Полный текст (3 156 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
توسطوها، وترددوا بينها ويقاربها حاسوا وداسوا وقيل: الحوس طلب الشيء بالاستقصاء، وقوله: وقرئ بالحاء المهملة هي قراءة طلحة وأبو السماك وقرئ أيضا تحوسوا بزنة تكسروا وهما شاذان، وقوله: وهما أخوان أي متقاربان لفظا ومعنى.
قوله: (وسطها (يعني أن خلال اسم مفرد بمعنى وسط ولذا قرىء خلل الديار، وقيل إنه
جمع خلل أي وسط كجبال في جبل، وقوله: للقتل والغارة بالغين المعجمة بمعنى النهب هذا يقتضي أن قوله: لطبكم من معنى الحوس كما مر تفسيره به وان احتمل خلافه، وحرقوا بالقاف من الحريق، وخزبوا بالخاء المعجمة من التخريب. قوله: (والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر الخ (بناء على مسألة القبح العقلي فلا يسند مثله إلى الله فجعلوه مجازاً عن عدم المنع ولا قبح فيه وتارة قالوا: لا قبح في نفس البعث وإنما القبح في التخريب والتحريق المسند إليهم وتفصيله في الكشاف وشروحه. قوله: (وكان وعد عقابهم لا بدّ أن يفعل (يعني اسم كان
ضمير الوعد السابق ومعنى مفعولاً متحتم إلفعل والألم يفد الحمل وقيل الضمير للجوس، وقيل إنه حمله على كونه مفعولاً قبل وقت الوعد فاحتاج إلى التأويل ولك أن تحمله على أنه كان قبل وقت النزول فلا حاجة إليه فتأمل. قوله: (أي الدولة والغلبة) أصل معنى الكز العطف، والرجوع ومنه الكز والفرّ في الحرب وغيره، قال امرؤ القيس:
مكز مفرّ مقبل مدبر معا
ولذا سمي الفتل به والحبل المفتول أيضاً والكزة مصدره ثم أطلقت على الدولة والغلبة مجازاً شائعاً كما يقال: تراجع الأمر، ولام لكم للتعدية، وقيل إنها للتعليل وعليهم متعلق بالكزة لما فيها من معنى الغلبة أو هو حال منها وجوّز تعلقه برددنا وشفقة مفعول ألقى، والأسرى جمع أسير وردهم إلى الشام من أرض بابل بعد قتل بختنصر ونقل باقيهم إليها، وقوله: من اتباع بختنصر جعل جار الله قتل بختنصر من آثار هذه الكرّة وهذا ناظر إلى أن المبعوث قتل بختنصر وما بعده ناظر إلى أنه جالوت، وفي اللباب أن معرفة هؤلاء الأقوام بأعيانهم لا يتعلق بها كبير غرض إذ المقصود أنهم لما كثرت معاصيهم سلط الله عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى. قوله: (أو بأن سلط داود ﵊ على جالوت ققتله (قيل إنه يرذه قوله: وليدخلوا المسجد الخ فإن المسجد الأقصى هو المراد به أوّل من بناه داود ثم أكمله سليمان ﵊ فلم يكن قبل داود مسجد حتى يدخلوه أوّل مرّة إلا أن يرتكب المجاز فيه، ودفع بأن حقيقة المسجد الأرض لا البناء أو بحمل قوله دخلوه على الاستخدام ولا يخفى أن المعترض أشار إلى ما ذكره هذا القائك مع ما فيه من التلطف، والأولى ما أشار إليه العلامة في شرح الكشاف من أن المبعوثين في المرة الآخرة لا يتعين كونهم المبعوثين أوّلاً فتدبر. قوله: (مما كنتم (بيان للمفضل عليه المقدر وقيل تقديره من أعدائكم، وقوله: من ينفر أي يذهب معه من قومه وصحح السهيلي أنه اسم جمع لغلبته في المفردات وعدم اطراد مفرده. قوله: الأنّ ثوابه (أيمما الإحسان لها أي للأنفس يعني أن اللام هنا للنفع كقوله: لها ما كسبت واللام في التفسير لتعليل كونه نافعاً لها وكذا قوله: فإن وبالها الخ وفي قوله: عليها إشارة إلى أنّ اللام الثانية بمعنى على وعبر بها لمشاكلة ما قبلها والازدواج افتعال من المزاوجة والمراد به المشاكلة لا ما اصطلح عليه أهل البديع، وقيل: اللام بمعنى إلى أي
إساءتها راجعة إليها، وقيل إنه تهكم وقيل إنها بمعنى على كما في قوله:
فخرّ صريعاً لليدين وللفم
وقيل إنها للاستحقاق كما في قوله: لهم عذاب، وفي الكشاف أنها للاختصاص قيل:
وهو مخالف في الآثار من تعدى ضرر الإساءة إلى غير المذنب إلا أن يقال: إنّ ضرر هؤلاء القوم من بني إسرائل لم يتعدهم ولا حاجة لمثله من التكلف لأن الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعذيان وهما المراد هنا، والإحسان والإساءة بمعنى الأنعام وضده وإحسان العمل وما يخالفه قيل والمراد هنا الثاني لا الأعئم الشامل لهما وهو فعل ما يستحسن له أو لغيره والألم يلائمه كلام علي كرّم الله وجهه المنقول في الكشاف والظاهر أن المراد هو الأعمّ إذ هو أنسب وأتم، ولذا قيل إن تكرير الإحسان في النظم دون الإساءة إذ قيل فلها دون فإساءتكم لها إشارة إلى أن جانب الإحسان أغلب وأنه إذا
стр. 1857
فعل. ينبغي تكراره بخلاف ضده فتأمل. قوله: (بعثناهم ليسؤوا (إشارة إلى أنه متعلق بجواب إذا المحذوف لدلالة ما قبله عليه كما صرّج به في قوله: فحذف الخ، وقوله: بادية آثار المساءة فيها بنصب بادية منونا ورفع آثار به يعني أنه عدى المساءة إلى الوجوه وإن كانت عليهم لأنّ آثار الأعراض النفسانية إنما تظهر في الوجه كنضارة الوجه واشراقه بالفرج وكلوحه وسواده بالخوف والحزن، فالوجه عبارة عن الذات لظهور الآثار فيه فهو مجاز مرسل وقيل إنه استعارة تبعية، وقيل: الوجوه بمعنى الرؤساء وهو تكلف واختير هذا على ليسوؤكم مع أنه أخصر وأظهر إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن المدلول عليه بقوله وليتبروا، وقوله: للوعد أي بمجيء وقت العقوبة أو للبعث المدلول عليه بما مرّ والإسناد مجازي بخلافه في الوجه الأخير، وقوله: بالنون أي في أوّل المضارع وهذه القراءة مناسبة لقوله: بعثنا وما معه والضمير في القراءة المشهورة للعباد والقراآت على ما في شرح الشاطبية محصلها أن الحرميين وأبا عمرو وحفصا قرؤوا بالياء وضم الهمزة وواو ممدودة، وابن عامر وشعبة وحمزة بالياء وفتحها والكسائي بالنون والفتح أما على قراءة النون فاللام لام الأمر دخلت على المتكلم كما في قوله: (ولنحمل خطاياكم (وجواب إذا هو الجملة الإنشائية على تقدير الفاء وكذا إذا كان بالياء، وقيل: اللام على هذه القراءة يجوز أن تكون لام الأمر، وقوله: على الأوجه الأربعة أي النون والياء في أوّله مع التثقيل والتخفيف، وقوله على أنه جواب إذا أي والفاء محذوفة لأن الجمل الإنشائية لا تقع جواباً بدونها والضمير للعباد على حذ عندي درهم ونصفه والمراد به في الأخيرة أنه في معنى الجواب لأنّ اللام المفتوحة قسمية وجواب القسم
ساذ مسذ جواب إذا وهذا يحتمل عوده إلى الأخير وإلى ما قبله من قوله: وقرىء لنسوأن بالنون، فتأمّل. قوله: (متعلق بمحذوف هو بعثناهم (هذا على الوجه الأخير كما أنه كذلك إذا كانت اللام لام الأمر لكنه حينئذ يحتمل أن تكون هذه اللام لام أمر أيضا وهذه الجملة معطوفة على جملة قبلها ومن جعل الأولى لام كي وهذه مثلها فالجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور وهو متعلق ببعثناهم المحذوف أيضا فعبارة المصنف ﵀ يمكن أن تشملهما أو متعلقه مقدر وهو من عطف جملة على أخرى وكما دخلوه نعت لمصدر محذوف أو حال أي دخولاً كما دخلوه أو كائنين كما دخلوه، وأوّل منصوب على الظرفية الزمانية والتتبير الهلاك كما فسره المصنف ﵀ به. قوله: (ما غلبوه واستولوا عليه (يعني أن ما موصولة والعائد محذوف وهو إما مفعول أو مجرور أو مصدرية ظرفية أي ليهلكوهم ما داموا غالبين عليهم قاهرين لهم وأسماء الملوك المذكورة غير مضبوطة عندنا واهدأ وهدأ مهموز الآخر بمعنى سكن، وقوله: نوبة بالنون والباء الموحدة بمعنى مرة. قوله: (عدنا موّة ثالثة (قال الراغب: العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إفا انصرافا بالذات أو بالقول أو العزيمة فقوله: مرّة ثالثة إن تعلق بالعقوبة على أنّ المعنى عاقبناكم عقوبة ثالثة فلا خفاء فيه لتقدم العقوبة بتسليط أعدائهم عليهم مرتين، وإن تعلق بالعود فمعناه عودة ثالثة، والعود إنما يكون بعد الترك المسبوق بالفعل فالمرّة الأولى لا عود فيها بل في الثانية فتكون هذه عودة ثانية لا ثالثة، ولذا أورد عليه أن العود مرّتين والأوّل بدء لا عود ويدفع بأن العود قد يطلق على الفعل، وإن لم يسبق مثله كما ذكر في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٨، وأما القول بأن أوّل المرات كونهم تحت أيدي القبط فتكلف ظاهر، وأما الكلام في أن عبارة الكشاف مثل هذه أو لا فمن الفضول هنا ومن دفعه بأن المراد بالعود الرجوع فقد وقع فيما فز منه. قوله: (هذا لهبم في الدنيا (هذا توطئة لما بعده وبيان لأن ما ذكر جامع لعذابهم في الدنيا والآخرة وقوله: محبسا أي مكانا للحبس المعروف فإن كان اسما للمكان فهو جامد لا يلزم تذكيره وتأنيثه وإن كان بمعنى حاصراً أي محيطا بهم وفعيل بمعنى
فاعل يلزم مطابقته، فإقا لأنه على النسب كلابن وتامر أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول أو لأنّ تأنيث جهنم غير حقيقي أو لتأويلها بمذكر، وقوله: أبد الآباد بالمد جمع أبد وليس مولداً كما قيل ومعنى أبد الآباد دائماً. قال في الأساس: يقال لا أفعله أبد الآباد
стр. 1858
وأبد الأبيد وأبد الآبدين، وقوله بساطا كما يبسط الحصير كقوله لهم: من جهنم مهاد فهو تشبيه بليغ والحصير بهذا المعنى بمعنى محصور لحصر بعض طاقاته على بعض كما قاله الراغب. قوله: اللحالة أو الطريقة (يعني أنه صفة لموصوف حذف اختصارأ لتذهب النفس كل مذهب فلذا كان أبلغ من ذكره كما في الكشاف وتعدية هدى بنفسه وباللام وإلى تقدمت ولم يذكر تقديره بالملة كما في الكشاف والقراءة بالتخفيف ضد التشديد لأنه يقال: بشرته وبشرته وأبشرته كما مرّ. قوله: (عطف على أنّ لهم أجرا الخ (يعني أنه إما معطوف على أن الأول فهو مبشر به أيضا لأنّ مصيبة العدوّ سرور، أو البشارة مجاز مرسل بمعنى مطلق الأخبار الشامل لهما فلا يلزم الجمع بين معنيي المشترك أو الحقيقة والمجاز حتى يقال إنه من عموم المجاز وإن كان راجعا لهذا، أو أنه مفعول يخبر مقدر فهو من عطف الجملة على الجملة، وأخره لأن التقدير خلاف الظاهر. قوله: (ويدعو الله (أي يدعو الإنسان الله عند غضبه بالشر فالباء فيهما صلة الدعاء، ووقوع ذلك عند الغضب على نفسه أو غيره كما سيأتي مشاهد يعني أنّ الإنسان إذا ضجر دعا بالشر وألح فيه كما يدعو بالخير ويلح فيه، وقيل: الباء بمعنى في يعني أنه يدعو في حالة الشر والضر كما كان يدعو في الخير فالمدعو به ليس الشر والخير، وقيل إنها للسببية وتركهما المصنف ﵀ لمخالفتها الظاهر وقوله: أو يدعوه بما يحسبه خيراً وهو شر فلا يدعو في الدعاء به بناء على زعمه وظنه سواء كان خيريته وشريته لنفسه أو لغيره وهذا غير مقيد مجال الغضب وهو ظاهر، وقوله: مثل دعائه الخ يعني أنه مصدر تشبيهي وأصله دعاء كدعائه فحذف الموصوف وحرف التشبيه فانتصب وليس المراد أن فيه مضافا مقدراً أي مثل، وقيل المراد آدم ﵊ يعني أن المراد على الأول جنس الإنسان وقيل إن المراد من الإنسان الثاني آدم ﵊ ووجه ارتباطه بما قبله إفادته أن عجلته بالدعاء لضجره أو لعدم تأمله من شأنه وأنه موروث له من أصله:
شنشنة أعرفها من أخزم
فهو اعتراض تذييلي وكلام تعليلي، ولينهض بمعنى ليقوم كما روي أنه لما وصلت الروج
لعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهاها فوثب عجلا إليها فسقط فأول بلاء وقع على الإنسان من بطنه، وهذا روأه القرطبي فالعهدة فيه عليه. قوله: (روي أثه عليه اللام الخ (سودة أئم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وزمعة بفتح الزإي المعجمة وفتح الميم والعين المهملة أبوها وهي في الأصل زوائد خلف الأرساغ وبها سمي، وكتافه بكسر الكاف والتاء المثناة الفوقية والفاء اسم حبل تشد به اليدان وفي نسخة أكتافه جمع كتف، وقوله: فدعا عليها بقطع اليد أي قال: اللهمّ اقطع يديها لكونها حلت يده، ورواه الزمخشري أيضا قريبا من هذا لكن قال ابن حجر أنه: لم يوجد كذا في كتب الحديث والذي رواه الواقدي في المغازي عن ذكوان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبيّ ﷺ دخل لها بأسير، وقال لها: احتفظي به قالت فهرب مع امرأة فخرج ولم تشعر فدخل فسأل عنه فقلت والله لا أدري فقال: قطع الله يدك وذكر نحواً من هذا، وقوله: فاجعل دعائي رحمة يعني أنه جمر رجا من الله أن يجعل الدعاء على أحد من أفته عند الغضب لله رحمة له بأن لا يؤثر فيه دعاؤه، وهذا من شفقته كصز بأفته ورأفته بهم، وقوله فاجعل دعائي الخ هذا وقع في مسلم في معاوية لما دعاه فقيل إنه يأكل. قوله: (وبجوز أن يريد بالإنسان الكافر الخ (يعني المراد بالدعاء على هذا ما هو على صورته لقصد الاستعجال فهو مجاز محتمل للحقيقة، والنضر معروف من كفار قريش، وقوله: خير الحزبين يعني حزبي المسلمين والمشركين، وقوله: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك (الآية وتمامها فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنصر الله حزب رسول الله لأنهم خير محض وابتلى هو بالعذاب فقتل، وقوله: صبراً أيمما مصبوراً محبوسا يقال صبرته أي حبسته ويقال قتل صبراً إذا أمسك وحب حتى يقتل بخلاف من قتل في حرب أو على غفلة منه وصبرا منصوب على المصدرية أي قتلا صبراً ورجح الإمام هذا الوجه فقال إنه تعالى لما شرح ماض به نبيه ﷺ الإسراء وايتاء موسى ﵊ التوراة وما فعله بالعصاة
المتمردين من تسليط البلاء عليهم
стр. 1859
كان ذلك تنبيهاً على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب كل بلية وغرامة لا جرم قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٩] ثم عطف عليه ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢، الخ بجامع دليلي العقل والسمع أو نعمتي الدين والدنيا، وأما اتصال قوله: ويلأع الإنسان بالشر الخ فهو أنه تعالى لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القصوى في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذا النعمة العظمى قائلا اللهمّ إن كان هذا هو الحق الخ فظهر أنّ هذا الوجه كما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو المذهب. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال المعرب: الجعل بمعنى التصيير متعد لاثنين، أو بمعنى الخلق متعد لواحد وآيتين حال مقدرة واستشكل الأوّل بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا عنها إلى أخرى وليس كذلك ويدفع بأنه من باب ضيق فم الركية وهو مجاز معروف، وقوله: تدلان على القادر الحكيم الدلالة من نفس الآية لأنها العلامة الدالة على شيء وهما دليلان بتغيرهما على وجود فاعل مختار قادر لما في ذلك من القدرة الباهرة، حكيم لما فيه من الحكمة الظاهرة ويستلزم هذا وحدته أيضا. قوله: (بتعافبهما على نسق واحد (فالتعاقب دليل القدرة والنسق الواحد دليلى الحكمة فلذا قيده بقوله: بامكان غيره، والضمير للتعاقب أو للنسق والباء فيه للمصاحبة وفي قوله: بتعاقبهما للسببية فلا محذور في تعلقهما بالدلالة مع اختلاف معناهما، ومن أرجع ضمير غيره للقادر الحكيم وإن استبعد جعل باءه للسببية أيضاً كأنه أبدله من الظرف الأوّل لأن تعاقبهما يشتمل على الحدوث والإمكان المقتضي للاستناد إلى واجب الوجود فلا محذور فيه فافهم، ولبعض الناس هنا خبط تركناه خوت الملل. قوله: (أي الآية التي هي الليل بالإشراق (الجاز والمجرور متعلق بمحونا فمحوه إزالة ظلمته بالضوء، وعدل عما في الكشاف وغيره من تفسيره بجعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلماً لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحوّ فقيل في وجهه أن المحو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الكشات ذلك فلا وجه للعدول عن الحقيقة بلا ضرورة ثمّ تعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً وعلى ما ذكر المصنف ﵀ قد لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده وقيل عليه أن الظلمة هي الأصل والنور طارىء فيكون الليل مخلوقاً مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أنه تعالى خلق الزمان ليلاً مظلما ثم جعل بعضه نهاراً بإحداث الإشراق لفائدة ذكرها وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إطلاقه وجعل بعضه مضيئا ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأن المقام لا يلائمه فإن السياق لتفصيل الآيتين وعلى هذا المصرج به إحداهما فتاقل، وقوله: والإضافة فيها للتبيين أي على هذا الإضافة بيانية على تقدير من لصحة الحمل فيها بخلافها على الوجه الآتي وإضافة العدد كأربع نسوة مثلا وهي بيانية
أيضا. قوله: (مضيئة) فهو مجاز بعلاقة السببية أو هو من الإسناد المجازي كقولك: نهاره صائم أي مبصر من هو فيه أو هو للنسب أي ذات أبصار، وقوله أو مبصرة للناس يعني أنه من أبصره المتعذي من بصر فأبصره غيره أي جعله مبصمراً ناظراً والإسناد إلى النهار مجازي من الإسناد إلى سببه العادي والفاعل الحقيقي هو الله، وقوله: أو مبصراً أهله برفعه وهو مروي عن أبي عبيدة من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعف الرجل إذا ضعفت ماشيته وأجبن من الجبن ضد الشجاعة إذا كان قومه جبناء بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وبالنون والمد جمع جبان، فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء وهو معنى وضعي لا مجازي. قوله: (وقيل الآيتان القمر والشمس (فالإضافة لامية ويحتاج حينئذ في قوله: وجعلنا الليل والنهار إلى تقدير مضاف في الأوّل أو الثاني كما ذكره المصنف ﵀ إن جعلناه متعديا إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأوّل وآيتين الثاني فإن عكس كما في البحر وجعل الليل والنهار منه وبين على الظرفية في موضمع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا كان متعذيا لواحد بمعنى خلقنا والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوّزه المعربون. قوله: (ومحو آية الليل التي هي القمر الخ (فمعنى محوها
стр. 1860
خلقها كمدة غير مشرقة بالذات لأن ضوءها مكتسب من الشمس على ما ذكره أهل الهيئة فالمحو ليس بمعنى إزالة ما ثبت بل خلقها كذلك كما مر عن الزمخشري، وعلى الثاني هو على ظاهره لأنه تنقيص نورها المكتسب شيئا فشيئا حتى يزول في آخر الشهر والنقص المذكور بحسب الرؤية والإحساس واذ ما قابل الشمس مضيء دائماً، وقوله: إلى المحاق أي إلى أن ينمحق ضوءه ويذهب لقيبته في آخر الشهر والمحاق يطلق على ثلاث ليال من آخره ات لك، وقوله: تبصر الأشياء بضوئها إشارة إلى أنّ فيه إسناداً مجازيا إلى السبب العادي أو تجوّزاً بعلاقة السبب كما مر. قوله: (لتطلبوا في بياض الئهار (يعني أن معنى الابتغاء الطلب وقوله: لتبتغوا متعلق بقوله: وجعلنا آية النهار مبصرة، وفيه مقدر أي لتبتغوا فيه ليرتبط معنى به، وقوله: بياض النهار فيه تسمح استعملته العرب أي في النهار الأبيض ووصفه باللون تجوز أيضاً، والمعاش مصدر ميميئ وضمير به لبياض النهار واستبانة الأعمال ظهور ما يفعل فيه، وقوله: باختلافهما أي تعاقبهما على نسق راجع إلى المعنى الأوّل وهو أن الآيتين نفس الليل والنهار، وقوله: أو بحركاتهما راجع إلى الثاني وهو أنهما النيران، قيل: والظاهر المناسب أن يقال: المراد لتعلموا بالليل فإن
عدد السنين الشرعية والحساب الشرعي يعلم به غالباً أو بالقمر لقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، الاية: ١٨٩] أو المراد باختلافهما اختلافهما مع ما فيهما من النيرين كما قيل وهذا مع كونه خلطا لأحد القولين بالآخر مما لا حاجة إليه فإن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل فلو قيل أن هذه مبينة لأحدهما وتلك للآخر لا محذور فيه وكون الشرع معوّلاً على أحدهما لا يضرنا. قوله: (وجنس الحساب) أي الحساب الجاري في المعاملات كالإجارات والبيوع المؤجلة وغير ذلك، وقيل: المراد به الحساب للشهور والأيام والساعات، وقوله تفتقرون تخصيص له ليخرج ما استأثر الله به ونحوه، وفي نصب كل وجهان: أحدهما أنه منصوب عيى الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية وكذا وكل إنسان ألزمناه، والثاني أنه معطوف على الحساب وجملة فصلناه صفة شيء وهو بعيد معنى. قوله: (بيناه بيانا غير ملتبس) بيان لمعتى التفصيل لأنه من الفصل بمعهنى القطع فهو يقتضي الإبانة التافة فتأكيده بالمضدر يفيد ما ذكره وليس هذا إشارة إلى أنه مصدر نوعي كما توهم. قوله: (عمله وما قدّر له كأنه طير إليه من فش الغيب ووكر القدر) إشارة إلى ما ذكره الزمخشري في سورة النمل من أنهم كانوا يتفاءلون بالطير ويسمونه زجرا فإذا سافروا ومرّ بهم طير زجروه فإن مرّ بهم سانحا تيمنوا وان مرّ بارحا تشاءموا ولذا سمي تطيرا، والسانح والبارج مفصل في كتب اللغة والأدب فلما نسبوا الخير والشز إلى الطائر استعير استعارة تصريحية لما يشبههما من قدر الله وعمل العبد لأنه سبب للخير والشرّ ومنه طائراً لله لا طائرك أي قدر الله الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن، وفي كلامه ما يشعر بأن فيه استعارة تصريحية كالمكنية التي يلزمها التخييلية بتشبيه الغيب والقضاء والقدر بوكر وعش وهو مقر الطائر الذي يختفي فيه ولا يخفى ما فيه من اللطف. قوله: (لما كانوا يتيمنون الخ) قد مرّ تقريره بما يغني عن الإعادة، والسنوح المرور من جهة اليسار إلى اليمين والبروح عكسه ومنه السانح والبارح، وللعرب فيه مذهبان أشهرهما هذا، والثاني عكسه وقلت في الأمثال السسماة بالسانح والبارج:
كم سانح وبارح من الغير لغافل يطيرمن وكرالقدر ...
وقوله: من قدر الله تعالى، وعمل العبد بيان لما الموصولة فإن كان قدر الله بمعنى مقدره
فلا إشكال فيه بأنه مخالف لتفسيره الطائر بما قدره الله، وان أبقى على ظاهره فهو بيان لما يستعار للعمل لأنه سبب الخير والشر كما يستعار للقدر لأنه السبب الأصلي أو سبب السبب وهو سبب واما استعارته للاعتقاد الفاسد في قوله: طائركم معكهم فهو راجع إلى العمل وملحق به إذ هو عمل قلبي وان تبادر من العمل- عمل الجوإرح وكون من تعليلية يأباه عطف العمل عليه إذ الظاهر أنه في كلامه أولاً وآخراً بمعنى واحد فتأويله يكسب العبد هنا خلاف الظاهر. قوله:
(لزوم الطوق في عتقه) الظاهر أن يقول: كما في الكشاف القلادة أو الغل
стр. 1861
لأنه كما في الكشف إشارة إلى وجه تخصيص العنق لظهور ما عليه من زائن، كالقلادة والطوق أو شائن كالغل ولأنه العضو الذي يبقى مكشوفا وينسب إليه التقدم والشرف ويعبر به عن الجملة وسيد القوم فهو لشبيه للعملى اللازم لصاحبه خيراً أو شراً لا للزوم الذي في ضمن الإلزام بالطوق أو الغل في اللزوم والظهور الشائن أو الزائن فتأمّل.
قوله: (أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله) فكتابه عبارة عن نفسه وصور الأعمال المتمثلة فيها كالكتابة ونشره وقراءته عبارة عن ظهوره له ولغيره وهذا منزع صوفي حكمي بعيد من الظهور قريب من البطون ولذا قيل في بيانه إن ما يصدر عن الإنسان خيراً أو شرّا يحصل منه في الروج أثر مخصوص وهو خفيّ ما دامت متعلقة بالبدن مشتغلة بواردات الحواس والقوى فإذا انقطعت علاقته قامت قيامته لانكشاف الغطاء باتصالها بالعالم العلوي فيظهر في لوح النفس كل ما عمله في عمره وهو معنى الكتابة والقراءة وليس في هذا ما يخالف النقل، وقد حمل عليه ما روي عن قتادة ﵀ من أنه يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئا ولا وجه لعده مؤيداً له، والقيامة على هذا الوجه القيامة الصغرى. قوله: (فإن الأفعال الاختيارية الخ) تعليل وبيان لانتقاس النفس بالآثار أي حصول كيفية لها من عملها وتلك الكيفية قبل رسوخها فيها تسمى حالاً وبعده تسمى ملكة عندهم، وهي قد تحدث عن كثرة العمل وتكرّره فشبه تلك الصور بنقوس الكتابة. قوله: (وهو ضمير الطائر) وفي نسخة هو بدون واو أي المفعول المحذوف هو ضمير عائد إلى طائره تقديره يخرجه له حال كونه كتابا. قوله: (ويعضده قراءة يعقوب) أي يعضد كونه حالاً فإن الأصل توافق القراءتين فإنه قرأه مبنيا للفاعل من خرج يخرج وفاعله ضمير الطائر وغيره وهو أبو جعفر بن القعقاع قرأه مجهولاً ففيه ضمير مستتر هو ضمير الطائر وقد كان مفعولاً، فإن قلت هذه القراءة يحتمل أن يكون له فيها نائب الفاعل فلا تعضده، قلت إقامة غير المفعول مع وجوده مقامه ضعيفه، وليس ثمة ما يكون حالاً منه فتعين ما ذكره كما قاله ابن يعيش في شرح المفصل، وقوله: وغيره بالجرّ معطوف على يعقوب، ويخرج بصيغة المجهول من الأفعال ووقع في نسخة إسقاط لفظ غيره بعطف يخرج مراداً به لفظه على يعقوب على قوله يخرج والنسخة الأولى أشهر وأظهر ولا إشكال فيها، وقوله وقرىء ويخرج أي بالغيبة على الالتفات. قوله: (لكشف الغطاء (هو ظاهر في المعنى الثاني للكتاب والظاهر أنه اختاره
لانطباقه على الوجهين ولو فسره بكونه غير مطوفي كان على الأوّل فقط، وقراءة ابن عامر من التفعيل كقوله: وما يلقاها إلا الصابرون عليهما أي يلقى إليه من جانب الله، وعلى كونهما صفتين فيه تقدم الوصف بالجملة على الوصف المفرد وهو خلاف الظاهر، والقول: المضمر قبل اقرأ تقديره يقال: اقرأ وهذه الجملة إما صفة أو حال كالتي قبلها كما ذكره المعرب أو مستأنفة وجملة: كفى بنفسك الظاهر أنها من مقول القول المقدر أيضا. قوله: (أي كفى نفسك (يعني أن كفى فعل ماض فاعله نفسك والياء زائدة كما في بحسبك درهم وذكر وإن كان مثله يؤنث كقوله: ما آمنت قبلهم من قرية لأن تأنيثه مجازي والقول بأنه اسم فعل أو فاعله ضمير الاكتفاء غير مرضي كما مر وقوله: وحسيباً تمييز كقوله: حسن أولئك رفيقاً ودلّه دره فارساً وقيل إنه حال وعذه بعض شراح الكشاف تجريد أي جرد من نفسك شاهدا هو هي فقيل إنه غلط فاحش وفيه بحث فإن الشاهد يغاير المشهود عليه فإن اعتبر كونه في تلك الحالة كأنه شخص آخر كان تجريدا لكنه لا يتعلق به هنا غرض فتدبر. قوله: (وعلى صلته لأنه الخ (قدم لرعاية الفواصل وعدى بعلى لأنه بمعنى الحاسب والعاذ وهو يتعدى بعلى، كما تقول: عدد عليه قبائحه واستشهد بضريب وصريم لأن مجيء فعيل الصفة من فعل يفعل بكسر العين في المضارع قليل، والصارم القاطع والهاجر. قوله: (أو بمعنى الكافي الخ (يعني أنه تجوز به عن معنى الشهيد فعدى بعلى كما يعدى بها الشهيد، وقوله لأنه يكفي الخ، بيان لعلاقة المجاز وأما كونه بمعنى الكافي من غير تجوّز لكنه عدى تعدية الشهيد للزوم معناه له كما في أسد عليّ فتكلف بارد. قوله: (وتذكيره (أي حسيباً وهو فعيل بمعنى فاعل لأنه مما يغلب في الرجال فأجرى على أغلب أحواله أو النفس مؤؤلة بالشخص، أو محمول على فعيل بمعنى مفعول، وقوله على أن الحساب
стр. 1862
أي مبني أو يبنى على أن الخ وقوله: لا ينجي اهتداؤه غيره الخ أي في الآخرة لأنه قد يتعدى حكمه في الدنيا أو في الدارين بمعنى أنه لا يوجب ذلك بالذات إيجابا مطرداً، ويردى بالمهملة أي يهلك ويضر. قوله: ( ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (مؤكد لما قبعها للاهتمام به، روي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في الوليد بن المغيرة لما قال: كفروا بمحمد ﷺ وعلي أوزاركم، ولذا خص نفي التحمل بالوازرة، فتأمل. قوله: (يبين الحجج ويمهد الشرائع) بيان للمقصود من البعثة وليس المراد أن ثمة صفة مقدرة في النظم
وقوله: وفي دليل على أن لا وجوب قبل الشرع هذا رد لما في الكشاف مع ما في كلامه مما يعلم من شروحه أي لا يجب علينا شيء من الأحكام قبله كما ذهب إليه غير أهل السنة لأنه لو كان لشيء وجوب علينا قبله لعذبنا بتركه قبله والتالي باطل لهذه الآية فكذا المقدم، ولما كانت هذه الملازمة غير مسلمة عند الأشاعرة لأنهم لا يقولون بلزوم تعذيب العاصي عليه تعالى كما بين في الكلام والقائلون بلزوم ووجوبه على الله هم المعتزلة فالملازمة مسلمة عندهم لا عندنا قيل إنه دليل إلزاميّ والا فارتكاب المعاصي لا يوجب التعذيب عند أهل السنة يعني أنّ هذا الدليل تامّ عندهم لأنّ هذه المقدمة مسلمة عندهم فيكفي ذلك في الرد عليهم، وما قيل في رذه أنّ مراد المصنف ﵀ أنه لا وجوب لشيء علينا من الأحكام التكليفية قبل أن تشرع والا عذبنا بتركه قبله لا أنه لا يجب تعذيبنا عليه تعالى بالمعصية قبل شرع حتى يرد عليه أنّ المذهب عدم وجوب الإثابة والعقوبة على الله فيحتاج إلى ذلك التأويل انتهى ناشىء من عدم التدبر وأنه لا محصل له فإنّ قوله: والا عذبنا مقدمة غير صحيحة عند الأشاعرة فإن بناها على مدعي الخصم رجع بالآخرة إلى ما قاله من رد عليه بعينه، ثم إن وجوب تعذيب العاصي عند القائلين به من المعتزلة وجوب شرعي لا عقلي قال في شرح التجريد: اتفق الأئة على أن الله تعالى يعفو عن الصغائر مطلقا وعن الكبائر بعد التوبة، واختلفوا في جواز العفو عن الكبائر بدون التوبة فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنه جائز عقلا غير جائز سمعاً، وذهب الباقون إلى وقوعه عقلاً وسمعاً اهـ. (أقول) هذا ما قاله أصحاب الحواشي وفي شرح المحصول للأصفهاني لا دليل في الاية على ما ذكر لاحتمال أن يكون المراد بالرسول العقل وأن يكون المنفي عذاب المباشرة وليس فيها نفي التعذيب عن جميع الذنوب ولا يلزم من نفيه نفي الاستحقاق، وأجاب بأنّ الأصل الحقيقة والمنفي إيقاع العذاب مطلقا بمباشرة أم لا، وفي تفسير الإمام الاستدلال بالآية ضعيف لأنه لو لم يثبت العقلي لم يثبت الشرعي وهو باطل وبيان الملازمة أنه إذا جاء نبيّ بشرع ومعجزة فهل يلزم قبول ما جاء به أم لا فإن قلنا بلزومه فهل هو بشرعه أو بشرع غيره فإن كان بشرعه لزم إثبات الشيء بنفسه وإن كان بشرع غيره دار أو تسلسل فلزم الرجوع إلى الوجوب العقلي ورذه شيخنا في الآيات البينات بما يطول شرحه فانظره. قوله: (وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لانفاذ قضائنا الخ (لما كان ظاهر الآية أنه تعالى يريد إهلاك قوم ابتداء فيتوسل إليه بأن يأمرهم فيفسقوا فيدمرهم وارادة ضرر الغير ابتداء من غير استحقاق الأضرار مما ينزه عنه تعالى لمنافاته للحكمة وما ربك بظلام للعبيد دفع بوجوه، منها ما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: وإذا تعلقت الخ يعني أنه إذا تعلقت الإرادة بإهلاكهم لما سبق من القضاء والعلم بأنهم من ذوي المعاصي المهلكين وقع منهم العصيان فأهلكوا، وقد رد هذا في الكشف بأنه في زمان تعلق الإرادة يجب الفعل فالتفسير بهذا دون الرجوع إلى التأويل الثاني غير مجد،
ولهذا اقتصر عليه في الكشاف، وقيل أنّ مراده إذا قرب تعلقها وأنه من مجاز المشارفة لكنه لا يدفع ما ذكر وان دفع السؤال الأوّل كما قرّرناه فالحق أن يقال: إنّ الإرادة لها تعلقان: قديم وهو المتحقق في علمه بأنه سيقع في وقته المعين له وحادث وهو المتعلق به إذا وجد، والمراد هنا هو الثاني لأن إذا معلقة على فسقهم مقارنة له كقوله: إذا كبر الإمام فكبروا، والواقع معه في زمانه الممتذ هو التعلق الثاني لا الأوّل القديم السابق عليه القضاء سبقا ذاتيا على أنّ المراد بإنفاده انفاذه في وقته المقدر له كما توهم فإنه لا يدفع السؤال إلا بتكلف وان ذهب إليه
стр. 1863
بعضهم فتأمّل. قوله: (أو دنا وقته المقدّر كقولهم إذا اراد المريض الخ) على هذا اقتصر في الكشاف وهو مبني على أصولهم كما في الكشف وعلى نهج قوله: جدارا يريد أن ينقض كما سيأتي تحقيقه فهو مجاز للتنبيه على عاقبة أمرهم فيجري مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل جهة وجاءه الخسران من كل طريق وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلط في أكله وشرع في أكل ما تتوق إليه نفسه لما كان المعلوم من حال هذا الخسران ومن حال هذا الهلاك حسن هذا الكلام كما في الدرر الشريفة يعني أق دلالة أمر على وقوع شيء عقبه ينزل منزلة الإرادة لذلك الشيء لما بينهما من اللزوم أو المشابهة فتدبر، وقوله: قوم إشارة إلى أنّ المراد بقرية أهلها. قوله: (أمرنا مترفيها متنعميها بالطاعة (لما كان المتبادر منه أن التقدير أمرناهم بالفسق كقوله: أمرته فقام إذ تقديره أمرته بالقيام كما سيأتي تحقيقه وهو غير صحيح لأن الله لا يأمر بالفحشاء إلا بارتكاب التأويل الآتي قدر له هذا المتعلق ولم يلتفت إلى رذه الآتي لأنه مأثور عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير كما نقله المفسرون وقوله: متنعميها بصيغة الجمع المضافة وقوله: على لسان رسول بيان للواقع المقدر بقرينة قوله: تحى نبعث رسولاً. قوله: (ويدل على ذلك ما قبله وما بعده الخ (ردّ على الزمخشري كما سيأتي تفصيله مقتدياً بالإمام فيه يعني أن ما زعمه من أنه لا دليل على تقدير ما ذكر ممنوع بل الدليل عليه ظاهر فإن فسق وعصى متقاربان بحسب اللغة وإن خص في الشرع بمعصية خاصة، وذكر الضد يدل على الضد، كما أنّ النظير يدل على نظيره فذكر الفسق والمعصية دال على تقدير الطاعة كما في قوله: سرابيل تقيكم الحرّ فيكون كقوله أمرته فأساء إليّ أي أمرته بالإحسان بقرينة المقابلة بينهما المقتضية بالعقل الدال على أنه لا يؤمر بالإساءة كما لا يؤمر بالفسق والنقل أنّ الله لا يأمر بالفحشاء والتعجب من جعل المصنف ما ذكر دليلا على تقديره مع أنّ الزمخشري جعله دليلاً على خلافه مما يتعجب منه ثم إنّ المدقق في الكشف رد ما ذكره المصنف ﵀ كغيره بأن الزمخشري لم يمنع هذا التقدير من هذا المسلك بل المانع عنده أنّ تخصيص المترفين حينئذ يبقى غير بين الوجه وكذلك التقييد بزمان إرادة الإهلاك ولظهوره لم يتعرض له، وأيضاً شهرة الفسق في أحد معنييه تمنع من عده مقابلاً بمعنى العصيان على أنّ
ما ذكر من نبوّ المقام عن الإطلاق قائم في التقييد بالطاعة، فافهم ولا تغتر بما أثره الإمام وشنع بأنه لا فرق بين أمرته ففسق وأمرته فعصاني، وأيده غيره بأنّ الفسق الخروج عن الأمر فذلك من عدم تدبر ما أورده جار الله على ما يجب انتهى يعني أن الى، مر بالطاعة واقع من الله في كل زمان ولكل أحد فلا وجه للتقييد حينئذ وأن هذا هو الداعي لاختيار الزمخشري ما ذكر ولما ورد عليه أنه ليس في كلامه ما يدل عليه تلافاه بأنه تركه لظهوره ولا يخفى أنه قول بسلامة الأمير ونظر بعين الرضا إذا أدخل في الكلام ما ليس فيه، وأما التقييد المذكور فظاهر لأنهم أئمة الكفر ورؤساء الضلال وما وقع من سواهم باتباعهم ولو لم يلاحظ هذا لم يكن للتقييد وجه في سائر الوجوه فتدبر. قوله: (وقيل أمرناهم الخ (هذا ما ارتضاه الزمخشري وملخصه أن المراد أمرناهم ففعلوا، والأمر مجاز لأن حقيقته أن يقول لهم: افسقوا وهو لا يتأتى لما مر فالوجه أنه أفاض النعم عليهم ليشكروا فعكسوا ذلك وجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة له فلما آثروا الفسوق أهلكهم، وهذا هو الوجه لأنّ المستفيض حذف ما يدل عليه، ونظيره لو شاء لأحسن إليك أي لو شاء الإحسان فلو أضمرت خلافه لم تكن على سداد، وكأنك تروم من مخاطبك علم الغيب فهو إفا استعارة تمثيلية أو تصريحية تبعية لا مجاز مرسل كما يوهمه لفظ التسبب، فافهم. قوله: (على أنّ الأمر مجارّ من الحمل عليه أو التسبب له (متعلق بقوله قيل الخ ومن متعلقه بمقدر أي ناشىء من الحمل لأنه وجه الشبه فإنه شبه إفاضة النعم وصبها على أهل الأهواء بأمرهم بالفسق والجامع مع ما ذكر أو شبه حالهم في تقلبهم في النعم مع عصيانهم وبطرهم بحال من أمر بفساد فبادر إليه، هذا ما في شروح الكشاف فقوله: بأن بيان للمستعار له، فما قيل
стр. 1864
من أنّ الأولى إبدال من بفي فيكون الأمر مستعملاً في معنى الحمل والتسبب مجازاً مرسلا وصحة كلام المصنف بأن يراد بالحمل والتسبب الصب فإنه حمل وتسبب مخصوص ويجعل الأمر مستعملاً في الصب وما أفضى إلى الفسق فعلاقته المشابهة في الحمل والتسبب فالتعبير عن الصبّ بالحمل والتسبب للإشارة إلى وجه الشبه على أنه استعارة تبعية تعسف من غير داع وتطويل من غير طائل، وقيل: أمرنا استعارة لحملنا وتسببنا لاشتراكهما في الافضاء إلى الشيء، وقوله: بأن صب الخ بيان للحامل من جانبه تعالى، وكونه استعارة للصب وان صح ليس بمراد فيه، وفيه ما فيه فتدبر. قوله: (ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوي الخ (يعني أنه ينزل منزلة اللازم كما في المثال المذكور لأن القرينة قائمة على أنه ليس بتقدير أمرته بالعصيان ولا قرينة على تقدير شيء آخر، ودلالة الضد على ضده خفية فلا يقدر بالطاعة فيكون المعنى وجهنا الأمر فوجد منه العصيان أو
الفسق، وقد نفى جار الله هذا الاحتمال وذكر أن ما نحن فيه ليس كما ذكر في المثال والمصنف ﵀ لم يلتفت إلى رذه تبعا للإمام وقد ضعفه في الكشاف فإن أردت التفصيل فراجعه وقد مرّت زبدته. قوله: (وقيل معناه كثرنا الخ) أمرت بفتح الميم وأمر بكسرها مطاوعه لازم والأوّل متعدّ فيختلف لزومه وتعديه باختلاف حركته، وقد قيل إنّ المكسور يكون متعدّيا وأنه قرىء به، وقوله: آمرنا بالمد يعني أنه يتعدى بنفسه وبالهمزة أيضاً، وأصله أمرنا فأبدل منه وهذا ذهب إليه أبو عبيدة والفارسي وغيرهما، واستدلوا بالحديث الآتي، وقوله: خير المال الخ هو حديث صحيح ذكر المخرّج سنده والسكة النخل المصفوف ومأبورة بالباء الموحذة والراء المهملة من تأبر النخل تلقح وتثمر وهو معروف، والمهرة أنثى الخيل ومأمورة بمعنى كثيرة الحمل والنتاج ومعناه خير المال زرع أو نتاج. قوله: (وهو أيضا مجاز من معنى الطلب (أي هو في الحديث مجاز كما في الآية كان الله تعالى قال لها: (كوني كثيرة النتاج فكانت) فهي إذا مأمورة غير منهية، وهذا من فائق اللغة بعينه، ومثله معنى ما قيل:
ومهفهف قال الإله لحسنه كن فتنة للعالمين فكانه ...
فلا يتم الاستدلال بالحديث كما ذكروه وقيل أصله مؤمرة فعدل عنه للمشاكلة كما في مأزورات غير مأجورات. قوله: (ويؤيده) أي يؤيد القول بأنه من أمر بمعنى: كثر قراءة يعقوب ﵀ آمرنا بالمذ من الأفعال وما روي عن أبي عمر ومن قراءة أمرنا بالتضعيف فإنه ليس من الأمر ضد النهي فيكون من أمر بمعنى كثر فهو يدل على وجوده لو لم يحتمل أن يكون منقولاً من أمر بالضم إذا صار أميراً لأنه معروف فيه، وفعل المضموم مخصوص بهذا المعنى بخلاف غيره من المعاني فلذا قيده به ليتعين فلا يرد عليه أنه مثلث كما في كتب اللغة فلا وجه لتقييده مع أن شهرته تكفي فيه، وضمه لالحاقه بالسجايا، وقوله: وتخصيص المترفين الخ دفع للسؤال الذي مرّ تقريره في الكشف. قوله: (يعني كلمة العذاب السابقة) بالتأنيث كما في بعض النسخ وفي بعضها السابق بدون تاء على أنه صفة الكلمة لتأويلها بالقول، وقوله: بحلوله الضمير للعذاب والباء للملابسة أو السببية متعلقة بحق، وكذا هي فيما عطف عليه والكلمة هنا
بمعنى الكلام وهو الوعيد السابق والفاء للتعقيب. قوله: (بإهلاك أهلها (إشارة إلى التقدير أو بيان المراد من التدمير، وهو الإهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء كما في البحر. قوله: (وكثيراً الخ) إشارة إلى أن كم خبرية، وقوله: وتمييز له أي مجرور بمن البيانية لا زائدة فقوله: من بعد نوج من فيه لابتداء الغاية فلذا جاز اتحادها مع ما قبلها متعلقا وخصه بالذكر ولم يقل من بعد آدم ﵊ لأنه أوّل رسول أذاه قومه فاستأصلهم العذاب، ففيه تهديد وانذار للمشركين، وقوله: يدرك الخ تفسير لهما على اللف والنشر المرتب. قوله: (وتقديم الخبير (أي لفظاً على بصير التقدم متعلقه وهو المعلوم منه تقدما وجوديا على الأمر الظاهري لأنه ينشأ عنه غالبا، وقيل إنه تقدم رتبي لأنّ العبرة به، كما في الحديث أنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ونحوه، ثم إنه قال في الكشاف إذ نبه بقوله:
стр. 1865
وكفى بربك بذنوب عباده الخ على أنّ الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير، والمصنف رحمه تركه لخفائه وقد بينوه بأنه لما عقب إهلاكهم بعلمه بالذنوب علماً أتم دل على أنه جازاهم بها، وإلا لم ينتظم الكلام وأمّا الحصر فلانّ غيرها لو كان له مدخل كان الظاهر ذكره في معرض الوعيد ثم لا يكون السبب تاضا ويكون الكلام ناقصاً عن أداء المقصمود فلزم الحصر، وهو المطلوب، ومنه يعلم ما قيل متعلقه بذنوب عباده ويرد عليه أنه متعلق ببصيراً أيضا على التنازع. قوله: (مقصورا عليها همه (في الكشاف كالكفرة وأكثر الفسقة، وأسقطه المصنف ﵀ لابتنائه على مذهبه، والقصر مأخوذ من المقابلة فإنه جعله قسيم من أراد الآخرة فلو أرادهما لم يصح التقسيم وإنما قال: كالكفرة وأكثر الفسقة لأنه اعتبر في المقابل الإيمان والسعي لها حق السعي كذا في الكشف وفيه نظر، وقيل إنه مأخوذ من كان فإنها تدل في مثله على الاستمرار ولأنه قسيم والقسمة تنافي الشركة، ولقوله جعلنا له جهنم الخ فإنّ مريدهما ليس كذلك وهو ملحق بالقسم الثاني، ولا يخفى أنّ إلحاقه بالثاني ينبو عنه قوله حقها من السعي فلذا قيل إنه سكوت عنه ولا ضير فيه، وقيل إنه مأخوذ من الإرادة لأنها عقد القلب وتمحض النية وهو بعيد. قوله: (قيد المعجل) في قوله: ما نشاء، والمعجل له في قوله: لمن نريد،
وذكر المشيئة في أحدهما والإرادة في الآخر إن قيل بتراذفهه- أت! ت، رقوله: وليعلم أق الأمر بالمشيئة والهتم فضل يحتمل أن الهتم مسس ور معطوف على المشيئة والمراد به إرادة العبد وعزمه على ما يريد يعني وجود أمر بعد مشيئة العبد وعزمه فضل من الله تعالى لتوقفه على إرادته، وقيل هو مرفوع خبره فضل وخبر أن بالمشيئة وليس الهتم منصوبا معطوفاً على اسم أن والمعنى أنه لا بد في حصول كل أمر منها وإنما التأثير لها لا اللهتم فإنه فضل من الله موقوف عليها أيضا، وقوله: لأنه لا يجد الخ تعليل على اللف والنشر الغير المرتب أي لا يجد بعقمن يتمنى ما تمنى أصلا وبعض من وجد يجد بعضه لأكله. قوله: (ولمن نريد بدل من له بدل البعض (يعني الجار والمجرور من الجار والمجرور فلا يحتاج إلى رابعل لأنه في بدل المفردإت أو المجرور بدل من الضمير المجرور بإعادة العامل وتقديره لمن نريد تعجيله اط منهم. قوله: (وقرىء ما يشاء (بضمير الغيبة وقوله: والضمير فيه دلّه تعالى أي ضمير الغائب ليطابق المشهورة والضمير فييا لله أيضاً لكن الظاهر هو الوجه الثاني فإنه حينئذ يكون التفاتا، ووقوع الالتفات في جملة واحدة إن لم يكن ممنوعا فغير مستحسن كما فصله في عروس الأفراح، وقوله: مخصوصا بمن أراد الله تعالى به ذلك يعني كنمروذ وفرعون ممن ساعده الله على ما أراد استدراجا له، وقوله: وقيل الخ هذا أيضا على كون ضمير الغيبة لمن ولا عموم للموصولين فيه أيضا لكن المراد بالأول المنافق والمرائي والمراد بما يشاء جزاء ما أعده وسيلة للدنيا مما هو من أعما أط الآخرة فيها، والمساهمة المشاركة في السهام والانصباء الحاصلة من الغنائم ولا يخفى موقعها هنا مع الغرض من اللطف، وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى وقيل: المقابلة بينه وبين ما قبله باعتبار العموم والخصوص أو المنافاة فإن المنافقين أرادوا بعمل الآخرة الدنيا فتأضله. قوله: (حقها من السعي (من إفا تبعيضية أو بيانية وكون سعيها سواء كان مفعولاً به على أن المعنى عمل عملها أو مصدرا مفعولاً مطلقاً بمعنى ما يحق ويليق بها مأخوذ من الإضافة الاختصاصية فيخرج من يتعبد من الكفرة ويزعم أنه سعى لها واليه أشار بقوله: بما يخترعون بآرائثم جمع رأي، وقوله: اعتباهـ الخية
٦ / / م ٣
والإخلاص أي دلّه في عمله سواء كانت للأجل أو للاختصاص، وقوله: فإنه العمدة إشارة إلى وجه تفسيره بما ذكر فإن ما عداه لا يعد مؤمناً وقوله الجامعون الخ إشارة إلى ألإشارة راجعة إلى جميع ما قبله كما مرّ في قوله: أولئك هم المفلحون، وقوله: من الله من ابتدائية أي من جانبه ومثابا تفسير لمشكوراً ومقبولاً من لوازم الإثابة، وقوله: بدل من المضاف إليه أي عوض، وهذا بناء على أنّ تنوين كل وبعض تنوين عوض عن الاسم المفرد كما يكون عوضا عن الحرف في جوار وغواس وعن الجملة في يومئذ وهو قول للنحاة، وقيل إنه تنوين تمكين، وكلا مفعول نمدّ مقدم عليه. قوله: (نمدّ بالعطاء
стр. 1866
مرّة بعد أخرى (فسره به لأنه يشعر بالتكرار كما مد الماء ونحوه، قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [سورة لقمان، الآية: ٢٧] وقوله: ونجعل آنفة مدد السالفة إن كان آنفة بتاء الوحدة منونا فمددا منون ولسالفة بلام الجر وتاء الوحدة أيضا، وإن كان مضافا لضمير العطاء الغالب فلسالفه، ذلك والسالف ما سبق منه والآنف بالمد ما استؤنف مرة بعد مرّة أخرى، وقوله: من معطاه إشارة إلى أنّ العطاء اسم مصدر واقع موقع المفعول وقوله: ممنوعا لأنه من الحظر بمعنى المنع من الحظيرة، وقوله: في الرزق قيده به لدلالة السياق أو المراد به اللغوي فيتناول الشرف ونحوه كما يقال: السعادة أرزاق أو هو تمثيل.
قوله: (بدل من كلا (أي بدل كل من كل لكنه قدره فيما مضى بكل واحد من الفريقين
تبعا للزمخشري فورد عليه ما أورده عليه أبو حيان والمعربون وتبعهم المحشي من أنه لا يصح على هذا التقدير لأنه يكون بدل كل من بعض كقوله:
رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات ٠..
وهو مردود كما بين في النحو فالظاهر أن يقدر كل الفريقين ومن لم يفهم مراده قال في تقريره: أي نمذ هذا الفريق وذاك الفريق لا كل فرد منهما ولذا قال: كل واحد دون أحد وفرد، والعجب من أبي حيان أنه خالف النحاة في أن كلا إذا أضيفت إلى نكرة قد ترد للكل المجموعي لا بمعنى: كل فرد فرد مستدلاً بقول عنترة:
جادت عليه كل عين ثرّة فتركن كل حديقة كالدرهم ...
وعليه قول الأصوليين كل رجل يشيل الصخرة العظمية وإن نازعه السبكي فيه في رسالة
كل وعلى ما ذكر لا يرد عليه شيء عند النظر الصحيح وكأنه أشار إليه بقوله: الأولى فتأمّل. قوده:) وانتصاب كبف الخ (أي أنها في محل نصب لأنها مبنية على الفتح قال نجم: الأئمة
إنما عد كيف في الظروف لأنه بمعنى على أي حال والجار والمجرور والظرف متقاربان، وكون كيف ظرفا مذهب الأخفش، وعند سيبويه هو اسم بدليل إبدال الاسم منه نحو كيف أنت أصحيح أم سقيم ولو كان ظرفا لأبدل منه الظرف نحو متى جئت أيوم الخميس أم يوم الجمعة فإن جاء بعد كيف ما يستغنى به فكيف منصوب المحل على الحال فتأمّل، وناصبه ما بعده من الفعل وليس مضافاً للجملة كما توهم والجملة بتمامها في محل نصب بقوله: انظر وهو معلق هنا كما بين في محله، والمعنى انظر إلى هذه الكيفية العجيبة. قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ درجات وتفضيلاً منصوبان على التمييز والمفضل عليه محذوف تقديره من درجات الدنيا وتفضيلها وقوله: بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها عمم الدرجات ليشمل الدركات فللتفضيل بمعنى التفاوت فاعتبر التفاوت بين أهل الجنة والنار وبين أبعاض الفريقين. قوله: (الخطاب للرسول ﷺ الخ) إنما جعل المراد به أقته على حذ قوله:
إياك أعني وسمعي يا جاره
أو المراد به العموم على حذ قوله ولو ترى إذ وقفوا على النار وهو معنى ما قيل إن الخطاب للإنسان لأن ما بعده ليس مما يصف به نبيه وحبيبه ﷺ ولو على طريق الفرض والتقدير. قوله: (فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة (شحذ بمعنى سن وحدد والشفرة السكين الكبيرة وكل نصل عريض وقعد بمعنى صار ويلحق به في العمل، قال الرضي: من الملحقات بصار قعد في قول إعرابي: أرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة أي صارت وقال: إنما تعمل قعد هذا العمل في هذا المثل فلا يقال قعد كاتبا لكونه مثله ولذا قيل: إن تفسيره بتصير هنا غير جيد وهذا غير مسلم لأن الفراء ذهب إلى إطراد قعد بمعنى صار، ومنه قول الراجز:
من دون أن تلتقي الأركاب ويقعد الاير له لعاب ...
وحكى الكسائي قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها فما ذكر مبنيئ على قول الفراء: وعلى قول الأصحاب: مذموما مخذولاً حال، وعلى قول الزمخشري خبر يقعد. قوله: (أو فتعجز من قولهم قعد الخ) بمعنى العاجز عن القيام ثم تجوّز به عن مطلق العجز، وقيل القعود كناية عن العجز فإن من أراد أخذ شيء يقوم له ومن عجز قعد، وأما القعود بمعنى الزمانة فحقيقة والإقعاد مجاز كأنّ مرضه أقعده والقعود اللبث مطلقا قائما أو قاعدا أو هو حقيقة أيضا وفيه نظر إلا أن يريد أنه حقيقة عرفية لا لغوية لأنه ضد القيام. قوله: (جامعا على
стр. 1867
نفسك الخ (يشير إلى أنهما خبران على الأوّل وحالان مترادفان على الثاني لا متداخلان ولا من قبيل حلو حامض كما قيل وقوله: ومفهومه الخ ومثله من المفاهيم معتبر مقصود هنا فتأمل. قوله: (وأمر أمراً
مقطوعا به (كذا في الكشاف فقيل: إنه مجاز، وقيل: إنه ضمن معنى الأمر لكونه جامعا للمعنيين الأمر والقضاء الذي هو القطع وليست ضرورة داعية إلى هذا التضمين ورد بأن الداعي إليه أن المقضي يجب وقوعه ولم يقع التوحيد من بعض المخاطبين وقيل إنه أراد أنه مجاز عن الأمر المبتوت الذي لا يحتمل النسخ ولو كان تضمينا لكان متعلق القضاء حينئذ الأمر دون المأمور به والا لزم أن لا يعبد أحد غير الله فيحتاج إلى تخصيص الخطاب بالمؤمنين فيرد عليه بأن جميع أوامر الله بقضائه فلا وجه للتخصيص والأمر هنا لمطلق الطلب ليتناول طلب ترك العبادة لغيره تعالى، وأنت خبير بأنّ ما ذكره متوجه لو أريد بالقضاء أخو القدر أما لو أريد به معناه اللغوي الذي أشار إليه فلا يرد ما ذكره والتضمين عليه هنا شراح الكشاف والداعي إليه أنه لو كان مجازا لكان بمعنى أمر فقط ولم يلاحظ فيه معنى القطع الحقيقي له، فتأمل وأما التجوز في الإيمان بما ذكر فيغني عنه أن معنى لا تعبدوا غيره بمعنى اعبدوه وحده فهو أمر باعتبار لازمه وإنما اختير هذا للإشارة إلى أنّ التخلية بترك ما سواه مقدمة مهمة هنا. قوله: (بأن لا تعبدوا (إشارة إلى أن أن مصدرية والجارّ مقدر قبلها ولا نافية ويجوز أن تكون ناهيه كما مر ولا ينافيه كونها في تأويل المصدر كما أسلفناه، وأما كونه أخبارا عن إنثائه الماضي فتعسف وغاية التعظيم العبادة وهي لا تحق وتليق إلا لمن كان في غاية العظمة منعما بالنعم العظام وهذا لا يوجد في غيره فلذا أمروا بأن لا يعبدوا غيره. قوله: (وهو كالتفصيل (أي هذا وما عطف عليه من الأعمال الحسنة كالتفصيل لأنه لا يشمل جميع مساعيها ولذا عطف بالواو، وقوله ويجوز أن تكون أن مفسرة لتقدم ما تضمن معنى القول: دون حروفه وهذا معطوف بحسب المعنى على قوله: بأن لا تعبدوا لأنه في معنى وأن مصدرية كما مرّ وقوله ولا ناهية، وقيل إنها مخففة واسمها ضمير شان محذوف ولا ناهية، وقيل مصدرية ولا زائدة ويأباه الاستثناء. قوله: (وبأن تحسنوا (وفي نسخة وأن تحسنوا بعطف المقدر على أنها مصدرية ولا نافية، وقوله: أو وأحسنوا على أن أن تفسيرية ولا ناهية وهو معطوف على لا تعبدوا. قوله: (لآنّ صلته لا تتقدّم عليه) وجعله الواحدي صلة له فقيل إن كان المصدر منحلا بأن والفعل فالوجه ما ذكره المصنف تبعاً للكشاف، وان جعل نائبا عن أحسنوا فالوجه ما قاله الواحديّ وهذا كله إن لبم نغتفر ذلك في الظرف مطلقاً لتسامحهم فيه كما ذهب إليه كثير من النحاة. قوله: (ولذلك صح لحوق النون
المؤكدة للفعل (تبع فيه الزمخشري، وهو المذهب المشهور من أنه لا يؤكد بها الفعل بعد إد الشرطية إلا إذا زيدت عليها ما واختلف فيه فقيل إنه واجب وقيل إنه لا يجب وعليه قوله ابن
أفا ترى رأسي حاكى لونه طزة صبح تحت أذيال الدجى ...
فلا يرد ما اعترض به أبو حيان من أنه مخالف لقول سيبويه ﵀: وإن شثت أفحمت النون كما أنك إن شئت لم تجىء بها مع أنه قيل إن سيبويه إنما نص على أن نون التوكيد لا يجب الإتيان بها بعد أما وان كان أبو إسحاق قال بوجوبه وليس كلامه نصا فيما زعمه. قوله: (أو يدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف يبلغان الخ (لا فاعل والألف علامذ التثنية على لغة أكلوني البراغيث وكلاهما عطف عليه فإن رد بأنه مثروط بأن يسند للمثنى نحو قاما أخواك مثنى أو مفرقا بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه نحو قاما زيد وعمرو وهنا ليس كذلك، واستشكلت البدلية بأن أحدهما عليه بدل بعض من كل لا كل من كل لأنه ليس عينه وكلاهما معطوف عليه فيكون بدل كل من كل لكنه خال عن الفائدة، على أنا نقول أن عطف بدل الكل على غيره مما لم نجده، وقد أجيب عنه بأنا نسلم أنه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه لكنه لا يضر لأنه شأن التوكيد ولو سلم أنه لا بد منها ففيه فائدة لأنه بدل مقسم كما قاله ابن عطية فهو كقوله:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة وأخرى رمى فيها الزمان فشلت. ٠٠
стр. 1868
إلا أنه تعقب بأنه ليس من البدل المذكور لأن شرطه العطف بالواو وأن لا يصدق المبدل
منه على أحد قسميه وهنا قد صدق على أحدهما وهذا محتاج إلى التحرير فانظره. قوله. (وكلاهما عطف على أحدهما فاعلاَ أو بدلا (قد علمت ما في البدلية من القيل والقال، واختار في البحر أن يكون أحدهما بدلاً من الضمير وكلاهما فاعل فعل مقدر تقديره أو يبلغ كلاهما وهو من عطف الجمل، وقوله: ولذلك لم يجز أن يكون تأكيداً للألف أي ضمير التثنية لأن التأكيد لا يعطف على البدل كما لا يعطف على كيره ولأن أحدهما لا يصلح توكيدا للمثنى ولا غيره فكذا ما عطف عليه ولأنّ بين إبدال بدل البعض منه وتأكيده تدافعا لأن التوكيد يدفع إرادة البعض منه وهذا القول منقول عن أبي علي الفارسي ﵀، قال في الدر المصون: ولا بد من إصلاحه بأن يجعل أحدهما بدل بعض من كل وبضمر بعده فعل رافع لضمير تثنية وكلاهما توكيد له والتقدير أو يبلغان كلاهما وهو من عطف الجمل حينئذ لكن فيه حذف المؤكد وإبقاء توكيده وقد منعه بعض النحاة، وفيه كلام في مفصلات العربية، وقوله: أن يكونا في كنفه أي
في منزله وكفالته أي في حال يلزمه القيام بأمرهما في المعيشة، كقوله: وكفلها زكريا ومنه الكفالة المعروفة وذلك لكبر سنهما وعجزهما عن الكسب وغيره. قوله: (فلا تتضجر مما يستقدر منهما (هذا بيان لمحصل معناه ومؤن بضم الميم وفتح الهمزة جمع مؤونة وهي معروفة وأف اسم فعل بمعنى أتضجر وذكروا فيها أربعين لغة لا حاجة إلى تفصيلها والوارد منها في القرا آت سبع ثلاث متواترة وأربع شاذة فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء، وقرأ نافع في رواية عنه بالرفع والتنوين، وأبو السماك بالضم من غير تنوين وزيد بن علي بالنصب والتنوين، وابن عباس ﵄ بالسكون، واسم الفعل بمعنى الماضي والمضارع قليل والكثير فيه الأوامر وقوله: وهو صوت وهو هذا اللفظ الذي يقوله: المتضجر كأخ الذي يقوله المتوجع وقوله وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر كأوّه بمعنى أتوجع وهو قليل كما مر، وقوله لالتقاء الساكنين لأنه الأصل في التخلص منه والساكنان الفا آن، وقوله: للتنكير فالمعنى أتضجر تضجر أما وإذا لم ينون فهو تضجر مخصوص، وقوله: على التخفيف ليس المراد به ترك التشديد فإنهم لم يقرؤوا به بل تخفيف الفتح لأنه أخف من الكسر، وقيل المراد به ترك التنوين، وقوله: وقرىء به أي بالفتح وهي قراءة زيد وبالضم معطوف على قوله به، والاتباع للهمزة وهي رواية عن نافع كما مر. قوله: (قياساً (أي قياساً جليا لأنه يفهم بطريق الأولى وشممى مفهوم الموافقة ودلالة النص وفحوى الخطاب ولا خلاف فيه بين الحنفية والثافعية على أنه مفهوم كما تقرّر في الأصول وقوله: وقيل عرفا يعني أنه يدل على ذلك حقيقة ومنطوقا في عرف اللغة كما في المثال المذكور فإنه يدل على أنه لا يملك شيئاً قلبلا أو كثيرآ، والنقير نقرة في ظهر النواة والقطمير شق النواة أو قشرة رقيقة عليها. قوله: (ولذلك (أي لدلالة النص على ما ذكر منع الخ، وقال ابن حجر حديث حذيفة ﵁ وأنه استأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه، وهو في صف المشركين فقال: دعه بل غيرك كما في الكشاف لم أجده مرويا في كتب الحديث ولم يصح عن والد حذيفة أنه كان في صف المشركين فإنه استشهد بأحد مع المسلمين كما في صحيح البخاري لكن نحو القصة المذكورة وقعت لاً بي عبيدة بن الجراج،
وقوله: نهى عما يؤذيهما الخ بيان لمحصل معنى الآية من توله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] إلى هنا، لا بقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] كما قيل، وقوله: بإغلاظ متعلق بتنهرهما أو تزجرهما، وقوله: أخوات أي متقاربة في المعنى أمّا النهي والنهر وهو الزجر فظاهر وأمّا النهم بسكون الهاء والميم فلأنه يكون بمعنى الزجر أيضا كما يكون بالفتح بمعنى شدة شهوة الطعام، وقوله: بدل التأفيف والنهر معلوم مما قبله لا أنه مقدر في الكلام وقوله جميلا أي حسنا لأنه يرد بهذا المعنى في مثله لا بمعنى- كثرة العطاء- والشراسة بفتح الثين المعجمة والراء والسين المهملتين بينهما ألف الصعوبة ومخالفة الطباع اللينة وسوء الخلق، وقوله تذلل لهما وتواضع هو بيان لمحصل معنى الكلام، وقوله فيهما، كأنه معناه في حقهما وفي معاملتهما. قوله: (جعل
стр. 1869
للذل جناحاً كما جعل الخ (يعني أن فيه استعارة مكنية وتخييلية كما في بيت لبيد المذكور وهو من معلقته المشهورة فشبه الذل بطائر منحط من علو تشبيهاً مضمراً وأثبت له الجناج تخييلا والخفض ترشيحاً لأن الطائر إذا أراد الطيران والعلوّ نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع فإذا ترك ذلك خفضهما وأيضاً هو إذا رأى جارحا يخافه لصق بالأرض وألصق جناحيه وهي غاية خوفه وتذلله، وقيل: المراد بخفضهما ما يفعله إذا ضم فراخه للتربية وأنه أنسب بالمقام. قوله: (وغداة ريح البيت (غداة مجرورة على إضمار رب والغدة أول النهار خصها لشدة بردها، وقرة بفتح القاف وقيل إنها مكسورة البرد الشديد وهو معطوف على ريح أو غداة، وقوله كشفت بصيغة المتكلم أي أزلت ضررها بكن الضيوف وإطعامهم وإيقاد النار لهم، ومن زعم أنه روي مجهولاً مع تاء التأنيث فقد أخطأ لأنه مختل الوزن ولا رواية فيه وأصبحت ناقصة واسمها ضمير مستتر للغداة أو الريح أو القرة وبيد الشمال زمامها من الخبر والمبتدأ خبرها كذا في شرح المعلقات، والمعنى أن تلك الغداة أو الريح الباردة أو القرة حصلت في ذلك الوقت وأتت بسبب هبوب الشمال وهي ريح معروفة بالبرودة فكأنها قائدة لها كما تقاد الإبل بأزمتها وهذا محل الشاهد ولا تكلف فيه كما توهم أن اسم أصبحت زمامها وأنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه والجارّ والمجرور خبرها، وأوهن منه ما قيل إن أصبحت تامّة بمعنى دخلت في وقت الصباج وأنها مسندة لضمير القزة وزمامها فاعل الظرف وجملته حالية وقوله للشمال بفتح الشين وفيه لغات أخر ففيه استعارتان مكنيتان بتشبيه
الشمال برجل قائد والقرة بناقة منقادة وتخييليتان في الزمام واليد وقوله: وأمره بصيغة الفعل معطوف على جعل ومبالغة مفعول له أو اسم مرفوع خبره مبالغة ووجه المبالغة ما فيه من الترشيح لأنه أبلغ من التجريد لا الإيجاب لأنه يفهم من تواضع وتذلل أيضا. قوله: (أو أراد جناحه (ففيه استعارة تصريحية تحقيقية مرشحة أو تمثيلية ويحتمل المكنية أيضاً على بعد، ووقع في بعض النسخ بالواو بدل أو وهو من سهو الناسخ، والجناح الجانب كما يقال: جناحا العسكر وخفضه مجاز كما يقال: لين الجانب ومنخفض الجانب، وقوله: للبيان لأنه صفة مبينة لأن المراد من خفض الجناج التذلل والمبالغة لأنه وصف بالمصدر كما مرّ تحقيقه والكلام عليه فكأنه جعل الجناج بمنزلة عين الذل وأما أنه يفيد أنه خلق منه كما قيل فلا وجه له، وتحقيقه في الكشف أن فيه وجهين وجناح الذل في الوجه الأوّد بل خفض الجناج تمثيل في التواضمع كما أشار إليه في سورة الشعراء وجاز أن يكون استعارة في المفرد، وهو الجناج ويكون الخفض ترشيحا تبعيا أو مستقلاً كما مرّ في قوله واعتصموا بحبل الله ولما كان الأوّل أبلغ وأظهر اكتفى به في الشعراء، وفي الوجه الثاني استعارة بالكناية ناشئة من جعل الجناج للذل ثم المجموع كما هو مثل في غاية التواضع، ولما أثبت لذله جناحا أمره بخفضه تكميلا، وما عسى أن يختلج في بعض الخواطر من أنه لما أثبت لذله جناحا فالأمر برفع ذلك الجناج أبلغ في تقوية الذل من الأمر بخفضه لأنّ كمال الطائر عند رفعه فهو ظاهر السقوط إذا جعل المجموع تمثيلا لأن الغرض تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس وأما على الترشيح فهو وهم لأن جعل الجناج المخفوض للذل بدل على التواضع وأمّا جعل الجناج وحده فليس بشيء ولهذا جعل تكميلا والأوّل أبلغ وأوفق بنظره في القرآن فافهم فإنه من بدائعه والذل بالكسر في الدوالث ومعناه سهولة الانقياد وبالضم في الإنسان ضد العز والنعت منه ذليل ومن الأوّل ذلول. قوله: (من فرط رحمتك الخ (قال في الكشف: إق هذا إشارة إلى أنّ من ابتدائية على سبيل التعليل ولا تحتمل البيان حتى يقال لو كان كذا لرجعت الاستعارة إلى التشبيه إذ جناج الذل ليس من الرحمة أبداً بل خفض جناح الذل جائز أن يقال إنه رحمة وهذا بين اهـ. يعني أنه لو كان بيانا لكان على سبيل التجريد وهو من أقسام التشبيه وهم قد صرحوا بأنه استعارة، ثم إنه بعد التنزل لا مجال له هنا فتدبر، وفرط الرحمة زيادتها والمبالغة فيها وهو مأخوذ من جعل جنس الرحمة مبدأ للتذلل فإنه لا ينشأ إلا عن رحمة تامّة لا من كون التعريف للاستغراق كما قيل. قوله: الافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما
стр. 1870
(تعليل لاحتياجهما إلى أشد الرحمة لأن احتياج المرء إلى من كان محتاجا له غاية
الضراعة والمسكنة فيرحم أشد رحمة كما قلت:
يا من أتى يسأل عن فاقتي ~ ما حال من يسأل من سائله
ما ذلة السلطان إلا إذا ~ أصبح محتاجاً إلى عامله
قوله: (وداع الله تعالى أن يرحمهما برحمتة الباقية (الخطاب للولد، ورحمته الفانية هي ما تضمنها الأمر والنهي السالفان، والرحمة الباقية هي رحمة الآخرة وخصها لأنها الأعظم المناسب طلبه من العظيم ولأنّ رحمة الدنيا حاصلة عموما لكل أحد، ولا تكتف نهي معطوف على الأمر قبله وهذه الرحمة التي في الدعاء قيل إنها مخصوصة بالأبوين المسلمين، وقيل عامة منسوخة بآية النهي عن الاستغفار، والمصنف ﵀ ذهب إلى أنها عامة غير منسوخة لأن تلك الآية بعد الموت وهذه قبله ومن رحمة الله لهما أن يهديهما للإيمان فالدعاء بها مستلزم للدعاء به ولا ضير فيه، فيجوز الدعاء لهما بالرحمة على هذا الوجه فإن كان المراد رحمة الدنيا فهي دعاء بالزيادة. قوله: (رحمة مثل رحمتهما (فالكاف للتشبيه لا للتعليل كما ذهب إليه بعضهم لأنه مخالف لمعناها المشهور مع أن هذا يفيد ما أفاده التعليل، كما أشار إليه المصنف ﵀ والجار والمجرور صفة مصدر مقدر أي رحمة مثل رحمتهما لي في صغري، وقال الطيبي ﵀: إن الكات لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها، كقوله: مثل ما أنكم تنطقون قال في الكشف وهو وجه حسن، وأما الحمل على أنّ ما المصدرلة حينية والمعنى ارحمهما وقت أحوج ما يكون إلى الرحمة، كوقت رحمتهما لي وأنا لحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة والرحمة الجنة لأنها الرحمة الباقية فتعسف لا يساعده اللفظ والمعنى، وقوله وفاء بوعدك إشارة إلى ما ورد من نحو الراحمون يرحمهم الرحمن وغيره، وقوله روي تبع فيه الزمخشري وقال ابن حجر ﵀: إنه لا يوجد في كتب الحديث، وقوله: فهل قضيتهما أي حقهما كما صزج به في الكشاف، وفي إيراده إشارة إلى فائدة طلب الرحمة لهما من الله فإنه لا يفي بحقهما وإنما يوفيه الله عنه وهو أيضا توطئة لما بعده وفيه تهديد ووعيد لمن خالفه في ذلك، والظاهر أنه وعد لمن أضمر البر ووعيد لغيره. قوله: (قاصدين للصلاح (أي بما صدر في حقهما أي مع صدوره حال اليإ درة والحدة فلذا
فسره بالقصد، والأوبة الرجوع وهي التوبة هنا لأنها رجوع عن الذنب، وحرج الصدر ضيقه، وقوله: وفيه تشديد عظيم على الأولاد في حق أبويهم ووجهه كما في الكشف أنه شرط في البادرة النادرة قصد الصلاج وعبر عنه بنفس الصلاج، ولم يصرح بصدورها بل رمز إليه بقوله فإنه كان للأوّابين الخ لدلالة المغفرة والتوبة على الذنب، فشرط قصد الصلاج والتوبة وهو استئناف يقتضيه مقام التأكيد والتشديد، كأنه قيل: كيف يقوم بحقهما وقد تبدر بوادر فقيل إذا بنيتم الأمر على الأساس وكان المستمر ذلك ثم اتفقت بادرة من غير قصد إلى المساءة فلطف الله يحجز دون عذابه. قوله: (ويجوز أن يكون عاقاً الخ (عطف على ما قبله بحسب المعنى لأنه في قوّة أن يقال ورد في حق هؤلاء، وقوله: أوليا صفة مصدر مقدر أي اندراجا وقد وقع مصرحا به في بعض النسخ، وقوله لوروده على أثره أي لوقوعه بعده وهو تعليل للاندراج، وقيل إنه سقط من بعض النسخ، قوله ويندرج الخ فيشكل التعليل حينئذ إلا أن يراد أن يكون عاقا لغيره، وهو تعسف لا حاجة إليه فإنه إنما سقط من قلم الناسخ. قوله: (من صلة الرحم وحسن المعاشرة (هذا متفق عليه وذكره توطئة لمذهبه من أنه لا تجب النفقة على غير أصل وفرع خلافا لأبي حنيفة على ما فصل في الفروع لكنه قيل عليه إن عطف المسكين وابن السبيل عليه مما يدل على أن المراد الحقوق وذا القربى ظاهر في العموم لا يختص بالقرابة الولادية، وقوله في النظم حقه يشعر باستحقاقه ذلك لاحتياجه فلا يرد قوله في الكشف الحق أن إيتاء الحق عام والمقام يقتضي الشمول فيتناول الحق المالي وغيره فلا ينهض دليلا على إيجاب نفقة المحارم مع أنه إذا عم دخل فيه المالي وغيره فكيف لا ينهض
стр. 1871
وقوله: إذا كانوا محارم فقرأ اقتصر عليه لأنه محل الخلاف ولفهم منه أنهم إذا لم يكونوا كذلك حقهم صلتهم بالموذة والزيارة ونحوهما، وأقارب الرسول ﷺ حقهم توقيرهم ومحبتهم وإعطاؤهم الخمس، ومزضه لأنه لا قرينة على التخصيص وفيه أن الخطاب قرينة وهو مروي أيضا.
قوله: (بصرف المال فيما لا يضبفي (إشارة إلى أن التبذير المثتق من تفريق البذر في الأرض المراد منه ما ذكر وهو شامل للإسراف في عرف اللغة ويراد منه حقيقته وإن فرق بينهما على ما نقل في الكشف بأن الإسراف تجاوز في الكمية وهو جهل بمقادير الحقوق والتبذير تجاوز في موقع الحق وهو جهل بالكيفية وبمواقعها وكلاهما مذموم، والثاني أدخل في الذم، وأما قوله فيه أنه يتناوله في الآية بطريق الدلالة إذ لا يفترقان في الأحكام لا سيما وقد عقبه بالاقتصاد المناسب للكمية المرشد إلى إرادته ففيه نظر غفل عنه من أورده من عنده فإنه إذا كان التبذير أقوى وأدخل في الذم كيف يدل على ما دونه بطريق الدلالة فتأمل، والمسكين وابن
السبيل يعطى من الزكاة كما بين في محله، ثم إنه قيل أن الإسراف منهيئ عنه ولو في وجوه الخير وأن ما أورده الزمخشري من قول القائل: لا سرف في الخير لا عبرة به وفيه نظر. قوله: (وعن النبي ﷺ الخ (رواه أحمد بن حنبل ﵀ عن ابن عمرو ﵄ وغيره وهو حديث صحيح. قوله: (أمثالهم في الشرارة (بفتح الشين مصدر كالطهارة أي في كونهم شراً وهو إشارة إلى أنّ الأخوان جمع أخ وهو بمعنى المثل والمشابه في الصفة مجازاً واستعارة كما وقع في الحديث بكلماته بأخي السرار أي كلام يشبه المساز به وكذا قولهم للخير أخو الشز فالأخ المماثل حقيقة أو ضدا كما يسمى المتقابلان زوجين، ولذا أرلد به الأصدقاء أو الاتباع فهو مجاز تشبيها لقران الصحبة والتبعية بقران القرابة فظهر أن الكل على الاستعارة وإن كان الوجه مختلف وقوله لأنهم كانوا يطيعونهم في الإسراف بيان لوجه جعلهم أصدقاء وأتباعاً بإطاعتهم لهم كما يطيع الصديق صديقه والتابع متبوعه وكأنه مجاز على مجاز لشهرة الأول التي ألحقته بالحقيقة فتأمل. قوله: (روي أنهم (أي الكفرة وهذا مما عرف في الجاهلية، والتياسر تفاعل من يسر إذا ضرب قداح الميسر على جزور ينحر ويقسم على سهام الميسر كما مر بيانه وعداه بعلى لتضمينه معنى يتزاحمون أو يتراهنون أو يجتمعون، وقوله في السمعة بضم فسكون وهي الرياء الذي يشتهر ويسمعه الناس، وقوله في القربات جمع قربة وهي ما يتقرب به إلى الله وقوله مبالغا من صيغة فعول، وأشار بقوله في الكفر إلى أنه يجوز أن يكون من الكفر ضد الإيمان، وقوله بنعماء بالمد بمعنى النعمة إشارة إلى أنه من كفران النعمة والمقصود زجرهم عن اتباعه. قوله: (وإن اعترضت عن ذي القربى الخ (إشارة إلى ارتباطه بما قبله ولذا خص ضمير عنهم بهم وإن احتمل العموم والخطاب عام وقيل معنى أن أعرضت أردت الإعراض فقل لهم قولاً ميسوراً ولا تعرض وقيل المعنى إن ثبت وتحقق في المستقبل أنك أعرضت عنهم في
الماضي فقل الخ والمراد سببية الثبوت للأمر بهذا القول فهذا وجه تفسيره المضارع بالماضي، وان كانت أن تخلصه للاستقبال وفيه نظر. قوله: (حياء من الرد (أي من رد مت سأل صريحا منهم وفي الحديث كان ﵊ إذا سأل شيئا ليس عنده أعرض وسكت وفيه إشارة إلى أن هذا علة الإعراض لانتظار الرزق، وكونه كناية عن عدم النفع وترك الإعطاء لأن هذا شأن من لم يعط فهو لازم عرفاً وما وقع في نسخة ينفقهم بالقاف من تحريف الناسخ وليس ما ذكر علة له بل عدم حصول ما يعطيه. قوله: الانتظار رزق من الله (في الكشاف أن قوله ابتغاء رحمة أما أن يتعلق بجواب الشرط مقدما عليه أي فقل لهم قولاسهلا ليناً وعدهم وعداً جميلا رحمة لهم وتطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم وأما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمي الرزق رحمة فرذهم رذاً جميلا فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببا عنه فوضع المسبب موضع السبب والمصنف
стр. 1872
رحمه الله لم يرد أنه علة لما قبله وقد أشار إليه فيما تقدم، لكنه أجمل ما في الكشاف فلا وجه لما قيل، كون انتظار الرزق علة للإعراض ممنوع وكذا عدم النفع بل هو معلل بالخيار كما ذكره، وقيل: إنه يعني أن إعراضك عنهم بترك الجواب المورث لليأس لانتظار ما ذكر لكن ما ذكره من تعلقه بالجواب أورد عليه أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها في غير باب أما وما يلحق بها فإفا أن يكون جرى فيه على المذهب الكوفي المجوّز له مطلقا أو أراد التعلق المعنوي فيضمر ما ينصبه، ويجري هذا مجرى تفسيره وأن يأتيك بدل من الضمير بدل اشتمال. قوله: (أو منتظرين له (إشارة إلى أنّ المصدر حال مؤؤل باسم الفاعل وجمعه باعتبار المعنى لأنّ الخطاب لغير معين عام ففيه معنى الجمع، وكونه للتعظيم لا يناسب المقام وفي نسخة منتظراً وهي ظاهرة، وحمله في الأولى على انتظار السائلين بعيد، ولا وجه للتقييد به وهي حال مؤكدة، وقوله: ويجوز أن يتعلق بالجواب مر تفصيله. قوله: (وقيل معناه لفقد رزق من ربك (عطف على ما قبله من تفسير الابتغاء بالانتظار، قال في الكشف: ابتغاء الرزق أقيم مقام فقدانه وفيه لطف فكان ذلك الإعراض لأجل السعي لهم وهو من وضع المسبب موضع السبب كما مر وإذا جعل الإعراض كناية عن عدم نفعهم فالابتغاء مجاز عن عدم الاستطاعة متعلق بالشرط لا يخفى جريانه على التعليق بالجزاء أيضا، وقوله: لينا تفسير لميسوراً، والإجمال القول الجميل الحسن. قوله: (والميسور من يسر الآمر مثل سعد الرجل ونحس (اليسر السهولة واليسير والميسور السهل
وتيسر تسهل وتهيا كاستيسر، وقوله من يسر أي المجهول وكذا ما بعده فكأنه لم يسمع إلا مجهولاً إذا تعدى كما في الكشاف والميسور اسم مفعول منه، أو المراد بالقول الميسور الدعاء لهم باليسر مثل أغناكم الله ونحوه كيسر لكم الرزق فعلى هذا يكون الميسور مصدراً بتقدير مضاف، كما في الكشاف، أي قولاً ذا ميسور أي يسر قال العلامة: وفيه نظر لأن الميسور معناه ذا يسر ولهذا وقع صفة لقولا فأي ضرورة في أن يجعل مصدراً ثم يؤوّل بذا ميسور وما قيل إن قول المصنف وهو اليسر يشير إلى أن الميسور مصدر، وقول ميسور من باب رجل عدل فاندفع ما ذكره العلامة لا يسمن ولا يغني من جوع فالحق في دفعه أنه إذا أريد به قولا يشتمل على الدعاء لا يكون القول حينئذ ميسوراً بل ميسرا لما أرادوه وميسور ومعسور مصدرين مما ثبت في اللغة من غير تكلف فجعله صفة مبالغة أو بتقدير مضاف له وجه وجيه، فتأمل. قوله: (تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر (يعني أنهما استعارتان تمثيليتان شبه في الأولى فعل الشحيح في منعه بمن يده مغلولة لعنقه بحيث لا يقدر على مذها وفي الثانية شبه السرف ببسط اليد بحيث لا تحفظ شيئا وهو ظاهر، وقوله: أمر بالاقتصاد بدل من نهي بدل اشتمال على ما وقع من ترك الواو في نسختنا، وقوله: الذي هو الكرم أي الجود الممدوج لأنه يختص به في العرف فلا وجه لما قيل الأولى: أن يقول هو الجود إذ لا اختصاص للكرم بالبذل المالي، وقوله: عند الله لأنه غير مرضيّ وعند الناس لأن من لا يحتاج إليه يطعن فيه بعدم تداركه لأحواله ومن يحتاج بذفته بإعطاء غيره أو تنقيصه نجل عند نفسه أيضاً كما سيذكره. قوله: (بالإسراف وسوء التدبير (قيل: الأولى أن يعتبر فيه التوزيع فتقعد منصوب في جواب النهيين والملوم راجع قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢٩ كما قيل: إن البخيل ملوم حيثما كانا
والمحسور راجع إلى قوله: ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢٩. قوله: (نادماً (فهو
من الحسرة وهي كما قال الراغب: الغتم والندم على ما فات كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه أو المحسرات أي انكشفت قواه عنه أو أدركه إعياء عن تدارك ما فاته فلذا قيل: محسوراً دون حاسر لأنه أبلغ. قوله: (أو منقطعا بك (ضبط بفتح الطاء على صيغة المفعول لأنه من انقطع بالمسافة مبينا للمفعول إذا عطبت دابته ونفد زاده فانقطع، وقوله: لا شيء عندك تفسير له، وقوله: من حسره السفر أي أعياه، وأقفه حتى انقطع عن رفقته فهو حاسر ومحسور أمّا الحاسر فتصوّر أنه قد حسر نفسه، وأما المحسور فتصوّر أن التعب قد حسره، وقوله: إذا
بلغ منه أي إذا بلغ السفر منه الجهد كمن
стр. 1873
بلغ منه المرض إذا أثر فيه فهو استعارة. قوله: (وعن جابر الخ (هذا الحديث ذكره في الكشاف هكذا بينا رسول الله ﷺ جالس إذا أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعا فقال: من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا فذهب إلى أقه فقالت له قل له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل ﷺ داره، ونزع قميصه وأعطاه له وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة قال العراقي إنه لم يجده في شيء من كتب الحديث وقوله: تستكسيك أي تطلب منك كسوة لها والدرع هنا القميص، وقوله: من ساعة إلى ساعة تركيب مشهور في الألسنة ومعناه ما في المثل من العمود إلى العمود فرج إلى أخر سؤالك من ساعة إلى ساعة أخرى يظهر لك مرادك وتظفر به، فإنا نترقب حصوله ونرجوه وقوله: فأنزل الله ذلك وهو لا ينافي كونه عاما، وقوله: يوسعه تفسير للبسط ويضيقه تفسير ليقدر فإن يقدر، ويقتر مترادفان. قوله.) فليس ما يرهقك (أي يغشاك ويعرض لك في بعض الأحيان والإضافة أفعال بمعنى تضييق الحال ومن تعليلية وجوز في يرهقك أن يكون أفعالاً من الإرهاق فمن بيانية والا ظهر الأوّل. قوله: (يعلم سرّهم وعلنهم (لف ونشر مرتب كما مر وقوله فيعلم من مصالحهم الخ إشارة إلى أن المراد من علم الظاهر والباطن أنه أعلم بمصالحهم فيقدرها على وفق حكمته فهو تسلية له، وقوله: ويجوز أن يريد الخ فيكون ذكر أن القبض والبسط موكول إليه لعلمه بجميع أحوال عباده عبارة عن أنهم ينبغي لهم الاقتصاد في أمورهم أي الاعتدال والتوسط في الاعطاء والانفاق لأن الزيادة عنه والنقصان إنما هو الله، وقوله: (او أنه الخ (فيكون تعليما لهم وحثا لهم على التخلق بآخلاق الله حسبما يقتضيه الحال، وقوله: (وأن يكون تمهيدا الخ (لأنه إذا كان القبض والبسط دثه لا ينبغي أن يخشى الفقر الحامل على ذلك، وقوله:
وأدهم بناتهم أي دفنها حية كما كانوا يفعلونه في الجاهلية. قوله: (كاثم إثما (أي لفظا ومعنى، ويكون بمعنى تعمد الكذب وليس بمراد هنا وقرأ ابن ذكوان بفتح الخاء والطاء من غير مد وخرجها الزجاج على وجهين، أحدهما: أن يكون اسماً أي اسم مصدر لأخطا يخطىء إذا لم يصب واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: اسم أو هو مصدر خطىء بمعنى أخطأ كما في
قوله:
والناس يلمون الأمير إذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد ...
وقوله: وقيل لغة فيه إشارة إلى هذا يعني أنه مصدر خطىء خطأ وخطاً والمعنى أن قتلهم
غير صواب كما صرح به الراغب وقد استشكلوا هذه القراءة لأن الخطأ ما لم يتعمد وليس هذا محله ورد بأنهم لم يقفوا على ما مرّ عن أهل اللغة والتفسير. قوله: (وقرأ ابن كثير خطاء (بوزن قتال والباقون بكسر فسكون وهي التي فسر عليها أوّلاً وهو مصدر خاطأ يخاطىء خطاء كقاتل يقاتل قتالاً، قال أبو علي الفارسي: وان كنا لم نجد خاطىء لكنه وجد تخاطأ مطاوعه فدلنا عليه وأنشد عليه شعرا للعرب كما أشار إليه المصنف ﵀ فلا عبرة بقول أبي حاتم أنّ هذه القراءة غلط، وقوله: وهو أي الخطاء إفا لغة أي في مصدره ديان لم يكن من المفاعلة كقام قياماً أو هو من المفاعلة، وقوله: وهو مبني عليه أي التفاعل مبنيّ على المفاعلة لأنه مطاوعه فب ل عليه كما مر، والقناص بالتشديد الصائد، والخرطوم الفم ومنقع بفتح الميم محل اجتماع الماء، وراسب بمعنى داخل يصف صيدا ظفر به وهو يثرب. قوله: (وقرىء خطاء بالفتح والمدّ (وهذه قراءة للحسن شاذة وهي اسم مصدر لأخطأ كأعطى وقرىء أيضاً خطا بفتح الخاء والطاء وألف في آخره مبدلة من الهمزة كعصا واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: وخطا بحذف الهمزة مفتوحا لكن عبارته توهم أنه من قصر الممدود وليس كذلك لأنه ضرورة لا داعي إليها، وقوله: ومكسورا أي مكسور الخاء مع ألف في آخره وهذه قراءة أبي رجاء، وقرىء خطأ بفتح فسكون وهمزة في آخره وهي مروية عن ابن عامر، وقرىء في الشواذ خشية بكسر الخاء. قوله: (بالعزم والإتيان بالمقدّمات (فهو نهي عنه على أبلغ وجه سواء كان كناية أو دلالة وفيه إشارة إلى تحريم العزم على المحزمات إذا صمم عليه
стр. 1874
وقوله: فعلة بفتح الفاء إشارة إلى وجه تأنيثه وهو خبر لمذكر أو إلى تقدير موصوف مؤنث، وقوله: ظاهرة القبح تفسير لفاحشة.
قوله: (وبئس طريقا طريقه (إشارة إلى أق ساء بمعنى بض وحكمها حكمها وسبيلا بمعنى طريقا تمييز، وقد اعترض عليه أبو حيان بأن الفاعل في بابه ضمير التمييز فلا يصح تقديره طريقه وسبيله لأنه ليس بمضمر ولا اسم جنس فالظاهر تقديره بئس السبيل سبيلآبلا إضافة وقيل الإضافة فيه بيانية أي بئس طريقا الطريق الذي هو الزنا فإنه طريق لقطع الأنساب وهيج الفتن كما ذكره المصنف ﵀ فإن جعلت لامية وطريقه العزم والإتيان بمقدماته احتاج حينئذ إلى تقدير مضاف وهو الغصب أي طريق الغصب فتأمل. قوله: (وهو الغصب (بالمهملة على ايإبضاع بالكسر والمعجمة أي الإكراه على المجامعة والتصرّف في البضع بغير حق واستيلاء اليد األمبطلة على حق الله، وتأديته إلى قطع الأنساب، أما في نفس الأمر أو بحسب الشرع إذا لم يكن لها بعل أو كان ولو عنت ونحوه، وهيج الفتن تحريكها وهو ظاهر. قوله: (إلا بالحق (قال المعرب أي إلا بسبب الحق فيتعلق بلا تقتلوا، ويجوز أن يكون حالا من فاعل لا تقتلوا، أو من مفعوله، أي لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحق وأما تعلقه بحزم الله فبعيد وان صح ومعنى تحريمها تحريم قتلها فالمعنى حزم قتلها إلا بحق فمن قال: لا محصل له لم يصب، قال الضحاك: وهي أوّل آية نزلت في شأن القتل، وقوله: إلا بإحدى الخ تفسير لقوله بالحق بالحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود " لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لديته المفارق للجماعة " وفي الكشف أنه ينتقض حصره بدفع الصائل فإنه ربما أدى إلى القتل ودفعه بأن المراد ما يكون بنفسه مقصوداً به القتل وهذا المقصود به الدفع لكنه قد يفضي إليه، وقوله: كفر بعد إيمان قد عرفت أن هذا بعينه نص الحديث والحصر فيه ليس بحقيقي فلا يرد النقض بالكفر الأصلي كما في الجهاد، وقوله: وقتل مؤمن قيل قيده به بناء على مذهبه من أن قاتل الذي لا يقتص منه لكنه ينتقض بما إذا كان قاتله ذمّيا أيضا فتأمل. قوله: (غير مستوجب للقتل (يتناول العمد والخطأ على التفسير الأول لقوله سلطانا وقوله: وهو الوارث بناء على الأغلب ولو أبقاه على عمومه كان أولى، وقوله: تسلطا إشارة إلى أنه مصدر كالغفران، والمؤاخذة أعئم من أخذ
المال والقصاص، وبمقتضى يتعلق بالمؤاخذة وعلى من متعلق بتسلطا، ومن عليه بتقدير من هو عليه، والضمير المحذوف للمقتضي والمجرور بعلى لمن، وقوله: أو بالقصاص أي فقط عطف على قوله بالمؤاخذة، وقوله: لا يسمى أي لا يطلق عليه أنه ظلم في نفسه وكذا لا إثم فيه أيضا وان قيل إنه يأثم فيه ولذا شرعت الكفارة فيه فإنها لعدم التثبت واجتناب ما يؤذي إليه، ولذا ورد في الحديث) رفع عن أمّتي الخطأ (فلا حاجة إلى أن يقال المراد أنه لا يسمى ظلما في العرف والا فهو يتضمن الإثم، ولذلك وجبت كفارة على أنه ناشىء من عدم الفرق بين الإثم والظلم واهمال لقوله يسمى فتدبر. قوله: (أي القاتل (أي مريد القتل ومباشره ابتداء، ويرد على هذا التفسير أنه تأباه عبارة الإسراف فإن حقه النهي عن القتل مطلقاً فإن دفع بأنه فسر الإسراف بالقتل بغير حق ولا أباء فيه ورد عليه أنه يصير بمعنى قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥١، فلا وجه لتفريعه عليه، وإن كان تأكيداً فالوجه هو الثاني، وقوله: ما يعود عليه بالهلاك يعني القصاص إشارة إلى أنه نصح لهم ببيان ما ينفعهم. قوله: (أو الولتي بالمثلة (بالمقتول وهي معروفة، وقتل غير القاتل سواء كان وحده أو معه وسواء كان القاتل واحدا أو متعددا. قوله: (ويؤيد الأوّل قراءة أبتي (لأن القاتل متعدد في النظم في قوله ولا تقتلوا، والأصل توافق القراءتين ولم يجعلها معينة لأن الولي عام هنا فهو في معنى الأولياء فيجوز جمع ضميره بهذا الاعتبار ويكون التفاتاً وتوافق القراءتين ليس بلازم، وقوله: على خطاب أحدهما أي القاتل أو الولي التفاتا أي يجوز فيه الوجهان. قوله: (علة النهي على الاستئناف (أي البياني، وقوله إما للمقتول أي أوّلا والتعليل للنهي عن الإسرات
هـ
سواء كان النهي والضمير فيه للقاتل أو الولي وكذا إذا عاد الضمير للوليّ قوله: للذي يقتله
стр. 1875
الوليّ إسرافا والنهي وضميره حينئذ للولي فقط، والتعزير في المثلة بالمقتص منه، والوزر أي الإثم في الكل ويدخل به ما إذا كان فاعل المثلة سلطانا. قوله: (فضلاَ أن تتصرّفوا فيه (بتقدير الجاز أي عن أن تتصرّفوا فيه يعني أنه نهى عن القرب منه فيعلم منه النهي عن التصزف فيه بالطريق الأولى ودلالة النص، وهو كناية فلا ينافي إرادة المعنى الأصليئ منها، فالاستثناء دال أيضا على جواز القربان والتصرّف بالتي هي أحسن، ولم يتعرض المصنف ﵀ له ثمة لأنه معلوم بالطريق الأولى أيضا فلا يتوهم أن الاستثناء يدل على جواز القربان بالتي هي أحسن لا التصرّف فيه، وقوله: بالطريقة التي الخ بيان لتقدير موصوف مؤنث بقرينة صفته وتلك الطريقة كحفظه وهي معروفة، وقوله: بما عاهدكم الله بحذف العائد أي عليه إن كانت ما موصولة والعهد بمعنى المعهود، وعهد الله ما كلفهم به وأما عهد العباد فشامل لما عاهدوا الله عليه من التزام تكاليفه وعاهدوا العباد عليه، ويدخل فيه العقود وغيره منصوب معطوف على ضمير المفعول. قوله: (مطلوبا يطلب من المعاهد الئي (فالمسؤول من سألته كذا إذا طلبته فمسؤول بمعنى مطلوب، وقوله: يطلب الخ إشارة إلى أن المطلوب عدم إضاعته والثبات عليه فالإسناد مجازي أو فيه مضاف مقدر بعد حذفه ارتفع الضمير واستتر، وأصله مطلوب عدم إضاعته ومثله من الحذف والإيصال شائع، فلا تعسف فيه من جهة اللفظ كما قيل ولا من جهة المعنى أيضا لأن الجملة الاستئنافية التعليلية مساوية للمعلل بها فيكون تعليلا للشيء بنفسه إذ طلب عدم إضاعته عين طلب الوفاء به فإنّ مآله إلى أن يقال: أوفوا بالعهد فإن عدم إضاعته لم تزل مطلوبة من كل أحد فتطلب منكم أيضا كما أفاده الفاضل المحشي، وقوله: من المعاهد صيغة الفاعل شامل للمعاهد بزنة المفعول لأن باب المفاعلة فيه كل جانب فاعل ومفعول فلا يرد ما قيل إن هذا الوجه يختص بما إذا فسر العهد بما عاهدتموه ولو قال: من المعاهد أو المعهود له كان جارياً على التفسيرين كما في الوجوه الآتية سوى الأخير إلا أن يفسر صاحب العهد بما يعم غير المعاهد أعني المعهود له فإنه يجري على التفسيرين أيضا، وقوله أو مسؤولاً عنه أي على الحذف والإيصال، وقوله: يسأل الخ، بيان للمسؤول عنه. قوله: (أو يسأل العهد الخ ( ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ مجهول بكسر التاء على خطاب المؤنث أو بسكونها على حكاية ما وقع في القرآن، والاستشهاد به بناء على أنه لا سؤال ثمة وإنما القصد التوبيخ كما في هذا الوجه، وقيل إنه استشهاد لمجرّد السؤال لأن سؤالها بعد إحيائها يوم القيامة وهو سؤال حقيقي
فتأمّله. قوله: (فيكون تخييلا (التخييل له استعمالات كما ذكره الشريف في حواشي شرح المفتاح حيث قال: إنه يطلق على التمثيل بالأمور المفروضة وعلى فرض المعاني الحقيقية وعلى قرينة الاستعارة المكنية وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى فالمراد بالتخييل التمثيل بالاستعارة التصريحية للأمر المفروض فإن جعل العهد مسؤولا كذلك ويصح أن يراد معناه الاصطلاحي بأن يشبه العهد بشخص تصدر عنه أمور ويجعل كونه مسؤولاً عنها على التخييل قرينة لتلك المكنية وهذا مما لا خفاء فيه فلا وجه لما قيل إنّ الظاهر أن يقول فيكون تمثيلا أي يجعل العهد متمثلا على هيئة من يتوجه إليه السؤال كما تجسيم الحسنات والسيئات لتوزن إذ الظاهر أن الواقع ليس تخييلاً خاليا عن الحقيقة وكذا ما قيل إن مراده التخييلية المجرّدة عن المكنية لعدم ظهور وجه الشبه بين العهد والمسؤول عنه وقوله: لم نكثت بالخطاب معلوما ومجهولآ، والتبكيت التوبيخ والتقريع، وهذا كما ورد في الحديث من وقوف الرحم بين يدي الرحمن وسؤالها عمن وصلها وقطعها. قوله: (ويجوز أن يراد أنّ صاحب العهد الخ (أي يقدر مضاف قبل العهد كما ذكره، وقوله: ولا تبخسوا أي ولا تنقصوا فيه، وقوله: لسوفي أي المساوي بلا نقص فيه. قوله: (وهو رومتي (أي معرب من لغة الروم لفقد مادته في العربية وقيل: إنه عربيّ، وقيل إنه مأخوذ من القسط وفيه نظر، وقوله: ولا يقدج ذلك في عربية القرآن المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف، الآية: ١٢ لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربيا فلا حاجة
стр. 1876
إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب كما هو مشهور.
قوله: (وأحسن عاقبة (إشارة إلى أنه هنا بمعنى العاقبة لا بمعنى التفسير لأنه يطلق عليهما، إذ هو من الأول وهو الرجوع إلى الغاية المرادة منه علما أو فعلاً فالعلم كما في قوله: (وما يعلم تاويله إلا الله (، والفعل كقول ابن تيمية:
وللنوى قبل يوم البين تأويل
وقوله: يوم يأتي تأويله كما حققه الراغب، من ظن أنه لا يكون إلا بهذا المعنى فقد وهم فاحفظه. قوله: (ولا تتبع (بالتشديد والتخفيف أصل معنى قفاه اتبع قفاه، ثم استعمل في مطلق الإتباع وصار حقيقة فيه، وقات أثره إذا قصه واتبعه ومنه القيافة وأصل معناها ما يعلم من
الأقدام وأثرها وهو أص معروف عند العرب وقيل إن قاف مقلوب قفا، كجذب وجبذ والصحيح خلافه، والقافة كسادة جمع قائف أو اسم جميع له بمعنى متتبع الأثر ليعلم منه شيئا، وقراءة الجمهور بسكون القاف وضم الفاء وحذف حرف العلة الأخير وهو الواو للجازم وقرىء بإثباتها في الشواذ كقوله:
من هجو زبان لم تهجو ولم تدع
وهو معروف في النحو، والقراءة الثانية بضم القاف وسكون الفاء كتقل على أنه أجوف مجزوم. قوله: (ما لم يتعلق به علمك تقليد الخ (تقليداً منصوب على أنه مفعول له متعلق بقوله: ولا تتغ المفسر لقوله: ولا تقف وهو قيد للمنفيّ لا للنفي فيكون نفيا للتقليد الصرف، كما كان يفعل الكفرة من قولهم إنا وجدنا آباءنا فعلوا كذا، وأما تقليد المجتهدين فسيأتي بيانه، وقوله: أو رجما بالغيب أو فيه للترديد في التفسير أو لتقسيم ما كان بغير علم والرجم بالغيب استعارة للمتوهم لا من غير سند. قوله: (واحتج به من منع اتباع الظن (وكذا من منع العمل بالقياس من الظاهرية، وكذا العمل بالأدلة الظنية مطلقا، وقوله: وهو الاعتقاد الراجح الخ فخرج المرجوح والمتساوي الطرفين لأنه ليس العمل بالأدلة الظنية مطلقا، وقوله: هو الاعتقاد الراجح الخ فخرج المرجوج والمتساوي الطرفين لأنه ليس بعلم ولا ظن، وظاهره أن الظن يسمى علما حقيقة وهو مخالف للمشهور، قال في شرح المواقف: الظن والتقليد لا يسمى علما لا لغة ولا شرعا ولا عرفا، فقوله: واستعماله بهذا المعنى شائع كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ١٠، إشارة إلى دفع ما ذكر، وقيل إن الشرع أجرى الظن وان لم يكن علما مجرى العلم، وأمرنا بالعمل به للإجماع على وجوب العمل بالشهادة والاجتهاد في القبلة وغير ذلك، مما لا يحصى من الأحكام الفرعية، وقوله: المستفاد من سند أي ما يسند إليه ظنه من دليل أو أمارة فيدخل فيه التقليد، لأن له سندأ وهو حسن فإنه بالمجتهد أو سند المجتهد سند له في الحقيقة لعلمه بأنه لا يقول من غير دليل. قوله: (وقيل إنه مخصوص بالعقائد (أي ما ذكر من النهي عن اتباع ما ليس بعلم قطعي مخصوص بما ذكر فلا ينهض حجة لمن مغ العمل بالظن مطلقا حتى في القياس والتقليد في الفروع ونحوه والمخصص له أمر خارج عن الظن وهو عمل الناس والآثار الشاهدة بخلافه، وقوله: وقيل بالرمي أي القذف والذمّ بما لم يتحققه أو الشهادة بخلاف ما يعلمه أو بما لم يعلمه، وتخصيصه بما ذكر يدفع الاستدلال به على ما مرّ أيضا، وأما القول بأن المراد به مطلق الشهادة فباطل ولا سند فيما ظنه القائل به سنداً وهو ظاهر. قوله: (ويؤيده قوله عليه الصلاة
والسلام (أي يؤيد كون المراد به الرمي والقذف وشهادة الزور لأنهما سواء في أنهما نسبة ما لا أصل له إلى غيره فدليل أحدهما دليل للآخر، وقيل: إنه مؤيد للرمي وحده، فكان عليه أن يقدم شهادة الزور عليه أو يؤخرها عن الدليل، والحديث المذكور رواه الطبراني وغيره، بمعناه مع مخالفة فا في لفظه حتى قال العراقي: لم أجده بهذا اللفظ بعينه مرفوعا ولا ضير فيه، والردغة بفتح الراء المهملة وسكون الدال المهملة وفتحها والغين المعجمة أصلها في اللغة الوحل الشديد، والخبال بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة أصله الفساد في العقل ونحوه، وأما ردغة الخبال الواردة في الحديث ومثلها طينة الخبال الواردة في حديث من شرب الخصر كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال ففسرت في كتب الحديث بما يخرج من أبدان أهل النار من القيح والدم والصديد ونحوه، وهو تفسير مأثور وقوله: قفا بمعنى اغتاب وقذف. قوله: (حتى يأتي بالمخرج (المخرج بفتح فسكون المعروف في معناه أنه ما يخرجه عن عهدته ولما كان هذا غاية لحبسه في النار الواقع في الآخرة ولا مخرج له ثمة عن عهدة
стр. 1877
ما صدر منه لأنّ المتبادر إثبات ما اذعاه ونحوه أوّلوه بأنّ المراد بالمخرج ما يخرجه من حبسه في النار وهو أن يحمل عليه من ذنوب المغتاب ما يعذب به على مقداره ثم يخرج منها فالإتيان به مجاز عن تحمل ما يعذب به لأنه مسبب عما أتى به أوّلاً، وقيل إنه على حذ قوله حتى يلج الجمل في سمّ الخياط فهو كناية عن أنه لا إتيان له بدافع ولا خروج له عن عهدته لتعليقه على ما لا يكون فيفيد ما ذكر على أبلغ وجه وآكده وأما تفسيره بحتى يتوب فلا وجه له لما مر إلا أن يؤوّل حبسه بفعل ما يستوجب حبسه، ولا يخفى بعده. قوله: (وقول الكميت (بالتضمير شاعر إسلاي معروف وهم ثلاثة هذا أصغرهم والبيت من قصيدة له هجا بها نساء كليب، وقوله: بغير ذنب تأكيد لكونه بريا وأقفو بمعنى أقذف كما مر، والحواصن بالحاء والصاد المهملتين بمعنى المحصنات من النساء جمع حاصنة بمعنى محصنة أي عفيفة، وان قفينا بصيغة المجهول أي قذفهن غيري، والنون ضمير الإناث والألف لاطلاق القافية إشباعا للفتحة. قوله: (فأجراها مجرى العقلاء (هذا بناء على أن أولئك هل يختص بالعقلاء أو يغلب فيهم كما قيل أو هي عاقة
لهم ولغيرهم فعلى الأوّل تكون تلك الأعضاء منزلة منزلة العقلاء لصدور أفعالهم أو ما يشبهها منهم ففيه استعارة بقرينة الإشارة بما يشار به إلى العقلاء وهو أولئك وعلى غيره لا حاجة إليه واليه أشار بقوله: هذا الخ أي الأمر هذا أو خذ هذا، وكون ها بمعنى خذ بعيد، وقوله لما بفتح اللام وتشديد الميم جوابها محذوف بقرينة ما هو مقدّم عليها مما مر هو بمعناه أو بكسر اللام التعليلية وتخفيف الميم وما مصدرية وقوله: اسم جمع لذا أي اسم جمع لا مفرد له من لفظه وإنما له مفرد من معناه كرهط. قوله: (كقوله (أي قول الشاعر وهو جرير في قصيدته المشهورة وأوّله:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى
وقال ابن عطية الرواية: بعد أولئك الأتوام فلا شاهد فيه، وما وقع للمصنف ﵀ كالزمخشري مسطور في الكتب المعتبرة فلا يلتفت إلى ردّه ومعناه أنه يخاطب صاحبه ويقوله له: اذمم كل منزل وكل حياة بعد تلك المنازل وأيامها الخالية فيها واللوى موضع معروف. قوله: (في ثلاثتها ضمير كل (أي في كان وعنه ومسؤولاً ضمير مفرد عائد إلى كل أولئك بتأويل كل واحد منها مع أنه يجوز الإفراد وان لم يؤوّل بذلك لأن كلا المضافة إلى نكرة يطابق الضمير العائد إليها المضات إليه إفراداً وجمعاً وهل هو لازم أو لا فيه كلام فإن كان المضات إليه معرفة كما هنا جاز فيه الإفراد وغيره مراعاة للفظ أو المعنى ولذا لم يقل: كانت عنها مسؤولة لأن كل عبارة عما أضيف إليها وهو جمع معنى. قوله: (عن ئفسه (بيان لمعنى النظم وأنّ السؤال عن نفسه لا عن غيره، وقوله عما فعل به صاحبه ما مصدرية أو موصولة بحذف العائد أي فعله به، والباء للتعدية أو للسببية أي هل استعمله لما خلق له أم لا، وقوله ويجوز الخ معطوف بحسب المعنى على ما قبله وقوله المصدر لا تقف فيه تسمح لأنه مصدر تقف. قوله: (أو لصاحب السمع والبصر (وهو القافي وقد جوّز هذا في ضمير كان ففيه التف ت لأن الظاهر كنت حينئذ. قوله: (وقيل مسؤولا مسندا إلى عنه (على أنه نائب الفاعل وقائله الزمخشري وهذا رد عليه تبعا لأبي البقاء وغيره لأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله قال المعرب ﵀: وليس لقائل أن يقول إنه على رأي
الكوفيين في تجويزهم تقديم الفاعل لأنّ ابن النحاس حكى الإجماع على عدم جوارّ تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جازاً ومجروراً فليس هو نظير غير المغضوب عليهم إلا أن ينازع فيه، وفي شرح المفتاح أنه مرتفع بمضمر يفسره الظاهر وجوّز إخلاء المفسر عن المسند إليه إذا لم يكن فعلا لالحاقه بالجوامد لعدم أصالته في العمل وهو مخالف للقياس والنقل، قال في الكشف فالوجه أنه حذف منه الجارّ فاستتر فيه الضمير ولو علل جواز تقديمه بأنّ المجرور بالحرف لا يلتبس بالمبتدأ لكان له وجه كما في التقريب، وجوز أن يكون مسؤولاً مسنداً إلى المصدر المدلول عليه ولكنه لا يصلح تصحيحا لكلام الكشاف. قوله: (مؤاخذ بعزمه) إذا صمم عليه بخلاف مجرد الخاطر كما فصله في الإحياء وقد قيل عليه إنه يجوز أن يكون ما يسأل عنه الفؤاد العقائد لا الهتم بأمر ولا حجة للمحتمل
стр. 1878
فتأمله. قوله: (وقرىء والفواد الخ (أي قرأ بعضهم وهو الجزاح العقيلي بفتح الفاء وابدال الهمزة واو وتوجيهها أنه أبدل الهمزة واواً لوقوعها بعد ضمة في المشهور ثم فتح الفاء تخفيفا وهي لغة فيه ولا عبرة بإنكار أبي حاتم لها. قوله: (ذا مرح) المرج شدة الفرح والسرور كذا فسره المعرب وفسره المصنف كغيره بالاختيال وهو افتعال من الخيلاء وهي العجب والكبر وهو أنسب أي لا تمش مشية المعجب المتكبر وفي انتصابه وجوه فقيل إنه مفعول به وقيل إنه مصدر وقع موقع الحال مبالغة فهو إما مؤوّل بمرج بكسر الراء بصفة الشبهة كما قرىء به أو مقدر فيه مضاف كما هو معروف في مثله وإليه أشار المصنف ﵀. قوله: (وهو باعتبار الحكم أبلغ (يعني القراءة بالوصف هنا أبلغ من قراءة المصدر المفيد للمبالغة بجعله عين المرج كما يقال رجل عدل لأنه واقع في حيز النهي الذي هو في معنى النفي ونفي أصل الاتصاف أبلغ من نفي زيادته ومبالغته لأنه ربما يشعر ببقاء أصله في الجملة وجعله المبالغة راجعة إلى النفي دون المنفيئ بعيد هنا كما لا يخفى، هذا ما عناه المصنف ﵀ وهو تعقب لما في الكشاف فإنه قال: مرحاً حال أي ذا مرج وقرىء مرحا وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد اهـ فرده بأن المصدر آكد لما مر لكنه في الإثبات لا في النفي وما في حكمه، وقال الطيبي ﵀: إن القراءة باسم الفاعل شاذة وفي كلامه تسامح لأنه قال وفضل الأخفش الخ بعدما أوّله بذي مرج وإنما يكون المصدر أبلغ إذا ترك مجاله، ولا يرد ما ذكره لأن أوّل كلامه إشارة إلى دفع ما ذكره الأخفش حتى لا تفضل إحدى القراءتين على الأخرى أو هو ماش معه على تفضيل المتواترة على الشاذة أو ما ذكر أولا أراد به تصوير المعنى لا تقدير المضاف ولو سلم فهو مبنيّ على ظاهر التركيب فإن العدول عن التصريح يشعر به على أنّ جعله صاحب مرج أبلغ لجعله ملازما له كأنه مالك حائز له، فإن قلت مرج صفة مشبهة تدل على الثبوت ونفيه لا يقتضي نفي أصله أيضا، قلت هذه مغالطة نشأت من عدم معرفة معنى الثبوت فيها فإن المراد به أنها لا تدل على تجدد
وحدوث لا أنها تدل على الدوام كما ذكره النحاة، ثم إن ما ورد على الزمخشري أورده بعضهم على المصنف ﵀ من عنده وقد عرفت دفعه، نعم يرد عليه أن ما ذكره فيه تفضيل القراءة الشاذة على المتواترة ولا وجه له، فتدبر. قوله: (لن تجعل فيها خرقا (فسره به إشارة إلى أنه ليس المراد به النفوذ من جانب إلى آخر كما يتبادر منه، وقوله: بتطاولك أيمما بتكلفك الطول بمد قامتك كما يفعله المختال تكلفا وهذا بيانا لحاصل المعنى فلا ينافي كونه تمييزاً أو مفعولاً له، وقيل إنه إشارة إلى أنه منصوب على نزع الخافض وأن الطول بمعنى التطاول وكونه إشارة إلى أنه مفعول له لما بين اللام والباء من الملابسة تكلف لا داعي له، وقوله: وتعليل لأن مآله إلى أن لا فائدة فيه والجدوى بالجيم والدال المهملة الفائدة. قوله: (إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين الخ (وذكره لتأويله بالمذكور ونحوه، وأولها ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٢، وهي النهي عن اعتقاد أن له شريكا، وثانيها وثالثها قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣، إذ هي أمر بعبادة الله ونهي عن عبادة غيره ورابعها ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] وخامسها ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء، ١ لآية: ٢٣، وسادسها ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣، وسا بعها ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] وثامنها ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٤] وتاسعها ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٤، وعا شرها ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٦، وحادي عشرها ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ [سورة الإسراء، ١ لآية: ١٢٦ وثاني عشرها ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٦، وثالث عثرها ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ اسورة الإسراء، الآية: ٢٦] ورابع عشرها ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٨، وخامس عشرها ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٩] وسادس عشرها ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٩، وسابع عشرها ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣١، وثامن عشرها ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣١، وتاسع عشرها ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٣] وعشروها ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٣، وحادي عشريها ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٣٤ وثاني عشريها ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٥، وثالث عشريها ﴿وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [سورة الإسرأء، الآية: ٣٥] ورابع عشريها ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٦، وخامس عشريها ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [سورة الإسراء،
الآية: ١٣٧ وكلها تكليفات. قوله: (يعني المنهي عته الخ) في هذه الآية قراءتان فقرأ الكوفيون وابن عامر سيئه برفعه على أنه اسم كان واضافته إلى ضمير الغائب المذكر
стр. 1879
وهي التي فسرها المصنف ﵀ أوّلاً، وقرأه الباقون مؤنثا منصوبا وعلى الأولى اختلف المفسرون في تفسيرها فذهب المصنف كغيره إلى أن كل ذلك شامل لجميع ما مرّ من الأوامر والنواهي وهو مبتدأ والجملة بعده خبره وسيئه المنهيات منه، فالإضافة لامية من إضافة البعض إلى الكل، وذهب آخرون إلى أن الإضافة بيانية وأن كل ذلك سيىء أما النواهي فظاهرة وأما الأوامر فلأنها نهي عن أضدادها فهي دالة عليه في الجملة أو الإشارة الى ما نهى عنه كما في الوجه الآتي والأوّل أظهر ومناه جمع منهي وفيه شيء. قوله: (إشارة إلى ما نهى عنه خاصة (بطريق التصريح ويجوز التعميم على أنّ الإشارة إلى ما نهى عنه صريحا أو ضمنا كما مرّ وقوله: بدل من سيئة أو صفة لها أي مكروها، وعند ربك متعلق به مقدم من تأخير وقوله محمولة على المعنى لتذكيره على الوصفية لا على البدلية فإنه لا يعتبر فيها المطابقة، وقل: إنّ السيئة بمعنى الذنب جرت مجرى الجوامد، وضعف البدل بأنّ بدل المشتق قليل، وقيل: إنه خبر كان لجواز تعدد خبرها وقوله على أنه صفة سيئة فيستتر فيه ضميرها والحال حينئذ مؤكدة. قوله: (والمراد به المبغوض (أي المراد بالمكروه هنا وهو جواب عن قول المعتزلة أنّ القبائح لا تتعلق بها الإرادة هالا اجتمع الضدان الإرادة المرادفة أو الملازمة للرضا عندهم والكراهة ونحن لا نقول بذلك لما ذكره المصنف ﵀ وقوله: لقيام القاطع الخ دفع لقولهم لا يعدل عن الظاهر بلا دليل ولا ضرورة، وقوله: إشارة الخ بتأويل المذكور كما مرّ وهي من قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخ. قوله تعالى: ( ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ﴾ الخ (أي كائن منا أوحي ومعلوم به وقوله: من الحكمة جوز فيه المعرب أن يكون حالاً من الموصول أو من عائده المحذوف أو متعلقاً بأوحى، ومن تبعيضية أو ابتدائية أو متعلقا بمحذوف ومن بيانية أو الجار والمجرور بدل مما أوحى. قوله: (التي هي معرفة الحق لذاته الخ) تفسير للحكمة وهي إما نظرية وأجلها معرفة الله ولذا اقتصر المصنف ﵀ عليها وقيل إن أريد بالحكمة ما سبق ذكره فهو ظاهر ويأباه التعميم في قسميها وإما عملية واليها أشار بقوله والخير الخ. قوله: (فإن من لا قصد له بطل
عمله الخ (قيل إنه لا دلالة على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه وهو غير متوجه إذ مراده كما نطق به كلامه أن فائدة الأعمال متوقفة على التوحيد فإن من عمل عملا من غير قصد أصلا عمله باطل لا يثاب عليه ومن قصد به غير الله كالأصنام أو الرياء كان سعيه ضائعا إذ لا يفيده شيئاً فبقي أن يقصد به وجه الله لا غير لينفعه وهذا متوقف على معرفة الله تعالى وتوحيده، ومن الناص من رده وتردد فيه من غير محصل لكلامه. قوله: (وإنه راس الحكمة وملاكها (معطوف على قوله أن التوحيد الخ الرأس معروف ويطلق على الأول والأشرف والمراد الثاني لأن الأوّل بمعنى المبدأ وقد تقدم ذكره والملاك بكسر الميم ما به البقاء فالمراد أنه أشرف الأمور وبه يكون بقاؤها وثباتها لأنه علم أنه من الحكمة بدخوله فيها ثم لما أعاد ذكره تأكيدا علم منه أنه مما يعتني به لما ذكر. قوله: (ورتب عليه الخ (يعني قوله مذموما مخذولاً وقوله: فتلقى في جهنم الخ، وقوله: تلوم نفسك لأنه في القيامة يشتغل كل أحد بنفسه فلا يتفرغ للوم غيره ولو سلم فيعلم منه لوم غيره بالطريق الأولى. قوله: (والهمزة للأنكار الخ (بمعنى أنه لم يكن ذلك من الله ولا يليق صدور اعتقاده بعاقل وهي مقدمة من تأخير أو داخلة على مقدر على ما تقرر والفاء على الأول لسببية الإنكار لا لإنكار السببية، وقوله: أفخصكم تفسير لأصفاكم لأنه من كونه صافيا أي خالصاً والباء داخلة على المقصور والكلام فيه معروف، وقوله: بناتا لنفسه أي لتكون أولاداً له لا للتزوّج، وعبر بالإناث إظهارا لخستهن وقوله: خلاف ما عليه عقولكم يعني من ترك الأشرف مع القدرة عليه وعادتهم من قبل ترك البنات بوأدهن واضافة الأولاد نسبتها وفي نسخة هن بدل هي باعتبار البنات والصحيح الأولى، وقوله لسرعة زوالها فيحتاج إلى بقاء النوع بالتوالد وأنت ضمير زوالها العائد للبعض لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه أو لتأويله بالمتوالدة ويصح رجوعه للأجسام وقال بعض: لأنّ منها ما لا يتوالد كالفلكيات وقوله: بتفضيل معطوف على قوله: بإضافة الأولاد وكذا ما بعده، وما تكرهون هو البنات وأدونهم الإناث. قوله: إكررنا هذا المعنى) يشير إلى
стр. 1880
أنّ التصريف تكرير الشيء من حال إلى حال والمراد به التعبير عنه بعبارات، ومفعوله محذوف أي صرفناه. قوله: (في مواضع منه (إشارة إلى أن القرآن المراد منه المجموع، وقوله: ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات
الخ، لا يعني به أنه أطلق القرآن وأراد به الإبطال من باب إطلاق اسم الحاذ على المحل بل المراد أق هذا القرآن إشارة إلى البعض المشتمل على الإبطال ويؤيده قوله ولقد صرفنا القول في هذا المعنى كما أفاده في الكشف، وصرفنا متعد مفعوله القول المقدر وايقاع القرآن على المعنى وجعله ظرفا للقول إما بإطلاق اسم المحل على الحال لما اشتهر أنّ الألفاظ قوالب للمعاني أو بالعكس كما يقال الباب الفلاني في كذا، وهذه الآية في تحريم كذا أي في بيانه وكلا الاستعمالين شائع، وقوله: أو أوقعنا الخ على تنزيله منزلة اللازم وتعديته بفي كما في قوله: تجرج في عراقيبها نصلي، وفي نسخة بالواو بدل أو فيكون مع ما قبله وجهاً واحدا ويكون قوله على تقديره ولقد صرفنا القول بيانا لحاصل المعنى لا لتقدير المفعول لكنه خلاف الظاهر. قوله: اليتذكروا (إشارة إلى أصك لفظه وأنه من التذكر بمعنى العظة وأما قراءة التخفيف فمن الذكر بمعنى التذكر ضد النسيان والغفلة، ثم إن الزمخشري أشار إلى نكتة هنا وهو أنه قال أي كرّرناه ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم فإن التكرار يقتضي الإذعان واطمئنان النفس به فيكون قوله: وما يزيدهم تعكيسا وهو معنى لطيف تركه المصنف ﵀، وقوله: وقلة طمأنينة إليه قيل: القلة بمعنى العدم أو كناية عنه ويجوز ابقاؤها على ظاهرها لأنهم ربما اطمأنوا لبعضه ظاهرا، وقوله وفيما بعده هو عما يقولون، وقوله: على أن الكلام مع الرسول ﷺ بمعنى أنه إذا أمر أحد بتبليغ كلام لأحد فالمبلغ له في حال تكلم الآمر غائب ويصير مخاطبا عند التبليغ فإذا لوحظ الأوّل فحقه الغيبة وإذا لوحظ الثاني فحقه الخطاب كما في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٢] وقد قرىء بالوجهين وقيل إنه يريد أنه ليس من جملة القول المأمور به بل كلام الله مع رسوله ﷺ معترضاً بين الشرط والجزاء، وعلى قراءة الخطاب هو متعلق بالشرط وفيه نظر. قوله: (مما أمر الرسول ﷺ الخ (أي باعتبار حاله عنده مكالمتهم لا باعتبار حاله مع الله، وقوله مما نزه به نفسه أي ابتداء من غير أمر للرسول ﷺ لهم، وقولي عن قولهم وهو أن مع الله آلهة وقوله وجزاء للو لاقترانها بإذا واللام وقوله لطلبوا الخ فقوله إلى ذي العرس بمعنى إلى مقابلته ومغالبته والمعازة بالزاي المعجمة مفاعلة من العز ومعناها المقاومة والمغالبة من عزه إذا غلبه وهذه الآية، كقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] ففيها إشارة إلى برهان التمانع بتصوير قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي كما سيأتي تقريره ثمة. قوله: (أو بالتقرب إليه والطاعة (فالسبيل بمعنى الوسيلة الموصلة إليه وضمير ابتغوا فيهما للآلهة قالوا إنه إشارة إلى قياس اقتراني والمراد بالآلهة من عبد من أولي العلم كعيسى والعزير عليهما الصلاة والسلام وتقريره هكذا لو كان كما زعمتم آلهة لتقربوا إليه وكل من كان كذلك ليس إلها فهم ليسوا بآلهة ولو على الأول امتناعية وعلى هذا شرطية والقياس مركب من مقدمتين شرطية اتفاقية وحملية. قوله: (ينزه تنزيهاً (يشير إلى أنّ سبحان مصدر سبح بمعنى نزه وبرأ لا بمعنى قال سبحان الله كما م تقريره، وينزه بالياء في أوّله مجهول مضارع نزه تنزيها كما في النسخ الصحيحة لا بالتاء ماضي تنزهاً كما ظنه بعضهم فحبط إذ قال قدر فعله من التفعل لا من التفعيل ليناسب قوله تعالى ولم يقل تنزها لما مر أن سبحان من التسبيح الذي هو التنزه وقوله تعاليا إشارة إلى أن علوّاً مصدر من غير فعله كقوله أنبتكم من الأرض نباتا. قوله: (متباعداً غاية البعد) إشارة إلى أن الكبر من صفات الأجسام فإذا وصفت به المعاني فسر بما يليق بها وهو ما ذكره هنا، وذكر العلوّ بعد عنوانه بذي العرش في أعلى مراتب البلاغة، وقوله: ما يمتنع بقاؤه أي عادة لا بالذات ولذا توالد وتناسل لبقاء نوعه في الجملة. قوله: (ينزهه عما هو من لوازم الإمكان) يعني أن في قوله تسبح الخ استعارة تمثيلية أو تبعية كنطقت الحال فإنه استعير فيه التسبيح للدلالة على وجود فاعل قادر حكيم واجب الوجود منزه عن الإمكان وما يستلزمه كما يدل الأئر
стр. 1881
على مؤثره فجعلت تلك الدلالة الحالية كأنها تنزيه له عما يخالفه:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد..٠
فلوازم الإمكان الأمور الموجبة والمستلزمة له وقوله: حيث الخ إشارة إلى أنها محتاجة
إلى الفاعل في الوجود والبقاء لأنّ سببه الإمكان والحدوث على ما اختاره المحققون من أهل الكلام وبهذا ظهر وجه الشبه وان الدلالة مشبهة بالتنزيه لا أنها مفروغ منها كما توهم. قوله: (أيها المشركون (إشارة إلى جواب سؤال مقدر وهو أنه إذا كان التسبيح بمعنى الدلالة الظاهرة المشبهة بالتنزيه كيف قيل إن الناس لا يفهمون ذلك وكثير من العقلاء فهمه ولهذا ذهب بعض الظاهرية وارتضاه الراغب أنه تسبيح حقيقي ولكنا لا ندركه لحكمة ولا يستغرب هذا وقد
سبح الحصى في كف نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام وسلمت عليه الحجارة فدفعه بأن الخطاب للمشركين والكفرة بقرينة ما قبله فإنه مسوق لهم وهم لو فقهوه ما أشركوا وسيأتي ما يرد عليه ودفعه وأن السؤال مدفوع على عموم الخطاب أيضا. قوله: (ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك الخ (معطوف على ما قبله بحسب المعنى أي يجوز أن يراد به الدلالة على تنزيه الباري عما ذكر مطلقا سواء كانت حالية أو مقالية على أنه من عموم المجاز أو بالجمع بينهما على رأي من جوزه، وعبر بالجواز رداً على ما يفهم من ظاهر كلام الكشاف من منعه وإشارة إلى أنه مرجوج عنده لأنه مع بعده لا يلائمه قوله لا تفقهون لأن منه ما يفقهه المشركون وغيرهم وهو التسبيح اللفظي وأن أجيب عنه بأنهم لعدم تدبرهم له وانتفاعهم به كان فهمهم بمنزلة العدم أو أنهم لعدم فهمهم لبعضه جعلوا كمن لا يفهم الجميع تغليباً وهذا وان حسم السؤال لكنه ضغث على إتالة، وقوله وعليهما عطف على قوله على المشترك أي على اللفظ والدلالة الحالية معاً، وقوله على معنييه أي الحقيقيّ والمجازي كما يحمل على الحقيقيين والمجازيين. قوله: (وقرأ ابن كثير الخ (قرأ أبو عمرو والأخوان وحفص بالتاء الفوقية تسبح له السموات، والباقون بالتحتية لأن التأنيث مجازي مع الفصل، وقال ابن عطية أنه أعيد على السموات والأرض ضمير العقلاء لإسناد ما هو من أفعالهم لها، ورده المعرب بأنه ظن أن ضميرهت يخص العاقلات وليس كذلك. قوله: (حين لم يعاجلكم الخ (إشارة
إلى دفع ما قيل جعل الخطاب للمشركين لا يناسب قوله أنه كان حليما غفوراً فالظاهر أنه للمؤمنين وأن قوله لا تفقهون إشارة إلى ما عليه الأكثر من الغفلة وعدم العمل بمقتضاه، ورد بأنه لا يلتئم مع ما قبله من الإنكار على المشركين لما أسندوه إليه فلما نزهه عنه قال هذ التنزيه مما شهد به حتى الجماد، وأما التذييل بقوله أنه كان حليما الخ، فوجهه كما أشار إليه المصنف ﵀ أنه لا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وقصورهم في النظر ولو تابوا لغفر لهم ما صدر منهم فكأنه قيل ما أحلم الله وأكرمه وهذا في غاية البلاغة والانتظام. قوله: (يحجبهم عن فهم ما تقرؤه (قيل عليه إنه وان روي عن قتادة واختاره الزجاج وغيره لا يلائم قوله: بينك وبين الذين الخ إلا بتقدير حذف مضافين أي جعلنا بين فهم قراءتك وأيضا هو على هذا مكرر مع ما بعده من غير فائدة جديدة فالأولى أن يحمل على ما روي من أنها نزلت في أبي سفيان وأبي جهل والنضر وأئم جميل إذ كانوا يؤذونه إذا قرأه فحجب الله أبصارهم عنه فكانوا يمزون ولا يرونه، ومن الناس من يرد عليه بأنه سهل من غير بيان لوجه ألسهولة وكان السكوت عنه خيرا له بل الظاهر أنه لا يقدر فيه وإنما يلزم لو كان حقيقة وهذا تمثيل لهم في عدم استماع الحق بمن كان وراء جدار وحجب كما أن الأكنة كذلك وأما الإعادة من غير إفادة التي اذعاها فقد كفانا المصنف ﵀ شرها فإن قوله: تسبح له السموات الخ نفي لفهمهم للأدلة الآفاقية والنفسية ثم عقبها بما هو أبلغ وهو أنهم لا يفهمون فصيح المقال فضلا عن دلالة الحال ثم صرح بما اقتضاه من كونهم مطبوعين على الضلال وأي فائدة بعد هذا أجل لمن كان ذا بال وقد تتبعنا كلام الكشاف والمصنف فرأيناهما إذا اقتصرا على تفسير أو قدماه فهو مأثور عن السلف ما لم يدع داع إلى سواه. قوله: (ذا ستر كقوله تعالى: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (لما كان الحجاب ساترا لا مستورا ذهبوا في تأويله إلى
стр. 1882
وجوه، منها ما ذكره من أنه للنسب كلابن وتامر، وهو وأن اشتهر في فاعل فقد جاء في مفعول أيضا كما نبهوا عليه وله نظائر كرجل مرطوب ومكان مهول وجارية مغنوجة، ولا يقال رطبته وهلته وغنجته وعليه يخرّج كل ما جاء على مفعول من اللازم فاحفظه، ومنه وعدا مأتيا أي ذا إتيان لأنه آت وكذا سيل مفعم بالفتح فإنه مفعم بالكسر من أفعمت الإناء إذا ملأته وأهل المعاني مثلوا به للإسناد المجازي وهو جائز فيه كما يجوز في النظم هنا كما في شروح الكشاف ولكل وجهة لكن صاحب الكشاف رجح النسبة على التجوز في الإسناد في هذا المثال بأنه لو قيل أفعم السيل الوادي كان التجوّز بحاله وفيه نظر لكن المثال لا يتحمل القيل والقال.
قوله: (أو مستورا عن الحس) فيكون بيانا لأنه حجاب معنوي لا حسيّ فهو على ظاهره حقيقة، وقيل إنه على الحذف والإيصال والأصل مستوراً به الرسول ﷺ عن رؤيتهم أو فهم ما يقرؤوه وادراكه، وقوله: أو بحجاب آخر فيكون عبارة عن تعدّد الحجب، وقوله: لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون بيان لتعدد الحجب المجازية فالحجاب الأوّل: عبارة عن عدم الفهم، والثاني: عدم فهم عدم الفهم، وعن الأخفش أن مفعولاً يرد بمعنى فاعل، كميمون ومشؤوم بمعنى يأمن وشائم كما أن فاعلا يرد بمعنى مفعول كماء دافق فإن أراد أنه حقيقة فقريب، وقوله: نفي عنهم تفصيل لمعنى هذه الآية مع ما قبلها وما بعدها وبيان لارتباطها، وقوله: النفقة للدلالات ضمنه معنى التفطن والتدبر فعداه باللام، وقوله: مطبوعين أي مجبولين ومخلوقين وكلامه ظاهر، وقوله: تكنها يقال كنه وأكنه إذا ستره. قوله: (كراهة أن يفقهوه (يعني أنه مفعول له بتقدير مضاف أو هو مفعول به لفعل مقدر مفهوم من الجملة أو من أكنة وأما جعله من التضمين كما قيل فغيرظاهر فإنه لا يظهر تضمين جعلنا أو أكنة أو الجملة بتمامها كما ذهب إليه بعض الشراح. قوله: (يمنعهم عن استماعه) أي عن حق استماعه، وكذا قوله فهم المعنى وإدراك اللفظ أي كما ينبغي ويليق به فإنهم كانوا يسمعون اللفظ من غير تدبر فلا يدركون إعجازه فقد منعوا عن إدراكه على ما ينبغي وكذا حال المعنى فلا يرد أن فهم المعنى موقوف على إدراك اللفظ فالجعل الثاني على تقدير كونه حقيقة كاف في الأمرين كما قيل: وهذا لو سلم لا يرد على المصنف ﵀ ولو حمل على ظاهره لأنه ترق فكأنه لما قال لا يفهمون المعنى قال: بل لا يدركون لفظه فضلا عنه ولا محذور فيه حتى يتكلف له ما ذكر. قوله: (واحدا غير مشفوع به الخ (أي مقرون بذكره ذكر شيء من الآلهة، كما كانوا يقولون بالله واللات مثلا وعدم اقترانهم به صادق بنفيهم فلا يرد ما قيل إن المتبادر من هذا كونه غير مشفوع به في الذكر، وقوله: بعده هربا من استماع التوحيد يقتضي أنه غير مشفوع به في الألوهية، وقوله: مصدر وقع موقع الحال في الدرّ المصون أنّ فيه وجهين أحدهما أنه منصوب على الحال وإن كان معرفة لفظا فإنه في قوّة النكرة إذ هو في معنى منفردا وهل هو مصدر أو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال فوحده موضوع موضع اتحاد، واتحاد وضع موضع متوحد، وهذا مذهب سيبويه ﵀ أو هو مصدر أوحد على حذف الزوائد وأصله اتحاد أو هو بنفسه مصدر وحده فعلا ثلاثيا، يقال: وحده يحده وحدا وحدة كوعد أو عدة، وقال الزمخشري: إنه مصدر الثلاثي سادا مسذ الحال بمعنى واحدا كجهدك، وهذا ليس بمذهب سيبويه، والئاني:
أنه منصوب على الظرفية وهذا مذهب يونس، وعلى الحالية إذا وقعت بعد قاعل ومفعول كقوله: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده جاز كونها حالا من كل منهما أي موحداً له أو موحداً بالذكر فقول المصنف ﵀ واقع موقع الحال أي لا منصوب على الظرفية ولا على المصدرية بفعل هو الحال في الحقيقة وهذا معنى قوله وحده أي هو حال وحده لا مع عامله ولا مع متعلقه. قوله: (هرباً (يعني أنه مفعول له أو مفعول مطلق لقوله ولوا فهو منصوب بولوا لتقارب معناهما، أو جمع نافر فهو حال، وقوله: بسببه ولأجله يعني أنه متعلق بيستمعون والضمير لما والباء سببية في به لا بمعنى اللام إلا أنه وقع في نسخة أو بدل الواو وعليها يتعين ذلك، وقد تجعل الباء للملابسة أي يستمعون بقلوبهم أو بظاهر أسماعهم والأوّل أولى واما باء بما
стр. 1883
فمتعلقة بأعلم لأن أفعل للتعجب أو التفضيل في الجهل والعلم يتعدى بالباء وما سواهما باللام تقول هو أعلم بحاله وأكسى للفقراء، وقوله: من الهزء الخ بيان لما وقوله ظرف لأعلم أي متعلق به أي نحن أعلم بما هم عليه في هذا الوقت، وليس المراد تقييد علمه بل الوعيد لهم وقيل إنه متعلق بيستمعون الأولى، وقوله: بغرضهم من الاستماع وهو الهزء السابق، وقوله: مضمرون أي مخفون لغرضهم وهو يعلم من الاقتصار على الاستماع المقابل بالنجوى، وقوله ذوو نجوى إشارة إلى تقدير المضاف على المصدرية وإذا كان جمع نجيّ فهو كقتيل وقتلى. قوله: (على وضع الظالمين (أي وضع الظاهر موضع الضمير إذ الظاهر إذ يقولون لكنه عبر به للإشارة إلى أنهم بهذا متصفون بالظلم له أو لأنفسهم وقوله للدلالة متعلق بقوله بدل لبيان فائدة الإبدال وبقولهم خبر إن. قوله: (هو الذي سحر به فزال عقله (فهو كقولهم أن هو إلا رجل مجنون، وبه متعلق بسحر لتضمينه معنى فعل السحر به، وقوله: الذي له سحر بسكون الحاء وسينه مثلثة، كما في الدرر والغرر وقد تفتح حاؤه، والرئة مهموز آلة للنفس معروفة في الجوف، وقوله: يتنفس الخ إشارة إلى أنّ مسحوراً بمعنى ذا سحر وهو كناية عن كونه بشراً مثلهم لا يمتاز عنهم بشيء يقتضي اتباعه على زعمهم الفاسد، يقال: رجل مسحور ومسحر أي يأكل ويشرب ومنه سحور الصائم أو هو من وقت
السحر لأنه زمانه وهذا تفسير أبي عبيدة وقيل إنه بعيد لفظاً ومعنى لأنه لا يناسب ما بعده من كونه ضرب مثلا ولذا أخره المصنف ﵀ ومرضه. قوله: (مثلوك بالشاعر الخ) أي قالوا تارة هذا وتارة هذا مع علمهم بخلافه فإنما قصدوا تشبيه حالك فيما قلته ونطقت به من القرآن بحال هؤلاء فتكون مثلوك بمعنى شبهوك إما على أن الأمثال جمع مثل بفتحتين أو مثل بكسر فسكون، وفي الكشف الأظهر أن تفسير ضربوا لك الأمثال بمعنى بينوا لك الأمثال كما ذكر في غير هذا المحل بقوله وقالوا أئذا كنا الخ المقالات الثلاث ألا ترى قوله: واضرب لهم مثلا فتفسيره بمثلوك غير ظاهر إذ الظاهر حينئذ مثلوا للى وبه ياهـ تبط الكلام أتم ارتباط فلما ذكر استهزاءهم بالقرآن عجبه من استهزائهم بمضمونه من البعث دلالة على أنه أدخل في التعجب لمخالفته العقل وأما على هذا التفسير فيكون وقالوا معطوفاً على فضلوا لأنه من الضلال أو على مقدر تقديره مثلوك بما ذكر، وقالوا: وأورد عليه أنه لا يظهر كون المقالتين الأخيرتين من ضرب المثل فالأولى الاقتصار على الأولى كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ﴾ [سورة ياسين، الآية: ٧٨] الآية وسميت أمثالا للتعبير عنها بعبارات شتى أو باعتبار تعدد القائل (قلت (ليس التعبير عنها بالأمثال لما ذكر بأقرب من جعل ما يتعلق بالمثل مثلاً على التغليب ثم إنه على ما اختاره في الكشف يكون قوله قالوا معطوفاً على ضربوا عطفا تفسيريا، والظاهر فيه الفاء، وعلى ما ذكره المصنف أيضا ولا حاجة لما تكلفه ولا وجه لعطفه على ضلوا والارتباط عليه تام أيضا لأنه لما تعجب من ضربهم الأمثال بما ذكر عطف عليه أمراً آخر أعجب منه، فلا داعي لما ذكره أصلاً كما أنه لا وجه لما اعترض به على هذا التفسير بأنهم ما مثلوه ﷺ بما ذكر بل قالوا تارة أنه ساحر وأخرى أنه شاعر الخ، وأيضا كان الظاهر أن يقال فيك لا لك فإن ما ذكروه على طريق التشبيه لتفريقه بين الأقرباء والأصدقاء وعجزهم عن معارضته ﷺ لإخباره بالغيب واشتماله على المحال بزعمهم، ولك أظهر من فيك لأنه الممثل له وتفسير ضربوا ببينوا هنا لا حاجة إليه بل لا يناسب فتأمل. قوله: (إلى طعن موجه (أي له وجه يقبل به، وقوله: يتهافتون بمعنى يقعون لضعف ما يتمسكون به ويختص في الاستعمال بالوقوع في الشر، وقوله: أو إلى الرشاد بيان لمتعلقه بوجه آخر، والرفات ما يلي فتفتت وقيل إنه التراب والحطام ما تكسر من اليبس وهما متقاربان، وصيغة فعال تكون لما تفزق كدقاق وفتات، وقوله على الإنكار أي قالوا هذا قولاً مبنياً على الإنكار وهو إشارة إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى أنه لا يكون هذاً وغضاضته طراوته ورطوبته، ولذا قابلها بيبوسة الرميم أي البالي لأن اليبوسة تقتضي التفرّق والفناء أأسمنافي للحياة والرطوبة تقتضي الاتصال المقتضي للبقاء والحياة كما يعلم من
علم الحكماء
стр. 1884
فسقط ما قيل إنّ الأولى أن يقال لما بين العظام والأجزاء المتفتة المنتشرة والبدن المجتمع من الأجزاء التي فيها الحياة والقوى الحيوانية من التباعد والتنافر. قوله: (والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون) وهو نبعث مقدراً بفرينة ما ذكر وأن الاستفهام بالفعل أولى لا نفسه لأنّ أنّ لها الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها كما بينه النحاة وكذا الاستفهام مانع أيضا كما ذكروه وان كان تأكيداً وليس عدم ذكره لأنه غير مانع لهذا كما توهم، وهدّا على القول بأن العامل في إذا الشرطية الجواب أو ما في حيزه، وأما على القول بأن العامل الشرط فلا حاجة إلى التقدير وهو خلاف المشهور عند النحاة، وفي الدرّ المصون إذا هنا متمحضة للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية فالعامل فيها جوابها المقدر أي أئذا كنا عظاماً ورفاتاً نبعث أو نحوه كنعاد، وهذا المحذوف جواب الشرط عند سيبويه والذي انصب عليه الاسنفهام عند يونس، قيل وعلى كونها شرطية والعامل الشرط يرد أن عمله فيها يوجب كونها ظرفا له وذلك لا يكون إلا بعد تعين مدلولها وهو لا يكون إلا بشرطها وهو تخيل واه لأنّ المعنى حينئذ أنبعث وقد كنا رفاتا في وقت فدعوى ادّعاء التعين لا يتعين وهو ظاهر. قوله: (وخلقا الخ (أي نصبه إمّا على أنه مفعول مطلق من غير لفظ فعله أو حال بمعنى مخلوقين، ووحد لاستواء الواحد وغيره في المصدر. قوله: (كونوا حجارة) قالط الزمخشري: أي لمشاكلة قولهم كنا وأما الأمر فقيل إنه للاستهانة أو الإهانة وقال الطيبي أنه أمر تسخير كقوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٥] لكونه على الفرض وإلا لزم أن يكونوا حجارة قال في الكشف وهو غير ظاهر لأنه لا معنى للتسخير الفرضيّ ولو جعل من قبيل كن فلانا كقوله:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك عماذكرت من نسب ...
على معنى أنت فلان باستعمال الطلب في معنى الخبر أي أنتم حجارة ولستم عظاما ومع
ذلك تبعثون لا محالة لكان وجهاً قويما وفيه بحث لأنه كيف يقال أنتم حجارة على أنه خبر وهو غير مطابق للواقبم فلا بد من قصد الإهانة وعدم المبالاة وجعل لأمر مجازاً عن الخبر والخبر خبر فرضي وليس فيه ما يدل على الفرض كان ولو الشرطية، وهو مما لا يخفى بعده وليس بأقرب مما استبعده فالصواب أنه للإهانة كما جنح إليه في الإيضاج فتدبر. قوله: (أي مما يكبر الخ (يشير إلى أنّ الكبر في الأصل للمحسوسات ويوصف به المعاني كالعظيم ثم شاع فيما يستبعد وقوعه وهو المراد هنا، وقوله فإن قدرته تعالى الخ جواب عن إنكارهم البعث بعد كونهم عظاماً بالية بأنه أمر هين عليه تعالى ولو كنتم أجساماً لم تتصف بالحياة كالحديد
والحجارة فإنه يقدر على خلق الحياة فيها لتساوي الأجساد في قبول الأعراض فضلا عما كان متصفا بها فمن قال إنه تصوير لمعنى النظم إلى قوله فسينغضون لأن هنا إنكارين إنكار للبعث وانكار لمن يقدر عليه وهذان جواب عن الثاني والكلام في الأوّل لم يصب وهذا إنما يحتاج إليه في كلام الكشاف كما في الكشف، وهو الذي غره لعدم التدبر. قوله: ( ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ (مبتدأ خبره يعيدكم أو فاعل به أو خبر مبتدأ مقدر على اختلاف في الأولى كما فصل في محله، وقوله: وهو أبعد منه من الحياة وفي نسخة وما هو أبعد الخ ومن فيهما متعلقة بأبعد، والثانية: صلته والأولى: تفضيلية وضمير منه لما ذكر من العظام والرفات ومرفوتة بمعنى مفتتة، وقوله فسيحزكونها تفسير لقوله: فسينغضون إليك فإنه بمعنى إلى جانبك وتحريك الرأس لذلك معروف. قوله: (فإن كل ما هو آت (أي محقق إتيانه قريب ولم يعين زمانه لأنه من المغيبات التي لا يطلع عليها غيره تعالى فبعد تحقق الوقوع القريب والبعيد سواء وقيل إنه قريب لأن ما بقي من زمان الدنيا أقل مما مضى منه. قوله: (وانتصابه على الخبر الخ) أي على أنه وصف منصوب على أنه خبر يكون الناقصة واسمها ضمير يعود على البعث المفهوم مما قبله أو العود أو هو منصوب على الظرفية وأصله زماناً قريبا فحذت الموصوف وأقيمت صفته مقامه فانتصب انتصابه، ويكون على هذا تامّة فاعلها ضممير العود أي عسى أن يقع العود في زمان قريب، وقوله: وأن يكون اسم عسى يعني عسى يجوز أن تكون تافة وناقصة فعلى الأوّل أن يكون مرفوع بها ولا خبر لها أي قرب كونه في وقت قريب أو كونه قريباً على
стр. 1885
وجهي يكون وقريباً وهو الوجه الأوّل في كلام المصنف ﵀ لكنه تسمح في تسمية مرفوعها اسما فإنه مخصوص بالناقصة، وأما التاتة فمرفوعها فاعل، وعلى الثاني ف اسمها مضمر راجع إلى العود كما مرّ فإن قلت إذا كان المعنى على التمام قرب أن يكون البعث قريبا لم يكن فيه فائدة، قلت: قال نجم الأئمة أنه لم يثبت معنى المقاربة في عسى لا وضعا ولا استعمالاً ويدل لما ذكره التصريح بقريبا بعده في هذه الآية فلا حاجة إلى القول بأنها جردت عنه، كما قيل فالمعنى يرجى ويتوقع قربه. قوله: (أي يوم يبعثكم فتنبعثون (بالبناء للفاعل فيهما، والأوّل من البعث الثلاثي والثاني من الانفعال المطاوع له وقوله استعار لهما أي للبعث والانبعاث ولا دعاء ولا استجابة فهو كقوله: (كن فيكون (فشبههما بذلك في السرعة والسهولة عليه، أما الأوّل فلأن قول قم يا فلان أو كن أمر سريع لا بطء فيه وكذا الثاني لأن مجرّد ندائه ليس كمزاولة إيجاده بالنسبة إلينا، فمن قال إنه ظاهر في الاستعارة الثانية وأما الأولى فباعتبار ترتب سرعة الأستجابة والانبعاث على الدعاء والبعث لم يأت بشيء، وقيل إنه حقيقة كما في قوله: ﴿يَوْمَ يُنَادِ
الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ وقيل إنه كناية عن البعث والانبعاث لعدم المانع من إرادة حقيقتهما، فتدبر ثم إن قوله يوم يدعوكم فيه وجوه للمعربين ككونه بدلاً من قريبا على أنه ظرف أو منصوب بيكون أو منصوب بضمير المصدر المستتر في يكون العائد على العود بناء على جواز أعمال الضمير أو منصوب بمقدر كاذكر أو تبعثون، وأما أنه بدل من الضمير المستتر في يكون بدل اشتمال ولم يرفع لأنه إذا أضيف إلى الجملة قد يبنى على الفتح فتكلف وادعاء ظهوره ولا يسمع فإنه مكابرة وكذا القول بأنه لا وجه له إلا برفع يوم، ولا رواية له. قوله: (وأنّ المقصود الخ الأن الدعوة والنداء إنما يكون لأمر ودعوة السيد لعبده إنما تكون لاستخدامه أو للتفحص عن أمره والأوّل منتف لأنّ الآخرة لا تكليف فيها فتعين الأخير، فلا يقال إنه لا دلالة فيه على الإحضار لما ذكر بعده حتى يقال إنه تبرع من المصنف ﵀ لبيان الواقع وكيف يتأتى هذا وقد أدخله المصنف في وجه الشبه وما قيل إنّ الدعوة تشعر بالإحضار والاستجابة بالسؤال المشعر بالحساب والجزاء لأنّ السؤال يكون له فليس بشيء كما لا يخفى. قوله: (حال منهم (أي من ضمير المخاطبين أي تستجيبون حامدين أو منقادين وقيل إنه متعلق بيدعوكم وفيه بعد وإذا كان بمعنى حامدين فهو حقيقة والباء للملابسة وقد أيده بما ذكر من الأثر وينفضون بالفاء والنفض معروف وإذا كان بمعنى منقادين فهو مجاز لأن من رضي فعلا وحمده انقاد له، وقوله: كالذي مرّ على قرية إشارة إلى الآية التي مرت، وقوله: لما ترون من الهول لأنهم يذهلون به. قوله: (يعني المؤمنين (يعني أن الإضافة هنا للتشريف فيختص بالمؤمنين اختصاص بيت الله بالكعبة وان كانت البيوت كلها لله والمقول لهم هم العباد المشركون، وقل أمر مقدر مقوله بقرينة جوابه وهو يقولوا أي قل لهم قولوا التي الخ أو يقولوا بتقدير لام الأمر أي ليقولوا وهو إرشاد لهم أن لا يقولوا إلا بأمره، وقد مر تفصيله. قوله: (الكلمة التي هي أحسن (بيان لتأنيث التي إما بتقدير موصوف لها مؤنث أو بكونها عبارة عن الكلمة المؤنثة، والمراد بالكلمة معناها اللغوي الشامل للكلام وقوله ولا تخاشنوا المشركين بالغيبة والخطاب أي تغلظوا القول لهم وهذا قبل الأمر بالقتال ونزول آية السيف. قوله: (يهيج بينهم المراء والشر (المراء المجادلة والمخاصمة وضمير بينهم للمؤمنين والمشركين، والمراد أنّ المخاشنة تفضي إلى
تحريك الشيطان لهم على هذا فتؤدّي إلى عنادهم واصرارهم على الكفر وايذاء المؤمنين فيتزايد الفساد ويفوت المقصود وقوله ظاهر العداوة إشارة إلى أنّ مبينا من أبان اللازم كما مرّ. قوله: (تفسير للتي هي أحسن الخ) فالخطاب هنا للمشركين والمعنى أن يشأ يعذبكم بإبقائكم على الكفر وان يشأ يرحمكم بتوفيقكم للإيمان، وقيل إنه استئناف وليس تفسيرا للكلمة والخطاب للمؤمنين وهو مروي عن الكلبيّ والمعنى أنه إن يشأ يرحمكم أيها المؤمنون في الدنيا بإنجائكم من الكفرة ونصركم عليهم وإن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم فالتي هي أحسن المجادلة الحسنة، وقوله: ولا تصرحوا الخ أي بل علقوا أمرهم على
стр. 1886
مشيئة الله كما في الآية. قوله: (مع أن ختام أمرهم (في العذاب والرحمة غيب أي غائب علمه ومخفيئ من غير الله فلا ينبغي القطع بأنهم من أهل النار حتى أن المؤمن إذا صرح بذلك ينوي تعليقه على الإرادة أيضا فمن قال لا وجه لهذه العلاوة لم يصب.
قوله: (موكولاً الخ) أي مفوّضاً إليك، وهذا قبل آية السيف، وقوله بالاحتمال أي باحتمال أذيتهم، وقوله: فنزلت أي آية قل لعبادي إلى ما هنا، وهذا وجه آخر معطوف على ما قبله بحسب المعنى وهو مروفي وهو مخالف للأول في الخطاب ومعنى الرحمة والعذاب فتذكره. توله: (وقيل شتم عمر رضي الله عته رجل الخ (هذا سبب آخر للنزول، وعليه يختلف المعنى ويكون الخطاب في ربكم الخ للمؤمنين، والمراد بالتي هي أحسن الكلمة الحسنة التي لا شتم فيها ولا سبّ كأن يقول له عفا الله عنك وهداك ونحوه، وقوله فهمّ به أي قصد سبه أو ضربه أو نحوه مما يكون جزاء له، وقوله: وما أرسلناك عليهم وكيلا تعريض لهم أي فكيف بأصحابك وأتباعك، فإن قلت ما فسر به وكيلا لا يظهر له وجه فما معناه، قلت قوله تقسرهم على الإيمان معناه أنّ الوكيل يتصرّف في أمور موكله فتجوّز به عن إلجائه إلى الإيمان لأنه من جملة أحواله فوجهه ظاهر، وكذا قوله أنّ المشركين الخ معناه أنك لا تصرّف لك في أمورهم حتى تأمرهم بترك الأذية نعم ما ذكر عن عمر ﵁ لا وجه له إلا جعله نظيراً لما قبله فتأمله. قوله: (يتيم أبي طالب (هو النبيّ ﷺ وعبر بهذه العبارة حكاية عن الكفار في حال استبعادهم والا فهذه العبارة لا يجوز إطلاقها على النبيّ ﷺ حتى أفتى المالكية بقتل قائلها كما في الشفاء فكان ينبغي للمصنف ﵀ تركها، والجوع بضم الجيم وتشديد الواو جمع جائع
والعراة جمع عار واستبعادهم ذلك لجهلهم وظنهم أنّ النبوّة تتوقف على قوّة صاحبها بالمال ونحوه وكون اتباعه أغنياء أشد، ولذا خص الله داود ﵊ بالذكر هنا إشارة إلى أنه لم يفضل بالملك وإنما فضل بالوحي كما سيذكره المصنف ﵀. قوله: (بالفضائل النفسانية (ليس هذا مبنيا على مذهب الحكماء كما مر تحقيقه في سورة الأنعام، والتبرئ مهموز وقد تبدل همزته ياء لكسر ما قبلها كالتوضي وليس كثرة زوجاته ﷺ من العلائق الجسمانية كما يتوهمه من لا يتأمّل قوله " حبب إليئ من دنياكم النساء " وقد ذكر علماء الحديث أنه من خصائصه ﷺ جواز الزيادة على الأربع دون أتته وكان ذلك جائزا في الملل السالفة كما ذكر في قصة سليمان ﵊ وحكمته أن يقفن على ما يتعلق بالنساء من الشرع كأمور الحيض ونحوها مما يتحاشى الرجال عن ذكره، وقد قالوا إن عائشة ﵂ أخذ عنها ربع العلم، وليس في كلامه إشارة إلى أن المراد ببعض النبيين داود ﵊ كما توهم، وقوله: حتى داود ﵊ توطئة لما بعده وإشارة إلى وجه تخصيصه كما مرّ. قوله: (قيل هو (أي ما ذكر هنا ومرّضه لبعده فإنه على ما قيل تلميح إلى ما وقع في الزبور من وصفه بما ذكر فيه حتى شبه بقصة المنصور وقد وعد الهذليّ بعدة فنسيها فلما حجا وأتيا المدينة قال له يوماً وهو يسايره: يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتغزل
فتفطن لمراده وعلم أنه يشير إلى قوله في هذه القصيدة:
وأراك تفعل ما تقول وبعفهم مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فأنجز عدته، وقوله: تنبيه أي قوله وآتينا الخ تنبيه على وجه تفضيله ﵊. قوله: (وتنكيره هاهنا الخ (المعنى أنه في الأصل وصف أو مصدر ولما كان فعول بالفتح في المصادر نادراً والمعروف فيه الضم نظره وأيده بقراءة الضم، فمن قال إنه تأييد لكونه وصفا أو مصدراً لا علماً لم يصب فيبعد جعله علما دخلت عليه أل للمح أصله الوصفي،
كالعباس أو المصدر كالفضل، وهذا للمعنيين فلا يفيد نكتة لعدم دخولها هنا لأنه على الأصل، وقوله بعضر الزبر فهو نكرة غير علم ونكر ليفيد أنه بعضا من الكتب الإلهية أو من مطلق الكتب ولا إشكال حينئذ في دخول اللام عليه كما في الوجه السابق والتعريف على هذا عهدي وعلى ما بعده يفيد أنه جزء من الكتاب المخصوص، وقد مرّ الكلام على إفادة التنكير
стр. 1887
لمثله في أوّل هذه السورة في قوله: ليلا، فالزبور كالقرآن يطلق على مجموعه وعلى أجزائه. قوله: (قراءة حمزة بالضم (هي مؤيدة للمصدرية، كما بينا ومن قال: فإنه جمع زبر بكسر الزاي بمعنى المزبور، والأصل توافق القراءتين لم يصب، وحاصله أنه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن زبور أعلم ولذا لم تدخله أل هنا لئل يجتمع تعريفان فلم دخلت عليه في آية أخرى، فأجاب بأنّ دخولها لا ينافي العلمية، لأنها للمح أو أنا لا نسلم أنه علم لأنه نكرة بمعنى كتاب مطلقاً وعلى تقدير اختصاصه بكتاب داود ﵊ أيضا فليس يعلم لإطلاقه على ما يشمل كله وبعضه فهو من غلبة اسم الجنس لا العلم فمن قال اللائق بقانون المناظرة تقديم الجواب الثاني ثم الثالث إلا أنه قدم ما حقه التأخير اهتماما بشأنه لم يصب. قوله: (إئها آلهة (إشارة إلى تقدير متعلق لزعمتم قائم مقام مفعوليه لأنّ حذفهما معا أو حذف ما يسذ مسذهما جائز، وإنما الخلاف في حذف أحدهما وأنث الضمير إشارة إلى أنها بمنزلة الأصنام غير العفلاء في عدم القدرة على ما ذكر والداذ على هذا المقدر قوله من دونه، وقوله. كالملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام لأنّ بعض الكفار عبد بعض هذه وبعضهم الآخر، وقوله: ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم ممن لم يعبده، وقيل المراد بالتحويل تحويله من بعض إلى آخرين أو تبديله بمرض آخر، وهذا أظهر. قوله: (هؤلاء الآلهة الخ (هذا هو الداعي إلى جعل الآلهة قبله عبارة عن المسيح وغيره من العقلاء لا الأصنام وإن كان الكلام مع المشركين وأولئك مبتدأ وجملة يبتغون خبره والموصول نعت أو بيان والإشارة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المعبودين دون الله، والواو ضمير عبادهم والعائد محذوف أي يدعونهم ا-لهة، أو يدعونهم لكشف الضرّ عنهم أو الذين خبره، ويبتغون حال أو بدل من الصلة وقرئ يدعون بالغيبة والخطاب. قوله: (بدل من واو يبتغون الا من واو يدعون كما قيل وهو بدل بعض من كل وأي موصولة كما أشار إليه المصنف ﵀ وهي مبنية على الضم لحذف صدر صلتها والتقدير أيهم هو أقرب فجملة هو أقرب صلتها، وقيل إنها استفهامية فهي مبتدأ
وأقرب خبرها فليست بدلاً حينئذ بل جملتها في محل نصب بيدعون أو يبتغون، - وأورد عليه أثه يلزمه تعليق غير أفعال القلوب، ولذا قدر بعضهم قبله ينظرون بمعنى يكفرون، ويمكن أن يقال: إنه يتضمن معنى فعل قلبي فيجري التعليق فيه وكله تكلف فلذا لم يلتفت إليه المصنف ﵀ ومذهب يوئش عدم اختصاص التعليق بأقعال القلوب وهو مذهب مرجوح نحن في غنى عنه. قوله: (أي يبتغي من هو أقرب منهم) ولا ينافيه جمع يرجون ويخافون لعدم اختصاصه بالأقرب أو لكون الأقرب متعددا كالملائكة، وقوله فكيف تزعمون نتيجة ما تقدم كله من الابتغاء والرجاء والخوف، وقيل إنه نتيجة الرجاء والخوف ونتيجة الابتغاء- اسشعاد عدم ابتغاء من ليس بأقرب، ويلزم نفي كونهم، آلهة فيتحدان بحسب المال، وقوله: حقيقا الخ أوّل به لأن من العصاة والكفرة من لم يحذره، وقوله: بالموت أي حتف أنفه لذكر القتل بعده، وفيه إشارة إلى دخول أهلها في ذلك، قال ابن فارس والأزهري: لم يسمع للحتف فعل، وحكى ابن القوطية فعلا له من باب ضرب وقيل أوّل من تكلم به النبيّ ﷺ ورد بأنه سمع في الجاهلية قال السموأل:
وما مات منا سيد حتف أنفه
ومعناه أن روحه تخرج منه وهو يتنفس لا بغتة بضرب سيف. قوله: (وما صرفنا عن إرسال الآيات الخ) قيل عليه أن المنع حقيقة صرف الغير له عن فعله والصرف والمنع محال في حق الفاعل المختار كما ذكره الطيبي فلا يفيد تأويل أحدهما بالآخر فكان عليه أن يجعله مجازاً عن الترك كما في الكشاف وغيره، ومن الناس من منعه منعاً مجرّداً لا يسمع مثله ومنهم من سلمه واعترض على المعترض فقال: ليس مراد المصنف ﵀ تأويل المنع بالصرف بل توضيح معناه وبيان حقيقته ثم تفسيره بتركنا لا يلائم إلا منعنا بسكون العين والإسناد للمتكلم، والذي في النظم بفتحها على الغيبة نعم يجوز أن يكون معنى الآية ما ذكره لكن لا على أن يكون المنع مستعارا للترك كما صرّج به بل على أن يكون مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم فيكون منعنا مجازاً عن تركنا على التكلم لا على الغيبة لعدم جريان التبع
стр. 1888
في المجاز المرسل على المشهور اص. وعبارة الزمخشري استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة اهـ، فقال الشارح العلامة في شرحه المنع كالغير كن فعل يريد أن يفعله وذلك في حقه تعالى
محال فهو ليس حقيقة في معناه بل مستعار للصرف عن إرسال الآيات فإنه إذا صرفه عن الإرسال فكأنه منعه عنه، واليعنى وما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة إلا تكذيب الأوّلين فإنه مؤذ إلى تكذيب الآخرين المقترحين اتباعا لهم، وتكذيبهم يتضمن تعجيل العذاب بحكم عادة الله تعالى والحكمة تقتضي تأخيره لبعث النبيّ ﷺ فيهم فتكون الحكمة صارفة عن إرسالها وحاصله أنا تركنا إرسال الآيات فبمانه لو أريد ظاهره والمنع مسند إلى تبهذيب الأوّلين يلزم أن يكون ترك إرسال الآيات مسنداً إلى التكذيب لكن التارك هو الله تعالى (أقول (هذا تحقيق لكلام الكشاف بلا مزيد عليه وهو بعينه كلام المصنف ﵀، وقد صرّح به في الكشاف بعده حيث قال: والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه، وتقريره أنه مبنيّ على مقدّمة وهي الفرق بين المنع والصرف والترك بأن المنع يقتضي القسر ويكون من فاعل آخر هو المانع، وأمّا عد الأمور المعنوية مانعا فاصطلاج أو عرف طار على أصل اللغة، وكون فاعل آخر قاسر الله محال منزه عنه والصرف يكون في المعاني ولغير القاسر لإشعاره بوصوله إليه وتمكنه منه ثم إنه متصرف عنه والترك أعمّ لأنه عدم الفعل سواء كان لصارف أو لا فيجوز أن يكون المنع هنا مجازاً عن الصرف أو الترك لكن الثاني لا يتأتى هنا لأنه لو كان منع مجازا عن الترك والتارك هو الله لكان ضمير الله فاعلاً وان كذب مفعولاً عكس ما في النظم والقلب لا يليق هنا إلا أنّ ما ادّعاه من لزوم اتحاد الفاعل في المعنى الحقيقي والمستعار له مما لم يقم عليه دليل بل الظاهر خلافه ولذا صرّج الطيبي بأنه مستعار للترك ولم يلتفت لهذا، وما يدل عليه ما ذكره المدقق في الكشف في أول سورة البقرة في قولهم شجاع يفترس الأقران بعد ما قرّر أن فيه استعارة مكنية وتخييلية أنه يجوز أيضا جعل الافتراس استعارة تصريحية بعد أن تعرف أنّ المقصود هو التنبيه على أنه أسد كي يجيء الافتراس وسائر ما للأسد اهـ، ولا شك أنه بمعنى يقتل وفاعله الشجاع والصشبه به الافتراس وفاعله الأسد فتأمّلى، ء والصعترض لم يصب لعدم وقوفه على مرادهم والمجيب أخطأ خطأ على خطا وزاد في الطنبور نغمة لفرقه بين الاستعارة والمجاز المرشل بسلامة الأمير فرحم الله امرأ نطق فغنم أو سكت فسلم، وقوله: تكذيب إشارة إلى أن أن مصدرية، وقوله: في الطبع أي في كونهم مطبوعا على قلوبهم، وقوله: مضت به سنتنا يعني أنه عادة الله في مثله. قوله: (لأنّ منهم من يؤمن الخ (أو لمنع الخلو في البعض لا الجمع، لأنّ منهم من آمن بعد ذلك وولد من آمن كأبي سفيان ﵁ والمجموع تعليل واحد، ومن أفادت أن منهم من ليس كذلك لكنه ترك استئصاله لكونه لم يقدر له ذلك، فلا يرد عليه انّ هذا التعليل غير مانع من استئصال المعاندين خاصة، على أنه غفلة عن معنى الاستئصال. قوله: (ذات أبصار أو بصائر (لما كان المقام يقتضي أن الغير يراها ظاهرة بينة فكان الظاهر
مبصرة على صيغة المفعول أوّلوه بما ذكر يعني أنّ الصيغة للنسب يعني أنها ذات أبصار أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها والتاء للمبالغة لا للتأنيث بتقديره موصوف مؤنث كما توهم لأنّ صيغة النسب يستوي فيها المذكر والمؤنث كما فصله الرضي وفيه بحث ذكرناه في حواشيه، وقوله أو جاعلتهم ذوي بصائر على أنه اسم فاعل من أبصره صيره ذا بصيرة وادراك فيؤمنون به والهمزة للتعدية فيفيد الجعل المذكور، وقوله: وترئ بالفتح أي بفتح الميم والصاد أي محل أبصار بجعل الحامل على الشيء بمنزلة محله كقولهم: الولد مجبنة مبخلة وهذه قراءة قتادة أو بفتح الصاد مع ضم الميم اسم مفعول على الحقيقة وبها قرئ أيضا وهي منصوبة على الحالية وقرئ بالرفع على إضمار مبتدأ، وقوله: فكفروا بها إشارة إلى أن الباء صلة لكونه بمعنى الكفر، إذ الكفر ظلم عظيم، وقوله: وظلموا الخ وجه ثان بإبقاء الظلم على ظاهره، وحذف مفعوله وجعل الباء سببية بتقديره مضاف أو هو بيان لوجه السببية ولو أتى بدل الواو بأو كان أظهر.
стр. 1889
قوله: (أو بغير المقترحة) يعني أن الآيات إمّا المقترحة فالتخويف بالاستئصال لإنذارها به في عادة الله أو غيرها فالتخويف بعذاب الآخرة لا عذاب الدنيا، كالاستئصال فالحصر إضافيّ فلا ينافي كون نزولها لتصديق النبي ﷺ حتى يؤمنوا به. قوله: (والباء مزيدة (في المفعول أو للملابسة والمفعول محذوف أي نرسل نبيا ملتبسا بها، وقيل إنها للتعدية وإن أرسل يتعدى بنفسه وبالباء ورد بأنه لم ينقل عن أحد من الثقات، ولا حجة في قول كثير:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسز ولا أرسلتهم برسول ...
لاحتمال الزيادة فيه أيضاً مع أن الرسول فيه بمعنى الرسالة فهو مفعول مطلق والكلام في دخولها على المفعول به فتأمل. قوله: (واذكر) إشارة إلى متعلق إذ وأن القول بواسطة الوحي، وقوله: في قبضة قدرته فالناس عاتم، والإحاطة مجاز عن شمول قدرته وقبضة قدرته استعارة أو تشبيه كما سيأتي تحقيقه في سورة الملك، والمعنى أنّ له التصرّت فيهم كيفما يشاء، وهو وعيد لهم بأنه لا يعجزه شيء عما أراد وقوله أحاط بقريش فتعريف الناس للعهد والإحاطة مجاز عن الإهلاك من أحاط بهم العدوّ إذا أخذ بجوانبهم لإهلاكهم كقوله: وأحيط بثمره كما سيأتي، وقوله: فهي بشارة أي على هذا التفسير الثاني. قوله: (وتعلق به (أي بما ذكر بناء على تفسيره بما ذكر وكون الرؤيا مخصوصة بالمنام ومن قال الخ هو إشارة إلى ضعفه لأن قوله إلا فتنة للناس يرذه، ولذا قيل إن بعضهم قال له ﷺ : لما قص عليهم الإسراء لعله شيء رأيته في منامك، وقوله: فسر الرؤيا بالرؤية يعني أن الرؤيا في اللغة بمعنى الرؤية مطلقا وهو معنى
حقيقيّ لها، وقيل إنها حقيقة رؤيا المنام أو رؤيا اليقظة ليلاً، وقد ذكر السهيلي أنه ورد في كلام العرب بهذا المعنى وأنه كالقربى والقربة، وقيل إنه مجاز إمّا مشاكلة لتسميتهم له رؤيا أو جار على زعمهم أو على التشبيه بها لما فيها من خرق العادة أو لوقوعها ليلا أو لسرعتها. قوله: (أو عام الحديبية (معطوف على قوله ليلة المعراج يعني أو الرؤيا التي وقعت في عام الحديبية إذ رأى ﷺ فيه أنه دخل مكة وسيأتي تفصيله في سورة الفتح. قوله: (وفيه أنّ الآية مكية (وقصة الحديبية بعد الهجرة وأمّا كونها مكية وأخبر فيها عما سيراه وعبر بالماضي لتحققه فبعيد لقلة جدواه كالقول بأن الحديبية من الحرم المكي، وقوله إلا أن يقال الخ يعني أنه رأى تلك الرؤية بمكة ونزلت عليه هذه الآية ولكنه ذكرها عام الحديبية لأنه كان إذ ذاك بمكة فعلم أنه دخوله بعد خروجه منها، والفتنة واقعة حين الحكاية حين صدّه المشركون حتى قال عمر ﵁ ما قال كما سيأتي، والحديبية بالتخفيف وقد يشدد بئر أو شجرة حدباء، ولا يخفى ما في هذا من التكلف أيضا. قوله: (ولعله (أي لعل المراد بما ذكر في هذه الآية أي رأى وقعة بدر بعينها في مكة ورأى من قتل بها وموضع قتله، وقوله في وقعة بدر أي في شأنها وشأن ما وقع فيها فلا يرد عليه ما مر من أنها مكية فيحتاج إلى الجواب بما مر وتكون الرؤيا على ظاهرها، والفتنة فيها أظهر، وقوله لقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٤٣، الخ، قيل: إنه تعليل لكونه وقع له رؤيا في وقعة بدر لا ليكون المراد بهذه الآية تلك الرؤيا بعينها إذ لا دلالة فيها على ذلك، وكذا ما روي على ما فيه، وقوله: لكأني الخ اللام في جواب قسم مقدر للتأكيد والمصارع جمع مصرع وهو محل صرع فيه القتيل ووقع، قيل: ولا دلالة في هذا على أنه كان رؤيا منام لجواز كونه بوحي وكأن لملاحظة المصرع بوصف المصرعية ولا يخفى أنه لو كان بوحي عين فيه تلك المضارع لقال: إني أعلمها ويؤيده أنه روي أنه صرّج بكونها رؤيا منام، وقوله ماءه أي ماء بدر وذكر باعتبار المكان، وما ذكره من السخرية هو المراد بالفتنة على هذا، وهذا الحديث وان لم يوجد بعينه كما قاله ابن حجر لكنه بمعناه في مسلم. قوله: (فتسامعت به قريش) أي سمعوه فالتسامع ليس على أصله، وقيل إنّ بعضهم
أسمع بعضاً وفيه نظر لأنه لا يكون على حقيقته أيضا وقوله: يرقون بالقاف أي يصعدون، وقوله: ينزون بالزاي المعجمة أي يثبون عليه، والقردة جمع قرد، وقوله وعلى هذا الخ ففيه مضاف مقدر أي جعلنا تعبير الرؤيا أو الرؤيا مجاز عنه باعتبار ما كان.
стр. 1890
قوله: (لما سمع المشركون ذكرها الخ) هو ما سيأتي من أنها شجرة في جهنم، والسمندل باللام طائر مشهور وهو باللام عند الأزهري وبالراء عند غيره وظاهر كلام القاموس أنهما متغايران فإنه قال السمندر والسميدر دابة، وقال في اللام: السمندل طائر بالهند لا يحترق بالنار، وفي حياة الحيوان: أنّ بعض أهل اللغة سماه سندل بغير ميم، وسماه ابن خلكان سمند بغير لام وقال القزويني: إنه حيوان كالفار ولك أن تقول أنه فارسيّ بالراء كما وقع في أشعارهم وعزب باللام وهو طائر فيهما أو دولبة فلا يغرّك ما وقع لهم فيه والحمر بالمهملة جمع حمراء. قوله: (ولعنها في القرآن لعن طاعمها (فوصفت به على أنه مجاز في الإسناد ووجه المبالغة أنه بسبب كونها شديدة اللعنة سرت اللعنة إلى غذائها هذا إن أريد باللعنة معناها المتعارف فإن أريد معناها اللغوفي وهو البعد فهو لكونها في أبعد مكان من الرحمة لكونها في أصل الجحيم أي قعرها، واللاعن الواصف باللعن والداعي به، والملعون بمعنى المؤذي لأنها تغلي في البطون كغلي الحميم وهو إفا مجاز مرسل أو استعارة، وتأويلها بمن ذكر على الاستعارة كأنهم شجر جهنم يأباه قوله: طلعها كأنه رؤوس الشياطين وما معه من الأوصاف كما سيأتي لكنه ورد في حديث مسند عن عائشة ﵂ أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول الشجرة الملعونة أبوك وجدك فقوله طلعها الخ من جملة المشبه به. وروي أيضاً أنّ الله ﵎
أنزل عليه ﷺ بعد هذه الرؤيا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر، الآية، ا] تسلية له ﷺ بأنه أعطاه بعدد ملكهم لأن مذتهم ألف شهر ولا يرد عليه أنه لم يكن له منبر كما لا يخفى وأما كون أبي جهل ومن بعده لم يلعنوا في القرآن بخصوصهم فمن فسره به لا يسلمه، وقوله بأنواع التخويف أخذه من حذف متعلقه المفيد للعموم والعتو تفسير للطغيان وتجاوز الحد تفسير لكبير وكونه من مفهوم الطغيان أو العتوّ في اللغة لا يضر لا سيما مع تفاوت مراتب التجاوز فتأمل. قوله: (فنصب بنزع الخافض (ويؤيده التصريح به في آية أخرى، وقوله ويجوز أن يكون حالا أشار بالجواز إلى أنه خلاف الظاهر لكونه جامداً ولذا أوّله بعضهم بمتأصلاً، وقوله: وهو طين إشارة إلى أن الطينة مقدمة على خلقه إنساناً مقارنة لابتداء تعلقه به كما يقال جاءني زيد وهو راكب فإنه لا يضرّه نزوله بعده، وقيل إنه لتحصيل الهيئة وقوله: أو منه أي هو حال من الموصول نفسه لا من الضمير الراجع إليه، وقوله: أي أأسجد بيان لكونه المعنيّ منه في الثاني يعني أن معنى قوله وهو طين أن أصله ذلك إذ ظاهر التركيب يقتضي السجود له في حال الطينية فلذا أول بما ذكر، وفيه نظر لأنّ المضيئ بالنظر إلى زمان الحكم فيقتضي تقدم طينته على السجود وذكر الخلق مع أنه يكفي في المقصود أن يقال لمن كان من طين أدخل في المقصود مع أنّ فيه إيماء إلى علة أخرى، وهي أنه مخلوق والسجود إنما هو للخالق، فما قيل إنه لم يقل هنا وهو طين كما في الوجه الأوّل لأنه لم يكن طينا وقت السجدة بل أصله طين وكان طينا وقت الخلق لا وجه له وكذا ما أورد عليه من أنه حينئذ يضيع قوله خلقته ولا معنى للجواب بأق الموصول اقتضاه لا محالة وأنه لو قيل لم لم يقل لمن أصله من طين لم يسمع لأنه تعيين للطريق فتدبر. قوله: (الكاف لتثيد الخطاب الخ (أي حرت خطاب على ما بين مؤكد لمعنى التاء قبله وليس تاكيداً اصطلاحيا ولذا قال لا محل له من الإعراب لأنه لو كان تابعا كان له محل كمتبوعه. قوله: (وهذا مفعول أوّل الخ (هذا بناء على أن رأى فيه علمية تتعدى إلى مفعولين كما ذهب إليه بعض النحاة لا بصرية متعدية لواحد كما ذهب إليه آخرون واختاره الرضي وقد مر تفصيله في سورة الأنعام وجعل المفعول اسم إشارة للتحقير وقوله والمفعول الثاني محذوف وهو ما تضمنه الاستفهام الذي أشار إليه بقوله لم كرمته عليئ، والمعنى أعلمت هذا مكزما عليه ومن جعله متعديا لواحد جعل الجملة الاستفهامية مستأنفة، وقوله والمعنى أخبرني بعني أنه إنشاء مجاز عن إنشاء آخر وهو ما ذكر لأن الرؤية أو العلم سبب للإخبار لازم
له، وقوله كلام مبتدأ أي مستأنف لا محل له وجوابه أي القسم. قوله: (لاستأصلتهم بالإغواء (أي لأهلكنهم أو لأعمنهم به جميعا وعلى الأوّل
стр. 1891
وهو الظاهر هو إهلاك معنوفي، كما أشار إليه بقوله بالإغواء وهو من حنك الجراد الأرض إذا أهلك نباتها من الحنك وهو الفم والمنقار فهو اشتقاق من اسم عين، وقوله: جرد ما عليها أي أكله وأفناه إشارة إلى وجه تسميته جراداً، وقيل المعنى لأسوقنهم وأقودنهم حيث شئت من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها، وفي كلام المصنف ﵀ إشارة إليه بقوله: لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، والمعنى لا أقدر على تسخيرهم حتى ينقادوا إلي.
قوله: (وإنما علم أنّ ذلك الخ (أي كونه متيسر له اغواؤهم حتى ذكره مؤكداً قبل وقوعه، وقوله: مع التقرير أي مع تقرير الله لقول الملائكة إذ لم يرده عليهم بل قال: إني أعلم ما لا تعلمون وقوله: أو تفرسا أى علمه بالفراسة لما رأى فيه من القوى الشهوانية المقتضية لذلك كشهوة الطعام والجماع وشهوة الانتقام للغضب والوهم الذي يحسن له ما يحمله على اتباعه حتى يمنعه العقل عنه. قوله: (وهو طرد وتخلية الخ (يعني ليس المراد به حقيقته وهو الأمر بالذهاب ضد المجيء بل المراد به تخليته، وما أراد كما تقول لمن يخالفك افعل ما تريد وينبغي أن يحمل قوله طرد على أنه إهانة له، لأنه المقصود من التخلية لكن إن بقي على ظاهره فيه جمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند المصنف ﵀ وما سوّلته له نفسه الإغواء. قوله: (ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين (في قوله ومن تبعك على الالتفات من غيبة المظهر إلى الخطاب وهذا الوجه ذكره الزمخشري وتبعه المعربون وقال ابن هشام في تذكرته: عندي أنه فاسد لخلو الجواب أو الخبر عن الرابط لأن الضمير ليس عائدا على لفظه إنما هو مفسر بالحضور انتهى وتبعه بعض أرباب الحواشي وهذا بناء على أن ضمير الخطاب لا يكون رابطا فلا يصح زيد يقوم أبوك ولو أوّل بالغائب في الالتفات ومن لم يشعر بوجهه، قال: المعنى فإن جهنم جزاؤكم يا أتباعه حتى يحصل الربط وقد أجيب بأنه مؤوّل بتقدير فيقال لهم إن جهنم جزاؤكم ورد بأنه يخرجه من الالتفات وهو غير مسلم وفي حواشي الجاربردي يجوز أن يكون من الذهاب ضد المجيء، فمعناه كمعنى قوله اخرج منها فإنك رجيم، واعلم أن ضمير الخطاب إن سلم أنه لا يكون عائد إلا نسلم أنه إذا أريد به الغائب التفاتاً لا يربط لأنه ليس بأبعد من الربط بالاسم الظاهر، وهذا هو الذي ارتضاه الزمخشري ففيه قولان ينبغي التنبه لهما.
قوله: (من قولهم فر) كعد من وفر المتعدي ويكون لازما ومعناه كمل وكثر وقوله: بإضمار فعله أي تقديره بتجزون أو تجاوزون لأنهما بمعنى وهذا المصدر لهما فلا يقال الأظهر أن يقول المصنف تجزون وقوله: أو بما في جزاؤكم الخ يعني أنه منصوب بالمصدر لتأويله بالفعل، وفيه نظر إذ هو حال موطئة لصفتها التي هي حال في الحقيقة ولذا جاءت جامدة، كقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢] ولا حاجة لتقدير ذوي فيه حينئذ وصاحب الحال مفعول تجزون، وقيل إنه حال من الفاعل بتقدير ذوي جزاء، وقيل إنها مؤكدة لمضمون الجملة نحو هو حاتم جواداً، وقيل إنه تمييز وقوله: واستخف يقال استفزه إذا استخفه فخدعه وأصل معنى الفز القطع، ويقال: للخفيف فز أيضا ولذا سمي به ولد البقرة الوحشية ومن موصولة، وقيل إنها استفهامية وهو تكلف بعيد، وقوله: أن تستفزه بيان لمفعوله المقدر بقرينة ما قبله وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيرا له حتى كأنه لا معنى له. قوله: (وصح) وقيل معناه اجمع والباء زائدة كما في تقرآن بالسور، والجلبة بفتحات. قوله: (بأعوانك (يتناول جند الشياطين ومن يتبعه من أهل الفساد كما في الكشاف فلو خص بالأوّل فالظاهر أن الخيل والرجل كناية عن الأعوان والأتباع من غير ملاحظة لكون بعضهم راكبا وبعضهم ماشيا وهذا غير التمثيل الآتي لأنه في المجموع كما سيأتي بيانه، وقد يقال في تفسيره بالأعوان إشارة فا إليه فتأمل. قوله: (والخيل الخيالة (أصل معنى الخيل الأفراس ولا واحد له من لفظه، وقيل إنّ واحده خائل لاختياله في مشيه وقد يطلق على فرسانها وهو مجاز في الأصل والخيالة بفتح الخاء وتشديد الياء ركبان الخيل وأصحابها، وقوله ﷺ يا خيل الله اركبي من بليغ الكلام قاله ﷺ في بعض غزواته،
وقد استنفر أصحابه ﵃ كما وقع في الأحاديث الصحيحة من طرق. قوله: (والرجل اسم جمع للراجل الخ (لا جمع لغلبة وزنه في المفردات والراجل خلاف الفارس، وقوله: ويجوز
стр. 1892
أن يكون تمثيلاً الخ الظاهر، أنه يريد أنه استعارة تمثيلية مركبة استعير فيه المجموع والهيئة للمجموع والهيئة، وهذا لا ينافي أن يكون في الوجه الأوّل تجوزا في المفردات كأن يراد بالصوت الوسوسة أو كناية لأنه ليس على طريق التمثيل المشهور، ومن قال إنه تمثيل من غير أن يلاحظ فيه شيء يشبه الصوت وآخر يشبه الخيل والرجل بخلافه على الوجه الأوّل فإنه لوحظ فيه ذلك لأنه لا تمثيل على الأول لم يصب والذي غزه كلام صاحب الكشف هنا وهو محل بحث، وقوله لتسلطه وفي نسخة لتسليطه بيان لذلك المجموع ووجهه ما ذكره من استئصالهم واهلاكهم أو غلبته وتسخيره لهم والمغوار بالكسر الكثير الغارة وهي الحرب والنهب، وقوله: فاستفزهم من أماكنهم أي أزعجهم. قوله: (وقرأ حفص ورجلك بالكسر) أي بكسر الجيم مع فتح الراء وهو صفة كحذر بمعنى راجل، وقوله: بالضم أي بضم الجيم مع فتح الراء أيضا وقد جاءت ألفاظ من الصفة المشبهة على فعل وفعل كسرا وضما كندس وهو الحاذق الفطن. قوله: (ومعناه وجمعك الرجل الخ) يريد توجيه القراءتين فإنه مفرد، والمناسب للمقام وما عطف عليه الجمعية فأشار إلى أنه مفرد أريد به الجمع أي وأجلب عليهم بجمعك الرجل أي الرجال والرجل مفعول جمعك لأنه مصدر، ومن العجيب أن بعضهم قال إنه مضاف إليه ولم يجعل الكاف في جمعك مانعا للإضافة لجعلها في حكم كلمة واحدة. قوله: (وقرئ ورجالك ورجالك (رجال في الأوّل ككفار جمع كافر والثاني بالكسر كنبال وكلاهما جمع
رجلان وراجل كما في الكشف، وفي بعض نسخ الكشاف رجال بالفتح والتشديد على أن أصله رجالة فحذفت تاؤه تخفيفآ، وقوله: بحملهم على كسبها الخ يعني أنّ المشاركة فيها مجاز عما ذكر وكذا ما بعده وتسميتهم عبد العزى وعبد الحرث بنسبتها إلى غير الله كأنه شركة فيها والاتكال على كرامة الآباء فإنه يعدهم بأنها تنفعهم، وقوله: اعتراض أي بين ما خاطب به الشيطان وان لم يكن بين كلامين متطالبين، ولذا قيل إنه اعتراض بياني. قوله: (وتعظيم الإضافة الخ (يعني أنّ الإضافة هنا للتعظيم فتدل عل تخصيص المضاف إليه بالمخلصين منهيم كما وقع التصريح به في الآية الأخرى ولقرينة كون الله وكيلاً لهم يحميهم عن شز الشيطان فإن من هو كذلك لا يكون إلا عبداً مكرما مخلصا فلا يرد عليه أنه وقع هذا أي تعظيم الإضافة للكل من غير تخصيص في قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٥٣] مع أن الإضافة هناك قرينة على أنّ الإضافة ليست للتعظيم بل للترحم والتقييد في الآية الأخرى وإن وقع من الشيطان فهو مع أنّ الله تعالى قرره أدل دليل على ما ذكر لكون الخصم معترفاً بأن من حماه الله منه عبد مخلص، وقوله: قدرة تفسير لسلطان على أنه مصدر بمعنى التمكن من التسلط بالقدرة وعلى إغوائهم متعلق به. قوله: (يتوكلون عليه في الاستعاذة الخ (يعني المراد بالوكيل الملجأ إليه، وقوله هو الذي يجري إشارة إلى أن الذي خبره بكم لا صفته، وأن الخبر يزجي وأصل معناه يسوق والمراد به يجري هنا، وقوله: إلا متعة التي لا تكون عندكم قيده به لأنه الداعي إلى مثله من السفر غالبا وما تعسر من أسبابه هو سفر البحر. قوله: (ذهب عن خواطركم الخ (يعني اًق المراد بضلالهم غيبتهم عن الفكر لا عن النظر والحس، لأنه معلوم من قولهم ضل عنه كذا إذا نسيه ولا حاجة إلى جعله من ضمل بمعنى ضاع أو غاب وإن كان أصل معناه لغة على ما حققه في الكشف، ومن إن كانت عبارة عن المدعوّين مطلقا فالاستثناء متصل وان كانت عبارة عن آلهتهم فقط فهو منقطع بقرينة قوله فلما نجاكم إلى البر أعرضتم فإنه يدل على أنهم في السزاء كانوا يدعون آلهتهم وحدها كما اختاره في الكشف، وقوله: لكشفه أي لإزالة الضر. قوله: (أو ضل كل من تعبدونه الخ (إغاثتكم إفا بالغين
المعجمة والثاء المثلثة أو بالمهملة والنون وهو ظاهر والضلال على هذا بمعنى الغيبة أو بمعنى عدم الاهتداء إلى طريق الإغاثة والدعوة بمعنى العبادة لا بمعناها الظاهر كما في الوجه الأوّل وعلى هذا الوجه الاستثناء يحتمل الاتصال والانقطاع أيضا بناء على تقييد من واطلاقه وأما ما قيل من أنه لا داعي لجعل الاستثناء منقطعا على هذا كما في الكشاف وحققه
стр. 1893
بأنّ عبادتهم مخصوصة بآلهتهم فيقتضي ذلك كونه منقطعا لا محالة فسد لباب الاحتمال واختصاص العبادة ممنوع كيف وقد قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فهو المعبود الحقيقي عندهم فتأمّل. قوله: (عن التوحيد (هذا على الوجهين وهو على الثاني أظهر فإنه يقتضي اختصاص ما ذكر، وقوله: اتسعتم يعني أنه من العرض مقابل الطول وهو كناية عن التوغل في التوسع في كفران النعم بقرينة ما بعده، ولما كان هذا غير مشهور ذكر بيت ذي الرمّة شاهداً عليه ومعناه أنه لتمكنه في المعالي له عطاء جم، ومكارم عريضة طويلة وهذا استعارة لأنّ الطول والعرض مخصوص بالأجسام وذكر العرض يغني عن الطول في الآية للزومه له، وقوله: كالتعليل للإعراض يعني بمعنييه لكنه على الأوّل يصح أن يكون من الكفر والكفران، وعلى الثاني من الكفران لا غير، ولم يجعله تعليلاً لإعراضهم لأنه غير مخصوص بهم وفيه لطف حيث أعرض عن خطابهم بخصوصهم وذكر أنّ جنس الإنسان مجبول على هذا فلما أعرضوا أعرض الله عنهم. قوله: (الهمزة فيه لإنكار (بمعنى أنه لا ينبغي الأمن وعطف الفاء في مثله على مقدر أحد المذهبين المشهورين فيه والمذهب الآخر أنها مقدمة من تأخير لأصالتها في الصدارة واختار المصنف ﵀ هذا لأنه لا يظهر تسبب الإنكار للأمن على ما قبله لترتبه على النجاة منه كما أشار إليه وقوله فحملكم الخ إشارة إلى أن الفاء تفيد سببيته لما قبله كما تقول: تأهب للشتاء فقد دنا وقته فهو معطوف عليه والجملة معترضة، وقوله فإنّ الخ بيان لوجه الإنكار
وتوطئة لما بعده. قوله: (أن يقلبه (تفسير للخسف، وقوله: وأنتم عليه من قوله بكم على أنها للمصاحبة والجارّ والمجرور حال أي مصحوبا بكم، وقوله: أو يقلبه بسببكم فهي متعلقة بالفعل قيل ولا يلزم من خسفه بسببهم أن يكونوا مهلكين مخسوفا بهم، كما في الأوّل وأجيب بأنّ المعنى جانب البرّ الذي أنتم فيه فيلزم من خسفه هلاكهم ولولا هذا لم يكن في التوعد به فائدة، فقوله فيكم الخ لف ونشر مرتب كذا في الدرّ المصون وفيه جانب البرّ منصوب على الظرفية، وعليه فيجوز كون الباء للتعدية بمعنى بغيبكم فيه كما فسره به في القاموس والأربعة نرسل ونعيدكم، وفنرسل وفنغرقكم، وقوله: وفي ذكر الجانب الخ لأنّ العدول عن البر الأحصر لا بد له من نكتة، وهي ما ذكر فالمراد به طرفه مما يلي البحر وهو الساحل لا ما يشمل جميع جوانبه، وقوله: كما وصلوا أي أوّل وصولهم، وهذه الكاف تسمى كاف المفاجأة والقرآن، وقوله: وان الجوانب الخ على تعميمه وكان الظاهر أو بدل الواو أي ليس جانب من جوانبه وإن بعد عن البحر مانعاً، وعاصما مما يريده والمعقل بكسر القاف الحصن أي المانع والملجأ، وقوله: ترمي بالحصباء وهي الحجارة الصغار وهو عبارة عن شدتها وذكرها إشارة إلى أنهم خافوا إهلاك الريح في البحر فقال إن شاء أهلككم بالريح في البر أيضاً وقوله يحفظكم الخ إشارة إلى أنّ الوكيل هنا الموكل بالأمور الحافظ لها، وقوله: فيه أي بركوب الفلك وليس الضمير للفلك لأنها مؤنثة. قوله: (بخلق دواعي الخ (وهو بيان لسبب العود ولا ينافي كون العود أيضا بخلقه، وفعله كما قيل إنّ الزمخشري قصده بهذا التفسير بناء على أنّ أفعال العباد مخلوقة لهم فلذا خص الخلق بالدواعي فلا اعتراض على المصنف ﵀ لحمله على الصلاج، وقوله: فتركبوه أتى به لقوله فيه، وقوله: لا تمز الخ كناية عن شدتها، وقوله: بسبب إشراككم يعني أن الباء سببية وما مصدرية والكفر إمّا بمعناه المعروف أو بمعنى كفران النعمة وفي نسخة وكفرانكم بالواو والأولى أظهر في التقسيم، وقوله: مطالبا ففعيل بمعنى مفاعل أو تابعا وغريما فهو بمعنى فاعل كما ذكره أهل اللغة، وقوله يتبعنا أي يطالبنا بإنجائهم لانتصاره لهم أو لصرفنا وردنا عما أردناه والثاني قبل الإغراق والأوّل بعده. قوله: (بحسن الصورة الخ (الإشارة والخط معطوفان على النطق والتهدي تفعل من الهداية بمعنى الاهتداء معطوف على
الإفهام والتسلط على ما في الأرض كتسخير الحيوانات والأسباب العلوية كالشمس والقمر والأمطار والمسببات كالسحاب والرياج والعلوية والسفلية راجع إليهما لا لف ونشر ومما يقف الحصر
стр. 1894
استعارة لطيفة. قوله: (ومن ذلك ما ذكره ابن عباس ﵄ قيل عليه أنه ينتقض بالقردة فإنها كذلك فلا يكون هذا كرامة ولا خاصة للإنسان وندفعه بعد القول بأنه بالنظر للأغلب بأنه لكونه من ذوات الأربع يده في حكم الرجل فلا كرامة في أكله بها والأمر في مثله سهل على طرف الأنامل. قوله: (على الدواب والسفن (فهو من حملته على كذا إذا أعطيته ما يركبه ويحمله فالمحمول عليه مقدر بقرينة المقام كما في قولهم حملته إذا جعلت له ما يركبه، وحملا بفتح الحاء وسكون الميم أو المراد حملهم على البر والبحر بجعلهم قازين فيهما بواسطة أو دونها، كما في السباحة في الماء وأصل معنى الحمل فيهما واحد. قوله: (والمستثنى جنس الملاتكة عليهم الصلاة والسلام الخ (المراد بالاستثناء هنا معناه اللغوي وهو الإخراج بما يقتضيه مفهوم تخصيص الكثير بالذكر فإنه يقتضي أن غيرهم لم يفضل عليه وإلا لم يكن للتخصيص وجه والمراد به الملائكة هاهنا إما جنسهم أو الخواص منهم على المذهبين المذكورين في الأصول إذ لم يذهب أحد إلى أنهم الجن أو غيرهم. قوله: (ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس الخ (جواب لسؤال واعتراض على الزمخشري، كغيره ممن قال إق ظاهر الآية يدل على تفضيل الملك على البشر وهو مخالف للمشهور من مذهب أهل السنة فدفعه بأن تفضيل جنس على جنس آخر لا يقتضي تفضيل كل فرد منه على كل فرد من الآخر، فالمراد بالجنس في كلامه الاستغراق أي اللازم من النظم عدم تفضيل جنس البشر بمعنى: كل فرد فرد منه على جنس الملك إذ بني آدم عام وليست إضافته للعهد فكذا ضميره أو على الخواص منهم فلا ينافي ذلك تفضيل بعض أفراد البشر على كل الملك أو على بعضه على المذهبين في المسألة، ثم المسألة مختلف فيها بين أهل السنة فمنهم من ذهب إلى تفضيل الملائكة عليهم الصلاة والسلام مطلقا ونقل عن ابن عباس ﵄ واختاره الزجاج ومنهم من فصل فقال الرسل من البشر أفضل مطلقا ثم الرسل من الملائكة على من سواهم من البشر والملائكة ثم عموم الملائكة على عموم البثر وعليه أكثر الحنفية والأشعرية ومنهم من عمم تفضيل الكمل من نوع الإنسان نبيا كان أو وليا ومنهم من فضل الكروبين من الملائكة مطلقاً ثم الرسل
من البشر ثم الكمل منهم ثم عموم البشر على عموم الملائكة واليه ذهب الرازي والغزالي. قوله: (والمسألة موضع نظر (مراده ما ذكره في الكشف من أنّ هذه المسألة لا تستند إلى دليل قطعي ولا يخلو دليل من أدلتها عن الطعن، ولذا لم يضلل أحد من أصحاب الأقوال فيها ولم ينسب إلى بدعة لعدم إخلاله بتعظيم الفريقين، فمن قال معنى كونها موضعنظر أنه مختلف فيها لم يأت بشيء. قوله: (وقد أوّل الكثير بالكل (كما أنّ القليل يكون بمعنى العدم وفيه تعسف لأنه لم يرد في القرآن ولا في كلام الفصحاء بهذا المعنى وعلى تسليمه لا فائدة لذكره حينئذ كذا قيل لكن المصنف تبع في هذا الزمخشري مع أنه قيل إنه فسر الاكثر في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا﴾ بالجميع فكأنه أراد أنه تعسف هنا لأن من التبعيضية تنادي على خلافه وكونها بيانية خلاف الظاهر وإذا كان التفضيل في الغلبة والاستيلاء لا يكون دليلا على المذعي لأنّ التفضيل المختلف فيه كونهم أقرب منزلة عند الله وأكثر ثوابا. قوله: (نصب بإضمار الخ (على أنه مفعول به لأنه من الظروف المتصرّفة لا على الظرفية كما في الوجه الآتي بعده فهو يخالفه من وجهين ولم يجعله معمولاً ليظلمون المذكور مع أن التقدير خلاف الظاهر لأن الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وإلا لما دل عليه يقرؤون لأنهم لا يقرؤون كتابهم حين الدعوة فلا وجه لتعلقه به ولأن نفي الظلم يومئذ أهتم من إثبات القراءة فيه إن سلم صحته، وفيه أعاريب أخر مفصلة في الدر المصون، وقوله: يدعو أي بالياء أي الله أو الملك ويدعى مجهولاً. قوله: (ويدعو على قلب الألف واوا) أي بضم الياء وفتح العين بعدها واو وهي منقولة عن الحسن ﵀ ولما كان الظاهر حينئذ يدعون بإثبات النون التي هي علامة الرفع خرجوها على وجهين، الأوّل: ما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله على قلب الألف واوا الخ يعني ليست الواو ضمير الجمع حتى يرد ما ذكر بل هي منقلبة من الألف وأصله يدعي كما في القراءة الأخرى فجيء به كذا على لغة من يقلب الألف في الآخر واواً فيقول في أفعى وهي
стр. 1895
الحية أفعو لكن هذه تكون في الوقف وهذه في الوصل، أما إجراء له مجرى الوقف وأما لأنها لا تختص به كما نقل عن سيبويه، والثاني: ما أشار إليه بقوله أو على أن الواو الخ يعني أن الواو ليست ضميراً بل حرف أتى به علامة للجمع وليست فاعلا بل الفاعل كل أناس وحينئذ ليس حذف النون شاذا على حد قوله:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي ٠..
لقلة المبالاة بها كما سيأتي ولا يجوز أن يقال إنه للضرورة لوقوعه في هذه القراءة وفي الحديث لا تؤمنوا حتى تحابوا فكيف يقال إنه من ضرورة الشعر فتأمّل، ولا وجه لما أورد على
هذا من أنه إما أن يقول إنها بدل من الألف فيرجع لما قبله أو زائدة فيلزم حذت لام الفعل من غير سبب لاختيار الثاني وأنها حذفت لسبب وهو التقاء الساكنين الواو التي هي لام حذفت ضمتها للاستثقال والواو التي هي علامة الجمع، وقوله أو ضميره فهي فاعلة وكل بدل كل منه بخلافه على الأوّل. قوله: (والنون محذوفة لقلة المبالاة بها (ظاهره أنه جار على الوجهين وأن النون لما كانت علامة إعراب عوملت معاملة حركته في إظهارها تارة وتقديرها أخرى وخالف الزمخشري في جعل هذا توجيها له على كونها علامة إعراب لأن النون إنما تلزم وتكون علامة إعراب بعد ضمير الجمع لا بعد علامته فإنه لا يجب فيه ذلك ورفعه حينئذ بحركات مقدرة كما في يدعي المفرد لأنه مفرد مثله، وأما على الوجه الثاني: فحذفها مخصوص بالضرورة فلا تقل المبالاة بها هنا وقد رذه صاحب التقريب بأنها علامة رفع فيهما من غير فرق بينهما وهو الحق ومن قال إن قوله والنون محذوفة الخ على أن تكون الواو ضميراً، وإلا فعلى كونها علامة جمع لا يقال النون محذوفة إذ الكلمة مفردة ألحقت بها علامة الجمع والرفع تقديري فهو مقدر كما في يدعي والنون غير مقدرة إذ لا موجب للحذف هنا كما في البيت السابق الذي حذفت فيه النون ضرورة فقد خبط خبطا عجيبا، ومن أمثلة كونها علامة يتعاقبون فيكم ملائكة ورفعه بالنون بلا خلاف ومنه تعلم أن الإعراب بالحروف يكون ملفوظاً ومقدراً، فلا حاجة إلى تصويره بمسلميئ الجمع المضاف للياء. قوله: (من نبتي الخ (يعني المراد كل متبع عاقلا أو لا، وعلى الوجه الآخر المراد به كتاب الأعمال فقط، وقوله التي قدموها صفة أعمالهم توجيه لإطلاق الإمام عليه، وقوله تنقطع علقة الأنساب الخ يعني على هذا التفسير وما قبله لأنه لا يدعي بابن فلان وإنما ينادي يا صاحب هذا الكتاب الفلاني أو الدين الفلاني أو أتباع فلان. قوله: (بالقوي (كالعصب والعصبية فيقال: يا أصحاب العصبية والجاهلية ولأتباعهم لها جعلت إماماً ولا يخفى بعده ولذا مرضه. قوله: (وقيل بأمّهاتهم جمع أمّ الخ (ضعفه لأن المعروف في جمع أم أقهات ولما في تعليله من الدخل مع ما فيه كما ستراه، وقوله: والحكمة في ذلك أي في النداء بالأمّهات نحو يا ابن فلانة أما تعظيم المسيح ﷺ للإشارة بأنه لا أب له وأنه روج الله ولو نودي الناس بآبائهم ونودي بأمه لربما يشعر ذلك بنقص وكذا تعظيم الحسن والحسين رضي
الله عنهما ببيان نسبهما من رسول الله ﷺ ولو نسبا إلى أبيهما لم يفهم هذا لا لأن أتهما ﵂ أفضل من عليّ ﵁ أو سترا على خلقه حتى لا يفتضح أولاد الزنا فإنه لو نودي الناس بآبائهم ونودوا هم بأمّهاتهم علم أنهم لا نسبة لهم إلى آباء يدعون بهم وفيه تشهير لهم ولو نودوا بآباء لم يعرفوا بهم في الدنيا ولم ينسبوا لهم شرعا كان كذلك، فما قيل إنّ رعاية حق عيسى ﵊ في امتيازه بالدعاء بالأم كرامة له ﵊ لا غض فيه ليجبر بجعل الناس أسوة له في الانتساب إلى الأمّهات وإظهار شرت السبطين ﵄ بدون ذلك أتم، فإن أباهما خير من أمّهما ﵄ مع أنّ أهل العباء كالحلقة المفرغة، وأما أولاد الزنا فلا فضيحة إلا لأنهاتهم وهي حاصلة دير غيرهم أو لم يدع مع أنهم لا ذنب لهم يترتب عليه الافتضاح ظاهر السقوط بما قرّرناه، وقوله: كالحلقة المفرغة جواب تسليمي، أي عليئ ﵁ لكونه أحد الخلفاء الأربعة الذين ظاهر كلام أهل السنة أنهم أفضل من غيرهم من الصحابة مطلقا أفضل ولو سلم فلكل منهما أفضلية وشرف من جهة، ككون فاطمة ﵂ بضعة من
следующие страницы →