحمة التامة كان صحيحاً، وقوله وحرمان الخ دفع لسؤال مقدر وبيان لشمول الرحمة. قوله: (بالتوسط في الأمور اعتقاد الخ) فسر التعطيل بالتعطيل عن الأفعال كما هو مذهب الفلاسفة، وغيرهم من المعطلة، وقال أهل السنة القول بنفي الصفات عنه تعالى
تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه والعدل إثبات صفات الكمال ونفي غيرها، وأيضاً نفي لصفات تعطيل، واثبات الصفات الحادثة تشبيه والعدل إثبات الصفات القديمة والظاهر أنّ المراد بالتعطيل نفي الصانع كما تقول الدهرية، والمراد بالتشريك إثبات الشريك، ولا حاجة لتفسيره بالتشبيه فإنه تكلف لا داعي له وما ذكره المصنف ﵀ ملخص من تفسير الإمام ولم يرتض ما في الكشاف من تفسير العدل بالواجب لما فيه من إخراجه عن ظاهر مع أنه قيل إنّ فيه اعتزالاً وان نوزع فيه. قوله: (والقول بالكسب الخ) الجبر إسناد فعل العبد له تعالى من غير مدخل له فيه كما هو مذهب الجبرية والقدر إسناد الأفعال إلى العبد وقدره فهو بضم القاف جمع قدرة، ونفي خلق الله لفعله كما هو مذهب المعتزلة، وكذا القول بعدم المؤاخذة بالذنوب أصلا مع الإيمان وتخليد الفساق فالعدل في الحقيقة ما ذهب إليه أهل السنة ﵃، وأن زعمت المعتزلة أنهم العدلية. قوله: (بين البطالة والترهب) قال الإمام المرزوقي في شرح الفصيح يقال رجل بطال إذ! اشتغل بما لا يعنيه، وتبطل إذا تعاطى ذلك ومصدره البطالة بالفتح وحكى الأحمر فيه الكسر انتهى وفي شرح المعلقات لابن النحاس أنّ الأفصح فتحه ويجوز كسره فالجزم بالكسر وأنّ وزنه وإن اختص بما فيه صناعة، ومعالجة كالحياكة لكنه مما حمل فيه النقيض على النقيفى قصور، والبطالة ترك لعمل لعدم فائدته إذ الشقي والسعيد متعين في الأزل كما ذهب إليه بعض الملاحدة والترهب المبالغة في التزهد بترك المباحات تشبيها بالرهبان لأنه لا رهبانية في الدين، وليس إخلاص الزهد منه وقوله وخلقا بضم الخاء والبخل والتبذير معروفان، وكان بين ذلك قواما وسيأتي تحقيقه في سورة الإسراء. قوله: (إحسان الطاعات الخ) الإحسان يتعدى بنفسه، وبإلى فيقال أحسنه، وأحسن إليه، وهو هنا يحتمل أن يكون من الثاني والمراد الإحسان إلى الناس فهو أمر بمكارم الأخلاق كما روي وأن يكون من الأوّل والمراد إحسان الأعمال واليه الإشارة في الحديث الصحيح (١) المذكور والمصنف ﵀ اقتصر على الثاني لوروده في الحديث المذكور ولذا رجحه المصنف ﵀ على غيره، والحديث صحيح رواه البخاري والإحسان فيه بمعنى اتقان الأعمال، والعبادة بالخشوع، وفراغ البال لمراقبة المعبود حتى كأنه يراه بعينه واليه أشار ﷺ بقوله كأنك تراه ويستحضر أنه مطلع على أعماله، واليه أشار بقوله فإنه يراك وهاتان الحالتان تثمرإن معرفة الله وخشيته، وقال النوويّ ﵀ معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك
وهذا الحديث من أصول الدين وجوامع الكلم وعد التنفل إحسانا لأنه زيادة في العمل، وجبراً لما في الواجبات من النقص الذي لا تخلو عنه الأعمال على ما حققه في الكشاف. قوله: (وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه) أتى بمعنى جاء وآتاه بمعنى أعطاه، وهو مما تغير معناه بعد النقل كما سيأتي تحقيقه في سورة مريم والتخصيص بعد التعميم لدخوله في العدل على تفسيره، وقيل في توجيهه بأنه يدخل في الإحسان التعظيم لأمر الله والشفقة على خلقه، وأعظمها صلة الرحم فتأمل، وقوله ما يحتاجون إليه إشارة إلى مفعوله المقدّر، والمبالغة لجعله للاعتناء به كأنه جنس آخر. قوله: (عن الإفراط الخ) هذا مأخوذ من مقابلته للعدل بمعنى التوسط كما مر، وقوله كالزنا تمثيل لا تخصيص وأمّا توله فإنه فضميره عائد على الإفراط لا على الزنا كما قيل. قوله: (ما ينكر على متعاطيه الخ) في إثارة متعلق بينكر أي يحصل
стр. 1826
وقت إثارتها أو بسبب إثارتها أي تحريكها كالانتقام، وغيره مما لا يوافق الشرع، وقوله صارت سبب إسلام عثمان بن مظعون ﵁ بالظاء المعجمة صحابي معروف أي صار نزول هذه الآية سبباً لإخلاص إسلامه لأنه أسلم أوّلاً، ولم يطمئن قلبه للإسلام كما ورد تفصيله في الآثار، وكون الأظهر أن يقول كانت بدله أمر سهل، ولم يقل ما تنكره العقول كما في الكشاف للتعميم، ولدفع إيهام القبح العقلي الذي ذهب إليه المعتزلة. قوله: (والبغي الخ) أصل معنى البغي الطلب، ثم اختص بطلب التطاول بالظلم والعدوان، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله والاستعلاء الخ. وقوله فانها الشيطنة الضمير راجع للأمور المذكورة من الاستعلاء والاستيلاء والتجبر أو للبغي وأنث باعتبار الخبر، والشيطنة مصدر شيطن بمعنى فعل فعل الشياطين في الخيانة كتشيطن، والقوى الثلاث الشهوانية والغضبية، والوهمية وهي من القوى الباطنة التي سمتها الفلاسفة قوة حيوانية والأطباء قوّة نفسانية، وقسموها إلى مدركة، ومحركة فمن المدركة القوّة الوهمية، وهي التي تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة كالعداوة المخصوصة وضدها، وهي تقتضي ما ذكر لترتبه عليها، ومن المحركة الباعثة، وتسمى شهوانية إن كانت حاملة على جلب أمر محبوب وغضبية إن كانت حاملة على دفع مكروه على ما فصلى في الحكمة، واعلم أنه قابل في النظم الأمر بالنهي مع مقابلة ثلاثة لثلائة، وكما دخل إيتاء ذي القربى فيما قبله
دخل البغي في المنكر أيضاً ولما كان بنو أمية يسبون علياً كرم الله وجهه في خطبهم وآلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ أسقط ذلك منها وأقام هذه الآية مقامه وهو من أعظم مآثره والذي خصها بذلك ما فيها من العدل والإحسان إلى ذوي القربى، ودفع البغي وقد سمى النبيّ ﷺ من عادى عليا رضعي الله عنه وكرّم الله وجهه فئة باغية وقال: " اللهنم وال من والاه وعاد من عاداه " وكونها أجمع آية لاندراج ما ذكر فيها. قوله: (ولو لم يكن الخ) بيان لوجه مناسبة الآية لما قبلها وارتباطها بها ووجه التنبيه أنه إذا جمعت هذه الآية ما ذكر مع وجازتها أيقظت عيون البصائر وحركتها للنظر فيما عداها، والميز مصدر مازه بمعنى ميزه والخير والشر لف ونشر للأمر والنهي، وقوله تتعظون إشارة إلى أن التذكير بمعنى الوعظ هنا. قوله:) يعني البيعة لرسول الله ﷺ الخ (تفسير للعهد بالبيعة وان عمّ كل موثق لأنه روي في سبب النزول أنها نزلت فيمن بايع الرسول ﷺ على الإسلام فهو قرينة على أنه أريد به موثق خاص وأورد عليه أنّ الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فحكمها عام كما صرح به البغوي، وفيه نظر لأن ما قبله من قوله إنّ الذين كفروا الخ قرينة مخصصة له فتأمل. قوله: القوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ ) قيل إنه تعليل لإطلاق عهد الله على عهد رسوله ﷺ وتصحيح له فالمعلل منوي مقدر، ولا تعليل لكون المراد لعهد البيعة له، ولا بيان لأنّ الآية واردة في تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان لعدم انتهاضه، ولأن السورة مكية نزلت في المستضعفين فهي البيعة الأولى لا هذه وفيه نظر. قوله: (وقيل كل أمر يجب الوقاء به) بنصب كل وكذا النذر والإيمان ويجوز رفعها بتقدير ضمير العهد أو البيعة، وقوله ولا يلائمه الخ وجه عدم الملاءمة بأنه قد يجب الوفاء بأمر من غير سبق عهد لعموم الخطاب فيمن أسند إليه في الموضعين، وأورد عليه أنّ مراد القائل كل أمر سبق الوعد به يجب الوفاء به وهذا مما لا مزية فيه لأنّ الوفاء يقتضي سبق ما ذكر وأما التوجيه بأنّ ما يجب الوفاء به أعمّ مما وقع العهد به في
الماضي والمستقبل، وقوله إذا عاهدتم مختص بالثاني فليس بشيء. قوله:) وقيل الآيمان بالله) بفتح الهمزة جمع يمين وهو إما يمين البيعة أو المطلق فقوله: ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ﴾ تكرير للتوكيد على هذا ثم الظاهر أنّ المراد بالإيمان في النظم المحلوف عليه كما في الحديث: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يميته " لأنه لو كان المراد به ذكر اسم الله كان عين التأكيد لا المؤكد فلم يكن محل ذكر العاطف كما تقزر في المعاني، وهذا إذا لم يرد به يمين مخصوصة كما مر وإذا حمل على مطلق الإيمان فهو عام للحديث السابق لا خاص كما ذهب إليه الإمام لأنّ الخطر لو لم يكن باقيا ما احتيج إلى الكفارة الساترة للذنب كذا قيل ورد بأنّ المراد به العقد لا المحلوف عليه لأنّ النقض إنما يلائم العقد، ولا ي! نافيه قوله
стр. 1827
بعد توكيدها كما توهم لأنّ المراد كون العقد مؤكداً بذكر الله لا بذكر غيره كما يفعله العامة فالمعنى إنّ ذلك النهي لما ذكر لا عن نقض الحلف بغير الله، ثم إن النهي عن نقضه عام مخصوص بالحديث السابق، ووجوب الكفارة بطريق الزجر إذ أصل الإيمان الانعقاد، ولو محظورة فلا ينافي لزوم موجبها، وقد يقال إنه للإقدام على الحلف بالله في غير محله فليتأمل.
قوله: (بقلب الواو همزة) هذا مذهب الزجاج وغيره من النحاة، وذهب غيرهم إلى أنهما
لغتان أصليتان كأرخت وورخت لأنّ الاستعمالين في الماذتين متساويان فلا يحسن القول بأنّ الواو بدل من الهمزة كما في الدر المصون. قوله: (شاهداً الخ (يعني أنّ الكفيل هنا ليس بمعناه المتبادر منه بل بمعنى الشاهد إما على التشبيه فهو استعارة أو باستعماله في لازم معناه فهو مجاز مرسل، والعبارة محتملة لهما، والظاهر أن جعلهم مجاز أيضاً لأنهم لما فعلوا ذلك، والله مطلع عليهم فكأنهم جعلوه شاهداً، ولو أبقى الكفيل على ظاهره، وجعل تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته وأنه يسلمهم لها كما يسلم الكفيل من كفله كما يقال من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه تنبيها على أنه لا يمكنه التخلص من العقوبة كما ذكره الراغب لكان معنى بليغا جداً فتأمله، وقوله إنّ الله يعلم كالتفسير لما قبله، وهذه الجملة حالية إمّا من فاعل تنقضوا أو من فاعل المصدر وان كان محذوفا، وقوله إبرام بالباء الموحدة والراء المهملة أصل معناه تقوية فتل الخيط والحبل ونحوه ولذا تجوّز به عن الإلحاح فقوله وأحكام عطف تفسير، وهما مصدران
من المبنيّ للمجهول. قوله: (ما غزلتة مصدر بمعنى المفعول الم يكتف بأحدهما، وان كان قد يغني عن الآخر للتوضيح إذ ما تحتمل المصدرية والموصولية ولأن الثلاثيّ أعمّ من الأوّل فينطبق على الوجه الثاني كما سننقله عن الكشاف، وقيل إنه لم يكتف بقوله مصدر بمعنى المفعول لأنّ مغزولها قد يكون بغزل الأجانب والإضافة إليها للملك، ونقض ما غزلته بنفسها أدل على شدة حمقها لكنه لو اكتفى بقوله ما غزلته كان أخصر وفيه ما فيه، وقوله متعلق بنقضت أي على أنه ظرف لقوله نقضت لا حال، ومن زائدة مطردة في مثله. قوله: (طاقات نكث فتلها الخ) جمع طاقة وهي ما فتل وعطف من الخيوط والحبال ونحوها كطاقات الأبنية والنكث والنقض بمعنى، وهو حل ما فتل أو بني في الأصل نقل مجازاً إلى إبطال العهود والإيمان ففي نقض الإيمان استعارة بها يتمّ الارتباط بين المشبه والمشبه به وقد مر تفصيلها في سورة البقرة، وقوله جمع نكث أي بكسر النون وسكون الكاف بمعنى منكوث كنقض بمعنى منقوض. قوله: (وانتصابه على الحال الخ) فهي حال مؤكدة وفي إعرابه وجوه أحدها هذا، والثاني أنه منصوب على أنه مفعول لنقضت لتضمنه معنى صيرت أو لتقديره أو لجعله مجازاً عنه كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى قيل، والأوّل أولى، ونقضت فيه مجاز أيضا بمعنى أرادت النقض على حذ قوله إذا قمتم إلى الصلاة لما فيه من الجمع بين القصد، والفعل ليدل على حماقتها واستحقاقها اللوم بذلك فإنّ نقضها لو كان من غير قصد لم تستحق ذلك ولأنّ التشبيه كلما كان أكثر تفصيلاً كان أحسن، وفي هذا التمثيل إشارة إلى أنّ ناقض يمينه خارج من الرجال الكمل داخل في زمرة النساء بل في أدناهن، وهي الخرقاء، وكأنّ المصنف رحمه الله تعالى عدل عنه لما فيه من التجوّز مرّتين طيا للمسافة لا اغتراراً بقوله جار الله فجعلته إنكاراً كما توهم، وجوّز الزجاج فيه وجهاً ثالثاً، وهو النصب على المصدرية لأنّ نقضت بمعنى نكثت فهو ملاق لعامله في المعنى، وقوله والمراد به تشبيه الناقض بالضاد المعجمة أي من غير تعيين كما في الوجه الآخر إذ التشبيه لا يقتضي وجود المشبه به بل يكفي فرضه. قوله: (وقيل هي ريطة) وفي نسخة بريطة بباء جر داخلة على ريطة أي المراد تشبيه الناقض بريطة بفتح الراء المهملة وسكون المثناة التحتية، وفتح الطاء المهملة، وهو علم لامرأة معروفة منقول من الريطة بمعنى الأزار، والملاءة ذات اللفقين فالمشبه به معين كما تشهد له الموصولية قال جار الله إنها اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عطيمة على قدرها فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن، والخرقاء بخاء معجمة، وراء مهملة وقاف، ومد الحمقاء أو ذات الجنون، والوسوسة. قوله:) حال من الضمير في ولا تكونوا (إن كان الدخل
بمعنى الدغل، وهو الفساد ففائدة الحال الإشارة إلى وجه الشبه و
стр. 1828
قوله متخذي جار على الوجهين، وجوّز فيه أن تكون جملة تتخذون خبر كان وكالتي نقضت حال، وقوله أصل الدخل الخ يعني أنّ هذا أصل معناه ثم كني به عن الفساد كما ذكره الراغب في مفرداته. قوله: (لأن تكون جماعة كثر عددا الخ (إشارة إلى أن المصدر المؤول بتقدير الجار المطرد حذفه معه، وقدر باللام كما سيشير إليه أو مخافة أو تكون، وجوّز في كان أن تكون تامة وناقصة، وفي هي أن تكون مبتدأ وعماداً وقوله والمعنى الخ قيل هذا لا يناسب السباق، واللحاق، وليس بشيء لأنه لما ذكر نقض عهودهم وأيمانهم في البيعة أردفه بذكر سببه ثم بحكمة الابتلاء بما ذكر وأفي مناسبة أتم من هذه وهذا مما لا خفاء فيه، وقوله لكثرة منابذيهم أصله منابذين أي معادين بصيغة الجمع فحذفت نونه للإضافة، وأما كونه بالتاء الفوقية مصدراً كالمقابلة كما في بعض النسخ فتحريف وفي بعضها منابذهم بصيغة المفرد والشوكة القوة مستعار لها من الشوكة بمعنى السلاح المشبه بشوك الشجر، وقوله نقضوا عهدهم ضمير الجمع للحلفاء وهو ظاهر. قوله:) الضمير لأن تكون أمّة الخ) يعني أنّ الضمير في النظم إمّا عائد على المصدر المنسبك من أن تكون أو للمصدر المنفهم من أربى بمعنى أزيد، وهو الربو بمعنى الزيادة، وقيل إنه لا ربى لتأويله بالكثير، وفي نسخة لا ربى وفي أخرى للربو، وقوله وقيل للأمر بالوفاء المدلول عليه بقوله، وأوفوا الخ، ولا حاجة إلى جعله منفهما من النهي عن الغدر بالعهد كما قيل، وقوله بحبل الوفاء بعهد الله استعارة مبنية على الاستعارة في قوله، ولا تنقضوا. قوله:) إذا جارّاكم الخ) الظرف بدل من يوم القيامة بدل بعض من كل لبيان الجزاء الواقع فيه البيان وتفسير البيان بالمجازاة لأنها سبب لعلم ما هم عليه من الرأي الفاسد، والتوفيق ضدّ الخذلان وفسر الإضلال والهداية بهما ولو أبقاهما على ظاهرهما صح، وترك ما في الكشاف لابتنائه على مذهبه. قوله: (سؤال تبكيت ومجازاة (لا سؤال استفسار وتفهم، وهو المنفي في غير هذه الآية كما مر
تفصيله. قوله: (تصريح بالنهي عنه الخ (لما كان اتخاذهم الإيمان دخلا قيداً للمنهي عنه كان منهياً عنه ضمنا فصرج به لما ذكر، وهذا معنى قول الزمخشري ثم كرر النهي عن اتخاذ الإيمان دخلا بينهم تأكيداً عليهم، واظهار العظم ما ارتكب ولا مخالفة بينهما كما توهم، وقد اعترض عليه أبو حيان بأنه لم يتكرر النهي إذ ذكر أولأ على طريق الأخبار عنهم بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلا معللا بأمر خاص، وجاء النهي المستأنف الإنشائي عن اتخاذ الإيمان دخلا على العموم ليشمل ما عداه من الحقوق المالية وغيرها، ورذ بأنّ قيد المنهي عنه منهي عنه فليس إخباراً صرفا ولا عموم في الثاني لأن قوله فتزل الخ إشارة إلى العلة السابقة إجمالأ لتقدم ذكرها كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى على أنه قد يقال إنّ الخاص مذكور في ضمن العام أيضاً فلا محيص عن التكرار أيضا، ولو سلم ما ذكره فتأمّل، وقوله في قبح المنهي أي المنهيّ عنه والمراد به القبح الشرعي. قوله: (والمراد إقدامهم الخ (فتزل قدم منصوب بإضمار إن في جواب النهي لبيان ما يترتب عليه، ويقتضيه وإذا كان زلل قدم واحدة قبيحا منكر فسوه أشذ، وهذه نكتة سرية، وأما ما ذهب إليه في البحر من أن الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع فيؤتى بما هو له مجموعا، وتارة يلاحظ فيه كل فرد فرد فيفرد ماله كقوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [سورة يوسف، الآية: ٣١] أي لكل واحدة منهن متكأ ولما كان المعنى لا يفعل هذا كل واحد منكم أفرد قدم مراعاة لهذا المعنى ثم قال وتذوقوا مراعاة للفظ الجمع فهو توجيه للإفرأد من جهة العربية، وهو لا ينافي النكتة فلا وجه لرذه به ومتابعة غيره له. قوله: (بصدودكم عن الوفاء الخ (يعني أن صد يكون لازماً بمعنى أعرض، ومصدره الصدود لأنّ فعولاً يغلب في المصادر اللازمة ومتعدياً بمعنى منع ومصدره الصد والفعل هنا يحتملهما، وقوله فإنّ من نقض البيعة الخ جواب سؤال مقدر يرد على الوجه الثاني، وهو أنّ نقض العهود فيه صدود عن الوفاء لا صد للغير عنه فكيف ترتبه على ما قبله فأشار إلى أنهم بذلك سنوا سنة سيئة اتبعها من بعدهم من أهل الشقاء والإعراض عن الحق فكان صدودهم عن محجة الإسلام. قوله: (ولا تستبدلوا عهد الله الخ) إشارة إلى أنّ الاشتراء هنا مجاز عن الاستبدال لأن الثمن مشترى به لا مشتري كما مر تحقيقه، وفي كلامه اختصار وطيّ لما علم، والعرض بالراء
المهملة، والضاد المعجمة ما لا ثبات له قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ ولهذا استعارة
стр. 1829
المتكلمون لما يقابل الجوهر، وفي بعضها عوض بالواو وهو ظاهر، وقوله إن كنتم من أهل العلم إشارة إلى أنه منزل منزلة اللازم لا أن مفعوله محذوف، وهو فضل ما بين العوضين لأنّ هذا أبلغ ومستغن عن التقدير. قوله:) ينقضي ويفني) مبتدأ وخبر من النفاد بالدال المهملة بمعنى الفناء، والذهاب يقال نفد بكسر العين ينفد بفتحتها نفاداً ونفوداً، وأما نفذ بالذال المعجمة ففعله نفذ بالفتح ينفذ بالضم، وسيأتي تحقيقه، وقوله من خزائن رحمته أي من رحمته المخزونة عنده، وفيه استعارة مكنية لتشبيه رحمته بالجواهر والنفائس التي تخزن وكونه تعليلا لكون ما عنده خيراً ظاهر، وكونه دليلا على بقاء نعيم الجنة بمعنى بقاء نوعه بناء على أنّ المراد بما عنده ما أعذه لهم في الآخرة. قوله: (على الفاقة (أي الفقر، وقوله على مشاق التكاليف فيعئم جميع المؤمنين وقوله بالنون أي بنون العظمة في أؤل المضارع على الالتفات من الغيبة إلى التكلم. قوله: (بما ترجح فعله الخ (لما كان ظاهر النظم أنهم لا يجازون على الحسن منها أؤله بأنّ المراد بالأحسن ما ترجح فعله على تركه فيشمل الواجب والمندوب، والحسن هو المباج فإنه لا يثاب عليه، والمراد بالأعمال ما يشمل الأعمال القلبية ككف النف! س عن المحزمات والمكروهات والعزم على فعل الخيرات، وقوله أو بجزاء أحسن من أعمالهم فأحسن صفة الجزاء، وكونه أحسن لمضاعفته، وهذا جواب آخر بأنّ الإضافة على معنى من التفضيلية، والإضافة إلى جنسه، والباء على هذا صلة نجزين وعلى الأول سببية، وقيل أحسن بمعنى حسن وأما الجواب بأنه إذا جازى على الأحسن علمت مجازاته على الحسن بالطريق الأولى فغيره مسلم. قوله:) بينه بالنوعين (أي الذكر والأنثى دفعأ لتوهم تخصيصه بالذكور لتبادره من ظاهر لفظ من فإنه مذكر وان شملهما بدون تغليب ولأنّ النساء لا يدخلن في اً كثر الأحكام والمحاورات لا سيما وقد عاد عليه ضمير مذكر. قوله:) إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة الخ (معنى قوله، وهو مؤمن، وهو ثابت على إيمانه إلى أن يموت كما تفيده الجملة الاسمية، وجعل حياته طيبة كلها فلا حاجة إلى قيد آخر ليخرج من ارتد خصوصا، والمصنف ممن يعتبر الموافاة. قوله:) وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب (قيل إنما عبر بالمتوقع لتعارض الأدلة،
والنصوص في تخفيف عذاب الكفرة بسبب أعمالهم الحسنة كقوله: ﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨٥] وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة، الآية: ٧] وحديث أبي طالب أنه: " أخف الناس عذاباً " ورذ بأنّ هذا الحديث لا يدل إلا على تفاوت عذاب الكفرة بحسب تفاوت شرورهم زيادة ونقصانا ولا نزاع فيه، وليس بشيء لأنه لا شيء أشد من الكفر المستحق صاحبه للعذاب الأليم، وقد ورد في حق أبي طالب إنه لمحبته وحمايته للنبيّ ﷺ خفف عذابه، وفي البخارقي ما معناه " إنه في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه " فقال الإمام الكرماني في شرحه فإن قلت أعمال الكفار كلها هباء منثوراً يوم القيامة فكيف انتفع أبو طالب بعمله حتى شفع له ﷺ قلت ليس هذا جزاء لعمله بل أو هو لرجاء غيره أو هو من خصائص نبينا مجتي! وبه يظهر التوفيق وسيأتي له تفصيل إن شاء الله تعالى. قوله: (كان يطيب عيثه بالقناعة والرضا بالقسمة (أي بما قسم الله له وقدره، والأجر العظيم في الآخرة على تخلف بعض مراداته عنه وضنك عيشه وهذه الأمور لا بد من وجود بعضها في المؤمن والأخير عام شامل لكل مؤمن فلا يرد عليه أن هذا لا يوجد في كل من عمل صالحاً حتى يؤول المؤمن بمن كمل إيمانه أو يقال المراد من كان جميع عمله صالحاً، وتوقع الأجر العظيم إما على صبره على العسر أو على عمله الصالح، وأن يتهنأ بالهمزة في آخره، وقد تبدل ألفا، وهو مفعول يدع أي يترك وقوله وقيل في الآخرة معطوف على قوله في الدنيا، وقوله من الطاعة مر بيانه. قوله: (١ ذا اردت قراءته (يعني أنه مجاز مرسل كما في الآية المذكورة كما تشهد له فاء السببية والحديث المشهور عن جبير أن النبي ﷺ كان يقول قبل القراءة: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وغيره مما استفاض! رواية وعملا وتفصيله في كتب الآداب، وهذا
مذهب الجمهور من القراء والفقهاء، وقد أخذ بظاهر الآية بعض الأئمة كأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وابن سيرين، وقيل إنّ الفاء لا دلالة فيها على ما ذكر وأنّ إجماعهم على صحة هذا المجاز يدل على أنّ القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة ليس بشرط
стр. 1830
فيه، وليس بشيء لأنّ طلب الاستعاذة من الوسوسة في القراءة المؤدّية إلى خلل ما بحسب الظاهر يكون قبل الشروع فيها ومثله يكفي قرينة قيل، والذي غره أنه لا فرق بين هذه الآية وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] فإنّ ثمة دليلا قائما على المجاز وترك الظاهر بخلاف ما نحن فيه، وقد أشار إلى رذه في الكشف حيث قال أجمع القراء وجمهور الفقهاء على أنّ الاستعاذة حال الشروع في القراءة، ودل الحديث على أنّ التفديم هو السنة فتبقى سببية القراءة لها، والقاء في فاستعذ تدل عليها فتقدر الإرادة ليصح وأيضاً الفراغ عن العمل لا يناسب الاستعاذة من العدوّ، وإنما يناسبها الشروع فيها فتقدر الإرادة ليكونا أي القراءة، والاستعاذة مسببين عن سبب واحد، ولا يكون بينهما مجرد الصحبة الاتفاقية التي تنافيها الفاء وأشار إليه في المفتاح بقوله بقرينة الفاء والسنة المستفيضة فتأمل. قوله: (فاسأل الله) بيان لأنّ السين للطلب، وقوله من وساوسه بيان للمراد أو لتقدير المضاف بقرينة المقام، وقوله والجمهور على أنه للاستحباب لما روي من ترك النبي ﷺ لها وقال عطاء إنها واجبة لظاهر الأمر. قوله: (وفيه دليل الخ) المراد بالحكم ما دلّ عليه الأمر، وقد اختلف فيه هل يقتضي التكرار أولاً على ما فصل في الأصول فقيل الأمر المعلق على شرط أو صفة للتكرار لا المطلق وهو مذهب بعض الحنفية والشافعية واليه ذهب المصنف رحمه الله تعالى هنا في الشرط لأنه سبب أو علة، والشيء يتكرر سببه وعلته كما في قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] فإنه يدل على وجوب الغسل لكل جنابة، وهذا معنى قوله قياسا أي قياساً لما وقع في الصلاة على ما وقع خارجها وقيل معناه قياسا على ما وقع ابتداء للاشتراك في العلة. قوله: (يستعيذ في كل ركعة) وهذا مذهب ابن سيرين والنخعيّ وأحد قولي الشافعي، وفي قول آخر له كأبي حنيفة يتعوّذ في الركعة الأولى لأنّ قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة ومالك رحمة الله تعالى لا يرى التعوّذ في الصلاة المفروضة، ويراه في غيرها كقيام رمضان. قوله: (بأنّ الاستعا " عند القراءة من هذا القبيل (أي قبيل العمل الصالح المطلوب من الذكور والإناث المورث لطيب حياة الدارين وإنما خوطب به النبي ﷺ دلالة على فضل هذا العمل، وأن غيره تابع له فيه بحسب الذات والزمان، وتأكيداً للحث عليه لأنه إذا أمر بالاستعاذة المعصوم فغيره أولى. قوله:) هكذا أقرأنيه جبريل عليه
الصلاة والسلام عن القلم عن اللوح المحفوظ (هكذا رواه الثعلبيئ، والواحدي ولم يتعقبه العراقي في تخريجه وفي الكشف كذا وجدته في كتب القرا آت، ولا يريد بالقلم القلم الأعلى فإنه مقدم الرتبة على اللوج بالنص وإنما أراد القلم الذي نسخ به من اللوج، ونزل به جبريل ﵊ دفعة إلى السماء الدنيا فافهم ففيه نظر فإنه لا داعي للعدول عن الظاهر إذ المراد أنه مشروع كذلك في الأزل فتأمل وكأنه وقع في نسخة عن اللوج عن القلم كما في بعض التفاسير، والذي في نسخ القاضي، والكشاف خلافه مع أن التأخير الذكري لا يقتضي التأخر الرتبي لا سيما بدون أداة ترتيب وفي كتب الكلام القلم العقل الأوّل، واللوج العقل الثاني. قوله:) تسلط وولاية) إشارة إلى أنّ السلطان هنا مصدر بمعنى التسلط، وهو الاستيلاء، والتمكن من القهر فعطف الولاية عليه للتفسير ثم أطلق على الحجة وعلى صاحب ذلك وقوله على أولياء الله أخذه من قوله الذين آمنوا لقوله تعالى: و ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٧] أو من التوكل لأن من فوض أمره لله وولاه جميع أموره كان وليا له ويدل عليه مقابلته بقوله يتولونه، وقوله المؤمنين به والمتوكلين عليه إشارة إلى أنّ الأصل في الصفة الإفراد، وقوله فإنهم الخ دفع لسؤال، وهو أنه إذا لم يكن له عليهم تسلط لم أمروا بالاستعاذة منه بأنه للاحتياط د! ان كان صدوره نادراً اعتناء بحفظهم، ولذأ جعل الخطاب له ﷺ كما مرّ فالمنفي ما عظم منه، والاستعاذة عن محقراته، وقيل نفي التسلط بعد الاستعاذة، وفي الكشف إن هذه الآية جارية مجرى البيان للاستعاذة المأمور بها، وأنه لا يكفي فيها مجرد القول الفارغ عن اللج إلى الله تعالى وأن اللج إليه إنما هو بالإيمان أوّلاً والتوكل ثانيا، وعلى الوجهين ظهر وجه ترك العطف. قوله: (يحبونه ويطيعونه (إشارة إلى أن تولاه بمعنى جعله والياً عليه، ومن جعل غيره واليا عليه فقد أحبه وأطاعه كقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٣] الخ، وقوله بالله الخ إشارة إلى أن الضمير راجع لربهم، والباء للتعدية
стр. 1831
أو للشيطان والباء للسببية ورجح باتحاد الضمائر فيه. قوله:) بالنسخ فجعلنا الآية الخ (إشارة إلى أن بذلنا مضمن معنى جعلنا لأن المبدل نفسها لإمكانها، وذكر هذا عقب الاستعاذة لأنه مما يدخل فيه الشيطان الوسوسة على الناقضين بالبداء ونحوه، وقوله لفظآ أو حكما إشارة إلى قسمي النسخ كما فصل
في محله وأو لمنع الخلو فإنهما قد ينسخان معاً، وقوله بالتخفيف أي بتخفيف الزاي وسكون النون. قوله: (من المصالح (بيان لما ينزل والباء للسببية، ولو جعلت صلة العلم صح وما ذكر بيان لحكمة النسخ ورذ الطعن بالبداء أو فائدة التبديل فإنّ الطبيب الحاذق قد يأمر المريض بشربة ثم بعد ذلك ينهاه عنها ويأمره بضدها، وقوله تأمر بشيء ثم يبدو لك إشارة إلى وجه الطعن بالبداء، ولم يقولوا يأمر الله، وينهي بناء على زعمهم في أنه افتراء. قوله: (اعتراض) قدم الاعتراض لأن الحالية لا تخلو من الاعتراض، وفيه التفات، والسند قولهم يأمر بشيء ثم ينهي عنه فإنه لجهلهم يقتضي البداء الذي لا يليق بالحكيم، ويعني بهذا أنه منزل من عندي لا تقوّل عليئ، وقوله حكمة الأحكام أي في تبدلها. قوله: (كقولهم حاتم الجود) قيل المراد حاتم الجواد فأضيف للمبالغة في كثرة ملابسته له ورذ بأنه قال في الكشف في الصافات في رب العزة أنه أضيف لاختصاصه بها كحاتم الجود وسحبان الفصاحة وليس الإضافة فيه، ولا في نحو رجل صدق من إضافة الموصوف للصفة على جعله نفس الصدق مبالغة وذكر ثمة وجهاً آخر لا يناسب هنا (قلت (ما ارتضاه الفاضل وجه وجيه، وليس هو أبا عذرته قال الرضي في باب النعت هم كثيرا ما يضيفون الموصوف إلى مصدر الصفة نحو خبر السوء أي الخبر السيىء ورجل صدق أي صادق اهـ، وقوله بالتخفيف أي بسكون الدال. قوله: (تنبيه على أن إنزاله مدرجاً الخ (قوله مدرجا بصيغة المفعول أي بالتدريج، وهو مقابل الدفعي وهو إشارة إلى الفرق بين الإنزال والتنزيل، وقد مر تفصيله يعني أنه لم ينزل دفعة واحدة بل دفعات على حسب المصالح الدينية، والمصالح تختلف باختلاف الأزمان فكم من شيء يلزم في وقت ويمتنع في آخر فكونه كذلك مما يؤيد صحة النسخ وحسنه فلذلك اختار صيغة نزل هنا دون أنزل لمناسبته لمقتضى المقام فقوله على حسب المصالح خبر أن وبما يقتضي بدل منه أو حال من الضمير المستتر في مدرّجاً وبما الخ خبر، وقوله بما بالباء السببية، وفي نسخة مما وليس الإنزال التدريجي هنا مخصوصاً بالناسخ والمنسوخ كما قيل بل شامل له، وقوله ملتبسا الخ إشارة إلى أنّ الباء للملابسة، وأنّ الحق بمعنى الحكمة والصواب المقتضي للتبديل. قوله: (ليثبت الله
الذين آمنوا الم يؤوّله بقوله ليبين الله ثباتهم كما أوّله به غيره لأنه لا حاجة إليه إذ التثبيت بعد النسخ لم يكن قبله فإن نظر إلى مطلق الإيمان صح، وقوله وأنهم عطف تفسيري وفي نسخة فإنهم بالفاء وهي أولى، وقوله المنقادين تفسير للمسلمين بمعناه اللغوي ليفيد بعد توصيفهم بالإيمان. قوله: (وهما معطوفان على محل ليثبت) وجوّز المعرب العطف على لفظه لأنه مصدر تأويلا وقد مر نظيره في قوله لتركبوها وزينة على القراءة المشهورة مع وجوه أخر فيه لكن المصنف ﵀ حكاه بقيل هناك مضعفاً له وهنا ساقه على وجه يقتضي ارتضاءه له فبين كلاميه تناف، ويدفع بالفرق بينهما فإن ثمة اختلافاً في الفاعل مجوّزاً للصراحة في أحدهما دون الآخر فهو نظير زرتك لتكرمني، واجلالاً لك وهذا نظير زرتك لأحدّثك، واجلالاً لك فالتضعيف راجع إلى التوجيه، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله أي تثبيتا وهداية، وبشارة فهو راجع إلى اتحاد فاعل الفعل المعلل وعدمه نعم يبقى الكلام على الاتحاد في وجه ترك اللام في المعطوف دون المعطوف عليه، ويوجه بأن المصدر المسبوك معرفة على ما تقرر في العربية والمفعول له الصريح، وان لم يجب تنكيره كما عزى للرياشي فخلافه قليل كقوله: وأغفر عوراء الكريم ادّخاره
ففرق بينهما تفننا وجريا على الأفصح فيهما، والنكتة فيه أنّ التثبيت أمر عارض! بعد حصول المثبت عليه فاختير فيه صيغة الحدوث مع ذكر الفاعل إشارة إلى أنه فعل لله مختص به بخلاف الهداية، والبشارة فإنها تكون بالواسطة، وأمّا الدفع بأن وجود الشرط مجوّز لا موجب والاختيار مرجح ما فيه من فائدة بيان جواز الوجهين فلا يصح وجها عند التحقيق. قوله: (وفيه تعريض بحصول أضداد دّلك لغيرهم) في الكشف إن هذا لأنّ فوله نزله الخ، جواب لقولهم إنما أنت مفتر فيكفي فيه قل نزله
стр. 1832
روج القدس فالزيادة لمكان التعريض، وأفاد سلمه الله أنّ قوله نزله روح القدس من ربك بدل أنزله الله فيه زيادة تصوير على جواب الطعن بأحسن وجه فإن الحكمة تقتضي التبديل فهو من الأسلوب الحكيم، وفيه نظر.
قوله: (يعنون جبراً الرومي الخ) جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة، والراء المهملة،
وهذه الرواية أنسب بإفراد الذي، والحضرمي بالضاد المعجمة نسبة إلى حضرموت واسمه على
ما ذكره السهيلي في الإعلام عبد القه بن عماد وله من الأولاد العلاء وعمر وعامر والعلاء أسلم وصحب النبي رسول الله ﷺ على القول بأنهما " غلامان روميان جبر ويسار " كضد اليمين فالذي للجنس، وقوله كانا يصنعان السيف الأولى السيوف كما في الكشاف وعائش بدون هاء مذكر عائشة اسم الغلام المذكور، وقيل اسمه يعيش، وحويطب بالحاء والطاء المهملتين تصغير حاطب وهو جامع الحطب، وقوله وكان صاحب كتب أي كان له دراسة وعلم بالكتب القديمة كالإنجيل. قوله: (وقيل سلمان الفارسي) ضعفه لما في حواشي الكشاف من أنّ هذه الآية مكية وسلمان أسلم بالمدينة وكونها إخباراً بأمر مغيب لا يناسب السياق ورواية أنه أسلم بمكة، واشتراه أبو بكر ﵁ وأعتقه بها ضعيفة لا يعوّل عليها كاحتمال أن هذه الآية مدنية. قوله: (لغة الرجل الخ) إشارة إلى أنّ اللسان هنا بمعنى التكلم مجازاً لا الجارحة المعروفة، وهو مجاز مشهور وقوله يميلون قولهم عن الاستقامة إليه أي ينسبون إليه التعليم، وفيه إشارة إلى أنّ مفعوله محذوف، وأصل معنى لحد وألحد أمال ومنه لحد القبر لأنه حفرة مائلة عن وسطه ولحد القبر حفره كذلك وألحده جعل له لحداً ولحد بلسانه إلى كذا مال، وقوله من لحد القبر بصيغة الماضي أو المصدر ووجه الأخذ ما مر، ولحده وألحده لغتان فصيحتان مشهورتان وليستا كصذه وأصده لأنّ أصده غير مشهورة الاستعمال فليس فيما مر في سورة إبراهيم من أن قراءة الحسن يصدون من أصده منقولاً من صد صدوداً غير فصيحة لأنّ في صده مندوحة عن تكلف التعدية ما يقتضي أنّ قراءة غير حمزة والكسائي ليست بفصيحة كما توهم، وقولهم لسان أعجمي يعني أنه صفة موصوف مقدر، وقوله غير بين تفسير لأعجمي لمقابلته بقوله مبين، وقوله ذو بيان وفصاحة الفصاحة تؤخذ من ذكر هذا الوصف بعد توصيفه بالعربية فإنه يقتضي أنه قوي البيان لا تعقيد فيه، ولا لكنه فتأمل. قوله: (والجملتان مستانفتان الخ) استئناف نحوي أو بياني فلا محل لهما من الإعراب، وفي البحر أنهما حال من فاعل يقولون أي يقولون هذا، والحال أنّ علمهم بأعجمية هذا البشر، وعربية هذا القرآن كان ينبغي أن يمنعهم عن مثل هذه المقالة كقوله أتشتم فلانا، وقد أحسن إليك، وإنما ذهب الزمخشري إلى الاستئناف لأنّ مجيء الاسمية حالاً بدون واو شاذ عنده، وهو مذهب مرجوح تبع فيه الفراء وقد مر تفصيله. قوله: (وتقريره (أي تقرير النظم أو تقرير إبطال الطعن، وقوله بأدنى تأمل من قوله مبين، وتلقفه بالفاء
أي أخذ.، وتناوله منه، وما اسم يكون ومنه خبرها أي مأخوذاً منه وقيل اسم يكون ضمير القرآن وما خبر له وضمير منه للبشر وقوله هب أنه أي قدر ذلك الوصف وأفرضه، وهذا التركيب كما في الحديث: " هب أن أبانا كان حمارا) وقد بيناه في شرح الدرة وحاصلهما مغ تعلمه منه مع سنده، ثم تسليمه باعتبار المعنى إذ لفظه مغاير للفظ ذلك البشر بديهة فيكفي دليلاً له ما أتى به من اللفظ المعجز، وقوله في بعض أوقات مروره استبعاد لتعلم مثل هذا الأمر الجليل في وقت قليل بلفظ يسير عجمي لا سيما مع احتمال أنّ السامع والمتكلم لا يعرفان معنى ذلك فهذا مما يكذبه العقل السليم وقوله معجز باعتبار المعنى لاشتماله على المغيبات. قوله: (لا يصدقون أنها من عند الله) فسره به بقرينة قوله إنما أنت مفتر، وقوله إلى الحق الظاهر أنه تقدير للمتعلق إمّا عامّا شاملا لما هو منج لهم، ولغيره فإنّ من الحق ما لا ينجيهم كالإقرار ببعفالرسل والشرائع القديمة السابقة أو خاصاً كالإيمان بمحمد! يهشي! ونحوه أو الجنة فالتغاير بين التفاسير المأثورة ظاهر فليست أو للتخيير في التفسير لأنّ الحق هو الصراط المستقيم الذي من سلكه نجا كما قيل، ومعنى لا يهديهم أن سبب عدم إيمانهم هو أنه تعالى لا يهديهم لختمه على قلوبهم أو عدم هدايتهم مجازا لعدم إيمانهم بأنّ تلك الآيات من عنده تعالى، وقيل الحق ما هو حق عند الله وهو الإيمان، والنجاة هي النجاة عن العقاب، وفيه تنبيه على أنّ الهداية كما تضاف إلى نفس الحق تضاف إلى طريقه
стр. 1833
والأولى أن يقول أو إلى سبيل الحق لكنه أضاف السبيل إلى لازمه، وهو النجاة، ولا يخفى أنه تعسف نحن في غنى عنه بما سمعته فتأمل. قوله: (إلى الجنة) قيل هو تفسير للمعتزلة مناسب لأصولهم، وفيه نظر وقوله هددهم التهديد بما ذكره في هذه الآية وإماطة الشبهة قد مر في قوله لسان الذي الخ وقوله قلب الأمر عليهم إشارة إلى أنّ في الآية قصر قلب والمعنى إنما يفتري هؤلاء لا هو وقوله لأنهم لا يخافون عقابا يردعهم لعدم تصديقهم بوعيده ومن لا يخاف العقاب يجترئ على الكذب. قوله:
(إشارة إلى الذين كفروا أو إلى قريش (أما كونه إلى الكافرين مطلقاً فلسبقهم في قوله الذين لا يؤمنون ويدخل فيهم قريش دخولاً أوّليا، وأمّا كونه لقريش فلأن السياق فيهم، وهم القائلون إنما أنت مفتر كأنه بعد تمهيد مقدمة كلية هي إن الذين يفترون كاذبون صرح بما هو كالنتيجة له، وهو أنّ قريشا كاذبون فلا استدراك في الكلام على هذا فاقا إذا كان إشارة إلى الذين كفروا فيدفع الاستدراك بأنّ المراد بالكاذبين الكاملون في الكذب، والتعريف جنسيئ على ما مر تحقيقه في أولئك هم المفلحون أو المستمرّون على الكذب أو يقيد اأممذب فهذه الوجوه الثلاثة إذا كان أولئك إشارة إلى الذين لا يؤمنون على ما حققه الشارح العلامة. قوله:) أي الكاذبون على الحقيقة الخ (شروع في دفع الاستدراك، والتكرار وتوجيه للحصر المستفاد من الضمير وتعريف الطرفين ومعنى قوله على الحقيقة أي الكاذبون حقيقة، وفي نفس الأمر لا بحسب الزعم والإسناد الواقع منهم في قولهم إنما أنت مفتر ومآله إلى الحصر الإضافي، وهذا على عموم المشار إليه على ما صرح به شراج الكشاف وجوز إرجاعه إلى كون الإشارة لقريش أو إليهما والإشكال بأنّ أحد الحصرين مناف للآخر مدفوع بأن معنى حصره في الكفرة عدم تجاوزه عنهم إلى غيرهم، وهو لا يقتضي وجوده في كلهم والفائدة في ضم قريش الموصوفين به، والحكم على الكل الإشارة إلى أنّ منشأ التكذيب الكفر المشترك بينهم، وأن من لم يكذبه منهم في قوة المكذب مستحق لما يستحقه مع أنّ الظاهر أنّ هذا الإشكال لا ورود له رأساً لأن الحصر على الوجوه الأربعة غير حقيقي فلا ينافي آخر مثله فتأمل. قوله:) أو الكاملون في الكذب (هذا هو ثاني الوجوه الأربعة، والتعريف للجنس الادعائي بجعل ما عداه كأنه ليس بكذب بالنسبة إليه على ما مر، وهذا أبلغ من جعله للعهد كما مر، وقوله أو اللذين عادتهم الكذب كما تدل عليه الاسمية، ولذا عطف على الفعلية وبه اندفع الاستدراك لأنه كقولك كذبت يا زيد وأنت كاذب يعني أنّ عادتهم الكذب فلذلك اجترؤوا على تكذيب آيات الله لأنه لا يصدر مثله إلا ممن عرف بالكذب، وفيه قلب حسن لأنه إشارة إلى أنّ قريشا لما كان عادتهم الكذب أخذوا يكذبون بآيات الله ومن أتى بها حتى نسبوا من شهد له بالأمانة، والصدق إلى الافتراء وقوله أو الكاذبون في قولهم إنما أنت مفتر فهو تقييد للكذب. قوله: (بدل من الذين لا يؤمنون الخ) أي بدل من الذين لا يؤمنون بآيات الله في قوله إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وقوله وأولئك هم الكاذبون اعتراض أي بين البدل والمبدل منه كما في الكشاف، واعترض عليه أبو حيان وغيره من المعربين بأنه يقتضي أنه لا يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه والوجود يقتضي أن من يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن مطلقأ، وهم أكثر المفترين وأيضا البدل هو
المقصود والآية سيقت للرد على قريش وهم كفار في أصلهم وأجيب تارة بأنّ المراد بعد تمكنهم من الإيمان كقوله: ﴿اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦] كما مر تحقيقه وردّ بأنّ قوله إلا من كره يأباه ودفع بأنّ التمكن منه أعم من التمكن من إحداثه وابقائه ولا يخفى ما فيه من التكلف وتارة بأن المعنى من وجد الكفر فيما بينهم بعد الإيمان تعييرأ على الارتداد أيضاً بجعله كأنه صدر! هم لارتضائهم له كبنو فلان فتلوا قتيلأ وتارة بأنّ المراد من بعد تصديقه بآيات أدئه وأيد بأنه مناسب للمبدل منه، وكون المشار إليه أهل مكة الذين جحدوا بها واستيقنتها أقسهم، ولا يخفى ما في هذا كله، وأنه غير ملائم لسبب النزول، ولك أن تقول أقرب من هذا كله أن يبقى الكلام على ظاهره من غير تكلف، وأنّ هذا تكذيب لهم على أبلغ وجه كما يقال لمن قال إن الشمس غير طالعة في يوم صالح هذا ليس بكذب لأنّ الكذب يصدر فيما قد تقبله العقول، ويكون هذا على الوجه الأوّل، وهو قوله لا يهديهم إلى الحق فالته تعالى لما لم
стр. 1834
يهدهم إلى الحق والصدق، وخثم على حوأسهم نزلوا منزلة من لم يعرفه حتى يساعده لسانه على النطق به فقبح إنكارهم له أبئ من أن يسمى كذباً، دمانما يكذب من تعمد ذلك ونطق به مرة فتكون الآية للردّ على قريش صريحأ والأخرى دلالة على أبلغ وجه فتأمّل، وقوله أو من أولئك أو من الكاذبون يرد عليه ما ورد على ما قبله والكلام السابق يجري فيه برمته، وقيل إنّ هذا على أن يكون المشار إليه قريشاً فلا يرد اعتراض أبي حيان بناء على أنّ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون إذ هو يقتضي حصر افتراء الكذب في المرتدين، والواقع خلافه على أنه قد عرف المخلص منه، وإذا كان بدلاً من الكاذبون يكون المعنى قريش هم الكاذبون بعد إيمانهم، ولا يخفى (نّ جملتهم ليسوأ كذلك، وجوابه ما مر وفيه بحث. قوله:) أو مبتدأ خبره محذوف الخ) أي من مبتدأ خبره محذوف، وهو عليه غضب الله بقرينة ما ذكره ومن موصولة على هذا، وقوله بالذم أي كلام مقطوع عما قبله قصد الذثم بتقدير أعني أو أذم والقطع للمدح والذم، وان تعورف في النعت ومن لا يوصف بها لكن لا مانع من اعتباره في غيره كالبدل، وقد نص عليه سيبويه، والجواب المحذوف تقديره فعليه كضب الله كما مر! أذا كانت شرطية فهي مبتدأ أيضاً، والكلام في خبرها شهور. قوله: (دل عليه قوله إلا من كره) كذا في بعض النسخ، وهو ساقط في أكثرها، وقد قيل في توجيه هذه النسخة مع أنّ الدالّ عليه بحسب الظاهر قوله فعليهم غضب كما أنه هو الدال على الخبر أيضأ أن مبناها على أعتبار تقديم تقدير الجواب على الاستثناء كما في الكشاف ليكون الحكم المخرج عنه المستثى ما تضمنه الجواب أعني الغضب لا ما تفمنه الشرط أي الكفر والفرق بينهما (نه يلزم على الأوّل أن يكون إجراء كلمة الكفر على اللسان مكرهاً محظورا مرخصأ لكن لم يترتب عليه حكمه، وهو العذاب وألمحضب، وعلى الثاني لم يكن محظورا حيث لم يكن كفراً والأول هو المحختار لكن قوله ﷺ
كلا إنّ عمارا ﵁ ملىء إيمانا يؤيد الثاني إلا أن يؤوّل الرح بعدم إصراره ثم إنه لا فرق بين الجواب، والخبر في هذا إلا أنه ذكر لكل منهما دليلاً تنبيهاً على جريان كل من الدليلين في كل منهما كذا قيل، ولا يخفى ما فيه من التعسف إذ ليس في كلامه ما يدل على تقديره مقدما أو مؤخرا، وما تثبتوا به أو هن من بيت العنكبوت وما ذكره من الفرق غير مسلم كما ستسمعه عن قريب فالظاهر أن هذه النسخة على تقدير صحتها المراد منها أن ما ذكر إلى آخر الآية دليل للجواب لتضمته له، ومثله من التسمح كثير لم! هل أو ضمير عليه يعود على كونه شرطاً فإنه صريح في العموم بخلاف الموصول فانه يحتمله كما يحتمل العهد والاستثناء معيار العموم. قوله: (على الافتراء أو كلمة الكفر) تقدير لما يدل عليه الكلام وقيل إنّ الأوّل مبنيّ على أن من كفر بدل من الذين لا يؤمنون، وقوله استثناء متصل لأن الكفر التلفظ بما يدل عليه سواء طابق القلب أو لا فيدخل فيه ما ذكروا العقد بمعنى اعتقاد القلب لأن أصل معناه الربط، ثم استعمل في التصميم واعتقاد القلب الجازم، وقال لغة تبعا للإمام الراغب إمام أهل اللغة فإنه قال في مفرداته كفر فلان إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وان لم يعتقده اهـ، وأمّا إطلاقه شرعا على من تلفظ به مع القرينة الدالة على أنه لم يعتقده كالإكراه فغير مسلم فمن قال الأولى ترك قوله لغة فإن من تكلم بكلمة الكفر يجعل شرعاً كافراً فقدوهم، وظاهره أنه مستثنى من قوله إلا من كفر، وقيل إنه مستثنى مقدم من قوله فعليهم غضب، وقيل من الجزاء والجواب المقدر ولذا قدره في الكشاف قبل الاستثناء، وكلام المصنف ﵀ محتمل له أيضاً. قوله: (لم تتغير عقيدته) أصل معنى الاطمئنان سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على ما كان عليه بعد انزعاج الإكراه، وقوله وفيه دليل الخ حيث أطلق الإيمان على مجرد ما في القلب في قوله بالإيمان، وأورد عليه أنه لا يلزم منه كون ذلك حقيقة الإيمان لأن من جعل الإقرار ركنا قال إنه ركن يحتمل السقوط إذا منع منه مانع من خرس أو إكراه (قلت) هذا اختلاف لفظي لأنه إذا لم يعتبر إذا وجد المانع كان التصديق وحد. إيماناً حينئذ فتأمل. قوله تعالى: ( ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا٠٠٢٠﴾ ) الاستدراك على الإكراه لأنه ربما يتوهم أنه مطلق وقوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ لا يدفعه فتامل ومن إما شرطية أو موصولة لكن إذا جعلت شرطية قال أبو حيان وحمه الله تعالى: لا بد من تقدير
стр. 1835
مبتدأ بعدها لأنّ لكن لا تليها الجمل الشرطية وردّه المعرب ويؤيده قوله:
ولكن متى يسترفد القوم أرفد
والتقدير فيه غير لازم وتوله إذ لا أعظم من جرمه الغ، وهو التصميم على قبول الكفر،
وأما أنه أعظم منه كفر يضم إليه منكر آخر كالصد عن سبيل الله فليس بشيء لأنّ الأعظمية بالنسبة لغيره وحده لا معه فلا وجه لما قيل الأظهر أن يقول بعظم جرمه، والمراد أنّ عظم عذابه لعظم جرمه فجوزي من جن! عمله. قوله: (روي أنّ قريشاً الخ) خرج هذا الحديث ابن حجر رحمه الله تعالى على اختلاف في طرقه وألفاظه وسمية بالتصغير أم عمار رضي الله تعالى عنهما وقوله بين بعيرين أي شجوها بينهما، وقوله وجيء بضم الواو، وكسر الجيم ثم همزة مبنيّ للمجهول من وجأه بمعنى طعنه والجار والمجرور نائب الفاعل، وروي أن الذي قتلها أبو جهل لعنه الله وقوله من أجل الرجال أي رغبة في جماعهم فلذا طعنت في قبلها لزعمهم الفاجر، وقوله أعطاهم الخ فيه مجاز لطيف كأنه فداء له، وقوله ما لك أي ما لك تبكي وتجزع من ذلك. قوله: (فعدلهم بما قلت) (٢) ذكره في الهداية بلفظ فعدلهم دون قوله بما قلت، ويؤيد ما رواه المصنف رحمه الله تعالى ما رواه الحاكم، وغيره وصححه من أنه قال له فقل لهم، وفسره في الهداية بأنّ معناه عد إلى طمأنينة القلب لا إلى إجراء كلمة الكفر والطمأنينة معاً لأن أدنى درجات الأمر الإباحة فيكون إجراء كلمة الكفر مباحا، وليس كذلك لأنّ ألكفر مما لا تزول حرمته كما بين في الأصول، وقال الرازي: إنّ الأمر للإباحة، وقولهم الكفر مما لا تنكشف حرمته صحيح لكن الكلام في إجراء كلمة الكفر مكرها لا في الكفر نفسه، وتعقب في حواشي الهداية بأنّ إجراء كلمة الكفر كفر وان كان مكرهاً غايته أنه لا يترتب عليه حكم الكفر وأورد على قولهم أدنى درجات الأمر الإباحة بأنّ الإمام النسفيّ ﵀
تعالى صزح بأن أدنى درجاته الترخيص، وهو لا يقتضي الإباحة كالحنث في اليمين على ما هو خير، وأورد على تأويل الهداية أنه لا معنى لأمره بالعود إلى الطمأنينة، وهي لم تزل، وليس بشيء لأن المراد الثبات عليها والعود إلى جعلها نصب عينه قال الجصاص: الإكراه المبيح أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل مع أخطاره بباله أنه لا يريده فإن لم يخطر بباله كفر، وقوله لما روي تعليل لأفضلية التجنب ومسيلمة بكسر اللام لوقوعها بعد ياء التصغير والفتح غلط، وقوله أخذ برخصة الله دليل لما مرّ عن النسفي، وقوله صدع بالحق أي صرّح به وأظهره استعارة من الصدع يعني الشق كقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الحجر، الآية: ١٩٤ وليس هذا إلقاء للتهلكة بل هو كالقتل في الغز، وكما صرّح به. قوله: (أو الوعيد) وهو قوله فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم فوحد الإشارة على هذا لأنها لا يشار بها إلى متعدد أو لتأويله بما ذكر أو بالوعيد كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى وقوله آثروها بالمد أي اختاروها وقدّموها وفسره به إشارة إلى تعدي الاستحباب بعلى لتضمنه معنى الإيثار. قوله: (الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان (إلى متعلق بيه! ي والقيد الأوّل ظاهر لأنّ من لم يعلم بقاءه على الكفر يهديه والثاني ليدخل فيه من ارتد ودام على ذلك وبه يرتبط النظم أتم ارتباط، وتحقيق الطبع قد تقدم، وقوله الكاملون في الغفلة فسرح له لتتم فائدته بعد ذكر الطبع، وقوله إذ أغفلتهم أي أوقعتهم في الغفلة الحالة الراهنة أي الحالة الراهنة عندهم مما هم عليه من زخرف الدنيا قال السمين في مفرداته أصل معنى الرهن الحبس، ومنه الحالة الراهنة أي الثابتة الموجودة اهـ، ومنه قول الفقهاء والحالة الراهنة هذه وهو استعمال فصيح سائغ، وفي بعض النسخ الواهنة وهو من تحريف جهلة النساخ. قوله: الا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (وقال في آية أخرى الأخسرون لاقتضاء المقام أو لأنه وقع في الفواصل هنا أعتماد الألف كالكاذبين، والكافرين فعبر به لرعاية ذلك، وهو أمر سهل، وقوله ضيعوا أعمارهم جعل الأعمال بمنزلة رأس المال على طريق الكناية بقرينة الضياع والخسران كما قال الشاعر:
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير واجب
ومن غفل عن هذا قال الأولى أن يقول ضيعوا رؤوس أموالهم. قوله: (عذبوا) يشير إلى
انّ أصل الفتنة
стр. 1836
في اللغة إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته كما قال الراغب، ثم تجوّز به عن البلاء، وتعذيب الإنسان، وقوله بالولاية والنصر تفسير لمعنى اللام الداخلة على النفع، ومتعلق بها أو بما تدل عليه وفيه إشارة إلى أنّ قوله للذين هاجروا خبر أنّ أي هو كائن لهم لا عليهم، وقيل إنه متعلق بالخبر على نية التقديم والتأخير والخبر لأنّ الأولى والثانية مكرّرة للتأكيد أو للثانية، وخبر الأولى مقدر، وقوله وثم لتباعد حال هؤلاء يعني أنها للتفاوت والتباعد في الرتبة مجازا لا للتراخي الحقيقي إذ أمرهم في الآخرة مؤخر فمقتضى الظاهر العكس، وقوله من بعدما عذبوا مرّ بيانه، وفسر فتنوا على هذه بوقعوا في الفتنة فإنه ورد لازماً ومتعديا. قوله: (على الجهاد الخ) يعني متعلقه إمّا خاص بقرينة أو عام، وقوله من بعد الهجرة والجهاد، والصبر يعني أنّ الضمير راجع لما قبله وأنث باعتبار المذكورات، ولو زاد الفتن كان أظهر وتركه لدخوله في الصبر، وقوله منصوب برحيم أي على الظرفية، ولا يضرّ تقييد الرحمة بذلك اليوم لأن الرحمة في غيره تثبت بالطريق الأولى، وهذا أحسن لارتباط النظم به ومقابلته لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ . قوله: (تجادل عن ذاتها) هو إشارة إلى ما في الكشاف من أن الضمير للنفس فيكون تقديره نفس النفس، وفيه إضافة الشيء لنفسه قال في الكشف النفس الأولى هي الدّات، والجملة أي الشخص بإجزائه كما في قولك نفس كريمة، والثانية ما يؤكد به ويدلّ على حقيقة الشيء وهويته والفرق بينهما أنّ الإجزاء ملاحظة في الأوّل دون الثاني، والأصل هو الثاني لكن لعدم المغايرة بين الذات وصاحبها استعمل بمعنى الصاحب ثم أضيف الذات إليه فوزان كل نفس وزان كل أحد، وفي الفرائد المغايرة شرط بين المضاف، والمضاف إليه لامتناع النسبة بين منتسبين فلذا قالوا يمتنع إضافة الشيء لنفسه إلا أنّ المغايرة قبل الإضافة كافية، وهي محققة هنا لأنه لا يلزم من مطلق النفس نفسك، ويلزم من نفسك مطلق النفس فلذا صحت الإضافة، وان اتحدا بعدها ولذا جاز عين الشيء وكله ونفسه بخلاف أسد الليث وحيس المنع فتأمل. قوله: (وتسعى في خلاصها) بيان للمراد من المجادلة، والاعتذار بنحو هؤلاء أضلونا وما كنا مشركين، وقوله فتقول نفسي نفسي معمول لمقدر كنج، وهو بيان لعدم الاهتمام بشأن غيرها إذ لم يقلى ولدي وأبي وأمي ونحوه لا للمجادلة وهو ظاهر، وهذه العبارة وردت بعينها في الحديث (١) وقوله جزاء ما عملت يعني أنه تجوّز يجعل الجزاء كأنه عين العمل
أو فيه مضاف مقدر. قوله: (لا ينقصون أجرهم) إن أريد بجزاء ما عملت العقاب، وبهذا الثواب فلا تكرار فيه، ت وإن كان الأوّل أعم يكون هذا تكراراً للتأكيد، ولذا قيل الأولى تفسيره بأنهم لا يظلمون بزيادة العقاب أو بالعقاب بغير ذنب إلا أن يقال هذا أولى لأنه لما ذكر مجازاة ذنبها توهم إحباط عملها فدفع بهذا أي توفي جزاء عملها كله من خير وشرّ. قوله: (جعلها مثلاَ) أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا، والمراد أهلها مجازاً أو بتقدير مضاف فضمن ضرب معنى جعل وقرية مفعول أوّل ومثلاً مفعول ثان، وقد مرّ تفصيله، وقوله لكل قوم أي هذا المثل ضرب لكل قوم كانوا بهذه الصفة من غير تعيين أو لقوم مخصوصين وهم أهل مكة كما أشار إليه بقوله أو لمكة أي لأهلها والقرية إمّا مقدّرة بهذه الصفة غير معينة إذ لا يلزم وجود المشبه به أو معينة من قرى الأوّلين، وقوله من نواحيها بيان لمكان. قوله: (جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاءا لأنّ المطرد جمع فعل على أفعل لا فعلة، ونعم بضم النون بمعنى النعمة أو اسم جمع للنعمة كما قاله الفاضل اليمني. قوله: (استعار الذوق الخ الما كان المتبادر أنّ الإذاقة واللباس هنا استعارتان إذ معناهما الحقيقي غير مرأد وفي إيقاع إحداهما على الأخرى خفاء ذهب الزمخشريّ، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى إلى ما ذكر، وحاصله على ما قرره في الكشف أنّ الإذاقة استعيرت للإصابة وأوثرت للدلالة على شدة التأثير التي تفوت لو استعملت الإصابة وبين العلاقة بأنّ المدرك من أثر الضرر شبه بالمدرك من طعم المر البشع، ووجه الشبه بينهما الكراهة، والنفرة فهو من باب استعارة المحسوس للمعقول، وإنما قدم الزمخشريّ أنها جرت مجرى الحقيقة ليفرع عليه أنّ إيقاعها على اللباس تجريد فلا فرق بين إذاقها إياه، وأصابها به على ما حقق من أنّ التجريد إنما يحسن أو يصح بالحقيقة أو ما ألحق بها
стр. 1837
من المجاز الشائع فكان على المصنف رحمه الله تعالى أن لا يهمله، وأمّا الاعتراض عليه بأنه لولاه لم يظهر كونه ملائما للمستعار له لأنّ حدوث الاستعارة في هدّا يستدعي أن يكون لباس الجوع قرينة الاستعارة لعدم ما يصلح قرينة لها غيره فكيف يتأتى التجريد فمدفوع بأنه مبنيّ على أنّ التجريد
لا يكون قرينة مع أنه حينئذ يجعل القرينة إيقاعه على اللباس واللباس استعير لما غئيه من أثر الجوع والخوف، وهو ضررهما والغاشي هو الضرر لا الجوع، والخوف والا كان لباس الجوع كلجين الماء، وحينئذ تبين وجه إيقاع الإذاقة على اللباس إذ المعنى فأذاقهم ما غشيهم من ضرر الجوع والخوف، وظهر وجه إيثار التجريد على الترشيح لأنّ الإذاقة تفيد ما لا تفيده الكسوة من التأثير والإدراك وأوثر اللباس على الطعم للدلالة على الشمول والإذاقة على الكسوة للدلالة على التاثير والتأثر الموجب لقوة الإدراك، وهذا أولى مما في المفتاح من حمل اللباس على رثاثة الهيئة، وتغير اللون اللازمين للجوع، والخوف إذ لا يحسن موقع الإذاقة وتكون الإصابة أبلغ موقعا يعني أنه حينئذ اسنعارة محسوس لمثله فتفوت المبالغة التي اختير لأجلها الإذاقة إيهاما للعلة، وقال المحقق في شرح التلخيص الذي يلوج من كلام القوم إنّ في هذه الآية استعارتين إحداهما تصريحية، والأخرى مكنية فإنه شبه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من أثر الضرر من حيث الاشتمال باللباس فاستعير له اسمه، ومن حيث الكراهية بالطعم المرّ البشع فيكون استعارة مصرّحة نظرا إلى الأوّل ومكنية نظراً إلى الثاني، وتكون الإذاقة تخييلاً، وتحقيق ذلك أنّ الاستعارة بالكناية إن كانت تشبيها مضمراً في النفس فلا مانع من كون المشبه في التشبيه مذكوراً مجازاً، وان كانت المشبه به المرموز إليه المستعار للمشبه فلا مانع أيضاً في ذلك من ذكر المشبه مجازاً وان كانت المشبه المستعار للمشبه به كما هو مذهب السكاكيّ فصحته تدور على صحة الاستعارة من المستعار فإن صحت صح والا فلا ولذا قال المدقق في الكشف أنّ الحمل على التخييل ضعيف لا يلائم بلاغة التنزيل فكونه منزع القوم هنا لا يخلو من التأمل كيف، وقد ذهب شيخنا الصناعة إلى خلافه، وقوله من الجوع، والخوف من هنا ابتدائية أو سببية أي ما غشيهم ناشئ من ذلك أو حاصل بسببه لا بيانية والا كان لباس الجوع تشبيها كلجين الماء كما مر، وقد جوّزه شرّأح المفتاح في النظم، واعلم أنّ السكاكيّ جعل هذه الاستعارة من الاستعارات المحتملة للتحقيق والتخييل فقال الذي يظهر من لفظ اللباس عند الأصحاب بتأملهم فيه هو الحمل على التخييل بأنه يشبه الجوع في التأثير بذي لباس قاصد للتأثير مبالغ فيه فيخترع له صورة كاللباس ويطلق عليها اسمه الموضوع لما هو متحقق، ويحتمل عندي أن يحمل على التحقيق، وذلك بأن يستعار لما يحيط بالإنسان عند جوعه من تغير لونه، ورثاثة هيئته فيكون استعارة المحسوس للمحسوس، واعترض بأنّ الحمل على التخييل لا يلائم بلاغة القرآن لأن الجوع إذا شبه بالمؤثر القاصد الكامل فيما تولاه ناسب أن يخترع له صورة ما يكون آلة للتأثير لا صورة اللباس، وهذا الاعتراض! أورده الشريف في شرح المفتاح، وتبعه الفاضل المحشي ظانا أنه وارد غير مندفع، ولا يخفى أن السكاكي ترى أن التخييلة مستعملة في أمر وهمي توهمه المتكلم شبيها بمعناه الحقيقي على ما حقق في محله فاللباس إذا كان تخييلاً يجوز أن يكون المراد به أمراً مشتملاً على الجوع اشتمال اللباس كالقحط، ومشتملاً على الخوف كإحاطة العدوّ، ونحوه فلا
وجه لقوله صورة اللباس مما لا مدخل له في التأثير، وما ادّعاه من أنه لا يناسب مع الفاعل إلا ذكر الآلة للتأثير لم يصرح به أحد من القوم ولا يتأتى التزامه في كل مكنية ألا تراك لو قلت إنّ مسافة القصر القريض ما زال يطويها حتى نزل ببابه على تشبيه المدح بمسافر أثبت له المسافة تخييلاً وما بعده ترشيحاً كانت استعارة حسنة، وليست قرينتها آلة لذلك الفاعل بل أمر من لوازمه، ولو تتبعت كلام البلغاء وجدت مثله يفوت العد، ويخرق سياج الحد مع أنه لو سلم ورد على ما اختاره فمانّ الإذاقة لا تناسب اللباس ظاهراً فتأمل.
قوله: (كقول ك! ير:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال)
هذا البيت من شواهد العربية، وهو من قصيدة لكثير عزة مدح بها عمر بن عبد العزيز
رضي الله تعالى
стр. 1838
عنه يقول إنه جواد لأنّ الغمر من الغمرة، وهي في الأصل معظم الماء وكثرته فاستعيرت للشدة والعطاء الكثير بل لكل كثير فالمعنى أنه كثير العطاء، وقيل كثير الدين لكثرة عطائه فوضع الرداء موضع الدين الذي يغمر الذمّة لأنّ كلا منهما كذلك أما الرداء فيغمر اللابس، وأما الدين فيغمر الذمة ومنه قول حكيم العرب من أراد الغنى فليخفف الردا أي ثقل الدين، وإذا تبسم ضاحكاً قيل معناه شارعاً في الضحك، وقال الفاضل اليمني معناه إذا ضحك تبسم أي إن ضحكه كله تبسم، وهو من أخلاق الكرام، والمعنى أنه إذا تبسم في وجه راجيه وجبت لهم رقاب ماله صارت لهم بمنزلة الرهن إذا غلق عند مرتهنه بأن استحقه وصار له إذا عجز الراهن عن تخليصه، وكان هذا معروفاً في الجاهلية، وإن لم يتعاقدا عليه كما في بيع الوفاء ففيه استعارة تبعية، وقال السيرافيّ معناه أنه إذا ضحك وهب ماله والمال عام لكل متموّل ويختص بالإبل في إطلاق كلامهم لأنها أكثر أموالهم فرقاب الأموال الإبل نفسها كقوله من أعتق رقبة أي عبداً، والغلق هنا بالغين المعجمة ضد الفتح، والمعروف الإحسان هنا. قوله: (النمر الذي هو وصف المعروف والنوال) نظراً إلى المستعار له كذا في الكشاف واعترض عليه بأنّ أهل اللغة نصوا على أنه يوصف به الثوب أيضاً كما يوصف به المنوال وكلاهما مجاز، وقد صرّح به في الأساس فبين كلاميه تدافع، وأجيب بأنه شاع في النوال وإن كان مجازاً فلا ينافيه استعماله في اللباس مجازا أيضاً وهذا لا يحسم مادّة الاشكال كرله إذا وصف به الثوب وأضيف إليه لم يكن تجريداً قال الفاضل اليمني بعدما قرر كلام الزمخشريّ قلت فيه عدول عن الظاهر
لأنّ الغمر ليس صفة حقيقية للنوال، والمعروف بل هو وصف للبحر المستعار أولاً للمعروف يقال غمره الماء يغمر. غمرا أي علا.، والغمر الماء الكثير فهو هاهنا تجريد للاسنعارة بعد أن كان ترشيحا وهذا المثال المستشهد به يشبه ما- في الآية في أنّ التجريد ليس تجريداً محضا انتهى وهذا هو تحقيق المقام بما تندفع به الأوهام، ونظيره من بعثنا من مرقدنا فتدبر. قوله: (ينارّعني ردائي عبد عمرو الخ) أراد بالرداء سيفه لأنه يتوشح به كما يتوشح بالرداء كما في الأساس وفي الإيضاح أنه أريد به السيف لأنه يصون صاحبه صون الرداء، والأوّل أظهر وسأل بعض الملاحدة ابن الأعرابي فقال أللتقوى لباس فقال نعم للتقوى لباس ولاباس، وإذا رحم الله الناس فلا رحم هذا الراس هب أنّ محمدا ﷺ لم يكن نبيا ألم يكن عربياً، والاعتجار لف العمامة من غير إدارة تحت الحنك يقول يجاذبني سيفي الشخص المس! مى بعبد عمرو ويريد أن يأخذ. مني فقلت له رويدك أي تمهل فلي النصف الأعلى منه وهو ما كان منه بيمينه فخذ أنت النصف الآخر منه فلفه على رأسك ومعناه أنه يضر به، ومثله قول الآخر:
نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
فالاعتجار ترشيح لاستعارة الرداء، وهو معنى قوله نظرا إلى المستعار والشطر النصف، والبعض من الشيء وقوله بصنيعهم أي مصنوعهم إشارة إلى أنّ ما موصولة والعائد محذوف أي يصنعونه، ويجوز أن تكون مصدرية، والباء سببية والضميران عائدان على المضاف المقدر في قوله ضرب الله مثلا قرية إذ تقديره قصة أهل قرية بعدما عاد إلى لفظها، وقيل إنه عائد على القرية مرادا بها أهلها فهو كقوله: ﴿أَوْهُمْ قَالُوا﴾ بعد قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ . قوله: (عاد إلى ذكرهم) بعدما ذكر مثلهم هذا مبنيّ على المختار في تفسير قوله ضرب الله مثلا قرية من أنّ القرية ليست مكة بل قرية مفروضة ضرب بها الصثل فإنها ذكرت تمثيلاً لهم بما يشبه حالهم، ثم انتقل من التمثيل لهم للتصريح بحالهم الداخلة في التمثيل فلا وجه لقول أبي حيان رحمه الله تعالى أنه يتعين أن يراد بالقرية مكة لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ وإذا أريد بها مكة فهو ظاهر المناسبة، والارتباط بما قبله. قوله: (أي حال اتجاسهأ بالظلم) بيان لأنّ الجملة الحالية ققتفي قلبسهم! وقو! ععتى--أثعامل فيها، وهو لا لنافي الاستمرار الذي لحفيل! الاسميه بل تقتضيه فلا وجه لما قيل إنّ الأظهر أن يقول حال استمرارهم على الظلم،
وقوله ما أصابهم من الجدب أي بمكة لأن السورة مكية أو وقعة بدر لتبادر القتل من العذاب، وهو لم يقع بمكة فيكون إخباراً بالغيب ولا ينافيه
стр. 1839
كون الماضي مجازاً عن المستقبل المتحقق وقوعه كما توهم. قوله: (أمرهم بكل ما أحل الله لهم الخ) أمر وأحل تنازعا قوله الله، وما أحل من قوله حلالاً وهو حال من مالا مما دلت عليه من التبعيضية لتكلف الحال من الحرف بلا مقتض، وخصه لأنه لا يأمر بأكل الحرام، والطيب ما يستلذ، وقد يكون بمعنى الحلال في غير هذا، ومن ابتدائية أو تبعيضية والمقصود بهذا بيان ارتباطه بما قبله بالفاء، وقوله صذاً مفعول لأجله من قوله أمرهم أي صدا لهم عن فعله بعد ذلك أو عن الاستمرار عليه، وقوله وشكر ما أنعم توطئة لما بعده وقوله حل بهم مبنيّ على التفسير الأوّل. قوله: (تطيعون الخ (يعني أن هذه مرتبطة بما قبلها، ومؤكدة له فإعا أن تحمل على الطاعة لتطابق الأمر أو تجري على حقيقتها بناء على زعمهم الكاذب من أن الآلهة مقربة لله وشفعاء عنده فعبادتها عبادة له لأنه المستحق للعبادة وما عداه ذريعة له، وإنما أوّلت بهذا لأنهم لم يكونوا يخصون الله بالعبادة. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ الخ (مرّ تفسيره وقوله فمن اضطر أي دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك غير باغ على مضطر آخر ولا عاد متعد قدر الضرورة وسد الرمق فالته لا يؤاخذه بذلك، وقوله ليعلم مجهول علم أو معلوم أعلم، وقوله ما عداها حل لهم بكسر الحاء بمعنى حلال، وهذا بناء على أن الأصل الإباحة، والحرمة متوقفة على الدليل، وقوله ثم أكد الخ توطئة لما بعده وإنما كان تأكيداً لأنّ الحصر يفيد أنّ المحرتم والمحلل ما حرّمه الله، وأحله فغيره كذب منهي فالتصريح بالنهي عن الكذب يؤكده ولا ينافيه العطف كما مرّ مرارأ، وقوله كما قالوا الخ مر تفسيره في الأنعام. قوله: (ومقتضى سياق الكلام) وهو النهي عن التحليل، والتحريم بعد تعديد المحرمات والحصر، وليس هذا من السكوت في موضع البيان حتى يكون بيانا لأنه نفي لما عدا ما ذكر. قوله: (١ لا ما ضم) بصيغة المعلوم أي ضمه إليها دلي! آخر من السنة، وهو استثناء من مقدر متفرّع على ما قبله أي فتنحصر المحزمات فيما ذكر إلا ما ضمه الدليل وسكت عن الخيل للاختلاف في حرمتها كما فصل في الفقه، والحمر بضمتين جمع
حمار، والأهلية هي الحمر المركوبة لا الوحشية فإن قلت كيف يضم إليها ما ذكر مع الحصر المنافي له قلت هو لا ينافيه لأنه حصر إضافيّ بالنسبة إلى ما حرموه ولأنّ المذكورات لم تحرم في الماضي فتأمّل. قوله: (وانتصاب الكذب الخ) هذا توجيه لقراءة الجمهور بكسر الذال ونصب الباء، وقد وجهت بوجوه منها هذا، وهو أنه مفعول به، وقوله هذا حلال الخ بدل منه بدل كل، وقيل إنه مفعول مطلق فلا يكون هذا بدلاً منه لأنه مقول القول، وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون بدل اشتمال، وهذا من إبدال الجملة من المفرد قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى، وهذا بناء على أنّ القول هل هو متعد أو لا، وما على هذا موصولة والعائد محذوف، والمعنى لا تقولوا هذا حلالط، وهذا حرام لما تصفه ألسنتكم بالحل، والحرمة فقدم الكذب عليه وأبدل منه، واللام صلة للقول كما يقال لا تقل للنبيذ أنه حلال أي في شأنه وحقه فهي للاختصاص، وسيأتي لها تفسير آخر، وفيه إشارة إلى أنه مجرد قول باللسان لا حكم مصمم عليه. قوله: (أو متعلق بتصف (أي بيان وتفسير له على إرادة القول أي تقديره بعده ليكون قوله هذا حلال وهذا حرام مقولاً ومعمولاً له والجملة مبينة ومفسرة لقوله تصف الخ لتصديرها بالفاء التفصيلية كما في قوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [سررة البقرة، الآية: ٥٤] كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى ويحتمل أنه بيان لحاصل المعنى بلا تقدير وقيل إنه بتضمين القول أي قائلين ذلك واللام بحالها وقوله فتقولوا جواب النهي ولا تعقيد فيه كما في بيت الفرزدق كما توهم إذ لا تقديم ولا تأخير فيه وقوله لما تصفه إشارة إلى أنّ ما موصولة عائدها محذوف. قوله: (أو مفعول لا تقربوا) أي قوله هذا حلال وهذا حرام مقول القول، والكذب مفعول به لتصف فهو معطوف على قوله، وهذا حلال وهذا حرام بدل منه، وهي معطوفة على الاسمية قبلها لا حالط حتى يتوجه ما قيل إنه عطف على قوله أو متعلق لكنه مع ما عطف عليه كان تفصيلا متعلقا بقوله، وانتصماب الكذب بلا تقولوا وهذا ليس كذلك فالوجه عطفه على جملة، وانتصاب الكذب بلا تقولوا الخ بتقدير مبتدأ أي، وهو مفعول لا تقولوا ولا يتكلف توجيهه مع أنه ظاهر، وتردّد المعرب في جواز كون الكذب تنازع فيه تقولوا وتصف، واللام على هذا للتعليل، وبيان أنه فول لم ينشأ عن حجة ودليل كما أشار
стр. 1840
إليه المصنف رحمه الله تعالى، وليس بتكرار مع قوله لتفتروا على الله الكذب لأنّ هذا لإثبات الكذب مطلقاً، وذلك لإثبات الكذب على الله فهو إشارة إلى أنهم لتمرنهم على الكذب اجترؤوا على الكذب على الله فنسبوا ما حللوه وحرّموه إليه. قوله: (ووصف ألسنتهم الكذب مبالنة الخ) هذا على جعل الكذب مفعول تصف ففيه
مبالغة لجعله عين الكذب ترقي عنها إلى أن خيل أنّ ماهية الكذب كانت مجهولة حتى كشف كلامهم عن ماهية الكذب، وأوضحها كما أشار إليه الرازي فتصف بمعنى توضح فهو بمنزلة الحد، والتعريف الكاشف عن ماهية الكذب فالتعريف في الكذب للجنس كأنّ ألسنتهم إذا نطقت كشفت عن حقيقته وعليه قول المعرّي:
سرى برق المعرّة بعد وهن فبات برامة يصف الكلالا
ونحوه نهاره صائم إذا وصف اليوم بما يوصف به الشخص لكثرة وقوع ذلك الفعل فيه، وكذلك وجهها يصف الجمال لأنّ وجهها لما كان موصوفا بالجمال الفائق صار كأنه حقيقة الجمال ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه ويعرفه كقوله:
أضحت يمينك من جودمصوّرة لابل يمينك منها صوّرالجود
فهو من الإسناد المجازي أو نقول إنّ وجهها يصف الجمال بلسان الحال فهو استعارة مكنية، وعليه اقتصر في الكشف كأنه يقول ما بي هو الجمال بعينه ومثله وارد في كلام العرب والعجم هذا زبدة ما في شروح الكشاف وما في الآية أبلغ من المثال المذكور لما سمعت. قوله: (وقرئ الكذب بالجر الخ) تبع فيه أبا البقاء رحمه الله تعالى لكنه تسمح في قوله من ما إذ المبدل منه هي مع مدخولها، وفيه ردّ على الزمخشريّ إذ جعله نعتا لما المصدرية مع صلتها لأنّ المصدر المسبوك من أن، وما المصدرية مع الفعل معرفة كالمضمر لا يجوز نعته، وكذا أخواتهما فلا يقال أعجبني أن تقوم السريع بمعنى قيامك السريع. قوله: (والكذب (معطوف على ما قبله أي وقرئ الكذب بضم الكاف، والذال المخففة جمع كذوب كصبور وصبر أو جمع كذاب بكسر الكاف، وتخفيف الذال مصدر كالقتال وصف به مبالغة، وجمع على فعل ككتاب وكتب، وقيل إنه جمع كاذب كشارف وشرف، وقوله وبالنصب هي قراءة مسلمة بن محارب كما نقله ابن عطية رحمه الله تعالى وخرجت على وجوه أحدها أنها منصوبة على الشتم والذم، وهي نعت للألسنة مقطوع، والثاني أن يكون بمعنى الكلم الكواذب يعني أنها مفعول بها والعامل فيها إمّا تصف أو القول أي لا تقولوا الكلم الكواذب، والثالث أنه منصوب على أنه مفعول مطلق لتصف من معناه على أنه جمع كذاب المصدر ولبعده تركه المصنف رحمه الله تعالى وأعرب هذا حلال الخ. على ما مر ولا إشكال في إبداله لأنه كلم باعتبار مواده وكلامان ظاهراً. قوله: (تعليل لا يتضمن معنى النرض) يعني أنها لام الصيرورة والعاقبة المستعارة من التعليلية كما مر تحقيقه إذ ما صدر منهم ليس لأجل هذا بل لأغراض أخر يترتب عليها ما ذكر،
وقال المعرب يجوز أن تكون للتعليل ولا يبعد قصدهم لذلك، وهو بدل من لما تصف لأنّ وصفهم الكذب هو افتراء على الله أو متضمن له كما مر قاله أبو حيان رحمه الله تعالى، وهو على تقدير جعل ما مصدرية إمّا إذا كانت بمعنى الذي فاللام ليست للتعليل فيبدل منها ما يفهم التعليل، وإنما هي متعلقة بلا تقولوا على حدها في قولك لا تقولوا لما أحل الله هذا حرام أي لا تسموه بهذا الاسم وقد مر لها توجيه آخر قريب من هذا قيل، ولا مانع من إرادة التعليل على الموصولية أيضا. قوله: (لما كان المفتري) اسم فاعل أي الكاذب وقوله نفى عنهم الفلاح أي الظفر، والفوز بمطلوب يعتد به، وأمّا ما قصدوه فأمر قليل منقطع مفض إلى الخسران، والعذاب المخلد فلا عبرة به كما سيصرج، واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله وبينه الخ. قوله: (أي ما يفترون لأجله) يشير إلى أنّ قوله متاع خبر مبتدأ محذوف تقديره ما ذكر لا متاع مبتدأ، وقليل خبره لأنّ النكرة لا يخبر عنها بدون مسوغ، وتأويله بمتاعها ونحوه بعيد، وقوله منفعة الخ تفسير لقوله متاع. قوله: (أي في سورة الأنعام) قيل، وفي هذه الآية دليل
стр. 1841
على تقدم آية سورة الأنعام في النزول لا على لهقدم سورة الأنعام بتمامها كما ظن قلت هذا غفلة عما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في آخر سورة الأنعام من أنها أنزلت جملة واحدة فالقائل بنى كلامه على مدعي المصنف رحمه الله تعالى، وقد تقدم منا كلام فيه. قوله: (متعلق بقصصنا أو بحرمنا) بتقدير مضاف تقديره على الأوّل من قبل نزول هذه الآية، وكذا على الثاني ويحتمل أن يقدر فيه من قبل تحريم ما حرّم على أمّتك وهو أولى، ويجوز فيه التنازع، وقوله عوقبوا به أي بالتحريم عليه أي على ما عوقبوا به فالضمير الأوّل للتحريم، والثاني للموصول، والفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم أنّ هذه الأمّة لم يحرم عليها إلا ما فيه مضرة لها وغيرهم قد يحرم عليهم ما لا ضرر فيه عقوبة لهم بالمنع كاليهود قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا﴾ الاية. قوله: (بسببها) فالباء للسببية والمراد بالجهالة السبب الحامل لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل وغير ذلك، وقوله أو ملتبسين فهي للملابسة وقوله لتعم الجهل بالله وعقابه متعلق بتقدير ملتبسين تعليل له يعني أنه فسره بما ذكر فشمل الجاهل بما ذكر إذا عمل سوءاً لغلبة شهوته فسببه غلبة الشهوة، ويصدق! عليه أنه ملتبس بالجهالة المذكورة وعدم التدبر
بالنصب معطوف على الجهل، ولغلبة الشهوة متعلق بملتبسين، وقيل بقوله عملوا السوء وغيره منصوب معطوف على الافتراء. قوله: (من بعد التوبة الم يذكر الإصلاج كما في بعض التفاسير لأنه مندرج في التوبة وتكميل لها وليس شيئا آخر ثم نظم هذه الآية واعرابها كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ [سورة النحل، الآية: ١١٠] فلذا ترك التعرّض له لقرب العهد، وقوله يثيب على الإنابة وهي التوبة أي تفضلاً منه فإنّ مقتضاها العفو لا الإثابة. قوله: (لكماله واستجماعه فضائل الخ) أي الأمّة أصل معناها الجماعة الكثيرة فأطلقت عليه لاستجماعه كمالات لا تكاد توجد في واحد بل في أمة من الأمم واستشهد عليها استشهاداً معنويا بالبيت المذكور، وهو لأبي نواس الشاعر المشهور من شعر يمدح به الفضل بن الربغ الوزير وهو: قولاً لهرون إمام الهدى عند احتفال المجلس الحاشد
نصيحة الفضل واشفاقه أخلى له وجهك من حاسد
بصادق الطاعة ديانها وواحد الغائب والشاهد
أنت على مابك من قدرة فلست مثل الفضل بالواجد
أوجده الله فما مثله لطالب ذاك ولا ناشد
وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
وقوله وليس لله روي ليس من الله كما في نسخ هذا الكتاب، والمشهور في الكتب الأدبية
ليس على الله ومستنكر بمعنى مستغرب فلا يقال الأحسن أن يقول ليس من الله بمستبدع، والبيت ظاهر غير محتاج للتفسير وقد تبعه كثير من الشعراء في هذا المعنى، وقوله وهو أي إبراهيم ﵊ رئي! الموحدين أي في عصره، وقوله قدوة المحققين لأنه أؤل من نصب أدلة التوحيد فقوله الذي الخ بيان له والزائغة المائلة عن السداد وقوله بالحجج الدامغة أي التي تلزم الخصم بحيث لا يقدر على الجواب مجاز من دمغه إذا شجه شجة بلغت دماغه. قوله: (ولذلك عقب ذكره بتزييف (في نسخة بالباء وفي أخرى بدونها وعلى الثانية فهو بالتشديد من قولهم عقبه إذا خلفه ثم تعدى بالتضعيف إلى مفعولين، ويجوز رفع ذكره فإنه يقال عقبه تعقيبا إذا جاء بعقبه أي بعده فمن قال إنّ هذا مبنيّ على ترك الباء في تزييف، ولم أجده في النسخ لا يلتفت إليه لأنه موجود في نسخ مصححه عندنا، وعلى الأولى قيل إنه من القلب
والأصل عقب تزييف مذاهب المشركين بذكره، وهو تكلف يؤيد أن تلك النسخة هي الصحيحة والتزييف الرد والإبطال مستعار من زيف الدراهم إذ جعلها زيوفا لا تروج، وهذا إشارة إلى ما مرّ في سورة الأنعام، وقوله من الشرك الخ إشارة إلى ما سبق في النظم. قوله: (أو لأنه كان وحده مؤمناً الخ الأنه عليه الصلاة والسلام
стр. 1842
قال لسارة: " ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك " كما في البخاري، ومن معاني الأمة كما في القاموس من هو على الحق مخالف لسائر الأديان، وهذا التفسير مرويّ عن مجاهد والظاهر أنه مجاز بجعله كأنه جميع أهل ذلك العصر لأنّ الكفرة بمنزلة العدم.
قوله: (وقيل هي فعلة الخ) الرحلة بضم الراء، وسكون الحاء المهملتين، وهو الشريف
ونحوه مما يرحل إليه فهو بمعنى مرحول إليه، والنخبة بضم النون، والخاء المعجمة والباء الموحدة المنتخب المختار فهو على هذا بمعنى مأموم أي مقصود أو مؤتم به بمعنى مقتدي به في سيرته والآية ظاهرة في الثاني، وقيل إنها تحتملهما قال في الانتصاف ويقوي هذا الثاني قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٣ ا] أي كان أمة يؤمه الناس ليقتبسوا منه الخيرات، ويقتفوا بآثاره المباركة حتى أنت على جلالة قدرك قد أوحينا إليك أن اتبع ملته واقف سيرته اهـ. قوله: (مائلاَ عن الباطل) أصل معنى الحنف الميل الحسي، ونقل إلى المعنوفي وهو يتعدى بالى إلى الجانب المرضي المأخوذ وبعن إلى المتروك، وأحدهما مستلزم للآخر، ولذا فسر. في الكشاف بالمائل إلى ملة الإسلام غير الزائل عنها، وما فسره به المصنف رحمه الله تعالى غير مخالف له لأنّ من مال عن الباطل وأعظمه الكفر مال إلى الحق وأعلاه الإسلام، والعقائد الحقة وإنما اختاره المصنف رحمه الله تعالى لئلا يتكرر مع ما قبله فمن قال تفسير الزمخشريّ هو الموافق للغة لم يأت بشيء. قوله: (كما زعموا الخ) تنبيه على أنّ فائدته الرد على هؤلاء وإلا لم يفد ذكره، وقوله للتنبيه الخ إشارة إلى أنه عبر به لأنه يعلم منه غيره بالطريق الأولى فلا حاجة إلى استعارة جمع القلة للكثرة، وهذا الجار والمجرور يتعلق بشاكراً ويجوز تعلقه باجتباه، واجتباه إمّا حال وإمّا خبر آخر لكان والى صراط يجوز تعلقه باجتباه، وهداه على التنازع واجتباه بمعنى اصطفاه، واختاره، وقوله في الدعوة إلى الله تعالى في الكشاف في الدعوة إلى ملة الإسلام قيل، وما فعله المصنف رحمه الله تعالى خال من
الإعادة فتأمله. قوله: (بأن حببه إلى الناس الخ) أي جعله محببا في قلوبهم فهم يتولونه أي يجعلونه والياً أي مقتدى به في هديه، وسيرته فحسنة بمعنى سيرة حسنة، وعلى ما بعده فالمعنى عطية، ونعمة حسنة وقوله لمن أهل الجنة أي المستحقين لها، ولمقاماتها العلية فعلى هذا قوله ألحقني بالصالحين أي احشرني مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدرجات العلى فلا يقال وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا يعد مدحا، ولذا قيل المراد بالصالحين الكاملون في الصلاج كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٥] . قوله: (وثم إمّا لتعظيمه الخ) يعني أنّ ثم إمّا للتراخي في الرتبة فتكون دالة على التعظيم، وقد صرح صاحب الانتصاف أنها لتعظيم المعطوف فلينظر هل تكون لتعظيم المعطوف عليه أيضا، وتحقيقه كما قال المدقق في الكشف إن فيه تعظيما لا يدرك كنهه إما للإيذان بأنّ أشرف ما أوتي خليل الله ﷺ أتباعه له لدلالة ثم على تباين هذا المؤتي، وسائر ما أوتي من الرتب والمآثر، وأما تعظيم رسول الله ﷺ من حيث إن الخليل ﵊ مع علو مقامه أجل ما أونيه اتباع نبينا ﷺ له ثم الأمر باتباع الملة دون اتباع الخليل ﵊ إشارة إلى استقلاله في الأخذ عمن أخذ عنه إبراهيم ﵊، وهذا من بدائعه رضي الله تعالى عنه، ثم إنّ تخصيص إبراهيم ﵊ دون غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام صريح في جلالته بكل وجه، فلا يرد عليه أنه تفوت الدلالة على جلالة المؤتى في الوجه الثاني كما قيل، وقوله أو لتراخي أيامه فهي على حقيقتها، وقدّم الأوّل لأنه أبلغ، وأنسب بالمقام. قوله: (في التوحيد والدعوة الخ) أي لا في الشراثع، والأحكام فإنه لم يؤمر بذلك قيل الدين والملة، والشريعة متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار كما بين في محله فكون ما ذكر بعد التوحيد من الملة محل بحث، وجهة أنه ليس داخلاً في مفهومها ما ذكر من إيراد الدلائل، ونحوه على تفسيرهم ولا بأس في تسمية ما يتوقف عليه تبليغ التوحيد توحيداً كما يسمى الكلام علم التوحيد مع ما فيه من الأدلة، ومثله سهل. قوله:) تعظيم السبت أو التخلي فيه للعبادة الما كان استعمال جعل في كلام العرب على وجهين فتارة
стр. 1843
يتعدى إلى مفعولين وأخرى إلى واحدة فتعديه، إلى الثاني بعلى غير متعارف أوّلت الآية بوجهين الأوّل تقدير
مضاف، وهو وبال السبت والوبال عاتم أو هو المسخ أي جعل الله، وبال السبت كائنا أو واقعأ على هؤلاء فهي متعدية لمفعولين، وأتى بعلى لاقتضاء الأوّل لها، وقيل إنّ الحال على هذا متعلق بالمضاف المقدر والثاني أن يضمن جعل معنى فرض وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله تعظيم الخ. والأظهر أن يقول كما في الكشاف فرض عليهم تعظيمه، وترك الاصطياد، والتخلي للعبادة لأن التعظيم والتخلي لا يتعديان بعلى وليس في كلامه ما يقتضي أن السبت في الآية مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها، وان كان ورد بهذا المعنى وبمعنى اليوم المخصوص. قوله: (على ئبيهم وهم اليهود) الجار والمجرور متعلق باختلفوا، وفيه مخالفة للزمخشري بجعل ما اختاره مرجوحا، وقد أورد عليه بحث، وهو أن السبت فرض على المختلفين على نبيهم وعلى غير المختلفين عليه أيضأ، والقول بأنهم كلهم اختلفوا ممنوع، والمثبت مقدم على النافي، وفي بعض نسخ القاضي هنا إلا طائفة منهم، وهي تقتضي أنهم لم يختلفوا كلهم (أقول (إن المصنف رحمه الله تعالى تبع الإمام فيما ذكره، وتحقيقه على ما في شروح الكشاف إن الاختلاف إفا أن يقع بينهم بأن يكون فرقة منهم محرمة للسبت، وأخرى محللة له أو يقع من جميعهم بأن يكونوا جميعاً محرمين تارة، ومحللين أخرى لأن الاختلاف كما يقع بين المتنازعين، وهو المعروف الذي فسر به قوله ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون فإنه المتبادر يقع بين الفعلين، وإن لم يقع بين قومين بل وقع من الجميع باعتبار زمانين، وهو المراد هنا على ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى لأنه مروي عن ابن عباس ﵄ حيث قال معنى اختلفوا فيه اختلفوا على نبيهم في ذلك حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت لأنّ اختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم، وأيده الطيبي ﵀ بما روى البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " نحن الآخرون الشابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتبناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فهدانا الله له فالناس لنا تبع فيه اليهود غدا والنصارى بعد غد " فلما أمر الله محمدا رسول الله ﷺ بمتابعة إبراهيم ﵊ وقد اختار الجمعة قبل فلما اختار اليهود السبت فقيل إنما جعل السبت الخ فمعنى اختلفوا فيه خالفوا جميعهم نبيهم فهو اختلاف بينهم، وبين نبيهم فإذا كان هذا تفسير رئيس المفسرين المروي من طرق صحيحة عن أفضل النبيين ﷺ علم أنّ منعه لا يسمع، وأنّ النسخة المشهورة هي الصحيحة، والى ما ذكر أشار المصنف ﵀ بقوله أمرهم. قوله:) فرغ فيه من خلق السماوات الأرض! (يعني أنه تعالى لما خلق العالم في ستة أيام بدأ الخلق في يوم الأحد، وأتمه
في يوم الجمعة فكان يوم السبت يوم الفراغ، وقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال في السبت، وقالت النصارى يوم الأحد مبدأ الخلق فنجعله عيداً لنا، وقلنا نحن يوم الجمعة يوم التمام، والكمال فهو أحق بالسرور والتعظيم كما روي وقوله فألزمهم الله السبت هو مصدو بمعنى تعظيم ذلك اليوم، وقوله وشدد الأمر عليهم بوجوب ترك العمل والاصطياد فيه عليهم لمخالفة نبيهم في الجمعة كما مر ولا حاجة إلى أن يقال إنّ البلوى عمت لغير المختلفين كما قيل. قوله: (وقيل معناه إنما جعل وبال السبت الخ) قد مر بيان إعرابه، وقوله وهو المسخ تفسير للوبال أي، وبال ترك السبت فالمعنى على أنه مصدر سبتت اليهود إذا عظمت ذلك اليوم أو وبال ترك تعظيم السبت على أنه اسم اليوم، ويؤيده قوله فأحلوا الصيد فيه أي في يوم السبت إلا أن يحمل على الاستخدام، وهو خلاف الظاهر هنا، ولذا اختاره الفاضل المحشي فلا وجه لرذه وعلى هذا للمضرة، وهذا رد على الزمخشري فيما اختاره، وقد عرفت وجهه، والحيل جمع حيلة، وقد مرت مفصلة في البقرة. قوله:) وذكرهم (يعني اليهود وما وقع منهم في أمر السبت على وجه التمثيل للمشركين والتهديد لهم بما في مخالفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الوبال كما ذكرت القرية التي كفرت بأنعم الله تمثيلا وهذا على القول الثاني لذكر الوبال فيه تقديراً، وأمّا على الأوّل فلما مر من أنه جواب عما يقال من طرفهم من أنّ الرسول ﷺ إذا كان مأموراً باتباع إبراهيم ﵊ فما باله لم يعظم السبت
стр. 1844
وهو من ملته على زعمهم كما صرح به الإمام. قوله: (بالمجازاة على الاختلاف الخ (قد مر أن الاختلاف هنا على وجهين، وأنّ الاختلاف السابق غير الاختلاف الذي هنا، وان كان الظاهر جعلهما على نسق واحد فتدبر فالمجاز بإثابة من لم يختلف، وعقاب غيره، وبين كلامه وكلام الزمخشري هنا مخالفة لما عرفت. قوله: (ادع من بعثت إليهم (، وفي نسخة إليه رعاية للفظ من وفيه إشارة إلى أنّ المفعول محذوف للدلالة على التعميم لعموم بعثته فلا يناسب المقام تنزيله منزلة اللازم كما لا يناسب قوله وجادلهم، وكون الإسلام سبيل الله ظاهر لأنه الطريق المستقيم. قوله: (بالمقالة المحكمة) أي الحجة القطعية المزيحة للشبهة، وقريب منه أن الحكمة هي الكلام الصواب الواقع من النفس أجمل موقع، وقوله وهو الدليل ذكر فيه ضمير
المقالة رعاية للخبر أو لعدم اعتبار تأنيث المصدر لتأويله بمصدر مذكر أو بأن والفعل، والمزيح بالزاي المعجمة بمعنى المزيل والخطابات بفتح الخاء المعجمة جمع خطابة بفتحها على ما صرح به في القاموس، وغيره ويجوز فيه الكسر والخطابة هي إيراد الكلام في الدعاء إلى الاغراض، ونصر ما يقصده في المحافل العامّة، وهي كالخطبة، والمقنعة من الإقناع، وهو إيراد ما يقنع به المخاطب، وان لم يكن ملزماً كالمقدمات الإقناعية، ولذا خص الأوّل بالخواص، والثاني بالعوام كما في الأثر خاطبوا الناس على قدر عقولهم، وقوله وجادل معانديهم قدر فيه المضاف لأنّ الجدار إنما يحتاج إليه المعاند، وقوله التي هي أشهر فهي لشهرتها تكون مسلمة عندهم لا يمكن إنكارها بخلاف المقدمات المموهة الباطلة فإنّ الجدل بها ديدن المبطلين. قوله: (وتبيين شغبهم (الشغب بفتح الغين المعجمة، وتسكن، وهو الأكثر ولا عبرة بمن أنكر الفتح كالحريري في الدرة، وغيره وهو تهييج الشر والمراد به هنا الشرّ، والفساد. قوله: ( ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ الآية) هو ضمير فصل للتقوية أو للتخصيص، والثاني هو الظاهر من كلام المصنف رحمه الله تعالى وان احتمل غيره، وقوله وهو أعلم عطف على جملة أن أو على خبرها وايثار الفعلية في الضلال، والاسمية في مقابلته إشارة إلى أنهم غيروا الفطرة بإحداث الضلال، ومقابلوهم استمرّوا عليها، وتقديم أهل الضلال لأنّ الكلام فيهم. قوله:) أي إنما عليك البلاغ الخ) قيل إنه يعني فلا تلح عليهم إن أبوا بعد الإبلاغ مرة أو مرتين مثلا ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ فمن كان فيه خير كفته النصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل كما في الكشاف لا أنّ المعنى فلا تعرض! فما عليك باس من إيمانهم فاندفع كما قيل إنّ دلالة الآية على الثاني، وهو المجازاة مسلمة وأفا إنّ حصول الضلالة، والهداية ليس إليه فالآية لا تدل عليه نفياً، واثباتاً لأنه إنما نشأ من تفسيره بما ذكر اهـ، ولا يخفى أنّ ما فسره به هذا القائل أحسن مما في الكشاف فإنّ قوله وجادلهم ناطق بخلافه، وأمّا ما أورده عليه فغيروا رد لأنه إذا انحصر علم الهداية والضلال فيه تعالى علم أنه لا يكون لغيره علمها فكيف يكون له حصولها وهو في غاية الظهور فلا يصح عدم دلالة الآية على ما ذكر، وقوله لا إليك معناه فلا يفوّض إليك فحذف المنفي لدلالة متعلقه بقرينة السياق عليه، وقوله وهو المجازي لهم يعلم من علم الله به كما مر مراراً فلا تغفل ولذا أدرج فيه قوله، والمجازاة بالجرّ عطفاً على المضاف إليه أو بالرفع عطفاً على المضاف. قوله: ( ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) ﴾ المفاعلة ليست هنا للمشاركة والعقاب في العرف مطلق العذاب، ولو ابتداء، وفي أصل اللغة المجازاة على عذاب سابق لأنها ما يقع عقب مثله فإن اعتبر الثاني فهو مشاكلة، وسماها الزمخشري مزاوجة، وهي خلاف ما اصطلح عليه في البديع، وان اعتبر الأوّل فلا ماكلة فيه، ولذا لم يذكرها المصنف رحمه
الله تعالى فمن قال لا وجه للمشاكلة لم يصب. قوله: (لما أمره بالدعوة وبين له طرقها الخ (قال الإمام هذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه ليرتبط بما قبله، وأما الوجه الآتي فبعيد جداً لما فيه من عدم الارتباط المنزه عنه كلام رب العزة، وعلى هذا تكون هذه الآية مكية كما قاله ابن النحاس، وعلى الثاني تكون مدنية كما صرح به المصنف رحمه الله تعالى في قوله في أوّل السورة إنها مكية إلا ثلاث آيات في آخرها فهي مدنية (أقول) كون هذه الآية مدنية كما صرح به المصنف، وكون سبب نزولها قصة حمزة ﵁ مصرح به في كتب الحديث، والتفسير ومروي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم كما في تخريج أحاديث الكشاف للحافظ ابن حجر، وقال القرطبي: أطبق
стр. 1845
أهل التفسير على أنّ هذه الآية مدنية نزلت في شأن حمزة ﵁ والتمثيل به، ووقع ذلك في صحيح البخاري فلا وجه لما ذكره الإمام، وأما ما ذكره من سوء الترتيب، وعدم الارتباط فليس بشيء فإنّ ذكر هذه القصة للتنبيه على أنّ الدعوة لا تخلو من مثله، وأنّ المجادلة تجر إلى المجادلة فإذا وقعت فاللائق ما ذكر فلا فرق بينه وبين الوجه الأوّل بحسب المآل، وخصوص السبب لا ينافي عموم المعنى، وتفسيره بما مر، وقوله شايعه بالشين المعجمة، والعين المهملة أي من اتبعه وعد من شيعته، وفي نسخة تابعه بالمثناة، وهي بمعناها يعني أنّ الله تعالى أشار إلى النبي ﷺ وأتباعه بما ذكر، وقوله المخالقة ضبط بالخاء المعجمة والقاف أي التخلق والاتصاف به في معاملة الخلق، ولو قرئت بالفاء كان له وجه، وقوله يناصبهم بالصاد المهملة بمعنى يعاديهم ويحاربهم، وقد يخص النصب في العرف بعداوة علي، وبغضه ﵁ ومنه الناصبة، وقوله من حيث إنها أي الدعوة، ورفض وفي نسخة رفع بمعنى ترك أي تتضمن التكليف بذلك، وقوله والقدح أي الطعن في دين أسلافهم في الجاهلية وهو معطوف على المقدر قبل رفض أو هو معطوف عليه. قوله: (وقيل الخ) تبع في تضعيفه الإمام وقد عرفت أنه لا وجه له كما مر، وقوله قد مثل به مجهول مشدد من المثلة وهي القتل بما يخالف المعتاد أو فعل مثله بعد القتل، وقد شق بطن حمزة ﵁ وأخرج قلبه، وقوله بسبعين حذف مميزه وهو رجلاً للقرينة عليه، وقوله مكانك خطاب لحمزة ﵁ لتنزيله منزلة الحي لكونه سيد الشهداء وقوله فكفر عن يمينه إن قيل بتجويز الكفارة قبل الحنث فظاهر، والا فالفاء فصيحة أي فأظفره الله بهم فكفر الخ. قوله: (وفيه دليل على أنّ الخ) المقتص اسم فاعل القصاص، ومماثلة الجاني أن يفعل به
مثل ما فعل في الجنس والقدر، وأمّا اتحاد الآلة بأن يقتل بحجر من قتل به وبسيف من قتل به فذهب إليه بعض الأئمة ومذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا قود إلا بالسيف فإن قلت هذه الآية صريحة في خلاف مذهبه فما معناها عندهم قلت القتل بالحجر، ونحوه لا يمكن مماثلة مقدأره شدة، وضعفاً فاعتبرت مماثلته في القتل، وازهاق الروج والأصل فيه السيف كما ذكره الرازي في أحكامه، وقد اختلف في هذه الاية فأخذ الشافعي بظاهرها وأجاب الحنفية بأن المماثلة في العدد بأن يقتل بالواحد واحد لقول النبي رسول الله ﷺ : " لأمثلن بسبعين منهم لما قتل حمزة " فنزلت هذه الآية فلا دليل فيها، وقال الواحدي أنها منسوخة كغيرها من المثلة وفيه كلام في شرح الهداية، وقهوله يجاوزه معناه يزيد في مقداره. قوله: (وحث على العفو تعريضاً الما في أن الشرطية من الدلالة على عدم الجزم بوقوع ما في حيزها فكأنه قا أط لا تعاقبوا وان عاقبتم الخ كقول طبيب! لمريض ساله عن أكل الفاكهة إن كنت تأكل الفاكهة فكل الكمثري، وقوله على الوجه الآكد بالمد أفعل تفضيل أي اكثر توكيداً لما فيه من القسم المقدر والجواب بالاسمية والتنصيص على الخبرية وفي الأوّل توكيد لما في كلمة الشرط من جعله مما يشك في وقوعه مع التعريض الذي قد يكون أبلغ من التصمريح وان عاقبتم بمعنى إن أردتم العقاب، وقوله للصبر إشارة إلى أنه من باب اعدلوا هو أقرب للتقوى، وفي نسخة أي الصبر. قوله: (للصابرين) في الكشاف المراد بهم المخاطبون فالتعريف للعهد وضع فيه الظاهر موضع المضمر، والصبر الراجع إليه الضمير صبرهم أيضاً ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون في الشدائد فالصبر من شيمهم فلا يتركونه إذن في هذه القضية، ونحوها أو وصفهم بالصفة التي تحصل لهم إذا صبروا على المعاقبة فهو على حد من قتل قتيلاً أو الضمير لجنس الصبر الدال عليه صبرتم، والمراد بالصابرين جنسهم فيدخل هؤلاء دخولاً أوليا قيل، وكلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر في هذا، واختاره لما فيه من العموم، وفيه نظر. قوله: (صرح الأمر به) متعلق بالأمر، واستعمل صرح متعدياً بنفسه لأنه يقال صرح الأمر، وصرح به إذا كشفه، وبينه متعديا ولازما كما صرح به أهل اللغة أي خص! الرسول ﷺ دون من معه بالتصريح بالأمر بالصبر وعلم أمر غيره به ضمنأ من قوله: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ الخ، وفي قوله علمه بالله ما يدل على أنه يصح أن يقال علمت الله كعرفت الله، وقد بيناه في محل آخر، وقوله وثوقه عليه أي اعتماده
عليه، ولذا عداه بعلى وان كان الظاهر به وقوله بتوفيقه يعني أنه فيه مضاف مقدر لاقتضاء المعنى له، وقوله على الكافرين أي على كفرهم، وعدم
стр. 1846
هدايتهم، وقيل على أزاهم. قوله: (في ضيق صدر الخ (فيه استعارة تبعية في أداة الظرفية كما يقال زيد في نقمة لجعله النقم، ونحوها من الغموم لشدته كأنه لباس أو مكان محيط به، وقيل إنه من القلب الذي شجع عليه أمن اللبس لأن ضيق الصدر وصف في الإنسان، وليس الإنسان فيه، وقد تضمن من اللطف ما حسته، وهو أن الضيق عظم حتى صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، وهو في المعنى كالأوّل إلا أنه لا داعي إلى ارتكاب القلب مع الاستغناء عنه بما مر، وقوله من مكرهم إشارة إلى أنّ ما مصدرية، وقوله وهما لغتان أي الفتح الذي هو مشهور، والكسر المقروء به فهما مصدران كالضرب، والكبر والقول والقيل، وقوله هنا متعلق بقرأ أو هو صفة، وأصله ضيق مخفف كميت، وميت أي في أمر ضيق ورده الفارسي بأنّ الصفة غير خاصة بالموصوف فلا يجوز ادعاء الحذف ولذلك جاز مررت بكاتب وامتنع باكل، وهو ممنوع لأنه إذا كانت الصفة عامة وقدر موصوف عام فلا مانع منه، وقوله المعاصي بيان لمفعوله المقدر، وسيأتي له تقدير آخر، ويدخل فيها زيادة العقاب ويجوز تنزيله منزلة اللازم. قوله: (في أعمالهم الخ) يعني أن ما قبله تخلية وهذا تحلية، وقوله بالولاية أي يتولى أمورهم، وكفايتها والفضل الإحسان، والجار والمجرور متعلق بما تعلق به مع بيان المعية وفيه لف ونشر، وقوله أو مع الذين اتقوا الله أي خافوه، والمعنى خافوا عقابه، وأشفقوا منه فشفقوا على خلقه بعدم الإسراف في المعاقبة، وهذا التفسير مناسب لما قبله أتم مناسبة والإحسان على الأوّل بمعنى جعل الشيء حسنا، وعلى الثاني ترك الإساءة كما قيل:
ترك الإساءة إحسان وإجمال
والحديث المذكور وقع في التفاسير مرويا عن أبيئ بن كعب رضي الله تعالى عنه، وهو موضوع كما قاله العراقي تصت هذه السورة بحمد الله وعونه.
تم الجزء الخامس ويليه الجزء السادس أوّله سورة الإسراء
стр. 1847
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإسراء
كونها بتمامها مكية قول الجمهور، والقول الآخر مروي عن قتادة ﵁، وهذا القول فيه نظر سيأتي في تفسير قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] ولم يحك الداني ﵀ في كونها مكية خلافاً وفي عددها خلاف يسير فقيل: مائة وإحدى عشرة. قوله: (سبحان اسم بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه الخ (أي مصدر غير علم هنا، وهو مصدر سبح تسبيحا بمعنى نزه تنزيها، ويكون التسبيح مصدر سبح إذا قال: سبحان الله أيضا، حتى أنّ بعضهم ظن أنه مخصوص بالمعنى الثاني وليس كذلك، وقد ذهب إلى هذا صاحب القاموس ﵀ في شرح ديباجة الكشاف وجعل سبحان مصدر سبح مخففاً، وقال الزمخشري: إن سبحان علم للتسبيح دائما وهو علم جنس لأن علم الجنس كما يوضع للذوات يوضع للمعاني، وخالفه المصنف ﵀ تبعا لابن الحاجب ففصل فيه فقال إنه إذا أضيف ليس بعلم لأن الأعلام لا تضاف إلا شذوذا وإذا لم يضف فق ص علم لأنه سمع ممنوعا من الصرف كما سيأتي، وقوله اسم أي اسم جنس لا علم وهو رث على الزمخشري فلا ينافي كونه مصدرا كما قال في البقرة إنه مصدر كالغفران أو أراد أنه اسم مصدر لأن قياس مصدره التسبيح، فمن قال إنه يريد أنه اسم لا مصدر وادعى تأويل كلامه في سورة البقرة لم يصب، وقوله: التنزيه احتراز عن التسبيح بمعنى قول سبحان الله فإنه غير مراد هنا، وما ذكر في الكشف من أن الوجه ما ذهب إليه الزمخشري لأنه إذا ثبتت العلمية بدليلها فالإضافة لا تنافيها وليس من باب زيد المعارك بل من باب حاتم طيىء، ولذا لم يضف إلا لأسمائه تعالى لدلالته على تنزيه بليغ يليق بكبريائه فيرد عليه أن من منع إضافة العلم قياساً لم يفرق بين إضافة وإضافة فإن ادعى أن بعض الأعلام اشتهرت بمعنى كحاتم بالكرم فيجوز في نحوه الإضافة لقصد التخصيص ودفع العموم الطارئ فما نحن فيه ليس من هذا القبيل، كما لا يخفى ثم إنه قيل إن
قوله: بمعنى التسبيح الذي هو التنزيه المراد منه لا الذي بمعنى التعجب كما إذا قطع عن الإضافة أو استعمل بمن كما في البيت وهو تفسير لكلامه بما لم يرده لما مر من معناه، ولما حققه المدقق قدس سره
стр. 1848
من أن المعنى ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص، فلا يكون اصطفاؤه لعبده المخصوص به إلا حكمة وصواباً، فالتنزيه لا ينافي التعجب كما توهم والتعجب هاهنا تبع بخلافه في قوله: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور، الآية: ١٦] فافهم، ومن هذا ظهر مناسبة أوّل هذه السورة لخاتمة السورة التي قبلها وارتباطها بها وأن في سبحان ثلاثة مذاهب أنه علم جنس دائما وأنه علم إذا لم يضف غير علم إذا أضيف وأنه ليس بعلم أصلا كما سيأتي. قوله: (وقد يستعمل علماً له (أي للتنزيه فيقطع عن الإضافة لأن الأعلام لا تضاف قياسا، ويمنع من الصرف للعلمية والزيادتين، قال الرضي: ولا دليل على علميته لأنه أكثر ما يستعمل مضافا فلا يكون علما وإذا قطع فقد جاء منوّنا في الشعر كقوله: سبحانه ثم سبحانا نحوذ به وقبلنا سبحات الجود والحمد ...
وقد جاء باللام كقوله:
سبحانك اللهم ذا السبحان
قالوا ودليل علميته قوله:
سبحان من علقمة الفاخر
ولا منع من أن يقال: حذت المضاف إليه وهو مراد للعلم به وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله أي التجزد عن التنوين كقوله:
خالط من سلمى خياشيم وفا
قوله: (قد قلت لما جاءني فخره الخ (هو من قصيدة طويلة للأعثى، أولها:
شاقتك من قبله أطلاقا بالشط فالجزع إلى حاجر ...
وسببها أنه لما تنازع الشرف ودعوى الكرم علقمة بن علاثة وابن عمه عامر بن الطفيل العامريان على ما جرت به عادتهم في الجاهلية، وكان علقمة كريما رئيسا وعامر عاهراً سفيهاً وساقا إبلا كثيرة لتنحر لمن قرّ له أي الفضل هاب حكام العرب أن يحكموا بينهما فأتوا هرم بن سنان، فقال لهما: أنتما كركبتي البعير تقعان على الأرض معاً وتنهضان معا قالا فأينا اليمين قال: كلا كما يمين فمكثا سنة لم يحكم أحد بينهما، فأتى الأعشى علقمة مستجيراً به فقال: أجيرك من الأسود والأحمر فقأل له: ومن الموت قال لا، فأتى عامراً فقال له: مثله فقال له: ومن الموت قال: نعم، قال: وكيف قال إن مت في جواري وديتك، فلما بلغ ذلك علقمة
قال: لو علمت مراده لهان عليّ فقال الأعشى: يهجو علقمة، ويفضل عليه عامراً بقصيدته هذه ومنها قوله:
إن الذي فيه تماريتما بين للسامع والناظر ...
ما جعل الحد الظنون الذي خيب صوب اللحب الماطر ...
مثل الفرأتيّ إذا ما جرى يقذف بالبوصي والماهر ...
أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر ...
علقم لا تسفه ولا تجعلن عرضك للوارد والصادر ...
والشاهد في قوله: (سبحان من علقمة الخ (لمنعه من الصرف، والمراد التعجب من فخره
على عامر كما يقولون سبحان الله من كذا أي أعجب منه، وقال الراغب: إنه تهكم ومن زائدة، وهو مضاف لعلقمة، وقيل: أصله سبحان الله فحذف المضاف إليه فلا شاهد فيه، وعلقمة المذكور صحابيّ قدم على النبي ﷺ فأسلم وهو شيخ واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على حوران فمات بها، وفي الاستيعاب أنه كان من المؤلفة، وقوله: يفعل متروك إظهاره أي لم يسمع من العرب إظهاره وهو سبح مشدداً بمعنى نزه لا مخففا كما مر تحقيقه، وقوله للتنزيه عن العجز، ولا ينافي قصد التعجب كما قدمناه، وقوله عما ذكر بعده وهو الإسراء المذكور، وعدل عن قول الزمخشري: إنه للتنزيه البليغ عن جميع القبائح التي تضيفها إليه أعداء الله لأنه يأباه المقام كما قاله الطيبي، لكن الذي دعا الزمخشري إلى التفسير به مع أنه شامل لما ذكر أنه تفسير مأثور. قال في الإعراب المسمى بالعقد الفريد عن طلحة ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير سبحان الله فقال: تنزيهه من كل سوء فتأمّل. قوله: (واسرى وسرى بمعنى) هذا قول أبي عبيدة ﵀ وهو سير الليل أو أكثره وليست همزة أسرى للتعدية بل هما بمعنى ويشير إليه ما ذكره بعده، وقيلى: الهمزة للتعدية ومفعوله محذوف تقديره أسرى ملائكته بعبده، وقيل: أسرى لأوّل الليل
стр. 1849
وسرى لآخره، وهو قول الليث وعليه فهو مختص بالليل، وأما سار فعاثم، وقيل: إنه مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى. قوله: (وفائدته الدلالة بتنكيره الخ) أي مع أق السرى والإسراء لا يكون إلا ليلا فلا حاجة لذكره معه كما أشار إليه ولا فائدة في ادّعاء أنه للتأكيد أو تجريد الإسراء أو استعماله في مطلق السير مع ذكره بعده، وقوله: بقليل المدة أي مدة الإسراء كذا في الكشاف وتبعه المصنف ﵀ كغيره واعترض عليه بأن البعضية المستفادة من من التبعيضية هي البعضية في الأجزاء والبعضية
المستفادة من التنكير في الأفراد والجزئيات فكيف يستفاد من التنكير أن الإسراء كان في بعض من أجزاء الليل فالصواب أنّ تنكيره لدفع توهم أن الإسراء كان في ليال أو لإفادة تعظيمه كما هو المناسب للسياق والسباق، وأجيب بوجهين: الأوّل أن التبعيض في الأجزاء مقارب لتقليل الأفراد فيستعمل ما لأحدهما في الآخر بأن يراد من ليلا بعضه وهو أبلغ وأدل على المعجزة، الثاني: أن ليلاً وإن كان اسما لمجموع الليلة إلا أنه أريد منه بعضها مجازاً، والمعنى المجازي له أفراد متفاوتة قلة وكثرة فنوّن حينئذ للتقليل، وهذ وجه حسن انتهى، ولا يخفى ما فيه من السماجة فإن التجوز في التنوين بدون التجوّز في الصيغة هنا غير متصوّر، فالجواب الأوّل بدون ملاحظة الثاني غير صحيح، وأمّا الثاني فلا وجه له كما ستراه عن قريب إذا عرفت هذا فالاعتراض لا يرد ابتداء لأن ما ذكر في الكشاف نص عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز، فما ذكر من الفرق عمن رووه والذي تمسك به بعض المتأخرين من كلام الرضي لا دليل فيه لمن تأمّله بنظر صادق وليس هذا محل رذه، وقد كتبناه في حواشيه وتحقيق ما ذكره الشيخان على ما صرح به الفاضل اليمني نقلا عن ابن مالك وسيبويه أن الليل والنهار إذا عزفا كانا معيارا للتعميم وظرفا محدودا فلا تقول صحبته الليلة وأنت تريد ساعة منها إلا أن تقصد المبالغة كما تقول: أتاني أهل الدنيا لناس منهم بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلاث، فلما عدل عن تعريفه هنا علم أنه لم يقصد استغراق السرى له، وهذا هو المراد من البعضية المذكورة، ولا حاجة إلى جعل الليل مجازا عن بعضه، كما أنك إذا قلت: جلست في السوق وجلوسك في بعض أماكنه لا يكون فيه السوق مجازاً كما لا يخفى، وهذا ما أشار إليه المدقق في الكشف أيضا، وقيل: المراد بتنكيره أنه وقع في وسطه ومعظمه كما يقال: جاء فلان بليل أي في معظم ظلمته فيفيد البعضية أيضا، وينافيه ما سيأتي في الحديث، وقوله: قرئ من الليل هي قراءة عبد الفه وحذيفة، وقوله: ومن الليل فتهجد سيأتي وجه تخصيص البعض فيه. قوله: الما روي أنه ﵊ (الرواية الأولى متفق عليها من حديث مالك بن صعصعة مطوّلاً، وما سيأتي من أنه ﷺ كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته وقمق القصة على أئم هانئ الحديث رواه النسائي باختصار عن ابن عباس ﵄، وأورده ابن سعد وأبو يعلى والطبراني من حديث أم هانئ ﵂ مطوّلاً كذا في تخريج
العراقي، وهذا مما يؤيد أنّ الإسراء كان مرّتين مرّة بروحه قبل البعثة، ومرة بجسده بعدها، وبهذا يجمع بين ما في الروايات من الاختلاف مع صحتها ثم إنه لكون رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تقع بعينها وتجيء كفلق الصبح أسرى به بعد ذلك حقيقة وكان الإسراء الروحانيّ تقدمة لهذا وتعليما لطريق الدخول في حظائر القدس فافهم، والحجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء المهملة ما يلي الميزاب من المحوطة المعروفة المفرزة من البيت بحائط قصير. قوله: (بين النائم واليقظان) اليقظان بسكون القاف صفة من اليقظة بفتحها ولا تسكن إلا في ضرورة الشعر كقوله:
فالعمرنوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال ساري ...
والمراد بكونه بينهما أنه قد عرضت له سنة وفتور يعتري قبل النوم على ما هو عادته ﷺ
إذا نزل عليه الوحي وهو مستيقظ حقيقة، والبراق بضم الباء من دوالت الجنة سمي به لشدة سرعته كالبرق الخاطف. قوله: (أو من الحرم) عطف على قوله: من المسجد الحرام بمعنييه فعلى الأوّل هو من نفس المسجد وعلى هذا ليس منه نفسه، وقوله: وسماه الخ أي أطلقه عليه توجيه لإطلاق المسجد الحرام على
стр. 1850
الحرم فالأوّل على أنه حقيقة لغوية لأنه كله محل للسجود وحرام محترم ليس بحل، والثاني على أن المراد به معناه المتعارف وهو مجاز بعلاقة المجاورة الحسية والإحاطة، وقوله: ليطابق الخ توجيه للإطلاق المذكور وبيان لنكتة فيه وهو أنه لما كان المنتهى مسجداً عبر عن المبدأ به لتتم مناسبته له لا أنه سمي بذلك ليتطابقا فإن المبدأ ليس عين المسجد كالمنتهى كما توهم، وفسره بعضهم بما يتعجل منه مع ظهوره وهذا تعليل للعلة مع المعلل لبيان مرجح المجاز، فلا يلزم تعلق حرفي جز بمعنى بمتعلق واحد، وقوله: لما روي
الخ تعليل لقوله من الحرم، وأمّ هانئ بالهمز بنت أبي طالب الصحابية ﵂، وقوله: مثل لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصليت بهم مجهول من التمثيل وهو إظهار المثال والصورة فهو إفا روحاني أو بالبدن المثالي الذي أثبته الحكماء والصوفية والظاهر أنه بالبدن الحقيقي لأنهم عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم، وهو الذي يقتضيه قوله أنه ﷺ صلى بهم ولذا قيل إن مثل مخفف بوزن ظرف أي انتصب ولا حاجة إليه لأن المشدد بمعناه، قال الراغب في مفرداته: يقال مثل الشيء أي انتصب ومنه قوله ﵊: " من أحب أن يتمثل له الناس قياماً " وقد ذكر في الحديث أنه ﷺ دخل بيت المقدس ووجد فيه نفراً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصلى بهم وفي حديث عند الترمذي كما في الروض الأنف أنه أنكر أن يكون ﷺ صلى بهم وقال: ما زايل ظهر البراق حتى رأى ما رأى والمثبت مقدم على النافي، وقوله استحالة مفعول له لقوله: تعجبوا وفي نسخة واستحالوه أي عدوه محالاً، وقوله: فتعجبوا منه أي من إخباره بمثله من المحال إذ ليس له تحقق عندهم حتى يتعجب منه، وسعى بمعنى مضى وأسرع أو من السعاية وهي نقل الخبر على وجه الإفساد وإنما سعوا إليه رجاء أن يرجع عما هو عليه. قوله: (فسمي الصدّيق الخ) الصذيق صيغة مبالغة كسكيت فإن كانت من الصدق لأن المعروف أخذها من الثلاثي فالمراد شدة صدقه فيما أجابهم به وان كانت من التصديق على خلاف القياس فالمراد كثرة تصديقه له، أو هو من الصداقة، واستنعته أي طلب منه نعته، وقوله: بيت المقدس بالإضافة بوزن مجلس اسم مكان أو مصدر ميمي من القدس وهو الطهر أي المكان الذي يطهر فيه العابد من الذنوب أو يطهر من عبادة الأصنام وجاء فيه ضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة وقد تكسر ويقال البيت المقدس بالتوصيف والأشهر الإضافة، وجلى مجهول مثذد أي أظهره الله له حتى شاهده فنعته،
والعير بكسر العين الجمال وتعيين قدومها وما معه بإعلام الله له، وهو من معجزاته ﷺ لأخباره بالغيب فيه، والأورق من الجمال الأبيض الماثل للسواد وليس بمحمود فيها وإن طاب لحمه لهم، وقوله: يقدم الأوّل من القدوم وهو من باب علم والثاني من قدم يقدم كنصر ينصر بمعنى تقدّم ويجوز كونه ماضيا من التفعل، وقوله: يشتدون بمعنى يسرعون في المشي من قولهم: شد عليه إذا حمل عليه جملة أو هو من الشدة وأصله يشتد جريهم، والثنية مكان مرتفع في جبل يكون طريقا والمراد بها ثنية مخصوصة بمكة يدخل القادم من الشام منها وهي معروفة، وإلى متعلق بيشتدون أو يخرجوا، وكونه قبل الهجرة بسنة قول وقيل: بستة عشر شهراً وقيل: كان قبل البعثة وقد علمت أنه وقع مرّتين كما مر، وقولهم: ما هذا إلا سحر مبين أي ما ذكر لأن السحرة في زعمهم تطلع على بعض المغيبات. قوله: (واختلف في أنه كان في المنام الخ (فعن عائشة ﵂ كانت رؤيا حق وقالت: لم نفقد بدنه وإنما عرج بروحه ﷺ واحتج لهذا القول بقوله تعالى ة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ اسورة الإسراء، الآية: ١٦٠ لأن الرؤيا تختص بالنوم لغة وكذا وقع في البخاري، وذهب الجمهور إلى أنها يقظة والرؤيا تكون بمعنى الرؤية في اليقظة كما في قول الراعي يصف صائداً:
وكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلباكان جما بلابله ...
وقال الواحدي: إنها رؤية اليقظة ليلا فقط واحتجوا بما سيأتي، قال السهيلي في الروض: وذهبت طائفة
стр. 1851
ثالثة منهم القاضي أبو بكر إلى تصديق المقالتين وتصحيح الحديثين بأن الإسراء كان مرتين إحداهما في نومه قبل النبوة بروحه توطئة وتيسيراً لما بعده مما يضعف عنه قوى البشر فيما شاهده بعدها وعاناه بجسده، وحكي هذا القول عن طائفة من العلماء، وبه جمع بين ما وقع في طرق الحديث من الاختلاف على ما فصله، وحكى المأزري في شرح مسلم قولاً رابعا جمع به بين القولين فقال: كان الإسراء بجسده في اليقظة إلى بيت المقدس فكانت رؤية عين ثم أسري بروحه جمحيه منه إلى ما فوقه فكانت رؤيا قلب ولذا شنع الكفار عليه قوله ﵊: أتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا عليه قوله: فيما سوى ذلك وكلام المصنف ﵀ فيه إيهام لهذا القول، قيل والمراد بالمنام هنا ما يشمل ما بين حالي النائم واليقظان كما مر في الرواية الأولى ولا حاجة إليه لأن تلك الحالة كانت عند مجيء جبريل ﵊ بالبراق لا وقت العروج فتأمل.
قوله: (بروحه أو بجسده (الظاهر أنه لف ونشر فقوله: بروحه راجع للمنام وبجسده لليقظة والمراد روحه فقط وكون المراد بروحه أو بجسده في اليقظة خلاف الظاهر. قوله: (ولذلك تعجب قريش واستحالوه) لأن النائم قد يرى نفسه في السماء ويذهب من المشرق إلى المغرب ولا يستبعده أحد، وأمّا كون العروج بروحه يقظة خارقا للعادة ومحلاً للتعجب أيضا والجواب بأنه غير منكر كالانسلاخ الذي ذهب إليه الصوفية والحكماء، فأمر لا تعرفه العرب ولم يذهب إليه أحد من السلف. قوله: (والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة الخ (دليل عقلي على صحته ورد لاستحالته، والثانية في اصطلاح المتجمعين جزء من ستين جزءاً من الدقيقة والدقيقة جزء من ستين جزءاً من الدرجة وهي جزء من خمسة عشر جزءا من الساعة المقدر بها الليل والنهار، قال أستاذ عصرنا الفيلسوف في العلوم الرياضة: المولى عبد الوهاب هذا غير سديد من وجوه، منها أن علم الهندسة ليس مظنة للبحث عما ذكر ولو قال بالهندسة لهان الأمر لأن براهين الهيئة تعلم من الهندسة كما هو معروف عند من له معرفة بتلك الفنون، ومنها أن ما بين طرفي قرص الشمس وهو قطرها خمسة ونصف بما يكون به قطر الأرض واحداً على ما بين في مباحث الأبعاد والإجرام من التذكرة وغيرها وأمّا ما كان مائة ونيفا وستين مرة فهو جرم الشمس بالنسبة إلى كرة الأرض إذ بين ثمّ إن نسبة كرة الأرض كنسبة مائة وستة وستين وربع وثمن هو الشمس إلى الواحد بناء على ما أثبتوه ثمة من أنّ نسبة كرة إلى كرة كنسبة مكعب قطر الأولى إلى مكعب قطر الأخرى، ومنها أن قطر الشمس الذي هو كالواقع في مأخذ حركة مركزها بالحركة الأولى يصل طرفه المتأخر إلى موضع طرفه المتقدم وهو المراد بوصول طرفها الأسفل إلى موضع طرفها الأعلى على أن الطرف المتقدم أعلى من الطرف المتأخر، وكذا المتأخر أعلى من الطرف المتقدم في الارتفاعات الشرقية والانحطاطات الشرقية في جميع ما يتعين فيه الشرق والغرب من الآفاق مع أن الطرف المتقدم أعلى من جميع جوانب الشمس والمتأخر أسفل جميع جوانبها عند طلوع مركزها في أفق الاستواء فلا غبار في ذلك الوصول لكن كون زمانه أقل من ثانية ممنوع بناء على ما بين في محله من أن قطر الشمس، وجد في أكثر أحوال بعدها مساويا في النظر لقطر القمر في بعده الأبعد وقد بين أيضا أنّ قطر القمر في بعده الأبعد إحدى وثلاثون دقيقة وثلث دقيقة فكيف يتصوّر أن يقطع مركز الشمس مقدار قطرها في أقل من ثانية فيقع فيه ذلك لوصول سواء كانت الثانية ثانية الدرجة أو الساعة أو اليوم إذ اللازم مما ذكر أن يكون زمان الوصول المذكور إحدى وثلاثين دقيقة من دقائق الدرجة أو دقيقتين من دقائق الساعة أو خمس ثوان من ثواني اليوم بالتقريب والذي يقطعه مركز الشمس في أقل من ثانية هو مقدار قطر الأرض على أن تكون الثانية ثانية اليوم ولو اكتفى بذلك القدر
من سرعة حركته ولم يلتزم بيان ما هو أزيد منه لتم إثبات المقصود وهو جواز أن يقطع جسم مسافة بعيدة في زمان قليل أو يحزر تحريراً تاما فليتأمل هذا مرة بعد أخرى فإن دقائقه لا تصل إلى درجة منها بنظرة أولى ولا ثانية وهذا ملخص ما ذكره فمن أراده فعليه بالنظر فيه وهو مما لا شبهة في وروده إلا أن ما أورده أوّلا أمر سهل وقد
стр. 1852
أشار هو إلى دفعه فتدبر، والنيف مشدداً بوزن كيف ويخفف ما زاد على العقد إلى أن يبلغه.
تنبيه: عبد الوهاب المذكور من موالي الروم له يد طولى وتأليف العلوم الرياضية توفي
بعد عشر وألف قاضياً بالمدينة المنوّرة رأيته مدرساً بسليمية إردنه وكان زاهداً فاضلا ويعرف بقواله إلى زاده. قوله: (وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الإعراض الخ (أقول أنّ المصنف ﵀ تبعاً للإمام أراد أن يثبت صحة الإسراء بدليل عقلي فذكر له أوّلاً: دليلا من علم الهيئة، وثانياً: من علم الحكمة أخذه من كلام الرازي في المسائل الأربعين وهو أن الأجسام لما كانت متسارية في الذوات والحقائق وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على غيره لأن قابلية ذلك العرض إن كانت من لوازم تلك الماهية فأينما حصلت لزم حصول تلك القابلية فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على كل منها وان لم تكن من لوازمها كانت من عوارضها فيعود الكلام فإن سلم والا دار أو تسلسل وهذا بناء على تركبها من الجواهر الفردة، وهذا مما أجمعوا عليه غير النظام ورده القرافي في حواشيه، وصاحب لباب الفصول وبينوه وأنه لا وجه له وليس باب المعجزات محتاجا لمثل هذه الترهات، والمراد بالإعراض ما يعرض لها كالأمراض والحركات وما يحمله هو البراق قيل: والأولى الواو بدل أو لأن المعراج إنما كان بالبراق وليس بشيء. قوله: (والتعجب من لوازم المعجزات (لما دفع الاستحالة ورد حينئذ أنه أمر ممكن فلا ينبغي التعجب منه فدفع بأن المعجزات أمور خارقة للعادة فيتعجب منها وان كانت ممكنة لأن التعجب يلزم ما خالف العادة لا الاستحالة والمراد باللوازم المذكورة إنكار الأمم لها فإنه يتعجب حينئذ منه مع إمكانه وشمول القدرة له. قوله: الأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد (وجه لتسميته بالأقصى بمعنى الأبعد فهو أبعد بالنسبة إلى من بالحجاز، وفي تاريخ القدس أنه سمي به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد، وقيل: لأنه ليس وراءه موضع عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث. قوله: (ومتعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن موسى ﵊ (لا يخفى أنه بناه داود وأتمه سليمان عليه
الصلاة والسلام فكان متعبداً قبل موسى ﵊ أيضا ففيما ذكره نظر وكأنه أراد أنه قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو أراد أنه بعد تخريبه، وقوله ومحفوف بالأنهار تفسير لقوله: حوله، وقوله: في برهة بضم الموحدة وتفتح وسكون الراء المهملة بمعنى مدة كما فسره الراغب فالمعنى في مدّة وقطعة من الليل من غير نظر إلى طول وقصر لأنه علم مما مر فلا وجه لما قيل إن المناسب أن يذكر ما يدل على القلة، وقوله: (كذهابه الخ (بيان لتلك الآيات وقوله: ومشاهدته بيت المقدس لما انجلى وظهر له لينعته لهم بمكة كما مرّ، وتمثل الأنبياء صلى الله عليهم وسلم له حين اجتمع بهم ﵊ وصلى بهم، وقوله: ووقوفه على مقاماتهم إذ رأى كلاً منهم في سماء على تفاوت رتبهم على ما فصل في حديث المعراج، ولا حاجة إلى تقدير ثم إلى السماء بعد قوله إلى المسجد الأقصى كما قيل لأنه المراد بقوله: لنريه من آياتنا إذ معناه لنرفعه إلى السماء حتى يرى ما رأى. قوله: (وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم ئعظيم تلك البركات والآيات (أي صرف من الغيبة التي في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١] ، إلى صيغة المتكلم المعظم في باركنا وما بعده لتعظيم ما ذكر لأنها كمما تدل على تعظيم مدلول الضمير تدل على عظم ما أضيف إليه وصدر عنه كما قيل:
إنما يفعل العظيم العظيما
فهو التفات ونكتته أن قوله الذي أسرى بعبده يدل على مسيره من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فهو بالغيبة أنسب، وقوله باركنا حوله لإنزال البركات فيناسب تعظيم المنزل والتعبير بضمير العظمة، وأيضا هو من عالم الشهادة وقوله: لنريه يفيد الاتصال وعز الحضور فيناسب التكلم معه وأما الغيبة فلكونه ليس من عالم الشهادة ولذا قيل: إنّ الغيبة أليق وآياتنا يناسب التعظيم كما مرّ، وقوله: إنه هو السميع البصير بالغيبة لأنه مقام محو الوجود في غيبة الشهود، فإن قلت الالتفات لا يكون إلا في أوّل ما غير وعدل فيه من الكلام، وهو قوله: باركنا وأما قوله لنريه: وآياتنا فليس فيهما التفات لجريهما على نسق ما قبلهما كما لا يخفى، قلت: مراده أنّ الالتفات في الأوّل وأجرى الكلام عليه دون أن يرجع إلى النمط الأوّل لهذه النكتة أما على قراءة ليريه
стр. 1853
بياء الغيبة وهي قراءة الحسن ففيه التفاتات أربعة كما في الكشات، وقوله لتعظيم تلك البركات والآيات قيل إئه إشارة إلى دفع ما يقال إن الخليل ﵊ أري ملكوت السموات والأرض وأري نبينا ﷺ بعضها فمعراج إبراهيم ﵊ أفضل لأن بعض الآيات المضافة إليه تعالى أشرف وأعظم من ملكوت السموات والأرض كلها قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم، الآية: ١٨] ولا يخفى أنّ السؤال غير
وارد لأن ما رآه إبراهيم ﵊ ما فيها من الدلائل والحجج وليس ذلك مقاوما للمعراج فتأمّل. قوله: الأقوال محمد ﷺ الخ) فضمير أنه وهو دلّه وأتى به على الغيبة ليطابق قوله: بعبده ويرشح ذلك الاختصاص بما يوقع هنا الالتفات في أحسن مواقعه وينطبق عليه التعليل أتمّ انطباق إذ المعنى قربه وخصه بهذه الكرامة لأنه مطلع على أحواله عالم باستحقاقه لهذا المقام، قال الطيبي: إنه هو السميع لأقوال ذلك العبد البصير بأفعاله العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفا، مستأهلة للقرب والزلفى ولا بعد في أن يرجع الضمير إلى العبد كما نقله أبو البقاء انتهى وتبعه فيه بعض المحشين ولا يرد عليه شيء ولا يمتنع إطلاق السميع والبصير على غيره تعالى، كما توهم لا مطلقاً ولا مقيداً نعم الأوّل أظهر ولداً ذهب إليه الأكثر، ثم قال: ولعل السر في مجيء الضمير محتملا للأمرين الإشارة إلى أنهءسز إنما رأى ربه كما في حديث كنت سمعه وبصره فافهم تسمع وتبصر، ويكرمه من التكريم أو الإكرام، وقوله: على حسب ذلك أي أقواله وأفعاله أو سمعه ورؤيته لما صدر منه. قوله تعالى: ( ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الآية) عقبت آية الإسراء بهذه استطرادا بجامع أن موسى ﵊ أعطي التوراة بمسيره إلى الطور وهو بمنزلة معراجه لأنه منح ثمة التكليم وشرف باسم الكليم وطلب الرؤية مدمجا فيه تفاوت ما بين الكتابين ومن أنزلا عليه د ان شئت فوازن بين أسرى بعبده وآتينا موسى وبين هدى لبني إسرائيل ويهدي للتي هي أقوم، والواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى الخ لا على أسرى لعبده وتكلفه، وضمير وجعلناه المنصوب لموسى أو للكتاب ولبني إسرائيل متعلق بهدي أو بجعلناه وهي تعليلية. قوله: (على أن لا تتخذوا الخ (وفي نسخة على أي لا تتخذوا فهي بيان لأن أن تفسيرية بمعنى أي وهو الموافق لما في الكشاف ولا على هذا ناهية جازمة وهي تفسير لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي، والكتاب المكتوب وان كان في الأصل مصدرا وتفسيره بكتابة شيء هو أن لا الخ سيأتي ما فيه وعلى الأولى فالمعنى على أن يكون إلا بمعنى أن لا وهي مفسرة أيضا وليس المراد أنه بمعنى لئلا بحذف الجار كما في قراءة يتخذوا بالغيبة. قوله: (بالياء على لأن لا يتخذوا (وفي نسخة على أن لا يتخذوا أي تقديره كذا ومعناه على الأولى أن أق ناصبة لا مفسرة
وقبلها حرف جر مقدر كما خرجت عليه القراءة الأولى أيضا، وعلى الثانية المعنى أيضا هذا ولكنه لا يناسب النسخة السابقة ولا تظهر المغايرة بينهما والحاصل أن أبا عمرو ﵀ قرأ بالتحتية والباقون بالفوقية قال أبو البقاء: تقديره على الغيبة جعلناه هدى أو أتينا موسى الخ لئلا يتخذوا وعلى غيرها فيه وجهان أن أن التفسيرية لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي أو لا زائدة والتقدير مخافة أن يتخذوا ولا يخفى أن تفسير الكتاب بمعنى المكتوب وهو التوراة غير ظاهر ولذا قيل إنه مصدر والمعنى كتابة شيء هو أن لا يتخذوا الخ وهو أيضا خلات الظاهر فتأمله، وجوز على المصدرية أن يكون أن لا يتخذوا بدلاً من الكتاب. قوله: (ربا تكلون إليه أموركم غيري (إشارة إلى أن وكيلا فعيل بمعنى مفعول وهو الموكول إليه أي المفوّض إليه الأمور وهو الرب وأن دون بمعنى غير ومن زائدة ويجوز أن تكون تبعيضية ومن دوني وكيلا مفعولاً لتتخذوا وكون دون بمعنى غير مصرج به في كتب اللغة والعربية ولها معان أخر وحاصله النهي عن الإشراك. قوله: (نصب على الاختصاص الخ (هذا توجيه لقراءة النصب وهي المشهورة ولذا بدأ بتوجيهها وعلى الاختصاص هو مفعول لا خص أو أعني مقدراً وليس بنداء وإن كان على صورته على ما حقق في النحو وعلى النداء فيا محذوفة فيه والتقدير يا ذرية من الخ وجوز فيه أيضا البدلية من وكيلا
стр. 1854
لأن المبدل منه ليس في حكم الطرج من كل الوجوه أي لا تتخذوا من دوني ذرية من حملنا، وأما كونه بدلاً من موسى كما ذكره أبو البقاء فبعيد جدا. قوله: (إن قرئ أن لا تتخذوا بالتاء (أي بالتاء الفوقية للخطاب وهذا قيد للنداء وخصه به تبعا لغيره كمكي فإنه قال: من قرأيتخذوا بالياء التحتية يبعد معه النداء لأن الياء للغيبة والنداء للخطاب فلا يجتمعان إلا على بعد، قيل: وليس كما زعم إذ يجوز أن ينادي الإنسان شخصاً ويخبر عن آخر فيقول: يا زيد ينطلق بكر وفعلت كذا يا زيد ليفعل عمرو كيت وكيت، وهذا إن سلمت صحته لا يدفع البعد الذي قاله وهو لا ينكر. قوله: (أو على أنه أحد مفعولي لا تتخذوا الخ (عطف على قوله: على الاختصاص، وجملة ومن دوني حال حالية أو اعتراضية أو معطوفة على اسم أن وخبرها يعني أنه ليس أحد مفعولي اتخذ كما في الوجهين السابقين ومن على هذا يجوز فيها أن تكون ابتدائية ووكيلاً مفعول ثان على التقديم والتأخير وهو بمعنى وكلاء لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد المذكر وغيره فلا يرد عليه أن المفعول الثاني خبر معنى وهو غير مطابق هنا. قوله: (فيكون كقوله الخ (أي مثله في المعنى لأن الوكيل بمعنى الوكلاء والمراد الأرباب كما مر فهو إشارة إلى عدم انتهائهم لاتخاذهم عزيرا وعيسى عليهما الصلاة والسلام ربا. قوله: (على أنه خبر مبتدأ محذوف (تقديره هو ذرية ولا بعد فيه كما توهم وقوله: أو بدل
من واو يتخذوا قال ابن عطية: ولا يجوز هذا في القراءة بالتاء الفوقية لأنّ ضمير المخاطب لا يبدل منه الاسم الظاهر، ورد بأنه يجوز في بدل البعض والاشتمال والكل إذا أفاد الإحاطة والشمول نحو جئتم كبيركم وصغيركم مع أنه جوّزه الأخفش والكوفيون فلذا أطلقه المصنف ﵀ ولم يقيده بقراءة. قوله: (وذرية بكسر الذال (أي القراءة المشهورة بالضم وقرئ بالكسر أيضاً وهو معطوف على قوله: بالرفع لا على المستتر في قرئ وهذا من تغييرات النسب، قال الراغب الذرية أصلها الأولاد الصغار وإن كان يقع على الصغار والكبار، وششعمل للواحد والجمع وأصله الجمع وفيه أقوال، قيل هو من ذرا الله الخلق فترك الهمز فيه كما في برية وأصله ذروية وقيل: هو فعلية كقمرية وقيل إنه من الذر وتحقيقه في المفصلات وليس هذا محله. قوله: (وفيه تذكير بأنعام الله تعالى (إشارة إلى مناسبة ما ذكر هنا وأنه أيما إلى علة النهي كأنه قيل: لا تشركوا به فإنه المنعم عليكم والمنجي لكم من الشدائد وإنهم ضعفاء محتاجون إلى لطفه وفي التعبير بالذرية الغالب إطلاقها على الأطفال والنساء مناسبة تاقة لما ذكر وذكر حملهم في السفينة للإشارة إلى أنه لم يكن لهم حينئذ وكيل يتكلون عليه سواه، وقوله: يحمد الله الخ المراد بمجامع حالاته جميع حالاته والباء ظرفية وهذا من صيغة المبالغة في شكور، وفسر الشكر بالحمد الواقع في مقابلة النعمة لأنه رديفه، ووجه الإيماء أنه مسوق على وجه التعليل لما قبله وفيه أيضا حث لهم على الاقتداء، وقيل: إنه استطراد. قوله: (وأوحينا إليهم وحيا مقضيا مبتوتاً (المبتوت المقطوع به لأن القضاء بمعنى الحتم كما يدل عليه قوله في الكتاب، ولما كان قضى يتعدى بعلى وقد تعدى هنا بإلى ذهب بعضهم إلى أن إلى بمعنى على، وأما المتعدي بنفسه في قوله: قضى زيد منها وطرأ فبمعنى آخر، وذهب المصنف كغيره إلى أنه ضمن معنى الإيحاء فعدى بها وجعل المضمن أصلاً والمضمن فيه تابعاً صفة لمصدره لا حالاً كما اشتهر من عكسه لما مر من تحقيقه وقول الراغب: القضاء يكون بفصل الأمر قولاً أو فعلاً وكل منهما إمّا إلهي أو غيره فمن القول الإلهي وقضينا إلى بني إسرائيل فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيا جزما ليس فيه ما يقتضي عدم التضمين كما قيل، والوحي إليهم الإعلام ولو بواسطة النبيّ ﷺ والكتاب، فلا وجه لما توهم من أنه لا معنى للوحي إليهم، وفسر الكتاب بالتوراة وقيل إنه اللوح المحفوظ على أنّ إلى بمعنى على. قوله: (جوإب قسم محذوف أو قضينا (أي أو جواب قضينا فهو معطوف على
قسم يعني أنه إفا جواب قسم تقديره والله لتفسدن الخ بقرينة اللام وهو مؤكد لتعلق القضاء أو جواب قوله: قضينا لتضمنه معنى القضاء وإجرائه مجراه في تلقيه بما يتلقى به كما قال
стр. 1855
العرب: قضاء الله لأفعلن كذا. قوله: (١ فسادتين (إشارة إلى أن مرتين منصوب على أنه مصدر لتفسدن من غير لفظه وعدل عنه لأن تثنية المصدر وجمعه ليس بمطرد والفعلة المرة الواحدة. قوله: (مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء الخ (شعياء نبي بعث بعد موسى عليهما الصلاة والسلام قيل: لما بلغهم الوحي أرادوا قتله فهرب ودخل شجرة انفلقت له فنشروها وهو في وسطها فقتلوه، كذا قال ابن إسحق ﵀، ووقع في نسخة وقيل ارمياء فقيل إنه مرضه لأنه لم يثبت قتله والذي وقع في الكشاف حبسه، وقيل إنه الخضر ﵊ وان نظر فيه فإنه صاحب موسى ﵊ كما سيأتي، وفي الكشف أن أرميا بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها وفي القاموس أنه نبي وقوله: قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام في تفسير القرطبي أن زكريا مات بأجله ولم يقتل فلذا قيل: الأولى الاقتصار على يحيى، وذكر في الكشاف قتل زكريا بما وقع في المرة الأولى وضم إليه حبس أرميا وذكر قتل يحيى في المرة الثانية فقال في الكشف هذا فيمن جعل هلاك زكريا قبل يحيى وأرميا كان في زمن بختنصر، وبينه وبين زكريا أكثر من مائتي سنة. قوله: (ولتستكبرنّ عن طاعة الله الخ (أصل معنى العلوّ الارتفاع وهو ضد السفل فتجوز به عن التكبر والاستيلاء على وجه الظلم هنا كما أشار إليه المصنف ﵀، وقوله: وعد عقاب أولاهما ضمير أولاهما للمزتين قبله، والوعد هنا بمعنى الوعيد وفيه مضاف مقدر وهو عقاب وقيل: الوعد بمعنى الموعد اسم الوقت أو هو مقدر معه وفي نسخة بدل وعد وعيد وهي أظهر. قوله: (يختنصر (بضم الباء وسكون الخاء المعجمة والتاء المثناة معزب بوخت بالعبرانية معناه ابن، ونصر بفتح النون وتشديد الصاد المهملة وبالراء المهملة اسم صنم وهو علم أعجميئ مركب قال في القاموس: كان وجد عند الصنم ولم يعرت له أب فنسب إليه قيل إنه ملك الأقاليم، وقال ابن قتيبة: لا أصل لملكه لها، وعليه قول المصنف ﵀ عامل لهراسف وهو ملك ذلك العصر، وبابل مملكة معروفة وعن ابن إسحق ﵀ إنه لما عظم فساد بني إسرائيل استحلوا المحارم وقتلوا شعياء ﵊ فجاءهم بختنصر ودخل بجنده بيت المقدس فقتلهم حتى أفناهم، وقوله: وص ده بالنصب عطف على بختنصر. قوله: (وقيل جالوت الجزري (بالجيم والزاي المعجمة نسبة إلى جزيرة بابل المعروفة الآن بالجزيرة المعمرية أي وقيل: الذي غزاهم جالوت يعني مع جنوده، وكذا ما بعده ولم يذكره اكتفاء، وقيل الخزري بخاء معجمة وزاي مفتوحتين نسبة
للخزر وهو ضيق العين وصغرها وجيل من الناس، وسنجاريب يروى بالجيم وهو المعروف، وروي بالحاء المهملة وهو اسم ملك، ونينوى بكسر النون ثم ياء مثناة تحتية ساكنة ثم نون مضمومة وواو مفتوحة بعدها ألف قرية بقرب الموصل منها بعث يونس ﵊، وفي الأعلام للسهيلي أن المبعوث لهم هم أهل بابل وكان عليهم بختنصر في المرّة الأولى حين كذبوا إرميا وجرحوه وحبسوه، وأمّا في المرّة الآخرة فاختلف في المبعوث عليهم وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام، وكان قتله ملك من بني إسرائيل والحامل على قتله امرأة اسمها ازبيد قتلت سبعة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فبقي دم يحيى يغلي حتى قتل منهم سبعون ألفاً فسكن وقيل إن المبعوث عليهم بختنصر وهذا لا يصح لأنّ قتل يحيى ﵊ كان بعد رفع عيسى ﷺ وبختنصر كان قبل عيسى بزمن طويل وقبل الاسكندر وبين الاسكندر وعيسى ﵊ نحو ثلثمائة سنة ولكنه إن أراد بالمرّة الأخرى حين قتلوا شعياء صح فقد كان بختنصر، حيا إذ ذاك فهو الذي قتلهم وخزب بيت المقدس واتبعهم إلى مصر وأخرجهم وبعض هذا عن الطبري. قوله: (بأس شديد (قال الراغب: البؤس والبأس وإلبأساء الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر والبأساء في النكاية ولذا قيل أن وصفه بالشديد للمبالغة كأنه قيل ذو شدة كظل ظليل ولا بأس فيه، وقيل إنه تجريد وهو صحيح أيضاً، وقوله في الحرب لما مرّ عن الراغب. قوله: (ترددوا لطلبكم الخ (قال الراغب: جاسوا الديار
стр. 1856
توسطوها، وترددوا بينها ويقاربها حاسوا وداسوا وقيل: الحوس طلب الشيء بالاستقصاء، وقوله: وقرئ بالحاء المهملة هي قراءة طلحة وأبو السماك وقرئ أيضا تحوسوا بزنة تكسروا وهما شاذان، وقوله: وهما أخوان أي متقاربان لفظا ومعنى.
قوله: (وسطها (يعني أن خلال اسم مفرد بمعنى وسط ولذا قرىء خلل الديار، وقيل إنه
جمع خلل أي وسط كجبال في جبل، وقوله: للقتل والغارة بالغين المعجمة بمعنى النهب هذا يقتضي أن قوله: لطبكم من معنى الحوس كما مر تفسيره به وان احتمل خلافه، وحرقوا بالقاف من الحريق، وخزبوا بالخاء المعجمة من التخريب. قوله: (والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر الخ (بناء على مسألة القبح العقلي فلا يسند مثله إلى الله فجعلوه مجازاً عن عدم المنع ولا قبح فيه وتارة قالوا: لا قبح في نفس البعث وإنما القبح في التخريب والتحريق المسند إليهم وتفصيله في الكشاف وشروحه. قوله: (وكان وعد عقابهم لا بدّ أن يفعل (يعني اسم كان
ضمير الوعد السابق ومعنى مفعولاً متحتم إلفعل والألم يفد الحمل وقيل الضمير للجوس، وقيل إنه حمله على كونه مفعولاً قبل وقت الوعد فاحتاج إلى التأويل ولك أن تحمله على أنه كان قبل وقت النزول فلا حاجة إليه فتأمل. قوله: (أي الدولة والغلبة) أصل معنى الكز العطف، والرجوع ومنه الكز والفرّ في الحرب وغيره، قال امرؤ القيس:
مكز مفرّ مقبل مدبر معا
ولذا سمي الفتل به والحبل المفتول أيضاً والكزة مصدره ثم أطلقت على الدولة والغلبة مجازاً شائعاً كما يقال: تراجع الأمر، ولام لكم للتعدية، وقيل إنها للتعليل وعليهم متعلق بالكزة لما فيها من معنى الغلبة أو هو حال منها وجوّز تعلقه برددنا وشفقة مفعول ألقى، والأسرى جمع أسير وردهم إلى الشام من أرض بابل بعد قتل بختنصر ونقل باقيهم إليها، وقوله: من اتباع بختنصر جعل جار الله قتل بختنصر من آثار هذه الكرّة وهذا ناظر إلى أن المبعوث قتل بختنصر وما بعده ناظر إلى أنه جالوت، وفي اللباب أن معرفة هؤلاء الأقوام بأعيانهم لا يتعلق بها كبير غرض إذ المقصود أنهم لما كثرت معاصيهم سلط الله عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى. قوله: (أو بأن سلط داود ﵊ على جالوت ققتله (قيل إنه يرذه قوله: وليدخلوا المسجد الخ فإن المسجد الأقصى هو المراد به أوّل من بناه داود ثم أكمله سليمان ﵊ فلم يكن قبل داود مسجد حتى يدخلوه أوّل مرّة إلا أن يرتكب المجاز فيه، ودفع بأن حقيقة المسجد الأرض لا البناء أو بحمل قوله دخلوه على الاستخدام ولا يخفى أن المعترض أشار إلى ما ذكره هذا القائك مع ما فيه من التلطف، والأولى ما أشار إليه العلامة في شرح الكشاف من أن المبعوثين في المرة الآخرة لا يتعين كونهم المبعوثين أوّلاً فتدبر. قوله: (مما كنتم (بيان للمفضل عليه المقدر وقيل تقديره من أعدائكم، وقوله: من ينفر أي يذهب معه من قومه وصحح السهيلي أنه اسم جمع لغلبته في المفردات وعدم اطراد مفرده. قوله: الأنّ ثوابه (أيمما الإحسان لها أي للأنفس يعني أن اللام هنا للنفع كقوله: لها ما كسبت واللام في التفسير لتعليل كونه نافعاً لها وكذا قوله: فإن وبالها الخ وفي قوله: عليها إشارة إلى أنّ اللام الثانية بمعنى على وعبر بها لمشاكلة ما قبلها والازدواج افتعال من المزاوجة والمراد به المشاكلة لا ما اصطلح عليه أهل البديع، وقيل: اللام بمعنى إلى أي
إساءتها راجعة إليها، وقيل إنه تهكم وقيل إنها بمعنى على كما في قوله:
فخرّ صريعاً لليدين وللفم
وقيل إنها للاستحقاق كما في قوله: لهم عذاب، وفي الكشاف أنها للاختصاص قيل:
وهو مخالف في الآثار من تعدى ضرر الإساءة إلى غير المذنب إلا أن يقال: إنّ ضرر هؤلاء القوم من بني إسرائل لم يتعدهم ولا حاجة لمثله من التكلف لأن الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعذيان وهما المراد هنا، والإحسان والإساءة بمعنى الأنعام وضده وإحسان العمل وما يخالفه قيل والمراد هنا الثاني لا الأعئم الشامل لهما وهو فعل ما يستحسن له أو لغيره والألم يلائمه كلام علي كرّم الله وجهه المنقول في الكشاف والظاهر أن المراد هو الأعمّ إذ هو أنسب وأتم، ولذا قيل إن تكرير الإحسان في النظم دون الإساءة إذ قيل فلها دون فإساءتكم لها إشارة إلى أن جانب الإحسان أغلب وأنه إذا
стр. 1857
فعل. ينبغي تكراره بخلاف ضده فتأمل. قوله: (بعثناهم ليسؤوا (إشارة إلى أنه متعلق بجواب إذا المحذوف لدلالة ما قبله عليه كما صرّج به في قوله: فحذف الخ، وقوله: بادية آثار المساءة فيها بنصب بادية منونا ورفع آثار به يعني أنه عدى المساءة إلى الوجوه وإن كانت عليهم لأنّ آثار الأعراض النفسانية إنما تظهر في الوجه كنضارة الوجه واشراقه بالفرج وكلوحه وسواده بالخوف والحزن، فالوجه عبارة عن الذات لظهور الآثار فيه فهو مجاز مرسل وقيل إنه استعارة تبعية، وقيل: الوجوه بمعنى الرؤساء وهو تكلف واختير هذا على ليسوؤكم مع أنه أخصر وأظهر إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن المدلول عليه بقوله وليتبروا، وقوله: للوعد أي بمجيء وقت العقوبة أو للبعث المدلول عليه بما مرّ والإسناد مجازي بخلافه في الوجه الأخير، وقوله: بالنون أي في أوّل المضارع وهذه القراءة مناسبة لقوله: بعثنا وما معه والضمير في القراءة المشهورة للعباد والقراآت على ما في شرح الشاطبية محصلها أن الحرميين وأبا عمرو وحفصا قرؤوا بالياء وضم الهمزة وواو ممدودة، وابن عامر وشعبة وحمزة بالياء وفتحها والكسائي بالنون والفتح أما على قراءة النون فاللام لام الأمر دخلت على المتكلم كما في قوله: (ولنحمل خطاياكم (وجواب إذا هو الجملة الإنشائية على تقدير الفاء وكذا إذا كان بالياء، وقيل: اللام على هذه القراءة يجوز أن تكون لام الأمر، وقوله: على الأوجه الأربعة أي النون والياء في أوّله مع التثقيل والتخفيف، وقوله على أنه جواب إذا أي والفاء محذوفة لأن الجمل الإنشائية لا تقع جواباً بدونها والضمير للعباد على حذ عندي درهم ونصفه والمراد به في الأخيرة أنه في معنى الجواب لأنّ اللام المفتوحة قسمية وجواب القسم
ساذ مسذ جواب إذا وهذا يحتمل عوده إلى الأخير وإلى ما قبله من قوله: وقرىء لنسوأن بالنون، فتأمّل. قوله: (متعلق بمحذوف هو بعثناهم (هذا على الوجه الأخير كما أنه كذلك إذا كانت اللام لام الأمر لكنه حينئذ يحتمل أن تكون هذه اللام لام أمر أيضا وهذه الجملة معطوفة على جملة قبلها ومن جعل الأولى لام كي وهذه مثلها فالجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور وهو متعلق ببعثناهم المحذوف أيضا فعبارة المصنف ﵀ يمكن أن تشملهما أو متعلقه مقدر وهو من عطف جملة على أخرى وكما دخلوه نعت لمصدر محذوف أو حال أي دخولاً كما دخلوه أو كائنين كما دخلوه، وأوّل منصوب على الظرفية الزمانية والتتبير الهلاك كما فسره المصنف ﵀ به. قوله: (ما غلبوه واستولوا عليه (يعني أن ما موصولة والعائد محذوف وهو إما مفعول أو مجرور أو مصدرية ظرفية أي ليهلكوهم ما داموا غالبين عليهم قاهرين لهم وأسماء الملوك المذكورة غير مضبوطة عندنا واهدأ وهدأ مهموز الآخر بمعنى سكن، وقوله: نوبة بالنون والباء الموحدة بمعنى مرة. قوله: (عدنا موّة ثالثة (قال الراغب: العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إفا انصرافا بالذات أو بالقول أو العزيمة فقوله: مرّة ثالثة إن تعلق بالعقوبة على أنّ المعنى عاقبناكم عقوبة ثالثة فلا خفاء فيه لتقدم العقوبة بتسليط أعدائهم عليهم مرتين، وإن تعلق بالعود فمعناه عودة ثالثة، والعود إنما يكون بعد الترك المسبوق بالفعل فالمرّة الأولى لا عود فيها بل في الثانية فتكون هذه عودة ثانية لا ثالثة، ولذا أورد عليه أن العود مرّتين والأوّل بدء لا عود ويدفع بأن العود قد يطلق على الفعل، وإن لم يسبق مثله كما ذكر في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٨، وأما القول بأن أوّل المرات كونهم تحت أيدي القبط فتكلف ظاهر، وأما الكلام في أن عبارة الكشاف مثل هذه أو لا فمن الفضول هنا ومن دفعه بأن المراد بالعود الرجوع فقد وقع فيما فز منه. قوله: (هذا لهبم في الدنيا (هذا توطئة لما بعده وبيان لأن ما ذكر جامع لعذابهم في الدنيا والآخرة وقوله: محبسا أي مكانا للحبس المعروف فإن كان اسما للمكان فهو جامد لا يلزم تذكيره وتأنيثه وإن كان بمعنى حاصراً أي محيطا بهم وفعيل بمعنى
فاعل يلزم مطابقته، فإقا لأنه على النسب كلابن وتامر أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول أو لأنّ تأنيث جهنم غير حقيقي أو لتأويلها بمذكر، وقوله: أبد الآباد بالمد جمع أبد وليس مولداً كما قيل ومعنى أبد الآباد دائماً. قال في الأساس: يقال لا أفعله أبد الآباد
стр. 1858
وأبد الأبيد وأبد الآبدين، وقوله بساطا كما يبسط الحصير كقوله لهم: من جهنم مهاد فهو تشبيه بليغ والحصير بهذا المعنى بمعنى محصور لحصر بعض طاقاته على بعض كما قاله الراغب. قوله: اللحالة أو الطريقة (يعني أنه صفة لموصوف حذف اختصارأ لتذهب النفس كل مذهب فلذا كان أبلغ من ذكره كما في الكشاف وتعدية هدى بنفسه وباللام وإلى تقدمت ولم يذكر تقديره بالملة كما في الكشاف والقراءة بالتخفيف ضد التشديد لأنه يقال: بشرته وبشرته وأبشرته كما مرّ. قوله: (عطف على أنّ لهم أجرا الخ (يعني أنه إما معطوف على أن الأول فهو مبشر به أيضا لأنّ مصيبة العدوّ سرور، أو البشارة مجاز مرسل بمعنى مطلق الأخبار الشامل لهما فلا يلزم الجمع بين معنيي المشترك أو الحقيقة والمجاز حتى يقال إنه من عموم المجاز وإن كان راجعا لهذا، أو أنه مفعول يخبر مقدر فهو من عطف الجملة على الجملة، وأخره لأن التقدير خلاف الظاهر. قوله: (ويدعو الله (أي يدعو الإنسان الله عند غضبه بالشر فالباء فيهما صلة الدعاء، ووقوع ذلك عند الغضب على نفسه أو غيره كما سيأتي مشاهد يعني أنّ الإنسان إذا ضجر دعا بالشر وألح فيه كما يدعو بالخير ويلح فيه، وقيل: الباء بمعنى في يعني أنه يدعو في حالة الشر والضر كما كان يدعو في الخير فالمدعو به ليس الشر والخير، وقيل إنها للسببية وتركهما المصنف ﵀ لمخالفتها الظاهر وقوله: أو يدعوه بما يحسبه خيراً وهو شر فلا يدعو في الدعاء به بناء على زعمه وظنه سواء كان خيريته وشريته لنفسه أو لغيره وهذا غير مقيد مجال الغضب وهو ظاهر، وقوله: مثل دعائه الخ يعني أنه مصدر تشبيهي وأصله دعاء كدعائه فحذف الموصوف وحرف التشبيه فانتصب وليس المراد أن فيه مضافا مقدراً أي مثل، وقيل المراد آدم ﵊ يعني أن المراد على الأول جنس الإنسان وقيل إن المراد من الإنسان الثاني آدم ﵊ ووجه ارتباطه بما قبله إفادته أن عجلته بالدعاء لضجره أو لعدم تأمله من شأنه وأنه موروث له من أصله:
شنشنة أعرفها من أخزم
فهو اعتراض تذييلي وكلام تعليلي، ولينهض بمعنى ليقوم كما روي أنه لما وصلت الروج
لعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهاها فوثب عجلا إليها فسقط فأول بلاء وقع على الإنسان من بطنه، وهذا روأه القرطبي فالعهدة فيه عليه. قوله: (روي أثه عليه اللام الخ (سودة أئم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وزمعة بفتح الزإي المعجمة وفتح الميم والعين المهملة أبوها وهي في الأصل زوائد خلف الأرساغ وبها سمي، وكتافه بكسر الكاف والتاء المثناة الفوقية والفاء اسم حبل تشد به اليدان وفي نسخة أكتافه جمع كتف، وقوله: فدعا عليها بقطع اليد أي قال: اللهمّ اقطع يديها لكونها حلت يده، ورواه الزمخشري أيضا قريبا من هذا لكن قال ابن حجر أنه: لم يوجد كذا في كتب الحديث والذي رواه الواقدي في المغازي عن ذكوان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبيّ ﷺ دخل لها بأسير، وقال لها: احتفظي به قالت فهرب مع امرأة فخرج ولم تشعر فدخل فسأل عنه فقلت والله لا أدري فقال: قطع الله يدك وذكر نحواً من هذا، وقوله: فاجعل دعائي رحمة يعني أنه جمر رجا من الله أن يجعل الدعاء على أحد من أفته عند الغضب لله رحمة له بأن لا يؤثر فيه دعاؤه، وهذا من شفقته كصز بأفته ورأفته بهم، وقوله فاجعل دعائي الخ هذا وقع في مسلم في معاوية لما دعاه فقيل إنه يأكل. قوله: (وبجوز أن يريد بالإنسان الكافر الخ (يعني المراد بالدعاء على هذا ما هو على صورته لقصد الاستعجال فهو مجاز محتمل للحقيقة، والنضر معروف من كفار قريش، وقوله: خير الحزبين يعني حزبي المسلمين والمشركين، وقوله: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك (الآية وتمامها فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنصر الله حزب رسول الله لأنهم خير محض وابتلى هو بالعذاب فقتل، وقوله: صبراً أيمما مصبوراً محبوسا يقال صبرته أي حبسته ويقال قتل صبراً إذا أمسك وحب حتى يقتل بخلاف من قتل في حرب أو على غفلة منه وصبرا منصوب على المصدرية أي قتلا صبراً ورجح الإمام هذا الوجه فقال إنه تعالى لما شرح ماض به نبيه ﷺ الإسراء وايتاء موسى ﵊ التوراة وما فعله بالعصاة
المتمردين من تسليط البلاء عليهم
стр. 1859
كان ذلك تنبيهاً على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب كل بلية وغرامة لا جرم قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٩] ثم عطف عليه ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢، الخ بجامع دليلي العقل والسمع أو نعمتي الدين والدنيا، وأما اتصال قوله: ويلأع الإنسان بالشر الخ فهو أنه تعالى لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القصوى في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذا النعمة العظمى قائلا اللهمّ إن كان هذا هو الحق الخ فظهر أنّ هذا الوجه كما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو المذهب. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال المعرب: الجعل بمعنى التصيير متعد لاثنين، أو بمعنى الخلق متعد لواحد وآيتين حال مقدرة واستشكل الأوّل بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا عنها إلى أخرى وليس كذلك ويدفع بأنه من باب ضيق فم الركية وهو مجاز معروف، وقوله: تدلان على القادر الحكيم الدلالة من نفس الآية لأنها العلامة الدالة على شيء وهما دليلان بتغيرهما على وجود فاعل مختار قادر لما في ذلك من القدرة الباهرة، حكيم لما فيه من الحكمة الظاهرة ويستلزم هذا وحدته أيضا. قوله: (بتعافبهما على نسق واحد (فالتعاقب دليل القدرة والنسق الواحد دليلى الحكمة فلذا قيده بقوله: بامكان غيره، والضمير للتعاقب أو للنسق والباء فيه للمصاحبة وفي قوله: بتعاقبهما للسببية فلا محذور في تعلقهما بالدلالة مع اختلاف معناهما، ومن أرجع ضمير غيره للقادر الحكيم وإن استبعد جعل باءه للسببية أيضاً كأنه أبدله من الظرف الأوّل لأن تعاقبهما يشتمل على الحدوث والإمكان المقتضي للاستناد إلى واجب الوجود فلا محذور فيه فافهم، ولبعض الناس هنا خبط تركناه خوت الملل. قوله: (أي الآية التي هي الليل بالإشراق (الجاز والمجرور متعلق بمحونا فمحوه إزالة ظلمته بالضوء، وعدل عما في الكشاف وغيره من تفسيره بجعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلماً لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحوّ فقيل في وجهه أن المحو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الكشات ذلك فلا وجه للعدول عن الحقيقة بلا ضرورة ثمّ تعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً وعلى ما ذكر المصنف ﵀ قد لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده وقيل عليه أن الظلمة هي الأصل والنور طارىء فيكون الليل مخلوقاً مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أنه تعالى خلق الزمان ليلاً مظلما ثم جعل بعضه نهاراً بإحداث الإشراق لفائدة ذكرها وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إطلاقه وجعل بعضه مضيئا ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأن المقام لا يلائمه فإن السياق لتفصيل الآيتين وعلى هذا المصرج به إحداهما فتاقل، وقوله: والإضافة فيها للتبيين أي على هذا الإضافة بيانية على تقدير من لصحة الحمل فيها بخلافها على الوجه الآتي وإضافة العدد كأربع نسوة مثلا وهي بيانية
أيضا. قوله: (مضيئة) فهو مجاز بعلاقة السببية أو هو من الإسناد المجازي كقولك: نهاره صائم أي مبصر من هو فيه أو هو للنسب أي ذات أبصار، وقوله أو مبصرة للناس يعني أنه من أبصره المتعذي من بصر فأبصره غيره أي جعله مبصمراً ناظراً والإسناد إلى النهار مجازي من الإسناد إلى سببه العادي والفاعل الحقيقي هو الله، وقوله: أو مبصراً أهله برفعه وهو مروي عن أبي عبيدة من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعف الرجل إذا ضعفت ماشيته وأجبن من الجبن ضد الشجاعة إذا كان قومه جبناء بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وبالنون والمد جمع جبان، فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء وهو معنى وضعي لا مجازي. قوله: (وقيل الآيتان القمر والشمس (فالإضافة لامية ويحتاج حينئذ في قوله: وجعلنا الليل والنهار إلى تقدير مضاف في الأوّل أو الثاني كما ذكره المصنف ﵀ إن جعلناه متعديا إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأوّل وآيتين الثاني فإن عكس كما في البحر وجعل الليل والنهار منه وبين على الظرفية في موضمع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا كان متعذيا لواحد بمعنى خلقنا والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوّزه المعربون. قوله: (ومحو آية الليل التي هي القمر الخ (فمعنى محوها
стр. 1860
خلقها كمدة غير مشرقة بالذات لأن ضوءها مكتسب من الشمس على ما ذكره أهل الهيئة فالمحو ليس بمعنى إزالة ما ثبت بل خلقها كذلك كما مر عن الزمخشري، وعلى الثاني هو على ظاهره لأنه تنقيص نورها المكتسب شيئا فشيئا حتى يزول في آخر الشهر والنقص المذكور بحسب الرؤية والإحساس واذ ما قابل الشمس مضيء دائماً، وقوله: إلى المحاق أي إلى أن ينمحق ضوءه ويذهب لقيبته في آخر الشهر والمحاق يطلق على ثلاث ليال من آخره ات لك، وقوله: تبصر الأشياء بضوئها إشارة إلى أنّ فيه إسناداً مجازيا إلى السبب العادي أو تجوّزاً بعلاقة السبب كما مر. قوله: (لتطلبوا في بياض الئهار (يعني أن معنى الابتغاء الطلب وقوله: لتبتغوا متعلق بقوله: وجعلنا آية النهار مبصرة، وفيه مقدر أي لتبتغوا فيه ليرتبط معنى به، وقوله: بياض النهار فيه تسمح استعملته العرب أي في النهار الأبيض ووصفه باللون تجوز أيضاً، والمعاش مصدر ميميئ وضمير به لبياض النهار واستبانة الأعمال ظهور ما يفعل فيه، وقوله: باختلافهما أي تعاقبهما على نسق راجع إلى المعنى الأوّل وهو أن الآيتين نفس الليل والنهار، وقوله: أو بحركاتهما راجع إلى الثاني وهو أنهما النيران، قيل: والظاهر المناسب أن يقال: المراد لتعلموا بالليل فإن
عدد السنين الشرعية والحساب الشرعي يعلم به غالباً أو بالقمر لقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، الاية: ١٨٩] أو المراد باختلافهما اختلافهما مع ما فيهما من النيرين كما قيل وهذا مع كونه خلطا لأحد القولين بالآخر مما لا حاجة إليه فإن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل فلو قيل أن هذه مبينة لأحدهما وتلك للآخر لا محذور فيه وكون الشرع معوّلاً على أحدهما لا يضرنا. قوله: (وجنس الحساب) أي الحساب الجاري في المعاملات كالإجارات والبيوع المؤجلة وغير ذلك، وقيل: المراد به الحساب للشهور والأيام والساعات، وقوله تفتقرون تخصيص له ليخرج ما استأثر الله به ونحوه، وفي نصب كل وجهان: أحدهما أنه منصوب عيى الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية وكذا وكل إنسان ألزمناه، والثاني أنه معطوف على الحساب وجملة فصلناه صفة شيء وهو بعيد معنى. قوله: (بيناه بيانا غير ملتبس) بيان لمعتى التفصيل لأنه من الفصل بمعهنى القطع فهو يقتضي الإبانة التافة فتأكيده بالمضدر يفيد ما ذكره وليس هذا إشارة إلى أنه مصدر نوعي كما توهم. قوله: (عمله وما قدّر له كأنه طير إليه من فش الغيب ووكر القدر) إشارة إلى ما ذكره الزمخشري في سورة النمل من أنهم كانوا يتفاءلون بالطير ويسمونه زجرا فإذا سافروا ومرّ بهم طير زجروه فإن مرّ بهم سانحا تيمنوا وان مرّ بارحا تشاءموا ولذا سمي تطيرا، والسانح والبارج مفصل في كتب اللغة والأدب فلما نسبوا الخير والشز إلى الطائر استعير استعارة تصريحية لما يشبههما من قدر الله وعمل العبد لأنه سبب للخير والشرّ ومنه طائراً لله لا طائرك أي قدر الله الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن، وفي كلامه ما يشعر بأن فيه استعارة تصريحية كالمكنية التي يلزمها التخييلية بتشبيه الغيب والقضاء والقدر بوكر وعش وهو مقر الطائر الذي يختفي فيه ولا يخفى ما فيه من اللطف. قوله: (لما كانوا يتيمنون الخ) قد مرّ تقريره بما يغني عن الإعادة، والسنوح المرور من جهة اليسار إلى اليمين والبروح عكسه ومنه السانح والبارح، وللعرب فيه مذهبان أشهرهما هذا، والثاني عكسه وقلت في الأمثال السسماة بالسانح والبارج:
كم سانح وبارح من الغير لغافل يطيرمن وكرالقدر ...
وقوله: من قدر الله تعالى، وعمل العبد بيان لما الموصولة فإن كان قدر الله بمعنى مقدره
فلا إشكال فيه بأنه مخالف لتفسيره الطائر بما قدره الله، وان أبقى على ظاهره فهو بيان لما يستعار للعمل لأنه سبب الخير والشر كما يستعار للقدر لأنه السبب الأصلي أو سبب السبب وهو سبب واما استعارته للاعتقاد الفاسد في قوله: طائركم معكهم فهو راجع إلى العمل وملحق به إذ هو عمل قلبي وان تبادر من العمل- عمل الجوإرح وكون من تعليلية يأباه عطف العمل عليه إذ الظاهر أنه في كلامه أولاً وآخراً بمعنى واحد فتأويله يكسب العبد هنا خلاف الظاهر. قوله:
(لزوم الطوق في عتقه) الظاهر أن يقول: كما في الكشاف القلادة أو الغل
следующие страницы →